(٢٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ انتظامُ هذه الآية بما قَبْلها مِن ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَرَ الكفَّار في أوَّل هذه السورةِ، ودَعَاهم إلى الإيمان بقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، وأَقام الدلالةَ عليه بتخليقه الأشياءَ، وأَثبتَ رسالةَ نبيِّه (^١) وحقِّيَّةَ (^٢) كتابه، وعَجْزَ أصنامهم؛ إذ قال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ولم يُمْكِنْهم ذلك، فعرَّفهم عَجْزَ الأصنام فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣] فقال السفهاءُ منهم: ليس هذا مِن كلام اللَّه تعالى، فلا يليقُ بجلاله (^٣) ذِكْرُ هذه الأشياء الحقيرة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وهو العنكبوتُ والذُّباب.
_________________
(١) بعدها في (ر): "محمد -ﷺ-".
(٢) في (ر): "وحقيقة".
(٣) في (أ) و(ف): "بحاله".
[ ٢ / ٥ ]
والثاني: أنَّه ذَكَر المنافقين بعد الكفَّار، وذَكَر لهم مَثَلين؛ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]، ودَعاهم إلى الإخلاص بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وبيَّن لهم دليلَ صحَّة دعوى الرَّسولِ وحقيَّةِ (^١) الكتاب، وقال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]؛ أي: أَعوانكم وأَنصاركم، وهم الذين سَبَق ذِكْرُهم ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]؛ أي: وعجزوا، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ وهو هؤلاء (^٢) ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]، قال سفهاؤهم: ما هذا مِن كلام اللَّه تعالى، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ ردًّا عليهم.
والثالث: أنَّه لمَّا أَوْعَد الكفَّارَ بالنار، وبشَّر المؤمنين بالجنَّة، قالوا: لا يُعذَّبُ بالنار غيرُ الكفَّار (^٣)، ولا يَنال الجنّةَ إلَّا مؤمنٌ عَمِل كلَّ الصالحات، فنزل قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]؛ أي: مِن ثواب الجنَّة، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؛ أي: مِن عقاب النار، والذَّرَّةُ: هي النملةُ الصغيرة، قال السفهاءُ: لا يَليق باللَّه ذِكْرُ النَّملة، فنزلت هذه الآيةُ.
وقوله: ﴿يَسْتَحْيِي﴾ هو يَسْتَفعِل مِن الحياء؛ وهو في اللغة: اتِّقاء ظهورِ العَورة.
وقيل: هو الانقباضُ عن الشيء والامتناعُ عنه خوْفًا من (^٤) مُواقَعة القبيح، وقد حَييَ يَحيى حياءً (^٥)، مِن حدِّ: عَلِم، فهو: حَيِيٌّ، والحياءُ: الفَرْجُ؛ لأنَّه يُستحْيَى مِن إظهارِه، وحاصلُ الحياء هو التَّرْك، فإنَّ مَن استَحْيى مِن شيءٍ تَرَكه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وحقيقة"، وكلمة "دعوى" ليست في (أ) و(ف).
(٢) "وهم هؤلاء" ليست في (أ).
(٣) في (ف): "الكافر".
(٤) في (أ): "عن".
(٥) في (ر): "حياة".
[ ٢ / ٦ ]
وقد ورد ذِكْر الحياءِ في صفة اللَّه تعالى إثباتًا ونفيًا، قال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ حَييٌّ كريمٌ؛ يَستحيي أنْ يرفعَ العبدُ إليه يديه، فيردَّهما صِفْرًا" (^١).
وقال عليه الصلاة درالسلام: "يقول اللَّهُ تعالى: الشَّيْب نُوري، وأَنا أَستحيي أنْ أُحرقَ نوري بناري" (^٢).
وأمَّا النفيُ؛ ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقال هاهنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، ومعناه: الترك، فإنَّ مَن اتَّقى ظهورَ عيبه بشيءٍ تَرَكه، وكذا مَن خافَ مواقعةَ قبيحٍ تَرَكه، فإذا كان اللَّهُ تعالى يَستحيي مِن ردِّ العبد خائبًا، فمعناه أنَّه يَتركُ حرمانَه، فإذا (^٣) قال: لا يستحيي مِن الحقِّ، فمعناه: لا يَتركُ بيانَه.
وهذا هو الوجه في كشف الكلمات الموهِمة: أنَّك تعتبر حاصلَ ذلك فتفسِّرُه به.
وهذا كالعَجَب مِن الإنسان، فعجَبُه مِن آخَرَ يكون مِن أحدِ شيئين: مِن إساءةِ مَن كان أحسنَ هو إليه فتعجَّب منه، ومِن إحسانِ أجنبيٍّ إليه لم يَكن منه إليه إحسانٌ فتعجَّب منه، وذاك بظهورِ ما لم يكن عنده أنَّه يَظهر كذلك، وهذا لا يجوز على اللَّه تعالى؛ لأنَّه عَلِم الأشياءَ كلَّها، وعَلم ما يكون قَبْل أن يكون أنَّه إذا كان كيف يكون، ولكنْ حاصلُ هذه الكلمة هو غايةُ الرِّضا أو غايةُ الكراهة، واللَّهُ تعالى إذا ذُكر منه
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٨٧٢)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، من حديث سلمان الفارسي مرفوعًا، قال الترمذي: حديث حسن غريب.
(٢) رواه الديلمي كما في "المقاصد الحسنة" (١١٣٦)، وعنه السلفي في "معجم السفر" (٢٣٢)، وأشار الذهبي في "ميزان الاعتدال" -ترجمة دينار أبي مكيس الحبشي- إلى وضعه.
(٣) في (أ): "وإذا".
[ ٢ / ٧ ]
العجَبُ، فإنَّما يُراد به أحدُ هذين اللَّذَيْن هما الحاصلُ، ففي قوله ﵊: "إنَّ اللَّهَ ليَعجبُ مِن الشابِّ ليست له صَبوةٌ" (^١) هو غايةُ الرِّضا.
وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بالضَّمِّ (^٢) ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٢] هو غايةُ الكراهة، وعلى هذا نظائرُه.
ثم الإثباتُ والنفيُ معًا في صفةٍ واحدةٍ لا يَرجع إلى ذاتِ اللَّهِ تعالى، فإنَّ ما أثْبت اللَّه تعالى له لم يَجز نفيُه عنه، وما نُفيَ عن اللَّه تعالى لم يَجز إثباته له، وإنَّما يَرجع ذلك إلى ما يقعُ عليه ذِكْر هذه الصفات (^٣)، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] نفَى المغفرةَ في حقِّ مَن يُشرك، وأَثبتها في حقِّ مَن لا يشرك، وذلك يَرجع إلى ذنبِ المشرك وذنبِ (^٤) غير المشرك لا إلى ذاتِ اللَّه تعالى، وكذا قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وكذا قولهم: "ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يَشأ لم يكن" (^٥).
ثم قوله: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ قيل في تفسيره: لا يَترك ضربَ المَثَل بالبعوضة.
وقيل: أي: لا يَمتنِع عنه.
وقال قتادةُ وجماعة: هو في مشركي مكَّة (^٦)؛ بدليل أنَّه ذكر مثلُ هذا في سورة
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١٧٣٧١)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٧٤٩)، من حديث عقبة بن عامر ﵁.
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالفتح. انظر: "السبعة" (ص: ٥٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٨٦).
(٣) في (أ) و(ف): "الصفة".
(٤) في (ر) و(ف): "دين المشرك ودين".
(٥) قطعة من حديث رواه أبو داود (٥٠٧٥) عن بنت النبي -ﷺ- مرفوعًا.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٢٤).
[ ٢ / ٨ ]
المدَّثر وهي مكِّيّة، قال تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] وقال هاهنا (^١): ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.
ثم تلك مِن أوائل الوحي وفي حقِّ مشركي مكَّة، فكذا هذا.
وقيل: هو في حقِّ منافقي أهلِ المدينة مِن أهل الكتاب؛ بدليلِ أنَّه قال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وهذه (^٢) صفةُ المنافقين مِن أهل الكتاب؛ فقد قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ولأنَّ سورةَ البقرة مدنيَّة.
وقيل: يجوز أن يكون نزولُ الآية في الفريقين جميعًا؛ فقد سَبق ذكرُ الكفار والمنافقين في صدر السورة، وقال أيضًا في سورة المدَّثر: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهم أهل النفاق، وقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ وهم أهلُ الشرك.
ثم إنَّ اللَّه تعالى بيَّن أنَّه لا يَترك ضربَ المثل بقول المنافقين والكفار (^٣)، فلا تَتركْ أنتَ قولَ الحقِّ بقول الفجَّار، وذكر أنَّه يَستحيي مِن إحراق النور بالنار، فاستحِ أنتَ مِن مخالفة الملِك الجبَّار.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾؛ أي: يبيِّنَ، والضَّرْبُ في القرآن لمعانٍ:
للإيلام مِن غير خَدْشٍ ولا جَرحٍ: قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
وللضَّرْب مِن غير إيلامٍ: قال تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
_________________
(١) في (ر): "وأما هاهنا فقال".
(٢) في (ف): "وهذا".
(٣) في (أ): "ضرب المثل الحق بقول الكفار".
[ ٢ / ٩ ]
ولقليلِ الإيلام: قال تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].
وللقَطْع: قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].
وللحَزِّ والإزهاق: قال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢].
وللكَسْر: قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣].
ولتعذيبِ الملائكةِ الكفَّارَ عند الموت: قال تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠].
ومِن المجاز فيه: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠]: هو السَّير؛ وفيه ضَرْبُ الرِّجْل على الأرض.
وقولُه: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]: هو الصرف، وتقديره: أَفنُهْمِلُكم فلا نعرِّفَكم ما عليكم ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، وأصله في الراكب إذا أَراد أنْ يَصرف مركبَه عن جهته يضربه (^١) ليَعْدلَه، فوُضع الضَّرْبُ موضعَ الصَّرْف.
وقولُه تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: أَنَمناهم ومَنَعناهم السماعَ؛ وهو مِن ضَرْبِ الحجابِ على الأُذن في التقدير.
وقولُه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ أي: ولْيُرخينَ مقانِعَهنَّ فوقَ جيوبهنَّ عند صدورهنَّ للسَّتْر (^٢).
وقولُه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]؛ أي: أُظهِر.
وقولُه تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا﴾ [طه: ٧٧]؛ أي: حدًّا (^٣).
_________________
(١) في (أ): "ضربه" وفي (ر): "بضربه".
(٢) في (أ) و(ف): "للتستر".
(٣) في (أ): "أي حد طريق".
[ ٢ / ١٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ (^١) [البقرة: ٦١] أي: وُظِّفت (^٢) عليهم الجزية.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]؛ أي: لا تَصفو اللَّه الأشكال.
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٧]؛ أي: يُمثِّل.
وقولُه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ [الكهف: ٣٢]؛ أي: واذكُر.
وقولُه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم: ٢٤]؛ أي: بيَّن، وهاهنا أيضًا معناه البيانُ بإجماعِ أهلِ التفسير.
و﴿مَثَلًا﴾ مرَّ تفسيره في قوله ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧].
وقوله: ﴿مَا بَعُوضَةً﴾ في القرآن (^٣) (ما) تجيء على عشرة أوجهٍ:
للنفي: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩].
وللجحد: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩].
وبمعنى (الذي): ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وبمعنى (مَن): ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥].
وللمصدر: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧].
وللاستفهام: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢].
وللشَّرْط: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥].
_________________
(١) "والمسكنة": من (ف).
(٢) في (ر): "وضعت".
(٣) "في القرآن": ليست في (أ) و(ف).
[ ٢ / ١١ ]
وللوقت: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].
وللتعجُّب: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
وللصِّلَة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
و﴿بَعُوضَةً﴾: هي مِن صغار البَقِّ، والبَعضُ مِن الشيءِ: طائفةٌ منه، وتبعيضُ بعضُ الشيءِ: تجزئتُه، وكأنَّ البعوضةَ بعض البقَّة؛ لصِغَرها.
وكلمة (ما) تصلُح صلةً زائدةً مؤكِّدة، وتصلُح اسمًا، وبيانُه في باب (^١) بيانِ إعرابِ (بعوضة)، وهي منصوبةٌ في القراءة الظاهرة، وقال النحويون: ويَجوز فيها الرَّفع، وأمَّا النصبُ فلوجوه ثلاثة:
أحدها: أنَّ (ما) زائدة مؤكِّدة، معناها: حقًّا، وتقديره: أنْ يَضرب بعوضةً مثلًا حقًّا، ولا إعراب لـ (ما)، والخافض والناصب يتخطَّاها إلى ما بعدها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والثاني: أن يكون (ما) اسمًا نكرةً منصوبة، و(بعوضةً) صلةً وصفةً لها تابعةً للموصول في إعرابه، وتقديرُه: أنْ يضربَ مثلًا شيئًا، يعني (^٢): أيَّ مثلٍ أراد بعوضةً فما فوقها.
والثالث: أن يكون نصبًا على نَزْعِ الخافض، ومعناه: أنْ يَضرب مثلًا ما بين بعوضةٍ إلى ما فوقها، بنزع (^٣) (بَيْنَ) مِن الأول و(إلى) مِن الثاني، فانتصَبا بنزعِ الخافض، وهو كقولهم: مُطِرنا ما زُبالةَ فالثَّعلبيَّةَ، يعني: ما بينَ زبالةَ إلى الثعلبيَّةِ (^٤).
_________________
(١) "باب": زيادة من (أ).
(٢) "يعني": سقط من (ف).
(٣) في (أ) و(ف): "فنزع".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٢)، وفيه: والعربُ إذا ألْقَتْ (بَيْنَ) مِن كلام تصلُح (إِلَى) في =
[ ٢ / ١٢ ]
وأمَّا الرفعُ فبإضمارِ (هو)، تقديره: أنْ يَضربَ مثلًا الذي هو بعوضةٌ، والإضمارُ جائزٌ، قال الشاعر:
فكفَى بنا شرفًا على مَن غيرنا حبُّ النبيِّ محمَّدٍ إيَّانا (^١)
ينشَد (غير) بالرَّفع والخفض.
وقال الربيع بنُ أنس: ضَربُ المَثَلِ بالبعوضة عبرةٌ لأهل الدُّنيا؛ فإنَّ البعوضةَ تَحيا ما (^٢) جاعت، وتموتُ ما (^٣) شَبعت، فكذا صاحبُ الدُّنيا إذا استغنى طغى وأحاط به الرَّدى (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: والأعجوبةُ في الدِّلالة على وحدانيَّة اللَّه تعالى وربوبيَّته في خَلْقِ الصغيرِ مِن الجُثَّةِ والجسمِ أكثر مِن الكبار منها والعِظام؛
_________________
(١) = آخره؛ نَصبوا الحرفين المخفوضين اللَّذين خُفض أحدهما بـ (بَيْنَ) والآخر بـ (إلى)، فيقولون: مُطرْنا ما زُبالَةَ فالثّعْلبيةَ. اهـ. وزبالة والثعلبية موضعان بمكة. "معجم البلدان".
(٢) عزاه الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٢١) لحسان بن ثابت ﵁، وفي "الكتاب" (٢/ ١٠٥) نسبته للأنصاري، قال الأعلم في "شرح شواهد الكتاب" (ص: ٢٧٩): الأنصاري حسان ﵁. وعزاه ابن السيد في "الحلل" (ص: ٣٨٣) لكعب بن مالك، وفي "شرح المفصل" لابن يعيش (٤/ ١٢) لحسان أو لكعب أو لعبد اللَّه بن رواحة، وقال الأعلم: ويقال: إنه لبشر بن عبد الرحمن بن مالك الأنصاري، وهو الصحيح، ذكر ذلك أبو زيد، والشاهد فيه حمل (غير) على (مَن) نعتًا لها لأنها نكرة مبهمة. اهـ. قلت: فعلى ذلك هي مجرورة، ويروى برفع (غير) على تقدير: (على مَن هو غيرُنا)، فـ (مَن) موصولة، والعائد محذوف. انظر: "المغني" لابن هشام (ص: ٤٣٢)، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي (١/ ٣٣٧).
(٣) في (أ): "إذا".
(٤) في (أ) و(ف): "إذا".
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٢٣ - ٤٢٤).
[ ٢ / ١٣ ]
لأنَّ الخلائقَ لو اجتَمعوا على تصوير صورةٍ مِن نحو البعوض والذُّباب وتركيبِ ما يحتاج إليه مِن الفم والأنف والعين والرِّجل واليد والمَدخل والمَخرج، ما قدَروا عليه، ولعلَّهم يقدرون على تصوير العظام مِن الأجسام الكبار منها (^١).
وقال غيرُه: إنَّ اللَّهَ تعالى قوَّى قلوبَ ضعفاء الناس بذِكْر ضعفاءِ الأجناس، وعَرَّف الخلقَ قدرتَه في خَلْق الضعفاء على هيئاتِ الأقوياء؛ فإنَّ البعوضَ على صِغَره بهيئة (^٢) الفِيْل على كِبَره، وفي البعوض زيادةُ جناحَيْن، فلا يُستبعَد مِن كرمه أنْ يعطيَ على قليلِ العمل ما يُعطي على كثيرِ العمل مِن الخلقة، كما أَعطى صغيرَ الجثَّة ما أَعطى كبير الجثَّة مِن الخلقة، ومن العجيب أنَّ هذا الصغيرَ يؤذي هذا الكبيرَ فلا يَمتنعُ منه، ومن لُطف اللَّهِ تعالى أنَّه خَلَق الأسدَ بغاية القوَّة، والبعوضَ والذُّبابَ بغاية الضَّعف، ثم أَعطى البعوضَ والذُّبابَ جراءةً أَظهرها في طيرانهما في وجوهِ الناس وتماديهما في ذلك، مع مبالغةِ الناس في ذبِّهما بالمِذَبَّة، وركَّب الجُبْنَ في الأسد وأَظهر ذلك بتباعُده عن مساكن الناس وطُرقِهم، ولو تَجاسر الأسدُ تجاسُرَ الذُّبابِ والبعوضِ، لهلك الناسُ، فمنَّ اللَّهُ تعالى وجعلَ في المتجاسر (^٣) الضعفَ، وفي القويِّ الجبنَ، وهو العزيزُ الحكيم.
وقال القشيريُّ رحمه اللَّه تعالى: الخَلْقُ في التحقيق بالإضافة إلى قُدرة الخالق (^٤) أقلُّ مِن ذرَّةٍ مِن الهباء في الهواء، وسيَّان في قدرته البعوضة والعرش (^٥)،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة والجماعة" (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
(٢) في (أ): "كهيئة".
(٣) في (أ) و(ف): "التجاسر".
(٤) في (أ): "الحق".
(٥) في هامش (ف): "سيان في قدرته خلق العرش وخلق البعوض".
[ ٢ / ١٤ ]
فلا خَلْقُ العرش عليه أعسرُ، ولا خَلْق البعوضة عليه أيسر، فإنَّه سبحانه متقدِّس عن لحوقِ العُسر واليُسر (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ الفوقُ: العُلو، يقال: فاقَهُ: غَلَبه وعَلَاه (^٢) وصار فوقَه، وانتصابه لِمَا مرَّ في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً﴾ (^٣).
وأمَّا تفسيره:
فقد قال قتادة وابنُ جريج: معناه: فما فوقها في الكِبَر (^٤).
وقال أبو عبيدة: معناه: فما دونها في الصِّغَر (^٥).
والكلمة مِن الأضداد، كالوَراء يكون للخَلْف والأَمام؛ قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، والصَّريم يكون للنهار والليل، والقرءُ يكون للحيض والطُّهر.
وقال أهلُ التحقيق: أي: فما فوقها في الصِّغَر؛ لأنَّ الغرضَ المطلوبَ هاهنا هو الصِّغَرُ، والكلمة مِن قولهم: فاقَ فلانٌ كذا؛ أي: جاوَزه، والمجاوزةُ نوعان؛ بالصِّغَر وبالكِبَر، فإنْ ذُكر شيءٌ على وجه التصغير، فما ذُكر بعده بهذه الكلمة عُرف أنَّه أُريد به مجاوزتُه إيَّاه في الصِّغَر، وإنْ ذُكر على وجه التكبير، عُرف أنَّه أُريد مجاوزتُه إيَّاه في الكِبَر، وهو متعارَف؛ تقول: فلانٌ صغيرُ القَدْر قليلُ الخير، فيقال: هو فوق ذلك.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٧١).
(٢) في (ر): "الفوق والعلو بمعنى يقال أبى عليه وعلاه".
(٣) في هامش (ف) حاشية: "الرفع والنصب بناء على ما يقتضيه العامل لا أنهما عمله".
(٤) انظر: "النكت والعيون" (١/ ٨٨).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٥).
[ ٢ / ١٥ ]
قالوا: والجمع بين المعنيين بوصفٍ واحدٍ أَولى مِن الحمل على الضِّدَّين؛ لأنَّ الكلامَ للإفهام، وفي دلالة اللفظِ الواحدِ على الضِّدَّين حملٌ على الإبهام، وحملوا على ذلك جميعَ ما ورد من الألفاظ الواقعة على الضِّدَّين في الكلام، وقالوا: الوراء: ما وراءك خَلْفًا كان أو أمامًا، والصَّريم الوقتُ المنصرمُ ليلًا كان أو نهارًا، والقرء: الوقتُ المعتاد طهرًا كان أو حيضًا، والفوق: المجاوز عن الشيء صغيرًا كان أو كبيرًا (^١).
وإذا حمل على المجاوزة في الصِّغَر؛ فمعناه: أنَّ اللَّهَ تعالى لا يَمتنع عن بيان الحقِّ بضَرْب المَثَل بالبعوضِ الذي هو نهايةٌ في الصِّغَر عندكم، وبما هو دونَه في الصغَر ممَّا هو في علمِ اللَّه تعالى وقدرته وإنْ لم يَرَهُ أحدُكم بمشاهدته.
وإذا حمل على المجاوزة في الكِبَر؛ فقد قيل: أي: بالفيل الكبير، فإنَّهما يتماثلان صورةً؛ لكن هذا يطير وذاك (^٢) يسير، وهذا يألَفُ وذاك يَنفِرُ، وهذا يُؤذيك ويستولي عليك، وذاك تقهَرُه أنتَ وتستولي عليه.
ومِن العجيب (^٣) عَجْزُك عن هذا الضعيف الصغير، وقدرتُك على ذلك الكبير.
ومِن الأعاجيب: أنَّ هذا الضعيفَ إذا طار في وجهك ضاقَ به قلبُك، وتنغَّص به (^٤) عيشُك، وفسد عليك بستانُك وكَرْمُك.
وأعجبُ منه: جرأتُك مع ضعفك على ما يورثُك العارَ ويوردك النارَ، فإذا كان
_________________
(١) في (أ): "صغرًا كان أو كبرًا".
(٢) في (ر) و(ف): "وهذا".
(٣) في (ف): "العجب".
(٤) "به": ليست في (أ) و(ر).
[ ٢ / ١٦ ]
جَزَعك هذا مِن البعوض في الدُّنيا، فكيف حالُك إذا تسلَّطَتْ (^١) عليك الحيَّاتُ والعقاربُ في لظى؟!
وقيل: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾؛ أي: العنكبوت والذُّباب، فقد كان ذكرهما قَبْل ذلك على ما ذكرنا، وللعنكبوت خَطَرٌ عظيمٌ وأمرٌ جسيمٌ، فقد دَفع اللَّهُ تعالى به قصدَ الكفار عن النبيِّ المختار وصاحبِه في الغارِ، على ما عُرف في الأخبارِ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (أمَّا) كلمةُ تفصيلٍ ولا بدَّ لها مِن جوابٍ، وجوابها بالفاء، وهي أداةٌ رافعة للأسماء إلَّا إذا كان بعدها أمرٌ أو نهيٌ فتنصب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] وتَجيء مكرَّرة، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦] وكذا في كلِّ موضع.
والحقُّ نقيضُ الباطل، والحقُّ: الواجبُ، والاستحقاقُ: الاستيجابُ.
والحقُّ: الصِّدْقُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥].
والحقُّ: الكائنُ في قوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨].
والحقُّ: أَخْذُ الحقوق في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
والحقُّ: الغايةُ في قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، و﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].
_________________
(١) في (أ): "سلطت".
(٢) قصة نسج العنكبوت رواها الإمام أحمد في "المسند" (٣٢٥١) بإسناد ضعيف، وانظر الكلام عليه في حاشية "المسند".
[ ٢ / ١٧ ]
والحقُّ: العدلُ في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦].
والحقُّ: العذابُ في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢].
والحقُّ: الحاجةُ في قوله تعالى: ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود: ٧٩].
وأمَّا التفسيرُ:
فمعناه: فأمَّا الذين اعتقدوا بقلوبهم دينَ الحقِّ وأقرُّوا بألسنتِهم بذلك، فيعلمون أنَّ هذا المثَلَ حقٌّ مِن اللَّه تعالى (^١)، فيتفكَّرون في هذا المثَلِ الحقِّ، ويوقنون أنَّ اللَّهَ هو خالقُ الكبير والصغير، كلُّ ذلك في قدرته سواءٌ، كما أنَّ الخلقَ عاجزون عن خَلْق الكبير والصغير، كلُّ ذلك في عجزهم سواء.
وقال الإمام القشيريُّ: فأمَّا (^٢) مَن فُتحت أبصارُ سرائره، فلا يَنظر إلى الأغيار (^٣) والآثار إلَّا نَظَر الاعتبار، ولا يَزداد إلَّا نفاذ الاستبصار، وأمَّا الذين سُكِّرت أبصارُهم بحُكم الغفلة والإغفال، فلا يَزيدهم ضربُ الأمثال إلَّا زيادةَ الجهل والإشكال (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: فمَن عرفَ الحقَّ، فمِن حقِّه القيامُ بحقِّه، وقبولُ حقِّه، وأداءُ حقِّه، بل حقُّ عارفِ الحقِّ: كونُه بالحقِّ وللحقِّ، وكونُه به: ألَّا يُلاحظَ (^٥) غيرَه، وكونُه له: ألَّا يُساكن غيرَه، وكيف تصحُّ النِّسبة (^٦) لمن تفرَّقت له الصحبةُ، وتقسَّمت الخلائقُ والعلائقُ قلبَه.
_________________
(١) "من اللَّه تعالى": ليس في (ف).
(٢) في (ر): "وأما".
(٣) في (أ): "الأعيان".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٧١).
(٥) في (ر): "يلحظ".
(٦) في (ر): "النية"، وفي (ف): "التشبه".
[ ٢ / ١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ هذا استفهامٌ بمعنى الإنكار، ومعناه: وأمَّا الذين أشركوا والذين هادوا فيقولون: أيُّ شيءٍ أراد اللَّهُ تعالى بالضَّرْب بالبعوض مثلًا؟ وأيُّ فائدةٍ في هذا؟ وهذا سَفَهٌ منهم.
وقال الزجَّاج في ﴿مَاذَا﴾: يجوز أن يكون (ما) و(ذا) اسمًا واحدًا، ويكونَ موضعُهما نصبًا، ومعناه: أيُّ شيءٍ أراد اللَّهُ بهذا مثلًا؟ ويجوز أن يكون (ذا) بمعنى (الذي) فيكونَ المعنى: ما الذي أراد اللَّهُ بهذا مثلًا؟ وأيُّ شيءٍ الذي أراد اللَّهُ بهذا مثلًا؟ ويكون (ما) رفعًا بالابتداء، و(ذا) خبرَ الابتداء (^١).
والإرادةُ: المشيئةُ، والرَّود: الطَّلَب، والمراودةُ: المطالبةُ، والارتيادُ: الطَّلب بتكلُّف (^٢).
والإرادةُ صفةُ اللَّهِ تعالى أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته، وَصَفَ بها نفسَه فقال: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، وقال اللَّه تعالى: ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فالكثيرُ خلافُ القليل، وعددٌ كاثرٌ؛ أي: كثيرٌ، قال الشاعر:
وإنَّما العِدَّةُ للكاثرِ (^٣)
والمكاثرةُ: المغالبةُ بالكثرة، والمَكثور: المغلوبُ به.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٠٥).
(٢) في (أ): "بالتكلف".
(٣) في هامش (ف): "ولستَ بالأكثر منهم حصى"، وكتب فوقها: "أوله".
[ ٢ / ١٩ ]
وأمَّا تفسيرُه:
فقد قيل: هذا إخبارٌ عن اليهود أو المشركين أو المنافقين، أنَّهم قالوا: يُضِلُّ اللَّهُ بالمَثَل كثيرًا مِن الناس، ويَهدي اللَّهُ بالمَثَل كثيرًا مِن الناس.
وقيل: هو إخبارٌ مِن اللَّه تعالى، وكذا قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: هذا جواب لقولهم (^١): ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، قال: أراد أنْ يُضِلَّ به كثيرًا، ويهدي به كثيرًا؛ أضلَّ به مَن عَلم منه أنَّه يختار الضلالةَ، وهدى به مَن عَلم منه أنَّه يَختار الهدى؛ أراد مِن كلٍّ ما عَلم منه أنَّه يختاره (^٢).
قال: والآيةُ تَنقض على المعتزلة قولَهم، فإنَّهم يقولون: أراد أنْ يهدي به كل الناس، ولكنْ ضلَّ بعضُهم واهتدى بعضُهم (^٣).
وقيل: يُضلُّ به مَن استخفَّ بالمَثَل ولم يَعُدَّه حكمةً وهم الكافرون، ويهدي به مَن عَرف وجهَ حكمته (^٤) وعَلم فائدته وهم المؤمنون.
والإضلالُ: خَلْقُ فعلِ الضلال، وهو في حقِّ مَن اختار الضلالة، وكابَرَ بعد ما عرفَ الدلالة، والهدايةُ: خلقُ فعلِ الاهتداء (^٥) في حقِّ مَن اختار صفةَ الاهتداء.
والمعتزلةُ حملوا ذلك على تسميتهم ضالِّين وتسميتِهم مهتدين، واللغةُ لا تحتمِل ذلك، والدلائلُ السمعيَّةُ والعقليَّةُ تردُّ ذلك، وباللَّه العصمة.
_________________
(١) في (أ): "قولهم".
(٢) في "التأويلات": (أنه يختار ويؤثر).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٠٧)، وفيه: (. . أَراد أن يهدي به الكل، ولكنهم لم يهتدوا).
(٤) في (ر): "الحكمة".
(٥) في (ر): "الهداية".
[ ٢ / ٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: الفِسْقُ والفُسوق: الخروجُ عن الطاعة، وفَسَقَت الرُّطَبة؛ أي: خرجت مِن (^١) قِشرها، والفُويسقةُ: الفأرةُ؛ لخروجها مِن جُحرها.
ثم هذا كشفُ الكلام (^٢) الأوَّل، فإنَّه قال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾، ثم بيَّن مَن يُضلُّه به فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: وما يَخذلُ اللَّهُ بسبب ذكر هذا المَثَل إلَّا الخارجين عن طاعته.
وانتصابُه بوقوع فعلِ الإضلال عليه.
وبالجملة: إنَّ الهدايةَ والإضلالَ مِن اللَّه حقيقةً، والاهتداءَ والضلالَ مِن العبد حقيقةً، والجبريَّة لا يَرَون فعلَ العبد، والمعتزلةُ لا يَرَون فعلَ اللَّه، وقد رَدَدنا قولَ الفريقين قَبْلَ هذا.
ثم الهدايةُ في حقِّ مَن اختاره؛ قال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] والإضلالُ في حَقِّ مَن اختاره؛ قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
والإضلالُ إذا أُضيف إلى اللَّه تعالى فهو خلقُ الضلالِ (^٣)؛ كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وقد يكون للإبطال كقوله تعالى: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وإذا أُضيف إلى الشيطان فهو التزيين والوسوسة، قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، وما أُضيف إلى فرعونَ ونحوِه فهو الدعوة، قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ
_________________
(١) في (ف): "عن".
(٢) في (ر): "الحكم".
(٣) في (ر): "الإضلال".
[ ٢ / ٢١ ]
قَوْمَهُ﴾ [طه: ٧٩] وإذا أُضيف إلى الأصنام فهو التسبيبُ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
وقيل: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الذين لا يَنظرون في أعاجيب هذا المَثَل.
والحاصل: أنَّ السوءَ للمسيئين والحسنى للمحسنين؛ قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]، و﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨]، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ١٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦].
* * *
(٢٧) - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ هذا نعتُ الفاسقين، ونقضُ البناءِ والحبلِ والعهدِ والعقدِ والقَرحة: إزالةُ نَظْمها وضمِّها (^١)، والنُّقضُ
_________________
(١) في (ف): "وختمها".
[ ٢ / ٢٢ ]
بالضَّمِّ: المنقوض، والانتقاضُ قَبولُ النَّقض، ونَقيضُ الشيءِ ضدُّه، ونَقيضة القصيدة: جوابُها.
و﴿يَنْقُضُونَ﴾ صيغةُ الاستقبال، ومعناه هاهنا الماضي أو الحال؛ أي: إنَّ اللَّهَ يَخذل بذكر المَثَل مَن فَسَق ونَقَض العهدَ، أو: الذي هو فاسقٌ وناقضٌ للعهد للحال.
فأمَّا العهدُ في اللغة فهو: الميثاق، وهو لأشياءَ أُخَر أيضًا، وفي القرآن لأشياء:
للتوحيد: في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠].
ولوَعْد الجنَّة: في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: ٨٠].
وللفرائض: في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠]؛ أي: أدُّوا إليَّ (^١) فرائضي.
ولجزاء الطَّاعات: في قوله: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وللوَعْد: في قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١].
وللأَمْر: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠].
وللنَّذْر: في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥].
وللميثاق: في قوله تعالى: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧].
ولليمين: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥].
وللإمامة: في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وللثبات: في قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢].
وللزمان: في قوله تعالى: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦].
_________________
(١) "إلي": من (ر).
[ ٢ / ٢٣ ]
وأمَّا تفسيرُه:
فقد قال ابنُ عباس ﵄: هو أَخْذُ ميثاقِ ذرِّيّة آدمَ؛ حين أخرجَ الذرِّيّة كأمثالِ الذَّر وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] (^١).
ونقضُ هذا العهد: هو الجحودُ بعد الإقرار، والنفورُ بعد الاستقرار، ومِن حيث المعاملةُ فيه رؤيةُ الأغيار، مع التفريد والتوحيد في الإقرار.
وقيل: العهد هو حَلفُ (^٢) مشركي العرب حين ضلَّلهم اليهود والنصارى وسفَّهوهم بعبادة الأصنام المنحوتة والأنصاب الموضوعة، كما أخبر اللَّهُ تعالى عنهم بقوله عزَّ وعلا: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: اليهودِ والنصارى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾؛ أي: محمدٌ ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] فنَقْضهم ميثاقَهم هو النُّفورُ والكفورُ، وإبطالُ القَسَم المذكور.
وقيل: هو ميثاقُ اللَّه تعالى على أهل الكتاب؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: بالقول ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ أي: بالفعل، ونقضُهم ما قال: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ أي: كتموا صفَةَ محمد ﵊ وفَسقوا ونَقضوا العهدَ ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عَرَض الدُّنيا ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] كتموا الحقَّ لأجل العَرَض اليسير مِن الكِرباس والشعير، وأَوقعوا أنفسَهم بذلك في السَّعير.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (١/ ١١٠) من طريق عطاء عن ابن عباس، وذكره غيره دون عزو. انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٦٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٧٣)، و"تفسير السمعاني" (١/ ٦٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٧).
(٢) في (أ): "خَلْفُ"، وفي هامش (ف): "الحلف بسكون اللام". والذي في "القاموس": حَلَف يَحِلِفُ حَلْفا -ويكسر- وحَلِفًا ككَتِف.
[ ٢ / ٢٤ ]
وقيل: هذا الميثاقُ هو المذكورُ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] ونقضُه ما ذكر (^١): ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤].
وقيل: هو المذكور في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية [البقرة: ٨٣] ونقضُه فيما قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣].
وقيل: هو المذكورُ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٤] ونقضُه فيما ذكر: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].
وقيل: هو ما أَودع اللَّهُ فيهم مِن الآلات التي يقعُ بها التَّمييز بين الحقِّ والباطل؛ نحو العقل والسمع والبصر، ونقضُ ميثاقِ الفطرة -وهو إعطاءُ آلاتِ التمييز والقدرةِ-: تعطيلُها وتركُ استعمالها في لوازمها.
وقيل: العهدُ الأول هو ميثاقُ الذرِّيّة، ثم جدَّد اللَّهُ تعالى ميثاقَ كلِّ أمةٍ بإرسال رسولِهم بكتابٍ وشريعةٍ، ونقضُهم هو خلافُهم ما قَبِلوه.
وقيل: هو ما أخذَ على العلماء بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩] ونقضُهم (^٢): خلافهم ذلك.
وقيل: كلُّ مَن أَسلم فقد قَبِلَ عهدَ اللَّه في توحيده وعبادته، والائتمارِ بأمره، والانزِجارِ بزَجْره، والثقةِ بوعده، والرِّضا بحُكمه، ونقضُه: الإعراضُ والاعتراضُ، واختيارُ الأعراض (^٣)، وطلبُ الأعواض.
_________________
(١) بعدها في (ر): "من قوله".
(٢) في (ف): "ونقضه".
(٣) في (ر): "الأغراض".
[ ٢ / ٢٥ ]
وقيل: مِن العهد نَذْرُ العبد إذا نزل به محذورٌ أنْ يلازِم التوبةَ ويُجانِبَ الشرورَ، ونقضُه: العودُ إلى مألوفِ الفساد، ومراجعةُ التعاطي المعتاد.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾؛ أي: توثيقِه، والوثيقُ: المحكَم، وقد وَثُقَ وَثاقةً مِن حدِّ: شَرُف، والتوثيقُ (^١) والإيثاقُ: الإحكامُ.
والميثاقُ: العهدُ المُحكَم، والوِثاقُ -بفتح الواو وكسرها-: ما يُحكَم به الشيءُ، والمرادُ مِن الميثاق في هذه الآية هو المصدرُ المذكورُ على وزن المِفْعال دون نفسِ العهد؛ فقد ذكره في قوله: ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ والهاء التي في آخِره يجوز أنْ تعودَ إلى العهد؛ أي: بعد توثيق ذلك العهد، ويجوز أنْ تعودَ إلى اللَّه؛ فقد ذُكر قَبْله، ومعناه: بعد توثيقِ اللَّه تعالى ذلك العهد.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هذه مِن صفات الفاسقين الذين سَبق ذِكْرهم؛ أي: هم المضيِّعون حقَّ اللَّه تعالى وحقَّ خلقه؛ فتضييعُ حقِّ اللَّه بنقضِ عهده، وتضييعُ حقِّ خَلْقه (^٢) بقطيعة أرحامهم.
والقَطْع في اللغة: الإبانةُ، والقطيعةُ: الهجرانُ، وقَطاعُ الطيور: خروجُها مِن بلاد البرد إلى بلاد الحرِّ، وقُطوعُ النهرِ والوادي: عبورُهمَا.
والأمرُ بالشيءِ: الدُّعاءُ إلى تحصيله، والائتمارُ: الامتثالُ بالأمر.
والوَصْلُ: نقيضُ الفَصْل، والوَصْلُ ضدُّ الهجران، والوُصْلةُ: ما يقع به الوَصل.
_________________
(١) في (ف): "شرف والوثيق" وفي (ر): "سرق والوثيق".
(٢) في (ف): "فيضيع حق اللَّه. . . ويضيع حق خلقه". وسقطت هذه الجملة من (ر).
[ ٢ / ٢٦ ]
وأمَّا التفسير:
فقد قيل: هو الإيمانُ ببعض الأنبياء والكفرُ ببعضٍ، وقد أُمروا بالإيمان بكل الأنبياء بقوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢] وأَخبر عن المؤمنين أنَّهم قالوا: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقيل: هو قطيعةُ الرَّحِم، وقد أُمروا بوصلها بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].
وقيل: هو تكذيبُ محمدٍ -ﷺ- وخلافُه ومعاداتُه، مع أنَّه مِن أولاد إسماعيلَ ﵇، وأهلُ الكتابِ مِن أولاد إسحاقَ ﵇، وبينهم قرابةُ بنوَّة العَمِّ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]؛ أي: الودَّ بسبب القَرابة التي بيني وبينكم مِن هذا الوجه.
وقيل: هو مبايَنتهم ومشاقَّتهم كلَّ العرب، والعرب مِن أولاد إسماعيل وهم أولاد إسحاق، وبينهم هذه القَرابة، وهم بهذه المجانبة والمحاربة قاطعونَ للأرحام، وقد أُمروا بوصلها.
وقوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ هذا مِن صفاتِ هؤلاء الفاسقين أيضًا، وقد مرَّ معنى الكلمة في قوله تعالى: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١].
وأمَّا (^١) تفسيره هنا: فقد قيل: هو الكفرُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقيل: هو العملُ بالمعاصي، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠].
_________________
(١) في (أ): "فأما".
[ ٢ / ٢٧ ]
وقيل: هو أَخذُ أموال الناس وتناولُ أملاكهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤].
وقيل: هو حملُ الغير على الفساد ودعاؤه إليه (^١)، كما قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١].
وقيل: هو صدُّ الناس عن دينِ اللَّه واتِّباعِ رسولِ اللَّه -ﷺ-.
وقيل: هو كلُّ ما يُخالف الحقَّ والرَّشادَ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: هؤلاء المذكورونَ هم المنافقون (^٢) الهالكونَ المغبونونَ، فإنَّ المصدرَ منه الخُسْرُ والخَسَار والخُسْران، وكلُّها لثلاثة معانٍ: النُّقصان والهلاك والغَبْن، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] أي: لا تُنقصوا، وقال: ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]؛ أي: الهالكين، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي: غَبَنوا.
وقال الإمام القشيريُّ رحمه اللَّه تعالى: مِن نقضِ العهدِ أنْ يَحيد سرُّك لحظةً عن شهوده، ومن قَطْعِ ما أُمرت بوصلِه أنْ يتخلَّل أوقاتَك نَفَسٌ يَحُطُّك عن القيام بحقِّه، ومن إفسادك في الأرضِ ساعةٌ تجري عليك ولم تَدُم فيها على مشاهدته: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] (^٣).
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "إلى الفساد".
(٢) في (أ): "الناقصون".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٧٣).
[ ٢ / ٢٨ ]
(٢٨) - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ (كيف) يُستعمل لمعانٍ:
للاستفهام المحض: وهو سؤالٌ عن الحال؛ تقول لصاحبك: كيفَ أنتَ؟
وللشَّرْط: تقول لصاحبك: كيف تعامِلْني أُعامِلْك -بجزمهما- وهو على الشرط والجزاء.
وللإياسة: تقول لمن أراد أن يَحمل شيئًا وعندك أنَّه يَعجِز عنه: كيف تَحملُه مع ضعفك؟!
وللعَرْض: تقول لصاحبك: كيف أنت وكسوةٌ فاخرة؟ أي: هل تريدها.
وللإنكار: كيف تَجفو صديقَك وقد وفَاك (^١)؟
وللنفي: بمنزلة (ما) و(لا)، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧]؛ أي: ما يكونُ ولا يكونُ، بدليلِ أنَّه استثنى منه فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾.
ولتأكيدِ مما قَبْله وتحقيقِ مما بعده: قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]؛ أي: إنَّ اللَّهَ لا يَظلم مثقالَ ذرَّة، فكيف في الآخرة.
وبمعنى (لِمَ): كما في قوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]؛ أي: لمَ لا تقاتلون (^٢)؟!
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وافاك".
(٢) في (ر): "أي لم يقاتلون" وفي (ف): "أي لم تقاتلون".
[ ٢ / ٢٩ ]
وللتعجُّب: كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] أي: تعجَّبْ يا محمد؛ فإنَّه موضع التعجُّب لك (^١).
وللتعجيب: وهو حملُ الناس على التعجُّب، كما في هذه الآية ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾.
واختلف أهلُ التفسير فيه:
فقال بعضُهم: أي: لِمَ تكفرونَ باللَّه وهو خَلَقكم.
وقيل: أي: كيف استَجَزْتم مِن أنفسِكم الكفرَ باللَّه وهو خالقُكم.
وقيل: أي: عجبٌ كيف تكفرونَ باللَّه (^٢) خالقِكم.
وقيل: هو إنكارٌ.
وقيل: هو توبيخٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ذكرنا الموتَ في تفسير قوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩] والإحياءُ: إثباتُ الحياة.
وانتظامُ هذا بما قَبْله: أنَّه قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦] ثم وبَّخهم فقال: كيف تستجيزون مِن أنفسِكم أنْ تكفروا باللَّه وهو الذي أَوجَدكم بعد عَدَمكم، قد ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾؛ أي: نُطَفًا أجزاؤها متساويةٌ ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾؛ أي: جعلكم أحياءً، فجعل بعضَ أجزاء النطفة عَظْمًا، وبعضَها لحمًا، وبعضَها عَصَبًا، وبعضَها عُروقًا (^٣)، وبعضَها مُخًّا، وبعضها جِلْدًا، وبعضَها شَعَرًا، وجعلك تنطقُ بلحمٍ، وتُبصِر بشحمٍ،
_________________
(١) "لك": سقط من (أ).
(٢) في (أ) وفي هامش (ف): "كيف كفركم واللَّه" وفي (ف): "كيف لكفرهم واللَّه".
(٣) في (أ): "عرقًا".
[ ٢ / ٣٠ ]
وتسمعُ بعظمٍ، وتعرف بدمٍ، وأَبطشك وأَمشاك، وأَيَّدك وقوَّاك، وجَعلك تستولي على طيورِ الهواء وحيتانِ الماء ووحوشِ الصحراء، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيجعلكم رُفاتًا كما كنتم في الأصل أمواتًا.
ويجوز أن يكون الخطابُ للمسلمين وعتابِهم على وجهٍ آخَرَ: كيف تكفرونَ نِعَمَ اللَّهِ تعالى عليكم، وتسترونَ أياديَه إليكم، وقد (^١) كنتم أمواتًا بالكفر فأحياكم بالإيمان، وكنتم أمواتًا بالجهل فأَحياكم بالعلم، وكنتم أمواتًا بالرغبة فأحياكم بالرهبة، وكنتم أمواتًا بالشَّكِّ فأَحياكم باليقين، وكنتم أمواتًا بالاختلاف فأَحياكم بالائتلاف.
وقال بعضُ البغداديين: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بحياةِ أنفسكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بإماتتها.
وقال ابنُ عطاء: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بالظواهر ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالسرائر (^٢).
وقال فارس (^٣): ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بشواهدكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بمشاهده (^٤).
وقال الواسطيُّ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ به.
ثم تفسيرُ ظاهرِ الآية على نَظْمها: كنتم نُطَفًا لا حياةَ فيها ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾؛
_________________
(١) "قد": زيادة من (أ).
(٢) انظر: "تفسير السلمي" (١/ ٥٣).
(٣) في (ر) و(ف): "وقال ابن عباس ﵄". والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في "تفسير السلمي" (١/ ٥٣)، و"روح المعاني" (٢/ ٧٧). وفارس هو ابن عيسى -وقيل: ابن محمد- أبو الطيب الصوفي، صحب الجنيد بن محمد وأبا العباس بن عطاء وغيرهما، وقد تقدمت ترجمته.
(٤) في (أ): "بمشاهدته" وفي (ف): "بشهادته"، وفي "تفسير السلمي": (بشاهده)، وفي "روح المعاني": (بشواهده)، وهذه الأخيرة هي الأنسب بالسياق.
[ ٢ / ٣١ ]
أي: صوَّركم أحياءً قادرِين عالمين، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند (^١) انقضاءِ آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في القبر للسؤالِ والجواب، وتمهيدِ الثواب والعقاب، ثم يَبعثكم يوم القيامة للجزاء على الأعمال؛ فريقًا للسلاسل والأغلال، وفريقًا للأرائك والظِّلال.
وأمَّا على طريقة (^٢) الحقيقة؛ فعلى ثلاثِ مراتبَ أشار إليها الإمامُ القشيريُّ ﵀:
أولاها: وكنتم أمواتًا بجهلكم عنه، ثم أَحياكم بمعرفتِكم به، ثم يميتُكم عن شواهدكم، ثم يُحييكم به، ثم إليه ترجعون بحفظِ أحكام الشرائعِ ومراعاةِ الحقائق.
والثانية: وكنتم أمواتًا ببقاء نفوسِكم، فأَحياكم بفناء نفوسِكم، ثم يميتكم عن شهود ذلك؛ لئلا تلاحظوه فيفسد عليكم (^٣)، ثم يحييكم بأخذِكم عنه، ثم إليه ترجعون بتقلُّبكم في قبضته (^٤).
والثالثة: هذا تقليبُ أحوالهم مدَّةَ حياتهم في دنياهم، كانوا أمواتًا بذواتهم في الأصل فأَحياهم بما أَقام فيهم، ثم أَماتهم عن رؤية البَقاء فأَفناهم، ثم أَثبتهم وأبقاهم، ثم جعل إليه في كلِّ الأحوال مرجعَهم ومنتهاهم، فهم أبدًا بين نفيٍ وإثباتٍ، وإماتةٍ وإحياءٍ، وبقاءٍ وفناءٍ، وصحوٍ ومحوٍ، فمِن المحالِ كفرُ العبد وكفرانُه مع هذه الأحوال (^٥).
_________________
(١) في (ف): "بعد".
(٢) في (ف): "وأما طريق".
(٣) بعدها في (ر): "سألكم".
(٤) في (ر) و(ف): "ليقلبكم في قبضته"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٧٣).
[ ٢ / ٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾؛ أي: في الدُّنيا (^١) عند انقضاءِ آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ قيل (^٢): أي: يومَ القيامة للحسابِ والجزاءِ على أعمالكم.
وقال السديُّ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في القبور ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة (^٣)؛ فإنَّ (ثم) للتعقيب على سبيل التراخي، فدلَّ على أنَّه لم يُرِدْ به حياةَ البعث؛ فإنَّ الحياةَ يومئذٍ يُقارنها الرجوعُ إلى اللَّه تعالى بالحساب والجزاء، ويتَّصل (^٤) به مِن غير تراخٍ.
ودلَّت الآيةُ على إثبات عذابِ القبر وراحةِ القبر، وفي القرآن آيات تدلُّ على ذلك.
حُكي عن إبراهيم بنِ جعفرٍ أنَّه قال: خَتمتُ القرآنَ سبعَ مئةِ (^٥) مرَّةٍ مع تفكُّرٍ وتدبُّرٍ حتى استنبطتُ ثلاثَ آيات في إثبات ذلك:
أحدها: قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] يعني: إلى الموت، ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾ [الأعراف: ٢٥]؛ أي: في القبر؛ لأنَّه في الأرض، والحياةُ بعد الموت إنَّما تكون في القبر، ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ بعد هذه الحياة في القبر، ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]؛ أي: مِن القبر بالبعث.
والثانية: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ وهذا خطاب الأحياء فيَنصرف ذلك إلى
_________________
(١) في (ف): "في هذه الدنيا".
(٢) "قيل": ليست في (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٤٥)، عن السدي، عن أبي صالح.
(٤) في (ر) و(ف): "واتصل".
(٥) في (أ): "سبع مئة ألف".
[ ٢ / ٣٣ ]
إحيائهم بعد موتهم، لأنَّ إحياءَ الحيِّ لا يُتصوَّر، ثم قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾؛ أي: بعد هذه الحياة، ثم ﴿يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الجاثية: ٢٦]؛ أي: يَبعثكم للجزاء.
والثالثة: هذه الآية ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾؛ أي: في أرحام أمَّهاتكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالوِلاد ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في الدُّنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في القبر ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعث يوم القيامة.
ومنها: قوله: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥] والفاء للتعقيب بغير تراخٍ.
ومنها: قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ أي: الجحيم.
ومنها: قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]؛ أي: مرَّةً في الدُّنيا بهَتْك السَّتر، ومرَّةً في القبر ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] يعني: في القبر.
ومنها: قوله تعالى في حقِّ الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠].
ومنها: قوله تعالى: ﴿قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦].
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، روى أبو سعيد الخدريُّ رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه فسَّره بعذاب القبر (^١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: (ثم) يجيء على سبعةِ أوجه:
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٤٣٩) وقال: صحيح على شرط مسلم.
[ ٢ / ٣٤ ]
أحدها: للترتيب مع التراخي؛ كما في هذه الآية.
والثاني: بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦]؛ أي: واللَّه.
والثالث: بمعنى (مع)؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧].
والرابع: للترتيب في الذِّكر لا في الوجود؛ كما في قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١].
وقولِ الشاعر:
إنَّ مَن سادَ ثم سادَ أبُوه ثم قد سادَ بعد ذلكَ جَدُّه (^١)
والخامس: للتقديم؛ كما في قوله ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ [الصافات: ٦٦] إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨].
والسادس: للابتداء، كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر: ٣٢].
والسابع: للتعجُّب (^٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
وقوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ قراءةُ عامَّة القُرَّاء بضمِّ التاء، وقرأ يعقوب: "تَرجِعون" بفتح التاء (^٣)؛ وهو إخبارٌ عن رجوعهم، والأوَّل إخبارٌ أنَّ اللَّهَ يَفعل بهم ذلك
_________________
(١) البيت لأبي نواس من قصيدة مدح إبراهيم بن عبيد اللَّه الحجبي. انظر: "ديوانه" (ص: ١٥٤)، و"الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص: ٣٦)، و"الهداية" لمكي بن أبي طالب (٣/ ١٩٥٩)، وروايته في هذه المصادر: (قل لمن ساد. . .). والكلام من قوله: "وقول الشاعر. . . . " إلى هنا، لم يرد في (أ) و(ف).
(٢) في (أ): "للتعجيب".
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" (٢/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٣٥ ]
فيُرجعهم إلى نفسه، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٦٢] وقال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨].
* * *
(٢٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: ﴿هُوَ﴾ الهاءُ وحدها هي الأصل، والواو إشباعٌ للضمة، وهي كلمةُ إشارةٍ ودلالةٍ على ما سبق (^١) ذِكْرُه أو تقدَّم عهدُه، وهي هاهنا دلالةٌ راجعةٌ إلى ما ذكر في الآية التي قَبلها: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾، وانتظامُ هذا بالأوَّل مِن وجهين:
أحدهما: أنَّ هذا خطابٌ للكفرة (^٢)، ووجهُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وهو الذي خَلَقكم، وهو الذي خَلَق لكم ما في الأرض جميعًا، فانظروا في تخليقه إيَّاكم إلى قدرته، وانظروا في تخليق ما في الأرض لأجْلكم إلى منَّته، فلا تَستَجِيزوا جحودَ ربوبيته، والتقصيرَ في خدمته، والإعراضَ عن عبادته.
والثاني: أنَّه خطابٌ للمؤمنين (^٣)، ووجهُ نَظْمها: أنَّه وبَّخ الكافرين ثم لاطَفَ المؤمنين فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فأنتم الأصول في نِعَم الدُّنيا، وأنتم المختصُّون بنِعَم العُقبى، لكم ما في الدُّنيا بطريق الأصالة، وللكفار بطريق التبعيَّة، ولكم نِعَم الآخرة دون الكفار بطريق الخصوصية، قال تعالى: ﴿قُلْ
_________________
(١) في (ف): "سنبين".
(٢) في (أ): "الكفار"، وفي (ف): "الكفر".
(٣) في (ر) و(ف): "المؤمنين".
[ ٢ / ٣٦ ]
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: بالأصالة ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]؛ أي: بدون الكفَّار؛ فلا يَنالون شربةً ممَّا في الجنَّة، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
وأمَّا التفسير:
فقد قيل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾؛ أي: قدَّر أن يكون وقتًا بعد وقتٍ، فإنَّه واقعٌ على كلِّ ما كان في الدُّنيا وما يكون، وقد ذُكر بصيغة الماضي فكان واقعًا على التقدير دون الإيجاد، ثم إنَّ أهلَ الإباحة مِن المتصوِّفة الجَهَلةِ (^١) حملوا اللامَ في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ على الإطلاق، والإباحةَ على الإطلاق، وقالوا: لا حَجْر ولا حَظْر، ولا نهيَ ولا أَمْرَ، وإذا تحقَّقت المعرفةُ وتأكَّدت المحبَّةُ، سقطت الخدمةُ وزالت الحرمةُ، فالحبيبُ لا يُكلِّف حبيبَه ما يُتعبه، ولا يَمنعه ما يُريده ويُطلبه، وهذا منهم كفرٌ صُراح (^٢)، وخروجٌ مِن الإيمان بإفصاح، فقد نهى اللَّهُ تعالى وأَمَر، وأباح وحظر، ووعد وأَوعد، وبشَّر وهدَّد، والنصوصُ ظاهرةٌ، والدلائلُ متظاهرةٌ، فمَن حَمل هذه الآيةَ على الإباحة المطلَقة، فقد انسلخ مِن الدِّين بالكليَّة، فالمحملُ الصحيحُ ما قاله ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: خلق لمنافعكم ومصالحكم.
وشرحُه: أنَّ جميعَ ما في الدنيا (^٣) لدَفْع حوائجكم وقِوام (^٤) معايشكم، فلا بقاءَ عادةً للبشر إلَّا بالطعام والشراب، ودفعِ الحرِّ والبرد بالأَكْنان والأثواب، وقد
_________________
(١) في (ف): "الجهلية".
(٢) في (ف): "صريح".
(٣) في (ر) و(ف): "الأرض".
(٤) في (أ): "وقيام".
[ ٢ / ٣٧ ]
هيَّا ذلك كلَّه فيها لكم، وفيها أيضًا زوائدُ على الضروريَّات؛ مِن تناول الطيبات، والتجمُّل بأنواع الزِّينات، والتقلُّب في وجوه اللَّذات، والاستِرواح بأنواع الراحات، فالسماءُ سقفُكم، والشمسُ سراجُكم، والقمر نورُكم، والنجوم هُداكم، والرِّيح رَوحكم، والغيث غياثُكم، والثلج ثَلَجكم، والسحاب ظلُّكم، والأرض بساطُكم، والبحار والأنهار سِقاؤكم، والحبوب والثمار أرزاقُكم، والأورادُ والرَّياحين طِيْبكم، والرياضُ والحدائق متنزَّهاتُكم، والأدويةُ علاجُكم، والثيابُ النفيسة ملابسُكم، والجواهرُ حُليُّكم، واللحومُ الطيِّبة مآكلُكم، والأنعامُ والسُّفن مراكبُكم، ثم إنَّكم تملكون ما كان مِن جنس الصور؛ كالحطب (^١) والحشيش وثمار الجبال والبراري، التي هي غيرُ مملوكةٍ بالاستيلاء نفسه، وما في أيدي الملَّاك بالعقود المشروعة الصحيحة، وإباحتِهم وإهدائهم وهبتهم (^٢)، وتنتفعون بالأعيان المملوكة للأغيار بالإعارة والإجارة والإباحة فيما شُرعَ فيه ذلك، وتنتفعون بالكلِّ بالنظر إليها، وشَمِّ رياحها، والاستظلالِ بظلالها (^٣)، والسلوكِ في طُرقها، واستلذاذِ الأسماع بطِيب (^٤) أصواتها، فيما ليس فيه ارتكابُ محرَّم واجتلابُ مأثم، والوصولِ إلى ملاذِّ الأنكحة بمِلْك النكاح وملكِ اليمين.
وأمَّا الحيوانات الضارَّة المؤذية والأعيان النجسة الخبيثة، ففيها تذكيرُ عقوبات الجحيم، ومعرفةُ النِّعَم في (^٥) أضدادها، وهو نفعٌ عظيمٌ، وأعظمُ ذلك كلِّه نَفْعُ (^٦)
_________________
(١) في (أ): "الصيود والحطب" وفي (ف): "الصور والحطب".
(٢) "وإباحتهم وإهدائهم وهبتهم": من (أ).
(٣) في (أ): "بظلها" وفي (ر): "بأظلالها".
(٤) في (ر): "واستلذاذًا بسماع طيب".
(٥) في (ف): "من".
(٦) في (ر): "يقع".
[ ٢ / ٣٨ ]
الاستدلالِ بها على وحدانيَّة اللَّه تعالى قال اللَّه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] فالبناءُ دليلٌ على الباني، والخطُّ دليلٌ على الكاتب، والصياغةُ على الصائغ، والمصنوعُ على الصانع.
وأمَّا أهلُ الحقيقة فقد قالوا فيه أقاويل:
قال بعضهم: معناه: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ لتتقوَّوا به على طاعته، لا لتَصرِفوه في وجوه معصيته.
وقيل: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ ذلك لتَعدُّوا نعمة اللَّه (^١) عليكم، فتَقْتَضُوا الشكرَ مِن أنفسكم، طلبًا للمزيد على ما لديكم.
وقال ابنُ عطاء: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ ليكون الكونُ كلُّه لك، وتكون أنتَ بكلِّيَّتك للَّه تعالى، فلا تشتغلَ بما لَكَ عمَّن أنتَ له (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ: سخَّر لكم جميعَ المخلوقات على معنى حصولِ الانتفاع بكلِّ شيءٍ منها، فعلى الأرض تستقرُّون، وتحت السماء تَستكنون، وبكلِّ مخلوقٍ بوجهٍ آخَر تنتفعون، بل ما مِن عينٍ ولا أَثر فكَّرتم فيه إلَّا وكمالُ قدرته وظهورُ ربوبيته به تَعرفون (^٣).
واختلف أهلُ الأصول في الأفعال والأعيان، قبل ورود (^٤) السمع أنَّها على الحَظْر أو على الإباحة أو الوقف، وكلُّ ذلك في حقِّ مَن يصحُّ تكليفه مِن البشر دون
_________________
(١) في (أ) و(ف): "لتعدوا نعمه".
(٢) انظر: "تفسير السلمي" (١/ ٥٣).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٧٤).
(٤) في (ف): "فقيل ورد"، وفي (ر): "وقد ورد".
[ ٢ / ٣٩ ]
غيرهم، وفي الأفعال الاختيارية دون ما يقع بالطبيعةِ والجواهر إذ لا (^١) يدخل ذلك في التكليف.
أمَّا الأفعال: فعند الأشعريَّة لا حظرَ ولا إباحةَ ولا وجوبَ قبل ورود الشرع، فالحظر بالنهي، والوجوب بالأمر، والإباحة بالإطلاق، وقد انعدم ذلك كلُّه، ومَن نسب إلى الأشعرية التوقُّف في ذلك كلِّه فهو خطأٌ؛ لأنَّ القولَ بالتوقُّف قولٌ بوجوب اعتقاد التوقُّف، وهم لا يَرَون الوجوبَ بدون السمع.
وقال جماعةٌ مِن فقهاء أهلِ الحديث ومتكلِّميهم وبعضُ المعتزلة والإماميَّة: إنَّها على الحظر؛ لأنَّه تناولٌ في مِلك الغير والتصرُّف فيه مِن غير إذنِ صاحب الحقِّ.
وقالت المعتزلةُ مِن المتكلِّمين، والفقهاءُ العراقيون -أبو الحسن الكَرْخيُّ وأبو بكرٍ الرازيُّ وغيرهما-: هي على (^٢) الإباحة؛ لهذه الآية، ولقولِه: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ﴾ [إبراهيم: ٣٢]، وهذا لأنَّ الأشياءَ لمَّا خُلقت للمكلَّفين، كان مطلقًا لهم الانتفاعُ بها إلَّا أنْ يَرِدَ دليلُ السمع (^٣) بالحظر، ولأنَّها خُلقت منتفَعًا بها ولا يَنتفع بها الخالق، فلو لم يَنتفع بها الخلقُ، لم يكن في إيجادها فائدةٌ وحكمةٌ.
وقال أهلُ الحقِّ -وهم أهلُ السُّنَّة والجماعة-: ما عُرف أنَّ له عاقبةً حميدةً ثبت حُسْنه، وما عُرف أنْ ليس له عاقبةٌ حميدةٌ ثبت قُبحه، فيثبت الوجوبُ والحظر، وما لا وقوفَ للعقل عليه فلا معنى للقول فيه بالحظر والإباحة أو الوجوب (^٤)، بل يُمكن أنْ يكون له عاقبةٌ حميدةٌ، ويمكن خلافُه، فلا وجه للقول بشيءٍ تحَكُّمًا بلا دليل.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والجواهر ولا".
(٢) كلمة: "على" ليست في (أ)، وكلمة "هي" ليست في (ر) و(ف).
(٣) في (أ): "الدليل السمعي"، وفي (ف): "دليل وهي الدليل السمعي".
(٤) "أو الوجوب": من (أ).
[ ٢ / ٤٠ ]
وليس هذا بتوقُّفٍ منَّا كما قالت الأشعريَّةُ، بل عندهم لا حكمَ لها أصلًا، وعندنا هي ممكنةٌ أن يكون كذا وكذا، ويظهر بورود السمع.
وأمَّا الأعيانُ: فما يُتصوَّر فيه الأكلُ والشربُ، وهي تنقسم ثلاثةَ أقسام، فمنها ما هو غذاءٌ، ومنها ما هو دواءٌ، ومنها ما هو سُمٌّ قاتلٌ، ولا يُعرف ذلك بالحسِّ والعقلِ، فلا بُدَّ مِن ورود السمع به، ولا (^١) يجوز الإقدام بنفسه على تجريبه (^٢)؛ لِمَا فيه مِن خوف الهلاك، وبيانُ هذه الأصول في كتب الكلام، وهذا القَدْر كافٍ هاهنا، وباللَّه العصمةُ.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (استوى) في اللغة لثلاثة أشياء:
استوى الرجل؛ أي: انتهى شبابُه.
واستوى بعد ما اعوجَّ؛ أي: استقام.
وفعلتَ كذا ثم استويتَ إليَّ تَشتمني (^٣)؛ أي: أقبلتَ.
وفي القرآن ورد لأشياء:
لبلوغ الإنسان غايته: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤].
وللتَّساوي: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠].
وللجلوس: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨].
وللرُّكوب: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣].
وللقيام: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وللاستقرار: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤].
_________________
(١) فى (ف): "فلا".
(٢) في (أ): "تجربته".
(٣) "تشتمني": سقط من (ف).
[ ٢ / ٤١ ]
وقد ورد هذا للاستيلاء في قولِ الشاعر:
قد استوى بِشْرٌ على العِراقِ مِن غيرِ سيفٍ ودمٍ مهراقِ (^١)
وعلى هذا حَمَل بعضُ أهلِ العلم قولَه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: معناه: استولي؛ أي: هو مالكُ المُلْك ومَلِكُ الملوك في الأزل والأبد، لا بحدوثِ مُلْكٍ وتجدُّدِ (^٢) ولايةٍ، وهو كسائر ما يُذكر في (^٣) صفاتِ اللَّه تعالى أنَّه فَعل كذا ويَفعل كذا، ليس ذلك لانقضاء (^٤) ما كان في الماضي، ولا لحدوث (^٥) ما يكون في المستقبل، بل هو وصفٌ أزليٌّ أبديٌّ، وصيغة الماضي والحال والمستقبل لظهور المخلوق المفعول (^٦) في زمانٍ مخصوصٍ.
ويُذكر (استوى) أيضًا للصُّعود وللإقبال، وقد ورد عن بعضِ أهلِ التفسير في هذه الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: صعد، وعن بعضِهم؛ أي: أقبل.
والمُشبِّهة يُجرون هذه المتشابهات على ظواهرها، ويُجوِّزون على اللَّه تعالى ذلك، واللَّهُ تعالى منزَّه عنه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (^٧).
_________________
(١) نسبه المرزوقي في "الأزمنة والأمكنة" (١/ ٣٨) للبعيث، ونسبه في "المحرر الوجيز" (١/ ١١٥) و"تاج العروس" (مادة: سوى) للأخطل. وهو دون نسبة في "الصحاح" (سوى)، و"الحلل" للبطليوسي (ص: ٣٠٩).
(٢) في (ف): "ولا تجدد".
(٣) في (ف): "من".
(٤) في (ر): "في انقضاء".
(٥) في (أ) و(ر): "بحدوث".
(٦) في (أ): "والمفعول".
(٧) انظر التعليق على هذه المسألة في (٦/ ٣٦٧) من هذا الكتاب، وانظر مقدمة التحقيق.
[ ٢ / ٤٢ ]
وأهلُ الحقِّ يُؤوِّلون ذلك كلَّه على موافقة الأصول:
فأمَّا تأويلُ هذه الآية على قولِ مَن فسَّره بالصعود: أن قوله: ﴿اسْتَوَى﴾؛ أي: صَعِد الدخانُ، فقد قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فكان في الأرض دخانٌ فصعد ذلك، فخَلَقه اللَّهُ تعالى سماءً، كما قال في آية أخرى: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١].
وتأويلُها على قول مَن فسَّر ذلك بالإقبال: أنَّه استعارةٌ لطيفةٌ، فإنَّ مَن رتَّب فعلين وهو مِن المخلوقين، يقال: إنَّه فعل كذا ثم أقبل على كذا؛ أي: أكمل الأول ثم (^١) حقَّق إرادة الثاني، فقرَّر اللَّهُ تعالى هذا في أفهام الخَلْق: أنَّه أَكملَ خلق الأرض، ثم رتَّب عليه خلقَ السماء، ولا يُفهم مِن هذا ما يُفهم مِن ترتيب فعل البشر: أنَّ الأولَ يَنقضي ثم الثاني يأتي، بل معناه ما قلنا: أنَّ فعلَ اللَّه تعالى أزلي أبديٌّ، لكن ترتَّبَ ذكرُ الأشياء لترتُّب ظهور الآثار في الأعيان.
هذان تأويلان خارجان على تفسير السَّلَف بالصعود والإقبال.
وتأويل آخَرُ: أنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا إلى السماء؛ أي: خلق ذلك كلَّه، ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ أي: انتَظم ذلك كلّه.
وثَمَّ تأويلٌ آخَرُ: أنَّ الاستواءَ في الآية مذكورٌ مِن اللَّه تعالى، والمرادُ منه الاستواءُ مِن السماء، وهو (^٢) على القلب، كما في قوله تعالى: ﴿نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] أي: كيف يكلِّمنا هو؟ وفي قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، أي: أنا عدوٌّ لهم، وإنَّهم عدوٌّ لي.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "و".
(٢) في (ر) و(ف): "من الأسماء وهي".
[ ٢ / ٤٣ ]
ودلَّت الآيةُ على خَلْق الأرض قبل السماء، وفيه أقاويل ثلاثة:
قيل: خلَقهما معًا؛ بدليل قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
وقال قتادةُ والسديُّ: خلق السماء أوَّلًا ثم الأرض، بدليل قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، وهذا أعجبُ في القُدرة، وهو إظهارُ السَّقف قبل الأساس.
فأمَّا قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فـ (ثمَّ) لترتيبِ الإخبار عنه لا لترتيبِ الوجود، كما في قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١) [آل عمران: ٥٩].
وقال ابن عباس ومجاهدٌ رضي اللَّه تعالى عنهم: خلق الأرض أوَّلًا ثم السماء، بدليل هذه الآية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (^٢)، فأمَّا قولُه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فمعناه: مع ذلك، كما في قوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: مع الإيمان، ولأنَّه قال: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، ولم يقل: خَلَقها ودحاها؛ أي: بَسَطها.
وبه نقول: إنَّه خلق الأرض ثم السماوات، ثم بَسَط الأرضين، وهو أقربُ إلى الحكمة: تمهيدُ الأساس، ثم رفعُ البناء، ثم بسطُ الأساس.
وقال ابنُ عباس ﵄: أوَّل ما خلق اللَّهُ جوهرةً طولُها وعرضُها مسيرةُ ألفِ سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة، فنَظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت، ثم ثارَ منها دخانٌ فارتفع، واجتمع زَبَدٌ فقام فوق الماء، فجعل الزَّبَدَ أرضًا والدخانَ سماء.
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "الحق".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٦٤) عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٤٤ ]
قالوا: فالسماء مِن دخانٍ خُلقت، وبريحٍ ارتفعت، وبإشارةٍ تفرَّقت، وبلا عمادٍ قامت، وبنفخةٍ انكسرت (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: ذِكرُ هذه الكناية على الجمعِ دليلٌ أنَّ المرادَ بالسماء السماواتُ، وهي جمعٌ، والواحدة: سماة، ومعنى (سوَّاهنَّ): قوَّمَهنَّ؛ أي: جعلهنَّ مستوياتٍ محكَماتٍ، وقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] معناه: خلَقْته، وفي قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨]؛ أي: نجعلكم وإيَّاه سواءٍ.
قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ (سواهنَّ)، وقد قال سلمانُ ﵁: هي سبعٌ؛ اسمُ الأولى: رقيعاء؛ وهي مِن زمرُّدة خضراءَ، واسمُ الثانية: أرفلون؛ وهي مِن فضَّة بيضاء، والثالثةُ: قيدوم؛ وهي مِن ياقوتة حمراء، والرابعة: ماعون؛ وهي مِن دُرَّة بيضاء، والخامسة: دبقاء (^٢)؛ وهي مِن ذهبة حمراء، والسادسة: دفناء؛ وهي مِن ياقوتة صفراء، والسابعة: عريباء؛ وهي مِن نورٍ يتلألأ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (كُلّ) كلمةُ إحاطةٍ واشتمالٍ؛ أي: وهو عالمُ كلِّ (^٤): شيءٍ، والباء تدخل صلةً في العلم تأكيدًا، ويصحُّ لدونها وضعًا (^٥)، ومعناه: أنَّه عالمٌ بخلق الأرضينَ والسماوات، وغيرِهما مِن الذوات والصفات.
* * *
_________________
(١) فى (ف): "تكسرت".
(٢) في (أ): "ربقا".
(٣) رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٣٨٧).
(٤) في (ر): "بكل".
(٥) في (ر) و(ف): "وصفًا".
[ ٢ / ٤٥ ]
(٣٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ انتظامُ هذه القصَّة بما قَبلها مِن وجوه:
أحدها: أنَّه أَخبر عن خلق السماوات والأرض، ثم أَخبر أنَّه خلق بعدهما البشر، وأبوهم آدم، وأخبر الملائكة قبل خلقه أنَّه يَخلقه ويَستخلفه.
والثاني: أنَّه قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ثم خلقكم فهيَّأ أسبابَكم ثم أخرجكم، وفيه تفريغُ قلوبكم وتفريجُ كروبكم (^١).
والثالث: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وقد خلقكم وخلقَ الأشياءَ كلَّها لكم، وأَنعم على أبيكم بما ذكر في (^٢) تمام القصة، وذكرُ النِّعمِ على السالفين استبداءُ الشُّكر على الخالفين، كما عدَّ نِعَمَ بني إسرائيل على أولادهم فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] إلى آخر القصة، ولذلك (^٣) ذكر تلك القِصص بعد هذه القصَّة لتقارُبها.
وبَدَأ القصةَ بقوله عزَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ والواو للاستئناف، وأصله للعطف، وهذا عطفُ جملةٍ على جملةٍ، و(إذ) كلمة ظرفٍ للزَّمان الماضي، وقد يَجيء لغيره، وقد قالوا: إنَّه يَجيء على خمسة أوجه:
للماضي (^٤): كما في قوله ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥].
_________________
(١) في (أ): "تفريغ قلوبهم وتفريج كروبهم".
(٢) في (ف): "من".
(٣) في (ر) و(ف): "إلى آخر القَصَص وكذلك".
(٤) في (أ): "أحدها للماضي" وفي (ر): "أحدها الماضي".
[ ٢ / ٤٦ ]
وللحال في الماضي: كما قال ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤].
وللحال: كما قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧].
وللمستقبل المحض: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦].
وللزيادة والتأكيد: كما في أوائل القصص: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٤] ونحوِه عند بعضهم، وهو قولُ أبي عبيدة (^١)، وخالفه سائرُ أهل اللغة وقالوا: هو للتوقيت؛ وله وجهان:
أحدهما: واذْكُر يا محمَّد حين قال اللَّه تعالى للملائكة هذا.
والثاني: خلَقكم حين أتمَّ خلقَ السماوات والأرض، وحين قال للملائكة كذا.
و﴿رَبُّكَ﴾ خطابٌ للنبيِّ محمد ﵇.
وقوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ هو جمع: المَلَك، وهو يُجمَع على: الأَمْلاك والمَلائِك والمَلائِكة، وأصل المَلَك: المَأْلَك، مِن الأَلوك وهو الرِّسالة، قال لبيد:
وغلامٍ أَرسلتْهُ أُمُّه بِأَلوكٍ فبذَلْنا ما سَأَلْ (^٢)
والملائكةُ: رسلُ اللَّهِ تعالى؛ قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١].
والمَأْلَك قُلِبَ فقيل: مَلْأك، وجُمع على الملائكة، وهي المَفاعِلَة كالمَهالِبَة، والمُستعمَل في الواحد: مَلَك، بحذف الهمزة تخفيفًا.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٣٦ - ٣٧).
(٢) انظر: "ديوان لبيد" (ص: ٩١).
[ ٢ / ٤٧ ]
ثم الملائكة في القرآن على ثلاثة أوجه:
للواحد: كما في قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ﴾ [آل عمران: ٣٩]؛ أي: جبريل صلوات اللَّه عليه.
ولطائفةٍ مخصوصةٍ: كما في قوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠].
وللاستيعاب: كما في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وأمَّا التفسير:
فقد قيل: كان هذا خطابًا لملائكة السماء.
وقيل: كان هذا خطابًا لملائكة الأرض.
وقيل: كان خطابًا لكل الملائكة.
وكذا اختلفوا في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (إنَّ) كلمةُ تأكيدٍ، والياءُ للإضافة إلى نفس المتكلِّم، وفيه لغتان: (إنِّي) و(إنَّني)، والثانيةُ أوكدُ، وكذا: (لكنِّي) و(لكنَّني)، و(كأنِّي) و(كأنَّني).
وقوله تعالى: ﴿جَاعِلٌ﴾ قد مرَّ التفصيلُ في الكلمة، ومن وجوهه: الخَلْق، ومنها: التَّصيير، وبكلِّ واحدٍ منهما هاهنا وَرَدَ التفسيرُ:
فقيل: معناه: إني خالق؛ أي: سَأخلُق.
وقيل: أي: مُولٍّ وناصبٌ.
والأولُ للإحداث والثاني للتصيير، والكلمة تحتملُهما.
[ ٢ / ٤٨ ]
والتنوينُ في قوله: ﴿جَاعِلٌ﴾ مع النَّصب في قوله: ﴿خَلِيفَةً﴾ دلالةُ الفعل، وذلك الفعلُ هو الواقعُ على قوله: ﴿خَلِيفَةً﴾، وتقديره: سأجعلُ خليفةً، وهو خلافُ تركِ التنوين والذِّكْرِ على وجه الإضافة، ذاك دليلُ وجود الفعل قبل الإخبار، فقولُك: إنِّي ضاربُ زيدٍ، على الإضافة إخبارٌ منكَ أنَّك ضربْتَه، وقولُك: ضاربٌ زيدًا، بالتنوين؛ إخبارٌ أنَّكَ تريدُ ضربَه، وعن هذا قال أهلُ الفقه (^١): مَن قال لآخَرَ: أنا ذابحُ شاتِكَ، بالإضافة، ضمِن له قيمةَ شاةٍ وسطٍ؛ لإقراره له بإتلاِف شاته مِن قَبْلُ، ولو قال: أنا ذابحٌ شاتَكَ، بالتنوين، والنصبِ في الشاة، لم يَضمن له شيئًا؛ لأنَّه يُخوِّفه أنَّه يريدُ (^٢) ذبحَ شاتِه مِن بَعْدُ.
وعلى هذا ظهَر لك أنَّ قولَه: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] وقولَه: ﴿اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وقولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] إثباتُ أمورٍ كائنةٍ، وقولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إخبارٌ عن أمرٍ سيكون، وكذا قولُه: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨].
فأمَّا الآياتُ التي تُقرأ فيها على الوجهين؛ فللدلالة على الأمرين، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] قُرئ بهما (^٣)، فالإضافةُ دليلُ تحقيقِ الإتمام لحقيَّة الإسلام، والتنوينُ وعدٌ بالإتمام والإكمالِ لظهور أهل (^٤) الإسلام.
وقال: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾
_________________
(١) في (ر) و(ف): "اللغة".
(٢) فى (أ): "يخوفه بإرادة".
(٣) قرأ ابن كثير وحفص وحمزة والكسائي: ﴿مُتِمُّ نُورِهِ﴾ على الإضافة، وقرأ باقي السبعة: ﴿متمٌّ نورَه﴾ بالتنوين.
(٤) في (أ): "وعد بإكمال ظهور أهل"، وكلمة: "أهل" ليست في (ر) و(ف).
[ ٢ / ٤٩ ]
[الزمر: ٣٨] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]، فالإضافةُ للحال، والتنوينُ للاستقبال (^١).
وقوله: ﴿خِلْفَةً﴾ هو: فَعِيْلة، مِن: خَلَفه يَخلُفه خُلوفًا؛ أي: جاء بعدَه يَقوم مقامَه ويَسكن مسكنَه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩].
والخَليفُ أيضًا كذلك، وجَمع هذا: الخلفاء، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وهو قياسُ الشَّريف والشُّرفاء.
وجَمعُ الخليفة: الخلائف، وهو قياسُ الخليقة والخلائق، والهاءُ للمبالغة لا للتأنيث؛ كما يقال: عَلَّامة ونَسَّابة وراوية، والخليفةُ أيضًا هو المنصوبُ المأمورُ لتنفيذ الأمور، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦].
واختُلف في تفسيره هاهنا:
قال ابنُ عباس ﵄: هذا للعموم، والمرادُ به آدمُ وأولادُه، وسُمُّوا به لأنَّهم خَلَفوا الملائكةَ والجِنَّ -بني الجانِّ- في سُكنى الأرض، ولذلك (^٢) استقامَ قولُ الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولا شكَّ أنَّهم أرادوا بذلك أولادَه دونه.
وقال القفَّال: قال الحسنُ البصريُّ ﵀: هم أولادُ آدمَ دون آدم، وسُمُّوا به؛ لأنَّهم يَخلفون آدمَ، ويَخلف بعضُهم بعضًا (^٣)، والملائكةُ والجنُّ -بنو الجانِّ- لم يَخلف بعضُهم بعضًا، بل جاؤوا جملةً وذهبوا جملةً.
_________________
(١) قرئت كل منها بالتنوين والإضافة، كما سيأتي كل في محله.
(٢) بعدها في (ر): "قال".
(٣) ذكره عن الحسن الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٧٨).
[ ٢ / ٥٠ ]
وقال السُّدِّيُّ: أراد به آدمَ وحده (^١)، وهو للخصوص.
ثم اختلفوا في تسميته خليفةً:
قال ابنُ مسعود ﵁: خلافتُه: الحُكمُ بين الخلق، وتبليغُ الوحي، وبيانُ الأمر والنهي، وذكْرُ الوعد والوعيد.
وقال بعضهم: خَلافتُه وخلافةُ أولادِه مِن بعده (^٢)؛ في إنباتِ الأشجار، واستخراجِ الثمار، وشقِّ الأنهار.
وقالوا: إنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ العرش والكرسيَّ واللوح والقلمَ وسدرةَ المنتهى وجنَّة المأوى، ولم يُخبر عن خَلْقها قبل كونها، وخصَّ بذلك آدمَ وأولاده؛ لأنَّه شرَّفهم وكرَّمهم وفضَّلهم وقدَّمهم، وما فعل ذلك لكون أَصلهم أَزينَ، ولا لكون فِعْلهم أحسنَ (^٣)، لكن مَنًّا منه (^٤) وفَضْلًا وكرمًا وطَولًا، وقد قال قائلُهم:
وكم أبصرتُ مِن حُسْنٍ ولكن عليك مِن الوَرَى وقعَ اختياري (^٥)
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قيل: هذه ألفُ الاستفهام، وهو
_________________
(١) ورد نحوه في خبر رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٧٩) من طريق السدي عن أشياخه عن ابن مسعود وابن عباس.
(٢) "من بعده": ليست في (أ) و(ف).
(٣) في (أ): "وما فعل ذلك لكونهم أزين أصلًا وأحسن فعلًا".
(٤) في (ف): "عليهم".
(٥) البيت فى "نهاية الأرب" للنويري (٢/ ٨٢) ونسبه لمحمد بن وهب، و"لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٧٤) ولم ينسبه.
[ ٢ / ٥١ ]
استفهامٌ مختصرٌ؛ أي: أَتجعلُ فيها مَن يُفسد فيها، أم مَن يُصلِح فيها، أم (^١) مَن يسفك الدماء جراءةً، أم مَن يَسفح الدموعَ خشيةً؟ ويجوز حذفُ أحدِ الشيئين إذا دلَّ المنفيُّ على المَلغيِّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبردَ.
وقيل: هو سؤال الحكمة؛ أي: أيُّ حكمةٍ في خَلْق مَن يُفسد ويَسفك؟
وقيل: هو للإثبات، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦]؛ أي: قد آنَ، وقال الشاعر:
أَلستُم خيرَ مَن ركبَ المطايا وأَندى العالمينَ بطونَ راحِ (^٢)
فإن قالوا: لِمَ استخلفَ اللَّهُ تعالى خليفةً في الأرض لا في السماء؟
قلنا: لأنَّه عَلم أنَّه يكون في الأرض تَباغٍ وتَظالُمٌ، فجعل فيهم مَن يمنعُهم مِن (^٣) ذلك، ولم يَكن في السماء ذلك، فلم يجعل فيهم خليفةً.
فإن قالوا: إنَّما يَستخلِف مَن غاب أو عَجَزَ، واللَّهُ تعالى مُنزَّه عن ذلك كلِّه؟
قلنا: بلى، لا يَغيب عنه شيءٌ، وهو لا يَغيب عن شيءٍ، لكنَّ الأمرَ غيبٌ، وليس كلُّ عبدٍ يَطَّلع على الغيب، فخصَّ الأنبياء بذلك، ونصب آدم خليفةً ونبيًّا، ليُبلِّغهم ذلك، ولا عَجْزَ أيضًا، لكنَّ العبادَ يَعجِزون عن الوقوف على حقوقِ اللَّه تعالى، فجاء الخليفةُ (^٤) ليُبيِّنَها (^٥) لهم.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "و".
(٢) البيت لجرير، وهو في "ديوانه" (١/ ٨٩).
(٣) في (ف): "عن".
(٤) في (ر): "بالخليفة".
(٥) في (ف): "لتبيينها".
[ ٢ / ٥٢ ]
فإن قالوا: كيف عَلم الملائكةُ أنَّ مِن أولاد آدمَ مَن يكون كذلك، ولم يكلَّموا بهذا الكلام؟
قيل: لأنَّهم رَأَوا الجنَّ بني الجانِّ قد أَفسدوا فيها وسَفكوا الدماءَ، ولهم شهوةٌ ونهمةٌ وتوالُدٌ وتناسلٌ، والملائكة لم يكن لهم ذلك، فلم يَكن منهم ذلك، فقاسوا آدم وأولاده -ولهم تناسلٌ وتوالدٌ وشهواتٌ- أنَّهم يكونون كذلك، ولكنَّ هذا غيرُ واضحٍ؛ لأنَّ سُكنى ساكنٍ في دارٍ وإفسادَه (^١) فيها، لا يدلُّ على أنَّه إذا ذهب وجاء غيرُه عَمِلَ (^٢) عملَه، ولهذا لم تفسد الملائكة الذين جاؤوا بعدهم.
والجواب الصحيح ما قاله ابنُ عباس وابنُ مسعود والحسن وابنُ جريج ومحمد بنُ إسحاق: إنَّ اللَّهَ تعالى أَخبرهم بذلك وأَذِن لهم في السؤال؛ بدليلِ أنَّهم قالوا بعد ذلك: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.
ثمَّ هذا الكلام منهم بعدَ العلم لم يَكن طعنًا فيهم ولا اعتراضًا على اللَّه، بل له وجوهٌ صحيحةٌ:
أحدها: أنَّه للتعجُّب؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] وهو مِن وجهين:
أحدهما: التعجُّب مِن استخلاف اللَّهِ تعالى إيَّاهم مع علمه بحالهم.
والثاني: التعجُّب مِن إفسادهم وسفكِهم مع كثرة نِعَمِ اللَّهِ عليهم.
وآخَرُ: أنَّه سؤالُ الحِكمةِ، لا الاعتراضِ على الحُكم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ويدلُّ على ذلك أنَّ اللَّه قال في حقِّهم: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ
_________________
(١) في (ر): "سكنى ساكني دار وإفسادهم".
(٢) في (أ): "يعمل".
[ ٢ / ٥٣ ]
بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧] ودليلُ جواز سؤالِ الحكمة: أنَّ (^١) العبدَ إنْ لم يَسأل ذلك من ربِّه (^٢) فمِمَّن يَسأل؟! وسؤالُ الحكمة جائزٌ؛ قال اللَّهُ تعالى خبرًا عن ضعفاء (^٣) الصحابة ﵃ أنَّهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] فلمْ يُنكر عليهم، لكنْ أَجابهم فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]؛ أي: أمرتكم بالقتال ليحصل لكم الثوابُ الكثيرُ، وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: إنْ قاتلتم أو لم تقاتلوا، والموتُ في الشهادة حياةٌ، فاجعلوا الحياةَ الفانيةَ باقيةً، والمتاعَ القليلَ كثيرًا.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُفْسِدُ﴾ ﴿مَنْ﴾ هاهنا للجَمْع؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨].
و﴿يُفْسِدُ﴾ مرَّ تفسيرُه، وهو في القرآن على عشرةِ أوجهٍ:
للكفر: في قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
وللعمل بالمعاصي: قال تعالى: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١].
وللتخريب: قال تعالى: ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤].
والمقتل: قال: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ﴾ [الكهف: ٩٤].
ولإفسادِ أحوالِ الناسِ: قال تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣].
وللإهلاك: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤].
ولقلَّة المطر والنبات: قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ [الروم: ٤١].
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وسؤال الحكمة جائز لأن" بدل: "ودليلُ جواز سؤالِ الحكمة: أنَّ".
(٢) في (ر) و(ف): "إن لم يسأل من اللَّه تعالى".
(٣) في (ف): "ضعف".
[ ٢ / ٥٤ ]
وللسِّحر: قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١].
ولنقصِ الكَيْل والوزن: قال: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] ثم قال: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
وللانتقاض: قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
أمَّا التفسير:
فقد قيل: أراد هاهنا الكفرَ؛ أي: يَكفرون بك ويَسفكون دماءَ خلقك، فذكَروا جنايتهم في حقِّ اللَّه تعالى بالكفر، وجنايتَهم على الخَلْق بالقتل، وهما أعظمُ ما يُتصوَّر مِن الجناية (^١) في حقِّ الحقِّ وحقِّ الخَلْق، ويدلُّ عليه أنَّهم ذكروا من أنفسهم بمقابلتهما شيئين: التسبيحَ بحمد اللَّه، والتقديسَ للَّه ﷿، فالتسبيحُ بحمده هو الإيمانُ ووصفُه بصفاته العُلى، والتقديسُ للَّه هو تطهير أنفسهم (^٢) وتطهيرُ العالَم عن كلِّ فعلٍ لا يُرتضى.
وقيل: المرادُ بهذا الفساد: العملُ بكلِّ المعاصي، ثم عطفُ سفكِ الدِّماء على الإفساد -مع أنَّ كلَّ المعاصي دخلت (^٣) في الإفساد- لتعظيم حاله وتكثير وباله (^٤)، كعطف قوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ على قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧]؛ لعلوِّ درجتهما وعِظَم مرتبتهما (^٥).
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض.
_________________
(١) في (ف): "فذكروا خيانتهم. . . وخيانتهم على الخلق. . . الخيانة".
(٢) في (ر) و(ف): "التطهير لأنفسهم".
(٣) في (أ): "دخل".
(٤) في (ر) و(ف): "مآله".
(٥) في (ف): "وعظيم مرتبتها".
[ ٢ / ٥٥ ]
وقوله: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ السَّفْكُ: الصَّبُّ في الدَّم خاصَّةً عند بعضِ أهل اللغة، وفي حقِّ الدَّمع أيضًا عند بعضهم، والدَّمُ أصله: الدَّميُ بالياء (^١)، وحُذف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، ولهذا يَعود في التصغير، ويظهر في الفعل: دَمِيَ يَدْمَى، وأَدْماه غيرُه ودمَّاه، وجمعُه: الدِّماء، والمُدَمَّى: الفرسُ الأشقرُ (^٢) الشديدُ الحُمرةِ يُشْبه لونُه لونَ الدَّمِ، والشَّجَّةُ الدَّاميةُ: التي تُدمِي ولا تُسيل.
﴿وَيَسْفِكُ﴾ فعلُ واحدٍ، ومعناه: الجمعُ، كما مرَّ في ﴿يُفْسِدُ﴾، والألف واللام في ﴿الدِّمَاءَ﴾ بدلُ الإضافة؛ أي: دماءَ الناس، كما في قوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨]؛ أي: قولَ اللَّهِ تعالى.
والمراد مِن سفكِ الدِّماء، هو سَفْكُها بغير (^٣) حقٍّ؛ لأنَّ سَفكها قصاصًا وحرابًا للمحاربين غيرُ مذموم، وهم أرادوا السَّفْكَ المذمومَ، فقد عطفوا على الإفساد، فتَقيَّد المُطلَقُ من الكلام بدلالةِ سَبْقِ النظام (^٤).
ثم هؤلاء وَصَفوهم بالفساد وسفكِ الدِّماء، واللَّه تعالى وَصَفهم بالصلاح وسفح الدموع؛ قال تعالى: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، والملائكةُ قالوا صدقًا؛ فقد أُخبروا بذلك، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وكأنَّه يقول: فيهم هذا وفيهم هذا، لكن الفساد فيهم عارضٌ وهو العصيان، والصلاحَ دائمٌ وهو الإيمان، وقد قال مخلوقٌ لمخلوقٍ:
_________________
(١) ووزنه: فَعْلٌ أو فَعَلٌ. انظر: "البحر" (١/ ٣٧٦).
(٢) "الأشقر": سقط من (أ).
(٣) في (ف): "من غير".
(٤) في (ر) و(ف): "فتقيد المطلق به دلالةً".
[ ٢ / ٥٦ ]
وإذا الحبيبُ أَتَى بذنبٍ واحدٍ جاءَت محاسنُه بألفِ شفيعِ (^١)
وقال آخر:
فإنْ يَكُن الفعلُ الذي ساءَ واحدًا فأَفعالُه اللَّاتي سَرَرْنَ أُلوفُ (^٢)
وقال آخر:
ما حَطَّكَ الواشونَ عن رُتبةٍ عندي ولا ضَرَّكَ مُغتابُ
كأنَّهم أَثْنوا ولم يَعلموا عليكَ عندي بالَّذي عابُوا (^٣)
وقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: التسبيحُ: تنزيهُ اللَّهِ تعالى مِن كلِّ سوءٍ، وسبحانَ مِن كذا؛ أي: ما أبعده، وقال الشاعر:
أقولُ لمَّا جاءَني فَخْرة سُبْحانَ مِن عَلقمةَ الفاخِرِ (^٤)
ويقال: هو كلمةُ تعجُّب، ومعنى هذا البيت؛ أي: عجبًا منه.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]؛ أي: المصلِّين، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ أي: صلُّوا للَّهِ، والسُّبْحةُ: النافلةُ.
وأمَّا التفسير:
فقد قال ابنُ عباس وابنُ مسعود ﵃: معناه: ونحن نُصلِّي بأمرك (^٥).
_________________
(١) البيت في "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٧٥).
(٢) البيت للمتنبي، وهو في "ديوانه" (ص: ١٠٠).
(٣) البيتان للحسن بن هانئ، وهما في "ديوانه" (ص: ٦٩).
(٤) البيت للأعشى، وهو في "ديوانه" (ص: ٩٤)، و"الكتاب" (١/ ٣٢٤)، وعلقمة هو ابن علاثة، والبيت في هجائه.
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٠٤).
[ ٢ / ٥٧ ]
وقيل: أي: نُنزِّهك عن الصاحبةِ والأولاد، والأضدادِ والأنداد، وعن الصفاتِ التي لا تليقُ بك.
وقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾: روينا عن ابنِ عباس وابنِ مسعود ﵃ أنَّ معناه: بأَمرك (^١)، وتحقيقُه: ﴿بِحَمْدِكَ﴾؛ أي: بأمرك المحمود، مصدرٌ أُريد به المفعول، كقولهم: هذا ضربُ الأمير؛ أي: مضروبُه.
وقال الثعلبيُّ: قال بعضُهم: أي: نُصلِّي لك بفاتحة الكتاب (^٢).
فقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ هذا اسمُ هذه السورة، وأُضيفت إلى اللَّه تعالى لأنَّها وحيُه وكلامه.
وقال مجاهد: أي: نُعظِّمك بالحمد لكَ على نعمِك (^٣).
وتحقيقُ قولهم: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾؛ أي: نقول: سُبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، وهو تنزيهُه عن الصفات المذمومة (^٤)، وحمدُه على الصفات الحميدة.
وقال المفضَّل: أي: نرفعُ أصواتَنا بذِكْرك؛ قال جرير:
قَبَحَ الإلهُ وجوهَ تَغْلِبَ كلَّما سَبَحَ الحجيجُ وكبَّروا إِهلالا (^٥)
_________________
(١) انظر التعليق السابق.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٧٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٠٦).
(٤) في (أ): "الذميمة".
(٥) "ديوان جرير" (١/ ٥٢)، و"النكت والعيون" (١/ ٩٨)، و"غرائب التفسير" لمحمود بن حمزة الكرماني (١/ ١٣٢). ورواية الديوان: (شبح الحجيجُ)، وفسره ابن حبيب شارحه بقوله: الشبح: رفع الأيدي بالدعاء.
[ ٢ / ٥٨ ]
وقال الثعلبيُّ: أي: نُسبِّحك ونقدِّس لك، وذاك بحمدك (^١)؛ أي: لك الحمدُ على توفيقك؛ فإنَّه بكَ لا بنا، وهو تقريرُ مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وهو رؤيةُ الفعل مِن نفسه والعونِ مِن ربِّه.
وقوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ التقديسُ: التطهيرُ، والقُدُس: الطُّهر، والقُدُّوس مِن أسماء اللَّه تعالى، وبيتُ المقدِس، والأرضُ المقدَّسة، والقادسيَّة (^٢): مأخوذات (^٣) مِن القُدُس، والقُدُس: البركة أيضًا، وفي الخبر: "قَدَّسَ على العَدَسِ كذا مِن الأنبياء" (^٤).
وأمَّا التفسير هاهنا:
فمعناه عند بعضهم: نطهِّرك عمَّا لا يليقُ بك، واللامُ صلةٌ.
وقيل: بل معناه: نُطهِّر قلوبَنا مِن الشرك، وأنفسَنا مِن المعصية ﴿لَكَ﴾؛ أي: لأَجْلك.
وقيل: أي: نطهِّر أعمالَنا لك مِن الخلل والزَّلل والعُجب والرِّياء.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٧٦).
(٢) في (ر) و(ف): "والقادسة"، والمثبت من (أ) وهو الصواب. انظر: "الصحاح" (مادة: قدس)، و"مجمل اللغة" (ص: ٧٤٥).
(٣) في (ف): "مأخوذة".
(٤) رواه بنحوه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٢٠)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٩٧)، من حديث عبد الرحمن بن دلهم، وهو مختلف في صحبته، ورواه ابن الجوزي بنحوه أيضًا من حديث علي ﵁، وقال: هذان حديثان موضوعان، كافأ اللَّه من وضعهما، فإنه قصد شين الشريعة والتلاعب، فإن العدس من أردأ المأكولات، فإذا سمع من ليس من أهل شرعنا هذا نسب نبينا إلى غير الحكمة. ثم روى عن إسحاق بن إبراهيم قوله: سئل ابن المبارك عن الحديث في أكل العدس أنه قدس على لسان سبعين نبيًا، فقال: ولا على لسان نبي واحد، إنه لمؤذ ينفخ. . . إلخ.
[ ٢ / ٥٩ ]
فإنْ حُمل على الأول؛ أي: التطهير، وقد ذكروا ذلك في التسبيح، فالتكرار للتأكيد كما في قوله (^١): ﴿عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] ولأنَّ التسبيحَ نفيُ ما لا يليقُ به، والتقديسَ إثباتُ ما يليق به.
وإنْ حُمل على الثاني فلا تكرار، لأنَّ الأولَ تنزيهُ اللَّه تعالى، والثانيَ تطهيرُ أنفسهم للَّه.
ثم مجموعُ كلامِ هؤلاء ثلاثةُ أشياء:
أحدها: التوحيد، وهو في قولهم: ﴿نُسَبِّحُ﴾.
والثاني: التنزيه (^٢)؛ وهو في قولهم: ﴿بِحَمْدِكَ﴾، فإنَّه رؤيةُ الفعل مِن أنفسِهم، والفضلِ مِن ربِّهم.
والثالث: الطاعة؛ وهي في قولهم: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فإنَّه تطهيرُ الأنفُسِ مِن الذُّنوب والأعمال مِن العيوب، وهو إخلاصُ الطاعات للَّه تعالى، وهو تنبيهٌ لكلِّ مسلمٍ (^٣) وتحريضٌ له على إتمام هذه الخِلال؛ ليبلُغ محلَّ الكمال.
وقد ذكر كثيرٌ مِن المجازفين في هذا الموضع أشياءَ لا يجوز اعتقادُها، قالوا: إنَّهم حسدوا بَني آدمَ وعابوهم ومدحوا أنفسَهم، فعُوقبوا بالأمر بالسجود لآدمَ، وبالعمل لأولاده في الدُّنيا وخدمتِهم في العُقبى.
وهذه مقالاتٌ شنيعةٌ وذمٌّ للمقدِّسين الذين مدحهم اللَّهُ تعالى في آيات؛ قال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]
_________________
(١) في (أ) و(ف): "للتأكيد كقوله".
(٢) في (ر) و(أ): "السنة".
(٣) في (أ): "وهذا تنبيه لكل مؤمن".
[ ٢ / ٦٠ ]
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وغيرَ ذلك.
وأمَّا (^١) قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾: فليس باستكبارٍ (^٢) وكراهةٍ، بل هو سؤالُ حكمةٍ، ووَصْفُهم أنفسَهم بالتسبيح والتقديس ليس بنظرٍ إلى عبادتهم، بل اعترافٌ بعبوديتهم (^٣)، وأمرُهم بالسجود لآدمَ تشريفٌ لآدم لا تحقيرٌ لهم، وكذا أمرُهم بالعمل لبني آدمَ في كِتْبةِ الأعمال، ومراقبةِ الأحوال، وإيصالِ الأرزاق، وحفظِهم في الآفاق (^٤)، ائتمانٌ لهم على (^٥) عظائم الأمور، وأمرُهم بزيارتهم في الجنَّة إكرامٌ للأضياف بقيام الأعزَّة عليهم في تلك المنازل والقصور.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: لم يبيِّن لهم في الحال وجهَ الحكمة، ولا كشَف لهم عن الخفيَّة (^٦)، بل قال: إني أعلم وجهَ الحكمة في استخلافهم على ما يكون مِن أوصافهم، فلا تعترضوا على حُكمي وتقديري، ولا تَستكشفوا غيبَ تدبيري، فليس كلُّ مخلوقٍ يطَّلع على غيبِ الخالق، ولا كلُّ واحد (^٧) مِن الرعيَّة يقفُ على سرِّ المَلِك.
وقال ابنُ مسعود وابنُ عباس ومجاهد ﵃: معناه: إنِّي أَعلم ما
_________________
(١) في (أ): "فأما".
(٢) في (أ): "باستنكار".
(٣) في (أ): "ليس بنظر إلى عبادة بل اعتراف بعبودية".
(٤) في (ف): "الآفات".
(٥) في (ر): "في".
(٦) في (ر): "الحقيقة".
(٧) في (ف): "أحد".
[ ٢ / ٦١ ]
يُضمِر إبليسُ مِن الاستكبار والمعصية فيما أُمر به مِن السجود لآدم (^١)، وكشفُه أنَّكم قلتُم في حقِّهم إِنَّهم يُفسدون وللدِّماء (^٢) يَسفكون، وفيكم مَن هو أصلُ الفساد ومادَّةُ العناد، وساعٍ (^٣) في إفساد العباد.
وقالوا: إنَّما أَخْفَى حالَ إبليس للحال؛ لإخفائه ذلك على (^٤) الأشكال، فلم يَهتك سترَه حتى أظهر هو بالعمل سرَّه.
وقال قتادة: أي (^٥): أعلم أنَّ فيهم الأنبياءَ والأولياءَ الذين يُصلحون ولا يُفسدون (^٦).
وقيل: معناه: أنَّكم أَظهرتُم مِن أنفسكم الطاعات، وهي في جميع الحالات، لكنَّ ذاك منكم طبعٌ بغير تكلُّفٍ، ومنهم الطاعاتُ في بعض الحالات لكنْ بالتكلُّف، ولهم هوى النفوسِ ووسوسةُ الشيطان وفتنةُ الدُّنيا، فهم (^٧) أَولى وعملُهم أَعلى.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: سؤالُهم يُخرَّج على وجهين:
أحدهما (^٨): أنَّ اللَّهَ تعالى أَعلمهم أنَّهم يكونون كذلك، فقالوا: كيف يفعلون ذلك
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٨٢) عن ابن عباس وابن مسعود بلفظ: (إنِّي قد اطَّلَعْتُ مِن قلبِ إبليسَ على ما لَمْ تَطَّلعُوا عليه مِن كِبْرِه واغترارِه).
(٢) في (أ): "والدماء".
(٣) في (أ): "والتساعي".
(٤) في (ف): "عن".
(٥) في (أ): "إني".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٩١).
(٧) في (ر) و(ف): "وهم".
(٨) في (ر): "أهمهما".
[ ٢ / ٦٢ ]
وقد خَلقتَهم ورزقتَهم وأَكرمتَهم بأنواع النِّعَم، ونحن إذ خلقْتَنا نسبِّحك ونقدِّس لك، أو كيف تحتمل قلوبُهم عصيانَك مع عظيم (^١) نِعَمك، ونحن تأبى العقولُ علينا ذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: أمتحنُهم مع ما (^٢) رُكِّب فيهم مِن الشهوات، وما يَلحقُهم مِن الآفات، فيكون ذلك منهم لذلك (^٣)، فهم سألوا سؤالَ الحكمة، واللَّهُ تعالى بيَّن أنَّه لا (^٤) يَخلقهم للحاجة، وليس له بشيءٍ منفعةٌ.
