بِسمِ اللَّهِ الرَّحَمنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الرحمنِ الذي له الأسماءُ الحسنى، الرحيمِ الذي نزَّل الفرقان شفاءً وهدًى لمن اهتدَى.
روى أبيُّ بن كعب عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورةَ بني إسرائيل فرقَّ قلبُه عند ذكر الوالدَين كان له قنطارٌ في الجنة، والقنطار ألفُ أوقيَّةٍ ومئتا أوقية (^٢)، الأوقيةُ خيرٌ من الدنيا وما فيها" (^٣).
وسورةُ بني إسرائيل مكيةٌ، وهي مئةٌ وإحدى عشرةَ آيةً، وقيل: عشرُ آيات، الاختلاف في قوله: ﴿لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] (^٤).
وهي ألفٌ وخمسُ مئةٍ وستٌّ وخمسون كلمةً، وستةُ آلافٍ وأربعُ مئة وتسعةٌ وعشرون حرفًا (^٥).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "سورة بني إسرائيل".
(٢) "ومئتا أوقية": ليست في (أ)، وقد اختلفت الروايات في إثباتها وعدمه. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٢٩٦).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٦/ ١٧٣ - ١٧٤)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. وانظر: "الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٤) آية ﴿لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ عدَّها الكوفي ولم يعدَّها الباقون. انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٧٧).
(٥) وقال الداني في المصدر السابق: (كلمها ألف وخمس مئة وثلاث وثلاثون كلمة، وحروفها ستَّة =
[ ٩ / ٣٥٩ ]
وانتظامُ أول هذه السورة بآخر (^١) تلك السورة: أنَّ في آخر تلك السورة الأمرَ بالصبر، وفي أول هذه ثمرةَ الصبر، صَبَر في اللَّه صبرًا جميلًا فأُعطي ليلةَ المعراج عطاءً جزيلًا.
وانتظام تلك السورة بهذه السورة: أن تلك السورة في بيان آيات (^٢) وحدانية اللَّه تعالى، وبيانِ نعمه، وفي أكثر (^٣) آياتها محاجَّةُ المشركين، وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] تضمينُ جميع الأوامر والنواهي، وفي هذه السورة ذُكر في الآية الأولى إراءةُ الآيات، وفيها بيانُ كمال القدرة وتمامِ النعمة، وبعدها آياتٌ جامعةٌ لجميع (^٤) الأوامر والنواهي، وفي بقيَّتها (^٥) محاجَّةُ المشركين ووعيدُهم ووعدُ المؤمنين.
ذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن التوراة كلَّها في خمسَ عشرةَ آيةً من (بني إسرائيل)، ثم قرأ: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآيات (^٦).
* * *
(١) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
_________________
(١) = آلاف وأربع مئة وستُّون حرفًا). فأنقص من عدد الكلمات ثلاثًا وعشرين، وزاد في عدد الحروف واحدًا وثلاثين.
(٢) في (أ): "بختم".
(٣) "آيات": ليست في (أ).
(٤) في (ر) و(ف): "وبيان نعمته وأكثر".
(٥) في (أ): "جميع"، وفي (ر): "بجميع".
(٦) في (ف): "نفسها".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٣٨).
[ ٩ / ٣٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾: روى طلحةُ بن عبيد اللَّه قال: سألتُ رسول اللَّه -ﷺ- عن تفسير ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (^١) قال: "تنزيهُ اللَّه عن كلِّ سوءٍ" (^٢).
قال الفرَّاء: هو نصبٌ على المصدر (^٣)، وهو على معنى الأمر؛ أي: نزِّهوا اللَّه وبرِّئوه من قول المشركين.
و﴿أَسْرَى﴾؛ أي: سار بالليل، وفيه لغتان: سرى (^٤) وأسرى، وهو لازمٌ، وها هنا متعدٍّ بالباء التي في قوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾، وهو محمدٌ المصطفى -ﷺ-.
﴿لَيْلًا﴾: ظرف؛ أي: بالليل.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: هو الذي يحيط بالكعبة، وأراد به هاهنا جميعَ الحرم، فقد رُوي أنه أُسري به من بيتِ أمِّ هانئ (^٥)، وهو في مكةَ خارجَ المسجد الحرام عينِه،
_________________
(١) في (أ): "اللَّه" بدل: " ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ".
(٢) رواه مرفوعًا متصلًا البزار في "مسنده" (٣٠٨٢ - كشف الأستار)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٢٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٢٨) من طريق موسى بن طلحة عن النبي -ﷺ- مرسلًا، والمرفوع ضعيف الإسناد، وقد أورده الدارقطني في "العلل" (٤/ ٢٠٨) موصولًا ومرسلًا، وقال: المرسل أصح.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٠٥)، قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ٥٧].
(٤) في (ر) و(ف): "سار".
(٥) رواه الطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٤٣٢) من حديث أم هانئ ﵂. لكن ليس الإسراء بالنبي -ﷺ- من بيت أم هانئ مما اتفقت عليه الروايات، فقد وقع فيها اختلاف في ذلك، وجاء في "صحيح البخاري" (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة: "بينما أنا نائم في الحطيم -وربما قال: في الحِجْرِ- مضطَجِعًا إذ أَتاني آتٍ. . . "، وعند البخاري أيضًا (٣٢٠٧) من حديثه أيضًا: "بَيْنَا أنَا عند =
[ ٩ / ٣٦١ ]
وعلى هذا قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] هو على جميع الحرم، وكذا قوله: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾: وهو مسجد بيت المقدس؛ لأنَّه أبعدُ مسجد في الأرض يعظَّم بالزيارة له وشدِّ (^١) الرحال إليه، وليس وراءه في تلك الجهة متعبَّدٌ مثلُه، قال -ﷺ-: "لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدي هذا، والمسجد الأقصى، والمسجد الحرام" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: أخبر عن نفسه بعد ما ذكر الفعلَ على وجه المغايَبة بقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، وهو أحدُ أقسام التوسُّع (^٣) في الكلام.
والبركة: دُرور الخير وثبوتُه؛ لأن ما بَرَك (^٤) ثبت، وهو يكون دينيًّا ودنيويًّا، قال تعالى في صفة عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مريم: ٣١] وهذا دينيٌّ، وقال
_________________
(١) = البيت بينَ النَّائم واليقظان. . . "، وكذأ رواه مسلم (١٦٤). وفيهما من حديث أبي ذر ﵁: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل"، وفي غير الصحيحين روايات أُخر، وقد أورد الروايات بذلك الحافظ في "الفتح" (٧/ ٢٠٤) محاولًا الجمع بينها لأنها كما قال: لم تتعدد لأن القصة متحدة لاتحاد مخرجها، قال: وقد تقدم في أول بدء الخلق بلفظ: "بينا أنا عند البيت" وهو أعم، ووقع في رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة"، وفي رواية الواقدي بأسانيده أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانئ عند الطبراني أنه بات في بيتها قال: ففقدتُه من الليل فقال: "إن جبريل أتاني. . . "، والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه.
(٢) في (أ): "ويشد".
(٣) رواه البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (ر) و(ف): "التوسعة".
(٥) في (أ): "بورك".
[ ٩ / ٣٦٢ ]
تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وهذا دنيويٌّ، والبركةُ حول المسجد الأقصى بهما جميعًا، فإنه مستقرُّ الأنبياء والأولياء، وفيه قبورُ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وفيه كثرةُ الماء والأشجار والأطعمة والثمار.
وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾: أي: أَسْرينا به لإراءةِ الآيات، وهي: البُراقُ، وقطعُ المسافة البعيدة في المدة اليسيرة، وسيَرُ الأنبياء، وعجائبُ الملَكوت.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: لمقالات المصدِّقين والمكذِّبين بحديث المعراج ﴿الْبَصِيرُ﴾ بجزاء كلٍّ على وَفْق عمله.
وحديثُ الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- إلى المسجد الأقصى في ليلةٍ ثابتٌ بنصِّ الكتاب، والعروجُ به إلى السماء في تلك الليلة إلى حيث شاء اللَّه كذلك، وفيه أحاديثُ كثيرة صحيحة، وقد قبلها أهل السنَّة والجماعة، وردَّها المعتزلةُ خذَلهم اللَّه، وممن رواه (^١): أبو بكر الصديق ﵁، وعمر الفاروق ﵁، وعثمان ذو النورين، وعليٌّ المرتضَى، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن مسعود، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدريُّ، وما لك بن صَعْصَعة، وعِمران بن الحُصين، وعبد اللَّه بن عمر، وأبو سلمة، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري، والعباس بن عبد المطلب، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وأبو سلمى راعي رسولِ اللَّه -ﷺ-، وأمُّ كلثوم بنتُ رسول اللَّه -ﷺ-، وبلالٌ الحبشي، وأبو أمامة الباهليُّ، وأسامة بن زيد، وعياض، وعبد الرحمن بن عائش (^٢)، وأبو الدرداء، وعائشة، وأم هانئ بنت أبي طالب، وأبو ذر الغفاري،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وممن روى ذلك ورواه".
(٢) في (ر): "وعياض بن عبد الرحمن بن عابس"، وفي (ف): "وعياض وعبد الرحمن بن عابس"، والمثبت من (أ)، وعبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته كما في "الكاشف" للذهبي (١/ ٦٣٢) =
[ ٩ / ٣٦٣ ]
وبلال بن سعد، وأبو حَيَّةَ الأنصاري، وأبيُّ بن كعب، وغيرهم، منهم مَن ساق الحديثَ كلَّه، ومنهم مَن روى شيئًا منه (^١)، وقد جمعنا أحاديثَهم في كتابٍ أفردناه له وأَمْليناه على أهل العلم، ومَن أنكر هذا فهو منكِرٌ إمَّا (^٢) قدرةَ اللَّه تعالى، أو فضلَ النبيِّ -ﷺ-، وكلُّ ذلك باطل.
وقال مقاتل: كانت ليلةُ الإسراء قبل الهجرة بسنةٍ، وكان رسول اللَّه -ﷺ- تلك الليلةَ نائمًا في دارِ أمِّ هانئ بنت أبي طالبٍ وزوجِها هبيرةَ بن أبي المغيرةِ (^٣) المخزوميِّ، فلما أصبح قال لها: "ألَا أُخبركِ بالعجَب؟ " قالت: بلى! قال: "صلَّيتُ هاهنا صلاةَ العشاء والفجر وذهبتُ فيما بينهما إلى بيت المقدس، ومَثَل لي النبيون فصلَّيتُ بهم" (^٤)، فلما أراد أن يخرج تشبَّثت أمُّ هانئ بثوبه فقالت له: ما وراءك؟ فإني أخشى أن يكذِّبك قومُك، قال: "وإنْ كذَّبوني"، فسألتْه أمُّ هانئ عن كيفية خروجه، فقال: "أتاني جبريل ومعه ميكائيلُ بالبراق، وهي دابةٌ دون البغل وفوق
_________________
(١) = وغيره، ولم أجد له حديثًا في الإسراء. أما عبد الرحمن بن عابس فهو ليس من الصحابة، وإنما يروي عن أبيه عابس بن ربيعة، وهو -أي: عابس- تابعي كبير كما قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٥٣)، ولم أقف على حديث له في الإسراء أيضًا.
(٢) وقد جمع الحافظ ابن كثير في أول الإسراء ما روي فيه من أحاديث، وساقها أحسن سياقة فلتراجع فيه.
(٣) "إمَّا" ليس من (ف).
(٤) في (أ): "وهب".
(٥) إلى هنا رواه بنحوه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٤٠٢)، ومن طريقه الطبري في "التفسير" (١٤/ ٤١٤)، عن الكلبي عن أبي صالح عن أم هانئ، والكلبي ومقاتل متروكان، وقد وقع في متن هذا الخبر نكارة نبه عليها الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٨/ ١٣٧)، وهي أنه صلى العشاء الآخرة والصبح معهم وإنما فرضت الصلاة ليلة المعراج.
[ ٩ / ٣٦٤ ]
الحمار، ووجهُها كوجه الإنسان، وذنَبها كذنب البقرة، وحافرُها كظلفِ البقر، خَطْوُها مدُّ البصر، فركِبْتُها فإنْ همصتُ بها سارت، وإن هممتُ بها طارت، فدخلتُ مسجدَ بيت المقدس فإذا النبيون بها" ثم أتى المسجدَ الحرام وفيه صناديد قريش فقال: "ألَا أخبرُكم بالعجَب؟ " قالوا: بلى! قال: "صلَّيتُ صلاة العشاء والفجرِ هاهنا، وذهبت فيما بينهما إلى بيت المقدس"، وقصَّ عليهم القصةَ، فقال مُطْعِم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: واحرباه (^١) من هذا الكذَّاب، إنَّ عِيرَنا لتخرجُ من مكة إلى بيت المقدس في أربعين يومًا بشقِّ النَّفْس، وقد خرجْتَ إليها في ساعةٍ؟! أشهد أنك كذاب، ثم أَخبر بذلك أبا بكر الصديق ﵁، فأتاه فسأله وقال له: ماذا لقيتَ على يمينك حين دخلتَ بيتَ المقدس وعلى يسارك؟ وسأله عن الصخرة، فأجابه فصدَّقه فسمِّي الصدِّيق (^٢).
وفيما كتبناه في الأمالي مسندًا عن ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "قلتُ: يا جبريل، يكذَّبني (^٣) قريش، فقال لي جبريل: فإن أبا بكر الصدِّيقَ هو يصدِّقُك"، فذهبتْ إليه قريش فقالت له: يا أبا بكر! قال صديقُك: إنه أُسري به إلى السماء في ليلةٍ واحدة! قال: صَدَق صَدِيقي، أُصَدِّقه بوحي السماء في (^٤) مسيرةِ خمسِ مئة عام يأتيه في ساعة، أفلا أصدِّقه بأنه أُسري به؟! فبلغ ذلك رسولَ اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) في (أ): "واحربي".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥١٦ - ٥١٨) وقد وقع عند المؤلف تقديم وتأخير في بعض المواضع، ومن ذلك أن الصدِّيق صدَّق النبي -ﷺ- بمجرد سماعه بالقصة وقبل أن يستفسر أو يسأل، وهذا هو المعروف عن الصدِّيق، ولذلك سمي بذلك.
(٣) في (ر): "كذبني".
(٤) فى (ر) و(ف): "على".
[ ٩ / ٣٦٥ ]
ومعه جبريل ﵇ فقال: صَدَق أبو بكر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "سرَّني واللَّه قولُه"، فقال له جبريل ﵇: سمِّه الصدِّيقَ، فلذلك سُمي الصديق (^١).
قال نجم الدين (^٢): وأنا أقول في ذلك:
لا يَجْحَدُ المعراجَ بعد نُصوصه إلَّا عنيدٌ (^٣) كافرٌ زنديقُ
ومُصدِّقٌ أهلُ الهدى وإمامُهم بالحقِّ في تصديقه الصِّدِّيق
وتمام القصة نقلناه (^٤) بطرقه في كتاب وسميناه بـ: "كتاب ما ورد من الأخبار في ذكر معراج النبي المختار وفوائدِه ولطائفه" في مجالسَ جمعناها وتكلَّمنا بها في مجالس الوعظ في تمام شهر.
وقال القشيري: لمَّا أراد الحقُّ سبحانه أن يعرِّف العبادَ ما خَصَّ به رسولَه (^٥) ليلةَ المعراج من علوِّ ما رقَّاه إليه ولقَّاه إياه، أزال الأعجوبة بقوله: (أسرى به) ونفَى عن نبيِّه خطر الإعجاب بقوله: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ لأن مَن عرف الإلهية -وهي استحقاقُ كمالِ العز- لا يَتعجَّب منه أن يفعلَ ما يفعلُ، ومَن عرف عبوديةَ نفسه وأنه لا يملك شيئًا من أمره لا يُعجب بحاله، فأَوجبت الآية شيئين: نفيَ الإعجاب مِن وصفِ رسول اللَّه -ﷺ-، ونفي التعجُّب من فعلِ اللَّه.
وقال: جعل المعراجَ بالليل على غفلةٍ من الراقب وغيبةٍ من الأجانب، ومن غير
_________________
(١) رواه بنحوه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢١٣ - ٢١٥) من حديث ابن عباس وعائشة وأم سلمة وأم هانئ وغيرهم دخل حديث بعضهم في حديث بعض.
(٢) "نجم الدين": من (أ).
(٣) في (ر): "عتيد".
(٤) في (أ): "نقله"، وفي (ر) و(ف): "نقلًا"، والصواب المثبت.
(٥) في (أ): "رسول اللَّه".
[ ٩ / ٣٦٦ ]
ميعادٍ سبَق ولا استعدادٍ تَقدَّم؛ لكونه مرضيًّا بغير تصنُّعٍ، وهذه غايةُ حال المحبوب، وكان مجيءُ موسى للميقات بعد أربعين ليلة ليتصنَّع لذلك (^١).
وقال: ولمَّا خُص بقيام الليل بقوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] أُكرم بالمعراج خصوصًا بالليل.
وقال: أرسله بالحق إلى أهل الأرض ليَتعلَّموا منه العبادة، ثم رقَّاه إلى (^٢) السماء ليتعلَّم الملائكة منه آداب العبادة، قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] ما طمعَ في مقام، ولا نظرَ إلى إكرام، بل تجرَّد (^٣) عن كلِّ طلبٍ وأَرَب.
وقال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] أراه في تلك الليلة ما عرَف به [صلوات اللَّه عليه] أنه ليس [أحدٌ] من الخلائق مثلَه -ﷺ- في علوِّ حالته وجلالِ رتبته (^٤).
* * *
(٢) - ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: وجعلنا موسى، ويحتمِل الكتابَ هاديًا؛ أي: دليلًا وداعيًا إلى الحق والصواب؛ أي: أعطينا موسى الكتاب حين جاء لميقاتنا وأسرينا بمحمد وأريناه آياتنا.
_________________
(١) في (ر): "ليصطنع كذلك"، وفي (ف): "ليتصنع كذلك"، وليست العبارة في "اللطائف".
(٢) بعدها في (ف): "أهل".
(٣) في (ر) و(ف): "تحرز".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٩ / ٣٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾: قرأ أبو عمرٍو بياء المغايَبة، ويرجع إلى بني إسرائيل، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة (^١)؛ أي: قلنا لهم في التوراة ذلك؛ أي: لا (^٢) تتَّخذوا من دوني أحدًا وليًّا تتكلون عليه في أنْ يخلِّصكم من العذاب ويقومَ بأموركم ويراعيَ مصالحكم، وهذه صفاتُ الوكيل في معاملات الناس، وهو إبطالٌ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وليشفعوا لنا.
* * *
(٣) - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: أي: يا ذريةَ مَن حملنا وهم الأولاد، و﴿حَمَلْنَا﴾؛ أي: في السفينة وهم مؤمنو قومه، وبنو إسرائيل من نسلِ سام بن نوح.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: أي: كثيرَ الشكر على نَعمائي مطيعًا لي، يقول: لا تتَّخذوا من دوني وليًّا يا ذرية مؤمني قومِ نوح ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ لي ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾؛ أي (^٣): فكونوا لي كذلك ولا تخالفوه.
رُوي: أنه كان لا يأكلُ ولا يشربُ ولا يلبسُ إلا قال: الحمد للَّه.
والشكر: مقابَلةُ النعمة بالثناء على المنعِم والطاعةِ له في أمره ونهيه، وهو عامٌّ للنِّعَم كلِّها صغيرِها وكبيرِها، قولًا وعملًا وعَقْدًا.
وقال مجاهد: ﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: كان يحمدُ ربَّه قائمًا وقاعدًا، ومتَّكئًا ومستلقيًا، وراكبًا وماشيًا (^٤).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٧٨)، و"التيسير" (ص: ١٣٩).
(٢) في (ر) و(ف): "ألا" بدل: "أي لا".
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "كثير الشكر لي على نعمائي مطيعًا لي أي"، وفيه تكرار لا لزوم له.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٥٣).
[ ٩ / ٣٦٨ ]
(٤) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾: أي: أعلمناهم في التوراة، كما قال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وأصله: الإحكام والإتمام؛ أي: أعلمناهم إعلامًا محكَمًا متمَّمًا.
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: لتُفسدَنَّ أخلافُكم، وفي قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]؛ أي: وإذ قتل أسلافُكم.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في البلاد التي تسكنونها من بيت المقدس وما يُضاف إليها من الشام، وفي قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]؛ أي: في البلاد التي يجري سلطانُه عليها وعلى أهلها (^١)، وفي قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]؛ أي: البلادَ التي يسكنها المشركون.
وهذا الإفساد هو العصيان، وارتكابُ (^٢) المحظورِ من الدماء والأموال.
﴿مَرَّتَيْنِ﴾: أي: دفعتين في زمانين مختلفين.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: هو غلبةُ المفسدين على المصلِحين إفراطًا مجاوِزًا للقَدْر، عظيمًا في الذِّكر، والعلوُّ لغةً: هو الغلبةُ بحقٍّ كان أو باطلٍ.
* * *
(٥) - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "سلطانه على أهلها".
(٢) في (ف): "وهو ارتكاب".
[ ٩ / ٣٦٩ ]
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾: أي: الوقتُ المعلوم (^١) الموعود لأُولَى المرتين من الإفساد والعلوِّ وما أَوْعَدْنا عليه من العذاب.
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾: أي: سلَّطْنا عليكم ﴿عِبَادًا لَنَا﴾: خلقًا (^٢) يجري لنا عليهم سلطان (^٣) العبودية، ولا يتمكَّنون إلا بتمكيننا.
وقوله تعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أي: علماءَ بالقتال صابرين عليه، والبأس: هو الحرب والقتال، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨].
قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: أي: أَفسدوا، وقيل: وَطِئوا، وقيل: تخلَّلوا، وقيل: طافوا، وقيل: هو الاستقصاء في الطلب، وقيل: هو التردُّد بالذهاب والمجيء للاستقصاء في طلب الشيء.
ومعناه: يستولون عليكم، وإذا انهزمْتُم اتَّبعوكم ودخلوا بلادكم بالسيوف، ويدخلون البيوت فيقتلون مَن يجدون، ويأخذون ما يجدون، وهو أشدُّ ما يكون من استيلاء الأعداء.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: أي: كان ذلك موعودًا من اللَّه كائنًا لوقتٍ معلوم عند اللَّه يفعله فيه، وهو (^٤) مصدر بمعنى المفعول.
* * *
(٦) - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
_________________
(١) "المعلوم": ليست في (أ).
(٢) "خلقًا": ليست في (أ).
(٣) في (أ) و(ف): "بسلطان".
(٤) في (ر): "فهو".
[ ٩ / ٣٧٠ ]
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ثم جعلنا لمن بقي منكم لم يُقتل الدولةَ عليهم.
﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: أي: زدناكم أموالًا وأعطيناكم أولادًا.
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: أي: أعوانًا وأنصارًا من أهل زمانكم تَنفرون في قتال عدوِّكم، والنفير: جمع نافرٍ، كالغَزِيِّ جمع غازٍ، والحَجيج جمع حاجٍّ (^١).
وقيل: جمعُ النافر: النَّفْر بالسكون، ثم النَّفيرُ جمع الجمع، كما يُجمع الراكب: ركبًا، وكما يجمع العبدُ عبيدًا.
وقيل: النَّفير واحدٌ، ولكنه ذُكر في موضع التفسير فصلحَ الواحدُ عبارةً عن الجمع (^٢)، كما يقال: عشرون درهمًا، و: هو أكثرُ الناس مالًا ودرهمًا ودينارًا.
* * *
(٧) - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: أن أخلَصْتُم الشكر للَّه على نعمه بالطاعة له في أوامره ونواهيه كان نفعُ ذلك راجعًا إليكم بنَيلكم المزيد.
﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: أي: إن أسأتُم بكفران النعمة كان ضررُ ذلك راجعًا إليكم بزوال النعمة ونزولِ العقوبة، وبوقوع الذِّلة والمسكنة، واللامُ للاستحقاق كما قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٣٤].
_________________
(١) في (أ): "كالغزي والحجيج جمع غاز وحاج".
(٢) في (ر) و(ف): "يصلح عبارة الواحد عن الجميع".
[ ٩ / ٣٧١ ]
وقيل: معناه: فإليها؛ أي: فقد أسأتُم إليها، وهو كقوله: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها.
وقيل: هو بمعنى (على)، والحروف تتناوب.
ثم قيل: إن قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ يحتمِل أنه في التوراة خطابًا لهم، ويحتمِل أنه خطابٌ مبتدأ في عصر النبيِّ -ﷺ- لمن كان من (^١) أخلافهم في عصره، ويحتمِل أنه خطاب للمشركين أنهم لو أَحسنوا فلأنفسهم أَحسنوا، وإن أساؤوا فعلى أنفسهم فعلوا.
وقوله (^٢) تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: أي: وقتُ المرة الآخرة بالعَود إلى الإفساد بعد زمان، وأضمر هاهنا: بعثنا (^٣) عليكم.
ثم قوله تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ليسوء﴾ بياءِ المغايَبة على الواحد؛ أي: ليسوء لقاؤهم وجوهَكم، أو (^٤): ليسوء بعثُنا وجوهكم.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ على الجمع؛ أي: ليسوء هؤلاء وجوهَكم.
وقرأ الكسائي: ﴿لنسوء﴾ بالنون إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه (^٥)؛ أي: نحن نفعلُ ذلك.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "في".
(٢) في (أ): "وهو قوله".
(٣) في (أ) و(ف): "بعثناهم".
(٤) في (أ): "أي"، وفي (ر) و(ف): "و"، والصواب المثبت.
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٣٧٨)، و"التيسير" (ص: ١٣٩).
[ ٩ / ٣٧٢ ]
ويَسوء بمعنى: يَحْزُن، ومعناه: أن لقاءهم لا يسرُّهم بل يَحزُنهم، وخَصَّ الوجوه لأن أثره يظهر في الوجوه.
وقيل: أي: ليقتلوكم، فتسوءَ الوجوه وتقبُحَ بعد زوال الحياة عن الأجسام.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾: أي: المسجد الأقصى، ولا يدخلونه إلا بعد دخول البلد، فمعناه: أنهم يستولون على بلدكم.
﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا﴾: أي: وليُهلِكوا (^١) ﴿مَا عَلَوْا﴾ مفعولٌ (^٢)؛ أي: ما عَلَوه وظفروا به.
وقيل: ﴿مَا﴾ غايةٌ؛ ومعناه (^٣): ما داموا عالين مستولين، ومعنى ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾؛ أي: وليُهْلكوكم.
﴿تَتْبِيرًا﴾: أي: إهلاكًا، والتتار: الهلاك، وذُكر المصدر للتأكيد.
* * *
(٨) - ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾: بإرسال محمد إليكم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى الإفساد بتكذيب محمد ﵊ ﴿عُدْنَا﴾ إلى تعذيبكم في الدنيا، وهو بأيدي العرب بنحو ما أريناكم في المرتين.
﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: لكم ولأمثالكم ﴿حَصِيرًا﴾؛ أي: مَحْبسًا لمن مات منكم مصرًّا على كفره.
_________________
(١) "أي: وليهلكوا": ليست في (أ).
(٢) "مفعول" ليست في (ف).
(٣) في (ر): "أي".
[ ٩ / ٣٧٣ ]
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الحصير: المَحْبس (^١)، والحَصْر: الحبس، ويقال للمَلِك: حصير؛ لأنَّه محجوب فكأنه محبوس بالحجاب.
وقال الحسن: ﴿حَصِيرًا﴾؛ أي: مهادًا (^٢)، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] يَذهب به إلى (^٣) الحصيرِ المرمول.
واللامات في قوله: ﴿لِيَسُوءُوا. . . وَلِيَدْخُلُوا. . . وَلِيُتَبِّرُوا﴾ لاماتُ العاقبة؛ لأن تخريب المسجد ما لا يجوز إباحتُه.
ثم الخطابات في هذه الآية يرجع بعضها إلى الأسلاف وبعضها إلى الأخلاف؛ لأنه قصصُ قرونٍ بعد قرون.
وقال ابن عباس وقتادة: سلَّط اللَّه عليهم في الكرَّة الأولى جالوتَ، ثم أرسل اللَّه إليهم حين أحسنوا داودَ ﵇ فقَتَل جالوت، وكان ملكُهم طالوت (^٤).
وقال سعيد بن المسيب: هو بختنصَّر (^٥).
وقال سعيد بن جبير: هو سنحاريب (^٦).
وقال الحسن: هم العمالقة، وكانوا كفارًا (^٧).
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٠٧ - ٥٠٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٠٨).
(٣) في (ر) و(ف): "إلى أن".
(٤) ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٢٩).
(٥) ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٢٩). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٨٩ - ٤٩٠) عن ابن عباس وقتادة.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٨٥)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٢٩).
(٧) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٢٩).
