بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أنزل الكتابَ بلا ريب، الرحمنِ الذي لَطَف بالمؤمنين المتَّقين بالغيب، الرحيمِ الذي مَنَّ على المقصِّرين بسَتر العيب.
وانتظام هذه السورة بالفاتحة من سبعةِ أوجهٍ: بواحدٍ واثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ وخمسةٍ وستةٍ وسبعةٍ.
أما الواحدُ: فالفاتحة أمُّ الكتاب، وافتتاحُ هذه السورةِ بـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ولأن الفاتحة أولُ سورةٍ أُنزلت بمكةَ والبقرةَ أولُ سورةٍ أنزلت بالمدينة.
وأما الاثنان: فإن الفاتحة قسمان: ثناءٌ ودعاءٌ، وهذه السورة أولُها ثناءٌ وآخرُها دعاءٌ، فإن: ﴿الم﴾ فيها أقاويلُ كثيرةٌ:
منها: أنه اسم اللَّه الأعظم.
ومنها: أن معناه: أنا اللَّه اللطيف المجيد.
ومنها: أنا اللَّه أعلم.
وذاك (^١) ثناءٌ على اللَّه، وآخِرُ السورةِ سؤالاتُ الحاجات من اللَّه ﷻ.
وأما الثلاثةُ: فإن أولَ الفاتحة بيانُ ألوهية اللَّه تعالى وربوبيَّته، ورحمتهِ وملكه،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ومنها أن ذلك".
[ ١ / ١٨٣ ]
وفيه تعليمُ توحيدِ اللَّه تعالى ومعرفتِه، ووسطَها إخبارُ العبد عن عبادتهِ وعُبودته (^١) واستعانتهِ، وهو تعريفُ العبد سلوكَ طريق شريعتهِ وحقيقته، وآخرَها سؤالُ الثبات على ذلك والعصمةِ من مخالفته، وفيه تلقينُ العبد الرجوعَ إلى اللَّه تعالى في طلبِ مصالحِ دنياهُ وآخرتهِ.
ومجموعُ هذه السُّورة أقسامُ هذه الصُّورة، فإنه ذكَر الإيمانَ في أوَّلها وأثنائها وآخرِها: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والآياتُ التي فيها بيانُ وحدانيَّته ﷻ (^٢): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٥].
وذكر نفسَ العبادة في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
وتفاصيلَ العبادة: من الصلاةِ واستقبالِ القبلة فيها والخشوعِ فيها، والصومِ والزكاةِ وسائرِ الصَّدقات والنَّفقات، والحجِّ والعمرةِ والجهادِ والاعتكافِ والوصيةِ وإيتاءِ المالِ على حبِّه.
وتفاصيلَ العبودة (^٣): من التَّقوى والصبرِ والشكرِ واجتنابِ الخمر، والوفاءِ بالعهد وتركِ الحرام، والانقيادِ للأحكام من القصاصِ والطلاقِ والنكاحِ والمتعةِ والإنفاقِ والعِدَّةِ والرَّجعةِ والرَّضاعِ والإيلاءِ والحيضِ والولادةِ، والمبايعاتِ والمدايَناتِ والرُّهونِ والأماناتِ في تفاريقِ الآيات.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وعبوديته".
(٢) في (أ) و(ف): "وحدانية اللَّه" بدل: "وحدانيته ﷻ".
(٣) في (ر) و(ف): "العبودية".
[ ١ / ١٨٤ ]
وذكر الدَّعواتِ من آدم في أوَّلها ومن إبراهيمَ صلواتُ اللَّه عليهما في وسطِها، ومن المؤمنين من سؤالِ الحُسنيين من بعدها، ومن المصطفى -ﷺ- ومن (^١) الأمة في آخرها.
وأما الأربعةُ: فإن الفاتحة لمَّا أُنزلت أولَ شيءٍ وقرأها النبيُّ -ﷺ- وسمعَها الناس وفيها دعاءٌ إلى التوحيد وغيرِ ذلك مما قلنا، صار السامعون أربعةَ أصنافٍ:
صنفٌ: كانوا (^٢) عبدةَ الأصنام (^٣)، فآمَنوا به ظاهرًا وباطنًا.
وصنفٌ: كانوا أهلَ الكتاب ومؤمنين بالماضين من الرسل، فآمنوا به ظاهرًا وباطنًا أيضًا.
وصنفٌ: كفروا به وكذَّبوه ظاهرًا وباطنًا.
وصنفٌ: خافوا سيفَه فآمَنوا به ظاهرًا وكفروا به باطنًا.
فذكَرهم اللَّه تعالى جميعًا في أول هذه السورة:
فإن قولَه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآيةَ في الصِّنف الأول.
وقولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ في الصِّنف الثاني.
وقولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٤) الآيتين في الصِّنف الثالث.
وقولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآياتِ في الصِّنف الرابع.
_________________
(١) "من": ليست في (ف).
(٢) في (ف): "كان".
(٣) في (أ): "الأوثان".
(٤) في (ر): " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ".
[ ١ / ١٨٥ ]
وأمَّا الخمسة: فالأفعالُ المذكورةُ في الفاتحة خمسةٌ: الحمد والعبادة والاستعانة والاهتداء والضلالة:
فالحمد على النِّعم وفي هذه السورة تعديدُها، والعبادةُ على وجوهٍ وفي هذه السورة تفصيلُها، والاستعانةُ على أمورٍ وفي هذه السورة تبيينُها، وفي الاهتداء به مثوباتٌ وفي هذه السورة تقريرُها، والضلالُ عليه عقوباتٌ وفي هذه السورة تكريرُها (^١).
وأما الستةُ: فالمذكورةُ في أولِ آيات الفاتحة: العالَمون، وأكثرُهم على أنه اسمٌ لأهل الحياة منهم دون الجماد؛ لجمعه بالياء والنون، وهم ستةٌ: الملائكةُ والجنُّ والإنسُ والشياطينُ والدوابُّ والطيور. كما حكَينا عن أبي حذيفة (^٢)، وهم كلُّهم مذكورون في هذه السورة.
فأمَّا الملائكةُ: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١]، ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وأمَّا الجنُّ: فقد ذكر إبليس وذكر في آيةٍ أنه كان (^٣) من الجنِّ.
وأمَّا الإنسُ: فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وكرَّر ذلك.
وأمَّا الشياطينُ: فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢].
_________________
(١) في (ف): "تكررها".
(٢) في (ر): "هريرة"، والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الصواب وقد تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(٣) "كان": ليس في (ف).
[ ١ / ١٨٦ ]
وأمَّا الدَّوابُّ: فهي كلُّ ما يَدبُّ على وجه الأرض من السباع والبهائم والهوَامِّ، وقد ذُكر فيه من السباعِ الخنزير، ومن البهائم البقرةُ والعجلُ وما استَيْسَر من الهدْي، ومن الهوامِّ الحيةُ وهو في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وكان فيهم الحيةُ، وأمَّا الطيورُ فقد ذُكر منها في قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وأما السبعة: فالفاتحةُ سبعُ آياتٍ، وكلماتُ آياتها (^١) مذكورةٌ في سورة البقرة:
فـ ﴿الْحَمْدُ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
و(اللَّهُ) في آياتٍ.
و﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه ذكرُ يوم القيامة، وفي سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] وهي آخرُ آيةٍ نزلت، وهي أبلغُ آيةٍ نزلت (^٢) في ذكر يومِ القيامة.
و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ونحوِه.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
وقولُه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقولُه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقد أُريد به الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، وذُكر من الأنبياء في سورة البقرة: آدمُ،
_________________
(١) في (ر): "وكلماتها".
(٢) "نزلت": زيادة من (أ).
[ ١ / ١٨٧ ]
وإبراهيمُ، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ، والأسباطُ، وموسى، وهارونُ، وداودُ، وسليمانُ، وعيسى، وحِزقيلُ (^١)، وأشموئيل (^٢)، وعزيرٌ، صلوات اللَّه عليهم.
وعلى العموم في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وفي قولهِ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقولُه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾: ذُكر الغضب في قوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلالُ في قولهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقولهِ تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ثم هم اليهودُ والنصارى، وأكثر صدر السورة في ذكرهم، إلى أن قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٢٠].
ثم السورةُ تُدعَى سورةَ البقرة، ومِن الناس مَن قال: يقالُ: السورةُ التي يذكر فيها البقرةُ، ويُستقبَحُ إضافةُ السورة إلى البقرة، وكذا سورةُ النحل ونحوُها.
والصحيح: أنه لا حاجة إلى هذا التكلُّف، فإن المراد من هذه الإضافةِ هو ما قال: إنها ذُكرت فيها، وقد قال النبيُّ -ﷺ-: "سنامُ القرآنِ سورةُ البقرة" (^٣)،
_________________
(١) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] رواه الطبري عن وهب بن منبه وسيأتي.
(٢) في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] قال ابن كمال باشا في "تفسيره": اختلفوا فيه، والأشهر الأظهر أنه أشمويل من نسل هارون ﵇.
(٣) رواه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٨)، والطبراني في "الكبير" (٥٨٦٤). وفي إسناده خالد بن سعيد المدني، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، قال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح بخلاف هذا اللفظ، وأما في تمثيل القرآن فليس فيه شيء يثبت.
[ ١ / ١٨٨ ]
وفي ذلك أحاديث كثيرة (^١)، فثبت (^٢) إطلاقُ هذا الإطلاق.
ثم هذه السورة مدنيةٌ إلا آيةً منها نزلتْ يومَ النحر بمنًى في حِجَّةِ الوداع: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، وهي آخرُ آيةٍ نزلت بمكة (^٣)، وقد نزلت بمكةَ خمسٌ وثمانون سورةً أولُها سورة الفاتحة وآخرها ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
ونزل سائرُها بالمدينة، وهي تسعٌ وعشرون سورةً أولُها سورة البقرة وآخرُها سورة المائدة.
وحروفُ سورةِ البقرة (^٤): خمسٌ وعشرون ألفًا وستُّ مئةٍ وثمانيةٌ وخمسون (^٥).
وكلماتُها: ستةُ آلافٍ ومئةٌ وستَّ عَشَرةَ كلمةً.
وآياتُها: مئتان وأربعٌ وثمانون آيةً عند أهل الشام، وخمسٌ عند أهل مكة
_________________
(١) "كثيرة": من (أ). وقد روى البخاري (١٧٥٠)، ومسلم (١٢٩٦)، عن الأعمش، قال: سمعْتُ الحَجَّاجَ، يقولُ على المِنْبَر: السُّورةُ التي يُذْكَرُ فيها البقرةُ، والسُّورةُ التي يُذْكَرُ فيها آلُ عمرانَ، والسُّورةُ التي يُذْكَرُ فيها النِّساءُ، قال: فذكَرْتُ ذلك لإبراهيم فقال: حَدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ يزيدَ أنَّه كان مع ابنِ مسعودٍ ﵁ حين رَمَى جَمْرةَ العقبةِ، فاستَبْطَنَ الواديَ حتى إذا حاذَى بالشَّجرةِ اعترَضها، فرَمَى بسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ ثُم قال: "مِن هاهنا والذي لا إلهَ غيرُه قام الذي أُنزلَت عليه سورةُ البقرةِ -ﷺ-". قال الآلوسي في "روح المعاني" (١/ ٣١٧): وهو معارِض لما روي من منع ذلك، وتعيُّنِ أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، وكذا في سور القرآن كله، ومن ثمة أجاز الجمهور ذلك من غير كراهة.
(٢) في (ف): "فيثبت".
(٣) "بمكة": ليست في (ف).
(٤) في (أ): "هذه السورة".
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "حرفًا"، و"وثمانيةٌ" سقط من (ف). وفي "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٤٠): وحروفُها خمسة وعشرونَ ألفا وخمس مئة حرف.
[ ١ / ١٨٩ ]
والمدينةِ، وستٌّ عند أهل الكوفة، وسبعٌ عند أهل البصرة؛ لاختلافهم في مواضعَ منها أنه تمامُ الآية أو وسطُها.
وفي بعضِ الأخبار: أنها لو كَملتْ (^١) ثلاثَ مئةِ آيةٍ لتكلَّمت.
ومعناه: أن السورة آتيةٌ على أكثر الأحكام والأصولِ العِظام، وبقيت عدَّةُ أحكامٍ ذُكرت في غيرها، ولو كانت في هذه السورةِ لصرَّحت بجميع ما بالناس إليه حاجةٌ من علوم الدِّين.
وفي هذه السورة: خمسةَ عشرَ مَثَلًا، وخمسَ مئة حُكمٍ، وفيها أطولُ آيةٍ وهي آيةُ المدايَنة، وهي مئةٌ وثلاثون كلمةً، وفيها قريبٌ من عشرين حُكمًا.
قوله تعالى: ﴿الم﴾ (^٢): وافتتاح (^٣) هذه السورة بالحروف المقطَّعة، وتسعٌ (^٤) وعشرون من سورِ القرآن مفتَتحةٌ بها.
وفي هذه الحروف -يعني: ﴿الم﴾ - التي افتُتحت بها هذه السورةُ قريبٌ من ثلاثين قولًا:
قال أبو بكرٍ الصدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه: للَّه تعالى في كلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّ اللَّه عز وعلا في القرآن (^٥) هذه الحروف التي في أوائل السور (^٦).
وقال عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه: لكلِّ كتابٍ زينةٌ، وزينةُ القرآن حروفُ التَّهجِّي.
_________________
(١) في (ر): "لو تمت".
(٢) "قوله تعالى: ﴿الم﴾ ": ليس في (أ).
(٣) في (ف): "افتتحت".
(٤) في (ر) و(ف): "وسبع"، والصواب المثبت.
(٥) "القرآن": زيادة من (أ).
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٦)، و"البسيط" للواحدي (٢/ ١٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٩).
[ ١ / ١٩٠ ]
وقال عليٌّ ﵁: إنَّ لكلِّ كتابٍ صفوةً، وصفوةُ القرآن حروفُ التهجِّي (^١).
وقال ابن عباسٍ ﵄: هي من المكتوم الذي لا يفسَّرُ (^٢).
وقال الضحَّاك ﵀: عجزتِ العلماء عن تفسير الحروف المقطَّعة.
وقال ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ: ألِفٌ اللَّه، لامٌ لطيفٌ، ميمٌ مجيدٌ (^٣).
وفي روايةٍ: معناه: أنا اللَّه أعلم، وفي (^٤) ﴿المص﴾: أنا اللَّه أَعْلمُ وأَفْصِلُ، و﴿الر﴾: أنا اللَّه أرى (^٥).
وعنه في روايةٍ: ألفٌ: اللَّه، لامٌ: جبريل، ميمٌ: محمد (^٦)؛ أي: اللَّهُ أنزل جبريلَ على محمدٍ بالكتاب (^٧).
وقال ابن مسعودٍ ﵁: إنها اسمُ اللَّه الأعظم (^٨).
وقال الحسن وسعيد بن جُبير: هذه الحروفُ إذا أُلِّفت ضربًا من التأليف كانت
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٩).
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٧) عن عمر وعثمان وابن مسعود.
(٣) قطعة من خبر رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٩) عن الربيع بن أنس، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٣) من طريق الربيع عن أبي العالية.
(٤) "في": ليست في (أ).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٥٦ - ٥٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٩).
(٦) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٧)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٤٠). ولم ينسبه أبو الليث السمرقندي لقائل.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٤٠).
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٦) عن ابن مسعود وابن عباس.
[ ١ / ١٩١ ]
أسماءً للَّه تعالى وإنْ كنا لا نقف على تأليفها. وذلك لأن (^١) قوله: ﴿الر﴾ و﴿حم﴾ و﴿ن﴾ رؤوس ثلاث سورٍ، وإذا جُمعت صارت: الرحمن (^٢)، وهو اسمٌ عظيمٌ (^٣) من أسماء اللَّه تعالى.
وقال قتادةُ: إنها أسماءُ القرآن (^٤).
وقال عبدُ الرحمنِ بنُ زيد بن أَسْلمَ: إنها أسماء السور (^٥).
وقال مجاهد: إنها فواتحُ يَفتتحُ اللَّه تعالى بها كتابه (^٦).
وقال سعيد بن المسيِّب: إنها في ذكرِ الكوائنِ والفتن.
وقال أبو العالية: إنها في مدةِ قومٍ وآجالِ آخَرين (^٧).
وقال الربيع بن أنسٍ: ما فيها من حرفٍ إلا وهو في ذكر آلائه ونَعْمائه (^٨).
وقال جماعةٌ: الألفُ افتتاحُ اسمهِ لإلهِ والأحدِ والأولِ والآخِرِ والأمين، واللامُ افتتاحُ اسمه اللطيفِ، والميمُ افتتاحُ اسمه الملكِ والمجيدِ والمنَّان.
_________________
(١) في (أ): "أن".
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٧) عن علي، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٦) عن سعيد بن جبير.
(٣) في (أ): "أعظم".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥)، والطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٣).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٣).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٣).
(٧) قطعة من خبر رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٩) عن الربيع بن أنس، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٣) من طريق الربيع عن أبي العالية. وتقدمت قريبًا قطعة منه.
(٨) قطعة من الخبر السابق.
[ ١ / ١٩٢ ]
وقال محمد بن كعبٍ القُرَظيُّ: الألفُ آلاءُ اللَّهِ، واللامُ لُطفُه، والميمُ مَجْدُه (^١).
وقال أبو فاختةَ: هذه الحروفُ أمهاتُ الكتاب (^٢)، منها استُخرج هذا القرآن (^٣)؛ أي: نُظِمَ وركِّب (^٤)، وأُنزلتْ مقطَّعةً ليُعلَم أنها من الحروف المعجَمة التي نزلت (^٥) على آدم ﵇ مقطَّعة.
وقال عبد العزيز بن يحيى: معنى هذه الحروفِ: أنَّ اللَّه تعالى ذكرها فقال: اسمعوها مقطَّعةً، حتى إذا (^٦) وردتْ عليكم مؤلَّفةً كنتُم عرفتُموها قبل ذلك، وكذلك تُعلَّمُ الصبيانَ أولًا مقطَّعةً، فكأنَّ اللَّه تعالى أسمعَهم مقطَّعةً مفردةً (^٧) ليعرفوها إذا وردت عليهم مفرَّقةً، ثم أسمعهم مؤلَّفةً (^٨).
وقال أبو رَوقٍ: إن الكفار لمَّا قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وتواصَوا بالإعراض عنه، أراد اللَّه تعالى لِمَا أحَبَّ من صلاحهم ونَفْعهم أن يُورد
_________________
(١) في (ف): "والميم محمد". وهو في "تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٩) بلفظ: (. . . والميم ملكه).
(٢) في (أ): "القرآن".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٠٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٩٣)، وهو في "تفسير الثعلبي" (٣/ ١١)، جميعهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وأبو فاختة اسمه: سعيد بن علاقة، مولى أم هانئ، روى عن علي ﵁، روى عنه ابنه. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري (٣/ ٥٠٣).
(٤) "أي: نظم وركب": سقط من (أ) و(ف).
(٥) في (أ): "أنزلت".
(٦) في (ف): "فإذا" بدل: "حتى إذا"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.
(٧) في (أ): "معروفة"، وفي (ر) و(ف): "معرفة"، والمثبت من المصدر.
(٨) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٧).
[ ١ / ١٩٣ ]
عليهم ما لا يَعرفونه ليكونَ (^١) ذلك سببًا لإسكاتهم (^٢) واستماعهم لِمَا يَرِدُ عليهم من القرآن، فأنزل هذه الحروف وكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجِّبِين: استمعوا (^٣) إلى ما يجيء به محمدٌ، فإذا أصغَوا فاستمعوا (^٤) هجَم عليهم القرآن (^٥) فأَولجه مسامعَهم، فكان ذلك سببًا لاستماعهم (^٦) وطريقًا لانتفاعهم (^٧).
وقال الحسينُ بن الفضل: هي من المتشابهِ الذي لا يَعلم تأويلَه (^٨) إلا اللَّهُ.
وقال عكرمةُ: هي أقسامٌ (^٩).
وقال القُتَبيُّ (^١٠): يجوز أن يكون اللَّه عزَّ وعلا أقسم بالحروفِ المقطعةِ كلِّها واقتصَر على ذكر بعضِها من ذكرِ جميعِها، كما يقولُ القائل: تعلَّمتُ أ (^١١) ب ت ث، وهو يريد كلَّ الحروف، ويقول: قرأتُ الحمد، وهو يريد كلَّ السورة (^١٢).
وعن أبي العاليةِ قال: هذه من الثمانيةِ والعشرين التي دارت عليها الألسُنُ كلُّها،
_________________
(١) في (أ): "فيكون".
(٢) في (ف): "لاستكانهم".
(٣) في (أ): "اسمعوا".
(٤) في (أ): "واستمعوا".
(٥) في (أ): "بالقرآن".
(٦) في (ر): "لإسماعهم".
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٧) بنحوه.
(٨) في (أ) و(ف): "لا يعلمه".
(٩) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٧).
(١٠) في (ر): "القتيبي"، وفي (ف) بياض.
(١١) في (ف): "ألف".
(١٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٨٣).
[ ١ / ١٩٤ ]
وليس فيها (^١) حرفٌ إلا وهو مفتاحُ اسمٍ من أسماء اللَّه تعالى، وفي آلائهِ ونَعْمائه، وفي مدةِ قومٍ وآجالهم (^٢).
وقيل: كلُّ حرفٍ مختصَرٌ عن كلمةٍ، وهو متعارفٌ في اللسان.
وأنشد الزَّجَّاج:
إنْ شئت أَشْرفْنا كلانا فدعَا أللَّهَ جهدًا (^٣) ربَّه فأَسمعا
بالخيرِ خيراتٍ وإن شرًّا فا ولا أريدُ الشرَّ إلا أنْ تا (^٤)
أي: وإن شرًا فشرٌّ، ولا أريد الشرَّ إلا أن تريدَ.
وأنشد قطربٌ:
جاريةٌ قد وعدَتْني أن تا تَدْهنُ رأسي أو تُفلِّي أو تا (^٥)
_________________
(١) في (أ) و(ف): "منها".
(٢) قطعة من خبر رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٩) عن الربيع بن أنس، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٣) من طريق الربغ عن أبي العالية. وتقدم مرارًا في هذا المحل.
(٣) في (أ): "جهرًا".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٦٣) وعزاهما للُقَيم بن سعد بن مالك، والثاني في "المحرر الوجيز" (١/ ٨٣)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٢٤٠)، ونسباه لزهير وليس في ديوانه. وهو دون نسبة في "الكتاب" لسيبويه (٣/ ٣٢١). وقال الطيب بن عاشور في "التحرير والتنوير" (١/ ٢١١): هو من نوادر كلام العرب، ومما أخرج مخرج الألغاز والتمليح، وذلك لا يناسب مقام الكتاب المجيد.
(٥) عزاه المرزباني في "الموشح" (ص: ١٢)، وعنه الرضي في "شرح شافية ابن الحاجب" (٤/ ٢٦٦)، لحكيم بن معية التميمي نقلًا عن أبي عبيدة، وهو دون نسبة في "الخصائص" لابن جني (١/ ٢٩٢)، و"الوساطة بين المتنبي وخصومه" للجرجاني (ص: ٤٥٠)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٨)، و"ضرائر الشعر" لابن عصفور (ص: ١٨٦)، و"ارتشاف الضرب" لأبي حيان (٢/ ٨٢٥)، و"اللباب" لابن عادل (١/ ٢٥٨)، وصدره عند الجميع عدا "الارتشاف" و"اللباب": =
[ ١ / ١٩٥ ]
أي: تمسح.
وأنشد سيبويه:
نادَوْهم أنْ ألْجِموا أَلَا تا قالوا جميعًا كلُّهم ألَا فا (^١)
أي: ألا تركبون، فقالوا: ألا فاركبوا.
وقال آخرُ:
قلتُ لها قِفِي فقالت لي (^٢) قاف لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينا الإيجاف (^٣)
أي: الإسراعَ في المشي (^٤).
وقال المبرِّد: إنْ هذه الحروفَ احتجاجٌ من اللَّه تعالى على الكفَّار؛ لأن النبيَّ
_________________
(١) = قد وعدَتْني أمّ عمرٍو أن تا وجاء عند الثعلبي: (وأنشد قطرب في جارية: قد وعدتني أم عمرو. . .)، وأما عجزه ففي أكثر المصادر: (وتفليني وا)، وعند الثعلبي: (وتفليني تا)، وفي "اللباب" (وتفليني وتا). قال الثعلبي: أراد: أن تأتي وتمسح، وقال أبو حيان: أراد: أن تأتيني أو تمتنع.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٦٢)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٨) وعنه نقل المؤلف، و"شرح شافية ابن الحاجب" (٤/ ٢٦٦)، و"ضرائر الشعر" لابن عصفور (ص: ١٨٦)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٢٤٠). قال الثعلبي: وأنشد سيبويه لغيلان. .، فذكره، ولم أجده في "الكتاب".
(٣) في (ر): "قالت" بدل: "فقالت لي"، وكلاهما في المصادر، وجاء في بعضها: (فقالت) فقط، وجاء أيضًا: (قلنا لها قفي لنا قالت)، وجاء غير ذلك.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٧٥)، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٨٩)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢١٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٦٢)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٨). قال الثعلبي: أي: قف أنت. وقال الفراء: ذكرت القاف أرادت القاف من الوقوف؛ أي: إني واقفة. وقريب منه قول الزجاج: فنطق بقاف فقط، يريد قالت: أقف.
(٥) "أي: الإسراع في المشي": سقط من (أ).
[ ١ / ١٩٦ ]
-ﷺ- لمَّا قال لهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هود: ١٣] وعجزوا عنه، أنزل اللَّه ﷻ هذه الحروفَ؛ أي: إن القرآن من هذه الحروف التي هي لغاتُكم، فليس عجزُكم عن الإتيان بمثلِها إلا لأنه كلامُ اللَّه تعالى لا مِثْلَ له.
وقيل: إذا جُعلت هذه الحروفُ كلمةً فهي ﴿الم﴾؛ أي: ألم ترَ وألم تعلم (^١) أنه ذلك الكتاب.
وقيل: كلُّ حرفٍ من هذه الثلاثةِ على ما يؤدِّي نُطقًا يُطلب من ظاهره معناه وضعًا: أَلِفَ هو على وزنِ عَلِمَ من الألفة، ومعناه: ألف (^٢) اللَّه محمدًا، ولامَ على وزن نامَ من اللَّوم، ومعناه: لامَ الكفارُ نبيَّنا محمدًا -ﷺ- (^٣) على مخالفةِ الآباء، ومِيمَ على وزن بِيعَ من المُوْم وهو البِرسام (^٤)، وهو المحيِّرُ المفسِدُ من الأسقام، ومعناه: بُهِتَ الكفارُ وأُرغِموا بظهور الحقِّ والهدى.
وقيل: ألفٌ: أنا، ولامٌ: لي، وميمٌ: منِّي (^٥). فكأنه سبحانه قال: أنا اللَّه وأنا المَلِك (^٦) وأنا الرزَّاق وأنا وأنا (^٧)، ولي المُلكُ ولي المِلكُ (^٨)، ولي الحكمُ ولي
_________________
(١) في (أ): "ألم تر ولم تعلم"، وفي (ف): "ألم تر ألم تعلم"، وفي هامش (ف): "ألم تروا ألم تعلموا".
(٢) ضبطت كلمة "ألف" في (ف) بتشديد اللام المفتوحة.
(٣) في (ر): "محمد -ﷺ-"، وليست في (أ) و(ف)، والصواب المثبت.
(٤) في (ف): "وهي البرسام"، وفي هامش (أ): "البرسام ورم في الصدر، والبرسام ورم في الرأس".
(٥) في (أ): "ألف من أنا ولام من لي وميم من مني"، ومثله في (ر) لكن بدل "لي": "إلي"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير الثعلبي" (١/ ١٤٠)، وعزاه لأهل الإشارة.
(٦) في (ف): "وأنا لي المُلك وأنا الملك" بدل من "وأنا المُلك".
(٧) "وأنا": زيادة من (أ) و(ف).
(٨) "ولي المِلك": زيادة من (ف).
[ ١ / ١٩٧ ]
الأمرُ، ولي الحمدُ ولي المجدُ (^١)، ومنِّي الإحسانُ ومنِّي الامتنانُ ومنِّي الغُفران ومنِّي ومنِّي.
وقيل: ألفٌ معناه: أَفْرِدْ نَفْسَك لي بإسقاطِ العلائق والأعراض، ولام (^٢) معناه: ليِّن جوارحَك لعبادتي بلا ملالةٍ ولا إعراض، وميمٌ: محِّ رسومَك وصفاتِك بالأُنس بي والمشاهدةِ لي بلا تحكُّمٍ ولا اعتراض.
وقال بعضُ العراقيين: حيَّر عقولَ الخلق في ابتداءِ خطابه -هو محلُّ الفهم- ليَعلموا أنه لا سبيلَ لأحدٍ إلى معرفةِ حقوقِ خطابه إلا بعِلمهم بالعجز عن معرفة خطابه (^٣).
وقيل: هي رموزٌ سارَّ بها الأولياء، فالظواهرُ للعوَامِّ، والرموزُ والإشارات للخوَاصِّ، قال (^٤) النبيُّ -ﷺ-: "لو تَعلمون ما أَعلمُ قليلًا ولبَكيْتُم كثيرًا" (^٥)؛ أي: من حقائقِ سِرِّ الحقِّ إليَّ.
وقال -ﷺ-: "أوتيتُ جوامعَ الكَلِمِ واخْتُصِرَ لي الكلامُ اختصارًا" (^٦).
وقيل: هو تنبيهٌ للعبد أن ينتصب قائمًا في الصلاة كالألف، ثم ينحني للركوع كاللام، ثم يجتمع في السجود كالميم.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ولي الحكم ولي ولي".
(٢) في (ر) "والأعواض واللام".
(٣) في هامش (ر): "إنما العجز عن طلب الإدراك إدراك، والنقوض (كذا) في طلب الإدراك إشراك".
(٤) في (ف): "وقال".
(٥) رواه البخاري (٦٤٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رواه الدارقطني في "سننه" (٤٢٧٥) من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: "واختصر لي الحديث. . ". وأوله متفق عليه، رواه البخاري (٧٢٧٣)، ومسلم (٥٢٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ١٩٨ ]
وقيل: بدأ السورة الكبرى بالألف، وجعله سابقًا؛ لِمَا فيه من معانٍ:
منها: الاستواءُ.
ومنها: الانتصابُ.
ومنها: الانقطاعُ عن سائر الحروف.
ومنها: التجرُّدُ عن النقط.
ومنها: الاستغناءُ عن الأمكنة، وهي (^١) مخارجُ الحروف.
وفيه تنبيهٌ على أن العبد إذا أراد (^٢) أن يصير سابقًا فلْيَستوِ ظاهرًا وباطنًا، ولْيَنتصِبْ لخدمة (^٣) اللَّه، ولْيَنقطِعْ عن الخلق، ولْيتَجرَّدْ عن الأغيار، ولْيَتبتَّلْ عن الأمكنة.
ثم إنما سكِّنت هذه الحروفُ ولم تُعربْ لأنها حروفُ هجاءٍ وليست بأسماءٍ، قال أبو النَّجم:
أقبلَتُ مِن عندِ زيادٍ كالخَرِفْ تَخطُّ رجلاي بخطٍّ مختلِفْ
تكتِّبانِ في الطريقِ لامَ الِفْ (^٤)
فإن جعلتَها أسماءً وعطفْتَ بعضَها على بعضٍ أَعْربْتَها.
وأنشد أبو عبيدةَ:
_________________
(١) في (ف): "ومنها".
(٢) في (أ) و(ف): "فإذا أراد العبد" بدل من "وفيه تنبيهٌ على أن العبد إذا أراد".
(٣) في (أ): "بخدمة".
(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢٨)، و"المقتضب" للمبرد (١/ ٢٣٧)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٣٣)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٨) وعنه نقل المؤلف.
[ ١ / ١٩٩ ]
إذا اجتَمَعوا على ألفٍ وواوٍ وياءٍ هاج (^١) بينهم القتالُ (^٢)
ثم للقرَّاء في هذه الحروفِ عند الوصلِ إدغامُ ميمِ اللَّام في ميمِ الميم، والمدُّ، وتثقيل الميم، ويجوز تركُ المدِّ وتركُ الإدغامِ وتركُ التثقيلِ، وعند الوقفِ يصيرُ كذلك ويجوزُ ذلك، والأحسن إخراجُ كلِّها في (^٣) نَفَسٍ واحدٍ.
ومحلُّ ذلك من الإعراب عند بعضِهم: أن ﴿الم﴾ ابتداءٌ، و﴿ذَلِكَ﴾ خبرُه، و﴿الْكِتَابُ﴾ صلةُ خبرِه، كقولك: زيدٌ ذلك الرجلُ لا شكَّ فيه.
وقيل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ابتداءٌ، وقوله: ﴿الم﴾ خبرُه، وقد ذُكر مقدَّمًا على الاسم كقولك: عالمٌ هذا الرجل.
وقيل: لا محلَّ لهذه الأحرف الثلاثةِ من الإعراب على وجه التعلُّق بما بعده، و﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأٌ، و﴿الْكِتَابُ﴾ خبره، و﴿الم﴾ قسَمٌ، أو افتتاحٌ، أو اسمٌ للسورة، أو أمرٌ؛ أي: اسمعوا هذه الحروف مقطعةً (^٤)، وهو تامٌّ بنَفْسه.
وأمَّا نزولُها: فقد رَوَى أبو صالحٍ عن ابنِ عباسٍ ﵄: أن رهطًا من اليهودِ لعنهم اللَّهُ منهم: كعبطُ بن الأسرفِ، وحُيَيٌّ وجديٌّ ابنا أَخْطَبَ، وأبو لُبابةَ، وكعب بن أَسيدٍ، ومالك بن الصَّيْف (^٥)، دخلوا على رسول اللَّه -ﷺ- فسألوه عن
_________________
(١) في (ف): "كان".
(٢) انظر: "المقتضب" للمبرد (١/ ٢٣٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٦١)، وعزاه ليزيد بن الحكم يهجو النحويين، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٣٨) وعنه نقل المؤلف.
(٣) في (ف): "من".
(٤) "أي: اسمعوا هذه الحروف مقطعةً": ليس في (أ) و(ف).
(٥) في (ف): "الضيف". وفي هامش (أ): "مالك بن الصيف بالصاد المهملة في "عين المعالي" وفي "الكشاف".
[ ١ / ٢٠٠ ]
﴿الم﴾ وقالوا: نَنْشُدُك اللَّهَ الذي لا إلهَ إلا هو، أحقٌّ أنها أتتك من السماء؟ فقال النبيُّ -ﷺ-: "نعم كذلك نزلت"، فقال حييٌّ: لئن كنتَ صادقًا إني أعلمُ أنَّ أُكلَ (^١) هذه الأمة من السنين ما نزل عليك، ثم نظر حييٌّ إلى أصحابه فقال: كيف ندخلُ في دِين رجلٍ إنما منتهَى أُكلِ أمَّته إحدى وسبعون سنةً، فقال له عمر ﵁: وما يدريكَ أنها كذلك؟ قال: أخذتُها من حسابِ الجمَّل، فالألفُ واحدٌ، واللامُ ثلاثون، والميمُ أربعون، فضحك النبيُّ -ﷺ-، فقال حييٌّ: هل غيرُ هذا؟ قال (^٢): "نعم"، قال: وما هو؟ قال: " ﴿المص﴾ " قال حييُّ بن أخطبَ: هذه أكثرُ من الأولى، هذه مئةٌ وإحدى وستُّون سنةً -وقد تبيَّن لنا في هذه تفسيرُ الأُولى؛ لأنه قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فنحن المتَّقون الذين آمنَّا بالغيب قبل أن يكون (^٣) - فهل غيرُ هذا؟ قال: "نعم ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] " قال حييٌّ: هذه أكثرُ من الأولى والثانيةِ، وقد أَحْكَمَ فيهنَّ وفصَّلَ، فنحن نشهدُ لئن كنتَ صادقًا ما مُلْكُ أمَّتكَ إلا (^٤) إحدى وثلاثون ومئتا سنةٍ، فاتَّق اللَّه ولا تقل إلا حقًّا، فهل غيرُ هذا؟ قال: "نعم ﴿المر﴾ -إلى قوله: - ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ "، قال: فنحن نشهدُ أنَّا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأيِّ قولك نأخذُ، فقال أبو ياسر: أمَّا أنا فأَشهدُ بما أُنزل على أنبيائنا أنهم قد أَخبروا عن مُلك هذه الأمةِ ولم يوقِّتوا كم يكونُ، فإن (^٥) كان محمدٌ صادقًا فيما يقولُ إني لأراه سيُجمع له هذا كلُّه.
_________________
(١) فوقها في (ف): "مدة"، ومثله في هامش (ر)، ويريد بأكل أمته: طول مدتهم. وفي بعض المصادر: (إني لأعلم أجل هذه الأمة. . .)، والمعنى واحد. وكلمة: "أن" ليست في (أ).
(٢) في (ف): "فقال النبي -ﷺ-".
(٣) في (ر): "نكون"، وفي هامشها: "أي: قبل أن نبعث".
(٤) في (ف): "صادقا فملك أمتك إلى".
(٥) في (أ): "وإن".
[ ١ / ٢٠١ ]
فقام اليهود وقالوا: أَشكَلَ علينا (^١) أمرُك، فلا ندري أبالقليلِ نأخذُ أم بالكثير؟
فذلك قولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (^٢)، فالمحكماتُ هي (^٣) الآياتُ التي في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاثِ آياتٍ، وأما المتشابهاتُ فـ ﴿الم﴾ (^٤) و﴿المص﴾ و﴿الر﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ حين يَحسُبون كم (^٥) أُكلُ هذه الأمة، وما يَعلم ذلك إلا اللَّه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعني: عبد اللَّه بن سلام، وثعلبةَ بنَ عمرو، وأسدَ بن كعب، وأسيد بن زيد، وسلامًا، وهم مؤمنو أهلِ الكتاب ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: قليلِه (^٦) وكثيرِه.
فقال لهم حييٌّ: ويحَكم، أمَا (^٧) تعرفون الباطلَ فيما يُخلَّط عليكم؟ فقالوا: بل نعرف الحقَّ، ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية (^٨)، فجعل رسولُ اللَّه
_________________
(١) في (أ) و(ر): "وقالوا غلبنا".
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٢١)، والداني في "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٣٣٠)، من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد اللَّه بن رئاب. وهو في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٤٥). والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.
(٣) في (أ) و(ف): "وهي"، وليس فيهما: " ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فالمحكمات".
(٤) في (ف): "فألف لام ميم".
(٥) في (ف): "يحسبون ﴿الم﴾ ".
(٦) في (أ): "بقليله".
(٧) في (ر): "إنما". وفي (ف): "إنكم".
(٨) في (أ): " ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ". وفي (ف): " ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية".
[ ١ / ٢٠٢ ]
-ﷺ- يضربُ الأمثال لليهود ليَعقلوا (^١)، وكان اللَّه تعالى طبعَ على قلوبهم فلم يَفْقَهوا (^٢)، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
(٢) - ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: فـ ﴿ذَلِكَ﴾ (^٣) ثلاثةُ أحرفٍ: ذا اسم (^٤) إشارةٍ، واللام عمادٌ، والكاف خطابٌ.
وهذه الكلمة في القرآن على ثلاثة أوجهٍ:
إشارةٌ إلى الغائب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
وإشارةٌ إلى الحاضر، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥].
واسمٌ لمن لا يوصف بالغيبة والحضرة، قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ﴾ [يونس: ٣٢].
وقد جاء في الشعرِ (ذلك) بمعنى: هذا (^٥)، قال خُفَافُ بنُ نُدْبةَ:
أقولُ له والرُّمحُ يَأْطُرُ مَتْنَه تأمَّلْ خفافًا إنَّني أنا ذلكا (^٦)
_________________
(١) في (ر): "ليفعلوا".
(٢) في (أ): "يفهموا ذلك". وفي (ف): "يفقهوه".
(٣) في (أ): "ذلك".
(٤) "اسم": ليس في (أ) و(ف).
(٥) في (أ) و(ف): "لهذا" بدل من "بمعنى هذا".
(٦) انظر: "جمهرة أشعار العرب" (ص: ١٣)، و"مجاز القرآن" (١/ ٢٩)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٣٤٢).
[ ١ / ٢٠٣ ]
أي: هذا.
وفي هذه الآية يمكِنُ (^١) تقريرُ الكلمة (^٢) على الوجوهِ الثلاثة:
يجوز أن يكون اسمًا للقرآن، وهو كلامُ اللَّه ﷻ، وهو قائمٌ بذاته تعالى (^٣) لا يوصفُ بحضرةٍ ولا غيبةٍ (^٤).
ويجوز أن يكون بمعنى: هذا، وهو قولُ مجاهدٍ ومقاتلِ بن حيَّان وابنِ جريجٍ والكسائيِّ والأخفشِ وأبي عبيدة (^٥).
ويجوز أن يكون بمعنى الإشارة إلى غائبٍ، قال ابن عباسٍ ﵄: معناه: ذلك الكتابُ الذي أخبرتُكَ أنِّي أُوحيه إليك.
وقال عطاء بن السائبِ: ذلك الكتاب الذي وعدتُك يوم الميثاق.
وقال يمانُ بن رئابٍ: ذلك الكتاب الذي ذكرتُه في التوراة والإنجيل.
وقال الفرَّاء: هذا الكتاب الذي وعدتك.
وقال ابن كَيسانَ: أنزل اللَّه تعالى قبل البقرة بضعَ عشرةَ سنةً سورًا كذَّب بها المشركون، ثم أنزل البقرة فقال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يعني: ما تقدَّمها (^٦).
_________________
(١) في (أ): "يحكى".
(٢) بعدها في (ر): "عطفٌ".
(٣) في (ف): "بذات اللَّه ﷿".
(٤) في (ر) و(ف): "لا يوصف بالغيبة والحضرة".
(٥) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٢٨)، ورواه عن مجاهد وابن جريج الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٦) انظر هذه الأقوال جميعًا في "تفسير الثعلبي" (١/ ١٤١).
[ ١ / ٢٠٤ ]
وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ أصله في اللغة: الجمعُ، وسمِّيتِ الكتيبةُ بها لاجتماعِها، يقال: كتبتُ البغلةَ: إذا جمعتَ بين شُفْرَيها بحَلْقةٍ، قال الشاعر:
لا تأمنَنَّ فَزاريًّا خَلَوْتَ به على قَلُوصِكَ واكتُبْها بأسيارِ (^١)
ومنه: الكُتْبةُ، وهي الخُرْزةُ، وجمعُها: الكُتَب.
والكتابُ بمعنى المكتوب، وهو في القرآن على عشرين وجهًا:
بمعنى: الفرض، قال اللَّه تعالى: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أي: فرضًا موقتًا.
وبمعنى: البرهان، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧]؛ أي: برهانِكم. قاله الكلبيُّ (^٢).
وبمعنى: الأجَل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]؛ أي: أجَلٌ (^٣).
وبمعنى: المقدار، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]؛ أي: مقدارٌ (^٤).
وبمعنى: القضاء، قال اللَّه جل وعلا: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وبمعنى: مكاتبة العبد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
_________________
(١) البيت لسالم بن دارة واسم أبيه مسافع، وأمِّه دارة من بني أسد، وسميت دارة لجمالها، شبِّهت بدارة القمر. انظر: "الشعر والشعراء" (١/ ٣٨٩). وجاء في هامش (أ): "البعير بمنزلة الإنسان، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والقلوص بمنزلة الجارية".
(٢) بعدها في (أ): "﵀".
(٣) "أي: أجل": ليس في (أ) و(ف).
(٤) "أي: مقدار": ليس في (أ) و(ف).
[ ١ / ٢٠٥ ]
وبمعنى: الرخصة والإباحة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وبمعنى: اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤].
وبمعنى: التوراة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧].
وبمعنى: الإنجيل، قال تعالى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠].
وبمعنى: التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤].
وبمعنى: القرآن، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩].
وبمعنى: صحيفةِ أعمالِ البشر، قال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣].
وبمعنى: ما كَتب اليهودُ من عندِ أنفسِهم وادَّعوا أنه كتابُ اللَّه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩].
وبمعنى: رسالة سليمان ﵇ إلى بلقيس، قال تعالى إخبارًا عنها (^١): ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩].
وبمعنى: ما كُتب في الزبور، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
وبمعنى: ما اقترحه الكفارُ على نبيِّنا ﵊ إنزاله من السماء، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].
وبمعنى: وعد الرحمة، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
_________________
(١) "إخبارًا عنها": ليس في (أ) و(ف).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وبمعنى: إثبات الإيمان في قلوب المؤمنين، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وبمعنى: الأرواح، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧].
وأما المراد بالكتاب هاهنا:
فقد قال سعيد بن جبير: هو اللوحُ المحفوظ.
وقال عكرمة: هو التوراةُ والإنجيل.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄ والضحَّاك وقتادة: هو القرآنُ (^١).
وعليه الجمهورُ، وهو الأشهرُ والأظهرُ.
ثم إنما (^٢) سمِّي القرآن كتابًا لمعنى الجمع الذي دلَّ عليه مأخذُ الاسم من وجوهٍ:
أحدها: أنه جمَعَ الحروف حتى صارت كلمات، وجمع الكلماتِ حتى صارت آيات، وجمعَ الآياتِ حتى صارت سُورًا تامَّات، وجمعَ السورَ حتى صارت كتابًا مشتمِلًا على كرامات.
_________________
(١) انظر هذه الأقوال في "تفسير الثعلبي" (١/ ١٤١). ولعل من قال: إن ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى: هذا، مراده أن ﴿الْكِتَابُ﴾ هنا بمعنى القرآن، وقد تقدم من قال بهذا، ورواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩) عن ابن عباس وابن جريج ومجاهد وعكرمة والسدي. أما القول بأن ﴿الْكِتَابُ﴾ هنا هو التوراة والإنجيل فقد ذكره الطبري (١/ ٢٣١) عرضًا دون عزو لقائل ولا رواية، بل قال: (وقد قال بعضهم: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يعني به التوراة والإنجيل).
(٢) في (ر): "وإنما" بدل: "ثم إنما".
[ ١ / ٢٠٧ ]
والثاني: أنه نظامٌ لصنوف الحِكَم، وقِوامٌ لأنواعِ الحُجج، قال النبيُّ -ﷺ-: "أُوتيتُ جوامعَ الكَلِم" (^١).
والثالث: أنه جمعَ معانيَ جميع كتب اللَّه المنزلةِ، قال النبيُّ -ﷺ-: "أوتيتُ السبعَ الطُّولَ (^٢) مكان التوراة، والمئينَ مكان الزَّبور، والمثانيَ مكانَ الإنجيل، وفضِّلتُ بالمفصَّل" (^٣).
والرابع: أنه يُجمعُ لأهله خيرُ الدارين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
والخامس: أنه يُجمع بين أهله وبين النبيين والصِّديقين والشهداء والصالحين
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢٧٣)، ومسلم (٥٢٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (ر) و(ف): "الطوال"، وفي هامش (ف): "قوله: "أوتيت السبع الطوال" فالسبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال فالأنفال مع التوبة نزلا جميعًا في مغازي رسول اللَّه -ﷺ-، فالطوال هي مضمومة الطاء مفتوحة الواو واحدها الطُوَل كالأول والأولى. والمثاني فهو اسم لسبع سور تتلو السبع الطُّوَل أولها يونس وآخرها النحل وإنما سميت مثاني لأنها ثنيت الطُّوَل. وأما المئون فهي سبع أولها سورة بني إسرائيل وآخرها المؤمنون، وسميت بذلك لأن كل سورة منها مئة وزيادة يسيرة أو نقصان يسير. وأما المفصل بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن، سميت مفصلًا لكثرة الفصولات فيها ببسم اللَّه الرحمن الرحيم".
(٣) رواه الطيالسي في "مسنده" (١٠١٢)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٢٥)، والإمام أحمد في "المسند" (١٦٩٨٢)، من حديث واثلة بن الأسقع ﵁. وهو حديث حسن كما ذكر محققو "المسند"، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٤٦) وقال: رواه أحمد، وفيه عمران القطان، وثّقه ابن حبان وغيره، وضعَّفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات.
[ ١ / ٢٠٨ ]
في الجنة، على ما رُوي عن (^١) عليٍّ ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "أُنزل القرآنُ على عشَرةٍ (^٢): بشيرًا ونذيرًا، وناسخًا ومنسوخًا، ومحْكَمًا ومتشابهًا، وموعظةً ومثلًا، وحلالًا وحرامًا، فمَن أَبْشرَ ببشيره وانْتَذرَ (^٣) بنذيره، وعمِل بناسخه وآمَن بمنسوخه، واقتصَر على محكَمه وردَّ علمَ متشابهِه إلى عالِمه، واتَّعظ بعِظَتِه واعتَبَر بمثَله، وأَحلَّ حلالَه وحرَّم حرامَه، فأولئك من المؤمنين حقًّا لهم الدرجاتُ العُلَى مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقًا، وهو وارِثي ووارثُ الأنبياءِ من (^٤) قَبْلي، ولا يزالُ في ضمَان اللَّه تعالى وكَنَفه، وحيثُما تُلي القرآن غشِيَتْه الرحمةُ ونزلت عليه السَّكينةُ، ويُحشر في زُمرتي وتحت لوائي" (^٥).
والسادس: أنه يَجمع بين الحبيبِ والحبيبِ، فإنه كتابُ الحبيبِ إلى الحبيب، وخطابُ الحبيبِ مع الحبيب، وتذكرةُ (^٦) الحبيبِ للحبيب، وقال النبيُّ -ﷺ-: "مَن قرأ القرآنَ فقد كلَّمَ اللَّهَ تعالى" (^٧).
وقالوا: لمَّا أَنزل اللَّه تعالى على موسى التوراةَ وهي ألفُ سورةٍ كلُّ سورةٍ ألفُ آيةٍ، قال موسى ﵇: يا ربِّ، ومَن يطيقُ قراءةَ هذا الكتابِ وحِفْظَه؟ فقال تعالى: إني أُنزل كتابًا أعظمَ مِن هذا، قال: على مَن يا رب؟ قال: على خاتم النبيِّين.
_________________
(١) "عن" من (ف).
(٢) بعدها في (ر): "أوصافٍ"، وليست في المصدر.
(٣) في (ف): "وأنذر"، والمثبت من (أ) و(ر)، وهو الموافق لما في المصدر، وفيه: "ابتشر" بدل "أبشر".
(٤) "من": ليست في (أ) و(ف).
(٥) ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٣/ ٢٠٣) الأصل الرَّابع والأربعون والمئتان.
(٦) في (ف): "وتذكر".
(٧) لم أجده.
[ ١ / ٢٠٩ ]
قال: وكيف تقرؤه (^١) أمتُه ولهم أعمارٌ قصيرةٌ؟ قال: إنِّي أيسِّره عليهم حتى تقرأ صبيانهم، قال: يا ربِّ وكيف تفعلُ؟ قال: إني أَنزلت من السماء إلى الأرض مئةَ كتابٍ (^٢) وثلاثةَ كتبٍ، خمسين على شيت ﵇، وثلاثين على إدريسَ ﵇، وعشرين على إبراهيمَ، والتوراةَ عليك، والزبورَ على داودَ، والإنجيلَ على عيسى، وذكرتُ الكائناتِ في هذه الكتب فأذكرُ جميعَ معاني هذه الكتب في كتابِ محمدٍ -ﷺ-، وأجمعُ ذلك كلَّه في مئةٍ وأربعَ عشرة سورةً، وأَجعلُ هذه السورَ في ثلاثين جزءًا، والأجزاءَ في سبعة أسباعٍ، ومعنى هذه الأسباعِ في سبعِ آياتِ الفاتحة، ثم معانيَها في سبعةِ أحرفٍ وهي: بسم اللَّه، ثم ذلك كلَّه في الألِفِ من ﴿الم﴾، ثم أفتتِح بها سورةَ البقرة فأقول: ﴿الم﴾ (^٣).
ولمَّا وَعد اللَّهُ تعالى ذلك في التوراةِ، وأنزله على محمدٍ ﵇، جَحدتِ اليهودُ -عليهم لعائنُ اللَّه- أن يكون هذا ذلك، فقال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: هذا ذلك.
ثم سمَّاه هاهنا كتابًا، وله في القرآن مئةُ اسمٍ، وقد عدَّدْناها في صدرِ هذا الكتاب.
ومِن فضلِ اللَّه علينا أنْ أعزَّنا بدِينه، وأكرمَنا بكتابه، وشرَّفنا بنبيِّه، وخصَّنا بتفضيله بأنْ ذكرَ في القرآن أسماءً سمَّى بها نفسَه وكتابَه ورسولَه وسمَّانا أيضًا بها، وهي أكثرُ من عشرين اسمًا:
_________________
(١) في (أ) و(ر): "تقرأ".
(٢) "كتابٍ": ليست في (أ) و(ف).
(٣) لم أجده. وما جاء في آخره من جعل المعاني القرآنية في الألف من ﴿الم﴾ من عنديَّات أهل الشَّطح، ولعل الخبر كله من اختراعهم.
[ ١ / ٢١٠ ]
الحقُّ: قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦]، وقال تعالى لكتابه: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] وقال تعالى لنا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤].
والنُّورُ: قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] وقال تعالى لنا: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
والعزيزُ: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (^١) [الحج: ٧٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، وقال تعالى لرسوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى لنا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
والكريمُ: قال اللَّه تعالى: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، وقال تعالى لكتابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (^٢) [الحاقة: ٤٠]، وقال لنا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
والعظيمُ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال لرسوله -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال تعالى لنا: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
_________________
(١) في (ف): "وإنه" بدل من "وإن اللَّه".
(٢) بعدها في (ر): " ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ "، وهي نسخة كما في هامش (ف).
[ ١ / ٢١١ ]
والشهيدُ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، وقال لكتابه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وقال تعالى لنا: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
والمُبينُ: قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩]، وقال تعالى لنا: ﴿وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠].
وذو العُلى: قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقال تعالى لكتابه: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم: ٧]، وقال لنا: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
والهادي قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال تعالى لكتابه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقال لرسوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، وقال تعالى لنا: ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].
والحاكمُ: قال اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال لكتابه: ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال تعالى لنا: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥].
والحكمةُ: قال اللَّه تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [القمر: ٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقال تعالى لنا: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
والرحمةُ: قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى
[ ١ / ٢١٢ ]
لكتابه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾، وقال تعالى لنا: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧].
والأمرُ: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧]، وقال تعالى لكتابه: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥]، وقال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تعالى لنا: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١) [آل عمران: ١١٠].
والمنذرُ: قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ٤]، وقال لرسوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (^٢)، وقال تعالى لنا: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
والطاهرُ: قال تعالى: ﴿طه﴾ ﴿طس﴾، وقال تعالى لكتابه: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال تعالى لنا: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والطيِّبُ: قال تعالى: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦]، وقال لنا: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢].
والدَّاعي: قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وقال لكتابه: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]، وقال لرسوله -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣]، وقال تعالى لنا: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ف): " ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ".
(٢) قوله: " ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وقال تعالى لرسوله -ﷺ- ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ "، وقع في (ر) بدلا منه: " ﴿وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾، وقال لرسوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ".
[ ١ / ٢١٣ ]
والقائمُ: قال تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال تعالى لكتابه: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾، وقال لرسوله -ﷺ-: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال لنا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
والصادقُ: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (^١) [النساء: ٨٧]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقال تعالى لنا: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧].
والخيرُ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (^٢) [المؤمنون: ٧٢]، وقال لكتابه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١]، وقال تعالى لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠].
والأحسنُ: قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال لرسوله -ﷺ-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقال تعالى لنا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ [النساء: ١٢٥].
والمبارَكُ: قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقال لرسوله -ﷺ-: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، وقال لنا: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي: لا شكَّ فيه، والرَّيب: شكٌّ فيه خوفٌ، وهو أخصُّ من الشكِّ، فكلُّ ريبٍ شكٌّ وليس كلُّ شكٍّ ريبًا. والرِّيبة: التُّهمةُ من ذلك، والمُرِيب: المتَّهم.
_________________
(١) في (أ): " ﴿قُبُلًا﴾ ".
(٢) في (أ) و(ف): " ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ".
[ ١ / ٢١٤ ]
وقال الزجَّاج: رابني فلانٌ: إذا علصتَ منه الرِّيبةَ، وأمرٌ رابني (^١)؛ أي: أَوهمَني الرِّيبةَ، وأنشد:
أخوكَ الذي إنْ رِبْتَه قال إنَّما أَرَبْتَ وإنْ عاتَبْتَه لانَ جانِبُهْ (^٢)
جعَل الأولَ للحقيقة والثاني للوهم.
و(لا) كلمةُ تبرئةٍ، وهي إذا دخلت اسمًا واحدًا بُني على الفتحة ولم ينوَّنْ؛ لأنهما يصيران كاسمٍ واحد بمنزلةِ خمسةَ عَشَرَ، فإنَّ قولك: لا رجلَ في الدار، هو جوابُ قولِ السائل (^٣): هل من رجلٍ في الدار؟ و(مِن) مع (رجلٍ) صارا (^٤) شيئًا واحدًا في السؤال، فصار هذان أيضًا شيئًا واحدًا في الجواب.
و(مِن) لتعميم سؤالِ (^٥) النفي؛ فإنه سؤالٌ عن الواحد وما زاد عليه، و(لا رجلَ) نفيُ الواحد وما فوقه (^٦)، ولو قال: هل رجلٌ في الدار؟ فهذا سؤالٌ عن الواحد لا غير (^٧)، وقولُك: ما في الدار رجلٌ، نفيٌ للواحد لا غير، ويجوز أن يكون فيه اثنانِ وأكثرَ، وهذا كشفُ ما ذكَره الزجاج وأجمله (^٨).
_________________
(١) في (أ): "وأرابني" وفي (ف): "ورابني" بدل من "وأمر رابني".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٦٩)، والبيت للمتلمس أو لبشار بن برد كما في "اللسان" (مادة: راب).
(٣) في (أ) وهامش (ف): "القائل".
(٤) في (ف): "صار".
(٥) في (ف): "السؤال في".
(٦) في (ف): "وما زاد عليه".