والثاني: أنَّ معنى قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾ على الإيجاب؛ أي: [أنت] تفعل ذلك؛ إذ لا ضررَ عليك بمعصيته ولا نفعَ لك بطاعته، وهو كقوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور: ٥٠] ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ [القصص: ١٩] ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ [فصلت: ٩]، والألفُ زائدة، وقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كان أخبرهم عن المفسدين دون غيرهم فلما سألوا قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أن فيهم الرُّسل والأخيار (^٥)
وقيل: أي: لهم العلمُ ولكم العملُ، والعلمُ أفضلُ، ولهذا قال بعد ما علَّم آدمَ الأسماءَ وسألهم عنها، فلم يَعلموا وأَنبأهم آدمُ ففهموا، فقال اللَّه تعالى (^٦): ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
_________________
(١) في (ر): "نسيانك مع عظمة".
(٢) في (أ): "ممتحنهم بما".
(٣) في (ر): "فيكون ظهر منهم ذلك كذلك". وعبارة "التأويلات": (أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي -لغلبتها على أَنفسهم- تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداءِ لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك).
(٤) في (أ): "لم".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٦) "فقال اللَّه تعالى": زيادة من (أ).
[ ٢ / ٦٣ ]
وقيل: أي: لكم الطاعةُ وبها منكم الافتخارُ، ومنهم المعصيةُ ومعها لهم الاعتذارُ.
وقيل: أنتم تعلمون منهم العصيانَ، وأنا أَعلم لهم منِّي الغفران.
وقيل: تسبيحُكم وتقديسُكم مِن فعلِكم، وفي ذكرهما إظهارُ فضلكم، وفي العفو عن خطاياهم وغفرانِ سيئاتهم إظهارُ فضلي ورحمتي، وإتمامُ نعمتي ومنَّتي.
وقيل: إذا أحسنتُم فلكم المدحُ، وإذا أساؤوا وعفوتُ فلي المدحُ.
وقيل: أي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِن صفاء عقائد المسلمين في محبَّتنا، وذكاءِ سرائرهم في حفظ عهودنا، وإنْ تدنَّست ظواهرهم بعصياننا.
وقيل: أي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم يُذنبون بأجسامهم ويَكرهونه بقلوبهم، وأنتم تطيعون بأجسامكم وتعتمدون عليه بقلوبكم.
وقيل: أيُّ خطرٍ لطاعتكم مع عَدلي، وأيُّ بقاءٍ لمعاصيهم مع عَفوي.
وقيل: أنتم جمَّلتم أنفسَكم بالطاعة، وأنا جمَّلتهم بالمغفرة، فتجمُّلهم بمغفرتي فوقَ تجمُّلكم بطاعتكم.
وقيل: إنَّ تركَكم الذنوبَ بعصمتنا، وخروجَهم عن الذنوب برحمتنا.
ثم ذكَر تعليمَهم الأسماءَ، وبيْنَ هذا وبيْنَ الأول إضمارُ خَلْقه ونفخِه (^١) الرُّوحَ فيه.
وقصَّة خلقِ آدمَ ﵊ (^٢) ما قال وَهْبُ بنُ مُنبِّهٍ:
_________________
(١) في (أ): "ونفخ".
(٢) في (أ) و(ف): "وقصته" بدل من "وقصة خلق آدم ﵊". وفي هامش (ف) ما يوافق المتن.
[ ٢ / ٦٤ ]
لمَّا أراد اللَّهُ تعالى أنْ يَخلق آدم أوحى إلى الأرض -أي: أَفهمها وأَلهمها-: إنِّي جاعلٌ منكِ خليفةً، فمنهم مَن يطيعني، ومنهم مَن يعصيني؛ فمَن أطاعني أدخلتُه الجنَّة، ومَن عصاني أدخلتُه النار، فقالت الأرضُ: مِنِّي تَخلق خلقًا يكون للنار؟ قال: نعم، فبكتِ الأرضُ فانفجرت منها العيونُ إلى يوم القيامة، وبعث اللَّهُ إليها جبريلَ صلوات اللَّه عليه ليَأتيه بقبضةٍ مِن زواياها الأربعِ؛ مِن أسودِها وأحمرِها وطيِّبِها وخبيثِها وسهلِها وجبلِها (^١)، فلمَّا أتاها جبريلُ صلوات اللَّه عليه ليَقبض منها، قالت الأرضُ: إنِّي أعوذُ بعزَّة اللَّه (^٢) الذي أَرسلك إليَّ أنْ تأخذَ منِّي اليومَ شيئًا يكون منه نصيبُ النار غدًا، فرجع جبريلُ ﵇ إلى مكانه ولم يَأخذ منها (^٣) شيئًا، فقال: ياربِّ، استعاذَت بك الأرضُ منِّي؛ فكرهتُ أنْ أُقدم عليها، فقال اللَّه ﷿ لميكائيل: انطَلِق إلى الأرض فائتني بقبضةٍ منها مِن زواياها الأربعِ؛ من أسودِها وأحمرِها وسهلِها وحزنِها وطيِّبِها وخبيِثها، فلمَّا أَتاها ميكائيلُ ليقبضَ منها، قالت الأرضُ له كما قالت لجبريلَ، فرجع ميكائيلُ فقال كما قال جبريل، فقال اللَّهُ تعالى لإسرافيلَ مثلَ ما قال لجبريل، إلى أنْ رجعَ وقالَ مثلَ ذلك، فقال اللَّهُ تعالى لمَلَك الموت: انطَلِق إلى الأرض فائتني بقبضةٍ مِن الأرض، إلى آخر ما ذكر (^٤)، فلمَّا أتاها ملكُ الموت قالت الأرض: أعوذُ بعزَّة اللَّهِ الذي أَرسلك إليَّ أنْ تقبضَ منِّي قبضةً اليوم يكون للنَّار فيها نصيبٌ غدًا، فقال ملكُ الموت: وأنا أعوذُ بعزَّته أنْ أعصيَ له أمرًا، فقبض منها قبضةً مِن زواياها الأربعِ؛ مِن أَديمها الأعلى، فصعد
_________________
(١) في (أ): "وحَزْنها".
(٢) "اللَّه": ليس في (أ).
(٣) في (أ): "من الأرض".
(٤) في (أ): "ذكرنا".
[ ٢ / ٦٥ ]
بالقبضةِ إلى السماء، فأَمره فجعلها طينًا أربعينَ سنةً حتى صار لازِبًا، ثم حمأً مسنونًا أربعينَ سنةً، ثم صار صلصالًا أربعينَ سنةً، فجعله جسدًا موضوعًا على طريق مكَّة للملائكة الذين يصعدون مِن الأرض إلى السماء أربعينَ سنةً، كلَّما مَرَّ به مَلَأٌ منهم عَجبوا منه (^١) مِن حُسنِ صورته، ولم يَكونوا رَأَوا قبل ذلك على صورة آدمَ شيئًا يُشبهه مِن الصور، حتى مَرَّ به إبليسُ عليه اللعنةُ، فقال: لشيءٍ ما خَلق اللَّهُ تعالى هذا أجوفَ يأكل الطعام، إنِّي لأَرى صورةَ مخلوقٍ سيكون له نبأٌ، فقال لأصحابه: أَرأيتم هذا الذي لم ترَوا على صورته شيئًا مِن الخَلْق، إنْ فُضِّل عليكم فماذا أنتم صانعونَ؟ قالوا: نُطيع ربَّنا ولا نَعصي له أمرًا، فقال إبليسُ في نفسه: لئنْ فُضِّل عليَّ لأَعصينَّه، وإنْ فُضِّلتُ عليه لأُهلكنَّه، ولمَّا أراد اللَّهُ أنْ يَنفُخ فيه الرُّوحَ أَمره أنْ يدخل فيه، فقال الرُّوح: مدخلٌ بعيدُ القعر مُظلِم المدخل! فقال له ثانيًا: ادخُل، فقال كذلك، فقال له ثالثًا فقال كذلك، فقال له رابعًا: ادخُل كَرْهًا واخرُج كَرْهًا، فلم يَدخل إلا كرهًا ولم يَخرج إلَّا كرهًا، فلمَّا نفخه فيه مارَ في رأسه (^٢) وجبينه وأذنَيْه ولسانه، ثم مارَ في جسده كلِّه حتى بلغَ قدمَيْه، فلم يَجد منفذًا، فرجع فخرج مِن مَنْخِريه فعطس، فقال له ربُّه: قل: الحمدُ للَّه ربِّ العالمين، فقالها آدمُ، فقال اللَّه: يَرحمُك اللَّهُ، ولذلك خلقتُك يا آدم (^٣)، فلمَّا انتهى إلى ركبتَيه أراد الوثوبَ فلم يَقدر، فلمَّا بلغت قدمَيْه وثبَ، فقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] فصار بشرًا لحمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا وعصبًا وأحشاءً، ثم كساه لباسًا مِن ظُفُرٍ يزداد جِدَّةً في كلِّ يوم وحُسْنًا وتلوُّنًا في كلِّ
_________________
(١) "منه": ليست في (ف).
(٢) في (ف): "رأس آدم".
(٣) "يا آدم": من (أ).
[ ٢ / ٦٦ ]
حينٍ، وهو في ذلك ممنطَقٌ (^١) متوَّجٌ، وجعل في جسده تسعةَ أبواب؛ سبعةً في رأسه: أُذنين يَسمع بهما، وعينين يبصر بهما، ومنخرين يجدُ بهما كلَّ رائحة، وفمًا فيه لسانٌ به يتكلَّم، وحنكٌ يجدُ به طعمَ كلِّ شيءٍ، وبابين في جسده؛ وهما: قُبُله ودُبُره، يَخرج منهما تفلُ (^٢) طعامه وشرابه، وجعل عقلَه في دماغه، وشرهَه في كليتيه، وغضبَه في كبده، وشجاعتَه (^٣) في قلبه، ورغبتَه في رئته، وضحكَه في طُحاله، وفرحَه وحزنه في وجهه، فسبحانَ مَن جَعَله يسمع بعظمٍ، ويُبصر بشحمٍ، ويَنطق بلحمٍ، ويَعرف بدمٍ (^٤).
* * *
(٣١) - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ التعليمُ: تلقينُ العلم، والتعلُّمُ: تلقُّنه، والتعليم: الإعلام أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٦] والتعلُّمُ: العلمُ أيضًا، يقال: تعلَّم كذا؛ أي: أُعلِم (^٥)، والعلمُ: تبيُّنُ المعلوم على ما هو به، والنعتُ منه: العليم والعالم، والمبالغة منه: العَلَّام، والتفضيل منه: الأعلم، والإعلامُ: إيقاعُ العلم، والاستعلامُ: سؤالُ الإعلام.
_________________
(١) في (أ): "منطَّق".
(٢) في (أ): "ثقل".
(٣) في (أ): "وضرامته". وفي (ر): "وضرامه".
(٤) انظر: "تفسير الخازن" (١/ ٣٦)، و"روح البيان" لإسماعيل حقي (١/ ١٠٠). وذكر مكي في "الهداية" (٤/ ٢٣٥٠ - ٢٣٥١) بعضه مصرحًا بأنه مما أخذه وهب من التوراة.
(٥) في (ر): "علم".
[ ٢ / ٦٧ ]
وأمَّا تفسيره هاهنا:
فقد قال ابنُ عباس ﵄: لمَّا قالت الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية، أراد اللَّهُ تعالى أنْ يُظهِر فضلَه عليهم، فعلَّمه وأظهر (^١) فضله عليهم بعلمه ما لا يعلمون (^٢).
واختُلف في وجهِ تعليمه:
فقيل: أَرسل اللَّهُ تعالى إليه مَلَكًا مِن غير هؤلاء، وأوحى إليه بذِكْر أسماءِ المخلوقات، فسمعها وحفظها.
وقيل: أَلهمه فوقع في قلبه، فجرى (^٣) لسانُه بما في قلبه بتسمية (^٤) الأشياء مِن عنده.
واختلف أيضًا: أنَّه جرى لسانُه بتسميتها (^٥) بلسانٍ واحدٍ، أم بالألسنة كلِّها؟:
فقيل: بلسانٍ واحدٍ، ثم كلُّ قومٍ تواضعوا على غير ذلك مِن الألسنة.
وقيل: بالألسنة التي يتكلَّم بها جميعُ الناس إلى يوم القيامة، وعَلَّم هو ذلك كلَّه أولادَه، فلمَّا تفرَّقوا تكلَّم كلُّ قومٍ بلسانٍ استسهَلوهُ منها وأَلِفوه، ثم نَسُوا غيرَه بعد (^٦) تطاوُلِ الزمان.
وقيل: أَصبحوا وكلُّ قومٍ منهم يتكلَّمون بلغةٍ قد نَسُوا غيرَها في ليلة واحدة.
_________________
(١) في (أ): "فأظهر".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٧٧).
(٣) في (ر) و(ف): "فجرى على".
(٤) في (ر): "من تسمية".
(٥) في (ف): "أنه جرى على لسانه تسميتها".
(٦) في (ف): "بعدما".
[ ٢ / ٦٨ ]
واختلف أيضًا في أنَّه كان تعليمُ الأسماء وحدها، أو تعليمُها بمعانيها؟:
فقيل: كان تعليمُ الأسماء على التجريد.
وقيل: بل كان تعليمُ الأسماء بمعانيها؛ أنَّ هذا اسمُه كذا، ويستعمل في كذا، ونفعه كذا وضرُّه كذا.
وقوله ﴿آدَمَ﴾: قيل: هو اسمٌ عبرانيٌّ ولا اشتقاقَ له، وأكثرُ أسماء الأنبياء كذلك، وقالوا: في القرآن مِن كلِّ لسانٍ؛ لأنَّه خطابُ الكُلِّ، فجمع ألسنةَ الكُلِّ.
وقيل: لا يجوز أن يكون في القرآن غيرُ العربيِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢].
وقيل: كان غيرُ العرب يتكلَّمون بكلماتٍ، وتكلَّمت بها العربُ أيضًا، فصارت عربيَّةً.
وقال علي بنُ الحسين بنِ واقدٍ: ليس في القرآن نَبَطيَّةٌ ولا حبشيَّةٌ ولا يمانيةٌ، ولكنَّها عربيَّة تُوافِق نبطيَّةً وحبشيَّةً ويمانيةً.
وقال أبو عبيد: أصولُها (^١) أعجميَّةٌ وقعت إلى العرب فعرَّبتها بألسنتها، ومثال ذلك: أنَّ طُورا بالسُّريانيَّة هو الجبل، وهو بألفٍ في آخره في الرفع والنصب والخفض جميعًا، بلا ألفٍ ولامٍ (^٢) في أوَّله، فعرَّبته العربُ بالألف واللام وصَرَفته بالإعراب.
وقيل: كان غيرُ العربية يتكلَّمون بكلماتٍ، وتكلِّمت العربُ بها أيضًا، فصارت عربيَّةً، أو نُقلت إلى العربية فصارت منها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "كلها أصولها".
(٢) في (ف): "بألف واللام"، وفي (ر): "بالألف واللام".
[ ٢ / ٦٩ ]
وقيل: (آدمُ) عربيُّ الأصل، فإنَّه على صيغة كلام العرب، وهو على وزن: أَفْعَل، ويَصلح نعتًا في العربيَّة، والقائلون بهذا اختلفوا في معناه:
قال ابنُ عباس ﵄: سُمِّي به؛ لأنَّه خُلق مِن أَديم الأرض (^١)؛ وهو وجهها الظاهر، وكذا ورد عن النبيِّ -ﷺ- في سؤالاتِ عبدِ اللَّه بنِ سلام (^٢).
وقيل: هو مِن الأُدْمة وهي مِن الألوان، وهو قول الضحَّاك والنَّضْر بنِ شُميل (^٣).
ثم اختُلف في تفسير الأُدْمة؛ فقال الضحاك: هي السُّمْرة، وهي الأشهَر، وقال النَّضْر: هو (^٤) البياض.
ويجوز أن يكون مِن الأَدَمة -بفتح الهمزة والدال- وهو (^٥) باطنُ الجلدِ، والبَشَرةُ ظاهرُها، وفلانٌ مُودَمٌ مُبْشَر؛ أي: قد جمعَ لينَ الأَدَمة وخشونةَ البَشَرة (^٦)، فكان بشرًا، واسمه آدمُ لجمعه الوصفين.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٧٠) و(٨٢٤٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٣٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨١٦).
(٢) ورواه أبو داود (٤٦٩٣) الترمذي (٢٩٥٥) وصححه، والحاكم في "المستدرك" (٣٠٣٧) وصححه، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا، ولفظ أبي داود والترمذي: "إنّ اللَّه خَلَق آدمَ مِن قبضةٍ قبضها من جميعِ الأرضِ، فجاءَ بنو آدَمَ على قَدْرِ الأرض: جاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطَّيِّبُ".
(٣) ذكره عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٦٢) وزاد نسبته لقطرب.
(٤) في (أ): "هي".
(٥) في (أ): "وهي".
(٦) وهذا منقول عن الأصمعي على سبيل المجاز، قال: ويقال: فلان مودم مبشر، وهو الذي قد جمع لينًا وشدة مع المعرفة بالأمور، قال: وأصله من أدمة الجلد وبشرته، فالبشرة: ظاهره، وهو منبت الشعر، والأدمة: باطنه، وهو الذي يلي اللحم، قال: فالذي يراد منه أنّه قد جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، وجرب الأمور. انظر: "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ١٠٦).
[ ٢ / ٧٠ ]
ويجوز أن يكون مِن قولهم: أدَمَ اللَّهُ بينهما يَأْدَم، وآدَمَ يُؤدِمُ أيضًا (^١)؛ أي: ألَّف وجمع، ومعناه: أنَّ اللَّهَ تعالى ألَّف بينه وبين حوَّاء، وجمعَ بينه وبينها وبين كراماته (^٢)، وألَّف بينه وبين عطيَّاته.
ويجوز أن يكون مِن قولهم: آدَمَ؛ أي: أَحَبَّ، قال الشاعر:
والبيضُ لا يُؤْدِمنَ إلَّا مُؤْدَما (^٣)
أي: لا يُحْبِبن إلَّا محبَّبًا، وكان آدمُ حبيبَ اللَّه بخصائصه، ولا سيَّما بتوبته، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ويجوز أن يكون مِن قولهم (^٤): جعلتُ فلانًا أَدَمةَ أهلي؛ أي: أُسوتَهم (^٥)، ومعناه: أنَّه أسوةُ الأولياء وقدوةُ الأصفياء؛ فإنَّه أوَّل الأنبياء.
وقال الفرَّاءُ: الأدمةُ: الوسيلةُ، ومعنى الاسم مِن هذا: أنَّه ظاهرُ الوسيلة كاملُ الفضيلة.
_________________
(١) انظر: "غريب الحديث" لابن سلام (١/ ١٤٣).
(٢) بعدها في (ر): "وكراماتها".
(٣) الرجز دون نسبة في "غريب الحديث" لابن سلام (١/ ١٤٣)، و"مقاييس اللغة" لابن فارس (١/ ٧٢).
(٤) بعدها في (ف): "أدم أي أحب قال الشاعر شعر".
(٥) انظر: "غريب الحديث" للحربي (٣/ ١١٤٣)، و"مقاييس اللغة" لابن فارس (١/ ٧٢). والكلمة بهذا المعنى من المجاز وفي ضبطها وجوه، قال في "التاج": ومن المجاز: (هو أَدْمُ أَهْلِهِ) بالفتح (وأَدْمَتُهُمْ) كذلك ويُحَرَّكُ (وإدامُهُم) بالكسر؛ أي: أُسْوَتُهم الذي به يُعْرَفُون. . . يقال: جَعَلْتُ فلانًا أَدمَةَ أهلي؛ أي: أُسوَتَهم، وفي "الأساس": فلان إدامُ قومه وإدامُ بني أبيه؛ أي: ثِمالُهم وقوامُهم ومَن يُصْلِحُ أُمُورَهم، وهو أَدَمَةُ قَوْمِه: سَيِّدُهم وَمُقَدَّمُهُم، وقد أَدَمَهُم -كنَصَر-: صار كذلك؛ أي: كان لهم أَدَمَةً.
[ ٢ / ٧١ ]
وقوله: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: قال الربيع بنُ أنس وأبو العالية: علَّمه أسماءَ الملائكة (^١).
وقال عبد الرحمن بنُ زيد: أسماءَ ذرِّيَّته كلِّهم (^٢).
وقال ابنُ عباس ﵄في رواية- ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاك: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ حتى القصعة والقصيعة (^٣).
وقال ابنُ عباس ﵄في رواية-: علَّمه اسمَ كلِّ عينٍ وكلِّ فعلٍ (^٤).
وقال مقاتل: خَلق اللَّهُ تعالى كلَّ شيء مِن الحيوان والجماد وغيرِ ذلك، ثم علَّم آدمَ أسماءَها، فقال له: يا آدمُ، هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار، حتى أَتَى على آخرِها (^٥).
وقال سعيد بنُ جبير: علَّمه اسمَ كلِّ جنسٍ؛ البعيرَ والبقرَة والشاة ونحوها (^٦).
وقال أبو موسى: علَّمه صنعةَ كلِّ شيءٍ.
وقال الضحاكُ عن ابنِ عباس: علَّمه أسماءَ المدن والقرى والجبال، وأسماءَ الطير والشجر، وما يكون، وكلَّ نَسَمة يَخلقها إلى يوم القيامة (^٧).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١٧) عن الربيع بن أنس.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١٨).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١٤ - ٥١٧)، وانظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٧٧).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١٦).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٧٨).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١٥).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١٤)، بلفظ: علم اللَّه آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسانٌ ودابة، وأرض وَسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
[ ٢ / ٧٢ ]
وقيل: علَّمه أسماءَ المخلوقات كلِّها في الأرض وفي السماء، ومن الحيوانات والجمادات والمطعومات والمشروبات، وكلَّ نعيمٍ في الجنَّة.
وقال حُميدٌ الشاميُّ: أسماء النجوم (^١).
وقال الإمام القشيريُّ: عمومُ قولِه: ﴿الْأَسْمَاءَ﴾ يقتضي الاستغراقَ، واقترانُ قولِه: ﴿كُلَّهَا﴾ يُوجب الشمولَ، فكما علَّمه أسماءَ المخلوقاتِ كلِّها -على ما قال المفسِّرون- علَّمه أسماءَ الحقِّ تعالى، لكن ظهر للملائكة محلُّ اختصاصه في علمِ أسماءِ المخلوقات، وبذلك المقدار بانَ رجحانُه عليهم.
وأمَّا انفرادُه بمعرفةِ أسمائه تعالى، فذلك سِرٌّ لم يَطَّلع عليه ملكٌ، ومَن ليس له رتبةُ مساواة آدمَ في معرفة أسماء المخلوقات، فأيُّ طمعٍ له في مساواته في معرفة أسماءِ اللَّه، وإذا كان تخصيصُه بمعرفة أسماءِ المخلوقات يقتضي أنْ يصحَّ سجودُ الملائكة له، فما الظَّنُّ بتخصيصه بمعرفة أسماِء الحقِّ ما الذي يُوجب له (^٢)؟
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: عرض أصحابَ الأسماءِ، وهم: الناس والملائكة والجنُّ والشياطين وغيرُهم، فاجتمع في ذلك مَن يعقل ومَن لا يعقل، فلذلك جُمع بالهاء والميم؛ لأنَّ الاسمَ الشاملَ على جمعِ مَن يَعقل ومَن لا يَعقل على ذلك، وهذا (^٣) قراءةُ العامَّة.
وفي قراءة أُبَيِّ بنِ كعبٍ ﵁: (ثم عرَضها) وهو يرجع إلى الأسماء (^٤).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٨٠).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٧٦ - ٧٧).
(٣) في (أ): "وهو".
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢).
[ ٢ / ٧٣ ]
وفي قراءة ابنِ مسعودٍ ﵁: (ثم عرضهنَّ) وهو يرجع إلى المسمَّيات (^١).
ومنهم مَن قال: هذا يدلُّ على أنَّ الأسماءَ في هذه الآية أُريد بها المسمَّيات، ولذلك قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾، والعَرْضُ يقع (^٢) على الذواتِ دون المسمَّياتِ، والصحيحُ أنَّ الأسماءَ هي التسمِيَات (^٣) في هذه الآية؛ فإنَّ التعليمَ يقع عليها لا على الذوات، ويكون معنى قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾؛ أي: عرضَ أصحابَ الأسماء، على الإضمار، وهو جائز.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: الإنباءُ: الإخبار، وقد أَنبأهُ ونَبَّأه؛ أي: أخبره، والنَّبَأُ: الخبرُ، وجمعه: الأنباء.
والنَّبَأُ في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨] هو القرآنُ.
وفي قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١] هو القيامة.
وفي قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ [المائدة: ٢٧] هو القصَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] هو الخبر.
وفي قوله عزَّ وعلا: ﴿أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ هو التعليم.
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ [يوسف: ١٥] هو الجزاء بفعلهم.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢).
(٢) في (أ): "وقع".
(٣) في (ر) و(ف): "المسميات".
[ ٢ / ٧٤ ]
وفي قوله تعالى: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] هو الإظهار؛ أي: الإطلاع؛ فقد قال قَبْله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] أي: أَطْلعه.
ومعنى قوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾؛ أي: أخبروني بأسماءِ هؤلاء المسمَّيات، ودلَّت الآيةُ أنَّ الاسمَ هاهنا هو التسميةُ، وهو غيرُ المسمَّى، فإنَّه أَضاف الأسماءَ إلى ﴿هَؤُلَاءِ﴾، والإضافةُ دليلُ المغايرة، ثم في الآية كنايتان:
إحداهما: بالهاء والألف، وهي ﴿كُلَّهَا﴾.
والأخرى: بالهاء والميم، وهي ﴿عَرَضَهُمْ﴾.
ولا يرجعان إلى شيءٍ واحدٍ، بل التأنيث يَرجع إلى التسميات، والجمعُ يَرجع إلى المسمَّيات، وهي كقوله (^١) تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣] التاءُ تَرجع إلى القرية، والجمعُ يَرجع إلى أهلها.
وتعلَّق القائلون بجواز تكليفِ ما لا يُطيقه العبدُ بهذه الآية؛ أنَّ اللَّهَ تعالى خاطبهم بما لم يُطيقوه.
وقلنا: هذا ليس بخطابِ تكليفٍ، بل هو خطابُ تعجيزٍ، كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وقولِ إبراهيمِ لنمروذ: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولأَنَّه معلَّق (^٢) بالشرط، وهو قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: في قولكم: نحن أفضلُ منه، والفضلُ بالعلم، فإنْ كنتم أعلمَ منه فأنبئوا (^٣) بما علِمتم، والمعلَّق بالشرط لا يُوجَد قبل وجودِ الشرط.
_________________
(١) في (ف): "يرجع إلى الذوات كما في قوله".
(٢) في (أ): "تعلق".
(٣) في (ر) و(ف): "فأنبئوني".
[ ٢ / ٧٥ ]
ثم قوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾: هو خطابٌ بمجرَّد إخبارٍ لا بإعلامٍ (^١)، فإنَّه إيقاعُ العلم، وهو في حقِّ مَن قد عَلِمه لا يُتصوَّر، فأمَّا الإخبار فهو تكلُّمٌ بالمخبَر به، ويصحُّ ذلك لمن عَلم ولمن لم يعلم، فأمَّا في قوله: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فهو إعلامٌ للملائكة، فإنَّهم ما كانوا يَعلمونه.
ودلَّت الآيةُ أنَّ المدَّعيَ يطالَب (^٢) بالحجَّة، فإنَّ الملائكةَ ادَّعَوا الفضلَ فطولبوا بالبرهان، وبحثوا عن الغيب فقُرِعوا بالعِيَان؛ أي: لا يعلمون أسماءَ ما يُعاينون، فكيف يتكلَّمون في فسادِ مَن لا يُعاينون؟! فيا أربابَ الدَّعاوي أينَ المعاني؟ ويا أربابَ المعرفة أين المحبَّةُ؟ ويا أربابَ المحبَّة أين الطاعةُ؟
قال أبو بكرٍ الواسطيُّ: مِن المُحال أنْ يَعرفه العبدُ ثم لا يحبَّه، ومن المُحال أنْ يحبَّه ثم لا يَذكُرَه، ومن المُحال أنْ يَذكُرَه ثم لا يجدَ حلاوةَ ذِكْره، ومِن المُحال أنْ يجدَ حلاوةَ ذِكْره ثم يشتغلَ بغيرِه.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ مرَّ الكلامُ في الصِّدْق، وقال قتادة: لمَّا خلقَ اللَّهُ تعالى آدمَ مِن ترابٍ، همست الملائكةُ فيما بينهم، وقالت: للَّه تعالى أنْ يَخلق مِن الخلقِ ما يشاء، ولكن لن (^٣) يَخلق خلقًا أفضلَ وأعلمَ منَّا، فأظهر اللَّهُ تعالى عجزَهم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وأَمَرَ الملائكةَ فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّكم أعلمُ منه (^٤).
_________________
(١) في (ف): "بمجرد الإخبار لا بالإعلام" وفي (ر): "مجرد إخبار الإنباء الإعلام".
(٢) في (ف): "مطالب".
(٣) في (أ) و(ف): "لم".
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٨٠).
[ ٢ / ٧٦ ]
ولمَّا (^١) عجزوا عن ذلك وأَنبأهم آدمُ بها، ظهر علمُه وفضلُه عليهم.
وقيل: معناه: أنبئوني بصدقٍ، فإنْ عَلمتم بأسمائهم وكنتم صادقين في الإنباء عنها فأنبئوا، وإلَّا فلا تُنْبئوا.
وقيل: أي: إنْ كنتم عالمين؛ كَنَى عن العلم بالصدق؛ لأنَّ الصدق لا يُقام إلَّا بالعلم.
وقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: لمَّا كنتم صادقين فاصدُقوا وأنبئوا إن علمتم ولا (^٢) تَكْذبوا، هذا كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]؛ أي: اذ كنتم مؤمنين.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يَحتمِل أن يكونوا نبِّهوا (^٣) بهذا حتى لا يَسبقَ إليهم عند إعلام آدم أنَّ ذلك مِن حيث يدركونه لو تَكلَّفوا، أو أراد أنْ يُريَهم آيةً عجيبةً تدلُّ على نبوَّته، ذكَّرهم عجزَهم عن ذلك، وأَلزمهم الخضوعَ لآدمَ -صلوات اللَّه وسلامُه عليه- في إفادةِ ذلك العلمِ (^٤)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧] ذَكَّره أولًا حالَه وحالَ عصاهُ؛ ليَعلم ما أراهُ ممَّا في يده من آيةِ نبوَّته (^٥).
* * *
(٣٢) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ لبدايتهم بالتسبيح قبل إخبارِهم أنَّه لا علمَ لهم وجوه:
_________________
(١) في (ر): "وقيل معناه فلما".
(٢) في (ر) و(ف): "فلا".
(٣) في (ر) و(ف): "نبئوا".
(٤) بعدها في (أ): "وهذا"، وفي "التأويلات": "له".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤١٨). ووقع في (ر): ". . في آية نبوته".
[ ٢ / ٧٧ ]
أحدها: أنَّه كلمةُ تعجُّب، قال الشاعر:
أقولُ لمَّا جاءَني فخرُه سبحانَ مِن علقمةَ الفاخِرِ (^١)
ومعناه: عجَبٌ سؤالُنا عمَّا لا علمَ لنا به.
والثاني: أنَّه تنزيهُ اللَّهِ تعالى عن أنْ يَخفى عليه ما خفيَ عن الملائكة، ونصبه على المصدر عند الخليل بنِ أحمد (^٢)؛ أي: ننزِّهك تنزيهًا، وقال النقَّاشُ: هو على النداء؛ أي: يا سبحانك.
والثالث: أنَّهم بدؤوا بالثناء على اللَّه تعالى قبل الجواب، وكذا يجب على العبد في كلِّ خطاب.
والرابع: أنَّهم ذكروه على وجهِ التوبةِ عمَّا قالوا؛ فإنَّها كلمةٌ تقدَّم على التوبة، قال تعالى خبرًا عن موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ أي: يا طاهرُ، طهِّرني عن العيب الذي وقعتُ فيه.
والخامس: أنَّهم حقَّقوا ما وَعَدوا مِن أنفسهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾.
وقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ قال ابنُ عباس وابنُ مسعود والحسن ومحمد بنُ إسحاق معناه: إنَّك أَعلمتنا أنَّهم يُفسدون في الأرض، فقلنا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وما أَعلمتنا مِن هذه الأسماء فلا نَعلمها، ولو اكتَفوا بقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لكان جوابًا تامًّا، لكن قالوا: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ليكون زيادةَ عبودةٍ، فإنَّ قولَهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ مِن باب العذر، وقولهم: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ مِن باب الشكر، وهما جماعُ كلِّ الخير.
_________________
(١) تقدم قريبًا.
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢١٠).
[ ٢ / ٧٨ ]
وقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ وصفُ أنفسهم، وقولهم: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ وصفُ ربِّهم؛ أي: منَّا النقصُ ومنكَ الكمالُ، ومنَّا الطلب ومنكَ الإفضال (^١).
وأفادت الآيةُ أنَّ العبدَ ما ينبغي له أنْ يَغفُل عن نقصانه، وعن فضلِ اللَّهِ وإحسانه، ولا يَأنف أنْ يقولَ: لا علم لي، فيما لا يَعلم، ولا يَكتم فيما يَعلم.
وسُئل الشعبيُّ عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقالوا له: أَلا تستحي، وأنتَ إمامُ العراقَيْنِ؟! قال: إنَّ الملائكةَ كانوا في الحضرة وقالوا: لا علمَ لنا، فمَن أنا (^٢)!
وقالوا: لا أدري، نصفُ العلم (^٣).
وسُئل أبو يوسف القاضي عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقيل (^٤) له: تَرتزِق مِن بيت المال كلَّ يوم كذا كذا (^٥)، ثم تقول: لا أدري؟! فقال: إنما أَرتزق (^٦) بقَدْر علمي، ولو أُعطيت بقَدْر جهلي لم يُشبعني (^٧) مالُ كلِّ الدُّنيا.
وسُئل أبو بكر العياضيُّ (^٨) في رِباط المُرَبَّعة (^٩) عن مسألةٍ وهو فوق المنبر،
_________________
(١) في (أ): "الاتصال".
(٢) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٣٧٠).
(٣) انظر: "محاضرات الأدباء" (١/ ٧١).
(٤) في (ف): "فقالوا".
(٥) "كذا" الثانية من (أ).
(٦) في (ر): "أرزق".
(٧) في (أ) و(ف): "يسعني".
(٨) محمد بن أحمد بن العباس سمي بالعياضي نسبة إلى أحد أجداده عياض بن يحيى بن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، من أهل سمرقند، كان فقيهًا جليلًا من رؤساء البلدة والمنظورِ إليهم، قال أبو سعد الإدريسي: لقيته وحضرت معه مجلس المناظرة في دار الحاكم مكي بن إسحاق، ولم أكتب عنه شيئًا، ولم يكن عنده كبير إسناد ولا رواية. انظر: "الأنساب" للسمعاني (٤/ ٢٦٧).
(٩) رباط المربعة بسمرقند، والنسبة إليه: المربعي، بضم الميم وفتح الراء وتشديد الباء الموحدة =
[ ٢ / ٧٩ ]
فقال: لا أدري، فقيل له: ليس المنبرُ موضعَ الجهَّال، فقال: إنَّما علوتُ بقَدْر علمي، ولو علوتُ بقَدْر جهلي (^١) لبلغتُ السماء.
وحُكي أنَّ عالمًا سُئل عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقال السائلُ: ليس هذا مكانَ الجهَّال، فقال: المكانُ لمن يعلم شيئًا ولا يعلم شيئًا، فأمَّا الذي (^٢) يَعلم كلَّ شيءٍ، فلا مكانَ له.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿إِنَّكَ﴾ هو تأكيدُ خطاب، ﴿أَنْتَ﴾ للمبالغة في التأكيد، لأنَّه تكرير، وفيه تأكيدٌ وتقريرٌ.
و﴿الْعَلِيمُ﴾ مرَّ تفسيرُه، و﴿الْحَكِيمُ﴾: المُحكِم الصنعةَ والمصيبُ في القول والعمل.
وقال ابنُ عباس ﵄: ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي يَبلغ في العلم غايتَه، و﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يَبلغ في الحكمة نهايتَه (^٣).
ومعنى قولِ الملائكةِ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾: فعِلْمُنا ناقصٌ، وأنتَ العالِمُ (^٤) بالكمال، والمصيبُ في الأفعال، علمتَ ما لم نَعلم، ولك الحكمةُ البالغةُ في تفضيل آدم.
_________________
(١) = المفتوحة وفي آخرها العين المهملة. انظر: "الأنساب" للسمعاني (٥/ ٢٥٢).
(٢) في (أ): "بجهلي" بدل: "بقدر جهلي".
(٣) في (ف): "وأما من".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٢٩) بلفظ: العليم: الذي قد كمل في علمه، والحكيم: الذي قد كمل في حُكمه.
(٥) في (ف): "العليم".
[ ٢ / ٨٠ ]
وصفَ اللَّهُ الملائكةَ بالعلم والحكمة فنالوا بذلك المِدْحة، ونفى إبليسُ الحكمةَ في أمره بالسجدة فاستحقَّ الطردَ واللعنةَ.
وقيل في ﴿الْحَكِيمُ﴾: هو الذي سوَّى وقدَّر ولا يَنقض حكمَه البشرُ.
وقيل: هو العالِم بعواقب الأمور، والمطَّلع على المكشوف والمستور.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾:
رويَ أنَّه رُفعَ على منبرٍ وأُمرَ أنْ يُنبِّئ الملائكةَ بأسماء الأشياء، فأنبأهم بها وهم جلوس بين يديه، وقيل: قيامٌ حواليه.
وقال وَهْب: سمَّاها لهم، وهو ما في الأرض (^١) مِن الطير والبهائم والبقاع والنبات، وما في البَرِّ وما في البحر، ثم فُتحت له السماواتُ فسمَّى أهلَ كلِّ سماءٍ بأسمائهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾؛ أي: أَخبرهم بها، وعَلموا فضله، وعَرفوا عجزهم.
فقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ ظاهرُه استفهامٌ ومعناه التقرير؛ أي: قد قلتُ لكم، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [البقرة: ١٠٦] وكذا كلُّ استفهامٍ
_________________
(١) في (أ): "وهو في الأرض كل شيء".
[ ٢ / ٨١ ]
دخل على جحدٍ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨].
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ما غابَ عن (^١) أهل السماوات وغابَ عن أهلِ الأرض.
وقيل: أي (^٢): أعلمُ سرَّ أهلِ السماوات في السماوات، وسرَّ أهلِ الأرض في الأرض.
وقيل: غيبُ السماوات: هو أكلُ آدم وحوَّاء مِن الشجرة التي نُهي عنها وهو أولُ عصيانٍ كان في السماء، وغيبُ الأرض: قَتلُ قابيلَ أخاه هابيلَ، وهو أولُ عصيان كان في الأرض.
وقيل: غيبُ السماوات: ما قضاهُ فيها مِن أمور خَلْقه، وغيب الأرض: ما فَعلوه فيها بقضائه السابق به.
وقال الإمام القشيريُّ: أي: أعلمُ (^٣) ما تقاصرَ عنه علومُ الخلق مِن أهل السماء والأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: ما تبدون مِن الطاعات وتَكتمون مِن النيَّات (^٤).
_________________
(١) في (أ): "من".
(٢) في (ر): "اني".
(٣) "أعلم" ليست في (ف)، و"أي" ليست في (أ) و(ر).
(٤) تحرفت في (ر) إلى: "السيئات". وانظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٧٨)، وفيه: (. . وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم ﵇ والصلاة).
[ ٢ / ٨٢ ]
وقيل: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ مِن فضل آدمَ الآن، ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مِن رؤيتكم فضلَ أنفسِكم عليه فيما كان.
وقيل: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ مِن (^١) قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مِن رؤيتكم فضلَكم عليه.
وقال الحسن البصريُّ وقتادةُ رحمة اللَّه عليهما: (ما تكتمون) هو (^٢) هاهنا ما أَضمروه في أنفسهم: لن يَخلُق اللَّهُ تعالى خَلْقًا إلَّا ونحنُ أكرمُ عليه منه (^٣).
وقال ابنُ عباس وابنُ مسعود وسعيد بنُ جبير: هو ما أسرَّه إبليسُ -لعنه اللَّه- مِن الكِبْر والعصيان (^٤).
فعلى الأول الخطابُ بالجمع لكلِّ الملائكة في الإبداء والكتمان جميعًا، وعلى هذا الأخير خطابُ الكتمان لإبليسَ؛ أي: ما تكتم يا إبليسُ، وهو وعيدٌ له، والأول خطابٌ للملائكة وهو وعدٌ لهم، وخطابُ الواحد بصيغة الجمعِ مستقيمٌ، كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ١٩٩]، أو هو خطابُ كلِّ الملائكة بكتمانِ الواحد منهم ذلك في نفسه.
وقوله: ﴿مَا﴾ يجوز أن يكون اسمًا للمفعول الذي يقعُ عليه الإبداءُ والكتمانُ، ويجوز أن يكون مع الفعل مصدرًا؛ أي: يعلم إبداءكم وكتمانكم.
* * *
_________________
(١) في (ف): "هو".
(٢) "هو": زيادة من (أ).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٣٢ و٥٤٦ - ٥٤٧).
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٣١ - ٥٣٣).
[ ٢ / ٨٣ ]
(٣٤) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ نَظْمُها (^١) بما قَبْلها مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه لمَّا أَظهر فضلَه عليهم بالعلم، أَمرَهم بتعظيمه بسجود التحية.
والثاني: أنَّه كشف بأوَّل هذه الآية ما أُجمل في ختم تلك الآية: (وأعلم ما كنتم تكتمون) وهو قصدُ إبليس.
والثالث: أنَّه عطفٌ على كلِّ ما مَنَّ اللَّهُ علينا بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ إلى أن قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ وخلق أباكم وفضَّله وعلَّمه وأَمر الملائكة بالسجود له (^٢).
وقوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: اختلف فيهم:
قيل: هم ملائكةُ الأرض الذين كانوا مع إبليسَ، طهَّر اللَّهَ تعالى بهم الأرضَ ممَّن أَفسد فيها مِن بني الجانِّ الذين أَفسدوا (^٣).
وقيل: هم ملائكةُ السماواتِ السبعِ.
وقيل: كلُّ الملائكة؛ فقد أكَّده بقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا﴾ فالسجودُ في اللغة: التَّطامُنُ والانقيادُ، قال سلَامة بنُ جَندلٍ:
_________________
(١) في (ف): "نظمًا". وفي هامش (ف): "هذه الآية نظمت بما قبلها من ثلاثة أوجه".
(٢) في (أ) و(ف): "بسجدته".
(٣) "الذين أفسدوا": سقط من (أ) و(ف).
[ ٢ / ٨٤ ]
هل رابنا معشرٌ (^١) ممَّن نحاربهم إلَّا أقرُّوا لنا بالفَضْل أو سجدوا
وقال أبو عمرو: يقال: أَسْجد (^٢): إذا طأطأَ رأسَه وانحنى، قال الشاعر:
فضولَ أَزمَّتها أَسْجَدَت سجودَ النصارى لأَربابِها (^٣)
وأَسجد البعيرُ: طأطأَ رأسَه، قال الشاعر:
فقلنَ له أسْجِدْ للَيْلى فأَسْجَدا (^٤)
وسجدتِ النخلةُ: إذا تدلَّت أغصانُها ومالَت إلى الأرض.
واختُلف في هذا السجود الذي أُمروا به:
قيل: هو الإيماءُ دون السجود المستوفي المشروعِ في الصلاة، كالذي يَفعله الناسُ في لقاء عظمائهم مِن الخضوع والتواضع لهم؛ تشريفًا لهم (^٥) وتعظيمًا.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "رآنا معشر"، وفي (ر): "رابنا معشرا". والبيت لم أجده.
(٢) في (ر): "سجد"، والمثبت من (أ) و(ف)، والمصادر. انظر قول أبي عمرو في "الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس (ص: ٤٥)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (١٠/ ٣٠٠)، و"الصحاح" (مادة: سجد)، و"المغرب" للمطرزي (مادة: سجد)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٤٣٤)، و"المزهر" للسيوطي (١/ ٢٣٦)، وعندهم جميعًا: (أسجد). وزاد الأزهري والمطرزي نقلًا عن أبي عمرو أيضًا: وسَجَدَ إِذا وضعَ جبهتَه بالأرضِ.
(٣) البيت لحميد بن ثور، وهو في "ديوانه" (ص: ٩٦)، و"الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس (ص: ٤٦)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (١٠/ ٣٠١)، و"الصحاح" (مادة: سجد)، و"المغرب" للمطرزي (مادة: سجد)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٤٣٤).
(٤) شطر بيت في "الصحاح" (مادة: سجد)، و"الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس (ص: ٤٦)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (١٠/ ٣٠١)، و"أساس البلاغة" (مادة: سجد)، وغيرها، ولم أجد تمامه.
(٥) "لهم": ليست في (أ).
[ ٢ / ٨٥ ]
وقيل: -وهو قول الجمهور-: كان بوضع الوجهِ على الأرض كما هو في الصلاة، ودليلُه قولُه تعالى في آية أخرى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].
ثم اختُلف في أنَّه كان لآدم أو للَّه تعالى (^١):
قيل: كان عبادةً للَّه تعالى، ومعنى قوله: ﴿لِآدَمَ﴾؛ أي (^٢): إلى آدم، فكان هو قبلةً أُمروا بالتوجُّه إليها، والسجودُ كان عبادةً للَّه تعالى.
وقيل -وهو الصحيح-: بل كان لآدمَ؛ ولو كان للَّه تعالى ما امتنع إبليسُ مِن العبادة للَّه تعالى، ولا فرقَ بين كون آدمَ قبلةً وبين غيرِه.
ثم اختُلف أنَّه كان له على الخصوص، أو كيف كان؟:
قال قتادة: كان خدمةً للَّه تعالى، حرمةً لآدم، كصلاة الجنازة عبادةٌ للَّه تعالى دعاءٌ للميت (^٣).
والصحيحُ أنَّه كان تحيةً لآدمَ على الخصوص، ولذلك امتَنع إبليسُ عنه، فلم يرَ آدمَ مستحِقًّا لتعظيمه فأَبى واستكبر، ولم يكن عبادةً لآدمَ؛ لأنَّ العبادةَ لا تكون (^٤) إلَّا للَّه تعالى، وكان سجودُ التحية جائزًا فيما مضى ثم نُسخَ، قال اللَّهُ تعالى في قصَّة يوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] ولمَّا أراد سلمانُ أن يسجدَ لرسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) في هامش (ف): "لما أنبأهم بأسمائهم وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له اعترافًا بفضله وأداءً لحقه واعتذارًا عما قالوا فيه".
(٢) "أي": ليست في (أ).
(٣) في (ر): "ودعاء للميت". والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٤٦) بلفظ: فكانت الطاعة للَّه، والسجدة لآدم، أكرم اللَّه آدم أن أسْجَد له ملائكته.
(٤) في (أ): "تجوز".
[ ٢ / ٨٦ ]
مَنَعَهُ، وقال: "لا ينبغي لمخلوق أنْ يسجدَ لأحدٍ إلَّا للَّه تعالى، ولو أَمرتُ أحدًا أنْ يسجدَ لأحدٍ لأَمرتُ المرأةَ أنْ تسجدَ لزوجها" (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دليلٌ أنَّ الكتابَ يُنسَخ بالسُّنَّة، وأنَّ جوازَ السجود لغير اللَّه تعالى ثبت بقصَّة آدم وقصةِ يوسف، ثم نُسخَ ذلك بالخبر (^٢).
وتكلَّموا في الحكمة في الأمر بالسجود له:
قيل: هو بيانُ فضلِ العلم، واستحقاقِ العالِم خدمةَ غيرِه له.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: امتحَنَهم بوجهٍ يُظهِر قَدْرَ الطاعة؛ لأنَّ الخضوعَ لمن يَعلو أمرُه ويَجِلُّ قَدْرُه أمرٌ سهلٌ، عليه طُبعَ الخلقُ، فإذا كان في نفسِ المأمور (^٣) بالخضوع أنَّه دونَه في الرُّتبة، أو شكلُه فيها، اشتدَّت المحنةُ في مثله بالطاعة له والخضوع، فامتَحَنهم اللَّهُ به حتى ظهرَ الخاضعُ للَّه والمستسلِمُ لحقِّه، والمستكبِرُ في نفسه وهو إبليسُ، وعلى ذلك كان امتناعُ المستكبرين الماضين عن اتِّباع المرسلين (^٤).
وقيل: هو لبيانِ (^٥) استغنائِه عن عبادتهم إيَّاه، أو إنكارِه (^٦) عليهم قولَهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فقال لهم: لا حاجةَ لي إلى عبادتكم
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ ابن حبان (٤١٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو بنحوه عند الترمذي (١١٥٩).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٢١).
(٣) بعدها في (أ): "به".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤١٩ - ٤٢٠).
(٥) في (ر) و(ف): "بيان".
(٦) في (أ): "وإنكار" بدل: "أو إنكاره".
[ ٢ / ٨٧ ]
وخدمتكم، فاخدموا عبدًا مِن عبادي لم يَخدمني كثيرَ خدمةٍ.
وقالوا: قالت الملائكة: لنا فضلُ الطاعة والخدمة، وقال إبليسُ: لي فضلُ الأصل والنسبة (^١)، وقال آدمُ: لي حياءُ الخطأ والزَّلَّة، فقال اللَّهُ تعالى للملائكة: إن كان لكم فضلُ الطاعة والخدمة، فلي المُلْك والغُنْية، وقال لإبليس: إنْ كان لك الأصلُ والنسبةُ، فبكِبْرك وإبائِك عليك اللعنُ والسخطةُ، وقال لآدم ﵇: إن كان منك الخطأُ والزَّلة، وبسببِ ذلك الحياءُ والهيبة، فلكَ المغفرة والرحمة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيَّن ﷻ أنَّ قدسَه بجلاله لا بأفعالهم، وأنَّ التجمُّل بالتسبيح والتقديس عائد إليهم، فهو الذي يُجِلُّ مَن أَجَلَّه بإجلاله، ويُعزّ مَن أعزَّه بإعزازه، جلَّ عن إجلالِ الخلق قَدْرُه، وعزَّ عن إعزازِ الخلق ذِكرُه (^٢).
وعن وهب بنِ مُنبِّه قال: أوَّلُ مَن سجد جبريلُ، ثم ميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم عزرائيلُ، ثم سائُر الملائكة.
وقيل: أوَّلُ مَن سجد جبريلُ، فأُكرم بإنزال الوحي على النبيِّين، وخصوصًا على سيِّد المرسلين.
وقيل: أوَّلُ مَن سجد لآدم (^٣) إسرافيلُ، فرفع رأسه وقد ظهر كلُّ القرآن مكتوبًا على جبهتة؛ كرامةً له على سبقه إلى الائتمار.
وقيل: كان هذا في الأرض.
_________________
(١) في (أ): "والنسب".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٧٩).
(٣) "لآدم" من (ف).
[ ٢ / ٨٨ ]
وقيل: بل (^١) كان في السماء.
وقيل: كان كما نُفخَ فيه الرُّوحُ مِن غير تأخيرٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] والفاءُ للتعقيب.
وقيل: بل كان بعد تعليمِ الأسماء وإنباءِ الملائكة بأسماء الأشياء، ودلَّ عليه نظمُ آيات هذه السورة.
وذكر أبو بكرٍ النقَّاش في تفسيره الملقَّب بـ "شفاء الصدور" عن بعضِهم: أنَّ سجودَهم له كان مرَّتين: مرَّةً كان عند نفخِ الروح فيه، لتلك الآية، ومرَّة بعد إنبائهم بالأسماء؛ لنَظْم هذه السورة.
وقال: هذا قولٌ مِن هذا القائلِ لم يُوافقه عليه أحدٌ، والأظهرُ أنَّه كان بعد إنبائهم بالأسماء، فأمَّا الفاء في تلك الآية، فقد تكون للتعقيب مع التراخي، كما في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] وقولهِ تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] وكان (^٢) هذا التلقِّي بعد مئتي (^٣) سنةٍ أو أكثر.
ومن لُطف اللَّهِ تعالى بنا أنْ أَمَرَ الملائكةَ بالسجود لأَبينا، ونهانا عن السجود لغيره، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] نَقلَ الملائكة المقرَّبين (^٤) إلى آدم وسجدَتِه، ونَقَلنا إلى سجدته وخدمته.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾ كلمةُ استثناء، واختُلف أنَّ إبليسَ أكان مِن الملائكة، أم لا؟
_________________
(١) "بل": ليست في (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "وكان".
(٣) في (ف): "مئة".
(٤) في (ر): "المكرمين".
[ ٢ / ٨٩ ]
قال عليٌّ وابنُ عباس وابنُ مسعود وسعيد بنُ المسيب وابنُ جُريجٍ: كان مِن الملائكة، وكان اسمه: عزازيل، وكان مِن أشراف الملائكة، ثم أُبلس.
وقال الحسن البصريُّ وقتادةُ ومقاتلٌ وشهر بنُ حَوْشبٍ وابنُ زيد: كان مِن الجنِّ لا من الملائكة؛ خُلق مِن نارِ السَّموم، وله نسلٌ وذريةٌ، وهو أبو الشياطين (^١).
واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] وإنَّما دخل في الأمر بالسجود مع الملائكة لا لأنَّه منهم، ولكن لأنَّه كان فيهم، وكلمة ﴿إِلَّا﴾ استثناءٌ منقطعٌ، وهو مِن خلاف الجنس، وذلك شائعٌ (^٢) في اللغة، قال الشاعر:
ليسَ عليك عطشٌ ولا جوعْ إلَّا الرُّقادَ والرُّقادُ ممنوعْ (^٣)
وفي القرآن: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧].
وقالوا أيضًا: إنَّه قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] كما قال في الجانِّ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧].
ولأنَّه أَبى واستكبر وعصى وكفر، واللَّه تعالى يقول في صفة الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
قالوا: ولأنَّه قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠] ولا نسلَ للملائكة.
_________________
(١) انظر هذه الآثار في "تفسير الطبري" (١/ ٥٣٥) وما بعدها.
(٢) في (ر) و(ف): "سائغ".
(٣) ذكره الشريف المرتضى في أماليه المسماة "غرر الفوائد ودرر القلائد" (٢/ ٥٢)، والقرطبي في "تفسيره" (١/ ٤٣٩).
[ ٢ / ٩٠ ]
ودليل الأوَّلين قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ كان الأمرُ بالسجود مقتصرًا على الملائكة، ثم استُثني منهم إبليسُ، والمستثنى مِن جنس المستثنى منه في الأصل، فلا يُصرَف عنه إلَّا بدليلٍ، ودليلُ دخوله في هذا الأمر قولُه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
فأمَّا قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾: قيل: أي: صار مِن الجنِّ، كما قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]؛ أي: صار.
وقال ابنُ عباس ﵄: الجنُّ قومٌ مِن الملائكة، أشدُّ الملائكةِ اجتهادًا (^١).
وقال ابنُ إسحاق: الجنُّ اسم للملائكة أيضًا؛ لاجْتِنانهم؛ أي: استتارِهم عن أَعيُن الناس، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وأراد به الملائكةَ، وقال أعشى بني ثعلبة في سليمانَ ﵇:
وسخَّر مِن جنِّ الملائكِ تسعةً قيامًا لديه يَعملون بلا أجر (^٢)
وقيل: الجنُّ: صنفٌ مِن الملائكة لا تراهم الملائكة، كما نحن لا نرى عامَّةَ الجنِّ والملائكة (^٣).
وقال ابنُ مسعود ﵁: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: كان خازنَ الجنَّة (^٤).
_________________
(١) انظر ما روي عن ابن عباس في هذا المعنى في "تفسير الطبري" (١/ ٥٣٥ - ٥٣٧).
(٢) البيت في "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢١)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٤٣٥)، و"النكت والعيون" (١/ ١٠٣)، والخبر بتمامه رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٣٨ - ٥٣٩).
(٣) في (أ) و(ف): "لا نرى عامة الملائكة".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٣٦ - ٥٣٧).
[ ٢ / ٩١ ]
وقولهم (^١): إنَّه خُلق مِن النار.
قلنا: المارجُ مِن النار: اللَّهبُ، وهو النُّورُ، والملائكةُ خُلقوا مِن نور، والنارُ اسمٌ للنُّور أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠].
وقولهم: له نسلٌ وذريةٌ.
قلنا: صار له ذلك بعدما مُسخَ، ثم الممسوخ وإن كان لا يكون له نسلٌ، لكنْ لمَّا سأل النَّظِرةَ وأُنظِر، صار له نسلٌ، كما أنَّ سائرَ الممسوخات لا تبقى بعد ثلاثة أيام، وبقيَ هو لإنظاره إلى قيام الساعة، فكذا النسلُ.
فأمَّا (^٢) وصفُ الملائكةِ بأنَّهم لا يَعصون ولا يَستكبرون، فذلك (^٣) دليلُ تصوُّر العصيان منهم، ولولا التَّصوُّرُ لَمَا مُدحوا به، لكن طاعتهم طبعٌ، وعصيانهم تكلُّفٌ، وطاعةُ البشر تكلُّفُ، ومتابعةُ الهوى منهم طبعٌ، ولا يُستنكر مِن الملائكة تصوُّر العصيان، فقد ذُكر مِن هاروت وماروت ما ذُكر.
وقوله: ﴿إِبْلِيسُ﴾ قيل: هو (^٤) اسمٌ أعجميٌّ ولا اشتقاقَ له، وجوازُ كون غيرِ العربي في القرآن قد مَرَّ القولُ فيه في ذِكر آدمَ.
وقيل: هو مشتقٌّ مِن أَبْلَسَ يُبلس: إذا يَئِسَ (^٥)، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]؛ وأَبلسَ أيضًا بمعنى: سكت (^٦)، قال الشاعر:
_________________
(١) في (ر): "وقالوا".
(٢) في (ر): "فأما من"، وفي (ف): "وأما من".
(٣) في (ر) و(ف): "فكذلك".
(٤) "قيل" ليست في (ر) و(ف)، و"هو" ليست في (أ).
(٥) في (أ) و(ف): "من أبلس أي يئس".
(٦) في (أ): "وأبلس أي سكت أيضًا".
[ ٢ / ٩٢ ]
يا صاحِ هل تعرفُ رسمًا مُكْرَسًا
قال: نَعَم أَعْرِفُه وأَبْلَسا (^١)
وأَبلستِ الناقةُ؛ أي: لم تَرْع (^٢) مِن شدَّة شهوةِ الفحل، وهي ناقةٌ مِبْلاسٌ.
فإبليسُ يَئس بكفره وإصراره مِن رحمة اللَّه تعالى، وامتنعَ عن السجود لآدمَ كما يَمتنع الساكتُ عن الكلام، ولم يُقبل على العمل، كما لا تُقبل تلك الناقةُ على المرعى (^٣).
ونُصب ﴿إِبْلِيسَ﴾ على الاستثناء في الإثبات، وتُرك تنوينه لأنَّه غيرُ منصرفٍ، ومُنع صرفه للعُجمة والتَّعريف.
وقوله تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ الإباء -بكسر الهمزة-: الامتناعُ، والأباء -بنصبها- مِن الأدواء، يقال: أَصابه أباءٌ، إذا كان يأبى الطعامَ.
وتفسير ﴿أَبَى﴾: عتى، وقيل: امتنع، وقيل: كَره، وقيل: رَدَّ.
والاستكبارُ: الاستعظام، والإكبارُ: الإعظام، والتَّكبُّر: التعظُّم، والتكبيرُ: التعظيم، والكبرياءُ: العظمة، والكبيرُ: العظيم، والكُبارُ -بضمِّ الكاف وتشديدِ الباء وتخفيفها- التعظيم (^٤).
_________________
(١) الرجز للعجاج، وهو في "ديوانه" (ص: ١٥٦)، و"تفسير الطبري" (١/ ٥٤٣)، و"البسيط" للواحدي (٢/ ٣٦٨).
(٢) قوله: "ترع" كذا في النسخ الخطية، وكذا أرادها المؤلف بدلالة قوله الآتي عن إبليس: "ولم يُقبل على العمل، كما لا تُقبل تلك الناقةُ على المرعى"، والذي في المصادر: (ترغ) بالغين. انظر (مادة: بلس) في "الصحاح" و"والمجمل" و"أساس البلاغة"، و"اللسان" و"التاج".
(٣) في (أ): "الرعي".
(٤) في (أ): "العظم"، والمثبت من (ر) و(ف)، وتفسير العلماء الكُبَّار في قوله تعالى: ﴿مَكْرًا كُبَّارًا﴾ بالكبير يقتضي أن يكون اللفظ على حسب ما جاء قبله: العظيم.
[ ٢ / ٩٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾؛ أي: واستعظم نفسَه، وقيل: استعظمَ أمرَ اللَّهِ بذلك إيَّاه، وهو كالاستنكار.
وقيل في مجموع الكلمتين: ﴿أَبَى﴾ (^١)؛ أي: كره السجودَ في حقِّه، واستعظمه في حقِّ آدم.
وقيل: أي: امتنعَ عن الفعل، وعظَّم نفسَه عن الالتزام.
وقيل في ﴿وَاسْتَكْبَر﴾: أي: عدَّ نفسَه أكبرَ مِن أنْ يخدمَ غيرَه.
وقيل: أي: عدَّ نفسَه أكبرَ مِن أنْ يُؤمَر بهذا، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر: ٣٣] وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْ﴾ [الأعراف: ١٢].
وقالوا: لمَّا أُمروا بالسجود وسجد الملائكةُ، وامتنع إبليسُ ولم يتوجَّه إلى آدمَ، بل ولَّاه ظهَره وانتصبَ هكذا إلى أنْ سجدوا، وبقوا في سجودهم مئةَ سنةٍ، وقيل: خمس مئةِ سنةٍ، ورفعوا رؤوسَهم وهو قائمٌ مُعرِضٌ لم يَندم مِن الامتناع، ولم يَعزم على الاتِّباع، فلمَّا رَأَوه خذلَ ولم يَسجد، وهم وفِّقوا للسجود فسجدوا، سجدوا للَّه تعالى ثانيًا، فصار لهم سجدتان: سجدةٌ لآدم، وسجدةٌ للَّه تعالى، وإبليسُ يَرى ما فعلوا ولا يفعل هو (^٢)، وهذا إباؤه، فغيَّر اللَّهُ تعالى صفته وحالته وصورته وهيئته وصوته ونغمته (^٣)، فصار أقبحَ مِن كلِّ قبيحٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قد مرَّ القولُ في ﴿وَكَانَ﴾ وأقسامِه، ومعناه
_________________
(١) "أبى": سقط من (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "يرى ما فعلوا ولم يفعل".
(٣) في (ر) و(ف): "ونعمته"، وليس فيهما: "وصوته".
[ ٢ / ٩٤ ]
هاهنا: وصار مِن الكافرين بإبائه واستكباره، وهو ردُّ الأمر لا تركُ العمل بالأمر.
وقيل: أي: وكان مِن الكافرين بإبائه واستكباره في علم اللَّه؛ أي: كان في علم اللَّه عزَّ وعلا أنَّه يَكفر بعد إيمانه، لا أنْ يكون: عَلم اللَّهُ كونه كافرًا أبدًا.
وهاهنا مسائلُ أصوليَّة:
إحداها: أنَّ تركَ السجود لم يكن كفرًا عند أهل السُّنَّة والجماعة، وكذا كلُّ كبيرة.
وقالت الخوارج: مَن ارتكب كبيرةً كَفَر واستحقَّ التخليدَ في النار.
وقالت المعتزلةُ: مَن ارتكب كبيرةً خرج مِن الإيمان، ولا يَدخل في الكفر، لكن يستحقُّ التخليدَ في النار.
وقلنا: لا يَصير العبدُ بصغيرة ولا كبيرة كافرًا، ولا يَخرج به (^١) عن الإيمان إذا لم يستحلَّه ولم يَردَّ الأمرَ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سمَّى المذنبين مؤمنين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] وقال عزَّ وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١].
والحاصلُ: أنَّ قَبولَ الأمر إيمانٌ، والعملَ به طاعة، وتركَه معصيةٌ، وردَّه كفرٌ.
ومنها: أنَّ الجبريَّةَ يقولون: لا ينفع إيمانٌ ولا طاعةٌ، ولا تَضرُّ معصيةٌ ولا كفرٌ؛
_________________
(١) في (أ): "ولا يخرجه".
[ ٢ / ٩٥ ]
فإنَّ اللَّهَ تعالى لَعنَ إبليسَ مع كثرة الطاعات، وأَكرَمَ سحرةَ فرعون مع كثرة الجَفَوات، إنَّما العبرةُ لسابق العناية (^١).
وقلنا (^٢): هذا باطلٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما لعنَ إبليسَ بكفرِه بردِّ أمرِه، وأَكرَمَ سحرةَ فرعون بالإيمان به وبذِكره.
ومنها: أنَّ إبليسَ صار كافرًا بعد أنْ كان مؤمنًا عندنا.
وقالت الأشعريَّة: كان كافرًا أبدًا، وهي مسألة السعادة والشقاوة، أنَّهما يتبدَّلان ويتغيَّران عندنا؛ لأنَّهما صفتا المخلوق، والإسعادُ والإشقاء لا يتبدَّلان؛ لأنَّهما مِن صفة الخالق، ولا تغيُّر على ذاته ولا على صفاته.
وقالت الأشعريَّة: لا يصير السعيد شقيًّا، ولا الشقيُّ سعيدًا، وهي مسألةُ الموافاة، وعلى هذا الأصل مسألةُ إحباط العمل بالرِّدَّة، ومسألة الاستثناء في الإيمان، ودليلُ أهلِ الحقِّ قولُ اللَّهِ ﷻ: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] وقال عزَّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٧] أثبتَ الصِّفتين على التعاقب، فلم يَجز نفيُ الأول (^٣) حال وجوده بوجود الثاني في وقته.
وعندهم مَن خُتم له بإيمان أو بكفر (^٤) وُصف بما خُتم له به، ولا يُسمَّى بما كان قبله، ولا تحقُّق له، وهذا إنكارُ العيان وإبطالُ الحقائق.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣).
(٢) في (ر): "قلنا".
(٣) بعدها في (أ): "وإن".
(٤) في (أ) و(ف): "كفر".
[ ٢ / ٩٦ ]
فأمَّا قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فمعناه: وصار، كما في قوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
ثمَّ إنَّما قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ولم يكن حينئذٍ كافرٌ آخر؛ لأنَّه كان في عِلم اللَّه أنَّه يكون بعده كافرون، فذكر أنَّه صار مِن الكافرين؛ أي: مِن الذين يكفرون بعده، وهذا كما في قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقولهِ خبرًا عن إبراهيم صلوات اللَّه عليه: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦].
وقال الإمام أبو الحسن (^١) محمد بن يحيى البشاغري (^٢) ﵀: كان في علمِ اللَّهِ الأزليِّ أنَّه يَكتم عصيانَ آدم (^٣) ويردُّ الأمرَ، فيصير كافرًا عند اللَّه تعالى مِن وقت الإضمار، ويصير (^٤) كافرًا عند آدم والملائكة وقتَ الإباء والاستكبار.
* * *
(٣٥) - ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا﴾ هو عطف على قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ وفيه إضمارٌ؛ أي: خلقنا له زوجه وقلنا لهما ذلك.
_________________
(١) في (أ): "الحسين".
(٢) في (أ): "أبو الحسين. . . الشاغري". وفي "هدية العارفين" (٢/ ١٨٩): محمد بن يحيى أبو الحسن البشاغري صنف "كشف الغوامض في أحوال الأنبياء"، لكن جاء فيه أنه ألفه سنة (٨٣٨ هـ) ثمان وثلاثين وثمان مئة. فإن صح التاريخ فلا يعقل أن يكون هو.
(٣) في (ر) و(ف): "إبليس"، والمثبت من (أ)، ولعل المراد: يكتم عصيانه في السجود لآدم.
(٤) في (ف): "وصير".
[ ٢ / ٩٧ ]
قوله تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: ﴿اسْكُنْ﴾ أمرٌ مِن سَكَنَ الدارَ يَسكُنها سُكْنَى: إذا أقامَ فيها، ويُقال: سَكَن المتحرِّك سُكونًا، وسكَن القلبُ المُضطرِب سكينةً، والسَّكَن -بفتح الكاف-: ما يسكن إليه القلبُ، وامرأةُ الرجلِ سَكَنُه، والسكِّين يسكِّن حركة المذبوح، وسُكَّان السفينةِ: مَن يَسكنها، والمسكينُ: الفقيرُ الساكنُ عن التقلُّب.
وتفسيره: ﴿يَاآدَمُ﴾ استَقرَّ، وقيل: أي: أَقِمْ، وقيل: أي: انزِل.
وقوله: ﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: ﴿أَنْتَ﴾ ضميرُ المخاطب بقوله: ﴿اسْكُنْ﴾، وإنَّما أظهره ليصحَّ عطفُ اسمٍ آخَرَ عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ لأنّ المعطوفَ لا بُدَّ له مِن معطوفٍ عليه.
وقوله: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ أي: زوجتك وهي حوَّاء.
قال كعبٌ ووهبٌ وجماعةٌ: خَلَقها اللَّهُ تعالى خارجَ الجنَّة. ثم عند بعضهم كان خَلقُها في الأرض وآدمُ بين مكَّة والطائف، ثم حُملا على سرير مرصَّع إلى السماء.
وقيل: بل حُمل آدمُ وحده إلى السماء، فلمَّا وصل إلى باب الجنَّة وُضعَ السرير وأُلقي عليه النُّعاس، وخُلقت حوَّاء مِن ضِلَعه اليسرى، ثم أُمرا بدخول الجنَّة.
وقال ابنُ عباس وابنُ مسعود وجماعةٌ ﵃: خَلَقها اللَّه تعالى في الجنَّة بعد دخولِ آدمَ فيها، خلقها اللَّهُ مِن ضِلَع آدم (^١) اليُسرى القصرى، وكان بين النائم واليقظان، ولو كان في النَّوم لم يَعلم أنَّها منه، فلم يَعطف عليها، ولو كان يقظانَ
_________________
(١) في (ر): "من ضلعه".
[ ٢ / ٩٨ ]
تألَّم بذلك، فلم يَعطف عليها أيضًا، ولمَّا هبَّ مِن نومه، قال لها: مَن أنتِ؟ قالت (^١): أنا زوجتك، خلقني اللَّهُ تعالى لك لتَسكن إليَّ وأَسكنَ إليكَ، فقالت الملائكة عند ذلك: يا آدمُ، مَن (^٢) هذه؟ قال: امرأةٌ، قالوا: ولمَ؟ قال: لأنَّها (^٣) خُلقت مِن المرء، لعلها قالوا: وما اسمُها؟ قال: حوَّاء، قالوا: لِمَ سُمِّيت حوَّاءَ؟ قال: لأنَّها خُلقت مِن حَيٍّ، قالوا: أَتحبُّها؟ قال: نعم، قالوا لحوَّاء: أَتحبِّينه؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعافُ ما في قلبِه، فلهذا (^٤) قالوا: فلو صدقت امرأة في حبِّها زوجَها، لصدَقت حوَّاء (^٥). ولَمَّا استَحيَت عن إظهارِه بقيَ ذلك ميراثًا بين بناتها.
ومن الناس مَن قال: لا يجوز أنْ يُقال: خُلقت حوَّاء مِن ضِلَع آدم؛ لأنَّه يكون نقصانًا منه، ولا يجوز القولُ بنقص الأنبياء.
قلنا: هذا نقصٌ منه صورةً، وتكميلٌ له معنًى؟ لأنَّه جعلها سَكَنَه، وأَزال بها وحشتَه وحزنَه.
وعن ابنِ عباس ﵄: أنَّ اللَّه تعالى أَخرج آدمَ مِن الجنَّة حين أَدخله؛ لأنَّ الأمرَ كان بالسُّكنى، والسُّكنى عاريَّةٌ، والعاريَّةُ مردودةٌ (^٦) مُستردَّة.
_________________
(١) في (أ): "فقالت".
(٢) في (أ) و(ف): "ما".
(٣) "لأنها": من (أ).
(٤) "فلهذا": ليست في (أ).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٨١ - ١٨٢)، والخبر رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٤٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٢٠)، من طريق السدي عن أشياخه عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة. وهذا إسناد متكلم فيه كما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
(٦) "مردودة": سقط من (أ) و(ف).
[ ٢ / ٩٩ ]
ثم هذه الجنَّة كانت جنّةَ الخلد، وهي مخلوقةٌ اليوم عندنا، وقالت المعتزلة: هي غيرُ مخلوقة، والنصوصُ تُبطِل مقالتَهم.
وقالوا: هذه الجنَّة كانت بستانًا بين فارسَ وكِرمان مِن أرض فلسطين.
وقالوا: لا يجوز أن تكون هذه جنّةَ الخلد؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أَمرهما ونَهاهما فيها، وجنَّة الخلد لا يكون فيها أمرٌ ولا نهيٌ، ولأنَّهما أُخرجا منها، وداخلُ جنَّة الخلد لا يَخرج منها، ولأنَّهما زلَّا فيها، وجنَّة الخلد لا يقع الزَّلل فيها، ولأنَّ الشيطانَ وسوسَ إليهما فيها، ولا وسوسةَ في جنَّة الخلد.
وقلنا: قد قال اللَّهُ تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] وذاك صفةُ جنَّة الخلد، وقال: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٣٨] والهبوطُ يكون مِن عُلوٍ إلى سُفلٍ، ولا يَستقيم ذلك في بستانٍ مخلوق (^١) على الأرض.
فأمَّا الأمرُ والنهيُ: فذاك تكليفٌ، وهو لا يَزول عن أهل الجنَّة، فإنَّهم مكلَّفون بالمعرفة والتوحيد.
وأمَّا الإخراجُ منها: فإنَّ الإدخالَ كان للابتلاء لا للجزاء، وقد دخلها النبيُّ -ﷺ- ليلةَ المعراج ثم خرج منها.
وأمَّا الزَّلل: فلهذا المعنى أنَّه كان للابتلاء لا للجزاء.
وأمَّا وسوسةُ الشيطان: فلم يكن منه وهو فيها، على ما نبيِّن إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾: هذا أمرٌ لآدمَ وحوَّاء.
_________________
(١) في (ر): "البستان المخلوق".
[ ٢ / ١٠٠ ]
وقوله: ﴿مِنْهَا﴾، قيل (^١): أي: من الجنَّة، وهي كنايةٌ راجعةٌ إلى الظاهر، وصحَّت لأنَّ المأكولَ ثمارُها، وهي مِن أشجارها وهي مِن الجنَّة.
وقيل: أي: مِن الثمار، وهي كنايةٌ راجعةٌ إلى المعنى دون المذكور.
وقوله تعالى: ﴿رَغَدًا﴾: يقال: رَغُدَ عيشُهم رَغَدًا، فهو رغيدٌ ورَغِدٌ ورَغَدٌ، أي: طيِّبٌ واسعٌ، وأَرْغَدَ القومُ؛ أي: أَخْصَبوا، وأَرْغدَ الرجلُ الماشيةَ؛ أي: سوَّمها، والرَّغيدة: الزُّبدة.
وأمَّا تفسيره: فقد قال ابنُ عباس وابنُ مسعود ﵃: أي: هنيئًا (^٢).
وقال أبو عبيدة والضحاك: أي: واسعًا (^٣).
وقال مجاهد: أي: حلالًا لا حسابَ فيه (^٤).
وقيل: أي: كثير.
وقال الزجَّاج: الرَّغَدُ: الكثيرُ الذي لا يُعنِّيك طلبُه (^٥).
وهو نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، ولذلك نُصب؛ أي: وكُلا أَكلًا رغَدًا.
قوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ أي: في أيِّ بقعةٍ شئتُما مِن الجنَّة.
وقيل: يعني: مِن أيِّ ثمارها شئتُما.
و(حيث) اسمٌ للمكان، وأصله: حَوْث، ولذلك ضُمَّت ثاؤها لواوٍ كانت قبلها،
_________________
(١) "قيل" ليست في (أ).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٥٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٥٠) من طريق الضحاك عن ابن عباس بلفظ: الرغد سعة المعيشة.
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٥٠).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١١٤).
[ ٢ / ١٠١ ]
فيجوز أن يكون أراد المكانَ الذي هما فيه للأكل، ويجوز أن يكون أراد عينَ الثمر، فإنَّه مكانُ الأكل ومحلُّه، فكان تعميمُ المشيئة في ذلك.
والآية ردٌّ على المتقشِّفة الذين يُحرِّمون تناولَ الأطعمة الشهيَّة، ولُبسَ الثياب السَّنيَّة، واللَّه ﷻ يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢].
ثم معنى الأمرِ بهذا والشُّغلِ به -مع أنَّه اختصَّه واصطفاه وللخلافة أبداه- أنَّه مخلوقٌ، والذي يَليق بالمخلوق (^١) هو السُّكون بالخلق والقيامُ باستجلاب الحظِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: القِربان -بكسر القاف-: إتيانُ الشيءِ، والقربُ منه: الدنو منه (^٢)، يقال مِن الأول: قَرِبْتُه أَقْرَبُه قِربانًا مِن حدِّ: عَلِمَ، وهو متعدٍّ بغير صلةٍ، ويقال: قَرُبتُ منه أَقرُبُ قُرْبًا، مِن حدِّ: شَرُفَ، وهو لازمٌ ويَتعدَّى (^٣) بـ (مِن).
وتفسيره: لا تأكُلا مِن هذه الشجرة، فالنهيُ كان عن الأكل دون الدُّنوِّ مِن الشجرة، وإنَّما أضاف النهيَ إلى القِربان؛ لأنَّه سببُ الأكل (^٤)، ويُسمَّى الشيءُ باسمِ سببِه مجازًا، ودليل أنَّ النهيَ كان عنه: أنَّ زلَّتهما كانت به (^٥)، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ٢٢].
﴿الشَّجَرَةَ﴾ واحدة: الأشجار، والشجر يكون جمعًا وواحدًا، والأرضُ
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بالخلق".
(٢) "الدنو منه": سقط من (ف).
(٣) في (أ): "ويعدَّى".
(٤) في (ف): "للأكل".
(٥) في (أ): "بالأكل".
[ ٢ / ١٠٢ ]
الشجراء (^١): الكثيرةُ الشجَر، وكذا الشَّجِرة بكسر الجيم، ووادٍ شجيرٌ: كثيرُ الشجر.
وأصلُ الكلمة مِن التداخل، يقال: شَجَرَ ما بين القوم: إذا اختلفَ الأمرُ بينهم، واشتَجروا: تنازَعوا، وتَشاجَر وابالرِّماح؛ أي: تطاعَنوا، والشَّجْر: مَفْرجُ الفَمِ، وهو: مدخلُ الطعام والشراب وغيرهما، والشِّجَار: خشبُ الهودج المُدخَلُ فيه، والشَّجِيرُ: الغريبُ الداخلُ بين قومٍ، فكذلك الشَّجَرةُ يتداخل أغصانُها.
واختُلف في ماهية (^٢) تلك الشجرة:
قال ابنُ عباسٍ ومحمد بنُ كعب القرظي والحسن البصريُّ وعطية العوفيُّ (^٣) وقتادةُ ومحاربُ بنُ دثارٍ ومقاتل: هي شجرة البر، وفي بعض الألفاظ: السُّنبلة التي جعلها اللَّه تعالى رزقَ أولاده في الدُّنيا.
وقال السدِّيُّ وابنُ مسعودٍ وسعيد بنُ جبير وجَعْدةُ بنُ هبيرة: هي الكَرْمة؛ لافتتان أولاده بها.
وقال ابنُ جُريجِ -وحكاه عن بعض الصحابة-: إنَّها التِّين.
وقال عليٌّ ﵁: هي شجرةُ الكافور.
وقال الكلبيُّ والدِّينوري: هي شجرةُ العِلْم؛ وهو علمُ الخير والشَّرِّ، مَن أكلها علمَ الأشياءَ التي كان لا يعلمها.
_________________
(١) في (ر): "الشجيرة". وكلاهما صواب، قال في "التاج": أرضٌ شَجِرَةٌ، كفَرِحَةٍ، وشَجِيرَةٌ، ومَشْجَرةٌ، وهذه عن أبي حنيفة، وشَجْرَاءُ: كثيرة الشَّجَر.
(٢) في (ر) و(ف): "مائية".
(٣) في (أ): "بن العوفي"، وهو خطأ.
[ ٢ / ١٠٣ ]
وقيل: عَلِما بالأكل منها ظهورَ عورتهما؛ قال تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ وما كانا يَعلمان بذلك قبل ذلك.
وقال محمد بنُ إسحاق: هي شجرةُ الحَنظل.
وقال أبو مالكٍ: هي شجرةُ النخلة.
وقال ابنُ جُدعانَ (^١): هي شجرةُ الخُلْد التي كان يتناول منها الملائكة.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄ في روايةٍ: هي شجرةُ الفردوس، وكانت في وسط الجنَّة، وفيها مِن الثمار كلِّها، وكانت أرفعَ الأشجار وأزينَها وأكملَها (^٢)، وكانت ثمرتُها أحلى الثمار وأطيبَها.
وقال الربيع بنُ أنس: كانت شجرةً مَن أكَلَها أحدث، والجنَّةُ لم تكن موضعَ الحدث (^٣).
وقال محمد بنُ عليٍّ الترمذيُّ ﵀: كان أصلُها السنبلةَ، وعليها مِن كلِّ لونٍ، وثمرها أحلى مِن العسل، وألينُ مِن الزُّبْد، وأشدُّ بياضًا مِن الثلج، كلُّ حبةٍ مِن حنطتها ككُلية البقرة.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ليس في بيانِ ماهيَتها نصٌّ قاطعٌ، ولا نعرف حقيقةَ ذلك إلَّا بالوحي (^٤).
_________________
(١) هو علي بن زيد ابن جدعان، من رجال "التهذيب".
(٢) في (أ): "أرفع الأشجار وأجملها"، وفي (ف): "أرفع الأشجار وأزينها وأجملها".
(٣) انظر هذه الآثار في "تفسير الطبري" (١/ ٥٥١ - ٥٥٦)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٨٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٣).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٢٦).
[ ٢ / ١٠٤ ]
ولا حاجةَ بنا إلى معرفة ماهيَتها على التعيين (^١)، وحاجتُنا إلى معرفة أنَّهما نُهيا عن الأكل مِن شجرةٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا﴾ يجوز أن يكون نصبًا بالفاء في جواب النهي، ويجوز أن يكون جزمًا لعطفه على النهي الأول، وتقدير الأول: إنْ قَرِبتما كنتُما مِن الظالمين.
وتقدير الثاني: لا تَقْرَبا ولا تكونا مِن الظالمين.
والنون تسقط في تثنية الفعل وجمعِه في النصب والجزم، وعلى الوجه الأول قولُه: ﴿فَتَكُونَا﴾؛ أي: فتصيرا، وعلى الوجه الثاني على حقيقته: ولا تكونا (^٢).
وقوله: ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: الظُّلْمُ: وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعه، والظُّلْمُ: الجَور، والظُّلْمُ: النَّقصُ، والظُّلْمُ: الضَّررُ بالنَّفس، والأرضُ المظلومةُ: التي لا يُمكِن الحفرُ فيها إلَّا بشَّدةٍ (^٣)، فكأنَّ الحفرَ وُضعَ في غيرِ موضعه، قال الشاعر:
والنُّؤي كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ (^٤)
النُّؤي: الحُفيرةُ حول الخِباء، والجَلَد: الأرض الصُّلبة، والمظلومة: الجارية المفترَعةُ (^٥) قبلَ الأوانِ.
وأمَّا التفسير:
_________________
(١) في (أ): "على اليقين"، في (ف): "إلى التعيين".
(٢) في (ف): "ولا تكونوا"، وليست في (ر).
(٣) في (أ) و(ف): "التي لا تُمكن من الحفر إلَّا بشَّدةٍ".
(٤) عجز بيت للنابغة الذبياني، وهو في "ديوانه" (ص: ٣٠)، وصدره: إلا الأواريَّ لأَيًا ما أُبيِّنها. والأواريُّ: جمع آريّ، وهو: محبس الدابة، واللأي: الشدة.
(٥) في هامش (ف): "الجارية المفترعة: المفتضة".
[ ٢ / ١٠٥ ]
فقد قيل: أي: مِن الضارِّينَ لأنفسكما (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨].
وقيل: أي: مِن الناقصينَ حظوظَكما، كما في قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
وقيل: أي: مِن الواضعِين أنفسَكما في غيرِ موضعهما.
* * *
(٣٦) - ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾: زلَّ عن المكان زَلَلًا وزَليلًا؛ أي: زَلِقَ، وأَزلَّه (^٢) غيرُه؛ أي: أزلقه، والزَّلزلة: التحريكُ مِن ذلك، وأَزَلَّ (^٣) إلى فلانٍ صنيعَةً، أي: أَسداها إليه، والزُّلال: الماءُ العذبُ الذي يَسْهلُ جرَيانُه إلى الحَلْق، والزَّلل: الخطأ، والزَّلَّة: الخطيئة، وهي الزَّوال عن الصواب مِن غير قصدٍ.
وتفسيرُه هاهنا: حمَلهما على الزَّلَّة؛ أي: بطريق التسبُّب، وهو (^٤) بالوسوسة وبالغرور وبالدُّعاء، قال اللَّهُ تعالى خبرًا عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
_________________
(١) في (أ): "لأنفسهما".
(٢) في (ر): "وأزاله".
(٣) في (ر) و(ف): "وأزال"، والمثبت من (أ)، وهو الصواب. انظر: "تهذيب اللغة" (١٣/ ١٥)، و"التاج" (مادة: زلل).
(٤) في (ر): "وهي".
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقرأ حمزة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ مِن الزوال (^١)؛ أي: سبَّب سَبَب (^٢) خروجهما عنها.
وقيل: أي: دعاهما إلى الزَّلل وإلى إتيان ما أَوجب خروجَهما عنها.
وقوله: ﴿عَنْهَا﴾ قيل: عن الجنَّة، وقيل: عن الشجرة، وقيل: عن الطاعة. وذلك كلُّه على قراءة حمزةَ ظاهرٌ (^٣).
وأمَّا على قراءة العامَّة، فالإزلالُ عن الجنَّة والشجرة يكون تنحيةً عنها بالتسبُّب (^٤) الذي قلنا، وعن الطاعة يكون بالزَّلَّة، وهي: التنحِّي عن الطاعة مِن غير قصدٍ، ومعناه: أنَّهما وقعا في زلَّةٍ بدعوته وهي الأكلُ مِن الشجرة.
وقصَّتُه: ما ذَكر الكلبيُّ في تفسيره، قال: لمَّا نظر إبليسُ -لعنهُ اللَّهُ- إلى ذلك حَسَدهما، وكان أُهبط إلى الأرض، فاحتال أنْ يَفتنَهما، فعرَض نفسَه على كلِّ دابَّةٍ أنْ تَدخلَ به في صورتها، فأَبَت عليه إلَّا (^٥) الحيَّة، وكانت أحسنَ دابَّةٍ في الجنَّة خَلْقًا، وكانت كهيئة البعير؛ تمشي على أربعِ قوائم، ليس في الجنَّة دابَّةٌ أحسنَ منها، فيها مِن كلِّ لونٍ، فلم يَزل إبليسُ يَستدرجها حتى أطاعَته، فدخل بين لحييها وقام في رأسها، ثم أتى بابَ الجنَّة، فقام عنده (^٦) فنادى: يا آدم ويا حوَّاء، فأجاباه (^٧)، فقال: ماذا أَمَركما ربُّكما، وماذا نهاكما عنه في الجنَّة؟ قالا: أَمَرنا أنْ نأكلَ مِن شجرةِ الفردوس كلِّها
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ١٥٣)، و"التيسير" (ص: ٧٣).
(٢) في (أ): "تسبيب"، وليست في (ر).
(٣) "ظاهرٌ": سقط من (أ).
(٤) في (أ): "عنهما بالتسبيب".
(٥) في (أ) و(ف): "حتى أتى".
(٦) في (أ) و(ف): "عندها".
(٧) في (أ): "فأجابته هي وآدم".
[ ٢ / ١٠٧ ]
غيرَ هذه الشجرة الواحدة. فقال: ما نَهاكما ربُّكما عنها (^١) إلَّا أْن تكونا مَلَكين تَعلمان الخيرَ والشَّرَّ، أو تكونا من الخالدِين لا تموتان، وإنِّي أُقسِم لكما إنِّي لكما لمن الناصحين، مَن أكل منها لم يَمُت، مَن أكل منها لم يَمُت (^٢)، وأيُّكما أكلَ قبل صاحبه كان هو المسلَّطَ على صاحبه. وكذبَ عدوُّ اللَّهِ في ذلك، وسبقت حوَّاء إلى الشجرة، فقالت: يا آدم (^٣) خُذ، فقال: ويحكِ! أَمَا تعلمينَ أنَّ اللَّه قد نهانا عنها وأَوعد العقوبة عليها؟ فقالت: يا آدم، أَلم (^٤) تَعلم سعةَ رحمة اللَّه تعالى، فأَكلت منها وأَطعمتْ آدمَ فأكل (^٥)، فلمَّا وصل إلى بطونهما تَهافَتَ عنهما لباسُهما، وكان لباسُهما النور، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] فأَبصرَ كلُّ واحدٍ منهما مِن صاحبه ما وُوريَ عنه مِن عورته قبل ذلك.
كذا ذكر هاهنا، لكن الصحيح أنَّ كلَّ واحدٍ منهما رأى عورةَ نفسه لا غير (^٦)؛ فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] وقال تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]، ومقابلةُ الجمعِ بالجمع يقتضي مقابلةَ الفرد بالفرد، كقولهم: ركبَ القومُ (^٧) دوابَّهم، ولَبسوا ثيابَهم، ونحو ذلك.
قال الكلبيُّ عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ﵄: دخل آدمُ وحوَّاءُ الجنّةَ ولباسُهما النور، وعليه إكليلٌ مِن ذهبٍ مكلَّلٌ بالدُّرِّ والياقوت، ومِنْطَقة مكلَّلةٌ
_________________
(١) في (أ): "عن هذه الشجرة".
(٢) "من أكل منها لم يمت": من (ف).
(٣) "يا آدم": ليست في (أ).
(٤) في (أ): "أما".
(٥) "فأكل": سقط من (أ) و(ف).
(٦) في (أ): "لا عورة صاحبه".
(٧) في (أ): "الناس".
[ ٢ / ١٠٨ ]
بالدُّرِّ والياقوت، وخلخالان مكلَّلان بالدُّرِّ والياقوت، وسواران مِن ذهبٍ مكلَّلان بالدُّرِّ والياقوت، وسواران مِن لؤلؤٍ، ودُمْلجان (^١) مكلَّلان، فلمَّا أكلا مِن الشجرة ذهب عنهما ذلك، فاستَحْيَيا وهربا إلى ورقِ التين يُلْزِقان بعضَه ببعضٍ يغطِّيان عورتَهما (^٢)، فذلك قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٢].
وقال الإمام القشيريُّ: لا مكانَ أفضلُ مِن الجنَّة، ولا بشرَ أكيسُ مِن آدم، ولا نصحَ أبلغُ مِن نصح اللَّه، ولا عزمَ أشدُّ مِن عزيمة آدم، لكنَّ القَدَر لا يكابَر والحُكمَ (^٣) لا يعارَض.
وقال: لمَّا (^٤) كان آدمُ وحده، كان بكلِّ خيرٍ وعافيةٍ، فلمَّا جاء الشَّكْل ظَهر بابُ الفتنة وفُتح بابُ المحنة، وحين ساكَنَ حوَّاءَ أطاعها فيما أشارت إليه مِن الأكل، فوقع فيما وقع، ولقد قيل:
داءٌ قديمٌ في بني آدمَ صبوةُ إنسانٍ بإنسان (^٥)
ثمَّ الكلامُ هاهنا في كيفيَّة الإزلال مِن إبليس لعنه اللَّه، وفي صفة زلَّة آدمَ ﵇:
_________________
(١) في (أ): "ومرجان".
(٢) في هامش (ف): "الظاهر أن هذا التفسير مبني على أن يكون الضمير في ﴿عَنْهَا﴾ للجنة ويكون المعنى: فأذهبهما الشيطان عن الجنة فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والراحة إلى شقاء الدنيا، وأما إذا كان الضمير للشجرة كان المعنى حملهما على الزلة بسبب الشجرة، فالظاهر حينئذ أن يفسر ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ بالجنة".
(٣) في (أ): "والحكيم"، والمثبت موافق للمصدر.
(٤) في (أ): "ولما".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٨٠)، والبيت لأشجع السلمي كما في "طبقات الشعراء" لابن المعتز (ص: ٢٥٤).
[ ٢ / ١٠٩ ]
أمَّا الأول: فقد قيل: ناداهما وهو في الأرض.
وقيل: ناداهما وهو على باب الجنَّة لا فيها -فإنَّه لم يكن مِن أهل دخول الجنَّة؛ لأنَّها محرمةٌ على الكفَّار، واللَّهُ تعالى أوصل صوتَه إليهما- وقال لهما: ماذا أَمركما ربُّكما، إلى أنْ قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠].
وقال هؤلاء: وقول إبليس: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ -وهي إشارةٌ إلى بعض الشجرة- لا يدلُّ على أنَّه كان في الجنَّة بحضرة الشجرة، بل هي إشارةٌ إلى الشجرة التي ذكَرا؛ أي: عن هذه الشجرة التي قُلْتُما.
وقال جماعةٌ: دخل في رأس الحيَّة، والحيَّة دخلت الجنَّة كما روينا، ولا يكون هذا دخولًا منه الجنَّة، كما كان الكفار مِن ذرِّيّة آدمَ في صُلْب آدم وهو في الجنَّة، ولم يكن ذلك دخولَ الكفار الجنَّة، واحتجَّ هؤلاء أنَّه خاطَبَهما وقاسَمَهما وراجعهما الكلامَ، وذاك لا يكون إلَّا بالحضرة.
وسُئل أبو الحسن الرُّسْتُغْفَنيُّ (^١) عنه فقال: لا نَشهد (^٢) بدخوله فيها؛ لعدم الدليل القطعي، فإنْ ثبت لم يَبعُد؛ إذ دخولُه كان يزيد له في التلهُّف والحسرة.
وقال الحسن البصريُّ ﵀: أَوصَلَ إليهما الوسوسةَ مِن الوجه الذي جُعل له (^٣).
_________________
(١) في (أ): "الرُّستعفني"، وفي هامش (ف): بضم التاء. وهو: علي بن سعيد، فقيه حنفي من أهل سمرقند، له كتاب "الزوائد والفوائد"، و"إرشاد المهتدي". انظر: "الجواهر المضية" (١/ ٣٦٢)، و"الأعلام" (٤/ ٢٩١).
(٢) في (ر): "أشهد".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٣٥).
[ ٢ / ١١٠ ]
وقالوا: هذا كوَسْوسته (^١) اليومَ في قلوب جميعِ أهلِ الدُّنيا في حالةٍ واحدةٍ، ولو لم يكن ذلك إلَّا بالحضرة لم يكن في حالةٍ واحدةٍ يقع ذلك في جميع القلوب.
وقالوا: هو كقبض عزرائيل الأرواحَ مِن بني آدم، وهم (^٢) في مواضع مختلفةٍ وهو في مكانٍ واحدٍ.
واختلف أيضًا في كيفيَّة وسوسته في قلوب الناس:
فقيل: يجري منهم مجرى الدم (^٣) كما روي.
وقيل: هو واقعٌ (^٤) في صدورِهم منه على ما شاء اللَّه مِن غيرِ دخولٍ منه أو حضورٍ.
والإمام أبو منصورٍ -﵀- يقول: نقل إلينا أنَّه يوسوس ولم يُنقل إلينا كيفيتها.
فنقول: يوسوسُ، فنتحرَّز (^٥) منه ولا نبحث عن كيفيته، ولا نقطع القولَ بشيءٍ فيه بلا دليلٍ.
قال: وكلُّ معنًى يدعو إلى الباطل ويَحجب عن الحقِّ فهو عمل الشيطان يجب التعوُّذ منه والفزعُ إلى اللَّه تعالى وإنْ لم نعلم حقيقةَ كيفيته، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقالوا: لوسوسته".
(٢) في (ر) و(ف): "وهو".
(٣) بعدها في (ف): "وهو في مواضع مختلفة وهو في مكان واحد".
(٤) في (ر): "أوقع".
(٥) في (أ): "ونتحرر"، وفي (ف): "فيتحرز".
[ ٢ / ١١١ ]
يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] (^١).
وأمَّا صفةُ زلَّة آدمَ ﵇؛ فقد ذكر الإمام أبو منصورٍ -﵀- أنَّ الحسنَ البصريَّ قال: إنَّه تعمَّد ذلك، وقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ كان نسيانَ تضييعٍ لا نسيانَ ذكرٍ؛ لأوجُهٍ:
أحدها: ما جرى في حكمِ اللَّه تعالى مِن العفو عن النسيان الذي هو تَركُ الذِّكر، وأنْ لا يَلحقَ صاحبَه اسمُ العصيان، وقد أُخذ هو به ووُصف بأنَّه عصَى وغوى، وقد تقدَّم في خطابهما: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
ولأنَّ عدوَّه قد ذكَّره لو كان ناسيًا، حيث قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُور﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولو كان نسيانَ ذِكرٍ لَمَا اغترَّا بالقَسَم، وهو كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفسَّر هو قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]؛ أي: لم نَجده مِن أولي العزم والثبات على حفظ الأمر والنهي (^٢).
وهذا كلُّه وحشٌ مِن الكلام لا يجوز أنْ يُوصف بمثله (^٣) الأنبياءُ؛ فإنَّ اللَّه تعالى اصطفاهم واختارهم على علمٍ بهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وفي حقِّ آدمَ ذكَر خصائصَ وكراماتٍ ومراتبَ ومقاماتٍ يجب تَنزيهُه
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٣٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٢٧ - ٤٢٨).
(٣) في (ر) و(ف): "به".
[ ٢ / ١١٢ ]
معها عن مثلِ هذه الصفات، والنسيانُ حقيقتُه (^١): زوالُ الذِّكْر، والتضييعُ مجازٌ.
ويقرِّرُ هذه الحقيقةَ قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وهو القصدُ وضعًا.
وما يقول: إنَّ العدوَّ ذكَّره ذلك؟
قلنا: لكثرة ما جرى بينه وبين عدوِّه مِن التراجع اشتغل قلبُه بوجود الدِّفاع له، والفكرِ في أسباب نجاته، والتخلُّصِ من (^٢) مكائده، حتى أنساهُ ذلك ذكرَ العهد.
ثم إنَّما (^٣) كان النسيانُ في حقِّ غيرِه عذرًا، وهو عُوتب بذلك ولم يُعذَر به؛ لأنَّ آدمَ -صلوات اللَّه عليه- لم يكن امتُحنَ بأنواعٍ مختلفةٍ يتعذَّر عليه وجهُ الحفظ في ذلك، وإنَّما امتُحن بالانتهاء عن شجرةٍ واحدةٍ بالإشارة (^٤) إليها، فجائزٌ أنْ لا يُعذر في مثله.
وغيرُه لهم أشغالٌ كثيرةٌ يتعذَّر عليهم التحفُّظ، فعُذروا بها، وكذلك فيما بيننا إنَّما يُعذر الإنسان به فيما يَكثر به النوازل، أَلا ترى أنَّه يُعذر بالسلام في الصلاة، وتركِ التسمية في الذبيحة، والأكل والشربِ ناسيًا في الصوم، ولا يُعذر بالأكل (^٥) في الصلاة ولا بالجماع (^٦) في الحجِّ لهذا.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "حقيقة".
(٢) في (ر): "والتخليص عن".
(٣) في (ف): "وإنما" بدل من "ثم إنما".
(٤) في (ف): "بإشارة".
(٥) في (ر) و(ف): "في الأكل".
(٦) في (أ): "وبالجماع"، وفي (ر): "وفي الجماع"، بدل: "ولا بالجماع".
[ ٢ / ١١٣ ]
والثاني (^١): أنَّه جائزٌ أخذُ الأخيار ومعاتبةُ الكبار بالأمر الخفيف اليسير الذي لا يُؤخذ (^٢) بمثله غيرُه؛ لكثرة نِعَمِ اللَّهِ تعالى عليهم وعظيمِ منَّته عندهم، كما أُوعدوا بتضاعُف العذاب على ما كان لغيرهم، وهو كحالِ يونسَ النبيِّ -ﷺ-؛ فارق قومَه لِمَا عاين (^٣) مِن المناكير فيهم، وفعلُه مِن غيره أَحمدُ ما يوصَف به.
وكذلك عُوتب نبيُّنا محمدٌ -ﷺ- بما خطر بباله مِن تقريب رؤساء الكفرة إشفاقًا عليهم وحرصًا على إسلامهم، ويُعدُّ ذلك مِن غيره مِن خصال الخير.
والثالث: أنَّه إنَّما عُوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به ولمثْلِه خلَقه، حيث قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [البقرة: ٣٠] لكنَّه بكرمه عوَّد خَلْقه تقديمَ إحسانه وإيلائه (^٤) على محنته وبلائه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
ثم في ذلك أبلغُ زجرٍ لغيره، وفيه تعظيمُ خَطَر الذنوب في القلوب، فإنَّ أبا البشر، والمخصوصَ بالخلافة وسجودِ الملائكة، والمخصَّصَ بالعلم، عُوتب بهذا القَدْر مِن الزَّلَّة؛ ليَعلَمَ [الخلقُ] أنَّه ليس في أمر اللَّه تعالى هَوادةٌ، ولا في حُكمه محاباةٌ، فيكونوا (^٥) أبدًا على حذرٍ وخِيفةٍ، ويفزعوا (^٦) إليه بالعصمة عمَّا يُوجب المقتَ والعقوبة.
_________________
(١) قوله: "الثاني" كذا وقع، ولم يرد قبله التصريح بالأول، ويفهم من كلام الماتريدي في "التأويلات" (١/ ٤٢٩ - ٤٢٨) أن الأول هو ما جاء في قوله: "ثم إنَّما كان النسيانُ في حقِّ غيرِه عذرًا. . . ".
(٢) في (ر): "يؤاخذ"، وفي (ف): "يوجد".
(٣) في (ر): "رأى".
(٤) في (أ): "وإبلائه" وفي (ر): "وائلا به". وفي "التأويلات": (وإنعامه).
(٥) في (ر): "فيكونون"، وفي (ف): "فيكون".
(٦) في (ر): "ويفزعون".
[ ٢ / ١١٤ ]
ويحتمِل أن يكون حَفِظ النهيَ، لكن خَطَر بباله أنَّه ليس بنهي تحريم، فإنَّه يكون على وجوهٍ، وذلك النهيُ وإنْ كان مقرونًا بقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وذلك دلالةُ التحريم، لكن يحتمِل أنَّه حَفِظ النهيَ لكن نسيَ هذا الأمر (^١)، فاشتَبه عليه وجهُ النهي، فإنَّه قد يكون للتحريم، وقد يكون لإيثار غيره عليه مع حلِّه، وقد يكون لداءٍ فيه وضررٍ عليه، فيكون نهيَ رحمةٍ لا نهيَ حرمةٍ، فسبق إلى وهمه ذلك، وتَحمَّل الضررَ لنفعٍ رجاهُ وطَلَبه.
ويحتمل أنَّه حفظ قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ولكن وقع عنده أنَّه ليس بظلمِ التعدِّي، بل هو ظلمُ نقصانٍ وإضرارٍ بأنفسهما، وتَحمَّل ذلك؛ لِمَا ذكرنا.
وإيقاعُ بعض هذه الوجوه في قلبه كان مِن وسوسة الشيطان، لكن ظنَّه إلهامًا لا وسوسةً؛ لانه كان لا يعاينُه، فصار كالناسي للنهي وإن كان حافظًا (^٢).
ووجهٌ آخر مِن تأويله: أنَّ النهيَ كان مضافًا إلى الشجرة (^٣) بعينها، والمرادُ هي وأجناسُها، كما رُوي أنَّ النبيَّ -ﷺ- خرج وفي يده حريرٌ وذهبٌ، وقال: "هذان حرام (^٤) على ذكور أمتي حِلٌّ لإناثهم" (^٥)، وكما يقول الطبيبُ للمريض: لا تَأكُل مِن هذا الطعام فإنَّه يضرُّك، ويريد به عينَه وأمثالَه، فوقع عنده أنَّ النهي عن عينه لا غيرُ.
_________________
(١) في (ف): "الآخر".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٢٨ - ٤٣٢) وما تقدم بين معكوفتين منه.
(٣) في (أ): "شجر".
(٤) في (أ) و(ر): "حرامان".
(٥) رواه أبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٥١٤٤)، وابن ماجه (٣٥٩٥)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
[ ٢ / ١١٥ ]
وانضاف إلى هذا أشياءُ أُخَرُ؛ مِن طول المدَّة، وميلِ الطبع إلى المأكول، وزيادةِ زينةٍ (^١) ولطافةٍ كانت في الشجرة، فكانت داعيةً إليها.
وسبقت (^٢) حوَّاءُ إلى الأكل ولم يَظهر عليها شيءٌ، ولم يُرَ قبلها عاصيًا إلَّا إبليس وقد عوقب كما عصى، فاجتهد فوقع اجتهاده على أنَّ حكم النهي مقتصرٌ على هذه الشجرة، أو أنَّ النهيَ قد ارتفع، ولم يَجز له هذا الاجتهاد؛ لأنَّه كان في موضعِ وجودِ النص، فإنَّ الوحي (^٣) لم يكن منقطِعًا، وعُذر فيه لأنَّه لم يكن سَبق له النَّهيُ عنه، ولم يُعذر في الأكل لأنَّ النهيَ كان سَبق عنه.
ثم أئمَّة سمرقندَ -﵏- لا يُطلِقون اسمَ الزَّلَّة على أفعال الأنبياء؛ لأنَّها نوعُ ذنبٍ، ويقولون: فعَلوا الفاضل وتركوا الأفضل، فعُوتبوا عليه.
وأئمَّة بُخارى -﵏- أَطلقوا هذه اللفظةَ لقضيَّةِ قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أي: استزلَّهم، وفسَّروها بأنَّها فعلٌ يقع مخالفًا للأمر مِن غير قصدٍ إلى الخلاف منهم قبل الفعل، ولا علمٍ لهم بأنَّه خلافٌ حالةَ الفعل، ولا إصرارٍ منهم عليه بعد الفعل (^٤)، كزلَّة الماشي في الطين لا يقع عن قصدٍ منه إليها ولا ثباتٍ منه عليها.