[ ٩ / ٣٧٤ ]
فأما حديثُ بختنصر: فقتل علماءهم، وأحرق التوراة، وخرَّب المسجد، وألقى فيه الجيَف، وسبى سبعين ألفًا، وذهب بهم إلى بابل فكانوا بها سبعين سنةً، ثم أنقذهم (^١) اللَّه على يدي أنطيانوس (^٢) الرومي، ثم عادوا إلى الفساد وقتلوا زكريا ويحيى ﵉، فانتقم اللَّه منهم بألمقياس (^٣) أتاهم فقتل منهم مئة وثمانين ألفًا على دم يحيى بن زكريا، وخرَّب بيت المقدس، وقتل العلماء، وأحرق التوراة، وألقى في المسجد الجيَف، وكانت خرابًا إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁ فعمَّرها المسلمون.
وقيل: اللَّه بعث عليهم في الكرَّة الأولى جالوتَ وفي الثانية بختنصَّرَ.
وقيل: كان في المرة الأولى بختنصَّرُ وجنودُه، وفي الثانية كردوسُ المجوسيُّ وجنوده، وهي كانت أعظمَ الوقعتين، وهو قول محمد بن إسحاق (^٤).
وفي إنجيل النصارى: أن الملك الذي كان عليهم في بيت المقدس حين بعث عيسى ﵇ كردوس المجوسي.
وقيل في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾؛ أي: فلها العقوبةُ، وقيل: فلها الوعيد، وقيل: فلها الجزاء، وقيل: فلها التوبة، وقيل: فلها الرجاء، وقيل: فلها المهلة إلى أن تتوبَ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "استنقذهم".
(٢) في (ر): "أيطانوس"، وفي (ف): (أنطايوس).
(٣) قوله: "بألمقياس" كذا في النسخ، ووقع اللفظ عينه في "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٢٢)، لكن فيه أن المذكور هو الذي أنقذهم، وهذا لفظه: (ثم إن اللَّه ﷿ استنقذهم على يدي ألمقياس فردهم إلى بيت المقدس فعمروه، ورد اللَّه ﷿ إليهم ألفتهم. . . فعادوا إلى الكفر وقتلوا يحيى بن زكريا فسلط اللَّه عليهم ططس بن أستاتوس الرومي، ويقال: اصطفانوس فقتل على دم يحيى بن زكريا مئة ألف وثمانين ألفًا. . .).
(٤) رواه مطولًا الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٩٩).
[ ٩ / ٣٧٥ ]
وقال الحسين بن الفضل: أي: فلها ربٌّ يغفر لها، قال النبيُّ -ﷺ-: "إن العبد إذا أذنبَ فقال: ربِّ اغفر لي، قال اللَّه تعالى: عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرتُ له" (^١).
وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ قال: وإنْ عدتُم إلى المعصية عُدنا إلى المغفرة (^٢).
وقيل على هذا: إن عُدتُم إلى الدعوى عُدنا إلى الإجابة، وإن عُدتُم إلى السؤال عُدنا إلى النَّوال، وإن عُدتُم إلى المعذرة عدنا إلى المغفرة، وإن عُدتُم إلى التنصُّل عُدنا إلى التفضُّل، وإن عُدتُم إلى الاعتراف عدنا إلى غفران الاقتراف.
وقال القشيري: إن عدتُم إلى ما يليق بكم عُدْنا إلى ما يليق بكرَمنا (^٣): ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤].
وكأنه خطر على قلب العاصي أنه إذا غُفر للعصاة فمَن يكون في جهنم؟ فقال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ والجنةَ للمؤمنين مصيرًا.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٧٥٠٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: ". . . أَعَلِمَ عبدي. . . ".
(٢) لم أقف عليه، ولعل الصواب: (إلى العقوبة)، كما هو لفظه في "تفسير الثعلبي" (٦/ ٨٦)، وكذا يفهم مما رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦) عنه، ولفظه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ قال: (عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد. قال: فسلَّط اللَّه عليهم ثلاثة ملوك من ملوك فارس: سندبادان وشهربادان وآخر)، وفي رواية ثانية: (فعادوا فسلَّط اللَّه عليهم المؤمنين). ونحوه في "النكت والعيون" (٣/ ٢٣١): (إن عدتم إلى الإساءة عدنا إلى الانتقام، فعادوا، قال ابن عباس وقتادة: فبعث اللَّه عليهم المؤمنين يذلونهم بالجزية والمحاربة إلى يوم القيامة).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٣٧).
[ ٩ / ٣٧٦ ]
(٩) - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾: أي: يُرشد إلى الملة التي هي أقومُ المللِ، وهي (^١) القيِّم، وهي (^٢) المستقيم، وهي ملةُ الإسلام.
﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾: أي: تقع به لهم البشارة بالثواب العظيم.
* * *
(١٠) - ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: وينذرَ أن الكفار لهم العذاب الأليم، وقد يُذكر فعلٌ واحد وبعده مفعولان، والثاني يُضمر له فعلٌ آخر، كما قال: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]؛ أي: وادعوا شركاءكم، وكما أنشدوا:
علَفْتُها تبنًا وماء باردًا (^٣)
أي: وسقيتُها ماءً باردًا.
وقد (^٤) تقع البشارةُ عليها، فقد دكرت البشارة في حق العذاب في قوله:
_________________
(١) في (ر): "وهو" وكلمة: "الملل" ليست في (ف).
(٢) في (ر): "وهو".
(٣) صدر بيت أنشده الفراء لبعض بني دُبَير -قبيلة من أسد- يصف فرسه. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٤)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٨)، و"خزانة الأدب" للبغدادي (١/ ٤٩٩). وعجزه: حَتَّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناهَا
(٤) في (أ): "وقيل".
[ ٩ / ٣٧٧ ]
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] على معنى أنه يؤثِّر في البشرة أيضًا بالحزن والخوف كما يؤثِّر الخبرُ السارُّ بالسرور في البشرة، أو لأنه (^١) قائمٌ في حقِّ الكفار مقامَ البشارة في حقِّ المؤمنين.
وقيل: معناه: وبشر المؤمنين أيضًا بأن أعداءهم الكفار أعَدَّ اللَّه لهم عذابًا أليمًا.
* * *
(١١) - ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾: أي: الكفارُ يُعرضون عن قبول هذا القرآن الذي مرَّ ذكرُه ولا يصدِّقون بالعذاب الأليم الذي ينذر به، ويستعجلون هذا العذاب فيقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، و: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢).
و﴿الْإِنْسَانُ﴾ جنسٌ، والمراد به الناس، وهم المشركون هاهنا، يَدْعون بالعذاب وهو الشرُّ.
﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾؛ أي: كما يدعو بالسلامة والعافية والنعمة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾: أي: عادتُه في أصل تركيبه العجلةُ وتركُ التثبُّتِ والإعراضُ عن التدبُّر.
وقال ابن عباس ﵄ وقتادة ومجاهد: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده عند غضبه: اللهم الْعَنْه واغْضَبْ عليه، اللهم أَهْلكني وأَرِحني (^٣).
_________________
(١) في (ف): "والبشر" بدل: "في البشرة أو لأنه".
(٢) وردت هذه الآية في سبع سور: يونس (٤٨)، الأنبياء (٣٨)، النمل (٧١)، السجدة (٢٨)، سبأ (٢٩)، يس (٤٨)، الملك (٢٥).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥١٢ - ٥١٣).
[ ٩ / ٣٧٨ ]
وقال ابن عباس ﵁: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾: هو آدم ﵇ لمَّا نُفخ فيه الروحُ وبلغت إلى رجليه وقبل أن تجري فيهما رام النهوض فسقط (^١).
* * *
(١٢) - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾: ذَكر بعد ذمِّ المشركين آيةً من آيات وحدانيته حجةً على المشركين، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾؛ أي: خلقنا (^٢) الليل والنهار علامتين؛ للتعيُّش والاضطراب لتحصيل الأقوات التي بها قِوامُ الأبدان، والاستراحةِ من التعب الذي يقع بهذا الاضطراب؛ إذ لا قوام للأبدان إلا بلجام (^٣)، فخالَفْنا بين الآيتين فجعلنا الآيةَ التي هي الليلُ ممحوَّةً؛ أي: عديمةَ النُّور، فإن القمر لا نور له في نفسه وإنما يأخذه من الشمس، والآيةَ التي هي النهارُ مبصرةً؛ أي: مضيئة.
وقيل: أي: أهلَه بُصَراءَ فيه، كما يقال: رجلٌ مُخْبِثٌ (^٤)؛ أي: أهلُه (^٥) خبثاءُ، و: رجلٌ مُضْعِفٌ؛ أي: دوابُّه ضعفاءُ، وكذا قوله: ﴿وَالنَّهَارِ مُبْصِرًا﴾؛ أي: أصحابَه بصراءَ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥١٤).
(٢) في (أ): "جعلنا".
(٣) في (ف): "بخلافهما".
(٤) في (ف): "خبيث".
(٥) في (ر): "أصحابه". وانظر: "تفسير الطبري" (١٤/ ٥١٧)، والتمثيل فيه بلفظ: (رجلٌ مُجْبِنٌ: إذا كان أهلُه وأصحابُه جُبناء).
[ ٩ / ٣٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: بالنهار، ولتستريحوا بالليل، ولم يذكره هاهنا وذكره في آية أخرى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]؛ أي: رِزْقِه، وسمَّاه فضلًا لأن ما يُعطيه اللَّه العبدَ فضلٌ، ولا يجب للعبد على اللَّه شيء، وهو حجَّتنا على المعتزلة في مسألة وجوب الأصلح.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾: بانفصالِ الليل من النهار، فيُعرف به حساب الساعات والأيام والشهور، وباجتماعها تصير سنةٌ، ثم يجتمع عددُ السنين في التواريخ فيعرف بها أزمنةُ الحوادث، والحسابُ لِمَا دون السنة والعددُ للسنين المجتمعة.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾: أي: مما بهم الحاجة إليه.
وقوله تعالى: ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: أي: بينَّاه تبيينًا، والمصدر للتأكيد؛ أي: هو حقٌّ يَلزم العمل به.
ثم (^١) قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ يدلُّ على أن أنفسهما آيةٌ، ثم قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أضاف الآيةَ (^٢) إلى الليل وإلى النهار، وهي إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: نفسُ الشيء، وعينُ الشيء.
ومحوُ الليل: إخلاؤه عن النور، وإبصار النهار: ضياؤه.
وقيل: بل آيةُ الليل غيرُ الليل، وهي القمرُ (^٣)، ومحوُه: أنه لا ثورَ له في نفسه،
_________________
(١) "ثم": سقط من (أ).
(٢) في (أ): "الآية" بدل من "الإضافة".
(٣) في (أ): "بل آية الليل هي القمر".
[ ٩ / ٣٨٠ ]
ونورُه من الشمس، وآيةُ النهار غيرُ النهار، وهي الشمس، وإبصارها: نورها الذي (^١) يقع به الإبصار، ﴿مُبْصِرَةً﴾ بمعنى: ذاتَ بصرٍ؛ كقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: ذاتِ رضًى.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: مضيئةً (^٢).
وقال الضحاك: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ يعني: السوادَ الذي في وجه القمر (^٣).
ثم ذكر في الليل والنهار أنهما آيتان، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] فجعَلهما آيةً واحدة (^٤)، فإن الآية كونُ الولد منها بغير أبٍ، وهو معنًى واحدٌ قام بهما (^٥)، وهاهنا الليلُ آيةٌ والنهار آية.
وقيل: إنهما كان يمكنُ رؤيتُهما معًا والاعتبارُ بهما في وقتٍ واحد فكانا آية، والليل والنهار بخلافِ ذلك.
وقيل: معناه: وجعلنا ابن مريم وأمَّه كلَّ واحدٍ منهما آيةً؛ كما قال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: كلُّ واحدة منهما.
* * *
(١٣) - ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.
_________________
(١) في (ف): "أي".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٦/ ٨٧).
(٣) لم أجده عن الضحاك، لكن رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٧٠)، والطبري في "تفسره" (١٤/ ٥١٥)، عن علي ﵁. ورواه الطبري أيضًا (١٤/ ٥١٦)، عن ابن عباس.
(٤) بعدها في (أ): "وقيل هما بجملتهما آية واحدة".
(٥) في (أ): "في وقت واحد فكانا آية".
[ ٩ / ٣٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: واتصالُها بالآية الأولى (^١): أنه فصَّل الأعمال تفصيلًا في اللوح المحفوظ، وألزم كلَّ إنسان عملَه في عنقه؛ أي: قلَّدهم أعمالهم، فذلك قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾؛ أي: عمله في عنقه، وهو عملُه (^٢) في الخير والشر.
وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿طَائِرَهُ﴾ يعني: ما كان من خير وشرٍّ لا يفارقه حتى يحاسَب به (^٣).
وقال الحسن: يعني: يُمْنَه وشُؤمَه، وسعادتَه وشقاوته (^٤).
وأصله: ما يُتطيَّر منه ويُتفاءل به، من الطائر السانح (^٥) البارح، فالذي يجيءُ من ذات اليمين يُتيمن به، والذي يجيء به من ذات الشمال يُتشاءم به.
ثم هو يتوجَّه وجهين: إلزام العمل، وإلزام جزاء العمل.
وقيل: ﴿طَائِرَهُ﴾؛ أي: قَسْمُه، يقال: طيَّرتُ المالَ بين القوم فطار لفلانٍ كذا ولفلانِ كذا، وهو ظهور قَسْمِه.
وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾: أي: ونخرج له الطائرَ،
_________________
(١) في (ف): "واتصالها بالأولى".
(٢) "في عنقه وهو عمله": ليس في (أ) و(ف).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٨٨)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٨٢)، عن الكلبي ومقاتل.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٦/ ٢٩٧) (ط: دار التفسير)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٨٢)، دون قوله: "وسعادته وشقاوته".
(٥) في (ر) و(ف): "السارح"، والمثبت من (أ)، وهو الصواب؛ يقال: من لي بالسانح بعد البارح؛ أي: بالمبارك بعد الشؤم. انظر: "القاموس" (مادة: سنح).
[ ٩ / ٣٨٢ ]
وهو عمَلُه الذي عمِلَه، ويحتمل: بالطائر الذي عمِله كتابًا مكتوبًا (^١)؛ أي: في كتاب ﴿يَلْقَاهُ﴾؛ أي: يراه (^٢).
وقرأ ابن عامر وأبو جعفر (^٣): ﴿يُلقَّاه﴾ بضم الياء وتشديد القاف؛ أي: يُلقِّيه الملَك ذلك منشورًا بعدما كان مطويًّا مختومًا ليقرأه.
* * *
(١٤) - ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾: أي: يقال له: اقرأ كتابك ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾؛ أي: مُحاسِبًا.
وقال الحسن: لقد أنصفكَ مَن جعَلَك حسيبَ نفسِك (^٤).
وقال الإمام القشيري ﵀: أَلزمَ كلَّ أحد (^٥) ما ليس يجدُ له (^٦) من عُهدته خلاصًا، ولا يَنال من لزومه مناصًا، وهو حكمُ السعادة لقومٍ وحكمُ الشقاوة لقومٍ، فالذين هم أهلُ السعادة أسرجَ لهم مراكبَ التوفيق، فتسير بهم إلى ساحات النجاة،
_________________
(١) في (ف): "متلوًا".
(٢) في (ف): "منشورًا" بدل: "أي يراه".
(٣) في (ر) و(ف): "وقرأ أبو جعفر"، وفي (أ): "وقرأ ابن عامر"، والصواب المثبت. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩)، و"النشر" (٢/ ٣٠٦).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٢٣).
(٥) في (ف): "واحد".
(٦) "له": ليست في (أ)، وعبارة مطبوع "اللطائف": (ما لبس بجيده)، وليس فيه ما بعده من قوله: "من عهدته خلاصًا".
[ ٩ / ٣٨٣ ]
والذين هم أهل الشقاوة ربطتهم مثقلةُ الخذلان (^١) فأقعدتهم عن النهوض إلى نهج الخلاص، وأوقعَتْهم في وَهدة الهلاك.
وقيل: مَن حاسبه بكتابه وجد (^٢) كلَّ زلَّةٍ ومَهلكةٍ، ومَن حاسبه بكتاب نفسه ففي كتابه (^٣) سبحانه: ﴿الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، فالواجبُ على العبد أن يبتهِل في دعائه فيقول: اللهمَّ حاسبني بكتابك على ما قلتَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لا بكتابي فإنه مشتمِل على القبائح والفضائح (^٤).
* * *
(١٥) - ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾:
قال الإمام أبو منصور ﵀: هو كلُّه تفسير قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ فعمَلُ كلِّ إنسان يكون (^٥) في عنقه، ويكون هو المؤاخَذَ به لا غيرُه، ويؤاخَذُ بعمل نفسه لا بعمل غيره، والوِزر: الحِمْل، ومعناه: لا تحمِلُ كلُّ (^٦) نفسٍ حاملةٍ حِمْلَ نفسٍ أخرى، والآثام: أحمال وأثقال، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ الآية [العنكبوت: ١٣] (^٧).
_________________
(١) في مطبوع "اللطائف": "أركبهم مطية الخذلان"، بدل: "ربطتهم مثقلة الخذلان".
(٢) في (أ) و(ر): "وحده".
(٣) في (ف): "ففي كتاب نفسه".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٤٠)، والكلام فيه بنحوه.
(٥) "يكون": من (أ).
(٦) "كل": من (أ).
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ١٧ - ١٩)، والكلام فيه بنحوه.
[ ٩ / ٣٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل: وما كنَّا معذِّبين تعذيبَ استئصالٍ في الدنيا إلا بعدَ دفع الشُّبهِ ورفعِها عن الحجج مِن كلِّ وجهٍ وبعد تمامها -وإن كانت الحجةُ لزمتْهم بالعقول بدون بعثِ الرسل- ليدفعَ عنهم عذرَهم من كلِّ وجهٍ.
أو يكونُ قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الآخرة ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ في الدنيا فضلًا منَّا ورحمةً، وإن كان العذاب قد لزمهم والحجةُ قد قامت عليهم.
والأشبهُ هو الأول، وعذابُ الاستئصال في الدنيا ليس هو بجزاءٍ على الكفر، بل جزاءُ الكفر عذابُ الآخرة الذي لا ينقطع، وإنما هو جزاء المعانَدة والمكابَرة عقوبةً لهم وعبرةً لغيرهم، وذلك يكون في المعاندة بعد لزوم الحجة من كلِّ وجه (^١).
* * *
(١٦) - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾: أي: أهل قرية (^٢) ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾؛ أي: أمرنا منعَّميها وجبابرتها بالطاعة.
وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: أي: خرجوا عن (^٣) الأمر وعصَوا، وقرئ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ١٩)، والكلام فيه بنحوه.
(٢) "أي: أهل قرية": ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (أ): "على".
[ ٩ / ٣٨٥ ]
بالتشديد: (أمَّرْنا) (^١)؛ أي: ولَّينا وسلَّطنا (^٢)، من الإمارة.
وقرئ: (آمَرْنا) بالمد (^٣)؛ أي: أكثرنا، وقد أَمِرَ يَأْمَرُ أَمَرًا من باب عَلِمَ (^٤): إذا كَثُر، وآمَرَ غيرَه؛ أي: أَمَره (^٥)؛ إذا: أَكْثَره، يُؤْمِرُه إيمارًا، قال الشاعر:
إنْ يُغْبَطوا يهبطوا وإنْ أَمِروا يومًا يصيروا للقُلِّ والنَّفَدِ (^٦)
وقوله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: أي: وجب عليها الوعيد ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾؛ أي: أهلكناها واستأصلناها.
أَخبر أنه لا يعاجل بالعقوبة أمةً ظالمة حتى يُعذِر إليهم غايةَ الإعذار.
_________________
(١) نسبت لأبي عثمان النهدي، ورويت عن أبي عمرو وعاصم في غير المشهور عنهما. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩).
(٢) "وسلطنا" ليست في (أ).
(٣) نسبت لخارجة عن نافع. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩).
(٤) لو قال: "من باب فرح" كما في "القاموس" لكان أصوب، لأن (فرح) يوافقه في الماضي والحاضر والمصدر.
(٥) "أي: أَمرَه" ليست في (أ). وقوله: "أَمرَه"، جعله بعضهم بفتح الميم على أنه مما يصير به الفعل متعدِّيًا بعد أن كان بالكسر لازمًا، كما في شَتِرَتْ عينُ الرَّجل بكسر التَّاء، وشَتَرها اللَّه بفتحها، وآخرون لم يقصروا التعدية على الفتح واللزومَ على الكسر، فذكروا أن كسر الميم لغةٌ كفتحها، ومعناها: كثرنا، حكى أبو حاتم عن أبي زيد: أمَر اللَّه مالَه وأمِره -بفتح الميم وكسرها-؛ أي: كثَّره. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١١٩)، و"معاني القرآن" للنحاس (٤/ ١٣٣)، و"البحر" (١٤/ ٤١) وفيه تفصيل المسألة.
(٦) في (ف): "للقل والنقل"، وفي (ر): "للقلة والثقل". والبيت للبيد، وهو في ديوانه (ص: ٣٤) برواية: (للهُلْك والنَّكدِ)، و"مجاز القرآن" (١/ ٣٧٣) برواية: (للهلك والنفد)، و"غريب الحديث" للحربي (١/ ٨٨) كرواية المؤلف.
[ ٩ / ٣٨٦ ]
(١٧) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾: أي: وما أكثرَ ما أهلكنا من القرون، وهو جمع قرنٍ.
وقال محمد بن القاسم المازني: هو مئة سنةٍ (^١).
وقال عبد اللَّه بنُ أبي أوفى: هو مئةٌ وعشرون سنةً (^٢).
وقيل: هو أربعون سنة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾:
قال القشيري ﵀: هذه تسليةٌ للمظلومين إذا استبطَؤوا هلاك الظَّلَمة، وتمنَّوا قَصْرَ أيديهم عنهم، فاستعجلوا (^٣) انقضاءَ دُولهم وأيامهم، فإذا فكَّر (^٤) فيمَن مضى منهم كيف بنَوا مَشيدًا، وأمَّلوا بعيدًا، فبادوا جميعًا، يَعلم أن الآخرين سيُخرطون (^٥) عن قريب في سِلكهم، ويُمتحَنون بمثل شأنهم، فإذا تغيَّمت سماء أُنسهم بسحابِ الوحشة، فأَوَوا إلى ظلِّ شهودِ التقدير، فتزول عنهم الوحشةُ، وتَطيب لهم الحياةُ، وتتوفَّر أسباب البهجة (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٣٤) من طريق سلامة بن حواس، عن محمد بن القاسم، عن عبد اللَّه ابن بسر المازني، قال: وضع النبيّ -ﷺ- يده على رأسه وقال: "سَيَعيِشُ هذَا الغُلام قَرْنًا" قلت: كم القرن؟ قال: مِئَةُ سَنَةٍ. ثم روى عقبه عن محمد بن القاسم، قال: ما زلنا نعدّ له حتى تمَّت مئة سنة ثم مات.
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٣٦)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٨٤).
(٣) في (أ). "أو استعجلوا".
(٤) في (أ): "أفكر". وفي "اللطائف": (فكروا)، وهو الأنسب بالسياق.
(٥) في (ف): "سيدخلون"، وفي "اللطائف": (سينخرطون).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٣٤).
[ ٩ / ٣٨٧ ]
(١٨) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾: أي: مَن كان يريد بعمله الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا﴾: في العاجلة ﴿مَا نَشَاءُ﴾ تعجيلَه ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ تعجيلَه له، لا ما يشاؤه العامل وما يريده العامل (^١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾: يدخلُها ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾: مطرودًا.
* * *
(١٩) - ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾: أي: ثواب الآخرة بعمله ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾: عَمِلَ عَمَل الآخرة من أداء الفرائض وأجتنابِ المحارم ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: مصدِّقٌ للَّهِ في وعده ووعيده ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾؛ أي: مقبولًا عند اللَّه، مَرْضيًّا محمودًا، مُثابًا عليه الكثيرَ الخطيرَ على اليسير الحقير من العمل.
* * *
(٢٠) - ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُلًّا﴾: من هذين الفريقين ﴿نُمِدُّ﴾: نعطي ونوسِّع ﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾: ترجمةٌ عن قوله: ﴿كُلًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾: رجوعٌ عن الإخبار عن نفسه إلى الخطاب، وهو من وجوه الكلام.
_________________
(١) في (ر): "العاجل" في الموضعين.
[ ٩ / ٣٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾: ممنوعًا عن عباده.
* * *
(٢١) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: في السعة (^١) في الدنيا ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾: أشد تفاوتًا، وتفضيلُها أكبرُ قَدْرًا (^٢) من التفضيل الواقع في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ نزلت في ثلاثة نفرٍ من ثقيف: مَرْثدِ (^٣) بن ثُمامة، وأبي فاطمةَ بنِ البَخْتَريِّ، وجَدْعان، كانوا حراصًا على الدنيا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ نزلت في بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق ﵁، ومِهْجَع بن عبد اللَّه مولى عمر بن الخطاب ﵁ (^٥).
وقال القشيري ﵀: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: مصدِّقٌ بأن نجاته بفضلِ اللَّه لا بسعي نفسِه.
_________________
(١) في (أ): "الرزق".
(٢) في (ف): "وتفضلها أكثر فضلًا".
(٣) في (أ) (ف): "فرقد" وانظر التعليق الآتي.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٢٦) وفيه: (نزلت في ثلاثة نفر من ثقيف؛ في فرقد بن يمامة، وأبي فاطمة بن البختري، وصفوان، وفلان، وفلان). وانظر: "تنوير المقباس" (ص: ٢٣٥)، واقتصر على قوله: (نزلت هذه الآية في مرْثَد بن ثُمامة).
(٥) قوله: "ومهجع بن عبد اللَّه مولى عمر بن الخطاب ﵁" ليس في (ف)، ولم يرد في "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٢٦). لكنه ذكره في أول العنكبوت على أنه أول شهيد للمسلمين يوم بدر، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ الآية.
[ ٩ / ٣٨٩ ]
وقال في قوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾: قومٌ تفاضلوا بصدق القدم، وقومٌ تفاضلوا بعلوِّ الهِمم، ومنهم مَن يتفاضل بما لا بيانَ يصفه ولا عبارة، ولا رمز يدركه ولا إشارة، ومنهم مَن يراه في الأسبوع مرةً، ومنهم مَن لا يغيب عنه لحظة، وقد يجتمعون عند الرؤية ثم يتفاوتون في النصيب، فليس كلُّ مَن يراه يراه بالعين التي يَرى بها صاحبُه، وأنشدوا:
لو يَسمعون كما سمعتُ كلامَها خرُّوا لعزَّةَ رُكَّعًا وسجودًا (^١)
* * *
(٢٢) - ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أي: جرِّد التوحيد فلا تعتقِدْ مَن يَستحق العبادةَ غيرَه.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ﴾: أي: فتبقى وتمكُثَ ﴿مَذْمُومًا﴾ بكلِّ لسان ﴿مَخْذُولًا﴾: هوكولًا إلى مَن اتَّخذْتَه من دون (^٢) اللَّه معبودًا لا نصيرَ عنده ولا عون.
والخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به (^٣) غيره.
وهذه الآيات متصلةٌ بعضُها ببعضٍ، وأولها: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾؛ أي: عملَه من الخير والشر، ثم ذكر تفاصيلَ ذلك وتفاوتَ الفرق فيها، وذكر تفاوتَ الناس في الدنيا في الأعمال وتفاوتَهم في الآخرة في المحالّ، وذلك على حسب الأفعال، ثم فصَّل تلك الأعمال وبدأ بالتوحيد وهو في هذه الآية، ثم أتبعها خصال الإسلام الحسنةَ وما يضادُّها من الأعمال السيئة.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣).
(٢) في (ر): "غير"، وفي (ف): "من غير" بدل: "من دون".
(٣) "به" من (ف).
[ ٩ / ٣٩٠ ]
(٢٣) - ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: قال ابن عباس وقتادةُ وابن زيد: وأمر ربُّك (^١). وأصل القضاء: فصلُ المعنيِّ بالأمرِ على أحكام (^٢).
وفي مصحف عبد اللَّه: (ووصَّى ربُّك) (^٣).
و﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ نصبٌ لوقوع (قضى) عليه، و(لا تعبدوا) نهيٌ.