(٧) في (أ): "واحد لا غير"، والعبارة وقع مكانها بياض في (ف).
(٨) في (أ) و(ف): "وأجمل". وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٦٩).
[ ١ / ٢١٥ ]
فإن ذكرتَ بعدَه اسمين ففيه أربعةُ أوجهٍ: رفعُهما وتنوينُهما، وفتحُهما بغيرِ تنوينٍ، ورفعُ أوَّلهما وتنوينُه مع فتحِ الآخِر بغيرِ تنوينٍ، وفتحُ أولهما بغيرِ تنوينٍ مع رفعِ الآخِر وتنوينه. ويُستوضَحُ (^١) ذلك في قولهم: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
ثم معنى قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شكَّ في كونه ذلك الكتابَ الموعودَ.
وقيل: أي: لا شكَّ في كونه هدًى.
وقيل: أي: لا شكَّ في المذكورات فيه، فهي مبيَّنةٌ وغيرُ مبهَمةٍ (^٢).
فإن قالوا: إن الكفارَ شكُّوا فيه فلم يُقِرُّوا بكتاب اللَّه تعالى، والمبتدِعون من أهل القِبلة شكُّوا في معاني متشابهاتهِ (^٣) فأَجْرَوها على ظوَاهرها وضلُّوا بها، والعلماءُ شكُّوا في وجوههِ، فلم يَقطعوا القولَ على وجهٍ منها، والعوامُّ شكُّوا فيه فلم يفهموا معانيَه، فما معنى نفيِ الريب عنه؟
فله ثلاثةُ أجوبةٍ:
أحدها: أن هذا نفيُ الرَّيب عن الكتاب لا عن الناس، والكتابُ موصوفٌ بأنه لا يَتمكَّنُ فيه ريحب فهو حقٌّ صدق مفهومٌ معلوم شكَّ الناسُ فيه أو لم يشكُّوا؛ كالصدقِ صدقٌ في نفسه وإن وصفَه الناس بالكذب، والكذبُ كذبٌ وإنْ وصفه الناس بالصدق، فكذا الكتابُ ليس مما يلحقُه ريبٌ أو يَتمكنُ فيه عيبٌ.
والثاني: أن هذا نفيُ الريب عن المقتبِسين منه (^٤) بعد إمعانِ النظرِ وإجالةِ الفِكَرِ،
_________________
(١) في (ف): "وسنوضح".
(٢) في (ف): "مثبتة غير متهمة" بدل من "مبينة وغير مبهمة".
(٣) في (ر) و(ف): "متشابهه".
(٤) في (ر): "المقيس منه"، وفي (ف): "المقتبس".
[ ١ / ٢١٦ ]
فمَن تعلَّمه وتبحَّر فيه ونظر فيه منصِفًا غيرَ معاندٍ لم يجد فيه تناقضًا ولا تعارُضًا، بل وجده يصدِّقُ بعضُه بعضًا.
والثالث: أن هذا نهيٌ في المعنى وإن كان نفيًا في الصفة (^١)، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فإن هذه الكلمات لو حُملت على ظاهر النَّفي توجَّهَ عليه هذا الإشكال؛ فإنَّا نجد مَن يَرفثُ فيه ويَفسقُ ويجادل، لكنها (^٢) نهيٌ عن فعلِ ذلك في الحجِّ، فهذا مِثْلُه.
ونظيرُه قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وقد أنكره الملحدون وشكَّ فيه المشركون، لكن وجوهه ثلاثةٌ:
أحدها: أنه لا شكَّ في وجوده وتحقُّقه في نفسه.
والثاني: أنه لا تجري أمورُه على الشكِّ والتلبيس.
والثالث: أنه نهيٌ عن الارتياب فيه؛ فإنه واقعٌ لا محالة.
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾ قرئ بكسر الهاء وضمِّها وسكونها (^٣)، وكلُّ وجهٍ على وجهين: أمَّا الكسرُ فلِلْياء التي قبلَها، وأمَّا (^٤) الضم فهي على الأصل؛ لأن أصل الكناية: هو، وأما التسكين فهو على (^٥) الوقف.
_________________
(١) في (أ): "الصيغة".
(٢) في (أ) و(ف): "لكنه".
(٣) بالكسر قراءة الجمهور، وبالضم نسبت لمسلم بن جندب كما في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠)، وللزهري كما في "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٤)، أما السكون فأجازه النحاس في "إعراب القرآن" (١/ ٢٤)، ولعل المراد به رواية السوسي عن أبي عمرو: (فيه هدى) بالإدغام. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠).
(٤) "أما": سقط من (ف).
(٥) في (ر) و(ف): "فعلى" بدل: "فهو على".
[ ١ / ٢١٧ ]
ثم الكسرةُ على وجهين: كسرةٌ غيرُ مشبعةٍ بالياء (^١)؛ أي: لا ياءَ بعدها لفظًا؛ لأنه لا ياء بعدها (^٢) كتابةً، وكسرةٌ مشبعةٌ بالياء (^٣)؛ لأن هاء الكناية أصلُها: هو، بالواو، وجُعلت هذه الواوُ ياءً هاهنا للكسرة المتقدِّمة.
والضمةُ على وجهين أيضًا: مشبَعةٌ بالواو، وهي قراءةُ الزهري (^٤) على أصلِ كلمة (هو)، وضمةٌ لا واو بعدها تخفيفًا (^٥) وبناءً على الكناية.
والتسكينُ على وجهين: على الوقف لتمام الكلام، ثم الابتداءِ على معنى: هو هدًى، وإدغامٍ في رواية أبي حاتم عن أبي عمرو (^٦).
وقوله تعالى: ﴿هُدًى﴾: قد مر الكلامُ في تفسيره ونظائره (^٧) في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ثم هو يَصلُحُ مصدرًا هاهنا كالتُّقى والسُّرى والدُّجى، ويَصلُح فاعلًا؛ فإن اسم المصدر يُطلق على الفاعلِ والمفعول لغةً، يقال: رجلٌ عدلٌ؛ أي: عادل، ورضيٌّ؛ أي: مَرْضيٌّ، وقد ورد في القرآن الهدى بمعنى: الهادي، قال تعالى خبرًا عن موسى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]؛ أي: هاديًا.
_________________
(١) "بالياء": من (أ). وقد تقدم تخريج هذه القراءة.
(٢) "لفظًا؛ لأنه لا ياء بعدها": سقط من (ف).
(٣) هي قراءة ابن كثير حالة الوصل، أما في الوقف فيقف بهاء ساكنة. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٩).
(٤) نسبها ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٨٤) لابن أبي إسحاق، أما الزهري فنسبت إليه قراءة الضم بغير واو كما تقدم قريبًا.
(٥) في (ر): "تخففًا". وقد تقدم تخريج هذه القراءة.
(٦) وهي رواية السوسي عن أبي عمرو أنه قرأ: (فيه هدى) بالإدغام. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠).
(٧) في (ر): "تفسيرها ونظائره"، وفي (ف): "تفسيرها ونظائرها".
[ ١ / ٢١٨ ]
فإنْ جُعل مصدرًا فعلى قوله: ﴿فِيهِ هُدًى﴾، وإن جُعل فاعلًا فعلى أن يُجعل تقديره: هو (^١) هُدًى للمُتَّقِين؛ أي: هادٍ.
وأَمَّا إعرابُه: ففي (^٢) الظاهرِ لا حركةَ للياء التي هي حرفُ الإعراب؛ فإنه اسمٌ مقصور وقد سقطت الياء بالتنوين.
وهذه الصيغةُ وردت في القرآن في محلِّ النصب والرفع والخفض، قال اللَّه تعالى: ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] هذا منصوبٌ، وقال: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] وهذا مرفوعٌ، وقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ [البقرة: ٥] وهذا مخفوضٌ.
وهاهنا قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: يَصلحُ أن يكون منصوبًا ومرفوعًا، ولا يحتملُ الخفض لعدم الخافض، فأما النصب فعلى القطع، وللقطع وجوهٌ:
أحدها: من قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فـ ﴿الْكِتَابُ﴾ معرفةٌ و﴿هُدًى﴾ نكرةٌ.
والثاني: من قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ (^٣)، وهو معرفةٌ أيضًا.
والثالث: من قوله: ﴿فِيهِ﴾ فهو معرفة أيضًا، ووصْفُ المعرفةِ بالنكرة لا يستقيم، فنُصب قطعًا كما في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقولهِ تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، وقولهِ تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢].
وقيل: هو نصبٌ على الحال؛ أي: لا رَيْبَ في كونه هُدًى.
وأما الرفع فلوجوهٍ:
_________________
(١) "هو": من (أ).
(٢) في (أ): "فعلى".
(٣) في (ر) و(ف): " ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ".
[ ١ / ٢١٩ ]
أحدها: أنه خبرُ قوله: ﴿ذَلِكَ﴾.
والثاني: أنه خبرُ قوله: ﴿الْكِتَابُ﴾.
والثالث: أنه خبرُ قوله: ﴿فِيهِ﴾.
والرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هو هُدًى.
ثم هاهنا أسئلةٌ ثلاثةٌ (^١):
أحدها: أنه لمَ أضافَ الهدى إلى القرآن وهو من اللَّه تعالى؟
والثاني: أنه لمَ خصَّ هاهنا فقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وعمَّم (^٢) في موضعٍ آخر فقال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٥]؟
والثالث: أنه لمَ خصَّ المتَّقين بالهدى وفيه هدَى الكل؟ وهل عُذِرَ غيرُ المتَّقين بهذا؟
أما جوابُ الأول: فإضافة الهدى إلى القرآن على وجه التسبيب (^٣) كما في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] مع قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ [القصص: ٥٦]، وكما في إضافة الإضلال إلى فرعون بقوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩]، وإلى الأصنام بقوله: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، واللَّهُ تعالى هو الذي يضلُّ مَن يشاء ويَهدي مَن يشاء، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣].
وأما جواب الثاني: فهو هدًى للناسِ كلِّهم بيانًا، وهدًى للمتقين على الخصوص إرشادًا، وهو كقوله تعالى في حقِّ رسوله -ﷺ- على الخصوص:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ثلاثة أسولة".
(٢) في (أ): "وعم"، وفي (ر): "ويعم".
(٣) في (ر): "التسبب".
[ ١ / ٢٢٠ ]
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، مع ما قال فيه على العموم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، لكنْ أنذر الكلَّ تبليغًا، ونفع ذلك أهل الخشية تنبيهًا، فهذا مثلُه.
وأمَّا جواب (^١) الثالث: فهو هدًى للمتقين؛ لأنهم هم المنتفِعون به، فكأنهم خُصوا بذلك، وكذلك (^٢) يقالُ في كلِّ مَن انتفع بشيءٍ على الخصوص دون غيره: إنه لك على الخصوص؛ أي: أنت المنتفِع به وحدك، وليس في أنَّ الناس لم يهتدوا به ما يُخرجه عن أن يكون هدًى، فالشمسُ شمسٌ وإنْ لم يرها الضرير، والعسلُ عسلٌ وإنه لم يجد طعمَه الممرور، والمسكُ مسكٌ وإن لم يدرِك طيبَ ريحه (^٣) المأنوف.
فالخيبةُ كلُّ الخيبة لمن عطشَ والبحرُ زاخر، وبقي في الظُّلمة والبدرُ زاهر، وخبُثَ والطِّيبُ حاضر، وذوَى والروضُ ناضر.
والحسرةُ كلُّ الحسرة لمن عصى وفسَق والقرآنُ ناهٍ له وآمر، وفارَقَ الرهبةَ والرغبةَ والوعدُ متواترٌ والوعيدُ متظاهر، ولذلك قال ﷻ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠].
قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: أصلُ هذه (^٤) الكلمة من الوقاية، وهي الحفظ، والتَّوقِّي: التحفُّظ، والاتِّقاء: الاحتفاظ؛ أي: الاحترازُ عن الآفَة، وعلى ذلك وقايةُ الرأس والثوب والكتاب، والاسم منه: التقوى.
_________________
(١) في (ف): "الجواب عن"، وفي هامشها: "وأما جواب الثالث".
(٢) في (أ): "به وكذلك"، وفي (ر): "بذلك ولذلك".
(٣) في (ف): "طيبه" بدل: "طيب ريحه".
(٤) "هذه": سقط من (أ) و(ف).
[ ١ / ٢٢١ ]
وأصله: الوَقْوَى، الواوُ الأولى أصلية، والثانيةُ زائدةٌ، والياءُ لامُ الفعل، ووزنه: فَعْوَل.
ويقال: هي (^١) على وزن فَعْلَى، فالواو الثانيةُ (^٢) على هذا لامُ الفعل، والياء الأخيرةُ زائدة.
والأوجَه هو الأولُ؛ لأن الكلمة يائية فلا تُجعل لامُها واوًا، بخلافِ الشَّكوى والدعوى؛ فإنهما واويَّتان. وإنما صارت الواو الأولى ياءً بناءً على صيرورتها ياءً في قولك: اتَّقى يتَّقي؛ لأن أصله: اوْتَقَى، فصارت الواوُ ياءً لكسرةِ ما قبلَها كما في الميعاد والميزان (^٣) والميراث، ثم جُعلت الياء تاءً وأُدغمتِ الأولى في الثانية طلبًا للتلاؤم (^٤) وتوقِّيًا عن التنافُر، ثم بُني الاسم على هذا الفعل فقيل: التَّقوى، كما في التُّخَمة من اتَّخَم، وأصلُها: وُخَمة، وكذلك التُّهَمة والتُّكَأة (^٥) والتُّكْلان والتُّراث والتُّجاه توهُّمًا أنها أصليةٌ.
ثم التَّقوى قسمان: أصل وفرع، فالأصل: الإيمان، وهو اتِّقاءٌ عن الكفر، والفرعُ: هو اتقاءٌ (^٦) عن الذنوب، فبالأول: النجاة من العذاب المؤبَّد، وبالثاني: النجاة من العذاب المؤقَّت.
أما التقوى التي هي إيمانٌ: ففي مثلِ قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا
_________________
(١) في (أ): "هو".
(٢) في (أ): "والواو الثانية" وفي (ر): "قالوا والثانية".
(٣) في (ر): "والميزاب".
(٤) في (ف): "للتلازم".
(٥) في (ر): "والتكلة".
(٦) في (أ): "الاتقاء".
[ ١ / ٢٢٢ ]
لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١].
وأما التقوى التي هي تركُ الذنوب بعد تمامِ الإيمان (^١): ففي مثلِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
وللناسِ في التقوى والمتَّقي أقاويلُ تبلغ مئةَ قول (^٢) عدَّدْناها في كتابنا الموسوم بـ "بحر علوم التفسير على نحو رسوم التذكير"، وفي كتاب اللَّه تعالى في تفسيره ما يغني عن كثيرٍ من ذلك؛ فإنه قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وعدَّ (^٣) أشياءَ ثم قال في آخره: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فهذا هو المتَّقي المطلقُ الثابت بحجةٍ لا ريب فيها، والذي يليه في الوضوح قولُ النبي -ﷺ-: "جماعُ التقوى في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] " (^٤).
والذي (^٥) يَقربُ منه في الثقة بصحَّته: أن المتَّقيَ المطلقَ مَن ائتَمَر بأمرِ التقوى الواردِ في القرآن، وهو (^٦) على ثلاثةِ أوجُهٍ: للعامِّ وللخاصِّ ولخاصِّ الخاصِّ:
أما أمرُ العامِّ: فباتقاء النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وأما أمرُ الخاص: فباتقاءِ يومِ القيامة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
_________________
(١) في (أ): "بعد تمام الآيات"، وفي (ر): "بعد الإيمان".
(٢) "قول": ليست في (ف).
(٣) في (ف): "وعدد".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٤٢)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٦٠)، ولم أجده مسندًا.
(٥) بعدها في (أ): "يليه".
(٦) في (ر) و(ف): "وهي".
[ ١ / ٢٢٣ ]
وأما أمرُ خاصِّ الخاصِّ: فبتقوَى اللَّه ﷿: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فالعامةٌ عصاةٌ فخوَّفهم (^١) بالنار كي يتركوا المعصية.
والخاصُّ مطيعون فدعاهم إلى الإخلاص كي لا يتحيَّروا في جوابِ سؤالِ الصدق يومَ القيامة.
وخاصُّ الخاصِّ للَّه وباللَّه ومع اللَّه، فأمرهم باتِّقائه، وهو أن يكونوا له ويتَّقوا ملاحظةَ غيره كيلا (^٢) يقعوا في الحَجْبة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] واللبُّ: الخالصُ؛ أي: يا خُلَصائي كونوا لي لا لغيري.
وسُئل رسول اللَّه -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فقال: "هو أنْ يُطاعَ فلا يُعْصَى، وأنْ يُذكَرَ فلا يُنْسَى، وأنْ يُشكَرَ فلا (^٣) يُكْفَر" (^٤).
_________________
(١) في (ر): "خوفهم".
(٢) في (ر): "لئلا".
(٣) في (ف): "ولا" في المواضع الثلاثة.
(٤) روي مرفوعًا من حديث ابن عباس، وموقوفًا ومرفوعًا من حديث ابن مسعود، والصحيح وقفه: فقد رواه البيهقي في "الزهد" (٨٧٨) وفي "القضاء والقدر" (٢٩٤) من حديث ابن عباس ﵄، دون قوله: "وأن يشكر فلا يكفر"، وفي إسناده بكر بن سهل، وهو ضعيف. وذكره هبة اللَّه بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٦٢) بتمامه مرفوعا لكن دون سند ولا راو. والذي في غالب كتب الحديث والتفسير والنواسخ روايته عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا، كما رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢٢)، وعبد الرزاق في "التفسير" (٤٤١)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤٧٥)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٥٥٣)، وأبو داود في "الزهد" (١٤٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٨٤٧)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٣٧)، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٢٨١)، والطبراني في "الكبير" (٨٥٠١)، والحاكم في "المستدرك" =
[ ١ / ٢٢٤ ]
قال ﵁ (^١): فارسيتُه: (مطيع باش عاصي بي ذاكر باش ناسي بي شاكر) (^٢).
وقيل: التقوى: زمُّ الجوارح وضمُّ الجوانح.
فزمُّ الجوارح: منعُ الأذن عن سماع اللغو، ومنعُ العين عن نظر اللَّهو، ومنعُ اللسان عن فضول الكلام، ومنعُ الحَلْق عن فضول الطعام، ومنع القدم عن التخطِّي إلى الأغيار، ومنعُ النَّفس عن مُلابَسة (^٣) الأقذار.
وأما ضمُّ الجوانحِ: فهو جمعُ الهمة عن التَّفاريق، والتفرُّدُ عن وجوهِ التَّعاويق (^٤)، والتنزُّهُ عن ألواثِ التَّعاليق، فمَن اتَّقى ظاهرُه ظهَر خلاصُه، ومَن اتَّقى باطنُه بطَن استخلاصُه، وحَظِي أذنُه بسماع كلام الحق، وعينُه برؤية الحق، ولسانُه
_________________
(١) = (٣١٥٩) وصححه، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٣٨)، والبيهقي في "القضاء والقدر" (٢٩٢) و(٢٩٣). وقال ابن كثير عند تفسير الآية (١٠٢) من آل عمران: هذا إسناد صحيح موقوف. أما المرفوع عن ابن مسعود فقد قال أبو نعيم: رواه الناس عن زبيد موقوفًا، ورفعه أبو النضر عن محمد بن طلحة عن زبيد. ثم رواه من الطريق المذكور مرفوعًا، وقال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص: ١٦٠): وخرجه الحاكم مرفوعًا والموقوف أصح. وكذا ذكر ابن كثير عن الحاكم أنه رفعه وصححه ثم قال: والأظهر أنه موقوف. وما استظهره هو الصواب، لكن قوله وقول ابن رجب في رواية الحاكم: مرفوعًا، مخالف لما في مطبوعة "المستدرك"، فلعله كذلك وقع في نسختهما منه.
(٢) "قال ﵁": ليست في (أ) و(ف).
(٣) من قوله: "فارسيته. . . " إلى هنا ليس في (أ). وفي هامش (ف): "هذه الألفاظ الفارسية تضمنت معنى سؤال النبي -ﷺ- عن قوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ فقال -ﷺ- الحديث".
(٤) في (ر) و(ف): "ملابس".
(٥) في (ر): "التعاليق".
[ ١ / ٢٢٥ ]
بمكالمةِ الحق، ويدُه بقبضِ عطايا الحق، ورجلُه بالوصولِ إلى مقعدِ الصدق بتقريب الحق، وقلبُه بمشاهدة الحق، وروحُه بقُرب (^١) الحق، وسرُّه بلطف الحق، فصار كلٌّ للحقِّ بالحقِّ (^٢).
وقيل: تفسيرُ المتَّقين فيما ذُكر بعده: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وهو كما قالوا: إن تفسيرَ ﴿الصَّمَدُ﴾: ما ذُكر بعده: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وتفسيرَ الهَلُوع ما ذُكر بعده: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١].
* * *
(٣) - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾: فإن ﴿الَّذِينَ﴾ اسمٌ بدلالةِ دخولِ الألف واللام فيه، وهو موصولٌ؛ لأنه يَتمُّ بصلته وهو (^٣): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾.
وأصله: (اللَّذِينَ) بلامينِ؛ إحداهما: لام التعريف، والثانية: لام (لذ)، وإنما اكتُفي في الكتابة بواحدةٍ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ولهذا تُكتب في التَّثنية: (اللذانِ) بلامين؛ لأنه لم يَكثر استعمالُه.
وهو غيرُ مُعْرَبٍ لفظًا، ولهذا يستوي (^٤) نصبُه ورفعُه وخفضُه، فيقال: جاءني الذين علمتَ، ورأيتُ الذين علمتَ، ومررتُ بالذين علمتَ.
_________________
(١) في (ف): "بقوت".
(٢) في (أ): "وبالحق".
(٣) في (ف): "وهي".
(٤) في (ف): "استوى".
[ ١ / ٢٢٦ ]
وإنما لم يُعرب لأنه موصولٌ لا يَتم إلا بصلته (^١)، فصار لفظُه كأنه بعضُ الكلمة، ولا إعرابَ إلا لتمام الكلمة في آخرها، فأما (اللَّذانِ) في التثنية فإنما أُعرب -فكان رفعُه بالألف، ونصبُه وخفضُه بالياء- لأن منعَ الإعراب كان لإلحاقه بالحروف، ولا تثنيةَ للحروف فلم تُلحق بها، بل تحقَّق فيه معنى (^٢) الاسمِ فأُعرب لذلك.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾: تقديره: المؤمنين، ومحلُّ: ﴿الَّذِينَ﴾ من الإعراب على هذا التقدير: الخفضُ؛ لأنه نعتٌ للمتقين (^٣) فيتبعُه في إعرابه، ويجوز أن يكون نصبًا على المدح، ويجوز أن يكون رفعًا بإضمارِ كلمة: هم.
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فالإيمانُ في اللغة هو التصديق، وقد آمَنَ به ولَه؛ أي: صدَّقه، وآمَنَهُ؛ أي: أَثبتَ له الإيمان (^٤).
وقيل: إن الإيمان الذي هو التصديقُ مأخوذٌ من هذا؛ فإن المصدِّق غيرَه فيما أَخبره (^٥) به يُثبت لنفسه الأمنَ من إخبارِ المخبِر إياه بالكذب أو الخطأ.
ثم اختلَف أهلُ الأصول في ماهيةِ الإيمان المفترَض على العبد:
قال جَهْمٌ (^٦): هو المعرفة.
وقالت الكرَّاميَّة: هو مجردُ الإقرار.
_________________
(١) في (أ): "بصلة".
(٢) في (ر) و(ف): "بمعنى".
(٣) في (ر): "نعت المتقين".
(٤) في (أ): "الأمان".
(٥) في (ر) و(ف): "أخبر".
(٦) هو جهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي، قال الذهبي في ترجمته في "الميزان": الضال المبتدع، رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئا لكنه زرع شرًّا عظيمًا.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وقال الرَّقَاشيُّ (^١): هو الإقرار بشرطِ وجودِ المعرفةِ في القلب (^٢)، والمعرفةُ ضروريةٌ توجد لا محالة، لكنْ إذا وُجدت هي مع الإقرار فالإيمانُ هو الإقرارُ باللسان وحده؛ لأنه اسمٌ لفعلٍ اكتسابيٍّ لا اضطراريٍّ.
وقال أهلُ الحق: هو التصديقُ بالقلب والإقرارُ باللسان.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ -وهو مرويٌّ عن أبي حنيفة ﵀، وهو قولُ جماعةٍ-: هو التصديق (^٣).
وقال مالكٌ والشافعيُّ والأوزاعيُّ وأهلُ الحديث وأصحابُ الظواهر: الإيمان هو التصديقُ بالقلب، والإقرارُ باللسان، والعملُ بالأركان.
وقال الأشعريُّ: كلُّ ذلك والبقاءُ عليه إلى الموت.
وبيانُ شُبَهِ الخصومِ وحُجَجِ أهل الحقِّ يُذكر في كتب الكلام، ونُشير نحن في بقيَّة هذه الآية وفي تفسير الآيات التي في المنافقين من هذه السورة إلى ما يقع به الاستغناءُ والاكتفاءُ إن شاء اللَّه تعالى.
ثم قولُه ﷿: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: في قراءةِ أبي عمرو بن العلاء بغير همز، وللقرَّاء في الهمز وتركِه مذاهبُ وتفاصيل، فأبو عمرو يتركُ كلَّ همزةٍ ساكنة إلا أن يَعترِضَ أحدُ أربعةِ أشياء:
_________________
(١) هو الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشيّ، أبو عيسى، واعظ من أهل البصرة، كان من أخطب الناس، متكلمًا قاصًّا، وهو رئيس طائفة من المعتزلة تنسب إليه، وكان قدريًا ضعيف الحديث، توفي سنة (١٤٠ هـ). انظر: "الأعلام" (٥/ ١٥١).
(٢) في (ر): "بالقلب".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٧٣).
[ ١ / ٢٢٨ ]
أحدها: أن يكون سكونُها علامةً على (^١) الجزم، نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] و﴿إِنْ يَشَأْ﴾ (^٢) [النساء: ١٣٣].
أو يتغيرَ المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤].
أو يخرجَ إلى لغةٍ أخرى، نحو قوله تعالى: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠].
أو يكون التخفيف أثقل، نحو قوله: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١].
وفي الحاصل: هو يَهمز في ثلاثةٍ وثلاثين موضعًا من القرآن أولها: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾، وآخرها: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾.
والكسائيُّ يترك الهمز في قوله: ﴿الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] ويَهمز ما عداها (^٣).
وعاصم في رواية أبي بكرٍ يترك الهمز (^٤) في: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾، ويهمز في (^٥) ما سواه.
وحمزةُ يترك همزَ ما يقف عليه ويَهمز ما خَلَاه.
وابنُ كثيرٍ يهمزُ الكلَّ إلا كلمة: ﴿الْقُرْآنُ﴾.
وابنُ عامرٍ يهمزُ الكلَّ (^٦).
_________________
(١) "على": ليست في (ف).
(٢) في (أ): "نشأ".
(٣) في (أ): "عداه".
(٤) في (ر) و(ف): "وعاصم يترك الهمزة"، والمثبت من (أ) وهو الصواب.
(٥) "في": ليست في (أ) و(ف).
(٦) انظر تفصيل هذه المسألة في "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ١٣٠ - ١٣٢)، و"التيسير في القراءات السبعة" للداني (ص: ٣٤) وما بعدها، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٠) وما بعدها.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وما رُوي عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "المؤمنُ مَن أَمِنَ جارُه بَوَائِقَهُ" (^١)، فمعناه -واللَّهُ تعالى أعلمُ-: المؤمنُ المستكمِلُ أوصافَ أهلِ الإيمان هذا (^٢).
وكذا قولُه -ﷺ-: "المؤمنُ هيْنٌ ليْنٌ جوادٌ سَمْحٌ كالجملِ الأَنِف (^٣)، إذا قِيدَ انقادَ، وإذا أُنِيخَ على حَجَرٍ استناخ" (^٤).
وقولُه -ﷺ-: "المؤمنُ أَلِفٌ مألوفٌ حَيِيٌّ، ولا خيرَ فيمَن لا يَأْلَفُ ولا يُؤلف" (^٥).
وقولُه ﵇: "المؤمنُ فَطِنٌ حَذِرٌ وقَّافٌ متثبِّتٌ عالمٌ وَرعٌ" (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح ﵁ بلفظ: "واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ" قيل: ومَن يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "الذي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائقَهُ". وروى مسلم (٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ".
(٢) "هذا": ليست في (ر).
(٣) في (ر): "الأنوف". والصواب المثبت، والأنف على وزن فَعِلٍ، وهو الذي جُعل الزمام في أنفه فيجره مَن يشاء من صغير وكبير إلى حيث يشاء.
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٨٧)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٧٧٧٧)، عن مكحول عن النبي -ﷺ- مرسلًا. ثم رواه البيهقي (٧٧٧٨) من حديث ابن عمر مرفوعًا متصلًا، وقال: الأول مع إرساله أصح. وعبارة: "المُؤْمِنُ كالجَمَلِ الأَنِفِ، حيثُما قِيدَ انقادَ"، وردت في حديث العرباض بن سارية عند ابن ماجه (٤٣)، وهو حديث صحيح.
(٥) رواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند" (٩١٩٨)، والحاكم في "المستدرك" (٥٩) وصححه، من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه بنحوه أيضًا الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٨٤٠)، وابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٢٩)، من حديث سهل بن سعد ﵁، وإسناده ضعيف جدًا.
(٦) رواه أبو الشيخ في "الأمثال" (٢٥٨) من حديث أنس ﵁. قال المناوي في "فيض القدير" (٦/ ٢٥٧): فيه أبو داود النخعي كذاب، قال في "الميزان" عن يحيى: كان أكذب الناس، ثم سرد له عدة أخبار هذا منها، قال ابن عدي: أجمعوا على أنه كان وضاعًا.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وقولُه ﵇: "المؤمنُ واهٍ راقعٌ، فسَعيدٌ مَن هلَك على رَقْعِه" (^١).
وعلى هذا ما قاله (^٢) أهلُ الحقيقة في تفسير الإيمان، فهو تفسيرُ كمالِ حال المؤمن في مقامات خصال الإيمان.
قال رُوَيمٌ: الإيمان: استصغارُ الكونين عند رؤيةِ المكوِّن، فلا يَستَطْرِقْكَ وارِدٌ، ولا يسترِقَّكَ شاهدٌ.
وقال فارسٌ (^٣): الإيمان: تعظيمُ الحقيقة في صَوْن الشريعة.
وقال الواسطيُّ: أولُ قَدَمٍ في الإيمانِ: أن لا يجريَ عليك التلوين (^٤) فيما يَرِدُ عليك من نعمةٍ أو بليَّة؛ إذ لا فرق بينهما في الحقيقة.
وقال داودُ الطائيُّ (^٥): الإيمان: ما يُوْرِثُك النورَ بعد الظُّلمة، ثم اللِّينَ بعد القَسوة، ثم السُّنَّةَ بعد البِدْعة، ثم التلذُّذَ بالعبادة بعد المجاهدة.
وقال سهلُ بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ ﵀: الإيمانُ أربعةُ أركان: التوكُّلُ
_________________
(١) رواه الحربي في "غريب الحديث" (٣/ ١٠٣٠)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٣٢٤)، من حديث جابر ﵁، وقال أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (٢/ ١٥٣): حديث منكر.
(٢) في (ر): "ما قال" وفي (ف): "قال". بدل "ما قاله".
(٣) فارس بن عيسى -وقيل: ابن محمد- أبو الطيب الصوفي، صحب الجنيد بن محمد وأبا العباس بن عطاء وغيرهما، وكان له لسان حسن، ومن المتحققين بعلوم أهل الحقائق ومن الفقراء المجردين للفقر وترك الشهوات. انظر: "تاريخ بغداد" (١٢/ ٣٩٠).
(٤) في (ر) و(ف): "التكوين".
(٥) هو داود بن نصير، أبو سليمان، من طيئ من أنفُسهم، وكان قد سمع الحديث وتفقه وعرف النحو وأيام الناس ثم تعبد فلم يتكلم في شيء من ذلك، وجلس في بيته عشرين سنة أو نحوها ومات فحضر جنازته خلق كثير، توفي سنة (١٦٥ هـ). انظر: "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٥١٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
على اللَّه، والاستسلامُ لأمر اللَّه، والرِّضا بقضاءِ اللَّه، والشكرُ لنعماء اللَّه عزَّ وعلا، والتقوى بابُ الإيمان، واليقينُ قلبُ الإيمان، والصبرُ عمادُ الإيمان (^١)، والإخلاصُ كمال الإيمان.
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "الإيمان بضعٌ وستُّون -أو بضعٌ وسبعون- بابًا، أفضلُها: لا إله إلا اللَّه، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان" (^٢).
فأهلُ الحديث جعلوا هذا كلَّه من الإيمان.
ونحن قُلنا: هي من خصالِ أهل الإيمان، ولم يَرِدْ تعديدُها بأعيانها في حديثٍ واحدٍ، وأهلُ العلم عَدُّوا ذلك على وجوه، وأقصى ما يتناولُه لفظُ هذا الحديث: تسعةٌ وسبعون، وأنا أَعُدُّها على ترتيبٍ أختارُه، وعلى الاجتهادِ مدارُه، فأقول:
بدأ فيه بالتهليل، والذي يليه: التكبيرُ والتسبيح، والتحميد والتمجيد، والتجريد والتفريد، والتوبة والإنابة، والنظافة والطهارة، والصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة، والقيام والاعتكاف، والقُربان والصدقة، والغزو والعِتق، وقراءة القرآن، ومُلازَمة الإحسان، ومجانَبة العصيان، وترك الطغيان، وهجرُ العدوان، وتقوى الجَنان، وحفظُ اللسان، والثناءُ والدعاء، والخوف والرجاء، والحبُّ والحياء، والصدقُ والصفاء، والنصحُ (^٣) والوفاء، والندمُ والبكاء، والإخلاصُ والذكاء، والحلمُ والسخاء، والشكرُ في العطيَّة، والصبرُ في البليَّة، والرضا بالقضيَّة، والاستعدادُ للمنيَّة، واتِّباعُ السنَّة، وموافقةُ الصَّحابة، وتعظيمُ أهل الشَّيبة، والعطفُ على صغار البَرِيَّة، والاقتداءُ
_________________
(١) في (أ): "الدين".
(٢) قطعة من حديث رواه مسلم (٣٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) في (أ): "والنصيحة".
[ ١ / ٢٣٢ ]
بعلماء الأمَّة، والشفقةُ على العامَّة، واحترامُ الخاصَّة، وتعظيمُ أهل السنَّة، وأداءُ الأمانة، وإظهار الصِّيانة، والإطعام والإنعام، وبِرُّ الأيتام، وصِلَةُ الأرحام، وإفشاءُ السلام، وصدقُ الاستسلام، وتحقُّق (^١) الاستعصام، والزُّهد في الدنيا، والرغبةُ في العُقبى، والموافقةُ للمولى، ومخالفةُ الهوى، والحذر من لظى، وطلبُ جنة المأوَى، وبثُّ الكرم، وحفظ الحرم، والإحسانُ إلى الخدم، وطلب التوفيق، وحفظُ التحقيق، ومراعاةُ الجارِ والرفيق، وحُسن المَلَكة في الرقيق. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، فمَن استكمَل الوفاءَ بشُعب الإيمان نال بوعدِ اللَّه كمالَ الأمَان، وهو الذي (^٢) قال اللَّه تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: هو في اللغة: نقيضُ الشهادة، وقد غاب فلانٌ عنا غَيبةً، وغابت الشمس -أي: غرَبتْ- غيبوبةً، وغيابتُ الجبِّ: كالطاقِ في البئر، والغِيبةُ: ذكرُ عيوب الإنسان (^٣) في الغَيبة.
واختُلف في تفسيره هاهنا:
فقال سعيد بن جبير ﵁: أي: يؤمنون باللَّه.
وقال ابن عباس ﵄: أي: يصدِّقون الرسل.
وقال ابنُ جريج: أي: يؤمنون بالوحي من قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] معناه: وما هو (^٤) على الوحي.
_________________
(١) في (ر): "وتحقيق".
(٢) في (ر): "وقد"، بدل: "وهو الذي".
(٣) في (أ): "الناس".
(٤) "وما هو": ليس في (ف).
[ ١ / ٢٣٣ ]
وقال الحسن: أي يصدِّقون بالآخرة (^١).
وقال بعضهم: أي: يؤمنون باللَّه ويطيعونه وإن غابوا عن المؤمنين -لا كالمنافقين- كما قال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء: ٤٩].
وقال بعضهم: أي: يؤمنون بقلوبهم الغائبةِ مع ألسنتهم الظاهرة، لا كالمنافقين الذين يؤمنون بألسنتهم الظاهرة دون قلوبهم الغائبة.
وبالجملة (^٢): أن الغيب كلُّ ما لا يصلُ إليه العبد إلا بدليلٍ، وهو ما غاب عن الحسِّ مما يجبُ الإيمان به، وهو ما أَخبر به النبيُّ -ﷺ- من الكائنات بعده في الدنيا وما بعد الموت من أحوال القيامة والجنة والنار.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قيل فيه بوجهين:
يؤمنون بغيبِ اللَّه ولا يطلبون منه (^٣) طلبَ الأمم السالفةِ من أنبيائهم ﵈، كقول بني إسرائيلَ لموسى صلوات اللَّه عليه: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥].
والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يُخْبرهم القرآن من الوعد والوَعيد، والأمر والنهي، والبعث والجنة والنار، والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ إنما (^٤) يكون عن غيبٍ لا عن مشاهدةٍ (^٥).
_________________
(١) انظر هذه الأقوال في "تفسير الثعلبي" (١/ ١٤٧)، و"زاد المسير" (١/ ٢٤ - ٢٥).
(٢) في (أ) و(ف): "والجملة".
(٣) في (أ): "منه مما"، وفي (ف): "ما".
(٤) "إنما": ليست في (أ)، ولم ترد في مطبوع "التأويلات".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٧٣).
[ ١ / ٢٣٤ ]
وقال أهلُ الحقيقة: معناه: أنهم بغيبِ القرآن عايَنوا غيبَ الآخرة، ثم بغيبِ الغيب شاهَدوا الحقَّ مطَّلعًا عليهم في جميع الأوقات، فغابوا باطِّلاعه عليهم عن مشاهدةِ كلِّ شيءٍ سواه، فهم قائمون معه مع المشاهَدة.
ثم الغيبُ في القرآن جاء لمعانٍ:
للسِّر: قال تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]؛ أي: سِرَّ أهلهما.
وللزَّوج: قال تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء: ٣٤].
وللرِّزق: قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وللَّوْح: قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾.
وللْوَحي: قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤].
ولِمَا غاب عن العباد: قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ (^١) [الأنعام: ٧٣].
وللْكَيل (^٢): قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١].
وللْعَذاب: قال تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]؛ أي: متى ينزل العذاب.
وللْمَوت: قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]؛ أي: متى أموتُ.
وللشَّك: قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ أي: قولًا بالشك.
ولنزول العلَامة: قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠]؛ أي: علم نزولها.
_________________
(١) في (أ): " ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ".
(٢) في (أ) و(ف): "ولليل".
[ ١ / ٢٣٥ ]
وبمعنى الغَيبة: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢].
والتلفيقُ (^١): أن اللَّه تعالى أخبر أنه عالمُ الغيب، ولا يعلم غيرُه الغيبَ؛ فإنه قال: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
وذكَر أن عنده مفاتحَ الغيب، وقال لرسوله -ﷺ-: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠].
وذكَر أن الجنَّ علِموا أنهم لا يعلمون الغيبَ بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ [سبأ: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
وأَخبر أنه هو الذي أَخبر رسولَه بالغيب بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
ووبَّخ الكفار بقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ [الطور: ٤١].
وأَمر بالثناء عليه به بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ﴾ [الزمر: ٤٦].
ومدَح المؤمنين بالإيمان بالغيب، وبالخوف بالغيب، وبالخشية بالغيب، وبالنُّصرة بالغيب، بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣]، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥].
_________________
(١) في (ر): "والتحقيق".
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [الجمعة: ٨].
ووعدهم الجنة بالغيب فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: دلَّت بقيةُ الآية على أن الأعمال ليست من الإيمان؛ فإنه ذَكر الإيمان وعطَف عليه الأعمالَ، والمعطوفُ غيرُ المعطوفِ عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: هذا يَحتمِل وجهين:
يَحتمِلُ الصلاة المعروفة؛ أي: يقيمونها (^١) بإتمام ركوعها وسجودها والخشوعِ والخضوع له فيها، وإخلاصِ القلب والنية له (^٢)، على ما جاء في الخبر: "انظُرْ مَن تُناجي" (^٣).
ويَحتمِلُ الحمدَ للَّه والثناءَ عليه، فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمِلُ النسخَ ولا الرفعَ في الدنيا والآخرة (^٤).
_________________
(١) في (ر): "يحتمل الصلاة ويحتمل المعرفة أي يقيمون بها".
(٢) "له": من (ف)، ولم ترد في "التأويلات"، وفيه: (في النية) بدل: "والنية".
(٣) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ٨٠)، ومن طريقه النسائي في "الكبرى" (٣٣٥٠) و(٨٠٣٧)، من حديث البياضي: أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج على الناس وهم يصلون وقد عَلَت أصواتُهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ربه عز رجل، فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". وإسناده صحيح. وله شاهد من حديث ابن عمر بإسناد صحيح رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥٣٤٩).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٧٤).
[ ١ / ٢٣٧ ]
ولأهل التفسير في هذا (^١) ستةُ أقاويلَ:
قال بعضهم: إقامةُ الصلاة: أداؤها؛ فإنَّ قول المؤذِّن: قد قامت الصلاة، معناه: أَخذوا في أدائها، وقيامُ الشيء: وجودُه، وإقامتُه من العبد: تحصيله.
وقال ابن عباس ﵄: إقامتُها: إتمامُ ركوعها وسجودها وما يجب فيها، وهو في معنى التقويم؛ أي: التسويةِ، فلا يُدخل نقصًا في شيءٍ من أفعالها وأركانها، ولا خلَلًا في فرائضها وواجباتها وسُنَنها وآدابها.
وقيل: إقامتُها: إدامتُها وإظهارُها، قال الشاعر:
أقامت غزالةُ سوقَ الضِّراب لأهل العراقينِ حولًا قميطًا (^٢)
أي: أدامت امرأةُ شبيبٍ الخارجيِّ أمرَ الحرب وضرب السيوف حولًا تامًّا، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]؛ أي: مُواظِبًا على التَّقاضي.
والرابع: قول ابن كيسانَ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: يقيمون بالصلاة برهانَهم على صدق دعواهم في الإيمان بالغيب.
والخامس: قول بعضهم: إقامتُها: مراعاةُ حقوقها (^٣) وشرائطِها؛ أي: شرائطِ الجواز والقبول (^٤)، وشرائطُ الجواز: ستةٌ قبل الشروع وستةٌ بعده، وهي معروفة، وشرائطُ القبول: ستةٌ بالظاهر وستةٌ (^٥) بالباطن:
_________________
(١) في (ف): "فيه".
(٢) البيت لأيمن بن خريم كما في "شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري (ص: ٥٢١)، ودون نسبة في "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣١)، و"الكشاف" (١/ ٤٠).
(٣) في (أ): "حدودها".
(٤) في (ر): "وشرائط القبول".
(٥) في (أ): "ست" هنا وفي المواضع الثلاثة المتقدمة.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فالظاهر: الخشوعُ؛ لقوله تعالى: ﴿فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وتركُ أكلِ (^١) الحرام، وقولِ اللغو، والكسلِ والإبطاء.
وأما الباطنُ: فالإخلاصُ، والتفكُّرُ، والخوفُ، والرجاءُ، ورؤيةُ التقصير، والمشاهَدةُ.
والسادس: قولُ القشيري: إقامتُها: القيام بأركانها وسُننِها، ثم الغَيبةُ عن شهودها برؤيةِ مَن يصلِّي له (^٢)، يقول اللَّهُ تعالى: "أنا أغنَى الشركاءِ عن الشِّرك، فمَن عَمِلَ لي عَمَلًا وأَشْرَكَ فيه غيري فهو له وأنا منه بريءٌ" (^٣).
وعن أبي بكرٍ الشِّبْليِّ ﵀ أنه قال: لو نظر قلبي في الصلاة إلى العُقبى توضَّأْت، ولو نظر (^٤) إلى الدنيا اغتَسلْت.
وقال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] والخشوع: سكون الظاهر والباطن، فلا يَصرف شيئًا من أعضائه إلى غير السنَّة، ولا شيئًا من باطنه إلى غير القُربة.
وقال النبيُّ -ﷺ- حين رأى رجلًا يعبثُ بلحيته في الصلاة: "أمَا لو خَشَعَ قلبُ هذا لخشَعَتْ جَوارِحُه" (^٥).
_________________
(١) "أكل": ليست في (ف).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧).
(٣) رواه مسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (ر): "نظرت".
(٥) رواه الترمذي الحكيم في "نوادر الأصول" (٣/ ٢١٠) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وسنده ضعيف كما قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ١٠٥)، قلت: فيه سليمان بن =
[ ١ / ٢٣٩ ]
وقيل: إقامةُ الصلاة: بالتطهُّر أولًا ظاهرًا وباطنًا، وبالتجمُّلِ بلباسِ أهل (^١) الدنيا ولباسِ أهل التقوى، ومراعاةِ الوقت مع اتِّقاءِ المَقْت، وإخلاصِ النيَّة مع إصلاح الطَّوِيَّة، واستقبالِ القِبلة بالوجه والقلب، والافتِتاح بالتكبير (^٢) عن توقير، والإتيانِ بالقيام على تمام، والقراءةِ عن تفكُّرٍ وتدبُّر، والاستماعِ عن إنصاتٍ وإخبات (^٣)، والانحناءِ بركوعٍ عن خشوع، والخُرورِ لسجودٍ عن شهود، والتكلُّم بتسبيحٍ عن تصحيح، والختمِ بقِعْدةٍ عن عُدَّة، وتشهُّدٍ عن تعهُّد (^٤)، وصلواتٍ ودعوات عن تحقيقٍ وإثبات، وتسليمٍ عن تتميم، ثم الدُّعاءِ على إخلاص، والرجوعِ عن إفلاس.
وقوله تعالى: ﴿الصَّلَاةَ﴾: فالصلاة في اللغة: اسمٌ للدعاء والثناء والقراءة والرحمة:
قال اللَّه تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادْعُ لهم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قيل: هي الثناء.
_________________
(١) = عمرو، قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٤٠٠): وسليمان بن عمرو هذا يشبه أن يكون هو أبو داود النخعي فإني لم أجد أحدًا في هذه الطبقة غيره وقد اتفقوا على ضعفه، قال ابن عدي: أجمعوا على أنه يضع الحديث. قال العراقي: والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب. قلت: روى هذه القصة وهذا القول عن سعيد بن المسيب ابن المبارك في "الزهد" (١١٨٨)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٣٣٠٨)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٦٧٨٧)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١٥١). ورواه المروزي أيضًا (١٥٠) عن حذيفة ﵁.
(٢) "أهل": من (ف).
(٣) في (أ) و(ر): "بتكبير".
(٤) في (ف): "الإنصات والإخبات".
(٥) في (أ): "وتشهد وتعهد".
[ ١ / ٢٤٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ أي: بقراءتك.
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٧]؛ أي: رحمة.
والصلاةُ المشروعة: المخصوصةُ بأفعالٍ وأذكار، سُميت بها لِمَا في قيامها من القراءة، وفي قعودها من الثناء والدعاء، ولفاعلها من الرحمة.
وقيل: سُميت الصلاةُ بها من قولهم: صَلَيْت العود بالنار؛ أي: ليَّنْتُه، والمصلِّي بالصلاة يَلِينُ ويخشعُ لربِّ العالمين.
وقيل: هي من الصَّلا (^١)، وهي مَغْرِزُ الذَّنَبِ من الفرس، والمصلِّي ينحني للركوع والسجود فيرفعُ الصَّلَوَينِ في هذين (^٢) الحالين.
وقيل: هي من قولهم: فرسٌ مُصَلِّي؛ أي: تالٍ للسابق في حَلْبةِ الرِّهان، سمِّيت بها لأنها في الذِّكر ثانيةُ الإيمان؛ فإنها ذُكرت في هذه الآية بعد الإيمان بالغيب، وقد قال النبيُّ -ﷺ-: "الصلاةُ ثانيةُ الإيمان" (^٣).
ثم الصلاةُ في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وأريد بها الجمعُ (^٤)، واسمُ الجنس يَصلح لذلك، قال تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤]، وهذا (^٥) كقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: الكتب.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الصلوة"، وسقطت الجملة من (أ)، والصواب المثبت. انظر: "زاد المسير" (١/ ٢٥)، و"شرح المفصل" لابن يعيش (١/ ٤٦)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٢٥٩).
(٢) في (ف): "من هاتين".
(٣) لم أجده.
(٤) في (أ): "اسم الجنس فأريد بها الجمع"، وسقطت من (ف).
(٥) في (ف): "وكذا هذا".
[ ١ / ٢٤١ ]
وهي خمسُ صلواتٍ مكتوبةٍ في كلِّ يومٍ وليلة، وكانت خمسين على مَن كان (^١) قبلَنا، وكذا فُرضت علينا ليلةَ المعراج، ثم حُطَّت إلى خمسٍ تخفيفًا وثبتَ جزاء الخمسين تضعيفًا.
وتُكتب (الصلوة) بالواو اتِّباعًا لمصحف الإمام، فقد كتبت فيه: ﴿الصَّلَاةَ﴾ و﴿وَالزَّكَاةَ﴾ و﴿الْحَيَاةِ﴾ بالواو، وإنما كتبوا ﴿الصَّلَاةَ﴾ بالواو إشعارًا لأن (^٢) أصلها الواو؛ فقد قلنا: إنها من الصلا (^٣)، وهو واويٌّ، ولذلك يقال في تثنيَتِه: الصَّلَوان.
ثم إن اللَّه تعالى سمَّاها صلاةً في آياتٍ، وسمَّاها تسبيحًا في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧].
وسماها إيمانًا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتَكم إلى بيت المقدس.
وقرآنًا في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
وحسناتٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقنوتًا في قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣].
وركوعًا في قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وسجودًا في قوله تعالى: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
وأمانةً في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وذِكرًا في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].
_________________
(١) "كان": من (أ).
(٢) في (أ): "أن".
(٣) في (أ) و(ف): "الصلوة".
[ ١ / ٢٤٢ ]
واستغفارًا في قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].
ثم المذكورُ في الآية: إقامةُ الصلاة، واللَّهُ تعالى أَمر في الصلاة بأشياء: بإقامتِها بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبالمحافظة عليها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وإدامتِها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، وبأدائها في أوقاتها بقوله عزَّ وعلا: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وبأدائها في جماعةٍ بقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبالخشوعِ فيها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢].
وبعد هذه الأوامرِ صار الناس على طبقاتٍ خمسٍ:
طبقةٍ: لم يَقبلوها، ورأسُهم أبو جهل لعائنُ اللَّه عليه تترًى، فقال اللَّه (^١) تعالى في حقِّه: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، وذكرَ مصيرَهم فقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦].
وطبقةٍ: قَبِلوها ولم يؤدُّوها، وهم أهلُ الكتاب، فذكرهم اللَّه تعالى فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال الكلبيُّ: هم أهلُ الكتاب، وقال تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، وذكَر مصيرَهم فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وهو دركةٌ في جهنم هي أهيَبُ موضعٍ فيها تستغيثُ النارُ منها كلَّ يومٍ كذا وكذا مرةً، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: من اليهودية والنصرانية ﴿وَآمَنَ﴾: أي: آمَن (^٢) بمحمدٍ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾؛ أي: حافَظ على الصلوات (^٣).
_________________
(١) في (أ): "لعنه اللَّه قال تعالى" بدل: "لعائن اللَّه عليه تترى فقال اللَّه".
(٢) "آمن": ليست في (أ).
(٣) بعدها في (ر): "الخمس".
[ ١ / ٢٤٣ ]
وطبقةٍ: أدَّوا بعضَها ولم يؤدُّوا بعضَها متكاسِلينَ وهم المنافقون، فذكرهم اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وذكر مصيرهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وطبقةٍ: يؤدُّونها لكنْ بعد خروجِ وقتها، فذكَرهم اللَّه تعالى في كتابه فقال (^١): ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، وذكر أن مصيرهم: ويلٌ، وهو وادٍ في جهنم لو جُعلت فيه جبال الدنيا لماعَتْ؛ أي: لسالت، وقال (^٢) النبيُّ -ﷺ-: "مَن تركَ صلاةً حتى غاب وقتُها ثم قضاها، عذِّب في النارِ حُقْبًا، والحُقْب: ثمانون سنة، كلُّ سنةٍ ثلاثُ مئةٍ وستُّون يومًا، كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون" (^٣).
وطبقةٍ: قبِلوها، وهم يراعونها في مواقيتِها بشرائطها، ورئيسُهم (^٤) المصطفى -ﷺ-، فذكره اللَّه بقوله تعالى (^٥): ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، وأصحابُه كذلك، فذكَر هم اللَّه تعالى بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وذكر مصيرَهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]، وهو أرفعُ موضعٍ في الجنة وأبهاه، ينال المؤمنُ فيه مُناه، وينظرُ إلى مولاه.
_________________
(١) "فقال" ليست في (أ)، و"في كتابه" ليست في (ر).
(٢) في (ر) و(ف): "سالت قال".
(٣) لم أجده.
(٤) في (أ) و(ف): "ورأسهم".
(٥) في (أ): "فذكر اللَّه تعالى".
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: فالرزقُ: هو الإعطاءُ وإن اختلفت وجوهه (^١):
فإن الرِّزق يكون تمليكًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ أي: ملَّكناهم.
ويكون غذاءً: قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]؛ أي: غذؤاها.
ويكون طعامًا: قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].
ويكون مالًا: قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦]؛ أي: المال.
ويكون مطرًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥].
ويكون هبةً: قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]: هو هبةُ الشيء (^٢) لغير الورثة تبرُّعًا وتصدُّقًا.
ويكون أجزاءَ وظيفةٍ كرَزْق القضاة والجنود.
وكلُّ ذلك راجعٌ إلى الإعطاء.
ثم الرِّزقُ يكون هو التغذيةَ عندنا، وهو عند المعتزلة: التمليك، فالحرام عندهم ليس برزق؛ لأنه ليس بمِلك، وهذا في غايةِ الفُحش منهم، وهو نهايةُ الضَّلال؛ فإنه ردُّ كتاب اللَّه تعالى، قال عزَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
والحيواناتُ عندهم ليست تأكل من (^٣) رزق اللَّه تعالى؛ لأنها لا تملك (^٤)، وآكِلُ
_________________
(١) في (ر): "أنواعه".
(٢) في (ف) و(أ): "شيء".
(٣) "من": ليست في (أ) و(ف).
(٤) في (أ): "تأكل".
[ ١ / ٢٤٥ ]
الحرام عندهم وكاسبُه في جميع عمره لم يأكل من رزق اللَّه شيئًا (^١)، ولم يرزقه اللَّه ﷿ شيئًا.
ثم إنما ذكَر اللَّه تعالى هذا الفعل بصيغة الجمع من نفسه، وهو واحدٌ لا شريك له؛ لأنه خطابُ الملوك، واللَّه تعالى مالكُ المُلْك ومَلِك الملوك، فله استحقاقُه ومنه إطلاقُه.
والمعهود من كلام الملوك أربعةُ أوجهٍ:
الإخبارُ على لفظةِ الواحد (^٢): إنِّي فعلتُ كذا، وعلى لفظة الجمع: فعَلْنا كذا، وعلى ما لم يسمَّ فاعلُه: رُسِمَ لكم كذا، وإضافةُ الفعل إلى اسمه على وجهِ المغايبة: أَمَركم سلطانُكم بكذا.
والقرآن نزل بلغة العرب، فجمع اللَّه تعالى فيه هذه (^٣) الوجوهَ كلَّها فيما أَخبر به عن نَفْسه:
فقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ الآية [المدثر: ١١]، وهذا على صيغة الواحد.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١]، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا﴾ [الإنسان: ٢]، وهذا على صيغةِ الجمع.
وقال تعالى فيما لم يُسمَّ فاعله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ
_________________
(١) "شيئًا" ليست في (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "الوحد".
(٣) "هذه": ليست في (أ).
[ ١ / ٢٤٦ ]
عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧].
وقال تعالى في المغايَبة: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١] ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فالإنفاق: هو صرفُ المال إلى الحاجة، والإنفاقُ في قوله: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]: هو الافتقارُ، والنُّفوق: هلاك الدابَّة، والنَّفَاق: رَوَاجُ السُّوق، والانْتِفاق: خروجُ اليربوع من النافِقاء (^١)، والنِّفَاق: مخالفةُ السِّرِّ العلانيةَ (^٢)، ومرجعُ ذلك كلِّه إلى الإمضاء والإفناء.
وتفسيرُه فيه ستةُ أقاويلَ:
قال ابنُ عباس ﵄: أي: من الأموال التي أعطيناهم يؤتون الزكاة (^٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، والوعيدُ لا يكون إلا بترك الفرضِ، وقد قرَن اللَّه تعالى الصلاةَ بالزكاة (^٤) في آياتٍ من كتابه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَرِ﴾ [الحج: ٤١]، ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥].
_________________
(١) النافقاء: موضع يرقِّقه اليربوع في جُحَره، فإذا أُتي من قبَل القاصعاءِ ضَرَب النافقاء برأسه فانتفق منها، وبعضهم يسميه النُّفَقة. انظر: "تهذيب اللغة" (٩/ ١٥٦).
(٢) في (ف): "والعلانية".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٤٩).
(٤) في (ر): "والزكاة".
[ ١ / ٢٤٧ ]
والنَّظم (^١) بينهما: أن الصلاة حقُّ اللَّه تعالى، وصرفُ الزكاة إلى الفقير حقُّ عبادِ اللَّه، والواجبُ مراعاتُهما بأمر اللَّه، ومرجعُ جميع العبادات إلى هذين، فالصلاةُ عبادةٌ بدنيَّة، والزكاة عبادةٌ مالية، وجميعُ العبادات تنقسم إليهما.