وقال القشيريُّ ﵀: أصبح آدمُ محمودَ الملائكة، مسجودَ الكافَّة، على رأسه تاجُ الوُصلة، وفي وسطه نطاقُ القُربة، وفي جِيده قلادةُ الزُّلفة، لا أحدَ فوقه في الرُّتبة، ولا شخص مثلُه في الرِّفعة، يتوالى عليه النداءُ في كلِّ لحظةٍ: يا آدم يا آدم،
_________________
(١) في (ر): "رتبة".
(٢) في (ر): "وذهبت".
(٣) في (ر) و(ف): "النص".
(٤) في (أ): "ولا إصرار منهم بعد الفعل منهم".
[ ٢ / ١١٦ ]
فلم يُمْسِ حتى نُزعَ عنه لباسُه، وسُلب استئناسُه، وتبدَّل مكانُه، وتشوَّش زمانُه، قال الشاعر (^١):
فأَمِنتُه فأتاح لي مِن مَأْمَني مَكْرًا كذا مَن يأمن الأحبابا (^٢)
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾: أي: سبَّب الشيطانُ (^٣) خروجَهما؛ وهو الوسوسةُ التي بها زلَّا، فأُمرا بالخروج، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقولهِ تعالى: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: ١١٠] وقولهِ تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥].
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا كَانَا﴾ قال محمد بنُ قيسٍ: أي: مِن اللباس الذي كانا فيه حتى بَدَت لهما سوآتُهما.
وقيل -وهو قول الأكثر-: أي: مِن الجنَّة، وإنَّما قال: ﴿فِيهِ﴾، ولم يقل: فيها؛ صرفًا إلى قوله: (ما).
وقيل: أي: مِن الحال الذي كانا فيه، يعني: مِن النِّعمة والراحة إلى البلاء والشِّدَّة.
وقيل: أي: مِن الطاعة إلى الذلَّة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾: الهُبوطُ: الانحدارُ، والهَبوط -بالفتح-: الحُدور، وهَبَطَ لازمٌ ومتعدٍّ، ودلَّت الكلمةُ أنَّهما كانا في جنَّة الخُلد حيث أُمرا بالانحدار؛
_________________
(١) في (أ): "كما قيل" بدل: "قال الشاعر".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٨١).
(٣) بعدها في (أ): "سبب".
(٤) في (ر): "الزلة"، والمثبت من (ف)، وجملة: "وقيل: أي: من الطاعة إلى الزلة": ليست في (أ).
[ ٢ / ١١٧ ]
وهو النزول مِن علوٍّ إلى سفلٍ، فلم يستقم تأويلُها ببستانٍ في الأرض.
ثم الأمرُ بالجَمْع -وهما اثنان في سَبْق الذِّكْر- لِمَا أنَّه يتناول معهما غيرَهما.
قال مجاهد: هذا (^١) الخطابُ لآدمَ وحوَّاء ﵉، وإبليسَ لعنهُ اللَّهُ.
وقال ابن عباسٍ والسُّدِّيُّ: الخطابُ لهم وللحيَّة (^٢).
وعن ابن عباسٍ ﵄ في رواية: هو لخمسةٍ، وخامسُهم الطَّاووس، فقد دلَّ إبليسَ -لعنهُ اللَّهُ- على الحيَّة، فأُخرج معهم مِن الجنَّة (^٣).
وهذا الأمر وإن انتَظَمهم في كلمةٍ، فما كان هبوطُهم جملةً، بل هبط إبليسُ -لعنه اللَّه- حين لُعنَ؛ بدليل قوله ﷻ: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣]، وقال تعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الحجر: ٣٤] وقال تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] وهبوطُ آدمَ وحوَّاءَ والحيَّةِ كان بعده بكثيرٍ، وأمَّا قوله تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهو لآدمَ وحوَّاء لا غيرُ.
وقيل: ﴿اهْبِطُوا﴾ خطابٌ لهما، وإنَّما جُمع رفعًا لشأنهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]؛ أو لإرادتهما مع ذرِّيَّتهما، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أي: بمَن فينا مِن الخلق.
ثم ظاهر هذا أمرٌ بالنُّزول إلى الأرض.
_________________
(١) "هذا": زيادة من (ف).
(٢) انظر هذه الآثار في "تفسير الطبري" (١/ ٥٧٢) وما بعدها، و"النكت والعيون" (١/ ١٥٧).
(٣) لم أقف عليه، وظاهر أنه من أقاصيص أهل الكتاب.
[ ٢ / ١١٨ ]
وقيل أيضًا (^١): أراد به انحطاطَ المرتبة (^٢)، ونقصانَ المنزلة بسبب الزَّلَّة.
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: أي: إبليسُ لهما وهما لإبليس، وإنْ جُمع معهما الحيَّة، فهي عدوُّ بني آدم وهم عدوُّها؛ هي تَلسعهم وهم يَدمغونها، وإبليسُ يفتنهم وهم يلعنونه.
وإنْ أُريد بالأوَّل آدمُ وحوَّاء وذرِّيَّتهما، فالتعادي مِن التحاسُد في الدنيا أو الاختلافِ (^٣) في الدِّين، وهذا إخبارٌ عن كونه، لا أمرٌ بتحصيله.
وقالوا: العداوةُ مع إبليس دينيَّةٌ، فلا ترتفعُ ما بقيَ الدِّين، والعداوةُ مع الحيَّة طبيعيَّةٌ فلا ترتفعُ ما بقيَ الطبعُ، ثم هذه عداوةٌ تأكَّدت بيننا وبينهم، لكنَّ حزبًا يكون اللَّه معهم كان الظَّفَر لهم.
وقيل: لمَّا قال: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال آدم: الحمدُ للَّه حيث لم يقل: أنا لكم عدوٌّ.
والعدوُّ: هو المجاوِز حدَّه في مكرور صاحبِه، مأخوذ مِن التَّعدِّي، ثم هذا (^٤) اسم يَصلح للواحد والجمع، والذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (^٥) [المنافقون: ٤] وهذا لأنَّه على بناء بعض المصادر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: أي: موضعُ قرارٍ، وقد قَرَّ واستقرَّ، والمُستَقَرُّ: مكانُ الاستقرار.
_________________
(١) "أيضًا": زيادة من (أ).
(٢) في (ف): "الانحطاط في الرتبة".
(٣) في (ر) و(ف): "والاختلاف".
(٤) في (أ): "هو".
(٥) في (أ): "فاحذروهم".
[ ٢ / ١١٩ ]
وقيل: أراد بالمستقرِّ موضعَ (^١) القرار مِن الأرض في الحياة.
وقيل: أراد به موضعَ القبور، وهو قول السدي (^٢).
ثم المُستقَرُّ ثلاثة:
رَحِمُ الأمِّ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨]، أُودع في صُلب الأبِ، واستقرَّ في رَحِمِ الأمِّ.
والثاني: الدنيا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦].
والثالث: في العُقبى؛ إمَّا في الجنة، قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وإمَّا في النار، قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ﴾: قيل (^٣): أي: معاشٌ، وقيل: أي: مُدَّةٌ، وقيل: أي: منفعةٌ (^٤)، وقيل: أي: بلاغٌ.
وقيل: المتاعُ: ما يُتمتع به مِن مرافق العيش؛ مِن الأكل والشرب واللُّبس والسكنى وغيرِ ذلك، وحقيقتُه: طولُ الانتفاع بالشيء، يقال: مَتَعَ النَّهارُ؛ أي: طال، واستمتَع بالشيء؛ أي: انتفع به طويلًا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾: أي: إلى غايةٍ، والحينُ في الأصل اسمٌ للزمان المجهول، قال الشاعر:
_________________
(١) في (ر): "أراد المستقر مكان".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٧٦).
(٣) "قيل": من (أ).
(٤) في (أ): "منعة".
[ ٢ / ١٢٠ ]
كلُّ امرئٍ راجعٌ يومًا لشِيمتِه وإنْ تَخلَّقَ أخلاقًا إلى حينِ (^١)
وجاء في القرآنِ لوقت الصلاة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (^٢) [الروم: ١٧].
وجاء لستَّة أشهرٍ؛ قال تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] هو مِن حين يَطلُع إلى حين (^٣) يُرطب.
وجاء لأربعين سنةً؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ [الإنسان: ١].
وجاء لمدَّة الدُّنيا، كما في هذه الآية عند بعضهم، وقد قال ابنُ عباسٍ والسديُّ ﵃: أي: إلى الموت.
وقال مجاهد والضحاك: أي: إلى قيام الساعة (^٤)، وهذا في حقِّ الجميع، والأوَّل في حقِّ الأفراد.
ولمَّا هبطوا وقعَ آدمُ بأرض الهندِ على جبل سَرَنْدِيب، ولذلك طابت رائحةُ تلك الأشجار التي في تلك البقعة (^٥)؛ لِمَا معه مِن ريح الجنَّة، ووقعت حوَّاءُ بجُدَّة، وبينهما سبعُ مئةِ فَرْسخ، والطاووسُ بمرج الهند، والحيَّةُ بسِجِسْتانَ، وإبليسُ بسدِّ يَأْجوجَ ومَأجوج.
وقيل: وقعت الحيَّةُ بأصبهانَ، والطاووسُ بمَيْسانَ.
_________________
(١) البيت لذي الإصبع العدواني كما في "المفضليات" (ص: ١٦٣)، و"عيون الأخبار" (٢/ ٨)، و"أمالي القالي" (١/ ٢٥٥).
(٢) في (أ): "الآية" بدل من "وحين تصبحون".
(٣) في (أ): "أن".
(٤) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" (١/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، و"النكت والعيون" (١/ ١٠٨).
(٥) في (أ): "رائحة أشجار تلك الولاية" وفي (ف) "رائحة أشجار تلك الأودية".
[ ٢ / ١٢١ ]
وكانوا في أحسنِ حالٍ؛ فابتُلي آدمُ بالحرث والكسب، وحوَّاء بالحيض والحَبَل والطَّلْق، ونقصان العقل والميراث، وجعَل اللَّهُ قوائمَ الحيَّة في جوفها، وجعَل (^١) قُوتَها الترابَ، وقبَّح رِجْلي الطاووس، وجعل إبليسَ بأقبح صورةٍ وأفضح حالةٍ، وكان مكث آدمُ وحوَّاء في الجنَّة مِن وقت الظهر إلى وقت العصر مِن أيَّام الآخرة.
* * *
(٣٧) - ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾: أي: أَخذ وحَفظ، ويقال: تَلقَّينا الحاجَّ؛ أي: استقبلناهم للِقائهم، ويقال: لقَّيْتُه الشيءَ فتلقَّاه، ولقَّنْتُه فتلقَّنه، ولقَّفْتُه فتلقَّفه، بمعنًى.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: الكلمات: جمعُ كلمةٍ، وهي مجموعُ حروفٍ، والكلمات في القرآن جاءت لمعانٍ:
للعلم: كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩].
وللقرآن: كما في قوله تعالى: ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩].
وللفرائض: كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وللوعد: كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤].
واختلفوا في المراد بهذه الكلمات:
قال عليٌّ ومجاهد ﵄: هي قوله: لا إله إلَّا أنتَ سبحانكَ وبحمدِك إنِّي كنُت مِن الظالمين، ربِّ عملتُ سوءًا وظلمتُ نفسي فاغفر لي فأنتَ خيرُ الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربِّ عملتُ سوءًا وظلمتُ نفسي فتُب
_________________
(١) في (أ): "وجعلت".
[ ٢ / ١٢٢ ]
عليَّ إنك (^١) أنتَ التوَّاب الرحيم، لا إله إلا أنتَ سبحانك وبحمدك، ربِّ عملتُ سوءًا وظلمتُ نفسي فارحمني فأنتَ خيرُ الراحمين (^٢).
قال عليٌّ رضي اللَّه تعالى عنه: مَن قالها غُفرت ذنوبه وإن كانت مثلَ رملِ عالج، ومثلَ زَبَد البحر.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هي التحميدُ والتسبيح والاستغفار والمناسك، يعني: أُمر حتى حجَّ البيتَ وتكلَّم بها.
وقيل: هي الصلوات (^٣) على النبيِّ محمَّدٍ -ﷺ- والاستشفاعُ به حتى حجَّ البيت.
وقد (^٤) روى عمر ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّ آدمَ قال: "بحقِّ محمَّدٍ أنْ تغفر لي، قال اللَّهُ تعالى: وكيف عرفتَ محمَّدًا؟ قال: لمَّا خلقتني ونفختَ فيَّ الروح فتحتُ عيني فرأيتُ على ساقِ العرش مكتوبًا (^٥): لا إله إلَّا اللَّه محمَّدٌ رسول اللَّه، فعلمتُ أنَّه أكرمُ الخلق عليك؛ حيث (^٦) قرنتَ اسمَه باسمِك، قال: نعم، وغفر له بشفاعته" (^٧).
_________________
(١) في (أ): "فإنك".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٨٥) عن مجاهد.
(٣) في (أ): "الصلاة"، وفي (ف): "صلوات".
(٤) " قد": زيادة من (أ).
(٥) "مكتوبًا": سقط من (أ) و(ف).
(٦) في (أ) و(ف): "حتى".
(٧) رواه الآجري في "الشريعة" (٩٥٦)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٩٩٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤٢٢٨)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٤٨٩). قال الحاكم: صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب. وتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع. وقال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.
[ ٢ / ١٢٣ ]
وقال سفيان: قال آدم: يا ربِّ، بمعرفتي أنَّه لا يَسعى ساعٍ إلَّا بمشيئتك وقدرتك (^١) أنْ تَغفر لي، فغفر له.
وقيل: قال: يا ربِّ، ما خُدعْتُ إلَّا بك، فقال: صدقْتَ، وتاب عليه.
وقيل: هي هذا الدعاء: اللَّهمَّ إنَّك تَعلم سرِّي وعلانيتي فاقْبَل معذرتي، وتَعلم حاجتي فأَعطني سؤلي، وتَعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللَّهمَّ إنِّي أَسألك إيمانًا يُباشر قلبي، ويقينًا صادقًا حتى أعلمَ أنَّه لا (^٢) يصيبُني إلَّا ما كتبْتَ لي، ورضِّني بما قسمتَ لي، قال اللَّهُ تعالى: يا آدمُ مَن دعاني (^٣) مِن ذرِّيَّتك بهذا غفرتُ له ذنوبه (^٤).
وقيل: أوحى اللَّهُ تعالى إليه: أنَّ مَن أَذنب ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا، ثم ندم واعتذرَ وعزم أنْ لا يعود، فإنِّي أتوبُ عليه، فتلقَّى آدمُ هذا مِن ربِّه، فقَبِله وعمل به، فتاب عليه.
وقيل: هي الأوامر والنواهي قَبِلها وائتمرَ بما أُمر وانتَهى عمَّا نُهي، فغفر له؛ ودليله قولُه تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقيل: هي قولُهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهو قول مجاهدٍ وسعيد بنِ المسيب والحسن والربيع بنِ أنس (^٥).
وقال ابنُ عباسٍ والسديُّ: قال: ربِّ خلقتني بيدك، ونفخت فيَّ مِن روحك،
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وقدرك".
(٢) في (أ): "لن".
(٣) في (أ): "يا آدم من قالها" وفي (ف): "من قال".
(٤) روي من حديث عائشة ﵂ مع بعض زيادة فيه، وقال أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (٢/ ١٨٩): هذا حديث منكر.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٨٤ - ٥٨٦) عن مجاهد وقتادة وابن زيد.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وسبقت رحمتُك غضبَك، أرأيت إنْ تبتُ وأصلحتُ، فهل أنتَ راجعي إلى الجنَّة؟ قال: نعم، قال: وتتوب عليَّ إنْ تبتُ؟ قال: نعم، فتاب آدمُ، فتاب اللَّهُ عليه (^١).
وقال عبيد بنُ عمير: قال: يا ربِّ، ما أَتيتُه أشيءٌ ابتدعتُه مِن تلقاء نفسي، أو شيءٌ قدَّرْتَه عليَّ قبل أن تخلُقني؟ قال: بل شيءٌ قدَّرتُه عليك قبل أنْ أَخلقك. قال: يا ربِّ، فكما قدَّرته عليَّ فاغفر لي، فغفر له (^٢).
وقال عبد اللَّه بنُ مسعودٍ ﵁: إنَّ أحبَّ الكلام إلى اللَّه تعالى ما قال أبونا آدم صلوات اللَّه عليه حين اقترفَ (^٣) الخطيئة: سبحانك اللَّهمَّ وبحمدِك، وتبارك اسمُك، وتعالى جَدُّك، لا إله إلَّا أنتَ، ظلمتُ نفسي فاغفر لي؛ فإنَّه (^٤) لا يغفر الذنوب إلَّا أنت (^٥).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جرى على لسان آدم مع الحقِّ سبحانه كلماتٌ، وأَسمع الحقُّ سبحانه آدمَ كلماتٍ، وأَجملَ الحقُّ سبحانه القولَ في ذلك إجمالًا؛ إمَّا لتبقى القصةُ مستورةً، أو ليكون للاحتمال في الظنون مساغٌ، ولمَا يحتمله الحالُ مِن التأويل مطْرح.
ويحتمل أن تكون كلماتُ آدمَ ﵊ اعتذارًا وتنصُّلًا، وكلماتُ الحقِّ سبحانه قَبولًا وتفضُّلًا.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٨٠ - ٥٨٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٨٣).
(٣) بعدها في (أ): "اكتساب".
(٤) في (أ) و(ف): "إنه".
(٥) رواه النسائي في "الكبرى" (١٠٦٢٠)، والضبي في "الدعاء" (١٠٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٤٠٣). جميعهم دون قوله: "ما قال أبونا آدم صلوات اللَّه عليه حين اقترف الخطيئة".
[ ٢ / ١٢٥ ]
ويقال: حين أمره بخروجه مِن الجنة جعَل ما أَسمعه إيَّاه مِن عزيز (^١) خطابه له زادًا، ليكون له تذكرةً وعتادًا (^٢)، قال قائلُهم:
وأَذكرُا أيَّام الحمى ثم أَنثني على كبدي مِن خشيةٍ أنْ تَقطَّعا
ومخاطباتُ الأحباب لا تَحتمِل الشرح، ولا يُحيط بها الأجانب علمًا (^٣).
وقرأ ابن كثيرٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ بالنصب ﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ بالرَّفع (^٤)، ومعناه: جاءت الكلماتُ آدمَ، وهو كقولك: تلقَّيت زيدًا، وتلقَّاني زيدٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: التوبة: الرجوع، يقال: تاب إليه وثابَ (^٥) وأنابَ وآب.
وقيل (^٦): تاب العبد إلى ربه؛ أي: رحع إليه من ذنبه، و: تاب اللَّه عليه؛ أي: وفَّقه للتوبة وقبِلها منه، قال (^٧) تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] هذا للتوفيق على التوبة، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] هذا لقبول التوبة، وفي هذه الآية تصلُح لهما.
وتمام التوبة من العبد: بالندم على ما كان، وبترك الذنب الآن، وبالعزم على أنْ
_________________
(١) في (ر): "لذيذ"، والمثبت من (أ) و(ف) و"اللطائف".
(٢) في (ر): "وعياذًا"، وفي (ف): "عتابًا"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٨٢).
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٣).
(٥) "وثاب": زيادة من (أ).
(٦) في (أ): "وقد".
(٧) في (ر) و(ف): "وقوله".
[ ٢ / ١٢٦ ]
لا يعود إليه في مستأنَف الزمان، وفي مظالم العباد بهذه الأشياء، وبإرضاءِ الخصم بإيصالِ حقِّه إليه باليد والاعتذارِ منه باللسان.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾: أي: الكثيرُ القَبول للتوبة، وهذا وعدٌ مِن اللَّه (^١) أنَّ العبدَ إذا أَذنب ذنبًا وتاب، ثم وقع في الذَّنب ثم تاب، وتكرَّر ذلك منه، قَبِل اللَّهُ منه كلَّ ذلك، إذا كانت التوبةُ في كلِّ مرةٍ صحيحةً.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ مرَّ تفسيرُه في البسملة (^٢)، ومعناه هاهنا: أنَّه (^٣) اسمٌ يَرحم التائبَ فيغفر حَوبته (^٤) ويَقبل توبته.
وقيل: الكلماتُ ثلاثةُ أشياءَ: الحَياء، والبُكاء، والدُّعاء.
قال شهر بنُ حوشب: مكث آدمُ صلوات اللَّهِ عليه ثلاثَ مئةِ سنةٍ لا يَرفع رأسَه حياءً.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: بكى آدمُ وحوَّاء صلوات اللَّه عليهما مئتي (^٥) سنةٍ، ولم يَأكلا ولم يَشربا أربعين يومًا، ولم يَقرب آدمُ حوَّاءَ مئةَ سنة (^٦).
فإن قالوا: لِمَ قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، ولم يقل: عليهما، وقد سبق ذِكْر آدمَ وحوَّاء؟
قلنا: لأنَّه ذكر التلقِّيَ مِن آدم وحده، فذكر قبولَ التوبة كذلك، ولأنَّ مبنَى حالِ النساء على سترهنَّ والسكوتِ عن ذكرهن، ولأنَّ تفريغَ القلب في الدنيا للأنبياء
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وعد منه".
(٢) في (أ) و(ف): "التسمية"، وفي هامش (ف): "البسملة".
(٣) "أنه": من (أ).
(٤) في (أ): "ذنوبه".
(٥) في (ر) و(ف): "مئة"، والمثبت (أ) والمصدر.
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٨٥).
[ ٢ / ١٢٧ ]
على الخصوص، ولأنَّها كانت تبعًا لآدم، فثبت حكمُها بذكر المتبوع، ولأنَّ الاثنين إذا كان معنَى فِعْلَيهما (^١) واحدًا، فذِكْرُ أحدِهما ذكرُهما، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وقال عزَّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
ودلَّت الآيةُ أنَّ العصيانَ لا يُزيل الإيمانَ، وهو ردٌّ على الخوارج.
ودلَّت (^٢) أيضًا على بطلان قولِ المعتزلة: إنَّ الصغيرةَ مغفورةٌ لا يجوز العقاب (^٣) عليها، ولا تجب التوبة منها. وما كان مِن آدمَ كان زلَّةً وهي دون الصغيرة، وقد عُوقب (^٤) عليها وأُمر بالتوبة عنها.
ثم الحكمةُ في ابتلاءِ آدم بذلك مِن وجوهٍ ذكرها الإمام أبو منصورٍ ﵀:
أحدها: ما كان في صُلبه مِن الكفرة، وهم ليسوا مِن أهل الجنة.
والثاني: رحمة للخَلْق؛ لئلا ييأسوا ولا يزيلوا الولاية لكلِّ ذنبٍ (^٥).
والثالث: لينتبه (^٦) الخلق أنْ لا أحدَ يقوم بتعهُّد (^٧) نفسه عمَّا يذمُّ عليه إذا
_________________
(١) في (أ): "فعلهما".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "الآية".
(٣) في (أ): "العتاب".
(٤) في (أ): "عوتب".
(٥) في (ف): "لئلا ييأسوا بوقوعهم في الذنب"، وفي "التأويلات": "لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنب".
(٦) في (ف): "لتنبيه"، وفي مطبوع "التأويلات": "لتنبئة".
(٧) في (أ): "يتعهد"، وفي "التأويلات": "أن لا يقوم أحد بتعاهد".
[ ٢ / ١٢٨ ]
وُكِلَت نفسُه إليه، فيكون ذلك سببًا لزَجْر الخلق عن النظر إلى أنفسِهم، وداعيًا (^١) إلى التضرُّع إلى اللَّه تعالى ليَعصمهم عن كلِّ شرٍّ.
وقال يوسفُ صلوات اللَّه عليه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] (^٢).
* * *
(٣٨) - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾: إنَّما كرَّر الأمر بالهبوط؛ لأنَّه يتَّصل بكلِّ واحدٍ منهما معنًى آخَرُ:
فالأول معناه: اهبطوا على عداوةِ بعضكم لبعضٍ، وعلى سُكناكم في الأرض إلى حينٍ.
ثم ذكر أمْرَهم بالهبوط ثانيًا للابتلاء بالعبادة بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.
وكان يصحُّ لو قُرن المعنيان بذِكر الهبوط مرَّةً، لكن اعتَرض بينهما كلامٌ، وهو تلقِّيه الكلمات ونَيْلُه قَبولَ التوبة، فأَعاد الأوَّل ليتَّصل المعنى الثاني به، وهو الابتلاءُ بالعبادةِ، والثوابُ على الطاعة، والعقاب على المعصية.
وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: الفاء للتعقيب، و(إمَّا) كلمتان؛ (إنْ) وهي كلمةُ
_________________
(١) في (ر): "داعيًا"، وفي (ف): "ودعيًا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤).
[ ٢ / ١٢٩ ]
شرطٍ، و(ما) وهو للصِّلة، و(يَأتِ) شرطٌ، والنون للتأكيد، فعادت الياء المحذوفة بالشَّرط.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: معناه: ليأتينَّكم، قال: وهذا جائزٌ في اللغة (^١).
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: ليس هذا بشرطٍ وإن كان ظاهرُه شرطًا، أَلَا ترى أنَّه لا جوابَ له.
قال الإمام الحَجَاج نجمُ الدِّين (^٢) ﵁: ووجهُ تصحيحِ هذين الكلامَيْن -مع تقرير العربيَّة على وجهها وحقيقتها (^٣) -: أنَّه شرطٌ، والمشروط قد يكون وقد لا يكون، وإتيانُ الهدى كان ممَّا يكون لا محالةَ، لكن أسِّس هذا لبناء شرطٍ آخَرَ عليه وإيرادِ جوابٍ بعدهما.
والمشروط الثاني ممَّا يكون مِن بعضهم ولا يكون مِن بعضهم، فكان (^٤) مقتضى الشرط في ذلك لا في هذا؛ فتقرَّر الأوَّل وتعلَّق الثاني بالشرط، وتقديره: سيأتيكم منِّي كتابٌ هادٍ ورسولٌ هادٍ، ومتى يأتكم ذلك فمَن تبع هداي (^٥) فلا خوفٌ عليه ولا حزنٌ، فكان قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ جوابًا لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهو شرطٌ آخَرُ يقتضي الجوابَ، فجعل جوابه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِم﴾، ثم هذا الجزاءُ مع شرطه جوابٌ للشرط الأول.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٤١).
(٢) "الإمام الحجاج نجم الدين": سقط من (أ). والحَجَاجُ: حاجِبُ الشَّمس، يقال: بدا حَجَاجُ الشَّمس، أي: حاجِبُها، وهو قَرْنُها، وهو مَجاز. انظر: "التاج" (مادة: حجج).
(٣) في (ف): "وتحقيقها".
(٤) في (أ): "وكان".
(٥) في (أ) و(ف): "فمن تبعه".
[ ٢ / ١٣٠ ]
وقيل: الجزاءُ الأخيرُ جوابٌ للشرطين جميعًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠]، لم يَجئ له جوابٌ، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠] ولم يَجئ له جوابٌ، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [النور: ٢١] فكان هذا جوابًا لكُلِّها.
وقوله تعالى: ﴿مِنِّي هُدًى﴾: هذا مصدرٌ أُريد به النعتُ وهو الهادي، وهو نعتُ منعوتٍ مُضمَرٍ وهو الكتاب أو الرسول، وإنَّما وُحِّد لأنَّ المراد أحدُهما، أو بذِكر أحدِهما يصير الآخَرُ مذكورًا، فإنَّ الرسول يأتي بالكتاب، والكتابَ ينزل على الرسول.
و﴿هُدًى﴾ مرفوعٌ بفعله، وهو الإتيان.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ خطابٌ لذرِّيَّة بني آدمَ ﵇؛ لأنَّ إبليسَ -لعنه اللَّه- وذرِّيَّتَه لا (^١) يأتيهم كتابٌ ولا رسولٌ، ولا يكون منهم اتِّباعٌ.
وقال مقاتل بنُ حيان: ﴿هُدًى﴾ هو محمَّدٌ -ﷺ- (^٢)؛ فمَن اتَّبعه وأطاعه فلا خوفٌ عليه ولا حزنٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ (^٣): يقال: تَبِعه واتَّبعه -بالتشديد- أي: تَلاهُ، وأتبعه؛ أي: لَحِقَه، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨]، وتفسيره: فمَن عَمل بالكتاب فلم يخالفْه وأطاع الرسول فلم يُفارقْه.
_________________
(١) في (ف): "لم".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٢٠).
(٣) في (ر) و(ف): "فمن اتبع هداي".
[ ٢ / ١٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: أي: فليس عليهم خوفٌ فيما بين أيديهم من الآخرة.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: لا يَهتمُّون على ما فاتهم من الدنيا.
وقيل: أي: فلا خوفٌ عليهم مِن عقابٍ، ولا حزنٍ بفوتِ ثوابٍ.
وقيل: الخوفُ: استشعارُ غمٍّ لفَقْد مطلوبٍ، والحزنُ: استشعارُ غمٍّ لفوت محبوبٍ، قال تعالى خبرًا عن يعقوبٍ صلوات اللَّه عليه: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣].
وقيل: فلا خوفٌ عليهم مِن الضلالة في الدنيا، ولا حزنِ الشقاوة في العُقبى، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] ثم وحِّد الشرط هاهنا وجُمع الجزاء؛ لِمَا مرَّ في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧].
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: وإنَّما ذكَر الكلمتين ومعناهما واحدٌ، تقريرًا لقبائحهم، وتكريرًا لفضائحهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩].
وقيل: الكفرُ: نفيُ ما للَّه (^١) تعالى مِن الصفات الحميدة، والتكذيبُ: إثباتُ ما لا يليق باللَّه تعالى مِن الصفات الذميمة، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّة اللَّه تعالى مِن الكُتب المنزلة وغير ذلك.
_________________
(١) في (أ): "نفي اللَّه".
[ ٢ / ١٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أي: سُكَّان جهنَّم، جمعُ صَحْبٍ، وصَحْبٌ جمعُ صاحبٍ، فهو جمعُ الجمع، ونظيرُه: الأشهاد والأنصار (^١)، والصُّحبة في معنى الوُصْلة، فسمُّوا أصحابَها لاتصالهم بها وبقائهم فيها.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أي: دائمون لا يموتون فيها ولا يُخرجون منها، هذه الآية في وعيدِ مَن لم يَتْبع، والآيةُ الأولى في وعدِ مَن تَبع.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾؛ أي: تَبعه (^٢) ودامَ عليه حتى مات، وكذا في آية الوعيد.
قال: وفي الآيتين نقضُ قولِ الجهميَّة: أنَّ الجنَّة والنَّار يَفنيان ويَنقطع ما فيهما، فإنَّ اللَّه تعالى نفى الخوف والحزن عنهم، ولو كانتا تفنيان لكان لأهل الجنَّة أشدُّ الخوف والحزن.
وذكر في عذاب أهل النار أنَّه شديدٌ أليمٌ؛ ولو كان لها فناءٌ ورَجُوا فناءَها لهانَ ذلك عليهم، وكانوا أسعدَ حالًا مِن أهل الجنة؛ فإنَّ أهل الجنة يخافون زوالَ تلك النعمة (^٣) وهو أجلُّ محنة، وهؤلاء يرجون زوالَ العقوبة وهو أجلُّ نعمة (^٤).
* * *
(٤٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
_________________
(١) في (ر): "والإيصاء"، وفي (ف): "والأنضار".
(٢) في (أ): "اتبعه".
(٣) في (أ): "النعم".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٤٠ - ٤٤١).
[ ٢ / ١٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: انتظامُه بختمِ قصَّة آدم ﵇: أنَّه وعد متَّبعَ الهدى بالجنة، ومخالِفَه بالعقوبة، وحثَّهم في هذه الآية على الوفاء بعهده، وهو الإيمان به والطاعة؛ ليُوْفيَ بعهدهم وهو إدخالُ الجنة، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقد قال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] بعد قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
وانتظامُه بتمام قصَّة آدمَ: أنَّ اللَّه تعالى عدَّد علينا نِعَمَه على أبينا، وعدَّد على بني إسرائيل نِعَمه على أنبيائهم (^١).
وانتظامُه بما قبل قصَّة آدمَ: أنَّه قال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ثم أمرنا هاهنا بالوفاء بعهدِ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: يا أولادَ يعقوبَ، وأصله: بنين، وهو جمعُ ابنٍ، وسقطت النونُ للإضافة، والبنونَ اسمٌ للذكورِ والإناثِ مِن الأولاد إذا اجتمعوا (^٢)، كنعتِ الرجالِ يشمل الذكورَ والإناثَ إذا اجتمعوا.
وإسرائيل: اسمُ يعقوبَ، قال ابنُ عباسٍ ﵄: (إسرا) بالعبرانية: عبدٌ، و(إيل) هو: اللَّه، ومعناه: عبدُ اللَّه (^٣)، وفيه أقاويلُ أُخرُ لا يُعتمد عليها.
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: يجوز أن يكون أمرًا بالذُّكر -الذي هو مضمومُ الذال- وهو بالقلب خاصَّةً، وهو الحفظُ الذي يضادُّ النسيانَ، ويجوز أْن يكون أمرًا بالذِّكر -الذي هو مكسور الذال- وهو يقع على الذِّكر باللسان والذِّكر
_________________
(١) في (أ): "آبائهم".
(٢) في (أ): "جمعوا".
(٣) انظر: "النكت والعيون" (١/ ١١٠)، والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٩٣).
[ ٢ / ١٣٤ ]
بالقلب، ويكون أمرًا بشكر نِعَمه (^١) باللسان وحفظِها بالجَنان، فلا (^٢) يكفُّ عن قضاء حقِّها بالغفلة والنسيان.
والنِّعمةُ اسمُ جنسٍ، فيقع على كل النعم في مثل هذا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، واختُلف في المراد بها (^٣) هاهنا:
قيل: هي كلُّ النِّعم التي أَنعم اللَّهُ تعالى بها على كلِّ خَلْقه، وهي كلُّها تقتضي الوفاء بعهده.
وقيل: هي النِّعم التي كانت على سَلَفهم: مِن الإنجاء، وبعثِ الأنبياء، وتظليلِ الغمام، وإنزالِ المنِّ والسلوى للطعام، وتفجيرِ العيون مِن الحجر للشراب، وسائرِ ما عدَّدها في هذه الآيات، وهذا (^٤) كلُّه إنعامٌ على الأبناء؛ لأنَّهم يَشرفون بتشريف (^٥) الآباء، وهذا قولُ الحسن البصريِّ رحمة اللَّه عليه (^٦).
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هي ما استودَعهم مِن التوراة التي فيها صفةُ رسولِه، وبعثُه نبيًّا.
وقيل: النِّعمة: هي محمَّدٌ -ﷺ-، وكانوا يَستفتحون به على الذين كفروا، فكأنَّه قال: احفظوا حقَّه وآمِنوا به وأوفوا بعهدي فيه.
_________________
(١) في (ف): "النعمة".
(٢) في (أ): "ولا".
(٣) "بها": من (أ).
(٤) في (ف): "فهذا".
(٥) في (ر): "بتشرف".
(٦) انظر: "النكت والعيون" (١/ ١١١).
[ ٢ / ١٣٥ ]
وكان بعثُه نعمةً لهم؛ لأنَّه بُعث في وقت اختلافهم وتغييرِ الكتاب، وفي وقتِ فترة الرسل، وكان في طاعته نجاتُهم، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] يعني: محمَّدًا (^١) ﵊، وإنَّما ذكَره باسم الجمع لكثرة ما فيه مِن النِّعم، كما سمَّى إبراهيمَ أمَّةً لقيامه بمعاني الأمم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: قيل: هو الأمرُ بالوفاء بالميثاق الذي أَخذ اللَّهُ تعالى على ذرِّيَّة آدمَ ﵇؛ مِن الإيمان به والائتمارِ بأمره.
والعهدُ اسمٌ للإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠]؛ أي: هل قُلْتُم: لا إله إلَّا اللَّهُ.
وقيل: هو ما أُخذ عليهم مِن العهد في الكتاب (^٢) بالإيمان برسولنا محمدٍ -ﷺ-، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (^٣) [آل عمران: ١٨٧].
وقال ابنُ عباسٍ والرَّبيع: أي: أَوفوا بما أمرتُكم به، أوفِ بما وعدتكم به (^٤).
والعهد يكون بمعنى الأمر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] وقال ﷿: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فكان قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ أي (^٥): أمري.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "هي محمد" بدل: "يعني محمدًا".
(٢) في (أ): "كتابهم".
(٣) في (أ) و(ف): "ليبيننه للناس ولا يكتمونه".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٩٨) عن ابن عباس ﵄.
(٥) في (أ): "بمعنى"، وفي (ف): "يعني".
[ ٢ / ١٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: أي: بوَعْدكم، ويكون العهد بمعنى الوعد؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]؛ أي: بوعده، فقد قال تعالى (^١): ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة: ١١١] وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] أي: وَعَد، فقد قال: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧].
وقيل: أي: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في أداء الفرائض ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بقَبولها والجزاء عليها.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: كان عَهِدَ إلى بني إسرائيل على لسانِ موسى صلوات اللَّه عليه: إنِّي باعثٌ مِن بني إسماعيل نبيًّا أُمِّيًّا؛ فمَن اتَّبعه (^٢) وصدَّق بالنُّور الذي يأتي به غفرتُ له ذنبَه وأدخلتُه الجنة، وجعلتُ له أجرين اثنين، فذكَّرهم ذلك بهذه الآية (^٣).
وقيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في مجاهدةِ أنفسكم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في معونتِكم عليها.
وقيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في إخلاصِ سرائركم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في إصلاحِ ظواهركم.
وقيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في إصلاحِ دنياكم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في إصلاحِ عُقباكم.
وقيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: أَجيبوني فيما قلتُ لكم: افعلوا ولا تفعلوا ﴿أُوفِ
_________________
(١) في (أ): "فقال" بدل: "فقد قال".
(٢) في (ف): "تبعه".
(٣) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٧٤) من طريق أبي صالح عن ابن عباس. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٨٦) عن الكلبي، فيغلب على الظن أن خبر ابن عباس هو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ٢ / ١٣٧ ]
بِعَهْدِكُمْ﴾: أُجِبْكم فيما قُلتم لي: افْعَلْ ولا تفعل؛ قال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وهو قول سفيان الثوري.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: عهدُ اللَّه تعالى إلى خَلْقه على وجهين:
عهدُ خِلقةٍ: لِمَا جعل في خِلْقة كلِّ أحدٍ (^١) دلائلَ تدلُّ على معرفته وتوحيده، وأنَّه لم يَخلقه للعَبَث ولا يَتركُه سُدًى.
وعهدُ رسالةٍ على ألسنة الرسل: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢] وقولُه: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قولُه تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢] (^٢).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: النِّعمة: ما أَشهدك المُنعِمَ، أو ما ذكَّرك المُنعِمَ، أو ما أَوصلك إلى المُنعِم، أو ما لم يَحجبْك عن المُنعِم.
وقال: إنَّه سبحانه أَمَرَ بني إسرائيل بذِكر النِّعم، وأَمَرَ أمَّة محمدٍ (^٣) بذِكر المُنعِم، فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾:
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي قَبِلتم يومَ الميثاق ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الذي ضَمِنْتُ لكم يومَ التَّلاقِ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "واحد".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٤٣).
(٣) في (ف): "أحمد".
[ ٢ / ١٣٨ ]
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في أنْ لا تُؤْثِروا عليَّ غيري ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في أنْ لا أمنعَ عنكم (^١) خيري.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في استدامةِ عِرفاني ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في إدامةِ إحساني.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في القيامِ بخدمتي ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في قَبولها (^٢) منكم بمنَّتي (^٣).
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بحسن المجاهَدة ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في دوام (^٤) المشاهَدة.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بصدق المحبة ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بكمال القُربة.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ اكتَفُوا منِّي بي ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أرضَى عنكم بكم.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ دار الحَجْبة على بساط الخدمة بشدِّ نطاق الطاعة وبذل الوسع والاستطاعة ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في دار القربة على بساط الوصلة بإدامة الأُنْس والرؤية.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بقولكم أبدًا: ربِّي ربِّي ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بقولي (^٥) أبدًا: عبدي عبدي (^٦).
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بإدامة تحفظ الوفاء ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بإدامة الصفاء (^٧).
_________________
(١) في (أ): "منكم".
(٢) في (أ): "بقبولها".
(٣) في (ف): "بمشيئتي".
(٤) في (أ): "بدوام".
(٥) في (أ) و(ف): "بجوابكم".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٨٤ - ٨٥).
(٧) "أوفوا بعهدي بإدامة تحفظ الوفاء أوف بعهدكم بإدامة الصفاء": من (أ).
[ ٢ / ١٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: قال القشيريُّ ﵀: أي: أَفرِدوني بالرَّهبة، لانفرادي بالقُدرة (^١).
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: اخشَوا سلطاني وقدرتي.
قال: وقيل: أي: اخشَوا عذابي ونِقمتي.
قال: وقيل: أي اخشوا نقضَ عهدي وكتمانَ نعتِ (^٢) نبيِّي محمَّدٍ ﵇ (^٣).
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾؛ أي: أنْ أُنزل عليكم مِن العذاب كما أَنزلت على مَن قبلَكم.
وقد بيَّنَّا في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أنَّ تقديمَ (إيَّا) يقتضي الإفرادَ، معناه: اخشوني ولا تخشَوا غيري، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (^٤) [البقرة: ١٥٠].
وأصل: ﴿فَارْهَبُونِ﴾: فارهبوني بياء الإضافة، وبه قرأ بعضُ القرَّاء (^٥)، وحُذفت تخفيفًا، لموافقةِ رؤوس الآي.
* * *
(٤١) - ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٨٥).
(٢) في (ف): "بعث".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
(٤) في (أ) و(ف): " ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ".
(٥) قرأ بها يعقوب مِن العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٣٧).
[ ٢ / ١٤٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾: وهو تفسيرُ العهد الذي مرَّ؛ أي: آمِنوا أيضًا (^١) أكُلها اليهودُ بالقرآن الذي أنزلْتُه على محمَّدٍ.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ نصبٌ على القطع، ويجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: بالقرآن الذي أنزلته مصدِّقًا لِمَا معكم؛ أي: مُوافِقًا للتوراة التي معكم في التوحيد، والإخبارِ عن الأمور الماضية والمستقبَلة، وفيها ذِكْرُ نعتِه (^٢) وإنزالِ القرآنِ عليه.
وأمَّا (^٣) الاختلافُ في الشرائع والأحكام، فلا يُوجِب التناقض؛ لأنَّه نسخٌ، ويجوز نسخُ بعضِ ما في كتابٍ (^٤) ببعضِه، فكيف بكتابين! والنَّسخُ بيانُ مدَّة الحكم الأول لا بَدَاءٌ، فجاز.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: قيل: بالقرآن، وقيل: بمحمَّدٍ ﵊، وقد ثبت ذِكْرُه بذِكْر الإنزال؛ لأنَّه أُنزل عليه، فجاز صرفُ الكناية إليه.
وقيل: أي: بما معكم؛ وهو التوراة، فإنَّ فيه نعتَ محمَّدٍ ﵊.
والصَّرفُ إلى القرآن قولُ ابنِ جريج، والصَّرفُ إلى محمَّدٍ -﵊- قولُ أبي العالية (^٥)، والصَّرفُ إلى التوراة قولُ الزجَّاج (^٦).
_________________
(١) "أيضًا": من (أ).
(٢) في (أ): "بعثه".
(٣) في (أ): "فأما".
(٤) في (ف): "البعض من الكتاب" وفي هامشها ما يوافق المثبت.
(٥) رواه عنهما الطبرىِ في "تفسيره" (١/ ٦٠٢).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٢٢).
[ ٢ / ١٤١ ]
ثم لم يقل: أوَّل كافرين، على الجمع؛ لأنَّ الكافر اسمٌ مشتقٌّ مِن فِعْلٍ، فيكون بمعنى: مَن فَعَلَ (^١)، فيدلُّ على الجمع، ويجوز جمعُه على الحقيقة، قال الشاعر:
فإذا هم طَعِموا فَأَلأَمُ طاعمٍ وإذا هُمُ جاعوا فَشَرُّ جِيَاعِ (^٢)
وحَّد في الأول وجمَع في الثاني، ويقال: الجيشُ مُقبِلٌ، والجندُ مُنهَزم، ولا يجوز هذا في الاسم الذي ليس بمأخوذٍ مِن الفعل، لا (^٣) يجوز أنْ يُقال (^٤): الجيشُ رجلٌ، ولا الجندُ غلامٌ، بل يقال: الجيش رجالٌ، والجند غلمانٌ.
وقال الأخفش: فيه إضمارٌ؛ أي: أوَّل فريقٍ كافرٍ به، فوحِّد على اللفظ دون المعنى.
ثم معناه: أوَّل كافرٍ مِن أهل العصر، فقد كان قَبلهم أهلُ الكفر.
ومعنى النهي عن الكفر أوَّلًا -والكفرُ أوَّلًا وآخِرًا حرامٌ-: أنَّ فيه زيادةَ قبحٍ ووبالٍ؛ أي: لا تكونوا أوَّل مَن يَكفر به فتقتديَ بكم غيرُكم، فيكون لكم وزرُكم ووزرُ مَنِ اقتدى بكم، قال النبيُّ ﵊: "مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة، ومَن سنَّ سُنَّةً سيئةً فعليه وزرُها ووزرُ
_________________
(١) بعدها في (أ): "كذا".
(٢) البيت في "نوادر اللغة" لأبي زيد (ص: ١٥٢)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٣)، و"تفسير الطبري" (١/ ٦٠١).
(٣) في (ر): "فلا".
(٤) "أن يقال": زيادة من (أ).
[ ٢ / ١٤٢ ]
مَن عَمِل (^١) بها إلى يوم القيامة" (^٢)، وذلك (^٣) أنَّه ﵊ قَدِمَ المدينةَ، فكذَّبه يهودُ المدينة، ثم بنو قريظة وبنو النضير، ثم خيبر ثم فَدَك، ثم تتابعت (^٤) على ذلك سائرُ اليهود.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: قد فسَّرنا الاشتراءَ في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] ومعناه هاهنا:
لا تَأخذوا على تعليم الكتاب أجرًا، وهذا قول أبي العالية، وكان مكتوبًا عندهم في الكتاب الأول: يا ابنَ آدمَ علِّم مجانًا كما عُلِّمت مجانًا.
وقال الحسن: أي: لا تأخذوا على تغييرِ كتابكم وتبديلِه ثمنًا.
وقال السدِّي: أي: لا تأخذوا طَمعًا على كتمانِ ما فيه مِن ذِكر محمَّدٍ وتصديقِ القرآن (^٥).
وقصَّة نزولها: أنَّ كعبَ بنَ الأشرف قال لأحبارِ اليهود: ما تقولون في محمَّدٍ؛ فقالوا: إنَّه نبيٌّ، فقال لهم: كان لكم عندي صلةٌ وعطيَّة لو قلتُم غيرَ هذا، قالوا: أَجبناكَ مِن غير تفكُّرٍ فأَمْهِلنا حتى نتفكَّرَ وننظرَ في التوراة، فخرجوا وبدَّلوا نعتَ المصطفى بنعتِ الدَّجَّال لعنه اللَّه، ثم رجعوا وقالوا ذلك، فأعطى
_________________
(١) في (ف): "يعمل".
(٢) رواه بنحوه مسلم (١٠١٧)، والإمام أحمد في "المسند" (١٩٢٠٢)، من حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁.
(٣) في (ف): "ودل على"، وفي (ر): "فدل على"، بدل: "وذلك".
(٤) في (ف): "تبايعت"، وفي هامشها كالمثبت.
(٥) انظر هذه الأقوال في "النكت والعيون" (١/ ١١٢)، وقول أبي العالية والسدي رواهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٠٤).
[ ٢ / ١٤٣ ]
كلَّ واحدٍ منهم صاعًا مِن شعيرٍ وأربعَ أذرعٍ مِن كرباسٍ، فهو القليلُ الذي ذكره اللَّهُ تعالى في هذه الآية.
وقيل: إنَّما سمَّاه ﴿قَلِيلًا﴾ لأنَّ الدنيا كلَّها قليلةٌ في نفسها، لاسيَّما إذا قُوبلت بالآخرة وبما يُترك بها.
ثم إنَّ ما أخذوه لم يكن ثمنًا حقيقةً، لكن أَخذوه عِوضًا عمَّا تَركوه، فكان في صورة ثمن المبيع، وقد قال الشاعر:
إنْ كنتَ حاولتَ دنيا أو ظفرتَ بها فما أَصَبْتَ بترك الحجِّ مِن ثمنِ (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾: أي: اخشوني، كما قال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، وإنَّما أَعاده، لأنَّ الأوَّل معناه: اخشوني في نقضِ العهد، وهذا معناه: اخشوني في كتمانِ نعتِ محمَّدٍ وما ذكر في هذه الآية، وإنَّما يَسهل الائتمارُ بالأمر والانتهاءُ بالنهي لمن خشي اللَّه ﷿، فأَمرهم هناك بخشيته ليَسهل (^٢) عليهم الائتمارُ بما أَمر (^٣) به في تلك الآية، وأَعاد الأمر بها هاهنا ليسهل عليهم الانتهاء عمَّا نهى عنه في هذه الآية.
* * *
(٤٢) - ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: اللَّبس بفتح اللام: الخلطُ، مِن باب: (ضرب)، واللِّبس -بكسرها-: الاكتساءُ، مِن باب (علم).
_________________
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في "ديوانه" (ص: ٢٨٤).
(٢) في (ر): "بخشيةٍ تسهل".
(٣) في (ر) و(ف): "أمروا".
[ ٢ / ١٤٤ ]
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: معناه: لا تخلطوا الصدقَ بالكذب (^١)؛ أي: نعتَ محمَّدٍ (^٢) ﵊ بنعت الدجال.
وقال مجاهد: أي: اليهوديَّة والنصرانيَّة بالإسلام (^٣).
وقيل: أي: التوراة المنزلةَ بما كتبتُم بأيديكم.
وقيل: أي: الأمانةَ بالخيانة؛ لأنَّهم اؤتُمنوا على ما في التوراة أنْ يُبدوه ولا يَكتموه، فخانوا فيه (^٤) مِن وجهين: بكتمانه وتبديله.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾: عطفٌ على النهي الأول؛ أي: فلا (^٥) تكتموا الحقَّ، وهو أمرُ محمَّدٍ ﵊، وقيل: القرآن، وقيل: الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنَّه حقٌّ ولكنْ (^٦) تكابرون، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ نهيٌ عن التغيير، وقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ هو نهيٌ عن الكتمان، فكلاهما (^٧) منهيَّان، وإضمارُ (لا) هاهنا كإضمارِه في قوله: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]؛ أي: ولا تخونوا (^٨).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٠٦).
(٢) في (أ): "النبي".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٠٧).
(٤) "فيه": من (أ).
(٥) في (أ): "ولا".
(٦) في (ر): "ولكنكم".
(٧) في (أ): "فكلاهما".
(٨) "أي ولا تخونوا": من (أ).
[ ٢ / ١٤٥ ]
وقيل: هذا خطابٌّ للمشركين (^١)، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيكَ اللَّهمَّ لبيكَ، لا شريكَ لك إلَّا شريكٌ هو لك تَملكه وما مَلَك.
وقيل: هو خطابٌ للمنافقين (^٢)، ومعناه: لا تخلطوا الإخلاصَ بالنفاق.
ويجوز صرفه إلى المسلمين وإلى كلِّ صنفٍ منهم، وبيانه: أيُّها السلاطين لا تَخلطوا العدلَ بالجَور، وأيُّها القضاة لا تَخلطوا الحُكم بالرِّشوة، وكذا كلُّ فريقٍ.
وقال الإمام القشيريُّ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: لا تُؤْثِروا على عظيم حقِّي خسيسَ حظِّكم ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾؛ فكثير (^٣) مَن يتَّقي عقوبتَه، وعزيزٌ مَن يهاب رؤيتَه ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾؛ أي: لا تتوهَّموا أنْ يَلتئِمَ لكم جمعُ الضِّدَّين، والكونُ في حالةٍ واحدةٍ في محلَّين، فإمَّا مبسوطٌ (^٤) بحقٍّ، وإمَّا مربوطٌ بحظٍّ، ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ تدليسٌ (^٥)، ﴿وَ﴾ لا ﴿تَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ تلبيسٌ، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ أنَّ حقَّ الحقِّ تقديسٌ (^٦).
* * *
(٤٣) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: اقبلُوها وأدُّوها ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: كذلك.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "المشركين".
(٢) في (ف): "المنافقين".
(٣) في (أ): "فكبر"، وفي "اللطائف": (كثير).
(٤) في (أ) و(ف): "منوط"، والمثبت من (ر)، ومثله في مطبوع "اللطائف".
(٥) في "لطائف الإشارات": (تدنيس).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٨٥).
[ ٢ / ١٤٦ ]
وقيل: أي: أقيموا الحمدَ والثناءَ للَّه بألسنتكم، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: طهِّروا له أنفسَكم عن الكفر والمعاصي، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]؛ أي: إلى أنْ تتطهَّر (^١)، وقال تعالى: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ وقرئ: ﴿زَكِيَّةً﴾ (^٢)؛ أي: طاهرةً، وزكاةُ المال سُمِّيت بها لمعنيين: للطهارة كما ذكرنا، وللنَّماء، يقال: زكا الزرعُ: إذا نما، وسُمِّيت بها لنماءِ المال بها بالزيادة، ولطهارةِ مؤدِّيها بالمغفرة.
وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: الرُّكوع في اللغة: هو التَّطامُن والانحناء، قال لبيد بنُ ربيعة العامريُّ:
أُخبِّرُ أخبارَ القرونِ التي مَضَتْ أَدِبُّ كأنِّي كلَّما قمتُ أَركعُ (^٣)
وفي الشرع: هو ركنٌ مخصوصٌ في الصلاة بين القيام والسجود.
ومعنى الآية: اركعوا في الصلاة ركوعَ أهل الإسلام، ولم يكن لصلاة اليهود ركوعٌ؛ أي: أسلموا واعملوا عملَ أهل الإسلام، ولذلك قال: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: مع المسلمين الذين يركعون في صلاتهم.
وقيل: الركوع هاهنا اسمٌ لكلِّ الصلاة، وقد مرَّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] أنَّ الصلاةَ لها أسامٍ منها الركوعُ، ومعناه: صلُّوا مع المصلِّين، وله معنيان:
_________________
(١) في (ف): "تطهر"، وقوله: "إلى أن" من (أ).
(٢) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف، وقرأ الباقون بغير ألف. انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٥)، و"التيسير" (ص: ١٤٤).
(٣) انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" (ص: ١٧١). وجاء في هامش (ف): "أي: كلما أردت القيام أدبُّ كأني راكع؛ أي: كبرت وضعفت وانحنيت".
[ ٢ / ١٤٧ ]
أحدهما: صلُّوا مع أمَّة محمدٍ -ﷺ- صلاتَهم؛ أي: اشْرَعوا في دينهم وأعمالهم، وصلُّوا صلاتَهم المشتمِلةَ على كلِّ أركانها، واستقبِلوا بها القبلة (^١) كاستقبالهم، و﴿الرَّاكِعِينَ﴾ (^٢): اسمُ أمَّة محمدٍ ﵇، ولهم (^٣) أسامٍ كثيرةٌ في القرآن.
والثاني: صلُّوا مع المصلِّين، وهو أمرٌ بإقامة الجماعة فيها دون الانفراد بها.
ثم هذا ليس بتكرارٍ لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ لأنَّ ذلك أمرٌ بقَبولها وأداءِ أصلِها، وهذا أمرٌ بإتمامها (^٤) بالركوع فيها، وإقامتِها بالجماعة مع أهلها.
* * *
(٤٤) - ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾: البِرُّ في اللغة لأشياءَ: للصِّدق، ولحفظ اليمين، ولمراعاة حقِّ الوالدين، وللطاعة، وللُّطف، والصرفُ (^٥) مِن حدِّ عَلِمِ، والنَّعت: البَرُّ -بالفتح- والبارُّ، ومعناه هاهنا عند السديِّ: أتأمرون الناسَ بطاعة اللَّهِ وأنتم تَعْصونه؟!.
وقال ابن عباسٍ ﵄: أتأمرون الناسَ بالتمسُّك بكتابكم، وتتركونه أنتم بجحد ما فيه مِن نبوَّة محمَّدٍ ﵊.
_________________
(١) في (ف): "الكعبة".
(٢) في (أ): "والراكعون".
(٣) في (أ): "فلهم".
(٤) "بإتمامها": من (أ).
(٥) في (أ): "والصدق"، وفي (ف): "وللصدق".
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقيل: أتأمرون الناسَ بالصَّدقة وأنتم تَضِنُّون (^١).
وقيل: أتأمرون الناس بالصِّدق وأنتم تكذبون.
وقيل -وهو الأظهرُ والأشهر-: أتأمرون الناسَ بتصديق محمَّدٍ -ﷺ- واتِّباعه وأنتم تخالفونه.
ونزولُ الآية في علماء اليهود؛ فإنَّ الرجل منهم كان يقول لصهره وقريبه ورضيعه (^٢) مِن المسلمين في السِّرِّ: الْزَموا دينَ هذا الرجل؛ فإنَّ ما يقوله حقٌّ، وكانوا لا يفعلون ما يَأمرون به كيلا تفوتَهم الرِّشوةُ والرئاسة، فنزلت الآية (^٣).
وقيل: كانوا يقولون لفقرايهم الذين لا مطمعَ لهم فيهم بالسِّرِّ: آمِنوا بمحمَّدٍ -﵊- فإنَّه حقٌّ، وكانوا يقولون للأغنياء: نرى فيه بعضَ علاماتِ نبيِّ آخِرِ الزمان دون بعضٍ، فانتظِروا استيفاءَها (^٤)؛ لما ينالون منهم.
وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ هذا استفهامٌ بمعنى التوبيخ والتهديد.
وقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾: النِّسيان في اللغة نقيضُ الذُّكْر، والنِّسيانُ: التركُ أيضًا، والنِّسيانُ: التأخير أيضًا، والنِّسْيُ: ما سقط في منازل المرتحلين مِن رُذالِ أمتعتِهم، فيقولون: تتبَّعوا أنساءكم، هو جمع ذلك (^٥)، قال الشاعر:
_________________
(١) الكلام بتمامه من "النكت والعيون" (١/ ١١٤).
(٢) في (أ): "ولقرينه ولرضيعه" وفي (ف): "ولقريبه ولرضيعه".
(٣) رواه الثعلبي والواحدي كما في "الدر المنثور" (١/ ٣٤٢) عن ابن عباس ﵄. وهو في "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٤) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، والكلبي متروك.
(٤) في (أ): "استيفاء"، وفي (ف): "الاستيفاء".
(٥) في (أ): "هو جمع نسي".
[ ٢ / ١٤٩ ]
كأنَّ لها في الأرض نسيًا تَقُصُّهُ (^١)
ومِن الأوَّل قولُه تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ومِن الثاني قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: تركوا ما (^٢) أمر اللَّهُ فتركهم مخذولين، ومِن الثالث قولُ الرجل لآخَرَ: نسيتُ أمري؛ أي: أخرته عن سائر الأمور.
ومعنى الآية هاهنا: ولا تفعلون (^٣) أنتم كأنَّكم نسيتُم أنفسَكم، أو: تتركون أنفسكم، فلا تُنْجُونها عن العقوبة بالإيمان به ومتابعته، أو: تؤخِّرون أمورَ أنفسكم، فلا تتَّبعونه للحال كيلا (^٤) ينقطع مرافقُ أغنيائكم عنكم، ومِن (^٥) عزمكم أنْ تتَّبعوه يومًا، وشؤمُ إصراركم وتأخيركم باختياركم (^٦) يبقيكم على الكفر إلى آخِرِ العمر.
وكذا حالُ مَن تمادى في العصيان والفساد (^٧)، وهو يقول: أتوبُ عند الكِبَر والشَّيبِ، وربَّما يفجؤه الموت، فيبقى في حسرة الفَوْت.
_________________
(١) صدر بيت للشنفرى، وهو في "المفضليات" (ص: ١٠٩)، وعجزه: على أَمِّها وإن تكلِّمْك تَبْلَتِ يقول: كأنها من شدة حيائها إذا مشت تطلب شيئًا ضاع لا ترفع رأسها، والنسي: الشيء المنسيُّ، و(تَبْلت)؛ أي: تقطِّع كلامها ولا تطيله من فرط حيائها أو من نعمتها، وأَمُّها: قصدُها الذي تريده، وموضع (على أَمِّها) نصب على الحال؛ أي: تقصُّه آمَّةً.
(٢) "ما": ليست في (أ).
(٣) في (ر): "ولا تغفلون"، وفي (ف): "ولا تغفلوا".
(٤) في (ف): "في الحال لئلا"، وفي (ر): "للحال لئلا".
(٥) في (أ): "وعن".
(٦) "باختياركم": زيادة من (أ).
(٧) في (أ): "والغيث"، ولعلها محرفة عن (العيب).
[ ٢ / ١٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ، وتَعرفون أنَّ المصطفى حقٌّ، وأنَّ كتابَه صدقٌ، ثم تخالفون علمَكم.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أي: ليس لكم عقلٌ تَعرفون به أنَّه قبيحٌ منكم تركُ إصلاحِ أنفسكم والاشتغالُ بغيركم، وقبيحٌ أيضًا مخالفةُ ما تعلمون.
وقيل: أي: تتلونَ في كتابكم أنَّ المحمودَ مَن عَمِل بما عَلِم، ثم أَمَر غيرَه به، لا مَن أمر غيرَه به (^١) وتركَ نفسه، وفي كتابنا ذلك أيضًا قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤] ثم سمَّاهم فقال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤].
وقال إبراهيم النَّخَعيُّ ﵀: مَنَعني عن الجلوس للعامَّة ثلاثُ آياتٍ قالوا (^٢): هي دامغةُ الواعظين: قولُ اللَّهِ تعالى خبرًا عن شعيبٍ النبيِّ صلوات اللَّه عليه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
وقيل: في معناها آيةٌ أخرى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨].
ثم هذا التوبيخُ ليس على (^٣) أَمْرِ الناسِ بالبِرِّ، بل لتركِ العملِ به، ولا يستقيمُ قولُ مَن يقول: لا يجوز الأمرُ بالمعروف لمن لا يَعمل به لهذه الآية، بل يجب العمل
_________________
(١) "به" سقط من (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "وقالوا".
(٣) بعدها في (أ): "من".
[ ٢ / ١٥١ ]
به ويجب الأمر به، وقد قال النبيُّ ﵊: "مُرُوا بالمعروف وإنْ لم تَعملوا به كلِّه (^١)، وانْهوا عن المُنكر وإنْ لم تَنتهوا عنه كلِّه" (^٢)، وهذا لأنَّه إذا أَمر به مع أنَّه لا يَعمل به فقد ترك واجبًا، وإذا لم يأمر به فقد ترك واجبين.
* * *
(٤٥) - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾: أي: بالصبرِ على الطاعات، وتركِ السيئات، وتحمُّل الأذى والمصيبات، وجهادِ الأعداء بالمحارَبات، وبالصلوات على تكفيرِ السيئات وقضاء الحاجات.
فإنَّ الصبرَ حبسُ النَّفس، وهو يكون على أداءِ الطاعات مع مشقَّتها، وعلى تركِ المعاصي مع شهوتها.
والباءُ للأداةِ والآلةِ، وما يُستعان به عليه مُضمَر، وهو تكفيرُ السيئات؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى أنْ قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الأحزاب: ٣٥]، والصلاةُ كذلك؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ويُستعان بهما على قضاء الحاجات أيضًا؛ وهو المضْمَرُ عند بعضِهم،
_________________
(١) "به كله": سقط من (أ)، و"كله" سقط من (ف).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (١٩)، وابن وضاح في "البدع" (٢٩٢)، والبيهقي في "الشعب" (٧٥٧٠)، من حديث أبي هريرة ﵁. وأعله البيهقي بطلحة بن عمرو، وهو ضعيف كما قال. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٦٦٢٨) و"الصغير" (٩٨١) من حديث أنس ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧٧): رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط" من طريق عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب عن أبيه وهما ضعيفان. وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٥٩٢): عبد القدوس بن حبيب أجمعوا على تركه.
[ ٢ / ١٥٢ ]
فإنَّ الصبرَ مفتاحُ الفَرَج، والصلاةُ يُنال بها الحاجةُ أيضًا، قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩].
وقيل: الصبر هو الصوم، وسُمِّي شهرُ رمضانَ شهرَ الصبر لأنَّه شهرُ الصوم، وبالصوم والصلاة (^١) يُستعان (^٢) على الكفَّارات والحاجات أيضًا؛ أمَّا الصلاةُ فقد بيَّنَّا فيها ذلك، وأمَّا الصوم فلأنَّ شهرَ الصوم هو شهرُ المغفرة وشهرُ إجابة الدَّعوة.
وقيل: استعينوا بالصوم والصلاة على سائر الطاعات؛ فإنَّ الصومَ بابُ العبادات كما روي، والصلاةَ جامعةُ العبادات كما حُكي.
وقيل: معناه: استعينوا بهما على طلب الآخرة.
وقال محمد بنُ عليٍّ الترمذيُّ ﵀: واستعينوا بالصَّبر -وهو الصوم- على رياضة النفوس، وبالصلاة على تنوير (^٣) القلوب؛ فإنَّه إذا صام وجاعَت نفسُه عن الطعام، شبعت عن الذنوب، وإذا صلَّى ففيها مناجاةُ اللَّه وقرَّةُ العيون (^٤).
وقيل: معناه: استعينوا بالصَّبر في الحروب على معونة النبيِّ -ﷺ- ومتابعته، وبالصلاة على حُسن العمل للَّه وخدمته.
وقيل: معناه: واستعينوا باللَّه على الصوم والصلاة، فالمستعانُ هو اللَّهُ تعالى
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وبالصبر بالصلاة".
(٢) بعدها في (أ): "بهما".
(٣) في (ر): "تنوُّر".
(٤) من قوله: "وقيل معناه: استعينوا" إلى هنا، جاء في (أ) بعد قوله: "حسن العمل للَّه وخدمته".
[ ٢ / ١٥٣ ]
وإن لم يُذكَر في هذه الآية، والباءُ في الصبر والصلاة بمعنى (على)؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ أي: عليهم.
وقيل: معناه: استعينوا باللَّه على الصبر على زوال الرئاسة والمَأْكلة، وعلى الصلاة إلى الكعبة؛ فإنَّهما كانا يشقَّان على أهل الكتاب.
ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾: أي: ثقيلةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] وأصله: العَظَمة، والشيءُ قد يَعظُم في نفسِه قَدْرًا، وقد يكون عملًا فيَعظُم على مُباشِرِه (^١) فعلًا.
والهاء في ﴿وَإِنَّهَا﴾ راجعةٌ إلى الاستعانة التي تُثبت مقتضى قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾، والاستعانة بهما -أي: بتحصيلهما- على الأشياء التي ذكرنا إضمارَها أنَّها كانت تشقُّ عليهم.
وقيل: إنَّها راجعةٌ إلى الصلاة، وإذا ذُكر شيئان وذُكرت كنايةٌ بعدهما، فالأصلُ صرفُ الكناية على التثنية إليهما، ويجوز الصرفُ إلى أحدهما اختصارًا، والأَولى الصرُف إلى آخرهما (^٢)؛ لأنَّه أقربُ إلى ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤].
فأمَّا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] فإنَّما صُرفت الكنايةُ إلى الأول وهي التجارة؛ لأنَّ اللهوَ تبعٌ للتجارة، فكان صرفُ الكناية إلى المتبوع أَولى، على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما جائزٌ، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما
_________________
(١) في (ف): "مباشرته".
(٢) في (ر) و(ف): "أحدهما"، والمثبت من (أ) وهو الصواب.
[ ٢ / ١٥٤ ]
سبق ذِكْره، وكذلك (^١) قُرئ في قوله تعالى: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: ١٥٤] بالياء والتاء جميعًا (^٢).
وكذا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] بالتاء والياء (^٣)؛ لسَبْق (^٤) ذكرِ المذكَّر والمؤنَّث جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: أي: على أمَّةِ محمَّدٍ ﵊، فهذا مِن أسمائهم كالراكعين على ما قلنا، والخشوعُ في اللغة: التَّذلُّل عن خشية اللَّه تعالى، وخشع؛ أي: تَطامَنَ، وخشعَ ببصره: إذا غضَّه.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هم الذين خشعت أنفسُهم بالتَّذلُّل بالإيمان للَّه تعالى بما أنزل (^٥).
وقال الضحَّاك والربيع: ﴿الْخَاشِعِينَ﴾: الخائفين (^٦)، يقول: إنَّ تركَ الرئاسة والصلاةَ مع المسلمين إلى الكعبة -مع عادتهم (^٧) الصلاة إلى بيتِ المقدس- شاقَّةٌ إلَّا على الخاشعين (^٨) للَّه تعالى بالإسلام والاستسلام.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ولذلك".
(٢) قرأ بالياء حمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة بالتاء. انظر: "السبعة" (ص: ٢١٧)، و"التيسير" (ص: ٩١).
(٣) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. انظر: "السبعة" (ص: ٥٩٢)، و"التيسير" (ص: ١٩٨).
(٤) في (ر) و(ف): "لنسق".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٢٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٠٣)، بلفظ: (المصدِّقين بما أنزل اللَّه).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٢٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٠٣)، من طريق الربيع عن أبي العالية.
(٧) في (ر) و(ف): "عبادتهم".
(٨) في (أ): "إلا على مَن خشع".
[ ٢ / ١٥٥ ]
(٤٦) - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾: أي: يُوقنون، قاله مجاهد وابنُ جريجٍ والشعبيُّ والربيع (^١).
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: يَعلمون، وإنَّما جازت تسميةُ العلم ظنًّا؛ لأنَّ في الظَّنِّ طرفًا مِن العلم واليقين، ولولاه لكان جهلًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: أي: مُعايِنُوه، وهو كنايةٌ عن شهودِ مشهد العَرْض والسؤالِ يوم القيامة، وهو الوجهُ فيما يُروى في (^٢) الأخبار: "لقيَ اللَّهَ وهو عليه غضبانُ" (^٣) وما يجري مجراه.
وقيل: أي: يَعلمون أنَّهم يموتون، قال النبيُّ -ﷺ-: "مَن أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءَه، ومَن كرهَ لقاءَ اللَّهِ كرهَ اللَّهُ لقاءَه" (^٤)، وأراد به الموتَ.
ولقاءُ اللَّه -وهو رؤيتُه- ثابتٌ (^٥) عند أهلِ السُّنَّة والجماعة، لكنْ في مثلِ هذا الموضع يُستعار لإشهاد مشهد الجزاء، كما يقال: قدِم فلانٌ إلى السلطان، فأمر
_________________
(١) رواه عنهم -عدا الشعبي- الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٢٤ - ٦٢٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٠٣ - ١٠٤).
(٢) في (ر): "من".
(٣) قطعة من حديث رواه البخاري (٢٣٥٦)، ومسلم (١٣٨)، عن ابن مسعود ﵁.
(٤) رواه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٤)، من حديث عائشة ﵂.
(٥) في (أ): "ثابتة".
[ ٢ / ١٥٦ ]
بعقوبته (^١) أو بكرامته، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] لا يمكنُ حملُه على الرؤية التي هي كرامةٌ، بل هو على إشهادِ مشهد الجزاء، فكذا ما هو مثلُه (^٢).
قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: أي: ويعلمون أنَّهم راجعون يوم القيامة إلى اللَّه تعالى؛ أي: إلى جزائه إيَّاهم على أعمالهم.
وقيل: أراد به الرجوعَ إلى اللَّه تعالى في كلِّ الأمور، ومعناه: أنَّها تشقُّ إلَّا على العالِمين أنَّهم يموتون ويرجعون إلى جزائه (^٣)، ويوقنون أنَّ مرجعَ الخَلْق كلِّهم إليه، لا استغناء عنه ولا محيصَ (^٤) عن أخذه.
ثم وصفُ الصلاةِ بالثقل (^٥) على اليهود ذمٌّ لهم؛ لأنَّها كراهةُ اعتقادٍ، وهو كقوله تعالى في صفة المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] فأمَّا ما ذكر في صفة المؤمنين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقولُه تعالى في أهل بدرٍ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] فذاك ليس بذمٍّ؛ لأنَّه (^٦) كراهةُ طبعٍ، ويُمدَح المؤمن بتحمُّله ذلك مع كراهة طبعه اتِّباعًا لشرعه، ويعطَى زيادة ثوابٍ على تحمُّل (^٧) ما يَشُقُّ على نفسه.
_________________
(١) زاد بعدها في (ر) و(ف): "أو بمتابعته".
(٢) في (ر) و(ف): "في مثله".
(٣) "إلى جزاءه" من (أ).
(٤) في (أ): "مخلص".
(٥) في (ر): "بالثقيلة".
(٦) في (أ): "لأنها".
(٧) في (ف) و(أ): "ويثاب زيادة ثواب على احتماله".
[ ٢ / ١٥٧ ]
(٤٧) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: قد سبق ذكرُه مرَّةً، والتكريرُ للتأكيد والتقرير، ولأنَّ الأوَّل في إنعامه عليهم، وهذا الثاني في إنعامِه على آبائهم، فقد عدَّد بعده ما كان على الأسلاف مِن التفضيل على عالَمِي زمانهم، وسائر ما ذكره فيما بعده مِن الآيات، وذكرُ النِّعم على الآباء إلزامُ الشكر على الأبناء فإنَّهم يَشْرُفون بشَرَفهم، ولذلك خاطبهم فقال تعالى: ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ ولم يقل: فضَّلت آباءَكم؛ لأنَّ في فضلِ آبائهم فضلَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: الفَضْلُ: الزيادةُ، والتفضيلُ (^١): إثباتُها، والإفضالُ: الإنعام، والتَّفضُّل كذلك، والفاضلُ: مَن له الفضلُ.
ومعناه: واذكروا أيضًا أنِّي جعلتُ لكم فضلًا على أهلِ زمانكم بإعطاء الرئاسة والمالِ، قاله أبو العالية (^٢).
وقال مجاهدٌ وقتادةُ: فضَّلتكم على مَن بَيْنَ ظَهرانَيْكم؛ فإنَّهم كانوا أولاد الأنبياء، وغيرُ بني إسرائيل لم يكونوا كذلك (^٣).
ثم لم يكن لهم بهذا (^٤) فضلٌ على أمَّة محمَّدٍ ﵊، فإنَّ اللَّهَ تعالى قال لهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فكان هذا على الخصوص دون العموم، كما في قوله تعالى في حقِّ مريم: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والنقصان".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٢٩).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٢٩ - ٦٣٠).
(٤) في (ر) و(ف): "لهذا".
[ ٢ / ١٥٨ ]
[آل عمران: ٤٢]؛ أي: نساءِ زمانِكِ، فإنَّ خديجةَ وعائشةَ وفاطمةَ ﵅ أفضلُ منها.
وقيل: هو على العموم، وهو في حقِّ تظليل الغمام عليهم، وإنزالِ المنِّ والسَّلوى، وتفجيرِ الماء مِن الحَجَر؛ فإنَّهم خُصُّوا به، وكذا في حقِّ مريمَ ﵂ إنْ أُريدَ به فضْلُها بالولد بغير أبٍ فهو على العموم.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أَشهَدَ اللَّهُ بني إسرائيل فضلَ أنفسِهم فقال: ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] وأشهَدَ أمَّة محمَّدٍ (^١) -ﷺ- فضلَ نفسِه فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس: ٥٨]، وشتَّان بين مَن مشهودُه فضلُ نفسِه، وبين مَن مشهودُه فضلُ ربِّه، وشهودُه فضلَ نفسِه قد يُورث الإعجاب، وشهودُه فضلَ ربِّه يوجِبُ الإيجاب (^٢).
* * *
(٤٨) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: ولمَّا ذكر أنَّه فضَّلهم بأنْ جعلهم أولادَ الأنبياء، قالوا: إنَّ آباءَنا يخلِّصوننا (^٣) يوم القيامة، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
قيل: أي: لا تُغني، وقيل: أي: لا تَكفي، وقيل: أي: لا تَنوب.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وأشهد محمدًا"، والمثبت من (أ)، ومثله في "اللطائف" ولفظه: وأشهد المسلمين من أمة محمد.
(٢) "لطائف الإشارات" (١/ ٨٨).
(٣) في (ف): "مخلصونا".
[ ٢ / ١٥٩ ]
وقيل: أي: لا تقضي، وهذا هو الموافقُ لأصل اللغة، يقال: جزى الدَّينَ؛ أي: قضاهُ، وتجازاه؛ أي: تقاضاه، وجزاه بعمله؛ أي: قضاهُ في حقِّه، وقال (^١) ﵊: "تَجْزي عنك ولا تجزي أحدًا بعدك" (^٢)؛ أي: تقضي عن أُضحيتك وعن كفَّارتك، وجزَى عن فلانٍ؛ أي: قضَى عنه؛ أي: قام مقامَه ونابَ عنه وكفاهُ أمرَه.
وقوله تعالى: ﴿نَفْسٌ﴾؛ أي: نفسٌ مؤمنةٌ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ أي: عن نفسٍ كافرةٍ، وهو كقوله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ الآية [لقمان: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] وكيف تنفعُ وقد قال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ﴾ الآية [عبس: ٣٤ - ٣٥].
ثم (^٣) هذا في حقِّ الكافر، فأمَّا (^٤) المؤمنُ فقد استثناه فقال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] أي: خالٍ عن الشرك، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧].
ثم قيل: فيه مُضمَرٌ، ومعناه: واتَّقوا يومًا لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، وإنَّما حُذف لأنَّه ظرفٌ، ويجوزُ حذفٌ (^٥) في موضع الظرف، تقول: أَتيتُك اليوم، وأَتيتُك في اليوم، قال الشاعر:
_________________
(١) في (أ): "وقوله".
(٢) رواه بهذا اللفظ أبو يعلى في "مسنده" (٨٩٧)، من حديث أبي جحيفة ﵁، وهو بنحوه عند البخاري (٩٥٥)، ومسلم (١٩٦١)، من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٣) في (أ): "ثم قال".
(٤) في (أ): "وأما".
(٥) في (ف): "حذفه".
[ ٢ / ١٦٠ ]
ويومًا (^١) شهدناهُ سُلَيمًا وعامرًا قليلًا سوى الطَّعنِ النِّهال نوافلُه (^٢)
أي: شهدنا فيه، وفيه إضمارٌ آخَرُ عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ أي: عذابَ يومٍ؛ لأنَّ نفسَ اليوم لا يتَّقى، ويجوز أن يقال: إنَّ اليومَ مخوفٌ أيضًا؛ لأنَّ المخاوف فيه.
ثم إنَّ اللَّه (^٣) ﵎ قال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١] وهو (^٤) للعامَّة، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ وهو للخاصَّة، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ﴾ وهو لخاصِّ الخاصِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: يُقرأ بالياء والتاء (^٥)، فمَن أنَّث فلأنَّ الشفاعةَ مؤنَّثةٌ لفظًا، وأمَّا التذكير (^٦) فلأنَّ تأنيثَ ما ليس بذي روحٍ غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّ الفعلَ مقدَّمٌ على الاسم، ولأنَّ بينهما حائلًا.
وفي القرآن: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وفي آيةٍ أخرى (^٧): ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿لَقَدْ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يوم".
(٢) البيت لرجل من بني عامر، وهو بمثل رواية المصنف في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج (١/ ١٢٨)، وهو أيضًا في "الكتاب" لسيبويه (١/ ١٧٨)، و"أمالي ابن الشجري" (١/ ٧)، وورد عندهما: ويوم. . . . . قليل.
(٣) في (ر): "ثم إنه".
(٤) في (أ): "وهذا"، وكذا في الموضعين الآتيين.
(٥) قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو، وقرأ باقي السبعة بالتاء. انظر: "السبعة" (ص: ١٥٤)، و"التيسير" (ص: ٧٣).
(٦) في (أ): "ومن ذكر".
(٧) "وفي آيةٍ أخرى": من (ر).
[ ٢ / ١٦١ ]
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٧].
والحاصل: أنَّ ما كان تأنيثه ليس بحقيقيٍّ فتأنيثُه وتذكيره جائزٌ إنْ تقدَّم أو تأخَّر، وكان بينهما حائلٌ أو لم يكن، وفي الحقيقيِّ يجوز تأنيثُها بكلِّ حالٍ، وتذكيرُها إذا تقدَّم الفعلُ وبينهما حائلٌ، ولا يَحْسُنُ بغير حائلٍ.
وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ الهاء راجعةٌ إلى النفس التي ذُكِرت أولًا، وهي النفسُ المؤمنةُ التي لا تُقبل شفاعتُها في الكافر (^١)، والشفاعةُ مصدرُ الشافعِ والشفيعِ، وهو طالبُ قضاءِ حاجةِ غيرِه، مأخوذٌ مِن الشَّفع؛ لأنَّه يشفعُ (^٢) نفسَه بمن يَشفع له في طلب مراده.
والشُّفعةُ منها، وهي ضمُّ مِلكِ غيرِه إلى مِلكِ نفسِه.
ولا شفاعةَ في حقِّ الكافر؛ قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] والكفارُ يقولون ذلك حين يرونَ للمؤمنين شفاعةَ الشفعاء ومعونةَ الأصدقاء.
وقال النبيُّ -ﷺ-: "شفاعتي لأهلِ الكبائر مِن أمَّتي" (^٣)؛ فمَن (^٤) كذَّبَ بها لم يَنلها.
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وهو إثباتُ الشفاعة لمَن أَذن له بها.
_________________
(١) في (أ): "شفاعتها للكافرة".
(٢) في (ر): "شفيع".
(٣) رواه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، وابن ماجه (٤٣١٠)، من حديث أنس ﵁. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(٤) في (أ) و(ر): "من".
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقال الإمام القشيريُّ: فاللَّهُ تعالى هو الشفيعُ الأكبرُ على التحقيق، وإن كان لا يُطلَق عليه اسمُ الشفيع؛ لعدم التوقيف.
وقد قيل في معناه:
الحمدُ للَّهِ شكرا فكل خيرٍ لديه
صارَ الحبيبُ شفيعي إلى شفيعي إليه (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أي: فديةٌ؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] سُميت الفديةُ عدلًا لانها تعادل المفديَّ؛ أي: تُماثلُه، قال تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] والعَدلُ -بالفتح-: مِثْلُ الشيءِ مِن خلافِ جنسِه، وبالكسر: مِثْلُه مِن جنسِه.
ثم معناه: لا يُؤخذ مِن الكافر فديةٌ ينجو بها مِن النار، ولا يجد ذلك ليفتديَ به، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١]، وقال تعالى: ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ الآية [المعارج: ١١].
وأمَّا في حقِّ المؤمنين فقد روي أنَّه يُعطى كلُّ مؤمنٍ يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقال له: هذا فداؤك مِن النار (^٢).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٨٩)، وفيه: صار الحبيب شفيعا إلى شفيع إليه
(٢) رواه مسلم (٢٧٦٧) من حديث أبي موسى بلفظ: "إذا كانَ يومُ القيامةِ دَفَعَ اللَّهُ ﷿ إلى كلِّ مسلمٍ يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقولُ: هذا فِكَاكُكَ مِن النَّارِ".
[ ٢ / ١٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: النُّصرةُ: العونُ، والنُّصرةُ: المنعُ أيضًا؛ أي: لا يعاوَنون ولا يُمنعون عن أيدي المعذِّبين، وهذا للكافرين، فأمَّا المؤمنون فقد قال في حقِّهم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
ثم إنَّما جُمع هذا مع أنَّ الذي سبقه موحَّدٌ؛ لأنَّ ذاك نكرةٌ في موضع النفي، فكان للعموم، وتناوَل جميع الكفار، فجاز (^١) ختمُ الآية بالجمع على المعنى.
ثم هذه الآية في نهاية البلاغة؛ فإنَّها جمعت ذكرَ الوجوه التي بها يتخلَّص العبد (^٢) عن النَّكبة التي أصابته في الدنيا، وهي أربعٌ: ينوبُ عنه غيرُه في تحمُّل ما عليه، أو يفتدي بمالٍ (^٣) فيتخلَّص منها، أو يَشفع له شافعٌ (^٤) فيوهبُ له، أو يَنصرُه ناصرٌ فيمنعُه، فقطَع اللَّهُ عنهم جميعًا.
* * *
(٤٩) - ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾: أي: واذكروا أيضًا إذ خلَّصناكم، وقد نَجا يَنجو نجاةً، وأنجاهُ اللَّه إنجاءً، ونجَّاه تنجيةً.
وقيل: أنجاه؛ أي: خلَّصه قبل وقوعه في المهلَكة، ونجَّاه بعد وقوعه فيها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾، وهو قبل الوقوع، وقال هاهنا: ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾، وهو بعد الوقوع. وهذا ضعيفٌ؛ فإنَّه قال: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ
_________________
(١) في (ف): "فجاء".
(٢) في (ف): "المرء".
(٣) في (أ): "بماله".
(٤) في (أ): "أو يتشفع له شفيع".
[ ٢ / ١٦٤ ]
آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود: ٦٦] ونحوه، ولم يكن ذلك بعد الوقوع، والصَّحيح أنَّهما سِيَّان.
والنَّجوةُ: المكانُ العالي مِن الأرض؛ لأنَّ مَن صار إليها تخلَّص (^١).
ومعناه: خلَّصنا آباءَكم. وجعل ذلك نعمةً عليهم؛ لأنَّهم نجوا (^٢) بنجاتهم، ومن عادة العرب هذا، يقولون (^٣): قتلناكم يوم عُكاظ؛ أي: قتل آباؤنا آباءَكم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال أبو عبيدة: آله: أهلُ بيته (^٤). وقال بعضهم: آلُه: قومُه المناسبون له. وقيل: هم أتباعُه. وحقيقةُ الآل هم الذين تَؤول أمورُهم إليه في نسبةٍ أو صحبةٍ.
و﴿فِرْعَوْنَ﴾ قيل: هو اسمُ الملك الذي كان لهم في ذلك الوقت خاصَّةً، واسمُه الوليد بنُ مصعب.
وقيل: الوليد بن ريان (^٥).
وقيل: إنه (^٦) اسمٌ لكلِّ مَن كان (^٧) ملكَ مصر، كقيصرَ للروم، وكسرى لفارس، والخاقان للتُّرك، وتُبَّعٍ لأهل اليمن.
_________________
(١) في (ر): "خلص".
(٢) في (ر): "نجوا".
(٣) في (ر): "تقول".
(٤) كذا قال المصنف، ووقع مثله عند ابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٧٧)، ونص قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" له (١/ ٤٠): ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قومُه وأهل دينه. والقول في "البحر المحيط" (٢/ ٢٠) لكن عزاه لأبي عبيد.
(٥) ذكر الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٩١) أن اسمه الوليد بن مصعب بن ريان.
(٦) في (ر): "هو".
(٧) بعدها في (أ): "له".
[ ٢ / ١٦٥ ]
وقوله تعالى: (﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾): قيل: أي: يذيقونكم، قال عمرو بن كلثوم:
إذا ما المَلْكُ سامَ النَّاسَ خَسْفًا أبينا أنْ يُقِرَّ الخسفَ فينا (^١)
والخسف: الذُّلُّ. وقيل: أي: يكلِّفونكم الأعمال الشاقة.
وقال المفضَّل (^٢): أي: يريدونكم على ذلك، ويريدون بكم (^٣) ذلك، مِن المساومة في البيع، وهي (^٤) إرادةُ كلِّ واحدٍ هن البائع والمشتري ثمنًا غيرَ ما يريدُه الآخر (^٥).
وقيل: أي: يديمون عليكم ذلك.
وقد سامَ إبلَه؛ أي (^٦): أكرهها على العَلَلِ (^٧) بعد النَّهَل (^٨)، وداوم عليها.
وقوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: أشدَّهُ وأشقَّه، ومعناه: يحملونكم على ما فيه غايةُ الأذى، ولا يكون العذابُ إلَّا سيِّئًا، لكن بعضُه يخفُّ وبعضُه يشتدُّ (^٩)، فسوءُ العذاب
_________________
(١) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم، وهو في "شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري (ص: ٤٢٥)، و"ديوان عمرو بن كلثوم" (ص: ٩٠).
(٢) هو الأديب اللغوي، أبو طالب، المفضل بن سلمة بن عاصم، الضبيّ، له مصنفات منها: "ضياء القلوب" في تفسير القرآن، و"معاني القرآن"، و"الاشتقاق"، مات بعد (٢٩٠ هـ). انظر: "إنباه الرواة" للقفطي (٣/ ٣٠٥ - ٣١١)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٣٦٢).
(٣) في (ف): "لكم".
(٤) في (أ): "وهو".
(٥) انظر قول المفضل في "النكت والعيون" للماوردي (١/ ١١٨).
(٦) في (ر): "إذا".
(٧) في (أ): "العال"، وفي (ف) و(ر): "الفعال". وكلاهما تحريف، والمثبت هو الصواب.
(٨) العلل: الشرب الثاني، والنهل: الشرب الأول. انظر: "مختار الصحاح": (مادة: علل ونهل).
(٩) في (أ): "يشد".
[ ٢ / ١٦٦ ]
ما اشتدَّ منه، ثمَّ قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ هذا بيانُ ما نجَّاهم منه.
وقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾: يجوز أن يكون تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾؛ إذ لا عاطفَ بينهما، ويجوز أن يكون أمرًا آخر سواه، فقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ بالواو، وذلك دليلُ المغايرة، وحذفُ الواو هاهنا كحذفِها من قولك: أكرمتُكَ وهبتُ لك ولَّيتُك.
والذَّبحُ: قطعُ الحُلقوم والأوداج، وأصلُه الشَّقُّ، يقال: ذبحتُ المسكَ؛ أي: فتقت عنه والتشديد للتكثير، كما يقال: فتحتُ الباب، وفتَّحتُ الأبوابَ.
والأبناءُ جمع الابن، وأصل الابن: البَنَيُ؛ بالياء. وقيل: بالواو، وأصله: بَنَوٌ (^١)، فإنَّه يُقال في المصدر: البنوَّة، لكن هذا لا يدلُّ على ذلك، كالفتوَّة، هي بالواو، والفتى يائيٌّ، ولذلك يجمع: فتيةً وفتيانًا. والأظهرُ أنَّه من الياء؛ لأنَّه قيل: معناه أنَّه يُبنَى على ما بُنيَ أبوه.
والمرادُ من الأبناء هم الذُّكور خاصَّةً، وإن كان الاسمُ في غير هذا الموضع قد يقعُ على الذُّكور والإناث، كالبنين، قال اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، لكن هاهنا المرادُ هم الذُّكور؛ فإنَّهم (^٢) كانوا يذبحون الغلمان لا غير، وكذا أريدَ به الصغارُ دون الكبار؛ لأنهم كانوا يذبحون الصغار.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: أي: يستَبْقون بناتكم ويتركونهنَّ حيَّاتٍ، فالاستحياءُ استفعالٌ من الحياة، والاستحياء: الاسترقاقُ أيضًا، وكانوا يسترِقُّونهنَّ، وهو من إبقاءِ الحياة أيضًا فيهنَّ.
_________________
(١) "وأصله بنو": من (أ).
(٢) في (ر): "لأنهم".
[ ٢ / ١٦٧ ]
وقيل: أي: يفتِّشون في حياء النِّساء، ينظرون هل بهنَّ حَمْلٌ، والحياءُ: الفَرْجُ، وسُمِّيَ به لأنَّه يُستَحيى (^١) مِن كشفِه.
والنِّساءُ جمع المرأة، ولا واحدَ لها مِن لفظها، وهي في الأصل اسمٌ للبالغات دون الصَّغائر.
وإنَّما ذَكَر (^٢) النساءَ هاهنا، وإن كانوا يفعلون هذا بالصَّغائر لوجوهٍ:
أحدُها: أنَّه سمَّاهنَّ باسم المآل؛ لأنَّهم (^٣) إذا استَبْقَوهنَّ صرنَ نساءً بعد البلوغ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، وقوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
ولأنّهم كانوا يَستَبْقُون البنات مع أمهاتهنَّ، والاسم يقعُ على الكبيرات والصَّغيرات عند الاختلاط، كما يقال: أقبل الرِّجالُ، إذا أقبلَ البالغون ومعهم الصِّغار، و: أقبل النساءُ، إذا (^٤) أقبل البالغات ومعهن الصغائر. ومَن فسَّره بتفتيش (^٥) فروجِ البالغات، فلا حاجةَ له إلى هذا التأويل.
فإن قالوا: إن كان ذبحُ البنين مِن سوء العذاب، فاستبقاءُ البناتِ لمَ جُعل مِن سوء العذاب، وإنَّه (^٦) سلامةٌ ونعمةٌ؟
قلنا: لأنَّهم كانوا يستَبْقوهنَّ للاسترقاق والاستسخار وتحميل المشاقِّ الكبار، ولأنَّ بقاءَ البناتِ ممَّا يَشُقُّ على الآباء، ولاسيما بعد ذبح البنين.
_________________
(١) من قوله: "ينظرون هل بهن حمل" إلى هنا من (أ).
(٢) في (ر): "ذكرت".
(٣) في (ر) و(ف): "لأنهن".
(٤) في (ف): "أي".
(٥) في (ر): "بتفتيشهم".
(٦) في (ر): "فإنه".
[ ٢ / ١٦٨ ]
وقال القفَّال: ويجوز أنَّ (^١) الذَّبحَ والاستحياءَ جميعُ ما ذُكر في قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، ويَحتمل (^٢) أن يكون بعض ذلك، فقد روي أنَّه كان يؤخَذُ منهم الجزية والخراج، ويُكلَّفون ضرب اللَّبِن والأعمالَ القذرة، وقال تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]، ورويَ أنَّه كان جعلَهم خدمًا؛ فصنفٌ يبنون له، وصنفٌ يزرعون له، ومَن لم يكن له صنعةٌ فعليه الجزية.
وكان سببُ ذبحهم الذُّكران مِن الصِّغار أنَّ كهنَتهم ومنجِّميهم كانوا يخوِّفونهم ويخبرونَهم أنَّ زوالَ مُلكهم على أيدي بني إسرائيل.
وقيل: كان بنو إسرائيل يتحادثون أنَّهم يُسلَّطون على آل فرعون، ويُزيلون ملكَهم، ويروون ذلك عن أنبيائِهم، فكان آل فرعون -لعنه اللَّه- يقتلونهم إرادةَ تكذيبهم.
وقيل: إنَّ الكهنةَ والمنجِّمين قالوا ذلك في من يولد في وقت كذا، فأمرَ بذبح ذكرانهم.
وقال السُّدِّيُّ: رأى فرعون -عليه لعائن اللَّه- في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس فاشتملت (^٣) على بيوت مصر، فأحرقتِ القِبْطَ وبيوتَهم، وتركت بني إسرائيل، فدعا الكهنةَ والسَّحرةَ والقافةَ فسألهم، فقالوا: يخرجُ من بيت المقدس رجلٌ يكون على يده هلاكُ مصر. فأمرَ ألَّا يولدَ لبني إسرائيلَ غلامٌ إلَّا ذبحوه، وقال للقبط: كلِّفوا بني إسرائيلَ الأعمالَ القذرة، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ الآية [القصص: ٤]، فجعل لا يولدُ لبني إسرائيل ابنٌ إلَّا
_________________
(١) بعدها في (أ): "يكون".
(٢) في (ف) و(ر): "فيحتمل".
(٣) في (أ): "واشتملت".
[ ٢ / ١٦٩ ]
ذُبِح، وأسرع الموتُ في المشيخة، فدخل رؤوسُ القبط على فرعون -عليه اللعنة- وقالوا: إنَّ الموتَ قد وقع فيهم، ويوشكُ أن يقعَ العملُ على غلماننا. فأمر أن يُذبَحوا سنةً ويتركوا سنةً، فلمَّا كانت السَّنةُ التي لا يذبحون فيها ولدَ هارون، فترك، ولمَّا كان في السَّنة التي يذبحون فيها حملت أمُّ موسى بموسى. القصة (^١).
وحُكي أنهم بَنوا له سبعةَ حوائط جائعةً أكبادُهم، وذبح مِن أبنائهم اثني عشر ألفَ صبيٍّ.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: البلاءُ: النِّعمةُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧] والبلاءُ (^٢) المحنة أيضًا، وغالب الاستعمالِ فيها، وأصله الاختبار، واللَّه تعالى يُبلي (^٣) عبدَه بالنِّعم؛ ليمتحنَ شكرَه، وبالمحن؛ ليمتحنَ صبرَهُ، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وأَبْلى يُبْلِي يستعمل في الخير، وبَلَا يَبلو في الخير والشرِّ جميعًا، قال الشاعر:
جَزا اللَّهُ بالإحسانِ ما فَعَلا بِكُمْ وأَبْلاهُما خيرَ البَلاءِ الذي يَبْلُو (^٤)
فجمعَ بين الوجهين في الخير، وقال تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
ثمَّ تفسيرُه هاهنا ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾؛ أي: في ذلك الإنجاء نعمةٌ عظيمةٌ من
_________________
(١) رواها الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٤٨)، وأبن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٠٦) (٥٠٦).
(٢) بعدها في (أ): "بالقصر".
(٣) في (أ): "يبلو".
(٤) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في "شرح ديوانه" (ص: ١٠٩).
[ ٢ / ١٧٠ ]
ربِّكم، وقيل: أي: في ذلك التَّعذيب منهم من التذبيح والاستحياء محنةٌ عظيمةٌ. وقد سبق ذكرهما فصحَّ صرف الكناية (^١) إلى كلِّ واحدٍ منهما.
وفي إخبار النبيِّ -ﷺ- عن ذلك صدقُ دعوة (^٢) الرسالة من الوجه الذي مرَّ، ودلَّت الآيةُ على فائدة الصَّبر.
* * *
(٥٠) - ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: الفرقُ: الفَصْلُ، والتَّفريقُ: التَّمييزُ؛ أي: واذكروا أيضًا مِنَّتي عليكم بأن جعلتُ لكم (^٣) بحرَ النِّيل أفراقًا؛ أي: اثني عشر فرقًا، قال تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
وقوله: ﴿بِكُمُ﴾ للباء وجهان:
أحدهما: لكم، و(^٤) الباء قد تجيء بمعنى اللام، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦] أي: لأنَّ اللَّه.
والثاني: أي: بدخولكم، فتكون الباء على حقيقتها.
والبحرُ سُمِّيَ به لاستبحاره؛ أي: اتِّساعهِ وانبساطِه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾: أي: سلَّمناكم، وهو إنجاءٌ قبل الوقوع.
وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾: غَرِق في الماء من حدِّ: علم؛ أي: رَسَبَ
_________________
(١) في (أ): "الكناية".
(٢) في (أ): "دعواه".
(٣) "لكم": ليس في (ف) و(ر).
(٤) في (ف): "لأن".
[ ٢ / ١٧١ ]
فيه، فهو غرق إذا كان لم يمت بعد، فإذا مات فهو غريقٌ، وجمعُهُ الغرقى، وهو كالمَرضى والجَرحى، وكلُّ ما كان من نعوت الآفات فهو كذلك، والإغراقُ: الإهلاك في الماء.
و﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه وهو فيهم؛ لأنَّه عُلِمَ دخولُه فيهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: نَظرَ إليه بعينِه فرآه، ونَظرَ فيه (^١) بقلبه فَدَرَاهُ، وأمَّا التفسير فقد قيل: أي: تَنظرون بأبصاركم إلى انفراقِ البحر حين سَلكتُم فيه، وانطباقِهِ على آل فرعون حين غَرِقوا فيه بعد سلامتِكُم منه.
وقيل: لم ينظروا إليهم حين غرِقوا، ولكنَّهم أُخرِجوا إليهم بعدُ فنظروا إليهم، إذ سأل موسى ﵇ ربَّه أن يُرِيَهم إيَّاهم (^٢)، فلفظَهُم البحرُ، فنظروا إليهم. قاله الكلبيُّ.
وقيل: كانوا ينظرون إلى ذلك بالتِطامِ (^٣) أمواج البحر بآل فرعون في الموضع الذي صيَّر لهم منه طريقًا يَبَسًا، وذلك نظر عيانٍ.
وقيل: ﴿تَنْظُرُونَ﴾ أي: أنتم في القُرب (^٤) منهم، تواجهونهم وتقابلونهم، وإن كنتم لا ترونهم بأبصاركم لبعدهم. قاله الفرَّاء (^٥)، وهو كقول العرب: دور (^٦) فلانٍ تتناظر؛ أي: تتقارب وتتقابل.
_________________
(١) في (ف): "إليه".
(٢) في (ف) و(ر): "آية".
(٣) في (ف) و(ر): "بانتظام".
(٤) في (أ): "بالقرب".
(٥) انظر "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٦).
(٦) في (ر) و(ف): "دون".
[ ٢ / ١٧٢ ]
وقصَّتُه أنَّ قومَ (^١) فرعون -لعنه اللَّه- قالوا له: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٧]، فأمر اللَّهُ تعالى موسى أن يَخرُجَ ببني إسرائيل، فأمرَهم أنْ يَخرجوا، وأن يَستعيروا الحُلِيَّ مِن القبط، وأمرَ أن لا ينادي أحدٌ منهم صاحبَه، وأن يُسرِجوا (^٢) في بيوتهم حتَّى الصُّبح، ومَن خرجَ لطَّخ بابه بكفٍّ من دمٍ؛ ليُعلَمَ أنَّه قد خرجَ، فخرجوا ليلًا والقبط لا يعلمون، ووقع في القبط موتٌ، فجعلوا يدفنونَهم، وشُغِلوا عن طلبِهم حتَّى طَلعت الشَّمسُ، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]، فكان هارونُ أمام بني إسرائيل يَقودُهم (^٣)، وموسى على ساقَتِهم، وخرج موسى في ستِّ مئةٍ وعشرين ألف مقاتل، لا يَعُدُّون فيهم ابنَ العشرين (^٤) لصغره، ولا ابنَ السِّتِّين لكبره.
وتبعَهم فرعونُ على مقدِّمتِه هامان، في ألف ألفٍ وسبع مئة ألف جوادٍ ذكر، ليس فيها رَمَكة (^٥)، على رأس كلِّ واحدٍ منهم بيضةٌ وفي يده حربةٌ.
فنظر فرعونُ إلى قوم موسى فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤]، وقال قومُ موسى (^٦): ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، يا موسى، ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، اليوم نَهلكُ؛ فإنَّ البحرَ أمامنا، وفرعون خلفنا، قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
_________________
(١) في (ف): "وقصة آل فرعون" بدل: "وقصته أن قوم".
(٢) في (ف) و(ر): "وألا يسرجوا". والمثبت موافق لما في "تاريخ الطبري" (١/ ٤١٤).
(٣) "يقودهم" سقط من (ف).
(٤) في (أ): "العشرة". والمثبت هو الموافق لما في "تاريخ الطبري" وغيره.
(٥) الرَّمَكة: الأنثى من البراذين، وجمعها: رِماك. انظر، "مختار الصحاح": (مادة: رمك).
(٦) في (ف): "وقالوا لموسى" بدل: "وقال قوم موسى".
[ ٢ / ١٧٣ ]
وأوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى؛ أن اضرب بعصاك البحر، فضربَ، فانفلقَ فصار فيه اثنا عشر طريقًا، كلُّ طريقٍ كالجبل العظيم، فكان (^١) لكلِّ سبطٍ طريقٌ يأخذون فيه، فلما أخذوا فيه قال بعضُهم: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قال لهم موسى (^٢): سيروا، فإنَّهم على طريقٍ مثلِ طريقكم، قالوا: لا نَرضى حتَّى نراهم، فقال موسى: اللهم أعنِّي على أخلاقِهم السيِّئة، فأوحى اللَّه إليه أن قُل بعصاك هكذا وهكذا، يمينًا وشمالًا (^٣)، فصار فيها كُوًى ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ (^٤)، فساروا حتى خرجوا من البحر.
فلما جاز (^٥) آخرُ قوم موسى، هجم فرعونُ على البحر وهو على فرسٍ أدهمَ، فلمَّا بلغ هابَ الفرس أن يتقحَّم (^٦)، فتمثَّل له جبريلُ على فرسٍ أنثى وديق (^٧)، فلمَّا رآها فرسُ فرعون تقحَّم خلفها، فلمَّا دخل (^٨) آخرُ قوم فرعون، وجاز آخرُ قوم موسى، أطبق البحرُ على فرعونَ وقومِه، فأُغرِقوا.
فنادى فرعون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ القصَّة، وقالت بنو إسرائيل: لم يغرقْ فرعون، والآن يدركُنا فيقتُلنا، فلفظهم البحرُ في
_________________
(١) في (أ): "وكان".
(٢) قوله: "لهم موسى": من (ر).
(٣) في (ف): "يمنة ويسرة" بدل: "يمينًا وشمالًا".
(٤) في (ف): "بعضًا" بدل: "إلى بعضٍ".
(٥) في (أ): "جاوز".
(٦) في (ف) و(ر): "يقتحم".
(٧) الوديق: هي التي تشتهي الفحل. "النهاية في غريب الحديث": (مادة: ودق).
(٨) في (ف) و(ر): "ودخل" بدل: "فلما دخل".
[ ٢ / ١٧٤ ]
ستِّ مئةٍ (^١) وعشرين ألفًا عليهم الحديد، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] فلم يَقبل البحرُ بعد ذلك غريقًا إلَّا لفظَه على وجه الماء، وقطعَ (^٢) بهم موسى البحرَ، وذلك يومَ عاشوراء.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: تقاصرَت بصائرُ بني إسرائيل، فأتتهم المعجزاتُ عيانًا، ونفذتْ بصائرُ هذه الأُمَّة، فكاشفَهم اللَّهُ تعالى بآياته سرًّا.
وحين شاهدوا ظاهرَ تلك الآيات؛ مِن فَلْقِ البحرِ، وإغراقِ العدوِّ، داخَلَهُم ريبٌ، فقالوا: إنَّه لم يَغرق، فقذفَهمُ البحرُ، فنظروا إليهم وهم مُغرَقون، وهذه الأمَّةُ لفرطِ تصديقهم الرسولَ وقوَّةِ بصائرهم قال واحدٌ من عُرْض الناس: كأنِّي بأهلِ الجنة يتزاورون، وكأنِّي بأهل النَّار يتعاوون، وكأنِّي بعرشِ ربِّي بارزًا (^٣)، فشتَّان بين مَن يُعاينُ فيَرتاب مع عِيانه، وبين من يسمع وكأنَّ العِيانَ (^٤) حالُه مِن قوَّة إيمانه (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ف): "فلفظ البحر ست مئة".