ولمَّا أمر اللَّه تعالى بالتوحيد وقدَّمه لأن به تُقبل الأعمال، أَتْبعه بالإحسان إلى الوالدين وهو أعظمُ حقوق البشر، ثم أمر بعد ذلك بصلةِ الرَّحِم ومواساةِ المحاويج بالمقدار المعقول في الإنفاق المحمود، ثم نهى عن قتل الأولاد وهو من صلة الرَّحِم، ثم أَتْبعه النهيَ عن الزنا وفيه حفظُ الأنساب ليتوصل بذلك إلى صلة الأرحام؛ إذ في الزنا اختلاطُ الأرحام (^٤) والجهلُ بوجوه القَرابات، ثم النهيَ عن قتل النفس المحرَّمة بغير حقٍّ إذ لا ذنب بعد ذلك إلا الشركُ أعظمُ منه، ثم النهيَ عن تضييع مال اليتيم وإفسادِه، ثم الوفاء بالعهود، ثم إيفاء الكيل والوزن (^٥) بالقسط، ثم حفظ السمع والبصر والفؤاد عن خلاف الحق، ثم الأمر بالتواضع وتركِ التكبُّر والتعظُّم والمرحِ على الناس، كلُّ ذلك مَسُوقٌ على قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، ولا
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٤٢ - ٥٤٣). وعن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٥٣).
(٢) في (ف): "الإحكام".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٢٠)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٧/ ٢٣٢٣)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٤٤٧).
(٤) في (أ): "الأنساب".
(٥) في (ف): "والميزان".
[ ٩ / ٣٩١ ]
شك أن مَن استوفى هذه الخلالَ (^١) فقد يَمُنَ طائره وسُعِد جدُّه، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾؛ أي: أَحْكَم ربُّك الأمرَ (^٢) لعباده وبتَّ (^٣) القولَ عليهم فيما تعبَّدهم به أن يُفْردوه بالعبادة فلا يشركوا به أحدًا غيرَه.
قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: أي: وأن تُحْسِنوا بالوالدين؛ أي: إلى الوالدين، كما قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠].
وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾: (إمَّا) كلمتان: (إنْ) للشرط (^٤) و(ما) للصلة، والنون للتأكيد، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ على التثنية؛ لسبقِ ذكر الوالدين في صدر الآية، وعلى هذا قولُه: ﴿أَحَدُهُمَا﴾ بدلُ البعض؛ كقولك: جاءني القوم بعضُهم، أو هو تفصيل، فقد قال: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾.
وقرأ الباقون على الوحدان لأنه فعلُ قولهِ: ﴿أَحَدُهُمَا﴾ في ظاهر النظم، وعُطف عليه ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾ (^٥).
يقول: إنْ بلغ عندك الكبرَ الذي هو أرذلُ العمر وهما حينئذٍ في الحاجة إلى مَن يكفيهِما ويقومُ بمصالحهما كالولد في صِغَره حين حاجتِه إليهما، فلا تَستثقِلْ أن تليَ منهما ما كانا يليانه منك، ولا تُظهر لهما شيئًا من التكرُّه والتضجُّر قولًا ولا فعلًا، وهو قوله تعالى:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾: وفيها ستُّ لغاتٍ: الحركاتُ الثلاث بتنوينٍ وغيرِ تنوينٍ:
_________________
(١) في (أ): "الخصال".
(٢) في (ف): "حكم ربك الأمر" وفي (ر): "حكم ربك بالأمر".
(٣) في (أ): "وثبت".
(٤) في (ف): "الشرطية".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٣٧٩)، و"التيسير" (ص: ١٣٩)، وقراءة يعقوب في "النشر" (٢/ ٣٠٦).
[ ٩ / ٣٩٢ ]
أمَّا الكسرُ فعلى أصل الحركة لالتقاء الساكنين، والفتح طلبًا للخفَّة في المضاعَف، والضمُّ تشبيهًا بـ (حيث) لأنه يوقف عليه من غير وصل بغيره (^١)، وهو كقولك: قبلُ وبعدُ.
والتنوين للتنكير، وتركُه للتعريف.
وفيه ثلاث قراءات:
﴿أُفِّ﴾ بكسر الفاء من غير تنوينٍ، وهي قراءةُ أبي عمرو والكسائيِّ، وعاصم في رواية أبي بكر وحمَّادٍ.
والثانية: ﴿أُفَّ﴾ بفتح الفاء من غير تنوين، وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، وسهلٍ، ويعقوبَ، وعاصمٍ في رواية المفضَّل (^٢).
والثالثة: ﴿أُفٍّ﴾ بالكسر والتنوين، وهي قراءةُ نافعٍ وعاصمٍ في روايةِ حفصٍ (^٣).
وهي كلمةٌ تدلُّ على التضجُّر، والعرب تقول: أُفًّا وتُفًّا.
وقيل: الأفُّ: وسخُ الأظفار، والتُّفُّ: ما رفعتَ بيدكَ من حَقيرِ الأرض.
وقيل: معنى (أفّ): النَّتْن. وقيل: التَّبرُّم.
وقيل: الأفُّ ما يكون في المغابن من العَرَق، والتُّفُّ: ما يكون في الأصابع من الوسخ.
_________________
(١) في (ف): "أنه لا يوقف عليه من غير فصل بغيره" بدل: "لأنه يوقف. . . ".
(٢) "وسهل ويعقوب وعاصم في رواية المفضل": سقط من (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٧٩)، و"التيسير" (ص: ١٣٩)، وقراءة يعقوب في "النشر" (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧). وقراءة سهل، وكذا رواية حماد عن عاصم، ورواية المفضل عنه، ليست من المتواتر ولم تَرِد في هذه المصادر.
[ ٩ / ٣٩٣ ]
وقال سعدونٌ المجنون (^١):
أُفٍّ للدنيا وتُفّ.. كلُّ مَن فيها يَلفّ (^٢)
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: النَّهْر والانْتِهار: الزَّجرُ بإغلاظٍ وصياح.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: شريفًا في نفسه، أَعْرِض فيه عن القُبح واللَّغو، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ أي: معرِضين عنه مكرِمين أنفُسَهم عن الإصغاء إليه.
وأصل الكَرَم: الصَّفْح.
وقوله: ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] قيل: شريف.
وقيل: الكريم: الذي يُظهر محاسنَ حبيبه ويُخفي القبائح (^٣)، قال الشاعر:
إنَّ الكريم إذا حبَاكَ مودَّةً سَتَر القبيحَ وأَظهر الإحسانا
وقال الضحاك: هو ألا يُسمِّيَهما بالاسم (^٤)، لكن يقول: يا أبتاه ويا أُمَّاه.
وقال الزهريُّ لسعيد بن المسيِّب: قد عرفتُ ما في القرآن إلا قولَه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ فما هو؟ قال: هو قول العبد المذنبِ للسيد الفظِّ (^٥).
_________________
(١) سعدون الْمَجْنُون، يُقَال: إنّ اسمه سعيد وكنيتَه أبو عَطاء ولقبَه سعدون، من أهل البَصْرة، كان من عقلاء المجانين وحكمائهم، له أخبار مِلاح وكلام سديد ونَظْم ونَثْر يُسْتَحْسَنُ، وطوَّف البلاد ودُوِّنت أخبارُه، استقدمه المتوكَل وسمع كلامه. انظر: "الوافي بالوفيات" (١٥/ ١١٩).
(٢) انظر: "الوافي بالوفيات" (١٨/ ١٥٠)، وعزاهما لابن المنجم الواعظ.
(٣) في (ف): "المقابح".
(٤) في (ر): "باسمهما".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٤٩ و٥٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٣٢٤)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ٢٠٦)، وعندهم جميعًا: أبو الهداج التُّجيبي، مكان: الزهري.
[ ٩ / ٣٩٤ ]
(٢٤) - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: حاصلُه: التواضعُ والعطفُ والرعاية.
وقال عطاءٌ في تفسيره: لا تَرفع إليهما بصرَك، ولا تشدَّ (^١) نظرك (^٢).
ومجازُه: أن الطائر إذا أراد ضمَّ فرخِه إليه خفَض له جناحيه، فكذا قيل للولد: اكفُل والديك وضمَّهما إلى نفسك كما كانا هما (^٣) يفعلان بك في صغرك.
وقيل: إذا نزل الطائرُ إلى ولده المتروك في وكره عن طيرانه خفَض جناحيه ولم يُرفرف بهما لئلا يؤذيَ الولدَ ذلك، فكذا الولدُ أُمر أن يتقدَّم إلى والديه على لِينٍ وتواضُعٍ، لا يأخذهما ولا يرفعهما إذا احتاجا إلى رفعه على قلةِ مراعاةٍ وعلى حَملهما كما يحمل الأحمال، كيلا يَشُقَّ عليهما ولا يؤذيَهما.
وقيل: خفضُ الجناح: ترك الطيران، وبسطُهما: للطيران والتباعُد، فهذا أمرٌ للولد ألا يَبرحَ عن خدمتهما، ولا يَنفِرَ عنهما ولا يتباعَدَ.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: والرحمة تجمعُ كلَّ الخيرات في الدِّين والدنيا إلى أن يُدخل اللَّه المرحومَ الجنة ويَغفر له خطاياه، يقول: يا ربِّ
_________________
(١) في (ر): "وتمد إليهما"، بدل: "ولا تشد"، وسقطت من (ف) مع كلمة "بصرك".
(٢) لم أجده بهذا اللفظ، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٣٢٤)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ٣٠٧)، عن عطاء بن أبي رباح قال: (لا ترفع يدك عليهما)، زاد ابن أبي حاتم: (إذا كلمتَهما). وفي "البسيط" أيضًا: وقال عطاء عن ابن عباس: (لا يريدان منك أمرًا إلا أجبتهما إليه). ولعل هذا الثاني هو الخراساني.
(٣) في (ف): "كما أنهما كانا".
[ ٩ / ٣٩٥ ]
افعَلْ بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسَنَا إليَّ في تربيتهما إياي، والتربيةُ هي التنمية، وهذا من حقوقهما بعد موتهما وهو الدعاءُ لهما (^١).
وقيل: نزلت الآية في سعد بن أبي وقَّاص حين أسلم، وعلمت بذلك أمُّه فتجرَّدت وألقت نفسها في الرمضاء، فأُخبر سعدٌ بذلك، فقال: فلتَمُت، فلم يرضَ اللَّه بذلك وأنزل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وما ضاهاها من الآيات (^٢)، وعلى هذا قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ نسخَها قولُه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣].
* * *
(٢٥) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: قيل: لمَّا نزلت الآيةُ خاف بعضُ الناس ما وقع منهم في حقِّ الأبوين من التقصير على غير قصدٍ، فنزلت.
أي: اللَّهُ عالمٌ بقصدِ قلوبكم، فإن تكونوا صالحين غيرَ قاصدين للعقوق، بل نادمين على ما يقع من غير قصدٍ، راجعين إلى اللَّه، غفر اللَّه تعالى لكم ما قد سلف.
_________________
(١) "وهو الدعاء لهما" ليس من (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٦٣)، عن قتادة في نزول قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]. ورواه مسلم (١٧٤٨)، والطبري (١٨/ ٥٥٢)، من حديث سعد ﵁ في نزول قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٤ - ١٥].
[ ٩ / ٣٩٦ ]
وقيل: هو في حق العاقِّين (^١) إذا تابوا وتداركوا ذلك بالعذر والبِرّ.
وقيل: هو على العموم في حقِّ جميع ما سبق ذكرُه في السورة من الأمر والنهي.
وقال سعيد بن المسيب: الأوَّاب: التوَّاب؛ كلما أذنبَ بادر بالتوبة منه (^٢).
وقال سعيد بن جبير ومجاهد: الأواب: الراجع عن ذنبه بالتوبة (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: الأوَّاب: الرجَّاع إلى اللَّه فيما يَنوبه (^٤).
وقالت عائشة ﵂: الأوَّاب: الذي يُذنبُ ثم يتوبُ، ثم يذنبُ ثم يتوبُ، ثم يذنبُ ثم يتولى (^٥).
وقال سعيد بن جبير: الأوَّاب: المسبِّح (^٦)، قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]؛ أي: سبِّحي.
وقال قتادة: الأوَّاب: المطيع (^٧).
_________________
(١) في (ر): "العارفين"، ولعله تحريف.
(٢) في (ف): "بادر إلى التوبة". والخبر ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٣٩)، ورواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٥٦)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩).
(٣) ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٣٩)، ورواه عنهما بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٦٠ - ٥٦١).
(٤) ذكره عنه الواحدي فى "البسيط" (١٣/ ٣١٠) بلفظ: (الراجعين عن معاصي اللَّه، التاركين لسخط اللَّه، النادمين على الزلَّات).
(٥) "ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتولى": من (أ).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٥٧) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٥٦)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٥٧)، بلفظ: ﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾: للمطيعين المصلين.
[ ٩ / ٣٩٧ ]
(٢٦) - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾: أي: أعطِ ذا القرابة منك -وهو المتَّصل بك بأبيك أو أمِّك- حقَّه الواجب عليك من الصلة (^١) والمواساة.
﴿و﴾ أعطِ ﴿الْمِسْكِينَ﴾ (^٢) أيضًا وهو الفقير ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أيضًا وهو الغريب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: أي: ولا تُسرف إسرافًا، وأصله: التفريق، من إلقاء البذر في الأرض وهو تفريق حبَّاته.
وقال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ﵃: هو إنفاق المال في غير حقِّه (^٣).
وقال مجاهد: لو أنفق مدًّا في باطل كان تبذيرًا (^٤).
وذكرُ المصدرِ لتأكيدِ النهي.
* * *
(٢٧) - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: أي: لم يزل فعلُهم قبيحًا في العقل والشرع، فهم لقبح أعمالهم إخوان الشياطين؛ أي: جارُون على مذهبهم لازمون لأفعالهم، والعرب تسمي الملازِمَ أخًا له، فتقول: أخو المكارم، وأخو الجود، وأخو السفر، إذا كان مواظِبًا عليه ملازمًا له.
_________________
(١) في (أ): "الصدقة".
(٢) في (ف): "والمسكين وإعطاء المسكين" بدل: "وأعط المسكين".
(٣) رواه عن ابن مسعود وابن عباس البخاري في "الأدب المفرد" (٤٤٤) و(٤٤٥)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٦٥ - ٥٦٧). وعن قتادة الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٦٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٦٧ - ٥٦٨).
[ ٩ / ٣٩٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾: أي: كثيرَ الكُفران لنعمه جَحودًا لحقوقه، ودخول (كان) فيه إخبار عن عادته ومذهبه في القِدَم (^١).
وقيل: إخوانُ الشياطين: قرناؤهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] قيل: أي: وقرناءهم (^٢) من الشياطين.
* * *
(٢٨) - ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: أي: وإن عَرَضتْ (^٣) لك حاجةٌ أحوجَتْك إلى الإعراض عن هؤلاء المحتاجين لضِيقِ يدٍ انتظارَ الرزقِ ترجُوه من اللَّه فلا تَدَعْ تعهُّدهم بالقول الجميل، وهو قوله (^٤): ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.
وكان النبي -ﷺ- قبل نزول هذه الآية إذا سُئل ولم يكن عنده ما يعطي سكت انتظارًا للرزق يأتي من اللَّه كراهةَ الردِّ، فنزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال: "يرزقُنا اللَّه وإياكم من فضله" (^٥)، وذلك قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾؛ أي: لا تسكت فيكونَ ذلك إيحاشًا لهم، ولا تُؤْيسهم فيكونَ ذلك إيلامًا لهم.
_________________
(١) في (ف): "القديم".
(٢) في النسخ: "وقرناؤهم"، والصواب المثبت.
(٣) في (أ): "عزمت".
(٤) "وهو قوله": سقط من (أ) و(ف).
(٥) ذكرته كتب التفسير دون سند. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٣٦)، و"التفسير الوسيط" للواحدي (٣/ ١٠٥)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٤٥٠).
[ ٩ / ٣٩٩ ]
(٢٩) - ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: أي: ولا تمنع العطيةَ بمرةٍ منعَ البخيل (^١)، والغَلُّ كنايةٌ عن المنع.
﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: أي: ولا تجاوزِ الحدَّ في الإعطاء ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾؛ أي: فتبقى تلومُك الناس على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿مَحْسُورًا﴾: أي: منقطِعًا عن الطاعة.
* * *
(٣٠) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: اللَّه هو الذي يوسِّع الرزق على مَن يشاء من عباده ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيِّق على ما يعلم من صلاح العبد، لا لعجزٍ ولا لبخل (^٢)، بل قد يعطي ليَمتحِنَ بالشكر وقد يَمنع ليَمتحِن بالصبر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: عالمًا بعباده ومصالحهم، بصيرًا بأحوالهم وأعمالهم.
وقيل: نزل قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ الآيةَ في مهجعٍ وبلالٍ وسالمٍ مولى أبي حذيفةَ وخبَّابِ بن الأرتِّ وصُهيب بن سنان، كانوا يَسألون رسول اللَّه -ﷺ- في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد له متَّسعًا فيُعرض (^٣) عنهم حياءً منهم، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٤).
_________________
(١) في (أ): "عن منع البخيل"، وفي (ر): "بمرة منع البخل"، وفي (ف): "منع البخل"، والصواب المثبت.
(٢) في (ف): "لا كالعجز والبخل"، وفي (ر): "لا للعجز والبخل".
(٣) في (ر) و(ف): "فإن كان لا يجد لها متسعًا أعرض"، بدل: "ولا يجد له متسعًا فيُعرض".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٩٦)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٨٩).
[ ٩ / ٤٠٠ ]
وروى جابر: أن النبيَّ -ﷺ- كان قاعدًا بين أصحابه، إذ أتاه صبيٌّ فقال: يا رسول اللَّه! إنَّ أمي تَستكسيك قميصًا، ولم يكن عند رسول اللَّه -ﷺ- إلا قميصُه، فقال للصبي: "من ساعةٍ إلى ساعةٍ يَظهر"، فعاد الصبي إلى أمه فقالت: قل له: إن أمي تستكسيك القميصَ الذي عليك تتبرَّك به، فدخل النبيُّ -ﷺ- داره ونزع قميصه وقعد عاريًا، فأذَّن بلال للصلاة وأنتظره فلم يخرج، فشُغل قلب الصحابة، فدخل عليه بعضهم فرآه عاريًا فلامه، فنزلت الآية (^١).
* * *
(٣١) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾: يجوز أن يكون هذا مجزومًا على النهي عطفًا على قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾، ويحتمِل أن يكون منصوبًا عطفًا على قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وقتلُ الأولاد (^٢) من أشدِّ العقوق، وقد أمر اللَّه تعالى ببِرِّ الأولاد كما أمر ببرِّ الوالدين، وفي التفسير: الأبرار هم الذين يَبَرُّون الآباء والأبناء.
_________________
(١) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٣٠٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٩٦)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٨٧)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٩٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٦٦٢). قال الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص: ٩٩): (لم أجده). وقال الآلوسي في "روح المعاني" (٢٩/ ١٤): وأنت تعلم أنه يأبى هذا كونُ السورة مكية والآية ليست من المستثنيات، ولعل الخبر لم يثبت فعن ولي الدين العراقي: أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث؛ أي: بهذا اللفظ، وإلا فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: جاء غلام إلى النبي -ﷺ- فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا فقال: "ما عندنا اليوم شيء"، قال: فتقول لك: اكسني قميصك، فخلع ﵊ قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت حاسرًا فنزلت، وأخرج ابن أبي حاتم عن المنهال ابن عمرو نحوه، وليس في شيء منهما حديث أذان بلال وما بعده.
(٢) في (أ): "الوالدين".
[ ٩ / ٤٠١ ]
وإذا (^١) كان ذلك خوفًا من الفقر فهو أشدُّ؛ لِمَا فيه من سوء الظن باللَّه تعالى.
وكان ذلك نهيًا عن وأد (^٢) البنات، وكانوا يفعلونه، قال النبيُّ ﵇: "إن اللَّه كَرِه لكم وَأْدَ البنات وعقوقَ الآباء والأمهات" (^٣).
وذكَر الأولادَ على العموم -مع أن عادتهم كانت في البنات على الخصوص- تعريفًا أن البنات أولادٌ (^٤) كالبنين، وكان وأدُهم البناتِ لخوف الفقر، فإن البنات عاجزات عن التكسُّب (^٥)، وكانوا يتعيَّشون بالغارات، ويأخذون أموال الناس في المحارَبات، والبناتُ عن ذلك عاجزات، وربما لا يَرْغبُ كفءٌ في البنت فيُضطر إلى تزويجها من غير كفءٍ، فيلحقها العار بذلك، فكانوا يئدون البنات تحرُّزًا عن ذلك، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾؛ أي: فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾؛ أي: علينا أرزاق الكلِّ فلا تهتمُّوا لذلك.
وقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ قرأ ابن كثير: ﴿خِطاءً﴾ بكسر الخاء ممدودةً مهموزة، وقرأ ابن عامر في رواية ابن مجاهدٍ عن ابن ذكوان: ﴿خَطَأً﴾ بفتح الخاء والطاء والهمزة من غير مدٍّ، وقرأ الباقون بكسر الخاء وتسكينِ الطاء (^٦).
_________________
(١) في (ف): "وإن".
(٢) في (ف): "قتل".
(٣) رواه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ بلفظ: "إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عليكم عُقُوقَ الأُمَّهاتِ، ومَنْعًا وهاتِ، ووَأْدَ البنات، وكَرِه لكم: قِيلَ وقالَ، وكثرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المال".
(٤) في (ر): "والأولاد".
(٥) في (أ): "الاكتساب"، وفي (ر): "الكسب".
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٣٧٩ - ٣٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٣٩ - ١٤٠).
[ ٩ / ٤٠٢ ]
والخِطْءُ والخَطَأُ مصدر خَطِئَ يَخْطأُ، كالحِذْر والحَذَر، والعِشْق والعَشَق، وقد خَطِئ: أَثِم، وأخطأ: ضدُّ تعمَّد، والخِطْءُ -بالكسر- لا يكون إلا تعمُّدًا، والخطَأُ بالفتح قد يكون عمدًا وقد يكون خطأً.
* * *
(٣٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: والفاحشة: الفعلةُ المتناهيةُ في القبح ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: أي: وما أسوأه وأفسده (^١)، والنهي عن القُربان مبالغةٌ في المنع عنه.
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي: كلُّ نفس عصَمها وحقَن دمَها بالإسلام أو بالعهد فلا تقتلوها ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: إلا بحقٍّ يُوجب قتلها؛ كالقصاص، والرجم بعد الإحصان (^٢)، ونحوِ ذلك، وبيَّن النبيُّ -ﷺ- ذلك فقال: "لا يحلُّ دمُ امرئ مسلمٍ إلا بإحدى معانٍ (^٣) ثلاثة: زنًا بعد إحصان، وكفرٍ بعد إيمان، وقتلِ نفس بغير حق" (^٤).
_________________
(١) في (أ): "وما أسوأه وما أفسده".
(٢) "بعد الإحصان": ليست في (أ) و(ف).
(٣) كلمة: "معاني": ليست في المصادر.
(٤) حديث صحيح: رواه أبو داود (٤٥٠٢) والترمذي (٢١٥٨) والنسائي (٤٠٥٧)، وابن ماجه (٢٥٣٣)، من حديث عثمان ﵁.
[ ٩ / ٤٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾: أي: ولايةَ القصاص، ووليُّه: وارثُه، فإن القصاص موروثٌ بين وارثِيهِ (^١) على السهام.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف، وابن مجاهد والنقَّاش عن ابن ذكوان (^٢) بتاء المخاطبة جزمًا (^٣)، وهو نهي للولي خطابًا، وقرأ الباقون بياء المغايبة جزمًا، وهو نهيُ مغايبةٍ ويرجع إلى الولي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾: قال قتادة: أي: إن الوليَّ منصورٌ باستيفاء القصاص، وعلى الأئمة والمسلمين نصره بإيفاء حقِّه (^٤).
وقال مجاهد: أي: إنَّ المقتول منصورٌ على قاتله، في الدنيا بالقصاص وفي الآخرة بما يجري على قاتله (^٥) من العذاب الشديد (^٦).
_________________
(١) في (أ): "ورثته".
(٢) "وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان": ليست في (أ)، وكلمة: "ابن" ليست في (ف). ولم أقف على ما في هذه العبارة في المصادر. إلا ما جاء في "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٥٣)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٧٢)، من نسبة هذه القراءة لمجاهد بخلاف عنه.
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٠)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٥٣)، عن حمزة والكسائي وابن عامر، و"حجة القراءات" لابن زنجلة (ص: ٤٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"الإقناع في القراءا السبع" لابن الباذش، عن حمزة والكسائي ولم يذكروا ابن عامر، و"المبسوط في القراءات العشر" لأبي بكر النيسابوري (ص: ٢٦٩)، و"النشر" (٢/ ٣٠٧)، عن حمزة والكسائي وخلف. وقال في "البحر المحيط" (١٤/ ٧٢): في نسخة من "تفسير ابن عطية": (وابن عامر، وهو وهم).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٩٨)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٨٨).
(٥) في (ر): "صاحبه".
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٩٨)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٨٨).
[ ٩ / ٤٠٤ ]
ومعنى النهي عن الإسراف فيه: ألا يَقتل وليُّ المقتول غيرَ قاتلِ وليِّه، وكان مِن عادةِ العرب قتلُ غيرِ قاتله، والزيادةُ على ذلك بقتلِ النفوس بنفسٍ واحدة.
وقيل: هو مجاوزةُ الحدِّ الذي جُعل في القصاص؛ من المُثْلة، وقطعِ الأطراف، ونحوِ ذلك.
وقال النبيُّ -ﷺ-: "إذا قتلْتُم فأَحْسِنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتُم فأَحْسِنوا الذِّبحة" (^١)، وعلى هذا قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾؛ أي: القاتل، فإن اللَّه تعالى ينهَى عن قتله بأكثرَ من فعله.
وقيل (^٢): ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ هو نهي القاصد عن القتل؛ أي: لا يَقتل، فإن نَفْس القتل إسرافٌ، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١].
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: بالجهة التي هي أحسنُ؛ أي: أصلحُ وأنفع.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: أي: كمالَ عقله وقوَّته، وهو إذا احتلم أو بلغ بالسنِّ، على ما فسَّرناه في آخر سورة الأنعام.
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٥٥) من حديث شداد بن أوس ﵁.
(٢) فى (أ): "فقوله".
[ ٩ / ٤٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾: أي: بعهد (^١) اللَّه، وهي أوامره ونواهيه، ونذورُ العبد وأيمانُه؛ كما قال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ أي: بعهد اللَّه (^٢)، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾: أي: مطلوبًا؛ كما يقال: سألتُه حقِّي؛ أي: طلبته، ولذلك لم يقل: مسؤولًا عنه.
* * *
(٣٥) - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾: أي: سلِّموا ما استُحِقَّ عليكم كيلًا بكيلٍ تامٍّ.
وقوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: أي: سلِّموا (^٣) ما استُحِقَّ عليكم وزنًا على استقامةٍ، والقسطاس: الميزان صغُر أو كبُر؛ قاله الزجَّاج (^٤).
وقيل: هو القبَّان، وهو قول الحسن (^٥).
وقال مجاهد: هو العدل بالرُّومية (^٦)، وكأنَّ القسط أصل -وهو العدلُ- والباقي مزيدٌ عليه، والمستقيم: المعتدِل.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية حفصٍ بكسر القاف، والباقون بضمِّها (^٧)، وهما لغتان.
_________________
(١) في (أ): "بعهود".
(٢) "أي: بعهد اللَّه" ليست في (أ).
(٣) في (ف): "إذا سلمتم" بدل: "أي: سلموا".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٣٨).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٩١).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٩٢).
(٧) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٠)، و"النشر" (٢/ ٣٠٧).
[ ٩ / ٤٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: قال قتادة: وأحسنُ ثوابًا في العاقبة (^١)، وهو مِن آلَ يَؤولُ، وهو كقوله: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤].
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: في الدنيا، فإنه أمانة، وهو (^٢) يوجب الثناءَ والمحمَدةَ ورغبةَ الناس في معاملته، وهو أنفع من كلِّ كسبٍ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ في الآخرة فقد جمع نفع الدارين.
* * *
(٣٦) - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: قال قتادة: أي (^٣): ولا تقُل: سمعتُ، ولم تسمع، ولا: رأيتُ، ولم تَرَ، ولا: علمتُ، ولم تَعلم (^٤).
وأصلُ القَفْو: اتِّباع الأثر، وكأنه يتَّبع قفا المتقدِّم، والخطاب للنبيِّ -ﷺ- والمرادُ جميع أمته.
وقيل: هو النهيُ عما كان عليه المشركون على التقليد من غير علمٍ، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، وقال: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ [ق: ١٥]، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، وقال: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٦٦)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٩٣).
(٢) "وهو": ليست في (أ).
(٣) في (أ): "يعني".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٩٤).
[ ٩ / ٤٠٧ ]
[القصص: ٥٠]، وقال: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فعلى هذا قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: لا تتبع في الاعتقاد وتقليدِ مَن لا يَلزمُ تقليدُه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: قيل: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾؛ أي: كلُّ العباد ﴿كَانَ عَنْهُ﴾؛ أي: عن قَفْو ما ليس له به علم، وعن استعمال هذه الجوارح فيما استعملها فيه.