والثاني: قولُ ابن مسعود ﵁: هو الإنفاقُ على الأهل (^٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية [الطلاق: ٧].
والثالث: قول الضحَّاك: هو التصدُّق من أنواع (^٣) الأموال في الوجوه المختلفة، ويتناول ذلك الصرفَ إلى كلِّ خير (^٤)، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
والرابع: قولُ بعضهم: إنه قراءةُ القرآن، ونظمُه -أي: ضمُّه (^٥) - إلى الصلاة: أنهم يقرؤون القرآن في الصلاة، قال اللَّه تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]؛ أي: مما أعطيناهم من القرآن يَتْلون، فليس هذه حالةَ إنفاق المال؛ فإنها (^٦) حالُ صلاة الليل.
والخامس: إنه إنفاقُ الرُّوح، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ أي: بأرواحكم ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ أي: إلى حرمان الحياة الباقية الحاصلة بالشهادة بقوله: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
_________________
(١) في (ر): "والنظام"، وفي (ف): "والجامع".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٥٠).
(٣) "أنواع": ليست (أ).
(٤) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٤٩).
(٥) "أي: ضمه": سقط من (أ).
(٦) في (ر) و(ف): "فإنه".
[ ١ / ٢٤٨ ]
والسادس: أي: لا يدَّخرون عن اللَّه شيئًا مما هو لهم، فينفقون نفوسَهم في آداب العبوديَّة، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبيَّة، فإنفاقُ أصحاب الشريعة من حيث الأموال، وإنفاقُ أرباب الحقيقة من حيث الأحوال.
والأجمعُ أن يقال: إنَّ إنفاق الأغنياء من أموالهم لا يدَّخرونها عن أهل الحاجة، وإنفاقَ العابدين من نفوسهم لا يدَّخرونها عن وظائف الخدمة، وإنفاقَ العارفين من قلوبهم لا يدَّخرونها عن حقائق المراقبة، وإنفاقَ المحبِّين من أرواحهم لا يدَّخرونها عن مَجاري الأقضية.
والأقصَرُ أن يقال: إن إنفاق الأغنياء من النِّعم، وإنفاقَ الفقراء من الهِمَم، فإنفاقُ الأغنياء: إخراجُ المالى من الجيب، وإنفاق الفقراء: إخراجُ الأغيار عن القلب.
والأظهر أن يقال: المراد من النفقة: هي (^١) الزكاة، وزكاةُ كلِّ شيء من جنسه.
(زكاة مالى مواساة بادر ويشان است، وزكاة عز تواضع وإحسان است، وزكاة شرف نصرة ضعيفا نست، وزكاة فر زندان يواختن يتيما نست، وزكاة خانة اردن مهما نست، وزكاة علم تعليم ديكرا نست، وزكوة صحت برهير ارهاها نست، وزكاة قوة جهاد باكافرا نست، وزكاة أوان خوشن، وزكاة أوان خوس خواندن قران است، وزكوتن باكردن عصيان است، وزكوة رقان ناكفتن بهتان است، وزكوة جشم ناكر بتين بينكار مكان است، وزكوة عبوديت مكاه داستن قرمان است، وزكوة إيمان خدمة أركان است، وزكاة أسلم مخالفة شيطان است، وزكوة زهد دون نودن أرسلطان است، وزكوة ذلى تعظيم إيمان است، وزكوة سر مراقبت أمر يردان است،
_________________
(١) "هي": ليست في (أ).
[ ١ / ٢٤٩ ]
وزكوة زندكاي فداكردن جان است، وزكوة محبت يادكردن رحمن است، وزكوة مروت نواختن عربيات است) (^١).
ثم ذُكر في هذه الآيةِ الإيمانُ وهو بالقلب، ثم الصلاةُ وهي بالبدن، ثم الإنفاقُ وهو بالمال، وهو مجموعُ كلِّ العبادات، ففي الإيمان النجاةُ، وفي الصلاة المناجاةُ، وفي الإنفاق الدرجاتُ، وفي الإيمان البشارة، وفي الصلاة الكفَّارة، وفي الإنفاق الطهارة، وفي الإيمان العزَّة، وفي الصلاة القُربة، وفي الإنفاق الزيادة.
وقيل: ذُكر في هذه الآية أربعةُ أشياء: التقوى، والإيمانُ بالغيب، وإقامةُ الصلاة، والإنفاق، وهي صفة الخلفاء الراشدين الأربعة، ففي الآيةِ بيانُ فضلهم:
التقوى لأبي بكر الصدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥ - ٦].
والإيمانُ بالغيب لعمر الفاروق رضي اللَّه تعالى عنه، قال اللَّه تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤].
وإقامةُ الصلاة لعثمان ذي النورين رضي اللَّه تعالى عنه، قال اللَّه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ الآية [الزمر: ٩].
_________________
(١) في (ف): "تعريبه: وزكاة المال لمواساة الفقراء، وزكاة العز: التواضع والإحسان، وزكاة الشرف: نصرة الضعفاء، وزكاة الأولاد: الشفقة على الأيتام، وزكاة الدور: الضيافة، وزكاة العلم: التعليم، وزكاة صحة البدن: الاحتراز عن الذنوب والشهوات المحرمات، وزكاة القوة: الجهاد مع الكفار، وزكاة الصوت الحسن: قراءة القرآن، وزكاة البدن: ترك العصيان، وزكاة اللسان: ترك الغيبة والبهتان وزكاة [. . .]: عدم الالتفات إلى زهرة الدنيا وأهلها، وزكاة العبودية: امتثاله [. . .]، [. . .]، وزكاة المحبة: دوام ذكر الرحمن، وزكاة المروءة: الإحسان إلى الغرباء، وزكاة الجوارح: إتعاب الجوارح في الطاعة، وزكاة الإسلام: مخالفة الشيطان، وزكاة الزهد: البعد من باب السلطان، وزكاة القلب: تعظيم الإيمان، وزكاة السر: مراقبة أمر الإله الصمد، وزكاة الحياة: أن يفدي روحه في سبيل اللَّه بالجهاد".
[ ١ / ٢٥٠ ]
والإنفاقُ لعليٍّ المرتضَى (^١) رضي اللَّه تعالى عنه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٤].
* * *
(٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أي: أُوحي إليك.
والإنزالُ في اللغة لمعانٍ:
للإرسال من عُلوٍ إلى سُفلٍ: قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤].
وللإمطار: قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥].
وللإعطاء: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].
وللخلق: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
وللوضع والشرع: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥] فهو في حقِّ الميزان وضع وشرع للتقدير به، كما قال تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧].
ويكون بمعنى الإعلاء (^٢): قال تعالى: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]: ومنازلُ الجنة ليست للنزول فيها من علوٍ إلى سفلٍ، بل من سفلٍ إلى علوٍ، قال
_________________
(١) "المرتضى": من (ف).
(٢) في (أ): "الإعلاء كما" وفي (ر): "الأعلى".
[ ١ / ٢٥١ ]
تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥]، وفي الحديث: "يقال لصاحب القرآن"، أي: لقارئه (^١): "اقرأْ وارْقَ" (^٢).
ويكون في معنى التَّبْوِئة: قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩].
ويكون بمعنى التضييف: قال تعالى: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (^٣) [يوسف: ٥٩]؛ أي: المضَيِّفين.
ويكون في معنى مراعاةِ الشيء على (^٤) محلِّه ومَنزله: قال النبيُّ -ﷺ-: "أَنْزِلوا النَّاسَ على منازلهم" (^٥)؛ أي: احترِموهم على أقدارهم.
ويكون بمعنى الوحي: كما قال تعالى في هذه الآية: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، فإنْ (^٦) حُمل على الإنزال الذي هو من العلوِ إلى السفلِ فمعناه: إنزالُ جبريل لتبليغه، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. والتنزيلُ للتكريرِ والتكثيرِ من الإنزال.
ثم معنى: (ما أنزل إليك) هو (^٧): القرآنُ الذي يُتلى، والوحيُ الذي لا يُتلى،
_________________
(١) في (أ): "أي لقارئ القرآن" و(ف): "أي قارئه".
(٢) رواه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤) وصححه، وابن حبان في "صحيحه" (٧٦٦)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٣) في (ف): " ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ " وهي الآية (٢٩) من سورة المؤمنون.
(٤) في (أ): "عن".
(٥) لم أجده، وروى عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٠٥٨) عن معمر عن قتادة: أن عمر بن الخطاب حين طعن قال: (أوصي الخليفة من بعدي خيرًا، وأوصيه بالمهاجرين خيرًا، أن يعرف حقوقهم، وأن ينزلهم على منازلهم. .).
(٦) في (ف): "وإن".
(٧) في (ر): "أي".
[ ١ / ٢٥٢ ]
فالمتلوُّ: هو هذه السُّورُ والآيات، وغيرُ المتلوِّ: ما بيَّن النبيُّ -ﷺ- من أعداد الركعات ونُصُبِ الزَّكَوات وحدودِ الجنايات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقال النبيُّ -ﷺ-: "ألَا إنِّي أُوتيتُ القرآنَ ومِثْلَه" (^١).
ثم هذا الإنزالُ هو من اللَّه تعالى، وإنما ذُكر هاهنا على ما لم يسمَّ فاعله لِمَا مرَّ أن خِطاب الملوك يقع على أربعة أوجهٍ، وقد ذُكرت هذه الوجوهُ كلُّها في هذه الكلمة:
قال في صيغةِ الواحد: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١].
وقال في صيغة الجمع: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥].
وقال في ذكر الاسم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١].
وقال في ما لم يسمَّ فاعلُه: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
ثم: هاهنا قال: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، فأضاف إلى جميع (^٢) الأمة؛ لأن المنزَل على الرسول تلزمُ أحكامُه جميعَهم، فكان خطابُه خطابَهم، وهو أيضًا تشريفٌ لهم وجمعٌ في الكرامة بينه وبينهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: ويؤمنون بما أنزل من الكتبِ قبْلَكَ على سائر الأنبياء.
ثم الإيمانُ بكلِّ الكتب مع تَنافي أحكامِها من وجهين:
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٠٤) من حديث المقدام بن معدي كرب. وقوله: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله": ليس في (أ)، وقوله: "ومثله" ليس في (ف).
(٢) في (ر): "جمع".
[ ١ / ٢٥٣ ]
أحدهما: التصديقُ أن كلَّها من عندِ اللَّه.
والثاني: الإيمانُ بما لم يُنسخ من أحكامها.
ثم انتظامُ هذه الآيةِ بما قبلَها: ما ذُكر: أنه لمَّا نزل مدحُ المؤمنين بالتقوى والإيمانِ بالغيب والصلاةِ والإنفاقِ في الآية الأولى، قال أهلُ الكتب: هذا لنا وهي (^١) أوصافُنا، فنزل قولُه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: فجعل المدحَ للمؤمنين الذين (^٢) يؤمنون بما أُنزل على محمدٍ كما يؤمنون بما أُنزل على الأنبياء الذين قبلَه، فثبَت خروجهم عن ذلك بكفرهم بما أُنزل على محمد.
وعلى هذا يكون قولُه: ﴿وَالَّذِينَ﴾ نعتًا للمذكورِين قبلَه، والواوُ لا تكونُ للعطفِ الذي هو للمغايَرة، بل يكونُ ذِكْرَ (^٣) نعوتٍ مترادفةٍ لمنعوتٍ واحدٍ بالواو، كما قال تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣].
ويجوز أن يقال: فلانٌ عالمٌ (^٤) زاهدٌ صادقٌ، ويجوزُ: عالمٌ وزاهد وصادقٌ؛ لأنَّ الاسم المشتقَّ من الفعل المطلَق على المسمَّى هو دلالةٌ على الذات وعلى الصِّفةِ القائمةِ به، فباعتبارِ أنه دلالةٌ على الذات هو هو، وباعتبارِ أنه دلالةٌ على صفةٍ قائمةٍ به هو غيرُه، فجاز ذكرُ الصفات بغير واوٍ لاتِّحادِ الذات، ومع الواوِ لتغايُرِ الصِّفات، وهذا في حقِّ المخلوقات (^٥).
_________________
(١) في (ر): "هذا لنا وهذا في".
(٢) في (أ) و(ف): "المدح للذين".
(٣) "ذكر": زيادة من (أ) و(ف).
(٤) في (ر): "عابد".
(٥) "وهذا في حق المخلوقات": سقط من (أ).
[ ١ / ٢٥٤ ]
ويجوز أن يكونَ هذا ابتداءً، ويكونَ جوابُه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية.
فإنْ قالوا: لماذا كرَّر ذكرَ الإيمان في هذه الآية بعد ما ذكره في الآية الأولى، والقرآنُ على الإيجاز؟
فجوابُه من وجوهٍ:
أحدها: أن التكرير للتأكيد والتقريرِ متعارَفٌ عند العرب، قال قائلُهم:
كَمْ نعمةٍ كانَتْ لكُمْ كَمْ كَمْ وكَمْ (^١)
وفي القرآن: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة المرسلات مراتٍ، وفي سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مراتٍ، والقرآنُ نزل بلغة العرب.
والثاني: أن الثاني ردٌّ لقول أهل الكتاب، فكانت إعادةً جُدِّدتْ إفادَةً (^٢).
والثالث: أن هذا غيرُ الأول؛ فإنَّ الأول إيمانٌ بالغيب وهو القيامةُ وما فيها، وهذا إيمانٌ بالقرآن وسائرِ الكتب، ولئن حُمل الغيب المذكورُ في الآية الأولى على القرآن فهذا على الإيمانِ بالوحي الذي لا يُتلى وسائرِ الكتب، فلم يكن تكرارًا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: فالآخرة: تأنيثُ الآخِرِ، وهو الذي يقابِلُه (^٤)
_________________
(١) الرجز دون نسبة في "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٥٠)، و"الصناعتين" للعسكري (ص: ١٩٣)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ١٨٠)، و"أمالي المرتضى" (١/ ١٢١)، و"البسيط" للواحدي (٢١/ ١٥١). وزاد العسكري فيه تفعيلة وهي: (كانت وكم).
(٢) كلمة "جددت" هكذا ضبطت في (أ): بضم الجيم، وعليه فيكون "إفادةً" مفعولا له، ويجوز فتح الجيم، فيكون "إفادة" مفعولًا به، والنتيجة واحدة لمن تأمل.
(٣) في (ف): "مكررًا".
(٤) في (ف): "يقابل".
[ ١ / ٢٥٥ ]
الأولُ، وهو في المعدودات: اسمٌ للفردِ اللاحِقِ، والآخَر بفتح الخاء هو (^١) الذي يلي الأولَ.
والآخرة: هي نعتٌ لأنثَى مضمَرةٍ، واختَلف في ذلك أهل التفسير:
قال بعضهم: هي الدارُ الآخرة، وقد نصَّ عليها في آيات: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ٣٢]، وهي تقابِل هذه الدار وهي الدنيا، وقد جُمع بينهما في آياتٍ، فقال تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥].
وقيل: هي الحياة الآخرةُ، فقد جُمع بينها وبين الحياة (^٢) الدنيا في آياتٍ، فقال: ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦]، وقال ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣].
وَقيل: هي النشأةُ الآخرة، وقد (^٣) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧].
ثم هذه الكلمةُ ذُكرت في القرآنِ لأشياء:
_________________
(١) "هو" ليست في (ف).
(٢) في (أ): "حياة".
(٣) في (ر): "فقد".
(٤) "وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ " ليس في (ف)، و"وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ " ليس في (أ).
[ ١ / ٢٥٦ ]
لملةِ عيسى ﵇: قال اللَّه تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧].
وللكلمة الآخرة: قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥]؛ أي: بكلمتة الأولى، وهي: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وبكلمته الآخرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وكان بينهما أربعون سنة.
ولحالةِ تأخير الوحي عن (^١) النبي -ﷺ- قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
وللقبر: قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وللبعث بعد الموت: قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠].
وللقيامة: قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] (^٢).
وللنار: قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر: ٩].
وللجنة: قال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣].
وقوله تعالى: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ فاليقين: نقيضُ الشك.
وقيل: هو زوال الشك.
وقيل: هو من قول العرب: يَقِنَ الماءُ في الحوض؛ أي: استقرَّ، فكان اليقينُ طمأنينةَ القلب وسكونَه على حقيقة الشيء.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "إلى".
(٢) في (أ) و(ف): " ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ " بدل من " ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ".
[ ١ / ٢٥٧ ]
وقيل: هو وقوعُ العلم من جهةِ الاستدلال والأسبابِ التي يُستفاد بها العلم، ولذلك لا يوصَف اللَّه تعالى بالإيقان بالشيء؛ لأنه عالمٌ بعلمه الأزلي لا بعلمٍ مكتسَب.
وقيل: هو التصديقُ بالشيء بعد العلم به.
والفعل منه: أَيقنَ بالشيء وتيقَّنَ به واستَيقَنَ (^١) به، كما يقال: أقدَم (^٢) وتَقدَّم واستَقْدمَ.
فأما تفسيرُه فقد قيل: ﴿يُوقِنُونَ﴾؛ أي: يعلمون بغيرِ شكٍّ، وليسوا كالذين قالوا: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].
وقيل: أي: يصدِّقون.
وقيل: أي: يعملون بما يعلمون منه، فلا (^٣) يَرْكَنون إلى الدنيا، ولا يَغْفُلون عن الآخرة، ولا يعملون بما يعاتَبون أو يعاقَبون عليه في الآخرة.
واليقينُ المذكور في القرآن جاء لمعانٍ:
للتَّصديق: كما في هذه الآية.
وللتَّحقيق: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧].
ولكونه متيقَّنًا به في نفسه وإنْ شكَّ فيه البعض: كما قال في حقِّ القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥].
وللموت: كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
_________________
(١) في (ر): "فاستيقن".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "وقدم".
(٣) في (ف): "ولا".
[ ١ / ٢٥٨ ]
وللقيامة: كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧].
وللعلم والعمل به: كما قال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠].
ثم في اليقين ثلاثةُ أشياءَ: علمُ اليقين، وعينُ اليقين، وحقُّ اليقين، وفي تفسيرها أقاويلُ:
قيل: علمُ كلِّ عاقلٍ بالموت علمُ اليقين، فإذا عايَنَ الملائكة فهو عينُ اليقين، فإذا ذاق الموت فهو حقُّ اليقين.
وقيل: علمُ اليقين: الإخبار عن الشيء على ما (^١) هو به، وعينُ اليقين: معرفتُه على ما هو به، وحقُّ اليقين: هو ذلك الشيء بعينه (^٢).
وقيل: علمُ اليقين: ما حصل بالخبر والاستدلال، وعينُ اليقين: ما وقع بالتعريف والإفهام (^٣)، وحقُّ اليقين: مجموعُهما.
وقيل: علم اليقين: ظاهرُ الشريعة، وعينُ اليقين: الإخلاص فيها، وحقُّ اليقين: المشاهدةُ فيها.
ثم ثمرةُ اليقين بالآخرة: الاستعدادُ لها، فقد قيل: عشرةٌ من المغرورين: مَن أيقنَ أنَّ اللَّه خالقُه فلا يعبدُه، ومَن أيقنَ أن اللَّه رازقُه فلا يطمئنُّ به، ومَن أيقن أن الدنيا زائلةٌ فيعتمدُ (^٤) عليها، ومن أيقن أن الورثة أعداؤه فيَجمع لهم، ومَن أيقن أن الموت
_________________
(١) في (ر): "عن الشيء كما".
(٢) "بعينه": سقص من (أ) و(ف).
(٣) في (ف) و(أ): "والإلهام".
(٤) في (ف): "ويعتمد".
[ ١ / ٢٥٩ ]
آتٍ فلا يستعدُّ له، ومَن أيقن أن القبر منزلُه فلا يَعمره، ومَن أيقن أن الديَّان يُحاسبه (^١) فلا يصحِّح حجَّته، ومَن أيقن أن الصِّراط ممرُّه فلا يخفِّف ثِقْله، ومَن أيقن أن النار دارُ الفجَّار فلا يَهرب منها، ومَن أيقن أن الجنة دارُ الأبرار فلا يعمل لها.
وقيل: غايةُ اليقين أربعةٌ: تركُكَ (^٢) الدنيا قبل ارتحالكَ عنها، وطلبُك الآخرة (^٣) قبل قدومِكَ عليها (^٤)، واستعدادُك للموت قبل نزوله بك، وإرضاؤك للربِّ (^٥) قبل لقائك إياه.
ثم ذكَر في هذه الآية من المؤمنين الإيقانَ بالآخرة فقال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، وذكر منهم الظنَّ في آيةٍ فقال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وهو لطفٌ من اللَّه تعالى بإثباتِ صفاتٍ لهم تختلف ظواهرُها وتتَّفقُ معانيها.
ووصفَهم بالجهل في قوله تعالى: ﴿عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النحل: ١١٩]، وبالعلم في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وبالفقر في قوله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، وبالغنى في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨]، وبالضعف في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، وبالقوة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. وبالذِّلة في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وبالعزَّة في قوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وبالنسيان في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الانفطار: ٦]، وبالذكر في
_________________
(١) في (أ): "محاسبه".
(٢) في (ر) و(ف): "ترك".
(٣) في (ف): "للآخرة".
(٤) في (أ): "إليها".
(٥) في (أ): "الرب".
[ ١ / ٢٦٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وبالعبودية في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وبالملك في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠].
وبأنه أوجدهم أولًا على ملكه فقال اللَّه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ثم أَخبر بأنه اشترى المؤمنين فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، ثم جعلهم في العمل له كالأُجَراء فقال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٦٢] ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر: ٣٠] ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦].
ثم سماهم أولياءَه فقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢]، وسمى نفسَه وليَّهم فقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وذكر محبَّته إياهم ومحبَّتهم إياه فقال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
ووجهُ ذلك كلِّه: أنَّ الظنَّ في ابتداءِ الحال، واليقينَ بعد صحةِ الخبر والاستدلال، والجهلَ بعاقبةِ المعصية، والعلمَ بحقيقة الشهادة، والفقرَ بأصلِ الخلقةِ، والغِنَى بنيلِ الخِلْعة، والضَّعفَ بالبِنْيةِ، والقوَّةَ بالهمَّة، والذلَّةَ بمُلايَنةِ الأولياء، والعزَّة بمخاشَنةِ الأعداء، والنسيانَ بالجِبلَّة، والذِّكرَ بالمعونة، والعبوديةَ بالأصل، والتمليكَ (^١) بالفضل، والاشتراءَ بالحثِّ على بذل النفسِ والمالِ لوجود ذكر (^٢) الجلال، والأجرَ لتهنئة (^٣) الثواب، والولايةَ والمحبةَ لمعامَلته معَنا (^٤) معاملةَ الأولياء والأحباب، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
_________________
(١) في (ف): "والتملك".
(٢) في (أ): "دار".
(٣) في (ر): "التهيئة".
(٤) في (ر): "لمعاينته معنى".
[ ١ / ٢٦١ ]
(٥) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: أي: المذكورون قبله، وهم المتَّقون الموصوفون بالإيمان بالغيب وسائرِ الأوصاف المذكورة بعده، على قولِ مَن جَعَل ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ صفةً للأولِينَ أو عطفًا عليهم، ويَتمُّ الكلامُ بقوله تعالى: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾، ويكون ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأً، وقولُه تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾ خبرَ المبتدأ.
فأمَّا مَن جعل الواوَ للابتداء، فقولُه: ﴿أُولَئِكَ﴾ يكون (^١) خبرَ ذلك المبتدأ، ويَرجعُ على الخصوص إلى المذكورِينَ في قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾: أي: على رُشدٍ، وقيل: أي: بيانٍ وحجةٍ، وقيل: أي: صوابٍ وحقٍّ وصحةٍ، وهذا إثباتُ فعلِ العبد.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: هذا إثباتُ توفيقِ اللَّه تعالى، والأولُ ردٌّ على الجبريَّة، والثاني ردٌّ على المعتزلة، وهما جميعًا دليلُ أهل السنَّة والجماعة، وهو كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
والهدى: اسم الإسلام، واللَّه تعالى سمَّى الإسلامَ بأسماءٍ وأضاف كلَّ واحدٍ من ذلك إلى نفسه: هُدَى اللَّهِ، صِراطَ اللَّهِ، فِطْرَةَ اللَّهِ، صِبْغَةَ اللَّهِ، دِيْن اللَّهِ، نُورَ اللَّه، حَبل اللَّه، كلمة اللَّه، وآياتُها: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [آل عمران: ٧٣] ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي﴾ [الشورى: ٥٣] ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي﴾ [الروم: ٣٠] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]
_________________
(١) "يكون": من (أ).
(٢) "الآية": ليست في (أ).
[ ١ / ٢٦٢ ]
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٢] ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وسمَّاه بأسماءٍ مفرَدة:
كلمةَ التقوى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦].
والكَلِمَ الطيِّبَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
وكلمةً طيبةً (^١): ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤].
والقولَ الطيِّبَ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤].
وقولَ الصواب: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].
والقولَ المرْضيَّ: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].
وقولَ الحق: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١].
ودعوةَ الحق: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤].
وشهادةَ الحقِّ: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦].
والعهدَ: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧].
والحسنةَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ﴾ [القصص: ٨٤].
والإحسانَ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
والإيمانَ: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧].
والإسلامَ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
والسَّلَمَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ (^٢) [النساء: ٩٤].
_________________
(١) "وكلمة طيبة": من (أ).
(٢) في (أ): "والسلام ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ " وهي قراءة سبعية وستأتي.
[ ١ / ٢٦٣ ]
والسِّلْمَ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].
والسبيلَ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣].
وسبيلَ الرشد: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨].
وسبيلَ الرُّشد: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
والرُّشد: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢].
والنعمة: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٨].
والفضل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٥٨].
والعدلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠]، قال ابن عباس ﵄: أي: بالتوحيد (^١). ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٢).
والحقَّ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩].
والصدقَ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]، قال ابن عباس ﵄: هو المؤمنُ الذي يقولُ الصدق (^٣)، وهذا فرد بمعنى الجمع فقد قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والبِرَّ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والبيِّنةَ: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام: ٥٧].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٣٥) بلفظ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
(٢) " ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ " زيادة من (ف) في هامشها وعليها علامة التصحيح.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٠٤) بلفظ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يقول: مَن جاء بـ: لا إله إلا اللَّه ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: رسولَه.
[ ١ / ٢٦٤ ]
والدِّين (^١): ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
ودينَ الحقِّ: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣].
ودينًا قيِّمًا: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦].
ودين القيِّمة (^٢): ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
والطريقة: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦].
والشريعة ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣].
فهذه أربعون اسمًا، وللمؤمن منها أسماءٌ، ومَنَّ اللَّه علينا بذلك فقال: ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧]، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال للكافر (^٣): ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣].
ثم قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ مدحٌ لهم، وقولُه تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بيانُ أنه مِن عنده حصَل لهم، وهذا فضلٌ منه عليهم حيث مدَحهم وهو الذي منَحهم، وهو كما قال في حقِّ يوسفَ ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وهو بيانُ المنَّة بصرفه وعصمتِه، ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] وهو ثناءٌ عليه بإخلاصه وصَفْوته.
_________________
(١) سقطت من هنا ورقة كاملة من النسخة (ر)، وسننبه على نهاية السقط في موضعه.
(٢) في (أ): "ودين القيمة ودين قيم ودينًا قيمًا" بدل: "ودينًا قيمًا ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ودين القيامة".
(٣) في (ف): "للكافرين".
[ ١ / ٢٦٥ ]
وقال تعالى في حقِّنا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]، ثم أثنى علينا فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
وقال حبيبٌ العجَميُّ (^١): إلهي أنت تَمنحُ وأنت تَمدحُ.
ثم مجموعُ الآية أنه قال: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مهو وهو مدحٌ بترك كلِّ المخالفات، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ وهو ثناءٌ برأس الطاعات، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ وهو مدحٌ بجامعة العبادات، ثم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وهو مدحٌ بما هو أساسُ السخاوات، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهو التصديقُ بكلِّ الرسالات، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وهو الإقرارُ والاعتقادُ بالبعث والجزاءِ على كلِّ المعاملات، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو شهادةٌ لهؤلاء الموصوفين بالهداية في كلِّ الحالات، وحُقَّ لمن جمَع هذه الصفاتِ أنْ يؤهَّل لهذه الصِّلات.
ثم في هذه الآية ذَكر الهدى للموصوفين بكلِّ هذه الصفات، وفي قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآيةَ إلى (^٢): ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] ذَكر لهم الهدايةَ بالإقرار والاعتقادِ بدونِ سائر الطاعات، بيانًا لشرف الإيمان وجلالِ قَدْره وعلوِّ أمره، وأنه (^٣) إذا قَوِيَ لم يُبطله نفسُ المخالفات، بل هو الذي يَغلِبُ فتَرُدُّ إلى التوبة بعد التَّمادي في البطالات، وكما هَدَى اليومَ إلى الإيمان يَهدي غدًا إلى الجنان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾
_________________
(١) هو حبيب بن محمد، أبو محمد العجمي البصري، أحد الزهاد المشهورين الموصوفين بالزهد والورع والكرامات واستجابة الدعاء، رَوَى عَن بكر بن عَبد اللَّه المزني، والحسن البَصْرِيّ، وشهر بن حوشب، والفرزدق الشاعر، ومحمد بن سيرين. من رجال "التهذيب".
(٢) في (ف): "إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ " بدل: "الآية إلى".
(٣) في (ف): "فإنه".
[ ١ / ٢٦٦ ]
[يونس: ٩]، وذلك أن المطيعين نورُهم يَسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وهم على مراكبِ طاعاتهم والملائكةُ تتلقَّاهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ويبقى العصاةُ منفرِدينَ (^١) منقطِعينَ في متاهات القيامة ليس لهم نورُ الطاعة ولا في حقِّهم استقبالُ الملائكة، فلا يهتدون السبيل، ولا يهديهم دليل، فيقول اللَّه لهم: عبادي ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] إن أهل الجنة من حُسن الثواب لا يتفرَّغون لكم، وأهلَ النار من شدةِ العقاب لا يرحمونكم، معاشرَ المساكين سلامٌ عليكم كيف أنتم، إنْ كان أشكالُكم سبقوكم ولم يَهْدوكم فأنا أهديكم (^٢)، إنْ عامَلْتكم بما تَستَوْجِبون فأين الكرم؟ وأنشدوا (^٣):
نحن إذًا في الجفاءِ مِثْلُهم إذا هجرناهُم كما هَجَروا
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ فهو ابتداءٌ آخَرُ، وكلمةُ ﴿هُمُ﴾ تأكيدٌ، ويسمَّى فصلًا وعمادًا (^٤)، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر ﴿وَأُولَئِكَ﴾.
وقيل: ﴿هُمُ﴾ مبتدأٌ آخَرُ، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبرُه، وهما جميعًا خبرُ ﴿وَأُولَئِكَ﴾.
والفلاحُ في اللُّغةِ لمعانٍ:
للبقاء: قال لَبيدٌ:
_________________
(١) في (ف): "مفردين".
(٢) في (ف): "هاديكم".
(٣) في (ف): "وأنشد في معناه".
(٤) في (ف): "ويسمى عماد".
[ ١ / ٢٦٧ ]
نَحُلُّ بلادًا كلُّهاحُلَّ قَبْلَنا ونرجو الفلاحَ (^١) بعد عادٍ وحميرِ (^٢)
وللبقاء في الخير: قال عَدِيٌّ:
ثم بعدَ الفلاحِ والملكِ والنِّعْـ مةِ وارتْهم هناك القبورُ (^٣)
وللعيش: قال عَبيدُ بن الأَبرص:
أفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغُ بالضْـ ضَعْف وقد يُخدَعُ الأريبُ (^٤)
وللظَّفَر وإصابة (^٥) الخير، قال لَبيد:
فاعْقِلي إنْ كنتِ لمَّا تَعْقِلي ولقد أَفْلَحَ مَن كان عَقَلْ (^٦)
وللفوز والنجاة، قال الشاعر:
قد أَفلحَ الساكتُ الصَّموتُ كلامُ راعي الكلامِ قوتُ (^٧)
_________________
(١) في (ف): "فلاحًا"، والمثبت من (أ) والمصادر.
(٢) انظر: "ديوان لبيد" (ص: ٤٧)، و"مجاز القرآن" (١/ ٣٠)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٥٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٧٦).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٣٠)، و"إصلاح المنطق" (ص: ٦٦)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٢٢٠)، و"عيون الأخبار" (٣/ ١٣٢)، و"تفسير الطبري" (٢٠/ ٥٧١)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٧٦). وجاء في هذه المصادر عدا "عيون الأخبار": (والإمة) مكان: "والنعمة"، والمعنى واحد. وعدي هو عدي بن زيد العبادي.
(٤) انظر: "جمهرة أشعار العرب" (ص: ٣٨٢)، و"مجاز القرآن" (١/ ٣٠)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٢٦١)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٥٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٧٦).
(٥) في (ف): "ولإصابة".
(٦) انظر: "ديوان لبيد" (ص: ٩١)، و"مجاز القرآن" (١/ ٣١)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٥٦)، و"جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ٥٧).
(٧) البيت لمحمد بن أبي العتاهية الملقب بعتاهية، كما في "معجم الشعراء" للمرزباني (ص: ٤٣٢)، =
[ ١ / ٢٦٨ ]
فأما تفسيرُه هاهنا فقد قال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: الناجون من النار (^١).
وقال قتادةُ: أي: الباقون في الجنة.
وقال ابنُ كيسان: أي: الذين ظَفِروا بما طلبوا، ونجَوا مما منه هربوا (^٢).
وقال أبو عبيدة: أي: المصيبون الخير (^٣).
وقال القُتَبيُّ: أي: الباقون في النعيم المقيم (^٤).
وقيل: الفائزون بقَهْر الأعداء، وهي هواجسُ (^٥) النفوس، وخواطرُ القلوب، ووساوسُ الشيطان.
وحاصلُه كله (^٦) يرجع إلى ثلاثة أشياءَ:
أحدها: الظَّفَر، وبسطُه: أنهم ظَفِروا على النفوس فقهَروها فلم تجرَّهم إلى متابعةِ هواها، وعلى الدنيا فهجَروها فلم تَغُرَّهم بزخارف مَرْآهَا، وعلى
_________________
(١) = و"تاريخ بغداد" (٢/ ٣٥)، أو لأبيه كما في "الموشى" للوشاء (ص: ٧)، وذكره أسامة بن منقذ في "لباب الآداب" (ص: ٢٧٦) فقال: وقال أبو العتاهية، وتروى لابنه محمد. وعجز البيت وهو قوله: "كلام راعي الكلام قوت" من (ف) وليس في (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٥٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٩)، بلفظ: (الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا).
(٣) تقدم تخريجه من قول ابن عباس ﵄.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢٩).
(٥) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٩).
(٦) في (ف): "وهو حبس" بدل: "وهي هواجس".
(٧) في (أ): "وحاصل كلمه".
[ ١ / ٢٦٩ ]
الشيطان فخالَفوه فلم (^١) يفتنهم بالوساوس، وعلى قُرَناء السُّوء فتحامَوْهم ولم يُبْتَلَوا باستِغْواء النَّسانِس (^٢).
والثاني: النجاة، وبسطُه: أنهم نجَوا من الكفر والضلالة، والبِدعة والجهالة، وغرورِ النفوس، ووسوسة الشيطان، وزوال الإيمان، وفَقْدِ الأمان، ووحشةِ القبور، وأهوالِ النُّشور، وزلَّة الصراط، وتسلُّطِ الزبانيَة الشِّدَاد الغِلَاظ، وحِرمان الجِنان، ونداءِ القطيعة والهجْرَان.
والثالث: البقاء، وبسطُه: أنهم بَقُوا في الملكِ الأبديّ، والنعيمِ السَّرْمديّ، ووجدوا مُلكًا لا زوالَ له، ونعيمًا لا انتقالَ له، وسرورًا لا حُزنَ معه، وشبابًا لا هرَمَ معه، وراحةً لا شدَّةَ معها، وصحةً لا علَّةَ معها، ونالوا نعيمًا لا حسابَ له، ولقاءً لا حجابَ له.
فإن قالوا: لو قال: (أولئك على هدًى من ربِّهم وفلاحٍ) لاستقامَ وكان أوجَزَ في الكلام، فلِمَ لم يقُل كذلك؟
قلنا: لأنَّ الفواصِلَ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ و﴿يُوقِنُونَ﴾، فالذي يساويهما: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾.
فإن قالوا: لمَ لمْ يقُل: (أولئك هم المهتدون المفلحون)؟
قلنا: لأنه يكون فيه بيانُ اهتدائهم دونَ بيانِ أنه مِن ربهم.
فإنْ قالوا: لمَ لمْ يقل: (وأولئك المفلحون) وهو أَوجزُ؟
_________________
(١) في (أ): "ولم".
(٢) في (ف): "النسائس". وفي هامش (ف): "النسائس: جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة، ذكره في الصحاح". ومثله في هامش (أ) لكن فيه بدل (النسائس): "النسناس"، وهو الموافق لما في "الصحاح"، والنسائس ليست منه، فهي جمع النسيسة وهي السعاية، فالصواب المثبت، والنسانس -كما في "القاموس"-: الإناث من النسناس، أو هم جنس أرفعُ قَدْرًا من النَّسْناس.
[ ١ / ٢٧٠ ]
قلنا: في زيادة كلمة ﴿هُمُ﴾ نوعُ تأكيدٍ، وهو أبلغُ.
وفارسيتُها (^١) الجامعةُ: (بدنيار اسمت كاران وبقيامت رستكاران بدنيا بدار راسمت وبقيامت باركار است) (^٢).
* * *
(٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فأصلُ الكلمة في اللغة: السَّتر (^٣) والتغطية، قال لبيد:
يَعْلو طريقةَ مَتْنِها متواتِرٌ (^٤) في ليلةٍ كَفَرَ النُّجومَ غَمَامُها (^٥)
والكافر: الليلُ المظلمُ؛ لسَتْره الأشياءَ بظُلمته، قال الشاعر:
حتى إذا ألقَتْ يدًا في كافرٍ وأَجَنَّ عوراتِ الثُّغور ظَلامُها (^٦)
_________________
(١) في (ف): "وفارسيتهما".
(٢) في هامش (ف): "تعريبه: في الدنيا أفعالهم مستقيمة، وفي الآخرة جروحهم سليمة، في الدنيا على طريق مستقيم، وفي الآخرة سلام لهم من رب رحيم".
(٣) في (أ): "للستر".
(٤) في (أ): "متواترا".
(٥) انظر: "ديوان لبيد" (ص: ١١١)، و"جمهرة أشعار العرب" (ص: ٢٥٤)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٥٩)، و"شرح القصائد السبع الجاهليات" لابن الأنباري (ص: ٥٦٠) وفيه: معناه: يعلو طريقةَ متنِ هذه البقرة متواترٌ؛ أي: مطر متتابع، وقال أبو عمرو: طريقة المتن: ما بين الحارك إلى الكفل. والحارِكُ: أَعْلَى الكاهِلِ من الفَرَسِ، وقيل: هو عظمٌ مُشْرِفٌ من جانِبَيه اكْتَنَفَه فزعا الكتفين، وقيل: هو مَنْبِتُ أَدنَى العُرفِ إلى الظّهرِ الذي يأخُذ به مَن يركبُه.
(٦) البيت للبيد. انظر: "ديوان لبيد" (ص: ١١٤)، و"جمهرة أشعار العرب" (ص: ٢٦٢)، و"شرح =
[ ١ / ٢٧١ ]
والكافر: الزارع؛ لسَتْره البذرَ في الأرض بزراعته.
والكافر: الذي لبسَ فوق درعه ثوبًا لسَتْره بدنَه بدرعه ودرعَه بثوبه.
والكافر: البحر والنهر الكثيرُ الماء؛ لستره الأرضَ بمائه.
والكافر: نقيضُ الشاكر؛ لستره النعمةَ بكفرانه.
والكافر: المنكِر؛ لسَتره الحقَّ بباطله.
والكافر: المشرك؛ لستره الإيمانَ بشِركه.
والكفَّارة: مغطِّيةُ الذَّنْب، ورمادٌ مكفورٌ: سَفَتِ الرِّيحُ الترابَ عليه حتى غطَّتْه (^١)، قال الراجز:
قد دَرَسَتْ غيرَ رمادٍ مَكْفُور مكتَئِبِ اللونِ مريحٍ (^٢) ممطور (^٣)
_________________
(١) = القصائد السبع الجاهليات" لابن الأنباري (ص: ٥٨١)، وفيه: (ألقت) يعني: الشمس، أضمرها ولم يذكرها، ومعنى قوله: (ألقت يدًا في كافر): بدأت في المغيب، ومن ذلك يقال: وضع فلان يده في كذا وكذا، إذا بدأ فيه.
(٢) في (ف): "عفته".
(٣) في (أ): "مبرع"، وفي (ف): "مريج"، والصواب المثبت، وهو رواية في البيت، وفيه رواية أخرى: (مروح)، وانظر التعليق الآتي.
(٤) الرجز دون نسبة في "إصلاح المنطق" (ص: ٩٩ و٢٤٠)، و"تهذيب اللغة" (١٠/ ١١٣)، و"الصحاح" (مادة: روح وكفر)، و"الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص: ٣١٦)، و"الاقتضاب في شرح أدب الكتاب" للبطليوسي (٣/ ٤٢٨) وفيه: المروح: الذي أصابته الرياح، ويروى: مريح، وهو مما جاء نادرًا على غير قياس، كأنه بني على فعلِ ما لم يسم فاعله، وجعله مكتئب اللون لتغيره بالقِدم، وكذلك الكآبة إنما هي تغير الوجه من الحزن. ويجوز أن يجعله كالحزين لذهاب أهل الدار.
[ ١ / ٢٧٢ ]
والكَفْرُ: سوادُ الليل، قال الشاعر:
قد وردَتْ قبلَ انْبِلاجِ الفجرِ وابنُ ذكاءٍ كامنٌ في كَفْرِ (^١)
والكَفْر: القريةُ؛ لسَتْرها الناسَ، قال -ﷺ-: "أهلُ الكُفور هم أهلُ القبور" (^٢)؛ أي: أهلُ القرى لبُعدِهم عن أهل العلم كالموتى.
والكُفُرَّى: كِمُّ الطَّلْعِ (^٣)؛ لأنه يَسترُه، وكذا الكافورُ، وكافورُ الطِّيب يسترُ الحرارة، والكافور: مِزاجُ شرابِ أهلِ الجنة، وهو من عينٍ في الجنة يَستر كلَّ همٍّ.
والكافر في القرآن على أربعةِ أوجُهٍ:
أحدُها: نَقيضُ المؤمن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٧].
والثاني: الجاحدُ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢]؛ أي: جحَد وجوبَ الحج.
والثالث: نقيضُ الشاكر، قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
والرابع: المتبرِّئ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ أي: يَتبرَّأ بعضُكم من بعضٍ.
_________________
(١) البيت لحميد بن الأرقط. كما في "إصلاح المنطق" (ص: ٩٩) و(مادة: كفر) في كل من "الصحاح" و"التكملة والذيل والصلة" للصغاني و"اللسان"، و"التاج". وعزاه الجاحظ في "الحيوان" (٥/ ٧١) للعجَّاج. وورد دون نسيبة في "الأزمنة" لقطرب (ص: ١٤)، و"البسيط" للواحدي (٢/ ٨٩). قال ابن السكيت: ابنُ ذكاء، يعني: الصُّبْح، وذُكاءُ: الشَّمْس.
(٢) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٥٧٩) من حديث ثوبان ﵁ مرفوعًا بلفظ: "لا تسكن الكفور فإن ساكن الكفور كساكن القبور".
(٣) أي: وعاؤه.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ثم معنى المذكورِ في هذه الآيةِ: إن الذين ستَروا الإيمانَ بالكفر، والتوحيدَ بالشرك، والحقَّ بالباطل، والنعمةَ بالكفران، وخبرَ اللَّه بالتكذيب، ورسالةَ الرسل بالجحود، وأمورَ القيامة بالإنكار.
واختلفوا في المرادِينَ بالآية:
قال ابنُ عباس ﵄: هم اليهودُ الذين حول المدينة (^١).
وقال الرَّبيعُ بن أنسٍ: هم قادةُ الأحزاب (^٢).
وقال الطبريُّ: هم مشركو أهلِ الكتاب كلُّهم (^٣).
ويجيءُ بيانُ هذه الأقاويلِ وأقاويلَ أُخَرَ بعد تمامِ (^٤) الآيةِ إنْ شاء اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾: أي: مستوٍ عندهم الإنذارُ وتركُه، فهو مصدرٌ أُريدَ به النعتُ؛ كقولك: رجلٌ عدلٌ؛ أي: عادلٌ؛ لأن الفَعَال من أبنية المصادر كالذَّهَاب والصَّلاح والفساد، ويجوز أن يكون بناءَ النعت أيضًا كقولك: سيفٌ كَهَامٌ (^٥)، وأَديمٌ صَحَاحٌ، ورجل شَحاح (^٦).
وهذه الكلمة ذكرت في القرآن لمعانٍ:
للعدل: في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]؛ أي: عدلٍ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٥٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٥٩).
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٢٥٩).
(٤) في (ف): "ختام".
(٥) أي: كليل لا يقطع.
(٦) في (أ): "شجاع"، وهو خطأ، ورجل شحاح؛ أي: شحيح.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وللوسَط: في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]؛ أي: في وسَطِها.
ولقَصْدِ الطريق: في قوله: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]؛ أي: قصد الطريق.
وللمستوي: كما في قوله تعالى ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦].
وللشركاء: في ثلاث آيات: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]، ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨].
ثم قولُه تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولم (^١) يقل: سواءٌ عليك؛ أي: إنذارُك وتركُ إنذارك ليسا (^٢) سواءً في حقك، فإنك (^٣) تثابُ على الإنذار وإنْ لم يؤمنوا، فأما في حقِّهم فهما سواءٌ؛ لأنهم لا يؤمنون في الحالين، وهو نظيرُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه (^٤) يثاب به الآمرُ وإن لم يَعمل به المأمور.
وكان هؤلاء القومُ كقوم هودٍ الذين قالوا لهودٍ صلوات اللَّه عليه: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦]، وقال تعالى في حقِّ هؤلاء: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال أيضًا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]، ويقالُ لهم في القيامة: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ
_________________
(١) في (أ): "لم".
(٢) قبلها في (أ): "أي".
(٣) في (ف): "لأنك".
(٤) في (أ): "أنه".
[ ١ / ٢٧٥ ]
عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وأَخبر عنهم أنهم يقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] فلمَّا كان الوعظُ وتركُه لهم سواءً، وكذا الإنذارُ وتركُه سواءً، كان صبرُهم في النار وتركُه سواءً، وجزعُهم فيها وتركُه سواءً.
وأنت إذا كان عصيانُك في الشباب والشَّيبِ سواءً، وتمادِيكَ في الصحة والمرضِ سواءً، وإعراضُك في النعمة والمحنة سواءً، وقسوتُك على القريب والبعيد سواءً، وزَيغُك في السرِّ والعلانيَة سواءً، أفمَا تخشى أن تكون توبتُك عند الموت وإصرارُك سواءً، وعذرُك عند النَّزْع وسكوتُك سواءً، وزيارةُ الصالحين قبرَك وامتناعُهم سواءً، وقيامُ الشُّفعاء بأمرك في القيامة وتركُهم سواءً؟
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الألف التي تزادُ في أول الكلمة على صورةِ ألفِ الاستفهام تجيءُ على ثمانيةِ أوجُهٍ:
للاستخبار: كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٦٢].
وللاستنكار: كما في قوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
وللإثبات: كما في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وللنفي: كما في قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: ٢٧].
وللأمر: كما في قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (^١) [الشعراء: ١٠٦].
وللنهي: كما في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤].
وللتحقيق: كما في قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، هو تحقيقٌ عند بعضهم.
_________________
(١) في (ف): " ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ".
[ ١ / ٢٧٦ ]
وللتسوية: إذا كانت الألفُ في أحدِ الشيئين (^١) و(أم) في الشيء الآخَر، كما في قوله (^٢): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣].
وفي الاستفهام مدخلٌ للتسوية أيضًا في قولك: أزيدٌ في الدار أم عمرٌو؟ وإنما تقول ذلك حين استوَى علمُك فيهما (^٣) أنَّ أحدهما فيها، ولذلك تقول في التحقيق: علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمرٌو.
وقال صاحب "النظم" (^٤): وإنما ورد هذا بألفِ الاستفهام -والاستفهامُ (^٥) غيرُ محقَّقٍ وهذا محقَّقٌ- لأنه يستقيم هاهنا أن يقال: سواءٌ عليهم أيَّهما فعلتَ: الإنذارَ وتركَ الإنذار، وكلمة (أيّ) في الأصل للاستفهام، وهذا في معناه، فصَلح فيه الاستفهامُ.
ثم الإنذارُ هو التخويفُ، وقيل: الإبلاع، وقيل: الإعلام بالعذاب.
وأما قراءتُه فقد قرأ أبو جعفرٍ وشيبةُ ونافع غيرَ قالون (^٦) والأعمشُ ممدودةً مهموزةً
_________________
(١) في (ف): "شيئين".
(٢) في (ف): "كقوله" بدل: "كما في قوله".
(٣) "فيهما" زيادة من (ف).
(٤) "نظم القرآن" لأبي علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني الجماجمي، كان يسكن بجرجان بباب الخندق في سكة تعرف بجماجمو. انظر: "تاريخ جرجان" (ص: ١٨٧)، و"الأنساب" للسمعاني (٢/ ٨٠). قلت: وهذا الكتاب قد نقل منه جمع من أئمة التفسير منهم الثعلبي والواحدي والبغوي والقرطبي وأبو حيان وغيرهم.
(٥) "والاستفهام" سقط من (ف).
(٦) "غير قالون" من (ف). وقالون هو عيسى بن مينا أحد راوي نافع، والثاني هو ورش.
[ ١ / ٢٧٧ ]
بهمزةٍ واحدة، وكذلك أبو عمرٍو، ولأبي عمرٍ وطريقٌ آخَرُ (^١) في اجتماعِ الهمزتين، فإن كانتا متَّفقتين منصوبتين أو مرفوعتين أو مخفوضتين: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (^٢) [الزمر: ٣٣] ﴿عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ليَّن الأولى وحقَّق (^٣) الثانيةَ، فإنْ كانتا مختلفتَينِ: ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ﴾ [الملك: ١٦] حقَّق (^٤) وليَّن الثانية، وأما عاصمٌ وحمزة والكسائيُّ وخلفٌ وابن ذكوانَ عن ابن عامر (^٥)، فإنهم يُثبتون الهمزتين جميعًا على الأصل (^٦).
ثم قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ خطابٌ للنبيِّ -ﷺ-، فكان الإنذارُ منه، والإنذار المذكور في القرآن من ستة:
من اللَّه تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].
ومن كتابه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩].
ومن أنبيائه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢].
ومن المصطفى محمدٍ -ﷺ- ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤٥].
ومن العلماء: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
_________________
(١) "آخر" من (ف).
(٢) " ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ " ليست في (ف).
(٣) تحرفت في (ف) إلى: "وخفف".
(٤) تحرفت في (ف) إلى: "خفف".
(٥) "وخلف وابن ذكوان عن ابن عامر" من (ف).
(٦) انظر مذاهب القراء في اجتماع الهمزتين في "السبعة" (ص: ١٣٦)، و"التيسير" (ص: ٣١)، و"النشر" (١/ ٣٦٣).
[ ١ / ٢٧٨ ]
ومن الشَّيب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] فالشيبُ نذيرُ الموت، وبريدُ الموت، ورسولُ الموت، ورائدُ الموت، والمخبِرُ بمجيء الموت.
واختلفوا في الذين أُريدوا بهذه الآية:
قال الكلبيُّ ﵀: هم رهطٌ من اليهود: كعب بنُ الأشرف وحييُّ بن أخطبَ وجديُّ بن أخطبَ وأبو ياسرِ بنُ أخطب -وليس بأخي حييٍّ- وشعبةُ بن عمرٍو، ومالك بن الصَّيف (^١)، وأبو لُبابةَ، وقد مرَّت قصتُهم عند تفسيرنا ﴿الم﴾ بتطويلها، وتفسيرُهم المقطَّعات بتفصيلها.
وبنحوه قال ابن عباس ﵄: أن الآية نزلت في شأن اليهود، منهم: كعب بن الأشرف وحييُّ بن أخطبَ ومالك بن الصَّيف وأبو لبابة، وكان مالكٌ رأسَ اليهود، وقد جادل النبيَّ -ﷺ- يومًا، فقال النبيُّ -ﷺ-: "هل وجَدْتَ في التوراةِ أن اللَّه تعالى يُبغض الحَبْرَ السَّمين؟ " قال: نعم، فقال النبيُّ -ﷺ-: "أنت منهم"، فغضب مالك وقال: ما أنزل اللَّه على بشر من شيء، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فقال اليهود لمالكٍ: ما حملك على هذا الإنكار؟ قال: إنه أغضبني، قالوا: كلما غضِبْتَ كفَرْتَ؟! فعزلوه عن الرِّئاسة وأقاموا كعبَ بن الأشرف مقامَه (^٢). إلى أن بَعث رسولُ اللَّه -ﷺ- رَهْطًا من الأنصار فقتلوه.
_________________
(١) في (ف): "الضيف".
(٢) ذكره عن ابن عباس الواحدي في "البسيط" (٨/ ٢٧٥)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٨٢)، وهو من طريق أبي صالح عن ابن عباس كما صرح ابن الجوزي، وهذه في الغالب هي طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متروك. ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٩٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٤٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٦٨)، والبغوي في "تفسيره" =
[ ١ / ٢٧٩ ]
وكان اليهود (^١) آمنوا بالنبيِّ -ﷺ- قبل مَبعثه، وكان يستنصِرون به، فلما جاءهم ما عَرفوا كفروا به، وكان سببُ كفرهم: حبَّ الرئاسة وأخذَ الرِّشوة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩].
وقال مقاتلٌ: نزلت الآيةُ في شأن شيبةَ وعُتبةَ والوليدِ بنِ المغيرة.
وقال الرَّبيع: نزلت في الذين قُتلوا يومَ بدر.
وقال أبو رَوقٍ: نزلت في شأنِ أبي جهلٍ وجماعةٍ معه، سألوا رسول اللَّه -ﷺ- معجزةً، حتى قال أبو جهل لعنه اللَّه -وكان يسري بالليل فاستقبله رسولُ اللَّه -ﷺ- فقال-: أرني آيةً على نبوَّتك هالا لأقتلنَّك (^٢)، فقال: "ما تريد؟ "، قال: شقُّ القمر نصفين (^٣)، فأشار النبي -ﷺ- إلى القمر، قال ابن مسعود ﵁: فانشقَّ نصفين (^٤)، فرأيتُ حراءً بين شقَّي القمر، فقال اللَّعينُ: ما أسحَرَك يا محمد! فأنزل اللَّه تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]، وكان النبيُّ -ﷺ- يطمعُ في إيمانهم بعد رؤيتهم المعجزةَ وإيقانهم، فأنزل (^٥) اللَّه تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] (^٦).
_________________
(١) = (٣/ ١٦٦) واللفظ له، جميعهم عن سعيد بن جبير مرسلًا. لكن كلهم ذكروه في سبب نزول آية سورة الأنعام، ولم أجد من ذكره في سبب نزول هذه الآية هنا.
(٢) نهاية السقط من نسخة (ر).
(٣) "وإلا لأقتلنك": ليست في (أ).
(٤) في (ف): "بنصفين".
(٥) في (ف) و(أ): "فانشق القمر بنصفين".
(٦) في (ف) و(أ): "فقال".
(٧) لم أقف عليه بهذا السياق، وقصة انشقاق القمر ورؤية حراء بين شقيه رواه البخاري (٣٨٦٨) من =
[ ١ / ٢٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿أَمْ﴾: هذه الكلمةُ في القرآنِ على أربعة أوجُهٍ:
أحدها: عطفٌ على ما دخله ألفُ استفهام (^١) كما في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٢) [الملك: ١٧].
والثاني: ابتداءُ استفهامٍ كالألف (^٣): ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣]؛ أي: ألهم؟
والثالث: بمعنى (بل): ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥٢]؛ أي: بل أنا خير.
والرابع: بمعنى (أو) من غير استفهامٍ كما في هذه الآية: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: أو لم تنذرهم، فلا استفهام في هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ﴾: كلمةُ نفي، وكلماتُ النفي:
(لم) و(لمَّا) للماضي: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
و(ليس) للحال (^٤): ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.
و(لن) للمستقبل: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].
و(ما) و(لا) و(إنْ) الخفيفةُ للكل:
_________________
(١) = حديث أنس ﵁. وحديث ابن مسعود في قصة انشقاق القمر رواه البخاري (٣٨٦٩)، ومسلم (٢٨٠٠).
(٢) في (ف): "الاستفهام".
(٣) " ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ": ليس في (أ).
(٤) في (ر): "كألف".
(٥) في هامش (ف): "أي: (ليس) لنفي الحال".
[ ١ / ٢٨١ ]
أمَّا (ما) فتَصلحُ للماضي: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وللحال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وللمستقبل: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].
وأمَّا (لا) فتَصلحُ للماضي: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، وللحال: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، وللمستقبل: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤].
وأمَّا (إنْ) فتصلح للماضي: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وللحال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، وللمستقبل: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿تُنْذِرْهُمْ﴾ مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: قيل: هو جوابٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وفي الآية تقديمٌ وتأخير، ونظمُه: إن الذين كفروا لا يؤمنون سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم، فهما ابتداءان وجوابان وخبران (^١).
وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابتداءٌ، وقولَه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢): ابتداءٌ آخَر، وجوابُ الابتداء الثاني قولُه: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾: أي: سواءٌ عليهم إنذارُك وتركُك الإنذارَ، ثم هذا الابتداءُ وخبرُه جوابٌ للابتداء الأول، وقد اتَّصل بالأول الهاءُ (^٣) العائدة؛ أي (^٤): التي في قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، وهو كقولك:
_________________
(١) "وخبران": ليست (أ) و(ف)، واستدركت على هامش (ر) وعليها علامة التصحيح، وعليه يكون عطف (خبران) على (جوابان) على التفسير؛ أي: وجوابان هما خبران.