(٢) في (ف): "فقطع".
(٣) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣٣٦٧) من حديث الحارث بن مالك الأنصاري. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٥٧): فيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه. ورواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/ ٤٥٥) من حديث أنس ﵁، وقال بعده: ليس لهذا الحديث إسناد يثبت.
(٤) في (أ): "وكالعيان" بدل: "وكأن العيان".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٨٩ - ٩٠).
[ ٢ / ١٧٥ ]
(٥١) - ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: ذكَّرهم منّةً أخرى فيما أتبعوا المنَّة الأُولى بالجهل والبلادة؛ أي: واذكروا نعمتي على آبائكم بما وعدت موسى أن يأتيَ (^١) الطُّورَ، فأنزلَ عليه التَّوراةَ التي فيها بيانُ ما يَحتاجون إليه، ففعلَ موسى، وأنجزتُه ما وَعدتُهُ، ولمَّا تأخَّر رجوعُه كفرَ آباؤكم بي، واتَّخذوا العجلَ إلهًا، فعفوتُ عنهم؛ إنعامًا عليهم.
ثمَّ قراءة أبي عمرو: ﴿ووَعدنا موسى﴾ (^٢) بغير الألف (^٣)؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى متفرِّدٌ بالوعد، وهو التَّرجيةُ بالخير، والمواعدةُ تكونُ بين اثنين، وغيرُه قرأ: "واعدنا" بالألف (^٤) والمواعدة تكون وعدًا من اللَّهِ وقَبولًا من موسى ﵇، فاستقامَ على المفاعلة.
وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قال الأخفشُ وغيره: أي: انقضاءَ أربعينَ ليلةً، أو تمامَ أربعين ليلةً (^٥)؛ لأنَّ وعدَ إنزال الكتاب (^٦) بعد انقضاء هذه المدَّة، وهذا الاختصار معهودٌ، يقال: اليوم أربعون يومًا منذ خرج فلان؛ أي: تمامُ أربعين يومًا.
وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ أي: بأيَّامها، فإنَّ ذكر الأيام جميعًا (^٧) يقتضي دخولَ
_________________
(١) بعدها في "ر": "إلى".
(٢) "موسى": ليس في (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ١٥٤)، و"التيسير" (ص: ٧٣).
(٤) في (ر): "قرأه بالألف" وفي (ف): "قرأ بالألف". والمثبت من (أ).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٩٧).
(٦) بعدها في (أ): "كان".
(٧) في (أ): "جمعًا".
[ ٢ / ١٧٦ ]
ما يُوازيها مِن اللَّيالي، وعلى القلب كذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، وقوله: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، والقصَّةُ واحدةٌ، فكانت المدَّتان واحدةً.
ثمَّ هي ذو القعدة وعشرُ (^١) ذي الحجَّة. وقيل: ذو الحجَّة وعشرُ محرَّم (^٢)، والأوَّلُ أشهرُ وأظهر، وهذه الأربعون هي التي ذُكِرت في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] (^٣).
قال الكلبيُّ: وعدَهم أن يأتيَهم بالكتابِ بعد أربعين يومًا، فعَدَّ قومُه عشرين ليلةً وعشرين يومًا، وقالوا: لم يأتنا بما وعدَ، فعبدوا العجل (^٤).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾: أي: اتَّخذتم العجلَ إلهًا أو (^٥) معبودًا (^٦)، قال اللَّه تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦].
و(اتخذ) افتعلَ (^٧)، من الأخذ، وأصله: ائتَخذ، لُيِّنَت (^٨) الهمزةُ الثَّانية، ثمَّ جُعِلت ياءً وأُدغِمَت في التَّاء التي بعدها.
_________________
(١) بعدها في (أ): "من".
(٢) في (أ): "المحرم".
(٣) في (ف): "ووعدنا". وهي قراءة أبي عمرو من السبعة.
(٤) رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ١١٨).
(٥) في (ر): "و".
(٦) بعدها في (ر): "من دون اللَّه".
(٧) في (ر): "افتعال".
(٨) في (ف): "جعلت".
[ ٢ / ١٧٧ ]
والعجلُ: ولدُ البقرة إلى أن يكبرَ، سُمِّيَ به لأنَّ العجلةَ هي السُّرعةُ، وقصرُ المدَّةِ كالسُّرعة. وإضمار قوله: معبودًا وإلهًا، جائزٌ (^١)؛ لوضوح معناه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: مِن بعد إنجائكم من الغَرَق. وقيل: أي: مِن بعد انطلاقِ موسى إلى الطُّور.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾: أي: كافرون، وقيل: أي: ضارُّون أنفسَكم. وقيل: أي: الواضعون العبادةَ غيرَ موضعِها.
قال سعيد بن جبير: كان وَعَدَهم أن يأتيَ بالكتابِ بعد ثلاثين، وهو الميثاق (^٢) الأوَّل، فلما زيد (^٣) عشرةً، ولم يأت به بعد الثَّلاثين، عبدوا العجلَ في هذه العشرة الزَّائدة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: عبدوا في عشرين بعد عدِّهم (^٤) عشرين ليلةً وعشرين يومًا.
وقال مقاتلُ بنُ سليمان ﵀: عبدوا العجلَ يومًا واحدًا (^٥).
وقال الإمام القشيري ﵀: شتَّان بين قومٍ عبدوا العجل واتَّخذوه إلهًا (^٦) بغيبة نبيِّهم أربعين ليلةً (^٧). . . . .
_________________
(١) في (أ): "معبودًا أو إلهًا" بدل من "إلهًا ومعبودًا جائز".
(٢) في (أ): "الميقات".
(٣) في (أ): "زيدت".
(٤) قوله: "عشرين بعد عدهم" من (أ).
(٥) في (ف): "واتخذوه إلهًا" بدل: "يومًا واحدًا". وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٥).
(٦) قوله: "واتخذوه إلهًا" من (ف).
(٧) في (ف): "ثلاثين ليلة أو أربعين ليلةً" وفي (ر): "أربعون يومًا".
[ ٢ / ١٧٨ ]
وبين قومٍ ثبتوا على توحيدِهم بعد ذهاب نبيِّهم (^١) بقريبٍ (^٢) من خمس مئة سنةٍ (^٣).
وسببُ ذلك ما ذَكر ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ السامريَّ كان من قومٍ يعبدون البقر، وكان حبُّ ذلك في نفسِه بعد أن أظهرَ الإسلام، وكان عرفَ جبريل؛ لأنَّ أمَّهُ حين خافَت عليه أنْ يُذبحَ، خلفته في غابةٍ (^٤)، وكان (^٥) جبريل -صلوات اللَّه عليه- يأتيه، فيغذوه بأصابعه، فكان السامريُّ يَمَصُّ من إبهام يمينِه عسلًا، ومن إبهام شماله سمنًا، فلما رآه حين عبرَ البحرَ عرفه، فقبض قبضةً من أثرِ فرسِه، فلم تزل القبضةُ في يدِه حتَّى انطلقَ موسى إلى الطُّور.
وكان السامريُّ سمعَهم حين خرجوا من البحر، وأتوا على قومٍ يَعكُفون على أصنامٍ لهم، و(^٦) ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ووقع ذلك (^٧) في نفسه؛ أن يفتنَهم مِن هذا الوجه، وكان موسى خلَّف هارون في بني إسرائيل، فقال لهم هارون: قد حُمِّلتُم أوزارًا من زينة القوم؛ أي: حُليِّهم (^٨)، فتطهَّروا منها، فإنَّها نجسٌ (^٩)، فأوقدَ لهم نارًا، وأمرَهم بقذفِ ما كان معهم، ففعلوا.
_________________
(١) في (ر): "لم يتغيروا بغيبة" بدل: "ثبتوا على توحيدهم بعد ذهاب".
(٢) في (ف) و(ر): "تقريب".
(٣) انظر "لطائف الإشارات" (١/ ٩٠).
(٤) في "النكت والعيون" للماوردي (١/ ١٢٠): خلفته في غارٍ وأطبقت عليه.
(٥) في (أ): "فكان".
(٦) "و" ليس في (ف).
(٧) "ذلك": زيادة من (أ).
(٨) في (أ): "حليتهم".
(٩) في (أ): "نجسة" وفي (ر): "رجس".
[ ٢ / ١٧٩ ]
فأقبلَ السَّامريُّ إلى النار وقال: يا نبيَّ اللَّه، أُلقي ما في يدي؟ قال: نعم. وهو يظن أنَّها (^١) حليٌ، فقذفَه فيها، وقال: كن عجلًا جسدًا له خوارٌ، فصار كذلك.
وقيل: كان السَّامريُّ صائغًا، فاتَّخذ من الذَّهب (^٢) عجلًا، ونفخ ذلك التُّرابَ في فمه (^٣) ودُبُره، فصار عجلًا جسدًا، لحمًا ودمًا وشعرًا، له خُوارٌ، فافتتنوا به، ودَعاهُم إلى عبادتِه، فعبدوه، وقال لهم هارون ما قال. القصَّة.
* * *
(٥٢) - ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾: أي: تجاوزنا، وأصلُه محوُ الأثر، وقد عَفَت الدِّيارُ؛ أي: محت آثارُها، وعفَتْها الرِّيحُ، لازمٌ ومتعدٍّ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي: من بعد اتِّخاذكُم العجلَ، فلم نعاجِلْكُم بالإهلاك، بل أمهلناكُم إلى مجيء موسى، فنبَّهكم وأخبرَكُم بكفارةِ ذنوبكم.
وقيل: أي: بعد التَّوبة والقتل.
فعلى هذا يكون العفوُ على التأويل الأوَّلى تأخيرَ المؤاخذةِ، وعلى التَّأويل الثاني يكون تركَ المؤاخذة أصلًا.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لِتشكروا هذه النِّعمةَ؛ فإنَّ الإنعامَ يوجِبُ الشُّكرَ.
_________________
(١) في (أ): "أنه".
(٢) في (ر): "الحلي".
(٣) في (أ): "فيه".
[ ٢ / ١٨٠ ]
وقيل: معناه: لتؤمِنوا وتوحِّدوا؛ فإنَّ الشكرَ اسمٌ للإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
و(لعلَّ) في مثل هذا لا يكونُ شكًا، بل تحريضًا على الفعل.
* * *
(٥٣) - ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى﴾: أي: أعطيناه ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾: ﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة، ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ فيه أقاويل:
قيل: هو التَّوراة أيضًا، قاله الفرَّاء (^١)، وسماه باسمين متفقَين معنًى؛ لاختلافهما لفظًا، كما يقال: سُحقًا له (^٢) وبعدًا.
والدَّليلُ على أنَّه اسمُ التَّوراة (^٣) أيضًا قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]، على أنَّهما وإن كانا اسمين لشيءٍ واحدٍ فمعناهما مختلفٌ، فإنَّ الكتابَ هو المكتوبُ المجموع، والفرقانَ هو الفارقُ بين الحقِّ والباطل، فصحَّ الجمعُ بالواو؛ لتغاير المعنيين (^٤)، وهو كقولِه في حقِّ القرآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقولِه تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ٢]، وقولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
وقيل: الفرقانُ: هو بيانُ معاني التَّوراة.
_________________
(١) انظر "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٧)، و"النكت والعيون" للماوردي (١/ ١٢١).
(٢) لفظ "له" من (أ).
(٣) بعدها في (ر): "فرقانًا".
(٤) في (أ): "المعنى".
[ ٢ / ١٨١ ]
وقيل: الفرقان: النصرُ على الأعداء، فرَّق به بين موسى وقومِه، وبين فرعون وقومِه، فأنجى هؤلاءِ وأهلكَ هؤلاء، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] هو يومُ النصر، وهو يومُ بَدْر.
وقال القفَّال: ولعلَّ معناه أنَّ النصرَ إذا جاء ظَفِرَ أهلُ الحقِّ بأهل الباطل، فانفرقَ أحدُ الفريقين من الآخر، فعُرِف أنَّ هؤلاء محقُّون وهؤلاء مبطلون.
وقيل: الفرقانُ: الفرجُ مِن الكَرب؛ لأنَّهم كانوا مُستَعبدين، وقال تعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (^١) أي: فرجًا ومخرجًا.
وقيل: الفرقان: انفلاقُ البحر لبني إسرائيل حتَّى عَبروا عنه على ما شرحنا.
وقيل: هو اسمُ القرآن، و(^٢) معناه: آتينا موسى التَّوراة، وذكرنا له نزولَ القرآن على محمَّدٍ -ﷺ-.
وقيل: أي: آتينا موسى التَّوراةَ، ومحمَّدًا لفرقان؛ أي: القرآن، قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، فأضمرَ كلمة؛ أي: محمَّدًا (^٣)، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وفي قراءةِ بعضِهم: "غشاوةً" بالنصب (^٤)، وعلى هذه القراءة يكون: (وجعل) مضمرًا، وقال: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾؛ أي: وادعوا شركاءكم، وقال الشاعر:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "نجعل".
(٢) في (أ): "وقيل".
(٣) قوله: "أي: محمدًا" ليس في (أ).
(٤) هي قراءة أبي حيوة، كما في "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ١٨٦)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٢٩٢)، ونسبها ابن مجاهد في "السبعة" (ص: ١٣٨ - ١٣٩)، وابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ١٠) للمفضل عن عاصم.
[ ٢ / ١٨٢ ]
تَراهُ كأنَّ اللَّهَ يَجدعُ أنفَه وعينيه إنْ مولاهُ ثابَ لَهُ وفرُ (^١)
أي: ويفقؤ عينيه.
وقيل: الفرقان: صحفٌ أنزلت على موسى قبل التَّوراة (^٢).
وقوله تعالى: (﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾): أي: لتهتدوا بالكتابِ، وهذا بيانُ الحكمةِ دون العلَّة؛ أي: الحكمةُ في إنزالهِ أن يَتدبَّروا فيه، فيعلموا أنَّ اللَّهَ تعالى لم يَفعل ذلك به إلَّا دلالةً (^٣) على صحَّة نبوَّتهِ، فيجتهدوا بذلك على اتِّباعِ الرُّشد، وإذا فعلتم ذلك اَمنتُم بمحمَّدٍ -ﷺ-، لأنَّه قد أتى مِن المعجزات بما يدلُّكم -إذا تدبَّرتُم- على صحَّة دعواه (^٤) النبوَّة.
* * *
(٥٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ﴾: أصله: يا قومي، فحذفت الياء تخفيفًا لكثرة الاستعمالِ في النِّداء.
_________________
(١) البيت لخالد بن الطيفان، وهو في كتاب "الحيوان" للجاحظ (٦/ ٤٠)، و"المؤتلف والمختلف" للآمدي (ص: ١٩٣). ونسب أيضًا للزبرقان بن بدر. انظر "المقاصد النحوية" للعيني (٤/ ١٦٥٥). قال العيني: ثاب بالثاء المثلثة، يعني: رجعَ من بعد ذهابه، والوفر: المال الكثير. وهذا في ذمِّ شخصٍ حاسدٍ يحسدُ جاره أو صاحبه إذا رجع من سفره بمالٍ كثير، فيصيرُ من شدَّة حسدِه كأنَّ اللَّهَ يجدعُ أنفه ويقلع عينيه.
(٢) في (ف): "وقيل التوراة" بدل: "قبل التوراة". ووقع في هامشها: "ختم بهذا القول كما بدأ به لاهتمام به عنده. تدبر".
(٣) في (ر): "للدلالة"، وفي (ف): "لدلالة".
(٤) في (أ): "دعوة".
[ ٢ / ١٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أي: ضَررتُم أنفسَكم بإيجاب العقوبة عليها. وقيل: أي: نقصتموها ثوابَ الإقامة (^١) على عهد موسى صلوات اللَّه عليه، فإنَّ الظُّلمَ يكون ضررًا، ويكون نقصانًا على ما مرّ.
قوله تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتِّخاذه إلهًا وعبادتِه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾: أي: خالقكم. وقد بَرَأَ بَرءًا، من حدِّ: صَنَعَ؛ بفتح باء المصدر؛ أي: خلق، والبَريَّةُ: الخلقُ، وبَرَأ بُرءًا؛ بضمِّ باء المصدر؛ أي: صحَّ مِن مرضِهِ، وبَرِئ بَراءةً (^٣)، من حدِّ: علم؛ أي (^٤): وقَعت له البراءةُ من الدَّينِ ونحوِه، وبرِئ عنه بمعنى: تبرَّأ.
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: القتلُ: إزهاقُ الرُّوح، والأنفُسُ جمعُ النَّفْسِ، وهي هذه البُنيَةُ الإنسانيَّةُ هاهنا، وهو بيانُ كيفيَّة التَّوبة، وهو قولُ ابن عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبير وأبي العالية وقتادة والزُّهريِّ والسُّدِّيِّ (^٥).
وقيل: القتلُ معطوفٌ على التَّوبة؛ أي: ارجِعوا إلى اللَّه تعالى بالإيمان، فقد أعرضتُم عنه بالكفرِ، بعبادةِ العجل، واقتلوا أنفسَكم بعد هذه التَّوبة.
ومعناه: فليَقتل بعضُكم بعضًا؛ لأنَّ المؤمنين إخوةٌ، وأخو الرَّجلِ كأنَّه نفسُه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي: توبتكم بالإقامة" بدل: "ثواب الإقامة".
(٢) من قوله: "قوله تعالى: باتخاذكم" إلى هنا من (أ).
(٣) في (ف): "براء".
(٤) في (ر): "إذا".
(٥) انظر تخريج أقوالهم في "تفسير الطبري" (١/ ٦٧٩ - ٦٨٣).
[ ٢ / ١٨٤ ]
وقولِه تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، وقولِه تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
وقيل: معناه: استسلِموا للقَتل، ومكِّنوا القاتلَ مِن أنفُسِكم، وهو في معنى فعلِهِ بنفسِهِ، وهذا قول محمد بن إسحاق (^١).
ثمَّ كيفيَّةُ هذا القتل ما قال الحسن: برزوا صفَّين، فضربَ بعضُهم بعضًا يومًا إلى الليل، هذا يقول: لمَ عبدتَ؟ وذاك يقولُ: لمَ لمْ تنهَني؟
وقيل: إنَّ السَّبعين الذين اختارَهم موسى صلوات اللَّه عليه همُ (^٢) قتلوا عبدةَ العِجل، وبلغَ المقتولون سبعينَ ألفًا وقد (^٣) احتبَوا، فما حلُّوا حُبوةً حتى قتلوا، ثلاثةَ أيامٍ.
وقيل: إنَّ السبعين قد ارتدُّوا بما قالوا، فلم يكونوا بهذا (^٤) الأمرِ مِن غيرهم أولى، فلم يصح هذا القول.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أخذَ موسى ﵇ على بني إسرائيل المواثيقَ ليصبرُنَّ على القتل، فأصبحوا غدًا بأفنيةِ البيوت، كلُّ بني أبٍ على حِدَة، وأتاهم هارونُ ﵇ والاثنا عشر ألفًا من الذين لم يَعبدوا العجلَ، وهم سبطان ونصفُ سبطٍ بأيديهم السيوف، فمشوا في العسكر، فقتلوا مَن لقوا، فكان
_________________
(١) أخرج معناه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٨٤)، ونُسب هذا القول في مطبوع "النكت والعيون" (١/ ١٢٢) لأبي إسحاق.
(٢) "هم" ليس في (أ)، وبعدها في (ر): "الذين".
(٣) في (ر): "وقيل" بدل: "وقد".
(٤) في (ر): "يكن هذا" بدل: "يكونوا بهذا".
[ ٢ / ١٨٥ ]
الرجلُ يجيءُ إلى قومِه وهم جلوسٌ بأفنية بيوتهم (^١) ويقول: إنَّ هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين سُيوفهم (^٢)، فاتَّقوا اللَّه واصبروا، فلعنَ اللَّهُ رجلًا حلَّ حبوتَهُ أو قامَ مِن مجلسِه، أو مدَّ طَرْفَه إليهم، أو اتَّقاهم بيدٍ أو رجلٍ. فقالوا: آمين، فجعلوا يقتلونهُم إلى المساء.
وقال مقاتلٌ: كان موسى صلوات اللَّه عليه يتقدَّم ويقول: هؤلاء إخوانُكم أتوكُم شاهرين السُّيوف، كما مرَّ، وقتلوهم إلى الضَّحوةِ، حتَّى بلغَ القتلى سبعين ألفًا (^٣).
وقال الكلبيُّ: وقام موسى صلواتُ اللَّه عليه يدعو ربَّه لِما رأى مِن كثرةِ الدِّماء وشدَّةِ الأصوات، حتَّى نزلَت التَّوبة، وقيل لموسى: ارفع السَّيف، فإنِّي قبلتُ التَّوبةَ منهم جميعًا، مَن قُتِلَ منهم ومن لم يُقتَل (^٤)، وجَعلتُ القتلَ لهم شهادةً، وغفرتُ لمَن بقيَ منهم، فنودي بذلك، فتركوا.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾: أي: ذلك القتلُ، والتَّوبةُ، أو القتلُ الذي هو توبةٌ: أنْفَعُ لكم عند اللَّه مِن الامتناعِ الذي هو إصرارٌ وفيه عذابُ النَّار.
وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: فعلتُم ذلك، فقَبِل توبتكم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: أي: كثيرُ قَبول التَّوبة، وقولُه تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: رحِمَكم، فقَبِلَ توبتَكُم، ففَتَحَ بابَ التَّوبة وقَبِلَها.
_________________
(١) في (ر): "البيوت".
(٢) في (ر): "السيوف".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٠٦).
(٤) انظر "تفسير أبي الليث" (١/ ١٢٠ - ١٢١).
[ ٢ / ١٨٦ ]
وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ لمَن لم يُقْتَل، و﴿الرَّحِيمُ﴾ لمَن قُتِل.
وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ لمَن عَبدَ العِجل، و﴿الرَّحِيمُ﴾ لمَن لم يَعبُد.
وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ يَقبَلُ التَّوبةَ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ يُمهِل ولا يُعاجِلُ (^١) بالعقوبة.
وقيل: كان الأمرُ بالقَتل مِن الأغلال التي كانت عليهم، وخفَّفَ اللَّهُ تعالى عن (^٢) هذه الأمة، فجعلَ النَّدمَ توبةً، وذلك فضلُ اللَّه يؤتيهِ مَن يشاء.
وقال الشيخ القفَّال ﵀: جعلَ ذلك كفَّارةً لهم؛ إذ علم أنَّ المصلحةَ في هذا النَّوع، وقد جعلَ الكفَّارات والعقوبات على مراتبَ؛ بعضُها قتلٌ، وبعضُها جلدٌ (^٣)، وبعضُها إخراجُ مالٍ، على ما عَلِمَ اللَّهُ تعالى من مصلحةِ عباده.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: لولا إجماعُ أهل التَّفسيرِ والتَّأويلِ على أنَّ قتلَ أنفسِهم كان على الحقيقة، لم يُمكن صرفُ الأمرِ إلى ذلك؛ لأنَّ هذا الأمرَ (^٤) كان بعد توبتِهم ورجوعِهم إلى اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ١٤٩] الآية، ثم قال: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (^٥) [الأعراف: ١٥٠]، وقد شَرَع اللَّهُ تعالى على ألسُنِ الرُّسُلِ
_________________
(١) في (ر): "يعجل".
(٢) في (أ): "على".
(٣) في (أ): "قتلًا. . . جلدًا".
(٤) لفظ "الأمر" من (أ).
(٥) "غضبان أسفًا": ليس في (أ).
[ ٢ / ١٨٧ ]
قتلَ الكَفَرةِ حتَّى يُسلِموا؛ لأنَّ القتلَ عقوبةُ الكفرِ، لا عقوبةُ الإسلام، وكان (^١) ينبغي أن يُصرفَ هذا الأمرُ إلى إجهادِ (^٢) أنفُسِهم بالعبادةِ للَّه، والطَّاعةِ له، واحتمالِ الشَّدائدِ لتفريطِهم (^٣) في عصيانِ ربِّهم، وذلك جزاءٌ لفرطِهِم أن (^٤) يقال: فلانٌ يَقتلُ نفسَهُ في كذا، لا يَعنونَ بهِ حقيقةَ القتل ولكن يَعنونَ به إتعابَهُ إيَّاها.
ويجوزُ أن يكونَ الأمرُ بحقيقة القتلِ ابتداءَ محنةٍ (^٥) مِن اللَّه تعالى لهم بالقَتْلِ، لا عقوبةً للذَّنب، وللَّهِ تعالى أن يمتحنَ عبادَه بقتلِ أنفسِهم ابتداءً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٦) [النساء: ٦٦].
ويجوزُ أيضًا أن يكونَ الأمرُ بقتلِ أنفُسِهم الأمرَ بمجاهدةِ الأعداءِ وإن كان فيها تَلَفُهُم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] (^٧).
* * *
(٥٥) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "فكان".
(٢) في (أ): "جهاد".
(٣) في (أ): "لإفراطهم".
(٤) في (ر): "جزاء تفريطهم" بدل: "جائز لفرطهم أن"، ولفظ: "لفرطهم" ليس في (أ). ونص العبارة في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٢): "وذلك جارٍ في الناس، يقال: فلان يقتل".
(٥) في (أ): "لمحنة".
(٦) بعدها في (أ): "أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه".
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٢ - ٥٣).
[ ٢ / ١٨٨ ]
وقوله تعالى: (﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾): أي: واذكروا أيضًا إذ قلتم: يا موسى؛ أي: إذ قال السَّبعون مِن أسلافِكم الذين اختارَهُم موسى حين ذهبوا معه إلى الطُّور.
وقوله تعالى: (﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾): أي: لن نُصَدِّقَك، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أي: لن نُصَدِّقَك على أنَّ هذا كتابُ اللَّه ﷻ، وأنَّك سمعتَ كلامَ اللَّه، وأنَّ اللَّهَ أمرَنا بقَبولِه والعملِ به. وقيل: أي: برسالتِك.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾: أي: حتَّى نرى اللَّه عِيانًا، وهو قولُ قَتادةَ.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: علانِيَةً (^١).
وبينهما فرقٌ؛ العِيان صفةُ الرَّائي، والعلانيةُ صفةُ المرئيِّ.
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ في روايةٍ: إنَّ معناه: وإذ قلتُم جهرةً، على التَّقديمِ والتَّأخير، والجَهرةُ تَرْجِعُ إلى القولِ، وهو كالجَهْرِ بالقراءةِ، وهو إظهارُها، والمجاهرةُ بالمعاصي كذلك.
والأوَّل يرجعُ إلى سؤالِ الرُّؤية بلا حجابٍ ظاهرًا، لا في النَّومِ ونحوه.
يُقال: جَهَرْتُ الشيء، إذا (^٢) كشفتَهُ وأظهرتَهُ، وجهرْتُ (^٣) البئر، إذا كان ماؤها قد تَغطَّى بالطِّينِ فنَقَّيتَهُ حتَّى ظَهرَ ماؤُها وصَفا، وصوتٌ جهيرٌ، ورجلٌ جهوريُّ الصَّوت (^٤)، إذا كان صوتُه عاليًا ظاهرًا، ووجهٌ جهيرٌ؛ أي: ظاهرُ
_________________
(١) قولا قتادة وابن عباس ﵄ رواهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٨٨).
(٢) في (أ): "أي"، وليست في (ف).
(٣) في (ف) و(ر): "وأجهرت". يقال: جهرت البئر واجتهرتها. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٦/ ٤٨)، و"الصحاح" للجوهري: (جهر).
(٤) في هامش (ف): "رجل جوهري الصوت نسخة".
[ ٢ / ١٨٩ ]
الوَضاءة، وجَهرتُ الرَّجُلَ واجتهرته (^١)، إذا نظرتَ إليه من غير حجابٍ، قال الأخطل:
يومًا بأجْوَدَ منهُ حينَ تَسْألهُ (^٢) ولا بأجْهَرَ مِنهُ حينَ يَجْتَهِرُ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: وهي كلُّ أمرٍ هائلٍ (^٤) مميتٍ، أو مزيلٍ للعقل والفهم، ويكون صوتًا، ويكون نارًا، ويكونُ غيرَ ذلك، واختُلِفَ فيها هاهنا:
قال (^٥) السُّدِّيُّ: كانت نارًا، نزلَتْ مِن السَّماء فأحرقتهُم.
وقال قتادةُ والرَّبيع: هي الموت (^٦).
وقيل: الصوت، وماتوا به، وهي الرجفة التي ذُكِرت في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وأصلُها الاضطراب.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أي: إلى الصَّاعقة، فإنْ كانت نارًا، فقد عاينوها، وإن كان صوتًا هائلًا، فقد ماتَ به بعضُهم أوَّلًا، ورأى الباقون أنَّهم ماتوا، ويُسمَّى هذا رؤيةَ الموت مجازًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣].
وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ خطابٌ لأهل عصرِ النبيِّ -ﷺ-؛ أي: يُخبِرُكم رسولُ اللَّه
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وأجهرته".
(٢) في (ر) و(ف): "نسأله".
(٣) "ديوان الأخطل" (صنعة السكري) (ص: ١٤٨).
(٤) في (ف): "مهول".
(٥) في (ف): "فقال".
(٦) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٩٠).
[ ٢ / ١٩٠ ]
-ﷺ- بما كان من (^١) أسلافكم، وتَعلمون أنَّه صادقٌ، وتَنظرون إليه فلا تؤمنون.
وقيل: معناه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: تَنتظِرون مثلَ ما نزلَ بهم لأنْ (^٢) ينزلَ بكم؛ لتكذيبكم محمَّدًا ﵊، وهو كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].
وقصَّتُه أنَّ السَّبعين الذين اختارَهم موسى ﵇ للانطلاق إلى الجبل (^٣) قالوا لموسى بعد ما كلَّمهُ اللَّه وأعطاه الألواحَ: إنَّ لنا عليك حقًّا؛ فإنَّا أصحابُك وخيرتُك، انطلقنا معك إلى الجبل، ولم نَصنع ما صنعَ قومُنا، فأَرِنا اللَّه جهرةً ننظرْ إليهِ كما رأيتَهُ.
فقال موسى ﵇: ما رأيتُه، ولقد (^٤) سألتُه الرُّؤية، فأبى عليَّ، وتَجلَّى للجبل فجعلهُ دكًّا، وخررتُ مغشيًّا عليَّ، فلمَّا أفقتُ تُبتُ إلى اللَّه مِن مسألَتي، وأيقنتُ أنَّه لا يُرَى في الدُّنيا.
فقالوا: واللَّه لا نُصدِّقُك بالرِّسالة حتَّى نَرى اللَّهَ جهرةً، فأخذتهمُ الصَّاعقةُ فاحتَرقوا (^٥) فقال موسى ﵇: يا رب، لو شئتَ أهلكتَهُم مِن قبل هذا اليوم مع أصحابِ العِجْل، ثمَّ بعثَهم اللَّهُ تعالى يوم (^٦) ماتوا بدعاءِ موسى ﵇، فعاشوا إلى وقتِ آجالهم.
_________________
(١) في (أ): "في".
(٢) في (ر) و(ف): "أي".
(٣) وقع فوقها في (ر) كلمة لم أتبينها، لعلها: "بهم".
(٤) في (أ) و(ر): "ولكن".
(٥) في (ر): "فأحرقتهم".
(٦) في (ف): "بعد ما".
[ ٢ / ١٩١ ]
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: تعلَّقتِ المعتزلةُ بظاهر الآية على نفي رؤيةِ اللَّه عزَّ وعلا، وعندنا ليس فيها دليلٌ على نفي الرُّؤية للَّه ﷿، بل فيها إثباتُها، وذلك أنَّ (^١) موسى ﵊ لمَّا سألَهُ السَّبعون الرُّؤيةَ، لم ينههُم عن ذلك، وكذلك سألَ هو ربَّه ﷻ الرُّؤيةَ، فلم يَنهه عن ذلك بل قال: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وهذا تعليقٌ بما يُتَصوَّر، وكذلك سألَتِ الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين رسولَ اللَّه -ﷺ- (^٢)، فقالوا: أنرى ربَّنا؟ (^٣) فلم يَنهَهُم عن ذلك، إنَّما أخذَ هؤلاء الصاعقة (^٤)؛ لأنَّهم لم يسألوا سؤال استرشادٍ، إنَّما سألوا سؤالَ تعنُّتٍ (^٥).
وقيل: إنَّما عوقبوا بقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥] وهذا كفرٌ منهم.
ودلَّتِ الآيةُ على صدق النبيِّ -ﷺ- في دَعوى الرِّسالة، وقد (^٦) أخبرَ عمَّا لم يكن عندَهم علمُه، ولا (^٧) يُعلَمُ إلَّا بإخبارٍ مِن اللَّه تعالى، وفيها إلزامُ الحُجَّةِ على منكري البعث بعد الموت، وهم مُشركو العرب.
* * *
_________________
(١) في (ر): "لأن".
(٢) من قوله: "الآية على نفي رؤية" إلى هنا ليس في (أ)، ووقع فيها مكانها لفظ: "اللَّه".
(٣) رواه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (أ): "الصعقة".
(٥) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٧٧). ووقع في هامش (ر) في هذا الموضع: "والصحابة سألوا سؤال استرشادٍ".
(٦) في (أ): "فقد".
(٧) في (أ): "فلا".
[ ٢ / ١٩٢ ]
(٥٦) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: أي: أحييناكم بدعاءِ موسى ﵇، والبعثُ في القرآن لمعانٍ: للإحياء، قال تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وللإنباء، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩] (^١)، وللإرسال (^٢)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لتشكروا نعمةَ الحياةِ بالتَّوحيدِ والطَّاعة.
وقيل: لتشكروا العفو عنكم.
ثمَّ قولُه ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في هذه الآية، وفي الآية التي قبلَها بآياتٍ قولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] وقد وردَ التَّفسيرُ أنَّ معناه: لتشكروا ولتهتدوا، تعلَّق المعتزلةُ به وبقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أنَّ اللَّهَ أرادَ ذلك دون المعصية والكفر، لكن نقول: معناه: ليَلزمَكم شكري وعبادتي والاهتداءُ إلى ديني؛ إذ لو أرادَ منهم ذلك لفعلوا، فإنَّه لو أرادَ ذلك منهم ولم يَكُن، كان متمنِّيًا، واللَّهُ تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا (^٤).
وقال الإمام القشيري ﵀: التَّعرُّض لمطالعة الذَّات على غير نعتِ
_________________
(١) من قوله: "قال تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ " إلى هنا وقع مكانه في (ر): "كما في هذه الآية".
(٢) من قوله: "قال تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ " إلى هنا ليس في (ف).
(٣) بعدها في (ر): "وغير ذلك".
(٤) من قوله: "ثم قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إلى هنا من (أ) وليس في (ف) و(ر).
[ ٢ / ١٩٣ ]
الهيبة افتضاحٌ (^١) بترك الحُرْمة، وذلك من أماراتِ البُعدِ والشِّقوةِ (^٢)، والتولِّي بمكاشفات العزَّة مقرونًا بملاطفات القُرْبةِ مِن علاماتِ الوُصْلَة ودلالات السَّعادة، فلا جرمَ لمَّا أطلقوا لسانَ الجهلِ بمعونة (^٣) ترك الحشمة، أخذتهم الرَّجفةُ والصَّعقةُ (^٤).
وقال (^٥) أيضًا في الآية الأولى: التَّوبةُ بقتلِ النُّفوسِ غيرُ منسوخةٍ في هذه الأُمَّة، إلَّا أنَّ بني إسرائيل كان لهم قتلُ أنفسهم جهرًا، وهذه الأمَّة توبتُهم بقتلِ أنفسِهم في أنفسهم سرًّا، وأوَّلُ قدَمٍ في (^٦) القصد إلى اللَّه الخروجُ مِن النَّفس للَّه.
قال: ولقد توهَّمَ النَّاسُ أنَّ توبةَ بني إسرائيل كانت أشقَّ، وليس كما توهَّموا؛ فإنَّ ذلك كان مرَّةً واحدةً، وأهلُ الخصوص مِن هذه الأمَّة قتلهُم (^٧) أنفسَهم في كلِّ لحظةٍ، وقد قيل:
ليس مَن ماتَ فاسْتَراحَ بميْتٍ إنَّما الميْتُ ميِّتُ الأحياءِ (^٨)
وأنشدَ غيرُه:
_________________
(١) في مطبوع "لطائف الإشارات": "إفصاح" بدل: "افتضاح".
(٢) في (أ): "والشقاوة".
(٣) في (ر) و(ف): "بمعرفة"، وفي "لطائف الإشارات": "بتقوية".
(٤) انظر: "لطائف الأشارات" للقشيري (١/ ٩٢ - ٩٣).
(٥) في (ر) و(ف): "وقالوا".
(٦) في (ف): "هي". بدل: "في". وفي (ر): "هي في".
(٧) ضرب عليها في (ر)، وصححت في الهامش بـ: "يقتلون".
(٨) "لطائف الإشارات" (١/ ٩٢). والبيت لعديِّ بن رعلاء الغساني، كما في "الأصمعيات" (ص ١٥٢)، و"خزانة الأدب" (٩/ ٥٨٣)، وغيرهما.
[ ٢ / ١٩٤ ]
قُبورُ الوَرى تحتَ التُّرابِ وللهوى رجالٌ لهم تحتَ (^١) الثِّيابِ قبورُ (^٢)
* * *
(٥٧) - ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾: أي: جعلناه مظلِّلًا لكم؛ أي: مُلقيًا الظلَّ (^٣)، وهو معروفٌ، والظُّلَّةُ: السُّترةُ المُظِلَّةُ، والظِّلُّ الظَّليلُ هو الدَّائمُ، والسُّلطانُ: ظِلُّ اللَّه؛ أي: مأوى الخلق (^٤) مِن عند اللَّه، كالظِّلِّ الذي يَأوي إليه مَن أصابَهُ الحَرُّ.
والغمامُ: السَّحابُ عند ابن عباسٍ ﵄ (^٥)، وهو السَّحابُ الأبيضُ عند السُّدِّيِّ (^٦)، سُمِّيَ به لأَنَّهُ يَغُمُّ السَّماءَ؛ أي: يستُرها، والغُمَّةُ: الأمرُ المستور، والغَمُّ: حزنٌ يَسترُ القلبَ، والغَمَمُ: أن يَستر الشَّعرُ القفا والجبهةَ، ورجلٌ أغمُّ وامرأةٌ غمَّاء، من ذلك، وغُمَّ الهلالُ؛ أي: لم يُرَ، أو سَتَرهُ (^٧) شيءٌ، وهو الليلة الغَمَّى، والتَّغمغمُ: التكلُّمُ بكلامٍ لا يَبِينُ.
أي: فعلنا ذلك بكم في التِّيه.
_________________
(١) في (ر): "بين".
(٢) ذكره أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١٠/ ٣٧٠) من قول أبي بكر الشبلي.
(٣) بعدها في (ر): "عليكم".
(٤) في (أ): "للخلق".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٩٩).
(٦) هذا المعنى ذكره الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٩٩)، ولم ينسبه.
(٧) في (أ): "وستره".
[ ٢ / ١٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هو ما يَسقطُ على الشَّجر فيأكلُهُ النَّاس (^١).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: هو شرابٌ كان ينزلُ عليهم، فكانوا يَمزجونه بالماء فيشربونَهُ.
وقال وهبٌ: هو خبزُ (^٢) الرُّقاق.
وقال السُّدِّيُّ: هو الزَّنجبيل (^٣).
وقال قتادة: هو التَّرنجبين (^٤).
وكان ينزلُ كهيئة الثَّلج، مِن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وهو الأشهرُ الأظهر.
ويقال: هو ما منَّ اللَّهُ تعالى به على عباده من غير تعبٍ ولا زرع (^٥)، ومنه قول النبيِّ -ﷺ-: "الكمأةُ مِن المنِّ، وماؤها شفاءٌ للعين" (^٦)؛ أي: هو ما منَّ اللَّه تعالى به على خلقه من غير حرثٍ ولا سقيٍ.
وقال عكرمة: كان كالرُّبِّ الغليظ (^٧).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٧٠٢).
(٢) في (أ): "الخبز".
(٣) أقوال الربيع ووهب والسدي رواها الطبري (١/ ٧٠٠ - ٧٠٢).
(٤) هذا المعنى أورده الطبري (١/ ٧٠٣)، ولم ينسبه. ونسبه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٠٠) للضحاك.
(٥) في (ر) و(ف): "روع".
(٦) رواه البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩) من حديث سعيد بن زيد ﵁.
(٧) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١١٤) (٥٥٤). والرُّب: دبس الرطب إذا طبخ. "المصباح المنير": (ربب).
[ ٢ / ١٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّلْوَى﴾ قيل: هو السُّمَّانَى.
وقال ابن عباسٍ ﵄: طائرٌ أبيضُ يشبهُ السُّمَّانى، كانت تحشرُه عليهم الرِّيحُ الجنوب (^١).
وقالوا: كانت الريحُ تَقطعُ حلوقَها، وتَشُقُّ بطونَها، وتُمَعِّطُ شعورَها، وكانت الشَّمسُ تُنضِجها، فكانوا يأكلونها مع المنِّ.
وقيل: هي طيرٌ سِمانٌ كالحمام يضربُ إلى الحُمرة، ويكونُ بناحيةِ اليمن.
وقال الأخفش: واحدتها سلواةٌ (^٢).
وقيل: الجمعُ والواحدُ فيه سواءٌ.
وقال قُطْرُب: قال بعضُ العرب: السَّلوى: الشَّيءُ الطَّيِّبُ.
وقيل: هو العسل، واشتقاقه من السُّلُوِّ، كأنَّه يُسْلِي القلبَ الهموم، أو (^٣) يُسْلِي مِن (^٤) غيرِه (^٥).
_________________
(١) ذكره عن ابن عباس الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٥٧)، وأخرج القطعة الأولى منه (طائر يشبه السمانى) الطبري في "تفسيره" (١/ ٧٠٥ - ٧٠٦)، وأخرج القطعة الثانية (كانت تحشره) الطبري (١/ ٧٠٦) عن قتادة.
(٢) كذا قال! والصواب أنه قول الخليل. انظر "العين" (٧/ ٢٩٨)، و"تفسير القرطبي" (٢/ ١٢٠). وقول الأخفش كما في "معاني القرآن" (١/ ١٠١) له: هو طائر لم يسمع له بواحد، وهو القول التالي عند المصنف.
(٣) في (ر) و(ف): "و".
(٤) في (أ): "عن".
(٥) في (ف): "غيرة".
[ ٢ / ١٩٧ ]
وقال ابنُ جريجٍ: كان الرجلُ منهم إن (^١) أخذَ من المنِّ والسَّلوى زيادةً على طعام يومٍ (^٢) واحدٍ فسدَ، إلَّا يوم الجمعة، فإنَّهم كانوا يأخذون فيه طعامَ يومين؛ لأنَّه كان لا ينزلُ يومَ السبت (^٣).
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: فيه مضمرٌ؛ أي: قلنا لهم: كلوا، والطَّيِّباتُ هاهنا تَحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ: الحلالات، والشَّهِيات، والخاليات عن الأدواءِ والمضرَّاتِ.
وقصَّتُه أنَّهم لمَّا خَرجوا مِن مصرَ، وجاوزوا البحرَ، وقعوا في صحراءَ لا أبنيةَ فيها، فأنزلَ اللَّهُ تعالى السَّحابَ، فسَترَهُم عن الشَّمسِ بالنَّهار، وكان يضيءُ لهم بالليل.
وقيل: كان السَّحابُ يتدلَّى عليهم كالقبابِ والفساطيطِ والأبنية.
وقيل: كان يَمشي أمامَهم عمودٌ مِن نورٍ، يُضيءُ (^٤) بالليل، فأنزلَ (^٥) اللَّه عليهم المنَّ والسَّلوى؛ المنُّ كالخبزِ، والسَّلوى كاللَّحم.
وقال الكلبيُّ: كان المنُّ يَنزِلُ عليهم مدَّةً، فقالوا: يا موسى، قَتَلنا هذا المنُّ بحلاوته، فدعا، فأنزلَ اللَّه تعالى عليهم السَّلوى، فخَلطُوا.
وهذا كان قبلَ التِّيهِ عند أكثرِهم، وكذا هذا في ترجمة التَّوراة. قاله (^٦) القفَّال.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "إذا".
(٢) "يومٍ": ليس في (أ).
(٣) بعدها في (ر): "شيءٌ". وقول ابن جريج رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٧١٠).
(٤) بعدها في (ر): "لهم".
(٥) في (أ) و(ر): "وأنزل".
(٦) في (ر): "قال" وفي (ف): "وقال".
[ ٢ / ١٩٨ ]
ثمَّ إنَّ اللَّه تعالى أمرهم أن يحاربوا أهل قرية أريحا وأذرعا (^١). وقيل: بلقاء، وهي قريةُ العمالقة بقربِ بيت المقدس (^٢)، فقبِلوا، فلما قرُبوا منها سمعوا بأنَّ أهلها جبَّارون أشدَّاء؛ قامةُ أحدِهم سبعُ مئة (^٣) ذراعٍ ونحوِها (^٤)، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] إلى أن قال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] (^٥).
وكانت اثني عشر فرسخًا في مثلِها، فكانوا يُصْبِحون وَيسيرُون النَّهارَ كلَّه (^٦)، فإذا أمسَوا كانوا حيث أصبَحوا، وحُرِموا ما كان لهم في تلك البريَّة، وهو (^٧) قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أي: ما ضرُّونا، ولكن ضرُّوا أنفسَهم، حيث حرموا أنفسَهم تلكَ النِّعم.
وقيل: بل أعطاهُمُ اللَّهُ تعالى ذلك في التِّيه، فإنَّهم لمَّا عُوقِبوا بذلك ندِموا وتابوا، فلَطَفَ (^٨) اللَّه تعالى بهم، وهيَّأ لهم ذلك، وعلى هذا التأويل قولُه تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: أمرناهُم أن يأكُلوا مِن طيِّبات ما رزقناهم، ويشكروا لنا، ولا يَطغَوا فيها (^٩) بالادِّخارِ،. . . . . .
_________________
(١) كذا في النسخ.
(٢) قوله: "بقرب بيت المقدس" ليس في (ف).
(٣) في (ر): "طول سبعون" بدل: "سبع مئة".
(٤) في (أ): "ونحوه".
(٥) في (أ): "قوله" بدل من "أن قال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ ".
(٦) "كله" من (أ).
(٧) "وهو": ليس في (أ).
(٨) في (ف): "ولطف".
(٩) في (أ): "فيه".
[ ٢ / ١٩٩ ]
فخالفوا وخَنِزَ (^١) ذلك الادِّخارُ وفسدَ وانقطع، فكان هذا إضرارًا منهم بأنفسِهم، ولا يلحقنا ضررٌ ولا نقصانٌ من خلافِ مَن يخالفنا.
وقيل: ضرُّوا أنفسَهم بالامتناعِ عن الجهادِ بفَوْتِ ثوابِ الجهاد، وما نقصونا شيئًا، وضرُّوا أنفسَهم أيضًا، حيث حُجِبُوا عن دخول الأرض المقدسة.
وقال الإمام القشيري ﵀: لما طوَّحهم (^٢) اللَّهُ تعالى في متاهاتِ الغُربةِ، لم يَرْضَ إلَّا بأن ظلَّلهُم، وبِلِبسةِ الكفايات جلَّلهم (^٣)، وعن تكلُّفِ التَّكسُّبِ أغناهم، وبجميلِ صنعِه فيما (^٤) احتاجوا إليه تولَّاهم، فلا شُعورُهم كانت تَطولُ، ولا أظفارُهم كانت تنبتُ، ولا ثيابهم كانت تتَّسِخُ، ولا شعاعُ الشَّمسِ كان يَنبسطُ (^٥)، وكذلك سنَّتُه بمَن حالَ بينَه وبين اختياره، يكونُ ما اختارَهُ له خيرًا له ممَّا يختارُه العبدُ بنفسِه (^٦).
* * *
(٥٨) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: قال قتادةُ والضَّحَّاكُ والرَّبيعُ بنُ أنسٍ: أي: بيتَ المقدس (^٧).
_________________
(١) في (ر): "فخانوا فخبث" وفي (ف): "فخالفوا وخبث" بدل: "فخالفوا وخنز". يقال: خنز اللحم" أي: أنتن. انظر: "مختار الصحاح": (خنز).
(٢) في مطبوع "لطائف الإشارات": (طرحهم).
(٣) في (أ): "حللهم".
(٤) في (ف): "مما".
(٥) بعدها في (ر): "عليهم".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٩٣).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٧١٢ - ٧١٣) عن قتادة والربيع، ورواه أيضًا عن السدي.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وقال السُّدِّيُّ ومجاهدٌ ومقاتل: أي: البلدةَ التي فيها بيتُ المقدس، وهي إيلياء (^١).
وقال أبو زيد: أي: أريحا، وهي بقرب بيتِ المقدس (^٢).
والدُّخولُ: الانتقال من العورة (^٣) إلى الحصن، ونقيضُه الخروج.
والقريةُ: الأبنيةُ التي هي مجتمعُ النَّاس، مِن قولِكَ: قَرَيْتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعتُه، قريًا، والمِقْراةُ: الحوض، والجَفنةُ الكبيرةُ التي يُجعَلُ فيها طعامُ الأضياف، وقَرَيْتُ الضَّيفَ قِرًى من ذلك، وقَرَى البعيرُ جِرَّتَهُ؛ أي: جمعَها في شِدْقِهِ، والقرى: الظَّهر (^٤)، وهو مجتمَع القوى (^٥).
ومعناه: واذكروا أيضًا إذ قلنا لأسلافِكم: ادخلوا هذه القريةَ لتسكنُوها، فقد قال في سورة الأعراف: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١].
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: أي: أبحناها لكم، ووسَّعناها عليكم، فتعيشوا فيها أين شئتم، بلا تضييقٍ ولا منعٍ، وهو تمليكٌ لهم بطريق الغنيمة، وذَكَرَ الأكلَ لأنَّه معظمُ المقصود.
وقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: قيل: هو بابٌ بعينه.
وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: هو بابُ حطَّةٍ، وهو البابُ الثَّامن مِن بيت المقدس (^٦).
_________________
(١) انظر قول مقاتل في "تفسيره" (١/ ١٠٩).
(٢) رواه الطبري (١/ ٧١٣).
(٣) في (ف) و(ر): "العودة".
(٤) في (ر): "والقرء الطهر" بدل: "والقرى الظهر"، وهو تحريف.
(٥) انظر "التفسير البسيط" للواحدي (٢/ ٥٥٢).
(٦) أخرج قوليهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٧١٤).
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقيل: هو بابُ القبَّة التي كان يتعبَّدُ فيها موسى وهارون ﵉.
وقيل: هو البابُ الأعظمُ للقرية.
وقيل: ﴿الْبَابَ﴾ وجهٌ من وجوه القرية عُيِّن لهم، كأنَّه قال لهم (^١): ادخلوا مِن هذا الوجه.
وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: رُكَّعًا (^٢).
وقيل: ساجدين قبلَ الدُّخول سجدةَ الشُّكر على قتلِ الجبَّارين، أو فتحِ القرية.
وقيل: أي: مطأطئين رؤوسَكم، خاضعين خاشعين.
وقيل (^٣): مصلِّينَ صلاةً قبل الدُّخول.
وقولُه تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: قال عكرمة، وهو قولٌ اختارهُ الأخفش: قولوا (^٤) لا إله إلا اللَّه (^٥).
وعن عليٍّ ﵁: هو بسم اللَّه الرحمن الرحيم.
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: هو (^٦) أستَغْفِرُ اللَّه (^٧).
_________________
(١) "لهم" ليس في (أ).
(٢) رواه الطبري (١/ ٧١٤).
(٣) بعدها في (ر): "أي".
(٤) بعدها في (ر): "حطةً".
(٥) رواه عن عكرمةَ الطبريُّ في "تفسيره" (١/ ٧١٧)، وابن أبي حاتم (١/ ١١٨) (٥٨٢)، ولم أقف عليه في "معاني القرآن" للأخفش.
(٦) في (أ): "قولوا".
(٧) رواه الطبري (١/ ٧١٨).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وعن الحسن: هو أنْ يُقَال: حُطَّ عنا ذنوبَنا، فإنَّا انحطَطْنا لوجْهِك (^١).
وقال الضَّحَّاك: أي: قولوا: أخطأنا، واعترفنا يا ربَّنا خطايانا (^٢)، فاغفرها لنا.
وقال القتبيُّ: أي: قولوا مقالةً هي حطة لخطاياكم (^٣).
وقال الزَّجَّاجُ: قولوا: مسألتُنا حطة (^٤).
وقيل: أي: سجودُنا عندَ الدُّخولِ حِطَّةٌ لذنوبنا.
وقيل: معناه: نحن نزولٌ تحت حكمك، مُسَلِّمون لأمرك.
وأصلُ الحَطِّ: إنزالُ الشيءِ مِن علوٍّ إلى سفلٍ (^٥)، وقد حَطَطتُ الرَّحْلَ والسَّرجَ ونحوَ ذلك، وحطُّ الذَّنْبِ إسقاطُه وَهو كإلقاء الحِمْلِ عن الرَّأس والظَّهر، وحطَّ حطًّا متعدٍّ، وحطَّ حُطوطًا لازمٌ.
وقيل: أمروا أن (^٦) يتكلَّموا بهذهِ الكلمةِ وحدَها تعبُّدًا ليحُطَّ بها أوزارَهم، فغيَّروها (^٧) بنو إسرائيل، وقالوا: حنطةٌ، كذا قال (^٨) ابنُ قتيبة (^٩).
_________________
(١) أخرج نحوه الطبري (١/ ٧١٦).
(٢) في (ر): "بذنوبنا خطايانا" بدل: "يا ربنا خطايانا"، ولفظ "خطايانا" ليس في (أ).
(٣) لم أقف على قول ابن قتيبة هذا، ونص قوله في "تفسير غريب القرآن" له (ص: ٥٠): هي كلمة أمروا أن يقولوها في معنى الاستغفار، من حططت؛ أي: حطَّ عنا ذنوبنا.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٣٩).
(٥) قوله: "إلى سفلٍ": ليس في (أ).
(٦) في (ف): "بأن".
(٧) في (أ): "فغيرها".
(٨) في (ر): "قاله".
(٩) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥٠).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
ثمَّ مِن عظيمِ فضلِ اللَّه جلَّ وعلا أن هيَّأ لهم الأسبابَ، وفتحَ عليهم مِن النِّعَمِ الكثيرةِ الأبواب قبل أنْ يُكلِّفَهُم شيئًا بالخطاب، ثمَّ أمرهم بشيئين؛ بعملٍ يسيرٍ، وقولٍ قصيرٍ، فالعملُ: الانحناءُ عند الدُّخول، والقولُ: التَّكلُّم بالكلام المنقول (^١)، ثمَّ وعدَ عليها (^٢) غفرانَ السيِّئاتِ، والزِّيادةَ في الحسنات.
وقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الغَفْرُ والغُفرانُ والمغفرةُ: سترُ الذُّنوب، والغِفَارةُ والمِغْفَرُ مأخوذان (^٣) من ذلك، وكذا غَفْرُ الثوب، وهو زِئْبَرُهُ (^٤) الذي يَسترُ نَسجَهُ، والجمُّ الغَفير: الجمعُ الكثير السَّاترُ المكانَ (^٥).
والخطايا جمع الخطيَّة، كالبلايا جمعُ البَلِيَّة، والخطأُ ضدُّ الصَّواب، والخِطأ -بكسر الخاء- والخطيئة: الاثم، وخطئ؛ أي: أثِمَ متعمِّدًا، وأخطأ، إذا لم يتعمَّد (^٦)، والخطيئاتُ جمعُ سلامةٍ للخطيئة.
وَعَدَ غفرانَ كلِّ الخطيئات مِن غير قصرٍ على عددٍ، وقَصَرَ العملَ على أقصرِ العدد.
وقوله: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: سنزيدُ المحسنين منكم بطاعتِه في أمرنا هذا إحسانًا آنفًا إلى سالف إحساننا عنده، فنزيدُه في سَعَة دُنياهُ وثوابِ عُقباه.
وقيل: وسنزيدُ المحسنين منكم فيما بعدُ في المغفرة وثواب الآخرة.
_________________
(١) في (ف) "بالمنقول" بدل: "بالكلام المنقول".
(٢) في (أ): "عليهما".
(٣) في (ف): "مأخوذ".
(٤) في (ف): "زيبره"، ووقع في هامشها: "الزيبر ما يعلو الثوب الجديد".
(٥) في (أ): "للمكان".
(٦) في (أ): "يتعمده".
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وقيل: سنزيدُ المحسنين (^١) الذين كانوا أسلَموا قبلَ ذلك.
وقيل: أي: الذين لم يدَّخِروا المنَّ والسَّلوى لغدٍ.
وقيل: هو على التَّفصيل: مَن كان خاطئًا غَفرنا له خطاياه، ومن كان مُحسِنًا زدنا له في عطاياه.
* * *
(٥٩) - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي: غيَّروا، فلم يَقولوا: حطَّة، بل قالوا: حنطة.
وقيل: قالوا: (هنطا سُمقاثا) (^٢)، وهي بلسانِهم: حنطةٌ حمراءُ (^٣)؛ استهزاءً، وهذا كان من بعضهم، وفعل المحسنون (^٤) ما أُمِروا به، ولهذا لم يقل: فبدلوا، بل قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
وظاهرُه يَدلُّ على أنَّهم بدَّلوا القولَ وحدَه دون العملِ به (^٥)، وبه قال جماعةٌ.
وقيل: بل بدَّلوا القول والعمل جميعًا، ومعنى قوله: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾
_________________
(١) من قوله: "منكم فيما بعد" إلى هنا من (أ).
(٢) في (ر): "حطانا سمقانا"، وفي (ف): "حنطانا سمقانا".
(٣) رواه الطبري (١/ ٧٢٥)، وابن أبي حاتم (١/ ١١٩) (٥٨٩) من قول ابن مسعود ﵁. وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥٠).
(٤) بعدها في (ر).
(٥) لفظ "به" ليس في (أ).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أي: أمرًا غيرَ الذي أُمِروا به؛ فإنَّ أمرَ اللَّه تعالى قولٌ، وهو تغيير جميع ما أمروا به، وقد رَوَى أبو هريرة ﵁، عن النبيِّ -ﷺ- أنَّهم دخلوا البابَ يَزحفون (^١).
وقال ابن عباسٍ ﵄: دخلوا مستلقين على أقفيتهم.
وقيل: منحرفين على شقِّ وجوههم.
وقيل: على أستاهِهم (^٢).
ولمَّا امتنعُوا عن السُّجود وأن يقولوا ما أمِروا به، أمرَ اللَّهُ تعالى الجبلَ أنْ يَقعَ عليهم، فرأوه، فسقطوا على شقِّ وجوهِهم يَنظرون إليه بالشِّقِّ الآخر، فرحمهم اللَّه تعالى، وردَّه عنهم، فقالوا: ما سجدةٌ أحبُّ إلى اللَّه تعالى مِن سجدةٍ (^٣) كُشِفَ بها عنَّا العذاب، فلذلك يسجدون كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: الذين بدَّلوا (^٤) ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: عذابًا.
وقيل: هو يقعُ على كلِّ عذابٍ، يقولُ اللَّه (^٥) تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (^٦) [الأعراف: ١٣٣]، ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، ثمَّ قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ سمَّى ذلك كلَّه رِجزًا.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٧٩)، ومسلم (٣٠١٥).
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ١٢٢).
(٣) في (أ): "هذه السجدة".
(٤) "أي: الذين بدلوا" من (أ).
(٥) في (أ): "لقوله"، وفي (ر): "بقول اللَّه" بدل: "بقول اللَّه".
(٦) في (أ): "الآية" بدل من "والضفادع والدم آياتٍ مفصلاتٍ" و"آيات مفصلات" ليست موجودة في (ف).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وقال أبو سعيد الضرير: هو العذابُ المفسِدُ للمعاشِ (^١).
وقيل: هو العذابُ المزلزل.
وقد ارتجز؛ أي: ارتعشَ، واختلف في هذا الرِّجز الذي أُنزِلَ عليهم:
قيل: كان ذلك نارًا فأحرقتهم.
وقيل: كان طاعونًا، فمات به في ساعةٍ واحدةٍ أربعةٌ وعشرون ألف إنسانٍ، ودام فيهم حتَّى بلغوا سبعين ألفًا.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: عذَّبناهم بهذا لخروجِهم (^٢) عن طاعتنا.
ثمَّ قال: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولم يقل: عليهم؛ على الاختصار، وقد سبقَ ذِكرُ الذين ظلموا؛ لأنَّه سبقَ ذِكْرُ المحسنين أيضًا، فلو أطلق لوقعَ احتمالُ دخولِ الكلِّ فيه، ولمَّا قال في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾، قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢]؛ ليتميَّزَ هؤلاءِ مِن غيرِهم، على أنَّ إعادةَ المكنيِّ صريحًا وكنايةً سائغةٌ، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ ثمَّ قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقال عديُّ بنُ زيد:
لا أَرى الموْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفَقِيرا (^٣)
وقالوا: ذكر هاهنا ﴿خَطَايَاكُمْ﴾، وقال في سورة الأعراف: ﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾، وقال هاهنا: ﴿ادْخُلُوا﴾، وقال هناك: ﴿اسْكُنُوا﴾ [الأعراف: ١٦١]، وقال هاهنا: ﴿فَأَنْزَلْنَا﴾،
_________________
(١) بعدها في (ر): "المعد للمؤمنين".
(٢) في (أ): "بخروجهم".
(٣) انظر البيت في "أمالي ابن الشجري": (١/ ٣٧٠)، "ديوان عدي بن زيد" (ص: ٦٥).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وقال هناك: ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾، وقال هاهنا: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، وقال هناك: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ (^١) [البقرة: ٥٧] ليُعلَمَ أنَّ المراعَى اتِّفاقُ المعاني، وأنَّها لا تَتغيَّرُ باختلاف الكلمات.
* * *
(٦٠) - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: (﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾): تقديرُه: وإذ استسقانا، والاستسقاءُ: سؤالُ السَّقيِ وطلبُه، وهو (^٢) بالدُّعاء هاهنا، وقد سَقيتُه سَقيًا بفتح السِّين؛ أي: أعطيتُه ما يشربُه، وسقيتُ الأرضَ ونحوها بفعلي، وأسقيتُ فلانًا؛ أي: جعلتُ له سُقْيًا يَشربُ (^٣) منه، ويَسقي به الزَّرعَ.
وقال في "ديوان الأدب": سقاهُ اللَّهُ وأسقاه بمعنى (^٤)، وقد جمعَهُما لبيدٌ فقال (^٥):
سقى قومي بني نَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْرًا والقبائلَ مِن هِلالِ (^٦)
ويقال: سَقَيْتُهُ، لِشَفَتِهِ، وأسْقَيتُهُ، لماشيتِه وأرضِه، وأسقيتُهُ (^٧)؛ أي: دعوتُ له بالسُّقيا، قال ذو الرُّمة:
_________________
(١) في (ر): "بما كانوا يظلمون".
(٢) "وهو" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "ليشرب".
(٤) في (ر): "وأسقى بمعنى وأسقاه" بدل "وأسقاه بمعنى".
(٥) في (أ): "شعر" بدل: "فقال".
(٦) انظر: "شرح ديوان لبيد" (ص ٩٣)، وفيه وفي "ديوان الأدب": "بني مجد" بدل: "بني نجد".
(٧) لفظ: "وأسقيته" من (أ).
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وأُسْقِيهِ حتَّى كادَ ممَّا أبثُّهُ تُكَلِّمنِي أحجارُهُ وملاعبُهْ (^١)
وأسْقِني إهابَك؛ أي: اجعلهُ لي سقاءً (^٢).
والسِّقْيُ بكسر السين: الحظُّ مِن الشِّرْب، والسِّقاءُ: القِرْبةُ للماء واللَّبن، والسِّقايةُ: الموضعُ الذي يُتَّخذُ فيه الشَّرابُ (^٣) في المواسم وغيرها، والسِّقايةُ في سورة يوسف ﵇: الصُّواعُ الذي كان يَشربُ منه الملك.
والمِسقاة: ما يُتَّخَذُ للجِرار (^٤) تُعلَّقُ عليه، والاستقاءُ من البئر ونحوها: الأخذُ منها.
وقوله تعالى: ﴿مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ هم بنو إسرائيل، ومعناه: واذكروا أيضًا إذ سألَ موسى ربَّه أن يَسقِيَهم في البرِّيَّةِ قبل التِّيه، وقيل: في التِّيه.
وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَر﴾ وكان عصاهُ مِن آسِ الجنَّة، وكان عشرةَ أذرعٍ بذراع موسى، وهي التي كانت معجزته، وهي التي كانت تَنقلِبُ حيَّةً.
فأمَّا الحجرُ فقد قيل: أمرَهُ اللَّهُ تعالى أن يأخذَ حجرًا خفيفًا مثلَ رأسِ الإنسان، فيضعَهُ في المِخلاة.
وقيل: مثلَ رأس الهرة.
وقيل: مثل رأس الثَّور.
وقال مقاتلٌ: كان حجرًا مربَّعًا (^٥).
_________________
(١) انظر: "ديوان ذي الرمة" (٢/ ٨٢١).
(٢) انظر: "ديوان الأدب" للفارابي (٤/ ١٠٥)، ووقع في (ر): "إهابًا" بدل: "سقاء".
(٣) في (ف): "الشرب".
(٤) في (ر): "من جراب" بدل: "للجرار".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١١٠)، و"تفسير أبي الليث" (١/ ١٢٣).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وقال الضَّحَّاك والسُّدِّيُّ: كان ذراعًا في ذراعٍ.
وقال الكلبيُّ: كان مدوَّرًا مثل رأسِ الإنسان، عليه اثنا عشر ثديًا، مثلَ ثدي المرأة، وكان موسى ﵇ رفعَهُ مِن الطُّور.
وقال سعيدُ بنُ جُبير: هو الحجرُ الذي ذهبَ بثيابِ موسى لمَّا قال قومُه: إنَّه آدرُ (^١)، فأمرَ اللَّهُ تعالى موسى أن يحملَه (^٢).
وقيل (^٣): لم يكن حجرًا معيَّنًا، وكان (^٤) يضربُ أيَّ حجر وجد.
والصَّحيحُ أنَّه كان معيَّنًا؛ فقد عرَّفهُ بالألف واللام.
وقوله تعالى: (﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾): قال القفَّال: أي: مِن الضَّرب، فدلَّ ذلك على الضَّرب، وبه انفجرَت العيون.
وقيل: هاهنا مضمرٌ؛ أي: فضَربَ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، والإضمارُ جائزٌ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: فأفطر فعدَّةٌ من أيَّامٍ أخر.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ على هذا يكونُ كنايةً عن الحجر؛ أي: من الحجر، وحُذِف لعلمِنا أنَّ موسى صلوات اللَّه عليه لا يخالِفُ الأمرَ، ولأنَّ الظَّاهرَ يدلُّ
_________________
(١) الأدرة: انتفاخ الخصية، فيقال: رجل آدر. انظر "المصباح المنير" للفيومي: (أدر).
(٢) انظر قول سعيد بن جبير في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٠٣).
(٣) في (ف): "وقد قيل".
(٤) في (أ): "فكان".
[ ٢ / ٢١٠ ]
عليه، وهو كقوله (^١): أمرتُهُ بالتِّجارة، فاكتسب الأموال.
والانفجارُ: الانشقاقُ الواسع، والانبجاسُ: الانشقاقُ الضيِّق.
وقيل: الانفجارُ: الخروجُ بكثرةٍ، والانبجاسُ: قليلًا قليلًا (^٢).
وقيل: الانفجارُ: الخروجُ من اللَّيِّن، والانبجاسُ: الخروجُ (^٣) من الصُّلب.
وقيل: هما واحدٌ، وهو قول الأخفش.
وقيل: الانبجاسُ: الانصباب، والانفجارُ: النُّبُوع.
وقيل: أُخِذَ الانفجارُ مِن انفجارِ الفَجْرِ، وهو انشقاقُهُ، وهو انشقاقُ الظُّلمة عن الضِّياء.
وقيل: أصلُه: المفارقة، والفجور هو مفارقة البر، قاله قطرب.
وقد ذكر في هذه الآية: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ وفي "الأعراف": ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾، والقصَّةُ واحدةٌ، فمَن سوَّى بينهما استمرَّ قولُهُ، ومَن قال: لم يكن الحجرُ معيَّنًا، بل كان يضربُ أيَّ حجرٍ وُجِد عند الحاجةِ، فإنَّه يقولُ: كان إذا أخذ حجرًا صغيرًا فضربَهُ؛ انبجسَ، وإن أخذَ حجرًا كبيرًا فضربَهُ؛ انفجرَ، ومَن قال: كان حجرًا صغيرًا واحدًا يُحْمَلُ في المِخلاة؛ وقيل: كان يُحمَلُ على حمارٍ؛ فالانبجاسُ أولُ خروجِه (^٤) مِن الحجَر، والانفجارُ بعد سيلانِه.
_________________
(١) في (أ): "كقولك".
(٢) نسبه الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٠٦) لأبي عمرو.
(٣) "الخروج": سقط من (أ) و(ف).
(٤) في (ر): "خرجة".
[ ٢ / ٢١١ ]
وقيل: كان ينبجسُ، ثمَّ يجري ويدومُ ويَكثرُ (^١)، فيكون انفجارًا.
وقيل: كان ينبجسُ عند قلَّةِ الحاجةِ، وينفجِرُ عند الحاجة إلى الكثير (^٢).
وقوله تعالى: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ التاءُ لعددِ المؤنَّث، والعشرةُ فيها لغتان في عدد المؤنث بعدما زاد على العشرة؛ بتسكين الشِّين وكسرِها (^٣).
والعينُ: الينبوع، وهي مؤنَّثةٌ سماعًا، ونُصِبَ على التفسير، وهي مشتقَّةٌ مِن العين الباصرة؛ لأنَّها أشرفُ ما في الرَّأس، وهذه أشرفُ ما في الأرض، ولأنَّ الماءَ يخرجُ مِن هذه كالدَّمع يخرجُ مِن تلك.
وإنَّما جُعِلَت على هذا العدد؛ لأنَّ بني إسرائيلَ كانوا اثني عشرَ سبطًا، وكانوا لا يأتلفون، فجُعل لكلِّ سِبْطٍ مشربٌ على حدةٍ مِن عينٍ على حدةٍ؛ لئلَّا يتنازعوا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أي: موضعَ شربِهم.
قال قتادة: كان كلُّ سِبْطٍ يَعرفُ عينَ نفسِه، فيجيء فيأخذُ مقدارَ حاجتِه، ثمَّ ينقطعُ الماء.
وقيل: كان يَسيلُ وهم نازلون، فإذا ارتَحلُوا انقطعَ ماؤها، وحُمِلَ الحجرُ في الجَوَالِق.
وقال أبو رَوْقٍ: كان فيه اثنتا عشرة حفرةً، فكانوا إذا نَزَلوا وَضَعوا الحجرَ، وجاءَ كلُّ سِبْطٍ إلى حفرتهم، فحفروا الجداول إلى أهلها، فشربوا ما شاءوا،
_________________
(١) في (أ): "فيكثر".
(٢) في (ر): "الكثرة".
(٣) التسكين أهل الحجاز، والكسر لأهل نجد. انظر: "الصحاح" للجوهري: (عشر).
(٤) في (ر) و(ف): "يتنازعون".
[ ٢ / ٢١٢ ]
فإذا أرادوا أن يَحملوهُ ضربَهَ موسى فذهب الماءُ، وكان يَستَقِي منه ستُّ مئة ألفٍ وزيادةٌ (^١).
وقيل: كان الحجر رخامًا.
وقيل: كان كرأسِ شاةٍ.
وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ وهاهنا مضمرٌ أيضًا؛ أي: قلنا لهم: كلوا مِن المَنِّ والسَّلوى، واشربوا من ماء (^٢) عيون الحَجر، وهما ممَّا رزقَكم اللَّهُ تعالى؛ أي: أعطاكم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ العثِيُّ: أشدُّ الفساد. وقيل: المبالغة في الإفساد، وهذا من: عَثِيَ يَعْثَى، من باب عَلِمَ، وفيه لغتان أُخرَيان: عَثَى يَعْثُو، من حدِّ: دَخَل، وعاثَ يَعِيثُ، من حدِّ: ضَرَب (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في التِّيهِ. وقيل (^٤): في الدُّنيا.
و﴿مُفْسِدِينَ﴾ نُصِبَ (^٥) على الحال؛ أي: لا تبالغوا في الإفساد حالةَ الإفساد، ويَحتملُ التَّكريرَ للمبالغة، كما يقال: لا تظلِم زيدًا جائرًا عليه، والجورُ هو الظُّلم، فكذا العثِيُّ هو الإفسادُ. والأوَّلُ أوجه؛ لأنه أكثر معنى، ثمَّ معناه: كلوا واشربوا مِن رزقِنا، ولا تفسدوا في الأرضِ بظلم النَّاس بغصبِ أموالِهم ونحوِ ذلك.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٠٣).
(٢) لفظ "ماء" من (أ).
(٣) قوله: "من حد ضرب" من (أ).
(٤) بعدها في (ر): "أي".
(٥) في (ف): "نصبت".
[ ٢ / ٢١٣ ]
وقيل: أي (^١): قابلوا نعمَنا بالشُّكر، ولا تَكفروا، ولا تَدْعوا غيرَكم إلى الكفر؛ فإنَّه أبلغُ فسادٍ في الأرض.
وقيل: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وهو صلاحُ البدن، ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ وهو صلاحُ الدِّين؛ هيَّأ الأسبابَ، ثمَّ وجَّهَ الخطاب.
وقال القشيريُّ: أراد الحقُّ ﷻ أن يكونَ كلُّ قومٍ ملازمًا لحدِّه، غيرَ مزاحمٍ لصاحبِه، فأفردَ لكلِّ سِبْطٍ علامةً يَعرفون بها مشربَهم، فهؤلاء لا يَرِدونَ مشربَ الآخرين، والآخرونَ لا يردونَ مشربَ الأوَّلين.
وحين كفاهم (^٢) ما طلبوا (^٣)، أمرَهُم بالشُّكرِ وحِفظِ الأمرِ، وترك (^٤) احتقابِ (^٥) الوزرِ.
والمناهلُ مختلفةٌ، والمشاربُ متفاوِتةٌ، وكلٌّ يَرِدُ مشربَه، فمشربٌ عذبٌ فراتٌ، ومشربٌ ملحٌ أجاجٌ، ومشربٌ صافٍ زُلالٍ، ومشربٌ رَتْقٌ (^٦) أوشال (^٧)، وسائقُ كلِّ قومٍ يَقودُهم، ورائدُ كلِّ طائفةٍ يَسوقُهم (^٨)؛ فالنُّفوسُ تَرِدُ مناهلَ المُنى
_________________
(١) لفظ: "أي" ليس في (أ).
(٢) في (ر): "آتاهم".
(٣) في (أ) و(ر): "طلبوه".
(٤) بعدها في (ر): "الارتكاب".
(٥) في مطبوع "لطائف الإشارات": "اختيار" بدل: "احتقاب".
(٦) في (أ): "رنق"، وفي (ر): "ربق"، والمثبت من (ف)، وهو موافق لما في "لطائف الإشارات"، والرتق: ضد الفتق، وما في النسخة (أ) محتمل أيضًا، فالرنْق: الماء الكدر. انظر "الصحاح": (رتق) و(رنق).
(٧) أوشال جمع وَشَل، وهو الماء القليل، ووَشَلَ الماءُ وَشَلانًا؛ أي: قطر. انظر: "الصحاح": (وشل).
(٨) في (ر): "يقودهم".
[ ٢ / ٢١٤ ]
والشهوات، والقلوبُ تَرِدُ مشاربَ التُّقى والطَّاعات، والأرواحُ تَرِدُ مناهلَ الكشفِ والمشاهدات، والسَّرائرُ تَرِدُ مناهلَ الحقائقِ بفناء الصفات (^١).
وأفادت الآيةُ إباحةَ الخروج إلى الاستسقاء، ودلَّت على فضيلةِ أمَّة محمَّدٍ -ﷺ-؛ فإنَّ بني إسرائيلَ احتاجوا إلى الماء، فرجعوا إلى موسى ليسألَ، واحتاجوا إلى البَقْل والقثاء وسائرِ المأكولات، ففعلوا كذلك (^٢)، وهذه الأمَّة أُطلِقَ لهم أن يَسألوا اللَّهَ تعالى كلَّما احتاجوا إليه، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وفيها بشارةٌ عظيمةٌ، سألَ موسى ربَّه الماءَ لقومه بقولِهم، وسأل عيسى ربَّه المائدةَ لقومه بقولِهم، وسأل نبيُّنا -ﷺ- المغفرةَ لنا بأمرِ اللَّه تعالى، قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، فلمَّا أجابَ اللَّهُ تعالى لهما فيما سألَاه بطلبِ القوم، فلأَن يُجيبَ نبيَّنا (^٣) فيما سألَهُ لنا بأمرِه (^٤) أولى.
* * *
(٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
_________________
(١) "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٩٤ - ٩٥).
(٢) في (ف): "ذلك".
(٣) في (أ): "لنبينا". وبعدها في (ر): "محمد -ﷺ-".
(٤) في (ر): "بأمر اللَّه كان" بدل: "بأمره".
[ ٢ / ٢١٥ ]
وقوله تعالى: (﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾): أي (^١): واذكروا أيضًا إذ قلتم: يا موسى لن نصبر؛ أي: لن نقدرَ على حبسِ أنفُسنا على نوعٍ واحدٍ من الطَّعام، وهو المنُّ والسَّلوى.
وإنما قالوا: ﴿عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ وهما اثنان؛ لأنَّهم كانوا يأكلونَ أحدَهما بالآخر، كما يُؤكَلُ الخبزُ باللَّحم.
وقيل: كان ينزلُ عليهم المنُّ وحدَهُ (^٢) أوَّلًا، ثمَّ ملُّوهُ، فأرسلت عليهم السَّلوى، فيجوز (^٣) أن يكونَ هذا الكلامُ منهم قبل نزولِ السَّلوى، يقولون: قد مللنا هذا وعزَفَت عنه نفوسُنا.
وقوله: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ أي: سلْهُ، وقولُه: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ كلمة "مِن" في قوله: ﴿مِمَّا﴾ صلةٌ عند الأخفش (^٤)، ويجوز أن تكون للتبعيض، و"من" في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ هو للتجنيس، وهو بعضُ الأجناسِ أيضًا (^٥).
ثمَّ جزم قوله: ﴿يُخْرِجْ﴾ لوجهين (^٦):
أحدهما: على تقدير الجزاء، ومعناه: ادعُ لنا ربَّك، فإنَّك إنْ تَدعُ يُخْرجْ.
والثَّاني: ادعُ لنا ربَّك، وقل له: أخرج يخرجْ، وهو كقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ
_________________
(١) لفظ: "أي" ليس في (ف).
(٢) في (ف): "واحدة".
(٣) في (ف) و(ر): "ويجوز".
(٤) انظر "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١٠٥).
(٥) لفظ: "أيضًا" من (أ).
(٦) من قوله: "هو للتجنيس" إلى هنا ليس في (ف).
[ ٢ / ٢١٦ ]
يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١].
وقوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ البقلُ: كلُّ ما يُؤكَلُ مِن الطَّعامِ مِن الخُضَر، وهو في الأصل كلُّ نبتٍ اخضرَّت به الأرضُ، قال الشاعر:
قومٌ إذا نَبَتَ الرَّبيعُ لَهُمْ نَبَتَتْ عَدَواتُهُمْ مَعَ البَقْلِ (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ هو الخيار، وبضم القاف لغةٌ (^٢)، وهو قراءة يحيى بنِ وثَّابٍ (^٣) وطلحة والأشهب (^٤).
وقوله: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وقتادةُ والسُّدِّيُّ: هو الحنطة (^٥)، قال أُحيحةُ بن الجلاح:
قد كنتُ أغنى النَّاسِ شخصًا واحدًا وَرَدَ المدينةَ عَن زراعةِ فوم (^٦)
_________________
(١) البيت في "تأويل مشكل القرآن" (ص ٥٨٩)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (٢/ ٨٩٥)، و"الصحاح": (بقل) وغيرها دون نسبة، ونسبه الصاغاني -كما في "تاج العروس" للزبيدي: (بقل) -، وابن منظور في "اللسان": (بقل) للحارث بن دوس الإيادي.
(٢) لفظ: "لغة": ليس في (أ)، وبعده في (ف): "البقل". وهي هنا مقحمة.
(٣) في (أ): "وثاب".
(٤) انظر "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٠٥)، والقراءة نسبها ابن خالويه في "مختصره" (ص ١٣) ليحيى بن وثاب، ونسبها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٨٧) ليحيى والأشهب، ونسبها النحاس في "إعراب القرآن" (١/ ٢٣١) ليحيى وطلحة.
(٥) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٦ - ١٧).
(٦) من قوله: "قال أحيحة بن الجلاح" إلى هنا ليس في (ف)، وورد في (ر) عقب قوله السالف: "قراءة يحيى بن وثاب وطلحة والأشهب". والبيت يرويه ابن عباس ﵄ عن أحيحة، أخرج =
[ ٢ / ٢١٧ ]
وقال مجاهدٌ وعطاءٌ وابنُ زيدٍ: هو الخبز (^١).
وقال قطرب: الفومُ: كلُّ عقدةٍ مِن البصل، وقطعةٍ مِن اللَّحم، وكلُّ لقمةٍ كبيرةٍ، ويقال: فوَّمتُ الشيءَ، إذا (^٢) جعلتَه كذلك.
وقال الفرَّاء: يقال: فوموا لنا؛ أي: اختبزوا (^٣).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ والكسائيُّ: هو الثُّوم (^٤)، وفي قراءة أبيٍّ وابن مسعودٍ ﵄ بالثاء (^٥) وقال أميَّةُ بنُ الصَّلت (^٦):
كانت منازلُهُمْ إذْ ذاكَ ظَاهِرَةً فِيها الفَرَادِيسُ والفومانُ (^٧) والبَصَلُ (^٨)
_________________
(١) = روايته الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٢٣) (٦١٤) وأوردها الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ١٢٨) وغيره، ونسبه الأصفهاني في "الأغاني" (٢/ ١٩) لأبي محجن الثقفي، وروايته عنده: قد أحسبني كأغنى واحد ورد المدينة عن زراعة فول
(٢) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٦ - ١٧).
(٣) لفظ "إذا" من (أ).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤١).
(٥) انظر "النكت والعيون" للماوردي (١/ ١٢٩).
(٦) نسبها ابن خالويه في "مختصره" (ص ١٤)، وابن جني في "المحتسب" (١/ ٨٨) لابن مسعود وابن عباس ﵃. وهي عن أبي وابن مسعود في "زاد المسير" لابن الجوزي (١/ ٨٩).
(٧) بعدها في (ر): "شعر".
(٨) في (ر): "والثومان".
(٩) انظر: "ديوان أمية" (ص: ٩٨). والفردوس: البستان، وكرمٌ مفردس؛ أي: معرَّش. "الصحاح": (فردوس). وقال ابن منظور في "اللسان": (فوم): ويروي: الفراريس، وهو البصل، وفومان جمع فوم.
[ ٢ / ٢١٨ ]
فمَن قال: هو الثوم، قال: ذِكْرُ البصلِ في الآية يدلُّ على أنَّه هو المرادُ؛ فإنَّه مِن جنسه، ومَن جعلَه بمعنى الخبز أو (^١) الحنطة، قال: ذِكْرُ العدسِ يدلُّ على أنَّه هو المراد؛ لأنَّه مِن جنسه.
وقوله: ﴿وَعَدَسِهَا﴾ هو حبٌّ معروفٌ، وقوله: ﴿وَبَصَلِهَا﴾ هو معروفٌ أيضًا.
وقوله تعالى: (﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾): هذا استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: أتسألون الأردأ بدلًا عن الأعلى، من: دنا يَدنو؛ أي: قَرُب؛ أي: هو أقلُّ قيمةً، يقال: ثوبٌ مقارِبٌ؛ أي: قليلُ القيمة، ومعناه أنَّه إذا كثُر (^٢) ثمنُه ارتفعَ، وإذا قلَّ اتَّضَع، والدَّناءة: الرَّداءة، وهو دنيءٌ، أي: رديءٌ خسيس.
وبه يَستدِلُّ مَن حملَ الفومَ على الثُّوم أنَّه وَصَفَ بأنَّه دونٌ (^٣)، والحنطةُ ليست كذلك، وكذا وَصَفَ بِقلَّةِ القيمة، وليست الحنطةُ كذلك.
وأجابَ الآخرون أنَّ الحنطةَ بمقابلة المنِّ والسَّلوى أوضعُ رتبةً، وأقلُّ قيمةً.
ووجهٌ آخرُ أنْ يكون معنى (^٤) أدنى: أقربَ وأسهلَ وجودًا، وهو ممَّا يُشارككُم في وِجدانِه أكثرُ النَّاس، فيستبدلون (^٥) هذا بالرَّفيعِ الجليلِ الذي يَعزُّ (^٦) وجودُه وهو ممَّا يَختصُّون به، وهو معنى ما قاله قطرب.
_________________
(١) في (أ): "و".
(٢) في (أ): "ذكر".
(٣) في (أ): "ردي".
(٤) في (ر) و(ف): "معني".
(٥) في (أ): "يستبدلون".
(٦) في (ر): "يعسر".
[ ٢ / ٢١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ المصرُ: كلُّ كُورةٍ يقام فيها الحدود ويُغزَى فيها الثغورُ، ويُقسَم فيها الأموال من الفيء والصَّدقات مِن غيرِ مؤامرة الخليفة.
وقيل: هو مشتقٌّ من القطع، يقال: مَصَرَ الشَّيءَ (^١) يَمصِرُهُ؛ أي: قطعَهُ، سُمِّيَ به لانقطاعه عن الفضاء بالعِمارة.
ثمَّ اختلفَ أنَّه بلدٌ بعينه، أو بلدٌ من البلاد:
قال الحسنُ وأبو العالية والرَّبيعُ: هو مصرُ فرعون الذي خرجوا منه (^٢)، قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
وقيل: أراد به بيت المقدس، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وعلى هذا إنَّما نوَّنهُ هاهنا لأنَّه أرادَ به البلد (^٣)، وهو مذكَّرٌ، ولم ينونه في قوله: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ [يوسف: ٩٩]؛ لأَنَّه أراد به البلدة، وهي مؤنَّثةٌ، فلمَّا (^٤) اجتمعَ التَّعريفُ والتَّأنيث امتنعَ الصَّرفُ، وفي الأول لم يجتمعا.
وقيل: أراد به مِصرًا من الأمصار غيرَ معيَّنٍ (^٥)؛ لأنَّ ما سألوهُ مِن البقل ونحوِه لا يكون إلَّا في الأمصار، وهذا قولُ قتادةَ والسُّدِّيِّ ومجاهدٍ وابنِ زيدٍ (^٦).
ثمَّ معناه عندَ بعضهم: انزلوا بعضَ الأمصار إن كنتُم تريدونَ هذه الأشياء؛
_________________
(١) في (ف): "الفيء".
(٢) انظر: "النكت والعيون" (١/ ١٢٩)، ورواه الطبري (٢/ ٢٤) عن أبي العالية والربيع.
(٣) في (ر) و(ف): "البلدة".
(٤) في (ر) و(ف): "فلما".
(٥) في (أ): "عين".
(٦) انظر: "النكت والعيون" (١/ ١٢٩). وأخرج أقوالهم الطبري (٢/ ٢٢ - ٢٣).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
لأنَّكم في البَرِّيَّةِ، فلا يوجدُ فيها ما تَطلبون، وإنَّما يوجدُ ذلك في الأمصار.
وقيل: معناه: إذا نزلتُم في بعضِ الأمصار وجدتُم هذه الأشياء، ولم يَكن أمرَ بذلك للحال؛ لأنَّهم كانوا في التِّيهِ وقد كانت ضُرِبَت لهم مدَّةٌ عقوبةً لهم.
وقال القائل بهذا القول (^١): إنَّهم لم يَخرجوا مِن التِّيه.
وقيل: هذا أمرُ تعجيزٍ؛ أي: إن قَدَرتُم على النُّزول (^٢) في نزلوا مصرًا تجدوا فيه هذه الأشياء، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً﴾ (^٣) [الإسراء: ٥٠]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (^٤).
ذكرَ (^٥) القفَّالُ هذه الأقاويل، ثم قال: ويجوزُ أن يكونَ في مسيرِهم في تلك المفازة قرًى غير القرى التي كانوا وُعِدوها لم يُنهَوا عنها، فكان قولُه: ﴿مِصْرًا﴾ إشارةً إلى ذلك، وقد (^٦) تسمَّى القريةُ مِصرًا، كما يُسمَّى المصرُ قريةً؛ توسُّعًا، و(^٧) لأنَّ الاسمينِ لمُجتمع النَّاس من البنيان.
وقال الكلبيُّ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أي: مصرَ فرعون التي خرجتُم منها، فإنَّ فيها هذا، فارجعوا إليها، فكرِهوا ذلك، فضُرِبت عليهم الذِّلَّةُ والمسكنةُ.
والأظهرُ أنَّهم لم يُؤمروا بهبوط مصر فرعون؛ فإنه قال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ
_________________
(١) في (أ): "والقائل بهذا القول يقول" بدل: "وقال القائل بهذا القول".
(٢) قوله: "على النزول": ليس في (أ) و(ف).
(٣) بعدها في (أ): "أو حديدًا".
(٤) في (أ): "فاتوا بسورة" بدل: "قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ".
(٥) في (أ): "و".
(٦) في (ف): "فقد".
(٧) في (أ): "أو".
[ ٢ / ٢٢١ ]
الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٢١]، فلم يكن لهم الرُّجوعُ إلى مصر فرعون (^١)، ويكونُ معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ (^٢) أي: أسكنَّاها بني إسرائيل (^٣) بعدَ هلاكِ فرعونَ وآلِه، لا أن يكونوا سكنوها، ويكونُ هذا أمرًا بهبوط مصرٍ مِن أمصارِ الأرض المقدَّسة.
وقد قيل: إنَّ موسى صلواتُ اللَّه عليه سألَ اللَّهَ تعالى ذلك، فأُجيب بهذا، فكان (^٤) قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أمرًا من اللَّه تعالى.
وقيل: لم يَسأل ذلك، بل ردَّهم بقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ (^٥)، ثمَّ قال هو بنفسه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
وقيل: هذا الأمر -وهو قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ - كان بعد موت موسى وهارون ﵉، وانقضاءِ مدَّةِ التِّيه، والهبوطُ: النزول، فيَحتملُ أنَّ التِّيهَ كان في صعودٍ، والمصرَ في هبوطٍ، ويَحتمل أن يكون الهبوطُ مطلقَ النُّزول.
وقوله تعالى: (﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾): الذِّلَّةُ: نقيض العزَّة، والمسكنةُ: الفقر.
وقيل: هذا موصولٌ بقوله: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾؛ أمرَهم بدخول القُرى لطلب الأشياءِ التي سألوها، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: تذليلُ الأنفسِ في الأعمال المهينة، كالحِراثة ونقلِ العَذِرَة، وذُلِّ الكسب، والأوَّلُ كان يأتيهم مِن غير كسبٍ، وقد
_________________
(١) قوله: "الآية فلم يكن لهم الرجوع إلى مصر فرعون" من (أ).
(٢) بعدها في (أ) "بني إسرائيل".
(٣) في (أ): "ملكناها" بدل من "أسكناها بني إسرائيل".
(٤) في (أ): "وكان".
(٥) بعدها في (أ) "الذي هو أدنى"، وفي (ر): "الذي أدنى بالذي هو خير".
[ ٢ / ٢٢٢ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ٩٦]، فحُرِمَ هؤلاء ذلك، وامتُحِنوا بهذا لعصيانهم، وقوله تعالى: (﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾): هذا مبتدأ على هذا القول؛ أي: استحقُّوا غضبَ اللَّه بقتلِ الأنبياء بعد ذلك، وعصيانِهم وعدوانِهم.
وقيل: ابتداءُ الكلام الآخر مِن قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾، وانتظامُهُ بما قبله أنَّ موسى ﵇ سأل اللَّهَ لهم ذلك لمَّا أبوا ما اختارَهُ اللَّهُ لهم، فأعطاهم عاجلَ ما سألوا، كما قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، ثم نزل (^١) أولادُ هؤلاء البلادَ المقدَّسةَ التي كتبَ اللَّهُ لهم، فلم يزل يفسدون في الأرض، ويَعصون، ويَعتدون، ويَقتلون النَّبيِّين، حتى عاقَبهمُ اللَّه تعالى بتسليطِ طَطوس بن أسبسيانوس (^٢) الرُّوميِّ، بعدما سلَّطَ عليهم في الكرَّة الأولى بخت نصَّر، حتَّى خرَّب بيتَ المقدسِ، وسَبى أهلَهُ، وتبدَّدَ نظامُهم، وتشتَّتوا في البلاد، ليس لهم ملكٌ يضمُّهم، ولا رئيسٌ يجمعهم، فضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ والمسكنةُ، فصاروا مستضعَفين محتَقرين مساكينَ، بعدما كانو ا ملوكًا، وورِثوا أرضَ مصرَ، والشَّامَ، وبلاد الجبابرة.
ثمَّ قولُهُ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ أي: أُلصِقَت بهم، وأُلزِموها، وأُدِيمَت لهم، يقال للشيء الدائم: هذا ضربةُ لازمٍ ولازبٍ، وضُرِبَ عليهم البعثُ (^٣)؛ أي: ألزموه وفُرِضَ (^٤) عليهم.
_________________
(١) في (ف): "نزلت"، وفي (ر): "نزلوا".
(٢) كذا في (أ)، واسمه في (ف): "طرطوس بن استيانوس"، وفي (ر): "طرطوس بن استسيانوس". واسمه في "البدء والتاريخ" للمطهر المقدسي (٤/ ١٢٩): "ططوس بن استيانوس".
(٣) في (ف) و(ر): "البعث". وهو تحريف. انظر "المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي: (بعث).
(٤) في (ر): "وأفرض"، وفي (ف): "فأفرض".
[ ٢ / ٢٢٣ ]
والذِّلَّةُ: فرضُ الجزية عليهم في قول الحسن وقتادة (^١).
والمسكنةُ: الفاقة، في قول أبي العالية، وفقر النَّفس، في قول السُّدِّيِّ (^٢).
وقيل: هي التَّعبُ والمشقَّةُ في تحصيلِ هذه الأشياء التي سألوها.
وقيل: الذِّلَّةُ: الشُّحُّ، والمسكنةُ: الحرص.
وقيل: هذا ما أوعدَهم اللَّهُ تعالى به في قوله تعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، وهو نبيُّنا المصطفى ﵇، فأجلى بني النَّضير، وقتلَ بني قريظة، ووقعوا بالشَّام، فضُرِبَت عليهم الجزية (^٣).
والمسكَنةُ مفعلةٌ مِن السُّكون (^٤) هي الفقرُ الذي يَسكنُه عن الحركاتِ في التَّصرُّفات، ويقال: تَسكَّن وتمسكن، كما يُقال: تَدَرَّعَ وتَمَدْرَعَ، وهذا أسكنُ مِن فلانٍ؛ أي: أشدُّ مسكنةً (^٥)؛ لأنَّ الميمَ زائدةٌ، فيجوزُ إسقاطُها في الأفعل.
وقيل: المسكنةُ: فقرُ النَّفس، ولا يوجدُ يهوديٌّ موسِرٌ أو (^٦) معسرٌ غنيَّ النَّفس، تاركًا لما يدلُّ على مسكنتِه وخشوعِه وفقرِ نفسِه.
وقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قيل (^٧): احتملوه، وقيل: انصرفوا عنه، وقيل:
_________________
(١) رواه قولهما الطبري (٢/ ٢٦).
(٢) أخرج قوليهما الطبري (٢/ ٢٧)، ونقل المصنف هذه الأقوال عن "النكت والعيون" للماوردي (١/ ١٢٩).
(٣) في (ف): "الذلة".
(٤) بعدها في (أ): "فالمسكنة".
(٥) بعدها في (ر): "منه".
(٦) في (ر) و(ف): "ولا".
(٧) في (أ): "أي".
[ ٢ / ٢٢٤ ]
استحقُّوه، وقيل: أقرُّوا به، وقيل: لازموه، وهو الأوجه. يُقَال: بوأتُه منزِلًا، فتبوأَهُ؛ أي: ألزمتَهُ إيَّاهُ فلزِمَهُ (^١).
وقوله تعالى: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾): أي: ضَرْبُ الذِّلَّةِ والمسكنةِ واستحقادقُ الغضبِ بسبب كفرِهم بآيات (^٢) اللَّه، وهي التوراة؛ لاستحلالهم ما حرَّم اللَّهُ فيه.
وقوله تعالى: (﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾): زكريا ويحيى وغيرَهما.
وقوله تعالى (^٣): (﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾): قيَّدهُ بهذا الوصف تأكيدًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]، وقولِه: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقولِه تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وتحقيقُه: كانوا يَقتلون الأنبياءَ، وقتلُ الأنبياءِ قتلٌ يكون بغيرِ حقٍّ على كلِّ (^٤) حالٍ.
وقال القفَّال: ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بالمعجزاتِ التي أجراها على أيدي الأنبياء، ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ وكانوا يقولون: هذه تمويهاتٌ، وليست من اللَّه تعالى، وهؤلاء كاذبون، ونقتلُهم بهذا السبب، مِن غير أن يُقيموا حجَّةً على كذبهم، وأنَّهم يقتلونهم لذلك (^٥). وهذا وجهٌ حسنٌ.
وقوله تعالى: (﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾): أي: ذلك الكفرُ بشؤمِ عصيانِهم.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "فالتزمه".
(٢) في (أ): "بكتاب".
(٣) "وقوله تعالى: " ليس في (أ).
(٤) في (أ): "بكل" بدل من "على كل".
(٥) في (ف): "يقتلون كذلك".
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وقوله تعالى: (﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾): أي: بمجاوزتهم الحدَّ (^١)، وذلك يكونُ في كلِّ خلافٍ، وقد قال أيضًا: ﴿اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] وذلك بأخذِ الصيدِ في يومِ النَّهي، وعصيانُهم كان من العلماء والعامَّة بما قال: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]،، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]، وقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ (^٢) [المائدة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (^٣) [مريم: ٥٩].
وقال القشيريُّ ﵀: إنَّ بني إسرائيل لم يَرضوا بحسنِ اختيارِ اللَّه تعالى لهم، ولم يَصبروا على قيامِه بتولي ما كان يُهِمُّهُم مِن كفايةِ مأكولِهم وملبوسِهم، فنزلوا في التَّحيُّر إلى ما جَرَت عليه عادتُهم مِن أكل الخسيس من الطَّعام، والرِّضا بالدُّونِ مِن الحالِ، فردَّهُم إلى مقاساة الهوان، ورَبَطهُم بإقامة الخُذلان، حتى سفكوا دماءَ الأنبياء، وهَتكوا حرمةَ الأمرِ بقلَّة الاستحياء وترك الارعواء (^٤)، فعاقَبهم على قبيحِ أفعالهم، وردَّهم إلى ما اختاروهُ لأنفسِهم مِن خسائس أموالهم. وحين لم تَنجَع فيهم النَّصيحةُ أدركتهمُ النِّقمة والفضيحة، وكان بنو إسرائيلَ متفرِّقي الهموم، مُتَشتِّتي القُصُود (^٥)، لم يَرضوا لأنفسِهم بطعامٍ واحدٍ، ولم يكتفوا في دينِهم بمعبودٍ واحدٍ، حتى قالوا لموسى حين رأوا قومًا يعبدون الصَّنم: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا
_________________
(١) في (ر): "الحدود".
(٢) "وقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ " من (أ).
(٣) في (أ): "الآية" بدل: "واتبعوا الشهوات".
(٤) بعدها في (ر): "الامتناع".
(٥) في (ف): "الفهوم".
[ ٢ / ٢٢٦ ]
لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وهكذا صفةُ أربابِ التَّفرقةِ، والصَّبرُ معَ الواحد الأحد ليس أمرَ كلِّ أحد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] (^١).
* * *
(٦٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
ثمَّ ختمَ هذه الآيةَ بذكرِ الكفر والمعصية، وذكر بعدها آيةً فيها ذِكْرُ الإيمان والطَّاعة، وهي قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود، وسمُّوا به لأنَّهم هادوا عن الحقِّ؛ أي: مالوا، وقيل لقولهم (^٢): ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، وقيل: لأنَّهم ولدُ يَهودا، وهو أكبرُ أولادِ يعقوب، وحولت الذال دالًا؛ لتغييرها عن (^٣) العبرانيَّة إلى العربيَّة.
وقولُه تعالى: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ واحدهم: نصرانيّ، وسمُّوا به لتَناصُرِهم وتعاونِهم فيما بينهم على إقامة ملَّتهم، وقيل: لنصرهم (^٤) عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
وقال ابنُ جريج وقتادة: سمُّوا به لأنَّهم مِن قريةٍ تُسمَّى ناصرة، كان ينزلُها عيسى ﵇ (^٥).
_________________
(١) "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٩٥ - ٩٦).
(٢) في (ف): "كقولهم". وبعدها في (أ): "إنا".
(٣) في (أ): "من".
(٤) في (ر): "لنصرتهم".
(٥) انظر: "النكت والعيون" (١/ ١٣٢)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٣) عن ابن جريج.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
والنَّصارى في القياس جمع نَصْرَان، كالنشاوى جمع نشوان (^١)، والنَّدامى جمع ندمان، وهو قولُ سيبويه (^٢)، والمستعمل هو: النصراني، بزيادة ياء التشبيه، والأصل الأول، قال الشاعر:
تَراهُ إذا دَارَ (^٣) العَشِيُّ مُحَنِّفًا (^٤) ويُضحِي لديهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ (^٥)
وقال آخر:
فكلتاهما خرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها كما سَجَدَتْ نَصْرَانَة لم تَحَنَّفِ (^٦)
وقيل: النَّصارى جمعُ: نصري كالمَهَارى جمعُ مَهْرِيّ، قاله الخليل (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ يقال: صبأ (^٨) صبوءًا، إذا خرجَ مِن دينٍ إلى دين،
_________________
(١) في (ر): "كالشتاوى جمع شتوان" وفي (ف): "كالستاوى جمع ستوان". والمثبت من (أ)، وهو موافق لما في "تفسير الطبري" (٢/ ٣٢).
(٢) انظر "الكتاب" (٣/ ٢٥٥).
(٣) في (ر): "جاء".
(٤) في (ف): "العشا متحنفًا".
(٥) البيت دون نسبة في "تفسير الطبري" (٢/ ٣٣)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ١٨١)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (١/ ١٥٧). قال الشيخ محمود شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢: ١٤٤): والبيت في صفة الحرباء. و"محنفًا" قد تحنَّف أو صار إلى الحنيفية، ويعني أنه مستقبل القبلة، وقوله: شامس. يريد: مستقبل الشمس قبل المشرق. يقول: يستقبل الشمس كأنه نصراني.
(٦) ذكره سيبويه في "الكتاب" (٣/ ٢٥٦، ٤١١)، ونسبه في الموضع الثاني لأبي الأخرز الحمَّاني. وهو دون نسبة في "معاني القرآن" للزجاج: (١/ ١٤٧)، و"الصحاح": (نصر).
(٧) انظر: "الكتاب" لسيبويه (٣/ ٤١١).
(٨) بعدها في (ر): "يصبو".
[ ٢ / ٢٢٨ ]
سمُّوا به لأنَّهم خرجوا من دينِ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، وخالفوهما (^١)، وقد صبأ النَّجمُ، إذا (^٢) مال عن جهته، وصبأ نابُ البعيرِ، إذا خرج. ومَن تركَ همزَهُ (^٣) فهو (^٤) من: صبا يَصْبُو صبوةً، إذا مالَ.
وقيل: هم قوم (^٥) نجران (^٦)، يعبدون النُّجومَ، ويُقِرُّون بالصَّانِع، والمعاد، ويؤمنون ببعض (^٧) الأنبياء.
وقيل: هم من المانويَّة (^٨).
وقال قتادة: الصَّابئون: فرقةٌ يَعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة، ويقرؤون الزَّبورَ.
وقال السُّدِّيُّ: هم طائفةٌ مِن أهل الكتاب.
وقال مجاهدٌ: الصَّابئون بين المجوسِ واليهود، لا تُؤكَلُ ذبائحُهم، ولا تُنكح نساؤهم، وهو قولُ الحسن البصريِّ (^٩).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقد خالفوهما".
(٢) في (ف): "أي".
(٣) في (أ): "الهمزة".
(٤) في (ر): "جعله" بدل: "فهو"، وليس في (ف).
(٥) بعدها في (أ): "من".
(٦) بعدها في (أ): "كانوا".
(٧) في (أ): "وببعض"، وفي (ر): "وبعض" بدل: "ويؤمنون ببعض".
(٨) المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الحكيم، ظهر بعد عيسى ابن مريم ﵇، أحدث دينًا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح ﵇، ولا يقول بنبوة موسى ﵇، وزعم أن العالم مركب من أصلين قديمين، أحدهما: نور، والآخر: ظلمة. انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني (٢/ ٥٢).
(٩) أقوال قتادة والسدي ومجاهد والحسن رواها الطبري (٢/ ٣٦ - ٣٧).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وبه أخذ أبو يوسف ومحمَّدٌ رحمهما اللَّه، وقالوا: هم يعبدون الملائكة و(^١) الكواكب، فكانوا كعبدة الأصنام، وقال أبو حنيفة ﵀: إنَّهم (^٢) كأهل الكتاب في حلِّ ذبائحِهم، ونكاحِ بناتِهم؛ لأنَّهم يَقرؤون الزَّبورَ، ويُعظِّمونَ الكواكبَ تعظيمَ القِبلة؛ لتوجُّهِهم إليها في صلاتهم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: مَن آمنَ منهم؛ أي: مِن اليهود والنَّصارى والصابئين. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: مِن مُشرِكي العرب وغيرِهم، ومن آمن من هؤلاء الفرق الثلاثة باللَّه وبالقيامة؛ أي: صدَّق بكونها (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مرَّ تفسيره.
وقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابُ إيمانِهم وعملِهم الصَّالح، سمَّاه أجرًا؛ لأنَّه جعلَهُ جزاءَ عملهم (^٥) بوعدِ (^٦) الحقِّ؛ فضلًا منه، فسكَّنَ قلوبَهم لوجودِه لا محالة، كما يجدُ الأجيرُ أجرَه لاستحقاقه ذلك بعملِه، وهذا ينالُه بعملِه بوعد اللَّه، لا باستحقاقه، أخبرَ أنَّ هؤلاء إذا آمنوا وعملوا الصَّالحات، لم يؤاخذوا بمتقدِّمِ (^٧) فعلِهم، ولا بفعلِ آبائهم، ولا يُنقَصون مِن ثوابهم.
_________________
(١) قوله: "الملائكة و" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "هم".
(٣) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٤/ ٢١١).
(٤) في (ف): "بكونهما".
(٥) في (ف) و(ر): "عمله".
(٦) في (ر): "بوعده".
(٧) في (أ): "بما تقدم من".
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا يخافون أن تبطلَ (^١) لهم حسنةٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بفوتِ ثوابِها.
وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في عصر الرَّسول، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ كانوا على دينِ موسى وفي زمانه، وماتوا على ذلك، ولم يُبدِّلوا، ﴿وَالنَّصَارَى﴾ الذين كانوا على دينِ عيسى ﵇، وماتوا ولم يبدِّلوا، ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ على هذا التَّأويل: قومٌ كان لهم دينٌ حقٌّ سوى اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، بأن كانوا على اتِّباعِ رسولٍ وكتاب، من آمن منهم؛ أي: ثبتَ على إيمانِه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ على موافقَةِ إيمانِه، فلهم أجرُ إيمانِهم وعملِهم الصَّالح، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن العقوبة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوت الجنة.
وقال القتبيُّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بألسنتِهم دون قلوبهم، وهم المنافقون واليهودُ والنَّصارى والصابئون (^٢)، ﴿مَنْ آمَنَ﴾؛ أي: من أخلص مِنهم وآمنَ بشرائط الصحة، فله الأجر، وزوال الخوفِ والحزَن، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ذُكر على الوحدان (^٣) لظاهر كلمة ﴿مَنْ﴾، وقال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على الجمع؛ لأنَّ معناه معنى الجمعِ، فإنَّه اسمٌ صالحٌ للواحد والجماعة.
* * *
(٦٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "نبطل".
(٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٨٢).
(٣) في (ف): "الواحد".
[ ٢ / ٢٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور﴾ أي: واذكروا أيضًا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أي: العهدَ بالانقيادِ لموسى ﵇ فيما يخبرُكم به، وقبلتموه، وخرجتُم معه مِن مصرَ، فقرَّبناهُ نجِيًّا، وأعطيناهُ الألواحَ فيها التوراةُ، فأتاكُم بها، فلم تقبلوها، وقلتم: هي شديدةٌ لا نطيقُها، فرفعنا فوقكم الجبل، وهو قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وهو الذي ذكرَهُ في قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧١].
﴿وَالطُّورِ﴾: الجبل، وقيل: هو يقعُ على كلِّ جبل (^١).
وعن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ الطُّورَ هو (^٢) الجبل المُنبِتُ (^٣).
وقيل: هو (^٤) جبلٌ فيه أشجار.
وقيل: هو جبلٌ بعينِه، واختُلِفَ في ذلك العين (^٥):
قيل: هو الجبلُ الذي كان موسى ﵇ (^٦) عليه حين كلَّمهُ اللَّهُ تعالى وأنزلَ عليه الألواح (^٧).
وقيل: هو جبلٌ مِن جبالِ فلسطين، انقلعَ مِن أصلِه وقَام على رؤوسِهم مثلَ الظُّلَّةِ (^٨)، وكان العسكرُ فرسخًا في فرسخ، والجبلُ كذلك.
_________________
(١) هو قول مجاهد وقتادة، رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٩).
(٢) في (أ): "أنه" بدل من "أن الطور هو".
(٣) رواه الطبري (٢/ ٥١)، وابن أبي حاتم (١/ ١٢٩) (٦٥١).
(٤) بعدها في (أ): "كل".
(٥) في (ر): "الجبل".
(٦) بعدها في (ر): "يخاطب اللَّه تعالى".
(٧) هو قول ابن عباس ﵄. رواه عنه الطبري (٢/ ٥٠).
(٨) نسبه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢١١) لابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وقيل: خمسة فراسخَ في خمسةِ فراسخ.
وأوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى: إن قَبِلوا التَّوراةَ وإلَّا رميتُهم بهذا الجبلِ فرضختُهم به، فلمَّا رأوا ألَّا مهربَ لهم قبِلوا ما فيها، وسجدوا مِن المهابةِ على أنصافِ وجوههم، لأنَّهم كانوا يُلاحظونَ الجبلَ، وكذلكَ تسجدُ اليهودُ لذلك (^١).
وقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: جِدٍّ ومواظبةٍ، و﴿خُذُوا﴾ بمعنى: اقبلوا.
وقيل: بقوة؛ أي: باقتدارٍ ونشاطٍ وأداءٍ لما فُرِضَ عليكم.
وقيل: أي: أعطيناكُم قوَّة ذلك، وهي سلامةُ الآلات، فخذوهُ بتلك القوَّة.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ قيل (^٢): أي: ادرسوهُ لِتَرِقَّ قلوبُكم، ولتذكروا به الوعدَ والوعيدَ. ويَحتملُ ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ أي: احفظُوه ولا تَنسوه، ويجوزُ إرادةُ المعنيين جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: لتَصيروا متَّقين، وعن النَّارِ متوقِّين.
ثمَّ قولُه: ﴿خُذُوا﴾ فيه مضمرٌ؛ أي: وقلنا لهم: خذوا، وهذا اختصارٌ يَدلُّ عليه سياقُ الكلام، ولأنَّ ذكرَ الميثاقِ يَقتضيهِ، كأنَّه قال: واثقناكم أن خذوا.
ثمَّ قولُه: ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ وُحِّدَ وإِنْ أُضِيفَ إلى الجمعِ، ولم يقل: مواثيقكم؛ لأنَّ المرادَ ميثاقُ كلِّ واحد؛ أي: أخذنا مِنْ كلِّ واحدٍ منكم ميثاقَهُ، كما قال: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]؛ أي: كلَّ واحدٍ.
_________________
(١) في (ر): "فلذلك سجد اليهود كذلك"، وفي (ف): "وكذلك سجد اليهود لذلك" بدل: "وكذلك تسجد اليهود لذلك".
(٢) لفظ: "قيل" من (أ).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وقيل: أخذَ على الكلِّ ميثاقًا واحدًا؛ أي: كان ميثاقُ كلِّ واحدٍ ما كان ميثاقَ الآخرين.
وقال القفَّال: ويَحتملُ أن يكون أخذُ الميثاقِ مع رفعِ الطور معًا، والواو للجمع، ويَحتملُ أن يكون أخذُ (^١) الميثاق مقدَّمًا (^٢)، ولمَّا نقضوهُ رَفعَ الطُّور فوقَهم، ودليل الأول قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]، ودليلُ الثَّاني أنَّه يجوزُ أن يكون معناه: بميثاقهم؛ أي: لميثاقهم (^٣) الذي نقضُوه؛ أي: بسبب (^٤) ذلك رفعنا فوقَهم الطُّورَ.
ثمَّ هذه الحادثةُ كانت قبلَ التِّيهِ والأمرِ بدخولِ قرية أريحا، وإنَّما ذُكِرَت بعدَهما لأنَّ القصَّةَ واحدةٌ، وهذا (^٥) تعدادُ مِننٍ (^٦) كانت للَّه تعالى على أسلافِهم (^٧)، ويجوزُ ذلك على التَّرتيب وغيرِ التَّرتيب؛ لأنَّ المرادَ تذكُّرهم بما كان منهم (^٨)، وهو حاصلٌ كيفَ ذكره (^٩).
ثمَّ رفعُ الجبل ليَقبلوا التَّوراةَ لم يكن جبرًا على الإِسلام؛ لأنَّ الجبرَ ما يَسْلُبُ
_________________
(١) لفظ: "أخذ" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "متقدمًا".
(٣) في (أ): "بميثاقهم".
(٤) في (ر): "سبب" وتحرفت في (أ) إلى: "نسيت"!.
(٥) في (ف): "وهي".
(٦) في (ر): "نعم ومنن".
(٧) في (ف): "إتلافهم".
(٨) في (أ): "فيها"، وقوله: "بما كان منهم". ليس في (ر).
(٩) في (أ): "ذكر".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
الاختيارَ، ولا يصحُّ معه الإسلامُ، بل كان إكراهًا، وهو لا يَسلُبُ الاختيار (^١)، وهو جائزٌ كالمحاربة مع الكفَّار، فأمَّا قولُه تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقولُه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، فقد كان (^٢) ذلك قبلَ الأمرِ بالقتال، ثمَّ نُسِخَ به (^٣).
* * *
(٦٤) - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: أعرضتم عن الدَّوام عليه من بعد القَبول.
وقيل: مِن بعد ردِّ الجبلِ.
وقيل: من بعد أخذِ الميثاق ورفعِ الطور.
وإنَّما وُحِّدَ (^٤) ذلك والمذكورُ قبله شيئان، والمدلول (^٥) عليه أكثرُ مِن ذلك، وهو قَبولُهم التَّوراةَ وردُّ الجبل؛ لأنَّه أرادَ: مِن بعدِ ما ذكرنَا، فوحَّد لتوحُّدها (^٦).
وقوله ﴿ذَلِكَ﴾ خطابٌ للنبيِّ ﵇ وحدَهُ بِالكاف، ولو قال: ذلكم (^٧)، كان خطابًا لهم جميعًا.
_________________
(١) من قوله: "ولا يصح معه الإِسلام" إلى هنا ليس في (ر) و(ف).
(٢) في (أ): "فكان" بدل من "فقد كان".
(٣) في (ر): "ذلك" بدل: "به".
(٤) في (أ): "وحد".
(٥) في (ر) و(ف): "والمذكور".
(٦) في (أ): "لتوحد كلمة ما".
(٧) في (ف): "ذلك".
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ هو زيادةُ الإنعام (^١)، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ هي عطفُهُ؛ أي: فلولا فضلُهُ ورحمتُه بردِّ الجبل عنكم، وإمهالِكم إلى أنْ تُبتُم بعدَما تولَّيتُم، لوقعَ الجبلُ عليكم، فمتُّم كافرين خاسرين، وهذا في حق الذين تابوا بعد ما تولَّوا.
وقيل: ولولا فضل اللَّه بإعطاءِ التَّوراة (^٢)، ورحمتُه بقَبول التَّوبة بعد التولِّي.
وقيل: ولولا إيمانُكم باللَّه الذي هو فضلٌ مِن اللَّه، ورحمتُه عليكم بالكتاب.
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ثمَّ (^٣) ابتدأ كلامًا يَرجِعُ إلى الأوَّل فقال: ولولا فضلُه (^٤) ورحمتُه برفعِ الجبلِ فوقَكم، لدمتُم على إنكارِ الكتاب وردِّه، فكنتم مِن الخاسرين، ولكن تفضَّل اللَّهُ عليكم ورحمَكم حيث رفعَ الطُّور فوقكم حتَّى تبتم، فزال الجبلُ عنكم، ولولا ذلك لسقطَ الجبلُ عليكم وكنتم مِن الخاسرين.
وقيل: أي: ولولا فضلُه بإعطاءِ التَّوراة، ورحمتُه بتوفيقِ القَبول.
وقيل: أي (^٥): ولولا فضلُ اللَّه عليكم بإنجاءِ آبائِكم من العذاب، وردِّ الطور عنكم (^٦)، لما توالدتُم أنتم.
_________________
(١) في (أ): "الإيمان".
(٢) في (أ): "التوبة".
(٣) لفظ: "ثم" ليس في (ر) و(ف).
(٤) في (أ): "فلولا فضل اللَّه عليكم" بدل: "ولولا فضله".
(٥) "أي" ليس في (ف).
(٦) كذا في النسخ الخطية، ولعل الأقرب: "عنهم".
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الخسرانُ في الأصل: ذهابُ رأس المال، وهو هاهنا هلاكُ النَّفسِ؛ لأنَّها هي الأصل.
وقيل: أي: من المغبونين بالو قوع (^١) في العذاب وحرمانِ الثَّواب.
* * *
(٦٥) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ خطابٌ لأهل (^٢) عصر النبيِّ -ﷺ-، يقول: "لقد علمتم": عرفتم أصحابَ السَّبتِ وما أحللنا بهم مِن النَّكالِ (^٣) في الدُّنيا؛ بالمسخِ حين اعتدَوا بالاصطيادِ يومَ السبت، فلم يكن تأخيرُ (^٤) العقوبةِ عن أسلافِكم الذين كانوا قبلَكم (^٥) على عصيانِهم ونقضِهم ميثاقهم: للعجزِ عن تعجيلِ ذلك، بل فضلًا ورحمةً، ولو شئنا لعاجَلناهم بما عاجَلنا به أصحابَ السَّبت، وكذا أنتم في تمرُّدِكم على محمَّدٍ؛ لو شئنا لأنزلْنا بكم ما أنزلنا بهم (^٦).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أي: للذين جاوزوا الحدَّ الذي حُدَّ لهم مِن تركِ الصَّيد يومَ السَّبْتِ مِن أسلافِكم.
_________________
(١) في (ف): "في الوقوع".
(٢) في (ر) و(ف): "أهل".
(٣) من قوله: "يقول: لقد علمتم عرفتم" إلى هنا ليس في (ر) و(ف).
(٤) في (أ): "تأخيرنا".
(٥) في (أ): "قبلهم".
(٦) من قوله: "وكذا أنتم في" إلى هنا ليس في (ف).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
والسَّبتُ آخرُ أيَّامِ الأسبوع، سُمِّيَ به لأنَّه سُبِتَ فيه (^١) خَلْقُ كلِّ شيءٌ؛ أي: قُطِعَ وتُمِّمَ، وأصلُ السَّبت القطعُ، والسُّبات: النوم (^٢)؛ لأنه يَقطعُ الحركاتِ الاختياريَّة، واليهودُ يَسْبِتون فيه؛ أي: يَقطعون الأعمالَ فيه.
وقصَّتُه ما رُوي عنِ ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: كان في زمن داودَ ﵇ في أرضٍ يُقال لها: أيلة، بين المدينة والشَّام، على ساحل بحر قُرزم، وكان مكانًا يَجتمعُ فيه حيتانُ كلِّ أرضٍ مِن السَّنة في شهرٍ، كهيئةِ العيد، تأتيهمُ الحيتان حتَّى لا يُرَى الماءُ، وتأتيهم في غيرِ ذلك الشَّهرِ في كلِّ سبتٍ، كما (^٣) كانت تأتيهم في ذلك الشَّهر، فإذا ذهبَ السَّبتُ لم يُحِسُّوا شيئًا منه، وحُرِّمَ عليهم الصَّيدُ في يومِ السَّبت (^٤).
وقيل: إنَّما خصَّ به ذلك اليوم؛ لأنَّ موسى ﵇ أرادَ أن يجعلَ يومًا للَّه تعالى خالصًا لطاعتِه، وهو يومُ الجمعة، فخالفَه اليهودُ وقالوا: نجعلُ ذلك اليوم (^٥) السبت؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لم يخلق فيه شيئًا، فلمَّا اختاروه لتركِ سائر الأعمال، نُهوا فيه عن الاصطيادِ أيضًا (^٦) وصار اختيارُهم وبالًا عليهم، فعَمَد (^٧) رجالٌ لأهل (^٨)
_________________
(١) في (أ): "به"، وليست في (ف).
(٢) لفظ: "النوم" من (أ).
(٣) في (ف): "ما".
(٤) ذكر مكي هذه القصة في "الهداية إلى بلوغ النهاية" (٤/ ٢٦٠١) عن الكلبي.
(٥) "اليوم" سقط من (أ).
(٦) في (ر): "دائمًا"، وليست في (ف).
(٧) في (ر) و(ف): "فعمدت".
(٨) في (أ): "من أهل".
[ ٢ / ٢٣٨ ]
تلك القريةِ، فحظروا عشيَّة الجمعةِ حظيرة (^١) حيث يدخلُ عليهم السَّمكُ، فحَبسوا السَّمك فيها، وأخذوا منه (^٢) ليلةَ الأحد ويوم الأحد، فأكلوا، وملَّحوا، وباعوا، فكثُرت أموالُهم، فعملوا بذلك زمانًا، في روايةٍ: أربعين سنةً، وفي روايةٍ: سبعين سنة، لم تنزل فيهم عقوبةٌ، وكانوا يتخوَّفون العقوبةَ، فلمَّا لم يُعاقَبوا استبشروا، وقالوا: إنَّا لنَرى السَّبْتَ قد أُحِلَّ لنا، ثمَّ استنَّ الأبناءُ سنَّة (^٣) الآباء، فلو أنَّهم فعلوا ذلك مرَّة أو مرَّتين لم يضرَّهم.
فمشى إليهم طوائفُ مِن أهلِ المدينة، نحوًا من اثني عشر ألفًا مِن الذين كرِهوا الصَّيدَ في يوم السَّبت. وأهل القرية كانوا نحوًا من سبعين ألفًا، فنهوهم عن ذلك، وقالوا لهم: يا قوم، إنَّكم عصيتُم ربَّكم وخالفتُم سنَّةَ نبيِّكم، فانتهوا عن هذا العملِ قبلَ أن يَنزلَ بكم العذابُ (^٤)، فلم يتَّعظوا، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾؛ أي: أبوا أن يرجعوا عن استحلال الصيد، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٥]، فأصبحَ الذين استحلُّوا الصيدَ قردةً خاسئين، فمكثوا بعد ذلك ثلاثةَ أيَّام يَنظرُ إليهم النَّاس، ثمَّ هَلَكوا لم يتوالدوا، ولم يمكُث مسخ غيرَ ثلاثةِ أيَّام.
قولُه تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي: للذين اعتدَوا، وقال قبله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وهو خطابُ أهل عصرِ النَّبيِّ -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي: مسخناهم قردةً.
و﴿كُونُوا﴾ أمرُ تسخيرٍ، وهو إشارةٌ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ
_________________
(١) في (ر): "حفروا. . . حفيرة" وفي هامش (ف): "حاشية أي: فحفروا عشية الجمعة حفيرة".
(٢) في (أ): "منها".
(٣) في (أ): "بسنة".
(٤) في (ف): "البلاء" وفي هامش (ف): "نسخة: قبل أن ينزل بكم العذاب".
[ ٢ / ٢٣٩ ]
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أي: لمَّا أردنا ذلك صاروا كما أردنا، مِن غير امتناعٍ ولا لُبْثٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، وقولِه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، وهو من قول القائل منَّا: أمرتُ بكذا، وكان (^١) كما أمرتُ به؛ إظهارًا منه لعظَمتِه ونَفاذِ أمرِهِ ومشيئته.
والدليلُ على أنَّه تكوينٌ أنَّه قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ وهو ذلك الأول.
والقردةُ جمعُ قردٍ، كالفيلَة جمعُ فيل، والدِّيكةِ جمعُ ديك.
وقوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾ أي: صاغرين مبعَدين مطرودين، كالكلب إذا دنا من الناس، قيل له: اخسأ؛ أي: تَباعَد وانطِردْ صاغرًا، وقوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ [الملك: ٤] أي: صاغرًا ممنوعًا عن مُعاودة النَّظر، وقد خسأتُ الكلبَ فخسأ، لازمٌ ومتعدٍّ.
وقيل: أي: ساكتين لا يتكلَّمون، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
وقال مجاهد: لم يكن هذا مسخَ الأبدان، بل كان مسخَ القلوب.
وفي روايةٍ قال: لم يمسخوا قردةً، وإنَّما هذا مَثَلٌ صوَّرهُ اللَّهُ تعالى (^٢) لهم، كما قال: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] (^٣).
قال القفَّال: ومَن قال بهذا جعلَه كقولِ الرَّجل لرجُلٍ: لا تَنظرْ فِي العلم، ولا تُجالس أهلَه (^٤)، اذهب فكن حمارًا؛ أي: شبيهَ حمار، قال الشاعر:
_________________
(١) في (أ): "فكان".
(٢) في (أ): "ضربه لهم" بدل من "صوره اللَّه تعالى".
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٣٣) (٦٧٢).
(٤) في (أ): "أهل العلم".
[ ٢ / ٢٤٠ ]
إذا أنتَ لم تَعْشَق ولم تَدْرِ ما الهَوى فَكُن حَجَرًا مِن يابسِ الصَّخرِ جَلمَدَا (^١)
ولكنَّ هذا خلافُ ظاهرِ الكلام، وخلافُ الآثار، ومَسْخُ هؤلاءِ مشهورٌ، وكان اليهودُ لعنَهم اللَّهُ إذا سُبُّوا قيل لهم: يا إخوةَ القردةِ والخنازير (^٢)، ويخاطبون به في عصرِ النبيِّ -ﷺ-، وليس تحويلُ الصُّورة بأعظمَ مِن إنشاءِ العنصر، فمَن آمنَ بابتداعِ الجواهر، فماذا عليه أن يؤمنَ بانقلاب الصورة (^٣)؟
ثم قيل: مُسِخوا قردةً، فلم يبقَ في ظاهرهم وباطنِهم معنى الإنسانيَّة.
وقيل: بقيَ فيهمُ الفهمُ والعقل، فقد رُويَ أنَّهم لمَّا مُسِخوا ليلًا، فلمَّا أصبحَ النَّاسُ الخارجون منها وأتَوا أبوابَها، فإذا هي مغلقةٌ لا يُسمَعُ منها صوتٌ، ولا يَعلو منها دخانٌ، فتسوَّروا الحيطانَ ودخلُوها (^٤)، فرأوهم قد (^٥) صاروا قردةً، و(^٦) كانوا يعرفون كلَّ واحدٍ بشق (^٧) معرفة؛ بقرابةٍ أو صحبةٍ، فكانوا يقولون: ألم ننهكُم عن ذلك؟ فكانوا يشيرون برؤوسهم؛ أي: نعم، والدموعُ تفيضُ مِن أعينِهم، وذلك دلالةُ الفهم والمعرفة.
ثمَّ لم يكن ابتداءُ القِردة مِن هؤلاء، بل كانت قبلَهم قردةٌ، وهؤلاء حُوِّلوا إلى
_________________
(١) البيت للأحوص الأنصاري، وهو في "ديوانه" (ص ٥٧) (طبعة السامرائي)، و(ص ١٢١) (طبعة عادل سليمان جمال)، وانظر تخريجه فيهما.
(٢) ووقع ذلك في خطاب النبي -ﷺ- لهم في خبر بني قريظة، رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٣٣٢).
(٣) في (أ): "الصور".
(٤) في (أ): "فدخلوها" وفي (ف): "ودخلوا".
(٥) في (أ): "وقد".
(٦) في (أ): "وقد".
(٧) في (أ) و(ف): "نسق".
[ ٢ / ٢٤١ ]
صورتِها لقبحها؛ جزاءً على قبحِ أفعالهم، وماتوا بعد ثلاثةِ إيَّام، والقردةُ التي كانت في الدُّنيا هي نسلُ قردةٍ كانت قبلَهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه نقضُ قولِ المعتزلة، لأنَّهم يقولون: ليسَ في خلقِ اللَّه قبيحٌ، ولو لم يكن في خلقِ اللَّه تعالى قبيحٌ، لم يكن لِتحويلِ صورتِهم مِن صورةِ الإنسانيَّة إلى صورةِ القردةِ معنًى (^١).
* * *
(٦٦) - ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي: جعلنا هذه العقوبةَ، كنايةٌ رجعَتْ إلى المعنى دون المذكور.
وقيل: أي: جعلنا المسخةَ.
وقيل: أي: جعلنا هذه القريةَ التي اعتدى أهلُها، فقد ذكر القريةَ في سُورة أخرى (^٢).
وقيل: جعلنا هذه الأمَّة.
وقيل: هذه الفرقة.
وقيل: هذه الفِعلة.
وقيل: القردة.
وقيل: هذه الجماعة. وقيل أقاويلُ متقاربةٌ (^٣).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦١).
(٢) لعله يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ. . .﴾ [الأعراف: ١٦٣].
(٣) في (ف): "متفاوتة".
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿نَكَالًا﴾ النَّكالُ: الفضيحةُ الشَّاهرةُ (^١) الزَّاجرة.
وقيل: العقوبةُ التي يُنْكَلُ بها عن الإقدامِ على مثلِ تلك الجناية، يقال: نَكَلَ عن الأمرِ نكولًا؛ أي: امتنعَ، والنِّكْلُ: القيدُ، وجمعه الأنكال؛ لأنَّ فيه منعَ المقيَّد عن الذَّهاب. يقول: فعلنا ذلك؛ لمنع العبادِ عن الفساد، لا كما يفعلُه البشرُ للتَّشفي ونحوِه.
وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قيل: من عقوبة الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ مِن فضيحة الدُّنيا، فيُذكَرون بها إلى قِيام السَّاعة.
وقيل: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ لما تقدَّم مِن سائر الذُّنوب قبلَ أخذِ السَّمك، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ وما بعدَها مِن أخذِها (^٢).
وقيل: هما عبارةٌ عن كثرةِ ذُنوبِهم المحيطةِ بهم أوَّلًا وآخرًا.
وقيل: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أهل زمانهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ إلى يوم القيامة.
وقال أبو العالية: فجعلناها عقوبةً لما مَضى مِن ذنوبهم، وعبرةً لمَن بعدهم (^٣).
وقيل: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مَن يُشاهدها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ مَن يسمع بذكرها.
وقيل ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ من القُرى.
وقال بعضُهم: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ لمَن يأتي بعدَهم، كما يُقال: الضَّيْفُ بين يديك؛ أي: يأتيكَ، وقال أسامةُ للنبيِّ -ﷺ- في مسيرِهِ مِن عرفات: الصلاةَ يا رسول اللَّه!
_________________
(١) في (أ): "المشاهدة".
(٢) في (أ): "أخذ السمك".
(٣) رواه ابن أبي حاتم (١/ ١٣٤) (٦٧٧)، (٦٨١).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
فقال: "الصلاةُ أمامَك" (^١)؛ أي: نفعلها بعد هذا الوقت، فعلى هذا يكونُ قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾؛ أي: لما يأتي بعدَها.
وقوله تعالى (^٢): ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: لمَنْ تقدَّمها، تقول (^٣): هذا الشيءُ صار خلفَنا؛ أي: خلَّفناهُ، وتَجاوزناهُ، فكأنَّه قال: نكالًا للآتينَ والماضين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وعظًا (^٤) لجميع المؤمنين، أي (^٥): الذين يتَّقون عقابَ اللَّه.
وقيل: أي: يعظُ المتَّقون بعضُهم بعضًا.
وقيل: هذا وعظٌ يَنتفعُ به المتَّقون، وإنْ وُعِظَ به النَّاسُ أجمعون، كما قلنا في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] (^٦).
وقيل: المتَّقون في هذه الآيةِ اسمٌ لهذه الأمة؛ أي: موعظةٌ لأمَّة محمَّدٍ -ﷺ-، سمَّاهم: متَّقين؛ لاتِّقائِهم الشِّركَ، ولأنَّ اللَّهَ تعالى يقيهم النار.
* * *
(٦٧) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٩)، ومسلم (١٢٨٠).
(٢) "وقوله تعالى" من (ف).
(٣) في (ف): "يقال".
(٤) في (ر) و(ف): "قال عطاء" بدل: "أي وعظًا".
(٥) لفظ: "أي" من (ف).
(٦) من قوله: "وإن وعظ به الناس" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ أي: واذكروا أيضًا إذ قال موسى لقومِه، وهم أسلافُكم مِن بني إسرائيل، دلَّهم بذكرِ هذه القصَّة على جهلِ أوائلهم (^١)، وتشديدِهم على أنفسِهم (^٢)، واعتراضِهم على نبيِّهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ليَتبيَّنَ بها أمرُ القتيل الذي كان وقعَ فيهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ الألف ظاهرها للاستخبار، وهو هاهنا للاستنكار، و﴿هُزُوًا﴾؛ أي: سخريةً، وهو مصدرٌ هاهنا أُريدَ به المفعولُ به، كما يقال: هذا عِلْمُ اللَّه؛ أي: معلومُه، و: اللَّهُ رجاؤنا؛ أي: مرجوُّنا.
ظنُّوا أنَّ موسى يَستهزِئ بهم ويُداعبُهم، قالوا: نُخبِرُكَ (^٣) أنَّ رجلًا منَّا قُتِلَ، فتقولُ لنا: اذبحوا بقرةً! فيَحتملُ أنَّ موسى ﵇ أمرَهُم بذبحِها، ولم يبيِّن المرادَ والثمرة بها، فلذلك وقعَ هذا القولُ منهم موقعَ الهُزْءِ.
ويَحتملُ أن يكون قال لهم: اذبحوا بقرةً (^٤)، فإنَّ أمرَ القتيل يَتبيَّنُ لكم بأنْ تَضرِبوه ببعضها، فقالوا: أتتَّخذُنا هزوًا؛ تعجَّبوا أن يَتبيَّن لهم أمرُ القتيل بذلك (^٥).
وقال بعضُ (^٦) العلماء: كفروا بهذا القولِ؛ إذ شكُّوا في خبر نبيِّهم، أو شكُّوا في قدرة ربِّهم على إحياء الميِّت ببعضِ البقرة.
_________________
(١) في (أ): "آرائهم" وفي (ر): "آبائهم".
(٢) في (ف): "نفوسهم".
(٣) في (ف): "نخبر".
(٤) لفظ "بقرة" من (أ).
(٥) في (ر): "يتعجبون أن أمر القتيل يتبين بذاك" بدل: "تعجبوا أن يتبين لهم أمر القتيل بذلك".
(٦) "بعض" ليس في (أ).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وقال بعضُهم: كان ذلك هفوةً مِنهم وجهالةً، فقد انقَادوا بالطَّاعةِ (^١) لذبحها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا على المجازاة، كأنَّهم (^٢) قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى (^٣) منَّا مِن عصيانِك وخلافِكَ؟ إذ لم يعلموا أنَّه مِن عند اللَّه بأمر ربه (^٤)، وهذا على المجازاةِ جائزٌ، كما قلنا في الاستهزاءِ والمُخادعةِ والمكر، وهو كقول نوح ﵇ ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] (^٥).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بيَّن أنَّ الاستهزاءَ عمل لا يَستجِيزُه مثلُهُ مِن أنبياء اللَّه تعالى، وأنَّه مِن عملِ الجهَّال (^٦)، فعلموا أنَّه جِدٌّ، وأنَّه مِن عندِ اللَّه، ودلَّ هذا (^٧) أنَّ الاستهزاءَ بأمرِ الدِّينِ كبيرةٌ، وأنَّه ضربٌ مِن الجهالة.
* * *
(٦٨) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ أي: سلْ لأجلنا ربَّك.
وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا﴾ أي: وقل له يبين (^٨) لنا، وهو جزمٌ على جوابِ الأمر.
_________________
(١) في (ف) و(ر): "للطاعة".
(٢) لفظ: "كأنهم" ليس في (ف)، وفي (ر): "المجاز أنهم" بدل: "المجازاة كأنهم".
(٣) في (ر) و(ف): "الماضي" بدل: "لما مضى".
(٤) في (أ): "يأمر به" بدل: "بأمر ربه". ونص العبارة في "تأويلات أهل السنة": "يأمر بذلك".
(٥) "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦١ - ٦٢).
(٦) في (ر): "الجاهلين".
(٧) لفظ "هذا" من (أ).
(٨) في (أ): "بين".
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا هِيَ﴾ أي (^١): أيُّ بقرةٍ هي؟ وليس بسؤالِ جنسٍ؛ لأنَّه قد بيَّن لهم أنَّها بقرةٌ، لكنَّه سؤالٌ عن سنِّها.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ يعني: موسى، وقوله تعالى (^٢): ﴿إِنَّهُ يَقُولُ﴾ أي: اللَّهُ تعالى يقول: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ قيل: لا كبيرةٌ، وقيل: لا هَرِمةٌ، وقيل: لا مُسِنَّةٌ، ومعناها واحدٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ أي (^٣): فتيةٌ لَم تلِد، وقيل: صغيرةٌ، وقيل: شابَّةٌ، وقيل: هي التي وَلَدَت مرَّةً.
وقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: نصفٌ، وقيل: أي: فوق البِكْرِ دون (^٤) المسنَّة، ويُقال: العَوَانُ لا تُعَلَّمُ الخِمْرَةَ؛ أي: النَّصَفُ مِن النِّساء لا تُعَلَّمُ الاختمارَ فإنَّه (^٥) قد علمَتهُ. و: حربٌ عَوَان: ليست (^٦) بأولى (^٧)، بل هي ثانيةٌ أو ثالثة، والعَوَانُ من النساء: الثَّيِّبُ.
والفعلُ من الفارض: فَرَضَت تَفرِضُ فُروضًا، ومن العوان: عَوَّنَت تُعَوِّنُ تَعوينًا، ولم يُسمَع مِن البكرِ فعلٌ.
_________________
(١) لفظ: "أي" ليس في (ف).
(٢) "وقوله تعالى" من (ف).
(٣) بعدها في (ر): "لا".
(٤) في (أ): "ودون".
(٥) في (أ) و(ر): "فإنها".
(٦) في (ر): "أي بليس".
(٧) في (ف): "ليس بالأولى".
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وإنَّما لم تدخل الهاء (^١) في هذه الصِّفاتِ للتأنيث؛ لأنَّها من خصائصِ أوصاف الإناث، فصارت كالطَّالقِ والحائض.
ورفعُ هذه الصِّفاتِ عند الأخفش؛ لكونها صفةَ البقرة (^٢)، وعند الزَّجَّاج بإضمارِ: "هي" (^٣) في أوائلها (^٤).
وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين البكرِ والفارض، ولم يقل: بين ذينك، على التثنية، وبين يَقتضي شيئين؛ لأنَّ معناه: بين ما ذكَرنا، فينتظِمُها، قال الشَّاعر:
لِزُغْبٍ (^٥) كأولادِ القَطَا راثَ خلفَها على عاجِزاتِ النَّهْض (^٦) حُمْرٌ حَوَاصِلُهْ (^٧)
راثَ من الرَّيْث (^٨) أي: حواصلُ ما ذكرنا (^٩)، ولولاه لقال: حواصلها.
وقال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله شعر:
فيها خُطُوط مِن سَوَادٍ وَبَلَقْ كأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيْعُ البَهَقْ (^١٠)
_________________
(١) في (ر): "التاء".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١١٠).
(٣) في (ر): "وهو"، وفي (ف): "وهي".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٥٠).
(٥) في (ف) و(ر): "بزغب". ووقع في هامش (ف): "حاشية: الأزغبُ: الفرخُ الصغير، والزَّغَب: الشعيرات الصفر على ريش الفرخ، والفراخ زُغْبٌ، القطا: يسمع من صوتِه لفظُ القطا". ووقع بعضها في حاشية (أ).
(٦) بعدها في (ر): "القيام".
(٧) البيت للحطيئة، وهو في "ديوانه" ص ١٣٦.
(٨) "راث من الريث" سقط من (أ).
(٩) في (ر): "ذكرناه".
(١٠) "ديوان رؤبة" (ص: ١٠٤).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
إن أردت الخطوط (^١)، فقل: كأنَّها، وإنْ أردتَ السَّوادَ والبَلق، فقل: كأنَّهما، فقال: أردت: كأنَّ ذلك المذكور (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ أي: فاذبحوا البقرةَ التي تُؤمَرون بذبحِها، وهو للحالِ دون محضِ الاستقبال؛ فإنَّهم كانوا أمِروا بها وهو قائمٌ للحالِ دون محضِ الاستقبال (^٣).
* * *
(٦٩) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي: سَلهُ يبيِّن لنا ما لونُها؟ استكشفوا المبهمَ بزيادةِ السُّؤال، وهو سؤالُ اللَّون، فـ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ هي الصُّفْرَةُ المعروفة التي هي (^٤) بين البياضِ والحُمرة.
وقال ابنُ عباس وسعيدُ بن جُبير ﵃: كانت صفراءَ الكُلِّ حتَّى القرن والظِّلف (^٥).
_________________
(١) بعدها في (أ): "من سواد وبلق".
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٤٣ - ٤٤).
(٣) في (أ): "الحال" بدل: "للحال دون محض الاستقبال".
(٤) لفظ: "هي" ليس في (أ) و(ف).
(٥) أخرج الطبري في "تفسيره" (٢/ ٩٤) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٣٩) (٧٠٨) عن سعيد بن جبير أنه قال في تفسير ﴿صَفْرَاءُ﴾: صفراء القرن والظلف.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وقال مجاهد: كانت أظلافُها وقرناها (^١) من ذهب؛ أي: كأنَّها ذهبٌ مِن حُسنها وصفاءِ (^٢) لونها.
وقال الحسن: كانت سوداءَ شديدةَ السَّواد (^٣)، والعربُ قد تُسمِّي السَّوادَ صُفْرَةً، قال الأعشى:
تلكَ خَيْلِي منهُ وتلكَ رِكابي هُنَّ صُفْر أولادُها كالزَّبِيْبِ (^٤)
وكذلك في قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]؛ أي: سود.
والصَّحيحُ هو الأوَّل؛ لأنه قال: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، وهو صفةُ الأصفر على الخُلوص، فأمَّا الأسود فإنَّه يُقالُ (^٥) في مبالغته: أسودُ حالكٌ (^٦) وغِربِيبٌ، ويُقال: أحمرُ قاني، وأبيضُ يقق، وأخضرُ ناضرٌ، وأصفرُ فاقعٌ، ولأنَّ الأصفرَ بمعنى الأسود يكونُ في الإبلِ خاصَّةً؛ لأنَّ سوادَها يعلوهُ صفرةٌ، بخلاف البقر (^٧).
وقوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي: شديدٌ صفرتُها، وقد فَقَعَ فُقوْعًا من حدِّ: صنع.
وقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي: تَروق (^٨) هذه البقرةُ مَن نظرَ إليها، وتُعجبُه،
_________________
(١) في (ف): "قرونها وأظلافها" بدل: "أظلافها وقرناها".
(٢) في (ف): "وصفائها في".
(٣) رواه الطبري (٢/ ٩٣)، وابن أبي حاتم (١/ ١٣٩) (٧٠٩).
(٤) انظر: "ديوان الأعشى الكبير" (٢/ ٢٢١) (تحقيق الرضواني)، (ص: ٣٣٥ - طبعة محمد محمد حسين).
(٥) في (ف): "قال".
(٦) في (ر) و(ف): "كالح".
(٧) في (أ): "البقرة".
(٨) في (ر): "تسر".
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وتُفرِحُ قلبَه؛ لتمام خلقِها، وفقوعِ لونِها، ولطافةِ قرونها وأظلافِها. والمسرَّةُ: لذَّةٌ في القلب عند توقُّع النَّفعِ.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ طلبوا تمامَ الكشفِ ببيان الوصفِ بعد السُّؤال عن السِّنِّ (^١) واللَّون.
وقوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ البقرُ جمعُ بَقَرة، كالشَّجر جمع شجرة، والهاءُ للتَّوحيد، والحذفُ دلالةُ الجمع باسم الجنس، و﴿تَشَابَهَ﴾ بمعنى: اشتبهَ وخفيَ، وأراد به: خفيت واشتبهت؛ لأنَّها جمعٌ، وذكَّر ووحَّدَ على ظاهرِ اللَّفظ، ويجوزُ التَّأنيثُ على المعنى في غير القرآن، فأمَّا في الآية فلا وجهَ للتغيير.
وقيل: معناه أنَّ جنسَ البقرِ تشابهَ علينا.
وقُرِئ: "تَشَابهُ علينا" (^٢) برفع الآخِرِ على الاستقبال، وقد سقطت إحدى التاءين تخفيفًا، كما في قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]، وقُرِئ "تَشَّابه" بتشديد الشِّين (^٣) لإدغامِ إحدى التَّاءين في الأخرى.
_________________
(١) في (أ): "العين".
(٢) هي قراءة الحسن كما في "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ١٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٢١٨).
(٣) نسبها النحاسُ في "إعراب القرآن" (١/ ٢٣٦) للحسن، وابنُ خالويه في "مختصره" (ص: ١٤) لابن مسعود، والثعلبيُّ في "تفسيره" (١/ ٢١٨) للأعرج.
[ ٢ / ٢٥١ ]
وقوله: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ قيل: أي: إنَّا بمشيئةِ اللَّه تعالى نهتدي للبقرة التي أُمِرنا بذبحها إذا اجْتَمعَت (^١) لنا أوصافُها التي تتميَّزُ بها عن غيرها.
وقيل ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ على هدى في استقصائِنا في المسألة عن أوصاف البقرة؛ أي: نرجو أنَّا لسنا على ضلالةٍ فيما نفعله (^٢) مِن البحث والاستقصاء.
وقيل: أي: وإنَّا بمشيئة اللَّه نهتدي للقاتلِ، إذا امتثلنا الأمرَ بذبح البقرةِ التي تصفُها لنا، وروي عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "لولا أنَّهم استثنَوا، ما اطَّلعوا على قاتلِه" (^٣).
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: قال موسى: يقول اللَّهُ تعالى: هذه البقرةُ ليست بمُذلَّلةٍ ذلَّلَها العملُ، ودابَّة ذَلُولٌ: بيِّنَةُ الذِّلِّ، بكسر الذَّال، وهو خلاف الصعوبة، ورجلٌ ذَليل (^٤) بيِّن الذُّلِّ -بضم الذَّال- والمَذَلَّةِ والذِّلَّة، وهو خلافُ العزيز، وذلَّله؛ أي: ليَّنهُ.
_________________
(١) في (أ): "جمعت".
(٢) قوله: "فيما نفعله" من (أ).
(٣) رواه بنحوه ابن أبي حاتم (١/ ١٤١) (٧٢٢)، وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" عند تفسير هذه الآية. قال الحافظ ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسنُ أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة ﵁.
(٤) في (أ): "ذليل". والمثبت موافق لما في "الصحاح" للجوهري: (ذلل)، و"مجمل اللغة" لابن فارس (١/ ٣٥٤).
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وقوله ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: تكربها (^١) وتُقلِّبُها؛ وقد (^٢) أثارَها إثارةً، ولازمُه: ثَار يَثُورُ ثَوَرَانًا، وإثارةُ الأرض سمِّيَت بها لثَوَرانِ تُرابها بها، يقال (^٣): ثارَ الدُّخانُ والغبارُ والتُّراب، وثار القطا؛ أي: نهضَ، وثارَ الدَّمُ في وجهه؛ أي: ظهر، وثار الشَّفقُ أيضًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أي: الزَّرعَ؛ أي: لا يُسقَى عليها للحرث بالسَّواني، ولم تُلَيَّن بإثارةِ الأرض وتقليبها للزِّراعة.
وقوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي: سالمةٌ مِن العيوب كلِّها.
وقيل: أي: مسلَّمةٌ عن العمل؛ لأنَّها وَحشيَّةٌ (^٥)، ولو عُمِلَ عليها لم تَخْلُ مِن (^٦) عيبٍ بها؛ يعني: لبراءتها مِن العمل هي بريئةٌ مِن العيوب.
وقوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: لا لونَ فيها يُخَالِفُ لونَ جميعِ جلدِها، واشتقاقُها مِن وَشْيِ الثَّوبِ، وهو استعمالُ ألوان (^٧) الغزل في نسجه.
وقال سهلُ بنُ عبد اللَّه التُّستَريُّ: أي: لا علامةَ فيها تشينُها (^٨).
وتقديرها فِعْلَة، وأصلُها: وِشْيَة، كالصِّفة والزِّنة والعِدَة، أصلُها: وِصْفَة ووِزْنَة ووِعْدَة.
_________________
(١) يقال: كربْتُ الأرض، إذا قلَّبتَها للزرع. انظر: "الصحاح": (كرب).
(٢) في (ف) و(ر): "أي" بدل: "وقد".
(٣) في (أ): "ويقال".
(٤) لفظ: "أيضًا" من (أ).
(٥) لفظ: "وحشية" من (أ).
(٦) في (أ): "عن".
(٧) في (أ): "ألطف".
(٨) انظر: "تفسير التستري" (١/ ٣١).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآيةُ أنَّ البقرةَ كانت ذكرًا؛ لأنَّ إثارةَ الأرضِ وسقيَ الحرثِ مِن عمل الثيران، وهي حجَّةٌ لأصحابنا رحمةُ اللَّه عليهم في مَن حلفَ لا يَأكلُ لحمَ بقرةٍ أو بقرٍ، أنه (^١) يَحْنَثُ بأكلِ لحم الثَّور؛ لأنَّ اللَّهَ ﷻ سمَّى الثَّورَ في هذه الآيةِ (^٢) بقرةً؛ لما قُلنا: إنَّه وَصَفهُ بالإثارة والسَّقي، وهما من عملِ الثِّيرانِ عُرْفًا (^٣)، فأمَّا الكناياتُ الراجعةُ إليها على التَّأنيث فللفظِها، كما في قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ٧٢]، و﴿قَالَتْ أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
وقال أبو يوسف ﵀: إذا قال (^٤): بقرة، فهي للأُنثى خاصَّةً، وإذا قال (^٥): بقر، صَلَحَ للذَّكر والأنثى كما في الحمار والحمارة.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: إنَّها (^٦) للتوحيد لا للتأنيث، كما في الحمام والحمامة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إلَّا أن يكون أهلُ ذلك الزَّمان يَحرثون بالأُنثى، كما يحرُث أهلُ هذا الزَّمان بالذَّكر، فحينئذٍ لا يكونُ فيه دليلٌ لما (^٧) ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: الآن بَيَّنت (^٨) لنا الصِّفةَ التي كنَّا نطلبُ بالصِّدق.
_________________
(١) لفظ: "أنه" ليس في (ف).
(٢) في (أ): "الآيات".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦٤).
(٤) في (أ): "قيل".
(٥) في (أ): "قيل".
(٦) في (ر) و(ف): "إنها".
(٧) في (ر) و(ف): "كما". وانظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦٤).
(٨) في (ر): "تبينت"، وفي (ف): "ثبت".
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وقيل: أي: الآن تحقَّق لنا وصفُ هذه البقرة فِي سنِّها (^١) ولونها وصفتها، وهي عند فلانٍ، عرفناها، فنشتريها منه، ونذبحُها ائتمارًا بأمر اللَّه تعالى.
وقيل: أي: الآن تبيَّن (^٢) لنا أنَّك جئتَ بالحقِّ والجِدِّ، وما كُنتَ هازئًا (^٣)، ومن قال: كفروا بنسبته إلى الهزء، فقد آمنوا بهذا الانقيادِ والقَبول والاعتقاد.
وقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: اشتروها وذبحوها، قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: فعلوا ذلك بعد الاستقصاءِ، حتَّى كاد يقع اليأسُ عن ذلك.
وقيل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ خوفًا على أنفسهم أن يَفتَضِحوا بظهورِ القاتل.
وقيل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاءِ ثمنها.
وقيل: استقصوا في صفة (^٤) تلك البقرة، والسُّؤالِ عنها، و(^٥) عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربَّما يكون للمدافعة (^٦).
ثمَّ ذكروا في التفاسير المعروفة أنَّهم لو ذَبحوا بقرةً، أيَّ بقرةٍ كانت، جاز لهم ذلك، فلمَّا بحثوا عنها، وسألوه مرارًا، كان استقصاؤهم سببًا لتغليظِ الأمر عليهم، إلى أن ينتهي الأمرُ إلى بقرةٍ بلغت الثَّمنَ الكثير (^٧)، فإنَّهم اشتروها بملئِ
_________________
(١) في (ف) و(ر): "شيتها".
(٢) في (أ): "يتبين".
(٣) في (أ): "هازلًا".
(٤) في (أ): "وصف".
(٥) قوله: "عنها و" ليس في (أ).
(٦) في (ر): "للموافقة"، والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦٣).
(٧) في (ر): "غلا ثمنها كثيرًا"، وفي (ف): "غلت الثمن الكثير" بدل: "بلغت الثمن الكثير".
[ ٢ / ٢٥٥ ]
مَسْكها ذهبًا، وكاد يخرج إلى أن لا يأتمروا وهكذا رُويَ أنَّهم شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّدَ اللَّهُ عليهم (^١).
قالوا: وفيه دليلٌ أيضًا على إمضاءِ الخطاب على العموم، وعلى أنَّ الحكمَ يتعلَّقُ بأقلِّ ما ينطلقُ عليه الاسمُ وعلى وجوبِ العمل بالظَّاهر، وقد كرَّر عليهم قولَه: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ أي: دعوا البحثَ والتَّفتيشَ، لكنَّ الإمامَ أبا منصور -﵀- قال: استدلَّ قومٌ بها على عمومِ الخطاب وقت السماع؛ لأنَّه أمر بذبحِ بقرةٍ، لم يبيِّن لهم كيفيَّتها وقتَ الخطاب، وروي: "لو عمَدوا إلى أدنى بقرةٍ لأجزأتهم (^٢)، لكن شدَّدوا على أنفسِهم، فشدد اللَّهُ عليهم" (^٣).
لكنَّ هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه دعوى على اللَّه ﷿ حدوثَ شيءٍ في أمرِهِ، وبَدَاءٍ في حُكمِهِ، وذلك كفرٌ لا يقولُه مسلمٌ، فضلًا (^٤) أن يقولَه رسولٌ؛ فإنَّه قال: إنَّه يقولُ:
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٢) في (أ): "لأجزتهم".
(٣) أخرج ابنُ أبي حاتم (١/ ١٤١) ٧٢٢، وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" (١/ ١٧١) عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لولا أنَّ بني إسرائيلَ قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أُعطوا أبدًا، ولو أنَّهم اعترضُوا بقرةً من البقر فذبحوها لأجزأَت عنهم، ولكنَّهم شَدَّدوا، فشدَّدَ اللَّهُ عليهم". قال الحافظ ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة ﵁. اهـ. وسلف بعضه قريبًا. وأخرج البزَّارُ كما في "كشف الأستار" (٢١٨٨) عن أبي هريرة عن النبيِّ -ﷺ- قال: "لو أنَّ بني إسرائيلَ أخَذوا أدنى بقرةٍ لأجزأَهم". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": (٦/ ٣١٤): فيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. اهـ. وقال عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١٣/ ٢٦١): وفي السند عباد بن منصور، وحديثه من قبيل الحسن.
(٤) بعدها في (ر): "عن".
[ ٢ / ٢٥٦ ]
إنَّها كذا فلو كان الأوَّلُ على غير ذلك، لكان قد بدا لهُ فيما عمَّ، وفسَّرَ (^١) بما لم يكن أراد، وذلك بمعنى البَداء، بل بمعنى الرُّجوعِ عن الأوَّل فيما أرادوا التفسير له بغيره، وذلك فعلُ مَن يَجهلُ العواقبَ، تعالى اللَّه عن ذلك.
ثمَّ معنى سؤالهم موسى أن يدعوَ ربَّه يبيِّنُ (^٢) ما أراد بذلكَ: أنَّه جَعَلَ ذلك آيةً لهم، فوقعَ عندهم أن ليس كلُّ بقرةٍ تَصلحُ للآيات، ولذلك (^٣) لم يسألوا موسى عن تفسيرِها؛ إذ اللَّهُ تعالى هو الذي يَعلمُ الآيات، فكان الأمرُ بالذَّبح في الابتداء على ما آلَ إليه أمرُها وظَهَر، لكنَّهم أُمِروا بالسُّؤال عنها؛ ليَصلوا إلى المراد فيه، لا أنَّه أحدثَ لهم ذلك بالسُّؤال (^٤).
ثمَّ قال: وجهُ حكمة (^٥) جعلِ البقرةِ آيةً دونَ غيرها من البهائم شيئان:
أحدهما: ما رويَ أنَّ رجلًا كان بارًّا بوالديه، محسنًا إليهما، وكانت له بقرةٌ على تلك الصِّفة والشِّيةِ (^٦)، فأرادَ اللَّهُ أن يُوصِلَ إليه في الدُّنيا جزاءَ ما كان منه (^٧).
والثاني: أنَّهم قبل ذلك كانوا يَعبدون البقر (^٨) والعجاجيل، وحُبِّبَ إليهم، كما قال: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، ثمَّ تابوا وعادوا إلى عبادةِ اللَّه
_________________
(١) في (أ): "وفسره".
(٢) "يبين" زيادة من (أ).
(٣) في (أ): "فلذلك".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦٢).
(٥) بعدها في (ر): "في".
(٦) كذا في النسخ الخطية، ووقع في مطبوع "تأويلات أهل السنة": "شبه".
(٧) أورد الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢١٦) هذا الخبر مطولًا عن ابن عباس ووهب وغيرهما، وسيذكره المصنف بعد تفسير قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
(٨) في (ف): "البقرة".
[ ٢ / ٢٥٧ ]
تعالى وطاعتِه، فأرادَ اللَّهُ تعالى أن يمتحِنَهُم بذبحِ ما حُبِّبَ إليهم؛ ليظهرَ (^١) منهم حقيقة التَّوبة وانقلاع ما كان منهم في قلوبهم (^٢).
وقيل: كان أفضلَ قرابينهم حينئذٍ البقرُ، فأُمروا بذبح البقرة؛ ليَحصلَ (^٣) التقرُّبُ لهم بما هو أفضلُ عندَهم.
* * *
(٧٢) - ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
ثمَّ بيَّن اللَّهُ تعالى السَّببَ الذي أُمِروا به بذبحِ البقرةِ بالآيةِ التي بعدَها، وهي (^٤) قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ أي: واذكروا أيضًا إذ قَتلَ بعضُ أسلافِكم، وأُضيفَ الفعلُ إليهم لرضاهُم بفعلِ أولئك، ﴿نَفْسًا﴾ هي عاميل بن شراحيل.
وقوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ أي: تدافعتُم واختلفتُم، فدَفعَ كلُّ واحدٍ منكم الفعلَ (^٥) عن نفسه، وأحالَ على غيرِه، وقد دَرَأ يَدْرَأ دَرْءًا؛ أي: دفعَ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] ودارأه؛ أي: دافعَهُ، وتَدَارأ القومُ؛ أي: تدافعوا، وادَّارؤوا كذلك، وأصلُه: فتَدَارأْتُم (^٦)، أُدغِمت التَّاء في الدَّال؛ لأنَّها مِن مخرجِها، فسُكِّنَتْ، وأُدْخِلَت ألفُ الوصل؛ لأنَّه لا يُبتَدَأ بالسَّاكن.
_________________
(١) في (أ): "لينظر".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦٣).
(٣) في (أ): "ليجعل".
(٤) بعدها في (ر): "في".
(٥) في (أ): "القتل".
(٦) بعدها في (ر): "ثم".
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: مُظهِرٌ أمرَ القتيلِ بحقِّه وصدقِه، وقد بيَّنَّا وجوهَ الخروجِ والإخراجِ فيما مرَّ.
وقيل: هذه الآيةُ مقدِّمة في المعنى؛ أي: واذكروا إذ وَقعَت هذه الحادثةُ فيكم، فسألتُم موسى بيانَ (^١) أمرها، فقال: إنَّ اللَّهَ يأمرُكُم أن تَذبحوا بقرةً، وتَضربُوهُ ببعضِها، فيَحْيَى، فيُخبرَكم (^٢) عمَّن قتلَه، فقلتم له: أتتَّخِذنا هُزُوًا. إلى آخرها.
والتَّقديمُ والتَّأخيرُ في الأخبارِ والتِّلاوة إذا لم يُوقِع الخَلَل والتَّناقُضَ جائزٌ، ألَا ترى أنَّ العِدَّة بأربعة أشهرٍ وعشر ناسخةٌ للعدَّة بسنةٍ متاعًا إلى الحول غير إخراج، ثمَّ النَّاسِخُ مقدَّم في التِّلاوةِ، والمنسوخُ متأخِّر.
وقيل: كان هذا في وقتين؛ ذكرَ اللَّهُ تعالى أمرَ البقرةِ تسليةً لقلبِ النبيِّ -ﷺ- أنَّ قومَ موسى صلوات اللَّه عليه نَسبوا موسى إلى الهُزْو، واستَقصَوا بالسُّؤالِ (^٣)، فسألَتِ الصَّحابةُ رسولَ اللَّه -ﷺ- ورضي عنهم: لم كانوا مأمورين بذبح البقرة؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، ودليلُ هذا أنَّ الأوَّلَ خطابُ موسى ﵇ لقومه (^٤)، والثَّاني خطابُ اللَّهِ تعالى أولادَ القائلين.
ثمَّ اختُلِفَ في الآية الثَّانية؛ أنَّ الخطابَ لأيِّ قومٍ؟ قيل: هو (^٥) لبني إسرائيل الذين كانوا في عصرِ موسى ﵇.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: من أمرِ القاتلِ ليظهرَ البريءُ
_________________
(١) في (أ): "ببيان".
(٢) في (ف): "ويخبركم".
(٣) في (أ): "في السؤال".
(٤) في (ف): "قومه"، وليست في (ر).
(٥) لفظ: "هو" من (أ).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
مِن المجرمِ، وقد ادَّارؤوا فيها، وظنُّوا أنَّه يَنكتِمُ، فأظهرَهُ اللَّهُ تعالى بالأمرِ بذبحِ البقرة وضربِه ببعضها (^١).
وقيل: هو خطابُ أهل عصر النبيِّ -ﷺ-، وكانوا يَكتمونَ هذه القصَّة لما فيها من الشُّنعة والتَّعنُّتِ ووصفِ موسى بالهزء، واللَّهُ تعالى أظهرَها بإنزال هذه الآيات، يدلُّ عليه أنَّه قال: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، ولم يقل: تجحدون.
* * *
(٧٣) - ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: اضربوا المقتولَ، وإنَّما قال: اضربوهُ، على التَّذكير، وإن تقدَّم ذِكْرُ النَّفسِ؛ لاعتبار المعنى، فإنَّه كان رجلًا، وأَنَّثَ في قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ لأنَّه صرفَ الكناية إلى النفسِ، وهي مؤنَّثة سماعًا، فصَرفَ (^٢) إحدى الكنايتين إلى اللفظِ، والأُخرى إلى المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣].
وقيل: قولُه تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ يرجعُ إلى القِتلةِ التي يقتضيها قولُه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾، وقوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾ (^٣) أي: بشيءٍ من البقرةِ المذبوحة، واختلفوا في ذلك (^٤) البعض.
_________________
(١) في (ف): "بعضها ببعض" مكان: "ببعضها".
(٢) في (ف): "فصرفت".
(٣) من قوله: "كذلك يحي اللَّه" إلى هنا ليس من (أ).
(٤) بعدها في (ف): "المعنى أي".
[ ٢ / ٢٦٠ ]
قال ابنُ عبَّاسٍ وعكرمة: هو الفخذ (^١).
وقال الفراء: فخذُها الأيمن (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: هو البُضعة التي تكونُ بين الكتفين (^٣).
وقال أبو العالية والرَّبيعُ بنُ أنس: هو عظم (^٤) منها (^٥).
وقيل: هو الذَّنَبُ.
وقيل: هو عَجْبُ الذَّنَب، ومنهُ يُرَكَّبُ الخلقُ، ومنه يبدأ يوم القيامة. قاله معاذُ بن جبل، وهو أوَّلُ ما يُخْلَقُ مِنه، وآخرُ ما يَبْلى.
وقيل: اللسان.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يعلم ذلك إلَّا بالخبر عن اللَّه تعالى، لكن نقول: ﴿بِبَعْضِهَا﴾ بقدرِ ما في الكتاب ذكره (^٦).
ثمَّ هاهنا مضمرٌ؛ أي: فضربوهُ ببعضِها، فأحياهُ اللَّهُ تعالى، ثمَّ إنَّ موسى ﵇ أمرَهم بضربها، وما ضَربَهُ بنفسِه، نفيًا للتُّهَمة، كيلا يُنسَبَ إلى السِّحر أو الحيلة، كما اتهموه عند إحياء العصا، حتى قال فرعون لعنه اللَّه: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، وقالوا ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: ٤٨].
_________________
(١) رواه عن عكرمة الطبريُّ (٢/ ١٢٥)، وابن أبي حاتم (١/ ١٤٥) (٧٥١)، وأخرج ابن أبي حاتم (١/ ١٤٥) (٧٥١) عن ابن عباس ﵄ أنه فسره بالعظم الذي يلي الغضروف.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٨).
(٣) رواه الطبري (٢/ ١٢٦).
(٤) في (أ): "عظمة".
(٥) رواه الطبري (٢/ ١٢٦) عن أبي العالية.
(٦) لفظ: "ذكره" من (أ). وانظر "تأويلات أهل السنة" (١/ ٦٤).
[ ٢ / ٢٦١ ]
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: كما أحيا هذا المقتولَ يُحيي الموتى يوم القيامة.
وقولُه في هذه السورة: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، معطوفٌ على هذا، وإنَّما جاز وإن بعد (^١)؛ لأنَّ القرآنَ كلَّه كتابٌ (^٢) واحدٌ متَّصِل بعضُه ببعضٍ، فتتَّصِل المعاني مع (^٣) تباعد الآيات، وهو كقوله: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، وجوابُه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية [الفرقان: ٢٠]، وقولِه تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وجوابه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقولِه تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]، وجوابه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
فإنْ قالوا: إنَّ بني إسرائيل كانوا مُقِرِّينَ بالبعثِ فما معنى إلزامِهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾؟ قلنا: كانوا مُقِرِّين قولًا وتقليدًا، فنبَّههم عليه (^٤) عيانًا وإيقانًا، وهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وقال أبو سهل الطالقاني: لم يُرِد به إحياءَ النُّفوسِ في هذه الآية، بل أرادَ إحياءَ ما أماتوا وكتَموا مِن نعتِ النبيِّ -ﷺ-، والأحكامِ، كالرَّجم ونحوه؛ أي: يُظهِرُ هذه كما أظهرَ تلك.
وقولُه تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: دلائلَه الأُخر (^٥)، ولا يَقتصِرُ على إراءةِ هذه الآية.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "جاء بعد" بدل: "جاو وإن بعد".
(٢) في (ر): "كلام".
(٣) في (ف) و(ر): "ثم بعد" مكان "مع".
(٤) في (ف): "فثبته"، وفي (ر): "فثبته عليه" بدل: "فنبههم عليه".
(٥) في (أ): "الأخرى".
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لم يُرد به: ليصيروا عُقَلاء، فقد كانوا كذلك، لكن معناهُ: لتعقِلوا ما يجبُ عليكم مِن أمر دينكُم إذا رأيتُم آياتِ اللَّه في إحياءِ الموتى ونحوِه.
وقال القفَّال: هذا كلامٌ مبتدأ؛ أي: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يا معشرَ (^١) العرب في محمَّدٍ -ﷺ- بما يخبركُم به من علمِ الغَيب الذي لا يجوزُ أن يُعرَفَ إلَّا بخبرٍ عن اللَّه تعالى، لكي تنبَّهوا وتَقبلوا ما يَدعوكم إليه، كقولك: أعقِلْ هذا؛ أي: أفهِمه.
وقيل (^٢): يجوزُ أن يكونَ معطوفًا على ما سبق؛ أي: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ كما أراكم إحياءَ القتيلِ، ويجوزُ أن يكون معناه: ويريكم جميعَ آياتِه مِن أوَّل مبعثِ موسى ﵇ إلى آخره؛ من اليدِ البيضاء، والعصا، والطُّوفان، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادعِ، والدَّمِ، وفلقِ البحرِ، ونجاتِهم مِن الغَرق، وإغراقِ فرعون وقومِه، وكونِهم في التِّيه، ونزولِ المنِّ والسَّلوى، وإحياءِ السَّبعين بعد إحراقهم.
وقصَّتُه ما قال الكلبيُّ: إنَّ بني إسرائيلَ قيل لهم في التَّوراة: إذا هبطتُم أرضَ ميراثِكم المقدَّسةَ، التي كتبَ اللَّهُ لكم ميراثًا من أبيكم إبراهيم؛ دمشقَ والأردن وفلسطين، فما دمتم في مسيركِم هذا، فانظروا أيُّما قتيلٍ وُجِدَ بين قريتين، لا يُدرى مَن قتلَهُ، فليُقَس إلى (^٣) أقربِهما، فليَأخذوا أهلَ تلك القريةِ جميعًا به، فإن علِموا قاتلَهُ، قتلوه به، وإن لم يَعلموا قاتلَهُ، أخذوا خمسينَ شيخًا (^٤) مِن شيوخ أهل القريةِ،
_________________
(١) في (أ): "معاشر".
(٢) "قيل" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "لمن".
(٤) "شيخًا" ليس في (أ).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
ثمَّ يأخذون بقرةً حمراء حوليَّة، فينطلقون إلى وادٍ، فيذبحونها (^١)، ثمَّ ليضع الشُّيوخ الخمسون أيديهم عليها، فيَحلفون باللَّه ربِّ السَّماء القويِّ، إلهِ بني إسرائيل، ما قتلناهُ، وما (^٢) علمنا له قاتلًا، فإن حَلَفوا برئوا من دمِه وأخذوا بديته.
فعمد رجلان أخوان مِن بني إسرائيل إلى ابن عمٍّ لهما اسمُه عاميل، فقتلاه؛ لكي يرثا مالَه، وكانت بنتُ عمٍّ لهما شابَّةً جميلةً، مثلًا في بني إسرائيل، فخافا أن ينكحَها ابنُ عمِّها (^٣)، فلذلك قتلاهُ، ثمَّ حملاهُ فألقياهُ إلى (^٤) جانب قريةٍ، فأصبحَ أهلُ القرية والقتيلُ بينهم، لا يَدرون مَن قتلَه، فأخذَ أهلُ القريةِ به، فلمَّا عميَ عليهم شأنُه ومَن قتلَهُ، قالوا لموسى: ادعُ اللَّه أنْ يُطلِعنا على قاتلِه، فدعا موسى، فلمَّا رجعوا إلى موسى قالوا: يا موسى، ماذا أجابك ربُّك؟ قال لهم: إنَّ اللَّهَ يأمرُكم أن تذبحوا بقرةً، فتَضرِبوا الميِّتَ ببعضِها، فيعيشَ، فيُخبرَكُم بمَن قتلَه، فظنُّوا أنَّ موسى ﵇ يَستهزئُ بهم، فقالوا: أتتَّخذنا هزوًا؟
وَذَكَر (^٥) سؤالاتِهم وجوابَه لهم، على ما مرَّ في تفسيرِ هذه الآيات، إلى أن قال: فطلَبوا بقرةً على هذه الصِّفة، حتَّى وجدوها عند رجلٍ ليست عندَه غيرُها، بقيَّةَ بقرٍ كُنَّ لآبائِه، فهو يربِّيها لولده (^٦)، فلمَّا سألوهُ أن يبيعَها إيَّاهم أبا (^٧)، رفعوا له في الثَّمن حتَّى أعطوهُ مِلئَ مَسْكِها ذهبًا، فباعَها منهم، وكانوا أُمِروا أن يَضربوهُ ببعضِها بعد أن
_________________
(١) في (ف): "فيذبحون فيها".
(٢) في (ف): "ولا".
(٣) في (أ): "عمهما".
(٤) لفظ: "إلى" ليس في (ف).
(٥) يعني: الكلبي.
(٦) في (أ): "كولده".
(٧) لفظ: "أبا" من (ف).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
يذبحوها، ففعلوا، فحيَي، وجلسَ وأوداجُهُ تسيلُ دمًا، وقال: قتلني ابنا عمِّي، فأُخِذا وقُتِلا، ولم يُعطَيا من ميراثِه شيئًا، وفي الخبر: لم يُورَّث قاتلٌ بعد صاحبِ البقرة (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابنٌ، وله عِجلٌ، فأتى بالعجلِ إلى غيضةٍ، فقال: اللهمَّ إنِّي أستودعُكَ هذه العجلةَ لابني حتَّى يَكبرَ، وماتَ الرَّجلُ، فلبثَ العجلُ في الغيضةِ حتَّى كبِرَ الصبيُّ، وكبِرتِ العجلةُ، فصارتْ عَوَانًا، وكانت تهربُ مِن كلِّ مَن رامها (^٢)، فلمَّا كبِر الصَّبيُّ (^٣) أتاها ومعه حبلٌ، فأذعَنت له، ومكَّنتهُ مِن نفسِها، وكانت أحسنَ البقر وأسمَنها، فأتى بها أمَّه، فلمَّا قال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، وذكرَ القصَّة على ترتيب هذه الآيات، وقال (^٤) فعرفوا أنَّها بقرةُ اليتيم، ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، فساوموا بها اليتيم، فقالت له أمُّه: لا تبِعْها حتَّى تشاورَني، فلم يَزالوا يَزيدونَه حتَّى رضَوا بأن يشتروها بمِلئ مَسْكِها ذهبًا (^٥).
وقال السُّدِّيُّ: طلبوا البقرةَ فلم يجِدوها إلَّا عند غلامٍ من غلمان بني إسرائيل، كان بارًّا بأبيه، وكان من برِّهِ أنَّ إنسانًا أتاهُ بلؤلؤٍ، فابتاعَهُ الغلامُ بخمسين ألفًا، وكان في اللؤلؤ فضلٌ، فقال له الغلام: إنَّ أبي نائمٌ، ومفتاحُ الصُّندوقِ عند رأسِه، فانتظِر حتَّى يستيقظَ فأُعطيكَ الثَّمن، قال: فأيقظ أباك، وأعطني المال، فقال: ما كنتُ لأفعلَ، ولكن أزيدُكَ عشرةَ آلافٍ، فأنظرني حتَّى ينتبهَ أبي، فقال الرجل: وأنا أحطُّ عنك عشرةَ
_________________
(١) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ١٣٠) من قول عبيدة السلماني.
(٢) في (ر) و(ف): "رآها".
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "وكبرت العجلة".
(٤) لفظ: "وقال" من (أ).
(٥) انظر الخبر مطولًا في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢١٥ - ٢١٦).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
آلافِ درهمٍ على أن توقظَ أباكَ، فقال الغلام: وأنا أزيدك عشرين ألفًا على أن تنتظر، فلم يزالا يزيدُ الغلامُ، ويحطُّ صاحبُ اللؤلؤ (^١)، فلم يوقظ الغلامُ أباهُ، فأعقبَهُ اللَّهُ تعالى ببرِّه أن جعلَ تلك البقرةَ عندَه، فأتَوه، فقالوا: بِعناها، فقال: لا، فأعطوهُ بها بقرتين، فأبى (^٢) حتَّى أعطَوه (^٣) سبعَ بقراتٍ، فأبى، فأتَوا موسى ﵇، فقالوا: وجدنا صفةَ هذه البقرةِ عند غلامٍ مِن بني إسرائيل، فبعثَ إليه موسى، وقال: بِعهُم، فقال الغلام: أتأخذُها يا موسى غصبًا؟ قال: لا، قال: فهي مالي، أبيعها بما شئتُ، قال موسى: صدق فأرضوه، ثمَّ قال له: فإذا تسأل؟ قال: لا أبيعُها إلَّا بملء مَسْكِها ذهبًا، فلم يجدوا بُدًّا، فأعطوهُ، فأخذوا البقرةَ، فجاؤوا بها إلى موسى فذبحوها (^٤).
وقال سعيد بن جبير: إنَّ أصحابَ البقرة طلبوها أربعينَ سنةً (^٥).
وقال عكرمة: وجدوها عند رجلٍ، قال: أبيعُها بمئة دينار، فأبَوا، فرجعوا إلى موسى، فقال: هو أعلمُ، إن شاءَ باعَها، وإن شاء لم يبعها، فعادوا إلى الرَّجلِ، فقالوا: قد أخذناها بمئة دينار، فقال: لا أنقُصُها عن مئتي دينار، فلم يزالوا يعودون إلى موسى وإلى صاحب البقرةِ، فيُضَعَّف عليهم الثَّمنُ، حتى قال: لست أبيعُها إلَّا بمِلء مَسْكِها ذهبًا، فأخذوها به (^٦).
_________________
(١) في (ر): "البائع" مكان: "صاحب الؤلؤ".
(٢) قوله: "فأبى" ليس في (أ).
(٣) في (ف): "فأعطوه" بدل: "حتى أعطوه".
(٤) قول السدي ذكره الجرجاني في "درج الدرر" (١/ ٢٠٥) مختصرًا، لكن فيه أن الغلام ابتاع اللؤلؤ بسبعين ألفًا، وأنهم اشتروا البقرة بوزنها عشر مراتٍ ذهبًا.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٤٥) (٧٥٠) من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄.
(٦) رواه سفيان بن عيينة كما في "الدر المنثور" للسيوطي (١/ ٤٠٦ - ٤٠٨).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وقال السُّدِّيُّ: كان في بني إسرائيل فتى يتيمٌ في حِجْرِ عمِّه، فلمَّا بلغَ الفتى قال: ياعم، أنكِحني ابنتَك، فأبى عليه (^١)، فقال الفتى: واللَّه لأقتُلنَّ عمِّي، ولأرِثَنَّ (^٢) مالَه، ولأنكِحنَّ ابنتَه، ولآخذنَّ دِيته (^٣)، فقال لعمه ليلةً: إنَّ لي حاجةً في سبطٍ من أسباط بني إسرائيل، فانطلقَ بعمِّه، حتى خلا (^٤) به، وجاءَهُ بخنجرٍ كانَ أعدَّهُ لقتلِه (^٥)، فقتلَهُ، فلمَّا أصبحَ جعلَ يَبكي على عمِّه، فطافَ بالأسباط التي ليس فيها عمُّه عمدًا، ثمَّ دخلَ الذي بها عمُّه (^٦)، وقال: إنَّكم قتلتموه، فذهب بهم إلى موسى، فعرضَ عليهم الدِّية، فتدَافعوا فيه أنَّهم لم يقتلوه، فأوحى اللَّه تعالى إليه أن مُرهُم أنْ يَذبحوا بقرةً (^٧).
وعن ابن سيرين أنَّ رجلًا كان له ذو قرابةٍ هو وارثُه، فقتلَهُ ليرثَه، ثمَّ ذهب به، فألقاهُ على باب قومٍ آخرين، وأصبحَ يَطلبُ بدمِه، فهمُّوا أن يقتتلوا، حتى لبسَ الفريقان السلاح، فقال رجلٌ منهم: أتقتتلون وفيكم نبيُّ اللَّه موسى، فكفَّ بعضُهم عن (^٨) بعض، ثمَّ انطلقوا إلى موسى ﵇، فذكروا له ذلك، وذكروا (^٩) القصَّة (^١٠).
_________________
(١) في (ر): "عمه ذلك" بدل: "عليه".
(٢) في (ر) و(ف): "وأرث".
(٣) في (ف): "ماله".
(٤) في (أ): "إذا دخل" بدل: "خلا".
(٥) في (ف): "له".
(٦) قوله: "ثم دخل الذي بها عمه" من (ف).
(٧) رواه بنحوه مطولًا الطبري في "تفسيره" (٢/ ٧٨ - ٨٠).
(٨) في (أ): "على" وفي (ر): "من".
(٩) في (أ): "وذكر".
(١٠) رواها عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٧)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٧٦)، وابن أبي حاتم (١/ ١٣٦) (٦٩٠) عن ابن سيرين عن عبيدة.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وقال القشيريُّ ﵀: في قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ الذي يَصلُحُ لهذه الطريقة (^١): مَن لم يستهوِه نزقُ (^٢) الشَّباب وسُكرُهُ، ولم يُعطِّلهُ عجزُ المشيبِ وضعفُه، بل هو صاحٍ استفاقَ مِن سُكْرِه، وبقي له بعدُ (^٣) نضارةٌ مِن عمره (^٤).
وقال بعضُ أهل المعرفة في قوله ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: هذا تنبيهٌ على أنَّ أمدحَ الأحوالِ للعبد أن يكونَ مع اللَّه عنى لونٍ واحدٍ، فلا تتشتَّتُ عليه همومُ الدُّنيا، قال النبيُّ -ﷺ-: "مَن جعلَ همومَهُ همًّا واحدًا -وهو هم المعاد- كفاهُ اللَّه جميعَ همومِهِ، ومَنْ تَشعَّبت به الهمومُ، لم يُبَالِ اللَّهُ في أيِّ أوديةٍ هلك" (^٥).
وسَمِعَ بعضُ الفقراء قائلة تقول:
كلَّ يومٍ تَتلوَّن غيرُ هذا بكَ أحسنْ
فوقف يستمعُ إليها ويشهقُ ويقول (^٦): هذه حالتي (^٧) مع اللَّه، فلم يزل هكذا حتَّى شهقَ شهقةً كان حتفُه فيها (^٨).
_________________
(١) بعدها في (ر): "وقال القشيري".
(٢) في (ف): "ترف".
(٣) في (ف): "بعض".
(٤) انظر "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٩٧ - ٩٨).
(٥) رواه ابن ماجه في "سننه" (٢٥٧) من حديث ابن مسعود ﵁. وفي إسناده نهشل بن سعيد، قال ابن راهويه: كان كذابًا، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك، وقال يحيى والدارقطني: ضعيف. "ميزان الاعتدال" (٥/ ٣٦).
(٦) في (ر): "وهو يقول".
(٧) في (أ): "حالي".
(٨) ذكر هذه القصة بنحوها القشيري في "الرسالة القشيرية" (٢/ ٥١٥).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وقال بعضُ أهل المعرفة في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾: إنَّما جعلَ اللَّهُ إحياءَ المقتولِ في ذبح البقرة؛ تنبيهًا لعبده أنَّ مَن أرادَ منهم إحياءَ قلبه، لم يتأت له إلَّا بإماتةِ نفسِه، فمَن أماتَها بأنواع الرِّياضات، أحيى اللَّهُ قلبَه بأنوار (^١) المشاهدات.
* * *
(٧٤) - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ أي: غَلُظَت واشتدَّت، وقد قسا (^٢) يقسو قسوةً، فهو قاسٍ وقسي، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (^٣) [المائدة: ١٣] وقُرِئ: ﴿قَاسِيَةً﴾ (^٤)، وحجرٌ قاسٍ؛ أي: صلب، والقسيَّةُ: اللَّيلةُ الباردةُ، والمقاساةُ معالجةُ الأمر بشدَّةٍ.
وقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ قال ابنُ عبَّاس وقتادة: أي: مِن بعد إحياءِ القتيل (^٥)، وهو خطابٌ لقاتليه؛ أي: حَيِيَ القتيلُ، فأخبرَ أنَّ ابنَي عمِّه قَتلاه، فأنكَرا معَ ظهور هذه الآيةِ العظيمة.
_________________
(١) في (أ): "بأنواع".
(٢) في (ف): "قساه".
(٣) في (أ) و(ف): "قاسية قلوبهم".
(٤) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر "السبعة" (ص: ٢٤٣)، و"التيسير" (ص: ٩٩). ومن قوله: "فهو قاس" إلى هنا ليس في (ر).
(٥) أخرج قولي ابن عباس وقتادة الطبريُّ في "تفسيره" (٢/ ١٢٩ - ١٣٠).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وقيل: بل معناهُ: ثمَّ قسَت قلوبُكم مِن (^١) بعد إحياءِ الميِّت عن الانقيادِ للحقِّ، ولم يزالوا بعدُ (^٢) أهلَ حسدٍ وعنادٍ للأنبياء، لا يَقبلون وعظًا.
وقيل: بل معناه: قَسَت قلوبُكم بعدَ إحياءِ هذا القتيل وغيره من الآيات، فلم يَخلُوا من (^٣) عنادٍ واعتراضٍ على موسى ﵇، في التِّيهِ وغير ذلك، وهذا كلُّه راجعٌ إلى أسلافِهم.
وقيل: هو خطابُ أهل عصرِ النَّبيِّ -ﷺ- مِن الأحبار؛ أي: غَلُظَت قلوبُكم بعد ما جاء أوائلَكم مِن الآيات، والعقوباتِ على الجنايات، والمواثيق المأخوذة عليهم، فطَغيتُم، مع ما عندكم مِن العلم بالآيات التي تَلينُ عندها القلوبُ، ومن وصف المؤمنين ذلك: قال اللَّه تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أ﴾ أي: هذه (^٤) القلوبُ مثلُ الحجارةِ -وهي جمعُ الحَجَرِ- في الشِّدَّة والغِلظ.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ذكرنا عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، أنَّ ﴿أَوْ﴾ على وجوهٍ كثيرة، ويَستقيمُ حملُها هاهنا على عدَّةٍ منها:
أحدُها: أنَّها بمعنى الواو.
ومنها: بمعنى "بل".
_________________
(١) لفظ "من" ليسفي (ف).
(٢) في (ر): "بعده".
(٣) في (أ): "من".
(٤) في (ف): "فهذه".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
ومنها: أنَّها للتخيير؛ أي: إنْ شئتُم فاجعلوها كالحجارة، فهي مثلها، وإن شئتُم فاجعلوها أشدَّ منها، فإنَّها كذلك، كما يقال: جالسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين، فإنه (^١) للتخيير.
ومنها: أنَّها على إبهام (^٢) الأمر على العباد، وإن كان اللَّهُ ﷻ عالمًا بذلك، كقول الرَّجل لآخر (^٣): أكلتُ خبزًا أو لحمًا، إذا (^٤) أردتَ أن تخبرَه أنَّك إنَّما أكلتَ أحدَ هذين الشَّيئين، لا ثالثًا غيرهما (^٥)، وأبهمتَ الخبرَ عليه إذا لم يكن بك حاجةٌ إلى التَّعيين، أو لم تُرِد تَعيينه له.
ومنها: أنَّه كقولك: ما آكلُ إلا حُلوًا أو حامِضًا؛ أي: طعامي لا يَخرجُ عن هذين، بل يتردَّد عليهما، ومعناه أنَّ قلوبَ جماعتكم، إمَّا كالحجارة، وإمَّا أشدُّ قسوةً منها، وليس فيها ما يخرجُ عن هذين، فتكونَ ألينَ مِن الحجارة.
وحقيقتُه أنَّ هؤلاء عند مَن عرفَ شأنَهم منكم على هذه الصورة، أو أشدَّ منها، فأمَّا عند اللَّه، فهو كأحدهما بعينِه لا شكَّ فيه، وأنتم لتقارب الأمرين تشكُّون فيه، وكذا قولُه: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وقولُه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩].
وقيل: هذا في فريقين؛ أي: بعضُكم كذا، وبعضكم كذا.
وقيل: هذا تأسيسٌ للتَّقريرِ في القلوب، فبَدأ بما يعرفونه في نهاية الشِّدَّة، فشبهها
_________________
(١) في (أ): "إنه".
(٢) في (ف): "إيهام".
(٣) في (ف): "للآخر".
(٤) في (ف): "إن".
(٥) في (ر) و(ف): "لهما".
[ ٢ / ٢٧١ ]
بالحجارة، ثمَّ بيَّن كمالَ قسوتِها أنَّها أقسى منها، وقد يُبدأ في الإخبار بالأَدنى، ثمَّ بالأعلى، وهذا (^١) أوقع في القلب، قال تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ثمَّ قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وقال النبيُّ -ﷺ- لأصحابه: "إني لأرجو أن تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّة"، فكبَّروا، ثم قال: "إنِّي لأرجو أن تكونوا نصفَ أهل الجنَّة"، فكبَّروا، ثمَّ قال: "إنِّي لأرجو أن تكونوا ثُلُثَي أهل الجنَّة" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ مرفوعٌ لأنَّه معطوفٌ على معنى الكاف في قوله تعالى: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾، فإنَّ معناه: مثلُ الحجارة (^٣).
وقولُه: ﴿قَسْوَةً﴾ نصب على التفسير، كقوله (^٤): هو أحسنُ الناس خلقًا، وأتمُّهم رفقًا.
_________________
(١) في (أ): "وهو".
(٢) رواه الحميدي في "مسنده" (٨٥٣) من حديث عمران بن حصين ﵁، وفيه قوله -ﷺ-: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، فكبروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فكبروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبروا. قال سفيان (هو ابن عيينة شيخ الحميدي): انتهى حفظي إلى النصف، ولا أعلم إلا أنه قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة". وضعف محققه إسناده بأن فيه علي بن زيد بن جدعان، وبانقطاع في إسناده بين الحسن البصري وعمران. والحديث رواه البخاري (٦٥٢٨)، ومسلم (٢٢١) من حديث ابن مسعود ﵁، والبخاري (٣٣٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، كلتا روايتيهما كرواية عمران، لكن دون ذكر الثلثين.
(٣) قوله: "فإن معناه مثل الحجارة" ليس في (ف).
(٤) في (أ): "كقولك".
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ضرب اللَّه مثلًا لقلوبهم، فشبَّهها بالحجارةِ؛ لِقَساوتها وشدَّتها، وأنَّها أشدُّ قسوةً مِن الحجارة، وذلك أنَّ مِن الحجارة مع صلابتها وشدَّتِها مع فقد أسبابِ الفهم والعقلِ عنها، وزوالِ الخِطابِ منها، تخضع له وتتصدَّع، قال اللَّه تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقلبُ الكافرِ مع وجودِ أسباب الفهم والعقل (^١)، وسَعَةِ هيئةِ القَبول، لا يَخضعُ له ولا يَلين.
وكذلك أخبرَ اللَّهُ تعالى عن الجبال أنَّها تَلينُ وتَخضعُ لهول ذلك اليوم بقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، وقلبُ الكافرِ لا يلينُ أبدًا، و(^٢) يقال: إنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ مِن الجبالِ منافعَ للخلقِ مع صلابتِها وشِدَّتِها، حتَّى يتفجَّرَ منها الأنهارُ والمياهُ، وقلبُ الكافر -مع احتمال ذلك وإمكانه- لا منفعةَ فيه (^٣) لأحدٍ.
ثمَّ وجهُ حكمةِ ضربِ قلوبهم مثلًا بالحجارة وتشبيهها بها دونَ غيرِها مِن الأشياءِ الصُّلبة مِن الحديد (^٤) والصُّفْرِ وغيرهما، وذلك واللَّه أعلم أنَّ الحديدَ تُلَيِّنُه النَّارُ، وكذا الصُّفر حتَّى يُضرب منها (^٥) الأواني، والحجرُ لا تُلَيِّنُهُ نارٌ ولا شيءٌ (^٦)، فلذلك شبَّه قلبَ الكافرِ بها.
_________________
(١) لفظ: "والعقل" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "أو".
(٣) في (أ): "منه".
(٤) في (أ): "كالحديد" بدل من "من الحديد".
(٥) في (أ): "منهما"، وفي (ر): "منه".
(٦) بعدها في (أ): "آخر".
[ ٢ / ٢٧٣ ]
قال: وهذا -واللَّه أعلم- في قومٍ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يؤمنون بها (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ واللام في ﴿لَمَا﴾ للتَّأكيد، و"ما" خبرُ "إنَّ"، وهو مرفوعٌ ومعناه: الذي؛ أي: الحجرُ الذي يتفجَّرُ منه (^٢)، والهاءُ تَرجعُ إلى "ما"، لا إلى الحجارة، وقيل: ترجع إلى "مِن" في قوله: ﴿مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ فإنَّه للتَّبعيضِ، ومعناه: وإنَّ بعضَ الحجارة، وعلى هذا تكونُ "ما" صلةً زائدةً، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، و﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، تقديرُه: وإنَّ بعضَ الحجارةِ ليتفجَّرُ منه الأنهار.
و﴿يَتَفَجَّرُ﴾ أي: يسيلُ واسعًا كثيرًا.
والأنهارُ جمعُ نهرٍ، وهو معروف، ومعناه: المجرى الواسعُ من (^٣) مجاري الماء.
وقيل: هذا على العموم في جميع الأحجار العظام (^٤) التي يخرجُ منها الأنهارُ والأودية.
وقيل: هو على الخصوص، وهو حجرُ موسى ﵇ الذي كان يضربُه موسى (^٥) بعصاه فينفجر منه اثنتا عشرةَ عينًا لاثني عشر سبطًا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أي: يتصدَّعُ فيخرجُ منه
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٦٤ - ٦٥).
(٢) بعدها في (ف): "الماء".
(٣) في (أ): "في".
(٤) لفظ: "العظام" ليس في (أ).
(٥) لفظ: "موسى" ليس في (أ).
[ ٢ / ٢٧٤ ]
الماءُ (^١) القليلُ، و"يَشَّقَّق" أصله: يَتَشقَّق، أُدغِمت التَّاء في الشِّين، كما في قوله: ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾، و﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، و﴿يَذَّكَّرُ﴾ (^٢)، و﴿يَصَّدَّعُونَ﴾.
ولهذا وجهان كما في الأول: أنَّ (^٣) "ما" بمعنى الذي، و"منه" يرجع إليه، و"مِن" بمعنى بعض، و"ما" (^٤) زائدة.
وقيل: هذا على العموم في كلِّ حجرٍ يَنشَقُّ (^٥) فيخرجُ منه ما دونَ النَّهر.
وقيل: هو على الخصوص في قصة داودَ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ في "من" و"ما" وجهان كما مرَّ، والهبوطُ: النُّزول، والخشيةُ: الخوفُ عن العلمِ، وهذا على العموم في كلِّ الأحجار عند بعضهم، وهي الأحجارُ التي تنحطُّ مِن رؤوس الجبال مِن خوف ذي الجلال.
وقيل: هذا على الخصوص في جبلِ موسى ﵇ الذي تجلَّى له الرَّبُّ ﷻ، فجعلَه دكًّا، فقرَّر بذلك أنَّ قلبَ الكافر أقسى من الحجارة التي لها هذه الآثار.
فإن قالوا: وصفَ اللَّهُ تعالى الحجارةَ بالخشية، وهي لا توجد إلَّا مِن عاقلٍ مميِّزٍ؟ ولنا (^٦) أجوبة:
_________________
(١) قوله: "يتصدع فيخرج منه الماء" ليس في (ر) و(ف).
(٢) قوله: "و﴿يُذْكَرَ﴾ " ليس في (ف).
(٣) لفظ: "أن" من (أ).
(٤) في (أ): "ومعنى".
(٥) في (ف): "يتشقق".
(٦) في (أ): "قلنا عنه" بدل: "ولنا".
[ ٢ / ٢٧٥ ]
أحدها: أنَّ معناه -واللَّه تعالى أعلم-: وإنَّ مِن الحجارة لما يتردَّى مِن العلوِّ إلى السفلِ منقادًا لحكم اللَّه تعالى، وهؤلاء مصرُّون على العناد وتركِ الانقياد، فجعل الهبوط مثلًا للانقياد، كما يقال: نزلتُ على حكمِ فلان، وقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: الانقيادُ لأمر اللَّه، والكونُ على ما سخَّرهُ وهو شبية بما يعقلهُ (^١) مَن يَخشى اللَّهَ، على معنى أنَّه لو وُجِدَ مثلُه مِن العاقل المختارِ كان به خاشيًا للَّه تعالى، وهو كقوله ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: ظهرَ فيه من الميلانِ المسقوط (^٢) ما لو ظهرَ مثلُه في حيٍّ مختارٍ كان مريدًا.
والثاني: أنَّ المرادَ به الأحوالُ التي تَحدُثُ من الزَّلازل والآيات التي يُخشَى اللَّهُ عندها؛ أي: ومنَ الحجارةِ ما ينزل (^٣) ويتزايل (^٤) بعضُه مِن بعض؛ مِن أجل ما يريدُ اللَّه به (^٥) من خشيةِ عباده له ورجوعِهم إليه.
والثالث: أنَّه لو أُريدَ (^٦) حقيقةُ الخشية منها، فهو على أن يَخلقَ اللَّهُ تعالى فيها الحياةَ والتَّمييزَ، وليس شرطُ (^٧) خلقِ الحياةِ والتمييزِ في الجسم أن يكون على بُنيةٍ مخصوصةٍ عند أهل السُّنَّةِ والجماعة، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وعلى هذا إنطاقُ جلودِ
_________________
(١) في (أ) و(ر): "يفعله".
(٢) في (ر) و(ف): "المسقوط".
(٣) في (ف): "يزيل".
(٤) لفظ: "ويتزايل" من (أ).
(٥) لفظ: "به" من (أ).
(٦) بعدها في (أ): "به".
(٧) في (ر) و(ف): "بشرط".
[ ٢ / ٢٧٦ ]
الكفَّارِ يوم القيامة، وحنينُ الجِذع (^١)، وتسليمُ الأحجارِ على رسول اللَّه -ﷺ- (^٢)، وتسبيحُ الحصا في كفِّه (^٣)، وكلام الشَّاة المسمومة (^٤)، ومجيءُ الشَّجرتين إلى النبيِّ -ﷺ- حتَّى تستَّر (^٥) بهما وقضى (^٦) حاجتَه، ثمَّ رجوعهما إلى مكانهما (^٧)، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، ونحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ ابنُ كثير بالياء على المغايبة رجوعًا إليها من المخاطبة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقرأ الباقون بالتَّاء على المخاطبة (^٨)، كما في أوَّل الآية، وهذا أبلغُ وعيدٍ (^٩)؛ أي: لا يَخفى على اللَّه شيءٌ مِن أعمالكم، فيجازيكم بها.
* * *
_________________
(١) قال القاضي عياض في "الشفا" (ص ٣٦٩) في حنين الجذع: هو في نفسه مشهور منتشر، والخبر به متواتر، قد خرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر. . . قلت: من ذلك حديث جابر ﵁، رواه البخاري (٩١٨)، (٣٥٨٤)، وحديث ابن عمر ﵄، رواه أيضًا البخاري (٣٥٨٣).
(٢) من ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" (٢٢٧٧) عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن".
(٣) رواه البزار في "مسنده" (٤٠٤٠)، (٤٠٤٤) من حديث أبي ذر. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٩٩): رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف.
(٤) رواه أبو داود في "سننه" (٤٥١٢).
(٥) في (ر) و(ف): "يستتر".
(٦) في (ف): "في قضاء".
(٧) رواه مسلم في "صحيحه" (٣٠١٢) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
(٨) انظر "السبعة" (ص: ١٦٠)، و"التيسير" (ص: ٧٤).
(٩) بعدها في (ر): "عند اللَّه".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
(٧٥) - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وانتظامُه بما قبلَه أنَّ النبيَّ -ﷺ- والصَّحابةَ ﵃ لمَّا سَمعوا هذه الآيات، وهي في مخاطبة اليهود، طمعوا أن يؤثِّرَ ذلك في قلوبِهم فيؤمنوا، قال اللَّهُ تعالى: أفترجون -وهذا استفهامٌ بمعنى النهي؛ أي: لا ترجوا، وهو خطابٌ للنبيِّ -ﷺ- وأصحابِه- مِن هؤلاء القاسيةِ قلوبُهم أنْ يُصَدِّقوكم؟ وآمَنَ له؛ أي: صدَّقه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، يقول: لا تَطمعوا فيهم (^١) أن يصدقوكم بما جاء به محمد -ﷺ-.
وقيل: هو خطابٌ للنبيِّ ﵊ (^٢) على الخصوص بكلمة الجمعِ؛ تعظيمًا له، كما قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]؛ قيل: أي: عليه، وإنَّما جمعَ للتعظيم، ثمَّ هذا تأييسٌ مِن إيمانهم، وهم قومٌ بأعيانهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
ثمَّ بيَّن معنى بُعد الطَّمعِ عن ذلك بما بعدَه، وهو قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾؛ أي: وهؤلاء أولادُ قومٍ (^٣) سمعوا كلامَ اللَّه، وهم السَّبعون الذين اختارَهم موسى صلوات اللَّه عليه للميقات.
وقد ذكر الكلبيُّ أنَّهم سألوا موسى أنْ يَسألَ اللَّهَ تعالى أن يُسمعهم كلامَه، فقال
_________________
(١) في (ف) و(أ): "منهم".
(٢) قوله: "وقيل: هو خطاب للنبي ﵇" من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "أولاد إسماعيل"!
[ ٢ / ٢٧٨ ]
لهم: اغتسلوا، والبسوا الثِّيابَ النظيفةَ، ففعلوا، فأسمعَهم اللَّهُ كلامَه، فقال: إنِّي أنا ربُّكم لا إله إلا أنا الحيُّ القيُّوم (^١).
وزاد الضَّحَّاكُ في هذا أنَّه قال: أوصيكم ببرِّ الوالدين، وألَّا تسرقوا (^٢)، ولا (^٣) تزنوا، ولا يظلمَ بعضُكم بعضًا، ولا تقطعوا السُّبُل (^٤)، ولا يشهد بعضُكم على بعضٍ زورًا.
لكنَّ الصَّحيحَ أنَّهم لم يسمعوا كلامَ اللَّه بلا واسطة، فإنَّ ذلك كان لموسى ﵇ على الخصوص، لم يشركهُ فيه غيرُه في الدُّنيا، ومعنى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾؛ أي: التوراةَ من موسى بقراءته، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ التَّحريفُ: التغيير، والانحراف: الميلُ، والتَّحرُّفُ كذلك، قال اللَّه تعالى (^٥): ﴿مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ وقلم محرَّفٌ: مائلُ الرأس، فتحريفُ الكلام: إمالتُهُ عن وجهِه إلى غير وجهِه.
_________________
(١) ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (١/ ١٨٩) من طريق محمد بن مروان السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وابن مروان هو السدي الصغير، والكلبي هو محمد بن السائب النسابة المفسر، وكلاهما متهم بالكذب، وأبو صالح، هو باذام مولى أم هانئ، ضعيف يرسل، وهذه -كما قال الحافظ ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب": (١/ ٢٦٣) -: سلسلةُ الكذب لا سلسلة الذهب.
(٢) في (أ): "تسرفوا".
(٣) في (أ): "وألا".
(٤) في (ر) و(ف): "ولا تقطعون السبيل".
(٥) بعدها في (ر): "إلا".
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وأمَّا تفسيرُه فقد قال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: أي: يُحرِّفون التوراة (^١).
وقال محمد بن إسحاق والربيع: أي: الوحي الذي يسمعونه من موسى ﵇ مِن بعد ما علِموا تأويلَه، وعرفوه (^٢) وفهموه (^٣).
وقيل: هو تحريفُ أحكام الكتاب، فإنَّهم كانوا يُفتون المستفتين مِن الفقراء بما في الكتاب، وإذا استفتاهم الغنيُّ أخذوا الرِّشوة، وغيَّروا حكمَ التَّوراة (^٤) على وفق هوى الغنيِّ، كما غيَّروا آيةَ الرَّجم تخفيفًا على الأغنياء بأخذ الرِّشوة، وغيَّروا حكمَ الكتاب، يقول: كيف يؤمِنُ هؤلاء وهم يقلِّدون أولئك الآباء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أنه من عند اللَّه، ويعلمون أنَّه رسولُ اللَّه، وأنَّه حقٌّ.
وقال: معنى الآية أنَّهم مع كثرةِ ما عاينوا من الآياتِ، وشاهَدوا من العجائب في عهد موسى صلوات اللَّه عليه؛ لم يَطمع هو في إيمانهم، فكيف طمعتُم أنتم في إيمان هؤلاء وهم أتباعُهم؟ (^٥)
وقيل: معناه: كيف ترجون إيمانَ أتباعِ هؤلاء، وفريقٌ مِن هؤلاء سمعوا القرآنَ مِن النبيِّ -ﷺ-، ثمَّ حرَّفوا تأويلَهُ بعد ما علموه.
وقال القفال: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾؛ أي: يتأوَّلونه على غيرِ تأويلِه، ويَعدِلون به عن
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم (١/ ١٤٩) (٧٧٤) عن السدي.
(٢) في (أ): "ويحرفوه"، وهو تحريف.
(٣) قولا ابن إسحاق والربيع أوردهما مكي في "الهداية" (١/ ٣١٥).
(٤) في (أ): "الكتاب".
(٥) "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦٥).
[ ٢ / ٢٨٠ ]
جهتِه مِن بعد ما عقلوا (^١) تأويلَهُ عن اللَّه تعالى، وهم يعلمون أنَّهم يحرفونَه باطلًا ويتعمَّدونه حسدًا وبغيًا؛ أو يعلمون (^٢) أنَّه يُورِثُ الوِزْرَ والعقوبةَ، وليس قوله: ﴿عَقَلُوهُ﴾ وقوله (^٣): ﴿يَعْلَمُونَ﴾ شيئًا واحدًا.
وقال القشيريُّ: آيسَهُم عن إيمانِهم، وذَكَر أنَّهم بعد سماعِ الخطابِ مِن (^٤) اللَّه تعالى حرَّفوهُ وقد عقلوه وعرفوه، فكيف يؤمنون لكم، وإنَّما يَسمعون بواسطة الرسالة؟ ومَن لم يبقَ على الإيمان بعد العيان، فكيف يؤمنُ بالبرهان، والذي لم يَصلُح للحقِّ لا يَصلُح لكم، ومن لم يَحتشِم مِن اللَّه كيف (^٥) يحتشمُ منكم؟! (^٦)
* * *
(٧٦) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾؛ أي: وإذا لقي المنافقون، وهم الذين كانوا من أهلِ الكتاب، وآمنوا بلسانهم خوفًا من القتل والسَّبي، وهم يُضمِرون الكفرَ، إذا لقوا المؤمنين المخلِصين مِن أصحاب رسولِ اللَّه -ﷺ-، ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: نحن مؤمنون مثلَكم مخلصون.
_________________
(١) بعدها في (ف): "أي".
(٢) في (ر): "أتعلمون"، وفي (ف): "أي يعلمون".
(٣) "قوله" من (أ).
(٤) في (ف): "خطاب" بدل: "الخطاب من".
(٥) في (أ): "فكيف".
(٦) "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ١٠٠).
[ ٢ / ٢٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: صاروا على الخَلْوَة مع رؤسائهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ووهب بن يهودا.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: قال هؤلاء الرؤساء مِن اليهود لهؤلاء المنافقين: أتحدِّثونَهم هذا (^١) استفهامٌ بمعنى النَّهي؛ أي: لا تُحَدِّثوا (^٢) العربَ بما فتح اللَّهُ تعالى عليكم؛ أي: أنزلَ اللَّهُ تعالى عليكم، وهو ما في التَّوراة من نعتِ النَّبيِّ -ﷺ-، وحقِّيَّةِ (^٣) رسالتِه ودينِه وكتابِه، وهذا كما في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: لأنزلنا.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وأبو العالية والحسنُ وقتادة: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِن باب العلمِ بصفاتِ (^٤) النبيِّ -ﷺ- المبشر به (^٥).
وقيل: بما علَّمكمُ اللَّهُ مِن ذلك، وهو مِن قولِك: استفتَحتُه، ففتحَ عليَّ؛ أي: سألتُهُ فعلَّمني، ويقال: افتح عليَّ في أمري؛ أي: عرِّفني وجههَ وطريقه.
وقيل: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أوجبَ عليكم وحكمَ عليكم؛ مِن أخذِ الميثاق في كتبكم؛ ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾
_________________
(١) لفظ: "هذا" من (أ).
(٢) في (ف): "لا تحدثونهم أي".
(٣) في (ر) و(ف): "وحقيقة".
(٤) في (ف): "بصفة".
(٥) في (ر): "البشرية" بدل: "المبشر به". وأقوال ابن عباس وأبي العالية وقتادة رواها الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
[آل عمران: ٨١]، وهو من قولهم للحاكم: فتَّاح، وقال تعالى (^١): ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ أي: احكم.
وقال مجاهد: أي: بما حكم عليكم، كما (^٢) جعلَ منكم القردةَ والخنازير، فلا تُقرُّوا به عندهم فيعرفوا (^٣) به عنادَكم وعنادَ آبائكم.
وقيل: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: نصرَكُم حين استفتحتُم برسول اللَّه -ﷺ- آخرَ الزمان في مغازيكم؛ أي: استنصرتُم به.
وقوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان المنافقون يُحَدِّثون العربَ بما عُذِّبوا به، فيقول لهم رؤساؤهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِن العذاب ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي (^٤): ليقولوا: نحنُ أكرمُ على اللَّه مِنكم، وأحبُّ إليه منكم (^٥).
وقال مقاتلُ بن سليمان: نزلت في اليهود، وذلك أنَّ الرجلَ المسلمَ كان يرى مِن اليهود رضيعَه أو حليفه، فيسأله: أتجدون محمَّدًا في كتابكم؟ فيقولون: نعم، هو حقٌّ نعرفُه، فسمع كعبُ بنُ الأشرف ومالكُ بن الصَّيف وأصحابُهما، وقالوا لليهود في السِّرِّ: أتحدثون أصحابَ محمَّدٍ بما فتحَ اللَّهُ عليكم مِن نعتِ محمَّدٍ ليُحاجُّوكم به عند ربِّكم، باعترافكم بأنَّه نبيٌّ، ثمَّ لا تتابعونه (^٦).
_________________
(١) بعدها في (أ): "خبرًا".
(٢) في (أ): "بما".
(٣) وفي (ر): "تقرون به عندكم فتعرفوا"، وفي (ف): "فلا تقرؤونه عندهم فيعرفون".
(٤) لفظ: "أي" من (أ).
(٥) أخرج الطبري (٢/ ١٤٨ - ١٤٩)، وابن أبي حاتم (١/ ١٥٠) (٧٨٣) نحوه عن السدي.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١١٨)، ونقله عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ١٠٤).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: في القيامة، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^١) عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١].
وقيل: أي: يكون لهم (^٢) حجَّةٌ عند اللَّه في الدُّنيا والآخرة.
وقال الحسن: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: في ربكم، فيكونوا هم أولى به منكم إذا قامت حجَّته (^٣) عليكم (^٤).
وقيل: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: في حكم ربِّكم، وهو كقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وقولِه ﷿: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٥) [التوبة: ٣٦]؛ أي: ليحتجُّوا به عليكم، بإقراركم أنَّ اللَّهَ تعالى حكمَ عليكم فيما أخذ عليكم من الميثاق الذي بيَّنَّا: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].
وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديرُه: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: بما نزَّلَ عليكم (^٦) مِن عندِ ربكم ليُحاجُّوكم به.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هو متَّصِل بكلامهم أيضًا؛ أي: أفلا تعقلون أنَّكم إنْ فعلتُم ذلك عادتِ الحُجَّةُ عليكم؟ وفيه عيبُكم وعيبُ سَلَفِكم.
وقال الحسن: هذا متَّصلٌ بقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ في إيمانِ مَن هذا (^٧) صفتُه، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّه لا يكون.
_________________
(١) من قوله: " ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي: في" إلى هنا ليس في (ر) و(ف).
(٢) بعدها في (أ): "عليكم".
(٣) في (أ): "حجتهم".
(٤) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (١/ ١٤٩).
(٥) بعدها في (أ): "اثنا عشر شهرًا".
(٦) قوله: "أي: بما نزل عليكم" ليس في (ف).
(٧) في (ر): "هذه".