وقيل: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾؛ أي: كلُّ هذه الأشياء وهي السمع والبصر والفؤاد ﴿كَانَ﴾؛ أي: كان كلُّ واحد منها ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾؛ أي: عمَّا عمِل صاحبه؛ أي: يُسأل الشهادةَ على ذلك، كما قال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥]، وقال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ الآية [فصلت: ٢٠]، وقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيات [النور: ٢٤].
وقيل: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: عن شكر هذه الأشياء (^١).
وقيل: إن العبد مسؤولٌ عما يَكسبه بسمعه وبصره وقلبه من الأمور؛ إذ للَّه في جميع هذه الجوارح عبادات، حتى لا يجوزُ لهم استعمالها في غيرها، فيُسأل عنها؛ أي: يحاسَب عليها ويجازَى بها.
وقيل: اعتقاد الدِّين يقع بالقلب، والمرءُ مسؤولٌ عنه؛ كما لو أصغى إلى باطل، أو نطق بباطل، أو نظر إلى باطل.
وقيل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ هو نهيٌ عن قذف المحصَنين والمحصَنات، وكانوا يتهاجَون في الأشعار بالقول في الآباء والأمهات، فنُهوا عن ذلك، وهذا يُروى عن مجاهد وعكرمة.
_________________
(١) بعدها في (أ): "وقيل عما امتحن به هذه الأشياء".
[ ٩ / ٤٠٨ ]
وفي الخبر: "مَن قَفَا مسلمًا بما ليس فيه حبَسه اللَّه تعالى في رَدْغة الخَبَال" (^١).
ونفاةُ القياس يتعلَّقون بهذه الآية.
وقلنا: هو طلب العلم بدليله بالأسباب التي جعل اللَّه بها الوصولَ إليه.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ تجوز الإشارة بهذه الكلمة إلى جميع ما لا يَعقل، قال الشاعر:
ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللِّوَى والعيشَ بعد أولئك الأيام (^٢)
* * *
(٣٧) - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: قيل: هو شدة الفرح.
وقيل: هو الخُيَلاء والكِبْر؛ قاله قتادة (^٣).
وقيل: المَرَح البَطَر والأَشَر.
وقيل: هو تجاوزُ الإنسان قَدْرَه مستخِفًّا بالواجب عليه، وقال (^٤) تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، وقال بعده: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، فدلَّ على أنه مشيُ المختال المتكبر.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥٥٤٤) من حديث ابن عمر.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٣٩)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٥٩٦)، و"البحر" (١٤/ ٧٧). والبيت لجرير، وهو في "ديوانه" (٢/ ٩٩٠)، وفيه: (أولئك الأقوام).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٦٧)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٩٨).
(٤) في (ر) و(ف): "قال" بلا واو.
[ ٩ / ٤٠٩ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾: أي: لن تشُقَّ الأرض بشدةِ مشيك؛ أي: لا تقدر على ذلك ولا يتهيَّأ لك ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾: أي: برَفْع رأسك ونصبِ عنقك لن تنال الجبال؛ أي: فليس من أحد إلا وهو يقدر على هذا الضرب من المشي فلا معنى للتكبُّر به (^١)، فالتواضع والقصد في المشي أولى، وقد مدح اللَّه تعالى به عباده فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقيل: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾؛ أي: لن تقطعها طولًا وعرضًا حتى تستوفيَ قطعَها، إنما تمشي بقَدْر قوتك الضعيفة، ولا ترتفع إلى الجبال بذلك، فلا تسرع إسراع المختال، ولا حاجة لك إلى ذلك كلِّه، بل سر على هِينتك بقَدْر حاجتك.
وقيل: لا تمشِ مرحًا تتوهَّم أنك تَطولُ كلَّ جبلٍ فتكونُ عاليًا عليه، وتخرقُ كلَّ أرض فتكونُ خارجًا عنها، بل كيفما اختَلْتَ فأنت محاطٌ بك (^٢) من فوقك وتحتك بشيئين من الجمادات هما خلق اللَّه، وأنت أضعف منهما، والمحاط به مغلوب لأنه كالمحصور، فكأنه قال: تواضَعْ ولا تتكبَّرْ ولا تختَلْ فإنك خلقٌ من خلقِ اللَّه ضعيفٌ محصورٌ بين حجارةٍ وتراب وهؤلاء (^٣) فلا تفعل فعل المقتدِر القوي.
* * *
(٣٨) - ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾: قرأ ابن كثير ونافعٌ وأبو جعفرٍ
_________________
(١) "به": زيادة من (أ).
(٢) "بك": من (أ).
(٣) "وهؤلاء": من (أ).
[ ٩ / ٤١٠ ]
وأبو عمرٍو ويعقوبُ: ﴿سيئةً﴾ منوَّنًا غيرَ مضاف؛ أي: خصالًا سيئةً، ويرجع إلى المنهيَّات، وقال: ﴿كَانَ﴾ ذهابًا إلى قوله: ﴿كُلُّ﴾ لأنه فرد لفظًا، ولذلك قال: ﴿مَكْرُوهًا﴾ على التوحيد والتذكير.
وقرأ الباقون: ﴿سَيِّئُهُ﴾ بالرفع والإضافة إلى السيِّئ منه (^١)؛ لأنَّه سبق ذكر المأمور به والمنهيِّ عنه، فكان القبيح بعضَه لا كلَّه، فكان قوله: ﴿سَيِّئُهُ﴾ اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَكْرُوهًا﴾ خبرًا له.
* * *
(٣٩) - ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾: أي: جميع ما ذكر فيه من القصص والأمر والنهي وآداب الدين هو مما أوحاه اللَّه تعالى إليك على يدِ جبريلَ لم يأتِ به شيطان، كما قال في سورة الشعراء بعد اقتصاصِ كلِّه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٠]، وبيَّن أنه من الحكمة؛ أي: من الأشياء الموضوعة في مواضعها، الموصوفِ معتقِدُها والعاملُ بها بصوابِ الاعتقاد والقول والعمل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أعاد ما بدأ به -وهو قوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] - إعلامًا بعظم محلِّه.
﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾: والملوم: المعنَّفُ على الشيء يفعلُه، والمدحور: المطرود المهان.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: الخيلاءُ والتبختُر والمرح
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٠)، و"النشر" (٢/ ٣٠٧).
[ ٩ / ٤١١ ]
والتكبُّر كلُّ ذلك نتائجُ الغَيبة عن الذكر، والحَجْبة عن شهود الحق، فإن اللَّه تعالى إذا تجلَّى لشيء خشع له، بذلك ورد الخبر (^١)، فأما في حال حضور القلب واستيلاءِ الذكر وسلطانِ الشهود فالقلبُ مطرِقٌ، وحكمُ الهيبةِ غالبٌ، ونعتُ المدح وصفةُ الزَّهْو وأسبابُ التفرقة كلُّها ساقطة، والناس في الخلاص عن محنةِ (^٢) التكبر أصنافٌ، وأصحاب الاعتبار إذا عرفوا أنهم مخلوقون من نطفةٍ أمشاجٍ وحاملون في بطونهم ما يحملون ويصيرون في اللحد إلى ما يصيرون، نزَع ذلك عنهم التجبُّرَ والتكبُّر (^٣)، فأما أرباب الحضور فليس في طلوع الحق إلا انخناسُ النَّفْس (^٤).
* * *
(٤٠) - ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾.
وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾: استفهام بمعنى التوبيخ؛ أي: أفخصَّكم أيها المشركون ربُّكم بالبنين من الأولاد ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾: اتخذ لنفسه البنات.
وقيل: أَصْفاه (^٥) بكذا؛ أي: اختار له (^٦)، واصطفاه: اختار لنفسه، قال تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٨٣٦٥)، والنسائي في "الكبرى" (١٨٨٣) و(١٨٨٥)، وابن ماجه (١٢٦٢)، من حديث النعمان بن بشير ﵄.
(٢) في (ر): "محبة" وفي "اللطائف": (صفة).
(٣) في (ر): "التكبر والتبختر".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٤٨).
(٥) في (ف): "اصطفاه".
(٦) في (أ): "أصفاه تلك أي اختاره".
[ ٩ / ٤١٢ ]
[النجم: ٢١ - ٢٢]؛ أي: جائرة، وقال ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢].
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾: أي: كذبًا عظيمًا، وهذا كما قال: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وعظمتُه ما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠].
* * *
(٤١) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾: أي: صرَّفنا في هذا القرآن القولَ في بطلانِ ما يقولونه ويعتقدونه؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]، صرَّح بالقول في تلك الآية وأضمره هاهنا.
وقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتَّعظوا وليتذكَّروا بعقولهم قبحَ ذلك وبطلانه فينتهوا عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: أي: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ القرآن أو تصريفُ هذا القول فيه ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾؛ أي: نفرةً وإعراضًا عنه، وإضافة النفور إليه بطريق التسبيب (^١)؛ أي: ازدادوا نفورًا عنده كما قال: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥].
ودلت الآية على بطلان قول المعتزلة في الأصلح، فإن تصريف القول لمَّا كان زيادةً للنفور لم يكن صلاحًا لهم، ومع ذلك فعَله اللَّه تعالى.
* * *
(٤٢) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾.
_________________
(١) في (ر): "السبب"، وفي (ف): "التسبب".
[ ٩ / ٤١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾: يتصل بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩]؛ أي: قل للمشركين: لا تجعلوا مع اللَّه آلهة، فإنه لو كان مع اللَّه آلهةٌ أخرى في الأرض كما تقولون -والإلهيةُ تقتضي نفوذَ القدرة وسعةَ السلطان وانتفاءَ العجز- لما احتَملت آلهتكم وهي في الأرض أن تكون (^١) الغلبةُ لملك السماء، ولكانت تُوجب أن تكون هذه الآلهة تُمانع إله السماء وتنازعُه في سلطانه، وأنتم تعترفون بأنها لا تقدر على منازعةٍ في ملك، ولا على دفعِ ما يَرِدُ عليها من قهرٍ، وهذا خارجٌ عن صفة الإله، وهذا معنى قوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾؛ أي: إذًا لطلبوا إلى اللَّه ذي العرش العظيم في السماء سبيلًا لإزالة ملكه ولقهره، وإذا لم تكن آلهتهم هكذا -بل هي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، ولا تضرُّ ولا تنفع، ولا قدرةَ معها على ردِّ مَن يَروم قهرَها- فقد وجب أنها مربوبة مخلوقة.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: أي: هو منزَّهٌ عن ذلك وبعيدٌ عنه، أمرٌ للعباد (^٢) بتنزيهه عما يقول هؤلاء الظالمون.
* * *
(٤٤) - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: أي: تشهدُ له بالإلهية والوحدانية والتعالي عن الأضداد والأنداد السماواتُ السبع والأرضون وما فيهنَّ من حيوان وجماد؛ لِمَا في كلِّ شيءٍ منها من دلائل الحدوث وآثار صنعِ الصانع.
_________________
(١) في (ر): "إذ"، وفي (ف): "أن"، وسقطت منهما: "تكون".
(٢) في (ف): "وأمر العباد"، ووقع قبلها في (أ) و(ر) كلمة رسمها: "ومحبه".
[ ٩ / ٤١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾: أي: وما من شيء إلا ينزِّه اللَّه تعالى بما قلنا ويحمده على نعمه؛ أي: يُظهر وجوبَ الشكر (^١) على خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والثناء عليه بما يستحقُّه بذاته وصفاته وأفعاله.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾: هذا خطابٌ للمشركين؛ أي: أنتم لإصراركم على الكفر وإعراضِكم عن التدبُّر في الآيات لا تفقهون هذه الشهادة، وأنتم تستحقُّون العذاب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: ولكنه لا يعاجلُكم بالعقوبة لحِلْمه، ويستر عليكم الذنوب فلا يَهتكُ أستاركم للحال.
وقيل: ﴿غَفُورًا﴾؛ أي: يغفر لكم إذا آمنتم فلا يعذِّبكم بما كان منكم.
ومنهم مَن حمل هذا التسبيح على النطق به، وهو عندنا جائز على أن يخلق اللَّه تعالى فيها حياة ونطقًا، وقد سبَّح الحصا في يد رسول اللَّه -ﷺ- معجزةً له (^٢)، وحنَّ
الجذعُ حنين الناقة شوقًا إلى رسول اللَّه ﵇ (^٣)، وعلى ذلك تصدُّعُ الجبل من خشية اللَّه تعالى، وهبوط الحجارة من خشية اللَّه تعالى.
وقال أبو الحجاج (^٤): حدثني رجل من ولد خبَّاب بن الأرتِّ أن محجنَ رسول اللَّه -ﷺ- كان في يده فسبَّح، فسمع ذلك القوم فتحجبوا وفزعوا، وقالوا: يا
_________________
(١) في (أ): "شكره"، وسقطت الجملة من (ف).
(٢) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٩/ ١٢٠)، وابن الجوزي في "العلل" (٣٢٧)، وقال: هذا حديث لا يصح. وفيه أنهن سبحن في كف عمر وعثمان أيضًا. وروى ابن الجوزي نحوه في "العلل" (٣٢٦) من حديث أبي ذر ﵁، ونقل عن النسائي قوله: هذا حديث باطل منكر.
(٣) رواه البخاري (٩١٨) من حديث جابر ﵁.
(٤) في (ر): "الجحد"، وفي (ف): "الحجار".
[ ٩ / ٤١٥ ]
رسول اللَّه! كيف يسبح هذا العود اليابس؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية (^١).
وقال عطاء: الشجر والنبات تسبِّحن، فإذا قُطعن ترَكْنَ التسبيح؛ لأنَّهن أحياءٌ ما لم يُقطعن، فإذا قُطعن صرنَ في عداد الأموات.
وقال الحسن: التراب يسبِّح، فإذا لُبِّن ترك التسبيح (^٢).
* * *
(٤٥) - ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضهم: إن الكفرة كانوا يَمنعون رسولَ اللَّه -ﷺ- عن تبليغ الرسالة إلى الناس، وقراءةِ ما أَنزل اللَّه عليه من القرآن عليهم، وقد أُمر بتبليغ الرسالة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية فأَخبر أنه جعل بينه وبين أولئك حجابًا مستورًا، ومكَّنه من التبليغ إليهم بالحجاب الذي ذكر، ثم اختُلف في ذلك الحجاب:
قال بعضهم: شغلَهم في أنفسهم بأمورٍ وأشغال حتى بلَّغ إليهم.
وقيل: أَلقَى في قلوبهم الرعبَ حتى لم يقدروا على منع ذلك.
_________________
(١) لم أجده.
(٢) لم أقف على هذين القولين عن عطاء والحسن، لكن روى نحو ما جاء فيهما مع زيادة عليه الثعلبي في "تفسيره" (١٦/ ٣٤٧) (ط: دار التفسير) من كلام المقدام بن معدي كرب ﵁. وفيه: "فإذا ابتل" بدل: "فإذا لبن".
[ ٩ / ٤١٦ ]
وقيل: صيَّرهم بحيث كانوا لا يرونه، ويستمعون (^١) قراءته، ولم يقدروا على إيذائه والإضرار به، فبلَّغهم.
قال: ويجوز أن يكون ما ذُكر من الحجاب هو حجابُ الفَهْم، وذلك أنهم كانوا ينظرون إليه بالاستخفاف له والاستهزاء به فحُجبوا عن الفهم، وهو كقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، ويدلُّ عليه ما بعده، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ قيل: معناه: ساترًا؛ كقوله ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]؛ أي: آتيًا.
وقيل: أي: مستورًا به، كقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: مسئولًا عنه، فحذف الصلة عنه هاهنا وهو (عن)، وفي الأول حُذفت الصلة وهي الباء.
وقيل: معناه: مستورًا عن أعين الخلق لا يَرونه، وكذلك مأتيًّا هو على حقيقته؛ لأن ما أتاك فقد أتيتَه.
* * *
(٤٦) - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: أي: أغطيةً، جمع كِنَان؛ أي: غطاءٍ.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "ولا يسمعون"، والمثبت من (ف) و"التأويلات".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ٥٤).
[ ٩ / ٤١٧ ]
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: أي: لئلا يفقهوه (^١).
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: أي: ثقلًا، ودل ذلك أن أفعال العباد مخلوقةٌ للَّه تعالى، وأن الطاعات والمعاصيَ كلَّها بمشيئة اللَّه، وإنما فعل اللَّه ذلك في حقِّ مَن عَلِم منه اختيارَ الكفر كما مرَّ شرحُه مرات.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: أي: وإذا قرأت عليهم (^٢) ما فيه ذكرُ التوحيد وذمُّ الشرك أعرضوا نافرِين عنك مفارِقين مجلسَك، والنُّفور: جمع نافر، كالقُعود جمعُ قاعد.
وقيل: هو مصدر، وذُكِر تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَّوْا﴾، وتقديره: ولَّوا توليةً، وقد يؤكَّد الفعل بالمصدر من خلافِ لفظه، قال القَطَامي:
ألم يَحْزُنْكَ أن جبالَ قيس وتغلبَ قد تبايَنَتِ انْقِطاعًا (^٣)
وتقديره: تبايَنَتْ تبايُنًا.
* * *
(٤٧) - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي لا يفهموه".
(٢) في (أ): "ذكرت" بدل من "قرأت عليهم".
(٣) البيت في "تفسير الطبري" (١٨/ ٤٣٤)، و"الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص: ٥٠٤). وهو من قصيدة في مدح زفر بن الحارِث الكلابي، وكان بنو أَسد أسروا القطامي يوم الخابور وأرادوا قتله، فحال زفر بينه وبينهم وحماه ومنعه وحمله وكساه وأعطاه مئة ناقة. انظر: "خزانة الأدب" للبغدادي (٢/ ٣٦٨).
[ ٩ / ٤١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾: قيل: أي: يستمعون إليه، وحروف الأدوات تتناوب.
وقيل: الباء بيانُ السبب؛ أي: نحن أعلم بالسَّبب الداعي لهم إلى الاستماع.
﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: أي: حين يستمعون إليك ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾؛ أي: وهم متناجون بالطعن في القرآن، مصدر يراد به نعمتُ الجمع قد اشتغلوا بتناجيهم عن الإنصات والتدبُّر.
ثم بيَّن تناجيَهُم، وهو قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: المشركون الواضعون الشيءَ في (^١) غير موضعه: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾: أي: ما تُظهرون الاستماع، فسمِّي إظهارهم الإصغاءَ إليه اتِّباعًا.
﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾: مخدوعًا مغلوبًا على عقله يأتيه الشيطان فيخدعه فيظنُّه ملَكًا.
قال قتادة: نجواهم: أنْ زعموا أنه مجنونٌ وأنه ساحرٌ وأنه آتٍ بأساطير الأولين (^٢)، وكان منهم الوليدُ بن المغيرة.
والمسحور قيل: هو المخدوع.
وقيل: هو الذي عُمل به السحرُ واختَلط عليه أمرُه.
وقيل: أرادوا أن له سَحْرًا -بفتح السين؛ أي: الرئة- يعنون أنه لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشرٌ مثلكم ليس بملك.
* * *
_________________
(١) "في": ليست في (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦١٢).
[ ٩ / ٤١٩ ]
(٤٨) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾: أي: العجبُ منهم كيف وضعوا لك الأشباه والأوصاف يُسمُّونك بكلِّ اسم سوء.
﴿فَضَلُّوا﴾ سبيلَ الاحتيال عليك، وتحيَّروا في وجه (^١) صدِّ الناس عنك.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: فما يجدون إلى شيءٍ من ذلك سبيلًا.
وقيل في نزوله: إن النبيَّ -ﷺ- أمر عليَّ بن أبي طالب ﵁ أن يتخذ لأبي جهل، وأبي البَخْتري بن عمرو بن هشام، وزمعةَ بنِ الأسود، وحويطبِ بن عبد العزَّى -لعنهم اللَّه تعالى- طعامًا فيدعوَهم إليه، ففعل، فدخل عليهم رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "قولوا: لا إله إلا اللَّه لتطيعكم العرب وتَدينَ لكم العجم"، فخرجوا، فقال النضر بن الحارث: ما أرى محمدًا يقول شيئًا إلا أنه يحرك شفتيه. فقال أبو جهل لعنه اللَّه: هو مجنون، وقال حُويطبٌ: هو كاهن، وقال زمعةُ: هو شاعر، ثم أتوا الوليد بن المغيرة فشاوَروه في أمره، فقال: هو ساحر، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (^٢) حين تدعوهم إلى الشهادة، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾؛ أي: وإذ هم متناجون إليك.
وقيل: (إذ) للحين، وهما حينان لأمرين مختلفَين: الاستماع إذا حضروا، والتَّناجي إذا تفرَّقوا.
* * *
(٤٩) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "وجوه".
(٢) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (٢/ ٣١٤) عن الكلبي دون ذكر علي ﵁.
[ ٩ / ٤٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: قال مجاهد: ﴿رُفَاتًا﴾: ترابًا (^١)، وفي اللغة: هو الحطام، وهو ما يُحْطَم من الشيء؛ أي: يُكسر، وقد رَفَتَ يَرْفِتُ رَفْتًا من باب ضرب؛ أي: كَسَر، وأراد به: رميمًا، وهذا مما تناجوا به، قالوا: أئذا متنا وكنا عظامًا ورفاتًا وترابًا (^٢) تحت الأرض نبعث خلقًا جديدًا كما نحن عليه الآن؟! وهذا استفهامٌ بمعنى الاستبعاد؛ أي: إنَّ هذا لا يكون.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾: أي: عرِّفهم أنهم لا يُعْجزونني وإن صاروا عظامًا أو رفاتًا، أو لو كانوا حجارةً أو حديدًا، أو خلقًا أشدَّ من خلق البشر وأصلبَ، وأبعدَ من أن يمكنَ تفرُّقُه على (^٣) الأحوال المختلفة من الإعدام والإيجاد والإبقاء والإفناء مثل الحديدِ والحجارةِ (^٤) أو غيرِهما مما يَكبر في صدوركم تغييرُه عن هيأته (^٥)؛ أي: يَعْظم ويَسْتكبِر مثلَ السماوات والأرض والجبال ونحوها؛ أي: لو كنتُم في نهاية القوة والامتناع من نيل العباد لكم لم تعجزوني.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦١٤).
(٢) في (ر): "وكنا ترابًا"، وفي (ف): "وكنا عظامًا وترابًا".
(٣) في (أ): "تصريفه عن" بدل: "تفرقه على".
(٤) في (ر): "مثلًا كحديد أو كحجارة"، وفي (ف): "مثلا الحديد أو الحجارة".
(٥) "عن هيأته": سقط من (أ).
[ ٩ / ٤٢١ ]
وطريق هذا الكلام طريقُ قولِ الرجل إذا عزم على قهر إنسان فقيل له: كيف تقهره على قوته وصلابته؟ فيقول: قل له كن حديدًا أو حجرًا؛ أي: فإني لا أبالي به بل أقهرُه وأصل إلى غرضي فيه.
وقال مقاتل: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ في القوة ﴿أَوْ حَدِيدًا﴾ في الشدة ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ (^١).
وقال مجاهد: الجبال (^٢).
وقال ابن عباس ومقاتل والضحاك والحسن ﵃: الموت (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾: أي: مَن الذي يفعل بنا هذا؟ ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: خلقكم وأنشأكم، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩].
وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾: أي: فسيحرِّكون رؤوسهم (^٤) فعلَ المستبعِد (^٥) للشيء والمتعجِّب منه، والإنغاض: التحريك، والنَّغَضان: التحرُّك، من حدِّ ضرب، والنَّغْضُ: الظَّليم؛ لتحريكه رأسَه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾: أي: البعث ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾؛ أي: لن تطولَ مدةُ كونه ولا تبعد بلَ هو قريب؛ لأن كلَّ ما هو آتٍ قريبٌ.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٣٤).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٧٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٠٥) بلفظ: (السماء والأرض والجبال).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٧٤) عن سعيد بن جبير، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦١٦ - ٦١٧) عن ابن عباس وابن عمر وأبي صالح والحسن وسعيد بن جبير والضحاك.
(٤) "فسيحركون رؤوسهم": من (أ).
(٥) في (أ): "المستبع".
[ ٩ / ٤٢٢ ]
(٥٢) - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾: أي: يُعيدكم خلقًا جديدًا يوم (^١) يدعوكم.
قيل: يدعو إسرافيلُ بأمره، فيقول في نفخ الصور: أيتها اللحومُ المتفرِّقة (^٢)، وأيتها الأوصال البالية، وأيتها العظام النَّخِرة، وأيتها العروق المتمزِّقة، وأيتها الشعور المتبدِّدة، قوموا إلى محاسبةِ ربِّ العالمين؛ قاله قتادة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾: أي: تُبعثون قائلين: سبحان اللَّه وبحمده.
وقيل: يدعوكم للمحاسبة فتسعَون إليه قائلين ذلك.
وقيل: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾؛ أي: يبعثكم ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾؛ أي: لا تمتنِعون على اللَّه بل تحيَوْن (^٤) بإحيائه معترِفين بما كنتُم عليه من الباطل، حامدِينَ للَّه بالثناء عليه بالقدرة على ما يشاء، وبإنعامه عليكم بخلقكم وتركيبِ العقول فيكم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: ما لبثتُم، وهو كقولهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تَزَل (^٥).
_________________
(١) في (ف): "ثم".
(٢) في (ر) و(ف): "المتمزقة".
(٣) لم أجده.
(٤) في (ف): "تجيبون".
(٥) سيأتي بنحوه.
[ ٩ / ٤٢٣ ]
وقيل: لِمَا يرون من سرعة الرجوع يظنُّون قلة اللَّبْث في القبور.
وقال قتادة: هو احتقار أمر الدنيا حين عايَنوا يوم القيامة (^١).
وقال الحسن: إن لبثتم إلا قليلًا في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة (^٢).
* * *
(٥٣) - ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي (^٣): قل يا محمد لعبادي -أي: المؤمنين- يقولوا للكفار إذا حاجوهم في إثبات التوحيد وإثبات البعثِ التي هي أحسنُ؛ أي: الكلمةَ التي هي أحسنُ، أو المقالةَ التي هي أحسن، وهو كقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ أي: لا تخرجوا في المجادلة إلى السفاهة، بل قولوا كما قلتُ في ردهم: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ وقلتُ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾: أي: يُغري بين المؤمنين وبين المشركين، فيعارض المشركون المؤمنين بالكلام السيِّئ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: أي: مُعاديًا قديمَ العداوة (^٤) للناس مؤمنِهم وكافرِهم، فهو يُغري بعضَهم ببعضٍ ثم يتبرأ منهم؛ كما قال: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٢٣).
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٤٩)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ٣٦٤).
(٣) قبلها في (ف): "قيل".
(٤) في (أ): "المعاداة".
[ ٩ / ٤٢٤ ]
(٥٤) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾: أي: لا يخفَى عليه شيءٌ من ظواهركم وبواطنكم ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: إن تبتُم رَحِمَكم ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: إنْ أصرَرْتُم على كفركم عذَّبكم في النار أبدًا.
وقوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: عاد الكلام إلى خطاب رسول اللَّه -ﷺ-، فقد بدأ بقوله: ﴿وَقُلْ﴾ وهو خطابٌ له، يقول: عليك بتبليغ هذا، وليس عليك هداهم، ولا أنت قادر على أن تحمِلهم على الإيمان والإجابة.
وقيل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ هم عبادُ الخِلقة، وهم الكفار ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: كلمةَ التوحيد ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يحملُهم على الشرك ويُغري بينهم وبين المؤمنين بالعداوة ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ فإنْ علم منكم توبةً باستماعكم مواعظَ اللَّه وعملِكم بها (^١) رَحِمَكم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ مسلَّطًا مكرِهًا على الإيمان، إنما عليك الإنذار.
وقيل: هو خطابُ المؤمنين، وقولُ الأحسن: هو الكلام الحسن إذا أُوذوا؛ كما قال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، ورُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ شتمه رجل من العرب فنزلت هذه الآية، وأمره اللَّه تعالى فيها بالعفو والصفح (^٢).
* * *
_________________
(١) "بها": زيادة من (أ).
(٢) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٥٣٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٠٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٤٩)، والواحدي في "أسباب النزول" (١/ ٢٨٨).
[ ٩ / ٤٢٥ ]
(٥٥) - ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: يعني (^١): ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الملائكة والبشر، لا يختار منهم أحدًا إلا على علمٍ به وأهليَّتِه لِمَا اختيرَ له، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: إنْ أنكر هؤلاء المشركون اختصاصَ اللَّه إياك بالنبوة فعرِّفهم أن اللَّه فضَّل بعضَ الأنبياء على بعضٍ فيما آتاهم من الآيات، وأجرى على أيديهم من المعجزات، وعرَّفهم أنه فضَّلك على جميع الأنبياء بما آتاك من الآية الباقية إلى قيام الساعة وهي القرآنُ المعجِزُ، وإن حاجَّك اليهود بأنْ لا كتاب بعد التوراة فعرِّفهم أن اللَّه تعالى قد آتى داودَ زبورًا بعد موسى فبطَلت دعواهم.