(٢) " ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ": ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (ف): "الأول بالهاء"، وفي (أ): "بالأول بالهاء".
(٤) "أي": ليست في (أ) و(ف).
[ ١ / ٢٨٢ ]
زيدٌ وجهُه حَسَنٌ، ثم قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كلامٌ تامٌّ فيه (^١) تأكيدٌ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وبيانٌ له.
ثم هذا تخفيفٌ على النبيِّ (^٢) -ﷺ- وتفريغٌ لقلبه، حيث أَخبره عن حالِ هؤلاء في الابتداء بما أَخبر نوحًا -صلواتُ اللَّه عليه وعلى سائر الأنبياء- في الانتهاء؛ فإنه تعالى قال لنوحٍ بعد طولِ الزمان ومقاساةِ الشدائدِ والأحزان: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فدعا بهلاكهم بعد ذلك، وكذلك سائرُ الأنبياء.
وفي الآية: معجزةٌ للنبي -ﷺ-، حيث أَخبر أنهم لا يؤمنون، فكان كما أَخبر، وهذا غيبٌ لا يطَّلع عليه بشرٌ إلا بإطْلاع اللَّه تعالى، واللَّه (^٣) عزَّ وعلا لا يُطْلع على الغيب إلا مَن اختصَّه بالرسالة قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
وفي الآيةِ: إثباتُ فعلِ العباد؛ فإنه قال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وفيه إثباتُ الاختيارِ ونفيُ الإكراهِ والإجبار؛ فإنه لم يقل: لا يستطيعون، بل قال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
فإن قالوا: لمَ قال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وترى (^٤) بعضَ الكفارِ يؤمنون؟
قلنا: ليس هذا في حقِّ كلِّ كافر، بل في حقِّ قومٍ بأعيانهم، وقد بينَّاهم.
_________________
(١) في (ف): "وفيه".
(٢) في (ف): "تخفيف للنبي".
(٣) في (ف): "وهو".
(٤) في (أ): "ونرى".
[ ١ / ٢٨٣ ]
فإن قالوا: لمَّا (^١) عَلِم اللَّه أنهم لا يؤمنون، فلمَ أَمر النبيَّ -ﷺ- بدعائهم إلى الإيمان (^٢)؟
قلنا: كان الإنذارُ للإعذار، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الآية [طه: ١٣٤].
فإن قالوا: لمَّا أَخبر اللَّهُ تعالى رسوله أنهم لا يؤمنون، فهلَّا أهلكهم كما أهلك قومَ نوح بعد ما أخبر أنهم لا يؤمنون؟
قلنا: لأن النبيَّ -ﷺ- كان رحمةً للعالمين كما ورد به الكتاب، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
وقال الإمام القُشيريُّ: مَن كان في غطاءِ وصفه (^٣) محجوبًا عن شهودِ حقِّه فسِيَّانِ عنده قولُ مَن دلَّه على الحقِّ وقولُ مَن أعانه على استِجْلابِ الحظ، بل هو إلى داعي الغفلةِ أميلُ، وفي الإصغاءِ إليه أَرغبُ.
وكما أنَّ الكافر لا يَرْعَوِي عن ضلالته لِمَا سَبق من شقاوته، فكذلك المربوطُ بأغلالِ نفسه محجوبٌ عن شهودِ غَيبه وحقِّه، فهو لا يُبصِرُ رُشْدَه ولا يَسلُكُ قَصْدَه.
وقال أيضًا: إنَّ الذي بقيَ في ظلماتِ رعونته (^٤) سواءٌ عنده نصحُ الراشدِينَ وتسويلاتُ المبْطِلين؛ لأن اللَّه تعالى نزعَ عن أحوالهِ بركاتِ الإنصاف، فلا يُصغي إلى داعي الرَّشاد، كما قيل:
_________________
(١) في (ر): "قد".
(٢) "إلى الإيمان": ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (ف): "صفته"، والمثبت من (أ) و(ر)، وهو الموافق لما في "اللطائف".
(٤) في (ف) و(أ): "دعاويه" وفي (ر): "دعا ربه"، والمثبت من "اللطائف".
[ ١ / ٢٨٤ ]
وعلى النَّصُوح نَصِيحتي وعليَّ عصيانُ النَّصوحِ (^١)
وكتب الغزاليُّ إلى رئيسِ ولاةِ الأمور حين استَنصَحه: أمَّا بعدُ، فإن الذي يَنْصَحُك لا يَصْحَبُك، والذي يَصحَبُك لا يَنْصَحُك، والسلام (^٢).
* * *
(٧) - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: انتظامُه بما قبله: أنه ذَكر هؤلاء بصفاتهم وحالاتهم، ثم أَلحق به (^٣) ذكرَ عقوباتهم.
والختم في اللغةِ لثلاثِ معانٍ:
للطَّبع: ومنه سمِّي الخاتم؛ لأنه يُطبَعُ به.
وللإتمام وبلوغِ الآخِرِ: ومنه ختمُ القرآن، ومنه قولُه تعالى في صفة النبيِّ -ﷺ-: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: هو آخر النبيِّين ومُتمُّ عِدَّةِ المرسَلين، وقولُه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]؛ أي: آخِرُ ما تجدُ فيه رائحةُ المسك.
وللإعلام: يقال: ختَم على الكتاب وعلى الباب وعلى الشهادة؛ أي: أَعْلم عليها.
فأمَّا تفسيرُه هاهنا فقد قال ابن عباس ﵄: طبع اللَّه على قلوبهم فلا يعقلون الخير (^٤).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٩ - ٦٠).
(٢) من قوله: "وكتب الغزالي. . . " إلى هنا سقط من (أ) و(ف)، واستدرك على هامش (ر) مصححًا.
(٣) في (ر): "بهم".
(٤) في (ر): "الخبر". وانظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" (١/ ٥١)، ولفظه: قال ابن عباس =
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقال مجاهدٌ: هو أن تَحفَّ الذنوبُ بالقلب من كلِّ نواحيه حتى تلتقيَ عليه (^١).
وقال القُتَبيُّ: أي: أَقفل عليها وأَغلقها فلا تَعِي خيرًا ولا تَسمعُه (^٢).
والتحقيقُ على طريقِ اللغة على الأول: أن اللَّه عز وعلا طبَع عليها فجعلها بحيث لا يَخرج منها (^٣) ما فيها من الكفر، ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان.
وعلى الثاني: أن اللَّه عز وعلا أتمَّ جحودها وكُفرَها وعنودها، وجَعل ذلك آخِرَ أمرها، فلا تزول ولا تحول.
وعلى الثالث: أن اللَّه تعالى أَعلم عليها ووسَمها بما فيها، فبه تُعرَف وبه تُوصَف.
وأمَّا معنى هذا الختمِ فعلى ثلاثةِ أوجُهٍ لثلاثِ طوائفَ من المتكلِّمين:
فأمَّا (^٤) الجبريَّةُ: فقد جعلوا ذلك من اللَّه منعًا عن الإسلام والمعرفةِ، وإجبارًا على الكفر والنَّكَرة (^٥)، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]: أنه منعٌ حقيقيٌّ، وهذا منهم جَرْيٌ على مذهبهم الفاسدِ في أن العباد مجبورون ولا فِعْلَ لهم اختيارًا، وفسادُ كلامهم ظاهرٌ.
وأمَّا المعتزلةُ: فقد جعلوا ذلك إعلامًا محضًا على القلوب بما يُظهر للملائكة أنهم كفارٌ، فيَلعنونهم ولا يَدْعون لهم بخير؛ كخَتْم الكتاب أو الباب إعلامٌ عليه
_________________
(١) = ﵄: يعني: طبع اللَّه، ومعنى الختم على القلوب ليس أنه يذهب بعقولهم ولكنهم لا يتفكرون فيعتبرون بعلامات نبوة محمد -ﷺ- فيؤمنون.
(٢) رواه الطبري (١/ ٢٦٦)، وابن أبي حاتم (١/ ٤١).
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٠).
(٤) "منها" زيادة من (ف).
(٥) في (أ): "أما".
(٦) النكرة -محركة-: الاسم من الإنكار، كالنفقة من الإنفاق. انظر: "القاموس" (مادة: نكر).
[ ١ / ٢٨٦ ]
بعلامةٍ مجرَّدة، وجعلوا ذلك أيضًا مجرَّدَ شهادةٍ؛ من قولك: كتب فلان شهادته (^١) وخَتم عليها؛ أي: أَثْبتَ شهادته، فيقولون ما (^٢) معناه: شَهِد اللَّه عليها بكُفرها، وأَظهر ذلك للملائكة. وهذا أيضًا جَرْيٌ منهم (^٣) على مذهبهم الفاسدِ في أن أفعال العباد ليست بمخلوقةٍ للَّهِ تعالى، ولا هي بقضائه وتقديره ومشيئته وإرادته.
وأمَّا أهلُ السنَّة والجماعة فقد قالوا: إنه إثباتُ فعلِ الكفر وإيجادُه (^٤).
وحاصلُ الختم عند أهل الحق: عقوبةٌ من اللَّه تعالى لا تَمنع العبد من (^٥) الإيمان جبرًا، ولا تحمله على الكفر كرهًا، بل هي زيادةُ عقوبةٍ له على سوء اختياره وتمادِيهِ في الكفر وإصراره، يُحرم بها عن اللُّطف الذي يَسهُل به فعلُ الإيمان وتركُ العصيان.
يدلُّ (^٦) عليه: أنهم بَقُوا مخاطَبين بالإيمان بقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧]، ومَلُومين عن الامتناع عنه بقوله (^٧): ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠]، وقولهِ تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٣٩]، وموبَّخين على الكفر بقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]؛ أي: ما حمَله على الكفر؟ ولو صاروا مجبورين، وعن الإيمان عاجزين، لزال الخطاب، وسقط اللوم والعتاب،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "شهادة".
(٢) "ما" زيادة من (ف).
(٣) في (أ): "وهذا أيضًا مجرد شهادة منهم جريٌ".
(٤) في (أ): "الكفرة وإيجاده"، وفي (ف): "الكفر واتخاذه".
(٥) "من" زيادة من (ف).
(٦) في (أ): "ويدل".
(٧) في (ر) و(ف): "لقوله".
[ ١ / ٢٨٧ ]
كما في الختم على الأفواه يومَ الحساب، لمَّا عجزوا به حقيقةً عن الكلام لم يبقَ الخطابُ بالكلام.
وتحقيقُ المذهب: إثباتُ فعلِ العبد، وتخليقِ اللَّه تعالى.
والمذكور في هذا المعنى في كتاب اللَّه تعالى ثلاثةُ أشياء: الختمُ والطبعُ والكنانة (^١)، وفي كلِّ واحد منها ذكرُ فعل نفسه وفعل العبد.
أما في الختم فقد قال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وهذا إثباتُ فعلِ نفسِه، وقال تعالى قبلَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا إثباتُ فعلِهم.
وقال في الطَّبع: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، فقولُه: ﴿طَبَعَ﴾: فعلُه، وقولُه: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾: فعلُهم.
وقال في الكِنانة (^٢): ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، وقال قبله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ﴾ [الكهف: ٥٧].
ثم الختمُ في القرآنِ على ثلاثةِ أوجُهٍ:
للعقوبةِ: كما في هذه الآية.
وللكرامة: كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، قال مقاتل: أي: يَختمْ بالصبر فلا تجدُ غصَّةَ التكذيب، وهذا تسهيلٌ عليه بطريق الكرامة.
وللموعظة: كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى
_________________
(١) في (أ): "والكنان"، وفي (ف): "والكتاب".
(٢) في (أ): "الكنان"، وفي (ف): "الكتاب".
[ ١ / ٢٨٨ ]
قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾، قالوا: يَحتمِلُ أخذَ (^١) أعيانِها، ويحتمِلُ أخذَ مَنافعها مع بقاء صور أعيانها، وتقديره: أيها الشاغِلون الأسماعَ والأبصارَ والقلوبَ بغيرِ الحق (^٢)، لو أَخَذ اللَّه تعالى هذه الأعيان وأذهبَها فمَن يأتي بها؟ وأيها الشاغلون هذه الأشياءَ (^٣) بالحق، لو أن اللَّه أزالها عن الحقِّ فمَن الذي يُعيدها إليه؟ فهو تنبيهٌ وعِظَةٌ للمبطِل والمُحِقِّ جميعًا.
ثم سببُ هذه العقوبة: الإصرارُ على الذنوب، فقد (^٤) روَى أبو هريرة ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "إنَّ المؤمنَ إذا أَذنَبَ كانت عليه (^٥) نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونزَعَ واستَغْفرَ صُقِلَ قلبُه منها، وإنْ زاد زادَتْ حتى تَعْلُوَ قلبَه" (^٦).
وقالوا: سببُ الحفظِ عن هذا الختمِ: رفعُ الختم عن الكيِّس فلا يمنعُه عن حقٍّ، ووضعُ الختم على اللسان فلا يُطلِقُه في باطلٍ.
وقولُه تعالى: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: هي جمعُ القلب وهو الفؤاد، وقلبُ كلِّ شيءٍ خالصُه وأشرفُه، وعَرَبيٌّ قَلبٌ؛ أي: خالصٌ، وقلبُ النخلة: ما في وَسَطِها، وقلبُ الشيء: صِرْفُه، وانقلابُه: انصرافُه، والقلب: نجمٌ من منازل القمر، والقُلَّب والحُوَّل بالتشديد: الذي يَقلبُ الأمورَ ويحتالُ لها، فسمِّي قلبُ الإنسان به؛ لأنه أشرفُ أعضائه؛
_________________
(١) في (ر): "أخذ اللَّه".
(٢) في (أ): "حق".
(٣) في (ف): "هذه الأسماع والأبصار والقلوب".
(٤) "فقد": ليست في (أ).
(٥) "عليه": سقط من (أ).
(٦) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٧٩٥٢)، والترمذي (٣٣٣٤)، وابن ماجه (٤٢٤٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤١٨).
[ ١ / ٢٨٩ ]
لِمَا فيه من العقلِ والفهمِ ونحوِ ذلك، ولانقلابه ولإضاءته كالنجم، ولتقلُّبِه في الأمور، ولتصريفِه الأعضاءَ.
والقلبُ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] قيل: أي: عقلٌ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: فالسَّمْعُ في الأصل: هو السَّماع، وهو مصدرٌ، والسَّمْع أيضًا الأُذُن بمعنى: السامعة، والسِّمْعُ بالكسر: الصِّيتُ، والاستماعُ: الإصغاءُ للسَّماع، والسَّامعُ والسَّميع (^٢): النَّعت، والسَّميع أيضًا: المُسْمِعُ؛ كالبَديعِ بمعنى: المُبْدِع.
وقولُه: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥]؛ أي: فأطيعون، و"دعاءٍ لا يُسْمعُ" (^٣): أي: لا يجابُ، و(سَمِعَ اللَّهُ لمَن حَمِده)؛ أي: قَبِلَ وأجاب.
و﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]؛ أي: قائلون للباطل.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: جواسيسُ.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]؛ أي: لا تَقدر على (^٤) أن توفِّق الكفارَ لقبول الحق.
﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: سماعَ القرآن لبغضِ الرسول.
_________________
(١) بعدها في (أ) جملة فارسية لم ترد في (ر) و(ف).
(٢) في (أ): "والسميع والسامع" وفي (ر): "والسامع والسمع".
(٣) قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٣٠٠٣)، وابن حبان في "صحيحه" (١٠١٥)، عن أنس ﵁، وإسناده على شرط مسلم.
(٤) "على" ليست في (ف).
[ ١ / ٢٩٠ ]
وفي الخبر: أيُّ الساعاتِ أسمعُ (^١)؛ أي: أحقُّ بالدعاءِ وأَرْجَى للإجابة.
وفي الحديث: لم أسمعْ قولًا أسمعَ منه (^٢)؛ أي: أبلغَ وأنجعَ في القلب.
كلُّ هذا من السَّماع.
ثم معنى الآيةِ: ختَم اللَّه على آذانهم فجعلَها لا تُصغي إلى خيرٍ ولا تَعيهِ ولا تقبلُه، عقوبةً لهم على سوءِ اختيارهم وميلِهم إلى الباطل وإيثارهم.
وقول المعتزلة (^٣) والجبريَّة فيه -وقد ردَدْنا (^٤) قولَهم- على نحوِ ما سبق في ختم القلب (^٥).
ثم قولُه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ على الوحدان دون الجمع لوجوهٍ:
أحدها: أنه في الأصل مصدرٌ، والمصدر يَصلُح للواحد والاثنين والجمع، يقال: هو يَضرب ضربًا، وهما يضربان ضربًا، وهم يضربون ضربًا، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥]، وقال تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٨٠٥٩) عن مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ -أو كَعْبِ بنِ مُرَّةَ- السُّلَمِيِّ أنه سأل النبي -ﷺ-: أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قال: "جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ".
(٢) انظر: "غريب الحديث"، للخطابي (١/ ١٣٤)، و"الغريبين" (مادة: سمع)، في قصة إسلام ضماد بن ثعلبة ﵁. وقصة إسلام ضماد رواها مسلم (٨٦٨) دون محل الشاهد، وفيه: (لقد سمعْتُ قولَ الكَهَنَةِ، وقولَ السَّحَرةِ، وقولَ الشُّعراءِ، فما سَمِعْتُ مِثْلَ كلماتِكَ هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ ناعُوسَ البحرِ).
(٣) في (ف): "القرامطة"، وكذا وقعت في متن (ر) لكن ضرب عليها وصححت في الهامش إلى المثبت.
(٤) "وقد رددنا": من (أ) و(ف).
(٥) في (ر): "الختم للقلب".
[ ١ / ٢٩١ ]
وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤]، وقال تعالى خبرًا عن إبراهيم: ﴿هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: ٦٨]: فوحَّد الضيف (^١) لأنه في الأصل مصدرٌ.
والثاني: أن فيه إضمارًا، ومعناه: وعلى مواضعِ سمعِهم -أي: سماعِهم (^٢) - وهي الآذان، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ أي: أهلَها، وثبت هذا الإضمارُ دلالةَ أنَّ السمع فعلٌ، ولا يُختم على الفعل وإنما يُختم على محلِّه.
والثالث: أنه أراد سمعَ كلِّ واحد منهم، وهذا كما يقال: ائتني برأسِ كبشين، وقال الشاعر:
كُلوا في نصفِ بطنِكم تعيشوا فإنَّ زمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ (^٣)
والرابع: قولُ سيبويه: إنه توسَّط بين (^٤) جمعينِ، فدلَّ على الجمع وإنْ وحِّد؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] دل على الأنوار ذكرُ الظلمات، وقال الرَّاعي:
بها جِيَفُ الحَسْرَى فأمَّا عظامُها فبِيضٌ وأمَّا جلدُها فصَلِيبُ (^٥)
_________________
(١) "الضيف": ليست (أ).
(٢) في (ف): "أسماعهم".
(٣) البيت في "الكتاب" (١/ ٢١٠)، و"المقتضب" (٢/ ١٧٢)، و"الأصول في النحو" لابن السراج (١/ ٣١٣)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٥١)، و"أساس البلاغة" (مادة: خمص)، ورواية "الكتاب" و"الأصول" و"الأساس": كلوا في بعض بطنكم تَعِفُّوا
(٤) "بين": من (أ).
(٥) كذا نسب البيت للراعي في "تفسير الثعلبي" (١/ ١٥١)، ونسب لعلقمة بن عبدة في "المفضليات" (ص: ٣٩٤)، و"الكتاب" (١/ ٢٠٩)، و"المقتضب" (٢/ ١٧٣)، و"تفسير الطبري" (١٦/ ٢٤٣)، وورد دون نسبة في "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٢٤٥)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٨٣). =
[ ١ / ٢٩٢ ]
أي: جلودُها صَليبة.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾: أي: على عيونهم، فالبصرُ: العين، وجمعُه: الأبصار، كالسفر جمعُه: الأسفار، والإبصارُ بالكسر: الرُّؤية، والبَصَارةُ: صفة البَصير (^١)، وقد بَصُر من حدِّ شَرُفَ؛ أي: صار بصيرًا، وبَصرَ (^٢) به؛ أي: رآه، قال تعالى خبرًا عن السامريِّ: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦].
والبصيرة: رؤيةُ القلب، والبصيرةُ: البيِّنة أيضًا، وقولُه تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، قيل (^٣): أي: جوارحُه بصيرةٌ؛ أي: شاهدةٌ عليها بما رأت من عملها يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]؛ أي: علمُك نافذٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]؛ أي: يُبصَرُ فيه.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]؛ أي: مضيئةً.
_________________
(١) = والبيت لعلقمة من قصيدته في الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني، حين أسر أخاه شأسًا، فرحل إليه علقمة يطلب فكه. وقوله: (بها جيف الحسرى) المراد بالضمير آثار الطريق في متان الأرض كما يفهم من البيت الذي تقدمه، و(الحسرى): المعيية يتركها أصحابها فتموت، و(الصليب): الودك الذي يسيل من جلودها إذا مضى على موتها زمن وهي تحت الشمس ووقدتها. يقول: ماتت وتقادم بها العهد، فابيضت عظامها، وتفانى جلدها فلم يبق منه على أرض الطريق سوى آثار الودك الذي سال من جلودها. ووقع في النسخ: "جيفٌ حسرى"، والمثبت من المصادر.
(٢) في (ر): "البصر"، وسقطت من (ف)، والمثبت من (أ)، وفي "العين" (٧/ ١١٧)، و"تهذيب اللغة" (١٢/ ١٢٣): (البصارة مصدر البصير)، والمراد أنها مصدر كالبصر. انظر: "اللسان" (مادة: بصر).
(٣) في (أ): "وقد بصر".
(٤) "قيل": من (أ).
[ ١ / ٢٩٣ ]
والاستبصار (^١): التيقُّن.
فإنْ قالوا: لمَ جَمع الأبصار والواحد: بصرٌ، وهو مصدرٌ كالسمع؟
قُلنا: لأنه اسمٌ للعين أيضًا، فكان اسمًا لا مصدرًا، فجُمع لذلك.
ومعنى الكلمةِ واللَّه أعلم: وعلى أبصارِ قلوبهم حجابُ غَفلةٍ، وغطاءُ شُبهةٍ، وسحابُ ظُلمةٍ، فلا يَرون الحقَّ ولا يَقبلونه ولا ينقادون له.
وقيل: معناه: يتعامَون عن الحقِّ مع وجودِ العيون، كما (^٢) يَتصامُّون عنه مع وجود الآذان.
وقوله تعالى: ﴿غِشَاوَةٌ﴾: فالغِشاوةُ والغِشاءُ: الغطاءُ، والتغشيةُ: التغطية، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود: ٥]؛ أي: يتغطَّون بها، وقولُه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]؛ أي: يغطِّي ظلامُه الأفق.
وقولُه: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]؛ أي: علَاهم فغطَّاهم.
وقولُه: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ أي: وَطِئها، وفيه التغطيةُ.
والغاشيةُ: ما يسترُ السَّرج.
وقولُه تعالى: ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]؛ أي: عقوبةٌ تجلِّلُهم.
وقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]: هي القيامة تجلِّلُ الخَلْق.
وقوله: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]؛ أي: لُحفٌ من نار.
والغَشْيُ: الإغماء، وقوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]؛ أي: يُغمى عليه، وفيه سترُ العقل.
_________________
(١) في (ر): "فالاستبصار".
(٢) في (ف): "حتى".
[ ١ / ٢٩٤ ]
ثم اختُلف في قراءة هذه الكلمة:
فقراءةُ العامة: بكسر الغين وزيادةِ (^١) الألف ورفعِ الآخِر.
وقراءةُ الحسن: بضم الغينِ مع الألف.
وقراءةُ أصحابِ (^٢) عبد اللَّه بن مسعودٍ ﵁: (غَشوةً) بفتح الغين بغير ألفٍ.
وقراءة الجحدريِّ: (غَشاوةٌ) بفتح الغين مع الألف.
وقراءة المفضَّل عن عاصم: (غِشاوةً) بكسر الغين مع الألف ونصبِ الآخر (^٣).
ويستقيمُ في اللغة ستةُ أوجهٍ:
غشاوةٌ: بفتح الغين وضمِّها وكسرها مع الألف (^٤)، غشوةٌ: بغير ألفٍ بفتح الغين وضمِّها وكسرها.
وأظهرُها وأصحُّها: الكسر مع الألف، قال الشاعر:
تَبِعْتُك إذعَيني عليها غِشاوةٌ فلمَّا انجَلَتْ قطَّعْتُ نفسي ألومُها (^٥)
_________________
(١) في (ف): "مع" بدل: "وزيادة".
(٢) "أصحاب" من (ف).
(٣) انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ١٠)، وانظر شرحها وتوجيهها في "البحر المحيط" (١/ ١٤١ - ١٤٣).
(٤) في (أ): "غشاوة بالألف بفتح الغين وضمها وكسرها" وفي (ر): "غشاوة بفتح الغين، وغِشاوةً بكسرها وضمها مع الألف".
(٥) البيت للحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة. انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٣١)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقراءةُ الأكثر برفعِ الآخِرِ، فإن قوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ هذا كلامٌ مبتدأٌ، وهو غيرُ معطوفٍ على الأول بالختم، ومَن نصبه فعلى إضمار: جَعَل (^١)؛ أي: وجَعَل على أبصارهم غشاوةً.
ثم معناه: وعلى أبصارِ قلوبهم غطاءُ غَفلةٍ وغلافُ شبهةٍ، وكما تعامَوا عن الحقِّ في الدنيا فكذلك يُبعثون في العُقبى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢].
ولمَّا جُعِلوا على أبصارهم غشاوةٌ، تتَّصلُ بهم هذه الحالة في الدنيا، وعند (^٢) الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وفي النار:
قال تعالى في الدنيا: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، وقال في الموت: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال: ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]، وقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
وقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، قيل: هي القيامةُ تغشاهم بظُلمتها وفظاعتها، وقيل: هي النار.
وقيل: هي ثلاثةُ أشياءَ: غاشيةُ الأبصار وهي الحَجْبةُ عن لقاء اللَّه تعالى، وغاشيةُ الأبدان وهي حرُّ (^٣) النار، وغاشيةُ القلوب (^٤) وهي هَيبةُ القطيعة، فهذه
_________________
(١) في (أ): "وجعل".
(٢) في (ر): "عند".
(٣) في (أ) و(ف): "حرقة".
(٤) في (ر) و(ف): "القلب".
[ ١ / ٢٩٦ ]
غشاوةٌ في الدنيا أورَثَتْهم هذه هذه الغشاوات في العقبى، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
ثم إنما ذكر في هذه (^١) الآية القلوبَ والسمعَ والأبصار، لأن الخطاب كان باستعمال هذه الثلاثة في الحق، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، وكان هذا الخطابُ بعد أن هيَّأ اللَّه لهم الأسباب، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] فلم يستعملوها فيما أُمروا باستعمالها فيه، فعُوقِبوا في الدنيا بالختم على القلوب والأسماع، والغشاوةِ على الأبصار، ويومَ القيامة من جنس ذلك عقوباتُها، وهي ما قال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨]؛ أي: شديدةُ الاضطراب، ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (^٢) [الهمزة: ٧]، ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]؛ أي: المُصِمَّة، وقال (^٣): ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٩]؛ أي: ذليلةٌ، لِمَا عرَاها (^٤) من التغيُّر والتحيُّر، وقال (^٥): ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]؛ أي: عُميًا.
ثم بيَّن عقوبتهم في الآخرة، فقال تعالى:
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فالعذابُ: العقوبة، والعَذْب: ذو (^٦) العذوبة، وهو (^٧) نقيضُ المُلوحة.
_________________
(١) "هذه": من (أ).
(٢) في (أ): "أبصارها خاشعة وقال" بدل: "أي: شديدة الاضطراب التي".
(٣) "وقال": من (أ).
(٤) في (ف): "بما عراها"، وسقطت من (أ).
(٥) "وقال": من (أ) و(ر).
(٦) "ذو" سقط من (ف).
(٧) في (ر): "وهي".
[ ١ / ٢٩٧ ]
وإعذابُ النفس عن كذا: هو مَنْعُها عنه، وسمي العذاب عذابًا لأنه يَمنع من (^١) الجناية إذا تأمَّلَ فيها العاقل.
وقيل: إنما سمي به لأنه جزاء ما استعذَبه المرء بطبعه؛ أي: استطابهُ، ولذلك قال: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي﴾ (^٢) [القمر: ٣٩] وإنما يُذاق الطيِّب، على معنى: أنه جزاءُ ما استطابه واستحلاه بهواه في دنياه.
وقوله تعالى: ﴿عَظِيمٌ﴾: أي: كبيرٌ، وقيل: أي: كثيرٌ، وقيل: أي: دائم، وهو التعذيب بالنار أبدًا.
ثم عِظَمُه بأهوالِه، وشدَّةِ أحوالِه، وكثرةِ سلاسلهِ وأغلالِه.
وقيل: هو القتل والأسر في الدنيا، والتحريقُ بالنار في العُقبى.
ثم ذَكر بعد ذِكر المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، والكافرين ظاهرًا وباطنًا، المنافقين الذين آمنوا ظاهرًا وكفروا باطنًا:
* * *
(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: أي: ومن جنسِ الإنس، والناس: جمع إنسانٍ على غير لفظه، فالإنسانُ فِعْلانٌ من أَنِسَ، ومأخذُه من آنسَ؛ أي: أَبصر، والجنُّ مَن اجْتَنَّ، أي: استَتَر، فالبشرُ يُرَون والجنُّ لا يُرَون.
وقيل: هو من الأُنْسِ الذي هو ضدُّ الوحشة، وسمِّي به لاستئناس روحه ببدنه، وبدنِه بروحه.
_________________
(١) في (أ): "عن".
(٢) في (أ): " ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ".
[ ١ / ٢٩٨ ]
وقيل: هو: إِفْعِلَان، وأصله: إِنْسِيَان، ودليلُ ذلك أنه يقال في التصغير: (أُنَيْسِيَان) فتعادُ الياء المحذوفة، وسمي به لنسيانه، قال اللَّه تعالى في حقِّ آدم ﵇: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، ولذلك جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] أي: نَسَّاءٌ للنِّعم ذَكَّارٌ للمِحَن.
و(الناس) جمعُه لا من لفظه، فإنه (^١) لايستقيم جعلُه من الإنس، ولا من النسيان (^٢)، ومعنى هذا الجمعِ من (النَّوسِ) وهو التحرُّك، سمُّوا به لحركاتهم في مباحاتهم وواجباتهم ومحظوراتهم، وحركاتُ سائر الحيوانات لا توجدُ وجودَها منهم.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾: (مَن) كلمةٌ تصلُح للواحد والجمع، وهاهنا للجمع؛ أي: قومٌ (^٣) يقولون، وهم عبدُ اللَّه بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ، ومعتِّبُ بنُ قُشَيرٍ، وجَدُّ بنُ قيسٍ، وغيرُهم، وهؤلاء رؤوسُ المنافقين.
قال مجاهدٌ: أربعُ آياتٍ من أوَّل السورة في نعتِ المؤمنين، وآيتانِ في نعتِ (^٤) الكافرين، وثلاثَ عَشْرةَ آيةً في المنافقين (^٥).
وقال مقاتلٌ: آيتان من أوَّلها في نعتِ المؤمنين المهاجرين، وآيتان في مؤمِني أهل الكتاب، وآيتان في الكفَّار، وثلاثَ عشرة آيةً في المنافقين (^٦).
_________________
(١) في (ر): "فعلى هذا" بدل: "فإنه".
(٢) في هامش (ف): "ولا يستقيم أيضًا جعله من الأُنْس".
(٣) في (ر): "هم قوم".
(٤) في (أ): "ذكر" وسقطت من (ف)، والمثبت من (ر)، وهو الموافق للمصادر.
(٥) انظر: "تفسير مجاهد" (ص: ١٩٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٤٥).
(٦) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٥٢). ومن قوله: "وقال مقاتل. . . " إلى هنا سقط من (ف).
[ ١ / ٢٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أخبر عنهم أنهم يدَّعون ذلك.
ثم قال (^١): ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ليسوا بمؤمنين، فنَفَى الإيمانَ عنهم لأنه لم يكن (^٢) في قلوبهم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال (^٣) تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤]، وبَطَل بهذا (^٤) قولُ الكرَّامية: إنه مجرَّد الإقرار، فإن المنافقين أقرُّوا بذلك واللَّه تعالى نفَى عنهم ذلك.
ثم إنه قال: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ وهذا فعلُ الواحد، لأن كلمة (مَن) تصلُح له، ثم قال: ﴿وَمَا هُمْ﴾ على الجمع لأنه هو المراد، فحَمَل على المعنى، وهو كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] وهذا على الوحدان (^٥) للصيغة، ثم قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] على الجمع للمعنى.
وكذا قولُه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٧].
وقولُه تعالى: ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: الباء للتأكيد، وهو كقوله عزَّ وعلا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١]، ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢]، ويجوز حذفُها، قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، وهذا لأن (ما) بمعنى: ليس، ويجوز في (ليس) الباءُ
_________________
(١) في (أ): "فقال" بدل: "ثم قال".
(٢) في (ر): "لأنه ليس".
(٣) في (ر) و(ف): "وقد قال".
(٤) في (ر): "وأبطل هذا".
(٥) في (ر): "الواحد".
[ ١ / ٣٠٠ ]
وحذفُها، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وقال أيضًا: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣].
وفي الآيةِ معجزةُ النبيِّ -ﷺ-؛ فإنهم أظهَروا الإيمانَ وأضمَروا الكفر، والنبيُّ -ﷺ- أَخبر عما في قلوبهم، وذلك غيبٌ، واللَّهُ ﷻ يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦].
ودلَّت الآية أن الدعوى مردودةٌ إذا لم يقم عليها دلالةُ الصحة، قال قائلهم:
مَن تحلَّى بغيرِ ما هو فيه فضَح الامتحانُ ما يدَّعيه
وإن (^١) من مدَحَ نفسه ذُمّ، ومَن ذَمَّ نفسه مُدِح، قال فرعونُ عليه لعائن اللَّه: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] فقيل له: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، وقال يونسُ صلوات اللَّه عليه: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فقيل له: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣].
* * *
(٩) - ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: فالخَدْع: الخَتْلُ، والإخداع: الإخفاء، ومنه: المخدَعُ (^٢)، وهو البيت الصغيرُ يُخْفَى فيه الشيء، وخُدِع فوه؛ أي: تغيَّرت رائحتُه، ودينارٌ خادعٌ؛ أي: ناقصٌ، وسِنونَ خدَّاعةٌ؛ أي: قليلةُ المَرَافق.
فقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ قيل: معناه: يخادعون رسولَ اللَّه -ﷺ- والمؤمنين بإظهارِ
_________________
(١) في (ف): "فإن".
(٢) مثل: مِنْبَر ومُحْكَم. انظر: "القاموس" (مادة: خدع).
[ ١ / ٣٠١ ]
الإيمان مع إضمار الكفر، ورفَع (^١) درجة النبي -ﷺ- والمؤمنين حيث جعَل خداعَهم خداعَه، كما جعَل إيذاءَهم إيذاءَه.
وقيل: معناه: يُفسدون ما أظهَروا من الإيمان بما أضمَروا من الكفر.
وقيل: معناه: يخادعون اللَّه على زعمهم؛ أي: هو عندهم خداعُ اللَّه، يظنُّون أنهم يُخفون على اللَّه عزَّ وعلا شيئًا، وهو كما قال: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨]، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت: ٤٧]؛ أي: على زعمكم (^٢)، وقولُه تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود: ١٠١]؛ أي: على زعمهم.
وقال مقاتلٌ: معناه: اجترؤوا (^٣) على اللَّه تعالى، وقالوا فيما بينهم: نحن نخادعُ اللَّه، وكان هذا بهتانًا منهم، كسائر ما افترَوا على اللَّه.
وقيل: معناه: أيخادعون اللَّه، على الاستفهام، وهو كقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أي: أهذا ربي (^٤).
وقيل (^٥): إنهم أظهَروا شيئًا وأضمَروا خلافه، فتَصوَّر بصورةِ الخداع، فسُمي به وإن لم يكن هو، فإن حقيقته أن يمكرَ بأحدٍ فلا يَعلمَ به الممكور، وهو (^٦) كقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] ولا صبرَ لأحدٍ عليها، لكنْ لما دامُوا على الفعل الذي به يصيرون إلى النار تَصوَّر ذلك بصورة الصبر على النار.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "رفع".
(٢) في (أ): "زعمهم".
(٣) في (ر): "افتروا".
(٤) "ربي": من (أ).
(٥) في (ر) و(ف): "ويقال".
(٦) في (أ): "وهذا".
[ ١ / ٣٠٢ ]
وقيل: معناه: يحتالون لإزالةِ الحق بالباطل.
ثم المخادَعةُ وهي على (^١) المفاعَلة، وإن كان أصلُها لِمَا يكونُ بين اثنين، فقد تكون لفعلِ الواحد، كالمسافَرة والمصادفة (^٢)، وإنْ حملت على الوَضع: فالخداعُ كان منهم وجزاءُ الخداع من اللَّه تعالى على ما تبيَّن (^٣).
فإنْ قالوا: إن لم يعرفوا اللَّهَ تعالى فكيف خادَعوه (^٤)؟ وإن عرَفوه فكيف قصدوا خداعَه؟
قلنا: قد بينَّا أنهم عمِلوا عمَل المخادِعينَ من الوجوه التي ذكرناها.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ عطفٌ على الأول؛ أي: ويخادعون المؤمنين أيضًا، ويجوز حملُه على الحقيقة في حقِّهم فإنه في وُسعهم، فأمَّا قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ فقد مرَّ قولٌ أن معناه: يخادعون الرسول والمؤمنين، والصحيحُ أن يحمل ذلك على مخادَعتهم الرسولَ وحده دون المؤمنين؛ فإن خداعهم المؤمنين مذكورٌ على التصريح بعده، وهو قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ثم إنما جعَل مخادَعتَهم الرسول (^٥) مخادعتَه تعالى تشريفًا له، كما جعَل نصرتَه نصرتَه، بقوله (^٦): ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]؛ أي: إنْ تنصُروا رسولَه، وكما
_________________
(١) "على" من (ف).
(٢) في (أ): "كالمنافرة والمصادفة"، وفي (ف): "كالمسافرة والمصادقة"، وفي (ر): "كالمسافرة والمصارفة".
(٣) في (أ): "بين"، وفي (ف): "نبين".
(٤) في (ر): "يخادعونه".
(٥) في (أ): "رسوله".
(٦) في (ر) و(ف): "كقوله".
[ ١ / ٣٠٣ ]
جعل مخادعتَه مخادعةَ اللَّه، فقد جعَل مبايعتَه مبايعةَ اللَّه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وكذا في أشياءَ ذكرها في آياتٍ: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^١) [الأنفال: ١]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥]، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: قرأ أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ ونافعٌ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بألفٍ، على موافقةِ الكلمة الأولى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾، وقرأ الباقون: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بغيرِ ألفٍ (^٢)، لأن خَدْعهم أنفسَهم لا يَعْدُوهم.
وقال بعضُ (^٣) أهل اللغة: يقال: خادَعَ: إذا لم يَبلُغ مرادَه، وخدع: إذا بلَغ مرادَه، فلمَّا لم يَنفُذ خداعُهم فيما قصَدوا كان مخادعةً، ولمَّا وقع ضررُ فعلهم على أنفسهم كان في حقِّ أنفسهم خدعًا.
وتفسيرُه: ولا ينفذُ خداعُهم فيمَن قصَدوه، فكأنهم خدَعوا أنفسهم، كما يقال: فلانٌ يسخر بفلانٍ وما يَسخر (^٤) إلا بنفسه.
_________________
(١) في (أ) و(ف): " ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٢). وقوله: "بغير ألفٍ": سقط من (أ) و(ف).
(٣) في (ر): "فقال" بدل: "وقال بعض".
(٤) في (ف): "سخر".
[ ١ / ٣٠٤ ]
وقيل: معناه: وما يرجعُ وَبالُ خداعهم إلا إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، ومثلُه: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦].
وقال (^١) في الإحسان: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام: ١٠٤]، ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥]، ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦]، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠].
ثم قال هاهنا: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال في سورةٍ أخرى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وأريد به الجزاء.
وقيل: يعاملُهم على وَفق ما عامَلوه، وذلك فيما جاء: أنهم إذا أُلْقوا في النيران، وعذِّبوا فيها طويلًا من الزمان، واستغاثوا بالرحمن، قيل لهم: هذه الأبوابُ قد فتحت فاخرجوا، فيبادروا إلى الأبواب، فإذا انتهَوا إليها غلِّقت دونهم، وأُعيدوا إلى الآبار والتوابيت، مع الشياطين والطواغيت.
يقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: الشِّعْرُ: العلمُ والفِطنة، والإشعار: الإعلام، وإشعارُ الهَدْيِ منه، والشِّعار: العلامة، والمشاعر: المعالم، والشعائر: العلامات، وهي معالمُ الحج وأعمالُه، واحدتُها شَعِيْرةٌ وشَعَارةٌ، ثم هو اسمٌ لعِلمٍ خاصٍّ،
_________________
(١) في (ر): "ثم قال".
[ ١ / ٣٠٥ ]
وهو العِلمُ بدقَّة النظر في الشيء، مأخوذٌ من الشِّعر، ولذلك يطلقُ الشِّعر (^١) على معرفة الكلام المقفَّى الموزونِ بوزنٍ خاصٍّ.
وأما التفسير (^٢):
فقد قيل: أي: وما يعلَمون أنه خداعٌ لأنفسهم.
وقيل: أي: وما يعلمون أن وَباله راجعٌ عليهم.
وقيل: أي: وما يعلمون أن اللَّه تعالى يطَّلع على خداعهم رسولَه والمؤمنين.
وقيل: أي: وما يعلمون أنهم لا يقدِرون أن يخادعوا اللَّه.
وقيل: أي: وما يعلمون أن اللَّه خادعُهم؛ أي (^٣): جازيهم جزاءَ خداعِهم.
وقيل: أي: وما يعلمون أن اللَّه يعلم بصنيعهم، وهذا كما قال: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، والعِظَةُ فيه: أن المنافق عَمِلَ ما عَمِلَ وهو لا يعلمُ بوَبال ما عَمِل، والمؤمِنُ يَعلم به ثم يعمل به (^٤)، فما عذرُه (^٥) عند ربِّه؟
ثم في هذه الآيةِ نفيُ العلم عنهم، وفي قولهِ تعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] إثباتُ العلم لهم، والتوفيقُ بينهما: أنهم علِموا به حقيقةً، ولكنْ لمَّا (^٦) لم يعمَلوا بما علِموا فكأنهم لم يعلَموا، وهو كقوله عز وعلا: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾
_________________
(١) في (أ): "ولهذا يطلق هذا الاسم"، وفي (ف): "ولذلك يطلق هذا الاسم"، بدل: "ولذلك يطلق الشعر".
(٢) في (أ): "تفسيره".
(٣) "خادعهم؛ أي: " سقط من (ف).
(٤) "به" سقط من (ف).
(٥) في (أ): "فأعذره" بدل: "فما عذره".
(٦) "لما" سقط من (ف).
[ ١ / ٣٠٦ ]
[البقرة: ١٨]، وكانوا سامِعين ناطقين ناظِرين حقيقةً، لكنْ لم ينتفِعوا بذلك فكانوا كأنهم صمٌّ بكم عميٌ، فذو الآلةِ إذا لم يَنتفِع بها فهو وعادمُ الآلة سواءٌ، والعالمُ الذي لا يعمل بعلمه فهو والجاهلُ سواءٌ، والغنيُّ الذي لا يَنتفع بماله فهو والفقيرُ سواءٌ، والحيُّ الذي لا يَستمتِع بحياته فهو والميتُ سواءٌ.
ثم إنَّ اللَّه تعالى أثبتَ للمؤمنين العلمَ بقوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وأثبت لهم الجهلَ بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، كما أثبت للكفار العلم بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، والجهلَ بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. وليسوا سواءً، بل إثباتُ العلم للمؤمنين إثباتُ الكرامة، وذكرُ الجهل تلقينُ عذرِ المعصية، وإثباتُ العلم للكفار إلزامُ الحجة، وذكرُ الجهل إثباتُ المَنقَصة.
* * *
(١٠) - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: المرضُ في اللغة: العلَّةُ، والإمراضُ: إثباتُ صفة المرض، والتمريضُ: القيام على المريض.
وقيل: هو كلُّ ما خرج به الإنسان عن حدِّ الصحة في جسدٍ أو اعتقادٍ (^١)؛ من علةٍ أو نفاقٍ أو تقصيرٍ في أمرٍ.
والمرضُ في القرآن لأربعة أشياءٍ:
للعلة: في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
وللجراح: في آية التيمُّم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣].
_________________
(١) "في جسدٍ أو اعتقادٍ": سقط من (أ) و(ف).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وللفجور: في قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
وللشكِّ: في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].
وأمَّا التفسير فقد قال ابن مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه وابن عباسٍ والربيعُ وقتادةُ ﵃: أي: شكٌّ (^١).
وقال مقاتلٌ: أي: نفاقٌ.
وقال ابن الأنباريِّ: أي: ظُلمةٌ، قال: يقالُ: ليلةٌ مريضةٌ؛ أي: مُظلمةٌ (^٢).
وقال بعضُهم: أي: غمٌّ (^٣) بسبب نصرةِ النبيِّ -ﷺ- وزوالِ رئاستهم إليه.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: أي: اضطرابٌ وتردُّدٌ، ومَرَضُ الجسم كذلك، وطريقُ تسمية النفاق مرضًا: أن المؤمن يسمَّى (^٤) حيًّا والكافرَ ميتًا، فسمِّي المنافق مريضًا لتردُّده بين موافقةِ الظاهر ومخالفةِ الباطن، كتردُّد المريض بين بقائه حيًّا وبين موته (^٥).
ولأن (^٦) اللَّه تعالى قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] أي: خالٍ عن الشكِّ والشِّرك، فكان قلبُ المنافق بخلافه، فلم يكن سليمًا بل كان مريضًا.
وقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾: الزيادة خلافُ النقصان، ويجيءُ متعدِّيًا كما
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٢) انظر: "الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٤٧٥).
(٣) بعدها في (ر): "في قلوبهم".
(٤) في (ف) و(أ): "سمي".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤).
(٦) في (ر) و(ف): "لأن".
[ ١ / ٣٠٨ ]
في هذه الآية، ولازمًا كما في قوله تعالى: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ونظيرُها (^١) نقيضُها وهو النقصان، وهو متعدٍّ في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، ولازمٌ في قول النبي -ﷺ-: "هن ناقصاتُ العقلِ والدِّين" (^٢).
وأما التفسيرُ:
فقد قيل: معناه: جازاهم اللَّه بزيادةِ شكٍّ على شكِّهم عقوبةً لهم على إصرارهم وعنودهم.
وقال السدِّيُّ ﵀: فزادتهم عداوةُ اللَّه مرضًا.
وقيل: أي: زادهم اللَّهُ تعالى غمًّا على غمِّهم.
وقال الإمام أبو منصورٍ الماتُريدي ﵀: أي: زاد (^٣) اللَّه تعالى خَلْقَ الكفر في اعتقادهم (^٤).
وقالت المعتزلةُ: هو على التَّخلية بين المنافق ونفاقه.
وهذا بناءً على أصلهم الفاسد، أنهم (^٥) لا يَرون الكفر والمعاصيَ بتخليق اللَّه تعالى ومشيئته، فلا (^٦) يَحمِلون مثلَ هذا إلا على التخلية.
_________________
(١) في (ف): "ونظير".
(٢) رواه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: "ما رَأَيتُ مِن ناقصاتِ عقلٍ ودِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازِمِ مِن إحداكنَّ"، وبنحو هذا رواه مسلم (٧٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) في (ف): "زادهم".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٣٨٤).
(٥) في (ف): "لأنهم".
(٦) في (ر): "ولا".
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقيل: معناه: زادهم ضعفًا عن الابتِصار (^١)، وعجزًا عن الاقتدار، كما قال الشاعر:
يا مُرسِلَ الريحِ جَنوبًا وصَبا إنْ غَضبت زيدٌ فزِدْها غَضَبا (^٢)
وزيدٌ قبيلةٌ، ومعنى الدعاءِ في هذا البيت: أي: لا تُقْدِرْها على الابتصار (^٣) فيما غضِبت منه.
ثم هذه الصيغةُ للتحقيق عند بعضهم، وللدُّعاء عند آخرين.
فإن قالوا: الدعاءُ للعاجز عُرفًا، فما معنى هذا الدعاءِ من اللَّه تعالى؟
قلنا: هذا تعليمٌ من اللَّه تعالى أنه يجوزُ الدعاءُ عليهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقولهِ: ﴿إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٧]، وقريبٌ منه: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]، وقولُه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
ثم: في هذه الآيةِ إثباتُ خلقِ الأفعالىِ من اللَّهِ تعالى طاعاتِها ومعاصيها، قال تعالى هاهنا: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].
ثم قيل: زيادةُ مرضِهم كان بإنزالِ الآياتِ المتتابِعةِ والبراهينِ والحُجج المتناصِرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
_________________
(١) في (ف) و(أ): "الانتصار".
(٢) الرجز للأخطل، وهو في "ديوانه" (ص: ٣١٩)، و"التمثيل والمحاضرة" للثعالبي (ص: ٧١)، و"تفسير الراغب" (١/ ٩٩)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٣٠٠).
(٣) في (ف) و(أ): "الانتصار".
[ ١ / ٣١٠ ]
فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، وذلك على وجه التسبُّب (^١)؛ أي: صارت الآيةُ سببًا لزيادة يقينِ هؤلاء ولزيادةِ شكِّ هؤلاء، وهو كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، وقال: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦].
ومن العجَبِ ازديادُ شكِّهم بالآيات النيِّرة، واضطرابُ قلوبهم مع الدلائلِ البيِّنة (^٢)!
لكنَّ الشمسَ تزيدُ عليلَ العين علةً، والماءَ يزيدُ الحجرَ الصُّلبَ صلابةً، هم قومٌ زادهم القرآنُ الذي أنزل شفاءً ورحمةً في القلوب علةً ومرضًا.
وقيل: كانت زيادةُ مرضهم بإنزال الفرائض والحدود، فقد كان يَشُقُّ عليهم التكلُّم (^٣) بالشهادة، فكيف وقد لحقَتْهم الزيادة (^٤)؟ وهي وظائفُ العباداتِ ثم العقوباتُ على الجنايات، فازدادوا بذلك اضطرابًا على اضطراب، وارتيابًا على ارتياب، ويزدادون بذلك في الآخرة عذابًا على عذاب، قال تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] والمؤمنون لهم في الدنيا ما قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وفي العُقبى ما قال: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذا (^٥) في العُقبى، والأولُ في الدنيا، والألمُ في اللغة: الوجع، والأليم: الوجيع، وهو بمعنى: المؤلم؛ أي: المُوجِع، كما يقال: السميعُ بمعنى المسمِع، قال الشاعر:
_________________
(١) في (أ): "التسبيب".
(٢) في (ف): "السنية".
(٣) بعدها في هامش (ر): "بكلمة".
(٤) في (أ): "لحقهم الزيادات"، وفي (ف): "لحقتهم الزيادات".
(٥) في (أ): "وهذا".
[ ١ / ٣١١ ]
أمِن ريحانةَ الدَّاعي السميعُ يُؤرِّقُني وأصحابي هُجوعُ (^١)
وأما تفسيرُه:
فقد قيل (^٢): أي: يصلُ ألمُه إلى القلوب.
وقيل: هو الشديدُ الذي لا يزولُ ولا ينقطع.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: أي: بكونهم كاذبين، فإنَّ (ما) مع (كان) مصدر، وكذا كلُّ فعلٍ؛ تقول: سمعتُ ما قلتَ؛ أي: قولَكَ.
وكلمةُ (كان) قد تَجيءُ للماضي، كما في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨].
وقد تجيءُ للمستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
وقد تجيءُ للحال، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
وقد تجيءُ جامعًا لذلك كلِّه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]؛ أي: لم يَزَلْ رحيمًا بهم في الأزلِ وفي الحالِ وفي الأبد.
وقد تَجيءُ بمعنى: صار، كما في قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
_________________
(١) البيت لعمرو بن معدي كرب، كما في "مجاز القرآن" (١/ ٢٨٢)، و"الأصمعيات" (ص: ١٧٢)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٣٦٠)، و"الكامل" للمبرد (١/ ١٦٢)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٩١)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٨٧)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٨٤)، و"الصحاح" (مادة: سمع).
(٢) في (ر) و(ف): "فقيل" بدل: "فقد قيل".
[ ١ / ٣١٢ ]
وقد تجيءُ بمعنى: وَقَع، كما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
ثم الكذبُ خلافُ الصدق، وفيه لغتان: كَذِبٌ وكِذْبٌ، كقولك: لَعِبٌ ولِعْبٌ، والتكذيب: النسبةُ إلى الكذب.
وقرأ أهلُ الكوفة: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف (^١)، وهو كذبُهم فيما قالوا، وقرأ غيرهم بالتشديد، وهو تكذيبهم اللَّهَ تعالى ورسولَه.
وأما تفسيرُه:
فقد قيل: أي (^٢): يَكْذبون على اللَّه تعالى بإثباتِ الشريك.
وقيل: أي: بتحليلِ ما حرَّمه اللَّه وتحريمِ ما حلَّله.
وقيل: أي: بقولهم: إنك لرسولُ اللَّه، بألسنتهم من غير تصديقِ قلوبهم بذلك، وهو منصوصٌ عليه بقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] إلى أن قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
وقيل: أي: بقولهم: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ من غيرِ اعتقادٍ، وهو الذي سبَق ذكرُه في هذه الآيات، وتحقَّق به ما قلنا: أن (^٣) الإيمان ليس هو مجردَ الإقرار، فقد كذَّبهم اللَّه تعالى في دعوى الإيمان مع إقرارهم باللسان؛ لمخالفةِ (^٤) الجَنان، واللَّهُ المستعان.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٤١)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٢). والكوفيون من السبعة: عاصم وحمزة والكسائي.
(٢) "أي": ليست في (ر) و(ف)، و"فقد قيل" ليست في (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "لأن".
(٤) في (ر) و(ف): "بمخالفة".
[ ١ / ٣١٣ ]
(١١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: (إذا) كلمة توقيتٍ، وهي ظرفٌ للزمان المستقبَل، و(إذ) ظرفٌ للزَّمان الماضي، والفسادُ ضدُّ الصلاح، والإفسادُ ضدُّ الإصلاح.
وأمَّا تفسيره:
فقد قيل: أي: وإذا قال المسلمون لهؤلاء المنافقين (^١): لا تَعملوا المعاصيَ (^٢) في أرض المدينة وما حولها.
وقيل: أي: لا تُداهِنوا.
وقيل: أي: لا تفرِّقوا الناسَ عن محمدٍ -ﷺ-.
وقيل: أي: لا تَصُدُّوا الناس عن دينِ اللَّه واتِّباع رسوله.
وقيل: أي: لا تُمايلوا (^٣) الكفار.
وقيل: أي: لا تتَّبعوا الهوى بتركِ المأمور وارتكابِ المنهيِّ.
واختلفوا في المرادِينَ بهذه (^٤) الآيةِ:
قال ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ وجماعةٌ ﵃: هم المنافقون (^٥).
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ف): "وهو النظم".
(٢) في (ف): "بالمعاصي".
(٣) قوله: "تمايلوا" كذا في النسخ الثلاث، ولعل الصواب: (تُمالِئوا)؛ أي: تُساعدوا وتُشايعوا، أما تمايلوا فمعناه على العكس تقريبًا، يقال: مايَلَنا فمايَلْناه؛ أي: أغار علينا فأَغَرْنا عليه. انظر: "القاموس" (مادة: ملأ ومال).
(٤) في (أ): "المراد بهذه" وفي (ف): "المراد من هذه".
(٥) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٩٧).
[ ١ / ٣١٤ ]
وقال مقاتلٌ، وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ ﵄: هم اليهودُ من هاهنا إلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، قال: ويَدلُّ عليه قولُه تعالى (^١): ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ واليهودُ هم الذين كانوا يعتقدون هذا الإفسادَ إصلاحًا (^٢)، ويُظهِرون ذلك، فأما (^٣) المنافقون فما كانوا يقولون ظاهرًا: إن هذا إصلاحٌ، ولو قالوا ذلك لظَهر كفرُهم فقُتلوا، فأما (^٤) اليهود -لعنهم اللَّه- فقد كانوا أَظهروا أنهم على الحقِّ وغيرَهم على الباطل، والمنافقون (^٥) كانوا يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
ودليلٌ آخَرُ: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ والمنافقون ما كان يمكنُهم التكلُّم بهذا ظاهرًا.
فثبَت أنه في اليهود، وإفسادُهم هو كتمانُ حالِ النبيِّ -ﷺ-، وصدُّ الناس عنه، وأخذُهم الرشوةَ، وتغييرُهم الأحكامَ بها (^٦).
وأما القائلون بأنَّ الآية في المنافقين فقد قالوا: إن ما قبلها وما بعدها في المنافقين على ما بيَّنَّا ونبيِّنُ، فأمَّا قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فمعناه أنهم قالوا: لا نفعلُ هذه الأشياءَ التي هي إفسادٌ (^٧) بل نتَّبعُكم على دِينكم، وهذا إنكارٌ منهم للنِّفاق والإفساد.
_________________
(١) في (أ): "أنه قال قالوا" وفي (ف): "أنه قال جل وعلا". بدل: "قوله تعالى".
(٢) في (ر) "صلاحًا".
(٣) في (ف): "وأما".
(٤) في (ف): "وأما".
(٥) في (ر) و(ف): "وأما المنافقون".
(٦) في (ف): "وتغييرهم أحكام التوراة".
(٧) بعدها في (ر): "منهم".