[ ٢ / ٢٨٤ ]
(٧٧) - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: هؤلاء المنافقون، أو هؤلاء اليهود.
قوله تعالى (^١): ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: ما يُخفون وما يُظهرون مِن القول والعمل.
وقيل: ما يُسرُّون مِن الاعتقاد، ويعلنون من الإقرار.
وقيل: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ مِن الحقِّ، وهو نعتُ محمَّدٍ -ﷺ-، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مِن الكذب والباطل.
وقيل: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ من قولهم (^٢) النِّفاقَ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الشَّهادة باللِّسان.
وقيل: ﴿مَا يُسِرُّون﴾ قولِهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من قولهم: هو نبيٌّ حقٌّ، وهو في كتابنا مذكور.
وقوله تعالى (^٣): ﴿أَوَلَا﴾ (^٤) استفهامٌ بمعنى التَّقرير، وهو تعجيبٌ للصَّحابة منهم؛ أي: ألا تَتعجَّبون مِن عنودهم وإِنكارِهم لنعتِ (^٥) محمَّدٍ -ﷺ- في كتبهم، ويعلمون أنَّ اللَّهَ يَعلمُ ما يسرُّون وما يعلنون.
ويجوز أن يكونوا لا يعلمون ذلك، ويكون قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ تحريضًا على
_________________
(١) من قوله: "أي هؤلاء المنافقون" إلى هنا من (أ).
(٢) "قولهم" ليس في (أ).
(٣) في (ف): "ولفظة" بدل: "وقوله تعالى".
(٤) بعدها في (ر): "يعلمون".
(٥) في (أ): "نعت".
[ ٢ / ٢٨٥ ]
تَعرُّفِ ما يُفيدُهم العلمَ، كقولك للرجل: ألَا تفعلُ كذا؟ وهو لا يفعلُه (^١)؛ تحرضه (^٢) على أن (^٣) يفعلَه.
والإسرارُ: الإخفاء، والاستسرار (^٤): الاختفاء، والإعلان: الإظهار، والعُلُون والعلانيةُ والاستعلان: الظهور، والعَلَنُ نقيضُ السِّرِّ.
* * *
(٧٨) - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: ومن اليهود أمِّيُّون؛ أي: قومٌ لا يَكتبون ولا يقرؤون مِن كتابٍ، سُمِّيَ الأُمِّيُّ به؛ لأنَّه على الخِلقةِ التي ولدتهُ الأمُّ عليها، وهي عدمُ الكتابة والقراءة مِن الكتاب.
وقيل: هو منسوبٌ إلى الأم، والأمُّ مِن النساء، والغالبُ فيهنَّ عدمُ الكتابة والقراءة منها.
وقيل (^٥): منسوبٌ إلى الأمِّ الذي هو الأصل، والأصلُ هذا أيضًا، فإنَّ الكتابة تكون بالتعلُّم لا بالخلقة.
وقيل (^٦): منسوبٌ إلى الأُمَّة، وهي جمهور العامَّة، والأصلُ فيهم هذا أيضًا.
فأمَّا تسميةُ العرب أمِّيِّين فلأنَّ الأصلَ فيهم عدمُ الكتابة، وهي في بعضهم
_________________
(١) في (أ): "يعرفه".
(٢) في (ر): "تحريضًا".
(٣) بعدها في (أ) و(ف): "لا".
(٤) في (أ): "والاستسراء" وفي (ف): "الاستسرار".
(٥) بعدها في (أ): "هو".
(٦) بعدها في (أ): "هو".
[ ٢ / ٢٨٦ ]
نادرةٌ، ولأنَّهم مِن أمِّ القرى، وهي مكَّة، والنبيُّ -ﷺ- سُمِّيَ أمِّيًّا؛ لأنَّه مِن العرب، ولأنَّه مِن أمِّ القُرى، ولأنَّه كان -أي: النبيَّ -ﷺ- (^١) - لا يكتبُ ولا يقرأُ مِن كتاب.
وعين (^٢) هذه الصِّفة ليست بمدحٍ ولا ذمٍّ، وهي في حقِّه ﵊ كانت دلالةَ صحَّة دعواه؛ لما (^٣) قال اللَّه تعالى في هذه الآية: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾؛ أي: ظنوا أنَّه يأخذُها مِن كتابٍ يكتبُه.
وفي هذه الآية ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ هذا ذمٌّ لهم؛ لعدم العلم، وتقليدِهم رؤساءَهم في الباطل.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (^٤) هو جمع أمنيَّة، كالأثافيّ جمع أُثفِيَّة، وللأماني ثلاثة تفاسير:
أحدها: أنها الأكاذيب، قال عثمان بن عفان: ﵁: ما تمنَّيت منذ أسلمت، ولا مَسِستُ فرجي بيميني منذ بايعتُ بها (^٥) النبيَّ -ﷺ-، ولا أكلتُ الكرَّاثَ ونحوهُ منذ قرأتُ القرآن (^٦). وبه قال ابن عباس ومجاهد ﵃: إنَّها الأحاديث المختلقة (^٧)؛ أي: أخذوها مِن علمائهم تقليدًا، وهو كقوله
_________________
(١) قوله: "أي: النبي -ﷺ-" من (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "وغير".
(٣) في (أ): "كما".
(٤) بعدها في (ر): "الأماني".
(٥) لفظ: "بها" من (ر).
(٦) رواه ابن ماجه (٣١١) دون قوله: "ولا أكلت الكراث. . . " ولفظه عنده: ما تغنيت ولا تمنيت.
(٧) تحرفت في النسخ الخطية إلى: "المختلفة"، والمثبت هو الصواب. وقولا ابن عباس ومجاهد رواهما الطبري (٢/ ١٥٦).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية.
والثاني: أنَّها القراءات، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، وقال حسان يرثي عثمان رضي اللَّه تعالى عنهما:
تمنَّى كتابَ اللَّهِ أوَّلَ ليلِهِ وآخرَهُ (^١) لاقى حِمامَ المقابرِ (^٢)
أي: وما يَعلَمُ هؤلاء السَّفِلةُ حقيقةَ المنزَلِ، وإنَّما يَقرؤون أشياءَ أخذُوها من أحبارهم، وقراءَتُهم على هذا الوجهِ لا ينفي اسمَ الأمِّيِّينَ عنهم؛ لأنَّ الأمِّيَّ مَن لا يكتبُ ولا يَقرأ عن كتابٍ، لا من لا يقرأ أصلًا.
والثالث: أنَّها الشَّهوات، قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم: ٢٤]، وقال عزَّ وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ [النساء: ٣٢]؛ أي: لا يعلمون الكتابَ شيئًا إلَّا ما يُمَنِّيهم كبراؤهم وعلماؤهم مِن دخولِهم (^٣) الجنَّة بإقامتهم على دينهم.
وقال الأخفش: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (^٤) استثناءٌ منقطع؛ لأنَّه ليس المستثنى مِن جنس
_________________
(١) في (أ): "وآخرها".
(٢) كذا في النسخ الثلاثة، والظاهر أنه تحريف، والذي في المصادر: "المقادر" بدل: "المقابر". والبيت نُسِب لحسان في "تفسير الرازيُّ" (٢٣/ ٥٢)، وفي "البحر المحيط" لأبي حيان (١٥/ ٣٨٨). ونسب لكعب بن مالك في "النكت والعيون" (١/ ١٥٠)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ٨٥ - ٨٦)، و"تفسير القرطبي" (٢/ ٢١٨)، غير أن الواحدي جعله في رثاء كعب أباه. وهو دون نسبة في "العين" (٨/ ٣٩٠)، و"سيرة ابن هشام" (١/ ٥٣٨)، و"الزاهر" لأبي بكر ابن الأنباري (٢/ ١٥٠)، و"مقاييس اللغة" (٥/ ٢٧٧)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٢٢٣)، وغيرها.
(٣) في (أ): "دخول".
(٤) في (أ): "هذا" وفي (ف): "الأماني" بدل من " ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ ".
[ ٢ / ٢٨٨ ]
المستثنى منه، وكلُّ موضعٍ يَحسُنُ فيه مكان "إلَّا" "لكن"، فهو استثناءٌ منقطع، وهاهنا يحسُن، تقديره: لا يعلمون الكتاب لكن يَتَّبعونَ الأماني، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] (^١).
وقوله تعالى ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾؛ أي: وما هم إلَّا ظانِّين، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، يعني: ما الكافرون (^٢). وصف في الآية الأولى تحريفَ الأحبار، وفي هذه الآية تقليدَ العوام، وإيصالُ (^٣) هذه (^٤) وتلك بما قبلها أنَّه تعالى وصفَ هؤلاء القومَ أنَّهم غيرُ عالمين بالكتابِ، وتشبُّثُهم بمخترعات (^٥) رؤسائِهم كذبًا لا حقيقة لها، فبَعَّد الطَّمَعَ في إيمان هؤلاء بهذا السبب؛ أي: أفتطمعون في إيمان هؤلاء، وهم جاهلون مقلِّدون، وأولئك معاندون.
* * *
(٧٩) - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: الويلُ: العذاب (^٦).
_________________
(١) انظر "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٢) بعدها في (ف): "إلا في غرور".
(٣) في (أ) و(ر): "واتصال".
(٤) بعدها في (أ): "الآية".
(٥) في (ر): "مخترعات".
(٦) رواه الطبري (٢/ ١٦٣).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وقال الكلبيُّ: هو الشَّديدُ مِن العذاب (^١).
وقال الأصمعيُّ: هو تقبيحٌ مِن اللَّه ﷿ فعلَهم، قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (^٢).
وقيل: هي كلمةُ تحسُّرٍ وتَفجُّعٍ، قال تعالى: ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾.
وروى عثمانُ رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال (^٣): "الويلُ جبلٌ في النَّار" (^٤).
وروى أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁، عن النبيِّ ﵊ قال: "الويلُ وادٍ في جهنَّم، يَهوي فيه الكافرُ أربعين خريفًا قبل أنْ يبلغَ قَعْرَه" (^٥).
وقال أبو عياض (^٦): هو وادٍ من صديد في أصل جهنم (^٧).
وقيل: هو في اللُّغة: الهلاك، وقيل: الفضيحة، وقيل: حلول الشر.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراةَ مغيَّرًا مبدلًا (^٨).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٢٤) من قول ابن عباس ﵄.
(٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥٦١)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ٩١).
(٣) "أنه قال" من (أ).
(٤) رواه الطبري (٢/ ١٦٤). قال الحافظ ابن رجب في "التخويف من النار" (ص: ١١٣): إسناده فيه نظر. اهـ. وأورده ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وقال: وهذا غريبٌ جدًّا.
(٥) رواه الترمذي في "سننه" (٣١٦٤)، وهو ضعيف لضعف دراج أبي السمح المصري. انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٤ - ٢٥). وجعله ابن كثير في "تفسيره" آفة الحديث، ثم قال: وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعًا منكرٌ.
(٦) تحرف في (ر) إلى: "ابن عباس" وكتب فوقه فيها: "في رواية".
(٧) رواه الطبري (٢/ ١٦٤).
(٨) في (أ): "ومبدلًا".
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وقوله ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ قيل: هو تأكيدٌ للفعل بحصولِه بما هو مختصٌّ به، وهو كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقولِه: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقيل: هو تحقيقٌ ونفيٌ للمجاز؛ أي: يتولَّونه بأنفسِهم، فقد يقول الإنسان: كتبتُ إلى فلانٍ، إذا أمرَ غيرَهُ أن (^١) يكتبَ عنه إليه، وإذا قال: كتبتُ بنفسي، أو بيدي، فقد أخبر أنَّه باشرَهُ بنفسه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: يشيرون إلى الذي (^٢) كتبوه وهو مغيَّر أنَّه (^٣) منزَّلٌ من عند (^٤) اللَّه تعالى.
وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: يكتبون ذلك ليأخذوا به ما الكثيرُ منه قليل؛ لأنَّه فانٍ غيرُ باقٍ؛ فإنَّ المأكولَ يَذهبُ، والملبوسَ يبلى (^٥)، والرِّياسةَ تزولُ بالموت.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: مغيَّرًا، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: يُحَصِّلونَ لأنفسِهم مِن حُطام الدُّنيا بهذا الفعل، وقد كَسَبَ كسْبًا، واكتَسَبَ اكتِسابًا.
وقيل: إنَّ الاكتسابَ هو اجتلابُ الحظِّ بما هُيِّئَ له من الأسباب.
وتبديلُهم كان بتغيير نعتِ النبيِّ -ﷺ-، فقد كان في التَّوراة أنَّه أسمرُ، رِبْعَةٌ، فبدَّلوهُ
_________________
(١) في (أ): "بأن".
(٢) في (أ): "يشيرون إلى الذين"، وفي (ر): "يشيرون الذي"، وفي (ف): "يشترون الذين".
(٣) في (ر) و(ف): "وغيروه وأنه" بدل: "وهو مغير أنه".
(٤) لفظ: "عند" ليس في (أ).
(٥) في (ر): "يذهب ويبلى".
[ ٢ / ٢٩١ ]
بأنَّه أبيضُ طويل أعور، وهي من صفات الدَّجَّال، واكتسابُهم كان ببيع (^١) المكتوب بالثَّمن، ويأخذون (^٢) الرِّشوةِ مِن أغنيائهم (^٣).
ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ الويلَ في هذه الآية ثلاثَ مرَّاتٍ، وله وجوه:
أحدها: أنَّه في حقِّ تضييع حقِّ رسوله المصطفى -صلي اللَّه عليه وسلم- بتبديل نعتِه، واللَّهُ تعالى يبالغ (^٤) في وعيدِ مضيِّع حقِّ أحبائه (^٥) ما لا يُبالغ في وعيد مضيِّع حقِّه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] وهذا في حقِّ نفسِه، وهو مرَّة، وقال هاهنا في حقِّ مضيِّع حقِّ نبيِّه ثلاثًا، وهو كقوله في حقِّ مَن وصفَ اللَّهَ تعالى بالفقر (^٦) ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]، وهذا مرَّة، وقال (^٧) في حق من عاب عائشة ﵂: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
والثاني: أنَّ الأوَّل (^٨) هو أخذُ الجزية والمذلَّة في الدُّنيا، والثاني هو عذاب القبر.
والثالث: وهو (^٩) عذاب النار، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]؛ أي: في الدُّنيا والقبر والموقف (^١٠) والجحيم.
_________________
(١) في (ف): "بيع".
(٢) في (أ): "وأخذ".
(٣) في (أ): "الأغنياء".
(٤) في (أ): "مبالغ".
(٥) في (ر): "حق أحبابه"، في (ف): "حقه" بدل: "حق أحبائه".
(٦) في (ف): "بالفقير".
(٧) في (ف): "وقالوا".
(٨) قوله: "أن الأول" من (ف)، وفي (أ): "الأول".
(٩) "وهو" ليس في (أ).
(١٠) في (أ): "والموت".
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وقيل: الويلُ الأوَّلُ بقولهم: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، والثَّاني بالتَّحريف، والثَّالثُ في اجتلاب (^١) حطام الدنيا به (^٢).
* * *
(٨٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾؛ أي: وقال هؤلاءِ حين أوعِدوا بالتَّحريف والكسب الخبيث: نحن أولادُ الأنبياء، ولن نُعذَّبَ يومَ القيامة إلَّا مدَّة يسيرة.
قال ابنُ عبَّاسٍ والضَّحَّاكُ وقَتادة وعكرمةُ والسُّدِّيُّ: هي أربعون يومًا، وهي مدَّة غيبةِ موسى ﵇ عنهم وعبادتِهمُ العجلَ فيها (^٣).
وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في رواية: هي أربعون سنة (^٤). وهي المدَّة التي حُبِسوا فيها في التِّيه.
وقال مجاهدٌ والحسن: هي سبعة أيام. وهي في قصَّة نزولِ الآية، وأنَّ (^٥) النبيَّ -ﷺ- دخل المدينة، فوجد اليهودَ يقولون: إنَّ أيَّامَ الدُّنيا سبعةُ آلاف سنة، فنُعذَّب مكان كلِّ ألف سنةٍ يومًا، فنزلت الآية ردًا عليهم (^٦).
_________________
(١) في (أ): "باختلاف" وفي (ف): "في اختلاف".
(٢) لفظة: "به" من (أ).
(٣) أخرج أقوالهم الطبري (٢/ ١٧١ - ١٧٤).
(٤) رواها الطبري (٢/ ١٧٢)، وابن أبي حاتم (١/ ١٥٦)، (٨١٤)، (٨١٧).
(٥) في (أ): "فإن".
(٦) رواه الطبري (٢/ ١٧٥ - ١٧٦) عن مجاهد.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وقال أبو منصور ﵀: لا معنى لصرف هذه الأيَّام إلى أيَّام عبادة العِجْل؛ لأنَّ هؤلاء لم يعبدوا العجلَ، وإنَّما عبدَ آباؤهم. ولو صُرف ذلك إلى آبائِهم الذين عَبدوا العجل لم يحتمل أيضًا؛ لأنَّهم قد تابوا عن ذلك، وقد (^١) قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وتصرفُ الأيَّام المعدودةُ إلى العمر الذي عصَوا فيه، وهم لم يروا التَّعذيب إلَّا على قدر (^٢) وقت العصيان أو كانوا لا يرون التخليد في النَّار، أو لأنَّهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فلا نُعذَّب أبدًا، بل نُعذَّبُ تعذيبَ الأبِ ابنَه، أو الحبيبِ حبيبَه في وقتٍ قليلٍ، ثمَّ يَرْضى.
وهذا منهم باطلٌ، وعقوبةُ الكفر أبدًا، وثوابُ الإيمان كذلك؛ لأنَّ مَن اعتقدَ دِينًا إنَّما يعتقدُه للأبد، فعلى ذلك (^٣) جزاؤه للأبد، فأمَّا مَن ارتكب ذنبًا من المسلمين لشهوةٍ تغلِبُه، فيرتكبُه ثمَّ يتركُه، فإنَّما يعاقبُ إذا عُوقِب بقدرِ ما ارتكبَ في وقت؛ لأنَّه لم يرتكبه للأبد، لذلك افترقا (^٤).
قوله ﴿مَعْدُودَةً﴾ (^٥) هذا للتعليل لا ما دخل في العدد فسريعًا ينفد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وفي سورة آل عمران: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، واليوم مذكر، فإذا جمع صار مؤنَّثًا، فيُقال: معدودة، ثم يجمَعُ الجمعُ على: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُ
_________________
(١) "وقد" ليس في (ف).
(٢) في (ف): "قدرة".
(٣) في (أ): "هذا".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٠٠ - ٥٠١).
(٥) من قوله: "بقدر ما ارتكب في وقت" إلى هنا من (أ).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١]، وهذا مِن صفاتِ الملائكة، مَلَكٌ معقِّب، وملائكة معقِّبَة بالجمع (^١) بالهاء، ثمَّ معقِّبات جمعُ الجمعِ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: قل يا محمد لهم: أتَّخذتم هذا؟ ألفُ الاستفهام بمعنى التوبيخ، والألف المجتلبة ذهبت بالإدراج، وهذه الألفُ المقطوعة ألفُ الاستفهام، وهو كقوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، ومعناه: أخذتُم (^٢) مِن اللَّه وثيقةً لكم أنَّه لا يُعذِّبكُم أكثرَ مِن هذه المدَّة؟ فلن يخلفَ اللَّهُ وعدَه (^٣)، وهو قول قتادة (^٤).
وقيل: معناه: هل قلتم: لا إله إلَّا اللَّه؟ فلن يخلفَ اللَّه وعده (^٥) في حقِّ مَن قال ذلك (^٦).
والعهدُ بمعنى الوعد، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، ثمَّ قال ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧].
وقال ابنُ عباس ﵄ والضحَّاك: معناه: هل آمنتم باللَّه؟
وقد بيَّنَّا وجوهَ العهد لغةً وشرعًا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لهذا وجهان:
_________________
(١) في (أ): "فيجمع".
(٢) في (أ): "أتخذتم".
(٣) في (ر): "عهده".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٧٦ - ١٧٧) بنحوه، وانظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ٩٥).
(٥) في (ر): "عهده".
(٦) هو قول ابن عباس، رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٧٧).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
أحدهما: هل عندكم خبرٌ عن اللَّه تعالى أنَّكم لا تُعذَّبون أبدًا، لكن أيَّامًا معدودة؟ فإن كان لكم هذا فهو لا يُخْلِفُ وعدَه.
والثاني: أي: ألكم عند اللَّه أعمالٌ صالحةٌ وعدَكم بها الجنَّةَ؟ فهو لا يخلفُ وعدَه (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: بل تَقولون كاذِبين على اللَّه ما لا علمَ لكم به.
وقال عكرمة: خاصمتِ اليهودُ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: لن نَدخلَ النَّارَ إلَّا أربعينَ ليلةً، وسَيَخْلُفُنا إليها قومٌ آخرون -يعنون النبيَّ -ﷺ- وأصحابَه- فقال النبيُّ -ﷺ-: "بل أنتم فيها خالدون مخلَّدون، ولا يخلفكم إليها أحدٌ"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٢).
وقال الرَّبيعُ بن أنس: إنَّ اليهودَ قالوا: إنَّ اللَّه تعالى عَتَبَ علينا في أمرٍ، فأقسمَ ليعذبنَّنا أربعين ليلةً (^٣).
وقال السُّدِّيُّ: قالت اليهودُ: إنَّ اللَّه يُدخِلُنا النَّارَ، فنَمكثُ فيها أربعين ليلةً (^٤)، حتَّى إذا أكلت النَّار خطايانا، نادى منادٍ أن أخرِجوا كلَّ مختونٍ مِن ولد إسرائيل. لذلك أُمِرنا أن نختتن، فلا يَدَعون في النَّار أحدًا منَّا إلَّا أخرجوه منها.
* * *
_________________
(١) "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٠١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٧٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٥٦) (٨١٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٧٢) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٤) من قوله: "وقال السدي" إلى هنا من (أ).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
(٨١) - ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قال الفراء: ﴿بَلَى﴾ أصله: بل، وهو ردٌّ لما قبلَه، وإثباتٌ لما بعده، ويُذكَرُ على وجه العطف، يُقال: ما قام زيدٌ بل عمرو، فإذا ذُكِر في الجوابِ على وجه الإفراد، زادوا عليه الياءَ؛ ليصلح (^١) الوقفُ عليها (^٢).
وقوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ السَّيِّئةُ (^٣) تأنيثُ السَّيِّئ، وهو فَيْعِلٌ من السُّوء (^٤)، وأصله: سَيْوِئ، جُعِلَتِ الواوُ ياءً للياء التي قبلَها، كما في السيِّد والجيِّد، وهو العملُ الفاسدُ (^٥)، ولذلك ذُكِرَ في مقابلةِ (^٦) العملُ الصالح في الآية التي تليها.
واختلف في المراد بها هاهنا:
قال مجاهدٌ وجماعة: هي الشِّرك (^٧) وتأنيثها على هذا يكون على قصد إرادة الفعلة أو الخصلة أو نحوها.
وقال الحسنُ وقتادة: السَّيِّئة: هي الكبيرةُ التي أوعدَ اللَّه تعالى عليها النَّار (^٨).
_________________
(١) في (ف): "ليصح".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٥٢ - ٥٣).
(٣) لفظ: "السيئة" من (أ).
(٤) في (ر) و(ف): "السوءة".
(٥) من قوله: "جعلت الواو ياء" إلى هنا من (أ).
(٦) في (ف): "مقابلته".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٧٩).
(٨) رواه عن الحسن: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٥٨) (٨٢٤).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
والهاءُ للتَّوحيد على هذين القولين.
وقال السُّدِّيُّ: السَّيِّئةُ: الذُّنوبُ التي أوعدَ (^١) عليها النَّارَ (^٢). وعلى هذا تكونُ الهاءُ للجَمْع.
وقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: أطافت به من كل وجه. قال القفَّال: كلُّ ذنبٍ خطأٌ وخطيئةٌ؛ لأنَّه ليس بصوابٍ، وإحاطتُه بالعبدِ أن يكون ذنبًا أحبطَ ثوابَ كلِّ أعمالِه، وليس ذلك إلَّا الشِّركَ.
ويجوز أن يكون معناه: من كسب شِركًا، وأحاط به ذلك؛ أي: أقامَ عليه حتَّى مات.
ويجوزُ أن يكون (^٣) ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: أهلكته، واشتمَلتْ عليه، فلا يَتَخلَّصُ مِنها، من قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١]؛ أي: قد حصرَها لكم واحتَبسَها عليكم، بحيث لا خروجَ لها عن أيديكم متى قصدتُم الاستيلاءَ عليها.
ويجوز أن يكون المعنى ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: استولَت عليه وغلَبتهُ، فلم يبقَ لغيرها عليه حكمٌ.
ولا حجَّة فيها للخوارج والمعتزلة في تخليدِ صاحب الكبيرة في النَّار أخذًا بظاهرها؛ فإنَّ السَّيِّئةَ اسمٌ للعملِ السَّيِّئ، والخطيئةَ اسمٌ للذَّنب؛ لأنَّا قلنا: إنَّ السَّيِّئة
_________________
(١) بعدها في (ر): لفظ الجلالة "اللَّه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٨٠).
(٣) بعدها في (أ): "ومعنى".
[ ٢ / ٢٩٨ ]
هي الشِّرك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، وعن ابن عباسٍ والكلبيِّ ومقاتلٍ وجماعةٍ أنَّ معناه: مَن كسبَ شِركًا (^١)، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: مات على شركِه، على أنَّ ظاهرَ الآيةِ هو الحجَّةُ القاطعةُ لنا فإنَّه قال: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ وهو أن يكون المشتمِلُ عليه هو الخطيئةُ لا غير، وهو أن لا يكون له شيءٌ غيرُ الذَّنبِ، ومَن كان مؤمنًا فله أعظمُ الطَّاعات، فلا يكونُ الذَّنْبُ محيطًا به، وقراءة (^٢) نافعٍ وأبي جعفر (^٣): ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ (^٤) لأنَّ الإحاطةَ لا تكونُ لشيءٍ واحدٍ، وإنَّما تكونُ لأشياء.
ومَن فسَّر السَّيِّئةَ بالشِّرك، والخطيئةَ بالكبائر، فليس اجتماعُهما شرطَ التَّخليدِ في النَّار، بل بالشِّركِ وحدَه يستحقُّ ذلك، لكنَّ الآيةَ ردٌّ لليهود (^٥) الذين قالوا ما قالوا، فقال اللَّه تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: ليس كما قلتم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، بل مَن كان مثلَكم خُلِّدَ في النَّار، وكانوا مشركينَ مرتكبي كبائرَ، فذكرَهما، ومقتضاهُ أنَّ الكفرَ وحده ممَّا يوجبُ الخلودَ في النَّار، فكيف إذا اجتمعَ إليه الفسقُ بارتكابِ الكبائر؟
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جَمَعَ هذا وهو راجعٌ إلى قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وهو واحدٌ لفظًا؛ لأنَّ معناه الجمع.
_________________
(١) انظر قول مقاتل في "تفسيره" (١/ ١١٩).
(٢) في (أ): "وقرأ".
(٣) قوله: "وأبي جعفر" ليس في (أ).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ١٦٢)، و"التيسير" (ص: ٧٤)، و"النشر" (٢/ ٢١٨). ووقع بعدها في (أ): "قال".
(٥) في (ر): "على اليهود".
[ ٢ / ٢٩٩ ]
(٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولمَّا أوعدَ (^١) الكفَّارَ بالنَّار، أوعد (^٢) المؤمنين بالجنَّة.
* * *
(٨٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: واذكروا أيضًا إذ (^٣) أخذنا ميثاقَ بني إسرائيل، وهذا الميثاقُ مشتملٌ (^٤) على الإيمان والعمل الصالح المذكورَين قبله، وبه يقعُ الانتظام، ولأنَّه ردَّ قولَهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وأثبتَ استحقاقَهم التَّخليدَ في النَّار بنقضِهم الميثاقَ الذي أخذَ عليهم؛ أن يعبدوا اللَّه ولا يشركوا به شيئًا (^٥)، ويقولوا في النبيِّ -ﷺ- حُسْنًا ولا يَكتموا نعتَهُ، فنَقضوا وتَولَّوا وأعرضوا، فاستحقُّوا الخزيَ في الدُّنيا والنارَ في العُقبى.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (^٦) قرأ حمزةُ والكسائيُّ والمفضَّلُ عن
_________________
(١) بعدها في (ف): "اللَّه تعالى".
(٢) في (أ): "وعد".
(٣) لفظ: "إذ" ليس في (أ).
(٤) في (أ): "يشتمل".
(٥) لفظ: "شيئًا" من (ف).
(٦) بعدها في (ر) و(ف): "هذه قراءة الجمهور بالتاء و".
[ ٢ / ٣٠٠ ]
عاصم (^١) وابنُ كثير بالياء (^٢) على المغايبة، وتَرجِعُ إلى بني إسرائيل، وقرأ الباقون (^٣) بالتَّاء على خطابِهم به، والعربُ تقول: قل لزيدٍ: لا يَذهب، وقل لزيدٍ: لا تَذهب.
ومعنى قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (^٤) أي: لا تعرفون بالربوبيَّة إلَّا اللَّه (^٥) تعالى، والميثاقُ على وجهين؛ عهدِ خلقةٍ وفطرة، وعهدِ رسالةٍ ونبوَّة، وقد مرَّ شرحُه غيرَ مرَّةٍ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تجعلون (^٦) الألوهيَّة إلَّا للَّه، ويَحتملُ نفسَ العبادة؛ أي: لا تعبدونَ غير اللَّه من الأصنام وغيرها (^٧).
ثمَّ قولُه تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ بالنون وهي للرفع لوجوه:
أحدهما: ما قال (^٨) الكسائيُّ: تقديرُه: أخذنا (^٩) ميثاقَ بني إسرائيل بألَّا تعبدوا إلَّا اللَّه، فلمَّا أسقطَ (^١٠) "أن" رفعَ الفعلُ؛ لزوال النَّاصب، قال تعالى:
_________________
(١) "والمفضل عن عاصم" سقط من (أ).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ١٦٢)، و"التيسير": (ص: ٧٤)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٤٠٢). وقراءة عاصم المتواترة عنه كقراءة الجمهور.
(٣) في (ف): "والباقون الذين قرؤوا" بدل: "وقرأ الباقون".
(٤) في (ر): "يعبدون".
(٥) في (ر): "يعترفون بالربوبية إلا للَّه".
(٦) في (ر) و(ف): "تجعلوا". والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة".
(٧) أنظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٠٢).
(٨) في (ف): "قاله".
(٩) في (ر): "وإذ أخذنا".
(١٠) في (ف) و(أ): "أسقط".
[ ٢ / ٣٠١ ]
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وقال طرفة:
ألَا أيُّهذا الزاجري أحضرَ الوَغى وأنْ أشهدَ اللَّذاتِ هل أنت مُخْلِدِي (^١)
يروى: أحضرَ، بالنصب؛ أي: أن أحضرَ الوغى، ولذلك عطفَ عليه: وأن أشهدَ، وكذا قال الأخفشُ والفرَّاءُ وقطرب والزَّجَّاج (^٢).
والثاني: وهو أحدُ قولي الأخفش وأجازهُ الكسائيُّ والفرَّاءُ والزَّجَّاج: إنَّ (^٣) رفعَهُ لأنَّه جوابُ القسم، وهو كقوله: حلَّفتهُ (^٤) لا يقوم، وهو حكاية على المعنى (^٥).
والثالث: قولُ قطرب: إنَّه رفعٌ في موضع الحال في صيغة الفعل، وموضعُه نَصبٌ في الاسم، كقولك (^٦): دخلَ عليه يتبسَّم (^٧)؛ أي: متبسِّمًا، وتقديرُ هذه الآية: أخذنا ميثاقهم غيرَ عابدين إلَّا اللَّه (^٨).
والرابع: قول الفرَّاء: إنه مضارعٌ في معنى النهي، جاء على لفظ الخبر، ومثله
_________________
(١) البيت من معلقة طرفة بن العبد، وهو في "ديوانه" (صـ ٤٥). وانظر قول الكسائي في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٢٧).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١٣٣ - ١٣٤)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٥٣)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٦٢)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ١٠٤).
(٣) في (ر) و(ف): "أي".
(٤) في (أ): "خلفته".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١٣٣)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٥٣ - ٥٤)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٦٢)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ١٠٥).
(٦) في (أ): "تقول".
(٧) في (أ): "تبسم" وفي (ف): "يبسُمُ".
(٨) انظر قول قطرب في "التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ١٠٣).
[ ٢ / ٣٠٢ ]
في القرآن: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية، على قراءة من يرفع (^١)، وفي الخبر: "لا تُنكَحُ المرأةُ على عمَّتِها ولا على خالتها" (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ -وهو قولُ الزَّجَّاج-: أضمرَ فيه: ويحسنون بالوالدين إحسانًا (^٣)، ودلَّ على إضمار هذا الفعل إظهارُ هذا المصدر، وهو يقتضي الفعل.
ومعنى بالوالدين إحسانًا؛ أي: إلى الوالدين، وهذا كقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠]؛ أي: إليَّ، ويقال: أحسن به وإليه (^٤)، وأساء به وإليه، قال كثير:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةً لدينا ولا مقليَّةً إنْ تَقَلَّتِ (^٥)
وقيل: المضمرُ: وأوصيناهم، عطفًا على: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾.
وقالوا: هذا أوجه؛ لأنَّه تقريرُ الباء التي هي صلةُ الوصيَّة مِن غير تغييرٍ له إلى معنى كلمة "إلى" التي هي صلةُ الإحسان.
وقد عظَّم اللَّهُ تعالى حقَّ الوالدين حيث قرنَ حقَّه بحقِّهما في هذه الآية، وفي آياتٍ من كتابه العزيز: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
_________________
(١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "السبعة" (ص: ١٨٣)، و"التيسير" (ص: ٨١).
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" (١٤٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٦٣). ومن قوله: "وهو قول الزجاج" إلى هنا من (أ).
(٤) في (ر): "أي إليه".
(٥) "ديوان كثير" (ص: ١٠١).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: ذي (^١) القرابة، وهو عطف على الوالدين؛ أي: وتحسنون إلى القريب أيضًا، وهو واحدٌ بمعنى الجمع؛ لأنَّه اسمُ جنس.
وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ هو عطفٌ على الوالدين وذي القربى (^٢) في الأمر بالإحسان إليهم، وهو جمعُ يتيم، وهو الصَّغير الذي مات أبوه، ومن الحيوانات: الصغيرُ الذي ماتت أمُّه، وقد قال ﵊: "لا يُتمَ بعد البلوغ" وروي: "بعد (^٣) الحلم" (^٤).
وقد يَتِمَ يَيْتَمُ يُتْمًا، من حدِّ: عَلِمَ، ويُجمع اليتيم على الأيتام (^٥) واليتامى.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ عطفٌ على الوالدين أيضًا في ذلك، وهو جمع مسكين، وهو الذي أسكنته الحاجة.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ أي: أخذنا عليهم الميثاقَ بما سبق، وقلنا لهم في هذا الميثاقِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ ويعقوبُ وعاصمٌ في رواية المفضَّل (^٦) عنه: ﴿حَسَنًا﴾ بفتح الحاء والسِّين (^٧)
_________________
(١) ففي (أ): "وذي".
(٢) "وذي القربى" من (ر).
(٣) قوله: "البلوغ وروي بعد" من (أ).
(٤) رواه بهذا اللفظ البزار في "مسنده" (٦٢٤٣) من حديث أنس بن مالك ﵁، ورواه أبو داود في "سننه" (٢٨٧٣) بلفظ: "لا يتم بعد احتلام" من حديث علي ﵁.
(٥) في (ف): "أيتام".
(٦) في (ف) و(أ): "المفصل".
(٧) انظر "السبعة" لمجاهد (ص: ١٦٢)، و"التيسير" (ص: ٧٤)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٤٠٢)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٨). وقراءة عاصم المتواترة عنه كقراءة الجمهور.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
على صيغةِ النَّعت، وهو نعتُ القول؛ أي: قولًا (^١) حسنًا.
وقرأ الباقون ﴿حُسْنًا﴾ بضمِّ الحاء، وهو اسمٌ ومصدر.
وقال الأخفش: الحُسن بالضمِّ عامٌّ يقع على جميع معاني الحسن، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] (^٢).
وقال مقاتل: ومعناه: قولوا يا أهلَ الكتاب حقًّا وصِدْقًا في حقِّ محمَّدٍ -ﷺ- (^٣)، وأخبِروا بأنَّه مذكور في كتابكم أنَّه رسولٌ حقٌّ.
وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ هذا اسمٌ للنبيِّ ﵊ في هذه الآية على الخصوص.
وقيل: أرادَ به الصَّحابةَ معه؛ أي: قولوا لهم حسنًا، وصدِّقوهم بما يَقولون.
وقال سلمان (^٤): أراد به إفشاء السلام (^٥).
وقيل: أرادَ به ملاطفةَ كلِّ النَّاس في الكلام، فأمرَنا (^٦) بالإحسان بالمالِ في حقِّ أقوامٍ مخصوصين، وهم الوالدان والأقرباءُ واليتامى والمساكين، ولمَّا كان المالُ لا يَسَعُ الكلَّ، أمرَ بمعاملة النَّاس كلِّهم (^٧) بالقول الجميل الذي لا يَعجِزُ عنه العاقلُ.
_________________
(١) في (ف): "قولوا".
(٢) لم أقف على قول الأخفش هذا، وذكره الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٩٥) ولم يعزه.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١١٩).
(٤) في (ر): "سليمان".
(٥) لم أقف عليه، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٦٢) (٨٤٨) عن أسد بن وداعة نحوه، ثم قال: وروي عن عطاء الخراساني نحوه.
(٦) في (أ): "فأمر".
(٧) في (أ): "كل الناس" بدل من "الناس كلهم".
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وقيل: هو أمرٌ بدعاء النَّاس إلى شهادة أن لا إلهَ إلَّا اللَّه.
وقيل: كان هذا أمرًا بملاينة أهلِ الشِّركِ في القول في الابتداء، ثمَّ نسخَتها آيةُ السَّيف. قاله قتادة (^١).
وقيل: هو الأمرُ بالمعروف والنَّهيُ عن المنكر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿وَقُولُوا﴾ وقد مرَّ الكلامُ فيهما، وحاصلُه أنَّه أمر بقَبولهما وأدائِهما على شرائطِهما، وإنَّما ذكرهما تنصيصًا مع دُخولهما في العبادة المذكورة في أوَّل الآية؛ تقديمًا لهما وتخصيصًا، كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتم (^٢) ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾؛ أي: لم يتوبوا (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾، أي (^٤): عن الوفاء بالعهد؛ أي: بالميثاق، وله ثلاثة أوجه:
أحدها (^٥): تولَّى أسلافُكم عن الوفاءِ بالعهد معرضين، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ هو على الحال (^٦)، كما يقال: مرَّ زيدٌ وهو راكب؛ أي: راكبًا، وإنَّما قال:
_________________
(١) قول قتادة أنها منسوخة بآية السيف ذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١/ ٣٣٣).
(٢) قوله: "أي أعرضتم" من (أ).
(٣) تحرفت في (أ) إلى: "أي لم يموتوا". وليست في (ر) و(ف).
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "أعرضتم".
(٥) بعدها في (ر): "أي".
(٦) من قوله: "أحدها تولى" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
"أنتم" على الخطاب؛ لأنَّ قولَه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على الخطاب، وظاهرُه خطابُ أهل عصر النبيِّ -ﷺ-، ومعناه خطابُ أسلافِهم بما فعلوا، وقد مرَّ بيانُ وجهِه.
والثاني: ثمَّ تولَّى أسلافُكم، وأنتم يا أهلَ عصر النبيِّ -ﷺ- معرضون كإعراضهم، وقد كان لزمَكُم بهذا الميثاقِ ما لزمهم.
والثالث: ثمَ تولَّيتم أنتم يا هؤلاء معرضين عن ذلك أيضًا، مع أنَّه لزمَكم أيضًا.
قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناءُ من ثبت على الحقِّ مِن السَّلف فلم يتول، وهم السِّبْطان والنِّصفُ الذين لم يَعبدوا العجلَ، والسَّبعون المختارون للميقات.
أو استثناء مَن أسلمَ في عصر النَّبيِّ -ﷺ-، من عبد (^١) اللَّه بن سلام وأصحابِه.
وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ قد تكون للتَّرتيب مع التراخي؛ أي: بعد مدَّةٍ (^٢) تولَّيتُم، ويَحتملُ أن تكون للتَّعجيب، كما في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ أي: تعجَّبوا منهم أنَّهم مع تأكيدنا (^٣) الميثاق عليهم تولَّوا.
* * *
(٨٤) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾؛ أي: واذكروا أيضًا إذ أخذْنا ميثاقَكُم.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾؛ أي: لا يسفكْ بعضُكم دمَ بعضٍ؛ أي: لا يُصِب.
_________________
(١) في (ر): "كعبد".
(٢) بعدها في (أ): "بهم"، وفي (ف): "ثم".
(٣) في (أ): "تأكيد".
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾؛ أي: ولا يخرجْ بعضُكم بعضًا من دارِه فيغصبَها، وهو (^١) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
وفي كتاب "العين": الدارُ اسمٌ جامعٌ للعَرْصَةِ والبناءِ والمحلَّة، وكلُّ موضعٍ حلَّ به قومٌ فهو دارٌ (^٢)، وجمعُها: ديار، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].
وقال القفَّال في قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ يدخلُ فيه الأمرُ بفداء الأُسارى، فإنَّ تركَهُم في أيدي العدوِّ سببُ قتلِهم وسفكِ دمائهم.
ورفع ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ﴾ بإثبات النُّون فيهما للوجوهِ الأربعةِ التي ذكَرْناها في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ من الآية المتقدِّمة على هذه.
ولا يقرأ هذا بياءِ المغايَبةِ؛ لما بعدها مِن كاف الخطاب في (^٣) قوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ و﴿أَنْفُسَكُمْ﴾.
ثمَّ إنَّما جعلَ قتلَ بعضِهم بعضًا، وإخراجَ بعضِهم بعضًا من الديار: قتلَ أنفسِهم وإخراجَ أنفسِهم؛ لأنَّ المجتمِعين على دينٍ واحدٍ كالنَّفس الواحدة، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقال النبيُّ -ﷺ-: "مثلُ المؤمنين في تراحمِهم
_________________
(١) لفظ: "وهو" من (أ).
(٢) "العين" للخليل (٨/ ٥٨).
(٣) في (أ): "وهي" بدل: "في".
[ ٢ / ٣٠٨ ]
كمثل (^١) الجسد؛ إذا اشتكى بعضُه، تَدَاعى لهُ سائرُه بالحمَّى والسَّهر" (^٢)، ولأنَّ مَن قتلَ غيرَهُ قُتِلَ به قصاصًا، وكذا في الإخراج، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾؛ أي: اعترفتُم بحقِّيَّة (^٤) الميثاقِ والتَزمتمُوه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسِكم بقَبوله وضمان الوفاء به، والشَّهادةُ تأكيدٌ وقَطْعٌ بصحَّة الشَّيء، يقول الرجل: أشهدُ أنَّ هذا حقٌّ؛ أي: أنا عالِمٌ به، لا شكَّ فيه، ولو كان هذا على غيري لشهِدتُ عليه به.
واختلف في المرادِيْنَ بهما:
قيل: الخطابُ بالإقرار والشَّهادة للأسلاف.
وقيل: هما جميعًا للأسلاف والأخلاف جميعًا؛ لأنَّ هؤلاء أقرُّوا بذلك، وشَهِدوا أيضًا به كأولئك.
وقيل: الأوَّلُ للأسلاف، والثَّاني للأخلاف؛ أي: أولئك قبلوا، وهؤلاء شهِدوا على أولئك أنَّهم قَبِلوا ثمَّ نقضوا.
وقيل: يَشهَدُ هؤلاء أنَّه في التَّوراة.
وقيل: يَشهَدون به على أولئك (^٥) يوم القيامة.
_________________
(١) في (ف): "مثل".
(٢) رواه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
(٣) قوله: "ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ " من (أ).
(٤) في (ر): "تحقيقه"، وفي (ف): "بحقيقة".
(٥) في (ر): "أنه في التوراة" بدل: "به على أولئك".
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وقال أبو العالية والرَّبيع: هما جميعًا للأخلاف؛ أي: أنتم تقرُّون بأنَّ هذا العهد كان مع (^١) أسلافِكم، وتَشهدون أنَّه حقٌّ وأنهم نقضوه (^٢).
* * *
(٨٥) - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى الذين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (^٣) [طه: ١٧]؛ أي: وما التي.
وقيل: معناه: يا هؤلاء، حُذِفَ حرفُ النِّداء، كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩].
وقيل: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ تابعٌ لـ ﴿أَنْتُمْ﴾ كالنَّعت والتَّأكيد له.
وقوله: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: أهل ملتكم.
وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: نقضًا للعهد.
_________________
(١) في (ف): "في".
(٢) قوله: "وأنهم نقضوه" ليس في (أ). وروى الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٦٣) (٨٥٥) من طريق الربيع عن أبي العالية: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ يقول: أقررتم بهذا الميثاق وأنتم شهود.
(٣) قوله: "يا موسى" ليس في (أ).
[ ٢ / ٣١٠ ]
وقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾؛ أي: تعاونون، والظَّهير: المعين، والمظاهَرةُ: المعاونة، والتَّظاهُرُ: التَّعاونُ، وأصله الظهر وبه يقعُ الاستنادُ والاعتماد.
وقرأ أهلُ الكوفة: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ خفيفةً (^١)، وأصلُه: تتظاهرون بتاءين، حُذِفَت إحداهما تخفيفًا، وقرأ الباقون بالتَّشديد، وهو إدغامُ التَّاء في الظَّاء، كما في قوله: ﴿أن يَصَّلحا بينهما صلحًا﴾ (^٢) وهذا مضارعٌ بمعنى الحال؛ أي: مُتَظاهرين عليهِم.
وقال ابنُ عبَّاس والسُّدِّيُّ: إنَّ قريظةَ والنَّضير كانا أخوين، وأولادُهما تفرَّقوا واقتتلوا، فكان بعضُهم يقتلُ بعضًا، ويخرج بعضهم بعضًا (^٣)، وكانت عادةُ بني قريظة (^٤) القتلَ، وعادةُ بني النَّضيرِ (^٥) الإخراج (^٦)، فنهاهُم اللَّه عن ذلك، وأخَذَ عليهم الميثاقَ بذلك، فنقضُوه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾؛ أي: جاؤوكم مأسورين؛ أي: ظهَروا لكم على هذه الحالة، ولم يُرِد به الإتيانَ الاختياريَّ.
وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وابنُ عامر: ﴿أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾، وقرأ نافعٌ وعاصمٌ
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ١٦٣)، و"التيسير" (ص: ٧٤)، وأهل الكوفة من السبعة حمزة والكسائي وعاصم.
(٢) هي قراءة الجمهور عدا الكوفيين. انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٨)، و"التيسير" (ص: ٩٧).
(٣) ما نسبه المصنف لابن عباس والسدي (من أول القول إلى هنا) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٠٩) من قول ابن زيد. وما بعده لم أقف عليه.
(٤) في (ر): "النضير".
(٥) في (ر): "قريظة".
(٦) في (ف): "وكانت عادة بني النضير القتل والإخراج".
[ ٢ / ٣١١ ]
والكسائيُّ: ﴿أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ بالألف فيهما، وقرأ حمزةُ: ﴿أَسْرى تَفْدُوهم﴾ بغير الألف فيهما (^١).
والأَسْرى جمعُ أسير، كالجَرحى جمعُ جريح، والمرضى جمعُ مريض، والأُسارى جمعُ الأسرى، كالسُّكارى جمعُ السَّكرى. والأسيرُ: هو المأخوذُ قهرًا، وأصلُ الأسر: الشَّدُّ، ومَن أُخِذَ قهرًا شُدَّ غالبًا، فسّمِّيَ المأخوذ أسيرًا، وإن لم يشدّ، والإسَارُ: ما يُشَدُّ به الأسيرُ.
وقال أبو عمرو: الأُسارى: الذين هم في الوَثاق، والأسرى: الذين هم في اليد، وإن لم يكونوا في الوَثاق (^٢).
وقوله تعالى: ﴿تَفدُوهُمْ﴾؛ أي: تُعطوا فداءَهم، وتشتروهم به للتخليص، والمفاداةُ مفاعلةٌ منه، والفداءُ يَقعُ بين الفادي والأسير، والمفاداةُ تجري بين الفادي وبين قابلِ الفداء.
وقال أبو معاذ (^٣): المفاداة: المماكسةُ في الفداء بينهما (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنَّ قولَه: ﴿وَهُوَ﴾ (^٥) إشارةٌ إلى الإخراج، ثمَّ أُعيدَ ذكرُه صريحًا توكيدًا.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ١٦٣)، و"التيسير" (ص: ٧٤).
(٢) انظر قول أبي عمرو في "النكت والعيون" للماوردي (١/ ١٥٥).
(٣) هو الفضل بن خالد النحويُّ المروزيُّ، مولى باهلة، له كتاب في القراءات، أكثر عنه الأزهري في "التهذيب"، وذكره ابن حبان في "الثقات" توفي سنة (٢١٠ هـ). "إنباه الرواة" للقفطي (٤/ ١٨٥)، و"بغية الوعاة" للسيوطي (٢/ ٢٤٥).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١٤/ ٢٠٠) (مادة: فدى).
(٥) بعدها في (ر): "فيه".
[ ٢ / ٣١٢ ]
والثاني: أنَّ قولَه: ﴿وَهُوَ﴾ إشارةٌ إلى الإخراج، لكن لمَّا كان إشارةً إلى ما سبق، وقد مرَّ ذِكْرُ الإخراج والقتل، والتَّظاهر بالإثم (^١) والعدوان (^٢): احتملَ الوجوهَ، فبَيَّنَ المقصدَ، وعيَّنَ الإخراجَ؛ ليُعلم أنَّ الكنايةَ راجعةٌ إليه.
والثالث: أنَّه إشارةٌ إلى الحديث والخبر، كأنه قال: والخبرُ أنَّه محرَّمٌ عليكم إخراجُهم، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وقال القفَّال: وقد قيل: إنَّ قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ معناه: إن صار في أيديكم أُسارى، لم تُطلِقوهم، لكن (^٣) أخذتُم فداءَهم للإطلاق، والمفاداةُ والفِداءُ يكون من الجانبين. قال: وهذا موضعُ توبيخٍ، وإعطاءُ الفِداء لإطلاقِ الأسير لا يقعُ عليه توبيخٌ، فالظَّاهر أنَّ المرادَ هذا.
قال القفَّال: والصَّوابُ هو الحملُ على إعطاء الفداء لإنقاذِ الأسير، وبه جاءت الرِّوايةُ.
قال محمَّدُ بنُ إسحاق: حُرِّمَ عليهم في التَّوراة سفكُ دمائِهم، وافتُرِضَ عليهم فيها فداءُ أسرائهم، فكانوا فريقين؛ طائفةٌ منهم بنو قينقاع، وهم (^٤) حلفاءُ الخزرج، والأخرى النَّضيرُ وقريظةُ، وهم حلفاءُ الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوسِ والخزرج حربٌ، خَرجَتْ بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النَّضيرِ وقريظة مع الأوسِ، يُظاهِرُ كلُّ فريقٍ (^٥). . . . . .
_________________
(١) في (أ) و(ر): "والإثم".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "وإن".
(٣) في (أ): "ولكن".
(٤) في "سيرة ابن هشام": "ولفهم" في هذا الموضع والذي يليه، بدل: "وهم".
(٥) في (ر) و(ف): "قوم".
[ ٢ / ٣١٣ ]
حلفاءَه على إخوانه (^١)، حتَّى يتسافكوا الدماءَ، وبأيديهمُ التَّوراة، يَعرفون (^٢) فيها ما (^٣) عليهم وما لهم، والأوسُ والخزرجُ أهلُ شركٍ، يَعبدونَ الأوثانَ، لا يَعرفون القيامةَ، والجنَّةَ والنَّارَ، والحلالَ والحرامَ، فإذا وضعتِ الحربُ أوزارَها افتدَوا أُساراهم؛ تصديقًا لما في التَّوراة، افتدَى بنو قينقاع ما كان مِن أُساراهم في أيْدِي الأوسِ منهم، وافتدى النَّضير وقريظةُ ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويُبطِلون الدِّماءَ (^٤).
فكانت العربُ تُعَيِّرُهُم بذلك، ويَقولون: كيف تُقاتلونَهم، وتفدونهم، فقالوا: إنَّا أُمِرنا أن نَفديَهم، وحُرِّمَ علينا قتالُهم، قالوا: فلِمَ تقاتلونَهُم؟ قالوا: إنَّا نستحيي أن يُستَذلَّ حلفاؤنا (^٥).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ اللَّهَ تعالى أخذَ على بني إسرائيلَ في التَّوراة ألَّا يَقتلَ بعضُهم بعضًا، وأيُّما عبدٍ أو أمَةٍ وجدتموهُ مِن بني إسرائيلَ، فاشتروه بما قام (^٦) ثمنُه، فأعتقوه (^٧).
وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديرها: وإذ أخذنا ميثاقكم ألَّا تسفكوا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "إخوانهم".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "ما".
(٣) بعدها في (أ): "حرم".
(٤) "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٤٠ - ٥٤١). وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٦٤، ١٦٥، ١٦٦) (٨٦٠)، (٨٦٤)، (٨٦٧)، (٨٧٠) من طريق ابن إسحاق عن ابن عباسٍ ﵄.
(٥) من قوله: "فكانت العرب تعيرهم" إلى هنا أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٦٣ - ١٦٤) (٨٥٧) من قول السدي.
(٦) بعدها في (ر): "من".
(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٠٨) لكن من قول السدي.
[ ٢ / ٣١٤ ]
دماءَكم، ولا تُخرِجوا أنفسَكم مِن ديارِكم، وذلك محرَّمٌ عليكم؛ أي: الإخراج، وإن يَأتوكُم أُسارى تفادوهم، كان العهدُ بهذه الأشياء الثلاثة تركَ القتل، وتركَ الإخراجِ، ومفاداةَ الأسارى (^١)، فقَتلوا، وأَخرجوا، وهما بخلافِ العهدِ، وفدوا الأسارى، وهو من العهد، فوبِّخوا بما هو بخلاف العهدِ، لا بها كلِّها.
وقيل: كان كلُّ فريقٍ يَفدي أسيرًا كان (^٢) من عشيرتِه، ولا يَفدي أسيرَ غيرِ عشيرتِه، وكانوا أُمِروا بفداءِ كلِّ أسير.
وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار والتَّوبيخ والتَّهديد؛ أي: تَفدون أُساراكم دون أُسارى غيرِكم.
وقيل: بل كانوا يَفدون كلَّ الأُسارى، لكن كانوا لا يَتركون القتلَ والإخراجَ، فهُدِّدوا لذلك. ويدلُّ عليه أنَّه قال في الآية: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقال: ﴿وَتُخْرِجُونَ﴾، ولم يقل: ولا تَفْدون، فكان توبيخُهم على التَّفريقِ بين أحكام اللَّه تعالى، وهذا كالتَّفريق بين رسل اللَّه، فهم بذلك يؤمنون ببعضٍ، إلا أنَّه لمَّا كان إيمانُهم بهم باطلًا بتكذيبِهم غيرَهُم، صحَّ التوبيخُ عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ الخزيُ: الفضيحة، وقد خَزِيَ (^٣) خزيًا، فهو خِزيٌ، والخزايةُ: الاستحياءُ وقد خَزِيَ خَزَايةً، فهو خَزْيان؛ أي: ليس جزاءُ مَن فعلَ ذلك إلَّا ما يَفتَضِحُ به في الدُّنيا، فيَستحيي مِن ذلك، ثمَّ يَرجعُ في الآخرة إلى أشدِّ العذاب،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الأسرى".
(٢) لفظ: "كان" من (أ).
(٣) بعدها في (ر): "يخزى".
[ ٢ / ٣١٥ ]
وهو التَّعذيبُ في جهنَّم (^١)، وهو أشدُّ مِن خِزيهِم في الدُّنيا، وأشدُّ مِن كلِّ عذابٍ كان قبلَه، فإنَّه كان يَنقطعُ، وهذا لا ينقطع.
واختلف في المراد بالخزي هاهنا:
قيل: هو إجلاءُ بني النَّضيرِ من ديارهم لأوَّل الحشرِ، كما كانت عادتهم، وقتلُ بني قريظة وسبيُ ذراريهم، كما كانت عادتهم (^٢).
وقيل: هو أخذُ الجزيةِ عن صَغارٍ، ومع ما (^٣) كان لهم هذا في الدُّنيا (^٤)، فعذابُ الآخرةِ باقٍ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: جزاؤهم الخزيُ في الدُّنيا، لكن لا يُعَاقَبون في الدُّنيا، وإن استوجَبوا ذلك، بل يُرَدُّون إلى أشدِّ العذابِ في الآخرة، وهذا كقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] (^٥)، وقولِه تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (^٦) مرَّ تفسيره مرَّةً (^٧). وقد قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وخلف (^٨). . . . . . .
_________________
(١) في (أ): "حقهم".
(٢) من قوله: "وقتل بني قريظة" إلى هنا من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "ووضع ما" بدل: "ومع ما".
(٤) "في الدنيا" من (ف).
(٥) "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٠٥).
(٦) في (ر): "تعملون".
(٧) عند تفسير الآية (٧٤) من هذه السورة.
(٨) في (ر) و(ف): "بن خلف" والمثبت هو الصواب.
[ ٢ / ٣١٦ ]
ويعقوب (^١) وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ وحمَّادٍ (^٢) بالياء على المغايبة (^٣)، بناءً على قوله: ﴿يردون﴾ (^٤)، وقرأ الباقون بالتَّاء على المخاطبةِ بناء على قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
* * *
(٨٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بالحياةِ الآخرة، وقد مرَّ تفسيره في قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]، ومعناه هاهنا: أَخَذوا قليلَ الدُّنيا بدلًا عن كثيرِ الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: لا يُهَوَّن.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا يعانون يومئذٍ.
وقيل: أي: لا يمنَعون مِن العذاب.
وقيل: أي: ولا يكونون (^٥) لهم نَصَرةً في الدُّنيا؛ لأنَّ المبطِلَ وإن غَلَبَ صورةً، فهو مخذولٌ حقيقةً.
_________________
(١) "وخلف ويعقوب" ليس في (أ).
(٢) "وحماد" ليس في (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ١٦١)، و"التيسير" (ص: ٧٤)، و"جامع البيان" (ص: ٤٠٣)، و"النشر" (٢/ ٢١٨). ورواية حماد عن عاصم غير متواترة.
(٤) في (ر): "تردون".
(٥) في (أ): "ولا يكون".
[ ٢ / ٣١٧ ]
(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ انتظامُها بما قبلها أنَّ اللَّهَ تعالى أخبرَ أنَّه أعطى بني إسرائيل شيئين؛ الكتابَ، والرُّسلَ، ثمَّ بيَّن معامَلَتهم في حقِّ الكتاب، فقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، وبيَّن معاملَتهم في حقِّ الرُّسل، فقال تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
ووجهٌ آخر: أنَّه ذَكَرَ نقضَهُم الميثاقَ، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك لم يكن لعدم العلمِ (^١)، فقد كنتُ بَعثتُ الرُّسلَ وبيَّنوا لهم.
* * *
(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؛ أي: ولقد أعطينا موسى التوراة.
وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾؛ أي: أَتْبَعنا وأَردَفنا، يقال: قفاهُ يَقفُوهُ قَفْوًا؛ أي: تَبِعَهُ، وقَفَّاهُ غيره يُقَفِّيه تقفيةً؛ أي: أتبعَهُ، وقد قفَوتُ أثرَهُ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ومنه: القَفا، والقافية، والمقفِّي مِن أسماءِ النبي -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) في (أ): "الملك"، وهو تحريف.
(٢) ورد ذكر هذا الاسم في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ في "صحيح مسلم" (٢٣٥٥)، يقول أبو موسى: كان رسول اللَّه -ﷺ- يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفي، =
[ ٢ / ٣١٨ ]
أي: وَاتَرْنا الرُّسُلَ مِن بعده، فقد روي أنَّ اللَّهَ تعالى بعثَ بعد موسى إلى عصر سيِّدنا عيسى أربعةَ آلاف نبي. وقيل: سبعين ألف نبي.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ موسى وعيسى ومريم أسماءٌ أعجميَّةٌ، ولذلك لا ينصرف حين اجتمعَتِ العُجمَةُ والتَّعريف.
ومعنى موسى أنَّ "مو" في لسانهم: الماء، و"شى": الشجر، وهم يقولون: موسى، ومعناه أنَّه أُخِذَ مِن بين الماء والشجر؛ أي: من (^١) تابوتٍ جُعِلَ هو فيه، ثمَّ جُعِلَ التَّابوتُ في الماء، فأُخِذ في دارِ فرعون -عليه لعائن اللَّه تترى-، ونُقِلَت الشِّين إلى السِّين في العربيَّة.
وعيسى في لسانهم: عيشى بالشين، فهو (^٢) من العيش الذي هو الحياة، وكان يُحيي اللَّهُ تعالى بدعائِه الموتى، ونُقِلَت إلى السِّين في العربيَّة، وإن جعل في الأصل بالسِّين فهو من العَيَس الذي هو البياض.
ومريم قيل معنا ها بالسُّريانية: الخادم، وقد جعلَتها أمُّها محرَّرةً لخدمةِ المسجد.
و﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الظَّاهرات، مِن قولك: بان؛ أي: ظهرَ، وأَبانَ كذلك، ويكونُ أَبانَ بمعنى أظهر أيضًا، واختُلِف في المراد بها هاهنا:
قيل: هي (^٣) الإنجيل.
وقال ابنُ عباس ﵄: هي المعجزاتُ وهي إذهابُ البَرَصِ، وإبراءُ
_________________
(١) = والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة".
(٢) بعدها في (ر): "بين".
(٣) بعدها في (ر): "وهو"، وليس في (أ).
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "في".
[ ٢ / ٣١٩ ]
الأكمَهِ، وإحياءُ الموتى، والإخبارُ بما يَأكلون وما يدَّخِرون في بيوتِهم وشفاءُ المرضى (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾؛ أي: قوَّيناهُ، والأَيْدُ: القُوَّةُ، والتَّأييدُ: التقويةُ.
قوله تعالى (^٢): ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قيل: هو جبريلُ، قال اللَّه تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، وهو جبريلُ ﵇، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ (^٣) [النحل: ١٠٢]، وبه قال الضَّحَّاك والرَّبيعُ وقتادة (^٤).
و﴿الْقُدُسِ﴾: الطُّهر؛ أضيفَ الرُّوح إلى صفتِه، وهو كذكر نعته (^٥)، ومعناهُ: أي: جبريلُ الطَّاهرُ.
﴿الْقُدُسِ﴾: البركةُ أيضًا، ومعناه؛ أي (^٦): جبريلُ المباركُ، بالطَّريق الأوَّل (^٧).
ومعنى تقويته به أنَّه عصمَهُ به مِن أوَّلِ حالِهِ إلى كِبرِه، فلم يَدْنُ منه شيطانٌ عند الولادةِ، ورفعَهُ هو (^٨) إلى السماء حين قصدَ اليهودُ قتلَهُ.
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٢٠). ووقع بعدها في (ر): "ومعناه جبريل الطاهر والقدس البركة أيضًا"، وهي مقحمة هنا، وستأتي في موضعها قريبًا. ووقعت هذه العبارة في (ف) مرتين الأولى بعد قوله التالي: " ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ "، والثانية في موضعها كما ستجدها فيه.
(٢) من قوله: "أي قويناه" إلى هنا من (أ). ووقع في (ف) بعد قوله التالي: "كذكر نعته".
(٣) بعدها في (ر): "من ربك بالحق".
(٤) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٢٢).
(٥) وقع بعدها في (ر) و(ف): "قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾؛ أي: قويناه والأيد القوة والتأييد التقوية"، وسلفت هذه العبارة في موضعها قريبًا.
(٦) "أي" ليس في (أ).
(٧) قوله: "بالطريق الأول" ليس في (ف).
(٨) لفظ: "هو" من (أ).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيد: هو الإنجيل (^١).
سُمِّيَ الإنجيلُ روحًا، كما سُمِّيَ القرآنُ روحًا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسُمِّيَ الكتابُ روحًا؛ لأنَّه سببٌ لحياة القلوب، كالرُّوح به حياةُ الأبدان، وسُمِّيَ جبريلُ روحًا؛ لأنَّ حياةَ الخلقِ بالقرآن والدِّينِ وإنزالِ القرآن، وبيانُ الدِّين كان منه، قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الرُّوح: اسمُ اللَّه الأعظم الذي به كان يُحيي الموتى، ويُبْرِئ المرضى (^٢).
وقيل: هو الرُّوحُ الذي به حياةُ البدن.
وخصَّ روحَه بوصفه (^٣) بالقُدُس -وهو الطَّهارة-؛ لأنَّه لم يتضمَّنه أصلابُ الفُحولَة، ولا اشتملَ (^٤) عليه أرحامُ الطَّوامث (^٥).
وقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ الألف للاستفهام، ومعناهُ الاستنكار.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ أي: بما لا تُحِبُّ. وقد هَوِيَ يَهوى (^٦) من حد: عَلِمَ؛ أي: أحبَّ، ومعناه: بما لا تَهواهُ، ولمَّا حُذِفَت الهاءُ كان الفعلُ واقعًا على
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٢٣).
(٢) في (ر): "الأبرص والأكمه" بدل: "المرضى". والأثر أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٢٣)، وابن أبي حاتم (١/ ١٦٩) (٨٨٦) بلفظ: "هو الاسم الذي كان يحيي به عيس الموتى".
(٣) في (ف): "لوصفه".
(٤) في (ف): "تشتمل".
(٥) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (١/ ٢٣٣).
(٦) في (أ): "هوى" بدل: "يهوى".
[ ٢ / ٣٢١ ]
﴿مَا﴾، هو بمعنى الذي؛ أي: كلَّ وقتٍ -وهو نصب على الظَّرف- جاء (^١) رسولٌ بشيءٍ لا يوافقُ أهواءكم. والباء في ﴿بِمَا﴾ لتعديةِ فعل المجيء الذي هو لازمٌ.
وقوله تعالى: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي: استعظمتُم، فلم تقبلوه، ولم تَعملوا به.
وقوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ أي: كذَّبتُم طائفةً مِن الرُّسل، وهم الذين لم تقدروا على قتلهم، كعيسى ونحوه.
وقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتُم طائفةً، وهم مَن قدرتُم على قتلهِم، كزكريا ويحيى ونحوهِما.
ورويَ أنَّهم قَتلوا في يومٍ واحدٍ ثلاثَ مئة نبيٍّ، ولما كانت العشيَّةُ قامَت لهم سوقُ بَقلِهم؛ أي: لم يهتمُّوا لذلك.
وهذا ردٌّ على من قال: إنَّ الكفَّار لا تَثبتُ لهم على قتلِ الرَّسولِ (^٢) قدرةٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى وَعَدَهُم بالنُّصرةِ (^٣) بقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١]، لكنَّا نقول: أرادَ به النُّصرةَ بالحُجَّةِ وبيانِ الحقِّ، بدليل أنَّه عطفَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٨٢]، وقد يقتلون، ولكنَّ المرادَ به النُّصرةُ بالحُجَّةِ، وقد نصَّ هاهنا على قتلِهم الرُّسُل، فقد قال في صدر الآية: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ إلى أن قال: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣].
_________________
(١) في (أ): "جاءكم" وفي (ر): "جاءهم".
(٢) في (أ): "الرسل".
(٣) في (أ): "النصرة".
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وقوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبلٌ بمعنى الماضي أو الحالِ في الماضي، وخاطبَ أهلَ عصرِ النبيِّ -ﷺ- بهذا، وقد فعلَهُ أسلافُهم؛ لأنَّهم يتولَّونَهم، ويَرضونَ بفعلِهم.
* * *
(٨٨) - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قرأ عامَّةُ القرَّاء بتسكين اللام، وقرأ ابنُ محيصن بالتثقيل (^١)، فالتَّخفيفُ: جمع أغلف، وهو الذي غُشِّيَ غِلافًا، وغلامٌ أغلفُ وأقلف: لم يَختتِن، فذلك منه في غلاف، وهو كالأحمَرِ والحُمْر، وقراءةُ الضَّم جمع غِلاف، وهو الغشاءُ والوعاء، وهو كالشِّهاب والشُّهُب، فمعنى التسكين: إنَّ قلوبنا في غشاءٍ وغطاء.
ولمَّا خاطبَهم النَّبيُّ -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ سكتوا، ولم يمكنهم التكذيبُ، فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾؛ أي: في غلافٍ، كما قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]، فلا نَفهمُ ما تقول، ولا نَفقهُ ما تَحدَّث، يَدَّعون زوالَ الخطابِ عنهم؛ كراهيةً لما سمِعوا، فكذَّبهم اللَّهُ تعالى، فقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: طردَهم بكفرِهم وعُتوِّهم وعِنادِهم (^٢) رسولَ اللَّه -ﷺ-؛ لا أنَّ قلوبَهم بمحَلٍّ لا يفهمون ذلك كما يزعمون، ولكنَّ ذلك لتركِ التَّفكُّر والتَّدبُّرِ فيها.
وعلى قراءة الضَّمِّ معناه: قلوبُنا أوعيةٌ (^٣)؛ تَفهَمُ وتَعِي ما يُقالُ ويُخاطَب به،
_________________
(١) يعني بضم اللام، والقراءة عن ابن محيصن في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٣٣)، ونسبها ابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ١٥) للؤلؤي عن أبي عمرو. ونسبت لابن عباس رضي للَّه عنهما أيضًا كما سيذكر المصنف قريبًا.
(٢) بعدها في (ف): "قال".
(٣) بعدها في (أ): "العلم".
[ ٢ / ٣٢٣ ]
لكن لا تَفهمُ ما تقولُ، ولا تَفقهُ (^١) ما تُحدِّثُ، فلو كان حقًّا وصِدقًا لفَهِمَت وفَقِهَت، يدَّعون عليه إبطالَ ما يقول، وذلك نحو ما قالوا لشعيبٍ: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. هذه كلماتُ الإمام أبي منصور رحمه اللَّه تعالى (^٢).
والأوَّل: قولُ الحسن وأبي العالية ومجاهدٍ وقتادةَ والسُّدِّيِّ، فإنَّهم قالوا: معناه: قلوبنا في أكِنَّةٍ (^٣).
والثاني: قراءةُ ابن عباسٍ ﵄ (^٤) وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم (^٥) وتفسيرُهم، فتقدير (^٦) القراءةِ الأولى: قلوبنا في أوعيةٍ، وتقديرُ القراءةِ الثَّانية: قلوبُنا أوعيةٌ.
وقيل: معناه: قلوبنا أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجةَ لنا إلى علمك.
والذي ذكرناهُ قبلَه كان تعيينًا (^٧) لكلامه، فإنَّه كان لا يُوافِقُ أهواءَهم؛ فإنَّهم كانوا يُحِبُّون النَّهبَ والارتشاءَ، ولذلك (^٨) قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾، فأُمِرَ أن يقول: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لا نفهم. . . ولا نفقه".
(٢) "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٠٨).
(٣) روى أقوالهم عدا قول الحسن الطبريُّ في "تفسيره" (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٤) انظر قراءة ابن عباس ﵄ في "تفسير أبي الليث" (١/ ١٣٦).
(٥) علق ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٧٠) عقب الأثر (٨٩٥) عن سعيد قوله: في غطاء، وروى الطبري نحوه عن ابن زيد في "تفسيره" (٢/ ٢٣٠).
(٦) في (ر): "أن تقدير".
(٧) في (أ): "تعييبًا".
(٨) في (ف): "ولهذا".
[ ٢ / ٣٢٤ ]
والذي ذكرناه بَدِيًّا كأنَّه تعلُّقٌ منهم بمذهب الجبر؛ أي: قلوبُنا في غلافٍ، وهي ممنوعةٌ عن الفهمِ جبرًا، وكذلك كانوا يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وهو تعلُّق بمذهب الجبريَّة، وفيهم ذلك.
فكذَّبهم اللَّهُ تعالى في الوجوه الثلاثة، وذلك قولُه تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: ليس كما قالوا: إنَّهم مجبورون معذورون، بل بعَّدَهُم (^١) اللَّهُ عن تفهُّمِها؛ جزاءً لهم على كفرِهم.
واللَّعنُ: الطَّردُ والإبعاد لغةً، فقد أثبتَ اللَّعنَ مِن نفسِه، والكفرَ منهم، وهو مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعة، وهو جوابُ كلامِهم أيضًا على القول الثَّاني: إنَّ قلوبَنا أوعيةٌ؛ فلو كان كلامُك صدقًا حقًّا لفهمناه. قال: بل أنتم ملعونون بكفرِكم، لستم بعلماء، ولو كنتم كذلك لقبلتم هذا وعملتُم به.
وهو جوابُ كلامِهم أيضًا على القول الثَّالث: إنَّ قلوبَنا أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجةَ لنا في علمك. قال: لستم بعلماءَ مستغنين عن هذا، بل أنتم ملعونون مطرودون عنه بشؤمِ كفرِكم.
وقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ له خمسةُ أوجه:
أحدها: فبقليلٍ ممَّا في (^٢) كتابكم تؤمنون، ونصب "قليلًا" بنزع الباء، و﴿مَا﴾ مع ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مصدر؛ أي: إيمانهم بقليلٍ، وهو معنى قولِ الكلبيِّ: لا يؤمنون إلَّا بقليلٍ ممَّا في أيديهم، ويكفرون بما وراءَه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يعذهم".
(٢) في (ف) و(أ): "في" بدل من "كتبتم منه".
[ ٢ / ٣٢٥ ]
والثاني: قولُ معمرٍ: فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون (^١)، هو (^٢) نعتُ مفعولٍ يقعُ عليه فعلُ إيمانِهم، وهو المصدرُ في الحاصل، وهو يَرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وهذا إيمانٌ منهم بهذا، وهم مشركون في غير ذلك.
و﴿ما﴾ صلةٌ زائدة على هذا القول، كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (^٣) [آل عمران: ١٥٩]، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (^٤)، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠].
والثالث: فقليل مدَّةٍ يؤمنون، نصبه على الظَّرف، وهو يرجعُ إلى قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
والرابع: قولُ قتادة: لا يؤمنُ منهم إلَّا قليلٌ (^٥)، وهو عبدُ اللَّه بن سَلَام وأصحابُه.
و﴿ما﴾ في هذا بمعنى "من"، وهو للجمع (^٦)، و"ما" بمعنى "من" واردٌ في اللُّغة، ومذكورٌ في القرآن، قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من تعبدون من بعدي، و"قليلًا" نعت مقدَّم على الاسم، فنُصِب على القطع.
والخامس: فلا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، و﴿ما﴾ للجحد هاهنا، وإذا نَفى في (^٧)
_________________
(١) انظر قوله في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٣٤). وروى الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٣٣) عن معمر عن قتادة، فذكر تفسيره، وقال معمر بعده: وقال غيره: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.
(٢) في (ر) و(ف): "وهو".
(٣) بعدها في (أ): "لنت لهم".
(٤) بعدها في (أ): "ميثاقهم".
(٥) رواه الطبري (٢/ ٢٣٣).
(٦) في (ف): "للجميع".
(٧) "في" ليس في (أ).
[ ٢ / ٣٢٦ ]
القليل فقد نفى في الكثير، فذكر في آخرِ هذه الآية الامتناعَ منهم عن الإيمان، وفي الآيةِ التي تَليها الكفرَ بعد الإيمان.
* * *
(٨٩) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله (^١) تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هو القرآن، وهو موافقٌ للكتاب الذي معهم، وهو التَّوراة؛ في التَّوحيد والطَّاعة والأخبار.
وسببُ نزوله ما رويَ أنَّ معاذَ بن جبلٍ ﵁ قال لأهل الكتاب: إنَّكم فيما سلفَ كنتم تَستنصرونَ برسولِنا محمَّد ﵊ على أعدائِكم، فما لكم أدرَكتموهُ فلم تؤمنوا به؟ فقالوا: ليس هذا بذلك النبيِّ. فنزلت الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ وأبو العالية: أي: يَستنصِرون (^٣)، يقال: استفتحَ اللَّه؛ أي: استَنصرَهُ، ففَتح عليه؛ أي: نَصرَه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩].
وذكر قتادةُ وأبو العالية والسُّدِّيُّ أنَّه كان إذا اشتدَّت الحربُ بينهم وبين مشركين العرب، أخرجوا التَّوراة ووَضعوا أيديَهم على موضعِ ذكر النَّبي -ﷺ-، وقالوا: اللهمَّ
_________________
(١) في (أ): "وذلك قوله".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٧٢) (١٩٥) عن ابن عباس ﵄.
(٣) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
إنَّا نسألُك بحقِّ نبيِّك الذي وعدتنا أن تبعثَهُ في آخر الزمان أن تَنصرَنا اليوم على عدوِّنا، فكانوا يُنصَرون.
وقال الكلبيُّ: الاستفتاحُ منهم أنَّه كان بينهم وبين جهينةَ وغطفان وبني أسدٍ وعذرةَ عداوةٌ ومحارباتٌ، فكانوا يقولون لهم: يُبعَثُ نبيٌّ له كتابٌ، ونحن كتابيُّون، نؤمنُ به، ونَجعلُ الأيدي يدًا واحدةً، فنقهركم، فكانوا يُخَوِّفونهم بذلك (^١).
وقال مجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبير وقَتادة: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يَستَخْبِرون مِن المشركين؛ هل وُلد فيكم ولد صفته (^٢) كذا وكذا؟ فإنَّه نبيُّ آخرِ الزَّمان، وسيِّدُ الأنبياء.
والمتعلِّم يُسمَّى مستفتحًا؛ لاستخباره من المعلِّم، ومنه: استفتحَ الإمامُ، ففَتَح عليه القومُ.
وقيل: وكانوا يستفتحون اللَّه؛ أي: يسألونَهُ الحكمَ والقضاءَ ببعث نبيِّ آخرِ الزَّمان، والفتَّاح: الحاكم، وقد فَتَح؛ أي: حكمَ، واستفتح؛ أي: سألَ الحكمَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾؛ أي: الأمرُ الذي عرفوهُ حقًّا في كتابهم.
وقيل: "ما" بمعنى: "مَن" كما (^٣) في الآية التي قبلها؛ أي: جاءَهم الرسولُ الذي عرفوه.
وقوله تعالى: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: جَحَدوه وكذَّبوه، وهذا جواب: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، فأمَّا جوابُ قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فقد
_________________
(١) في (أ): "بهذا".
(٢) في (ر) و(ف): "صفة" بدل: "ولد صفته".
(٣) بعدها في (أ): "مر".
[ ٢ / ٣٢٨ ]
قال الأخفش: هو مضمرٌ (^١)، وهو: ﴿نبذوه﴾ كما ذُكِرَ بعد هذا بآيات.
وقال الزَّجَّاج: جوابُ الأول: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ (^٢)، لكن لمَّا قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، وقيل: ذُكِرَ جوابُه، اعترض كلامٌ آخرُ تامٌّ، وهو قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أعاد صدرَ الكلام وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: هذا الكتاب كفروا به، إنَّما أعادَ؛ ليُعرَفَ أنَّه جوابُ ذلك، وهو كقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ [المؤمنون: ٣٥] لمَّا تراخى جوابُ "أنكم"، وطال الكلامُ، أعادَ "أنكم"، ثم قال: ﴿مُخْرَجُونَ﴾، ونظيرُه: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وقال الفرَّاء: جوابُ صدر الكلام قولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، وجوابُ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ قوله (^٣): ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ (^٤).
وقيل: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ جوابُهما جميعا.
وقوله تعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أخبرَ أنَّهم لمَّا كَفروا استحقُّوا اللَّعنةَ مِن اللَّه، وهو الطَّردُ والإبعادُ مِن الرَّحمةِ والكرامة والجنَّة على الإطلاق في حقِّ الكفَّار.
وإذا ذُكِرتِ اللَّعنة في حقِّ مذنبٍ مِن المؤمنين، فهي الطَّردُ والإبعادُ عن الكرامة التي وُعِد بها مَن لا يكونُ في ذلك الذَّنْب.
_________________
(١) "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١٤٢).
(٢) كذا قال، ونص قول الزجاج في "معاني القرآن" له: (١/ ١٧١): جواب ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾ محذوف، لأن معناه معروف دل عليه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
(٣) قوله: "وجواب قوله: فلما جاءهم ما عرفوا قوله" من (أ) وموضعها في (ف): "وجواب ما عرفوا".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٥٩).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
(٩٠) - ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ "بئسَ" نقيضُ "نِعْمَ"، وهما في الأصل فعلان ماضيان على وزن: عَلِمَ، جُعِلا للمدحِ والذَّمِّ فمُنِعا تصرُّفَ الأفعال، وغُيِّرا بتسكين الحشو، ولا يليان اسمَ علم، وإنما يَدخلان في اسم نكرةٍ دالٍّ على الجنس، أو اسمٍ معرَّفٍ بالألف واللام يدلُّ على الجنس؛ لأنَّهما يقتضيان استيفاءَ جميعِ المدح (^١) والذمِّ، فإذا قلت: نعمَ الرَّجلُ زيدٌ، أخبَرتَ أنَّه مستوفٍ جميعَ المدح (^٢) في جنسه. و"بئس" على خلافه، فكان الرجلُ مرفوعًا بفعله، وإذا قلت: بئس رجلًا زيدٌ، أو: نعم رجلًا زيد، نصبتَ رجلًا على التمييز، وفي "نعم" اسم مضمَرٌ على شريطة التفسير، وزيد مميَّزٌ من هذا الممدوح، فإذا قلت: بئس ما، فـ "ما" نكرةٌ، وتقديره: بئس شيئًا اشتَروا به أنفسهم.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدر، وتقديره: كفرُهم، وبسطُه: أي: بئس العِوضُ الذي أخذوه عن أنفسِهم كفرُهم.
واشتروا قيل: باعوا، فقد قال أبو معاذ: البيعُ والشِّراءُ والابتياع والاشتراء كلُّها تقعُ على البيع وحدَه، وعلى الشِّراء وحدَه.
قال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ (^٣): معناه: باعوا (^٤)، وله معنيان:
_________________
(١) في (أ): "الحمد".
(٢) في (أ): "الحمد".
(٣) في (أ): "ومجاهد والسدي قالا".
(٤) أخرج قوليهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٧٢) (٩٠٨)، (٩٠٩).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
الأوَّل (^١): بذلوا أنفسَهم بهذا الثَّمن، فصارت للنَّار، وهو معنى قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢].
والثَّاني: بئسَ ما باعوا به حظَّ أنفسِهم من النَّجاة والكرامة بالثَّمن الذي هو الهلاكُ والإهانة، فيكونُ فيه مضمرٌ، ويكونُ معنى قوله: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: حظَّ أنفسِهم، كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (^٢)؛ أي: أهل القرية.
وقال القفَّال: يجوزُ أن يُحمَلَ على الاشتراءِ الذي هو التَّملُّك، فإنَّ النفسَ مرهونةٌ بعمَلِها، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وافتكاكُها بمنزلةِ اشترائها، إنَّما يجبُ أن يشتريَها بالعمل الصَّالح، فإذا كفرَ فقد أراد افتكاكَها به، وبئس ما افتكَّها به.
وقيل: البيعُ والشِّراءُ: معاوضة، وهما بيِّعان (^٣) ومتبايعان، فيقعُ الاسمُ على كلِّ واحدٍ منهما على الانفراد، ويكون معناهُ: بئس ما عاوضوا به.
وقيل: الاشتراءُ: الاختيار، وتقديره: بئس ما اختاروهُ لأنفسِهم.
والباء في ﴿بِهِ﴾ صلةٌ زائدةٌ، ونصب ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ بإضمار اللام.
وقيل: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ في موضع خفضٍ ردًّا على الهاء التي في ﴿بِهِ﴾، أي: اشترَوا أنفسَهم بالكفر.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: بالقرآن.
_________________
(١) لفظ: "الأول" من (ف).
(٢) وقع فوقها هنا في (ر) بخط دقيق: "التي قالتها".
(٣) في (أ): "بائعان".
[ ٢ / ٣٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿بَغْيًا﴾ أي: حسدًا. قال اللِّحيانيُّ (^١): أصلُ البغي: الحسدُ، والباغي: هو الظَّالمُ الذي يَفعلُ ذلك عن حسدٍ (^٢)، وقد بغى بغيًا؛ أي: ظلمَ وحسدَ، وبغى بُغاءً، بضم الباء؛ أي: طلبَ، وبغت الأمَة بِغاءً، بالكسر؛ أي: فجرَت.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: كفروا للحسد بإنزال اللَّه تعالى القرآنَ على محمَّدٍ، فإنَّهم كانوا يَعتقدون نبيَّ آخرِ الزَّمان، ويتمنَّون خروجَه، وهم يَظنُّون أنَّه مِن ولدِ إسحاق، فلمَّا ظهرَ أنَّه مِن ولدِ إسماعيل حَسَدوه (^٣)، وكرهوا أن يَخرُجَ الأمرُ مِن بني إسرائيل فيكونَ لغيرِهم.
والفَضْلُ: هو الكتابُ والرِّسالةُ، والبغيُ قيل: هو ظلمُهم أنفسَهم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ قد مرَّ تفسير "باء" في قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١].
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: الغضبُ الأوَّلُ بتغيير التَّوراة، والثاني بتكذيبِ محمَّد ﵊ (^٤).
وقيل: الأوَّلُ بكفرِهم بعيسى ﵇.
_________________
(١) هو علي بن المبارك، ويقال: علي بن حازم، أبو الحسن اللحياني، أخذ عن الكسائي وأبي زيد وأبي عمرو الشيباني وأبي عبيدة والأصمعي، وعمدته على الكسائي، وأخذ عنه القاسم بن سلَّام، وله كتاب "النوادر". انظر ترجمته في "طبقات النحويين" للزبيدي (ص: ١٩٥)، و"معجم الأدباء" (٤/ ١٨٤٣ - ١٨٤٤)، و"الوافي بالوفيات": (٢١/ ٢٦٥)، و"بغية الوعاة": (٢/ ١٨٥).
(٢) انظر "تهذيب اللغة" (٨/ ٢٠٩) (مادة: بغى)، و"الغريبين" للهروي (١/ ١٩٩)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ١٥١).
(٣) بعدها في (أ): "وكفروا".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٧٣) (٩١٥).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وقيل: الأوَّلُ بقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقولِهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، والآخرُ بما ذَكَرْنا.
وأحسنُ ما قيل فيه أنَّ معناه: استَحَقُّوا غضبًا متتابِعًا لا ينقطعُ، كما يقال: فلانٌ يحسنُ إليَّ إحسانًا على إحسان؛ أي: على التتابع.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: مُذِلٌّ بعد عزِّهِم في الدُّنيا.
وقيل: المهِينُ هو اللَّهُ تعالى بالعذاب، وأضيفَ إلى العذاب توسُّعًا، لأنه به يَقَعُ، ودلَّ (^١) أنَّ عذابَ المؤمنين تأديبٌ وتطهيرٌ، وعذابَ الكفَّار إهانةٌ وتشديد، قال اللَّه تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨].
وقيل: للكافرين عذابٌ مهينٌ في الدُّنيا أيضًا، وما كان للمؤمن فيها فهو تَمحيصٌ وتَكفِير.
* * *
(٩١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: وإذا قال أصحابُ رسول اللَّه -ﷺ- لهؤلاء اليهودِ الذين يكفرونَ بالقرآن: آمنوا بالقرآنِ والإنجيل.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: بالتَّوراة التي هي كتابُنا، أُنزِلَ على نبيِّنا موسى صلوات اللَّه عليه، والمنزَلُ على النَّبيِّ منزَلٌ على أمَّتِه معنى؛ لأنَّه يَلزمُهم.
_________________
(١) في (أ): "فدل".
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: سِوَاهُ، والتَّذكير لرجوع الهاء إلى "ما أُنزِل".
وقال أبو عبيدة: أي: بما بعدَه (^١)، قال النابغة:
حَلَفْتُ (^٢) فلَمْ أتركْ لنفسِكَ ريبةً وليس وراءَ اللَّهِ للمرء مَذْهَبُ (^٣)
أي: بعد اللَّه، و"وراء" في غالب الاستعمال ظرفٌ في معنى: خلف.
وقال الأزهريُّ: "وراء" يَصلُحُ لما قبلَه ولما بعدَهُ (^٤)؛ لأنَّ معناه: ما توارى عنك؛ أي: استتر وهو موجودٌ فيهما.
أي: يقولون: نؤمن بكتابِنا ولا نَتجاوزُه إلى غيره، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾؛ أي: هم بهذا القولِ يكفرون بما وراء التَّوراة.
ويجوزُ أن يكون هذا خبرًا عن الكفَّار أنَّهم قالوا: نؤمنُ بكتابِنا، وأخبروا أنَّهم يَكفرون بما سواهُ، فجاز "نؤمن" بالنون حكايةً عنهم أنَّهم قالوا ذلك، وجاز "يكفرون" بالياء على المغايبة؛ إخبارًا أنهم أَخبَروا بذلك، ومثل هذا قول العرب: استحلفتُ عبدَ اللَّه؛ لأقومنَّ، ولتقومنَّ، وليَقومنَّ (^٥)؛ الألفُ حكايةٌ عنه أنَّه حلف فقال ذلك، والتَّاء أنِّي خاطبتُه بذلك، والياءُ إخبارٌ عنه على المغايبة، فقد قلتَ في الصَّدر: استحلفتُ عبدَ اللَّه، وهو مغايبة.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٤٧).
(٢) في (أ): "خلفت".
(٣) انظر "ديوان النابغة" (ص: ٧٢).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١٥/ ٣٠٥).
(٥) "وليقومن" سقط من (ف).
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وقيل (^١): بما وراءه؛ أي: وراءَ التَّوراة، وهو الإنجيلُ والقرآن.
وقيل: "ما" بمعنى "من"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ومعناه: بمن وراء موسى، وهو عيسى ومحمَّد ﵉.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ إشارةٌ إلى ما وراءَه، فوحَّد لتوحُّدِ اللَّفظ.
وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: الإنجيلُ موافقٌ للتَّوراة، والقرآنُ كذلك، وعيسى مصدِّقٌ لموسى، ومحمَّد -ﷺ- كذلك، وبه يَبطُلُ إيمانُهم بالتَّوراة وبموسى؛ لأنَّ في التوراة الأمرَ بالإيمان بالإنجيل وبالقرآن، وبعيسى ومحمَّدٍ، وموسى كان يَأمرُ بذلك، فمن كفرَ بما وافقَ كتابَه ورسولَه، فقد كفرَ بكتابِه ورسوله.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿لم﴾ أصلُه: "لما"، لامُ التَّعليلِ دخلَت في "ما" التي هي للاستفهام، وسَقطت الألفُ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمالِ في الاستفهام، وهو كقولهم: بم، وعمَّ، وفيم.
﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبلٌ في معنى الماضي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (^٢) [البقرة: ١٠٢]؛ أي: ما تلت، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وقال: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧]، وهو للحال في الماضي، و"كنتم" فيه مضمرٌ؛ أي: فلم كنتم تقتلون أنبياء اللَّه؟ ولذلك قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، فدلَّ (^٣) أنَّه ليس لمحضِ الحالِ ولا للاستقبال.
وإنَّما وبَّخهم بقتل الأنبياء والخطاب لأهل عصرِ النَّبيِّ -ﷺ-، وهم لم
_________________
(١) في (أ): "قوله".
(٢) في (أ): "واتبعوا ما".
(٣) بعدها في (ر): "على".
[ ٢ / ٣٣٥ ]
يُباشروا ذلك؛ لأنَّهم أولاد أولئك الذين فَعلوا ذلك، وهم يُوالونَهم، ويَرضون بما فعلوا، فشاركوهُم فيه، وأولئك قَتلوا زكريَّا ويحيى وغيرَهما، وقَصدوا قتلَ عيسى ﵈ (^١).
وقيل: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ هو (^٢) خطابٌ هؤلاء؛ لقصدِهم قتلَ النبيِّ -ﷺ- مرارًا، وذلك في قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾، وذكرَ أنبياءَ اللَّه هاهنا على الجمع، والمرادُ به نبيُّنا محمَّد -ﷺ- وحدَه؛ تعظيمًا له، كما قيل في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] هو خطابٌ له وحدَه.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما أنزل (^٣) عليكم، فلمَ قتلتم أنبياءَ اللَّه؟ وليس فيه إباحةُ قتلهم، بل فيه تحريمُ قتلِهم مطلقًا، وقتلِ غيرهم إلَّا بحقٍّ، وإن كان الخطابُ لأهل عصر النَّبيِّ -ﷺ- فمعناه: لم تتولَّونهم؟ وذلك حرامٌ في كتابكم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّ النبيَّ -ﷺ- دعا اليهودَ إلى الإيمان به وبما أُنْزِلَ عليه، فقالوا: إن اللَّهَ عهدَ إلينا ألَّا نؤمنَ لرسولٍ حتَّى يأتينا بالبيِّنات و(^٤) بقربانٍ تأكلُه النَّار، فقال لهم (^٥): بأمر اللَّه قد كانت الأنبياءُ قبلي يأتون بها
_________________
(١) بعدها في (أ): "مرارًا".
(٢) في (ر) و(ف): "وهو".
(٣) بعدها في (ر): لفظ الجلالة "اللَّه".
(٤) قوله: "بالبينات و" من (أ).
(٥) بعدها في (ر): "رسول اللَّه".
[ ٢ / ٣٣٦ ]
قومَهم، وهم آباؤكم، فلم قتَلَهُم آباؤكم، إن كنتم صادقين (^١) أنَّ اللَّه عَهِدَ إلينا (^٢) في التَّوراةِ بذلك؟ (^٣)
* * *
(٩٢) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: المعجزات الظَّاهرات.
وقيل: هي الآياتُ التسع، وهي: الطُّوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ، والعصا، واليدُ البيضاءُ، وفَلْقُ البحرِ، وتفجيرُ الماءِ مِن الحَجر.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا (^٤) ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: مِن بعد انطلاقِهِ إلى الجبل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: واضعون العبادةَ في غيرِ موضعِها، وقد شرحناه بأبلغَ مِن هذا فيما تقدَّم، يَرُدُّ بهذا قولَهم في الآية التي قبلها: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: أنتم مبطلون في هذه الدَّعوى.
* * *
_________________
(١) بعدها في (ف): "قالوا".
(٢) في (ر): "إليكم".
(٣) انظر "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥١٠).
(٤) قوله: "أي معبودًا" من (أ).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
(٩٣ - ٩٤) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ قد مرَّ تفسيرُ هذه الكلمات (^١)، ثمَّ إنما (^٢) أعاد حديثَ عبادتِهمُ العجل في الآية المتقدِّمة، وحديثَ أخذِ الميثاقِ ورفعِ الطُّور في هذه الآية، مع أنَّ القصَّة واحدةٌ، والسُّورةَ واحدةٌ، وقد ذكرَهما مرَّة؛ لأنَّ ذِكرهما فيما تقدَّمَ كان مِن تَعدادِ النِّعم، فإنَّه قال: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾، وقال في رفع الطور: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، وذَكَرهما هاهنا توبيخًا لهم في دَعْواهمُ الإيمانَ بما أُنزِلَ عليهم، وهم قد عَبدوا العجلَ، ورَدُّوا الميثاقَ، ولم يذكر بعدَهما عفوًا ولا نحوَه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: سماعَ قَبولٍ وطاعةٍ، قال تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]؛ أي: لا يَقبلون ولا يَعمَلون به.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ قيل: قالوا: سمعنا قولَكَ، وعصينا أمرَك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قولهم: "وعصينا" لم يكن على إثر قولهم: "سمعنا"، لكن بعدَه بأوقاتٍ؛ لأنَّهم لمَّا أسبوا قَبولَ التَّوراة لما فيها من الشدائدِ (^٤)،
_________________
(١) في (ف): "تفسيره" بدل: "تفسير هذه الكلمات".
(٢) لفظ: "إنما" من (أ).
(٣) في (أ): "نجاة" بدل: "نحوه".
(٤) في (ر) و(ف): "التشديد".
[ ٢ / ٣٣٨ ]
رفع اللَّهُ تعالى فوقَهم الجبلَ، فقَبِلوها خوفًا، وقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما زايل الجبلُ وآمنوا، قالوا: عصينا، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]، وكان التولِّي بعد ذلك بأوقات (^١).
وقيل: قالوا: سمعنا عبارةً، وعَصَينا معاملةً، وهي كقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، وهي شهادةُ فعلٍ، لا شهادةُ قول.
وقيل: قال آباؤهم: سمعنا، وقال أبناؤهم: عصينا، وبشؤم عصيانِهم تمكَّنَ حبُّ ذلك العجلِ في قلوبهم، فلم يَزُل، وهو قولُه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ يقال: أُشْرِبَ الصَّبغُ في الثَّوب، وشُرِّبَ فيه؛ أي: تمكَّنَ، وهاهنا مضمرٌ وهو (^٢) حبُّ العجل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾.
يقول: رَسَخ حبُّ العجلِ في قلوبهم بفعلِهم، لا أنَّ غيرَهم فعلَ ذلك بهم، وهذا كما يقال: ذهبَ بي الفكرُ كلَّ مذهبٍ، وقال (^٣) تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٣٥].
ويجوز أن يقال: اللَّهُ تعالى أَشربَ في قلوبهم، وذلك (^٤) إثباتُ التخليقِ (^٥) مِن اللَّه تعالى.
_________________
(١) "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥١٢).
(٢) بعدها في (أ): "قوله".
(٣) في (ر): "وكقوله"، وفي (ف): "قال".
(٤) في (أ): "ذلك وهو" وفي (ف): "ذلك".
(٥) في (ف): "للتخليق".
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ إثباتُ فعلِهم واختيارِهم، وهو دليلُ مذهب أهل (^١) السُّنَّة والجماعة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهو ردٌّ على هؤلاء ما ادَّعوهُ (^٢) أنَّهم يؤمنون بالتَّوراة، معناه: إن كنتم مؤمنين كما تَزعُمون، وإيمانُكم يأمرُكم بقتلِ الأنبياء، وعبادةِ العِجْل، ونقضِ الميثاقِ، وتكذيبِ محمَّدٍ ﵊؛ بئس ما (^٣) يأمرُكم به إيمانُكم.
وقال مقاتلٌ: أي: إن كان حبُّ عبادةِ العجلِ يَعدِلُ حبَّ عبادةِ خالقِكم؛ فبئسَ الإيمانُ إيمانٌ يأمرُ العباد (^٤) بالكفرِ (^٥).
وحقيقتُه أنَّ هذا ليس بإيمانٍ، فإنَّ الإيمانَ لا يأمرُ بالكفرِ، وإنَّما يأمرُ بالخير والطَّاعة، ثمَّ إضافةُ الأمرِ إلى الإيمان مجازٌ، ومعناه الدلالةُ والإرشادُ بطرقِ التَّسبيبِ، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: هي سببُ الانتهاءِ (^٦) عنهما.
وقال السُّدِّيُّ وابنُ جُريج: لمَّا رجعَ موسى إلى قومِه أخذَ العجلَ فحَرَقَهُ بالمِبْرَدِ (^٧)، ثمَّ ذَرَّاهُ في اليمِّ، فلم يبقَ نهرٌ يجري يومئذٍ إلَّا وقعَ فيه منه شيءٌ، ثمَّ قال
_________________
(١) لفظ: "أهل" ليس في (ف).
(٢) بعدها في (ف): "من".
(٣) في (أ): "فبئس ما".
(٤) في (أ): "العبد".
(٥) انظر قول مقاتل في "تفسير أبي الليث" (١/ ١٣٨).
(٦) في (أ): "للانتهاء".
(٧) يقال: حرقَ الحديدَ بالمِبْرَد يَحرُقه ويَحرِقُه حَرْقًا وحَرَّقه: بردَه وحَكَّ بعضَه ببعضٍ. انظر: "لسان العرب" (مادة: حرق).
[ ٢ / ٣٤٠ ]
لهم: اشربوا منه، فشربوا، فمَن كان يُحِبُّهُ خرجَ على شاربِهِ الذَّهب، فهؤلاء شَرِبوا الماءَ بأفواهِهم، وأُشرِبَ حبُّ العجلِ في قلوبهم (^١).
وقال الحسنُ: كان بقيَ منهم طائفةٌ لم يتوبوا مِن عبادتِهمُ العجلَ، ولم يَقبلوا ما (^٢) جاءَ عن اللَّه تعالى من التوراة (^٣)، فهم الذين بقيَ حبُّ العجلِ في قلوبِهم، وهم الذين قال اللَّهُ تعالى فيهم (^٤): ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية (^٥).
أظهر اللَّهُ سبحانَه في هذه الآيات أفعالَهم وأقوالَهم الفاسدةَ، ثمَّ ردَّ فيما بعد (^٦) ما كان لهم مِن علم ذلك مِن الأطماعِ الفاسدة، فإنَّهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي ردِّ هذا ردُّ ما بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾؛ أي: قل لهم يا محمَّدُ: إن كانت الدَّارُ الآخرة -وهي الجنَّةُ- عند اللَّه خالصةً لكم؛ أي: صافيةً، والخُلوصُ: الصَّفوةُ، من حدِّ: دَخَلَ، والإخلاصُ: تصفيةُ السِّرِّ والقول والعملِ للَّه تعالى، واستخلاصُ الشيءِ: استصفاؤهُ لنفسِه، وتخليصُ الممتحَن: تصفيتُه عن المِحنة.
و﴿خَالِصَةً﴾ نُصِبَ لأنَّه خبرُ ﴿كَانَتْ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
(٢) في (ف): "عما".
(٣) في (أ): "التوبة".
(٤) "فيهم" سقط من (أ).
(٥) قول الحسن ذكر نحوه ابن أبي زمنين في "تفسيره" (١/ ١٦١). ووقع في (ر) و(ف): "إلا أنه" بدل: "الآية".
(٦) في (أ): "بعده".
[ ٢ / ٣٤١ ]
ويجوزُ أن يكون قولُه: ﴿لَكُمُ﴾ خبرًا، و﴿الدَّارُ﴾ اسمًا، و﴿خَالِصَةً﴾ نصبًا على القطع.
ويجوز أن يكون ﴿خَالِصَةً﴾ مصدرًا، كالعافية، والخائنة، والباقية. ومعناه: خلوصًا؛ أي (^١): على الخلوص.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ أي: من دون محمَّد وأصحابِه، وتُستعمَلُ هذه اللَّفظةُ للاختصاص، يقال: هذا لي مِن دون الناس؛ أي: أنا مختصٌّ به.
وقوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: تشهَّوه. قال ابن عباس ﵄: أي: فاسألوا الموتَ (^٢).
وفي روايةٍ قال: فادعوا بالموت لأيِّ الفريقينِ كان أكذب (^٣).
وقال قتادةُ وأبو العالية والرَّبيعُ: أي: فتمنَّوا الموتَ لأنفسِكم إن كنتُم صادقين في دعوى البنوَّة، والمحبَّة، والاختصاص بالجنة (^٤).
وأكثرُ أهل العلم على هذا، ووجهُه: إن كانت لكم عند اللَّه خالصةً (^٥) هذه المنزلةُ، ولا يدخلُ غيرُكم الجنَّةَ، فتَمنَّوا الموتَ لتصيروا إليها؛ لأنَّ مَن كان على هذه الصِّفة لا يَكرهُ لقاءَ اللَّه، بل يَحرصُ على التَّعجيل إلى كرامتِه.
فإن قالوا: إنَّ المؤمنين أجْمَعوا على أنَّ الجنَّة للمؤمنين دون غيرِهم، ثمَّ
_________________
(١) لفظ: "أي" من (أ).
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٧٢).
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٦٩).
(٤) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٧٠).
(٥) لفظ: "خالصة" ليس في (أ).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
ليس أحدٌ منهم يتمنَّى الموتَ إذا قيل له: تمنَّ الموتَ، فكيف وجهُ الاحتجاج على اليهودِ بذلك؟
قلنا: إنَّ المؤمنين لم يجعلوا لأنفسِهم مِن الفضل والمرتبةِ (^١) عند اللَّه ما جَعلت اليهود ذلك لأنفسِهم؛ لأَنَّهم ادَّعَوا أنَّهم أبناءُ اللَّه وأحباؤه، وأنَّ الجنَّةَ خالصةٌ لهم، و(^٢) الإنسانُ لا يكرهُ القدومَ على أبيه (^٣) وحبيبه، ولا يَخافُ انتقامَه بالمصير إليه، بل يرجو وصولَهُ إلى محابِّه (^٤)، فقيل لهم: تمنَّوا ذلك، فلمَّا لم يتمنَّوهُ ظهرَ كذبُهم في دعاويهم. ولأنَّ النبيَّ -ﷺ- نَهى عن تمنِّي الموت، قال: "لا يَتمنَّى أحدُكم الموتَ لضُرٍّ نزلَ به، ولكن ليقل: اللهمَّ أحيِني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّني إذا (^٥) كانت الوفاةُ خيرًا لي" (^٦).
وقال خبابُ بنُ الأرتِّ رضي اللَّه تعالى عنه: لولا أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوت به (^٧).
وقال قائلٌ (^٨):
لولا بناتِي وسيِّئاتِي لذُبْتُ شَوْقًا إلى الممات (^٩)
_________________
(١) في (ر): "والمزية".
(٢) في (أ): "وأن".
(٣) لفظ: "أبيه" ليس في (ف)، وفي (ر): لفظ الجلالة "اللَّه" بدل: "أبيه". والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥١٣).
(٤) في (ر): "حبيبه".
(٥) في (ف): "ما".
(٦) رواه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس ﵁.
(٧) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ١٥٣).
(٨) في (ر) و(ف): "مقاتل".
(٩) البيت لأبي الحسن، منصور بن إسماعيل التميمي المصري الضرير، كما في "معجم الأدباء" (٦/ ٢٧٢٤).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
فلا يلزمُهم ما يَلزمُ اليهودَ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قالوا: لو تمنَّوا (^١)، أليس فيه كان انقضاء عمرهم (^٢) بدون الأجل الذي جُعِلَ لهم؟ وفي ذلك تقديمُ الآجال على الوقت الذي كان (^٣) أجلًا، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].