* * *
(٥٦) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾: أي: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿ادْعُوا﴾؛ أي: دعاء المسألة والاستعانة ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾؛ أي: الآلهةَ الذين قلتُم ظنًّا وكذبًا إنهم آلهةٌ وهم الملائكة، وسَلُوهم كشفَ الضر عنكم، ﴿فـ﴾ إنهم ﴿فَلَا يَمْلِكُون﴾ إجابةَ دعائكم ولا ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ وهو إزالتُه لا إلى أحد، ولا تحويله؛ أي: نقله عنكم إلى غيركم من مستحقِّيه، وكانوا لا يَدْعون لكشف الضرِّ عنهم غيرَ اللَّه، قال تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١] فكان قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ أمرَ تقريع وتوبيخ.
_________________
(١) في (أ): "أي".
[ ٩ / ٤٢٦ ]
(٥٧) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: أي: الملائكةُ (^١) الذين يسمُّونهم هؤلاء آلهةً، وهذا دعاءُ تسمية.
وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: أي: هؤلاء الملائكةُ يتبادرون إلى طلب القُربة إلى اللَّه تعالى، ويجتهدون في العبادة له طلبًا لفضل الدرجة على غيرهم ينظرون ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ درجةً (^٢) إلى اللَّه ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾؛ أي: طاعته ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾؛ أي: إنْ عَصَوه.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾: يعلمون (^٣) أن عذاب اللَّه مما ينبغي أن يحذَره كلُّ مكلَّف نبيًّا كان أو ملَكًا أو غيرَ ذلك، وإذا كان الملائكة كذلك فكيف تكون (^٤) آلهةً؟ وأنتم معاشرَ المشركين أحقُّ بأن تحذَروا عذابي بمخالفتي وتكذيبِ رسولي.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: يعني عيسى وأمَّه وعُزيرًا (^٥).
وقال الضحاك وعطاء: يعني: الملائكةَ (^٦).
_________________
(١) في (أ): "أي هؤلاء الملائكة".
(٢) في (أ): "منزلة".
(٣) في (ف): "يعني".
(٤) في (أ): "يكونون".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٣٠ - ٦٣١).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٣٠) عن ابن مسعود وابن زيد.
[ ٩ / ٤٢٧ ]
وقيل: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ يعني: ما أصابكم من القحط سبعَ سنين.
وقال القشيري ﵀: يعني: إذا كانوا هم يرجُون ويخافون فكيف يَدفعون عنكم؟
قال: ويقال في المثل: تعلُّقُ الخَلْق بالخَلْق كتعلُّقِ المسجون بالمسجون، والفقيرُ إذا انضم إلى الفقير ازدادت الفاقة، والضريرُ إذا قاد الضرير سقطا جميعًا في البئر، وفي معناه أنشدوا:
إذا الْتَقى في حَدَبٍ واحدٍ سبعون أعمى بمقاديرِ
وصيَّروا بعضَهم قائدًا فكلُّهم يسقط في البير (^١)
* * *
(٥٨) - ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: من أهل بلدةٍ ﴿إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بكفرها وإصرارها ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بما دون الاستئصال ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: أي: في اللوح المحفوظ.
يجوز أن يكون انتظامُها بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ فلْيَحذَرْه المشركون، فليست من قريةٍ إلا وأهلُها مستحقُّون -بكفرهم (^٢) - استئصالي أو تعذيبي بما دون ذلك من قِبَل أكابرهم، وتسليطِ المؤمنين عليهم يَسْبونهم ويغتنمون أموالهم، أو يعتصمُ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٥٤).
(٢) في (ر) و(ف): "لكفرهم".
[ ٩ / ٤٢٨ ]
الكفار بالذمة فيؤدون الجزية. وقد (^١) قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] قيل: هو القهر وأخذُ الجزية.
ويجوز أن يكون انتظامها بقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
قال ابن عباس ﵄: ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾؛ أي: بالسيف والزلازل (^٢).
وقال مقاتل: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أمَّا الصالحةُ فبالموت، وأمَّا الطالحةُ فبالعذاب (^٣).
وقال الحسن: ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾: هو الموت الذريع (^٤).
وعن مقاتل بن سليمان قال: قرأتُ في كتب الضحاك بن مزاحم بعد موته -وهي الكتب المخزونةُ عنده- في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾ الآية، قال: يقول: ما مِن قرية إلا يحلُّ بها العذاب قبل يوم القيامة، فأما أمُّ القرى فيخرِّبها الحبَش فذلك عذابها، وأما المدينةُ فبالجوع، وأما البصرةُ فبالغرق، وأما الكوفة فبالتُّرك، وأما الجبال فبالصواعق والرواجف، وأما خراسان فتخرَّب بأصناف العذاب، وأما مدينةُ بَلْخَ فتصيبهم هدَّةٌ ثم يغلب عليها
_________________
(١) "قد": من (أ).
(٢) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٣١٧).
(٣) في (ر) و(ف): "إما صالحة فالموت وإما طالحة فبالعذاب". وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٣٧).
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "السريع": وليست في (أ) والمصادر. وهذا الخبر رواه الإمام أحمد في "الزهد" (١٥١٨) و(١٥٧٩)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٣٩)، والثعلبي في "تفسيره" (١٦/ ٣٦٨)، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٣٠٨) عزوه لسعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن المنذر، جميعهم رووه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.
[ ٩ / ٤٢٩ ]
الماءُ فيُهلك أهلَها، وأما بَذَخْشان (^١) فيُبعث عليها أقوام يخربونها ويتركونها كجوف الحمار الميت يتأذى الناس بالنَّتْن من موتهم، وأما مدينةُ خُلم (^٢) فإنه يصير عاليها سافلَها، وأما تِرْمِذُ فإن أهلها يموتون بالطاعون، وأما الصَّغَانيان (^٣) إلى واشَجَرْدَ (^٤) فيمتلون بقتلٍ ذريعٍ ويغلب عليها، وأما سمرقندُ فإنه يَغلب على مدينتهم بنو قنطوراء فيقتلون أهلها قتلًا ذريعًا، وكذلك فَرْغانةُ والشَّاش وأَسْبِيجابُ وخَوَارزمُ، فيصير في هذه المدن من النَّتْن شيء كأنها جيفةُ حمار، وأما بخارى فهي أرض الجبابرة، فيصيبهم من الغرق نحوُ ما يصيب أرض خوارزم يموتون قحطًا وجوعًا، وأما مدينة
_________________
(١) في (ف): "بدخسان"، وفي (ر): "مدينة حسان". والصواب المثبت، وبذخشان بفتحتين والخاء معجمة ساكنة وشين معجمة محركة وألف ونون، والعامة يسمونها بلخشان باللام، وهو الموضع الذي فيه معدن البلخش المقاوم للياقوت، وهي بلدة في أعلى طخارستان متاخمة لبلاد الترك بينها وبين بلخ ثلاث عشرة مرحلة ومثلها بينها وبين ترمذ، وبها حصن عجيب من بنائها قلَّ ما رأى الناس مثله. انظر: "معجم البلدان" (١/ ٣٦٠).
(٢) في (ر): "حلم"، وفي (ف): "جلم". والصواب المثبت، وخُلم بضم أوله وتسكين ثانيه بلدة بنواحي بلخ على عشرة فراسخ منها، وهي بلاد للعرب نزلها الأسد وبنو تميم وقيس أيام الفتوح، وهي مدينة صغيرة ذات قرى وبساتين ورساتيق وشعاب وزروعها كثيرة. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٣٨٥).
(٣) صغانيان بالفتح وبعد الألف نون ثم ياء مثناة من تحت وآخره نون، والعجم يبدلون الصاد جيمًا فيقولون: جغانيان، ولاية عظيمة بما وراء النهر متصلة الأعمال بترمذ. انظر: "معجم البلدان" (٣/ ٤٠٩).
(٤) في (ف): "وادي اشجرد"، وفي (ر): "وادي استجرد". والصواب المثبت، وواشجرد بالشين المفتوحة والجيم وراءٍ ساكنة ودال مهملة من قرى ما وراء النهر، وهي مدينة نحو الترمذ وشومان أصغر منها، ويرتفع من واشجرد وشومان إلى قرب الصغانيان زعفران كثير يحمل إلى سائر الآفاق. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ٣٥٣).
[ ٩ / ٤٣٠ ]
مَرْوَ (^١) فإنه يَغلب عليها الرملُ ويُهلِك بها العبَّادَ والعلماء، وأما مدينة هَرَاةَ فإنهم يُمطَرون بالحيات فتأكلهم أكلًا وتقتلهم قتلًا، وأما مدينة نَيْسابورَ فيصيب أهلها رعدٌ وبرقٌ وظُلمةٌ فيَهلِكُ أكثرهم، وأما مدينة الرِّيِّ فيغلب عليها الطَّبريَّةُ والدَّيلمية (^٢) مرةً هؤلاء ومرةً هؤلاء فيقتلونهم قتلًا، وأمَّا أرمينيةُ وأذربيجانُ فتهلكهما سنابكُ الخيول والجيوشِ والصواعقُ والرواجفُ، وأما مدينة هَمَذانَ فالدَّيلم يدخلها ويخربها فلا همدان بعد (^٣)، وأما حلوانُ فتمرُّ بها ريحٌ ساكنةٌ وهم نيامٌ فيصبح أهلها قردةً وخنازير، وأما الكُوفان (^٤) فإنه يقصدها رجل يقال له: عنبسة، من بني أبي سفيان (^٥)، فيأخذ جاريةً شابةً من آل فلان (^٦) وشابًّا فيقتلهما ويَنصبهما للناس، ويقول: هذا علي بن أبي طالب وهذه فاطمة بنت رسول اللَّه -ﷺ-، ثم يَخرج رجل من جُهينةَ يقال له: ناجية، يدخل إلى مصر، فويل لأهل مصر، وويلٌ لأهل دمشق، وويلٌ لأهل إفريقية، وويلٌ لأهل الرَّمْلة، ولا يدخل بيتَ المقدس يمنعه اللَّه تعالى بحوله وقوَّته، وأما أهلُ سِجِسْتان فتُصيبهم ريحٌ عاصفٌ أيامًا ثم هدَّةٌ تأتيهم تتصدَّع منها الجبال، ويموت فيها علماءُ كثيرٌ، وأما كَرمانُ وأصبهانُ وفارسُ فيأتيهم عدوٌّ إذا قربوا منهم
_________________
(١) في (ف): "تعز".
(٢) في (ر): "والديلمة".
(٣) "فلا همدان بعد" ليس من (ف).
(٤) في (أ): "أهل الكوفان"، وفي (ر) و(ف): "أهل الكوفة". والصواب المثبت. انظر: "البدء والتاريخ" لابن طاهر المقدسي (٤/ ١٠٣). وكوفان بضم الكاف ثم واو ساكنة: موضعان أحدهما: اسم للكوفة، والآخر قرية بهراة. انظر: "مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع" لصفي الدين القطيعي (٣/ ١١٨٧). قلت: والظاهر أن المراد هنا هو الذي بهراة؛ لأن الكوفة تقدم ذكرها في أول الخبر.
(٥) في "البدء والتاريخ": وأمّا الكوفان فيخرّبها رجل من آل عنبسة بن أبي سفيان، يعني: السفياني.
(٦) في (ر) و(ف): "جارية حسناء".
[ ٩ / ٤٣١ ]
صاحوا صيحةً تنخلعُ منها القلوب وتموت الأبدان، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (^١).
* * *
(٥٩) - ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: المنع: وجودُ ما يَتعذَّر به وجودُ الفعل من القادر، ولا يجوز ذلك على التحقيق في صفةِ اللَّه تعالى، ولكنْ إطلاقُه هاهنا للمبالغة في أنه لا يقع منه هذا الفعل كما لا يقع من الممنوع، ومعناه: إنَّا لم نرسلْ الآيات لئلا يكذِّبَ بها هؤلاء كما كذَّب مَن قبلَهم فيستحقُّوا عذاب الاستئصال.
وقيل: لمَّا قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قالوا: إنه أَرسل الرسل وآتاهم الآيات، فآتى صالحًا الناقة، فآتنا أنت بمثْلِ تلك الآية، ومثلِ فَلْقِ البحر لموسى، فقال (^٢) اللَّه تعالى: وما منعنا أن نرسل بهذه الآيات المقترَحة إلا أن الأوَّلين من الأمم لمَّا كذَّبوا بالآيات التي سألوها فأُعطُوها كان حُكمي فيهم الاستئصالَ؛ لأنهم صاروا مكابِرين معاندين، وما كانوا بالسؤال مسترشِدين، وهكذا حُكمي في هؤلاء أنِّي أستأصلُهم لو كذَّبوا بها -إذا أتتهم- لعنادهم، وقد علمتُ أنهم
_________________
(١) انظر: "البدء والتاريخ" للمطهر بن طاهر المقدسي (٤/ ١٠٣)، و"الكشاف" للزمخشري (٢/ ٦٧٤)، و"مدارك التنزيل" لأبي البركات النسفي (٢/ ٢٦٣). والزمخشري اقتصر على أوله وأشار إلى تمامه بقوله: (ثم ذكرها بلدًا بلدًا في الكتاب في اللوح المحفوظ). وفي المصدرين الآخرين بعض اختلاف عما هنا أو زيادة ونقصان.
(٢) في (أ): "وأنزل".
[ ٩ / ٤٣٢ ]
يكذِّبون (^١)، وقد وَعدتُ محمدًا فضلًا ورحمةً ألا أعذِّب هؤلاء عذابَ هؤلاء؛ أي: عذابُ الاستئصال (^٢) يكون لقومٍ أعلمُ أنه لا يؤمن منهم أحد كقوم نوح، وهؤلاء يكون مِن نسلهم مَن يؤمن فلن أستأصلهم، وحُكمي الاستئصال فيمَن يكذِّب بالآية المقترحة، فلم أُعطهم ذلك ولم أُخْلِهم عن الآيات الكبيرة التي لا تُوجب الاستنصال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤].
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾؛ أي: والآيةُ التي التمَسوها مثلَ آية ثمود قد آتيناها ثمودَ واضحةً بيِّنة يشاهدونها (^٣) معجزةً، ثم كفرت ثمودُ بها فاستحَقُّوا الاستئصال، فكيف يتمنَّاها هؤلاء على سبيل الاستقراح؟
وقوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: جحدوا بها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾؛ أي: وكلُّ آيةٍ نُرسل بها نبيًّا -أيِّ آية كانت- فإنما هي منَّا (^٤) تخويفٌ بالعذاب لمن يكذِّب بها.
وقيل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بـ﴾ هذه ﴿الْآيَاتِ﴾ التي نُجريها على يديك يا محمد ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ لهم ليؤمنوا.
وقيل: وما نُظهر الآياتِ من كسوف الشمس والقمر ونحوِهما إلا تنبيهًا للناس، وتحذيرًا عن العذاب، وتحريضًا على التوبة.
* * *
_________________
(١) في (ف): "منهم يكذبون" وفي (ر): "منهم مكذبون".
(٢) في (أ): "ألا أعذب هؤلاء عذاب الاستئصال وكذا عذاب الاستئصال"، وفي (ف): "ألا أعذب هؤلاء عذاب هؤلاء عذاب استئصال".
(٣) في (ر) و(ف): "شاهدوها".
(٤) في (ف): "قائمة هي هاهنا" وفي (ر): "قائمة هي عندنا"، بدل: "فإنما هي منا".
[ ٩ / ٤٣٣ ]
(٦٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: وهو ينتظِم بقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾؛ أي: نرسل معك الآيات، ومنها: أنَّا ﴿قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾؛ أي: وعدناك بالعصمة من الناس وهذا تخويفٌ لهم (^١)، وكذا المعراجُ (^٢) وما ذكرنا في القرآن من كون شجرة الزقوم في النار كان ذلك فتنةً لهم، وفيها تخويفٌ، وكذلك قال في آخر (^٣) هذه الآية: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾، فهذا وجه انتظام بعضها ببعض.
ومعنى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ له تأويلان:
أحدهما: علِم بمكر الناس في حقِّك؛ كما قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]؛ أي: عالمًا، وقال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].
والثاني: أنه غالب لهم قادرٌ عليهم؛ كما قال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، فمعناه: أنه يَعصمك من كلِّ همٍّ، ويَقهرُهم ويجعلهم تحت يدك واستيلائك بقتلك بعضَهم ودخولِ بعضهم في الإسلام، لينشِّطه بذلك على تبليغ الوحي والصبرِ على أذاهم حتى يأتيَ وعد اللَّه، فكان هو يُظهر لهم ذلك، وعلى مرور الزمان يتحقَّق لهم (^٤) ذلك، فكان تخويفًا لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾: وهذه آيةٌ أخرى: وهي مما افتَتح بها هذه السورةَ، وهي قصة المعراج، وهذه رؤيةُ عينٍ وإن ذكرت
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تخويف بها".
(٢) في (ر) و(ف): "المعجزات".
(٣) في (أ): "ولذلك قال في آخر" وفي (ف): "وكذلك قال في" وفي (ر): "وكذلك في".
(٤) "لهم": من (أ).
[ ٩ / ٤٣٤ ]
بلفظةِ ﴿الرُّؤْيَا﴾؛ لأنها كانت بالليل، فسمِّيت رؤيا وإن كانت بالعين؛ كما يقال: بات فلان يفعل بكذا، إذا فعَله ليلًا، فسمِّي ما يفعله ليلًا بيتوتةً وإن لم يكن ذلك نومًا، فكذلك سُمي ما رآه من الآيات بالعين ليلًا رؤيا.
ويدلُّ على أنه كذلك: أن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومسروقًا وأنس بن مالك (^١) وإبراهيم النخعي وقتادة ومجاهدًا ورجالًا غيرَهم تأوَّلوا الآية على أنها كانت رؤيةَ عينٍ (^٢)، وهم أرباب اللسان.
وقال قائلون: إن الرؤيا المذكورة في هذه الآية هي الرؤيا المذكورة في قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، وكان أَخبر رسولَه حين أَراه هذه أنها تكون فتنةً على قومه، وكان كذلك حين قصد مكة فصدَّه عنها المشركون، فصالحهم فافتُتن بذلك قوم حتى قالوا: ألسنا على حقٍّ وهم على باطل؟! حتى قال عمر ﵁: أليس قد أخبرنا رسول اللَّه -ﷺ- أنَّا نأتي البيتَ فنطوفُ به؟ فقال له أبو بكر ﵁: بلى، ولكن هل وعدك في هذا العام (^٣)؟ فقال: لا، فقال: إنك ستأتيه وستطوفُ به، وإنه رسول اللَّه وإنه يفعل ما يُؤمر به (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: أي: جعَل ذلك فتنةً أيضًا، فإنه لمَّا
_________________
(١) في (أ): "ومسروقا وأبا مالك".
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٤١ - ٦٤٥). وقول ابن عباس عند البخاري (٣٨٨٨) و(٤٧١٦).
(٣) في (أ): "المقام".
(٤) تفسير الآية بقصة الحديبية رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٤٥) عن ابن عباس ﵄ دون كلام عمر وقصته عمر مع أبي بكر، وهذه قطعة من حديث صلح الحديبية الطويل الذي رواه البخاري (٢٧٣١) عن مروان بن الحكم ومسور بن مخرمة.
[ ٩ / ٤٣٥ ]
نزل قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٤]، قالوا: كيف يكون في النار شجرةٌ والنارُ تأكل الشجر (^١)؟
وسماها ملعونةً على تقدير: والشجرةَ الملعونةَ الأُكُل، فحُذف المضاف إليه لوضوح المراد، كما في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصفِ الريح؛ أي: ولأن عادة الناس أنهم إذا نادَوا بشيء سمَّوه ملعونًا على معنى الشتم والذمِّ له وطلبِ البعد منه، فيقولون: لعنك اللَّه؛ أي: بعَّدك اللَّه عنا وأراحنا منك.
وقال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢]، جمع أبو جهل لعنه اللَّه رجال قريش فقال لهم: ألا ترونَ إلى (^٢) محمد يزعم أن النار تُنبت الشجر! وأنتم تعلمون أن النار تحرق الشجر، ويخوِّفنا بالزقوم فما تقولون في الزقوم؟ فقال عبد اللَّه بن الزِّبَعرى: إنها الزُّبد والتمر بلغة بربر، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: يا جارية زقِّمينا، فأتت بالزُّبد والتمر فقال: تزقَّموا فإن محمدًا يخوِّفكم بها، فنزل قوله في صفتها: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦] (^٣).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٨٥) عن قتادة، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٤٨ و٦٥١) عن الحسن وقتادة.
(٢) في (أ): "أن".
(٣) رواه بنحوه عن ابن عباس الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٤٨)، وإسناده ضعيف، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٥٠) عن قتادة. وذكره باللفظ أعلاه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٦) دون عزو. وجاء عن ابن عباس عند الإمام أحمد في "المسند" (٣٥٤٦) بإسناد صحيح: (وقال أبو جهلٍ: يُخَوِّفُنا محمد بشجرة الزَّقُّوم، هاتوا تَمْرًا وزُبْدًا فتَزقَّموا).
[ ٩ / ٤٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾: أي: عتوًّا عظيمًا ومجاوزةً للحد، وإضافةُ الزيادة في الطغيان إلى التخويف كإضافة النفور إلى القرآن كما مر.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْقُرْآنِ﴾؛ أي: المذكورةَ في القرآن؛ كقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]؛ أي: هي مذكورةٌ في كتاب.
* * *
(٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: هو متصلٌ بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]؛ أي: قد أُمر الملائكة بالسجود فسجدوا إلا هو:
﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: لا أسجد لمن خلقتَ طينًا؛ أي: قدَّرْتَه وهو طين ليكون إنسانًا إذا نفختَ فيه الروح فصيَّرْتَه لحمًا ودمًا وكذا وكذا.
* * *
(٦٢) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: أي: أخبرني لمَ فضَّلتَ هذا عليَّ؟ ولمَ جعلتَه أكرم عليك (^١) مني؟
_________________
(١) "عليك" ليست في (أ).
[ ٩ / ٤٣٧ ]
و(أرأيتَ) لفظةُ استفهامٍ على معنى: أخبِرْني عنك، والكاف خطاب، وقد كشفنا عن حقيقته في سورة الأنعام.
وقيل هاهنا: فعلُ الإراءة واقع على شيئين: الكاف و﴿هَذَا﴾.
وقيل: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ كلمة تامة منفصلةٌ عما بعدها لِمَا وُضعَتْ له، و﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ مبتدأ، وما بعده خبرُه (^١).
وقيل: طريق هذا طريقُ الرجل يقول لآخر: أترى هذا لأفعلن به كذا وكذا.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: لأستأصلنَّ؛ يقال: احتَنَك الجراد الزرعَ (^٢): إذا أكله كلَّه واستأصله، واحتنكت السَّنةُ أموال الناس: إذا (^٣) أذهبتْها كلَّها؛ قال الشاعر:
نشكو إليك سنةً قد أَجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جهدٍ بنا فأَضْعَفتْ (^٤)
واحتَنَكتْ أموالَنا وجلَّفت (^٥)
_________________
(١) في (أ): "خبر له".
(٢) في (ف): "احتنك الحرث والزرع" وفي (ر): "لا احتنك الجراد والزرع".
(٣) في (ر) و(ف): "أي".
(٤) في (ف): "جهدتنا وأصيفت" بدل: "جهد بنا فأضعفت".
(٥) الرجز في "مجاز القرآن" (١/ ٣٨٤)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٦٥٤)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٤٩). وقال الأستاذ محمود شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري": هذه أبيات ثلاثة من مشطور الرجز، من الأرجوزة السادسة في بقية "ديوان الزفيان السعدي" (عطاء بن أسيد الراجز)، وهي ملحقة بـ "ديوان العجاج" المطبوع في ليبزج سنة (١٩٠٣) (ص: ٦٥)، مع اختلاف في رواية بعضها. ومعنى أجحفت: أضرت بنا، وذهبت أموالنا، فلقينا من شدتها جهدًا إلى جهد. ومعنى جلفت: قشرت، أو قشر الجلد مع شيء من اللحم. والأبيات شاهد على أن الاحتناك معناه الاستئصال.
[ ٩ / ٤٣٨ ]
وقيل: لأقودنهم إلى المعاصي كما تُقاد الدابة بما جُعل في حنكها من حَبْلٍ.
ومعنى الأول: لأُفسدنهم بالإغواء فلا يبقَى معهم من دينهم شيء، كالشيء الذي يُقلع من أصله.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾: أي: قال اللَّه له (^١) على لسان ملَك: اذهب.
﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ نصبٌ على المصدر، والموفور: المكمَّل، ووَفَر وُفورًا لازم، ووَفَر وَفْرًا متعدٍّ، وقال زهير:
ومَن يجعل المعروف من دون عِرضه يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشتَمِ (^٢)
و﴿اذْهَبْ﴾ دلالة الاستهانة به والوعيدِ له.
ومعنى الموفور: أنه لا نقصان فيه عن قَدْر الاستحقاق، وقيل: هو الذي لا يزول ولا ينقطع.
* * *
_________________
(١) "له": من (أ).
(٢) البيت من معلقة زهير. انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: ٢٨٧)، و"شرح المعلقات" للزوزني (ص: ١٩٤)، و"البسيط" للواحدي (١٣/ ٣٨٩). قال الزوزني: يريد أن من بذل معروفه صان عرضه، ومن بخل بمعروفه عرَّض عرضه للذم والشتم. وقال ابن الأنباري: معناه: مَن اصطنع المعروف إلى الناس وقى عرضه. والعرض: موضع المدح والذم من الرجل، يقال: إنه لطيب العرض، إذا كان طيب ريح الجسد. وقوله: (يفره): يجعله وافرًا، ويقال: وفرت ماله وعرضه فأنا أَفِرُه، وقد وَفَر مالُ بني فلان يَفِرُ وفورًا، و(يفره) جواب الجزاء علامة الجزم فيه سكون الراء، وكان الأصل فيه: يَوْفِرْه، فحذفت الواو لوقوعها بين الكسرة والياء.
[ ٩ / ٤٣٩ ]
(٦٤) - ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾: أي: واستَخْفِفْ وأَزعِجْ إلى (^١) المعاصي، وقد استفزَّه الغضب أو الفرح؛ أي: استخَفَّه.
﴿بِصَوْتِكَ﴾؛ أي: بدعائك، يقول: صوِّتْ بمن استطعتَ منهم حتى تزيلَهم عن رزانة العقلاء إلى خفَّة الجهلاء، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقال ابن عباس ﵄: هو الصوت الذي يدعو به إلى المعصية.
وقال مجاهد: هو الغناء واللهو (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: اجمع عليهم ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (^٣).
وقيل: الإجلاب هو السوق بجلَبة من السائق؛ أي: بصياح.
والرَّجْل: جمع راجل، كالرَّكْب جمع راكب.
ولإبليس لعنه اللَّه جندٌ وأتباع من جنسه (^٤)، فمنهم فرسان ومنهم رجَّالةٌ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "في".
(٢) روى القولين الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٥٧).
(٣) قرأ حفص: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ بكسر الجيم، والباقون بإسكانها. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠). وإنما أثبتنا القراءة بسكون الجيم لأنها هي المرادة عند المؤلف؛ بدليل ما سيأتي من قوله: "والرَّجْل: جمع راجل، كالرَّكْب جمع راكب".
(٤) في (ر) و(ف): "جيشه".
[ ٩ / ٤٤٠ ]
ويجوز أن يكون لهم من جوهرهم (^١) مراكبُ يركبونها، فيجد ذلك بعضهم فيكون فارسًا (^٢)، ولا يجده بعضهم فيكون راجلًا.
ويجوز أن يكون ذلك على ضرب المثل للتكثير من الأتباع.
ويجوز أن يكون خيلُه ورَجِله من بني آدم؛ قال قتادة: كلُّ راكبٍ في معصيةِ اللَّه فهو من خيلِ إبليس، وكل ماشٍ في معصيةٍ فهو من رجله (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: قال ابن عباس ﵄: أما الأموال: فالحرثُ والأنعام والبَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما حلَّلوا وما حرَّموا، وأما الأولاد: فأولاد الزنا (^٤).
وقال عطاء: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾؛ أي: على جمع الحرام ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ بمعنى الأدعياء (^٥).
وقال الحسن: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ يعني: على جمع الحرام حتى يكسبوها من غير وجهها وينفقوها في غير حقِّها (^٦) ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾؛ أي: أولاد الحرام.
_________________
(١) في (ر): "وجوههم"، وفي (ف): "وجوه".