[ ١ / ٣١٥ ]
وكان إفسادُهم على قولِ هؤلاء: ما ذُكر في هذه الآيات: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، وهي قصةُ تنفيرِهم ناقةَ النبيِّ -ﷺ- ليلةَ العقبة، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ الآية [التوبة: ١٠٧]، ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وهو كعب بن الأشرف، ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية [الحشر: ١١]، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ (^١) [التوبة: ٦٧]، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ الآية [المنافقون: ٥]، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]، ونحوها.
وقولُه تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ هي وجهُ بساطِ الدنيا، والسماءُ سقفُها.
وقيل: أريدَ بها هاهنا أرضُ المدينة، فإن إفسادَ المنافقين كان فيها.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾ كلمتان في الأصل، (إنَّ) كلمةُ تأكيدٍ قُرنت بـ (ما)، فصارتْ للحَصْر والقَصْر، فقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] تقديرُه: لا إله لا اللَّه الواحد، وقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] كذلك، وكذا هاهنا معناه: ما نحن إلا مصلحون.
وقوله: ﴿نَحْنُ﴾: جمعُ (أنا) على غير لفظه، كـ: (هؤلاء) جمع (هذا) و(هذه)، وكقولهم: (أولئك) هو جمعُ (ذاك) و(ذلك) و(تلك)، وكالنسوة جمع المرأة، وكالإبل جمع الجمل والناقة، وكالغنم جمع الشاة.
_________________
(١) في (أ): "الآية" بدل: " ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ ".
[ ١ / ٣١٦ ]
ثم هذه الكلمةُ يتكلَّم بها الواحدُ إذا أَخرج (^١) الكلامَ مُخْرج خطابِ الملوك، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣]، ويتكلم بها الاثنان، قال تعالى خبرًا عن هاروتَ وماروتَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ويتكلَّمُ بها الجماعةُ كما في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
والإصلاحُ: ضدُّ الإفساد، والصَّلاح والصِّلاح والصُّلوح: ضدُّ الفساد.
وفي تصريفه ثلاثُ لغاتٍ: صَلُح يَصْلُح؛ كقولك: شَرُف يَشْرُف، وصَلَح يَصْلُح؛ كقولك: دَخَل يَدْخُل، وصَلَح يَصْلَح؛ كقولك: صَنَع يَصْنَع.
والصُّلح والمُصالحة والإصلاح (^٢) من ذلك.
ثم لقولهم هذا وجوهٌ:
أحدها: أنهم أنكروا الإفساد -وهو النِّفاق وما نُهوا عنه- لأنهم كانوا يُخفون ذلك، فأَظْهَرَ اللَّه تعالى ما أضمَروا، وكَشَفَ ما ستَروا.
والثاني: أنهم اعتذروا إلى المسلمين، وقالوا: إنما نوافقُ الكفارَ ونمايلهم (^٣) نريد بها الإصلاحَ بينهم وبين المؤمنين، وهذا قولُ ابن عباسٍ ﵄ (^٤).
والثالث: أنهم قالوا: نُصلح (^٥) أمرَنا بموافقة الكفار في الباطن، وموافقةِ
_________________
(١) في (ف): "خرج".
(٢) في (ف): "والاصطلاح".
(٣) "ونمايلهم" كذا في النسخ، ولعل الصواب: "ونمالئهم" كما ذكرنا قريبًا، وفي "البحر المحيط": "إنَّ ممالأتنا الكفار".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٩٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٤٥). وانظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (١/ ١٨٥).
(٥) في (ر): "يصلح".
[ ١ / ٣١٧ ]
المؤمنين في الظاهر؛ نظرًا في العاقبة، حتى لو كان الظَّفَرُ لهؤلاء قالوا: نحن منكم (^١)، ولو كان لهؤلاء قالوا لهم كذلك.
والرابع: أنَّ هذا جوابُ اليهود، وأظهَروا به أنَّ ما هم فيه إصلاحٌ وليس بإفسادٍ.
* * *
(١٢) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾: (ألَا) كلمة تنبيهٍ، و(إنَّ) كلمة تأكيدٍ، و(هم) كنايةٌ عن المذكورين قبلَه، و(هم) ثانيًا تأكيدٌ؛ لأن التكريرَ تأكيدٌ (^٢) وتقريرٌ، وهذا كقوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، ﴿هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨]، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤]، ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢].
أثبَتوا لأنفسهم اسمَ المُصلِحين، فنفاه اللَّه عنهم وأثبت لهم اسم المفسِدين، فكان (^٣) لكلامهم أربعةُ أوجهٍ، وفي هذا ردُّهم على تلك الوجوه:
أما الأول: فكان إنكارًا منهم وإسرارًا، وكان هذا هتْكًا لأستارهم وإظهارًا.
والثاني: كان اعتذارًا بأنَّا نطلب الإصلاح باستمالة الكفار، فأَخبر بهذا أنَّ هذا إفسادٌ منهم، حيث علمَ الكفارُ أنَّ المنافقين لهم أنصارٌ، وهذا باعثٌ لهم على الإصرار.
والثالث: كان ظنًّا منهم أنَّ موافقةَ الفريقين من وجهين تنفعهم في الحالين،
_________________
(١) في (أ): "معكم".
(٢) في (ف): "التأكيد تكرير"، وفي هامشها: "صوابه: لأن التكرير تأكيد وتقرير".
(٣) في (أ): "وكان".
[ ١ / ٣١٨ ]
فيكون إصلاحًا لبالهم، فأخبر أنَّه إفسادٌ لحالهم ومآلهم، فإنهم طلبوا رضَى الفريقين، وقد فاتَهم ذلك كلُّه؛ فإنَّ المؤمنين يبغضونهم؛ لِمَا أنهم لا يوافقونهم في الباطن، والكافرون (^١) يردُّونهم؛ لِمَا أنهم لا يتابعونهم (^٢) في الظاهر، وكذلك حالُ أهل الرِّياء، ولا خلاصَ لهم إلا بالإخلاص.
والرابع: كان هذا جوابَ اليهود -لعنهم اللَّه- جِهَارًا، وكانوا ممَّن قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]، وكانوا كفرعون لعنه اللَّه، سَمَّى صلاحَ موسى فسادًا، وغوايةَ نفْسِه رشادًا، فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]، وقال: ﴿مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، فردَّ اللَّه تعالى عليه فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]، وقال: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، وقال هاهنا: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾.
وقيل: في هذا ما يدلُّ على أنهم وصفوا أنفسَهم بالإصلاح والمؤمنين بالإفساد (^٣)، واقتضى أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون وأنتم مفسدون، فردَّ اللَّه عليهم القولين (^٤)، وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾، وتقديرُه: هم المفسدون لا أنتم، ولو كان كلامُهم هذا الواحدَ المنصوصَ عليه فحسب؛ كفى جوابًا لهم: إنهم مُفسدون، فتكرارُ (هم) وتعريفُ النَّعت بالألف واللام دليلٌ على ما قلنا، وهو كقوله: ﴿إِنَّ
_________________
(١) في (أ): "والكفار".
(٢) في (أ): "يوافقونهم".
(٣) في (ف): "بالفساد".
(٤) في (أ): "القول".
[ ١ / ٣١٩ ]
شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، هو ردُّ قول ذلك اللَّعين: إنَّ محمدًا لأبترُ، إذا ماتَ انقطع ذِكرُه، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ لا أنت (^١).
ثم فيه بيانُ شرف المؤمنين، حيمث تولَّى جوابَ المنافقين عمَّا قالوه للمؤمنين، كما كان في حقِّ المصطفى ﵇، فإن الوليد بن المغيرة قال له: إنك مجنونٌ (^٢)، فنفاه اللَّه تعالى عنه لقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] (^٣)، ثم قال في حقِّ (^٤) ذمِّ ذلك اللعين: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٠ - ١٣] (^٥)، وهي عشرةُ أسماءٍ مذمومةٍ (^٦).
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٧) من حديث ابن عباس ﵄، واللعين المذكور هو العاص بن وائل.
(٢) في (أ): "إنك لمجنون"، وفي (ف): "إنه مجنون".
(٣) وروي عكس هذا، وهو أن الوليد بن المغيرة نفى عنه -ﷺ- ذلك الوصف بالجنون عندما أراد كفار قريش وصفه به، فروى البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٠٠) عن ابن عباس ﵂: أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفرًا من قريش، وكان ذا سنٍّ فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: إن وفودَ العرب ستقدُم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا. . . فقالوا: نقول كاهن، فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيتُ الكهان، فما هو بزمزمة الكهان، فقالوا: نقول مجنون، فقال ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه. . . إلى أن قال وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر، فتقولوا: هو ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه. . . فأنزل اللَّه ﷿ في الوليد بن المغيرة، وذلك من قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾.
(٤) "حق": من (أ).
(٥) رواه ابن إسحاق في "سيرته" (٢/ ١٤٠) عن الربيع بن أنس.
(٦) في هامش (ف): "أسماء المنافقين عشرة في القرآن: مخادعون، جاهلون، كاذبون، مرضى، مفسدون، سفهاء، طاغون، صمٌّ، بُكمٌ، عُميٌّ".
[ ١ / ٣٢٠ ]
فكذلك في حقِّ المؤمنين، فإنَّ المنافقين سَمَّوا المؤمنين مفسدين، فنفاه اللَّه عنهم، وسمَّى المنافقين بعشرة أسماءٍ مذمومةٍ:
مخادعين: بقوله (^١) تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾.
جاهلين: بقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
مرضى: بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
كاذبين: بقوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾.
مفسدين: بقوله: ﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾.
سفهاء: بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾.
طاغين: بقوله تعالى: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وتمامُها بقوله (^٢): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: (لكنْ) كلمةُ استدراكٍ، وقيل: هي تحقيقُ شيءٍ تُثْبته بدلَ شيءٍ تنفيهِ.
ويُشَدَّد ويُخَفَّف، والمُشَدَّد ناصبٌ، والمُخَفَّف رافعٌ، ويدخلان جميعًا الاسمَ، والمُخَفَّفُ منه يدخل الفعلَ أيضًا، قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٣) [هود: ١٠١].
وقد تسقُطُ نونُه للضرورة في الشِّعر، قال الشاعر:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لقوله"، والمثبت من (أ)، وكذا وقع في المواضع الستة الآتية.
(٢) في (ر): "لقوله".
(٣) في (ر): " ﴿كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ " بدل: " ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ".
[ ١ / ٣٢١ ]
فلستُ بآتيه ولا أستطيعُه (^١) ولاكِ (^٢) اسقِني إنْ كان ماؤكَ ذا فَضْلِ (^٣)
وفي موضع العطف تكون (لكنْ) المُخَفَّفةُ كسائر حروف العطف في العمل، تقول: ما جاءني زيدٌ لكنْ عمرٌو، و: ما رأيتُ زيدًا لكنْ عَمْرًا، و: ما مررتُ بزيدٍ لكنْ (^٤) عمرٍو.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون.
واختُلف في معناه:
قيل: لا يعلمون أنَّهم مفسدون، وأنَّ فِعلَهم إفسادٌ.
قال (^٥) الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: إنْ كان التأويلُ هذا؛ فهو ينقضُ قولَ مَن يقول: إن الحُجَّةَ لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو قولُ الناشئ (^٦) وغيره من المعتزلة؛ لأنه أخبرَ بفسادِ صنيعهم وإن لم يشعروا به، وهو كقوله أيضًا: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، أخبر بحَبطِ أعمالهم وإنْ كانوا لا
_________________
(١) "فلست بآتيه ولا أستطيعه" ليس في (أ) و(ف)، ولكن في هامش (ف): "وتمامه: فلست بآتيه ولا أستطيعه ولك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل"
(٢) رسمت في (أ) و(ف): "ولك".
(٣) البيت للنجاشي الحارثي. انظر: "ديوانه" (ص: ٥٦).
(٤) في (ر): "ولكن"، وكذا في الموضعين السابقين بالمشاركة مع (ف).
(٥) في (ر) و(ف): "وقال".
(٦) هو عبد اللَّه بن محمد، أبو العباس، المعروف بابن شرشير الناشئ، شاعر متكلم يعد في طبقة ابن الرومي والبحتري، أصله من الأنبار، وأقام ببغداد مدة طويلة، وخرج إلى مصر فسكنها، وتوفي بها سنة (٢٩٣ هـ)، وكان من كبار المعتزلة. انظر: "تاريخ الإسلام" (٢٢/ ١٨١). وتحرف "الناشئ" في مطبوع "التأويلات" إلى: "الناس".
[ ١ / ٣٢٢ ]
يعلمون (^١)، بعد أن كانوا بسبيل العلم به؛ أي: مُتَمكِّنين من الوصول إلى العلم بالنظر في دَلائلِه.
وقيل: ليس هذا نفيَ حقيقة العلم، بل هو نفيُ عملهم بالعلم، وقد قرَّرناه فيما مر.
وقيل: أي: لا يشعرون (^٢) أنهم يعذَّبون على ذلك.
وقيل: أي: لا يشعرون متى ينزل بهم الموتُ فتنقطعَ عنهم التوبة.
ولمَّا كانوا موصوفين بالعلم في الأصل بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وصاروا موصوفين بالجهل بقوله: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ من الوجوه الثلاثة: أنهم لم يعلموه إفسادًا، ولم يعلموا أنَّ عليه عذابًا، ولم يعلموا متى يموتون قبل أنْ يتوبوا؛ أَلزمهم الحجَّة، فأزال هذه الجهالات بالدَّلالات، فقال: إنه إفسادٌ، بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾، وقال في عذابه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال في الموت: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢].
وكذا وصفَ المؤمنين بالعلم بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ثم وصفَهم بالجهل لمخالفتهم (^٣) العلم، فقال: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، وكان جهلُهم من هذه الوجوه الثلاثة، فأزالها، فقال في حقِّ الأول: إنَّه فسوق، بقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال في عقوبته: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٣٨٥).
(٢) في (أ): "يعلمون".
(٣) في (أ): "بمخالفتهم".
[ ١ / ٣٢٣ ]
لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤]، وقال في الموت: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآيات (^١) [المنافقون: ١٠].
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: ذكر الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ الآيةَ نزلت في شأنِ اليهود ومسلمي أهل الكتاب: عبدِ اللَّه بنِ سَلَام وأصحابِه، والنَّجاشيِّ وأصحابِه، وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- بعث ابنَ مسعودٍ وجعفرَ الطَّيَّارَ رسولًا إلى النَّجاشيِّ، فاستقبلهم عيرُ الشام وفيهم أهلُ الكتاب، وكان ابنُ مسعودٍ ﵁ يقرأ جهرًا، فانتهى إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، وفي العِير عبدُ اللَّه بن سلَام، فلما سمع ذلك هاب، وجعل يمسح رأسه ووَجْهَه خوفًا من المَسْخ، وهَمَّ أنْ يأتي رسولَ اللَّه فيُسْلِمَ (^٢) على يديه، فأتى المدينة، ودخل على رسولِ اللَّه -ﷺ- وقال: يا رسول اللَّه! إنِّي سيدُ قومي، وهم (^٣) يُعظِّمونني، فأرجو أنهم يُسلمون بإسلامي، فادعُهم وسَلْهم عنِّي ومَن (^٤) أنا فيهم، وأخبرهم بإسلامي، فعسى
_________________
(١) في (أ): "الآية" بدل: " ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآيات".
(٢) في (ف): "ويسلم".
(٣) في (أ): "وإنهم".
(٤) في (أ) و(ر): "مَن".
[ ١ / ٣٢٤ ]
يجيبونك، ففعل، فلمَّا دخلوا عليه قال لهم (^١): "ما تَعُدُّون فيكم ابنَ سَلَام؟ " قالوا: هو (^٢) سيدُنا وابنُ سيدِنا، وأعلمُ يهوديٍّ بقي على وجه الأرض بالكتاب الذي أَنزل اللَّه تعالى على موسى ﵇، فقال النبيُّ -ﷺ-: "أَتُسلمون إنْ أَسْلَم هو؟ " فقالوا: هو لا يُسلم، فكرَّرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- ذلك، فأجابوا كذلك، فخرج عليهم عبدُ اللَّه بنُ سَلَام وقال (^٣) لهم: يا أعداء اللَّه! فعلَ اللَّه تعالى بكم كذا وكذا، أمَا وجدتم نعتَ محمدٍ وصِفَتَه مكتوبًا في التوراة في موضع كذا؟ فقالوا: يا ابنَ سَلَام! ما كنت أهلًا للَّذي أثنينا عليك، ولكنْ كنتَ غائبًا فكرهنا أن نغتابك، وخرجوا وهم يقولون: إنك رجلٌ جاهلٌ سفيهٌ، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٤).
فعلى هذا تأويلُ الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: لليهود: ﴿آمِنُوا﴾ بمحمدٍ وكتابه ﴿كَمَا آمَنَ﴾ عبدُ اللَّه بنُ سَلَام وأصحابُه والنَّجاشيُّ وأصحابُه؛ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؛ أي (^٥): هؤلاء الجهَّال؛ أي: ابنُ سَلَام وأصحابُه والنجاشيُّ وأصحابُه.
وقال الحسن: ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؛ أي: النساء والصبيان (^٦).
_________________
(١) "لهم": من (أ).
(٢) في (أ): "فقالوا" بدل من "قالوا: هو".
(٣) في (أ): "فخرج عبد اللَّه إليهم فقال".
(٤) لم أجده بهذا السياق، وإنما أورده السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٥٥) من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ مختصرا: أنها نزلت في شأن عبد اللَّه بن سلام وأصحابه، وعلى كل حال فالكلبي متروك والخبر بهذا السياق واه، وروى البخاري (٣٩١١) و(٤٤٨٠) من حديث أنس ﵁ قصة إسلام عبد اللَّه بن سلام ﵁ ولم يذكر فيه سبب نزول الآية ولا قصة العير.
(٥) " ﴿السُّفَهَاءُ﴾ أي" ليس في (ر) و(ف).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٨٨).
[ ١ / ٣٢٥ ]
وقال ابن مسعودٍ وابن عباسٍ ﵃ في روايةٍ، ومجاهد وقتادة والربيع والسُّديُّ: إنها في المنافقين (^١).
وتفسيرها على هذا القول: وإذا قيل للمنافقين: آمِنوا بالقلوبِ مع إيمانكم بالألسنةِ كما آمن أصحابُ رسول اللَّه -ﷺ-؛ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؛ أي (^٢): هؤلاء الصحابةُ الذين لا يعلمون شيئًا؟
فعلى التفسير الأول: كان قولهم هذا جهرةً (^٣)؛ لأنهم كانوا مُصرِّين على اليهودية ظاهرين، وبالكفر (^٤) مجاهِرِين.
وعلى التفسير الثاني: كان المنافقون لعنهم اللَّه يتكلَّمون بهذا الكلام في أنفسهم دون أنْ ينطقوا به بألسنتهم، لكنْ هَتَكَ اللَّهُ ﷿ أستارَهم وأظهرَ أسرارَهم؛ عقوبةً لهم على عداوتهم، وهذا كما أظهر ما أضمرَه أهلُ الإخلاص من الكلام الحسَن وإنْ لم يتكلَّموا به بالألسنة (^٥)؛ تحقيقًا لولايتهم، قال اللَّه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] إلى أنْ قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، وكان هذا في قلوبهم، فأظهره اللَّه تعالى تشريفًا لهم وتشهيرًا لحالهم.
وفي الآية بيانُ رسالة النبيِّ -ﷺ-، وهو أنه أَخبر بما في قلوب المنافقين بإخبار ربِّ العالمين على مامرَّ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٣) عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ والرَّبيع والسُّدَي. وانظر: "النكت والعيون" للماوردي (١/ ٧٥).
(٢) " ﴿السُّفَهَاءُ﴾ أي" ليست في (ر) و(ف).
(٣) في (ر) و(ف): "جهرًا".
(٤) في (أ): "بالكفر".
(٥) في (أ) و(ف): "بالألسن".
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾: هو جمع السَّفيه، ومصدرُه: السَّفَه والسَّفاهة، وذلك ضدُّ الحِلم، ويقال: هو خِفَّةُ العقل، يقال: ثوبٌ سَفِيهٌ؛ أي: رَدِيءُ النَّسج، وتَسَفَّهَتِ (^١) الرِّيحُ الشَّجرة؛ أي: مالتْ بها وحرَّكَتْها واستخَفَّتْها، قال أبو تمَّام:
سَفيهُ الرُّمح جاهلُهُ إذا ما بَدا فَضْلُ السَّفيه على الحليم (^٢)
أي: سريعُ الطَّعن بالرمح خفيفُه.
وسَفَّهتُ الشَّيءَ: إذا (^٣) استَحْقَرتَه، وتسَفَّهتُ (^٤) فلانًا عن ماله؛ أي: خدعتُه.
والسَّفَه: أنْ يُكثر الرجلُ شُربَ الماء فلا يَرْوَى، وسافَهْتَ الدَّنَّ: إذا قعدتَ عنده تشربُ منه ساعةً بعد ساعةٍ، وسافَهَتِ الناقةُ الطريقَ؛ أي: لازَمَتْه لا تبالي به.
وأما التفسيرُ (^٥):
فقد قيل: السُّفهاء: الجُهَّال.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وسفهت"، والمثبت من (أ) وهو الموافق لما في كتب اللغة والتفسير. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣٦٢)، و"جمهرة اللغة" (٢/ ٨٤٩)، و"معاني القرآن" للنحاس (١/ ٣١٥)، و"الصحاح" و"اللسان" و"التاج" (مادة: سفه)، و"مجمل اللغة" (١/ ٤٦٣)، و"الهداية" لمكي بن أبي طالب (١/ ٩١٩)، و"المحكم" (٤/ ٢٢٢)، و"زاد المسير" (١/ ٣٣). لكن وقع في "الفائق" (٢/ ١٨٢)، و"تفسير الرازي" (٢/ ٣٠٨): "سفَّهت"، ولعله خطأ من الناسخ.
(٢) انظر: "شرح ديوان أبي تمام" للخطيب التبريزي (٢/ ٧٨).
(٣) في (ر): "أي".
(٤) في (ر) و(ف): "وسفهت"، والمثبت من (أ) وهو الموافق لما في كتب اللغة. انظر: "الصحاح" و"اللسان" و"التاج" (مادة: سفه)، و"مجمل اللغة" (١/ ٤٦٣)، و"مقاييس اللغة" (٣/ ٨٠)، و"شرح ديوان المتنبي" للعكبري (٤/ ٢٠٦).
(٥) في (أ): "تفسيره".
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقيل: البهَّاتون المُتعمِّدون لخلاف ما يعلمون (^١).
وقيل: الجُهَّالُ الظَّالمون القائلون خلافَ الحقِّ.
وقيل: المُجاهرون التَّاركون النَّظرَ في العواقب.
وقيل: الجُهَّالُ بمصالح الأمور، الخِفافُ العقول والآراء.
وحاصلُ تفسير السَّفَه (^٢) في صفة المنافق على مجموع اللُّغات وأقاويل الطَّبقات: أنه ظاهرُ الجهل، عَديمُ العقل، خفيفُ اللُّبِّ، ضعيفُ الرَّأي، رديءُ الفَهْم، مُمالُ الغَيِّ، مُستَخَفُّ القَدْرَ، سريعُ الذنب، حقيرُ النَّفس، مَخدُوعُ الشيطان، أسيرُ الطُّغيان، دائمُ العِصيان، مُلازمُ الكفران، لا يبالي بما كان.
وفي قولهم هذا شيئان اثنان: تأييسُهم (^٣) عن إيمانهم، وتسفيهُ مَن آمَن من إخوانهم.
وهذا الاستفهام في أول الكلام للاستعجاب والاستعظام، تراءى لهم أنهم هم الأَلِبَّاء (^٤)، وأنَّ غيرَهم السُّفهاء (^٥)، وهذا من تسويلِ النفس وتزيينِ الشيطان، ومنه ضلالاتُ أهل الهوى والطُّغيان، فقال (^٦) اللَّه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾.
وهذا أكرمُ رُتبةً وأعزُّ رِفعةً للمؤمنين المخلِصين إذ حمَاهم ورعاهم، ورَدَّ (^٧)
_________________
(١) في (ف): "يعملون".
(٢) في (أ): "السفيه".
(٣) في (ر): "تأبيتهم".
(٤) في (أ): "أنهم الأولياء"، وفي (ف): "أنهم ألباء".
(٥) في (ر): "هم السفهاء".
(٦) في (ر) و(ف): "قال".
(٧) في (أ): "أي ورد".
[ ١ / ٣٢٨ ]
على مَن عاداهم، وبالسُّوء رماهم، فقال بأبلغ ما يُبدأ به الكلام: ﴿أَلَا﴾، وبأَوْكَد ما يُؤسَّس به النظام: (إنَّ)، وبأحسن ما يُتبع به البدء بالختام (^١): (هم (^٢) هم السفهاء)؛ أي (^٣): لا هؤلاء؛ لأنهم بإيمانهم وإخلاصهم من السَّفَهِ هربوا، وفي العلم والحقِّ رغِبوا، وهم العلماء على الحقيقة، والمستقيمون على الطريقة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون أنهم هم السُّفهاء.
وقيل: أي: لا يعلمون علمًا يُميِّزون به بين الحقِّ والباطل.
وقيل: أي: لا يعلمون عاقبةَ صنيعهم.
وقيل: أي: لا ينتفعون بعلمهم، لا أنهم يُعذَرون بجهلهم.
ثم (^٤) من لطائف الآية: أن الذين قالوا لهودٍ النبيِّ ﵊: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦] أجابَهم هو بنفسه، فقال: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]، واللَّه تعالى تولَّى جوابَ المؤمنين، وأثبتَ السَّفَهَ للقائلين، فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾.
* * *
(١٤) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾: ﴿لَقُوا﴾؛ أي: عايَنوا، واللِّقاء:
_________________
(١) في (ر): "والختام".
(٢) "هم" ليس في (ر) و(ف).
(٣) "أي": ليست في (أ).
(٤) في (ف): "و".
[ ١ / ٣٢٩ ]
الرُّؤية والمُعايَنة، واللُّقِيُّ واللّقِيَّا (^١) كذلك، والمُلاقاةُ والالتقاء: الاجتماع، وهو للاجتماع في الحرب أيضًا على الخصوص، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: ١٣].
والتَّلَقِّي: الاستقبال، وهو الأخذُ أيضًا في قوله (^٢): ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، وهو روايةُ بعضهم من بعضٍ في قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥].
وأما تفسيره:
فقد قال ابن عباسٍ ﵄في روايةٍ عنه- ومقاتلٌ (^٣) وأبو سهلٍ الطَّالقانيُّ: معناه: وإذا عاين اليهودُ المؤمنين (^٤)، ويدلُّ عليه قولُه تعالى في هذه السورة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، وذاك في حقِّ اليهود بالإجماع (^٥).
وقال ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ ومجاهد والجمهور: وإذا عاين المنافقون المؤمنين (^٦).
_________________
(١) في (أ): "واللقياء"، ولم نقف على هذا اللفظ في معاجم اللغة، واللّقِيَّا: بكسر اللام وضمها، كما في "القاموس" (مادة: لقي) وزاد في المعنى ألفاظًا كثيرة.
(٢) في (ر): "قال اللَّه تعالى" بدل: "في قوله".
(٣) "ومقاتل" ليست في (ف)، والعبارة في (أ): "فقد قال بعضهم وهو رواية عن أبن عباس وبه قال مقاتل".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٠٦) عن ابن عباس ﵄، وانظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٩٠ - ٩١).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٠٧) عن ابن عباس ومجاهد. وانظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (١/ ٩٤).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وأما النزول:
فقد رُوي أن عبدَ اللَّه بنَ أُبَيٍّ المنافقَ كان جالسًا مع أصحابه المنافقين على قارعة الطَّريق، إذ استقبله أصحابُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فقال عبد اللَّه لأصحابه: انظروا إلَيَّ وتَعَلَّموا مني كيف أردُّ هؤلاء السُّفهاءَ عنكم، فانظروا كيف أُكلِّمهم، فافعلوا كما أفعل، فقال لأبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ وكان أولَ مَن لقيه: مرحبًا بسيد بني تَيْم بنِ مُرَّة، القويِّ في دين اللَّه، صاحبِ رسولِ اللَّه -ﷺ- في الأسفار، ثاني اثنين إذ هما (^١) في الغار، الباذلِ نفسَه وبنتَه ومالَه لرسولِ اللَّه.
ثم استقبله عمرُ بنُ الخطاب ﵁ فقال: مرحبًا بسيد بني عَديِّ بن كعب بن مُرَّة، القويِّ في دين اللَّه، الشَّديدِ الغَضبِ على أعداء اللَّه، الباذلِ نفسَه وبنتَه وماله لرسولِ اللَّه -ﷺ-.
ثم استقبله عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ فقال: مرحبًا بسيد بني هاشم ما خلا رسولَ اللَّه -ﷺ-؛ لأن اللَّه ﷻ اصطفاه وخَصَّه من بين خَلْقه بالنبوة.
فقال له عليٌّ ﵁: اتَّقِ اللَّه ولا تُنافق، فإن المنافقين شرُّ خليقةِ اللَّه عزَّ وعلا في الأرض، فقال: يا أبا الحسن! لا تقُلْ هكذا، فواللَّه إنَّ إيمانَنا كإيمانكم، وتصديقَنا كتصديقكم، ونحن مؤمنون في السِّرِّ والعلانية.
ثم افترقوا، فقال عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ لعنه اللَّه: كيف رأيتم ردِّي هؤلاء عنكم؟ فقالوا: لا نزال بخيرٍ ما عشتَ فينا (^٢).
_________________
(١) "إذ هما" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "بيننا".
[ ١ / ٣٣١ ]
ثم رجع أبو بكرٍ ﵁ وأصحابُه إلى النبيِّ -ﷺ- فأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية في شأنهم (^١).
فأمَّا مَن حملها على اليهود -وهم مجاهرون بالكفر- فإنه حمل (^٢) قولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ (^٣) على الإيمان المذكور في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
وأما مَن (^٤) حَملها على المنافقين فظاهرٌ.
وانتظامُ هذه الآيةِ بالآية التي قبلَها: أنه ذكر في تلك الآية ما قالوا لهم، وذكرَ في هذه الآية ما قال المنافقون لأولئك، في تلك الآية مقابلةُ التَّسْفيه بالتَّسْفيه (^٥)، وفي هذه الآية مقابلةُ الاستهزاء بالاستهزاء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: فقوله: ﴿خَلَوْا﴾ للجمع، وللواحد: خلا، وصَرْفُه: خَلا يَخْلُو خَلْوةً، وخَلا المكانُ خَلاءً (^٦)؛ أي: صار خاليًا، وخلا فلان (^٧) بفلانٍ: إذا اجتمعا على الخَلْوة، وخَلا بامرأته؛ أي: دخل بها، وخَلا
_________________
(١) رواه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٢) من طريق محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄. وقال ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ٥): محمد بن مروان متروك متهم بالوضع، وسياقه في غاية النكارة.
(٢) في (أ): "يحمل"، وهي ليست في (ف).
(٣) "قولهم ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ " كذا في النسخ الخطية، ولو كانت: (قولهم: ﴿آمَنَّا﴾) لكان أنسب.
(٤) "من" ليس في (ف).
(٥) في (أ): "السفيه بالسفيه".
(٦) "خلاءً" ليس في (أ).
(٧) "فلان" ليس في (أ) و(ف).
[ ١ / ٣٣٢ ]
إليه؛ أي: انصرف إليه للخَلْوة، وخَلَتِ المرأةُ؛ أي: صارت خَلِيَّةً؛ أي: طالقًا، وخَلا؛ أي: مضى.
وأما تفسيره هاهنا:
فقد قيل: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾؛ أي: أفْضَوا إليهم.
وقيل: أي: رجعوا إليهم.
وقيل: أي: خلَوا مع شياطينهم؛ أي: اجتمعوا معهم على الخَلْوة، و﴿إِلَى﴾ بمعنى (مع)، قال النَّضْر بن شُميل: وهو كقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]؛ أي: مع اللَّه (^١).
وعلى هذا قولُه: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: مع المرافق.
وقيل: معناه: انصرَفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فمَن دخل على أحدٍ ابتداءً؛ قيل: خلا به، وإذا انصرف عن أحدٍ ودخل على غيره؛ قيل: خلا إليه.
وقال الأخفش: خَلَوت إليه؛ أي: جعلتُه غايتي في حاجتي (^٢).
وقال بعض الكوفيين: ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾؛ أي: صرفوا خَلْوتَهم إلى شياطينهم.
فأما الشياطين؛ فهو جمع شيطان.
وقال الخليل: كلُّ مُتَمرِّدٍ عند العرب شيطانٌ (^٣).
واختلفوا في المُرادِينَ بهذا الاسم هاهنا:
_________________
(١) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٥٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٥١).
(٣) انظر: "العين" للخليل (٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، و"مقاييس اللغة" لابن فارس (مادة: شطن).
[ ١ / ٣٣٣ ]
قال ابن عباسٍ ﵄: هم اليهودُ الذين أمَروهم بالتكذيب (^١).
وقال ابن مسعودٍ ﵁: هم رؤساؤهم في الكفر (^٢).
وقال الضحَّاك: هم كَهَنتُهم (^٣).
وهم في قريظة: كعبُ بنُ الأشرف، وفي بني أسلم (^٤): أبو بُردة، وفي جُهينة: عبدُ الدَّار، وفي بني أسد: عوفُ بنُ عامرٍ، وفي الشام: عبد اللَّه بن السَّوداء (^٥).
وكانت العربُ تعتقدُ فيهم أنهم مُطَّلعون (^٦) على الغيب، ويعرفون الأسرار، ويُداوون المرضى (^٧)، وليس من كاهنٍ إلا وعند العرب أنَّ معه شيطانًا يُلقي إليه كهانَتَه.
وسُمُّوا شياطينَ لبُعدهم عن الحقِّ، فإنَّ الشُّطُونَ: هو البُعد، ولعُتوِّهم وتَمرُّدهم،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٠٦) من طريق الضحاك عن ابن عباس، و(١/ ٣٠٧) من طريق محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس. والضحاك لم يسمع من ابن عباس، ومحمد بن أبي محمد مجهول.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٠٧) من طريق السدي عن أشياخه عن ابن مسعود وابن عباس. وهذا إسناد متكلم فيه كما سيأتي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
(٣) أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٣٥).
(٤) في (أ) "حليم"، وفي (ر) و(ف): "سليم"، والمثبت من المصادر وستأتي.
(٥) أورده السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٥٥) عن الكلبي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٥٦)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٦٧)، والخازن في "تفسيره" (١/ ٢٨) عن ابن عباس ﵄. ولعله من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومثل هذا كثيرًا ما يرد عند بعضهم عن الكلبي وعند آخرين عن ابن عباس.
(٦) في (أ): "يطلعون".
(٧) في (أ): "الأمراض".
[ ١ / ٣٣٤ ]
فإنَّ الشيطان: هو العاتي المُتمرِّد، ولأنَّ الشياطينَ قُرناؤهم فسُمُّوا بقُرنائهم، ولأنَّ مَن شابَهَ أحدًا سُمِّي به، ولمَّا كان هؤلاء على صفة الشياطين سُمُّوا بهم، ولذلك قال النبيُّ -ﷺ- لمَن رآه يَتْبع حمَامًا: "شيطانٌ يَتْبعُ شيطانًا" (^١).
وقال للمارِّ بين يدي المُصلِّي: "فلْيُقاتِلْه؛ فإنه شيطانٌ" (^٢).
وقال نسوةٌ في المدينة ليوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] لمَّا رأينَه بصفة المَلَك.
وقال النبيُّ -ﷺ-: علماءُ أمَّتي كأنبياءِ بني إسرائيل (^٣)، لمَّا كانوا بصفتهم.
فعلى العاقلِ أن يتَّصف بصفةِ الملائكة والأنبياء، ولا يتَّصفَ بصفة الشياطين والأغوياء (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾: (مع) كلمةُ قِران، يقال: جاء زيدٌ مع عمرٍو؛ أي: مقترِنًا به، وفيه لغتان: تحريكُ العين وتسكينُها، قال الشاعر:
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٩٤٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٨٧٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه ابن ماجه (٣٧٦٤) و(٣٧٦٥) و(٣٧٦٦) و(٣٧٦٧) من حديث عائشة وأبي هريرة وعثمان وأنس ﵃، وهو حديث حسن.
(٢) رواه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) ذكره ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الحديثية" (ص: ١٩٩) ونقل عن الدميري قوله: هذا الحديث لا يُعرف له مَخرَج، لكن في "صحيح البخاري": "العلماء هم ورثة الأنبياء". وانظر: "المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص: ٤٥٩). واللفظ الذي نسبه للبخاري ذكره في "صحيحه" في (كتاب العلم)، (باب: العلم قبل القول والعمل) تعليقًا، ورواه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٨٨)، من حديث أبي الدرداء ﵁.
(٤) في (أ): "الأغوياء".
[ ١ / ٣٣٥ ]
ومَن يتَّقْ فإنَّ اللَّه مَعْهُ ورزقُ اللَّه مُؤْتابٌ وغادِ (^١)
ويقال: جاءا معًا، بالتنوين؛ أي: مقترِنَين، ويقال: جئتُ مِن مَعِه؛ أي (^٢): مِن عندِه.
وهو في القرآنِ لمعانٍ:
للقِرَانِ: وهو الأصل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور: ٦٢].
وللقِرَانِ واللُّحوق: قال: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ (^٣) [الأنبياء: ٢٤].
وبمعنى: بَعْدَ، قال: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦].
وبمعنى: عند، قال تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١].
وبمعنى: سوى، قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠]؛ أي: سوى اللَّه.
وبمعنى: المعونة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨].
وبمعنى: العلم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ١٠٨].
وبمعنى: المتابعة، قال تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠].
_________________
(١) البيت دون نسبة في "معجم ديوان الأدب" للفارابي (٤/ ٢٣٤)، و"شرح كتاب سيبويه" لأبي سعيد السيرافي (١/ ٢٢٣)، "الحجة في القراءات السبعة" لابن خالويه (ص: ٢٦٣)، و"الحجة للقراء السبعة" للفارسي (١/ ٤٠٩)، و"الخصائص" لابن جني (١/ ٣٠٦). وجاء في هامش (أ) عند كلمة "مؤتاب": "راجع".
(٢) بعدها في (ف): "راجع"، وليست في المصادر. انظر: "أدب الكاتب" لابن قتيبة (ص: ٥٠٤)، و"المنتخب من كلام العرب" للهنائي الملقب بكراع النمل (١/ ٦٠٤)، و"حروف المعاني" للزجاجي (ص: ٧٧).
(٣) " ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ " ليس في (ف).
[ ١ / ٣٣٦ ]
وبمعنى: شهود الصورة، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١].
وبمعنى: شهود القلب، قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (^١).
وبمعنى: شهود الصورة والقلب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٦٤].
وأما تفسيره هاهنا:
فقد قيل: معناه: إنَّا عونٌ لكم على محمدٍ وإنْ كنَّا معه ظاهرًا.
وقيل: معناه: إنا لكم أنصارٌ.
وقيل: أي: إنَّا على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة.
وقيل: أي: إنَّا على دينكم.
أرادوا الجمع بين الأمرين فحُرموا منهما (^٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣].
كذلك مَن أراد (^٣) أنْ يجمع بين طريق الإرادة وما عليه أهل العادة لا يَلتئمُ له ذلك، والضِّدَّان لا يجتمعان، ومَن كان له في كلِّ ناحيةٍ خليط، وفي كلِّ زاويةٍ من قلبه رَبِيطٌ، كان نَهْبًا للطَّوارق، ومُنقسمًا بين العلائق.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، الهُزْء: السُّخرية من شيءٍ يَحِقُّ عند صاحبه ولا يَحِقُّ عند الهازئ، وقد هَزَأ به؛ أي: سَخِر، والهُزْأةُ (^٤) بتسكين الزاي:
_________________
(١) في (ف): " ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ " بدل: " ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ ".
(٢) في (أ): "عنهما"، وفي (ف): "عنها".
(٣) في (ف): "رام".
(٤) في (ر): "والهزء"، وفي (ف): "والهُزْاء".
[ ١ / ٣٣٧ ]
هو الذي يُسخر منه، والهُزَأة (^١) بفتحها: هو الذي يَسخر من الناس، والاستهزاء كالهُزْء، بمنزلة الاستسخار، وهو كالسُّخرية.
وانتظامُه بما قبلَه: أنهم لمَّا قالوا لشياطينهم: ﴿إِنَّا مَعَكُم﴾، قالوا: فما لكم تشهدون مشاهدَهم، وتدخلون مساجدَهم، وتحُجُّون وتَغْزون معهم؟ قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
قيل: معناه: ساخرون بمحمدٍ وأصحابه -ﷺ-.
وقيل: أي: مُكذِّبون بما يدعو إليه.
وقيل: أي: نُريهم أنَّا نوافقهم على دينهم ظاهرًا وباطنًا، وإنما نكون معهم ظاهرًا لنشاركهم في غنائمهم، وننكحَ بناتِهم، ونطَّلع على أسرارهم (^٢)، ونحفظَ أموالنا وأولادَنا ونساءَنا من أيديهم.
* * *
(١٥) - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: له ثمانيةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّه عاملَهم في الدنيا على وَفْق معاملتهم، فإنَّهم أظهروا الإيمان وفي باطنهم النفاق، واللَّه تعالى أظهرَ لهم في الحال الأمانَ، وعاقبتُهم الإحراقُ بالنيران.
والثاني: أن معناه: يجازيهم في الآخرة جزاءَ استهزائهم، والعربُ تُسمِّي الجزاءَ باسم الابتداء، قال عمرو بن كلثوم:
_________________
(١) في (ر): "والهزَء".
(٢) في (ف): "سرائرهم".
[ ١ / ٣٣٨ ]
ألَا لا يظلمَنْ أحدٌ علينا فنَظلِمَ فوقَ ظُلْم الظَّالمينا (^١)
ألَا لا يَجهلَنْ أحدٌ علينا فنجهلَ فوقَ جَهْلِ الجَاهِلِينا (^٢)
وفي القرآن: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
والثالث: قول سيبويه: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ أي: يُوقِعُ بهم ضررَ استهزائهم، كما قال في الخداع: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]، وهو كقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
والرابع: قول ابن عباسٍ ﵄: كلَّما أحدثوا خطيئةً جدَّدَ لهم نعمةً (^٣).
والخامس: قول الحسين بن الفضل البَجَلي ﵀: هو إعطاءُ المراد في الحال، وأخْذُ البَغتة في المآل، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤].
_________________
(١) هذا البيت من (ر) و(ف) ولم أجده.
(٢) انظر: "شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات" لابن الأنباري (ص: ٤٢٦)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص: ٢٢٦).
(٣) أورده الواحدي في "التفسير البسيط" (٢/ ١٧٠ - ١٧١). وكلمة "نعمة" وقع بدلًا منها في (ر): "عقوبة"، وفي (ف): "نقمة".
[ ١ / ٣٣٩ ]
والسادس: أنهم قالوا للنَّبيِّ -ﷺ-: نشهد إنك لرسول اللَّه، ولم يكنْ ذلك في عقيدتهم، ويقال للمنافق: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وليس ذلك من صِفَتهم (^١).
والسابع: قول قتادة: وهو ما أخبر اللَّه تعالى عن حالهم يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ إلى أن قالوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] بما قُلتم لشياطينكم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، واليومَ تقولون لنا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُم﴾، وكنتم تستهزئون (^٢)، فاليوم نحن بكم مستهزئون (^٣).
فيكون الاستهزاء من المؤمنين مجازاةً لهم، وإنما أضاف اللَّهُ تعالى ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ تشريفًا للمؤمنين، وجَعْلًا لفعلهم (^٤) فِعْلَه، كما قال لنبيِّه ﵇: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
والثامن: قولُ الكلبي: أنهم ضحكوا من المؤمنين في الدنيا، فيجعلهم يوم القيامة يضحكون منهم، وهو أنه يَجعل المؤمنين يطَّلعون على المنافقين من (^٥) الجنة، فيقولون لهم: أتحبُّون أن تخرجوا من النار وتدخلوا الجنة، فيقولون: نعم، فيُفتح لهم بابٌ من النار، فيقصدون إليه، فيُغلَق عليهم، ثم يُفتح لهم (^٦) بابٌ آخرٌ،
_________________
(١) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (١/ ٧٨).
(٢) في (ف): "مستهزئون".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٩١)، و"تفسير الطبري" (١/ ٣١٢).
(٤) في (ر): "كفعلهم".
(٥) في (ر): "في".
(٦) "لهم" ليس في (أ) و(ف).
[ ١ / ٣٤٠ ]
فيقصدونه فيُغلق عليهم (^١)، فلا يزال يُفعل بهم كذلك والمؤمنون يضحكون منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] إلى أن قال: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ الآيات (^٢) [المطففين: ٣٤].
ودلَّت الآيةُ على قُبْح الاستهزاء بالناس، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال في قصة موسى ﵇: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، فأخبر أنه فِعْلُ الجاهلين، وإذا كان وعيدُ الاستهزاء بالناس هذا، فما جزاء الاستهزاء باللَّه تعالى؟! وهو فيما قال النبيُّ -ﷺ-: "المستغفِرُ من الذَّنب وهو مُصِرٌّ عليه كالمستَهْزِئ بربِّه" (^٣).
ثم مُقابلةُ الاستهزاء بالاستهزاء دليل على أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، وقد عدَّدنا آياتٍ في أجزيَة أعمال السُّوء، وأجزيةُ أعمال الخير كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (^٤) [يونس: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦].
_________________
(١) في (ر): "فيقصدون إليه"، والعبارة ليست في (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "الآية". والخبر المذكور رواه البيهقي في "الأسماء الصفات" (٣/ ٥٧) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "التوبة" (٨٥) من حديث ابن عباس ﵄. وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (٢/ ١٠٠٤): سنده ضعيف.
(٤) "وقال تعالى: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ " ليس في (أ).
[ ١ / ٣٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: فمَدُّ الحبل: جَرُّه، ومَدُّ النَّهار: ارتفاعُه، ومَدُّ الظِّلِّ: بَسْطُه، ومَدُّ العيش: تَطويلُه (^١)، ومَدُّ النَّهر: ازديادُ مائه، وزيادةُ نهرٍ آخر في مائه، لازمٌ ومُتعدٍّ، ومَدُّ الألف والواو والياء: تطويلُها، ومديدُ القامة: طويلُها، ومَدُّ الدَّواة وإمدادُها: إلاقتُها بالمِداد، وإمدادُ الجيش: إلحاقُ المَدَد به.
وذكروا في الفرق بين مَدَّ وأمَدَّ ثلاثةَ أوجهٍ:
قال يونس: مَدَدْتُ في الشَّرِّ، وأمْدَدْتُ في الخير (^٢).
وقال الفرَّاء: مَدَدْتُ فيما كانت الزيادةُ منه؛ كمدِّ النهر، والإمدادُ فيما كانت الزيادةُ من غيره؛ كإمداد الجيش (^٣).
وقال الأخفش: المَدُّ: التَّرك، والإمداد: الإعطاء، قال تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]، وقال: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥]؛ أي: نعطيهم.
وأما تفسيره هاهنا:
فقد قيل: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أي: يتركهم.
وقيل: أي: يُخلِّيهم (^٤).
وقيل: يُطَوِّلُهم (^٥).
_________________
(١) في (ر): "تبوئته".
(٢) أورده الطبري في "تفسيره" (١/ ٣١٩).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٢٩).
(٤) في (ف): "نخليهم". وكلمة "أي" ليست في (أ) و(ف).
(٥) في (أ): "يطيلهم"، وفي (ف): "نطيلهم".
[ ١ / ٣٤٢ ]
وقال ابن مسعودٍ ﵁: يُمْلِي لهم (^١).
وقال مجاهد ﵀: يزيدُهم مُدَّةً (^٢).
وقال ابن كَيسان: يُمْهلُهم (^٣).
وهي أقاويلُ متقاربةٌ.
وأما الطُّغيان: فهو مجاوزةُ الحد في اللغة، يُقال: طَغَى السَّيل؛ أي: جاء بالماء الكثير، وطَغَى البحر: إذا هاجتْ أمواجه.
وقال الخليل: هو من الواو والياء أيضًا جميعًا (^٤)، يقال: طَغَوتُ، وطَغَيتُ، طُغْيانًا وطُغْوانًا.
وأما تفسيرُه هاهنا:
فقد قال ابن عباسٍ والسُّدِّي: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾؛ أي: في كفرهم وضلالهم (^٥).
وقيل: هو إظهارُ القوة على مَن لا قوة له.
وقيل: أي: في غُلُوِّهم (^٦) في الكفر.
وقيل: أي: في عُتُوِّهم.
وقيل: أي: في تكبُّرهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣١٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣١٩).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٩١).
(٤) انظر: "العين" للخليل (٤/ ٤٣٥). وكلمة "أيضًا" ليست في (أ).
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٢١).
(٦) في (أ): "علوهم".
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقيل: أي: في جهلهم.
وقيل: أي: في عَماهم.
وقيل: أي: في تماديهم.
وقيل: أي: في مجاوزتهم قَدْرَهم، ومعناه: يُطيل مُكْثَهم في طُغيانهم في الدنيا، وقيل: أي: يُطيل (^١) مُكْثَهم في جزاء طُغيانهم في العُقبى.
وأما العَمَه: فهو التَّردُّدُ في الحَيرة، وقد عَمِه يَعْمَه، فهو عَمِهٌ وعَامِهٌ، وجمعُه: عُمَّهٌ، قال الشاعر:
وَمَهْمَهٍ أَطْرافُهُ في مَهْمَهِ أَعْمَى الهُدَى بالجاهلين العُمَّهِ (^٢)
ويقال: ذهبت إبلُه العُمَّيْهَى: إذا لم يَدْرِ أين ذهبت.
وأما تفسيره هاهنا:
فقد قال ابن عباسٍ ومجاهدٌ والربيع: معناه: يتردَّدون (^٣).
وقيل: أي: يتحيَّرون.
وقيل: أي: يَعْمَون (^٤) عن رُشْدهم فلا يُبصرونه.
وهذه الصفات الثلاث ثابتةٌ فيهم:
أما التَّردُّد: ففي قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣].
وأما التَّحيُّر: ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨].
_________________
(١) في (ف): "نطيل" في الموضعين، وشاركتها (ر) في الثاني.
(٢) القائل: رؤبة بن العجاج. انظر: "ديوانه" (ص: ١٦٦).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤).
(٤) في (ف): "يعمهون".
[ ١ / ٣٤٤ ]
وأما العَمَى: ففي قوله تعالى: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧].
ثم قولُه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مذكورٌ في القرآن في صفة الكافرين والمبتدعين والمرتدِّين والمنافقين:
قال تعالى في الكفار: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١].
وقال في المبتدِعين: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
وقال في المرتدِّين: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].
وقال تعالى في المنافقين في هذه الآية: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
ثم في (^١) الآيةِ دليلُ أهل السُّنَّة والجماعة، فإنه قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾، وهو إثباتُ فعلِ نفسِه، وقال: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وهو إثباتُ فعلِ العبد، فدلَّ على أنَّ العبدَ فاعلٌ، واللَّهَ تعالى لفعله (^٢) خالقٌ، وبطَل قولُ الجبرية أنْ لا فعلَ للعبد، وقولُ القدريَّة أنْ لا صنعَ للَّه في فعل العبد.
ثم ما ينبغي أنْ يفرح العبدُ بطول العمر وامتدادِه، ولا بكثرةِ أمواله وأولادِه، واللَّه تعالى يقول في أعدائه في حقِّ العُمر (^٣): ﴿نُمِدُّهُمْ﴾، وفي حقِّ المال والبنين:
_________________
(١) "في" من (ف).
(٢) في (أ): "لفعل العبد".
(٣) في (ف): "المعمر".
[ ١ / ٣٤٥ ]
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥]، وكان طولُ العمر لهم خُذْلانًا، وكثرةُ المال (^١) والأولاد لهم حِرمانًا.
ثم لهم بمُقابلة هذا المَدِّ مَدٌّ لا يُحمَد، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ثم قال: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]، وقد جعل اللَّه تعالى لعدِّوه في الدنيا مالًا ممدودًا، ولَولِيِّه (^٢) في الآخرة ظلًّا ممدودًا.
وقال اللَّه ﷻ لمحمدٍ -ﷺ- ليلةَ المعراج: إنَّ مِن نِعَمي (^٣) على أمَّتك أنَّي قصَّرتُ أعمارهم كي لا تَكثرَ ذنوبهم، وأَقْلَلْتُ أموالهم كي لا يَشتدَّ في القيامة حسابُهم، وأخَّرتُ زمانهم كي لا يَطولَ في القبور حَبْسُهم (^٤).
* * *
(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: فالشراء: البيع، والاشتراء: الابْتِيَاع، والشَّرْوى: المِثْل.
وتفسيره هاهنا:
في قول ابن عباسٍ وابن مسعودٍ ﵃: أَخذوا الكفرَ، وتَركوا الإيمان (^٥).
_________________
(١) في (أ): "الأموال".
(٢) في (أ): "وللولي".
(٣) في (أ): "نعمتي".
(٤) لم نقف عليه.
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٢٥).
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقال قتادة ﵀: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (^١)؛ أي: آثَروها.
وقيل: أي: اختاروها.
وقيل: أي: استبدَلوها، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨].
ثم هذا على قول الذين قالوا: إن الآية في اليهود، يرجع إلى قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، فكان هذا استبدالًا منهم الضَّلالةَ بالهدى.
وعلى قولِ مَن جعلها في حقِّ المنافقين -وهم لم يكونوا في الهدى قطُّ- فمعناه: أخذوا النِّفاق وتركوا الإخلاص أصلًا، لا أنِ استبدَلوا الضَّلالةَ بالهدى، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وفي حقِّ الكفار: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ليس هذا بطريق النقل، بل بالإبقاء على الأصل.
ثم هذا مجازٌ، وهو مُتعارَفُ أهلِ اللسان، وهو أبلغُ في البيان، وأوقَعُ في القلوب والآذان، وهو كثيرٌ في القرآن، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقال عزَّ وعلا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقال هاهنا: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦].
وأصله في استبدالِ مالٍ بمالٍ، واستُعير في الهدى والضلال، والجامعُ بينهما
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٢٥).
[ ١ / ٣٤٧ ]
معنى الاختيار والاستبدال، فكلُّ مُشتَرٍ مختارٌ، وكلُّ مشترٍ مُستبدِلٌ، وكذلك (^١) هؤلاء اختاروا الكفرَ على الهدى واستبدَلوه به.
وقد أشار إلى هذَين المعنيين في آيتين، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ قيل: الكفرَ بالإيمان، وقيل: الشَّكَّ بالإيقان، وقيل: الجهلَ بالعلم، وقيل: الفُرقةَ بالجماعة، وقيل: النِّفاقَ بالإخلاص، وقيل: الدنيا بالآخرة، وقيل: النارَ بالجنة، ومعناه: أنَّ اختيارَ الدنيا ضلالٌ، والعملَ بما يُوجب النارَ ضلالٌ، واختيارَ الآخرة هدًى، والعملَ بما ينال به الجنةَ هدًى.
ثم (^٢) هذا دليلٌ على أنَّ حكمَ البيع يَثبتُ بالتعاطي من غير تكلُّمٍ بالإيجاب والقَبول، فإنَّ هؤلاء سُمُّوا مُشترِين بترك الهدى وأخذِ الضلال من غير تكلُّمٍ بهذه المبادَلة، أشار إليه الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾: فالرِّبْح والرَّبَح: الفضل، ونظيرُهما المِثْل والمَثَل، والرَّباحُ كذلك، قال النَّبيُّ -ﷺ-: "السَّمَاحُ رَباحٌ" (^٤).
_________________
(١) في (أ): "فكذا"، وفي (ف): "وكذا".
(٢) في (ف): "و".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٣٨٨).
(٤) رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٢٣) من حديث ابن عمر ﵄، وفيه عبد اللَّه بن إبراهيم الغفاري، قال ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص: ٢٩٥): متروك، ونسبه ابن حبان إلى الوضع. ورواه الديلمي في "مسنده" من حديث أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا كما في "المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص: ٣٩١)، وفيه الحجاج بن فرافصة، قال عنه أبو زرعة الرازي في "الضعفاء" (٣/ ٨٠١): ليس بالقوي. وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": صدوق عابد يَهِم.
[ ١ / ٣٤٨ ]
والتجارةُ: مصدر (تَجَر) من بابِ (دخل)، واتَّجَر افتَعل منه، وجمع التاجر: التَّجْر، كالرَّكْب، والتُّجَّار كالفُجَّار (^١)، والتِّجَار كالصِّيَام.
ومعناه: فما ربحوا في تجارتهم، وهي اشتراءُ الضلالة بالهدى، وهو مَجازٌ واستعارةٌ، كالشِّراء، ثم هو مع الاستعارة من مقلوب الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: عزموا عليه، وقولهِ تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أي: يُسرى فيه، وقولهِ تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]؛ أي: مكرُهم فيهما، ومَن كان على هذا الوجه مُبايعتُه، فقد (^٢) خسرتْ صَفْقتُه، وما ربحتْ تجارتُه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: قد مرَّ في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] أنَّ (كان) يصلح للماضي والحال والاستقبال (^٣)، وهاهنا قد قيل بالوجوه الثلاثة:
قيل: أي: وما كانوا على الهدى، فلذلك خُذلوا، فاختاروا الضلالةَ على الهدى.
وقيل: أي: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ للحال؛ لتَمَسُّكهم بالضلال (^٤).
وقيل: أي: وما يكونون مهتدين؛ أي: لا يؤمنون من بعدُ.
وقيل في انتظام هذا بالأول: وما نالوا الهدى حيث اشتروا الضلالةَ بالهدى.
وقيل: إنما يتَّجِر المرءُ للربح والاهتداء (^٥)، ولم يكن لهؤلاء رِبْحٌ لا اهتداءٌ.
_________________
(١) في (ف): "الفخار".
(٢) "فقد" زيادة من (ف).
(٣) في (ف): "وللحال وللاستقبال".
(٤) في (أ): "في الضلال".
(٥) في (ف): "وللاهتداء".
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقيل: أي: ما اهتدَوا إلى الاتِّجار بالتجارة الرابحة التي اهتدَى إليها المؤمنون؛ فقد قيل لهم -أي: المؤمنون (^١) -: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، و: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، وقيل لهؤلاء: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أ [البقرة: ٢٧]، و: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٩].