قيل لهم: إذْ عَلِم اللَّهُ تعالى منهم في سابقِ علمه وأزليَّته أنَّهم لا يتمنَّون (^٤)، جعل أجلهم ذلك، ولو علمَ منهم أنَّهم يتمنَّون الموتَ لكان يَجعلُ أجلَهم (^٥) ذلك في الابتداء، وكذا هذا فيما روي أنَّ صلةَ الرَّحم تزيدُ في العمر (^٦)؛ أنَّه كذلك يُجعَل في الابتداء، لا أن يُجعَلَ أجلُه إلى وقتٍ، ثمَّ إذا وصلَ رحمَه يزيدُ (^٧) على ذلك الأجل أو يَنقُص بتمنِّي الموت عن الأجلِ المضروب له (^٨).
* * *
(٩٥) - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ أي: لن يتشهَّوا الموتَ أبدًا، ولن يسألوه،
_________________
(١) بعدها في (ر): "الموت".
(٢) في (ر) و(ف): "أمرهم".
(٣) بعدها في (ر): "لهم".
(٤) بعدها في (أ): "الموت".
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "في"، والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة".
(٦) يشير إلى ما رواه البخاري في "صحيحه" (٢٠٦٧)، ومسلم في "صحيحه" (٢٥٥٧) من حديث أنس ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه".
(٧) بعدها في (ر): "في عمره".
(٨) "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥١٣).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وهذا (^١) فيه إثباتُ رسالةِ محمَّد -ﷺ- أنَّه أخبرَ أنَّهم لن يتمنَّوه أبدًا، فكان كما قال، فدلَّ على أنَّه مِن عند اللَّه.
قال ابنُ عباسٍ ﵄: كأنَّ اللَّه حتمَ (^٢) أنَّه لا يتمنَّى أحدٌ مِن بني إسرائيل ممَّن قرأ التَّوراةَ، وشهد بما فيها، وأنَّها (^٣) مِن عندِ اللَّه، ثمَّ كفرَ بما فيها؛ إلَّا ماتَ (^٤) مِن ساعتِه.
وفي روايةٍ قال: لو تمنوا الموت لشرقوا به، وماتوا جميعًا (^٥).
وقال القفَّال: لم يخلُ ذلك من أحدِ أمرَين:
إمَّا أن علِموا صِدقَهُ، وأنَّهم لو تمنَّوه لم يُمهَلوا وماتوا، وفي ذلك دليل أنَّهم عرفوا نبوَّته فعاندوه.
وإما أن لم يَعلموا ذلك، ومنعَهم اللَّهُ عن هذا التمنِّي، وصرَفَهم عنه، وأحدثَ فيهم ما أزالَ تمنِّيهُ عن قلوبهم، وفي ذلك بيانُ صدقِه؛ لأنَّ هذا أمرٌ خارجٌ عن العادات لا يفعلُه اللَّهُ إلَّا لإيراد معجزةٍ تَدُلُّ على نبوَّة نبيٍّ.
وعن نافعٍ قال: جلس إلينا يهوديٌّ يخاصمُنا، فقال: إنَّ في كتابكم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]، وأنا ذا أتمنَّى الموت، فما لي لا أموت؟ فسمع ذلك ابنُ عمر ﵄، فدخل بيتَه، فأخذ السيفَ ثمَّ خرج، ففرَّ اليهوديُّ حين رآه، فقال ابنُ عمر ﵄: أمَا واللَّه لو أدركتُه لضربتُ عنقَه، توهَّم هذا الجاهلُ أنَّ
_________________
(١) لفظ: "هذا" من (ف).
(٢) بعدها في (ف): "لهم".
(٣) في (أ): "فإنها".
(٤) في (ف) و(ر): "من الإماتة" بدل: "إلا مات"، وهو تحريف.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٦٨).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
هذا لليهودِ في كلِّ وقت، إنَّما هو لأولئك الذين كانوا يعاندونَهُ ويَجحدون نبوَّته بعد أن عرفوه.
فإن قالوا: إنَّ التمنِّيَ يكون بالقلب، ولا يَظهَرُ ذلك لنا أنَّهم تمنَّوه أو لم يتمنَّوه.
قلنا: ذُكِر هذا على وجه المحاجَّة، فيُطلَب (^١) منهم إظهارُ التَّمنِّي باللسان، كما إذا قال الرجلُ لامرأتِه: أنت طالقٌ إن شئت أو أحببتِ، فإنَّه يتعلَّق بالإخبارِ دون الإضمار.
وقوله: إنَّ (^٢) هذا للتأبيد، ثمَّ ذكر أنَّهم يتمنَّون في النار فيقولون: يا مالك؛ ليقض علينا ربُّك، ويقولون: يا ليتها كانت القاضية؛ أي: الموت، ولكنَّا نقولُ: هذا للتأبيد في الدُّنيا؛ كما في قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما عمِلوا (^٣) بأنفسِهم، والعربُ تضيفُ فعلَ كلِّ النَّفس إلى اليد؛ لحصول الفعل مِنَ اليدين في الغالب، وعلى متعارَفهم نزلَ القرآنُ، قال تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، وفي أمثال العرب: يداكَ أوكَتا، وفُوكَ نفخ (^٤).
ومعنى قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ قيل: بقتلِهم الأنبياءَ.
وقال ابنُ عباس وابنُ جريح: أي: بتغييرهم نعتَ النبيِّ -ﷺ- وتكذيبِه (^٥)، وقصدِهم إطفاءَ نورِ اللَّه بأفواهِهم.
_________________
(١) في (ف): "فنطلب".
(٢) في (أ): "لن".
(٣) في (ر): "عرفوا".
(٤) انظر "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ٣٣١).
(٥) أخرج قوليهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤).
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: بعقوبةِ هؤلاء وهم ظالمون بهذه الأفعال، وخصَّهم بذلك وإن كان اللَّهُ تعالى عالمًا بهم وبغيرِهم؛ لأنَّه أرادَ به تخصيصَهُم بالتَّهديد، وهو أبلغُ وعيدٍ، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقيل: عليمٌ بالظالمين، يَفضحُهم بردِّ دعواهم الكاذبةِ بالحُججِ الصَّادقة، فإنَّه عالم بأفعالهم، غيرُ غافلٍ عن أحوالهم.
وقيل: عليمٌ أنَّهم لا يتمنَّون؛ لإبطالِهم فيما ادَّعوا.
* * *
(٩٦) - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
وقيل: لا يتمنَّون لحرصِهم على الحياة، ولذلك وصلَ بهذه الآية ما فيه بيانُ شدَّةِ حرصِهم، وهو (^١) قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ اللامُ للتَّأكيد، وكذلك النُّون المشدَّدة في آخره؛ أي: يا محمَّد؛ ستجدُ هؤلاء اليهود لا يتمنَّون الموت؛ لأنهم أشدُّ الناسِ حرصًا على الحياة؛ أي: ولوعًا بها، وقد حَرَص يَحْرِصُ حِرْصًا، فهو حريصٌ، والجمع حِراصٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: وأحرصَ مِن الذين أشركوا باللَّه، قال ابنُ عبَّاسٍ وأبو العالية والكلبيُّ والرَّبيعُ: هم المجوس (^٢).
_________________
(١) في (أ): "عليها" بدل: "وهو".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٧٧) عن أبي العالية والربيع. وذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ١٣٩) عن الكلبي.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وقال الحسنُ ومقاتل (^١): هم مشركو العرب (^٢).
وإنَّما كان اليهودُ أحرصَ على الحياة، مع أنَّهم مُقِرُّون بالقيامة، من المجوس والمشركين (^٣)، وهم ينكرون البعث؛ لما قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ اليهودَ عرفوا ما لهم في الآخرة مِنَ الخزي (^٤) بما صنعوا مِنَ الظلم، وضيَّعوا من العلم (^٥).
وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي: يحبُّ أحدُ هؤلاء المشركين، وقد وَدَّ يَوَدُّ وُدًّا ومَوَدَّةً ووِدَادًا، مِن حد: علم، ومعنى الودِّ هاهنا: التمنِّي؛ ولذا قال بعده: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، و(لو) كلمةُ تمني (^٦)، قال (^٧): ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٨].
وقوله تعالى: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي: يتمنَّى أن يُعطَى العُمُرَ والبقاءَ ألف سنة، وإنَّما خصَّ هذا العدد؛ لأنَّ مَن تحيتهم: زِه هزار سال (^٨).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ الزحزحةُ: التَّبعيدُ، والتَّزحزحُ: التَّباعدُ، والتَّحزحُزُ كذلك على القلب، وهو مكرَّرُ: زحَّ يَزُحُّ زحًّا؛ أي: دفع؛ كقولك: كبكب، مِن كبَّ.
_________________
(١) وقع في هامش (ر): أنه في نسخة: "والأخفش".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٢٥).
(٣) في (ر): "والذين أشركوا".
(٤) في (ر) و(ف): "العذاب".
(٥) رواه الطبري (٢/ ٢٧٧).
(٦) في (ف) و(أ): "تمني قال" وفي هامش (ف): "يقول".
(٧) بعدها في (ف): "يقال"، وأشار في هامشها إلى أنه في نسخة: "يقول".
(٨) وقع في هامش (ف): "زهرار سال: أي عشرة ألف سنة". وصوابها: عش ألف سنة. وانظر "التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ١٦٨)، و"المعجم الذهبي" لمحمد التونجي (ص: ٣١٨، ٣٢٧، ٦٠٣).
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وقيل: هو مِن: زاحَ يَزوحُ ويَزيحُ؛ أي: بَعُد، وأزاح يُزيح؛ أي: أبعدَ، وكُرِّر على هذا الوجه؛ كما فعلوا ذلك بقولهم: خاض وخَضْخض.
وفي مصحف عبد اللَّه ابن مسعود ﵁: (وما هو بمنزحه) (^١)، وهو كذلك مِن قولهم: نزح نزوحًا؛ إذا بَعُد.
قوله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ له ثلاثةُ أوجه:
أحدها: وما أحدهم، فقد ذكر قبله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، وذاك راجعٌ إلى اليهود في قول، وفي قولٍ إلى الذين أشركوا، وهم المجوس، وهذا أظهر؛ أي: وما أحدُهم بمنجِّيه مِنَ العذاب تعميرُه، و﴿أَنْ﴾ مع الفعل بمنزلة المصدر.
وقيل: ﴿وَمَا هُوَ﴾ يرجعُ إلى التَّعميرِ المذكورِ قبلَه: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾، ثمَّ أُعِيد: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ في آخرِه؛ إيضاحًا، و﴿وَمَا هُوَ﴾ (^٢) عماد؛ لأنَّ الواو تَطلُبُ الاسم، فلمَّا تأخَّر الاسمُ دخل ﴿هُوَ﴾ عمادًا، ثمَّ فسَّر هذا بقوله: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ في آخره، وهو مصدرٌ على التقدير، ورفعُ تعميره بطريقين:
أحدهما: كونُه فاعلًا بفعل الزَّحزحة؛ أي: لا يُزَحزِحُه مِن النَّار (^٣) تعميرُه.
والثاني: بالابتداء (^٤)؛ أي: وما تعميرُه بمزحزِحِه.
وقيل: قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ مجازٌ عن قوله: لَتَعرِفنَّهم، وهو كقول الرجل (^٥): وجدتُ فلانًا فقيهًا.
_________________
(١) انظر "شواذ القراءات" للكرماني (ص: ٧٠).
(٢) في (أ): "وقيل هو".
(٣) في (أ): "العذاب".
(٤) في (أ): "الابتداء".
(٥) في (أ): "كقوله" بدل: "كقول الرجل".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وقيل في قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وجهان آخران سوى ما ذكرنا بديًّا:
أحدهما: أنَّ قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ موصولٌ بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾؛ أي: تَجدُ هؤلاء اليهود، وتجِدُ أيضًا مِن الذين أشركوا؛ أي: بعض المشركين، فإنَّ "مِن" كلمة تبعيض؛ وهو تسويةٌ بينهم وبين المشركين في حرصِ الحياة، وهو ذمٌّ لهم، وتسويةٌ بين مَن يُقِرُّ بالبعث وبين مَن لا يُقِرُّ به في هذه الصفةِ المذمومة.
والثاني: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مبتدأٌ، وجوابُه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: مَن يَودُّ، وكلمةُ "مَن" مضمرة؛ كما في قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾ أي: مَن يحرِّفون، وقولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي: مَن ليؤمننَّ به، وقال الشاعر:
فظلُّوا ومِنْهُم دمْعُهُ سابقٌ لهُ وآخرُ يُجْرِي دمعةَ العينِ بالمَهْلِ (^١)
أي: ومنهم مَن دمعُهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يَرى أعمالَهم مِنَ الكفرِ والمعاصي، لا يَخفى عليه شيءٌ، فيُجازيهم بالخِزْيِ والذُّلِّ في الدُّنيا، والعقوبةِ في العُقبى.
وقراءة العامَّة بياءِ المغايبة، وقرأ يعقوبُ بتاء المخاطبة (^٢).
* * *
(٩٧) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) البيت لذي الرمة، وهو في "ديوانه" (١/ ١٤١)، وفيه: "يَثني" بدل: "يجري".
(٢) انظر "النشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٩).
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ في (جبريل) سبعُ لغاتٍ؛ قُرِئَ بأربعٍ منها:
﴿جَبرَئيل﴾ بفتح الجيم والرَّاء مهموزًا ممدودًا؛ وهو في قراءة حمزةَ، والكسائيِّ، وخلفٍ، وعاصمٍ غير حفصٍ ويحيى عن أبي بكر.
و﴿جَبْرِيل﴾ بفتح الجيم خفيفًا بغير همزٍ، وهو في قراءةِ ابن كثير.
و﴿جَبْرَئِل﴾ (^١) على وزن: جبرعل (^٢)؛ وهو روايةُ يحيى عن أبي بكرٍ عن عاصمٍ.
و﴿وَجِبْرِيلَ﴾ بكسر الجيم والرَّاء بلا همزٍ؛ وهو في قراءة الباقين (^٣).
و"جبرائيل" بالمدِّ والهمز، وبياءين في الكتابة.
و"جبرائلّ" بالهمز وتشديد اللَّام وياءٍ واحدةٍ في الكتابة.
و"جبرين" بالنُّون مكان اللَّام.
هو (^٤) اسمٌ ليس بعربيٍّ، عرَّبته العربُ على هذه الوجوه (^٥)، ومعناه: عبدُ اللَّه، فإنَّ "جبر" هو العبد، و"إيل" هو اللَّه، قاله ابن عبَّاسٍ ﵄ (^٦).
والآيةُ في شأنِ اليهود أيضًا وذمِّهم وردِّ مقالاتهم، وقصَّة نزوله (^٧): ما روى
_________________
(١) بعدها في (ع): "بالهمز".
(٢) في (ع): "جهمرش".
(٣) انظر القراءات المذكورة في "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٦٦)، و"التيسير" (ص: ٧٥)، و"جامع البيان"، للداني (ص: ٤٠٤)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٩).
(٤) في (أ): "ثم هو"، وفي (ف): "وهو".
(٥) قال ابن جني في "المحتسب" (١/ ٩٧): إن العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه.
(٦) أخرجه الطبري (٢/ ٢٩٦).
(٧) في (ر) و(ف): "وقصَّته مرويَّةٌ" بدل: "وقصة نزوله".
[ ٢ / ٣٥١ ]
أبو صالحٍ عن ابن عبَّاس ﵄ قال: لمَّا قَدِم النبيُّ -ﷺ- المدينةَ؛ أتاه ابن صوريا؛ وهو رجلٌ من اليهود يسكن فَدَك، فقال: يا محمد؟ كيف نومُك؟ فإنَّا أُخْبِرْنا عن نومِ النبيِّ الذي يجيء في آخر الزَّمان.
فقال النبيُّ -ﷺ-: "تنامُ عيناي وقلبي يقظان".
قال: صدقتَ يا محمَّد، فأخْبِرْنِي عن الولد؛ أمِن الرَّجل يكون أم من المرأة؟
قال: "أمَّا العظمُ والعَصب والعروق؛ فمن الرَّجل، وأمَّا الدَّمُ واللَّحمُ والظُّفْر والشَّعر؛ فمن المرأة".
قال: صدقت يا محمَّد، قال: فما بالُ الولدِ يُشبِهُ أعمامَه، ليس من شبه أخواله فيه شيءٌ، أو يشبه أخواله، ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟
فقال: "أيُّهما علا ماؤه ماءَ صاحبِه؛ كان الشَّبهُ له".
قال: صدقت يا محمَّد، وسأله عن الطعام الذي حَرَّم إسرائيلُ على نفسه.
قال: "إنَّ يعقوبَ مَرِضَ مرضًا شديدًا، فنذر إنْ شفاه اللَّه تعالى؛ حرَّم على نفسه (^١) أحبَّ الطَّعام وأحبَّ الشَّراب، وكان (^٢) أحبَّ الطَّعام إليه لحمُ الإبل، وأحبَّ الشراب إليه ألبانُها، فحرَّمها (^٣) على نفسه".
وسأله (^٤) عن أوَّل نُزُلِ أهل الجنة (^٥).
_________________
(١) من قوله: "قال إن يعقوب" إلى هنا ليس في (أ).
(٢) قوله: "أحب الطعام وأحب الشراب وكان" ليس في (ف).
(٣) في (ف): "فحرمهما".
(٤) قبلها في (ف): "قال صدقت يا محمد" وفي (ر): "قال صدقت".
(٥) وقع في هامش (ف): "النزل ما يقوم لضيافة الضيف".
[ ٢ / ٣٥٢ ]
قال: "الحوتُ والثَّور".
قال: صدقتَ يا محمَّد، ثمَّ قال: بَقِيَت خَصلةٌ، إن قلتَها آمنتُ بك واتَّبعتك، أيُّ مَلَكٍ يأتيك بما تقول من اللَّه؟
قال: "جبريل".
قال: ذلك عدوُّنا، ينزل بالقتالِ والشِّدَّة، ورسولُنا ميكائيل، يأتي بالبِشْرِ (^١) والرَّخاء، فلو كان ميكائيل، لآمنَّا بك وصدَّقناك.
فقال له عمر: ما بدءُ عداوته لكم (^٢)؟
قال: عادانا مرارًا كثيرةً، وكان مِن أشدِّ عداوته لنا أنَّ اللَّه تعالى أنزلَ على نبيِّنا موسى صلوات اللَّه عليه أنَّ بيتَ المقدس سيَخْرَبُ في زمان رجلٍ يقال له: بختنصَّر، وأخْبَرَنا بالحين الذي يَخربُ فيه، فلمَّا بلغ الحين الذي يخربُ فيه (^٣) بيتُ المقدس؛ بعَثْنا رجلًا مِن أقوياء بني إسرائيل في طلبه ليقتلَه، فانطلقَ في طلبِه حتَّى لقيَه ببابلَ غلامًا مسكينًا ليست له قوَّةٌ، فأخَذَهُ ليَقتُلَه، فدفعَ عنه جبريل، وقال لصاحبنا: إنَّ ربَّكم إنْ هو أَمَرَه بهلاككم، لا تُسلَّطُ (^٤) عليه، إن كان الذي تريدُه هذا، فإنَّك لا تَقدِرُ على قتله (^٥)، وإنْ لم يكنْ هذا؛ فعلى أيِّ حقٍّ تقتلُه؟ فصدَّقَهُ صاحبُنا، فتركَه، وكبِر بختنصَّر وقوي، فملَكَ، ثمَّ غزانا، فخرَّب بيتَ المقدس وقتلَنا، فلهذا نتَّخِذُه (^٦) عدوًّا، وميكائيلُ عدوُّ جبريل.
_________________
(١) في (أ): "باليسر".
(٢) في (أ): "عداوتكم له" بدل: "عداوته لكم".
(٣) في (أ): "يكون فيه هلاك" بدل: "يخرب فيه".
(٤) بعدها في (ر): "لكم".
(٥) قوله: "إن كان الذي تريده هذا فإنك لا تقدر على قتله" من (أ).
(٦) في (ف): "اتخذناه".
[ ٢ / ٣٥٣ ]
فقال عمر: فإنِّي أشهد: مَن كان عدوًّا لجبريل؛ فإنَّه عدوٌّ لميكائيل، ومَنْ كان عدوًّا لميكائيل؛ فإنَّه عدوٌّ لجبريل.
فقال: يا عمر، لا تقولنَّ هذا، فنزلت الآيةُ كما قال عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: فإنَّ جبريل نزَّل القرآن، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ (^٢) وعامَّةِ أهل التَّفسير والتَّأويل، وقد تقدَّم ذكرُ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَصَلَح صرفُ قوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾، إليه.
وقولُه: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: أوحاهُ إليكَ وقذفَهُ (^٣) في قلبِك.
وقيل: أي: عليك؛ لتحفَظه بقلبك.
وقيل: أي (^٤): تثبيتًا لقلبك.
وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بأمرِ اللَّه.
وقال القفَّال: قوله: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: أخبِرهُم أنَّه نزَّله على قلبِك، ولو قال: على قلبي، جاز على حكاية اللَّفظ الذي يَقولُ لهم، وهو كقولك: قلْ لفلانٍ: إنَّ الخبر عندي كذا، ويجوز: عندك كذا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تقول الباطنيَّة: إنَّ القرآن لم ينزل على رسول اللَّه -ﷺ- بالأحرفِ التي نقرؤها، لكنَّه إلهامٌ نزلَ على قلبه، ثمَّ صوَّره بهذه الأحرف.
_________________
(١) أورد بعضه الثعلبي قي "تفسيره" (١/ ٢٣٩)، والماوردي في "النكت والعيون" (١/ ١٦٣). قال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ٩): هكذا ذكره الثعلبي والواحدي والبغوي فقالوا: روى ابن عباس أن حبرا من أحبار. . . فذكره، ولم أقف له على سند.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ١٨٠) (٩٥٣).
(٣) في (ف): "وفرقه".
(٤) في (ف): "أن".
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وهو باطلٌ؛ لأنَّه لو كان كذلك لزالَ موضعُ الاحتجاج عليهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]؛ إذ كان لهم أن يقولوا: أُنْزِل على لسان العجم، لكنَّه غيَّر ذلك بلسانه، وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]؛ أي: مخافةَ النِّسيان والذَّهاب، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، فدلَّت هذه الآيات على بُطلانِ قولِهم، وفسادِ مذهبهم، وبعدهم عن دين اللَّه المستقيم (^١).
وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: موافقًا لما قبلَه من كتب الأنبياء، قاله ابن عبَّاسٍ ﵄ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾ أي: هاديًا للمؤمنين، على معنى أنَّ النفع يقعُ لهم؛ كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
وقيل: أي: للكلِّ على العموم، ومعناه: أنَّه دالٌّ مرشِدٌ لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: مبشِّرًا للمؤمنين على الخصوص، وهما مصدران بمعنى الفاعل، وإعرابُهما النَّصبُ عطفًا على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾، وكلُّه نصب؛ لأنَّه حالٌ، أو مفعولٌ ثانٍ لقوله تعالى: ﴿نَزَّلَهُ﴾.
وقيل: ذَكَر اليهود أنَّهم يُبغِضُون جبريل؛ لأنَّه كان مأمورًا بإنزال الوحيِ على أولاد إسرائيل، فأنزلَهُ في أولاد إسماعيل.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وشهرُ بن حَوْشب والشَّعبيُّ وقتادةُ: إنَّهم قالوا: إنَّ جبريلَ لا
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥١٧ - ٥١٨).
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٩٩)، وابن أبي حاتم (١/ ١٨٠) (٩٥٧).
[ ٢ / ٣٥٥ ]
ينزلُ بخيرٍ قطُّ، بل هو مَلَكُ العذاب؛ ينزل بالعذابِ والحربِ وكسر السُّفن والشَّدائد؛ فلذلك نُبغِضُه، وأمَّا ميكائيل، فإنَّه يَنْزِلُ بالغيث والرَّحمة؛ فلذلك نحبُّه (^١).
فقد ذكَروا (^٢) أنَّهم يبغضونه لثلاثة معانٍ؛ لأنَّه لا يأتي بخيرٍ، ولأنَّه نقلَ الوحي إلى غير مَن أُمِر به، ولأنَّه دفعَ مَن أراد قتلَ بُختنصَّر، فردَّ اللَّه عليهم كلَّ ذلك بهذه الآية، واللَّه أعلم، فإنَّه قال: نَزَل بالوحي على محمَّدٍ بأمرِنا، وهو رأسُ كلِّ خيرٍ، وهو يبلِّغ (^٣) إلى مَن كان له به الأمرُ، وهو أيضًا لا يدفعُ عن أحدٍ إلَّا بأمرٍ، فإنَّه عبدٌ مطِيعٌ، لا يعملُ إلَّا ما أُمِرَ به.
وقيل على هذا: إنَّ قوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ صفةٌ لجبريل، لا للقرآن؛ أي (^٤): يقولون: إنَّه ينزل بالشدائد، فقل: إنَّه ينزل بها بأَمْر اللَّه، وفي ذلك هدًى للمؤمنين؛ لإيمانهم بأنَّه من عند اللَّه، وهو بشرى لهم؛ لأنَّهم بالصَّبر عليه، والعمل به، ينالون الثَّوابَ في العُقبى، والنَّصرَ في الدُّنيا.
* * *
(٩٨) - ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ قُرِئ: (ميكائيل) على خمسة أوجهٍ:
_________________
(١) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٩).
(٢) في (ر) و(ف): "ذكر".
(٣) في (أ): "تبليغ الوحي".
(٤) في (ف): "فهم" بدل: "أي".
[ ٢ / ٣٥٦ ]
قرأ أبو عمرٍو وسهلٌ (^١) ويعقوبُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿وَمِيكَالَ﴾ على وزن ميعاد (^٢).
وقرأ نافعٌ وأبو جعفرٍ: ﴿مِيكَائلَ﴾ على وزن: مِيكاعِل (^٣)، مهموزًا بغير ياء.
والباقون: ﴿ميكائيل﴾ مع الهمزةِ والياء (^٤) بعدها (^٥).
وعن الأعرج (^٦): (ميكئل) على وزن: مِيْكعِل (^٧).
وعن الأعمش: (مِيْكَييل) على وزن: مِيْكَعيل (^٨).
ومعناه: عبدُ اللَّه، وهو كجبريل في أنَّ العرب عرَّبته، وتكلَّمت به على وجوهٍ.
_________________
(١) هو العلامة أبو حاتم، سهل بن محمد بن عثمان السجستاني، نحوي البصرة ومقرئها في زمانه، قرأ القرآن على يعقوب، وله اختيار في القراءة، صنف التصانيف منها: "المذكر والمؤنث" و"المقصور والممدود" و"اختلاف المصاحف"، توفي سنة (٢٥٥ هـ). انظر "معرفة القراء الكبار" للذهبي (١/ ٤٣٤ - ٤٣٦).
(٢) في (ر): "فيعال".
(٣) في (ر) و(ف): "ميفاعل"، وأشار في هامش (ف) إلى أنه في نسخة: "ميكاعل".
(٤) في (أ): "بالهمزة مع الياء" وفي (ر): "بالهمز والياء".
(٥) انظر "السبعة" (ص: ١٦٦ - ١٦٧)، و"التيسير" (ص ٧٥)، و"النشر" (٢/ ٢١٩).
(٦) هو الإمام التابعي، أبو داود، عبد الرحمن بن هرمز المدني الأعرج، أخذ القراءة عرضًا عن أبي هريرة وابن عباس ﵃، وهو بالحديث أشهر منه بالقرآن، توفي سنة (١١٧ هـ). انظر: "معرفة القراء الكبار" (١/ ١٨٠ - ١٨٢).
(٧) انظر: "المحتسب" (١/ ٩٧).
(٨) ذكرها الكرماني في "شواذ القراءات" ص ٧٠ عن بعضهم، وذكر ابن جني في "المحتسب"، وتبعه القرطبي في "تفسيره" (١/ ٢٦٥) أن الأعمش قرأ: (ميكاييل)، وأشار القرطبي إلى أنه قد اختلف عن الأعمش فيها، وذكر الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٤١) عن الأعمش أنه قرأ: "ميكيل" على وزن: ميكعل.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
ومعنى الآية: مَن كان معاديًا للَّه؛ أي: كافرًا بما جاء منه.
وقيل: ﴿لِلَّهِ﴾ ذُكِر تعظيمًا للأمر على مَن يُعادي أحدًا مِن ملائكته، كقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وكقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، مع (^١) الواو في هذا بمعنى (أو)؛ إذ استحقاقُ العداوة غيرُ موقوفٍ على عداوة جميعهم، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
وإنَّما أعاد ذِكْرَ جبريلَ وميكائيلَ مع ذكر الملائكةِ، وهما داخلان فيهم؛ ليكون أنْفى للشُّبهة، وأبعدَ مِنَ التأويل، كي لا يقول اليهود: إنَّهما غيرُ داخلَين أو أحدَهما في جملة الملائكة، أو هو زيادةُ تشريفٍ لهما وتقديمٌ لذكرهما على وجه التخصيص؛ كما قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] بعد ذِكْرِ ﴿النَّبِيِّينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقلْ: فإنَّه، مع سَبْقِ ذكر "اللَّه" صريحًا مرَّةً؛ إخراجًا للكلام عن احتمال التأويل، إذ لو قيل: فإنَّه؛ احتمل أنْ يعودَ إلى جبريل وميكائيل؛ لتقدُّم ذكرهما.
وقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾ أي: مُعَادٍ، وعداوةُ اللَّه تعالى هي إرادةُ العقوبةِ والطَّردِ والتَّبعيدِ عن الخير.
وقال: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: (لهم)؛ إظهارًا أنَّهم مع استحقاقِهم لعداوة اللَّه كفَّارٌ بمعاداتهم أولياءَ اللَّه.
وقيل: تقدير الآيتين: قل: مَن كان عدوًّا لجبريل فهو كافرٌ، وإِنَّ اللَّهَ عدوٌّ
_________________
(١) لفظ: "مع" من (ف).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
للكافرين، واعترضَ ذِكْرُ جبريل، وهو قولُه: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ قبل جوابه، فأعاد ذِكْرَ هذه العداوة: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾، وإنَّما ذَكَرَ الرسلَ معهم؛ لأنَّ الملائكةَ والرُّسلَ دعاةُ الخلق إلى اللَّه (^١)، فهم متَّفقون، ومعاداةُ أحدهم معاداتُهم، وهو كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وهم ما أدركوا (^٢) إلَّا رسولًا واحدًا.
وإنَّما قَرَنَ ميكائيل بجبرائيل؛ لأنَّهم كانوا يدَّعون أنَّه حبيبُهم، فأخبرَ أنَّ عدوَّ جبريل عدوُّ ميكائيل.
* * *
(٩٩) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
قال (^٣) ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الآيات البيِّنات: ما يُخبرهم (^٤) عن قَصصِهم وأخبارِهم التي لا معرفةَ لها إلَّا عند أحبارهم، وهي ما (^٥) سبق ذِكْرُه في هذه السُّورة إلى هذه الآية (^٦).
_________________
(١) في (ر): "للحق" بدل: "إلى اللَّه".
(٢) في (ر): "كذبوا".
(٣) في (أ): "وقال".
(٤) في (ف): "نخبرهم".
(٥) في (ف) و(ر): "وما" بدل من "وهي ما".
(٦) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٠٥).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وقال القَفَّالُ: هي العلاماتُ الواضحاتُ على صِدْق نبوَّته التي لا تَخفى صِحَّتُها على أحدٍ.
وقيل: هنَّ جواباتُ سؤالات ابنِ صوريا التي مرَّت في الآية الأولى.
وقيل: إنَّ اليهودَ قالوا للنبيِّ -ﷺ-: ما جئتنا بشيءٍ نَعرفُه، ولا ببيِّنةٍ نتَّبعُها، فنزلت هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: لا يُنكِرها إلَّا الجاحدون (^١) الخارجون عن أمر اللَّه.
وقيل: أي: الخارجون عن الأديان، وإنْ أظهروا أنَّهم متمسِّكون بها، فإنَّ اليهود خرجوا بتكذيب محمَّدٍ ﵇ مِن شريعة موسى ﵇.
وقيل: أي: المتمرِّدون مِنَ اليهود، فأمَّا أهل الإنصاف منهم؛ فقد آمنوا؛ مثل: عبد اللَّه بن سَلَام وأصحابه، ثمَّ (^٢) هذا الإنكارُ منهم نقضٌ للعهد (^٣)، وأخبرَ بالآية التي بعدها أنَّه ليس بأوَّل نقضٍ منهم.
* * *
(١٠٠) - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الألفُ ألفُ استفهامٍ بمعنى التوبيخ، دخلت على واو العطف، وهو متَّصلٌ بما قبله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [البقرة: ٨٧] الآية.
_________________
(١) لفظ: "الجاحدون" ليس في (أ).
(٢) بعدها في (ر): "كان".
(٣) في (ف): "نقض منهم بالعهد" بدل: "نقض للعهد".
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وقوله ﴿نَبَذَهُ﴾ قال قتادةُ وابنُ جريج: أي: نقضَهُ (^١)، وأصلُه: الطَّرحُ والرَّمي، ومنه قوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦]؛ أي: ألقيتُها في العِجْل، والمنبوذُ: الملفوظ؛ لأنَّه نُبِذ، وقوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] أي: تباعدت، هو من الأوَّل، وظاهرُه: نبذُ العهدِ وراء الظَّهر، ومعناه: النَّقْضُ.
والفريقُ: الطَّائفةُ، ويكون للقليل والكثير، وظهر بما بعده أنَّه أراد به الكثير؛ وهو قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقيل: أي: نقضَهُ فريقٌ منهم عنادًا، وأكثرُهم نَقضَهُ جهلًا، فكلُّهم كفَّارٌ؛ بعضُهم بنقض العهدِ، وأكثرُهم بجحودِ الحقِّ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نبذوا الكتابَ وخالفوهُ كأنَّهم جهلةٌ به وبالعهد الذي عليهم في التَّوراةِ وغيرها.
وقال الشَّعبيُّ: وصفَهم أنَّهم نبذوا ذلك لنبذِهم العملَ به (^٢).
ثمَّ بيانُ نقضِهم العهودَ مرارًا: أنَّه كان مِنَ المواثيق عليهم أنَّهم إذا جاءهم محمَّدٌ آمنوا به ونصروه، فلم يفعلوا.
ومنها: أنَّهم كانوا يستفتحون به، فلمَّا جاءهم؛ كفروا به.
ومنها: أنَّهم كانوا هادَنوا النبيَّ -ﷺ-، فنَقضوه يومَ الخندق، وطابقوا كفَّار قريشٍ عليه -أي: عاهدوا- حتَّى جرى على بني قريظةَ ما جرى، وكذا على بني النَّضِير.
ومنها: أنَّهم عاهدوهُ أنَّه لو أجابَهم عمَّا سألوه آمنوا به، وأجابهم فلم يؤمنوا.
* * *
_________________
(١) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٠٩).
(٢) من قوله: "وغيرها وقال الشعبي" إلى هنا من (أ). وانظر قول الشعبي في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٤٢).
[ ٢ / ٣٦١ ]
(١٠١) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هو محمَّدٌ -ﷺ-.
وقيل: الرسول بمعنى الرسالة، قال الشاعر:
لقد كذبَ الواشون ما بُحْتُ عندَهم بليلى ولا أَرسلتُهم برسولِ (^١)
أي: برسالةٍ؛ فمعناه على هذا: ولمَّا جاءَهم كتابٌ.
وقوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي: أُعْطُوا علمَ الكتاب، وهم أحبارُهم، و﴿الْكِتَابَ﴾ نُصِبَ لأنَّه خبرُ ما لم يسمَّ فاعله.
وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ مفعولٌ بقوله: ﴿نَبَذَ﴾، ومعنى ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ (^٢): خالفوه.
وقوله تعالى: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ قال الشعبيُّ: نبذوهُ وراءَ ظهورهم وهو بين أيديهم يقرؤونه، لكن نَبذوا العملَ به (^٣).
وقال سفيان بن عُيَيْنَة: أدرجوه في الحرير والدِّيباج وحلَّوه بالذَّهب والفضَّة، ولم يُحِلُّوا حلالَه، ولم يُحَرِّموا حرامَهُ، فذلك النَّبْذ (^٤).
وقيل: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾: هو التَّوراة هاهنا، وقيل: هو القرآن، وخلافُهم كان لهما.
_________________
(١) البيت لكثير عزة، وهو في "الأمالي" للقالي (٢/ ٦٣)، و"ديوان كثير" ص ١١٠، وفيهما: برسيل، بدل: برسول.
(٢) بعدها في (أ): "أي".
(٣) تقدم نحوه قريبًا.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٤٢).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يفقهون على ما في الكتاب؛ أي: تعمَّدوا الخلافَ مع علمِهم، فالتحقوا بالجُهَّال.
وقيل: كأنَّهم لا يعلمون نعتَك.
* * *
(١٠٢) - ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: نبذوا كتابَ اللَّه واتَّبعوا السِّحرَ، وعلَّموا ذلك أتباعَهم المقلِّدين؛ ليَكتسبوا به الدُّنيا، وقالوا: إنَّ مُلْكَ سليمان ﵇ مع عظمته (^١) كان قائمًا به، ويأخذونَ السُّحت به، ويكذبون، فذمَّهم اللَّهُ تعالى بذلك، وبرَّأ سليمان ﵇ من ذلك، وكشفَ عن حقيقتِه أنَّه كان مِنَ الشياطين، لا مِن سليمان.
وفيه تنبيهٌ لأهل عصر النبيِّ -ﷺ- ومَن بعدَهم على بطلان السحر، وأنَّه لا يجوزُ العملُ به.
وقال السُّدِّيُّ ﵀: لمَّا نزلَ قولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾؛ عارضوه بالتَّوراة، فاتَّفقا، فنَبذوا التَّوراة، وأخذوا بكتاب
_________________
(١) في (أ): "عظمه".
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الشيطان وسِحْرِ هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن، فتعلَّقوا بها، فذلك (^١) قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ (^٢)؛ أي: كتابَ السِّحر الذي كان فيه؛ تقويةً لهم فيما يُخاصِمون النبيَّ -ﷺ-، فأظهرَ (^٣) اللَّهُ تعالى لعباده أنَّ ذلك كان سحرًا وكفرًا وباطلًا، لا يجوزُ التعلُّقُ به، وإنَّما يُنَاظَرُ في الدِّين بكتبِ اللَّه، لا بكتب السِّحر التي وَضَعتْها الشياطين، فمن (^٤) نبذَ كتاب اللَّه تعالى، وتعلَّقَ بكتب الشَّيطان؛ فهو في نهايةِ الجهلِ والخُذلان.
وقال محمَّدُ بن إسحاق: لمَّا ذَكَرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- سليمانَ بنَ داود في المرسلين؛ قال بعضُ أحبارِهم: ألَا تعجبون من محمَّدٍ؟! يَزعمُ أنَّ ابنَ داود كان نبيًّا، واللَّه ما كان إلَّا ساحرًا؛ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (^٥) أي: باتِّباعهم السِّحرَ و(^٦) عملِهم به.
وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: إنَّ اليهود سألوا محمَّدًا ﵊ زمانًا عن أمورٍ من التَّوراة، ولا يسألونَهُ عن شيءٍ مِن ذلك إلَّا أنزَلَ اللَّهُ تعالى ما سألوا عنه، فيَخصِمُهم، فلمَّا رأوا ذلك؛ قالوا: هو أعلمُ منَّا بما أُنْزِل إلينا، فسألوهُ عن السِّحر، وخاصموه أن يغلبَهم به، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، وإنَّ الشياطين عَمدوا إلى كتابٍ فكتبوا فيه السِّحر والكهانةَ، فدفنوهُ
_________________
(١) في (ف): "وذلك".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣١٢)، وابن أبي حاتم (١/ ١٨٤) (٩٧٧)، (٩٧٩).
(٣) في (أ): "وأظهر".
(٤) بعدها في (ر): "كان".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣١٦).
(٦) في (أ): "في".
[ ٢ / ٣٦٤ ]
تحت مجلسِ سليمان، وكان سليمانُ ﵇ لا يَعلمُ الغيبَ، فلمَّا فارقَ سليمانُ الدُّنيا؛ استخرَجوا ذلك السِّحرَ، وخَدَعوا به النَّاس، وقالوا: هذا عِلْمٌ كان سليمانُ يَكتمُهُ، ويَحسُدُ النَّاسَ عليه، فأخبرَهم ﵊ بهذا الحديث، فرَجَعوا مِن عنده وقد أخزاهُمُ اللَّهُ وأدْحَضَ حُجَّتَهم (^١).
واجتمعَ لهم بذلك وجوهُ كفرٍ وكبائرَ؛ نبذُ كتاب اللَّه، وتَصويبُ السِّحرِ وإيثارُهُ على كتاب اللَّه، والاستئكالُ بالحرام، وإضلالُ الناس وصدُّهم عن الإيمان، وتوهيمهم أنَّ معجزات الأنبياء لا حقيقةَ لها، وأنَّها مِن جنس السِّحر.
وقوله: ﴿مَا تَتْلُو﴾ أي: ما تتلوهُ، فالهاءُ مضمرةٌ، و﴿تَتْلُو﴾ قيل: أي (^٢): تَتَّبعُ؛ وهو قول ابن عباس وأبي رزين (^٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢].
وقيل: أي: يقرأ، وهو قولُ مجاهدٍ وعطاء (^٤)، مِن قوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣].
وقال أبو عبيدة: أي: ما تتكلَّم وتقول وتتلو (^٥).
قيل: معناه: تلت على الماضي، وهو كقول الشاعر:
ولقد أمرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني فمَضَيْتُ ثُمَّت قلتُ: لا يعنيني (^٦)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣١٥).
(٢) لفظ: "أي" من (أ).
(٣) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٢٠).
(٤) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣١٩).
(٥) انظر "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٤٨).
(٦) البيت لرجل من بني سلول، كما ذكر سيبويه في "الكتاب" (٣/ ٢٤)، والبغدادي في "الخزانة" (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، ونسبه الأصمعي في "الأصمعيات" (ص: ١٢٦) لشَمِر بن عمرو الحنفي، =
[ ٢ / ٣٦٥ ]
أي: ولقد مررتُ، وفي القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]؛ أي: وصدُّوا عن سبيل اللَّه، ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [هود: ١٠٩]، هذه أمور كلُّها ماضيةٌ وَرَدَتْ بصيغة المستقبل.
وله وجهٌ آخرُ: وهو أنْ يكون "كان" مضمرًا في ذلك، فيكون بمعنى الحال في الماضي، وهو كقوله (^١): ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] على قراءة الرفع (^٢)؛ أي: حتَّى كان يقول، وكذا في قوله: ﴿كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ [هود: ١٠٩].
وله وجهٌ آخرُ: وهو أنْ يُحمَل على الحال، فيدلَّ على وجودِه في الماضي وبقائه للحال، وهذا وجهٌ لا يُحتاجُ فيه إلى تغيير بُنيتِه، ولا إلى إدراج زيادة، وكذا يكونُ قولُه: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ قال الزجَّاج: أي: في ملكه وسلطانه (^٣)؛ أي: في أيَّامه، وقال أبو النجم:
فهي على الأُفق كعين الأحول (^٤)
أي: في الأفق.
_________________
(١) = أحد شعراء بني حنيفة باليمامة، وفيه: مررت، بدل: أمر.
(٢) بعدها في (ر): " ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ وكقوله"، وهي هنا مقحمة.
(٣) هي بالرفع قراءة نافع وحده، وقرأ باقي السبعة بالنصب. انظر "السبعة" (ص: ١٨١)، و"التيسير" (ص: ٨٠).
(٤) انظر "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٨٣).
(٥) انظر "ديوان أبي النجم العجلي" (ص: ٣٥٩).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وقيل: أي: على عهده، ومعناه: في أيَّامه، وهو مستعملٌ في العهد، وهذه الكلمةُ في معناه.
وقيل: أي: علَّمَتهُ الشياطينُ على قصد إزالة مُلْك سليمان، و﴿عَلَى﴾ تُستَعملُ لذلك (^١).
وقيل: أي: على إثر ذهابِ ملك سليمان؛ أي (^٢): فعلوا ذلك بعدَ موتِه.
وقيل: أي: على ما كذبت الشياطين على سليمان، و"على" (^٣) إذا وُصِلَت بالقولِ يُرادُ به الكذب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وإذا قيل: تلا عنه؛ فهو للصِّدق، وإذا قيل: تلا عليه؛ فهو للكذب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: ما سَحَرَ سليمان، وهو نفيٌ؛ إذ (^٤) لم يكفر؛ لأنَّه لم يَسْحَر (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ أي: سَحَروا فكفروا به.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: القولُ بأنَّ السِّحرَ كفرٌ على الإطلاق خطأٌ، ويجبُ البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك ردُّ ما لَزِم في شرط الإيمان؛ فهو كفرٌ، وإلَّا فلا.
ثمَّ السِّحرُ الذي هو كفرٌ يُقتَل عليه الذُّكور لا الإناث، والذي ليس بكفرٍ، وفيه
_________________
(١) في (ر): "كذلك".
(٢) في (ف): "ما" بدل: "أي"، وفي (ر): "أي: ما".
(٣) في (ر): "ولفظة على".
(٤) في (أ): "أي".
(٥) في (أ): "يسخر".
[ ٢ / ٣٦٧ ]
إهلاكُ النَّفس؛ ففيه حكمُ قطَّاع الطَّريق، ويَستوي فيه الذُّكورُ والإناث، ولهذا اختلفَ قولُ أبي حنيفة ﵀ في السَّاحرة؛ فلا تُقتَلُ بسحر الكفر، وتُقتَل بسحر السَّعي في الأرض بالفساد، إذا كان سحرُها قاتلًا (^١).
وعن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "حدُّ الساحر (^٢) الضَّربُ بالسَّيف" (^٣)، وتُقبَلُ توبتُه إذا تاب، فإنَّ سَحَرَة فرعون -لعنه اللَّه- آمنوا، وصحَّ إيمانهم.
ومَن قال: لا تُقبَل؛ فهو غلط، وأحقُّ ما تُقبَل توبةُ السَّاحر؛ إذ هو أبلغُ في تمييز ما هو حجَّة منه ممَّا ليسَ بحُجَّةٍ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وقتادةُ وعطيَّة العوفيُّ: كان الشياطينُ قبل عصرِ عيسى ﵇ غيرَ ممنوعين عن صعود السَّماء، وإنَّما مُنِعوا بعد رفعه إلى السَّماء عن السَّماء الخامسة والسَّادسة والسَّابعة، وبعد خروج نبيِّنا -ﷺ- (^٤) عن الكلِّ.
فكانوا يَصعَدون ويَسترِقون السَّمعَ، ثمَّ يهبطون فيُحدِّثون بما سِمعوا، وكان الناس يكتبون ذلك، وكان ذلك سحرًا، فسمعَ به سليمانُ ﵇، فأخذَ الكتبَ فدفنَها تحت كرسيِّه؛ ليطلب الباقي، فتُوفِّي سليمانُ صلوات اللَّه عليه، وذهبَ العلماءُ الذين كانوا يَعرفون ذلك، وخَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ، فأخرجها الشياطين لهم، وقالوا: إنَّ سليمان ﵇ كان يضبطُ الجنَّ والإنس والطير بهذا (^٥).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧).
(٢) في (ر) و(ف): "السحر".
(٣) أخرجه الترمذي في "سننه" (١٤٦٠).
(٤) بعدها في (ر): "منعوا".
(٥) من قوله: "فكانوا يصعدون ويسترقون" إلى هنا هو قطعة من خبر أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣١٣ - ٣١٤) عن السدي.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وقالوا: هذا كتابُ اللَّه نَزلَ على سليمان، فكتمَ عنكم، فكفر (^١) سليمانُ بذلك، فأكذبَهم اللَّهُ تعالى، فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان﴾ (^٢).
وما (^٣) ذُكِر في بعض القصص والتفاسير في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]: أنَّه شيطانٌ قعدَ على كرسيِّه أربعين يومًا، وزال ملك سليمان هذه المدَّة (^٤)، وذلك الشيطانُ نسخَ كتبَ السِّحر ودفنَها تحتَ سريره مع الشياطين، وبعد عودِ المُلْك إلى سليمان وبعد وفاته؛ استخرجَها الشياطينُ، ونسبوها إلى سليمان = فذلك كلُّه باطلٌ مردودٌ؛ لأنَّه من المخلصين، ولا ولايةَ لهم عليه (^٥)، والوجهُ الأسلمُ الأوفقُ للأصول ما ذكرنا (^٦).
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ما غطَّى وما دفن وما كتم سليمان؛ أي: لم يكن المُسْتخرَج مِن موضوعه، بل كان موضوع الشَّياطين.
والكفرُ في اللُّغة: هو السِّترُ و(^٧) التَّغطيةُ على ما أوضحناه عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦].
ثمَّ (^٨) في كثير مِنَ التَّفاسير يُفسَّر السِّحرُ بالتَّخييل والتَّمويه، وبالكلام المزخرف
_________________
(١) في (أ): "وكفر".
(٢) بعدها في (ر): "وَلَكِن الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا".
(٣) في (ر) و(ف): "ومما".
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٨٩ - ٩٠) عن قتادة.
(٥) قوله: "لأنه من المخلصين ولا ولاية لهم عليه" من (أ).
(٦) في (أ): "ذكرناه".
(٧) قوله: "الستر و" من (أ).
(٨) "ثم" ليس في (ف)، وقبلها في (ر) و(ف): "وقوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ".
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الذي يقعُ به الآفاتُ بين النَّاس، بدون تحقيق أثرٍ له في محبَّةٍ، أو عداوةٍ، أو علَّةٍ، أو تأخيذٍ (^١)؛ تعلُّقًا بالسِّحر المذكورِ في قصَّة فرعون أنَّه كان تخييلًا لا غير، وينسون ما ذكروا أنَّ لبيد بن الأعصم اليهوديَّ سحر النبيَّ -ﷺ- (^٢)، فأعاذَهُ اللَّهُ تعالى بما أنزل مِنَ المعوِّذتين، حتى رُوِي أنَّه قام كأنَّما أُنْشِطَ (^٣) مِن عِقالٍ (^٤)، وهذا مقالةُ المعتزلة، وهو إنكارُهم إظهارَ (^٥) أثرٍ بفعل العبد (^٦) لا يتَّصل بآلة فعله، وهي مسألة المتولِّدات.
وعند أهل السنة والجماعة: الآثارُ مِن صُنع اللَّه تعالى وتخليقه، وليس ذلك مِن فعلِ العبد، وفعلُه لا يَعدو محلَّ قدرته، ويُضافُ الأثر إلى العبد إذا أجرى اللَّهُ تعالى العادةَ بتخليق تلك الآثارِ عَقيب تلك الأفعال في الضمانِ والوِزرِ ونحو ذلك.
وللسِّحر حقيقةٌ بظهورِ آثاره، وما ذكروه فهو يُسمَّى سحرًا مجازًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ أخبر أنَّ الملَكَين لا يعلِّمان السحر أحدًا (^٧)، وإنَّما يعلِّم الشياطين ذلك الناسَ (^٨).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ له تأويلان:
_________________
(١) التأخيذ: حبس السواحر أزواجهن عن غيرهن من النساء. انظر "لسان العرب": (مادة: أخذ).
(٢) رواه البخاري (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩) من حديث عائشة ﵂.
(٣) في (أ): "أنشط".
(٤) رواه عبد بن حميد في "مسنده" (٢٧١) من حديث زيد بن أرقم ﵁.
(٥) في (أ): "ظهور".
(٦) بعدها في (ر): "وهو".
(٧) لفظ: "أحدًا" من (أ).
(٨) من قوله: "وقوله تعالى ولكن الشياطين" إلى هنا تأخر في (أ) إلى ما بعد قوله الآتي: "يُجَرّب به الذهب والفضة".
[ ٢ / ٣٧٠ ]
أحدهما: أنَّ ﴿مَا﴾ كلمةُ نفيٍ، ومعناه: ولم ينزِّل على الملَكَين؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ وأنس (^١) وقتادة والشَّعبيِّ، وهو معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾؛ أي: لم يكفر هو، ولم ينزِّل اللَّه السحرَ على الملَكَين، وذلك أنَّ السَّحرةَ واليهودَ كانوا يُضِيْفُون السِّحر إلى سليمان، وإلى الملَكَين فبرَّأهم اللَّه تعالى عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ أي: أحدًا، و﴿مِنْ﴾ للتَّأكيد؛ كما قال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]؛ أي: ولا يعلِّم الملَكَان أحدًا السِّحر، بل يبالغان في نهيه، ويقولان (^٢): ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؛ أي: امتحانٌ واختبار لك، ننهاك عن السحر، فإن قَبِلْتَ نَهْيَنا؛ نجوت، وإنْ لم تقبلْ؛ خَسِرْت.
وقوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾؛ أي: فلا تسحَر، فإنَّه كفرٌ.
والفتنةُ: ما يتبيَّن لهما (^٣) حال الإنسان مِنَ الخير والشر. يقال: فتنتُ الذَّهبَ بالنار؛ إذا جرَّبتَه بها لتَعْلَمَ أنَّه خالصٌ أو منسوبٌ، ومنه الفتَّانة: وهي الحجرُ الذي يُجَرَّب به الذهب والفضَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ لا يرجع إلى الملَكَين، فقد نَفى التعليمَ منهما على هذا التَّأويل، بل التَّثنيةُ راجِعةٌ إلى الكُفر والسِّحر، فقد ذُكِرَا جميعًا قبله في قوله: ﴿كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ أي: فيتعلَّم اليهودُ مِنَ الكفر والسِّحر مِنَ الشياطين ما يقعُ
_________________
(١) كذا، ولعل الصواب: "والربيع بن أنس"، وعنه وعن ابن عباس أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٣١).
(٢) بعدها في (ف): "قوله تعالى".
(٣) في (أ): "به"، وفي (ر): "بها".
[ ٢ / ٣٧١ ]
به البغضُ بين الزَّوجين فيفترقان؛ لأنَّ الكفرَ مِن أحدهما سببُ الفرقة؛ كالسِّحر يقع به الفرقةُ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي (^١): وليس اليهودُ والسَّحرةُ ضارِّين بالسِّحر أحدًا إلَّا بعلم اللَّه، ولا يجوز حملُ الإذن هاهنا على الأمْرِ والإطلاق؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لا يأمرُ بالكفر والإضرار.
والتأويلُ الآخرُ: ما قاله قتادةُ والزهريُّ: إنَّ قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ هذا بمعنى "الذي" (^٢)؛ واتَّبعوا الذي تتلو الشياطينُ على ملك سليمان، والذي أُنزِل على الملَكَين، وهو إثباتٌ؛ أي: واتَّبعوا أيضًا الذي أنزلَ على الملَكين (^٣) مِن بيانِ السِّحرِ وبُطلانه.
وقالوا: إنَّ السحر كان كَثُر في ذلك الزمان، وكان الناس يَتوهَّمون أنَّه حقٌّ مثلُ آيات الأنبياء، فأنزلَ اللَّهُ تعالى عليهما بيانَ كيفيَّته ووجوهِه؛ لِيُبَيِّنا للناس في الأرض بُطلانَ السِّحر وضَررَه؛ كي لا يغترَّ به أحدٌ ولا يتعلَّمه، فكانا يَحكُمان في الأرض، وكانا يَنهيانِ عن السِّحر.
ويجوز أن يكونَ اللَّهُ تعالى أنزلَ بيانَ السِّحر عليهما بإنزاله على نبيٍّ، ثمَّ أبلغ النبيُّ إليهما ذلك ليَصِفا وجوهَ ذلك لقومِهما، ويَنهَياهم عن استعماله، ويُسمَّى ذلك إنزالًا، وإن كان بواسطةِ نبيٍّ؛ كقول اللَّه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل: ٨٩]، ثم قال في حقِّنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦].
_________________
(١) "أي" سقط من (ت).
(٢) أخرج معناه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٣٢ - ٢٣٣) من طريق قتادة والزهري عن عبيد اللَّه، ثم أخرج معناه أيضًا عن قتادة.
(٣) من قوله: "وهو إثبات" إلى هنا من (أ).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وإنَّما خصَّهما بالذِّكر وإن كان الأمرُ به للعامَّة؛ لأنهم كانوا تَبَعًا لهما وهذا كما قال اللَّه تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه: ٤٣]، وكانا أُرْسِلَا إلى فرعونَ ورعَايَاه (^١)، ولكن خصَّ فرعون بالذِّكر؛ لأنَّه أبلغُ في استدعائه واستدعاء رعيَّته إلى الإيمان؛ إذ الرعيَّة أتباعٌ للراعي.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: اختُلِف في هاروت وماروت، هل كانَا مَلَكَين أم لا (^٢)؟
فقال الحسن البصريُّ ﵀: لم يكونا ملَكَين، ولكنَّهما كانا فاسقَين متمرِّدَين مِنَ الإنس؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى وصفَ ملائكتَه بالطَّاعة له، والائتمار بأمره؛ بقوله عزَّ وعلا: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (^٣) [التحريم: ٦]، وبقولِه تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧].
وكذلك يقولُ هو في إبليس: إنَّه (^٤) لم يكن مِنَ الملائكة (^٥)، وقد مرَّ الكلام في ذلك في قصَّة آدم ﵇.
وعلى هذا التأويل قُرِئ: (عَلَى المَلِكَين) بكسر اللام (^٦).
_________________
(١) في (أ): "وقومه"، وفي (ر): "ودعياه".
(٢) "هل كانَا مَلَكَين أم لا" ليس في (أ).
(٣) بعدها في (ر): "وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ".
(٤) في (ر): "وكذلك يقول الحسن أيضًا: إنَّ إبليس".
(٥) "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٢٤).
(٦) نسبها ابن خالويه في "مختصره" (ص ١٦) للحسن بن علي وابن عباس ﵃، وزاد ابن جني في "المحتسب" (١/ ١٠٠) نسبتها للضحاك وعبد الرحمن بن أبزى.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
وقيل: كانا ملَكَين مِنَ الملائكة، فلمَّا ركَّب اللَّه تعالى فيهما الشهوة؛ خرجا مِن أنْ يكونَا ملَكَين (^١)؛ كما في حقِّ إبليس.
وهما اسمان أعجميَّان ولا اشتقاق لهما؛ إذ لم يكونا مِنَ العربيَّة.
وقصَّتهما على الاختصار: ما رُوِيَ أنَّ الملائكةَ في السماءِ نَظروا إلى بني آدم ومعاصيهِم، فقالوا: يا ربَّنا؛ خلقتَ البشرَ، ورزَقْتَهم، وهم يَعصونَك! ولو كنَّا (^٢) مكانَهم ما عصيناك. فقال اللَّه تعالى لهم: اختاروا ملَكَين منكم، فاختاروا جبريل وميكائيل، فتضرَّعَا إلى اللَّه تعالى واستعفَيا، فعفا عنهما، واختاروا بعدهما آخَرَين؛ وهما هاروت وماروت، فركَّب اللَّه فيهما شهوةَ الأكل والشرب والنِّساء، وأرسلَهما إلى الدُّنيا؛ ليحكمَا بين الناس، ولا يفعلَا شيئًا مِنَ المعاصي، فنزلَا وفعلَا كذلك مدَّةً، وكانا يصعدان بالليل إلى السماء، ثمَّ ينزلان بالنهار.
حتى إذا جاءت امرأةٌ ذاتُ جمالٍ وحسنٍ يومًا، اسمها زُهْرة بالعربيَّة وبِيدُخْت بالنبطيَّة، وقيل: ناهيد، ناشرةٌ شعرَها، قد أرخَت ذوائبَها، عليها قميصُ حريرٍ، وهي تُخاصِمُ زوجَها، فلمَّا نظرَا إليها وقعَ حبُّها في قلوبهما، فكَتَما ذلك، ولم يُظهِرْ كلُّ واحد منهما ذلك لصاحبِه؛ حياءً منه، حتَّى عيل صبرُهما فراوداها عن نفسِها، فأبَت، حتَّى يعلِّماها اسمَ اللَّه الأعظم الذي به كانا يصعدان إلى السماء، فعلَّماها فدخلَت بيتًا وتطهَّرت، ودَعَت اللَّه باسمه الأعظم، فمسخَها اللَّهُ كوكبًا، فصعِدَت إلى السَّماء (^٣).
_________________
(١) بعدها في (ر): "مِنَ الملائكة".
(٢) في (ر): "كان منَا أحد" بدل: "كنا".
(٣) أخرج الطبري نحوه في "تفسيره" (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥) عن السُّدِّيّ. وما ورد من الأخبار في هذه القصة لا شك أن منشأه من الإسرائيليات، قال القاضي عياض في "الشفا" (ص: ٧١١): اعلم أن هذه الأخبار (يعني ما نقل في قصة هاروت وماروت من معصيتهما إلخ) لم يرو منها شيءٌ لا سقيم ولا صحيحٌ =
[ ٢ / ٣٧٤ ]
قالوا: أمَّا مسخُها كوكبًا فغيرُ مستنكرٍ؛ لأنَّ اللَّه تعالى مسخَ أقوامًا، ولكن صيرورتُها زهرةَ المشهورةَ في السَّماء ضعيفٌ؛ لأنَّ زهرة في السماء مذ خلقَها اللَّهُ تعالى وخلق فيها الكواكب، فيجوز أن يكون كوكبًا آخرَ يُشبهها.
وقيل: هي تعذَّب في السماء.
وقيل: بل صارت إلى النَّار، كسائر ما مُسِخ.
ثمَّ بعثَ اللَّهُ ملكًا. وقيل: كان معه جبريل (^١)، ومُنِع هاروتُ وماروتُ الصُّعود إلى السماء بعصيانهما؛ وهو مراودتُهما زُهرة، ولا يَثبت الزِّنى بها منهما، ولا شربُ الخمرِ، ولا قتلُ النَّفْسِ، وإنْ ذُكِر ذلك في بعض الرِّوايات.
فقال جبريل صلوات اللَّه عليه لهما: إنَّ اللَّه تعالى يُخَيِّركما بين عذابِ الدُّنيا، وتكونان في الآخرة في المشيئةِ؛ إنْ شاءَ عذَّبكُما، وإنْ شاءَ رحمَكُما، وبينَ أن يؤخِّرَ عنكما العذابَ، فاستشارَا جبريلَ صلواتُ اللَّه عليه، فأشار عليهما (^٢) أن يختارا عذابَ الدُّنيا، فهما يعذَّبان ببابلَ، معلَّقين هناك.
وقيل: بابل هو الذي يُعرَف بقرب الكوفة.
وقيل: هو بدما وند دون بابل الكوفة. وبابلُ لا ينصرفُ؛ لأنَّه أعجميٌّ، وهو معرفة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فمعناه
_________________
(١) = عن رسول اللَّه -ﷺ-، وليس هو في شيءٍ يؤخذ بقياس. اهـ. وانظر الكلام في تزييف هذه القصص في "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" للشيخ محمد أبو شهبة (ص ١٥٩ - ١٦٤).
(٢) في (ف): "هو جبريل صلوات اللَّه عليه" بدل "كان معه جبريل".
(٣) في (ف): "إليهما".
[ ٢ / ٣٧٥ ]
على التَّأويل الثَّاني: ولا يعلِّمان أحدًا كيفيَّة السحر إلَّا بعد أن يقولا: إنَّما نحن فتنة؛ أي: اختبارٌ لكم، ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: لا تتعلَّمِ السِّحرَ، ولا تَعمل به؛ فإنَّه كفرٌ، ثمَّ يبيِّنان وجهَ السِّحر ويقولان: إنَّ السحر يكون كذا وكذا، وينفذُ من جهة كذا وكذا (^١)، فاتَّقِ اللَّهَ ولا تستعملْهُ، فيَقعُ هذا الإعلامُ (^٢) منهما على وجه التحذير، ويَقعُ عند المستمع على وجه التَّعليم؛ كالفقيه يقول لآخر: مَن أخذ درهمين بدرهم (^٣) فقد أربى، ومَن وطئ امرأةَ الغير فقد زنى، فيقع ذلك مِنَ الفقيه (^٤) على وجه التَّحذير، ومِن المستمع على وجه التعليم (^٥).
وإنَّما جاز بيانُ السِّحر؛ لأنَّه لا يُتَوصَّل إلى احتياله (^٦) إلَّا بعد معرفته.
وقد قيل:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لا للشَّرْ رِ لكنْ لِتَوقِّيهِ
ومَن لا يعرفُ الشَّرَّ مِن النَّاسِ يَقَعْ فيهِ (^٧)
والتعليمُ بمعنى: الإعلام، ومن سأل آخرَ عن الزِّنى فبيَّن؛ كان إعلامًا ولم يكن حرامًا، وليس هذا على التَّعليم الذي هو تلقينُ الشيء والحملُ عليه،
_________________
(١) "وكذا" المكررة ليست في (أ) في هذا الموضع والذي قبله.
(٢) في (أ): "إعلامًا".
(٣) في (أ): "درهمًا بدرهمين" بدل من "درهمين بدرهم".
(٤) في (أ): "منه" بدل "من الفقيه".
(٥) في (أ): "التعلم". ومن قوله: "فيقع ذلك من الفقيه" إلى هنا ليس في (ف).
(٦) في (أ): "اجتنابه".
(٧) الشعر لأبي فراس الحمداني، وهو في "ديوانه" (٢/ ٤٣١).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وقال (^١) تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٦]، هذا في معنى الإعلام، فكذا هذا.
و(^٢) قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ أي: مِن هاروت وماروت، ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي: العُوْذَةُ التي يَقعُ فيها الفرقةُ بالبُغضِ ونحوه.
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: المتعلِّمين السِّحرَ لا يَضُرُّون أحدًا بالسحر إلَّا بعلم اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ منهما (^٣) ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يتعلَّمون لنفعِهم، فيضرُّهم ولا ينفعُهم.
وقيل: أي: ما يَضُرُّهم في الدُّنيا، ولا ينفعهم في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: أهلَ الكتاب الذين نَبذوا (^٤) الكتاب (^٥)، واتَّبعوا السِّحر، ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾؛ أي: لَمَنِ (^٦) اختارَ السِّحرَ على كتاب اللَّه تعالى.
وقوله (^٧): ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب خير.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ اللامُ للتَّأكيد، وهو في معنى القَسَم، وجواب القَسَم: ﴿مَا
_________________
(١) في (أ): "وقوله".
(٢) في (ر): "وكذا".
(٣) لفظ: "منهما" من (ف).
(٤) في (أ): "يبدلون".
(٥) في (ف): "كتاب اللَّه".
(٦) في (أ): "إن من" وفي (ف): "من".
(٧) في (أ): "ما له في الآخرة" بدل: "وقوله".
[ ٢ / ٣٧٧ ]
لَهُ﴾، فكان ينبغي أن تكون اللامُ في ذلك الموضع؛ أي: لما له (^١)، ومع ذلك دخل في قوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الأول -وهو في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ - لمَّا دخلَ في الصَّدر، أشبه القَسَم؛ فأجيب بجوابه.
وقال الزجَّاج: الأوَّلُ دخل إعلامًا أنَّ (^٢) الجملةَ بكمالِها معقودةٌ بالقَسَم؛ لأنَّ الجزاء وإن كان للمقسم عليه (^٣) فقد صار للشرط فيه حظٌّ؛ فلذلك دخله (^٤).
وقيل: لام ﴿وَلَقَدْ﴾ تؤكِّد علمَهم بذلك في التوراة، ولام ﴿لَمَنِ﴾ تؤكِّد الشَّرطَ والجزاء.
وقيل: موضع اللام في الشَّرط، إلَّا أنَّه سبقَ ذكره فأُعِيد في موضعه؛ كما في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى﴾ (^٥) [الحديد: ٢٩]؛ أي: ليعلمَ، فلمَّا سبق ذكر "لا" الذي موضعه ﴿يَقْدِرُونَ﴾، أُعَيد في موضعه، وكقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، سبق ذكر ﴿أَنَّكُمْ﴾، فأعيدَ في موضعه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ للتأكيد، والخلاقُ مِنَ الخلق؛ وهو التَّقدير؛ أي: نصيب قُدِّر له.
وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ذكرنا حقيقةَ هذه الكلمة في قوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠].
وقوله: ﴿بِهِ﴾ يرجعُ إلى السِّحر وكتاب الشَّيطان.
_________________
(١) بعدها في (أ): "أي: لما له".
(٢) في (ر) و(ف): "إذ".
(٣) "عليه" زيادة من (أ) و(ف).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٨٧).
(٥) بعدها في (ف): "على".
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو علموا ما علموا، فقد أثبتَ علمَهم بقوله (^١): ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ (^٢)، فلم يكن هذا نفيَ العلم، بل كان نفيَ الانتفاع بالعلم.
وقيل: أي: لو كانوا يَعلمون وبالَهُ في الآخرة.
وقيل: لو كانوا يَعلمون أنَّه يضرُّهم ولا يَنفعُهم.
* * *
(١٠٣) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو أنَّ أهلَ الكتاب والسَّحرةَ آمنوا بالقرآن والنَّبيِّ، واتَّقوا الشِّركَ والسِّحرَ (^٣) ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: لثوابُ اللَّه لهم على إيمانِهم وتَقواهم خيرٌ لهم من كُفرِهم وسِحْرِهم.
واللام في ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ جوابُ ﴿لَوْ﴾، ومَثُوبَة: مَفْعَلةٌ مِن الثَّواب، وثاب يثوب؛ أي: رجع، سُمِّي ثوابًا؛ لأنَّه عِوَضُ عملِه يَرجِعُ إليه.
وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يَعملون بعلمِهم.
* * *
(١٠٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (أ): "بقبوله".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "لَمَنِ اشتراهُ".
(٣) بعدها في (أ): "قوله تعالى".
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال الحسن: كلُّ شيءٍ في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنَّه نزلَ بالمدينة (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ روى أبو صالحٍ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: إنَّ المسلمين كانوا يأتون رسولَ اللَّه -ﷺ-، فيقولون له: يا رسول اللَّه؛ راعِنا سمعَك، وكان هذا مِن كلام العرب فيما بينهم، وكان "راعنا" بلسان اليهود السَّبَّ القبيحَ، فلمَّا سَمِعَتِ اليهودُ مِن المؤمنينَ يقولونها لرسولِ اللَّه -ﷺ-؛ أعجبَهم ذلك، وقالوا فيما بينهم: كنَّا نسبُّ محمدًا في السرِّ، فالآن فأعلِنوا له بالشَّتم، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمَّد، ويضحكون، فسمعَها منهم سعدُ بن معاذ الأنصاريُّ، وكان يَعرِفُ لغتَهم، فقال: يا أعداء اللَّه، عليكم لعنةُ اللَّه، والذي نفسي بيده؛ لئن سمعتُها مِن رجلٍ منكم يقولُها لرسول اللَّه بعد هذا المجلس؛ لأضرِبنَّ عنقَه، فقالوا: أولستم تقولونها له (^٢)؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، ونَهى المؤمنينَ عن هذه المقالة؛ لئلَّا يتطرَّقَ اليهودُ بسببها إلى ما يريدونَه من السَّبِّ.
وقيل: كانت الصَّحابةُ الأربعةُ وأجلَّاءُ الصَّحابةِ رضوانُ اللَّه عليهم ربَّما يتأخَّرُ مجيئهم عن خروجِ رسول اللَّه -ﷺ- إلى المسجد، وكان يفوتُهم بعضُ كلامه، فكانوا يقولون: يا رسول اللَّه؛ راعنا؛ وهو سؤالُ الرِّعاية والعناية (^٣) في حقِّهم بانتظارهم؛ لئلَّا يفوتهم فوائده، واليهودُ سمعوا ذلك فقالوا: نذكر ذلك لمحمَّدٍ على إرادةِ الشتم.
_________________
(١) لم أقف عليه عن الحسن، وأخرج البزار في "مسنده" (١٥٣١)، والحاكم في "مستدركه" (٤٢٩٥)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ١٤٤) نحوه عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وروي عن غيره، انظر "الدر المنثور" (١/ ١٧٧ - ١٧٨).
(٢) انظر "التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ٢١٥ - ٢١٦).
(٣) في (ف): "فطلبوا العناية" بدل: "وهو سؤال الرعاية والعناية".
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وقيل: لبيان ذلك الشَّتمِ وجهان:
أحدهما: أنَّهم كانوا يريدون به: راعينا، على اختلاس الياء، وهي نسبتُه إلى أنَّه من الرعاة، فإنَّهم كانوا يقولون للعرب: إنَّهم (^١) عالةٌ رِعاءُ غنمٍ، فكأنَّهم قالوا: أنت راعينا.
والثاني: أنَّهم أرادوا بذلك: راعنًا؛ أي: فاعلًا من الرُّعونة؛ أي: جاهلًا (^٢)، ويجوز (^٣) ذلك.
وفي قراءة الحسن البصريِّ: (رَاعِنًا) بالتنوين؛ وهي قراءةُ حفصة (^٤).
وقيل في تفسير (رَاعِنًا) بالتَّنوين: أي: لا تقولوا قولًا راعِنًا؛ أي: سفهًا وجهلًا وحُمقًا.
والأرعنُ: الأهوج الأحمق، وقد رَعُنَ يَرْعُنُ رعونةً، مِن حد: شَرُف. والرَّعْنُ: الأنفُ النَّادِرُ مِن الجبلِ، الخارجُ عنه، والرَّعناء: المرأةُ المتبرِّجة، وجيشٌ أرعن: له فضول كرُعونِ الجبال، ورجلٌ أرعنُ: مُستَرخٍ، وَرَعَنَتْهُ الشَّمس؛ إذا آلَمَتْ دماغَهُ، قال الشاعر:
كأنَّه مِن أُوَارِ الشَّمْسِ مَرْعونُ (^٥)
_________________
(١) بعدها في (أ): "كانوا".
(٢) في (أ): "يا جاهلًا".
(٣) في (أ) و(ر): "ونحو".
(٤) في (ر): "حفص"! والقراءة ذكرها ابن خالويه في "مختصره" (ص: ١٦)، والثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٥٢) وغيرهما عن الحسن، وزاد ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ١٨٩) نسبتها لابن أبي ليلى وابن محيصن وأبي حيوة، ولم أقف عليها عن حفصة.
(٥) هو في "العين" للخليل (٢/ ١١٨)، (٤/ ٣٢)، و"جمهرة اللغة" (٢/ ٧٧٣)، و"تهذيب اللغة" =
[ ٢ / ٣٨١ ]
والأوار: الحَرُّ.
ولا يُدرى إلى أيِّ هذه الوجوه كانوا يَصرِفون هذه الكلمة؟
وقيل: الكلمةُ مِن المراعاة، ونهى المسلمين عن ذلك، ومعناه: لا تجعلوا لأنفسِكُم رتبةً أن تطالبوا بها مراعاةَ رسولِ اللَّه -ﷺ-.
وقال الزجَّاجُ: هي من المكافأة؛ أي: المساواة (^١)؛ أي: لا تطالبوا (^٢) بالمساواة في المعاملة والمخاطبة، وهو أمرٌ بتعظيمه (^٣)، وقد قال تعالى: عنه والرعنا المرأة المتبرجة وجيش أرعن له فضول كرعون الجبال ورجل أرعن مسترخ ورعنته الشمس إذا ألمت دماغه قال الشاعر:
كأنه من أُوار الشمس مرعون
والأوار: الحر ولا يدري إلى أي هذه الوجوه كانوا يصرفون هذه الكلمة وقيل
_________________
(١) = (٢/ ٣٤١) (مادة: رعن)، (٦/ ٢٣٠) (مادة: دمه)، و"الصحاح" (مادة: رعن)، و"مجمل اللغة" (١/ ٣٨٣)، و"لسان العرب" (مادة: رعن، ودمه)، وصدره في "الجمهرة" وفي الموضع الثاني من "العين" و"تهذيب اللغة" و"اللسان": ظلَّت على شُزُن في دامِهٍ دمهٍ وصدره في الموضع الأول من "اللسان": (مادة: رعن): باكَرَهُ قانصٌ يسعى بأكلُبِه ثم قال: قال ابن بري [وقوله في "التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح" (مادة: رعن)]: الصحيح في إنشاده: مملول، عوضًا عن: مرعون، وكذا هو في شعر عبدة بن الطيب. اهـ. قلت: وهو في قصيدة عبدة في "المفضليات" (ص: ١٣٨)، و"شعر عبدة بن الطيب" ص ٦٦.
(٢) في (ف): "مساواة".
(٣) في (أ): "تطالبوه" وفي (ر): "تطلبوا".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٨٨).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
الكلمة من المراعاة ونهى المسلمين عن ذلك ومعناه لا تجعلوا لأنفسكم رتبة أن تطالبوا مراعاة رسول اللَّه ﷺ قال الزجاج: هي من المكافأة أي المساواة أي لا تطلبوا بالمساواة في المعاملة والمخاطبة وهو أمر بتعظيمه وقد قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: انتظرنا؛ كما في قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، والغرضُ يَحصلُ به، ولا يَتطرَّق إليه اليهود بما أرادوا؛ ولأنَّ طلبَ الانتظار أقربُ إلى التَّواضُعِ والاحترام مِن طلب المراعاة التي هي طلبُ المساواة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿انْظُرْنَا﴾ على معنى: مكِّنَّا من الفهم، أو خاطبنا بالذي تحتمله أفهامنا (^١)، أو (^٢) أمهلنا في القيام على ما أمرتنا به؛ لنقومَ عليه بالتَّعظيم والتَّفهُّم (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: انظرنا على معنا مكنا من الفهم أو خاطبنا بالذي تحتمله أفهامنا أو أمهلنا في القيام على ما أمرتنا به لنقوم عليه بالتعظيم والتفهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: ما تُؤمَرون به، واقبلوهُ، واعمَلوا به.
وقال الضَّحَّاكُ: أي: اسمعوا كتابَ اللَّه، وما يأمرُكم به رسولُ اللَّه -ﷺ-.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٢٩).
(٢) في (أ): "أي"، وفي (ف): "و".
(٣) في (أ): "والتفهيم".
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: للكفَّار مِنَ اليهود وغيرِهم في الآخرة لعنادهم عذابٌ وجيعٌ.
وقيل: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لليهودِ الذين يقولون لرسول اللَّه -ﷺ- هذا عذابٌ مؤلمٌ، وهذه الآيةُ فيها ذمُّ اليهود أيضًا (^١)؛ كما في الآيات التي قبلها، وبه ينتظم، ثمَّ ذكر في ذمِّهم أيضًا أنَّهم يَحسُدون المؤمنين على ما نالوا.
* * *
(١٠٥) - ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي ما يحب الكفار من اليهود والنصارى ومن المشركين هم عبدة الأصنام أن ينزل عليكم أي على نبيكم لأن المنزل عليه منزل على أمته من خير من ربكم أي القرآن وفيه كل خير ومن لتأكيد النفي في قوله: أي: ما يحبُّ الكفَّار مِنَ اليهود والنَّصارى، ومن المشركين، وهم عبدة الأصنام ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: على نبيِّكم؛ لأنَّ المنزَّل عليه منزَّل على أمَّته، ﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: القرآن، وفيه كلُّ خير.
و﴿مِنْ﴾ لتأكيد النفي في قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾، وللتنويع في قوله: وللتفريع في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ولابتداء الغاية في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فهي ثلاثةٌ في هذه الآية.
_________________
(١) في (ف): "وأيضًا".
[ ٢ / ٣٨٤ ]
جمع بين أهلِ الكتاب وبين عَبَدةِ الأصنام؛ لأنهم مجتمعون اليوم على الكفر، ويُجمَعون (^١) غدًا في النَّار، قال اللَّه تعالى: فهي ثلاثة في هذه الآية جمع بين أهل الكتاب وبين عبدة الأصنام لأنهم يجتمعون اليوم على الكفر ومجتمعون غدا في النار قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة: ٦].
وأهلُ الكتاب إنَّما لم يَودُّوا ذلك عند بعضهم؛ لأنهم كانوا يَظنُّون أنَّ نبيَّ آخِرِ الزمان يكونُ مِن أولاد (^٢) إسحاق، كما كان (^٣) أنبياءُ بني إسرائيل، فلمَّا كان من ولدِ (^٤) إسماعيل، لم يَرضَوا به، وعادَوا العرب لذلك.
وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّهم كانوا قرؤوا في التَّوراة أنَّه من العرب، قال اللَّه تعالى: كما كان من أنبياء بني إسرائيل فلما كان من ولد إسماعيل لم يرضوا به وعادوا العرب لذلك وهذا لا يصلح لأنهم كانوا قرؤوا في التوراة أنه من العرب قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ (^٥) [الأعراف: ١٥٧]. والأُمِّيُّ: هو المكِّيُّ العربيُّ، فالصَّحيحُ أنَّهم إنَّما أبغضوهُ؛ لفوت (^٦). . . . . .
_________________
(١) في (ر): "ويجتمعون"، وليس في (ف).
(٢) في (أ): "ولد".
(٣) بعدها في (ر): "من".
(٤) في (ف): "بني".
(٥) كتب فوقها في (ر): "والإنجيل".
(٦) في (أ): "لفوات".
[ ٢ / ٣٨٥ ]
العزِّ والرِّئاسة و(^١) الرِّشوة عنهم بسببه لو آمنوا، ولهَتْكِ أستارِهم بإخباره أنَّهم يُحَرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه.
وأمَّا المشركون؛ فإنَّما كرهوا ذلك؛ لأنَّهم كانوا يتمنَّون أن تكون النبوَّة في أحد الرجلين (^٢)؛ نعيم بن مسعودٍ الثقفيُّ (^٣) بالطَّائف، والوليد بن المغيرة بمكَّة، كما أخبر اللَّه تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وكانوا يَعلمون أنَّهما يتَّبعان أهواءَهم، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية.
كانوا يتمنون أن تكون النبوة في أحد الرجلين نعيم بن مسعود الثقفي بالطائف والوليد بن المغيرة بمكة كما أخبر اللَّه تعالى عنهم وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وكانوا يعلمون أنهما يتبعان أهوائهم فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بنبوَّته ووحيه ودينِه مَن يشاء، لا مَن تشاؤون، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: على من يَختارهُ بالنبوَّة والوحي، ودلَّت الآية على أنَّ العبد لا يستحقُّ على اللَّه شيئًا، فإنَّ مؤدِّي الواجب لا يكون متفضِّلًا.
_________________
(١) في (ر): "وبطلت".
(٢) في (أ): "رجلين".
(٣) كذا قال، ولم أقف على من قاله، بل أخرج الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٨٠ - ٥٨١) عن ابن عباس ﵄، المراد بالعظيم في هذه الآية: حبيب بن عمرو بن عميرو الثقفي، والوليد بن المغيرة. أما نعيم بن مسعود فإنه أسلم يوم خيبر، ولم يذكروا في ترجمته ما يدل على ما ذكره المصنف هنا. انظر "الاستيعاب" (٤/ ١٥٠٨).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ ومن المشركين، فكان للبعض لا للكلِّ، فإنَّه كان يَكرهُ رؤساؤُهم ذلك لا كلُّهم؛ وكراهتهُم لشيئين:
أحدهما: ما كان فيه من تسفيهِهم وتضليلِهم مع سَلَفِهم، وكان (^١) يشتدُّ عليهم ذلك.
والثاني: أنَّهم كانوا مستكبرين؛ لا ينقادون لغيرهم، ويَطمعون أنْ تكون الرِّسالةُ لهم، قال اللَّه تعالى: أي على من يختاره بالنبوة والوحي ودلت الآية على أن العبد لا يستحق على اللَّه شيئًا فإن مؤدي الواجب لا يكون متفضلًا وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله المشركين معطوف على قوله من أهل الكتاب ومن للتبعيض لا للكل فإنه كان يكره رؤسائهم ذلك لا كلهم وكراهتهم لشيئين أحدهما ما كان فيه من تسفيههم وتضليلهم مع سلفهم وكان يشتد عليهم ذلك والثاني أنهم كانوا مستكبرين لا ينقادون لغيرهم ويطمعون أن تكون الرسالة لهم قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣]، وقال تعالى خبرًا عنهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٢) وانتظامُها بما قبلها في ثلاثة أوجه:
_________________
(١) في (أ): "فكان".
(٢) في (ر) و(ف): "ننسأها". وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو كما سيأتي.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أحدها (^١): أنَّه قال: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، ومن فضله نسخُ الآية بخيرٍ منها أو مثلها؛ مَرْحمةً على هذه الأمَّة.
والثَّاني: أنَّ اليهود قالوا: إنَّ محمدًا لا يَثبتُ على شيءٍ، بل يَأمر بشيءٍ ثمَّ ينهى عنه، ويَنهى عن شيءٍ ثمَّ يأمرُ به، وكذا التَّحريم والتَّحليل، فأخبرَ اللَّهُ تعالى أنَّه لا يفعلُ ذلك مِن جهةِ نفسه، بل اللَّه تعالى يَنسخُ ويُبَدِّلُ.
والثَّالث: أنَّهم كانوا (^٢) لا يَرون النَّسخَ، ويُسَمُّونه بَداء، ويُنكِرون نسخَ شريعةٍ (^٣) موسى بغيرها، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ ردًّا عليهم.
والنَّسخُ في اللُّغة: هو النَّقل والتَّحويل، ومنه: انتساخُ الكتاب: هو النَّقلُ (^٤) مِن نسخةٍ إلى نسخة، و: نسَخَتِ الشَّمسُ الظِّلَّ، هو كذلك، وتناسخُ المواريث مِن ذلك.
ويكون بمعنى الإبطال أيضًا، و: نسَخَتِ الشَّمسُ الظلَّ (^٥)؛ بمعنى: أذهبَتهُ، و: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأثرَ، كذلك.
وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ ﴿مَا﴾ كلمة شرطٍ، ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ مجزومٌ بها، وقوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (^٦) مجزومٌ أيضًا؛ لأنَّه عطفٌ على الأوَّل، وجزمُه بحذفِ
_________________
(١) قوله: "في ثلاثة أوجه: أحدها" من (ر).
(٢) بعدها في (ف): "يرونه بداء" وفي (ر): "يرونه بداءة".
(٣) بعدها في (أ): "بشريعة".
(٤) في (أ): "نقل".
(٥) بعدها في (أ): "يكون".
(٦) في (ر) و(ف): "ننسأها".
[ ٢ / ٣٨٨ ]
الياء منه، وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ غير الباقية: ﴿ننسأها﴾ بالهمز (^١) مجزومًا، وهو كذلك (^٢).
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ مجزومٌ؛ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، وجزمُه بحذف الياء منه.
ومعنى النَّسخِ في الشَّرع: هو بيانُ مدَّة الحكم، ويُسمَّى نسخًا؛ لأنَّه في الظَّاهر نقلُ الحكمِ مِن شيءٍ إلى شيءٍ، كأمرِ القِبْلة، أو تغييرٌ وإبطالٌ وإسقاط له أصلًا، كنسخ فرض الصَّدقة قبلَ مناجاة النَّبيِّ -ﷺ-، وكلُّ ذلك في الحقيقة بيانٌ أنَّ ذلك الحكمَ المتقدِّم كان مشروعًا إلى هذه المدَّة، وقد انتهى.
وفي قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (^٣) الآية وجوهٌ:
أحدها: ما نرفع مِن حكمِ آيةٍ من القرآن مع بقاء تلاوتها، ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (^٤) أي: نجعلْها منسيَّةً على القلوب برفعِ حكمِها، وتلاوتها. وقد نسيَ القلبُ يَنسى نسيانًا (^٥)؛ فهو ناسٍ، وأنساهُ اللَّه ذلك.
وعن قتادة ﵀ أنَّه قال: كانت الآيةُ تُنسَخ بالآية، ويُنْسِي اللَّهُ تعالى نبيَّه مِن ذلك ما يشاء (^٦).
وروى أبو أمامة [بن] (^٧) سهلِ بن حُنَيف: أنَّ رجلًا كانت معه سورةٌ، فقام من
_________________
(١) "بالهمز" زيادة من (ف).
(٢) قوله: "وهو كذلك" من (ف). وانظر القراءة في "السبعة" (ص: ١٦٨)، و"التيسير" (ص: ٧٦).
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "في".
(٤) في (ر) و(ف): "ننسأها". وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو كما تقدم قريبًا.
(٥) في (ر) و(ف): "نسيًا".
(٦) رواه الطبري (٢/ ٣٩١).
(٧) ما بين حاصرتين ليس في النسخ الخطية، وأبو أمامة اسمه أسعد، وقيل: سعد، معدود في الصحابة، =
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الليل ليقرأَها، فلم يَقدِر، وقامَ آخرُ ليقرأَها، فلم يقدر، فلمَّا أصبحوا؛ ذكروا ذلك لرسولِ اللَّه -ﷺ- فقال: "إنَّها نُسِخَت البارحة" (^١).
ومَن قرأها: ﴿نَنْسَأْها﴾ بالهمز والفتح في النون؛ فمعنى ذلك: نؤخِّرها، ومنه: النَّسيءُ، والنَّسِيئةُ، والنَّسَاء، وأنسأ اللَّه أجله، ونسأ في أجله، وللتَّأخير هاهنا معنيان:
أحدهما: أو نؤخِّرها ونبقها غيرَ منسوخةٍ.
والثَّاني: على التَّقديم والتَّأخير: ما ننسخ من آيةٍ، نأت بخيرٍ منها أو مثلها، أو نؤخِّرها فنتركْها منسوخةً كما هي، فلا نأت بخيرٍ منها أو مثلها.
وقال مجاهدٌ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (^٢)؛ أي: ما نمحُ من حكمِ آيةٍ وتلاوتها، ﴿أو ننسأها﴾؛ أي: نثبت تلاوتَها، ونرفع حكمَها؛ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٣).
وقال عطاءٌ: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾؛ أي: ما نكتب مِنَ اللوح فننزل، ﴿أَو نَنْسَأهَا﴾ أي: نؤخِّرها في اللوح فلا نُنْزِل (^٤). فيكونُ هذا من الانتساخ على هذا القول.
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ قيل: ليس هذا للتفضيلِ على معنى: بأحسن منها، فإنَّ الآيات كلَّها كلامُ اللَّه تعالى، فلا تتفاضلُ في أنفسها، بل معناه على التقديم والتأخير: نأت بخيرٍ منها؛ أي: بصلاحٍ وخيريَّة، لكن لا يتَّضح هذا التأويل، فإنَّه قال: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾، وإذا حمل على ذلك؛ لم يكن لهذه الزيادة معنًى.
_________________
(١) = له رؤية، ولم يسمع من النبي -ﷺ-، توفي (١٠٠ هـ). انظر: "تقريب التهذيب".
(٢) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ١٤ - ١٥) (١٧).
(٣) بعدها في (ف): "أي ما نمسح من حكم آية".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٩٠)، وابن أبي حاتم (١/ ١٩٩، ٢٠٠) (١٠٥٥)، (١٠٦٢) من رواية مجاهد عن أصحاب ابن مسعود ﵁.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٩٩) (١٠٥٦).
[ ٢ / ٣٩٠ ]
والصَّحيحُ أنَّه للتفضيل، ولا يَرجعُ ذلك إلى نفس الآية، بل إلى ما يحصل (^١) به للعبد، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ: قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أي: بما هو أنفع لكم وأرفق (^٢)، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ للابتلاء والامتحان؛ ليظهر متَّبع أمر اللَّه مِن متَّبع هواه.
وقيل: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾؛ أي: بأخفَّ وأسهل.
وقيل: بأكثر ثوابًا.
وقيل: بأصلحَ في العاقبة، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في السُّهولة والصَّلاح والثَّواب.
والحاصلُ أنَّ النسخ قد يكون بأخفَّ مِنَ الأول، كنسخ الاعتداد بحولٍ، ونقلِه إلى الاعتداد بأربعة أشهرٍ وعشر، وكنسخ فرض قيامِ اللَّيلِ إلى التخيير.
وقد يكون بمثله، كنسخ (^٣) التوجُّه إلى بيت المقدسِ بالتوجُّه إلى الكعبة.
وقد يكونُ بأشقَّ منه على البدن، كنسخ (^٤) تركِ القتال بإيجابِه.
وكلُّ ذلك خيرٌ للعبد من حيث الثَّوابُ أو الصَّلاح، وقد أخبر اللَّه تعالى في القتال أنَّه كُرهٌ لكم، وأخبرَ أنَّه خيرٌ، وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وكلُّ ذلك إنعامٌ منه عليه، وإحسانٌ إليه، وله الحمدُ.
ثمَّ الحكمةُ في النَّسخِ الابتلاءُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
_________________
(١) في (ر): "يصلح".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٩٩).
(٣) هنا بداية سقط في النسخة (ر)، وكأنه ضاعت ورقة كاملة منها، وينتهي السقط بعد صفحات عند قوله: "أي: قل يا محمد أقيموا حجتكم".
(٤) بداية سقط في النسخة (أ)، وينتهي السقط عند قوله الآتي: "لن يدخل الجنة إلا اليهود".
[ ٢ / ٣٩١ ]
وقرأ ابنُ عامر في رواية ابن ذكوان: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ﴾ بضمِّ النُّون وكسر السِّين (^١)؛ مِن الإنساخ، وله معنيان:
أحدهما: ما قالهُ أبو عبيدة: ما نُنْسِخْك يا محمَّد (^٢)؛ أي: نأمرْكَ بأن تُبيِّنَ نسخَها، وقد نَسختُ الشَّيءَ بنفسي، وأنْسَختُه غيري؛ أي: حَملتُهُ عليه، كما يقال: كتبتُ بنفسي، وأكتَبتُ غيري.
والثاني: أنْسَختُه؛ أي: جَعلتُهُ ذا نَسْخٍ، كما يقال: أقبرتُه وقَبرتُه: دفنته.
وهذا كلُّه على تأويل مَن جَعلَ الآيةَ مِن آيات القرآن.
ثمَّ الآيةُ معناها الكلامُ المجموع، يقال: خرجَ أحدُ القوم بآيتهِم؛ أي: بجماعتِهم، فالحرفُ الواحدُ والكلمة الواحدة: لا يُنبِئ عن معنى مجموع، فإذا اجتمعَت كلماتٌ صارت آيةً، وفوق الآية سورة؛ أي: درجةٌ مرتفعةٌ، قال النابغة:
ألم ترَ أنَّ اللَّهَ أعطاك سُورةً تَرى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتذبْذَبُ (^٣)
ومنه قولُه تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ أي: عَلَوهُ، فالسُّورةُ هي المشتملةُ من المعاني على ما زاد على الآية وارتفع عليها، كالقَصصِ ينتظمُها السُّورةُ الواحدة.
* * *
(١٠٦) - ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقيل: معنى هذه الآية ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾؛ أي: ما نَرفع مِن حُجَّةٍ فنُغَيِّبُها
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ١٦٨)، و"التيسير" (ص: ٧٦).
(٢) ذكره عن أبي عبيدة المجاشعيُّ في "النكت في القرآن" (١/ ١٤٨).
(٣) انظر: "ديوان النابغة" (ص: ٧٣).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
عن الأبصار، نأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها؛ أي: أقوى منها في إلزام الحُجَّةِ، أو مثلِها في القوَّة. وهذا كلام الإمام أبي منصورٍ ﵀، قال: يَحتملُ ذلك (^١)، معَ ما قرَّرَ مِن المقالاتِ المُتقدِّمة.
ثمَّ المنسوخاتُ على ثلاثة أوجه:
ما نُسِخَ حكمُه وتلاوتُه، كقول عائشة ﵂: كان ممَّا يُتلَى عشرُ رَضَعاتٍ، ثم نسخ بخمس رضعات يُحَرمنَ (^٢).
وما نُسِخت تلاوتُه وبَقيَ حكمُه، وهو المرويُّ عن عمرَ ﵁: (الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زنيا فارْجموهُما البتَّة نكالًا من اللَّه، واللَّه عزيز حكيم) (^٣).
وما نُسِخَ حكمُه وبَقِيت تلاوتُه وهي الآياتُ التي فيها الأمرُ بتركِ القتال، نُسِخَت بآية السَّيف، وبَقيت تلاوتُها، وفائدةُ البقاءِ حصولُ الثَّواب بقراءتِها.
* * *
(١٠٧) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قيل: هو خطابُ محمَّدٍ ﵇ ردًّا على اليهودِ لعنةُ اللَّه عليهم أجمعين، كما قالوا في قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٣٢).
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" (١٤٥٢).
(٣) رواه النسائي في "الكبرى" (٧١١٨)، وابن ماجه (٢٥٥٣)، وأصله في "صحيح البخاري" (٦٨٢٩)، و"صحيح مسلم" (١٦٩١) دون ذكر آية: (الشيخ والشيخة). وروى النسائي في "الكبرى" (٧١٠٨) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" ثم قال: قال عمر: لما أنزلت أتيت رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: أكتبنيها. . .
[ ٢ / ٣٩٣ ]
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] هذا خطابٌ لعيسى صلوات اللَّه عليه يومَ القيامة ردًّا على النَّصارى.
وقيل: هو خطابُ مَن كان يُجادِلُ رسولَ اللَّه -ﷺ- في النَّسخِ، ويَدلُّ عليه أنَّه قال بعده: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وهذا خطابُ اليهود. والصَّحيحُ أنَّه خطابُ المؤمنين، فإنَّه يَتضمَّنُ الوعدَ لهم بالولاية والنُّصْرة.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ هذا استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد عَلِمتَ، كقولك لصاحبِك: ألم أُعطِك كذا؛ أي: قد أعطيتُكَ.
وقيل: هو استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: اعلم، كقولك لصاحبك: ألم تَعلَم أنَّ زيدًا قَدِمَ؛ أي: اعلم، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ أي: انتَهُوا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يَقدِرُ على أنْ يَتَعبَّدَ عباده بما شاء مِن العبادات المختلفة، ويَنقُلَهم من عبادةٍ إلى غيرِها، على حسب ما يَعلمُهُ صلاحًا لهم.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وله وجهان أيضًا كما للأوَّل؛ أي: قد عَلِمتَ، أو: اعلم، وهذا تفسيرُ قولِه: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فالملكُ تمامُ القدرةِ واستحكامُها؛ أي: قد علمتُم أنَّه مالكُ السَّماوات والأرضِ وقادرٌ عليها، وأنَّه مالككُم فله الخَلْقُ والأمر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ وكلمةُ ﴿مِنْ﴾ لتأكيد الجَحْدِ، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ عطفٌ على الجَحدِ، ولو لم تدخل "لا" لوَقعتِ الشُّبهةُ أنَّه ليس لهم هذان جميعًا؛ الوليُّ والنَّصير، إنَّما لهم أحدهما، فقال: ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ نفيًا لكلِّ واحدٍ منهما قصدًا.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
والوليُّ: القيِّم بالأمر، من: ولَّيتُ الشَّيء إليه.
والنَّصيرُ: المعينُ والمانعُ.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: سوى اللَّه، وفي هذه الجملة ثلاثُ معانٍ:
أحدها: التَّحذيرُ مِن سَخَطِ اللَّه وعقابِه، إذ لا أحدَ يَمتنعُ منه.
والثاني: التَّسكينُ لقلوبِهم بأنَّ اللَّهَ تعالى وليُّهم وناصرُهم دونَ غيرِه.
والثالث: التَّفريقُ بين حالِهم وبين حالِ عبدةِ الأوثان؛ مدحًا لهم، وذمًّا لأولئك.
* * *
(١٠٨) - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال الزَّجَّاجُ كلمة "أم" إذا لم تكن للعطفِ على ألف الاستفهام، كانت بمعنى "بل"، فتقديرُه: بل أتريدون أن تسألوا رسولكم؟ (^١) وهذا استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
ونزولُ الآية في شأن اليهود لعنَهم اللَّهُ؛ فإنَّهم قالوا: ائتنا بكتابِ اللَّه جملةً واحدةً، كما جاء موسى بالتَّوراة جملةً (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ هو ما ذُكِرَ في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿جَهْرَةً﴾.
وقيل: نَزَلت في المشركين، منهم: عبدُ اللَّه بن [أبي] أميَّة المخزوميُّ (^٣)، حين
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٩٢).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٥٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٢).
(٣) ما بين حاصرتين زيادة لا بد منها، وعبد اللَّه بن أبي أمية أخو أم سلمة زوج النبي -ﷺ-، كان شديدًا =
[ ٢ / ٣٩٥ ]
قال: يا محمَّد، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات [الإسراء: ٩٠]، فأخبر اللَّهُ تعالى أنَّهم سَلكوا في اقتراحِهم على نبيِّهم طريقةَ اليهود في اقتراحِهم على موسى بما ذكَرنا (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ التَّبديلُ والاستبدالُ أخذُ الشَّيء بدلًا عن الشَّيء، وأرادَ اختيارَ الكفرِ بمحمَّد -ﷺ- على الإيمان به.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: أخطأ وسطَ الطَّريقِ السَّويِّ الذي هو بين الغُلُوِّ والتَّقصير، وهو الحقُّ؛ يقال: احتجمَ فلان على سواءِ رأسه؛ أي: وسطه، وقال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]؛ أي: وسط الجحيم.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾؛ أي: أحبَّ كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ؛ اليهودِ، وتمنَّوا أن يصرفوكم بعد الإيمانِ إلى الكفرِ، وهذا بيانُ شِدَّةِ عداوتهم وحَسدِهم للمؤمنين.
وقال الزُّهريُّ وقتادة: هو كعبُ بن الأشرف وأصحابه.
_________________
(١) = على المسلمين مخالفًا مبغضًا، شديد العداوة لرسول اللَّه -ﷺ-، ثم خرج مهاجرًا إلى النبي -ﷺ-، فلقيه بالطريق، وهو يريد فتح مكة، وشهد معه الفتح وحنينًا والطائف، ورمي يوم الطائف بسهم فقتله. انظر "الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ٨٦٨ - ٨٦٩).
(٢) انظر "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٢).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وقال ابنُ عباس ﵄ هو حيي بن أحطب وأمثالهما (^١).
وقال مقاتل: إنَّ نفرًا من اليهود، منهم فنحاص بن عازورا وزيد بن قيس، دعَوا حذيفةَ بنَ اليمانِ وعمَّارَ بنَ ياسرٍ إلى دينهم بعد قتالِ أحد، فقالوا لهما: إنَّكما لم تصيبا خيرًا؛ للذي أصابَهم يومَ أُحُدٍ مِن البلاء، وإنَّ دينَنا أفضلُ من دينِكم، ونحنُ أهدى منكم سبيلًا، فقال لهم عمَّار: كيفَ نقضُ العهدِ فيكم؟ قالوا: شديدٌ، فقال: إنِّي عاهدتُ ربِّي ألَّا أكفرَ بمحمَّدٍ، ولا أتَّبعَ دينًا غيرَ دينِه، فقالوا: أما عمار فقد صبأ وضلَّ عن الهُدى بعد إذْ أبصرَه، فكيف أنت يا حذيفة، ألا تبايعنا؟ قال حذيفة: اللَّهُ ربِّي، ومحمَّد نبيِّي، والقرآنُ إمامي، أطيعُ ربِّي، وأقتدي برسوله حتَّى يأتيني اليقين، فقالوا: وإلهِ موسى، لقد أُشْرِبَت قلوبُكما حبَّ محمَّدٍ (^٢).
فأخبرا النبيَّ -ﷺ- بما قِيل لهما وبما ردَّا عليهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أصبتُما إذًا الخيرَ، وأفلحتُما"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية (^٣).
ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾، ونظيرُه ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية [آل عمران: ٦٩]، وقولُه تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ الحسد: الأسفُ على مَن له خيرٌ بخيرِه، والتمنِّي أنْ يزولَ عنه إليه. و﴿حَسَدًا﴾ نصبُه لوجهين:
أحدهما: أنَّه مفعولٌ له؛ أي: يفعلون ذلك لأجلِ حسدِهم.
_________________
(١) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤١٩).
(٢) في هامش (ف): "نسخة: ثم أتيا رسول اللَّه -ﷺ- وأخبراه".
(٣) "تفسير مقاتل" (١/ ١٣٠)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٥٧) دون نسبته لمقاتل.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
والثاني: أنَّه نصبٌ على الحال وهو مصدرٌ أريدَ به نعتُ الجمعِ؛ أي: حاسدينَ لكم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: من قِبَلِ أنفسِهم مِن غيرِ أنْ يُؤمَروا به.
وتعلَّقتِ المعتزلةُ بظاهرِه أنَّ المعصيةَ مِن جهة العبد، لا فعلَ للَّه تعالى فيها، ونحن نقولُ: لا حجَّة لكم فيه؛ فإنَّا نقولُ: الإيمانُ والكفرُ والطَّاعاتُ والمعاصي أفعالُ العباد، وهي مخلوقاتُ اللَّهِ تعالى، والفِعلُ مِن العبدِ، والتَّخليقُ مِن اللَّه، والآيةُ لا تَنفي ما قُلنا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: بعد ما ظهرَ لهم أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه، وأنَّ الإسلامَ دينُ اللَّه، قاله قتادةُ والرَّبيعُ بن أنس (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ العفوُ: التَّركُ، والصَّفحُ: الإعراض.
وانتظامُها بما قبلَها أنَّه رُويَ عن الصَّحابة رضوانُ اللَّه عليهم استأذنوا رسولَ اللَّه أنْ يَقتلُوا هؤلاء اليهودَ الذين كفروا بأنفُسِهم، ودَعَوا المسلمين إلى الكفر، فنزلت الآيةُ أن اتركوا قتالَهم، وأعْرِضوا عن مكافأتِهم، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي، يَحكُمَ بحكمِه في بني قريظةَ والنَّضير، فحكمَ في بني قريظةَ بالقتل، وفي بني النَّضيرِ بالإجلاء.
وقيل: هو نهيٌ عن القتالِ، نُسِخَ بآيةِ السَّيف، ومعنى قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: يأمرَ بالقتال.
فإن قالوا هذه السُّورةُ مدنيَّةٌ، والأمرُ بالقتال كان سابقًا، فما معنى الأمرِ بترك القتال؟
_________________
(١) أخرج قوليهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٤٢).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
قلنا: هذا أمرٌ بتركِ قتال هؤلاء على الخصوص؛ لأنَّهم كانوا مُعَاهَدين.
ومعنى قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ هو ما ذَكَرنا في الحكم بقتلِ هؤلاء وإجلاءِ هؤلاء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أن يكون هذا نهيًا عن مكافأتهم على إيذائهم في الدُّنيا، ثم لم ينتسخ (^١).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بعذابِهِ في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: مِن التَّعذيبِ والانتقامِ وكلِّ شيءٍ.
وقيل: ﴿قَدِيرٌ﴾ على تفريجِكم عن أذاهم من غير قتالٍ، فانتظروا الفرجَ، واشتغلوا الآن بالصَّلاة والزَّكاة، ولذلك وَصَل هذه الآيةَ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) [يونس: ٨٧] أي: بالفَرَج.