(٢) في (أ): "ركبانًا".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٥٩) عن ابن عباس، أما قتادة فروَى عنه قولَه: إن له خيلًا ورجلًا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٦٢ و٦٦٣).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٦٠) بلفظ: الشرك في أموال الربا.
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٩٠)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٦١) بلفظ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: مرهم أن يكسبوها من خبيث، وينفقوها في حرام. وكلمة: (مرهم) لم ترد في رواية عبد الرزاق.
[ ٩ / ٤٤١ ]
وعن بعض السلف قال: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾؛ أي: كُلْ مِن أَطْعِمَتِهم ما لم يذكروا اسم اللَّه عليه عند الأكل (وفي الأولاد) خالِطْ أهاليهم عند وطئهم إذا لم يذكروا اسم اللَّه عند ذلك الفعل.
وقيل: يدخل في الأموال الربا وما ذبحوه لآلهتهم، وفي الأولاد ما نَشَؤوه على الكفر والمعاصي، كصنيع أهل الكفر من النصارى والمجوس وغيرهم بأولادهم، ويدخل فيه ما كانوا يسمُّون به (^١) أولادهم من الأسماء المضافة إلى الشياطين والأصنام، كعبد ودٍّ وعبدِ العُزَّى وعبد اللاتِ وعبد مَناةَ.
وقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾: هو ما يمنِّيهم من الأماني الكاذبة: من النصر على مخالِفيهم في الدنيا، وأنه لا بعثَ ولا نشورَ، وإن كان فهو للحُسنى لهم؛ كما قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠].
قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: وهو كلامٌ معترِضٌ، ثم عاد إلى خطابه، وهو قوله تعالى:
* * *
(٦٥) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: قال سفيان بن عُيينةَ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، أنْ تلقيَهم في ذنبٍ يَضيق عنه عفوي (^٢).
_________________
(١) في (ر): "يسمونه"، وفي (ف): "يسمون".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٤٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢١٣)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٨٢).
[ ٩ / ٤٤٢ ]
وقيل: إن خواصِّي ليس لك عليهم سلطانُ الوسوسة؛ لالتجائهم (^١) إليَّ ودوامِ استعاذتهم بي؛ كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ الآية [الأعراف: ٢٠١].
وقال القشيري ﵀: قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ إنما يكون عبدُه مَن لا يكون في أسرِ غيره، فأما مَن استعبده هواه، واستَمْكَن من قلبه الأطماع، واسترقَّته كلُّ خسيسةٍ ونقيصة (^٢)، فلا يكون من جملتِهم، قال النبي -ﷺ-: "تَعِسَ عبدُ الدِّينار، تَعِسَ عبدُ الدِّرهم" الخبرَ (^٣).
وقيل: عباده هم المتفيِّئون بظلِّ عنايته لتبرُّئهم عن الحول والقوة، وانفرادِهم باللَّه بحُسن التوكُّل ودوامِ التفويض (^٤).
ثم قوله: ﴿اذْهَبْ. . . وَاسْتَفْزِزْ. . . وَأَجْلِبْ﴾ هذه الألفاظُ الخارجة على صيغةِ الأمر على معنى تعجيز إبليس، وتعريفِه أن ذلك لا يضرُّ اللَّه شيئًا ولا يَنقص من ملكه، وأن سلطان إبليس إنما يجري على الجهَّال الذين قد أخرجهم اللَّه تعالى عن جملة مَن شرَّفهم بعبوديته.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾: أي: كافيًا لك، ومعتمَدًا لك (^٥) في أمورك.
وفي الخبر: أن اللَّه تعالى لمَّا لعن إبليس وطرده قال: ربِّ أسألك أن تُعينني
_________________
(١) في (ر): "لاستنادهم"، وسقطت هذه الجملة من (ف).
(٢) في (ر): "واسترقه كل خسيس ونفيس".
(٣) رواه البخاري (٢٨٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
(٥) في (أ): "ومعتمدًا عليه".
[ ٩ / ٤٤٣ ]
على آدم، قال: يا إبليس، لا يُولد له ولدٌ إلا وُلد لك عشرةٌ، قال: يا ربِّ زِدْني، قال: تجري فيه وفي ذريته مجرى الدم، قال: يا ربِّ زِدْني، قال: أَجْلِبْ عليهم بخيلك ورَجِلك وشاركْهم في الأموال والأولاد وعِدهم، فاستغاث آدم باللَّه ﷿ وقال: إنك جعلتَ بيني وبين إبليس عداوةً وقوَّيْتَه عليَّ فأعنِّي عليه يا ربِّ، فقال: إذا عملْتَ حسنةً فلك بها عشرةٌ، وإنْ عملتَ سيئةً فواحدةٌ، قال: يا رب زدني، قال: لا أغلق بابَ التوبة على أحدٍ من ذريَّتك حتى يُغرغر، قال: يا رب زدني، قال: أغفرُ ولا أبالي، فقال آدم: حسبي يا رب (^١).
* * *
(٦٦) - ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾: قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: يُجري (^٢).
والإزجاء في اللغة. السَّوق؛ قال تعالى: ﴿يُزْجِي لَكُمُ﴾ [الإسراء: ٦٦].
وانتظامها بما قبلها: أن هذا في تفسير قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.
ووجهٌ آخر: أنه بيانُ وحدانية اللَّه تعالى، وبيان إنعامه على خلقه، وفيه إظهارُ قبحِ شركهم وأكثر السورة فيه، يقول: هو ربُّكم المتفضِّل عليكم بما يَتِمُّ به معاشكم (^٣)، الذي يَسوق لكم السفن في البحر سَوقًا ليِّنًا رقيقًا بريحٍ طيبةٍ تقطَعُ بكم المسافة البعيدة في المدة القريبة.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٥٣ - ٣٢٥٤) عن عبيد بن عمير قوله.
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٦٧).
(٣) في (أ): "معايشكم".
[ ٩ / ٤٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: من رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾؛ أي: لم يزل بارًّا بكم يوصل إليكم المنافعَ والمرافق الدِّينية والدنيوية.
* * *
(٦٧) - ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾: أي: إذا اشتدَّ بكم البلاء في البحر حتى تُشرفوا على الهلكة ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾؛ أي: بطَل وتلاشى عنكم آلهتُكم التي تدعون من دون اللَّه فلا تستعينون إلا باللَّه.
﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: أي: خلَّصكم من هول البحر فأخرجكم إلى البر ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ عن إخلاص العبادة للَّه وأقبلتُم على عبادة غيره.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾: أي: عادةُ الإنسان كفرانُ النِّعم، والمراد به الناس لأنه اسم جنس ويصلح للجمع.
ثم أَخبر أن قدرته عليهم في البر كقدرته عليهم في البحر، وهو قولُه تعالى:
* * *
(٦٨) - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾: استفهام بمعنى التوبيخ، يقول: عجبًا منكم كيف أمنتُم أن يَغور بكم في الأرض في جانبٍ (^١) من جوانبها.
_________________
(١) "في جانب": من (أ).
[ ٩ / ٤٤٥ ]
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: ريحًا ترميكم بالحصباء (^١)، وهي صغار الحجارة ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾؛ أي: مَن يكفيكم ما يَحِلُّ بكم.
* * *
(٦٩) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾: أي: يسبِّبَ لكم سببًا يَضْطَرُّكم إلى العَود وإلى ركوب البحر مرة أخرى.
﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾: عند ذلك ﴿قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ يكسرُ السفن ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾: فيهلكَكم عقوبةً لكم على كفران نعمةِ تخليصكم (^٢) في المرة الأولى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ﴾: أي: لأنفسكم ﴿عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾؛ أي: مَن يَتبعُنا بدمائكم ويخاصمُنا عنكم بهلاككم.
والتبيع: المُطالِب، والتَّبِعة والتِّباع المطالبة بالجناية، والاتِّباع: الطلب؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨].
* * *
(٧٠) - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بالحصى".
(٢) في (ر): "نعمه بتخليصكم"، وفي (ف): "نعمه بتخليصه إياكم".
[ ٩ / ٤٤٦ ]
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾: ذكَر في الآيات (^١) المتقدِّمة كفرانَ النِّعم من الكفار، وبيَّن في هذه الآية إنعامَه على بني آدم، فحثَّهم بذلك على الشكر، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾؛ أي: فضَّلناهم على كثيرٍ من أصناف الحيوانات، وجعلناهم أحقَّ بالكرامات منها، ويدخل فيها خلقُه إياهم على هذه الهيئة التي يَصلحون بها للتكليف والتمييز بين الأشياء، والاهتداءِ إلى أسباب المعاش، وما جعَل لهم من القامات المنتصِبة، وحرَّم دماءهم ولحومهم، وسخَّر لهم ما في الأرض، وجعلهم المقصودين بالخلق والامتحان، واستعمالِ السماء والأرضِ، والشمس والقمر، والنجوم والبحار، والبراري (^٢) والجبال، وجميع الصعاب والشِّداد (^٣) في حوائجهم بما لا يَتهيَّأ لغيرهم ذلك، وأَسجَدَ لأبيهم الملائكة.
وقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في البر على الدواب وفي البحر على الفُلك، في الرَّطْب على اليابس وفي اليابس على الرَّطْب.
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: اللذائذِ من الحبوب والثمار، ولحومِ الحيوانات النافعة المقوِّيَة، والأشربة العذبة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾؛ أي: فضَّلناهم بهذه الأشياء على سائر الحيوانات، وجعلنا سائر الحيوانات مسخَّرة لهم، وخلقنا لهم آلةَ المناولة والتناوُلِ.
و﴿كَرَّمْنَا﴾ أبلغ منْ: أكرمْنا؛ لأنَّه يقتضي التكرير والتكثير.
_________________
(١) في (أ): "الآية".
(٢) في (ر): "والقفار".
(٣) في (ر): "وجميع الصفات والسداد".
(٤) في (ف): "المغذية".
[ ٩ / ٤٤٧ ]
وقال ابن عباس ﵄: كرَّمناهم بالعقل.
وقال الضحَّاك: بالنُّطق والتمييز.
وقال عطاء: بامتداد القامة وتعديلها.
وقال يمان بن رئابٍ: بحسن الصورة.
وقال محمد بن كعب القرظي: بأن جعل محمدًا -ﷺ- منهم (^١).
وقال مقاتل: ﴿كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بالأكل بالأيدي (^٢).
ورُوي هذا عن ابن عباس ﵄ أيضًا (^٣).
وقال الأصمعي: دخلت على الرشيد وبين يديه جامُ خبيصٍ وبيده ملعقةُ ذهبٍ يأكل بها، فقال: يا أصمعي، تعال فساعِدْ، فقلت: حدَّثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوسٍ، عن جدِّك عبد اللَّه بن عباس في قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بالأكل بالأيدي، فرمى الملعقة.
وقال القشيري ﵀: هذا ظاهرٌ على العموم، والمراد به المؤمنون على الخصوص؛ لأنَّه قال في وصف الكفار: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، التكريم: التكثير من الإكرام (^٤)، فإذا حُرم الكافر أصلَ الإكرام فمتى (^٥) يكون له التكريم (^٦)؛
_________________
(١) ذكر هذه الأقوال الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١١٤)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ٤٠٢)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ١٠٨).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٤٢).
(٣) رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣١٦)، والبيهقي في "الشعب" (٥٨٤١).
(٤) في (أ): "التكثير من الإحرام"، وفي (ر) و(ف): "التكثر من الإكرام". والمثبت من "اللطائف".
(٥) في (ف): "فمن أين".
(٦) في (ر) و(ف): "تكريم"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
[ ٩ / ٤٤٨ ]
ثم إنما قال: ﴿بَنِي آدَمَ﴾، ولم يقل: المؤمنين، ولا: العابدين، ولا: المجتهدين، تقديسًا للتكريم من أن يكون مقابَلًا بفعلٍ، أو معلَّلًا بوفاق، أو مسبَّبًا باستحقاق.
وذلك التكريم: أنهم متى شاؤوا وقفوا على بساط المناجاة.
ومن التكريم: أنك على أيِّ وصفٍ كنتَ من الطهارة وغيرها إذا أردتَ أن تخاطبه خاطَبْتَه، وإذا أردتَ أن تسأله سألتَه.
ومنه: أن العبد إذا تاب ثم نَقَض توبته ثم تاب قُبلت توبتُه، ولو تكرَّر منه جُرمه [ثم توبته] يضاعف له قبول التوبة وعفوه.
ومنه: إذا عثَر أخذ بيده، وإذا قال: لا أعود، قَبِله بقوله (^١) وإنْ عَلِم أنه سيعود.
ومنه: أنه زيَّن ظاهرهم بالمجاهَدة، وحسَّن باطنهم بالمشاهدة.
ومنه: أنه أعطاهم قبلَ سؤالهم، وغفر لهم قبل استغفارهم، كذلك ورد في الخبر (^٢): ["أعطيتكم قبل أن تسألونى، وغفرتُ لكم قبل أن تستغفروني" (^٣)].
ومنه: أنه قال لهم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ولم يقل ذلك للملائكة ولا للجن.
وكذا قال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩].
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": "يقبل قوله".
(٢) في (ر): "ورد الخبر".
(٣) رواه ابن مردويه، وأبو نعيم في "الدلائل"، وأبو نصر السجزي في "الإبانة"، والديلمي من حديث عمرو بن عبسة ﵁ مرفوعًا، كما في "الدر المنثور" (٦/ ٤١٨)، وهو في "الفردوس" (٧٢٠٦). ورواه النسائي في "الكبرى" (١١٣١٨) من حديث أبي هريرة ﵁ موقوفًا بلفظ: "أعطيْتكم قَبْل أنْ تسألوني، وأجبْتُكم قَبْل أنْ تَدْعونِي".
[ ٩ / ٤٤٩ ]
ومنه: قوله في حقهم: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: محمولُ الكرام لا يقع، ولو وقع أُخذ بيده (^١).
ولما حمل بنو آدم الأمانة جازاهم بأن قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وشتَّان ما بينهما (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الرزقُ الطيِّب: ما كان على شهود الرازق، فمَن لم يكن غائبًا بقلبه، ولا غافلًا عن ربِّه، استطاب كلَّ رزق، وأنشدوا:
إنِّي لِمَا قد سُمْتَ ركَّابُ وللَّذي تسقيه شرَّابُ
لا عائفًا شيئًا ولو شِيبَ لي من كفِّك العلقمُ والصَّابُ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ فضَّلهم جميعًا بالخَلْق الحسَن، ثم فضَّل بعضهم على بعضٍ بالخُلُق الحسَن.
وقيل: فضَّلهم بأنْ لاحظوا أنفسهم بعين الاستحقاق، وأعمالَهم بعين الاستصغار (^٤).
* * *
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": (وإن وقع وجد من يأخذ بيده).
(٢) في (أ): "هما".
(٣) البيتان لأبي نواس، وهما في "ديوانه" (ص: ٦٩)، ولم يردا في "اللطائف"، وفيه بدلًا منهما: يا عاشقي إني سُعِدْتُ شرابًا لو كان حتى علقمًا أو صابا
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٢)، وما تقدم بين معكوفتين منه، والعبارة الأخيرة فيه: (فضَّلهم بألا ينظروا إلى نفوسهم بعين الاستقرار، وأن ينظروا إلى أعمالهم بعين الاستصغار).
[ ٩ / ٤٥٠ ]
(٧١) - ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾: قيل: هو على الإغراء؛ أي: احذروا يومَ ندعو، أو هو على الابتداء؛ أي: اذكروا ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ الآية.
وقال الزجَّاج: أي: ويعيدكم ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ (^١).
وقيل: يتصل بقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ الآيةَ ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾.
وقيل: يتصل بقوله: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾.
وقيل: يتصل بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾.
وقيل: بقوله: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾.
وقيل: يتصل (^٢) بقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.
روَى عليٌّ ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال في تفسيره: "بكتاب ربِّهم وسنَّةِ نبيِّهم" (^٣).
والإمام هو المقتدَى، وكتاب اللَّه هو الذي يجب أن يُقتدَى به، فعلى هذا يُدْعى: يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٥٢).
(٢) "يتصل" ليست في (ف).
(٣) رواه ابن مردويه، كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣١٧)، والثعلبىِ في "تفسيره" (١٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨). وهو حديث موضوع. انظر: "الميزان" ترجمة داود بن سليمان الجرجاني وترجمة عبد اللَّه بن أحمد بن عامر.
[ ٩ / ٤٥١ ]
وقيل: أي: بإمامهم المبعوثِ إليهم: يا أمة محمد (^١)، يا أمة موسى، يا أمة عيسى.
وقيل: أي: تُدعى كلُّ أمةٍ مع نبيِّها ليَشهد عليها.
وقال علي بن أبي طلحة: بأئمَّتهم في الخير والشر؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] (^٢).
وقال محمد بن كعب: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾؛ أي: بأمَّهاتهم (^٣).
وقال بعضهم: بمذاهبهم؛ لأنَّهم كانوا يَؤمُّونها (^٤).
وقيل: بحِرَفهم.
وقيل: بأحوالهم وبمقاماتهم، قال النبيُّ -ﷺ-: "أولُ مَن يُدْعَى إلى الجنة الحامدون اللَّهَ على كلِّ حال" (^٥).
وقال ابن عباس ﵄ في حديث عَقْدِ الألوية: ثم يُعقد لواء آخر وينادي منادٍ: أين الساعون للمشكور (^٦)؛ فيقومون، ثم يعقد لواء آخر وينادي منادٍ (^٧): أين الراضُون بالمقدور؟ فيقومون، ثم يعقد لواء آخر وينادي منادٍ
_________________
(١) في (أ): "أحمد".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١١٦).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١١٦)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ١١٠).
(٤) في (أ): "يأتونها".
(٥) رواه البزار في "مسنده" (٣١١٤ - كشف)، والطبراني في "الكبير" (١٢٣٤٥) و"الأوسط" (٣٠٥٧)، و"الصغير" (٢٨٨). وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٠٨): رواه البزار والطبراني في الثلاثة بأسانيد أحدها حسن.
(٦) في (ف): "للمسكين"، وفي (ر): "للسكون".
(٧) في (ف): "وينادون"، بدل: "وينادي مناد".
[ ٩ / ٤٥٢ ]
آخر (^١): أين الصابرون على المحذور؟ فيقومون، فهذه هي المقامات، إلى أن يَتمَّ أربعٌ وسبعون من الألوية (^٢).
وقيل -وهو الأظهرُ والأوفق للنظم-: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾؛ أي: إلى كتابهم الذي كتب فيه أعمالهم، وسمِّي إمامًا لأن المرجع إليه في تعرُّف أعمالهم، كما يسمَّى مصحفُ عثمان إمامًا لأن المرجعَ إليه، ويدل عليه ما بعده، وهو قوله:
﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: وهو كتاب أهل السعادة ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ مشتمِلًا على ما كان منهم.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: أي: ولا يُنقصون شيئًا من ثواب أعمالهم وإن كان شيئًا حقيرًا يسيرًا بمقدارِ ما يفتله الرجلُ بين أصابعه من الوسخ، فهو الفتيل.
وقيل: الفتيل: الذي يكون في شقِّ النواة.
وقال القشيري ﵀: ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ لكمالِ صَحْوِهم ووُفور عقلهم، والذين يُؤتَون كتابهم بشمالهم فهم لتحيُّرهم وتردُّدهم لا يقرؤون كتابهم، وأشار إليه في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] الآيات، ثم قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] ولم يذكر القراءة (^٣).
* * *
(٧٢) - ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
_________________
(١) "آخر" ليس من (ف).
(٢) في (أ): "أربع وسبعون لواء".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٦٢).
[ ٩ / ٤٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: قرأ أبو عمرو (^١): (أعمى) الأول بالإمالة والثاني بالتفخيم، وقال: هو للتفضيل بدليل قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، ومعناه: أشدُّ عمًى مِن عمَى القلب، فيكون أفعل للفعل لا للإفعال فيصح، قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦].
وقرأ بالتفخيم فيهما ابن كثير ونافعٌ وابن عامر وعاصم في رواية حفص، وبالإمالة فيهما حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر (^٢).
ومعناه: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾؛ أي: في الدنيا والنظرِ إلى أعيانها (^٣) والاستدلالِ بها على ما جُعلت الدلائلُ عليها ﴿أَعْمَى فَهُوَ﴾ في التفكُّر في أمور ﴿الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ لأنها غيبٌ ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ أي: أعدلُ عن الحق.
وقال ابن عباس ﵄: ذكر النعمةَ قبله فقال (^٤): ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ وكذا وكذا، ثم قال: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾؛ أي: ومَن كان عن هذه النِّعم التي يعايِن ويشاهِد ﴿أَعْمَى﴾ فهو عمَّا لم يُعايِن ولم يشاهِد من أمور الآخرة أعمى (^٥).
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "ونصير عن الكسائي وورش عن يعقوب والكرخي عن أبي بكر".
(٢) في (ر) و(ف): وقرأ بالتفخيم فيهما ابن كثير ونافعٌ وأبو جعفر وابن عامر وعاصمٌ غيرَ الكرخي ويحيى وحماد، وبالإمالة فيهما حمزة والكسائي غير نصير وخلف ويحيى وحماد. وانظر القراءات المذكورة أعلاه في "السبعة" (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" (ص: ١٤٠).
(٣) في (ف): "أعيابها".
(٤) في (ر) و(ف): "أي ذكر النعم قبله"، بدل: "ذكر النعمةَ قبله فقال".
(٥) رواه الفريابي وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄، كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣١٧).
[ ٩ / ٤٥٤ ]
ومَن عمي عن آيات اللَّه في الدنيا (^١) فعن الذي غُيِّب عنه من أمور الآخرة أشدُّ عمًى (^٢).
ومَن كان في الدنيا عن سلوك سبيل النجاة بالتوبة أعمى فهو في الآخرة أشدُّ عمًى (^٣) من طريق النجاة من عذاب اللَّه.
وقال أبو العباس بن العطاء: مَن كان في هذه الدنيا أعمى عن معرفته، فهو في الآخرة أعمى عن رؤيته.
وقيل: مَن كان في الدنيا لا يُبصر (^٤) رشدَه مع ما مُدَّ له في المهلة، فهو في الآخرة بهذه الحالة أيضًا لا سبيل له إلى التوبة.
وقيل: مَن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجج اللَّه بُعث يوم القيامة أعمى؛ كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] الآيات، وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهو على العمى (^٥) الحقيقيِّ بالبصر عقوبةً لهم.
وقال ابن عباس ﵄: مَن كان في هذه الدنيا أعمى عن شكر النعيم كان في الآخرة أعمى عن نيل الثواب العظيم.
_________________
(١) في (ف): "ومن كان عن آيات اللَّه في الدنيا أعمى".
(٢) رواه بنحوه أبو الشيخ في "العظمة" (٦٩)، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣١٧)، من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄.
(٣) في (ف): "أعمى" بدل: "أشد عمى".
(٤) في (ر): "لا يتصور".
(٥) قوله: "أعمى كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ الآيات، وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ وهو على العمى"، جاء بدلًا منه في (ر): "وهو على وجهه أعمى وهو على العمى".
[ ٩ / ٤٥٥ ]
وقال أبو بكر الورَّاقُ: مَن كان في هذه أعمى عن حجَّته فهو في الآخرة أعمى عن جَنَّته (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ عن مشاهدته ببصيرته فهو في الآخرة أعمى عن رؤيته ببصره (^٢).
وقيل: لمَّا نزلت هذه الآيةُ جاء عبد اللَّه بن أمِّ مكتومٍ -وكان ضريرًا- إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (^٣).
* * *
(٧٣) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾: وهذا من عمَاهم في الدنيا.
قال ابن عباس ﵄: جاء وفد ثَقيفٍ إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: نحن أخوالك (^٤) وأصهارُك وجيرانك فأعطِنا ما نريد نُعْطِكَ ما تريد، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما تريدون؟ " فقالوا: نريد أن لا نُعشَرَ ولا نُحشَرَ ولا نجبِّيَ (^٥)، وكلُّ ربًا لنا
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١١٧).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٦٢).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧)، وأورده البيضاوي في تفسير سورة الحج مقدما له بـ (قيل)، وهي صيغة التمريض عنده، وقال الشهاب: لعل تمريضه لعدم ثبوته عنده لأنّ ابن أم مكتوم ﵁ لا يخفى عليه مثله. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٦/ ٣٠٣).
(٤) في (أ): "إخوانك".
(٥) في (ر) و(ف): "نُحنى"، وهو موافق لبعض المصادر.
[ ٩ / ٤٥٦ ]
على الناس فهو عليهم، وكلُّ ربًا للناس علينا فهو موضوعٌ عنا، ومَن قصَد واديَنا وجًّا فعضَد (^١) شجرها واصطاد صيدها منَعْناه وضربناه، وأن تمتِّعنا باللات سنةً (^٢) لتَظهر كرامتُنا وفضْلُنا، وألا نكسرها (^٣) بأيدينا! فقال النبي -ﷺ-: "لا نَعْشر ولا نَحْشر، وكلُّ ربًا فهو لكم، وأما قولكم: لا نجبِّي (^٤)، فلا خير في دِين لا يكون فيه ركوعٌ ولا سجود، وأما قولكم: لا نكسر اللات بأيدينا، فلْنأمر بكسرها (^٥)، وأما قولكم: متِّعنا بها سنةً (^٦)، فأنا أنتظرُ أمر اللَّه تعالى فيها"، فقالوا: إن لامك العرب فقل: أمرني اللَّه بذلك، فقال لهم عمر: ما لكم أحرقتُم رسول اللَّه -ﷺ- أحرقَ اللَّه أكبادكم؟ لا ولا نَعِمَتْ عينٌ، لا يدعُ رسول اللَّه -ﷺ- صنمًا بأرض العرب يُعبد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (^٧)؛ أي: ما كادوا إلا أنْ يصرفوك عن الذي أوحينا إليك
_________________
(١) في (أ): "وقطع"، وفي (ر): "يعضد".
(٢) في (ر) و(ف): "وأن تمتعنا بها ثلاثين سنة"، وهو مخالف لسائر المصادر.
(٣) في (أ): "تكسر".
(٤) في (ر) و(ف): "نُحنى".
(٥) قوله: "فلنأمر بكسرها" من (أ) وليس في باقي النسخ، وفي "تفسير مقاتل": (فإنا سنأمر من يكسرها غيركم)، وفي غيره: (فذلك لكم).
(٦) في (ر) و(ف): "ثلاثين سنة"، وهو مخالف لسائر المصادر.
(٧) ذكره عن ابن عباس الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١١٨)، وعبد القاهر الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ٢٢٢)، وذكره مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٥٤٣)، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٦٧) في نزول هذه الآية وقال: رواه عطاء عن ابن عباس. ثم ذكر نحوه عن عطية عن ابن عباس. وذكره أيضًا (٢/ ١٩٦) في نزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] وقال: هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك. قال ابن حجر في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص: ١٠٠): ذكره الثعلبي عن ابن عباس من غير سند. وقال العراقي كما في "روح المعاني" (١٥/ ٣٢): لم نجده في كتب الحديث. =
[ ٩ / ٤٥٧ ]
لتفتريَ علينا غيره، وهو قولهم: قل: أمرني اللَّه به ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ يعني: لو فعلتَ ذلك لصادقوك وطاوَعوك.
وقيل: وقالوا: يا رسول اللَّه، امسح وجوهَ أصنامنا بيدك حتى نمكِّنكَ أن تستلم الحجر الأسود (^١).
وقيل: هو في الْتِماس المشركين أن يُخْلِي لهم المجلس وأن يطرد الفقراء عنه.
* * *
(٧٤) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾: وفيه إثبات العصمة له حتى لم يهمَّ بذلك أصلًا، ولم يكَدْ يفعل ذلك؛ لأنَّه علَّق ذلك بالشرط وهو قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾؛ أي: على الحق والصواب لكان منك ذلك، وهو
_________________
(١) = قلت: رواه ابن شبة في "أخبار المدينة" (٨٨٤) عن الكلبي ولا يفرح به، لكن روي بعضه لإسناد رواته ثقات، فقد روى الإمام أحمد في "المسند" (١٧٩١٣)، وأبو داود (٣٠٢٦)، من طريق الحسن عن عثمان بن أبي العاص ﵁: أن وَفْدَ ثَقيفٍ لَمَّا قدمِوا على رسولِ اللَّه -ﷺ- أنزلَهم المسجدَ ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يُحْشَروا ولا يُعْشَرُوا ولا يُجَبُّوا، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لكم أن لا تُحشَروا ولا تُعشَروا، ولا خيرَ في دِين ليس فيه ركوعٌ". ورجاله ثقات، إلا أن في سماع الحسن -وهو البصري- من عثمان بن أبي العاص اختلافًا، ويُثبت سماعه منه ما أورده البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٢١٢) عن الحسن قوله: كنا فدخل على عثمان بن أبي العاص. وجاء في هامش (ر): "لا نعشر: لا يؤخذ العشر منا، ولا نحشر: لا نبعث إلى الغزو، ولا نجبي: لا نركع".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٦/ ١١٧)، و"زاد المسير" (٥/ ٦٧)، قال ابن الجوزي: قاله سعيد بن جبير وهذا باطل.