* * *
(١٧) - ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ﴾: المَثَل في القرآن لعشرةِ معانٍ:
للصِّفَة: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وقال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وللشِّبه (^٢): قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]؛ أي: لا تصفوا للَّه الأَشْبَاه.
وللنَّوع: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]؛ أي: من كلِّ نوعٍ.
وللعِبْرة: قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]؛ أي: عِبْرةً لهم.
وللإمام: قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩].
وللحال: قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ أي: حالُهم كحال المُستوقِد.
_________________
(١) "أي المؤمنون" من (ف)، والصواب: "المؤمنين".
(٢) في (ف): "وللتشبيه".
[ ١ / ٣٥٠ ]
وللعاقبة: قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١١٧].
وللمثال: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
وللصِّلة والزِّيادة: قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ١٥]؛ معناه: كالذين.
وللعذاب: قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: عذاب هؤلاء كعذاب الذين من قبلهم.
والمَثَل في اللغة: الشَّبَه، والمِثال: ما يُماثلُ الشيءَ (^١)، والتِّمْثال: الصورة.
وفي القرآن أمثالٌ، وهي للإيضاح والإبلاغ، فإنه أَوجَزُ في الذِّكر، وأَوقَعُ في الفَهْم.
وقالوا: إنَّ المَثَل للكلام كالمرآةِ للوجه، يَرى الناظرُ فيها مَثَلَ وجهه، فيقفُ على حقيقة حاله، ويَعرف كمالَ وصفه، وكذا وقوفُ السامع على معنى كلام المُتَمَثِّل، ووصولُه إلى مُراد قوله للمُتأمِّل (^٢)، مع ما تذهبُ النَّفْسُ فيه كلَّ مَذْهب، وتستفيد منه (^٣) كلَّ معنًى مُعْجِب.
ونوضِّحُ ذلك في واحد: أن اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤]، فتكلَّموا في معنى تمثيله بالماء، فقيل: إنَّ الماءَ إذا قلَّ نَفَع، وإذا كثُرَ ضرَّ، ففي القليل التَّطهُّرُ من الحَدَث والجَنابة والحيض والنِّفاس، واتخاذُ الأطعمة والأشربة، وغَسْلُ الأعيان النجسة، وسقيُ الدَّوابِّ والأراضي والأشجار، وإحياءُ
_________________
(١) في (ر): "ما تماثل للشيء".
(٢) في (أ): "للتأمل".
(٣) في (أ) و(ف): "يستفيد فيه" بدل "وتستفيد منه".
[ ١ / ٣٥١ ]
الفَلاة، فإذا كثُرَ هَدَمَ البُنيان، وأفسدَ الزَّرع، وقَلَعَ الأشجار، وشقَّ الأنهار، وسدَّ الطُّرق، وأغرق الناس.
وكذا المالُ القليل: تُكفَى به المُؤَن، وتُقام به المصالح، ويُتَزوَّد به للمَعاد، فإذا كثُرَ أوردَ الطُّغيان، ووَلَّدَ العِصيان، وأورث البغضاء والشَّنَآن، وأكثر الأعداء والحُسَّاد.
وقيل: إذا قلَّ الماءُ أجريتَه حيث شئتَ، وفيه الحياة والعمارة، وإذا كثُرَ جرى (^١) حيث شاء، وفيه الخرابُ والإماتة، فكذا حالُ المال، وعلى هذا (^٢) جميعُ الأمثال.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾: أي: أشعل (^٣) نارًا، يقال: وَقَدَتِ النارُ وُقودًا؛ أي: اشتَعَلت، وأَوقَدَها غيرُها واستو قَدَها؛ أي: أشعلَها، والوَقود بالفتح (^٤): الحَطَب؛ لأنه به تُشعلُ النار، والوَقَد بفتح الواو والقاف: النار، ووَقْدَةُ الحَرِّ: شدَّتُه (^٥).
والاستيقادُ هاهنا كالإيقاد (^٦)، بمنزلة الاستيقان والإيقان، والاستخراجِ والإخراج، والاسترهابِ والإرهاب، وكذا قال الأخفش: إن معناه: كمثَل الذي أشعل (^٧) نارًا بنفسه (^٨).
_________________
(١) في (أ): "أجراك".
(٢) في (ر): "على" بدل "وعلى هذا".
(٣) في (أ) و(ف): "اشتعل"، وكلمة: "أي" ليست في (ر).
(٤) في (أ): "بفتح الواو".
(٥) في (ف): "شديده".
(٦) في (ر): "الإيقاد".
(٧) في (أ): "اشتعل".
(٨) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٥٣).
[ ١ / ٣٥٢ ]
ويقال: استوقد؛ أي: سأل غيرَه أنْ يُوقِد، فإن سينَ الاستفعال للطلب والسؤال.
واختلفوا في المُرادِينَ بهذه الآية:
قال ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما في روايةٍ، وسعيد بن جُبير، ومحمد بن كعبٍ، وعطاء، ويمان بن رِئابٍ: هم اليهود لعنهم اللَّه، كانوا يُقِرُّون بالنبيِّ -ﷺ- قبل مبعثه، فكانوا في نورٍ، فلمَّا بُدث جحَدوه، فصاروا في الظُّلمة؛ كمَن أوقدَ نارًا في المفازة (^١) للأمن فطَفِئت (^٢).
وعلى هذا (^٣) جاء عنهم في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ أي: أَرسل عليها ريحًا عاصفًا فأطفأتها (^٤)، وهو ما جاء في صفة اليهود لعنهم اللَّه في آيةٍ أخرى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾؛ أي: مع محمدٍ، ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقال مقاتلٌ (^٥) وقتادةُ والضحَّاك والسُّدِّيُّ والقُتبيُّ -وهو قول ابن عباسٍ، وابن مسعودٍ ﵃-: الآية في المنافقين، آمنوا بالشهادة كما آمن صاحبُ النار في المفازة (^٦)، ثم زال ذلك بالموت (^٧).
_________________
(١) في (ر): "المغارة".
(٢) أورده السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٥٧) ابن عباس ﵄، وأورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٦١) عن سعيد بن جُبير ومحمد بن كعبٍ وعطاء ولمان بن رئاب.
(٣) في (أ): "ولهذا" بدل من "وعلى هذا".
(٤) في (ر): "فأطفأها".
(٥) في (ر) و(ف): "مقاتل بن حيان".
(٦) في (ر): "المغارة".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٣٧ - ٣٣٩) عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ وقتادة والضحاك. وانظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٩١)، و"تفسير السمرقندي" (١/ ٥٧).
[ ١ / ٣٥٣ ]
ثم إنما قال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ على الوحدان وإن كان معنى (^١) قوله: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ على الجمع لوجوهٍ:
أحدها: أن معناه: مَثَلُ كلِّ واحدٍ منهم كمَثَل المستوقِد، وهذا (^٢) كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] ولم يقل: أطفالًا، وإن خاطب الجمع؛ لأن معناه: يُخرج كلَّ واحدٍ منكم طفلًا.
وقيل: هو اسم جنسٍ فيَصلح للواحد والجمع.
وقيل: المُوقِدُ للجمع يكون واحدًا والمستضيئون كثيرًا.
وقيل: هو تمثيلُ فعلِهم لا أعيانِهم، ومعناه: مَثَلُ فعلِ المنافقين كمَثَل فعلِ المستوقِد، وكِلَا الفعلين واحدٌ، وإضمارُ الفعل في الاسم جائزٌ كما في قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]؛ أي: كخَلْقِ نفسٍ واحدةٍ وبَعْثِها.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: أي: أنارت، والضوء: النور، وضاء؛ أي: نارَ، وأضاءَ يكون بمعنى ضاء أيضًا لازمًا، ويكون متعدِّيًا بمعنى نوَّر، وهو في قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] لازمٌ، ويكون ضاء وأضاء بمعنًى واحدٍ، كقولهم (^٣): نارَ وأنار، وبان وأبان.
وفي هذه الآية: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ متعدٍّ، لأنه ذكَره بالتاء، ومعناه: فلما نوَّرتِ النارُ المواضعَ التي حول هذا المستوقِد، ولو كان لازمًا لكان يقول: فلما أضاء ما حوله؛ لأن (ما) مذكَّرٌ.
_________________
(١) "معنى" من (ف).
(٢) في (ف): "وهو".
(٣) في (أ): "واحدًا كقولك"، وفي (ف): "واحدٍ كقولهم"، بدل: "بمعنى واحدٍ كقولهم".
[ ١ / ٣٥٤ ]
فإن قالوا: هل بينَ الضوء والنور مغايرةٌ، أو هما شي ءٌ واحدٌ؟ فإن كانا غَيْرَين (^١) فلمَ أثبتَهما جميعًا في شيءٍ واحدٍ هاهنا، فقال (^٢): ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؟ وإن كانا واحدًا فلمَ غايَر بين الكلمتين؟
قلنا: هما واحدٌ هاهنا، وإنما ذكرهما جميعًا لأنه أعذَبُ لفظًا، وأحسنُ نظمًا، وأبلغُ في الفصاحة، وألطف في العبارة، من الإعادة بلفظ الأول، ودليلُ اتِّحادهما قولُه تعالى في صفة نور المعرفة: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ (^٣) [النور: ٣٥] وقال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥]، وقال في التوراة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] وقال فيها أيضًا (^٤): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: جهات المستوقد، يقال: حَوْلَه وحَوَالَيْه وحَوْلَيه.
وقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: أي: أَذْهبه اللَّه، والذَّهاب والذُّهوب: الانتقال، والمَذْهب: الطريق، والذَّهاب: الزَّوَال أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ أي: ليزيلَه.
و(ذهب) لازمٌ، ويصير متعديًا بالباء، كما يقال: أتى فلانٌ وأتى به غيرُه، وذهب هو وذهب به غيره، وقام هو وقام به غيره.
والنور هاهنا: ضوءُ النار التي أوقَدوها، وإنما لم يقُل: بنارهم، وإنْ كانت هي
_________________
(١) في (ر): "مغايرين".
(٢) في (ف): "ثم قال".
(٣) في (ر): " ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ".
(٤) في (أ): " ﴿فِيهَا آيَاتٍ﴾ ".
[ ١ / ٣٥٥ ]
المذكورةَ قبلَها؟ لأن للنار شيئين: حرارةً ونورًا؟ واللَّهُ تعالى أذهب النورَ، وبقي عليهم الحرُّ المحذور (^١).
والإمامُ أبو منصورٍ (^٢) ﵀ يشير إلى أن معناه: أَذْهبَ اللَّه تعالى نورَ بصرهم (^٣)، على ما نبين إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾: أي: خلَّاهم في ظُلُماتٍ، هي جمع الظُّلْمة، وتُجمع على الظُّلَم، والظُّلُمات بضم اللام (^٤)، والظُّلَمات بفتح اللام، وكذا الحُجرات والغُرفات.
وهي الظلمات المحيطة به من كل جهةٍ، ففي كل جهةٍ ظلمةٌ، ومن الجهات ظلماتٌ.
وأما تفسيرُه (^٥):
فقد قال الحسن: هو النورُ الذي أظهَروه للرسول بالإسلام، قطعه اللَّه عنهم بالموت في قبورهم.
وقال أبو بكرٍ الأصمُّ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: سوَّد وجوههم في الآخرة عقوبةً لهم (^٦).
وقيل: معنى ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي: لم يأتهم بضياءٍ يبصرون به.
_________________
(١) في (ف): "وبقي عليهم الحر المحرور"، وفي (ر): "وبقي عليهم الحرارة".
(٢) في (أ): "المنصور" بدل: "أبو منصورٍ".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٩١).
(٤) في (ر) و(ف): "وتجمع على الظلم بالضم".
(٥) في (ف): "التفسير".
(٦) انظر القولين في "النكت والعيون" (١/ ٨٠)، لكن الأول فيه دون نسبة للحسن ولا لغيره.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقيل: أي: لم يُخرجهم منه، كما يقال: تركَه في الدار؛ أي: لم يُخرجْه منها، وهذا تأويل المعتزلة، فإنهم لا يقولون بخلقِ أفعال البشر من اللَّه تعالى.
والصحيح من التأويل عند أهل السنَّة والجماعة: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾ أي: جعَلهم في الظلمات، وهو كقوله: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ أي: جعَله صلدًا.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي: لا يبصرون ما حولهم (^١) لذهابِ النور.
ثم إنما قال: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بالجمع، مع أن المذكور في أول الآية: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ وهو واحدٌ، لِمَا مرَّ أن المُوقِد واحدٌ والمصطَلُون (^٢) جمعٌ.
أو أُريد بالواحد الجمعُ من الوجه الذي مرَّ، وهو كقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، وقولِه تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ثم في آخره: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].
ومعنى الآية في قول ابن عباسٍ وقتادةَ والضحاكِ ومقاتلٍ والسدِّي: مثلُ المنافقين في كفرهم ونِفاقهم كمثلِ رجلٍ أَوقد نارًا في ليلةٍ مظلمةٍ في مَفازةٍ (^٣) واستضاء بها واستَدفأ بها، ورأى ما حوله واتَّقى ما حَذر وخاف فأمن، فبينا هو كذلك إذ طَفِئتْ نارُه فبقي في ظلمةٍ خائفًا متحيِّرًا، فكذلك المنافقون إذا أظهروا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "حوله".
(٢) في (أ): "والمبطلون".
(٣) في (ر): "مغارة".
[ ١ / ٣٥٧ ]
كلمة الإيمان واستناروا بنورها (^١) واعتزوا (^٢) بعزِّها وأمنوا (^٣) بسببها، فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأَمِنوا على أموالهم وأولادهم، فإذا ماتوا عادوا إلى الخوف والظُّلْمة وبَقُوا في العذاب والنِّقمة (^٤).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: في هذه الآية كشفُ قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقولهِ تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، فإنه فضَحهم في الدنيا والآخرة، لأنهم (^٥) طلبوا بنفاقهم الأمنَ فأَعقبهم اللَّه خوفًا دائمًا، كما قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] وقال: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الآية [محمد: ٢٠]، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ الآية [التوبة: ٦٤].
ولأنهم طلبوا بالنِّفاق رضى الفريقين والشرفَ والعزَّ فيهم، فعَلم الفريقان جميعًا بذلك فطردوهم، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]، وقال اللَّه تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] فزال الشرفُ والعزُّ وجاء الهوانُ والذلُّ.
فمثَلُهم كمثَلِ مستوقِدِ النار ليستضيء بها وينتفعَ بحرِّها، فأذهب اللَّه تعالى بصرَه فذهب ما كان يأمل من الاستضاءة بضوئها والانتفاعِ بحرِّها، وأَعقبه خوفَ
_________________
(١) في (ر): "فاستناروا بها".
(٢) في (ف): "واستعزوا".
(٣) في (أ): "فأمنوا".
(٤) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٣٧ - ٣٣٩) عن ابن عباس وقتادة والضحاك، واختاره.
(٥) في (ر): "فإنهم".
[ ١ / ٣٥٨ ]
الإحراق لو دنا منها، وذهب الانتفاعُ بحرِّها في البرد وإصلاحِ الأغذية بها بذهاب البصر، وأمَّا في الآخرة فما ذكرنا من جواب المؤمنين لهم عند اقتباس النور، وضحك المؤمنين منهم وهم في النار (^١).
* * *
(١٨) - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ﴾: الصَّمَم: انسداد خروقِ المسامع، والأصمُّ: الصخر الأملس، والجَذْرُ الأصمُّ: أصل الحساب الذي لا يَصل إلى معرفته العِباد، والقناة الصَّمَّاء: التي ليست بمجوَّفةٍ، والصَّمَّاء: الداهية، والصِّمَّة: الشجاع، والصِّمَّة: الأسد، وقارورةٌ مصمومةٌ؛ أي: مسدودةٌ، وصِمَامُها: سِدَادُها.
وأصلُ كلِّه: السدُّ والشدُّ، والأصمُّ: النعتُ من الصَّمَم، وجمعُه: الصُّمُّ، وكذا كلُّ أَفْعَلَ كان نعتًا ممَّا هو خِلْقة فجَمْعُه: الفُعل، ومِثْلُه: البُكْمُ والعُمْي، فإن كان اسمًا فعَلَى الأفاعل يُجمع، كالأرنب والأرانب، والأعجم والأعاجم، فإن كان نعتًا مما هو آفَةٌ فعلى الفَعلى؛ كالأَعجَف والعَجْفى، والأحمق والحَمْقى.
وقوله تعالى: ﴿بُكْمٌ﴾: فالبَكَمُ (^٢): هو الخَرَس، وهو آفَةٌ في اللسان لا يتمكَّن معها أن يعتمد مواضعَ الحروف.
وقيل: الأبكمُ هو الذي يُولد أخرسَ.
وقيل: هو الخَرَس مع ذهاب الفؤاد.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٢) في (أ): "البكم".
[ ١ / ٣٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿عُمْيٌ﴾: فالعَمَى (^١): ذهابُ بصر العين والقلب، والعَمَايَة: الجَهَالة، والعَمَى (^٢): الخفاء أيضًا، والتَّعمية: الإخفاء.
والنعتُ من البَكَم: الأبكم، وجمعُه: البُكْم، ومِن العمى: الأعمى في العين، وجمعُه: العُمْي، ومن القلب العَمِي، وجمعه: العَمُون، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦].
ثم رفعُ هذه الكلمات بإضمارِ كلمةِ: هم؛ أي: هم صمٌّ بكمٌ عميٌ.
وقرأ عبد اللَّه بن مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه: (صمًّا بُكمًا عُميًا) (^٣)، ولنصب ذلك ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: وتركَهم صمًّا بكمًا عُميًا.
والثاني: على الذمِّ.
والثالث: على الحال.
وأما تفسيره:
فقد قال قتادة: أي: صمٌّ عن استماع الحق، بكمٌ عن التكلُّم به، عُميٌ عن إبصاره (^٤).
وقيل: أي: يتصامُّون ويتباكَمون ويتعامَون مع قيام الآلات، في الإعراض عن الحقِّ الذي قامت على حقيقته الدلالات، وقد قال قائلُهم:
_________________
(١) في (أ): "العمى".
(٢) في (ر) و(ف): "والعماء".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠ - ١١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٤٨). ووقع في (ف): "عمي عن الإبصار".
[ ١ / ٣٦٠ ]
قُلْ ما بدا لك مِن زورٍ ومِن كذبٍ حِلْمي أصمُّ وأُذْني غيرُ صمَّاءِ (^١)
وقيل: معناه: كأنهم صمٌّ بكمٌ عميٌ، فإنهم لا ينتفعون بهذه الآلات مع وجودها، فكأنهم عَدِموها، وهذا كما سمِّي (^٢) الكافر ميتًا، لأنه لا يَنتفِع بحياته.
ثم (^٣) لمَّا وُصفوا بهذه الصفات في الدنيا عوقبوا في الآخرة بحسَبها (^٤)، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] فلا يسمعون سلامَ اللَّه، ولا يخاطِبون اللَّه ولا يرونه، والمسلمون كانوا سامعينَ الحقَّ قائلين بالحقِّ ناظرينَ إلى الحق، فيُكرمون يوم القيامة بخطابه وسلامه ولقائه.
وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ الرجوع: الانصراف، والرَّجع: الصَّرف، فيكون رجع سالمًا ومتعدِّيًا، والرِّجَاع: رجوعُ الطير بعد قِطَاعها؛ أي: خروجُها من بلادِ البردِ إلى بلاد الحرِّ، والإرجاعُ: سِمَنُ الإبلِ وحُسنُ حالها بعد هُزالها، ورجعةُ الزَّوج في المطلقة بفتح الراء وكسرها، والرُّجعى: الرجوع، والمرجوع: جواب الرسالة.
وتفسيرُه هاهنا:
لا يرجعون إلى الحق.
وقيل: عن التَّعَامي والتَّصامِّ والتباكُم.
وقيل: إلى رؤية الحق وسماعه والتكلم به.
_________________
(١) البيت لبشار بن برد، كما في "جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ١٤٠)، ودون نسبة في "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ١٥٢)، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة (١/ ٣٩٨).
(٢) في (أ) و(ف): "يسمى".
(٣) "ثم": ليست في (ر).
(٤) في (أ) و(ف): "بجنسها".
[ ١ / ٣٦١ ]
وقيل: إلى ثواب اللَّه تعالى.
وأفادت الآية أنهم كانوا يستطيعون الرجوعَ باستطاعةِ سلامةِ الآلات، حيث استحقُّوا الذَّمَّ بتركه، وأن قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ليس بنفي الآلات، بل هو نفيُ تركهم استعمالَها.
ثم إن اللَّه تعالى نَدب الخلقَ إلى الرجوع إليه والائتمارِ (^١) بأمره والانتهاءِ بنهيه بقوله عز وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٤] فمَن لم يَرجع إليه اختيارًا يرجع بالموت والبعث إجبارًا (^٢)، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، ومَن رجع إليه في الدنيا بفعله وحقَّق ذلك بقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] كان رجوعُه إليه بالكرامة، ويخاطَب بقوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ الآية [الفجر: ٢٧].
* * *
(١٩) - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ (أو) جاءت (^٣) في القرآن لثلاثةَ عشَر معنًى:
أحدها: للشك، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩].
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بالائتمار".
(٢) في (ر): "اختيارا رجعوه إليه إجبارًا بالموت والبعث"، وكذا في (ف) لكن سقطت كلمة: (إجبارا) منها.
(٣) "جاءت": ليست في (أ) و(ف).
[ ١ / ٣٦٢ ]
وللتشكيك: قال تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وهذا غيرُ الأول، هذا إخفاء الحال على السامع من غير شكٍّ من القائل.
وللتخيير: قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].
وللإباحة: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، وهذا غير التخيير، ذاك بيانٌ أن الواجب أحدُها لا كلُّ وله الخِيَارُ، وفي الإباحة: له أن يفعلهما وله أن يفعل أحدهما.
وللتفصيل: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، كلُّ عقوبةٍ منها لجنايةٍ غيرِ الأخرى.
وبمعنى الواو: قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
وبمعنى: بل، قال تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
وبمعنى: ولا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
وبمعنى: حتى، قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
ولذكر شيئين يتعلق الحكمُ بأيهما وجد أو (^١) بهما إنْ وُجدا: قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقال تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤] قَتَل المسلمُ الكافرَ أو قَتَل الكافرُ المسلمَ، أو اجتماع الأمرين كلُّ واحدٍ منها بسبب استحقاق الآخر (^٢).
_________________
(١) في (أ) و(ر): "و".
(٢) من قوله: "قتل المسلم الكافر. . . " إلى هنا من (ر)، وقد استدرك بهامشها وعليه علامة التصحيح.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وللدخولِ بين مذكورَينِ ومُلحقٌ (^١) بهما مذكوران بينهما كلمة (أو) أيضًا: والمراد تعيينُ أحدهما لأحدهما وتعيينُ الآخَرِ للآخَر، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]؛ أي: إنَّا لعَلَى هدًى وإنكم لفي ضلالٍ مبين.
وللذِّكر بين أمرين، وتوهَّم أنه مخيّر بينهما ويباحُ له كلاهما: والمراد به أنه لو فعلهما لم ينفعاه، ولو فعل أحدهما لم ينفعه، قال تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾.
ولاحتمالِ وجهين أو وجوهٍ مما يُستعمل فيه: كما في هذه الآية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ يحتمِل أن يكون للتخيير؛ أي: إن شئتُم فاجعلوا مَثَل المنافقين كمَثَل المستوقِد نارًا، وإن شئتُم فاجعلوا مَثَلَهم كمَثَل أصحابِ صَيِّبٍ، ويجوز أن يكون بمعنى الواو؛ أي: وكصيبٍ، ويجوز أن يكون بمعنى: بل، ويجوز أن يكون للتفصيل، فالتشبيه الأول لشيءٍ (^٢) والثاني لشيءٍ آخر على ما نبيِّن إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: ﴿كَصَيِّبٍ﴾ الكافُ للتشبيه، وهو أحدُ أقسام البلاغة، وهو أبلغُ في المعنى، وأوقعُ في القلب، وأعذبُ في الأسماع (^٣)، وأوصلُ إلى المراد.
وهو في القرآن كثيرٌ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبرا هيم: ٢٤]، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨]، ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢]، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ويلحق".
(٢) في (ر) و(ف): "بشيء".
(٣) في (أ): "السماع".
[ ١ / ٣٦٤ ]
[البقرة: ٢٦١]، ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤]، ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ [الحديد: ٢٠]، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]، ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨].
والصيب: المطر، من قولهم: صاب يَصُوب صَوبًا: نزل، قال الشاعر:
فلستَ لإنسيٍّ ولكنْ لملْأَكٍ تَنَزَّلَ من جوِّ السَّماءِ يَصُوبُ (^١)
والصيِّب: السَّحاب أيضًا، قال أبو ذُؤيب:
بقرارِ قِيعانٍ سقَاها صيِّبٌ واهٍ فأَثْجَمَ بُرهةً ما يُقْلِعُ (^٢)
_________________
(١) نسب لعلقمة بن عبدة في "المفضليات" (ص: ٢٩٤)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٢٥٥)، وهو في زيادات ديوانه (ص: ١١٨)، ونسب في "مجاز القرآن" (١/ ٣٣)، و"الصحاح" (مادة: ملك)، لجاهلي من عبد القيس يمدح بعض الملوك، ودون نسبة في "الكتاب" (٤/ ٣٨٠)، و"إصلاح المنطق" (ص: ٧١)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ١١٢). وقال السيرافي في "شرح أبيات إصلاح المنطق" (ص: ٢٠٧): يروى لأبي وجزة يمدح عبد اللَّه بن الزبير، ويروى لرجل من عبد القيس يمدح النعمان.
(٢) انظر: "ديوان الهذليين" (١/ ٥)، و"جمهرة أشعار العرب" (ص: ٢٠٦)، و"المحكم" لابن سيده (٦/ ١٢٢)، و"الفائق" (٣/ ١٨٧)، و"اللسان" و"التاج" (مادة: قرر)، وفيها جميعا: سقاها وابل، وفي"المفضليات" (ص: ٤٢٣): (سقاها صائف). وجاء في هامش (أ): "أثجم المطر: كثر ودام". وفي هامش (ف): "قرار: جمع قرارة، وهو مستقر الماء، وقيعان: جمع قاع، وهو الأرض المستوية، وأثجم أي: دام، برهة: وهلة، ما يقلع أي: ما يسيل، يقال: أثجم المطر: إذا دام، وأثجم: إذا أقلع سريعًا". ووقع في جميع المواضع من حاشية ومتن في (ف) بدل "أثجم": "أتخم" ولا معنى لها هنا.
[ ١ / ٣٦٥ ]
والصيِّب أصله: صَيْوِبٌ، صارت الواو ياءً -لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ- وأُدغمت، كالسيِّد والجيِّد والطيِّب والليِّن، إلا أنَّ السيِّد والجيِّد واويَّان والطيِّبَ والليِّنَ يائيَّان، وأصلهما: طَيْيِبٌ ولَيْيِنٌ، فصارتا واحدةً بالإدغام.
وتفسيرُه هاهنا: المطر (^١)، في قولِ ابن عباسٍ وابن مسعودٍ ﵃ (^٢).
وقد قال بعضهم: أي: كسحابٍ، لأنه تعالى قال: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، وذلك في السحاب لا في المطر، وسمِّي السحاب صيِّبًا لأن الصيِّب منه، وهو المطرُ الذي يَصُوبُ؛ أي: يَنزل.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ فالسماء (^٣) في اللغة: سقفُ الدنيا، والسماء: السحاب أيضًا، والسماء: المطر أيضًا، والسماء: سقف البيت أيضًا، والسماء: ظهر الفرس أيضًا، وهي في القرآن على وجوهٍ ذكرت:
للسموات السبع: قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩].
وللسماء التي تلينا: قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: ٦].
وللسحاب: قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢].
وللمطر: قال تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢].
وللهواء: قال تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (^٤) [إبراهيم: ٢٤].
ولسقف البيت: قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥].
_________________
(١) في (أ): "أو كمَطرٍ".
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٥١ - ٣٥٢).
(٣) في (أ): "السماء".
(٤) في هامش (ف): "أي متعال مرتفع في الهواء".
[ ١ / ٣٦٦ ]
ولسماء الجنة: قال اللَّه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٨].
ولسماء جهنم: قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧].
وتفسيره (^١) ها هنا:
أي: من السماء الدنيا.
وقيل: من السحاب.
فمَن جعَل الصيِّب سحابًا لم يُمْكِنه صرف السماء إلى السحاب، فيصرِفُه إلى السماء الدنيا (^٢)، ومَن جعَله مطرًا أَمْكنه صرفُه إلى كلِّ واحدٍ منهما.
والتوفيقُ بين التفسيرين: أن المطر من السحاب عِيانًا وهو من السماوات أصلًا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣].
وروى وهب بن منبِّهٍ في "المبتدأ" -اسم كتاب (^٣) - عن ابن عباسٍ ﵄ أنه قال (^٤): تحت العرش بحرٌ ينزل منه أرزاقُ الحيوانات بوحي اللَّه إليه (^٥)، فيُمطِرُ ما شاء من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، ويُوحي إلى الريح فتحمله فتَبثُّه (^٦) في السحاب، والسحابُ بمنزلة الغربال، ثم يوحي إلى السحاب أنْ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وتفسيرهما".
(٢) بعدها في (ف) عبارة: "وقيل أي من السحاب" وهي زيادة لا يظهر لها تعلق بالسياق.
(٣) قوله: "في المبتدأ اسم كتاب": ليس في (ف)، وقوله: "اسم كتاب": ليس في (أ). و"المبتدأ" كتاب لابن وهب ذكره ابن النديم في "الفهرست" (ص: ١٣٨).
(٤) في (ف): "أن" بدل: "أنه قال".
(٥) في (أ): "ليوحي اللَّه إليه". وفي (ر): "يوحى إلى السحاب إليه".
(٦) في (أ): "فتثبته" وسقطت الجملة من (ر)، والمثبت من (ف).
[ ١ / ٣٦٧ ]
غَرْبِلْه فيُغَرْبِلُه، فليس من قطرةٍ تقطر إلا ومعها ملكٌ يضعُها موضعَها، ولا ينزل من السماء قطرةٌ إلا بكيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ، إلا ما كان من يوم الطُّوفان، فإنه نزل ماءٌ منهمرٌ بغيرِ كيلٍ ولا وزنٍ.
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾: هي ظلمة الليل والسحابِ والمطرِ.
وقيل: ما يستره المطرُ والسحاب من نور المطالع (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾: أما الرعد فقد سُئل وَهْب بن منبِّهٍ عن الرعد: ما هو؟ فقال: اللَّهُ أعلم (^٢).
وعن معمرٍ قال: سألتُ الزُّهريَّ عن الرَّعد ما هو؟ فقال: اللَّهُ أعلمُ (^٣).
وسأل كعبٌ عبدَ اللَّه بن عُمر ﵄ عن الرَّعد، فقال: مَلكٌ وكَّله اللَّه بسياقةِ السحاب، فإذا أراد اللَّه تعالى أن يَسوقه إلى بلدٍ أَمَره فساقه، فإذا تَفرَّق عليه زجَره بصوته حتى يجتمعَ كما يردُّ أحدكم رِكابه، ثم قرأ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] (^٤).
وعن جماعة من الصحابة ﵃: أنهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحانَ مَن يسبِّحُ الرعدُ بحمده والملائكةُ من خِيفَته (^٥).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الطوالع".
(٢) رواه عبد الرزاق قال: حدثني أبي أن وهب بن منبه سئل عن الرعد فقال: اللَّه أعلم. انظر: "الاستذكار" (٨/ ٥٨٩).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٦٥). وانظر: "الاستذكار" (٨/ ٥٨٩).
(٤) رواه أبو الشيخ عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄. انظر: "الدر المنثور" (٤/ ٦٢٢).
(٥) رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٤/ ٣٠٣)، وأبو داود في "الزهد" (٣٧١) عن عبد اللَّه بن الزبير ﵁. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٧٧) عن علي وابن عباس، ورواه الطبري أيضًا من طريق رجل عن أبي هريرة مرفوعا.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وعن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ: أن الرعد ملكٌ يحثُّ (^١) السحابَ كما يحثُّ الراعي الإبلَ، وكما يَنْعِقُ الراعي بغنمه، فإذا تفرَّقت سحابةٌ ضمَّها، فإذا اشتدَّ غضبه طار من فيه النار، فهي الصواعق (^٢).
وقال قتادة: الرعدُ خَلْقٌ من خَلْق اللَّه سامعٌ مطيعٌ (^٣).
وقال ابن عباسٍ ﵄: ليس شيءٌ أحسنَ مَنْطِقًا ولا أحسنَ ضحكًا من السحاب، قالوا: ما مَنطقُه وما ضحكُه؟ قال: منطقُه الرعدُ وضحكُه البرقُ (^٤).
وقال ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ: الرعدُ ريحٌ تختنقُ تحت السحاب فيتصاعد، فيكون منه ذلك الصوت (^٥).
وقيل: الرعد صوتُ اصطِكاكِ الأجرام، وهو من الرَّعد، لأنه صوت يَرتعِد، أي: يضطرب.
وأُرْعِدت (^٦) فرائصُه عند الخوف، من هذا، والرِّعْديد: الجبان، لارتعاده من خوفه، والرِّعديدةُ: المرأةُ الليِّنة الأعضاء من ذلك.
_________________
(١) في (أ): "يحدو".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٥٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٥٩).
(٤) لم أجده عن ابن عباس ﵄. ورواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٢٤٨) عن عمرو بن أبي عمرو عن الثقة عن النبي -ﷺ-. ورواه العقيلي في "الضعفاء" (١/ ٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٦٨٦)، والعقيلي أيضًا (١/ ٣٥)، وابن الأنباري في "الزاهر" (٢/ ٣١٧)، من حديث شيخ من الصحابة مرفوعا أيضًا. وإسناد أحمد صحيح، ولفظه: "إنَّ اللَّه يُنْشِئُ السَّحابَ، فيَنْطِقُ أَحسَنَ المَنْطِقِ، ويَضحكُ أَحسَنَ الضَّحِكِ".
(٥) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٣٦٠ - ٣٦١)، و"النكت والعيون" (١/ ٨٢).
(٦) في (ف): "وارتعدت".
[ ١ / ٣٦٩ ]
والبرق: هو ما يَنقدِح من اصطكاكِ الأجرام عند هؤلاء.
وقال عليٌّ ﵁: هو ضرب الملَك الذي هو الرَّعدُ السحابَ بمخراقٍ من حديدٍ (^١).
وقال ابن عباسٍ والضحَّاك: هو سوطٌ من نارٍ يَزجر به الملَكُ السحابَ (^٢).
وقيل: هو تلألؤ الماء.
وقال مجاهد ومحمد بن مسلمٍ الطَّائفيُّ: البرقُ ملَكٌ له أربعة أوجهٍ: وجهُ إنسانٍ، ووجه ثورٍ، ووجه نسرٍ، ووجه أسدٍ، فإذا مَصَع بأجنحته فذلك البرق (^٣).
والمَصَع: التحريكُ والضرب.
وقال شعيب بن الحبحاب (^٤): وجدتُ في كتاب اللَّه تعالى أن حملة العرش
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "العلل" (٥٦٣٨)، والطبري في "تفسيره" (١/ ٣٦٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٦٣) بلفظ: هو سوطٌ مِن نُورٍ يَزُجُّ به المَلَكُ السَّحابَ.
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٦٥)، وهذا لفظ الطائفي، ولفظ مجاهد: (البرق مصع ملك).
(٤) في (ر): "بن الجنحاب" وفي (ف): "بن الجيحاب". والذي في "تفسير الطبري": شعيب الجبائي. قال محمود شاكر في حاشية "الطبري" (١/ ٣٤٥): شعيب الجبائي: بفتح الجيم والباء الموحدة مخففة، نسبة إلى: جبأ، بوزن جبل، وهو جبل في اليمن قرب الجند، كما قال ياقوت وغيره، وشعيب هذا ترجمه البخاري في "الكبير" (٤/ ٢١٨)، وترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٣٥٣) قال: (شعيب الجبائي: يماني، يروي عن الكتب [يريد الكتب المنسوبة لأهل الكتاب من الأساطير]، روى عنه سلمة بن وهرام)، ثم جزم ابن أبي حاتم بأنه شعيب بن الأسود، ثم روى بإسناده عن زمعة، عن شعيب بن الأسود، قال: (أجد في كتاب اللَّه)، وله ترجمة في "لسان الميزان" وقال: (أخباري متروك)، ثم ذكر شيئًا مما لا يقبله العقل من كلامه، وقال: (ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان قد قرأ الكتب).
[ ١ / ٣٧٠ ]
لكلِّ ملَكٍ منهم وجهُ إنسانٍ ووجهُ ثورٍ ووجهُ أسدٍ ووجهُ نسرٍ، فإذا حرَّكوا أجنحتهم فهو البرق.
وعلى كلِّ هذه الأقاويل: الرعدُ والبرقُ المذكوران في هذه الآية هو الصوتُ والنار التي تلمع في السَّحاب، فإن كان الرعد والبرق اسمين لملَكٍ أو ملكين، فقد أُريد بما ذكر في هذه الآية صوتُهما وأثرهما، لا عينُهما.
وفي قصة المعراج من روايةِ ابن عباسٍ ﵄: قال ﵊: "ثم مررتُ على ملَكٍ يشبهُ الآدميَّ خَلْقًا، نصفُه من الثَّلج ونصفُه من النار، وسمعتُ تسبيحَه وهو يقول: سبحانَ الذي (^١) ألَّف بين الثَّلجِ والنار، سبحان الذي يؤلِّفُ بين عباده المؤمنين، فقلت: يا جبريل! مَن هذا الملك؟ فقال: هذا ملكٌ خلقَه اللَّه تعالى بقدرته كما ترى، وكَّله (^٢) على السَّحاب يَسُوقه من موضعٍ إلى موضعٍ، واسمُه: رعد، ومنه الرعدُ والبرق" (^٣).
_________________
(١) في (ر): "سبحان من".
(٢) في (أ): "كما تراه ووكله".
(٣) لم أجده بهذا السياق، وورد بعضه -لكن دون محل الشاهد- في حديث طويل جدًا عن ابن عباس في المعراج رواه ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١١)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢١٠)، مقتصرَين على أوله، وذكره بتمامه السيوطي في "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" (١/ ٦٢)، وابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ١٥٥)، وفيه: ". . . ثم مررت بخلق عجيب من العجب، رأيت ملكا من الملائكة نصف جسده مما يلي رأسه ثلج والآخر مكون نارا، ما بينهما رتق، فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار، وهو قائم ينادي بصوت له رفيع جدًا: سبحان ربي الذى كفَّ برد هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار، سبحان ربي الذى كفَّ حر هذه النار فلا تذيب هذا الثلج، اللهم مؤلفا بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين، فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا ملك من الملائكة وكله اللَّه بأكناف السموات وأطراف الأرضين، وهو من أنصح =
[ ١ / ٣٧١ ]
يعني: بسياقه السحابَ يَظهر الرعدُ، وبعنفه على السحاب يظهر البرق، ألم تسمع اللَّه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ الآية [النور: ٤٣].
وقال في كتاب "حقائق القرآن": قال ابن الرَّيحانيِّ (^١): الرعد صَعقاتُ الملائكة، والبرقُ حُرقاتُهم (^٢)، والمطرُ بكاؤهم.
فإنْ حُمل هذا الكلامُ على الظاهر (^٣) فالملائكةُ موصوفون بالخشية والخِيفة، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وبكاؤهم شديدٌ أيضًا، حكاه النبيُّ -ﷺ- أنه رآهم ليلة المعراج
_________________
(١) = الملائكة لأهل الأرض من المؤمنين، يدعو لهم بما تسمع فهذا قوله منذ خلق، ثم مررت بملك آخر. . . ". وعزاه ابن عراق لابن حبان وابن مردويه في تفسيره، قال: كلاهما من حديث ابن عباس من طريق ميسرة بن عبد ربه واتهم به، إلا أن ابن مردويه أخرجه من طريق آخر دل على أن الآفة فيه من غير ميسرة، وأنها من شيخه عمر بن سليمان الدمشقي.
(٢) لعله: علي بن عبيدة الريحاني أحد البلغاء والفصحاء، له اختصاص بالمأمون وله معه أخبار، كان كاتبًا بارعًا، وله تصانيف كثيرة يسلك فيها طريقة الحكمة، وكان يرمى بالزندقة، قال الذهبي: وتصانيفه تدل على فلسفته وفراغه من الدين، وهي كثيرة سردها ياقوت في "تاريخ الأدباء". انظر: "الفهرست" (ص: ١٧٢)، و"معجم الأدباء" (٤/ ١٧٨)، و"تاريخ الإسلام" (١٥/ ٣١١). وهذا القول رواه عن الريحاني: السلمي في "حقائق التأويل" (١/ ٣٢٩)، وذكره ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص: ٤٠٤)، والآلوسي في "روح المعاني" (١٣/ ١١٧)، وفيهما: (الزنجاني)، ولعله نفسه فإن الريحاني المذكور يقال له أيضًا: الزنجاني، كما في "هدية العارفين" (١/ ٦٦٨). وهذا القول جعله الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٥١٩) من بدع المتصوفة.
(٣) جاء في جميع المصادر السابقة: (والبرق زفرات أفئدتهم).
(٤) في (أ): "ظاهره".
[ ١ / ٣٧٢ ]
باكِين، أهلُ كل سماءٍ إلى العلو (^١) أشدُّ أثرًا من الذين دونهم، فيجوز أن يكون ما نَرى من الهواء هو (^٢) منهم من السماء.
وإنْ حُمل على التمثيل فله وجهٌ؛ أي: كما تسمعون صوت الرعد فاعلموا أن صياح الملائكة من الخوف (^٣) كذلك، وكما ترون لمَعان البرق فلمعانُ نيران أشواقهم كذلك، وكما تَرون تقاطُر الأمطار فدموعُهم كذلك، وهذا حالُهم مع أنهم لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم عبادٌ مُكرَمون، وهم من خشيته مشفِقون، فكيف ينبغي لنا أن نَغفل مع هَفَواتنا وجَفْواتنا وخُطواتنا وخطيئاتنا؟!
وقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾: قيل: يضعون، وقيل: يُدخلون.
ودلت هذه الكلمة -وهي (^٤) فعلُ الجمع- أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾: أو كأصحابِ صيِّبٍ، حتى صار هذا فعلًا لهم (^٥).
والأصابع جمع إصبعٍ، وفيها خمسُ لغاتٍ: أَصبع بفتح الهمزة وكسر الباء، وأُصبَع بضمها -أي: الهمزة (^٦) - وفتح الباء، وأُصبُع بضمهما، وإِصبع بكسرهما، وإِصبَع بكسر الهمزة وفتح الباء وهي أشهرها.
وهي إحدى أصابع اليدين والرجلين، والإصبعُ مؤنثةٌ سماعًا، قال النبيُّ -ﷺ- في رَجَزٍ له في بعضِ مغازيه:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "العلى".
(٢) في (ف): "ما ترى من الهواء هو"، وفي (ر): "ما ترى الهوى هوى".
(٣) في (ر): "في الخوف"، وفي (ف): "في الجو".
(٤) في (أ): "على"، بدل: "وهي".
(٥) في (ر) (ف): "فعالهم".
(٦) في (أ): "بضم الألف" بدل: "بضمها أي: الهمزة".
[ ١ / ٣٧٣ ]
هل أنت إلا إصبعٌ دَميت وفي سبيلِ اللَّه ما لَقيت (^١)
ودلت الآيةُ أن إطلاق اسمِ الشيء على بعضه جائزٌ مجازًا، فإنه ذكر جَعْلَ الأصابع في الآذان، والمقصود جعلُ (^٢) بعضِها لا كلِّها، ومعنى هذا: يسدُّون آذانهم بأصابعهم خوفًا من الرعد.
وقوله تعالى: ﴿فِي آذَانِهِمْ﴾: هي جمعُ أُذن، وهي الجارحة السامِعة، وقد أَذِنَ يَأْذَنُ؛ أي: سمع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]؛ أي: سمعتْ مُطيعةً، وقال النبيُّ -ﷺ-: "ما أَذِنَ اللَّهُ لشيءٍ كأَذَنهِ لنبيٍّ يَتغنَّى بالقرآن" (^٣)؛ أي: ما قَبِلَ اللَّهُ ورضي (^٤)، والأذان: الإعلام بالإسماع (^٥)، وأَذِن؛ أي: عَلِم إذْ (^٦) سمع، ورجل أُذُنٌ؛ أي: يسمع كلَّ قولٍ ويَقبله.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾: هي جمع الصاعقة، وهي الصوت مع النار.
وقيل: هي صوتُ الرعد الشديد الذي يُصْعق منه الإنسان؛ أي: يُغشى عليه أو يموت.
وقيل: هي نارٌ لا دخان لها.
وقيل: هي عذابٌ ينزل من السماء يموت منه أكثرُ مَن يسمعه.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦)، من حديث جندب بن سفيان ﵁.
(٢) "جعل": من (ر).
(٣) رواه مسلم (٧٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) "أي: ما قبل اللَّه ورضي": ليس في (أ) و(ف).
(٥) في هامش (ف): "والأذان الإعلان بالإسماع".
(٦) في (أ) و(ف): "إذا".
[ ١ / ٣٧٤ ]
وقيل: الصاعقةُ والصاقعة واحدةٌ، وهي من الصَّقع (^١) أي: الضرب، وهو الصوت أيضًا، والصقيع (^٢): البرد المحرق للنبات، والصَّقَع بفتح القاف: الغَشْيُ أيضًا.
وقيل في الصاعقة -وهو أجمعُ ما قيل فيه-: هو الشديدُ من صوت الرعد يقع معه قطعةُ نارٍ تُحرق ما أتت عليه، وهو المراد هاهنا.
وقد ذُكرت الصاعقة في القرآن (^٣) لأشياءٍ:
للنار: في قصة بني إسرائيل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥].
وللريح: في قصة عادٍ، قال: ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ﴾ [فصلت: ١٣].
وللصيحة: في قصة ثمودٍ، قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ﴾ [فصلت: ١٧].
ولمطلق العذاب: قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣].
وللعذاب النازل من السماء: قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣].
ولصوت الرعد: كما في هذه الآية.
وقولُه تعالى: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ أي: من قِبَل الصواعق وبسببها (^٤)، أو فيه مضمرٌ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الصعق".
(٢) في (ف): "والصقع".
(٣) في (ف): "جاءت" بدل: "ذكرت الصاعقة في القرآن".
(٤) في (ر): "تشبيها"، وفي (ف): "وتشبيهًا".
[ ١ / ٣٧٥ ]
وتقديره: يجعلون أصابعهم في آذانهم تحرُّزًا من الصواعق، أو: خوفًا من الصواعق.
والألف واللام في ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ بدلُ الإضافة؛ أي: من صواعقِ الرعد وصواعقِ الصَّيِّب، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]؛ أي: مأواه.
وقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: الحذر: الخوفُ الباعثُ على التحفُّظ والتيقُّظ، ورجلٌ حَذِرٌ وحَذُرٌ -بكسر الذال وضمِّها- من ذلك، وطيرٌ حَذِرٌ؛ أي: يتحفَّظ (^١) في شربه والتقاطِ حَبِّه.
والموت: زوالُ الحياة.
ونُصب ﴿حَذَرَ﴾ على أنه مفعولٌ له؛ أي: لأَجْل حذَرهم من الموت يفعلون كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: الإحاطة: إدراك الشيء بكماله من كلِّ جهاته، ويُستعمل في العلم بالشيء من كلِّ وجوهه، قال تعالى: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ولإهلاكِ الشيء بكلِّيَّته، قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أي: تَهلكوا جميعًا.
وتفسيرُه هاهنا عند بعضهم: أي: يُميتهم إن شاء فلا فائدةَ لحذَرهم.
وقيل: أي: هو عالم بالكفار فيُطْلعُ رسولَه على أفعالهم.
وقيل: أي: عالم بهم فيجازيهم يوم القيامة بأعمالهم.
وقيل: أي: يجمعهم في جهنم بما فعلوا، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]؛ أي: لا يخرجون عن ملكه وعلمه وقدرته.
* * *
_________________
(١) في (ف): "منخفض".
[ ١ / ٣٧٦ ]
(٢٠) - ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ كاد يَكاد مَكادَةً؛ أي: قارَبَ، يقال: كاد يفعلُ كذا؛ أي: قَرُبَ أن يَفْعَلَ ولمْ يَفْعَلْ (^١)، وإذا قلتَ: ما كاد يَفعلُ، فمعناه: قرُب أنْ لا يَفْعَلَ وفَعَلَ، وهو مِثلُ (عسى)، إلا أن (عسى) يُوْصَل بكلمةِ (أنْ)، و(كاد) يستعمل بغيرِ (أنْ)، وقد يستعمل أيضًا مع (أنْ)، واللغةُ الفاشيَةُ هي الأُولى، وفي القرآن كذلك.
وقالوا: إذا وُصل (كادَ) بـ (أنْ) فهو تشبيهٌ بـ (عسى)، وإذا أُسقط عن (عسى) فهو تشبيهٌ بـ (كاد)، قال اللَّه تعالى في (عسى): ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ (^٢) [المائدة: ٥٢]، وقال تعالى في (كاد): ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠].
وقوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ الخَطْف (^٣): الاستِلابُ بسرعةٍ، من حدِّ عَلِم، ورجلٌ خَيْطَف: سريعُ المَرِّ، والشيطانُ يَخْطَفُ السَّمْعَ؛ أي: يَسترِقُه، والبرقُ يَخْطَفُ البَصَر؛ أي: يَستَلِبُه.
وقرأ الحسن البصريُّ ﵀: (يَخِطِّفُ) بفتح الياءِ وكسرِ الخاء والطاء (^٤).
_________________
(١) "ولم يفعل" سقطت من (ر) و(ف)، ووقع مكانها في (ر): "كذا".
(٢) في (أ): " ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ".
(٣) في (ر) و(ف): "فالخطف".
(٤) مع تشديد الطاء. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٦٤)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٠٣)، و"البحر" (١/ ٢٥٢).
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقرئ: (يَخَطِّفُ) بفتح الياء والخاء وكسر الطاء (^١).
وقرئ: (يِخِطِّفُ) بكسر الياء والخاء والطاء (^٢).
وقرأ بعض أهل المدينة: (يَخْطِّفُ) (^٣) بسكون الخاء وتشديد الطاء (^٤).
وقراءةُ الأكثر: ﴿يَخْطَفُ﴾ (^٥) بفتح الياءِ وسكونِ الخاء وفتحِ الطاء وتخفيفِها.
فأمَّا وجهُ تشديد الطاء: فعلى أن أصله: يَخْتَطِفُ، فأدغمت التاء في الطاء.
وأمَّا كسرُ الخاء: فلاجتماع الساكنَين، فحرِّك الأولُ إلى الكسر كما في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١].
وأما كسرُ الياء: فإتباعًا للخاء.
وأما فتحُ الخاء: فلِنَقْل حركة التاء المدغَمة إليها.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾: يجوز (أضاء) لِلَّازم (^٦) والمتعدِّي، ومعنى الأولِ: كلما ضاء (^٧) لهم البرقُ، ومعنى الثاني: كلما أضاء البرقُ الطريقَ لهم.
_________________
(١) مع تشديد الطاء أيضًا. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٩٥)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٤)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٠٣)، و"البحر" (١/ ٢٥٢).
(٢) مع تشديد الطاء أيضًا. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٩٥)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١)، و"المحتسب" (١/ ٥٩)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٠٣)، و"البحر" (١/ ٢٥٢).
(٣) "يخطف": من (أ).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٨)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٥)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١)، و"المحتسب" (١/ ٦١)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٠٣)، و"البحر" (١/ ٢٥٢).
(٥) وهي قراءة العشرة. وكلمة: "يخطف" من (أ).
(٦) في (ر): "اللازم".
(٧) في (ف): "أضاء".
[ ١ / ٣٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: المشي: السَّيرُ السَّهل، والمَشِيُّ بالتشديد والمشوُّ: الدواء (^١) المسهل.
والمشيُ في القرآن لمعانٍ:
للسير: كما في قوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء: ٩٥].
وللمُضيِّ: كما في قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥].
وللاهتداء: كما في قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
وللانجرار: كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥].
وللنميمة: كما في قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١].
وتفسيرُه هاهنا: كلما نارَ البرقُ فأنارَ الطريقَ مضَوا في طريقه وضوئه، فإذا انقطَع وقفوا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: القيام: الانتصاب، قال تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠].
والقيام: الاستواء، قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
والقيام: النهوض، قال تعالى: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا﴾ [الكهف: ١٤].
والقيام: البقاء، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥].
والقيام: الوقوف، قال تعالى: ﴿أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾؛ أي: وإذا زال الضوءُ وجاء الظلام وقفوا.
_________________
(١) في (ر): "شرب الدواء": والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الصواب. انظر: "النهاية" (مادة: مشى)، و"القاموس" (مادة: مشو).
[ ١ / ٣٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: (لو) كلمةُ شرطٍ، والمعلَّق به يَمتنِعُ بامتناعِ شرطه، وقد يكون للتمنِّي كما في قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]. والمشيئة: الإرادة.
وقوله تعالى: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: أي: لأَذْهَبها، فالتَّعدِيَة قد تقع بالباء أيضًا.
ثم ذكرُ السمعِ على الوحدان -مع إضافتِه إلى الجمع- وذكرُ الأبصار (^١) بالجمع؛ لِمَا مر في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧].
وتفسيرُ هذه الكلمات: ولو شاء اللَّهُ لذهب بسمعِ رؤوسهم وأبصارِ رؤوسهم كما ذهب بسمع قلوبهم وأبصارها.
وقيل: ولو شاء اللَّه لجعلهم صمًّا وعميًا في الآخرة كما جعلهم في الدنيا كذلك.
وقيل: ولو شاء اللَّه لذهب بأعيانِ الأسماع والأبصار منهم كما ذهب بمنافع الأسماع والأبصار منهم.
وبمعرفة هذه الأقاويلِ اندفع (^٢) سؤالُ مَن سأل فقال: لمَّا قال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ فقد نفَى السمعَ والنُّطق والبصر عنهم، فما معنى تعليقِ إذهابها عنهم بالمشيئة؟
لأنَّا نقول: ما نفاه عنهم غيرُ ما علَّق إذهابَه عنهم بالمشيئة، وهو ما ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: (كلّ) كلمةُ استيعابٍ يتناول جميع ما دخل فيه، والشيءُ اسمٌ لكل موجودٍ، وهاهنا هو اسمٌ لكلِّ موجودٍ مخلوقٍ، لأنه هو الذي يجوز دخولُه تحت القدرة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "على الوحدان والأبصار".
(٢) في (ف): "يدفع".
[ ١ / ٣٨٠ ]
والقدير: هو القادر؛ كالعليم هو العالم، والصفة: القدرة والمقدرة، والإقدارُ: إثبات القدرة، واقْتَدر فهو مُقتدِرٌ، بمعنى: قدَر فهو قادرٌ.
وتفسيره هاهنا: إنه على كل شيءٍ قادرٌ (^١)، وإنما ذُكر قبلَه إذهابُ السمع والبصر لا غير لأنهما هما المذكوران في القصة، فالرعدُ يؤثِّر في السمع، والبرق يؤثر في البصر، واللَّه تعالى قادرٌ على إزالتهما في هذه الحالة، وقادرٌ على كل شيءٍ في كلِّ حالةٍ (^٢).
فأما تأويلُ جملةِ هذه الآيات ففيها أقاويل كثيرةٌ (^٣):
منها: ما روي: أنه كان رجلان من المنافقين من المدينة هربا من رسول اللَّه -ﷺ- إلى المشركين، فأصابهما هذا المطرُ الذي ذكر اللَّه ﷿، فيه رعدٌ وبرقٌ وصواعق، فجعلا كلما أضاء لهما الصواعقُ جَعَلا (^٤) أصابعهما في آذانهما من الفَرَق، [وإذا لمع البرقُ مَشَيا في ضوئه]، فإذا (^٥) لم يلمع لم يُبصرا فكانا لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا أَصبحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيديَنا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، فضَرب اللَّه تعالى مثلَهما للمنافقين بالمدينة (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "قدير".
(٢) في (ف): "شيء وحالة".
(٣) في (أ): "فقد وردت فيه أقاويل كثيرة"، و"كثيرةٌ": ليست في (ف).
(٤) في (ر) و(ف): "فجعلا كلما أضاء لهم البرق مشيا وجعلا"، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(٥) في (أ): "وإذا".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٦٨) من طريق السدي عن أشياخه عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة، وما بين معكوفتين منه. وقد قال الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٧٥) عن هذا الإسناد: ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مرتابًا. =
[ ١ / ٣٨١ ]
وقال ابن عباسٍ وعطاءٌ والضحاكُ وعليُّ بن طلحةَ ومقاتلٌ والكلبيُّ وجعفرُ بن محمد الصادقُ: هذا مَثَلُ القرآن؛ أي: مَثَلُ المنافقين مع القرآن كمَثَل مسافرٍ أصابه مطرٌ، فشبَّه القرآنَ بالمطر؛ لأن في القرآن حياةَ مَن آمَنَ به.
﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾: ذكرُ الكفرِ والوعيدُ عليه وعلى المعاصي، وهو كالرعد (^١)، وفيه الوعدُ على الإيمان والطاعاتِ كالبرق.
وقيل: الظلمات: بيانُ الفتن، والرعدُ: الزَّجر والتخويف، والبرق: بيان النُّصرة والظَّفَر.
_________________
(١) = قال الشيخ أحمد محمد شاكر في حاشية الطبري: وحق لأبي جعفر ﵀ أن يرتاب في إسناده، فإن هذا الإسناد فيه تساهل كثير من جهة جمع مفرق التفاسير عن الصحابة في سياق واحد تجمعه هذه الأسانيد، فإذا كان الأمر في تفسير معنى آية كان سهلا ميسورًا قبوله، إذ يكون رأيًا أو آراء لبعض الصحابة في معنى الآية، وما في ذلك بأس. أما إذا ارتفع الخبر إلى درجة الحديث، بالإخبار عن واقعة معينة أو وقائع كانت على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، من أسباب لنزول بعض الآيات، أو نحو ذلك مما يلحق بالحديث المرفوع لفظًا أو حكمًا، كان قبول هذا الإسناد -إسناد تفسير السدي- محل نظر وارتياب، إذ هو روايةٌ غير معروف مصدرها معرفة محددة: أيُّ هؤلاء الذي قال هذا، وأيهم الذي عبر عنه باللفظ الذي جاء به؟ نعم، إن ظاهره أنه عن الصحابة: إما ابن عباس، وإما ابن مسعود، وإما ناس من أصحاب النبي -ﷺ-، فقد يقول قائل: إن مرجع الرواية فيه إلى الصحابة، وسواء أعرف الصحابي الراوي أم أبهم اسمه، فإن ذلك لا يخرجه عن رواية الصحابة، وجهالة الصحابي لا تضر؟ ولكن سياق هذه الروايات المطولة المفصلة في التفسير وفي الحوادث المتعلقة بأسباب النزول، مثل الرواية التي هنا في هذا الموضع، مع إعراض أئمة الحديث الذين خرجوا الروايات الصحيحة والروايات المقبولة مما هو دون الصحيح عن إخراج هذه الرواية ونحوها، وإعراض مؤرخي السيرة عن روايتها أيضًا، كل أولئك يوجب الريبة في اتصال مثل هذه الرواية، وفي الجزم بنسبتها إلى الصحابة، إذ لعلها مما أدرج في الرواية أثناء الحديث بها، والاحتياط في نسبة الحديث المرفوع وما في حكمه واجب.
(٢) في (ف): "الرعد".
[ ١ / ٣٨٢ ]
وقيل: الرعد: المتشابهات، والبرق: المحكَمات.
وقيل: الرعد: بيان المحرَّمات والوعيدُ عليها، والبرق: بيان المحلَّلات والوعدُ عليها.
وقيل: الرعد: ما في القرآن من ذكر الامتحان والابتلاء، والبرق: ما فيه من الهدى والشفاء.
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (^١): ينفرون عن (^٢) الجهاد وسائرِ الأوامر كأنْ لم يسمعوا.
وقيل: يتصامُّون ويتعامَون كيلا يسمعوا ما نزل في شأنهم والأمرِ بقتلهم.
وقيل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ حقيقةً كيلا يسمعوا القرآن، تكاد حجج القرآن تبهرُ العقول وتجذبها إلى نفسها لوضوحها.
وقيل: يكاد القرآن (^٣) يدلُّ على عوراتهم.
وقيل: يكاد بيانُ القرآن يَذهب بضلالتهم ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾: كلما تفكَّروا في المحكَمات قصدوا أن يؤمنوا بالقرآن، وإذا اشتبَهت عليهم المتشابهات (^٤) أَعرضوا وكفروا.
وقيل: كلَّما تمسَّكوا بالمتشابهات ليحتجُّوا بها على المؤمنين انقطعت حججُهم بالمحكَمات، فبَقُوا في ظلمة كفرهم متحيرين ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): " ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ ".
(٢) في (ف): "من".
(٣) في (أ): "البرق".
(٤) في (ف): "المشتبهات".
[ ١ / ٣٨٣ ]
وَأَبْصَارِهِمْ﴾ عقوبةً لهم، كما ذهب بسمع قلوبهم وأبصارها خذلانًا لهم، إنه قديرٌ على ما أراد.
وقال (^١) الربيعُ بن أنسٍ وابنُ جُريجٍ ومجاهد والضحَّاك، والكلبيُّ عن ابن عباس: هذا مثلٌ لإقرارهم بألسنتهم وإنكارِهم بقلوبهم؛ أي: مَثَلُ المنافق في الإيمان كمسافرٍ في المَفازةِ في ليلةٍ مظلِمةٍ أصابه مطرٌ، شبَّه الإيمانَ بالمطر لأنه به حياةُ الملوب، وفيه ظلماتٌ في قلبه: ظلمةُ الكفر، وعلى لسانه نورُ الأقدار كالبرق، وهو خائف بين ذلك كالخائف من الرعد ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لا يتفكرون بقلوبهم إلى دليلِ الرشد ومعجزاتِ الرسول، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾؛ أي: تلك الدلائل تَذهب بظلمةِ قلبه وغطاءِ بصره وإن لم يتفكَّروا فيها.
وقيل: يكاد نورُ إيمانِ المنافق بلسانه يخفَى على المؤمنين حالُه ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: ما داموا في الحيرة (^٢) يتكلَّمون به وينتفعون به، وإذا ماتوا بقُوا في ظلمة القبر وعقوبةِ الحشر، ولو شاء اللَّه لأهلك المنافق للحال ولا يُمهَلوا إلى الموت؛ لأنه قدير على كل شيء.
وقيل: هذا مَثَلُ خوف المنافق وتحيُّرِه فإن ليلة المطر والرعد والبرق والظلمات في غايةِ الهول والإيحاش، ومعنى جعلِ الأصابع في الآذان حذَرَ الموت: خوفُ المنافق أن يُطَّلعَ على سرِّه فيُقتلَ أو يُنفى ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: قادرٌ على إنزال نقمته بهم ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يكاد خوفُ المنافق يهلكُه ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: كلما ظهرت غلبةُ أحد الفريقين تابَعوهم، وإذا انقلب الأمر انقلبوا، ولو
_________________
(١) من هنا وقع سقط في (ر) و(ف) بمقدار صفحتين، وسنشير إلى نهايته في موضعه.
(٢) كذا في (أ)، ولعل الصواب: "في الحياة".
[ ١ / ٣٨٤ ]
شاء اللَّه لحقَّق ما يخافه صاحبُ الصيِّب لاختطاف (^١) السمع والبصر وليس ترك اللَّه المنافق على هذا التذبذُب لعجزه، إنه على كل شيء قدير.
وقيل: هذا مثلُ لقاءِ المنافقين المؤمنينَ بالإيمان والكفارَ بالكفر، قال: مَثَلُهم كمَثَلِ الرَّجلِ في ظلمات الليلِ والسحاب والمطر، وفي المطرِ رعدٌ وبرقٌ، فقد اجتمع نورٌ وظلمةٌ وخوفٌ، فالنورُ ما يُظهره من الإيمان، والظلمةُ ما يضمِرُه من الكفر، والخوفُ منهم ظهورُ أمرِهم نفاق المنافقين وينكشف لهم أسرارهم ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾: كلما تكلَّموا بالإيمان كانوا سالمين مع المؤمنين، وإذا دخلوا (^٢) إلى شياطينهم وقالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، وقعوا في ظلمات الضلال، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأزال أسباب التحرُّز عنهم وواقَعَ بهم المؤمنين، كما لو شاء لذهب بسمع صاحب الصيِّب وبصرِه من غيرِ صاعقةٍ ورعدٍ وبرقٍ ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ عالمٌ بهم مالكٌ لهم، وهم في قبضته، فلا مَخْلَصَ ولا مَهْربَ لهم، وهو على كلِّ شيء قدير.
وقال قتادةُ وابنُ جُريج: هذا مَثَلٌ لجبن المنافق وخوفهِ من الموت إذا دُعي إلى القتال، وفي الجهاد إحياءُ الدِّين كما أن المطر حياةُ الأرض وأهلِها، فكانوا إذا دُعوا إليه قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ الآية [الأحزاب: ١٣] وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] وإذا لم يرغبوا في الجهاد لأنهم كانوا لا يصدِّقون النبيَّ ﵇ في قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ولا يصدِّقون بالبعث وما أَعَدَّ اللَّه للشهداء، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ أي: عزُّ الإسلام، فظهورُه مُلجِئةٌ إلى الإيمان ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ﴾
_________________
(١) كذا في (أ)، ولعل الصواب: "باختطاف".
(٢) كذا في (أ)، ولعل الصواب: "خلوا".
[ ١ / ٣٨٥ ]
لهم عزُّ المسلمين مشَوا فيه، وإذا كانت الدَّبْرةُ (^١) عليهم قاموا متحيِّرين في كفرهم ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأهلكهم وأماتهم من غيرِ قتال، إنه على كل شيء قدير، كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٨]، وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٦].
وقيل: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لعطَّل أبدانهم ومصالحَها فلم يَصلُحوا لجهادٍ ولا لغرضٍ آخَرَ، إنه على كل شيء قديرٌ.
وقيل: أي: كلما دُعوا إلى غنيمةٍ ومنفعةٍ أجابوا ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: إذا أُمروا بالخروج للغزو تثاقَلوا.
وقيل: كلما سمعوا غَلَبة أشياعِهم فرحوا ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾؛ أي: وإذا رأوا غلبة المؤمنين تحيَّروا ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأذهب أشياعهم، إنه على كلِّ شيء قديرٌ (^٢).
وقيل: هذا في الذين آمنوا، ولمَّا (^٣) مسَّهم الضرُّ ارتدُّوا، وهم الذين ذكرهم اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ الآية [الحج: ١١]، فقال (^٤) تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ فشبَّه الإسلام بالمطر، والنعمةَ فيه بالبرق، والفتنَ والمحنَ فيه بالرعد ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أي: لا يحبُّون أن يسمعوا بشيءٍ من الشدائد والبلايا، يكاد ما يَرونه من عزِّ المسلمين وإصابةِ الغنائم يمحو عن قلوبهم الشبهات ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: وإذا زال نفعُ الدنيا وقفوا، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لسلب ما في أيديهم وزادهم ذلًّا إلى ذلٍّ، إنه على كلِّ شيءٍ قدير.
_________________
(١) في هامش (أ): "الدبرة: الهلاك".
(٢) هنا نهاية السقط في (ر) و(ف).
(٣) في (ر) و(ف): "لما".
(٤) في (أ): "قال"، وفي (ر): "وقال".
[ ١ / ٣٨٦ ]
وقيل: المثَلُ لليهود، وذلك أن المسافر ينتظِرُ المطرَ ليَعمُرَ (^١) الطرق ويملأَ الحياض (^٢) فينتفعَ به هو ودوابُّه، ولا يتوقَّعُ الظلماتِ والرعدَ والبرق، فكذا اليهودُ كانوا ينتظرون خروج نبيِّنا ﵊ ليهتدوا به ويَقهروا الأعداء (^٣)، ولم ينتظِروا نسخَ شريحتِهم والوعيدَ (^٤) بالنار لمن كان على دينهم، فالمطرُ: مثالُ محمدٍ -ﷺ-، والظلماتُ: نسخُ شريعتهم، والوعدُ: الوعيدُ بالنار، والبرق: محجزات النبي -ﷺ- ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾: يعاندون في الإنكار مع ظهورِ الحق والآيات (^٥) ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: كاد ظهورُ دلائله يَذهب بظُلمة قلوبهم ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: المسافرُ لو نظر إلى البرق لأبصر الطريق، ولو غمَّض عينيه خَفِي عليه الطريق، فكذا اليهودُ لو تأمَّلوا في حالى النبيِّ -ﷺ- لاهتدَوا، ولَمَّا أعرضوا بَقُوا في الضلالة.
وقيل: المثلُ لليهود مع التوراة، فالمطر: التوراة، والظلماتُ: متشابِهاتُها، والرعد: الوعيد، والبرق: ذكرُ محمد -ﷺ- ونعتِه وشرفِه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾: يُعرِضون عن ذكرِه والتأمُّلِ فيه مخافةَ فَوْتِ الرياسة والمأكلة (^٦)، يكاد ظهورُ حاله يُزيل كفرَهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: ما وافَقَ أهواءهم قَبِلوه وما خالفَها ردُّوا.
_________________
(١) في (ر): "ليعرف".
(٢) في (ف): "الحيضان".
(٣) في (ر) و(ف): "أعداءه".
(٤) في (ر): "والوعود".
(٥) في (ر) و(ف): "مع ظهور الآيات".
(٦) في (أ): "ذا المأكلة".
[ ١ / ٣٨٧ ]
وقيل: معناه: لو تفكَّروا آمَنوا وسُعدوا، ولكنْ أَعرضوا فهلَكوا وخسِروا، وكما أنَّ اللَّه تعالى قادرٌ على تنوير بصرِ المسافر وإنْ تعامَى، فكذا هو قادرٌ على تنوير قلوبِ اليهود د ان أعرضوا، ولكنْ لم يَشَأْ ذلك، فهو على ما يشاء قدير.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: المثَلُ لكفارِ عصرِ النبيِّ -ﷺ-، ألَا ترى أنه قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وكانوا صِنفين:
صنفٌ: أهلُ كتابٍ قد غيَّروه؛ كما قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]، ومن أهل الكتاب قوم ابتدَعوا الكتاب، كما قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] فاندرستِ الكتبُ الحقُّ، وصاروا في ظلمةِ الضلالة (^١)، وظهر منهم القولُ المختلِف المتناقِض الذي لا تحتمِلُه الحكمةُ.
وصنفٌ: لا ينتحِلون الكتاب ولا يؤمنون بنبيٍّ، بل يعبدون الأوثانَ والأحجار والنيران، ليس لهم مَن يدلُّهم على رشدهم.
فاحتاجوا (^٢) إلى مَن يُخرجهم من الضلال إلى الهدى، ومن الفُرقة إلى الائتلاف، فبعث اللَّه إليهم نبيًّا (^٣)، وألزمهم (^٤) بالآيات ليستنقذَهم به إنْ أطاعوه،
_________________
(١) في (ف): "الظلمة" بدل: "ظلمة الضلالة" وفي الهامش كالمثبت.
(٢) في (أ): "رشد فاحتاجوا" وفي (ر) و(ف): "رشدهم احتاجوا". وعبارة "التأويلات": (فأحوج الفريقين جميعًا ما حل بهم من الحيرة والتيه إلى من يشفيهم من داءِ الضلالة بنور الهدى. . .).
(٣) في (ف): "نبينا".
(٤) في (أ): "وأكرم". وفي "التأويلات": (فبعث إليهم عند شدة حاجتهم رسولا، وأكرمهم بما أَراهم من الآيات التي يعلمهم بها أَنه أنعم بها عليهم ليستنقذهم. . .).
[ ١ / ٣٨٨ ]
فكانوا كقومٍ بقُوا في ظلمات الليل والسحابِ متحيِّرين، أو (^١) كقومٍ ابتُلوا بشدة الجوع والعطش بالقحط (^٢) والجُدوبة، فأغاثهم بالمطر، فتلقَّوا نعمه بالشكر، فنَجَوا بذلك من الهلكة، وذلك مَثَلُ مَن اتَّبعه، ومنهم مَن تلقَّاه بالكفران، وذلك مثَلُ مَن لم يتَّبعه (^٣).
فشبَّه نبيَّه بالمطر إذ هو رحمةٌ كالمطر، وشبَّه إيمانَ مَن آمَن به بضوءِ البرق والمشي فيه، وشبَّه عناد المعاندِين بالرَّعد، يكاد نورُ محمدٍ -ﷺ- وبركتُه تَخْطَفُهم من العذاب مع كفرهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾؛ أي: كلَّما ظهَر لهم نورُه وبركتُه سكَنوا إليه، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾؛ أي: وإذا رُفع محمد -ﷺ- عذِّبوا بأنواع العذاب، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾؛ أي: لعذَّبهم ومحمدٌ فيهم، إنه قديرٌ على كلِّ شيءٍ.
* * *
(٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال الزجَّاج: (يا) نداء، و(أيُّ) اسمٌ مبهَمٌ مبنيٌّ على الضم لأنه منادًى مفردٌ معرفةٌ (^٤)، و﴿النَّاسُ﴾ صفةٌ له، و(ها) (^٥) تنبيهٌ لازمٌ لـ (أيّ)، وهو عوضٌ عن الإضافة في (أيّ)؛ لأن أصلَ (أيّ) أن يكون مضافًا في الاستفهام.
_________________
(١) في (أ): "فتحيروا" بدل من "متحيرين، أو".
(٢) في (ر): "والقحط".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
(٤) "معرفة": من (أ).
(٥) في (ر): "والهاء".
[ ١ / ٣٨٩ ]
وقال سيبويه عن الخليل: المنادى المفرد مبنيٌّ وليس بمعرَبٍ، ولذلك لم ينوَّن، وصفتُه مرفوعةٌ رفعَ إعرابٍ، ولذلك دخله الألف واللام (^١).
وقال الأخفش: ﴿النَّاسُ﴾ صلةٌ لـ (أي).
والنداء: تنبيهُ الغافلين، وإحضارُ الغائبين، وتحريكُ الساكنين، وتعريفُ الجاهلين، وتفريغُ (^٢) المشغولين، وتوجيهُ المعرِضين، وتهييجُ المحبين، وتشويقُ المريدين، وإن اللَّه تعالى نادى الأمم (^٣) الماضين باسم المساكين، ونادانا باسم المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وباسم الإنسانية، وهي المروءةُ وحسنُ (^٤) المعاملة وصدقُ المجاملة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهو (^٥) مدحٌ ابتداءً، وبعثٌ على ملازمة الإنسانية انتهاءً، وهو مشتقٌّ أيضًا من آنسَ؛ أي: أَبْصَر، كأنه قال: يا أولي الأبصار. وهو (^٦) من الأُنس أيضًا، وهو مدحٌ له بالأُنس بذِكْر ربه، ومن النسيان، وهو عتابٌ وتلقينُ عذرٍ؛ أمَّا العتاب فكأنه يقول: يا أيها الناسي (^٧) نعمَنا بالكفران وأوامرنا بالعصيان، وأما التلقينُ للعذر فكأنه يقول: يأيها المخالف لنا ناسيًا لا عامدًا، وساهيًا لا قاصدًا (^٨)، عذَرْناك لنسيانك وعفونا عنك لإيمانك.
وقوله: ﴿النَّاسُ﴾ هنا يَصلح اسمًا للمؤمنين والكافرين والمنافقين.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٩٨). وانظر: "الكتاب" (٢/ ١٨٨ - ١٨٩).
(٢) في (أ) و(ف): "وتقريع".
(٣) "الأمم": من (ر).
(٤) في (أ): "وبحسن".
(٥) في (ف): "وهذا".
(٦) "هو": ليست في (أ) و(ف).
(٧) في (ف): "الناس قابلتم".
(٨) في (أ): "ناسيًا وساهيًا لا عامدًا ولا قاصدًا".
[ ١ / ٣٩٠ ]
وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: أمرٌ لهم (^١) جميعًا، وقد سبق ذكرُهم جميعًا: ذكرُ المؤمنين في أول السورة، وذكرُ الكفار بعدهم، وذكرُ المنافقين بعدهم.
وقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾ معناه: أيها المؤمنون أطيعوا، وأيها الكافرون آمِنوا، وأيها المنافقون أَخلصوا، وهو وجهُ انتظام هذه الآية بتلك الآيات.
وقد مرَّ في تفسير العبادة أقاويلُ، ونذكر هاهنا قولًا واحدًا؛ وهو أن العبادة: استفراغُ الطاقة في استكمال الطاعة، واستشعارُ الخشية في استبعاد المعصية.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّكُمُ﴾؛ أي: إلهكم ومالكَكم ومربِّيَكم.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الخلقُ في اللغة: التقدير، قال الشاعر:
ولأنت تَفْرِي ما خلَقْتَ وبعْـ ضُ القوم يَخلُقُ ثم لا يَفري (^٢)
ومنه قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠]، فالخَلْق: الإيجاد.
والخَلْق: الافتراء في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، والاختلاقُ كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧].
والخَلْق: المخلوق في قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١].
والخَلْق: المخلوقون في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩].
والخَلْق: البعث بعد الموت في قوله تعالى: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩].
_________________
(١) في (ر): "أمرهم".
(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في "ديوانه" (ص: ١١٩)، و"الكتاب" (٤/ ١٨٥)، و"غريب الحديث" لأبي عبيد (٢/ ٥٧). وجاء في هامش (ف): "الفري: القطع على وجه الإصلاح، والإفراء: القطع على وجه الفساد".
[ ١ / ٣٩١ ]
وتفسير ﴿خَلَقَكُمْ﴾ ها هنا: أَوْجَدكم، فهو المستحِقُّ لعبادتكم إياه، وهي العملُ له على الخلوص.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: العبادةُ: جَعْلُ العبد (^١) كلِّيَّتَه للَّه قولًا وعملًا وعَقْدًا (^٢).
قال ﵁ (^٣): وقرَّر معنى التخليق، بأنْ كَرَّره (^٤) في القرآن من كلِّ طريق، أَخبر أنه هو الخالق، فقال تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وأنه الخلَّاق فقال: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، وأنه أحسنُ الخالقين قال اللَّه تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وأنه خلَق كل شيءٍ فقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] وأنه يخلق ما يشاء فقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
وخصَّ بعضَ المخلوقات بالذِّكر:
فمنها: السماء، فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠].
ومنها: الأرض، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ [فصلت: ٩].
وجمعهما فقال: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
ومنها: الليل والنهار، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
وذكَر الجنَّ والإنس، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]
_________________
(١) "العبد" ليست في (أ) و(ف)، و"العبادة" ليست في (ر)، والعبارة كاملة في "التأويلات".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٩٩).
(٣) في (أ): "قال نجم الدين".
(٤) في (ر): "ذكره".
[ ١ / ٣٩٢ ]
وخصَّ الجان فقال: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، وإبليسَ فقال خبرًا عنه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ (^١) [الأعراف: ١٢]، والملائكةَ فقال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾ [الصافات: ١٥٠]، وآدمَ فقال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، وحواء فقال: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، وأزواجَنا فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١]، وأولادَ آدمَ وحواء فقال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، والتَّارات فقال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦].
وأثنى على نفسه به فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] لأنه أَحْسَنَ التخليقَ؛ قال (^٢) تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
وذكر خَلْقَ أعمالهم فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وخَلْقَ (^٣) أسرارِهم فقال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤].
وذكرَ خَلْقَ الذكر والأنثى، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]، وخَلْقَ الأنعام لأجْلهم فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ الآيات [النحل: ٥]، وكذا كلُّ الحيوانات فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٥].
وذكر الذبابَ فقال: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣].
وذكر الجماداتِ فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ [النحل: ٨١].
_________________
(١) زاد في (ر) و(ف): " ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ".
(٢) في (ر) و(ف): "فقال".
(٣) في (ر): "وذكر".
[ ١ / ٣٩٣ ]
وذكر خلقَ ما لا (^١) نعلمُ فقال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
وذكر خلقَ الموت والحياة فقال: ﴿لَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢].
وذكر (^٢) أنه ما خلَقَنا عَبَثًا فقال عزَّ وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]
ذكر (^٣) أنه خلَق وأنه رزَق وأنه يحيي وأنه يميت فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠].
فإذا (^٤) كان هذا كلُّه منه كان استحقاقُ عبادةِ الخلق له دون غيره (^٥)، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: الواو للعطف؛ أي: وخلَق الذين من قبلِكم فاستحقَّ عبادتهم وأمَرهم أيضًا بعبادته فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلالةٌ على شمول القدرة والصَّنعة، وتنبيهٌ عن سِنَة الغفلة، أنهم كانوا فمضوا، وجاؤوا وانقضَوا، فلا تنسَوا مصيركم، ولا تستجيزوا تقصيركم.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: (عَلَّ) و(لعلَّ) في اللغة كلمةُ تَرَجٍّ ممن (^٦) لا
_________________
(١) في (ف): "وخلق ما لم" بدل: "وذكر خلق ما لا".
(٢) في (أ) و(ف): "ثم ذكر".
(٣) في (أ): "ثم ذكر".
(٤) في (أ) و(ف): "وإذا".
(٥) في (ر): "كان استحقاقًا للعبودية دون غيره"، "دون غيره" ليست في (أ).
(٦) في (أ): "ترجي لمن".
[ ١ / ٣٩٤ ]
يَعلم العاقبة، وهو ترجيَةٌ (^١) من اللَّه تعالى، فإنه لا تَخْفَى عليه خافية، وهو ككلمة (كيف) هي للتعجُّب منا وللتعجيب من اللَّه تعالى، ومِثلُها كلمة (أو)، وهي للشك منا وللتشكيكِ من اللَّه، وكذلك (عسى).
وفارسيتُهما: (ترجي أميد داشتن، وترجية ما أوميد داشتن، تعجب شكفت داشتن، وتعجيب شكفت داشتن).
ومعناه: اعبدوا ربَّكم راجين التقوى، وللتقوى هاهنا معنيان: التقوى في الدنيا عملًا، والتقوى (^٢) في الآخرة أملًا:
ففي الدنيا: الاتِّقاءُ عن الشرك إنْ حُمِلَ الأمرُ بالعبادة على التوحيد، والاتِّقاءُ عن الذنوب إنْ حُمل ذلك على الطاعات.
والاتِّقاءُ في الآخرة هو الاحتفاظُ عن النار وسائر العقوبات.
وهذه مخاطبةُ لطفٍ، يقول الرجل لآخَرَ: لا أؤاخذُك بالجَفوة لعلك ترجعُ إلى الصَّفوة.
واللَّه تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [طه: ١١٣] ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
_________________
(١) في (أ): "وهي توجيه".
(٢) "التقوى": ليست في (ف).
[ ١ / ٣٩٥ ]
ومن العجيب (^١) ذكرُه في حقِّ فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
وكان الشِّبليُّ ﵀ يقول في هذا: يا ربّ! هذا لطفُك بمن يقول: أنا ربكم الأعلى، فكيف لطفُك بمن سجَد لك على التراب، وقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى؟!
وهذا (^٢) كلُّه على ما مرَّ أنه ترجيةٌ، ومعناه هاهنا: أنه قال لموسى وهارون: اذهبا إليه وادعواه إلينا وأنتما على رجاءِ إجابته، واعتذارِه عن جنايته، واللَّه تعالى قد علِم أنه لا يجيب، لكنْ أمر بذلك إلزامًا للحجة، وأخفَى الحال عليهما لئلا يقصِّرا في الدعوة.
* * *
(٢٢) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾: هو صفة قوله: ﴿رَبَّكُمُ﴾، وتفسيره: صيَّر لكم الأرض، وقيل: خلَق، وقيل: بسَط.
و(جَعَل) في القرآن لمعانٍ:
للخلق: قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١].
وللإنزال: قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣].
_________________
(١) في (أ): "العجب".
(٢) في (أ): "وعلى هذا".
[ ١ / ٣٩٦ ]
وللحبس: قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ أي: حبَسْناه ﴿لَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] إلى وقتِ الولادة.
وللوضع: قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢]؛ أي: ضَعُوا دراهمهم في جُوالقهم (^١).
وللإدخال: قال تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧].
وللجمع: قال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤].
وللبناء: قال تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤].
وللتمليك والتسليط: قال تعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥].
وللقول والوصف: قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩].
وللإرسال: قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩].
وللتحويل: قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ (^٢) [الأنبياء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥].
وللتصيير: قال تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وللتَّرك: قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠].
وللإعطاء: قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢].
وللاتِّخاذ: قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩].
وللتَّسخير: قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢].
_________________
(١) في (ر): "جواليقهم".
(٢) " قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ ": من (ر).
[ ١ / ٣٩٧ ]
وللرَّفع: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢].
وللبَسط: قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿الْأَرْضَ﴾: هي التي نحن عليها، واشتقاقُها من أشياءَ:
فالأرضُ: قوائمُ الفرَس وهي أسافلُه، وأرضُنا التي نستقرُّ عليها متسفِّلة (^١).
والأرض: الرِّعدةُ، وأرضُنا قد (^٢) تتزلزل، وكانت متزلزلةً قبل خلقِ الجبال لتوطيدِها.
والأَرِيض: الخليق بالخير، وكذلك أرضُنا ففيها الماءُ والمرعى، وعليها القرارُ والمأوى، للأحياء والموتى.
والإرَاض (^٣): البساط، وهي بساطُنا.
والأرَض بفتح الراء: الاتِّساع، وأرضُنا متَّسعةٌ.
والأَرَضةُ دُوَيْبَّةٌ تأكل العود، وأرضُنا تتأرَّض ما دُفن فيها.
والتأريض: التأسيسُ والتأصيل، قال النبيُّ -ﷺ-: "لا صيامَ لمن لم يؤرِّضْه من الليل" (^٤)، وأرضُنا هي الأساس.
_________________
(١) في (ر): "منسفلة".
(٢) "قد": من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "والأرض".
(٤) رواه ابن ماجه (١٧٠٠)، وثابت بن قاسم السرقسطي في "الدلائل في غريب الحديث" (٦٥٨)، والخطابي في "غريب الحديث" (١/ ٢٠٦)، من حديث ابن عمر عن حفصة ﵂ مرفوعًا. ولفظه في مطبوع ابن ماجه: "يَفْرِضْه"، وفي بعض نسخه: "يؤرضه" بلفظ الشاهد. وهو عند أبي داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣٥)، بلفظ: "من لم يُجْمِعْ الصِّيَامَ قبل الفَجْرِ فلا صِيَامَ له". قال الترمذي: حدِيثُ حفصةَ حديث لَا نَعْرِفُهُ مرفوعًا إلا من هذا الوَجْهِ، وقد رُوِيَ عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ قَوْلهُ وهو أَصَحُّ. قلت: روى موقوف ابن عمر النسائي (٢٣٤٢) و(٢٣٤٣).
[ ١ / ٣٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فِرَاشًا﴾: أي: بساطًا، والفَرْش: البَسْط، وهو مصدرٌ، والفراش: البساط، وهو اسمٌ لِمَا يُفرش؛ أي: يُبسط، والمرأةُ فراشُ الرجل لأنه يَستفرِشُها، قال اللَّه تعالى في أزواج الجنة: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤].
ونظيرُ هذا الاسم للأرض في القرآن: المهدُ والمهادُ والبساط، قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦]، وجمَع بين الفَرْش والمهدِ في آيةٍ فقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل: ٦١].
وقريبٌ من هذه الصفة ما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٦]، والدَّحْوُ: البَسْط، والطَّحْو: البَسْط والتوسيع، وقال: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]؛ أي: بسطت، وقال: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [الحجر: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: معطوفٌ على الأول؛ أي: وجعَل السماء بناءً، وهي السماء (^١) التي فوقنا، مشتقَّةٌ من سما يسمو سموًّا؛ أي: عَلا، وقد مرَّت وجوهه في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩].
وهي تَصْلُح للواحدة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك: ٥]، وللسماوات السبع كما في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]. فكونُها للواحد ظاهرٌ، وللجمع بطريقين:
_________________
(١) في (أ): "والسماء هي" بدل من "وهي السماء".
[ ١ / ٣٩٩ ]
أحدهما: أنها جمع السماءة (^١)؛ كالعَباءِ والعَباءة.
والثاني: أنه جنسٌ، فيجوز أن يتناول كلَّها (^٢).
وقوله تعالى: ﴿بِنَاءً﴾؛ أي: مبنيَّةً. فالفِعَال بمعنى المفعول كثيرٌ، منها: الكتابُ بمعنى المكتوبِ، والفِراشُ بمعنى المفروشِ، والبساطُ بمعنى المبسوطِ، والمهادُ بمعنى الممهودِ، والبناء بمعنى المبنيّ (^٣).
والبناء مصدر أيضًا من بَنَى يَبْني، وهو في اللُّغةِ لثلاثِ معانٍ:
للتركيب: كما في قوله تعالى: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦].
وللرفع: كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧]؛ أي: رفَعَها (^٤).
وللوصل: كما في قوله ﵊: "فلْيَنْصَرِفْ ولْيَتوَضَّأْ ولْيَبْنِ على صَلَاتهِ" (^٥).
فسمَّى السماءَ بناءً لهذه الوجوه؛ وهي أنها مركَّبةٌ مرفوعةٌ موصولةٌ.
والبنيان كالبناء، والكلمةُ جاءت في القرآن لأشياء:
للجدار وحده: قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
وللرِّباط: قال تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف: ٢١].
_________________
(١) في (أ): "أنها جمع السماء"، وفي (ف): "أنه جمع السماءة"، وفي (ر): "أي جمع السماءة".
(٢) في (أ): "فيكون متناولًا للكل".
(٣) "والبناء بمعنى المبنيّ": ليس في (أ) و(ف).
(٤) "أي: رفعها": ليس في (أ) و(ف).
(٥) رواه الدارقطني في "سننه" (٥٦٥) من حديث عائشة ﵂.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وللبَطَر (^١): قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨].
وللمسجد: قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ [التوبة: ١٠٩].
وللأتون: قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ [الصافات: ٩٧].
وللعمارة التامة: قال اللَّه تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧].
وللسماء: قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥].
ولمنازل الجنة: قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١].
ونظيرُ هذه الصِّفة للسماء في القرآن قولُه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ [النازعات: ٢٨]، وقولُه: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥]، من قولهم: سَنَامٌ سامِكٌ؛ أي: مرتفعٌ، وسمَّاها سقفًا لانحنائها مع ارتفاعها، والأَسْقَفُ: الطويل المنحَني، وقولُه: ﴿وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤]، وقولُه: ﴿أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ﴾ [الروم: ٢٥].
ومن صفاتها ما قال:
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وحفظُها بمعنيَين: من الشياطين قال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]، وعن الوقوع قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١].
وقال: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢].
وقال ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، وقال: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]، وقال: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧]، ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧]، وقال: ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وللمنظر".
[ ١ / ٤٠١ ]
[الحجر: ١٦]، وقال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] (^١)، وقال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وقال: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، وقال: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] (^٢).
ثم معنَى ذكرِ خلقِ السماءِ والأرضِ في حالِ الأمرِ بالعبادة خمسةُ أوجهٍ:
أحدها: أن اللَّه تعالى هو الذي قدَر على خَلْقهما، فهو المستحِقُّ لأنْ يكونَ إلهًا يُعبد.
والثاني: أنه هو الذي تفرَّد بخَلْقهما فعليهم أن يوحِّدوه ولا يُشركوا به شيئًا.
والثالث: أنه هو الذي أنعم عليهم بجَعْل الأرضِ بساطًا لهم وموضعًا لأرزاقهم وذلولًا يمشون في مناكبها، والسماءِ سقفًا لهم منها ينزل عليهم البركات، فعليهم أن يشكروا له بعبادته وطاعته (^٣).
والرَّابع: أنه على سبيل الاحتجاج، لأنَّ من الكفار مَن يَعبد ما في الأرض من الأوثان والنيران، ومنهم مَن يَعبد ما في السماء، وهو الشمسُ والقمرُ والملائكة، فقال جل وعلا: الأرضُ والسماء وما فيهما مِلْكي وخَلْقي، فكيف تجعلون مِلْكي وخَلْقي شريكًا (^٤) لي في العبادة؟!
والخامس: أنه على سبيلِ الوعيد، يعني: السماءُ والأرض مِلْكي، فإنْ شئتُ خسَفْتُ الأرض بكم، وإنْ شئتُ أَلقيتُ السماء عليكم، كما قال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا
_________________
(١) في ذكر هذه الآية هنا تكرار لا لزوم له.
(٢) من قوله: "ونظير هذه الصفة للسماء في القرآن. . . " إلى هنا من (أ).
(٣) "وطاعته": من (أ).
(٤) في (ف): "تجعلون لملكي شريكا".
[ ١ / ٤٠٢ ]
بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: عطفٌ على قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السماء التي هي سقفُ الدنيا، أو من السحاب، وقد بينَّا في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أنه قيل لكلِّ واحدٍ منهما، ووفَّقْنا بينهما أيضًا.
وقوله: ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا، والماءُ أصلُه: المَوَهُ، بدليلِ أن جمعَه: المياه والأمواه، وتصغيرُه: المُوَيه، والفعلُ منه: مَوَّه السكِّين (^١)، وأَمَاهتِ البئرُ، إلا أن الواو من (المَوَهِ) سكِّنت لحركةِ ما قبلها طلبًا للتخفيف لأنها معتلَّةٌ، ثم صيِّرت ألفًا لفتحةِ ما قبلها، كما في المال والحال والخال، فصار: ماه، ثم أُبدلت الهاء همزةً (^٢) لتجانُسهما كما في قولهم: إيَّاك وهِيَّاك، وأَيْهاتَ وهَيْهاتَ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: الخروج في الحقيقة (^٣): الانتقالُ من الحِصن إلى العورة، والإخراجُ متعدٍّ، والاستخراجُ: الاستنباط، والتخارُجُ من الورثة: إخراجُ بعضهم بشيءٍ من الميراث، وتخريجُ شيءٍ من المسألة (^٤) وتخريجُ المعلم معروفان.
وهذه الكلمة ذكرت في القرآن لوجوهٍ:
_________________
(١) لعل المعنى: سقاه الماء، وذلك حين يَسنُّه به، ذكره في "التاج" في معنى: أماهَ السكِّين.
(٢) في (أ) و(ف): "بالهمزة".
(٣) في (أ): "الخروج حقيقة".
(٤) في (أ): "وتخريج المسألة".
[ ١ / ٤٠٣ ]
لهذه الحقيقة التي مرت: قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٧].
وللنُّزول: قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣].
وللصُّعود: قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [سبأ: ٢].
وللظُّهور: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢].
وللفراق: قال تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦].
وللرُّجوع إلى الدنيا: قال تعالى: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].
وللخَلق والإيجاد: كما قال تعالى (^١) في هذه الآية: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا﴾؛ أي: أَوْجَدها، ليس أنها موضوعةٌ في الأشجار فأخرجها منها.
وللحياة: قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف: ٥٧].
وللموت: قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
وللاتِّخاذ: قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [طه: ٨٨]؛ أي: اتَّخذ وصاغ.
وللدعاء: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾؛ أي: الشياطين ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ أي: يَدْعونهم من الهدى إلى الضَّلال (^٢).
وللنجاة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].
ولتغيُّر (^٣) الصورة: قال اللَّه تعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾؛ أي: من صورة الملائكة.
_________________
(١) "قال تعالى": ليس في (أ).
(٢) في (أ) و(ف): "الضلالات".
(٣) في (أ): "ولتغيير".
[ ١ / ٤٠٤ ]
وللذِّكر: قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ أي: ذُكرت لمَن سَلَف من الناس.
وقولُه تعالى: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالماء الذي ذُكر وهو المطر.
وقوله: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (من) كلمةُ تجنيسٍ هاهنا، وأصلُه للتبعيض، وفي التجنيس معنى التبعيض؛ لأنه بعض الأجناس.
والثمرات: جمع الثمرة، وأصلها: الزيادة والنماء، يقال: ثمَّر اللَّه مالَه؛ أي: زاده وكثَّره، والفاكهة تسمَّى ثمرةً لهذا، وكذا ثمرةُ كلِّ عينٍ وعملٍ هو ما زاد عليه، وتُجمع الثمرةُ: ثَمَرًا، بحذف الهاء التي هي للتوحيد، ثم: ثمارًا، كالبَلد يُجمع بلادًا (^١)، ثم الثمار تجمعُ على الثُّمُر، كالحمار يُجمع على الحُمُر، وهذه جموعُ تكسيرٍ، وجمعُ السلامة هو الثَّمَرات.
ثم هي هاهنا المأكولاتُ كلُّها من الحبوب والفواكه وغيرِها مما يخرج من الأرض والشجر، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والحصادُ يكون للزرع.
وقد بسَط اللَّه تعالى ما اختصره في هذه الآية في آيةٍ أخرى، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ الآية [الأنعام: ٩٩].
وقال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ إلى أنْ قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ الآية [عبس: ٢٧ - ٢٨].
ثم الألفُ واللام في ﴿الثَّمَرَاتِ﴾ للتعريف، وله وجوه:
_________________
(١) في (ر): "ثمارًا كالبَلدةِ تُجمع بلدًا ثم تُجمع بلادًا".
[ ١ / ٤٠٥ ]
أحدها: تعريفُ الجنس وهو لتعميم الكلِّ.
والثاني: أنه لتعريف المعهود وهو ما تعارَفوه من الثمار.
والثالث: أنه لتعريفِ المعهود، وهو الثمارُ المخرَجة من الجنة، قال النبيُّ -ﷺ-: "لمَّا أُهبط آدم ﵇ من الجنة علَّمه اللَّه صَنعةَ كلِّ شيءٍ، وزوَّده من ثمار الجنة، فثمارُكم هذه من ثمار الجنة، إلا أن ثمار الجنة لا تتغيَّر" (^١).
وقوله تعالى: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾: قيل: طعامًا (^٢)، وقيل: قُوتًا، وقيل: غذاءً، وهي متقاربةٌ، وقد مرَّ تفصيله وتفسيرُه في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.
وجملتُه (^٣): أن اللَّه تعالى تعرَّف إليهم بذكرِ ما منَّ به عليهم؛ مِن خَلْق السماءِ لهم سقفًا مرفوعًا، وإنشاءِ الأرض لهم فراشًا (^٤) موضوعًا، وإخراجِ النبات لهم بالمطر رزقًا مجموعًا.
ويقال: أعتقَهم عن منَّة الأمثال بأنْ هيَّأ لهم ما لا بدَّ منه، فكافأهم فجعل
_________________
(١) رواه البزار في "مسنده" (٣٠٢٩) من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعًا، وقال: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن عوف عن قسامة عن أبي موسى موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه إلا ربعي. قال عبد الحق في "الأحكام الكبرى" (٤/ ١٦٩): ربعي هو ابن علية أخو إسماعيل ابن علية وهو ثقة مأمون. وقسامة بن زهير ثقة، ذكر ذلك فيهما يحيى بن معين، ولم يذكره أبو بكر البزار. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٩٧): رواه البزار والطبراني ورجاله ثقات. والموقوف رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٩٩٦) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) في (أ): "أي طعامًا لكم" بدل: "قيل: طعامًا".
(٣) في (أ): "وحكمته".
(٤) في (أ) و(ف): "فرشًا". وضبطت (سقفا) في (أ) بضم السين.
[ ١ / ٤٠٦ ]
السماءَ (^١) غطاءً، والأرضَ وطاءً، والمباحاتِ رزقًا، والطاعةَ حِرفةً، والعبادةَ شُغلًا، والذِّكر مُؤْنسًا، والربَّ كافيًا.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: دلَّت الآيةُ أن المقصود في خلق السماوات (^٢) والأرضِ، وإنزالِ الماء، وإخراجِ الثمرات وأنواع المنافع، بنو (^٣) آدم وهم الممتحَنون فيها، فإنه قال: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ الآية [النحل: ١٢]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ [إبراهيم: ٣٢]، وفي كثيرٍ من الآيات أضاف ذلك كلَّه إلينا، ثم جعل بلطفهِ منافعَ السماء متَّصلةً بمنافع الأرض على بعدِ ما بينهما، فلا يُخرجُ من الأرض شيئًا (^٤) إلا بما يَنزل من السماء من الماء؛ ليُعلم أن مُنشئهما واحدٌ، لأنه لو كان منشئُ هذا غيرَ الآخَر لم تتَّصل منافعُ هذا بمنافع الآخر (^٥) على بُعْدِ ما بينَهما، ويُوهِم خلافَ أحدهما الآخَر، فإذا كان كذلك دلَّ أن مُنشِئَهما واحدٌ لا شريك له (^٦).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: هو جمعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ، وكذلك النَّدِيدُ والنَّدِيدة، قال الشاعر:
_________________
(١) "فكافأهم" سقطت من (ر)، و"فجعل" سقطت من (أ)، وكلاهما سقط من (ف)، وجاء فيها: "فالسماء".
(٢) في هامش (ف): "السماء"، ومثله في "التأويلات".
(٣) في (ر) و(ف): "لبني"، والمثبت من (أ)، وهو الصواب والموافق لما في "التأويلات".
(٤) "شيئًا": من (ف). وفي "التأويلات": (فلا تُخرج الأرض شيئًا).
(٥) في (ف): "هذا".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٠٠).
[ ١ / ٤٠٧ ]
لكيلا (^١) يكونَ السَّنْدريُّ نَدِيدتي وأشتمَ أعمامًا عمومًا عماعِمَا (^٢)
والأعمام: جمع عَمٍّ، والعُموم: الطِّوال، والعماعِمُ: الجماعات.
وفي النِّدِّ والنَّديد قال آخَرُ:
أَتَيْمًا تجعلونَ إليَّ ندًّا وما تَيمٌ لذي حَسَبٍ نَديدُ (^٣)
ونِدُّك هو الذي يُنادُّك؛ أي: يقابلُك (^٤) ليُنفِّرك، من قولهم: ندَّ نُدودًا ونِدَادًا؛ أي: نفَر.
وتفسيره هاهنا:
ما قاله ابن عباسٍ والحسن: أي: لا تَصِفُوا للَّه أمثالًا وشركاءَ في مُلكه (^٥).
وفي بعض الألفاظ: أشكالًا وأعدالًا (^٦).
وقال مجاهدٌ وعكرمةُ عن ابن عباسٍ ﵄: لا تعتمِدوا على غير اللَّه، وتوكَّلوا على اللَّه.
وعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنه قال: لا تقولوا: لولا فلانٌ لأصابني كذا، ولولا كلبُنا يصيحُ على الباب لسُرق متاعُنا.
_________________
(١) في (ف): "لئلا".
(٢) البيت للبيد، وهو في "ديوانه" (ص: ١٢٧)، و"جمهرة اللغة" (١/ ١١٥)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٢٤)، و"مجمل اللغة" (ص: ٨٤٣). ورواية الديوان: (وأجعل أقوامًا عمومًا. . .).
(٣) البيت لجرير، وهو في "ديوانه" بشرح ابن حبيب (٢/ ٣٣١).
(٤) في (ر) و(ف): "يقاتلك".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٩١) عن ابن عباس وابن مسعود بلفظ: (أَكْفَاءَ مِن الرِّجالِ تُطيعونهم في معصيةِ اللَّهِ).
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٠١). وروى الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٩١) عن مجاهد وقتادة قولهما: (عُدَلاء).
[ ١ / ٤٠٨ ]
وعن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "إياكم ولو، فإنه من كلام المنافقين، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] " (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: أن اللَّه هو الذي خلقَكم ومَن قبلَكم، وخلَق السماءَ والأرض وخلَق الأرزاق، دون الأصنامِ فإنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنفع، قال تعالى: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]؛ أي: على علمٍ أن الذي اتَّخذه إلهًا لا ينفعُه.
وقيل: أي: وأنتم تعلمون وتُقِرُّون أن اللَّه هو الذي فعَل ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣].
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: أنشأ فيكم ما لو تدبَّرتُم وتفكَّرْتُم وتأمَّلْتُم علمتُم أنه لا نِدَّ له ولا شِكْلَ له (^٢)، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (^٣).
وقيل (^٤): وأنتم تعلمون أنه ليس له ندٌّ.
_________________
(١) لم أجده مسندًا بهذا اللفظ، وروى مسلم (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁: ". . وإنْ أصابكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ لو أني فَعَلْتُ كان كذا وكذا، ولكنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وما شاء فَعَلَ، فإنَّ لو تَفْتحُ عملَ الشَّيطانِ".
(٢) في (ر): "ولا شريك له".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٠١).
(٤) في (ر) و(ف): "قيل أي".
[ ١ / ٤٠٩ ]
وقيل: أي: وأنتم تعلمون أنه واحدٌ.
وقيل: وأنتم تعلمون بما نزل بمَن اتَّخذ للَّه أندادًا.
وقيل: أي: لا تخدِموا غيرَ اللَّه وأنتم تعلمون أنه لا يستحقُّ الخدمةَ غيرُه، ولا ترجُوا ولا تخافوا غيرَه وأنتم تعلمون أنه لا نافعَ ولا ضارَّ ولا معطيَ ولا مانعَ غيرُه.
والوعظ الكلِّيُّ: أنه قال في الآية: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ وقال تعالى: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] فلو (^١) قال لكم في القيامة: فعلتُ هذا كلَّه لكم، فما فعلتُم لي؟ فما تقولون؟
وعن الشِّبليِّ ﵀: أنه وعظ يومًا الناس، فأبكاهم لِمَا ذكر من القيامة وأهوالها، فمر بهم أبو الحسين النوريُّ وقال: لا تُفَزِّعهم (^٢) فإن حساب يومِئذٍ ليس بهذا الطول، إنما هو كلمتان: (من ترابودم توكرا بودي) (^٣).
قال المصنف ﵀ (^٤): وأنا أقول: (شماجه خواهيت كفتن در جواب أين سؤال بشريه كردكني من راموديم لختي زن شوى رابودم لاختي كوارا خوجه كديد لاختي سلطان را بودام كختي سود وزيان واسكت له كويد من همه حق رابودم) (^٥).
_________________
(١) في (أ): "ولو".
(٢) في (أ): "تقرعهم".
(٣) في هامش (ف): "تعريبه: كنت لك فلمَن كنت أنت".
(٤) في (أ): "قال نجم الدين".
(٥) في هامش (ف): "تعريبه: قال المصنف: وأنا أقول: أنتم أي شيء تقولونه في جواب قوله: فلمن كنت أنت؟ فيقول الزوج: كنت مشغولًا للبدل وقتًا ووقتًا للزوجة، وتقول الزوجة: كنت للزوج ساعة ولنفسي ساعة، ويقول التاجر: كنت ساعة للربح والكد ساعة للسلطان، فأين الرجل الذي يقول: كنت للحق في جميع الأوقات؟ ".
[ ١ / ٤١٠ ]
(٢٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾: انتظامُه بما قبلَه: أنه خطابٌ للَّذين ناداهم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقد أمرهم بالإيمان، وهو باللَّه ورسوله وكتابه، فأثبت دليلَ ربوبيَّته بما ذَكر في تلك الآية، وأثبت رسالةَ رسوله وصحةَ كتابه في هذه الآية.
ثم كلمة (إنْ) لمعانٍ:
للشَّرْط: كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].
وبمعنى (إذ): كما في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
وللنفي: كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠].
وللتأكيد: بمنزلةِ (لقد) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]؛ أي: لقد كان.
وبمعنى (إنَّ) المشدَّدة: نحوَ (^١): ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١].
وللصلة: كما في قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]؛ أي: فيما مكناكم فيه.
وللتحقيق: كما يقال: عليك بالصدق وإنْ ضرَّك، وإياكَ والكذبَ وإنْ نَفَعَك؛ أي: مع أنه كذلك.
وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾؛ أي: أنتم.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "كما في قوله".
[ ١ / ٤١١ ]
و(كنتُم) في القرآن جاء للماضي والحال والاستقبال، وقد بينَّا ذلك في كلمةِ (كان) عند قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].
و(كنتم) أيضًا على ذلك: أمَّا للماضي ففي قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]، وأمَّا للحال ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وأمَّا للاستقبال ففي قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]؛ أي: يوم القيامة.
وقوله: ﴿فِي رَيْبٍ﴾ أي: شكٍّ، وقد مر شرحُه في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾: (مما) كلمتان: (مِن) و(ما)، أُدغمت النونُ في الميم فصارتا ميمًا واحدةً مشدودةً خَطًّا وميمين نُطقًا.
و(ما) بمعنى: الذي، ومعنى (ما نزلنا)؛ أي: الذي نزَّلنا وهو القرآن، وإنزالُه: ما فسَّرناه في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤].
والتنزيل: التفصيل، ودلَّت (^١) الكلمةُ على إنزاله مفصَّلًا، وحكمتُه ما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢].
نزلت كتب الأوَّلين جملةً فتركوها جملةً، ونزل القرآن مفصَّلًا فبقي في القلوب مثبَتًا محصَّلًا.
ولأن أولياء اللَّه اليوم في دار الحَجْبة، فجدَّد لهم الأُنسَ بكتابه ساعةً فساعةً، وقد ذكر اللَّه تعالى تنزيلَه (^٢) ثلاثةَ أشياءَ شيئًا فشيئًا:
القرآنَ: بقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾.
_________________
(١) في (أ): "للتفصيل فدلت".
(٢) في (أ): "تنزيل".
[ ١ / ٤١٢ ]
والمطر: بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨].
والرزق: بقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].
(اكربا ران جملة امدى برعالميان طوفان شدي، واكر روزي جمله امدى برعالميان طوفان شدي، راكر ورورزي جملة امدى بنده ارنكاه داشتن همة سركردان شدي، واكر قرآن جمله امدى عمل بهمة بردل هريكي كران شدي) (^١).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾: هو نبيُّنا المصطفى محمدٌ -ﷺ-، وله أسماءٌ كثيرةٌ في القرآن، وكان أحبَّها إليه: العبدُ، فهو (^٢) المستجمِعُ لمعاني العبادة والعُبودة، وكرِّر هذا الاسمُ له في القرآن، وكأنه قال: (قرآن بوى وحي كريديم ووى مار بنده، نزل القرآن على عبده مادار سالت برخاست ووي بنده، وأنه لما قام عبد اللَّه وبحضرة برديمش ووى بنده، سبحان الذي أسرى بعبده وياوى راز كفيتم ووى بنده، فأوحى إلى عبده ما أوحى ودران مقام بارنتا كفت، التحيات للَّه والصلوات والطيبات ووى مارابنده وما وى مارابنده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله درهمه أحوال وى مارا بنده وماوى را بسنده، أليس اللَّه بكاف عبده ووى مارا بشكر خدمت ارنده، أفلا أكون عبدًا شكورًا) (^٣).
_________________
(١) في هامش (ف): "تعريبه: لو نزل القرآن [كذا ولعله: المطر] جملة لصار طوفانا، ولو نزل الرزق جملة لعجز المرزوق عن حفظه وضبطه، ولو نزل القرآن جملة لثقل العمل بأحكامه على المكلفين".
(٢) في (ر): "لأنه".
(٣) في هامش (ف): "وتعريبه: أوحينا إليه القرآن وهو عبد، نزَّل الفرقانَ على عبده ونهض بأداء الرسالة وهو عبد، ولما قام عبد اللَّه وقربناه إلى حضرتنا وهو عبد، سبحان الذي أسرى بعبده وأوحينا إليه [. . .] شريفة وهو عبد، فأوحى إلى عبده ما أوحى، والسلام عليه في ذلك المقام بقوله: التحيات للَّه إلخ وهو عبد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وفي كل أحواله أنا عبد، وليس له التقارب إلى غيرنا =
[ ١ / ٤١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾: هذا أمرٌ بالإتيان بسورةٍ، والإتيانُ في اللغة هو المجيء، والإتيانُ: الفعل، والإتيان: الغِشْيان، والإيتاء: الإعطاء، وتَأْتيَةُ السَّيل: تسهيلُ سُبله (^١)، والتأتِّي: التَّهيُّؤُ، والمؤاتاةُ: الموافَقة، والإتاء: الغلَّة، والأَتِيُّ والأَتَاويُّ: الغريب، والمِيْتاء (^٢): الطريق المسلوك، ومعانيها متقارِبةٌ.
والإتيانُ في القرآن لأربعينَ معنًى عدَّدْناها في تفسيرِنا الأولِ الأطول.
وهو في هذه الآية: المعارَضة؛ أي: عارِضوا هذا القرآن بسورةٍ، وهذا خلافُ قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٩٣] ذاك إظهارُ ما قد كان، وهذا إنشاءُ ما لم يكن.
وهذا إلزامُ الحجة عليهم بأنَّ القرآن مما أنزله (^٣) اللَّه على عبده، وهو صادقٌ في دعوى الرسالة، وأنه مبعوثٌ لإقامة الدَّلالة، والدعوةِ إلى الهدى من الضَّلالة، وأنهم معانِدون في إنكاره، وفي دعواهم أنه مما افتراه محمد باختياره، يقول (^٤): إن كان هذا من كلام البشر فعارِضوه بمثله من عندِكم، وتَفصَّوا (^٥) عن هذه العُهدة بجَهدكم.
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا﴾ صيغتُه صيغةُ أمرٍ، ومعناه: الإعجاز، وهذه الصيغة في القرآن على وجوهٍ:
_________________
(١) = أليس اللَّه بكاف عبده، و-ﷺ- يؤدي في الخدمة والعبادة شكر النعمة وبقوله: أفلا أكون عبدًا شكورًا".
(٢) في (ر): "سيله". وقال الأزهري: يقال: أَتَيْتُ السَّيْلَ فأنا أُوَتِّيه: إذا سهَّلْتَ سبيلَه من موضِع إلى مَوضع ليخرجَ إليه. انظر: "تهذيب اللغة" (١٤/ ٢٥١).
(٣) في (ر): "والمأتي".
(٤) في (أ): "أنزل".
(٥) في (ف): "بقول" وفي (ر): "بقوله لهم".
(٦) في (ر): "وتفضوا"، وفي (ف): "وتقصوا". والتفصِّي: التخلُّص.
[ ١ / ٤١٤ ]
للفَرْضية: كما في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وللنَّدْب: كما في قوله ﷿: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
وللإباحة: كما في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
وللتخيير: كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠].
وللنهي: كما في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
وللرَّد: كما في قوله: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨].
وللتكوين: كما في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].
وللشَّرط: كما في قوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]؛ أي: إن كنتم كذلك فلكم الموت والبعث.
وللإعجاز: كما في قوله: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
وكذا قولُه سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ والفاءُ هاهنا للتعقيب، وبدونِ الفاء يقال: اِيتوا، الألف مجتلَبةٌ، والهمزةُ صارت ياءً لكسرةِ ما قبلها، وسقطت همزتُها كراهةَ التقاء الهمزتين، وثبتت الياء كتابةً في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾ [طه: ٦٤] لأنه يُوقَف على (ثم) ويُبدأ: ايتوا، ولا تَثبت في قوله ﴿فَأْتُوا﴾ وفي قوله: ﴿وَأُتُوا﴾ لتعذُّر الفصل بين الفاء وبين الكلمة، وكذا بين الواو وبينها.
وقوله تعالى: ﴿بِسُورَةٍ﴾ الباء لتعدية فعلِ الإتيان الملازِم (^١)، والسُّورةُ هي مأخوذةٌ من قولهم: سار يَسُورُ: إذا ارتَفَع وعلا، وسمِّي الجدارُ المحيطُ
_________________
(١) "الملازم" كذا في جميع النسخ.
[ ١ / ٤١٥ ]
بالمدينة سورًا لارتفاعه، ويقال: لفلانٍ سَوْرةٌ في المجد؛ أي: سَنًا ورفعةٌ، قال النابغة:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعطاكَ سُوْرةً يُرى كلُّ مَلْكٍ دونها يتذبذبُ (^١)
فالسُّورة من (^٢) القرآن على هذا: مجموع آياتٍ مفصَّلةٍ ارتفعت وعلَت وظهرت وصارت كالعَلَم في مغايرتها سائرَ السُّور.