[ ٩ / ٤٥٨ ]
كما قلنا في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]: أنه لمَّا ذكره معلَّقًا بالشرط كان نفيًا له أصلًا، وقوله: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ بيانُ قصدهم لا فِعلُه.
وقال الإمام القشيري ﵀: معناه: لو تركناك ونفسَك ورفعنا عنك ظلَّ العصمة لأَلْمَمْتَ بشيءٍ مما لا يجوزُ من مخالفةِ أمرنا، ولكنَّا ضربنا عليك سُرادقاتِ العصمة، وآويناك في كَنَف الرعاية، وحفظناك عن الأخطار باتِّباع هواك، فالزلة منك مع هذا محال، والافتراء في نفسك غير موهوم (^١).
وقال قتادة: لمَّا نزلت هذه الآية قال -ﷺ-: "اللهمَّ لا تَكِلْني إلى نفسي طَرفةَ عين" (^٢).
* * *
(٧٥) - ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾: أي: لو ركَنْتَ إليهم لأذقناك ضعفَ عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، فمَن كانت درجتُه أرفعَ ونِعمُ اللَّه عليه أسبغَ كان وعيدُ اللَّه في حقه أبلغَ، ولذلك قال في حق نساء رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾: أي: مانعًا عذابَنا عنك معينًا لك.
وإنما جاز إضمار العذاب في الضِّعف في هذه الآية لأن اللَّه تعالى وصف العذاب بالضعف في آية أخرى، فعُرف هاهنا أنه هو المراد به، قال تعالى: ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: ٦١]، وقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨].
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٦٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٦). والمرفوع منه رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٠٤٣٠)، وأبو داود (٥٠٩٠)، من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ٩ / ٤٥٩ ]
(٧٦) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾: أي: ليستخِفُّونك ويستعجلونك.
قيل: نزلت في حييِّ بن أخطبَ وجديِّ بن أخطب (^١) ورؤساءِ اليهود، قالوا للنبي -ﷺ-: إنك لَتعلمُ أن الحجاز ليست بأرض الأنبياء، وإنما مُقام الأنبياء أرضُ المحشر بالشام، فإن كنتَ نبيًّا فاخرج إلى الشام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتُك قتلَ الروم إياك، فتوجَّه رسول اللَّه -ﷺ- نحو الشام إلى ذي الحُليفةِ، فأتى جبريل بهذه الآية، فانصرف رسول اللَّه -ﷺ- (^٢).
وقيل: المراد منه الإخراج المذكور في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وهو ما ائتَمروا به في دار الندوة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو جعفرٍ وأبو عمرٍو وعاصم في رواية أبي بكر وحماد: ﴿خلْفَكَ﴾ والباقون: ﴿خِلَافَكَ﴾ (^٣)،
_________________
(١) "وجدي بن أخطب" من (أ).
(٢) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٣٤١)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٥٤)، عن عبد الرحمن بن غَنْم ﵁. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٨) من طريق سليمان التيمي عن حضرمي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١١٨) عن الكلبي، وذكره مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٥٤٥).
(٣) في (أ): "قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي في رواية حفص: ﴿خِلَافَكَ﴾ بالألف والباقون: ﴿خلْفَكَ﴾ " بدل: "قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحماد: ﴿خلْفَكَ﴾ والباقون: ﴿خِلَافَكَ﴾ ". والصواب المثبت، و﴿خِلَافَكَ﴾ قرأ بها ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، من السبعة، ويعقوب وخلف من العشرة. انظر: "التيسير" (ص: ١٤١)، و"النشر" (٢/ ٣٠٨).
[ ٩ / ٤٦٠ ]
ومعناهما واحد؛ أي: لو فعلوا ذلك لم يكن لهم بقاءٌ بعدك إلا قليلًا قَدْرَ ما ينزل بهم العذاب، لأنه ما فارق نبيٌّ قومَه إلا عذِّبوا ونزل بهم الاستئصال.
* * *
(٧٧) - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾: أي: كسنَّتِنا (^١) فيمَن قد أرسلنا قَبْلَك من رُسُلِنا: أنه ما فارق نبيٌّ قومَه إلا عذِّبوا ونزل بهم الاستئصال (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾: أي: لا يجد أحدٌ (^٣) سبيلًا، إلى تبديل ما سنَّه اللَّه وكتب (^٤) على عباده، وقال تعالى (^٥): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣]، وقد جرى على أهل مكة بعد خروج النبي -ﷺ- عنها إلى المدينة بسبب مكرهم قتلُ صناديدهم ببدرٍ بعد سنتين، ثم فتحُ مكة وإخراجُ مَن بها من المشركين.
* * *
(٧٨) - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "لسنتنا".
(٢) "ونزل بهم الاستئصال" ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "تجد"، بدل: "يجد أحد".
(٤) في (ر): "تبديل سنة اللَّه التي كتب"، وفي (ف): "تبديل سنة اللَّه وما كتب".
(٥) في (ف): "قوله".
[ ٩ / ٤٦١ ]
وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي: فإنْ ثقُل عليك أذاهم فافْزَعْ إلى الصلاة ففيها الفرجُ والمخرج، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨].
وقوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: قال ابن مسعود، وابن عباس ﵄ في روايةٍ، وابنُ زيد: لغروبها؛ أي: بعد غروبها وهي صلاةُ المغرب.
وقال ابن عباس ﵄ في روايةٍ والحسنُ ومجاهد وقتادة: هو زوالها (^١).
وأصله (^٢): الميل، وهو يَنتظِم الأمرين.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: هو أولُ ظلمة الليل، وقيل: هو ظهور ظَلامه. وقد غَسَقَت القَرحة: إذا انفجرت وظهر ما فيها.
يقول: أقِمِ الصلاة لزوال الشمس إلى ظلام الليل، وهو يَنتظِم صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: أي: صلاةَ الفجر، سماها قرآنًا لأن القراءة من أركانها، كما سميت الصلاة ركوعًا وسجودًا، وكذلك قال ﵇: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" (^٣)، وفي بعض الروايات:
_________________
(١) روى الأول عن ابن مسعود عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٩٦)، والطبراني في "الكبير" (٩١٢٧ - ٩١٣٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٨٢). وعن ابن عباس ابنُ أبي شيبة في "المصنف" (٦٢٧٤). وروى القولين عن الأئمة المذكورين الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٢ - ٢٧).
(٢) في (أ): "وأصلها".
(٣) رواه بنحوه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤)، من حديث أبي قتادة ﵁.
[ ٩ / ٤٦٢ ]
"حتى يسجدَ سجدتين" (^١)، وقد سمى اللَّه تعالى المصلِّين ركَّعًا وسجَّدًا.
وقيل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾؛ أي: قراءةَ الفجر؛ أي: أقمْ قراءةَ الفجر؛ أي: القراءةَ المفروضة فيها، فعلى هذا تكون الآية جامعةً للصلوات الخمس.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: أي: صلاةَ الفجر وما يُقرأ فيها، يشهدها ملائكةُ الليل والنهار، لفضيلة هذه الصلاة في نفسها.
* * *
(٧٩) - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾: أي: اسهَرْ بالقرآن تقرؤه في صلاة الليل ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ زائدةً على تلك الفرائض المذكورة في الآية الأولى، فتلك فرائضُ وهذه نوافل.
وقيل: غنيمةً لك.
وقال الحسن: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾؛ أي: خالصةً لك، وخلوصُه له: أنه لا يَغفل عن شيء منه في حالٍ، وغيرُه من الناس قد يغفلون فيه عن أشياء (^٢).
وقيل: إنما قال: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ لأنه كان مغفورًا له فيما يعمل فيكون نافلة له، وأما غيره من الناس فإن ما (^٣) يعمل من الخيرات يكون كفارةً لذنوبه فلا يكون نافلةً له، وإذا ثبت أنه نفلٌ في حقه ثبت أنه نفلٌ في حق أمَّته؛ لأن المشروع في حقه مشروعٌ في حق أمته حتى يقوم دليلُ التخصيص، وكان قيام الليل فرضًا في الابتداء ثم نسخت فَرْضيَّته.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٧) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٢) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٧/ ٩٨).
(٣) في (ف): "فإنه بما"، وفي (ر): "فإن بما".
[ ٩ / ٤٦٣ ]
وقيل: كان فرضًا على النبي -ﷺ-، ومعنى قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾؛ أي: زائدةً على عدد الخمس فرضًا عليك دون غيرك.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: أي: يُقِيمكَ مقام الشفاعة فيَحمدك عليه الخَلق، والمحمود: المرْضيُّ أيضًا، والمقام: هو الموضع الذي يقوم فيه الإنسان بجلائل الأمور؛ كالمقامات بين يدي الملوك، وفي مجالس العشائر لتسكين النائرة (^١)، وقال لبيد:
ومقامٍ ضيِّقٍ فرَّجتُه بلساني وبناني وجَدَلْ (^٢)
وقال آخر (^٣):
وإنِّي لقَوَّامٌ مَقَاوِمَ لم يكنْ جريرٌ ولا مولَى جريرٍ يقومُها (^٤)
وفي هذه المقامات يتبيَّن بها فضلُ السادة، وتُكتسب بها أسبابُ السيادة، ويطير بها الذِّكر في الناس.
وقال ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهد وقتادة: المقام المحمود هو مقام الشفاعة (^٥).
وقيل: هو إعطاءُ لواءِ الحمد.
* * *
_________________
(١) في (أ): "النوار"، وفي (ف): "الثائرة". والنائرة: الحقد والعداوة.
(٢) "ديوان لبيد" (ص: ٩٦).
(٣) "آخر" من (أ).
(٤) البيت للفرزدق كما في "المقتضب" (١/ ١٢٢)، و"المخصص" لابن سيده (٤/ ٢٠٩). وللأخطل كما في "الخصائص" لابن جني (٣/ ١٤٧)، و"اللامع العزيزي" للمعري (ص: ٣٣٨).
(٥) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٤ - ٤٦).
[ ٩ / ٤٦٤ ]
(٨٠) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾:
المَدخل والمَخرج بفتح الميم: موضع الدخول وموضع الخروج، وبالضم: موضع الإدخال ومو ضع الإخراج، ويكون مصدرًا أيضًا وهو نفسُ الإدخال ونفس الإخراج.
والصدق أريد به: صدقُ الوعد؛ أي: تُصَدِّقُ (^١) به ما وعدتَني، كما قال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].
ويحتمِل أن يكون معناه: الحسَن الجميل، كما يقال: فلانٌ خليلُ صدقٍ ورجلُ صدق؛ أي: مرضيُّ الخلُق، ومنه قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].
وقال ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة: هو إدخال المدينة بعد الإخراج من مكة (^٢).
وقيل: معناه: أدخلني فيما أمَرْتني به وأخرجني عما نهَيْتني عنه.
وقال القفَّال: علَّمه ما يدعو به في صلاته من إخراجه من بين ظهراني المشركين على الحالة المحمودة من السلامة والكفاية والعز والعافية: وأخرجني من مكة إخراج صدق.
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: أي: وإذا أدخلْتَني مكة بالحرب
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مصدقٌ".
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٤ - ٥٥). وخبر ابن عباس رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٩٤٨)، والترمذي (٣١٣٩)، وقال: حسن صحيح.
[ ٩ / ٤٦٥ ]
فسلِّطني على المشركين وأعنِّي عليهم وانصُر سلطاني؛ أي: اجعل سلطاني عليهم منصورًا، والنصير بمعنى المنصور، ويقال (^١): راية منصورة، يراد بها أن صاحبها منصور على أعدائه، والنصر: التمكين من الانتصار من العدو، وقد استجاب اللَّه تعالى ذلك يوم الفتح.
* * *
(٨١) - ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾: أي: بشِّر أصحابك بدنوِّ دولتهم وبُطلان دولة (^٢) أعدائهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾: أي: لم يزل (^٣) مضمحلًّا؛ أي: لا بقاء له يتراءى (^٤) ثم يتلاشى، وإنما الثباتُ والدوامُ للحق، وهذا مستقبلٌ بصيغة الماضي كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١].
وقال ابن عباس ﵄: (زَهَق الباطل): ذهب (^٥)، وهو من زَهَقت نفسه: إذا خرجت وهلَكتْ.
وروي (^٦) أن النبي -ﷺ- لمَّا دخل الكعبة يومَ فتح مكة وجد فيها ثلاثَ مئة وستين صنمًا، فجعل يطعُنها [بعودٍ كان] بيده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (^٧).
_________________
(١) قبلها في (ر) و(ف): "قال".
(٢) قبلها في (ر) و(ف): "دعوة".
(٣) "لم يزل" ليست في (أ).
(٤) في (ف): "يتوالى"، وفي (ر): "سوى ظهوره".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦٢).
(٦) في (ر): "ويروى".
(٧) رواه البخاري (٢٤٧٨)، ومسلم (١٧٨١)، من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٩ / ٤٦٦ ]
فيحتمِل أن تكون هذه الآيةُ أمرًا له أن يقول هذا إذا دخل مكة، وفيه تحقيقٌ للبشارة بالفتح، وهذا التأويل أقربُ للنظم والاتِّصال بقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾.
وفيه أقاويلُ أُخَرُ:
قيل: معناه: أَمِتْني إماتةَ صدق وابعثْني يومَ القيامة مَبعثَ صدق، فيتصل بقوله: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ويكون الإدخالُ في القبر والإخراج منه.
وقيل: أي: أدخلني في الأمر الذي أكرمْتَني به من النبوة ما دمتُ حيًّا مدخل صدق، وأخرجني منه إذا أمتَّني مُخرج صدق، وهذا معنى قول مجاهد (^١).
وقال القشيري ﵀: ﴿أَدْخِلْنِي﴾ في طاعتك ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ على رؤية المنَّة ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ منها ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ على رؤية التبرِّي من الحول والقوة.
وقيل: إدخال الصدق أن يكون دخوله في الأشياء باللَّه للَّه لا لغيره، وإخراجُ الصدق أن يكون خروجه عن الأشياء باللَّه للَّه لا لغيره.
﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ حتى لا ألاحظ دخولي ولا خروجي.
والحقُّ ما كان للَّه تعالى والباطلُ ما كان لغيره.
والحق من الخواطر ما دعا إلى اللَّه والباطلُ ما دعا إلى غير اللَّه (^٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٦).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٦٥).
[ ٩ / ٤٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: متَّصلٌ بقوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، وبقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.
﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ليس للتبعيض، بل هو كقوله: لي من هذا الرجل أخو صدق؛ أي: هذا الرجل أخو صدق. والقرآن كلُّه شفاءٌ من وجوه:
أحدها: ما فيه من البيان الذي يزيل عمَى الجهلِ وحيرةَ الشكِّ ومرضَ العلم.
ومنها: أنه برهان من جهة النَّظم والتأليف على أنه معجزٌ يدلُّ على صدقِ مَن أتى به.
ومنها: أنه يُتبرك به فيدفع اللَّه به كثيرًا من المكارِه والمضارِّ والأمراض، وقد روي أن اللَّديغ برئ حين قُرئ عليه فاتحة الكتاب (^١).
ومنها: ما في تلاوته من التعبُّد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾: أي: المشركين المعرِضين عن التدبُّر (^٢) والتفكُّر فيه إلا هلاكًا وغبنًا (^٣) بفَوْت الثواب واستحقاقِ العقاب، وإضافةُ الزيادة إلى القرآن بطريق التسبُّب على ما مرَّ مراتٍ.
* * *
(٨٣) - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ﴾: وسبب الخسران بتنزيل القرآن:
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٠٧)، ومسلم (٢٢٠١)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ورواه البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) في (ر) و(ف): "التذكر".
(٣) في (أ): "إلا هلاكًا وعنفًا"، وليست في (ر).
[ ٩ / ٤٦٨ ]
أنَّا (^١) إذا أنعمنا على الإنسان -أي: المشرك- بإعطاء المال والصحة والأمان وكثرةِ الولد (^٢) لنمتحنَه بشكر نعمتنا وأداءِ طاعتنا أعرض عن تدبُّر آياتنا.
وقوله تعالى: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أي: تباعَدَ بجانبه عن المؤمنين، فلم يَلِنْ لهم، وهو عبارةٌ عن التكبُّر (^٣)، يقال: فلان ليِّنُ الجانب: إذا كان متواضعًا سَمْحَ الأخلاق، وصعبُ الجانب: إذا كان متكبِّرًا عَسِرَ الأخلاق، ولا يوصَل إليه بسهولةٍ كالشيء البعيد.
ويحتمِل: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾؛ أي: تباعَدَ في إعراضه؛ كما قال: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا﴾ [يونس: ١٢]، وهو كما يقال إذا نأى وخالف (^٤): ركب فلان رأسه، وشمَخ بأنفه، وصعَّر خدَّه، ولوَى شِدْقه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾: أي: فإذا أصاب هذا الكافرَ سوءٌ يَئس من رحمة اللَّه فلم يصبر على المحنة، وفي الحالة الأولى لم يشكر على النعمة، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١].
* * *
(٨٤) - ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾؛ أي: كلُّ إنسان يعمل في دينه على ما يشاكِل عقله، فمَن تدبَّر القرآن واستشفَى به عمِل في دينه بالحجة، ومَن أعرض عنه عمِل على ما يُوجبه تقليد الآباء في الضلالة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي".
(٢) في (أ): "الولدان".
(٣) في (أ): "الكبر".
(٤) "نأى وخالف" من (ف).
[ ٩ / ٤٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾: من الفريقين، ويجازي كلَّ فريقٍ على عمله وعلى وَفْق اعتقاده.
والشاكلة: الخليقة، وقيل: الطريقة، وقيل: الطبيعة.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾؛ أي: على ناحيته (^١).
وقال ابن عباس ﵄: على طريقته (^٢).
وقال مقاتل: على طبعه (^٣).
وقال الحسن وقتادة: على نيَّته (^٤).
وقال المبرِّد: على ضريبته (^٥).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦٦).
(٢) "وقال ابن عباس ﵄: على طريقته"، من (ر)، وهذا الوجه بمعنى الذي قبله، فإن الإمام ابن جرير ﵀ في تقديمه لقول ابن عباس السابق قال: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: على ناحيته وطريقته. . . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. . .) ثم روى قول ابن عباس السابق. وقال الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ١٣٠): ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: ناحيته، وهي الطريقة والجديلة.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٤٧)، وفيه: (على جديلته)، والمعنى واحد.
(٤) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٢٩).
(٥) في (أ): "ضربته". والضريبة: الطبيعة. انظر: "القاموس" (مادة: ضرب). وبلفظ الطبيعة رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦٦) عن مجاهد، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٦٩) عن ابن عباس. وقال الآلوسي في "روح المعاني" (١٥/ ٧٨): وفسر مجاهد الشاكلة بالطبيعة على أنها من شكلت الدابة: إذا قيدتها؛ أي: على طبيعته التي قيَّدَتْه؛ لأن سلطان الطبيعة على الإنسان ظاهر، وهو ضابط له وقاهر، وروي ذلك عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، ومثل ذلك في المأخذ تفسير بعضهم بالعادة، ومن مشهور كلامهم: العادات قاهرات.
[ ٩ / ٤٧٠ ]
(٨٥) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾: أي: هؤلاء المشركون المعرِضون عن التدبُّر في كتابك يتعنَّتونك في سؤالك وجوابك.
وقيل في نزول هذه الآية: إن النَّضْر بنَ كلَدةَ بنِ عبدِ مناف بنِ عبد الدار قال: يا معشر قريش، قد نزل بكم أمر ما تَقْدِرون قَدْرَه فانظروا في أمركم، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا النضرَ بن الحارث (^١) وعُقبةَ بنَ أبي معيطٍ وأبيَّ بن خلف إلى أحبار يهود بيثربَ: فأْتُوهم وسلُوهم عن محمد وأمره، فخرجوا حتى أتوا يهود بني قريظةَ والنضيرِ وقينقاع، ثم سألوهم عن النبي -ﷺ- فوجدوهم قومًا حُسَّدًا، فقالوا: اسألوا الرجل عن ثلاثة أشياء، فإن أخبركم عنهنَّ فإن الرجل مرسَل، وأن لم يفعل فالرجلُ (^٢) متقوِّل، وقد أظلَّ زمانُ نبيٍّ، فاسألوه عن طوَّافٍ قد بلغ المشرق والمغرب قد كان له خبرٌ ونبأ وقَصَص، واسألوه عن الروح، فإن أخبركم عنه فإنه كاذب، وإن لم يخبركم عن الروح فهو كما قال، واسألوه عن أصحاب الكهف، فإن عجز عنها فهو متقوِّل، فخرجوا حتى انتهَوا إلى فدك فقالوا لهم مثلَ هذا سواءً، إلا أنهم قالوا: هذه صفتُه، ونجدُ مخرجه من بلادكم، ونجدُ مُهاجَرَه بيثرب، فرجع النفر إلى مكة، فلما قدموا على قريش قالوا: جئناكم نَفْصِل ما بينكم وبين محمد، قد أمرَنا أهلُ الكتاب الأوَّل أن نسأله عن أمور، فإن أخبرنا عنها فهو كما قال، وإنْ عجز عنها (^٣) فهو متقوِّل، فمشت قريشٌ مع هؤلاء الرسل حتى وقفوا على رسول اللَّه -ﷺ- وهو جالسٌ
_________________
(١) هو نفسه النضر بن كلدة المذكور في أول الخبر، فهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار. انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٩٠٤).
(٢) في (ر) و(ف): "فإن الرجل".
(٣) "عنها" ليس من (أ).
[ ٩ / ٤٧١ ]
عند الكعبة قد فرغ من صلاته، فقالوا: إنَّا نريد أن نسألك عن أشياء، وتقدم النَّفَر الذين كانوا قدِموا فسألوه عن تلك الخصال الثلاث، فقال: أخبرُكم غدًا، ولم يقل: إن شاء اللَّه؛ أي: لم يستثنِ، فمكث الوحيُ عن النبيِّ -ﷺ- خمسَ عشرةَ ليلةً لا يأتيه جبريل ﵇ بشيء (^١)، فكبُر ذلك على رسول اللَّه -ﷺ-، وأَرجَف أهل مكة، فقال (^٢) بعضُهم لبعض: الرجل متقوِّل، وبطَل ما كان يقوله، وعدَنا أن يخبرَنا عما سألناه عنه فقال: غدًا أخبركم، واليوم خمس عشرة ليلة (^٣) ولم يأتنا بخبرِ ما سألناه عنه، ثم عادوا فسألوه عن حديث أصحاب الكهف، فقصَّ عليهم قصَّتهم، ثم جاءهم بحديث الطوَّاف وهو ذو القرنين، فأخبرهم بذلك كلِّه وقص عليهم، ثم سألوه عن الروح فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ فانصرفوا (^٤). وقد جاءت هذه الأمور كلُّها وهم لا يؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾؛ أي: عن الروح التي يَحْيَى بها الحيوان: ما هي؟ كما يَسأل عنها مَن يدَّعي الفلسفة ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: هو المتفرِّد بعلم كيفيتها، كمَن يُسأل عن شيء لا يقف على حقيقته، فيقول: هذا من أمر أستاذي؛ أي هو الواقف على حقيقته.
وقيل: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: وجودُها بتكوين ربي؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ
_________________
(١) "بشيء" من (أ).
(٢) في (ف): "وقال أهل مكة" بدل: "وأرجف أهل مكة فقال".
(٣) في (ف): "يومًا".
(٤) رواه ابن إسحاق في "السير والمغازي" (ص: ١٩٧)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٤٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٧٠)، من حديث ابن عباس ﵄. وشيخ ابن إسحاق فيه مبهم لم يسمه.
[ ٩ / ٤٧٢ ]
إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهذا جوابٌ مُقنعٌ كافٍ لمن أَنصف، وإنما بُعث رسول اللَّه -ﷺ- لبيان ما يُحتاج إليه من أمر الدين.
قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: ولقلَّةِ علمكم بمواقع حُجج اللَّه ومراتبِ دلائله تلتمسون دلائلَ صحةِ دعوَى النبوةِ من جهةِ العلم بالروح ونحوِ ذلك، وليس كذلك.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: الروح الذي سألوه عنه هو جبريل، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (^١).
وقيل: هو ملك من الملائكة له سبعون ألفَ وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألفَ لسانٍ، يسبح اللَّه تعالى بجميع ذلك، وهذا عن عليٍّ ﵁ (^٢)، وقال: وهو حافظٌ على الملائكة، كالملائكة حفَّاظٌ على بني آدم، وهو في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] (^٣).
وقال الحسن: سألوه عن الروح الذي هو القرآن، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (^٤)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، ويدلُّ عليه
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٦٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٧١)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤٠٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٧٨١)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) لم أجده، وقال مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٥٤٧): ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وهو ملك عظيم على صورة إنسان أعظم من كلِّ مخلوق غير العرش، فهو حافظ على الملائكة وجهه كوجه الإنسان. وليس فيه ما يحتج به.
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٦٩). وروى عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦١٥) عن قتادةَ والحسَن، في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قال: هو جبريلُ، قال قتادةُ: وكان ابنُ عباس يَكتمه.
[ ٩ / ٤٧٣ ]
ما قبله وما بعده: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾، ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ الآية؛ أي: قالوا: ما هذا الروح؟ أي: القرآنُ الذي سمِّي (^١) روحًا، ومَن آتاك هذا وأنزله عليك؟ فإنَّا نراه مبايِنًا لضروب الكلام من الشعر والأساجيع والخطب، فقال: هو من أمر ربي أنزله إليَّ، ولو تدبَّرتُموه لحَيِيْتم به من موت الجهل، ولكنْ لقلةِ علمكم تركتُم ذلك وقلتُم مِن أين جاء؟ ومَن جاء به؟ وهو قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقيل: لمَّا قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ولم يفسِّر قالوا: إنه لم يعلم، فنزل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقيل: سمع النبيُّ -ﷺ- اليهودَ يقولون: علمُ كلِّ شيء في التوراة، فقرأ عليهم هذه الآية: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقالت اليهودُ: نحن مخصوصون (^٢) بهذا الخطاب أو أنتم معنا فيه؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "بل نحن وأنتم، ولم نُؤت من العلم إلا قليلًا"، قالوا: ما أعجَب شأنك! تارةً تقول: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وتارةً تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فأنزل اللَّه تعالى قوله ردًّا عليهم: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] (^٣)، فبيَّن لهم أن علوم الخلائق تتلاشى في علم اللَّه تعالى.
* * *
_________________
(١) في (أ): "يسمى".
(٢) في (ف): "مخصصون".
(٣) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٧٢) عن عطاء بن يسار مرسلًا.
[ ٩ / ٤٧٤ ]
(٨٦) - ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: عدَّد نعمَه عليه -ﷺ- بما آتاه من القرآن، ثم قال: ونحن قادرون على أن نَذهب به بأنْ نُنْسيَكه والناسَ جميعًا ونرفعَه من صدوركم.
قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾: أي: لا تجد مَن يردُّنا عنه وكيلًا لك بذلك؛ أي: قائمًا به معتمِدًا عليه.
* * *
(٨٧) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: وهذا استثناء منقطع، يعني: لكنْ ما أراده اللَّه من الرحمة (^١) بعباده على يديك وما في سعة فضله هو الذي يبقيه عليكم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾: أي: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ﴾ في سابق علمه بما أراده من إرسالك إلى الناس نبيًا (^٢) ﴿كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (^٣).
* * *
(٨٨) - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾: لفظًا ومعنًى وإعجازًا ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾؛ أي: لم يقدروا على ذلك ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لكن من أراد اللَّه به من الرحم".
(٢) في (أ): "تبيانًا".
(٣) في (ف): "كان كبيرًا" بدل: "نبيًا ﴿كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ ".
[ ٩ / ٤٧٥ ]
ظَهِيرًا﴾؛ أي: مُعينًا؛ أي: وإن تظاهروا وتعاونوا وتقوَّى بعضُهم ببعض لم يقدروا على ذلك، هو جواب قول النضر بن الحارث الذي قال: لو نشاء لقُلنا (^١) مثلَ هذا.
قال السدِّي: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لأنه غيرُ مخلوق، ولو كان مخلوقًا لأتَوا بمثله (^٢).
وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ﴾ إنما رُفع ولم يُجزم بجزاء الشرط لأنه غلَب جوابُ القسم على جواب الشرط، لوقوعه في صدر الكلام، ويجوز أن يُجزم على الجواب للشرط، قال الأعشى:
لئنْ مُنِيْتَ بنا عن غِبِّ معركةٍ لاتُلْفِنا (^٣) عن دماء القوم نَنتقلُ (^٤)
والأصحُّ الأفصحُ الرفعُ.