وقيل: هي منزلةٌ من منازل القرآن رفيعةٌ.
وقيل: هو (^٣) قسمٌ من أقسام القرآن ارتفع شأنُه وعلا قَدْرُه.
وقوله: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ إطلاقُه يتناول أقصرَ السور، وهي في القرآن سورةُ الكوثر، وهي ثلاثُ آياتٍ قصارٍ، وهذا أبلغُ إلزامٍ، وأتمُّ قطعٍ لأهل الخصام، فقد كان التحدِّي أولًا بالإتيان بمثلِ كلِّ القرآن بقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ثم أخبر عن عجزهم عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، ثم بعشرِ سورٍ بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، ثم بسورةٍ بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وقد عجزوا عن ذلك كلِّه فلزمتهم الحجة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾: المِثْل: الشِّبْه، والمُماثِل: المُشابه، والتمثيل: التشبيه، ومِثْلُ الشيء حقيقةً: ما ينوب مَنابه، ويَسدُّ مَسدَّه.
واختُلف في المراد بالهاء التي في آخره: أنها كنايةٌ راجعةٌ إلى ماذا؟
_________________
(١) انظر: "ديوان النابغة" (ص: ١٩).
(٢) في (أ) و(ف): "في".
(٣) في (أ): "هي".
[ ١ / ٤١٦ ]
قال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: مِن الذي جَعَلْتُموه لي ندًّا، فقد سَبَق ذكرُه.
وقال ابن كَيسان: أي: من مثلِ محمدٍ من (^١) البشر؛ لأنه بشرٌ مثلكم، وقد سبق ذكره في قوله: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: ائتوا أنتم بمثل ما أتى به (^٢) هو، إذ أنتم وهو سواءٌ في الجوهر والخلقة واللسان، وليس هو أولى بالاختلاقِ منكم (^٣).
وقيل: أي: من مثل محمدٍ من (^٤) رجلٍ أميٍّ لا يقرأ ولا يكتب، وهذا أبلغ في قطع الأوهام، فإن (^٥) النبيَّ -ﷺ- مع أنه لا يكتبُ ولا يقرأ، ولا ينظر في الكتب، ولم يسمع القَصَص من الناس، أَخبر بنزول هذا الكتاب، فلا شبهةَ في أنه لم يختلِقْه من تلقاء نفسه، ولم يأتِ به إلا بوحيٍّ من ربِّه.
وقال مجاهدٌ وقتادةُ: أي: مِن مثلِ هذا القرآن (^٦). وقد سَبَق ذكرُه في قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾.
ثم القرآنُ وإن كان لا مثلَ له لأنه صفةُ اللَّه تعالى وكلامُ اللَّه ووحيُ اللَّه (^٧)، ولا مثلَ لصفاته كما لا مثلَ لذاته، لكن معناه: مِن مِثْلِه على زَعْمكم، فقد كانوا
_________________
(١) في (ف): "في".
(٢) "به": ليست في (ف).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٠١).
(٤) "من": من (أ).
(٥) قبلها في (ر) و(ف): "وقال".
(٦) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧).
(٧) في (أ): "وكلامه ووحيه" بدل: "وكلام اللَّه ووحي اللَّه".
[ ١ / ٤١٧ ]
يقولون: لو نشاء (^١) لقلنا مثل هذا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت: ٤٧]؛ أي: على زعمكم، وقال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧]؛ أي: على زعمك.
ثم التحدِّي إلى مثلِ القرآنِ كان في وجوهه، وهي سبعةٌ:
أحدها: الإيجاز والبلاغة، حتى يشتمِلُ يسيرُ كلماته على كثيرٍ من المعاني، قال -ﷺ-: "أُوتيتُ جوامعَ الكَلم" (^٢)، وذلك مثلُ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقولهِ: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١]، وقولهِ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١].
والثاني: البيان والفصاحة التي عَجَز عنها الفصحاء، وقَصَر (^٣) عنها البلغاء، حكى أبو عُبيدةَ أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فسجد، وقال: سجدتُ لفصاحة هذا الكلام (^٤)!
والثالث: النَّظْم الذي نقَض العادة حتى صار خارجًا من جنس كلامهم في النظم والنثر والرَّجَز والشعر والخُطب والسَّجْع والرسائل، فلا يمتزج بها ولا يدخل في شيءٍ منها، مع استعمال حروفه وكلماته.
والرابع: أن قارئه لا يَكلُّ وسامعَه لا يملّ، وإكثارُ تلاوته تَزيدُ في حلاوته، وغيرُه من الكلام وإن كان مستحسَنَ النَّظْم مستعذَبَ النَّثْر، يُمَلُّ إذا أُعيد، ويُستثقَلُ إذا ردِّد.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "شئنا".
(٢) رواه البخاري (٧٢٧٣)، ومسلم (٥٢٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) قصَر عن الشيء: عجز عنه ولم يبلغه. انظر: "الصحاح" (مادة: قصر).
(٤) انظر: "أعلام النبوة" للماوردي (ص: ١٠٢).
[ ١ / ٤١٨ ]
والخامس: ما فيه من الإخبار بما كان من قِصص الأنبياء ﵈ مع أُممها، والقرونِ الخالية في أزمِنَتها، وهو أمِّيٌّ من أمَّةِ أمِّيين ليس لها (^١) عِلمٌ بما عرَفه أهل الكتاب مما في الكتب السالفة.
والسادس: ما فيه من علم الغيب والإخبارِ بما يكون، فكان كما أخبر، كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥]، وقولهِ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾.
والسابع: كونه جامعًا للعلوم كلِّها، ومشتمِلًا على ما في الكتب المنزلة كلِّها، ومنتظِمًا لجوابات الحوادثِ كلِّها، وآتيًا على المصالح كلِّها، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] يأتي على جميع علوم الطب، وكذا فيه كلُّ علمٍ من الأدب من اللغة والنحو والبلاغة، ومن الكلام والفقه والتذكير وفنون الفوائد.
فكلُّ أهل العلم يصنِّفون تصانيف كبيرة (^٢) كثيرةً بفوائدِ القرآن، فحُججُ المتكلِّمين منتزَعةٌ من القرآن، ومسائلُ الفقهاء مستخرَجةٌ من القرآن، ولغاتُ الأدباء مصحَّحةٌ بالقرآن، وفوائدُ النَّحْويين مستوضَحةٌ بالقرآن (^٣)، وعظاتُ المذكِّرين مأخوذةٌ من القرآن، وإشارات الحكماء مستفادةٌ من القرآن، ولطائفُ أهل المعرفة مستنبَطةٌ من القرآن، وكذا وكذا.
_________________
(١) في (ف): "لهم".
(٢) "كبيرة": من (أ).
(٣) في (ر): "بالقراءات".
[ ١ / ٤١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾: يقال: دعا إلى الشيء دُعاءً، ودَعوةً بفتح الدال، فالأول (^١) مطلَقُ المصدر، والثاني: المرةُ منه، والدُّعوة بالضم: المأدُبة، والدِّعوة بالكسر: ادعاءُ الولد، وتداعَتِ الحيطان: تهادمت، من هذا مجازًا.
والدعاءُ في القرآن لمعانٍ، واختُلف في المذكور هاهنا؛ فقيل: ﴿ادْعُوا﴾؛ أي: أَحْضِروا، وقيل: أي: استَعينوا (^٢)، وقال الشاعر في الاستعانة (^٣):
وقبلَكَ رُبَّ خَصْمٍ قد تمالَوا عَلَيَّ فما جَزِعْتُ ولا دعوتُ (^٤)
ونظيرُه في القرآن قولُه تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤]، وقولُه تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فاطر: ١٨].
وهذا أمرُ إعجازٍ كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ وبيَّن أن الاستعانة هاهنا بالخلق الكثير لا تُغنيهم شيئًا، وما يُغني (^٥) رجوعُ المحتاج إلى المحتاج، واعتمادُ الفقير على الفقير، والْتِجاءُ العاجز بالعاجز؟ فلا ترفَعْ حوائجك إلا إلى مَن لا يَشُقُّ عليه قضاؤها، ولا تَسأل إلا مَن لا تَفْنى خزائنُه، ولا تعتمِدْ إلا على مَن لا يعجز عن شيءٍ.
يَنصرُك من غيرِ مُعينٍ، ويحفظُك من غيرِ صاحبٍ، ويُغنيك من غيرِ مالٍ، فيَقِلُّ عَددُ (^٦) الأعداءِ الكثيرُ إذا حمَاك، ويَكْثُر عددُ المالِ القليلِ إذا كَفَاك.
_________________
(١) في (ف): "والأول".
(٢) في (ف): "استغيثوا".
(٣) في (ف): "الاستغاثة".
(٤) البيت لسِنَان بن الفَحْل أخي بني أم الكَهْف من طيِّئ، كما في "الحماسة" بشرح التبريزي (١/ ٢٣١).
(٥) بعدها في (أ): "من".
(٦) في (ف): "أعداد".
[ ١ / ٤٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ الشهادة: الإخبارُ بما شُوهد (^١) شهودَ عِيَانٍ أو شهودَ إيقانٍ. والشهود: الحضور، والمشاهَدة: المعايَنة، والمشهد: محضرُ الناس، وعالمُ الغيب والشهادة؛ أي: السرِّ والعَلَانيَة.
وأمَّا تفسيرُه هاهنا:
فالشهداء: جمعُ شهيدٍ؛ كالفقهاء: جمعُ فقيهٍ، ومعناه عند ابن عباسٍ ﵄: أعوانَكم (^٢)؛ لأن الشاهد كالعون للمدَّعِي في استخراجِ حقِّه.
وقال مجاهدٌ: أي: ناسًا يشهدون لكم أنه مِثْلُ القرآن (^٣).
وقيل: أي: فصحاؤكم وشعراؤكم وبُلغاؤكم، وهم كُبَراءُ المشاهِدِ والخطباءُ في المحافل.
وقال الفرَّاء: يعني: آلهتَكم (^٤)؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم (^٥) وتشفَعُ لهم، وهو الأشبهُ؛ لأن قوله: ﴿وَادْعُوا﴾ خطابٌ للكلِّ، فيتناول كلَّ الفصحاء وكلَّ الأعوان والشهداء، فكان الكلُّ مأمورين بأنْ يكونوا داعين، فلا يكونون مدعوِّين، فالأصحُّ إرادةُ: ما تعبدون، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا صلةُ قوله: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾؛ أي: الذين اتَّخذْتُموهم شهداءَ من دون اللَّه، وهذا صفةُ الأصنام؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الشورى: ٩]، وقولهِ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
_________________
(١) بعدها في (ر): "عن".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٩٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠) بلفظ: (ناس يشهدون)، وفي رواية: (قوم يشهدون لكم).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٩).
(٥) في (ر) و(ف): "أنها شهداؤهم".
[ ١ / ٤٢١ ]
شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]، ثم قال في هذا: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]، وقال في الأولياء الذين اتَّخذوهم (^١): ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: غيرِ اللَّه، وكلمة (دون) لها معانٍ، ومعناها هاهنا: غير.
و(دون) في الأصل اسمٌ، ولهذا دخلها الخافضُ وهو (من) وخفَضَها، ولكنها تستعمل استعمال الحروف، لأنها تفيدُ المعنى في غيرها كالحروف، فأُجريت مجراها لذلك؛ أي: مفردةً عن اللام التي هي للتعريف، والتنوينِ الذي هو للتنكير، وهما من خصائص الأسماء.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فالصدقُ: هو الإخبارُ عن المخبَرِ به على ما هو به، وهو نقيضُ الكذب، فإنه الإخبارُ عن المخبَر به على خلافِ ما هو به، والصَّدْق بالفتح: الرُّمح الصُّلب، والحسامُ المستوي، والصَّديق: الخليل، والصداقة: الخُلَّة، وفلانٌ رجلُ صدقٍ -بالإضافة-؛ أي: نِعْمَ الرجلُ هو، وثوبُ صدقٍ، وقَدَمُ صدقٍ، ومَقعدُ صدقٍ، كلُّه بالإضافة على هذا الوجه، والصِّدِّيق بالتشديد: المبالِغُ في الصدق.
فمعنى (^٢) قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: في مقالتِكم: إن محمدًا تقوَّله مِن تِلقاء نفسه.
وقيل: أي: إن كانت لدعواكم (^٣) صحةٌ.
_________________
(١) بعدها في (أ): "أولياء".
(٢) في (أ): "ومعنى".
(٣) في (ر) و(ف): "لدعوتكم".
[ ١ / ٤٢٢ ]
وقيل: هو خطابٌ لليهود؛ أي: إنْ كنتم في شكٍّ مما نزَّلنا من القرآن على محمدٍ أنه ليس من اللَّه تعالى، فأتوا بسورةٍ من مِثل القرآن من التوراة، وقابِلوها بالقرآن لتجدوها موافِقةً لِمَا في التوراة، لتعلَموا أن هذا لم يختلقْه محمدٌ -ﷺ- من عندِ نفسه، وأنه (^١) من عند اللَّه، واستعينوا بأحباركم ورهبانكم إن كنتُم صادقين أنكم تشكُّون فيه، وهذا تفسيرُ تمام هذه الآية.
* * *
(٢٤) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ خطابٌ لهؤلاء أيضًا، والفاء للتعقيب، و(إنْ) للشرط، و(لمْ) كلمةُ نفيٍ تدخل على (^٢) المستقبل فتجعلُه بمعنى الماضي، ثم دخول (إنْ) وهو للشرط يجعله بمعنى المستقبل.
والإشارة فيه: أن المؤمن عزيزٌ بإيمانه وطاعته، ثم ذلَّ بعصيانه وجفوته، ثم يعودُ عزيزًا بتوبته وندامته.
و﴿تَفْعَلُوا﴾ فعلُ جمعٍ، وسقطت النونُ من آخره بـ ﴿لَمْ﴾ لأنه جازمٌ، والنونُ كانت علامةً للرفع (^٣)، والفعل في اللغة: العمل، وجاءت من فلانٍ فَعْلةٌ حسَنةٌ أو سيئة، وفلانٌ حَسَنُ الفَعَال، بالفتح، وسيِّئُ الفِعال، بالكسر، عليه أكثرُ أهل اللغة.
_________________
(١) في (أ): "وأنه كان".
(٢) "على": من (ف).
(٣) في (أ) و(ف): "الرفع".
[ ١ / ٤٢٣ ]
وقال ابن الأعرابي: الفَعال بالفتح: مصدرٌ في الخير والشر، وبالكسر: اسمٌ في الخير والشر.
وفي "مجمل اللغة" يقول: الفِعال بالكسر: جمعُ فِعل، وبالفتح: الكرَم (^١).
و: ما فَعَل فلانٌ؟ أي: أين ذهَبَ؟
والفعلُ عند أهل الكلام: هو صرفُ الممكِن من الإمكان إلى الوجوب، ويقعُ على المباشَرة والتركِ جميعًا لشموله إياهما، وهو مستمرٌّ في الشاهد والغائب.
وتفسيره هاهنا:
فإن لم تأتوا بسورةٍ من مثله، ولم تستعينوا بالشهداء. والكلمة صالحةٌ لكلِّ فعلٍ، وهو أوجزُ من التصريح بما سبق، فكان أبلغَ وأفصحَ.
ونذكر آياتٍ في استعمال هذه الكلمة لأعمالٍ مختلفةٍ إيضاحًا لِمَا قلنا:
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] هذا يتناولُ كلَّ عملٍ وقولٍ وقصدٍ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]؛ أي: مؤدُّون.
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾ الآية [النساء: ٦٦].
وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ١٧٣] إلى أن قال: ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣].
_________________
(١) انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس (ص: ٧٢٣).
(٢) في (ر): "وتصدقٍ"، وفوقها كلمة لم تجود، ولعلها: "ونية".
[ ١ / ٤٢٤ ]
وقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١].
وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩].
وقال تعالى: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨].
وقال تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
وقال تعالى: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١].
وقال تعالى: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ هذا اعتراضُ الكلام قبلَ التَّمَام، وهو من محاسن الكلام وبدائعه، ومعدودٌ في الصناعة وأنواعِ البلاغة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ ثم قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ هذا اعتراضُ الكلام قبل التمام، وقوله: ﴿قَالُوا﴾ جوابُ ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا﴾ (^١)، وهاهنا أيضًا ﴿فَاتَّقُوا﴾ جوابُ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾.
_________________
(١) الآية بتمامها: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١].
[ ١ / ٤٢٥ ]
ومعنى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾؛ أي: لستُم بفاعلين ذلك أبدًا، فـ (لن) نفيُ تأبيدٍ.
وقيل: معناه: لن تقدروا أن تفعلوا، وهو كقوله تعالى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] وقولهِ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣]، هذا كلُّه نفيُ (^١) القدرة.
وهذه الآيةُ دليلُ صدقِ النبيِّ -ﷺ-؛ فإنه أَخبر فكان كما أَخبر، وذاك غيبٌ عنا، فلا يكونُ إلا عن إخبارٍ مِن عالم الغيب له بذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أي: ولمَّا عجزتُم عن معارَضة القرآن بمثلِه لزمتْكم الحجةُ أن محمدًا رسولي والقرآنَ كتابي، ولزمَكم تصديقُه والإيمانُ به، ولمَّا لم تؤمنوا صرتُم من أهل النار فاتَّقوها.
والكلامُ في تفسير التَّقوى ووجوهه قد مرَّ في تفسير قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
والنارُ هي نارُ جهنم (^٢)، وهي مؤنَّثةٌ سماعًا، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا﴾ فأنَّث الصفة والكناية.
وقوله (^٣): ﴿وَقُودُهَا﴾؛ أي: حطبُها، فالوَقود بفتح الواو: ما يُوقد به النارُ وهو الحطب، والوُقود بضمها: التهابُها، فهو مصدرٌ والأول اسمٌ.
وقوله: ﴿النَّاسُ﴾ هم الكفَّار هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ هي جمع حجرٍ، والحجر: الصخر، وهو
_________________
(١) في (ف): "هذا كلمة نفي" وفي (ر): "هذا نفي كلمة".
(٢) في (ف): "هي جهنم".
(٣) في (أ): "قوله تعالى".
[ ١ / ٤٢٦ ]
كالجَمَل والجِمَالة، وهذا (^١) جمعٌ على غير قياسٍ، والقياسُ فيه: الأحجار، كالشجر والأشجار، والسَّحَر والأسحار، والسَّفَر والأسفار.
وأما التفسير:
فقد قيل: هي جبالُ الدنيا علِقَت بهم، حتى إذا ألقَتْهم النار عُلْوًا حطَّتْهم الحجارة سُفْلًا.
وقال ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ وابنُ جريجٍ ﵃: هي حجارةُ الكبريت (^٢)، وإنما خصَّت بالذكر لأن فيها خمسةَ أشياءَ: هي أسرعُ وقودًا، وأبطأُ خمودًا، وأنتنُ رائحةً، وأشدُّ حرًّا، وألصقُ بالبدَن.
وقيل: هي الأصنامُ التي عبدوها، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وإنما جُعل التعذيب بها ليتحقَّقوا أنهم عذِّبوا بعبادتها، وليَرَوا ذلَّها ومهانتَها بعد اعتقادهم عزَّها وعظمتَها.
وقيل: الأحجارُ تُحرقها النار كما تُحرق الناسَ، ذكر ذلك تهويلًا وتهييبًا.
وقيل: أي: وقودُها الناسُ إذا صاروا إليها، والحجارةُ قبل أن يَصيروا إليها.
ثم إدخالُ الأصنام في النار ليس لتعذيبِها، فلا ذنبَ لها، بل لتعذيب (^٣) الكفَّار بها، وما يكونُ به العذاب لا يكونُ له العذاب، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]؛ أُدخلت الأموال جهنم ليعذَّب بها مانعُ الزكاة لا هي،
_________________
(١) في (ف): "وهو".
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
(٣) في (ف): "ليس لتعذبها. . . بل لتعذب".
[ ١ / ٤٢٧ ]
وهذا كما في حقِّ الثواب، فإن رضوان والخزَنةَ والحورَ العِين في الجنة بهم الثوابُ، وليس لهم الثواب.
والحكمةُ في تعذيب الكافرين (^١) بها: أن الكافر عَبَدَ الصنَم واعتقَده واعتمَده ورجاهُ، فعذِّب به إظهارًا لجهله وقَطْعًا لأمله، كأَتْباعِ الكُبراءِ (^٢) خدَموهم ورجَوْهم، وفي النار يُسحَبون (^٣) معهم، ليكونَ أشقَّ عليهم وأقطعَ لرجائهم، وقد يقع كذلك في الدنيا لذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: هُيِّئت وخُلقت، والإعداد: التَّهيئة، والاستعداد: التهيُّؤ، والعُدَّة: ما أُعِدَّ للشيء، والإعْتادُ مثلُ الإعداد، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٤) [الإنسان: ٤].
والآيةُ ردٌّ على المعتزلة، فإنهم قالوا: النار والجنةُ لم يُخلقا بعدُ، وإنما يُخلَقان يوم القيامة عند حضور أهلهما، وقولُهم باطلٌ مردودٌ بهذه الآية، ولقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ونحوِهما من الآيات.
وقولُه تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ خَتْمٌ بما وقَع به البدءُ؛ أي: اتَّقوا الكفرَ الموجِبَ للنار، فإنها أُعدَّتْ للكفار (^٥).
_________________
(١) في (أ): "الكفار"، وفي (ف): "الكافر".
(٢) في (ر): "الأمراء".
(٣) في (أ): "يسجنون".
(٤) في (أ): " ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ "، وفي (ف): " ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ﴾ ".
(٥) في (ف): "للكافرين".
[ ١ / ٤٢٨ ]
ثم لم يَقُل: (أُعدَّتْ لكم) خطابًا كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا﴾ خطابًا؛ لأنه عَلِم (^١) أن منهم مَن يُؤمِن، فقصَرَ الوعيدَ بالنار على طبقةِ الكفار.
قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: هذا ينقضُ على المعتزلة قولَهم؛ حيث خلَّدوا صاحبَ الكبيرةِ في النار، ولم يُطلقوا عليهم اسمَ الكفَّار، ففي زعمِهم أنها أعدَّت لغير الكفَّار أيضًا (^٢).
ثم عندنا يجوز أن يعذَّب المؤمنُ العاصي فيها مدةً، فقد أَوْعَد اللَّه بالتعذيب بها في القرآن على أشياءَ، وثبت بالأحاديث المشهورةِ خروجُ المؤمنين منها بعدَ مدةٍ.
ثم الجمعُ بين هذه الآيةِ وبين غيرها في هذين الأمرين عند بعضهم: أن هذه النار واحدةٌ لكلِّ من فيها، لكنْ يتفاضلُ عقابهم فيها.
وقيل: هذه النار التي وقودُها الناس والحجارة هي للكفار خاصةً، ولغيرهم نارٌ غيرُها.
ولمَّا خوَّف بالنار الكافرين بشَّر بالجنة المؤمنين تحقيقًا لوصفِ (^٣) كتابِه بالمثاني، ومَن تأمَّلَ في نَظْمه وجَد على الانتظام تثنيةَ المعاني، وقد شرحنا ذلك في الفاتحة.
وكذا نظمُ سورةِ البقرة، فإنه ذَكر الكتاب، وبيَّن أن الناس في حقِّه صنفان: مؤمنون وكافرون، وبينهما طبقةٌ لهم وصفان: إظهارُ الإيمان وإضمارُ (^٤) الكفر، ولهم مَثَلان:
_________________
(١) في (ر): "عالم".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٠٢).
(٣) في (أ) و(ف): "لوصفه".
(٤) في (أ): "وإبطان".
[ ١ / ٤٢٩ ]
مَثَل مستوقِد النار، ومَثَلُ الواقع في الظلمات والأمطار، ثم خاطبَهم كلهم فأمرهم بشيئين: الاعتقادِ والإقرار، في حقِّ شيئين: ربوبيَّةِ اللَّه ونبوَّةِ رسوله، فصاروا فريقين: جاحدِين فخوَّفهم بالنار، ومُقِرِّين (^١) فبشَّرهم بالجنات (^٢) والأنهار:
* * *
(٢٥) - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وذلك قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والبشارةُ بفتح الباء وضمِّها وكسرها: الخبرُ الصِّدق السَّارُّ الذي ليس عند المخبَرِ علمُه، سمِّيت بها لأنها تؤثِّر في البشَرة بالبِشْر، ويسمَّى بها الخبرُ المحزِن أيضًا لأنها تؤثِّر في البشرة أيضًا، لكن المتعارَف في الأول الإطلاقُ وفي الثاني التقييدُ.
والبشرة: ظاهرُ جلدِ الإنسان، قال اللَّه تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، والبشَر: الناس؛ قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، وهذا جمعٌ، والبشَر: الواحد منهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، والبشير: المبشِّر، والبشير: الحسَنُ الوجه، والبِشْر: الطَّلَاقة، والاستبشار: الفرح، وتباشير الصبح: أوائلُه، وبشَّرْتُه بالتشديد وبَشَرتُه -من حدِّ دَخَل- فأَبشر؛ أي: قَبِل البشارة.
وقوله: ﴿بَشَرٌ﴾ أمرٌ للنبيِّ -ﷺ- أن يُخبر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأنَّ لهم الجنة.
_________________
(١) في (أ): "وقائلين"، وفي (ف): "وقابلين".
(٢) في (أ): "بالجنان".
[ ١ / ٤٣٠ ]
والكلامُ في الصلاح من حيث اللغةُ مرَّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١].
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ دليلٌ على أن الطاعات غيرُ الإيمان؛ لأنه عطَفها على الإيمان، والعطفُ دليلُ على المغايرة، وهو ردٌّ على الشافعي ﵀ في جعلِه العملَ من الإيمان.
ثم العملُ في اللُّغة هو الفعلُ، والعَمالة: أجر العمل للعامل، والإعمالُ: الحملُ على العمل، واستعمالُ الشيء: العملُ به، والمعامَلةُ بين اثنين والتعامُل (^١): التعارف، واليَعْمَلة: الناقةُ القويةُ على العمل.
و(الصالحات) نعتٌ لجمعِ اسمٍ مؤنَّثٍ محذوفٍ، وهي الخصلةُ أو الفعلةُ.
واختلف في تفسيرها:
قال عثمانُ بن عفَّانَ ﵁: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: أَخلَصوا الأعمالَ، يَدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]؛ [أي: خالصًا] لأنَّ غيرَ الخالص لا يكون صالحًا (^٢)، والمنافقُ لا يكون عملُه صالحًا؛ لأنه لا يكون خالصًا.
وقال علي بنُ أبي طالب ﵁: أي: أقاموا الصلواتِ المفروضاتِ، دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] وهو كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
وقال ابنُ عباس ﵄: أي: عملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربهم.
_________________
(١) "والتعامل": سقط من (أ).
(٢) "لأن غير الخالص لا يكون صالحًا": ليس في (أ)، ولم يرد في المصدر.
[ ١ / ٤٣١ ]
وقال معاذ بن جبل ﵁: العمل الصالح الذي يكون فيه أربعةُ أشياء: العلمُ والنيَّة والصبر والإخلاص.
وقال سهل بن عبد اللَّه: أي: لَزِموا السنَّة؛ لأن عمل المبتدِع لا يكون صالحًا البتَّة.
وقال بعضهم أي: أدَّوا الأمانات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]؛ أي: أمينًا.
وقيل: أي: تابوا عن السيئات، قال تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]؛ أي: تائبين (^١).
وقيل: أي: أدَّوا الفرائضَ واجتنَبوا المحارِم.
وعن ابن عباس ﵄ في روايةٍ: هي الشرائعُ، وهي: الصلاةُ، والزكاةُ، والحجُّ، والصومُ، والاغتسالُ من الجنابة.
وقيل: هي نوعان: أعمالٌ بينك وبينَ العباد؛ كأداءِ الأمانات، والوفاءِ بالعهود، وقضاءِ الحقوق، وصلةِ الأرحام، وأعمالٌ بينك وبينَ اللَّه ﷿، وهي نوعان: ظاهرةٌ وباطنةٌ، فالظاهرةُ: أداءُ الشرائع، والباطنةُ: صفات القلب؛ كالتوكُّل (^٢)، والرضا بالقضاء، والصبر في البلاء، والشكر في الرخاء.
ثم هذا تعليقُ البشارةِ المطلَقة بالإيمان والعملِ الصالح، فإن المؤمن المطيعَ له الجنةُ بوعدِ اللَّه تعالى من غيرِ تعذيبٍ، والكافرَ له التعذيبُ المؤبَّد، والمؤمنَ العاصيَ
_________________
(١) انظر جميع هذه الأقوال في "تفسير الثعلبي" (١/ ١٧٠)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) في (أ) و(ف): "التوكل".
[ ١ / ٤٣٢ ]
في مشيئةِ اللَّه عزَّ وعلا: إنْ شاء غَفر له وأدخله الجنة قبل التعذيب، وإن شاء عذَّبه بذنبه (^١) كلَّ عقوبته أو بعضها ثم أدخله الجنة.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾: هي جمع جنة، وهي البستان، والجُنَّة بالضم: التُّرس، وكذا المِجَنُّ، وأصله من: جَنَّ عليه الليل جَنانًا؛ أي: ستره، والجنونُ يستر العقل، والجِنَّة بالكسر كذلك، والجِنُّ والجِنَّة مستورون (^٢) عن أعين الناس، والجُنَّة والمِجَنُّ يسترُ اللابس (^٣)، والجنَنُ: القبر، وهو يستر الميتَ، والجَنَان: القلب، وهو مستورٌ، والجنينُ: الولد في البطن، وهو مستور.
وأما تفسيرُه (^٤):
فقد قال المفضَّل: الجَنَّة كلُّ بستان فيه نخلٌ، وقيل: فيه شجرٌ، فإن كان فيه كَرْم فهو فردوسٌ.
وقيل: الجَنَّة اسمٌ لبستانٍ جامعٍ فيه النخلُ والعنبُ وكلُّ ثمر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس: ٣٥]، سُميت بذلك لأنها تَسترُ وتُظِلُّ مَن يكون فيها بما فيها من الشجر، أو لأنها تستر الأرض بظلِّ أشجارها.
_________________
(١) في (أ): "بقدر ذنوبه".
(٢) في (أ) و(ف): "مستترون".
(٣) في (ر): "الإنس".
(٤) في (أ) و(ف): "تفسيرها".
[ ١ / ٤٣٣ ]
ثم الجنَّات جمعٌ، وهي ثمانيةٌ (^١)، قال ابن عباس ﵄: هي (^٢) دارُ الجلال، ودارُ القرار، ودارُ السلام، وجنةُ عَدْنٍ، وهي قصبةُ الجنَّة، وهي مشرفةٌ على الجنان كلِّها، وبابُ جنةِ عدنٍ مصراعان من زُمرُّدٍ وياقوتٍ، بين المصراعين كما بين المشرقِ والمغرب، وجنةُ المأوى، وجنةُ الخلد من فضةٍ كلُّها (^٣)، وجنةُ الفردوس، وجنةُ النعيم.
قال (^٤): ودارُ الجلال كلُّها من النُّور: مدائنُها وقصورُها وبيوتُها وشُرَفُها وأبوابها ودُرُجها وغرفُها وأعاليها وأسافلُها وخيامُها وأوانيها وحُليُّها وكلُّ ما فيها (^٥)، ودارُ السلام كلُّها من الياقوتِ الأحمر، ودارُ القرار كلُّها من المرجان، وجنةُ عدن من الزَّبَرْجَد كلُّها، وجنةُ المأوى من الذهب الأحمر كلُّها، وجنةُ الخلدِ من الفضة كلُّها، وجنةُ النعيم من الزُّمرُّد كلُّها، وجنةُ الفردوس من اللُّؤلؤ كلُّها، وحيطانُها لَبِنةُ ذهبٍ ولَبِنةُ فضةٍ ولبنةُ ياقوتٍ ولبنةُ زَبَرْجَدٍ، ومِلاطُها (^٦) المسك، وقصورُها الياقوت، وغرفُها اللؤلؤ، ومصاريعُها الذهبُ، وأرضُها الفضة، وحَصْباؤها المرجانُ، وتُرابها المسكُ، ونباتها الزَّعفرانُ والعَنبر.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يقال: جَرَى الماءُ يَجْرِي جَرْيًا وجِرْيةً
_________________
(١) في (أ): "ثمان".
(٢) في (ف): "هن".
(٣) "من فضة كلها": من (ف).
(٤) في (ر): "قال ابن عباس".
(٥) إلى هنا أورده ابن الجوزي في "بستان الواعظين" (ص: ١٣٠) من طريق ابن وهب عن ابن عباس ﵄.
(٦) الملاط: الطين يطلى بِهِ الْحَائِط، وطين يُجْعَل بَين كل لبنتين أَو آجرتين أَو حجرين فِي الْبناء والمرفق. انظر: "المعجم الوسيط" (مادة: ملط). ووقع في (ر): "وبلاطها".
[ ١ / ٤٣٤ ]
وجَرَيانًا؛ أي: سال، وماءٌ جارٍ، ومياهٌ جاريةٌ، وعينٌ جاريةٌ؛ أي: يجري ماؤها، والجارية: السفينة؛ لأن الماء يجري بها، وصدقةٌ جاريةٌ؛ أي: وَقْفٌ دائمُ النَّفعِ، والأرزاقُ الجارية: الدارَّة، وقد أَجْرَى على جنده وأصحابه الأجريات، والجرِيُّ: الوكيل؛ لأنه يجري مَجرى الموكِّل، وجمعُه: الأجرياءُ بفتح الهمزة، والإجْرِيَّا بكسر الهمزة: العادةُ التي يجري عليها الإنسان.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ وفي بعضِ الآيات: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ [التوبة: ١٠٠] بالحذف (^١)؛ لِمَا أنه ظرف، والفتحة تدلُّ عليه، وإثباتُ ﴿مِنْ﴾ للصلة أو لبيانِ أن ابتداء الجريان منه، فإنه لابتداءِ الغاية.
و(تَحْت) بمعنى: سِفْلٍ، وهو اسمٌ ولهذا خُفض بـ (مِن)، ولكنْ يُستعمل استعمالَ الحروف لأنه يفيد المعنى في غيره غالبًا فأَشْبَهَ الحرفَ (^٢)، فلم يَظهر فيه علامة التعريف والتنكير.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: من أسافِلِ أرضها.
وقيل: من تحت أشجارها.
وقيل: من تحت غُرفها.
وقيل: إنها تجري في غير أُخدود.
وفي الآية التي قال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣ ويونس: ٩ والكهف: ٣١] فمعناه: بأمرهم؛ أي: ذاك تحتَ ولائهم وأمرِهم، وهو كقول فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]؛ أي: بأمري، ومعنى جَرْيِها بأمرهم ما قال
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فالحذف".
(٢) في (أ): "الحروف".
[ ١ / ٤٣٥ ]
عزَّ وعلا في آيةٍ أخرى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]؛ أي: حيث شاؤوا عُلْوًا وسُفْلًا.
وقال الإمام أبو منصور: الجنةُ ليست باسمٍ للأرض والبقعةِ خاصةً، بل هي اسمٌ لكل ما يجمع الأشجار والغرائس (^١)، فقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وغرائسها (^٢) ﴿الْأَنْهَارُ﴾.
قال: وقيل: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: حيث يقعُ أبصارهم عليها وهم في العُلو، وذلك أَنْزهُ عند الناس وأحلى وأطيب.
قال: وقيل أيضًا: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت ما علا منها من القصور والغرف، لا تحت الأرض، كقوله ﵇: "تحت كلِّ شعرةٍ جنابةٌ" (^٣)؛ أي: تحت ما علا لا تحت الجلد (^٤).
وقوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾ هي جمع نهر، وهو مَسيل الماء، وقد أَنْهرَ الدَّمَ؛ أي: أسالَهُ، ونَهَرٌ نَهِرٌ؛ أي: كثيرُ الماء. وقيل: سمِّي به لسعته وضيائه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي
_________________
(١) في (أ): "اسم لما يجمع الأشجار والعرائش" وفي (ر): "اسم لتجتمع الجنان والعرائس". وفي "تأويلات أهل السنة": (ولكن ما يجمع من الأشجار، وما ينبت فيها من أَلوان الغروس المثمرة).
(٢) في (أ): "وعرائشها".
(٣) رواه أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧)، من طريق الحارث بن وَجيهٍ، عن مالك بن دينار، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. قال أبو داود: الحارثُ حديثُه منكر، وهو ضعيف. وقال الترمذي: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخٌ ليس بذاكَ. قلت: وله شواهد، لكنها جميعًا لا تخلو من مقال، فمنها حديث أبي أيوب الأنصاري عند ابن ماجه (٥٩٨) وإسناده منقطع. ومنها حديث عائشة عند أحمد (٢٤٧٩٧) وإسناده ضعيف. ومنها حديث علي عند أبي داود (٢٤٩) وإسناده ضعيف مرفوعًا.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٠٣).
[ ١ / ٤٣٦ ]
جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]؛ أي: ضياءٍ وسعةٍ، وسمِّي النهارُ به لسَعَته وضيائه، وقيل: سُمِّي نهارًا لجَرَيان الشمس فيه كجَرَيان الماء في نهره.
وأمَّا تفسيرها:
فقد رُوي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "في الجنةِ بحرُ اللَّبَنِ وبحرُ الماءِ وبحرُ العسلِ وبحرُ الخمرِ، ثم تَشَقَّق الأنهارُ منها بعدُ" (^١).
قالوا: وهي الأنهار المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥].
وقيل: النهرُ واحدٌ، ويجري فيه الخمرُ والماءُ واللبنُ والعسلُ لا يخالِط بعضُها بعضًا كما لا يخالط الماءُ العذبُ الأجاجَ المِلْحَ (^٢) في الدنيا، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١].
وقال بعضهم: الجاري واحد، ويَختلف باختلافِ المُنْيَة (^٣)، إنْ تمنَّى أن يكون لبنًا كان لبنًا، وكذا سائرُها.
وقال بعضهم: الجاري واحدٌ وطبائعُه أربعٌ: طبعُ الماء في إنبات الحياة، وطبعُ اللبن في التربية، وطبعُ العسل في الحلاوة، وطبعُ الخمر في الإطراب، وإنما ذكر الأنهارَ جمعًا على قولِ هؤلاء لكثرة معانيها مع اتِّحاد عينِها، فإذا دخلوا الجنة وقد
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥٧١) من حديث معاوية بن حيدة ﵁ وقال: حسن صحيح.
(٢) في (أ): "الماءُ العذبُ الماءَ الأجاجَ والملح".
(٣) المنية: ما يتمنى الرجل. ووقع في (ف): "التمنية".
[ ١ / ٤٣٧ ]
ذاقوا الموتَ وذاقوا (^١) النارَ وخافوا وضعُفوا، فأهلُ الجنة (^٢) سقَوهم الماءَ ليحيَوا ثم إنهم لا يموتون، وسقَوهم اللَّبن ليتربَّوا ثم إنهم لا يَنقصون، وسقَوهم الخمرَ ليَطرَبوا ثم إنهم لا يحزنون، وسقوهم العسل ليَصِحُّوا ثم إنهم لا يَسقمون.
ثم (^٣) في الجنة عيونٌ أيضًا: عينُ الكافور، وعينُ الزَّنجبيل، وعينُ السَّلسَبيل، وعينُ الرَّحيق ومزاجُه من تسنيمٍ، وهذه الأنهارُ تنبع من عيونٍ في ساقِ العرش.
ورُوي أنه كُتب على ساق العرش عرضًا: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فعينُ الماء تنبعُ من ميم بسم، وعين اللَّبن تنبع من هاءِ اللَّه، وعين الخمر تنبع من ميم الرحمن، وعين العسل تنبع من ميم الرحيم.
هذا منبعُها، وأمَّا مَصبُّها: فكلُّها تنصبُّ في الكوثر، وهو حوضُ النبيِّ -ﷺ-، وهو في الجنة اليومَ، وُينقل يوم القيامة إلى العَرَصات لسقي (^٤) المؤمنين، ثم ينقل إلى الجنة، ويُسقى أهلُ الجنة من هذه الأنهار والعيون بواسطة الملائكة، ويسقيهم اللَّه تعالى الشرابَ الطهور بلا واسطةٍ، قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١].
وقد قال بعضُ أهل المعرفة: إن للَّهِ تعالى شرابًا ادَّخَره لأهل المعرفة، فإذا شرِبوا طَرِبوا، وإذا طرِبوا قاموا، وإذا قاموا هاموا، وإذا هاموا طاشوا، وإذا طاشوا (^٥) عاشوا، وإذا عاشوا طارُوا، وإذِا طارُوا طَلبوا، وإذا طَلبوا وجَدوا، وإذا وجَدوا نزلوا،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ودخلوا".
(٢) "فأهل الجنة": زيادة من (ف).
(٣) في (ف): "و".
(٤) في (أ): "ليسقي".
(٥) في (أ): "وإذا هاموا شاطوا وإذا شاطوا".
[ ١ / ٤٣٨ ]
وإذا نزلوا قرُبوا، وإذا قرُبوا كوشفوا، وإذا كوشفوا شاهَدوا، وإذا شاهَدوا عايَنوا، وإذا عايَنوا أَنِسوا، وإذا أَنِسوا أَبْصَروا.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾: (كلما) كلمةٌ تقتضي عمومَ الأفعال، وكلمةُ (كلّ) تقتضي عموم الذَّوَات، وحقيقتُها: أن كلمة (كلّ) لعمومِ ما دخل فيه، و(ما) مع الفعل المذكورِ بعده بمنزلةِ المصدر، فيقتضي عمومَ ذلك الفعلِ لدخولها فيه، فاقتضَى التكرارَ بهذا الطريق.
وقوله ﴿رُزِقُوا﴾؛ أي: أُعطوا، وقد بينَّا حقيقةَ هذا في (^١) قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [الأنفال: ٣].
وقوله: ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الجنات، و(مِن) في ﴿مِنْهَا﴾ (^٢) لبيان المكان؛ أي: من هذا المكان يرزقون.
وقوله: ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ (مِن) في هذا للتجنيس.
وقيل: هي زائدةٌ؛ أي: كلما رزقوا ثمرةً، كما قيل في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]: (مِن) هذه زائدةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
وقيل: هي للتأكيد، كما في قولهم: ما في الدار من رجلٍ.
وقوله تعالى: ﴿رِزْقًا﴾ هو خبرُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وهو مفعولٌ ثانٍ في الحقيقة، أَخبر أنَّ لهم رزقًا في الجنة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١]، ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "من".
(٢) في (ر): "ومن فيها".
[ ١ / ٤٣٩ ]
نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].
وأَخبر أن لهم ثمراتٍ، ومن صفتِها: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٢٩] ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] والقِطْف: عنقود العنب.
وسأل أعرابيٌّ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن أعنابِ الجنة وعنقودِها فقال: "مسيرةُ شهرٍ للغراب يطيرُ ولا يَفتُرُ عن طيرانه (^١)، ولو اجتَمع الخلائقُ على عنقودٍ واحدٍ (^٢) لأَشْبَعهم" (^٣).
وقد رُوي أنه لا يُقطَع من شجرِ الجنة ثمرٌ إلا نَبتَ مكانه مثلُه.
ورُوي أنه يخرج من حَبَّةِ عنبِ الجنة مثلُ الدُّرَّة، فتَنفلقُ (^٤) عن حوراءَ عيناءَ يغلبُ نُورها الشمسَ.
وفي الخبر: أن المؤمن إذا دخل الجنة رأى سبعين ألفَ حديقةٍ، في كلِّ حديقةٍ سبعون ألفَ شجرةٍ، على كلِّ شجرةٍ سبعون ألفَ ورقةٍ، على كلِّ ورقةٍ مكتوبٌ: لا إله إلا اللَّه محمدٌ رسولٌ اللَّه، أمَّةٌ مذنِبةٌ وربٌّ غفورٌ، كلُّ ورقةٍ عرضُها مِن مَشرِق الأرض إلى مَغْرِبها (^٥).
_________________
(١) في (أ): "الطيران".
(٢) "واحد": زيادة من (أ).
(٣) رواه بنحوه ابن حبان في "صحيحه" (٧٤١٦) من حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁.
(٤) في (ر) و(ف): "فتنفلق الدرة".
(٥) في (أ): "من شرق الأرض إلى غربها".
[ ١ / ٤٤٠ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابنُ مسعود وابنُ عباس ومجاهدٌ وقتادةُ رضي اللَّه تعالى عنهم؛ أي (^١): قالوا: هذا الذي رُزقناهُ مِن ثمار الجنة مِثْلُ الذي كنَّا رُزقناه مِن ثمار الدنيا (^٢)؛ أي: في الصورةِ والاسمِ، فقد قال ابنُ عباس ﵄: ليس في الدُّنيا ممَّا في الجَّنة إلَّا الأسماء (^٣)، فأشجارُ الجنَّة مِن الزَّبَرجد والياقوتِ والذهب والفضَّة.
وقال أبو عبيدة ويحيى بنُ أبي كَثيرٍ: ثمارُ الجنَّة إذا جنيتَ مِن أشجارها استُخلفَ مكانها مِثْلُها، فإذا رأوا ما استُخلِف بعد الذي جُني، اشتَبه عليهم فقالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (^٤).
وقيل: يُؤتى بالعَشاء مِثْلَ ما كان يُؤتى بالغداة (^٥)، فيقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِثْل ما تقدَّم.
وقيل: معناه: هذا الذي وُعدنا في الدُّنيا أنْ يكون رزقًا لنا في الجنَّة.
وقيل (^٦): أي: هذا ثوابُ ما رُزقناْ مِن العمل الصالح في الدنيا، فالثوابُ مُضمَر، والإضمارُ جائزٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ أي: أهل القرية.
وقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ هو على ما لم يُسمَّ فاعلُه على قراءة العامة، وقرأ
_________________
(١) في (ف): "إنهم".
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤١٦)، وانظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٧١).
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٠٩ - ٤١٠)، وانظر: "النكت والعيون" (١/ ٨٦). وأبو عبيدة هو ابن عبد اللَّه بن مسعود.
(٥) في (ف): "بالغداء".
(٦) "وقيل": ليست في (أ).
[ ١ / ٤٤١ ]
هارون بنُ موسى: (وأَتَوا) بفتح الألف على الفعل الظاهر (^١)؛ أي: الخَدَمُ أَتَوا بالرِّزق، ومعنى القراءة المشهورة: وجِيئوا به؛ أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين دَخلوها.
والمُتَشابِه في اللغة مُتَفاعِل مِن الشِّبْه والشَّبَه، وهما كالمِثْل والمَثَل، والتَّشبيهُ كذلك، والتَّشبيه: التمثيلُ، والمشابَهة: المماثلة، والشَّبَه -بفتح الشين والباء- الأشباه أيضًا (^٢)، والشَّبَه: جوهرٌ يُشبِه الذهبَ، والأمورُ المشتَبِهات (^٣): المُشكلات، والمتشابهات كذلك، وحقيقةُ المتشابه: الذي فيه شَبَهٌ مِن غيره حتى لا يكادُ يتميَّز (^٤) مِن غيره، والمتشابهات: المتماثلات، والشُّبهة: ما يُشبه الحلالَ مِن وجهٍ والحرامَ مِن وجهٍ، والشُّبْهة ما يُشبِه الحُجَّة.
وأمَّا تفسيره هاهنا؛ فقد قال الحسن وقتادةُ وابنُ جُريجٍ: معنى التشابهِ: هو التَّماثل في الجودة؛ أي: كلُّه خِيارٌ (^٥) يُشبِه بعضُه بعضًا؛ لا رَذْلَ فيه ولا فاسد ولا متغيِّر (^٦)، وليس كثمار الدُّنيا التي لا تتشابه لأنَّ فيها خيارًا وغيرَ خيارٍ (^٧).
وقال ابنُ عباس وابنُ مسعود والربيع بنُ أنس ﵃: التَّشابهُ هو التَّماثلُ في اللونِ دونَ الطَّعم، فتكون ثمار الجنَّة في ألوان ثمار الدُّنيا، وإنْ خالَفَتْها في الطَّعم فكانت ألذَّ وأطيبَ (^٨).
_________________
(١) انظر: "المختصر في القراءات الشواذ" (ص: ٣).
(٢) "أيضًا": زيادة من (أ).
(٣) في (ف): "المشبهات".
(٤) في (ف): "يميز"، وفي (أ): "حتى كاد لا يتميز".
(٥) في (ر): "جياد".
(٦) في (أ): "ولا فاسد ولا تغير"، وفي (ر): "ولا فساد ولا متغير".
(٧) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٤١٣). ووقع في (ر) و(ف): "جيادًا وغير جياد".
(٨) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٤١٤ - ٤١٥).
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقال مجاهد ويحيى بنُ سعيد: إنَّها تُشابه ثمارَ الدُّنيا في اللون والطعم جميعًا، أي: هي تُشبه ثمارَ الدُّنيا في لونها وطعمها (^١)، وفي ذلك ترغيبُهم في طلبِ ما عرفوه في الدُّنيا بلونه وطعمه.
وقال مجاهد في رواية: أي: يُشْبه بعضها بعضًا في الألوان، ويختلف في الطعوم (^٢)، وفي ذلك زيادةُ نشاطٍ لهم حيث وجدوا ممَّا تتَّفق صُوَرها ما تتفاوت (^٣) معانيها.
وقال أبو زيد والأشجعيُّ (^٤): التَّشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم، فلا تُشبه ثمارُ الجنَّة شيئًا من ثمار الدُّنيا في لون ولا طعم، وإنَّما تتَّفق أساميها لا غير، وفي ذلك ترغيبُهم في وجوه (^٥) لذَّات لم يَعهدوها ولا يَقفون على غايتها.
وقيل: معناه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾؛ أي: متماثلًا في كلِّ الأوقات علىّ
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٤١٥).
(٢) في (أ): "الطعم"، والأثر رواه عنه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٣) في (ر) و(ف): "تتقارب".
(٤) قوله: "والأشجعي" كذا قال المؤلف، ومثله في "النكت والعيون" للماوردي (١/ ٨٦)، ولعله وهم، والصواب: ابن عباس، وسبب الوهم سياق الطبري في "تفسيره" (١/ ٤١٦) حيث قال: (حدثني أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعيّ (ح)، وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمَّل، قالا جميعًا [يعني: الأشجعي ومؤمل]: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيَان، عن ابن عباس، قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي: لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء. وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل، قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء). فالخبر كما ترى لابن عباس، لكن قد يوهم ظاهره أنه للأشجعي.
(٥) في (ر) و(ف): "وجود".
[ ١ / ٤٤٣ ]
الطَّراوة، وليس في الجنَّة خريفٌ ولا شتاء ولا ربيعٌ ولا صيف، ولا حرٌّ ولا برد، ولا نقصٌ ولا فَقْد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الزَّوجُ: البَعْلُ في اللغة (^١)، والزَّوجةُ البَعْلةُ، والزَّوجُ ذَكَر وأنثى مِن كلِّ حيوان، وهما زوجان أيضًا، وهو في القرآن لأشياء:
للبعل: قال تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وللبعلة: قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وللذَّكر والأنثى مِن كلِّ حيوان: قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧].
وللشَّفْع مِن كلِّ شيءٍ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩].
وللصِّنْف: قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧].
وللَّون: قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]؛ أي: لونٍ حَسَنٍ.
وللشِّبه: قال تعالى ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦].
وللقَرين: قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].
وأمَّا تفسيره:
فمعناه: ولهم في الجنات زوجاتٌ؛ وهنَّ نساء الدُّنيا وحُور الجنَّة جميعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ الآيات [الواقعة: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] وَعَدهم الجمعَ بينهم وبين الزوجات؛ ليتمَّ لهم الأُنْس والراحات (^٢)، وتَهْنَأَ لهم الجنَّة والأطعمةُ والأشربة والكرامات.
_________________
(١) بعدها في (أ): "والزوج".
(٢) "والراحات": من (ر).
[ ١ / ٤٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ الطُّهر والطَّهارة خلافُ الدَّنَس، يقال: فلانٌ طاهرُ الثياب؛ أي: نقيٌّ عن العيب، والتَّطهُّرُ: التنزُّه عن الإثم والقبيح، والتَّطهيرُ: إثبات الطهارة.
وقرأ ابنُ مسعود ﵁: (مُطهَّراتٌ) (^١)؛ لأَنَّها نعتُ النِّسوة، وهنَّ (^٢) جمعٌ، وقراءةُ العامة وهو الذي في مصحفِ الإمام: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾؛ لأنَّ المسموعَ مِن العرب في نعتِ الجمع القليلِ الألفُ والتاءُ، وفي نعتِ الجمعِ الكثيرِ الهاءُ وحدها، يقال: أَحمرةٌ مُستنفِراتٌ، وحُمُرٌ مُستنفِرة، ولأنَّ الأزواجَ جمعُ زوجٍ، وهو مذكَّرٌ في اللفظ، وإنَّما صار مؤنَّثًا بالجمع للحال، فصارت كالواحدة، كقولك: بيتٌ خاوٍ (^٣)، ثم تقول: بيوتٌ خاويةٌ، ولا يقال: خاوياتٌ، ونقول: دارٌ خاويةٌ، ودُورٌ خاوياتٌ، لأنَّ الواحدةَ كانت مؤنَّثة، وهذه جماعة المؤنَّثات.
وإنَّما قال: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾، ولم يقل: طاهرة؛ لأنَّ المُطهَّرةَ أبلغُ، فإنَّ طاهرة تدلُّ على طهارتها، والمُطهَّرة تدلُّ على أنَّ اللَّهَ هو الذي مَنَّ بتطهيرها، ولأنَّ التفعيلَ للتكثير، فيدلُّ على أنواع التطهير، ولأنَّ التفعيلَ للنسبة والوصف فيدلُّ على أنَّهنَّ الموصوفاتُ بها المنسوباتُ إليها، ولأنَّها إنْ جُعلت في أوصاف نساءِ الدُّنيا دلَّت على أنَّهنَّ جُعلن كذلك (^٤) في العُقبى وإنْ كنَّ غيرَ ذلك في الدُّنيا، وإنْ جُعلت في صفةِ الحُور العِين، فمعناه أنَّهنَّ خُلقنَ كذلك، وأبدًا يبقَين كذلك.
_________________
(١) نسبها الزمخشري في "الكشاف" (١/ ١٣٩) لزيد بن علي.
(٢) في (أ) و(ر): "وهي".
(٣) في النسخ: "خاوي" والمثبت هو الجادة.
(٤) في (ر): "جعلت ذلك"، وفي (ف): "جعلن لذلك".
[ ١ / ٤٤٥ ]
وأمَّا التفسيرُ:
فقد قيل: مُطهَّرات الأبدان في الخِلْقة، فهنَّ مِن المِسك والكافور والعنبر والزَّعفران، لا مِن التراب والمَنِيِّ والعَلَقة.
وقيل: مُطهَّرات الأبدان في الحال، فليس تحتَ الجلود دمٌ ولا قيحٌ، ولا في البطونِ ما في بطون البشر.
وقيل: مُطهَّرات الأبدان عن الأمراض والأَعراض؛ مِن الوَرَم والدَّرَن والصُّداع وسائرِ الأوجاع.
وقيل: مُطهَّرات الأبدان عن الولادة، وهو قول يمان بنِ رئاب (^١).
وقيل: مُطهَّرات الأبدان عمَّا يَخرج منها؛ مِن بولٍ أو مَنِيٍّ أو غائطٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ أو مخاطٍ أو بلغمٍ.
وقيل: مُطهَّرات الأفعال؛ فلا يُصاحبن ولا يُجادِلن، ولا يَعترضن ولا يُعْرضن، ولا يُغلِظن القولَ، ولا يُسِئن الفعلَ، ولا يَنشُزن.
وقيل: مُطهَّراتُ الأخلاق؛ فلا يَحسدن ولا يَحقدن ولا يُبغضن ولا يَغَرْن.
وقيل: مُطهَّراتٌ عن استرابة القلوب بهنَّ؛ فلا يَمِلن إلى غيرِ أزواجهنَّ، ولا يقعُ في قلوب الرجال ما يُنفِّر طباعهم عنهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الخلودُ: البقاءُ لغةً، والإخلادُ: الإقامةُ والركون أيضًا، وحقيقةُ الخلودِ: الدَّوامُ مِن وقتٍ مُبتَدَأ، ولهذا لا يجوز أنْ يُقال للَّه تعالى: إنَّه (^٢) خالد؛ لأنَّه قديمٌ أزليُّ لا ابتداءَ له.
_________________
(١) في النسخ: "رباب"، والمثبت هو الصواب.
(٢) "أنه": من (أ).
[ ١ / ٤٤٦ ]
وتفسيره: وهم في الجنَّات باقون دائمون مقيمون، لا يموتون ولا يخرجون، والبقاء الأبديُّ في الجنَّة لأهلها وفي النار لأهلها، قولُ جميعِ أهلِ الإسلام.
وقال جَهْمٌ -لَعَنه اللَّهُ تعالى-: إنَّ الجنَّة والنار يَفنيان؛ لأنَّ البقاءَ الأبديَّ للَّه وحده (^١).
ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] وقولُه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] وقولُه تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] وقولُه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وقولُه تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، ولأنَّ أهلَ الجنَّة لو عَلموا بالزوال لكانوا في أشدِّ عقوبة، ولو أنَّ (^٢) أهلَ النار عَلموا بالفَناء لكانوا في أتمِّ راحة؛ فيصير الثواب عقابًا والعقابُ ثوابًا.
وجواب قولهم: أنَّ اللَّهَ تعالى باقٍ بذاته (^٣)، وبقاء الجنَّة والنار وأهلِهما بإبقاء اللَّهِ تعالى، فلا مشابهة.
* * *
_________________
(١) انظر: "التبصير في الدين" لأبي المظفر الإسفراييني (ص: ١٠٨).
(٢) "لو أن": ليست في (أ).
(٣) أي: قولهم: "لأنَّ البقاءَ الأبديَّ للَّه وحده" جوابه: "أنَّ اللَّهَ تعالى باقٍ بذاته. . . "، وفي (ر): "لذاته".
[ ١ / ٤٤٧ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
ماهر أديب حبوش - فادي المغربي
المجلد الثاني
دار اللباب
[ ٢ / ١ ]