* * *
(٨٩) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: صرَّفنا في هذا القرآن المعجِز القولَ بكلِّ نوعٍ من الترغيب والترهيب ليتدبَّروا وليتفكَّروا.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: وهم قريشٌ والعرب ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: إصرارًا على الكفر وتماديًا على الطغيان وكفرانِ النِّعم (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لو شئنا لفعلنا".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٣٢).
(٣) في (أ) و(ف): "تلقنا".
(٤) "ديوان الأعشى" (ص: ١١٣).
(٥) في (ر) و(ف): "وكفرانًا للنعم".
[ ٩ / ٤٧٦ ]
(٩٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾: أي: لن نصدِّقك وإنْ أتيتَنا بهذا القرآن المعجِز.
﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾: قرأ عاصم (^١) وابن غالب وحمزة والكسائي وخلفٌ ويعقوب: ﴿تَفْجُرَ﴾ بالتخفيف (^٢)؛ لأن المحل واحدٌ وهو قوله: ﴿يَنْبُوعًا﴾ والثلاثي منه متعدٍّ، وقد فَجَر؛ أي: شقَّ العين وأسال الماء، وقرأ الباقون بالتشديد (^٣)؛ لأنه للتكثير والتكرير.
والينبوع: العين التي ينبع منه الماء؛ أي: يفور، وأرادوا باليَنبوع طلبَ عيون ببلدهم، قاله قتادة ومجاهد (^٤)، وما بعده وهو قوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ هذا بالتشديد بالإجماع؛ لمكان الأنهار.
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكةَ ﴿يَنْبُوعًا﴾؛ أي: عيونًا فيتهيَّأَ لنا بها الزراعة وغرسُ الأشجار.
* * *
(٩١) - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾.
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾: أي: يكونَ
_________________
(١) بعدها في (ر): "عن المفضل"، وسقطت هذه الجملة من (أ).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٤ - ٣٨٥)، و"التيسير" (ص: ١٤١)، عن عاصم وحمزة والكسائي، وقراءة خلف ويعقوب في "النشر" (٢/ ٣٠٨).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٤ - ٣٨٥)، و"التيسير" (ص: ١٤١)، و"النشر" (٢/ ٣٠٨).
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٧٨).
[ ٩ / ٤٧٧ ]
لك في (^١) خاصةِ نفسك إذ زعمتَ أنك رسول اللَّه مكرمٌ عنده، فيَخصَّك بالجنان التي فيها النخيل والأعناب، فتفجِّرَ (^٢) فيها الأنهار المطَّردة.
* * *
(٩٢) - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾.
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: أي: قِطَعًا (^٣).
والكَسْف: القَطْع، وهو مصدر بالفتح، وبالكسر: القطعة، وتجوز جمعًا بحذف الهاء كالسِّدر جمع سِدْرة.
وقوله: ﴿كَمَا زَعَمْتَ﴾ يعنون قوله عن اللَّه: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤].
وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾: أي: مُقابلًا، وهو كالأكيل بمعنى المؤاكل، والجليس بمعنى المجالس، واحدٌ بمعنى الجمع كقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجَكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]؛ أي: أطفالًا.
وقيل: ﴿قَبِيلًا﴾ جمع قبيلة؛ أي: مجتمعين.
وقيل: القبيل: الكفيل؛ أي: تأتي بهم كفلاءَ عنك يضمنون عهدةَ ما تَدْعونا إليه
_________________
(١) "في" ليست في (أ)، وفي (ر): "ذلك في".
(٢) في (أ): "مفجرة"، وفي (ف): "تتفجر".
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٨١ - ٨٢)، وعن قتادة رواه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٢٤).
[ ٩ / ٤٧٨ ]
وتَعدُنا من نصر إلهكَ لمن آمَن بك على مَن عاداك، واحدٌ بمعنى الجمع، وطريق استعماله: أن يراد به أن يأتي بكلِّ واحدٍ منهم قبيلًا؛ أي: كفيلًا، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾؛ أي: يخرج كلَّ واحد منكم طفلًا.
* * *
(٩٣) - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.
وقوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: من ذهب (^١)، والزخرفة: التزيين والتحسين، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤]؛ أي: زينتَها.
وقال الحسن: الزُّخرف؛ أي: النقوش (^٢)؛ أي: أو يجعل اللَّه لك بيتًا مزيَّنًا (^٣) بالذهب كما تكون بيوت ملوك الروم وفارس وغيرهما، فإن الناس لا ينقادون لك على ما بك من الفقر.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾: أي: تصعدَ ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾؛ أي: لصعودك ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ في قرطاس، كما قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] (^٤).
وقيل: أي: على كلِّ واحدٍ منا كتابًا، كما قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٨٤).
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٧٣).
(٣) في (ر) و(ف): "مبنيا".
(٤) "كما قال ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ " زيادة من (ف).
[ ٩ / ٤٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾: أي: تنزيهًا لربي أن يعجز عن شيء من هذا ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ والبشريةُ لا تقتضي القدرة على هذه الأشياء من غيرِ إقدارِ اللَّه تعالى عليه، والرسالةُ لا تقتضي الإتيانَ بها لا محالة، فإنه أرسل الرسل وما أَتَى كلُّ رسولٍ بهذه الأشياء.
وقيل: أنا رسولٌ ولستُ بملَكٍ لأُزخرفَ (^١) البيوت وأغرسَ الجنان، إنما أنا رسول إليكم أبلِّغكم رسالات ربي.
قال ابن عباس ﵄: طلبَ هذه الأمورَ من رسول اللَّه -ﷺ- جماعة من قريش، وهم: عتبةُ بن ربيعةَ، وشيبةُ بن ربيعةَ، وأبو سفيان، والأسوَدُ بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وعبد اللَّه بن [أبي] أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيهٌ ومنبِّهٌ ابنا الحجَّاج السُّلَميان (^٢).
وقيل: أجابهم عن هذا في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]، وإنما لم يُعطهم ذلك لأن ما جاء به الرسول من الآيات كانت أدلةً لا شبهةَ فيها، فلم يكن لهم إنكارُها مع وضوحها، فكان طلبُ غيرها من الآيات تعنُّتًا، فلم يستحقُّوا أن يُجابوا عنها.
وقيل: قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾؛ أي: أمرُها إلى الذي أرسلني، وهو أعلم بالتدبير وبما ينصبه (^٣) من الدليل.
* * *
(٩٤) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "فأزخرف" وفي (ر): "فإني أحرق".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٨٧)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في (ف): "يمضيه".
[ ٩ / ٤٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾: لمَّا قال: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ فقالوا (^١): وإذا كنتَ بشرًا مثلَنا فكيف يلزمُنا الانقيادُ لك؟ ثم ردَّ عليهم هذه الشبهةَ فقال:
* * *
(٩٥) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾: أي: يسكنونها مستوطِنين ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ليكون من جنسهم فيفهمون كلامه ويسكنون إليه، فأما أنتم فبشر، فبعثني إليكم بشرًا مثلَكم لتكون قلوبكم إليه أسكنَ، وأنتم لكلامه أفهمَ.
* * *
(٩٦) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين (^٢) المكذِّبين لك: قد أوردتُ عليكم الآيات، وبلَّغتُ الرسالات، وأنا أُشهد اللَّه على ذلك، و﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ عالمًا ﴿بَصِيرًا﴾ مشاهِدًا أفعالَكم وأفعالي، فهو يَشهد لي عليكم يوم القيامة بالتبليغ وعليكم بالإعراض والتكذيب، فيجازي كلًّا بعمله (^٣)، وهو وعيد شديد.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "قالوا أبعث اللَّه بشرًا رسولا"، بدل: "فقالوا".
(٢) "المشركين" ليست في (أ).
(٣) في (ر): "بفعله".
[ ٩ / ٤٨١ ]
(٩٧) - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾: أي: ومَن يَهده اللَّه فهو المهتد (^١)، دلت الآية على خلق أفعال العباد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾: أي: ومَن يُضلِلْه اللَّه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: مَن يتولَّى هدايتَهم، وهو بمعنى الجمع لأنه جنسٌ ولذلك جمع ما بعده، وهو قوله:
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: أي: مسحوبِين عليها.
قال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل هذا قال المشركون: كيف يمشون على وجوههم؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يُمشِيَهم على وجوههم" (^٢).
﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾: حين يحشرون، ثم يزول ذلك بدليل قوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]، وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].
وقيل: عُميٌ عمَّا يَسرُّهم (^٣)، بكمٌ عن التكلُّم بما ينفعُهم، صمٌّ عمَّا ينفعهم (^٤)، كذا قال ابن عباس والحسن (^٥). . . . . . . . .
_________________
(١) "فهو المهتد" زيادة من (أ).
(٢) روى نحوه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) في (ر): "ينفعهم"، وفي (ف): "شهوده".
(٤) في (أ) و(ف): "يمنعهم"، وانظر التعليق الآتي.
(٥) ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٧٥)، وفيه: (صم عما يمتعهم). وذكره القرطبي =
[ ٩ / ٤٨٢ ]
وهو جزاءٌ على ما (^١) كانوا يتعامَون في الدنيا عن رؤيته من الحق، ويتباكَمُون عن التكلم به من الحق، ويتصامُّون عن سماعه من الحق، قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
وقال مقاتل: ذلك في جهنم حين يقال لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي: مَصيرهم ومَقرُّهم ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾؛ أي: كلما سكن لهبُها، وقد خبا يَخْبو خَبْوًا، والتاء للتأنيث.
﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: أي: لهيبًا، وقد سَعَر النارَ يَسْعَرُها من حدِّ صَنَع؛ أي: ألهبها (^٣).
وقيل: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾؛ أي: أرادت أن تخبوَ؛ كما قال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢].
* * *
(٩٨) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: فسَّرناه في هذه السورة، يقول: لم نعذِّبهم ظلمًا، بل جزاءً على كفرهم وإنكارهم البدثَ وتعجُّبهم منه بعدَ إرمامهم وتفتُّت عظامهم.
_________________
(١) = في "تفسيره" (١٣/ ١٧٩)، وفيه: (. . . بكم عن التكلم بحجة، صم عما ينفعهم).
(٢) في (ف): "جزاء ما"، وفي (أ): "جزاء عما".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٥١).
(٤) في (ف): "وقد سعر من حد صنع".
[ ٩ / ٤٨٣ ]
(٩٩) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: فإذا قدَر على خَلْق مِثْلِهم قدَر (^١) على إعادتهم خلقًا جديدًا ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ذلك؛ أي: أولم يعلموا ذلك علمًا يقوم (^٢) مقام العِيان في حقِّ الإيقان.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾: أي: مدةً طويلةً إنظارًا (^٣) لأنفسهم ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه؛ أي: في مُضيِّه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: أي: كفرانًا لهذا الإنعام بعد (^٤) الإمهال.
وقيل: جعَل لهم أجلًا هو البعثُ لمحاسبتهم على كفرهم، فأبوا في الدنيا إلا كفرًا بهذا (^٥) الوعيد في الآخرة.
وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخير: خلق السماوات والأرض وجعل لهم أجلًا لا ريب فيه -وهو مدة العمر- قادر على أن يخلق مثلهم.
* * *
(١٠٠) - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾: يخاطب المشركين، و﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾؛ أي: مفاتيحَ رزقه.
_________________
(١) في (ف): "قادر" بدل من "فإذا قدر على خلق مثلهم قدر".
(٢) في (ف): "يقاوم".
(٣) في (أ): "أي مدة نظرًا".
(٤) في (ر) و(ف): "بهذا".
(٥) في (ر) و(ف): "كفورًا لهذا".
[ ٩ / ٤٨٤ ]
﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾ عن الإنفاق على أنفسكم ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ (^١)؛ أي: لخوف الفقر، قاله ابن عباس ﵄ (^٢)، واللغة كذلك.
وقيل: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾؛ أي: أن يُذهِب إنفاقُكم أموالَكم.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ قال الحسن: أي: بخيلًا. وقال ابن عباس ﵄: أي: مُمسكًا (^٣). وقال الضحاك: ضيِّقًا (^٤)، وأصله: يُضيِّق النفقة، وقد قَتَر يَقْترُ قَتْرًا من حدِّ دخل وضرب جميعًا، وقتَّر تقتيرًا بالتشديد؛ أي: ضيَّق النفقة.
فإن قيل: فلمَ قال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ وفي الناس الجواد؟
قلنا: الأغلب ذلك؛ لأن المقتصِد والبخيل ليسا بجوادٍ، ولأن طبع الكلِّ الضِّنُّ على غيره بما فيه نفعُ نفسه.
وقال الحسن: إذا أراد به المشركَ وهو لا يرجو الثواب فلا يجود لذلك (^٥).
* * *
(١٠١) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾.
_________________
(١) في (ف): " ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ على أنفسكم"، وفي (ر): " ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ عن الإنفاق على أنفسكم خشية الإملاق".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٩٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٩٩) عن ابن عباس بلفظ: بخيلًا، وعن قتادة بلفظ: بخيلًا ممسكًا.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٣٧) دون عزو جامعًا بين الأقوال كلها، حيث قال: ﴿قَتُورًا﴾: بخيلًا ممسكًا ضيقًا.
(٥) انظر السؤال والجواب وقول الحسن في "البسيط" للواحدي (١٣/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
[ ٩ / ٤٨٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: واصَلنا له الحججَ فلم يقبلوها ولم ينقادوا لها، كما فعل قومك بآياتنا التي واصلناها لك.
و﴿تِسْعَ آيَاتٍ﴾ قال ابن عباس والضحاك: هي العصا، واليد البيضاء (^١)، واللسان، والبحر، والطوفان، والجراد والقمَّل، والضفادع والدم (^٢).
وقال محمد بن كعب القرظيُّ: هي الطُّوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدم والبحر والعصا والطمسة والحجر (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾: أي: سَلْ علماءَ بني إسرائيل عن الخبر حين جاءهم -أي: جاء أسلافَهم- موسى.
﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾: أي: سُحرتَ فأثَّر في عقلك وحسِّك ذلك حتى أفضى بك ذلك إلى أنْ تدَّعيَ أن لك إلهًا فوقي أرسلك إليَّ لأَدخل في طاعتك.
وقيل: ﴿مَسْحُورًا﴾؛ أي: مخدوعًا.
* * *
(١٠٢) - ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾:
_________________
(١) "البيضاء" زيادة من (أ).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٩٩ - ١٠٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٠٠)، وفيه أن قول ابن كعب هذا كان جوابًا عن سؤال عمر بن عبد العزيز، وزاد: فقال (أي: عمر): وما الطمسة؟ فقلت: دعا موسى وأمَّن هارون، فقال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، وقال عمر: كيف يكون الفقه إلا هكذا.
[ ٩ / ٤٨٦ ]
قرأ الكسائي: ﴿عَلِمتُ﴾ بضم التاء؛ أي: قال موسى: علمتُ أنا، وقرأ الباقون بفتح التاء (^١)؛ أي: علمتَ أنت يا فرعونُ؛ لأنَّه عانَدَ مع علمه، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، يقول: إنك لصحة عقلك وسلامةِ حسِّك تعلم أنَّ ما جئتُ به من الآيات ليس بسِحر، ولا أنا فيها مخدوع، بل هي حجج اللَّه ﷻ التي مَن تأمَّلَها استبصَر فيها؛ أي: تيقَّن أنها من عند اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: أي: أَعلمُك بالاستدلال مهلَكًا، وقيل: ممنوعًا عن كلِّ خير.
* * *
(١٠٣) - ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: هَمَّ أن يستخِفَّهم ويزعجهم (^٢) عن أرض مصر.
﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾: مِن أعوانه وأهلِ دينه جميعًا لم يبق منهم أحد (^٣).
* * *
(١٠٤) - ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾: أي: أسكنَّاهم، أمرٌ بمعنى الخبر؛ كما في قوله: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: أي: أخبرناهم أنكم (^٤)
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٥ - ٣٨٦)، و"التيسير" (ص: ١٤١).
(٢) في (ف): "ويزحزحهم".
(٣) في (ف): "بقية".
(٤) في (ف): "أخبرناكم بأنكم".
[ ٩ / ٤٨٧ ]
ممتَّعون في الأرض إلى الموت فتُفارِقوا الدنيا وتُنقلوا إلى الآخرة للحساب والجزاء، فإذا جاء ما (^١) وعدنا من البعث حشرناكم مختلِطين من قبائل شتَّى وبلدانٍ مختلفة.
وقيل: أراد به: جميعًا لا نغادر منهم أحدًا.
وقيل: أراد به اختلاط الناس بعضِهم ببعض لفزعِ القيامة؛ العربِ بالعجم، والجنسِ بخلاف الجنس، بلا نظامٍ لاجتماعهم؛ كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].
وروى صفوانُ بن عسَّالٍ المراديُّ: أن يهوديَّين مرَّا بالنبي -ﷺ- فسألاه عن هذه الآية، فقال: "أوحَى اللَّه تعالى إلى موسى أن قلْ لبني إسرائيل: لا تشركوا بي شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، ولا تَزْنوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تشربوا الخمر، ولا تسحروا، ولا تسرقوا، ولا تَقذفوا، وعليكم خاصةً يا أيها اليهود ألا تَعْدُوا في السبت، فجاءا إلى النبي -ﷺ- فقبَّلا رِجلي النبي -ﷺ- (^٢)، فقالا: نشهد أنك نبيٌّ مبعوث، قال: "فما يمنعُكما عن الإيمان بي؟ "، قالا: نخاف أن يقتلنا اليهود (^٣).
* * *
(١٠٥) - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: القرآن، وقد سبق ذكره في آيات أنزلناها بالحق لا بالباطل، وبيانًا للحق.
وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾: أي: كما أنزلناه لم يبدِّله جبريل ولا حرَّف شيئًا منه.
_________________
(١) "ما" ليس من (أ).
(٢) في (ف): "فقبلا رجله".
(٣) رواه الترمذي (٢٧٣٣) و(٣١٤٤)، والنسائي (٤٠٧٨)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٩ / ٤٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: أي: فامضِ لِمَا (^١) أرسلناك له ولا تنظر إلى تكذيب المكذِّبين.
* * *
(١٠٦) - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾: قيل: أضمر فيه: وآتيناك قرآنًا.
وقيل: وأنزلناه قرآنًا فرقناه؛ أي: دلَلْنا فيه على أصوب (^٢) الطريقين، وميَّزنا به الحق من الباطل.
وقيل: بينَّاه؛ كما قال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
وقيل: أحكمناه.
وقيل: هو بمعنى التفريق؛ أي: أنزلناه متفرِّقًا في سنين.
﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: أي: على تثبُّت وتوقُّف، لتجمعه في صدورهم.
وقيل: أي: من غير عجلٍ، كما قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه: ١١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾: أي: شيئًا فشيئًا على حسب الحوادث.
وقيل: ﴿نَزَّلْنَاهُ﴾؛ أي: جعلناه منازلَ ومراتبَ درَّجْنا الناس عليها ولم نأخذهم بجميع الفرائض جملةً لئلا يَشُقَّ عليهم فينفِروا.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾؛ أي: على تُؤَدَةٍ (^٣).
_________________
(١) في (ف): "فيما".
(٢) في (ر) و(ف): "أمور".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١١٧) بلفظ: (على تأييد).
[ ٩ / ٤٨٩ ]
وقال عطاء: على مَهَلٍ (^١).
وقال مجاهدُ ومقاتلٌ: على ترسُّلٍ (^٢).
وقيل: على هِيْنةٍ.
* * *
(١٠٧) - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يقولون لك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات: ﴿آمِنُوا بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾، وليس بتخييرٍ، ولا جمعٍ بين الأمر والنهي، لكنه وعيدٌ وإخبارٌ أنهم إن آمنوا فلا نفعَ لنا وإن لم يؤمنوا فلا ضررَ علينا، النفعُ لكم والضَّررُ عليكم، وليس في ترككم الإيمانَ ما يُبطل الحقَّ الذي نزل به، وقد آمَن به مَن هو أعلم بالدِّين (^٣) منكم، وهو قولُه تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: أي: من قبلِ نزول القرآن وهم مؤمنو أهل الكتاب مثلَ عبد اللَّه بن سلام وأصحابه ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآنُ (^٤) ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: جمعَ الذقنَ وهو مجمع اللَّحْيين، وأراد بها الوجوه، وهذا عن ابن عباسٍ وقتادة.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٤٠) دون عزو بلفظ: (على تؤدة ومهل).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١١٧ و١١٨) عن مجاهد بلفظين: (على ترتيل)، و(على تؤدة). وبلفظ (على ترتيل) ورد في "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٥٥). ولعل المعنى في جميع هذه الأقوال واحدٌ؛ فقد قدم الطبري لقولي ابن عباس ومجاهد بقوله: (وقوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ يقولُ: لتقرأه على الناسِ على تُؤَدَةٍ، فتُرَتِّلَه وتُبَيِّنَه، ولا تَعْجَلَ في تلاوته فلا يُفهَمَ عنك).
(٣) في (أ): "بالذين"، وفي (ر): "بالذين آمنوا"، وسقطت الجملة من (ف)، والصواب المثبت.
(٤) "القرآن" ليس من (أ).
[ ٩ / ٤٩٠ ]
وقيل: إنما ذكر الأذقان لأن أول ما يقع في الأرض من الوجه ذلك.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: أي: في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ تنزيهًا له عن المعايب ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: أي: ما كان وعدُ ربِّنا إلا كائنًا.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾: أي: ثم يخرُّون سجَّدًا لذلك ويبكون فيه خجلًا من تقصيرهم.
﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾: أي: القرآن حين يتلى عليهم ﴿خُشُوعًا﴾؛ أي: خوفًا وتذلُّلًا.
* * *
(١١٠) - ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾: قال الضحاك: قال أهل الكتاب -وهم الذين مر ذكرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ -: يا رسول اللَّه! إنك لتُقِلُّ ذكرَ الرحمن، وقد أكثر اللَّه هذا الاسم في التوراة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فسُرَّ به أهلُ الكتاب (^١).
وقال ابن عباس ﵄: سمعوا النبيَّ -ﷺ- يقول: "اللَّه" مرة و: "الرحمن" مرة، فقالوا: ينهانا عن إلهين اثنين وهو يدعو إلهين؟! فأنزل اللَّه هذه الآية (^٢).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٤١)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٩٥)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٩٩)، وليس عندهم: "فسر به أهل الكتاب".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٢٣).
[ ٩ / ٤٩١ ]
وقال مقاتل: دعا رجلٌ من الصحابة باسم اللَّه، ودعاه ثانيًا باسم الرحمن، فسمعه أبو جهل لعنه اللَّه: نهيتُمونا عما تتعاطَونه (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾: هذا شرطٌ، ولذلك جُزم وحُذف النون.
وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: أي: التسميات الدالةُ على الصفات، بأيِّ اسم دُعي به فهو واحد، وليس اختلافُ الأسماء لاختلاف المسمَّى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: أي: بدعائك، كما قال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ليكن دعاؤك (^٢) اللَّهَ بين الجهر الشديد والمخافتة الشديدة، وذلك بأن تُسمعَ نفسك ويَفهَمَ عنك مَن يَقرُب منك، فيؤمِّنَ على دعائك أو (^٣) يقتديَ بك فيه، وهو تعليم أدب الدعاء (^٤)، وهو أوفق للنظم.
وقيل: هو عين الصلاة المعهودة، ومعناه: لا تجهر بالقراءة في صلاتك كلَّ الجهر ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ كلَّ المخافتة، وهي خفضُ الصوت، وكان هذا بمكة؛ لأن المشركين لعنهم اللَّه كانوا يُؤْذُونه إذا جهر، ولا يُسمعُ مَن خلفه إذا خافَتَ، وهذا عن ابن عباس وقتادة ﵃ (^٥).
وقال الحسن: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ بإشاعتها عند مَن يؤذيك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عند مَن يَلتمِسها منك (^٦).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٥٥).
(٢) في (ر): "دعاؤكم".
(٣) في (أ): "أي".
(٤) لي (ر): "وهو تعليم للدعاء".
(٥) رواه البخاري (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٢٩)، عن ابن عباس. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٣٣) عن قتادة.
(٦) لم أجده عنه هكذا، وقد روي عنه قول آخر سيأتي قريبًا.
[ ٩ / ٤٩٢ ]
وقيل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ كلِّها ﴿وَلَا تُخَافِتْ﴾ بجميعِها ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: بأنْ تجهر بصلاة الليل وتخافتَ بصلاة النهار، و﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ في معنى: بين ذينِكَ؛ كما مر في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].
وقال الضحاك: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ رياءَ الناس ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ مخافةَ الناس (^١).
وقال الحسن: لا تُحسِن صلاتك في العلانية وتُسيئها في السر (^٢).
وقال عليٌّ وعائشةُ ﵄: هذا في الدعاء (^٣)، يقول: لا تجهَرْ باستغفارك وتوبتك فيسمعَه غيرُك فيلومك بذنبك.
وقال مقاتلُ بن حيَّان: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا جهَر في صلاته سبَّه المشركون ولغَوا (^٤)، فنزلت الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمعَ المشركون ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ حتى لا يسمعَ أصحابك (^٥).
ومرَّ النبيُّ -ﷺ- بأبي بكر وهو يخافتُ بالقراءة، ومرَّ بعمر ﵁ وهو يجهر بالقراءة، فلما أصبح ذكر لهما ذلك، فقال الصدِّيق ﵁: كنتُ أُسمع مَن أناجيه. وقال الفاروق ﵁: كنتُ أوقظُ الوسنانَ وأطردُ الشيطان، فأمر أبا بكر أن يجهر قليلًا وعمر أن يخفض قليلًا (^٦).
_________________
(١) لم أجده هكذا، وروى الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٣٠) عنه كقول ابن عباس وقتادة المتقدم.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٣٤ - ١٣٥)، وفي رواية: قال: (لا تحسن علانيتها، وتسيء سريرتها).
(٣) رواه البخاري (٤٧٢٣)، ومسلم (٤٤٧)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٢٥)، عن عائشة ﵂.
(٤) "ولغوا" ليس من (ف).
(٥) هو مثل قول ابن عباس وقتادة المتقدم.
(٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٥٠) عن الربيع، وبنحوه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٣٢) عن ابن سيرين، وكلاهما مرسل.
[ ٩ / ٤٩٣ ]
(١١١) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: قال الحسين بن الفضل ﵀: أي: الحمد للَّه الذي عرَّفني أنه لم يتَّخذ ولدًا.
وقيل: أي: المستحِقُّ للحمد والثناء على ذلك هو اللَّه تعالى (^١) الذي لم يتَّخذ ولدًا.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: على الأول؛ أي: عرَّفني ذلك، وعلى الثاني؛ أي: المستحِق للحمد والثناء على ذلك، وعلى هذين قوله (^٢):
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: أي: مَن يتولَّى عليه أمرَه ويقومُ بنصرته فيعتزَّ به (^٣) من الذل.
وقيل: أي: لم يكن له حبيبٌ من أهل الذلِّ وهم اليهود والنصارى، بل أولياؤه المؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾: أي: عظِّمه تعظيمًا حقًّا، والمصدر للتأكيد والتحقيق؛ أي: حتى لا يكون في قلبك شيءٌ أعظمَ منه ولا أهيبَ.
وقيل: أي: قلْ بلسانك: اللَّه أكبر، وفي قلبك تحقيق ذلك.
وقيل: أي: كبِّره عن (^٤) كلِّ ما لا يجوز في وصفه.
_________________
(١) في (أ): "والثناء هو".
(٢) في (أ): "وعلى هذا القولين".
(٣) في (ر): "فيغشونه"، وفي (ف): "فيعتريه".
(٤) في (ر) و(ف): "على"، وهو تحريف ظاهر.
[ ٩ / ٤٩٤ ]
وقيل: أي: صِفْه بأنه أكبرُ من كلِّ شيء، القادرُ الذي لا يُعجزه شيء، العالمُ الذي لا يخفَى عليه شيء، الغنيُّ عن كلِّ شيء، معتقِدًا له بقلبك، عاملًا عليه فيما يلزمك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾؛ أي: لم يتخذ الأولياءَ ليتعزَّزَ بهم من الذل، إنما اتخذ أولياءَ رحمةً منه وفضلًا ليتعزَّزوا هم (^١) بذلك.
قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾؛ أي: صِفْه بما وَصَف به نفسَه، واعْرِفه بما ذَكَر، فإذا عرَفْتَه كذلك فقد عظَّمتَه وكبَّرتَه (^٢).
وقال القشيري ﵀: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾؛ أي: بأنْ تَعلم أنك تصلُ إليه به لا بتكبيرك.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) في (ف): "ليتعززهم"، والمثبت من باقي النسخ و"التأويلات".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ١٣١).
[ ٩ / ٤٩٥ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش
المجلد العاشر
دار اللباب
[ ١٠ / ١ ]
سورة الكهف
[ ١٠ / ٥ ]