* * *
(١١٠) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: أدُّوهما شكرًا لنعمةِ سلامةِ النَّفسِ وثروةِ المال؛ ليكونَ الشُّكر سببًا لبقاءِ نعمةِ الإيمان، فلا تقدر اليهودُ على صرفِكم عنه.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٣٦).
(٢) بعدها في (ف): "وآتوا الزكاة" وهي مقحمة.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ "ما" كلمةُ شرطٍ، ولذلك جُزِمَ ﴿تُقَدِّمُوا﴾، وحُذِفَ النُّونُ منه لذلك، و﴿تَجِدُوهُ﴾ جزاؤه، وهو مجزومٌ به، وحُذِفَ نونُه لذلك؛ أي: وكلُّ شيءٍ قدَّمتموهُ إلى الآخرة مِن الخيرات؛ من الصَّلواتِ، والزَّكواتِ، وسائرِ الطَّاعات، وجدتُم ثوابَها عند اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: يرى ما عمِلتُم مِن خيرٍ أو شرٍّ، وهو وعدٌ على الطَّاعةِ، ووعيدٌ على المعصية، بأبلغ وجهٍ.
* * *
(١١١) - ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾؛ أي: قال يهودُ المدينة -لعنهم اللَّه-: لن (^١) يَدخلَ الجنَّة إلَّا اليهودُ، وقال نصارى بني نَجْران: لن يدخلَها إلَّا النَّصارى، فهذا على التفصيل، ليس أنَّهم جميعًا اجتمعوا على دعوَاهم دخولَهم جميعًا فيها، وبيَّن ذلك بقولِه بعد هذا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، فظهرَ أنَّ أحدَ الفريقين لا يَشهدُ للآخرِ بالجنَّة، وإنَّما جمعَهم في أوَّل الآية؛ لأنَّهم مجتمعون على الإيمان بالتَّوراة (^٢)، ثم ذكر عنهم قولًا، وكان لكلِّ ذلك القولِ قائلٌ منهم، على التَّفصيل، فصحَّ الإجمالُ على إرادة التَّفصيل، كما في قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، اجتمعَ اللَّيلُ والنَّهارُ في كونِهما برحمتِه، ثم قال: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾
_________________
(١) هنا نهاية السقط في النسخة (أ)، وكانت بدايته عند قوله: "كنسخ ترك القتال" (ص: ٣٩١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
(٢) بعدها في (ف): "والإنجيل"، وهي هنا مقحمة.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
[القصص: ٧٣] فانصرفَ السُّكنى إلى اللَّيل، وابتغاءُ الفضلِ إلى النَّهار، وصحَّ هذا التفصيل مرادًا بالإجمال، فهذا كذلك.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ جمعُ أمنية، والتمنِّي: التَّشهِّي؛ أي: يَتَشهَّون ذلكَ بغيرِ حجَّةٍ، والعربُ تسمِّي الكلامَ العاريَ عن الحجَّةِ: تمنِّيًا، وغرورًا، وضلالًا، وأحلامًا؛ مجازًا.
وقيل: الأماني: الأكاذيب هاهنا، وقد بيَّنَّاه في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (^١)؛ أي: قل: يا محمد؛ أقيموا حجَّتكم على دعواكم إنْ كنتُم صادقين فيها، ولم يقل (^٢): براهينَكم، والخطاب للجمع، ولا بُرْهَانَيْكم على التثنية، وهم فريقان؛ لأنَّ الدَّعوى كانت واحدةً، وهي نفيُ دخول غيرهم الجنَّة، والحجَّةُ على تلك الدَّعوى واحدةً.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآية على أنَّ النَّافي عليه الدَّليل، ولا يقال: إنَّهم أثبتوا الدُّخولَ لأنفسهم، فطولبوا بالبرهان عليه؛ لأنَّا نقول: ليس كذلك، بل نَفَوا دخولَ غيرهم صريحًا، وثبت دعواهم دخولَ أنفسهم دلالةً، والبرهانُ يُطْلَبُ على صريح الدَّعوى دون الدلالة، فإنَّ مَن قال: لا نكاح إلَّا بشهود؛ لا يقال له: لِمَ قلتَ: إنَّ النِّكاح يجوز بالشُّهود؟ بل يقال له: لِمَ قلت: إنَّه لا يجوزُ إلَّا بالشُّهود (^٣)، ولذلك ردَّ اللَّه على هؤلاء نفيَ دخول غيرهم، لا دعواهم دخولَهم، حيث قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: بل يَدخلُ هؤلاء الذين أسلموا، الذين ينفون دُخولَهم (^٤).
_________________
(١) هنا نهاية السقط في النسخة (ر)، وكانت بدايته عند قوله السابق: "كنسخ التوجه إلى بيت المقدس".
(٢) في (أ): "يقبل".
(٣) في (أ): "بشهود".
(٤) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٤١).
[ ٢ / ٤٠١ ]
ثمَّ إنْ كان هذا أمرًا بأن يأتوا بالبرهان على أنَّ (^١) المسلمين لا يدخلون الجنَّة، فهذا أمرُ تعجيزٍ؛ لأَنَّه لا برهانَ على هذا، وإن كان على دعوى دخولِهم الجنَّة؛ فإنَّه يجوز أنْ يكون برهانُهم ما قال في هذه السورة: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، ويجوز أن يكون هو الإيمان بمحمَّدٍ ﵇ وكتابه، قال ﵊: "ثمنُ الجنَّة لا إله إلا اللَّه" (^٢)، وقال (^٣): "مفتاح الجنَّة لا إله إلا اللَّه" (^٤).
ويجوزُ أن يكون برهانُهم ما ذُكِرَ بعدَه؛ وهو قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية، ﴿بَلَى﴾ ردّ لما قبله، وإثباتٌ لما بعده؛ أي: ليس كما يقول اليهودُ والنَّصارى، ومَن انقاد للَّه تعالى بالتوحيد بكلِّيته.
والوجه: عبارةٌ عن كلِّ البدن، وخُصَّ بالذِّكر؛ لأنَّه أشرفُ الأعضاء، ولهذا يُخَصُّ بالتَّحيَّة (^٥) فيقال: حيَّا اللَّه وجهك، وكرَّم اللَّه وجهك، وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (^٦) [طه: ١١١]، ولأنَّ أثرَ الانقياد والخضوعِ يَظهرُ في الوجه، فيجوزُ إضافةُ الفعلِ إليه.
_________________
(١) في (ف): "بأن" بدل: "على أن".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥٣١٣)، وإسحاق بن راهويه، كما في "المطالب العالية" للحافظ ابن حجر (٢٨٩٢) عن الحسن قوله. قال الحافظ ابن حجر: هذا موقوف صحيح. ورواه عبد بن حميد عن الحسن مرسلًا، كما في "الدر المنثور" (١١/ ٤١٩). ورواه ابن عدي في "الكامل" (٨/ ٦٥) عن أنس ﵁ مرفوعًا، وذلك في ترجمة موسى بن إبراهيم، وذكر أنه شيخ مجهول، وأن الضعف بيِّنٌ على رواياته وحديثه.
(٣) بعدها في "مقاتل"، وهي مقحمة.
(٤) أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٢١٠٢) من حديث معاذ بن جبل، قال محققوه: إسناده ضعيف.
(٥) في (أ): "في التحية".
(٦) قوله: "لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ" من (ر).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
ويقال: أسلم وجهه؛ أي: أخلصَ دينَه للَّه، وقد سَلِمَ هذا الشيءُ لفلانٍ، وأسلمتُه أنا له، وقال تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَالمًا لِرَجُلٍ﴾ (^١) [الزمر: ٢٩]، ووجه المسلم: دينُه الحقُّ، فيه جمالُه وعليه إقبالُه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الواو للحال؛ ومعناه: أن يُحَسِّنَ أفعالَه مع صِحَّة اعتقاده وإقراره.
وقيل: الإحسان: أداءُ ما أُمِر به، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
وقيل: هو الإحسانُ ببذلِ المال، قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
وقيل: هو إحسانُ المعاملةِ، وبذلُ المال والنَّفس، قال تعالى خبرًا عن صاحبَي السجن: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨].
وقيل: هو كظمُ الغيظِ، والعفوُ عن المظالم (^٢)، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ وأضمر هاهنا: وهم محسنون، ثمَّ قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وقيل: الإحسانُ: ما فسَّره النبيُّ ﵇ لجبريل ﵇: "الإحسانُ: أن تعبدَ اللَّهَ كأنَّك تراه، فإن لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراك" (^٣).
_________________
(١) ﴿سالمًا﴾ بألف بعد السين، هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون: ﴿سَلَمًا﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٥٦٢)، و"التيسير" (ص: ١٨٩).
(٢) في (أ): "الظالم".
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: فله ثوابُ عملِه في الآخرة عند اللَّه، وهو موحَّدٌ؛ لرجوعه إلى كلمة ﴿مِنَ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على الجمعِ؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ، والمراد به الجمع، فرجعت الكنايةُ في الآخر (^١) إلى المعنى، ومعناهُ: فلهم ثوابُ الإيمان والأعمال الصَّالحة عند ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم فيما يَستقبِلُهم مِنَ العذاب، ولا هم يَحزنون على ما خَلَّفوا من الدُّنيا، وله معانٍ أُخَرُ ذكرناها فيما مرَّ.
* * *
(١١٣) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ نزلَت الآيةُ في شأن يهودِ المدينة ونصارى بني نجران، اختصَموا عند النبيِّ -ﷺ-، فقالت اليهودُ للنَّصارى: ما أنتم على شيءٍ، وجَحدوا حَقِّيَّة عيسى والإنجيل، وقالت النَّصارى لليهود: ما أنتم على شيءٍ، وجَحدوا حقِّيَّة موسى والتَّوراة، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٢).
وانتظامُ هذه الآية بما قبلَها: أنَّ في الآيةِ الأولى ذكرَ مقالةِ الفريقين في حقِّ غيرهم، وذكرَ في هذه الآية مقالةَ كلِّ فريق منهما للآخر.
وقوله: ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدِّين الحقِّ، وهو كقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨].
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الأجر".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٣٥) عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: كلُّ فريقٍ يتلو في كتابِه تصديقَ ما ينكره (^١) لو رجع إلى الكتاب، فكفرَ اليهودُ بعيسى، وعندهم التَّوراةُ، وفيه بيانُ حقِّيَّة عيسى والإنجيل، وكفر النَّصارى بموسى، وعندهم الإنجيلُ، وفيه بيان حقِّيَّة (^٢) موسى والتَّوراة.
وقال الزَّجَّاج: يعني: أنَّ الفريقين يَتْلُوان (^٣) التَّوراةَ، وقد وقعَ بينهم هذا الاختلافُ وكتابُهم واحدٌ، فدلَّ هذا على ضلالتِهم (^٤).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي: كذلك قال مشركو العربِ (^٥)، وَصَفَهُم بأنهم لا يعلمون؛ لأنَّهم ليسوا أهلَ الكتاب (^٦)، ولا كان فيهم رسولٌ، قالوا لمحمَّدٍ وأصحابه: إنَّهم ليسوا على شيءٍ من الدِّين الحقِّ؛ كما أخبر اللَّهُ تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١].
وهذا تقريعٌ لأهل الكتاب أنَّهم مع علمهم بالتَّوراة قالوا كقول أهل الشِّركِ الجاهلين، وهو مذمَّةٌ للمشركين أيضًا بما قالوا.
وقيل: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم الذين لا يتلون الكتابَ منهم، وهم العوامُّ منهم.
ثمَّ هذا إكذابٌ لهم على إطلاق كلامِهم، وردٌّ عليهم؛ أي: مَن أسلم من أوائلهم ولم يغيِّر (^٧)؛ فهو على شيء.
_________________
(١) في (ف): "يكره".
(٢) في (ف): "حقيقة" في هذا الموضع والذي قبله.
(٣) في (ر) و(ف): "يتلون".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٩٥).
(٥) بعدها في (ر): "فدلَّ".
(٦) في (ف): "كتاب".
(٧) في (ف): "يغيروا".
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وقيل: معنى قوله: ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾: من الجنَّة، ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ فيعلمون كَذِبَ دعواهم، ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي: قالوا: ليس المسلمون على شيءٍ من الجنَّة، ونحن أولى بها منهم؛ كما أخبر اللَّه عزَّ وعلا عمَّن قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: يريهم مَن يَدخلُ الجنة عيانًا، ويَدخلُ النَّار عيانًا، فيظهرُ المُحِقُّ من المُبْطِلِ، وهو الحكم الفاصل (^١) فيما يَصيرُ إليه كلُّ فرقةٍ؛ فأمَّا الحكمُ بينهم بالحُجَّة؛ فقد بيَّنه اللَّه تعالى فيما أظهره من حُجَج المسلمين، ومِنْ عجزِ الخلقِ عن (^٢) أن يأتوا بمثل هذا (^٣) القرآن.
* * *
(١١٤) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّ الآيةَ الأولى في ذكر قبح مقالهم، وهذه في ذكرِ قبح فعالهم.
ووجهٌ آخر: كيف يدَّعون أنَّهم أهلُ الجنَّة وهم يمنعونَ عباد اللَّه عن عبادة اللَّه في بيوت اللَّه؟!
و﴿ومَن﴾ كلمة استفهامٍ، وهي بمعنى النَّفي هاهنا؛ أي: لا أحدَ أظلمُ مِن فاعل
_________________
(١) في (أ): "الفصل".
(٢) لفظ: "عن" من (أ).
(٣) لفظ: "هذا" من (أ).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
هذا الفِعل، والظُّلمُ: وضعُ الشَّيءِ في غير موضعِه، و﴿مَنَ﴾ (^١) رفع بالابتداء، و﴿أَظْلَمُ﴾ خبره، و﴿مَسَاجِد﴾ نصب بوقوعِ فعل المنع عليها، و﴿أَنْ يُذْكَرَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدرٌ، ومحلُّه نصبٌ (^٢)؛ لأنَّه بدلٌ عن قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ أي: مِمَّن منع أن يُذكر في مساجد اللَّه، وهو كتفسير منع المسجد، فإنَّ مَنْعَ الذاكرَ عن المسجد منعُ المسجد عن الذَّاكر.
ويجوز نصبُ ﴿أَنْ يُذْكَرَ﴾ على تقدير: لأنْ يذكر، فيكونُ مفعولًا له.
وقيل: تقديرُه: من أن يَذكرَ؛ أي: منعَ المساجدَ مِن أنْ يُذكَر فيها اسمه، وَذِكْرُ اسمِ اللَّه ذكرُ اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] أي: واذكر ربَّك.
وقوله تعالى: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ ﴿وَسَعَى﴾ كلمةٌ تختلف معانيها باختلاف مصادرها؛ يُقال:
سَعى سعيًا (^٣)؛ إذا عَمِلَ، وإذا كَسَب، وإذا غَدا.
وسَعى مَسْعاةً؛ إذا جاد وتكرَّم، وجمع المسْعاة: المساعي.
وسَعى سِعايةً؛ إذا أخذ الصَّدقات، وهو عاملُها.
وكذا: سَعى به إلى السُّلطان سِعايةً؛ أي: وشى به.
وكذا سَعى (^٤) المكاتَبُ ومُعتَقُ البعضِ في أداءِ ما عليهِ سِعايةً.
وساعى الرَّجُلُ الأمَةَ -أي: فَجَر بها- مُساعاةً، ولا يقال ذلك في الحُرَّة.
_________________
(١) في (ف): "وهو".
(٢) في (ف): "النصب".
(٣) في (أ): "سعى يسعى سعيًا"، وفي (ف): "يسعى سعيًا".
(٤) في (ر) و(ف): "يسعى".
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الجمع، والمذكورُ قبلَه الواحد، وهو مَن منع وسعى؛ لأنَّ معناه الجمع، و﴿يَدْخُلُوهَا﴾ كنايةٌ عن المساجد، وهي مؤنَّثة؛ لأنَّها جمعٌ، و﴿مَا كَانَ﴾؛ أي: لا يكون، و﴿خَائِفِينَ﴾ نصبٌ على الحال، واختلف في المرادِين بذلك.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ ططوس بنَ اسبسيانوس (^١) الروميَّ، وكان ملكَ الرُّوم، غزا بالرُّوم بيتَ المقدس، وخرَّبهُ، وألقى فيه الجيفَ، فلم يزل خرابًا لم يُعمر، وقَتَل مقاتلتهم، وسبى ذرارِيهم، وأحرقَ التَّوراة، فلم يزل خرابًا حتَّى بناهُ أهلُ الإسلام في زمان عمرَ رضي اللَّه تعالى عنه.
وقال مقاتل: كان اسمُ الملك أنطياخوس بنَ بكيس (^٢) الرُّوميَّ.
وقال الحسنُ والسدِّيُّ وقتادةُ: خرَّبه بختنصَّر البابليُّ المجوسي، وأعانَهُ على ذلك أعداءُ اللَّه الروم (^٣)، حملَهم على ذلك بغضُ اليهود.
ولمَّا استولى عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه على ولاية كسرى، وغنمَ أموالهم، عمَّر بها بيتَ المقدس، وسأل عن حدوده، فلم يَعرفهُ أحدٌ غير يهوديَّةٍ، فشارطَت عمرَ ﵁ أن يكون واحدٌ مِن ذرِّيَّتِها فيه بعد العمارة أبدًا،
_________________
(١) في (ر): "ططوس بن استيسانوس"، وفي (ف): "ططوس بن استبيانوس". واسمه في "البدء والتاريخ" للمطهر المقدسي (٤/ ١٢٩): "ططوس بن استيانوس"، وفي "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٦٠): "ططيوس بن استيسانوس"، وفي "تفسير أبي الليث" (١/ ١٥١): "ططوس بن أسفيانوس"، والخبر في الأخير عن الكلبي.
(٢) في "تفسير مقاتل" (١/ ١٣٢): "ببليس".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٤٣) عن قتادة والسديّ. ورواه ابن أبي حاتم (١/ ٢١٠) (١١١٣) عن قتادة، وعلقه بعده عن الحسن والسدي.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
فأجابَها عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه إلى ذلك، فبيَّنت، وعَمروه ووفَّوا (^١) لها بالشَّرط.
ثمَّ ذكر المساجد جمعًا، وإن أُريدَ بها (^٢) الواحدُ لوجهين:
أحدهما: أنَّ كلَّ موضعٍ منه مسجدٌ؛ أي: موضعُ سجودٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ (^٣) [المجادلة: ١١].
والثاني: أنَّه تشريفٌ له وتعظيمٌ؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] في حقِّ محمدٍ -ﷺ-، وقال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] في حقِّ جبريلَ صلوات اللَّه عليه.
وقولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ وذلك أنَّ الواحدَ منهم لا تُسَلَّم له الرئاسةُ، ولا يُجعَل من الرُّهبان ما لمْ يَزُر بيتَ المقدس، ولا يمكنُه ذلك ظاهرًا؛ لأنَّ اليهودَ يقتلونه، فيتنكَّرُ، ويدخلُ خائفًا على نفسه أن يُعْرَف فيَتْلَف.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ وقيل (^٤): هو القتلُ إنْ كان حربيًّا، وأخذُ الجزيةِ عن صَغارٍ إن (^٥) كان ذمِّيًّا، قاله الزَّجاجُ وقتادة (^٦).
_________________
(١) في (ف): "ووفى".
(٢) في (ف): "به".
(٣) في (ر) و(ف): "المجلس"، والأخيرة قراءة الجمهور عدا عاصم، فإنه قرأ: "المجالس" بالجمع. انظر: "السبعة" (ص: ٦٢٨ - ٦٢٩)، و"التيسير" (ص: ٢٠٩).
(٤) في (ف): "الخزي" بدل: "قيل".
(٥) في (أ): "إذا".
(٦) "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٩٧). وقول قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٩)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٤٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢١١) (١١١٩).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وقيل (^١): هو قطعُ أيدي النَّصارى عن بيتِ المقدس بعد أنْ كانوا ممكّنين (^٢) منه. ويقال: ما مِن يومٍ إلَّا ويؤسَرُ فيه من الرُّوم أو يُقتَل؛ لوعيد اللَّه تعالى فيهم.
وقال السُّدِّيُّ: خزيُهم عند خروج المهديِّ، وقتله إيَّاهم، وفتحِ القُسْطَنْطِينيَّة (^٣).
وقال مقاتل (^٤): هو فتحُ مدائنهم الثَّلاث، قُسْطَنْطِينيَّة وعمورية ورومية (^٥).
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ تقدَّم ما سردناهُ من الأقاويل على خزي الدُّنيا، وعذاب الآخرة (^٦): النَّارُ الكبرى، والعذابُ بها أشدُّ من كلِّ عذابٍ؛ لأنَّه لا يَنقطع.
وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيد بنِ أسلم: هم مشركو العرب حين صدُّوا رسولَ اللَّه -ﷺ- عن دخول مكَّة عام الحديبية (^٧).
والمرادُ بالسَّعيِ في خرابه هو المنعُ عن الصَّلاة فيه، دون تخريبِه حقيقةً، فإنَّ عمارةَ المسجدِ تكونُ بالعبادة فيه لا بالبناء، قال تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤]؛ أي: بالعبادةِ، لا بالبناء، ولأنَّ منعَهم عن العبادة فيه وتفريقَهم يَمنعُهم عن تفقُّده (^٨)، فيتخرَّبُ أبنيتُه.
_________________
(١) في (أ): "وقال بعضهم".
(٢) في (ف): "متمكنين".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٤٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢١١) (١١١٨).
(٤) في (ر) و(ف): "مقاتل"، والمثبت هو الصواب.
(٥) "تفسير مقاتل" (١/ ١٣٣).
(٦) من قوله: "تقدم ما سردناه" إلى هنا من (ر).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٤٤).
(٨) في (أ): "تعهد" بدل: "تفقده".
[ ٢ / ٤١٠ ]
ومعنى قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ أي: بعد فتحِ مكَّة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
وخزيُهم في الدُّنيا: فتحُ مكَّة، والعذابُ العظيم في الآخرة لمن ماتَ على الشِّركِ.
وكانوا يمنعون في الابتداء عن الصَّلاة فيه أيضًا، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠]، وهو أبو جهل لعنه اللَّه تعالى، نهى (^١) محمدًا -ﷺ- عن الصَّلاة في المسجد الحرام، وقصَّته معروفةٌ (^٢)، والأمرُ بالمخافتة في بعض الصَّلاة كان لذلك، وكانوا يَعبدون سرًّا، حتَّى أعلنَهُ عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه.
والمساجدُ ذُكِرَت جمعًا في هذا؛ لِمَا مرَّ في بيت المقدس.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هم جميعُ الكفَّار، يُقَاتلون المسلمين لأجل الدِّين، ومنعهم (^٣) عن الصَّلاة وسائرِ العبادات. والمساجدُ أُرِيدَ بها جميعُ الأرض، قال النبيُّ -ﷺ-: "جُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا" (^٤).
والسَّعيُ في خرابها: هو تخريبُ بلادِ المسلمين، نعوذُ باللَّه تعالى، و(^٥)
_________________
(١) في (ر): "منع".
(٢) روى الإمام النسائي في "الكبرى" (١٠٩٩٥) عن ابن عباس ﵁ قال: قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلِّي عند الكعبة، أتيتُه حتَّى أطأ على عنقه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لو فعل أخذتهُ الملائكة عيانًا. . . ".
(٣) في (أ): "وفيه منعهم".
(٤) انظر "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٤٣). والحديث رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر ﵁.
(٥) في (ف): "نعوذ باللَّه من ذلك وأما خزيهم".
[ ٢ / ٤١١ ]
خزيُهم (^١) أنَّه لا يمكنُهم دخولُ دار الإسلام إلَّا بأمانٍ فإذا دخلوا بغيرِ أمانٍ قُتِلوا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ومَنْ أظلمُ ممَّن خرَّبَ بالشَّهواتِ أوطانَ العبادة (^٢)، وهي نفوسُ العابدين، وخرَّبَ بالمُنى والعلاقاتِ أوطانَ المعرفة، وهي قلوبُ العارفين، وخرَّب بالحظوظ والمساكنات أوطانَ المحبَّة، وهي أرواحُ الواجِدين، وخرَّب بالالتفاتِ إلى القُرُبات أوطانَ المشاهدات، وهي أسرار الموحِّدين (^٣).
* * *
(١١٥) - ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وانتظامُها بما قبلها أنَّ معناه: لا يَمنعْكُم تخريبُ مَن خرَّبَ المساجدَ أن تُصلُّوا له حيث كنتُم، فلله (^٤) المشارقُ والمغارب، وأينما تَوجَّهتُم ففيه رضاءُ اللَّه تعالى.
و"أينما" كلمةُ شرطٍ، وهي جازمةٌ، وعلامة الجزم هاهنا سقوطُ النُّون.
و﴿تُوَلُّوا﴾ أي: توجِّهوا وجوهَكم، والتَّوليةُ متعدِّيةٌ (^٥)، وجوهكم مضمره، وقوله: ﴿فَثَمَّ﴾؛ أي: هناك.
وقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: قبلةُ اللَّه، فإنَّ الوجهَ والوِجهةَ والجِهةَ بمعنًى (^٦)، والقبلةُ تسمَّى بذلك؛ لورودِ الأمر بالتوجُّه إليها.
_________________
(١) من هنا خرم في النسخة (ر) بمقدار ورقة واحدة، وينتهي عند قوله الآتي: "كذلك قال أي اقترح".
(٢) في (ف): "العبادات".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ١١٦ - ١١٧).
(٤) في (ف): "فله".
(٥) بعدها في (ف): "وقوله".
(٦) بعدها في (ف): "القبلة".
[ ٢ / ٤١٢ ]
وقيل: أي: رضاءُ اللَّه تعالى، يقال: فعلَ ذلك لوجهِ اللَّه، وأعتقَ عبدَه لوجهِ اللَّه؛ أي: لرضاء اللَّه.
وقال الإمامُ أبو منصور -﵀- مع ذكر هذين القولين: قيل (^١): معناه: فثمَّ اللَّه، والوجهُ يُذْكَرُ ويُرَادُ به الذَّات، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]؛ أي: ربُّك، ومعناه: ليس (^٢) عنهم بغائبٍ (^٣)، وفي نزول الآية أقاويل:
قال قتادةُ: كان للمسلمين التوجُّه في الصَّلاة إلى حيث شاؤوا بهذه الآية، ثمَّ نُسِخَ بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية (^٤).
وقال ابنُ عباس ﵄: نزلت ردًّا على اليهود لمَّا استنكروا تحويلَ القبلةِ إلى الكعبة (^٥).
وقال الكلبيُّ ومقاتلُ بنُ سليمان: إنَّ ناسًا مِن أصحاب الرَّسول ﵇ كانوا في سفرٍ قبل تحويل القِبلةِ إلى الكعبة (^٦)، فأصابَهُمُ الضَّبابُ، وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فتَحرَّوا (^٧) القبلةَ إلى بيتِ المقدس؛ فمنهم مَن صلَّى قِبَلَ المشرق، ومنهم مَن صلَّى قِبَلَ المغرب، فلمَّا طَلَعَتِ الشَّمسُ، عَرَفوا أنَّهم قد صلَّوا لغير القِبلة، فلمَّا قَدِموا المدينةَ أخبروا النبيَّ ﵊ بذلك، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٨).
_________________
(١) قوله: "مع ذكر هذين القولين قيل" ضرب عليه في (ف).
(٢) بعدها في (أ): "هو".
(٣) "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٤٥).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٥١).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٥٠).
(٦) من قوله: "وقال الكلبي" إلى هنا ليس في (ف).
(٧) في (ف): "فتحرف".
(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٦٢) عن ابن عباس، وهو في "تفسير مقاتل" (١/ ١٣٣).
[ ٢ / ٤١٣ ]
وروى عبدُ اللَّه بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه قال: كنَّا مع النَّبيِّ -ﷺ- في ليلةٍ مظلمةٍ في سفرٍ، فلم نَدرِ أين القِبلةُ؟ وصلَّى كلُّ رجلٍ منَّا على حِيَالِهِ، ثمَّ أصبحنا، فذكرنا ذلك للنبيِّ -ﷺ-، فنَزلَت هذه الآية (^١).
وفي بعض الرِّوايات: فخطَّ كلُّ واحدٍ منَّا خطًّا (^٢).
وفي بعضها: فجعلَ كلُّ رجلٍ منَّا مسجدًا أحجارًا بين يديه، فلمَّا أصبحنا إذا نحن على غيرِ القِبلة (^٣).
وقيل: هذا في الصَّلاة النافلةِ على الراحلة، قال ابنُ عمر: كان النبيُّ ﵊ يُصلِّي على راحلتِه تطوُّعًا أينما توجَّهت به وهو جاءٍ مِن مكَّةَ إلى المدينة، وفي هذا أنزلت الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٤).
وقال الحسنُ ومجاهدٌ والضَّحَّاك: لما نزلت قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: أين ندعوهُ؟ فنزلت هذه الآية، فقالوا: كيف ندعوه؟ فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (^٥).
_________________
(١) رواه الترمذي في "سننه" (٣٤٥)، (٢٩٧٥). قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان. اهـ. وضعفه الحافظ ابن كثير في "تفسيره" بأن فيه أيضًا شيخ أشعث هذا، وهو عاصم بن عبيد اللَّه، وهو ضعيف أيضًا.
(٢) أخرجها الدارقطني (١٠٦٤)، والبيهقي في "الكبرى" (٢٢٤٣) من حديث جابر ﵁، قال البيهقي: لم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًّا.
(٣) رواها الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٥٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢١١) (١١٢٠)، من حديث عامر بن ربيعة، ويقال في إسناده ما قيل في الحديث قبل السالف.
(٤) رواه مسلم (٧٠٠): (٣٣).
(٥) أورد الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٦٣) القطعة الأولى منه، وأخرج هذه القطعة أيضًا الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٢٥).
[ ٢ / ٤١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الواسعُ: الجَوَادُ الذي يسعُ عطاياهُ السَّائلين، والواسع: الغنيُّ، والسَّعَة: الغَناء؛ أي: هو غنيٌّ عن عبادةِ العباد، فلا يُؤاخِذُهم بمراعاتها على وجهٍ واحدٍ، جوادٌ يتقبَّلُ منهم عمَلهم إذا أرادوا به رضاهُ، ومُوسِّعُ الأمور على المؤمنين بفضلِه.
﴿عَلِيمٌ﴾ بعجزِهم وضعفِهم.
وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قَصدوا ونووا.
وقيل: وهو -على قولِ ابن عبَّاس ﵄ الذي ذكرناه؛ أنَّه ردٌّ على اليهود في إنكارِهم نقلَ القِبلة إلى الكعبة- أنَّ اللَّهَ ﷿ واسعٌ؛ أي: غنيٌّ، لم يَنقلْكم إلى الكعبةِ حاجةً إلى عبادتِكم، ولا ازديادًا في ملكه؛ بل لأنَّه عليمٌ بمصالِحكم فيتعبَّدُكم بما هو أصلحُ لكم.
وعلى هذا القولِ يكونُ معنى قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: من حيث توجَّهتُم إلى مكَّةَ فهناكَ قبلةُ اللَّه؛ أي: توجَّهوا إليها دونَ غيرِها، فإنَّه ممكنٌ لكم حيث كنتُم بالاستدلال.
وقيل: نزلت في النَّجاشيِّ حيث أَسلمَ، وتوجَّهَ إلى المدينة، فمات في الطَّريق، فأخبرَ جبرئيلُ رسولَ اللَّه ﵊ به، فصلَّى على النَّجاشيِّ مع أصحابِه، فقالوا: كيف نُصلِّي عليه، وإنَّه لم يصلِّ إلى قبلتنا؟! فنزلَت هذه الآية (^١).
* * *
(١١٦) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
_________________
(١) روى الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٥٥) نحوه عن قتادة مرسلًا، وذكره الواحدي في "أسباب النزول".
[ ٢ / ٤١٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ أي: قالت اليهود: عزيرٌ ابن اللَّه، وقالت النَّصارى: المسيحُ ابنُ اللَّه، وقال بنو مليح مِن مشركي العرب: الملائكة بنات اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزَّهَ نفسَه ﷿ عن ذلك، والتَّسبيحُ: التَّنزيه.
وقيل: هو على الأمر بلفظة المصدر؛ أي: نَزِّهُوه عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: فكلُّ ذلك مملوكٌ له مربوب، فكيف يكونُ عزيرٌ أو عيسى أو الملائكةُ ولدًا له، وكلٌّ منهم عبدٌ له مربوبٌ مخلوق؟ والولَدُ لا يكون إلَّا مِن جنس الوالد، ولا يكون الصُّنع مِن جنسِ الصَّانع.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: اتِّخاذُ الولد لا يكون إلَّا لأحد وجوهٍ أربعة (^١):
إمَّا لشهواتٍ (^٢) تغلبُه، فيقضيها به.
وإمَّا لوَحْشَةٍ تأخذُه (^٣)، فيَحتاجُ إلى مَن يَستأنِسُ به.
أو لدفعِ عدوٍّ يقهرُه، فيَحتاجُ إلى مَن يَستنصِرُه ويَستغيثُ به (^٤).
أو لخوف (^٥) حِدْثان الدَّهرِ والموت؛ ليرثَ ملكَه، ويَقومَ مقامَه، واللَّهُ تعالى مُتعالٍ عن هذه العِلَل كلِّها.
وأمَّا اتِّخاذُ الحبيبِ والخليلِ فإنَّه جائزٌ مِن اللَّه جلَّ وعلا؛ لأنَّ المحبَّةَ تقعُ على غير جوهر المحَبّ، وأمَّا الولدُ فلا يكون إلَّا مِن جنسِه وجوهرِه، واعتَبِرهُ بمحبَّةِ الإنسانِ أشياء سوى البشر.
_________________
(١) ذكر أبو منصور الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" ثلاثة وجوه.
(٢) في (أ): "لشهوة".
(٣) في (ف): "تغلبه".
(٤) "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٤٦).
(٥) في (ف): "خوف".
[ ٢ / ٤١٦ ]
ولأنَّ الخُلَّةَ تَقعُ لأفعالٍ (^١) تُكتسَب، فيعلو بها أمرُه، فيَستوجِبُ بها الخلَّةَ بمعنى الجزاء، فأمَّا البنوَّة فلا تكون لأفعالٍ تُكتسَب، بل بدؤها مِن مولده، وقد نَفى اللَّهُ تعالى عن نفسِه ما به يكونُ الولدُ بقولِه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
ولأنَّ الخلَّةَ يَجوزُ القولُ بها تحقيقًا وتسميةً؛ أمَّا التَّحقيقُ؛ فلأنَّها إيثارٌ ورِضى واختصاصٌ من اللَّه، وهو جائزٌ، والتَّسميةُ وردَ بها الشَّرعُ، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فأمَّا البنوَّة فلا تجوزُ تحقيقًا؛ لأنَّها تدلُّ على الجنسيَّة والبعضيَّة، وهي نقيصةٌ منفيةٌ، ولم يَرِد بإطلاقِها الشَّرع، فبَطَل القولُ بها.
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قيل: أي: عزيرٌ وعيسى والملائكةُ كلُّهم مُطيعونَ له، مُقِرُّون له بالعبوديَّة. والقُنوتُ: الطَّاعة، وإنْ صُرِفَ إلى كلِّ مَن في السَّماوات والأرض؛ فالمسلمُ له مُطِيعٌ طَوْعًا، والكافرُ كرهًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، ولأنَّ المسلمَ مطيعٌ له اختيارًا، والكافرُ (^٢) اضطرارًا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وقيل: القُنوتُ: الدُّعاء، ومنه قنوتُ الوتر، والمؤمنُ يَدعو اللَّهَ تعالى أبدًا، والكافرُ عند الضَّرورة، كما تلونا من الآية.
والقنوتُ أيضًا: القيامُ، قال النبيُّ -ﷺ-: "أفضلُ الصَّلاةِ طولُ القنوت" (^٣)،
_________________
(١) في (ف): "بأفعال".
(٢) بعدها في (أ): "له".
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" (٧٥٦) من حديث جابر ﵁.
[ ٢ / ٤١٧ ]
والكلُّ قائمون دائمون على ما خلقَهم، لا يَملكُ أحدٌ أنْ يُبَدِّلَ نفسَه ويُغيرَها (^١).
وقال السُّدِّيُّ: كلٌّ له قانتون يومَ القيامة (^٢).
وقيل: ذُكِرَ الكلُّ، وأريدَ به البعضُ، كما في قوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ (^٣) [البقرة: ٢٦٠]، وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
وقال الإمام أبو منصور بعد ذكره أكثرَ هذه الأقاويل: ويحتملُ تنزيهَ الخلقة؛ لأنَّ خلقةَ كلِّ أحدٍ تُنَزِّهُ ربَّهُ عن جميعِ ما يَقولون فيه (^٤). أو يقال: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ في الجملة، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] (^٥).
* * *
(١١٧) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: البديعُ والمبدعُ والمبتدعُ واحدٌ، وهو الذي لم يَسبقهُ أحدٌ في إنشاء مثلِه، ولذلك سُمِّيَ صاحبُ الهوى مبتدعًا؛ لمَّا لم يسبقهُ في مثلِ قولِه أحدٌ.
وهذا رد على الذين قالوا: اتخذ اللَّه ولدًا؛ أي: مَنْ قَدَرَ على خلق السَّماوات والأرض من غير شيءٍ، كيف لا يَقدِرُ على خلق عيسى مِن غير أبٍ (^٦).
_________________
(١) في (ف): "يذل نفسه ويعزها" بدل: "يبدل نفسه ويغيرها".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٦٢).
(٣) بعدها في (ف): "منهن جزءا".
(٤) في (ف): "النقص" بدل: "ما يقولون فيه".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٤٦ - ٥٤٧).
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٤٨).
[ ٢ / ٤١٨ ]
وقال ابنُ مِقْسَم (^١): يجوزُ أن يكون العينُ بدلًا عن الهمزة، والبديع والمبدع كالبديء والمبدئ، قال تعالى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩]، فجاء على: فعل وأفعل جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال ابنُ مقسم: إذا قضى أمرًا (^٢)؛ أي: قدَّرهُ، و﴿قَضَى﴾ في القرآن جاء لمعانٍ:
للأمرِ، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وللإخبارِ، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤].
وللحُكمِ، كما قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩].
وللتخليقِ، كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
وللفراغِ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ (^٣) [يونس: ٧١]؛ أي: افْرَغوا مِن أمرِكم.
وللحَتْمِ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: ٢].
وللقَتلِ، كما قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] هي الموتُ من هذا.
_________________
(١) هو المقرئ النحوي، أبو بكر، محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مقسم، البغدادي العطار، كان من أحفظ أهل زمانه لنحو الكوفيين، وأعرفهم بالقراءات مشهورها وغريبها وشاذها، له اختيار في القرآن، وله تصانيف عدة منها: "الأنوار في علم القرآن"، و"المصاحف"، واختياره في القراءات، وغيرها، توفي سنة (٣٥٤ هـ). انظر: "معرفة القراء الكبار" (٢/ ٥٩٧ - ٦٠٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ١٠٥ - ١٠٧).
(٢) قوله: "وقال ابن مقسم إذا قضى أمرًا" ليس في (ف).
(٣) "إلي" زيادة من (ف).
[ ٢ / ٤١٩ ]
وللإرادةِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]؛ أي: أراد، وتوضيح (^١) ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٢) [يس: ٨٢] أو ذَكرَ قضاءَ الأمرِ و(^٣) أرادَ به إرادةَ قضاءِ الأمر، كما في قولِه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] أن (^٤) المرادَ بهذه الأفعال إرادَتُها.
وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ هو واحدُ الأمور؛ أي: الخطوب، لا واحدَ الأوامر الذي هو صفةُ الأمر؛ لأنَّه صفةٌ للَّه، فلا تَدخلُ تحت قضائِه؛ إذ يُراد بالأمر المأمورُ المخلوق.
وقيل: معناه: وإذا أرادَ خلقَ ولدٍ بلا أبٍ، كوَّنَهُ فكان. هو جواب النصارى: إن لم يكن عيسى ولدًا للَّه، فمن أبوه؟ فأجيبوا بهذا.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لم يُرِد به أنَّه خاطَبَهُ (^٥) بكلمةِ: كن، فيكون، بهذا الخطاب؛ لأنَّه لو جُعِلَ خطابًا حقيقةً، فلا يخلو؛ إمَّا أن يكونَ خطابًا للمعدوم، وبه يوجَد، أو خطابًا للموجودِ بعدما وُجِدَ، لا جائزٌ أن يكون خطابًا للمَعدومِ؛ لأنَّه لا شيء، فكيف يخاطب، ولا جائزٌ أنْ يكون خطابًا للموجودِ؛ لأنَّه قد كان، فكيف يقال له: كن، وهو كائنٌ، وإنَّما هو بيانُ أنَّه إذا شاء كونَه كوَّنَهُ فكان.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليس هو قولًا من اللَّه أنْ كُنْ؛ بالكاف والنون، لكن هذا أوجزُ كلامٍ يؤدِّي الكلامَ التامَّ المفهومَ، إذ ليس في لغة العرب
_________________
(١) في (ف): "ويوضح".
(٢) بعدها في (أ): "أن يقول له كن".
(٣) في (ف): "أو".
(٤) "أن" ليس في (ف)، ولعل صوابها: "إذ".
(٥) في (أ): "يخاطبه".
[ ٢ / ٤٢٠ ]
كلامٌ التَّحقيق بحرفين يؤدِّي المعنى المفهومَ أَوْجَزَ مِن هذا وما سواه صِلاتٌ وأدوات (^١).
وقال أيضًا: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ (^٢)؛ أي: قضى بإهلاكِ قومٍ واستئصالِهم، ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣).
وهو استعارةٌ أنَّه لا يَدخلُه تأخير، ولا يلحقُه به تعبٌ، ولا يَمتنعُ عليه شيءٌ، ولا يَخرجُ عن نفادِ حكمِه خلْقٌ.
وقوله ﴿فَيَكُونُ﴾ رفعهُ بطريقين؛ أحدهما: بالاستئناف، والثاني: العطف على قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٤).
* * *
(١١٨) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ هم مشركو العربِ، يَذكرُ قُبحَ مقالتِهم بعدما ذكرَ قُبحَ مقالةِ اليهود والنَّصارى، وله وجوهٌ:
أحدُها: كانوا يعلمونَ حقيقةً، لكن لم يَنتفعوا (^٥) بعلمِهم، فنَفى العلمَ عنهم.
_________________
(١) من قوله: "ليس هو قولًا من اللَّه" إلى هنا ليس في (ف).
(٢) في (ف): "قيل إذا قضى أمرًا" بدل: "وقال أيضًا: إذا قضى أمرًا".
(٣) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٤٨).
(٤) بعدها في (أ) و(ف): "فيكون"، وهي هنا مقحمة.
(٥) في (ف): "حقيقة العلم لكن لا ينتفعون" بدل: "حقيقة لكن لم ينتفعوا".
[ ٢ / ٤٢١ ]
والثاني: الذين لا يَعلمون توحيدَ ربِّهم.
والثالث: الذين لا يَعلمون الكتاب، قالوا: هلَّا يُكلِّمُنا اللَّهُ، فيخبرنا بأنَّك رسولُه، أو تأتينا آيةٌ نقترحُها نحن، فنعلمُ بها أنَّك رسول اللَّه.
والرابع: لا يَعلمون أنَّهم لم يَبلغوا المبلغَ الذي يتمنَّون أن يكلِّمَهم اللَّهُ.
والخامس: لا يَعلمون أنَّه قد كلَّمهم وأخبرَهم بالوحي والقرآن، وآتى رسولَه آياتٍ على رسالتِه، لكنَّهم يعاندون.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ أي: بنو إسرائيل قالوا لموسى: لن نؤمنَ لك حتَّى نَرى اللَّه جهرةً، وقال هؤلاء: لولا أُنْزِلَ علينا الملائكةُ أو نَرى ربَّنا، وسألوا آياتٍ اقترحوها، من نحو قولِهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣] (^١).
و"أو" في هذه الآية: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾، وفي هذه الآيات للتخيير؛ أي: تَفعلُ هذا، أو هذا، قال اللَّه تعالى (^٢): ﴿كَذَلِكَ قَالَ﴾ أي (^٣): اقترح ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، وقالوا لعيسى صلوات اللَّه
_________________
(١) كذا ذكر الآيات في (أ) تامة، ووقع في (ف) رؤوس اقتراحاتهم، فلعل ناسخ (أ) أتم الآية من عنده، ونصها في (ف): " ﴿تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ﴾، ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ ﴿يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ ".
(٢) هنا نهاية الخرم في (ر)، وكانت بدايته عند قوله: "وخزيهم أنه لا يمكنهم دخول دار الإسلام".
(٣) "قال أي" من (ر).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
عليهما: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، فتحكُّمُهم كتحكُّم أولئك.
ويَحتملُ ظاهرُ هذه الآية وجهين:
أحدهما: أنَّ أولئك سألوا عين ما سأل هؤلاء. ويَحتملُ أنَّ سؤال أولئك كان سؤال تعنُّتٍ، لا سؤالَ استرشادٍ كسؤال هؤلاء، وتكون التَّسويةُ بين الفريقين في صفةِ السُّؤال، لا عين المسؤول.
وقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تماثَلَت قلوبُ الفريقين في التَّكذيب والكفر وإرادةِ سؤالِ التعنُّت، وهو كما قال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: التَّوراةَ والإنجيلَ لأهلِ الكتاب، والقرآنَ للكلِّ، فلِمَ يسألون إتيان الآيةِ، وقد أتتهُم الآيات؟!
وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فأصلُ البيان الذي يَقعُ به الإلزامُ يعمُّ الكلَّ، لكن يخصُّ الموقنين في حقِّ النفع؛ كما قلنا في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، و﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
* * *
(١١٩) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: مبشِّرًا لِمَن أيقنَ بالآيات فآمن، ونذيرًا لِمَن تغافلَ عنها فلم يؤمن.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالإسلام، قال تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣].
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: لبيان الحقِّ، والباءُ قد تكون بمعنى اللام، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦]؛ أي: لأنَّ اللَّه (^١).
وقيل: أي: على الحقِّ، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]؛ أي: على الحقِّ؛ يعني: أنَّها حقٌّ لا باطل، والباءُ قد تكون بمعنى: على، قال تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ أي: عليهم.
وقيل: معناه (^٢): أرسلناك مع الحقِّ، وهو القرآن، والباءُ قد تكون بمعنى: مع، يقال: دخل فلانٌ بسيفِه؛ أي: مع سيفه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ أي: عن الكفَّار الذين هم أصحابُ النَّار، و(^٣) الجحيم: النَّارُ الشَّديدةُ الالتهاب، والجاحم (^٤): المكان الشديد الحرِّ.
والقراءةُ الفاشيةُ فيه ضمُّ التَّاء واللَّام، ورفعُه مِن وجهين: الاستئنافُ والحال، أي: أرسلناك (^٥) بشيرًا ونذيرًا، غيرَ مسؤولٍ عن أهل النَّار، إنَّما عليك البلاغُ، وعلينا الحساب، فلا تذهب نفسُك عليهم حسرات، ولذلك قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وهو كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].
وقرأ نافعٌ: ﴿وَلَا تَسْأَلُ﴾ بفتحِ التاء وجزمِ اللام (^٦). قال الزجَّاج: لها (^٧) وجهان:
_________________
(١) بعدها في (ر): "هو الحقُّ".
(٢) في (أ): "أي".
(٣) في (ر) و(ف): "في الجحيم".
(٤) في (ر) و(ف): "والجحيم".
(٥) بعدها في (أ): "بالحق".
(٦) انظر "السبعة" (ص: ١٦٩)، و"التيسير" (ص: ٧٦).
(٧) في (أ): "له".
[ ٢ / ٤٢٤ ]
أحدهما: النَّهيُ عن المسألة، قال ابنُ عباس ومحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ ﵃: قال رسول اللَّه -ﷺ- يومًا: "ليت شعري؛ ما فعلَ أبواي؟ "، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، فلم يذكرْهما حتَّى توفَّاه اللَّه عزَّ وعلا (^١).
والثاني: التَّفخيمُ لما أعَدَّ لهم مِنَ العذاب؛ كما يُقَال (^٢): لا تَسألْ عن حال فلان؛ أي: قد صار إلى أعظم ممَّا يُظَنُّ به (^٣).
وقُرِئ بضمِّ التَّاء وجزم اللَّام (^٤)، وهو نهيُ النَّاسِ عن أنْ يَسألُوهُ عن أصحاب النار (^٥).
ولمَّا أُمِرَ بتبشير المؤِمنين وإنذار الكافرين، كان يَذكُر عقوبات الكفَّار، فقام رجلٌ وقال: يا رسولَ اللَّه؛ أين والدي؟ فقال: "في النَّار"، فحزن الرجل، فقال ﵊: "إنَّ والدي ووالدَيك ووالدَ إبراهيم ﵇ في النار"، ونزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، فلم يسألوه شيئًا من بعد ذلك (^٦)، وهو كقوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٨١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢١٧) (١١٥١) عن محمد بن كعب. وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. انظر "ميزان الاعتدال" (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٦٥) عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (ف): "قال".
(٣) لفظ: "به" من (ف).
(٤) لم أقف عليها.
(٥) في (ف): "الجحيم".
(٦) ذكره بألفاظ قريبة مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٥١). وأخرج مسلم في "صحيحه" (٢٠٣) عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أين أبي؟ قال: "في النار"، فلما قفَّى دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار".
[ ٢ / ٤٢٥ ]
وعلى القراءة الفاشية ذُكِر في نزول هذه الآية عن الضَّحَّاك قال: لمَّا فرغ النبيُّ -ﷺ- عن (^١) قتال أهل مكَّة يوم بدرٍ، ورمى بقتلاهم في القَلِيب؛ نادى بأعلى صوته: "ألم أنذركم؟ ألم أتقدَّم إليكم؟ ألم أُحذِّركم؟ فقد نزل بكم ما نَزَل"، وهو يَتوجَّعُ لهم ويقول في مقالته: "أي ربّ، قد أعذرتُ إليهم؟ " فأنزلَ اللَّه تعالى هذه الآية (^٢).
وقال مقاتل: قال النبيُّ -ﷺ-: "لو (^٣) أنزلَ اللَّه تعالى بهؤلاء الذين قالوا: لولا يكلِّمنا اللَّه أو تأتينا آيةٌ. عقوبةً بما قالوا"، فنزلت: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ وإنَّ اللَّه قد أحصاها عليهم (^٤).
* ** *
(١٢٠) - ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ولمَّا أُمِرَ بالتبشير والإنذار للمسلمين والكفَّار (^٥)؛ كان يُلاطِف كلَّ فريقٍ في الكلام؛ رجاءَ أنْ يُسلِموا، فنَزلَت هذه الآية؛ أي: لا يَرضى عنك الفريقان بهذا، وإنَّما يرضون عنك باتِّباعك ملَّتهم؛ أي: دينهم.
_________________
(١) في (أ): "من".
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ر) و(ف): "لولا".
(٤) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص ٣٧)، ونقله عن الواحدي الحافظ ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" (١/ ٣٦٩)، ثم قال: لم أر هذا في "تفسير مقاتل بن سليمان" فينظر في "تفسير مقاتل بن حيان". اهـ. قلت: والظاهر من "تفسير مقاتل" (١/ ١٣٤ - ١٣٥) أن في الكلام سقطًا، فيستدرك من هنا ومن "أسباب النزول"، واللَّه الهادي.
(٥) نص العبارة في (أ): "ولما أمر بتبشير المسلمين وإنذار الكافرين".
[ ٢ / ٤٢٦ ]
والمِلَّةُ: الطَّريقُ الواضحُ، وقيل: الطَّريقُ المسلوك، وقيل: هي النِّحْلَة، وقيل: هي الطَّريقة التي يَحْمى لها صاحبُها إذا تعرَّضوا لها، مِنْ قولهم: خبزُ مَلَّةٍ، وهو الذي خُبِزَ في الجمرِ تحت الرَّماد.
وقيل: معناه: حتى تتَّبع قبلتهم؛ أي: تصلِّي إليها، ولا يُمكنُك ذلك؛ لأنَّ النصرانيَّة غيرُ اليهوديَّة، وكذا قبلةُ النَّصارى إلى المشرق، وقبلةُ اليهودِ إلى المغرب، ولو تَوجَّهت إلى أحدهما؛ استدبرتَ الأخرى، فاترك طلب رضاهم، واتَّبع رضايَ وقبلتكَ التي أنت عليها.
وقال الزجَّاج: كانوا يسألونه الهدنةَ والمسالمةَ، ويُرُوْنَهُ أنَّه إنْ أمهلَهم؛ أسلموا، فأعلَمَهُ (^١) أنَّهم لنْ يَرضوا عنه حتى يتَّبع ملَّتَهم (^٢).
وقيل: كان يجتهدُ في طلبِ ما يُرضيهِم؛ ليُقبِلوا إلى الإسلام، فقال له: دعْ طلبَ ما يُرضيهم إلى ما أمرتُك به مِن مجاهدَتهم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: طريق اللَّه؛ وهو الإسلامُ، هو الطريقُ الحقُّ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّ دينَ اللَّه الذي اختارَه أهلُ الإسلام؛ بالأمر، واتِّباعِ الآيات هو الدِّين، لا ما اختارَهُ هؤلاء بأهوائهم (^٣).
وقال الزَّجَّاج: قل: إنَّ الصراط الذي دَعا إليه وهَدى إليه هو طريقُ الحقِّ (^٤).
_________________
(١) في (أ): "فأعلمهم" وفي (ر): "فأعلمه اللَّه".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٠٢).
(٣) في (أ): "أولئك" بدل: "هؤلاء بأهوائهم". وانظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٥٢).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: في الدِّين والقِبلة، وإنَّما جمع الأهواء، ولم يقل: هواهم؛ لأنَّ فِرقَ الخلاف لم يكونوا على هوًى واحدٍ، بل لكلِّ فرقةٍ هوى، فأخبرَ أنَّه لا يُرضِي الكُلَّ إلَّا باتِّباع أهواءِ الكلِّ.
ثمَّ قيل: هذا خطابٌ للنَّبيِّ -ﷺ- ظاهرًا، والمرادُ (^١) أمَّتُه، وهو معهودٌ أن يُخاطَب رأسُ القوم بما يَلزمُ القومَ.
وقيل: هذا الخطابُ ليس للنبيِّ -ﷺ-، بل معناه: أيُّها المتَّبع رضاهُم إنْ اتَّبعت أهواءَهم.
والصَّحيح أنَّه خطابٌ للنبيِّ -ﷺ-؛ لأنَّ ما قبلَه وما بعده خطاب له.
فإن قيل: كيف نهى رسولَه عنِ اتِّباع ملَّتهم على علمٍ منه أنَّه لا يَتَّبع؟ هذا سؤالُ الإمام أبي منصور ﵀، فأجاب عنه فقال:
إنَّ العصمةَ لا تُزيلُ المحنةَ ولا تَدْفعُها، بل المحنةُ إنَّما تَقعُ في العصمة لوجهين:
أحدهما: أنَّ عِصْمَتَه لما مضى لا توجب عصمتَه في الحادث.
والثاني: أنَّ أحقَّ مَن يُنهى عن الأشياء مَن أُكرِمَ بالعصمة؛ إذ على زوالِ النَّهي عنه تَرتفعُ عنه جهةُ العصمة؛ لأنَّه يصيرُ برفع النَّهي عنه (^٢) مباحًا، وفي إزالةِ الأمر والنَّهي إزالةُ فائدةِ العصمة؛ لأنَّ العصمةَ هي أن يُعصَمَ في الأمر حتَّى يؤدِّيَه، وفي النَّهي حتَّى ينتهي عنه (^٣).
_________________
(١) بعدها في (أ): "به".
(٢) لفظ: "عنه" ليس في (أ).
(٣) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٥٢).
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: بيانِ حقِّيَّةِ (^١) الإسلام وبطلانِ الكفر، وأنَّ القِبلةَ هي الكعبة.
وقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ كان وعدُه التأييدَ بنصره وبالمؤمنين بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، فأخبرَ بهذه الآية أَنَّه لو اتَّبع أهواءَهم، لم يكن له مِنَ اللَّه وليٌّ؛ أي: حبيبٌ يتولَّى عنه الدفاع، ولا ناصرٌ يمنع عنه العذاب.
وقيل: يَنصرُك؛ أي: يعينُك؛ فيغلبُ به سلطانَ اللَّه فيما نريدُ تعذيبَك (^٢).
* * *
(١٢١) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ مَدَحَ بهذه الآية الذين أسلموا من أهلِ الكتاب بعدما ذمَّ في الآيات المتقدِّمة الذين عاندوا فلم يسلموا (^٣)، فالذين آمنوا (^٤) هم عبدُ اللَّه بن سلام، وأسدٌ، وأُسيدٌ، ويامين بن يامين، وثعلبةُ الخشنيُّ، وجماعة.
وقيل: هم الأربعون الذين قَدِموا مِنَ الحبشة مع جعفر بن أبي طالب؛ اثنان وثلاثون منهم مِنَ اليمن، وثمانيةٌ مِن علماء الشام (^٥).
_________________
(١) في (ف): "حقيقة".
(٢) من قوله: "وقيل: ينصرك" إلى هنا ليس في (أ) و(ف).
(٣) قوله: "فلم يسلموا" ليس في (ف).
(٤) قوله: "فالذين آمنوا" ليس في (أ).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٦٦) و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٧).
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وقيل: هم تسعةٌ وثلاثون رجلًا مِن بقايا قوم عيسى؛ آمنوا بمحمَّدٍ -ﷺ- قول عيسى، وثبتوا عليه حتَّى خرج النبيُّ ﵊، قال اللَّه عزَّ وعلا: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] الآية.
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراةَ، وإنَّما خصَّهم (^١) بذكرِ الإيتاء؛ لأنَّهم هم الذين عملوا به، فكأنَّهم خُصُّوا (^٢) به.
وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال مجاهدٌ: أي: يتَّبعونه حقَّ اتِّباعه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢] أي: تبعها (^٣)، واتِّباعُه حقَّ اتِّباعه: هو العملُ بمحكمِه والإيمان بمتشابهه.
وقال ابن عبَّاسٍ وابنُ مسعود ﵃: هو أنْ يُحِلَّ حلالَهُ، ويُحرِّمَ حرامَهُ، ويَعملَ بأوامرِه، ويَنتهي بنواهيه (^٤).
وقيل: معناه: يقرؤونه حقَّ قراءتِه، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٧]؛ أي: واقرأ (^٥)، وقراءتُه حقَّ قراءته: التدبُّرُ، والتفكُّر، والتَّرتيلُ، وتركُ التَّحريفِ والتَّبديل.
وقيل: أي: يصفونه حقَّ صفتِه؛ أي: يقولون: هو كلامُ اللَّه عزَّ وعلا، غير مخلوقٍ، ولا محدثٍ، ولا حادثٍ، ويصدِّقون بما فيه مِن نعت محمَّدٍ ﵊.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ هذا خبرٌ آخَرُ للمبتدأ، فإنَّ قوله تعالى:
_________________
(١) بعدها في (ف): "أي".
(٢) في (ف): "فخصوا" بدل: "فكأنَّهم خُضُوا".
(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٤٩٠).
(٤) أخرج قوليهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٨٨، ٤٨٩).
(٥) قوله: "أي واقرأ" من (ف).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هذا خبرٌ، وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هذا خبرٌ آخَرُ (^١)، وهو كقولك: هذا حلوٌ حامضٌ.
وقيل: الواوُ مضمرةٌ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ﴾؛ أي: ويتلونه، ويتمُّ المبتدأ عند قوله: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، ويكون ﴿أُولَئِكَ﴾ خبرًا لذلك المبتدأ، وبيانًا أنَّ مَن أوتيَ التَّوراة، واتَّبعها، وعَمِلَ بها، فهو الذي يُؤمِنُ دون غيره.
وقيل: الآية في شأن الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، والكتابُ: القرآن (^٢)، وهذا مدحٌ لهؤلاء بعد ذمِّ أولئك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: بالكتاب.
وقوله تعالى (^٣): ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الهالكون المَغبونون، و"أولئك" جمعٌ، والمذكورُ قبلَهُ موحَّد، لكنَّه في معنى الجمع، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾؛ لأنَّه للجنس، و﴿وهُمُ﴾ (^٤) عماد، ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبرُ المبتدأ.
وأثبت الخسران لِمَن كفر به، لا لمن يتَّبعه حقَّ اتِّباعه، وهذا لطفٌ من اللَّه ﷿ بعباده.
* * *
(١٢٢ - ١٢٤) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ
_________________
(١) بعدها في (ر): "للمبتدأ، وهو قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ".
(٢) في (أ): "المبين" بدل: "القرآن".
(٣) "وقوله تعالى" ليس في (أ).
(٤) في (ف): "وهو".
[ ٢ / ٤٣١ ]
(١٢٣) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
قد مرَّ تفسيرُ الآيتين، وبدأ قصَّة بني إسرائيل بهما، وفي الآية الأولى تذكيرُ النِّعمة، وفي الأخرى تخويفُ العقوبةِ، وبهما ختمَ القصَّة، والتكَريرُ للتقرير، ووصلَ بها قصَّة إبراهيم صلوات اللَّه وسلامه عليه، وكان بنو إسرائيل يدَّعون أنَّهم على ملَّة إبراهيم، فقال ﷻ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وشرحَ حالَه ها هنا، فقال عزَّ وعلا: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ أي: واذكروا (^١) إذ أمرَ إبراهيم، قدَّم المفعولَ ثمَّ ذكرَ الفاعل، فقال: ﴿رَبُّهُ﴾ وإنَّما فعل ذلك إيجازًا؛ لأنَّه لو قدَّم الفاعل فقال: رب إبراهيم (^٢)، تكرَّر ذكرُ إبراهيم في موضع المفعول، والإيجازُ أبلغ.
والابتلاءُ في الأصل: هو الاختبار، واوامرُ اللَّه تعالى ونواهيه ابتلاءٌ، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، والاختبارُ منَّا لظهور ما لم نعلم، ومن اللَّه لإظهارِ ما قد عَلِمَ، وعاقبةُ الابتلاءِ [ظهورُ] الأمرِ الخفيِّ (^٣) في الشَّاهد والغائب جميعًا، فجاز تسميةُ ذلك مِن اللَّه تعالى ابتلاءً؛ لهذه العاقبة؛ لأنَّه في هذا المعنى كابتلاءِ العباد.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "واذكر".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "ثم".
(٣) "ومن اللَّه لإظهار ما قد علم وعاقبة الابتلاء الأمر الخفي" من (أ)، وما بين حاصرتين زيادة لا بد منها.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: بأوامر مناسكِ الحجِّ (^١)، وعنه أيضًا: إنَّ الكلمات عشرُ خصالٍ؛ خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في البدن؛ أمَّا التي في الرأس؛ ففَرْقُ (^٢) الرَّأس، والمضمضةُ، والاستنشاقُ، والسِّواكُ، وقصُّ الشَّارب، وأمَّا التي في البدن؛ فقَلْمُ الأظافير، ونتْفُ الإبطِ، وحَلْقُ العانةِ، والاستنجاءُ بالماء، والختان (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: عملَ بهنَّ، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] وهو كهذا.
ورُوِيَ أنَّه اختتنَ وهو ابنُ ثمانين سنة بالقَدُّوم (^٤)؛ وهي قريةٌ بالشام.
وعلى القول الأوَّل ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾؛ أي: أدَّى مناسكَ الحجِّ على التَّمام، وهذه الخصالُ العشرُ كانت عليه فرائض، وهي لنا سننٌ.
وقال محمدُ بنُ عليٍّ الترمذيُّ: الكلماتُ: هي الخصال التي بُنِيَ عليها الإسلام، وهي اثنان وثلاثون سهمًا (^٥)؛ عشرٌ منها في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، وعشرٌ منها في سورة الرعد: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٠٣).
(٢) في (ر): "فمسح فوق"، وفي (ف): "فمسح مفرق".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٦)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٩٩).
(٤) رواه البخاري (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الإمام النووي: رواة مسلم متَّفقون على تخفيف "القدوم"، ووقع في روايات البخاري الخلافُ في تشديده وتخفيفه، قالوا: وآلة النجار يُقال لها: قدوم؛ بالتخفيف لا غير، وأما القدوم مكان بالشام، ففيه التخفيف، فمن رواه بالتشديد أراد القرية، ومن رواه بالتخفيف يحتمل القرية والآلة، والأكثرون على التَّخفيف وعلى إرادة الآلة.
(٥) من قوله: "أي أدى مناسك الحج" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ (^١) [الرعد: ١٩] الآيات، وستٌّ في (سورة: قد أفلح) (^٢) إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]، وستٌّ في أوَّل سورة البقرة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥].
وقيل: الكلماتُ: هي الدَّعوات المحكيَّةُ عنه في القرآن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (^٣) [إبراهيم: ٤١]، ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، ونحو ذلك.
وقيل: هي الأوامرُ والنَّواهي؛ لأنَّها بالكلام.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: أتمَّ إبراهيمُ أداءَهنَّ.
وقيل: أي: فأتمَّهنَّ اللَّه تعالى لإبراهيم، ولم يُتمَّها لأحدٍ قبله.
وقيل: ابتلاهُ بكلماتٍ؛ أي: امتحنَه بالشَّدائد والمكاره، كإلقائه في النَّار، وإسكانِ ولده بوادٍ غير ذي زرعٍ ولا ماءٍ، والأمرِ بذبحِ الولدِ، والهجرةِ من بلادِ قومه، ومحاجَّةِ الكفرةِ عبدةِ الشَّمسِ والقمر والكواكب، ومحاجَّةِ نمرود، سمَّاها كلمات؛ لأنَّها أعاجيب، وقيل لعيسى: كلمة اللَّه تعالى لذلك.
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: استسلم للَّه تعالى فيهنَّ، وصبرَ عليهنَّ.
قال الحسن: ابتلاهُ اللَّه بهذه الأشياء فأتمَّهنَّ، فشكرَها اللَّهُ تعالى له (^٤)، فقال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾؛ أي: رسولًا يَقتدِي بك جميعُ مَن بعدك.
والإمام: فِعَالٌ، مِن الأَمِّ؛ أي: القصد، والمقتدي يَقْصِدُ قَصْدَ المُقتَدَى ويتَّبعه،
_________________
(١) قوله: "كمن هو أعمى" من (أ).
(٢) في (أ): "في أول سورة قد أفلح المؤمنون".
(٣) في النسخ الخطية: "رب". والمثبت هو الصواب.
(٤) أخرج الطبري نحوه في "تفسيره" (٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وقد أنجزَ اللَّه هذا الوعدَ، فقال لمحمَّدٍ -ﷺ-: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقال لنا: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وهو نصبٌ على الإغراء، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: قال إبراهيم: يا رب، واجعل مِن ذرِّيَّتي أيضًا أئمَّةً.
والذُّرِّيَّة: الأولاد، فُعْلِيَّة (^١) مِن الذَّرِّ، أو فُعُّولَةٌ (^٢) مِن الذَّرءِ (^٣)؛ أي: الخلق، تُرِك همزُها في اللَّفظ، كما في البَرِيَّة والخابِيَة.
و(مِن) للتجنيس هاهنا، لا للتبعيض (^٤)؛ أي: اجعلْهم كلَّهم أَئِمةً يُقتَدَى بهم، وهذا شفقةٌ منه على أولاده على الخصوص؛ أُكْرِمَ بكرامةٍ فأحبَّ أن يُشارِكَهُ فيها أولادُه، وشفقةُ نبيِّنا محمَّدٍ -ﷺ- كانت في درجةِ الكمال، أُكرم ليلةَ المعراج بالسَّلامِ والرَّحمةِ والبركة، فقال: "السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللَّه الصَّالحين" (^٥)،
_________________
(١) لفظ: "فعلية" من (أ).
(٢) في (ف): "فعلية".
(٣) قوله: "أو فعولة من الذرء" ليس في (أ).
(٤) "لا للتبعيض" سقط من (أ).
(٥) أخرج البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢) عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نقول في الصلاة خلف رسول اللَّه -ﷺ-: السلام على اللَّه، السلام على فلان. فقال لنا رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم: "إن اللَّه هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات للَّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، فإذا قالها أصابت كلَّ عبدٍ للَّه صالحٍ في السماء والأرض".
[ ٢ / ٤٣٥ ]
فأشرك (^١) فيها كلَّ أهل السَّماء والأرض مِن أهل التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تصيبُ الإمامةُ أهل الظُّلم مِن ولدك، وهم أهل الكفر؛ أخبر أنَّ إمامةَ المسلمين لا تثبتُ لأهل الكفر، وأنَّ مِن أولاده (^٢) المسلمين والكافرين، قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، والمحسن: المؤمن، والظالم: الكافر.
وتعلَّقت المعتزلةُ بظاهر الآية في نفي صلاحيةِ الإمامةِ للفاسق، لكن نقولُ: الظَّالم أُرِيد به الكافر هاهنا.
وقيل: إنَّه سأل أن يكون ولدُه إمامًا نبيًّا كما كان هو، فأُخبرَ أنَّ الظالمَ لا يكون نبيًّا إمامًا (^٣).
وقال الحسن: ليس لهم عند اللَّه عزَّ وعلا عَهْدٌ يعطيهم عليه خيرًا في الآخرة، فأمَّا في الدنيا فقد يعاهدون فيوفي لهم (^٤).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: فإن قيل: كيف كان قولُه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ جوابًا لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وكانت الرسالة في ذرِّيَّته، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]؟
قيل: يَحتملُ قولُه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أنَّه أحبَّ أن تكون الرسالةُ تدومُ في ذرِّيَّته
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فاشترك".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "أولاد".
(٣) في (ر): "إمامًا ولا نبيًّا".
(٤) علقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٢٤) عقب الأثر (١١٨٨).
[ ٢ / ٤٣٦ ]
أبدًا، حتى لا يكون بين الرُّسُل فتراتٌ، فأخبرَ أنَّ في ذرَّيته مَن هو ظالمٌ، فلا ينالُ الظالمُ عهدَهُ (^١).
* * *
(١٢٥) - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ أي: واذكروا أيضًا (^٢) إذ جعلنا الكعبةَ، و﴿الْبَيْتَ﴾ معرَّفًا بالألف واللام اسمُها، وقد ذُكِر هذا في القرآن على وجوه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣]، ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقوله تعالى: ﴿مَثَابَةً﴾ أي: مرجعًا، مِن: ثابَ يثوب ثوبًا؛ أي: رجعَ.
قال الحسن: يثوبون إليه كلَّ عام؛ أي: ليس هو في الزمان مرَّة فقط (^٣).
وقال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ ﵃: لا ينصرفُ عنه أحدٌ، وهو يرى أنَّه قد قضى منه وطرًا فهم يعودون إليه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ أي: مأمنًا؛ وهو موضعُ الأمن؛ وهو (^٥) ضدُّ الخوف، قال تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ (^٦) [القصص: ٥٧]، وقال النبيُّ -ﷺ-: "ألا إنَّ مكَّةَ حرامٌ مِن
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي (١/ ٥٥٥).
(٢) لفظ: "أيضًا" من (ر).
(٣) علقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٢٥) عقب الأثر (١١٩١).
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥١٨).
(٥) في (أ): "والأمن".
(٦) في (أ): "ومن دخله كان آمنًا" بدل: "حرمًا آمنًا".
[ ٢ / ٤٣٧ ]
حرام اللَّه عزَّ وعلا، لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحد مِن بعدي، وإنَّما أُحلَّت لي ساعة من نهار، ثم عادت بعدُ حرامًا إلى يوم القيامة" (^١).
وقيل: أمنًا من الجنونِ والجُذامِ والبَرَص.
وقيل: أمنًا مِن يدِ (^٢) الجبابرة، فإنَّه ما قصدَ قومٌ تخريبَهُ إلَّا هَلَكوا، كأصحاب الفيل، ولذلك سُمِّي عتيقًا؛ لأنَّه أعتقَ مِن أيدي الجبابرة.
وقيل: أي: أمنًا للصُّيود، حتَّى إنَّ الأسدَ يَتبعُ الظَّبيَ، فيدخلُ الظَّبيُ الحرمَ، فيرجعُ الأسد.
وقيل: أمنًا لسكَّانِ الحرم، فإنَّهم يُسمَّونَ أهلَ اللَّهِ ولا يُتعرَّض لهم.
وقيل: أمنًا لمن جنى ثمَّ لجأ إليه، فإنَّه لا يُتعرَّض له إلى أنْ يخرجَ.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامر: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ بفتح الخاء على الفعل الماضي (^٣)؛ أي: جعلناهُ مثابةً للنَّاس، فاتَّخَذوا ذلك (^٤) مصلَّى.
وقراءةُ الباقين على الأمر، وهو عطفٌ على قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ واتَّخِذوا ذلك.
وقيل: قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فيه (^٥) إضمارُ القول، أي (^٦): وقلنا لهم: اتَّخِذوا، أو قيل لهم ذلك.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٣) من حديث أبي شريح الخزاعي ﵁.
(٢) في (أ): "أيدي".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ١٦٩)، و"التيسير" (ص: ٧٦).
(٤) في (ف): "واتخذوه" بدل من "فاتَّخَذوا ذلك".
(٥) "قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ ليس في (أ) و" ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فيه" ليس في (ف).
(٦) لفظ: "أي" من (ر).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وقيل: قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ يقتضي قوله: ثوبوا إليه، فيكون ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ عطفًا عليه.
وقوله: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقامُ: موضعُ القيام، والْمُقام بالضمِّ: موضعُ الإقامة، ونفسُ الإقامة أيضًا.
وقال ابنُ عباس ﵄: الحرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم (^١)، فمَن كان فيه استقبلَ البيتَ، ومَن كان خارجًا منه استقبلَ الحرمَ، فهو المصلَّى.
وقال عطاء: هو المناسك؛ أي: مواضع أفعال الحجِّ؛ كعرفات والمزدلفة ومنى ومكَّة (^٢).
وقيل: هو مكَّة، وقيل: هو المسجد، وقيل: هو البيت، وقيل: هو موضعٌ يُقابِلُ بابَ الكعبة يتوجَّه منه (^٣) إليها.
وقال السُّدِّيُّ ﵀: هو الحَجَرُ الذي كانت زوجةُ إسماعيلَ وضعتهُ تحت قدمَي إبراهيم حين غَسَلَتْ رأسَهُ وهو راكبٌ، وضعَ عليه قدمًا، فغسلت شِقًّا، ثمَّ حوَّلت إلى الشِّقِّ الآخر، ففعل كذلك، جعلَه اللَّهُ تعالى مِن شعائرِه (^٤).
وقيل: هو الحجرُ الذي وَضَع عليه قدمَهُ حين نادى بالحجِّ فقد رُوِيَ أنَّه لمَّا فَرغ من بناء الكعبة؛ قيل له: أذِّن في الناس بالحجِّ، فقال: كيف أُنادي وأنا بين الجبال، وليس بحضرتي (^٥) أحد؟ فقال اللَّه عزَّ وعلا: عليك النداء وعليَّ البلاع، فصعِد أبا
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٢٦) (١١٩٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٢٥).
(٣) في (ف): "منها".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٢٨).
(٥) في (ف): "ولم يحضرني" بدل: "وليس بحضرتي".
[ ٢ / ٤٣٩ ]
قُبيس، وصعد هذا الحجر، فارتفع هذا الحجرُ حتَّى علا كلَّ حجرٍ في الدُّنيا، وجمعَ اللَّهُ تعالى له الأرضَ كالسُّفْرَة، فنادى: يا معشر المسلمين؛ إنَّ ربكم بنَى لكم بيتًا، وأمرَكم أنْ تحجُّوه، فحُجُّوه، فأجابَه النَّاسُ مِن أصلابِ الآباء وأرحام الأمَّهات، فمَن أجابه مرَّة حجَّ مرَّةً، ومَن أجابه عشرًا حجَّ عشرًا.
وقال ابنُ عبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: كان إبراهيمُ ﵇ يبني الكعبة، وإسماعيلُ ﵇ يناولُهُ الحجارةَ، فلمَّا ارتفعَ البناءُ وضَعُفَ عن رفعِ الحجارة إليه؛ قام على حَجَرٍ، فهو مقام إبراهيم (^١).
وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ أي: موضعَ دعاء، فإنَّ الصلاة هي الدُّعاء، قال اللَّه تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، واسمُ الموضع مِنَ الأفعال المنشعبة (^٢) يكون على صيغة المفعول منها.
وقيل: هو موضع الصلاة المعهودة.
ورُوِي أنَّه ﵊ انتهى إلى مقام إبراهيم ﵇، فقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: أفَلَا نتَّخذه مصلَّى، فنزلت الآية، فكان عمر ﵁ يقول: وافقني ربي ﷻ في ثلاثة؛ أي: وقع مرادي و(^٣)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٢٧). وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٣٦٥) مطولًا دون قوله: "فهو مقام إبراهيم".
(٢) في (ر) و(ف): "المتشعبة"، وهو تحريف. والأفعال المنشعبة: هي المزيدة، هي ما زادت على ثلاثة أحرف أصول، أو على أربعة أصول. انظر: "المفتاح في الصرف" للجرجاني (ص: ٤٤)، و"نزهة الطرف" (ص: ١١)
(٣) "و" زيادة من (ف).
[ ٢ / ٤٤٠ ]
على وفاقِ حكم اللَّه تعالى في ثلاثةٍ، الخمر، والحجاب، ومقام إبراهيم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أي: أمرناهما، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ هو قال عطاء: كنتُ عند ابنِ عبَّاس، فسألَهُ رجلٌ عن قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ (^٢)، قال ابنُ عبَّاس (^٣): أما واللَّه ما أمرَهم أن يبخِّروه بالبَخُّور، ولا أن يُصَفِّروه بالخلوق، ولكن أمرَهم أن يطهِّروه مِنَ الأوثان والمعاصي، وممَّا لا يُحِبُّه اللَّه تعالى.
وقال قتادةُ ومجاهدٌ وسعيدُ بن جبير ﵏: أي: طهِّرَا بيتي مِنَ الشِّركِ وعبادة الأوثان (^٤)، وكان عليها المشركون قبل أن تصيرَ في أيديهما.
وقيل: كانوا يتقرَّبون إلى اللَّه تعالى بالقرابين، وكانوا (^٥) يلطِّخون الجُدُر بالدِّماء، فأمرَهما اللَّه تعالى بالتَّطهير (^٦).
وقيل: هو تطهيرُه عن المكاسب فيه.
_________________
(١) حديث موافقة عمر بن الخطاب ربه رواه البخاري (٤٠٢)، لكن ليس فيه ذكر الخمر، وفيه مكانه: موافقة عمر في شأن نساء النبي -ﷺ-، وخبرُ تحريم الخمر وموافقة عمر فيه رواه أبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي (٥٥٤٠).
(٢) من قوله: "قال عطاء" إلى هنا من (أ).
(٣) قوله: "ابن عباس" من (ر).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٣٣) عن قتادة ومجاهد. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٢٧) (١٢٠٦) عن مجاهد وسعيد بن جبير.
(٥) في (ف): "فكانوا".
(٦) هذا القول والذي قبله فيهما بعدٌ لا يخفى.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وقيل: معناه: دُوْمَا على تطهيره، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]؛ أي: دُمْ على التَّقوى، فهذا كذلك، وهو أمرٌ أن يُبقِّياهُ (^١) على الطَّهارة، لا (^٢) أن يكون فيه نجاسة، فيُزيلا تلك النَّجاسةَ (^٣)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: مبقَّاةٌ على الطهارة الأصليَّة.
وقوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ أي: بالكعبة، ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ أي: المجاورين في المسجد الحرام، والعُكوف والاعتكاف: الإقامةُ، والاحتباس، والعَكْفُ: الحَبْسُ والوقفُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥]، ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جمع الرَّاكع، و﴿السُّجُودِ﴾ جمع السَّاجد؛ وأراد بـ ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: المصلِّين. والصَّلاة تشتملُ على أفعالٍ، أقربُها إلى الخشوعِ هذان، فالطَّوافُ في الحجِّ والعمرة، والعكوف: ملازمة المسجد، والرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة، وهي العباداتُ المتعلِّقةُ بالبيت، فأمرَهما بتطهيرِه لهؤلاء.
وقيل: الطَّوافُ للغرباء، والعكوفُ لأهلِ مكَّةَ، والصَّلاةُ لكلِّ مَن قَرُبَ منها ومَن بَعُدَ عنها، فتوجُّههم في الصَّلاة إليها.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: واذكر أيضًا إذ دعا (^٤)
_________________
(١) لفظ: "أن" من (أ)، وفي (ر): "ببقائه".
(٢) في (ف): "لا".
(٣) قوله: "فيزيلا تلك النجاسة" من (أ).
(٤) في (ر): "ألهمنا".
[ ٢ / ٤٤٢ ]
إبراهيمُ فقال: يا ربِّ، حَذفَ حرفَ النِّداء، وهو جائزٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾؛ أي: يا يوسف.
وقوله: ﴿هَذَا﴾ أي: هذا الوادي، فقد قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ سألَ اللَّهَ تعالى قبل أن يصيرَ الوادي بلدًا أن يجعله بلدًا آمنًا، وفي سورة إبراهيم قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وكان هذا الدُّعاء بعد ما صار بلدًا، سألَهُ أن يجعلَهُ آمنًا.
وقيل: معناهما واحدٌ، أو (^١) تمام الكلام: اجْعَلْ هَذَا [البلد] (^٢) بَلَدًا آمِنًا، الأوَّل إشارةٌ إلى المعرفة، والثاني مفعولٌ؛ أي: مفعولٌ (^٣) ثانٍ، ويُذكَرُ على طريق النَّكرة؛ ففي آيةٍ حذفَ المعرفةَ وبقَّى النَّكرة، وفي آيةٍ أخرى حذفَ النَّكرة وبقَّى المعرفةَ.
وقوله: ﴿آمِنًا﴾ أي: ذا أمْنٍ؛ كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: ذات رضا، والأمنُ للأهلِ ممَّا ذكرنا في قوله: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾.
فإن قالوا: إنَّ مكَّة كانت حرامًا قبل هذا، قال -ﷺ-: "ألَا إنَّ مكَّة كانت حرامًا حرَّمها اللَّه تعالى (^٤) منذ خلق اللَّه السَّماوات والأرض" (^٥)، فما معنى سؤال الأمن؟
قلنا: كان الأوَّل أمنًا عن الاصطلام وإثباتًا في (^٦) النفوس تعظيمَها واحترامَها،
_________________
(١) في (أ): "إذ".
(٢) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) قوله: "أي: مفعول" ليس في (أ).
(٤) في (أ): "حرام" بدل: "كانت حرامًا حرَّمها اللَّه تعالى".
(٥) سلف نحوه قريبًا.
(٦) في (ف): "على".
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وكان هذا (^١) سؤالَ وقوع الأمن عن الحوادثِ والعوارض.
وقيل: هذا كان سؤالَ دوامِ ذلك الأمن، وأجابَ اللَّهُ تعالى دعوتَه فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ هي جمعُ ثمرة؛ وهي جميعُ ما يخرجُ مِن الأراضي والأشجار، فهو سؤالُ الطَّعامِ والفواكه، وقد حققنا (^٢) ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢].
وقيل: هي الفواكه، وإنَّما خَصَّ هذا بالسُّؤال؛ لأنَّ الطَّعام المعهود ممَّا يكونُ في كلِّ موضع، وأمَّا الفواكه فقد تَعِزُّ، فسَألَ لأهلِها الأمنَ والسَّعة؛ وبهما يَطيبُ العيشُ، وتَقومُ المصالح، فاستجابَ له في ذلك أيضًا بنقل قريةٍ من قرى فلسطين كثيرةِ الثِّمار إليها، فأتى جبريل ﵇ فقلعها (^٣)، وجاء بها، وطاف بها حول البيت سبعًا، ثمَّ وضعها على ثلاث مراحلَ من مكَّة؛ وهي الطَّائف، ولذلك سُمِّيت به، قاله الزُّهريُّ (^٤)، وقال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿مَنْ﴾ بدلٌ مِن (^٥) قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾ أي: ارزق مَن آمن، خصَّ المؤمنين بسؤالِ توسِعَة الرِّزق لهم لمعانٍ أربعة:
أحدها: أنَّ اللَّه تعالى لمَّا أمرهما بتطهير البيتِ للطَّائفين والعاكفين والمصلِّين دون غيرهم؛ وافقَ اللَّهَ تعالى؛ فسألَ سَعَةَ الرِّزقِ للمؤمنين دون غيرِهم.
_________________
(١) في (أ): "وهدى كان" بدل من "وكان هذا".
(٢) في (ر):: "ذكرنا".
(٣) في (ف): "فقطعها".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٣٠) (١٢٢١).
(٥) في (ف): "على".
[ ٢ / ٤٤٤ ]
والثاني: أنَّه أراد أن يجعلَ ذلك آيةً تُرَغِّبُ (^١) الكفَّارَ في الإسلام.
والثالث: أَنَّه لمَّا عَمَّ سؤالَ الإمامة، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؟ أُجِيب بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فتأدَّب، ولم يَعُمَّ في سؤالِ (^٢) سَعَة الرِّزق، بل خَصَّ كما خَصَّ اللَّهُ تعالى له في إجابة سؤال الإمامة.
والرابع: ما قال (^٣) الإمام أبو منصور ﵀: فلعلَّه خشي أن يخرج ذلك مخرج المعونةِ لهم على العصيان، وفي ذلك دليلٌ على أَنَّه لا بأس ببيعِ الطَّعام مِنَ الكفَرة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: قال اللَّه تعالى: والذي كفرَ لا أمنعُهُ عن هذا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: أرزقُهُ الثَّمراتِ أيضًا كما أرزقُ المؤمنَ، أخبرَهُ أنَّ أمْرَ الرِّزق ليس كأمْرِ الإمامة، فأعلمه أنَّ الدنيا ومتاعَها بأسرِها لا خطرَ لها.
وقوله ﴿قَلِيلًا﴾ أي: متاعًا قليلًا، هو نعتُ مصدرٍ محذوفٍ دلَّ عليه الفعلُ المذكور، وأصلُ المتاع فسَّرناهُ في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦].
وقيل: أُمَتِّعه زمانًا قليلًا، والدنيا كلُّها قليلة، ومدَّتها كذلك، وقوله: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ قراءةُ ابن عامر بالتخفيف؛ مِن: أمتَع يُمتِع؛ أي: جعلَهُ (^٥) ذا متاعٍ، وقراءةُ الباقين بالتَّشديد (^٦)، ومعناه: أُمهِلهُ و(^٧) أُعطيه المتاع.
_________________
(١) في النسخ الخطية: "أنه يرغب"، والمثبت هو الصواب. انظر "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٦٣).
(٢) في (ر) و(ف): "سؤاله".
(٣) في (ف): "قاله".
(٤) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٦٣).
(٥) في (ر): "أجعله".
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ١٧٠)، و"التيسير" (ص: ٧٦).
(٧) في (أ): "أو".
[ ٢ / ٤٤٥ ]
والمرادُ بهذا القليل عندَ بعضهم هو أيَّام عمرهم.
وقال الحسن: أي: أمهِلُهُم إلى وقتِ خروج محمَّدٍ -ﷺ-؛ فمَن آمنَ به بقَّيتُه (^١)، ومن كفرَ به عاقبتُه بالقَتلِ والإجلاءِ والسَّيف، وكان ذلك (^٢) يوم بدر.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ أي: أُلجِئُه إلى عذاب النار يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، وفي قراءة ابن عباسٍ ﵄: (فأَمْتِعْهُ)؛ بقطع الألف وجزم العين على الدُّعاء، وكذا قوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾، أي: بإدراج الألف وفتحِ الطَّاء والرَّاء على الدُّعاء (^٣)؛ أي: سألَ إبراهيمُ اللَّهَ تعالى أن يُمتِّعَ الكافرَ قليلًا، ثمّ يجعلَ مصيرَه إلى النَّار.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكر الاضطرار؛ كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ (^٤) [الدخان: ٤٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [مريم: ٨٦]، وقولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، فأخبرَ أَنَّهم يُنْقَلون إليها إجبارًا، لا أنَّهم يأتونها طوعًا واختيارًا (^٥).
* * *
(١٢٧) - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
_________________
(١) في (ر): "نعمته".
(٢) "وكان ذلك" ليس في (أ).
(٣) انظر "المحتسب" لابن جني (١/ ١٠٤).
(٤) بعدها في (ر): "فَغُلُّوهُ".
(٥) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٦٤).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ أي: واذكر أيضًا إذ يرفعُ إبراهيم؛ أي: إذ كان يرفعُ؛ أي (^١): يبني (^٢).
وقيل: أي: يُظهِر، وكان مختفيًا، فرفعَهُ وأظهَرهُ.
وقيل: رَفعُه: بناؤه على وجه الأرض، ويُطلَقُ ذلك في كلِّ بناءٍ وإنْ قصُر؛ لرَفعِهِ على وجهِ الأرض (^٣).
والقواعدُ: الجدران عند الكسائي (^٤)، وعند غيرِه: الأُسس، واحدتُها قاعدة، والقَواعد مِنَ النساء؛ جمع قاعد بغير هاء؛ وهي التي قَعدت عن التَّزوُّج، وعن الحيض والولادة، وهي مِن صفاتِ النِّساء على الخصوص، فلم يُحْتَج فيها إلى الهاء؛ كما في الحائل (^٥) والحائض والطَّالق والطَّامث.
والقاعدة التي هي الأساس، سُمِّيَت بها للثبوت، وقعود الإنسان -وهو الجلوس- ثبوتٌ على الأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾؛ أي: وإسماعيلُ كان يشاركُهُ في ذلك.
وقيل: كان يُعينُه فيه، ويناولُه الحجرَ، وكان بناءُ البيت مِن خمسة أجبل؛ طورِ سيناء، وطور زَيْتَا، وطورِ لُبنان، والجُودِيِّ، وحِرَاء، وكان أوَّل بنائه مِن آدمَ ﵇، ثمَّ اندرسَ ذلك، فرفعَ إبراهيمُ قواعدَه (^٦).
_________________
(١) "أي" ليس في (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "بيتي".
(٣) من قوله: "ويطلق ذلك في كل"، إلى هنا من (أ)
(٤) ذكره عنه القرطبي في "تفسيره" (٢/ ٣٨٦).
(٥) في (أ): "الحامل".
(٦) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٩٠٩٢)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٤٩) من قول =
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وخلقَ اللَّهُ تعالى موضعَ البيت قبل سائرِ الأرض بألفَي عامٍ، فكانت زبدةً بيضاء على وجه الماء، فدُحِيت الأرضُ مِن تحتِها (^١).
فلمَّا أهبطَ اللَّهُ تعالى آدمَ إلى الأرض؛ كان رأسه تمسُّ السماء حتى صلع، وأورثَ أولادَه الصَّلعَ، فنَفرَتْ مِن طولِه دوابُّ الأرضِ، فصارت وحشًا (^٢) من يومئذٍ، وكان يسمعُ كلامَ أهلِ السَّماء ودعاءَهم وتسبيحَهُم، فيَأنسُ إليهم، فهابتهُ الملائكةُ، فنَقصَهُ اللَّهُ تعالى إلى ستِّين ذراعًا، فلمَّا فقدَ آدمُ أصوات الملائكة استوحشَ، وشكى إلى اللَّه تعالى ذلك، فأنزلَ اللَّهُ تعالى ياقوتةً مِن يواقيت الجنَّة، لها بابان مِن زُمُرُّدٍ أخضرَ؛ بابٌ شرقيٌّ وبابٌ غربيٌّ، وفيه قناديلُ من الجنَّة، فوضعَه على موضعِ البيت الآن، ثمَّ قال: يا آدم؛ إنِّي أهبطتُ لك بيتًا تطوفُ به كما يُطافُ حول عرشي، وتُصلِّي عندَه كما يُصَلَّى عند عرشي، فأنزلَ عليه الحَجرَ ليمسحَ به دموعَه، وكان أبيض، فلمَّا لمسته الحُيَّضُ في الجاهليةِ اسودَّ (^٣).
وتوجَّه آدمُ مِن أرض الهند إلى مكَّة ماشيًا، وسلَّط اللَّه تعالى له ملَكًا يَدُلُّه على البيت.
_________________
(١) = عطاء. وأورده ابن كثير في "تفسيره"، وقال: هذا صحيح إلى عطاء ولكن في بعضه نكارة. واللَّه أعلم. وقال قبل ذلك في هذا المعنى: وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب، ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديثٌ في ذلك فعلى الرأس والعين. اهـ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٩٠٩٧)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣) من قول مجاهد.
(٣) في (ر) و(ف): "وحشيًا".
(٤) انظر "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٧٣)، وروى الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٥١ - ٥٥٢) نحوه، بعضه عن عطاء وبعضه عن قتادة.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وقيل لمجاهد: لِمَ لَمْ يركبْ؟ فقال: وأيُّ شيءٍ كان يحمله؟! إنَّ خطوتَهُ مسيرةُ ثلاثة أيَّامٍ، فكلُّ موضعٍ وَضَعَ فيه قدمَه عمران، وما تَعدَّاهُ (^١) مفاوز، فأتى مكَّة، وحجَّ البيتَ، وأقام المناسكَ، فلمَّا فَرَغَ؛ تلقَّتهُ الملائكة، فقالوا: بَرَّ حجُّك يا آدم، لقد حَججنا هذا البيتَ قبلَك بألفي عامٍ (^٢).
وحجَّ آدمُ أربعينَ حجَّةً مِنَ الهند إلى مكَّة على رجليه، وكانت الكعبةُ على ذلك إلى أيَّام الطوفان، فرفعَها اللَّهُ إلى السَّماء الرَّابعة، فهو البيت المعمور، يدخلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وهو (^٣) حيال الكعبة، فلو أُرسِلَ من السَّماء لنَزلَ على ظهرِ الكعبةِ، وبعث اللَّه تعالى جبريل حتى خبأ الحجرَ الأسود في جبل أبي قبيس؛ صيانةً له عن الغَرق، فكان موضعُ البيت خاليًا عن البِناء إلى زمن إبراهيمَ صلوات اللَّه عليه (^٤).
ورُوِيَ أنَّ اللَّه تعالى أمرَ جبلًا مِن جبال فلسطين حتَّى جاءَ وسترَ موضعَ البيت، فلم يُصِبهُ الطُّوفان، فأمرَ اللَّهُ تعالى إبراهيمَ بعد ما وُلدَ له إسماعيل وإسحاق ببناءِ بيتٍ له يُذكَر ويُعبَد فيه، فلم يَدْرِ إبراهيم أين يبني، فسألَ اللَّهَ تعالى أن يبيِّن له موضعه، فبعث اللَّهُ تعالى إليه السكينة لتدلَّ (^٥) على موضعه، ولها رأسان تشبه الحيَّة، فتبعَها إبراهيمُ صلوات اللَّه عليه حتَّى أتيا مكَّة، فتطوَّت (^٦) السَّكينةُ على
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بعده".
(٢) انظر "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٧٣).
(٣) بعدها في (ر): "في".
(٤) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٧٤) عن ابن عباس ﵄.
(٥) في (أ): "لتدله".
(٦) في (أ): "فتلوت. . . كتلوي" وفي (ر): "فتطوقت. . . كتطوق".
[ ٢ / ٤٤٩ ]
موضع البيت كتطوِّي (^١) الحَجَفة (^٢)، فأمرَ إبراهيمُ أن يَبنيَ حيث تَستقِرُّ السَّكينةُ (^٣).
وفي روايةٍ: بعث اللَّهُ سبحانه سحابةً على قدر الكعبةِ، فجعلَت تسيرُ، وإبراهيمُ يمشي في ظلِّها، حتَّى أتت مكَّة، ووقفت على موضعِ البيت، ونُودِيَ منها إبراهيم: ابنِ على ظلِّها (^٤)، فجعلَ يبني، وإسماعيلُ يناولُه الحجارةَ (^٥). وتمَّت القصَّة (^٦).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ أي: يقولان: ربَّنا، أضمر القول فيه - ومثلُه في القرآن كثيرٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]؛ أي: يقولون: أخرجوا أنفسكم - سألا اللَّه تعالى قبولَ ذلك العمل منهما.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: ﴿السَّمِيعُ﴾ دعواتنا، ﴿الْعَلِيمُ﴾؛ أي: بنيَّاتنا.
* * *
(١٢٨) - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
_________________
(١) في (أ): "كتلو" وفي (ف): "كتطو".
(٢) في (ف): "الحية". والحجفة: الترس. انظر "لسان العرب": (مادة: حجف).
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٦١ - ٥٦٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣١٥٤) عن علي ﵁.
(٤) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٧٤) عن ابن عباس ﵄. وأخرج الطبري نحوه في "تفسيره" (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١) عن علي ﵁.
(٥) في (أ): "الحجر".
(٦) "وتمَّت القصة" ليس في (أ). وغالب ما يروى من الأخبار في ذلك هو من الإسرائيليات، ولم يصح في ذلك خبر عن المعصوم -ﷺ-. انظر "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" للشيخ محمد أبو شهبة (ص: ١٦٩).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: ثابتين على الإسلام والاستسلام (^١)؛ كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أي: ثبِّتنا عليه، وهذا تعليمٌ منهما النَّاسَ الدُّعاءَ للتثبيت على الإيمان، فإنَّهما لمَّا سألا ذلك كان (^٢) مع أمنِهما عن زواله؛ فكيف غيرهما مع خوفِه؟ وسألا أيضًا الثَّباتَ على الانقياد، فأُجِيبا إلى ذلك، حتَّى أسلمَ إبراهيمُ للإلقاء في النار، وإسماعيلُ للأمرِ بالذَّبح.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ أي: واجعل من أولادِنا جماعةً مخلصةً لك بالعبادةِ والطَّاعة، وإنَّما خصَّا (^٣) البعضَ (^٤) بالدُّعاء؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، فأجيبا إلى ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]، فكانت في ولد إسحاق -وهم بنو إسرائيل- إلى أن حرَّفوا، ثمَّ في ولد إسماعيل -وهو محمد -ﷺ- وأمَّته- إلى قيام الساعة.
وإنَّما دعَوا لأولادِهما بذلك شفقةً على الأولاد، ليكثر ثوابهما بهم، قال النبيُّ -ﷺ-: "ما مِن رجلٍ مِنَ المسلمين يُخلِّفُ مِن بعدِه ذُرِّيَّةً يعبدونَ اللَّه تعالى، إلَّا جعل اللَّه تعالى له مثلَ أجورِهم ما عَبَدَ اللَّهَ تعالى منهم عابدٌ حتَّى تقومَ السَّاعة" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قيل: هو سؤالُ إراءَةِ العين، وعلى هذا تكونُ
_________________
(١) لفظ: "والاستسلام" من (أ).
(٢) لفظ: "كان" من (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "خصا".
(٤) بعدها في (ر): "للأمر".
(٥) لم أقف عليه.
[ ٢ / ٤٥١ ]
المناسكُ مواضعَ أفعالِ الحجِّ مِن عرفات والمزدلفة، والصَّفا والمروة وما بينَهما، ومواضعِ رمي الجمرات.
وقيل: معناه: علِّمنا؛ وهي رؤيةُ القلب، وتُستعمَلُ في العِلم (^١)، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ (^٢)، ويقال في مسائل الفقه: أرأيت، والمناسكُ على هذا عينُ أفعال العباد الحجَّ (^٣).
والنُّسُكُ في الأصل: العبادة، والنَّاسِكُ: العابدُ، والتَّنَسُّك: التَّعبُّدُ، ويُخَصُّ للقربان ولأفعالِ الحجِّ، وواحدُ المناسك: منسَك ومنسِك (^٤)، وهو اسمٌ للمصدر والمكانِ جميعًا.
وقوله: ﴿وَأَرِنَا﴾ ينصرفُ إليهما وإلى ذرِّيَّتِهما، لا إليهما على الخصوص، وهو سؤالُ ذلك إلى قيامِ السَّاعة، وفي مصحف عبدِ اللَّه بن مسعودٍ ﵁: (وأرهم مناسكَهم) (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قيل: معناه: تجاوزْ عنَّا التقصيرَ الواقعَ في مثلِ هذا العمل.
وقيل: لمَّا كان قولُه: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ واقعًا عليهما وعلى ذرِّيَّتِهما، وفيهم مَن له ذنوبٌ؛ كان سؤال التوبة في حقِّهم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "العمل".
(٢) بعدها في (ر): "كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ".
(٣) في (أ): "أفعال الحج"، وفي (ف): "أفعال العبادة للحج".
(٤) في (أ): "بالفتح والكسر" مكن: "ومنسِك".
(٥) انظر قراءة ابن مسعود ﵁ في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣١)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٥٧١)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٢٧٥)، و"شواذ القراءات" للكرماني (ص: ٧٦).
[ ٢ / ٤٥٢ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّ سؤالُ التَّوبةِ أنَّ الأنبياء قد يكون منهم الزَّلَّاتُ والعَثَراتُ على غير قصدٍ منهم.
ثمَّ فيه الدَّليلُ على أنَّ العبد يُسأَل عن زلَّةٍ لم يتعمَّدها؛ لأنَّهم سَألوا التَّوبةَ مُجمَلًا، ولو كان سبقَ منهم شيءٌ عَلِموا (^١) به وعرفوه؛ لذكرُوه، فدلَّ سؤالُهم التَّوبةَ مجملًا على أنَّ العبدَ مسؤولٌ عن زَلَّاتٍ لم يَتعمَّدها (^٢).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يحتمل قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ وجوهًا ثلاثة:
يَحتملُ الانصرافَ إلى الأمَّة المسلمةِ، فقد ذُكِرت قبلَه؛ لأنَّه أخبر أنَّ عهدَه لا يَنالُ الظالمَ، فلم ينصرفْ إلى قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾.
ويَحتملُ ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن جنسِهم مِنَ البشر؛ لأنَّه أقربُ إلى المعرفة والصِّدقِ ممَّن كان مِن غير جنسهم؛ كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩].
ويَحتملُ ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: مِن قومِهم، مِن جنسهم وبلسانهم، لا مِن غيرهم، ولا بغير لسانهم (^٣).
سأل ربَّه لأهلِ مكَّة ما يتمُّ به مرافق الدِّين والدُّنيا فيها، وهي الثَّمراتُ، والأمن، ومبيِّنُ الدِّين والشرائع (^٤).
_________________
(١) في (ف): "عملوا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٧١).
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) لفظ: "والشرائع" من (أ).
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ أي: يقرأ عليهم كتابَك هذا الرسول، ويبيِّن آياتِ وحدانيَّتك، ويبيِّن ما كان مِنَ الآيات؛ أي: المعجزات لمن مضى مِنَ المرسَلين، فتَحتملُ الآيات هذه الأوجهَ الثلاثة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال الحسن: الحكمة: القرآن (^١)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩]، والتَّكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير.
وقال مالك: الحكمةُ: الفقه، وهو فهمُ معاني القرآن، وهو استخراجُ مودعاتِه التي يتعلَّق بها الأحكام (^٢).
وقيل: هو بيانُ ما في الكتاب مِن الأحكام؛ مِن الحلالِ والحرامِ وشرائعِ الإسلام، وبه يقعُ الاستحكام.
وقيل: هي "فِعْلَةٌ" مِن الحكم، ومعناها: ويعلِّمهم الأحكام.
وقال قتادة: الحكمةُ: السُّنَّة (^٣)، وفي كثيرٍ من الآياتِ جمعَ بين الكتاب والحكمة، و﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: الأحاديث، وفيهما علومُ الشَّرع.
وقيل: ﴿الْكِتَابَ﴾: ظاهرُ القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: باطنُه.
وقال مقاتل: الحكمةُ: مواعظُ القرآن (^٤).
_________________
(١) لم أقف عليه عن الحسن، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) (١٢٥٩) (١٢٦٢) عنه أنه فسر الكتاب بالقرآن، والحكمة بالسنة.
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٧٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٧٦).
(٤) انظر "تفسير مقاتل" (١/ ١٣٩).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وقال القفَّال: يُعلِّمهمُ الكتابَ المنزلَ، والوجوهَ (^١) التي بها يُدرِكون صوابَ القولِ والعمل، فإنَّ الحكمةَ هي ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: بِأخْذِ زكاةِ أموالهم (^٢).
ويجوز أن يكون معناه: يُطَهِّرهم عن الآثام بأخذ زكواتهم، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقيل: يزكِّيهم؛ أي: يدعوهم إلى ما به زكاةُ أنفسِهم؛ أي: نماؤها وطُهرُها.
وقيل: أي: يَجعلُهم أزكياءَ بالعمل الصَّالح الذي يَدعوهم إليها، ويحملهم عليها، ثمَّ هذا بخلافِ المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩]، ذاك مِن اللَّه تعالى في العبد (^٣): التَّخليقُ والإيجاد، وهذا من الرَّسول: الدعوةُ والإرشاد.
وقيل: ويزكِّيهم؛ أي: يُعَدِّلُهم يومَ القيامةِ عند الشَّهادة للأنبياء.
وقال ابنُ جُرَيج: يطهِّرهم من الشِّرك (^٤)، قال تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]؛ أي: تتطهَّر بالإسلام.
وقال محمد بن عليٍّ التِّرمذيُّ: أي: ينمِّيهم، فأنماهم حتَّى صاروا أئمَّة الهدى، فبَليت أجسادُهم، وبَقيت آثارُهم (^٥).
_________________
(١) في (ر): "والحكمة" بدل: "والوجوه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٧٧).
(٣) لفظ: "العبد" ليس في (أ).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٧٨).
(٥) في (ر): "أخبارهم".
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾: القويُّ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ.
وقيل: هو القادرُ الذي لا يَمتنعُ عليه ما أرادَهُ.
و﴿الْحَكِيمُ﴾: هو الذي يُحكِم الصَّنعةَ بحسنِ التَّدبيرِ.
وذكر الاسمين هاهنا على معنى أنَّه متَّصلٌ بالدُّعاء، فكأنَّهما قالا: فَزِعنا إليك في دعائنا؛ لأنَّك (^١) القادرُ على إجابتِنا، العالمُ بما في ضمائرنا، وبما هو أصلحُ لنا ممَّا لا يبلغه علمنا، فأجابَهما اللَّه تعالى إلى ذلك، فبعثَ محمَّدًا -ﷺ- فيهم على هذه الصفات، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الجمعة: ٢]، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (^٢) [آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨]، وقال النبيُّ -ﷺ-: "أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبشارةُ أخي عيسى -يعني: قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] - ورؤيا رأتها أمِّي آمنة، خرج منها نورٌ أضاءَت له قصورُ بصرى" (^٣)؛ موضع بالشام (^٤).
* * *
(١٣٥) - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿مَن﴾ استفهامٌ
_________________
(١) بعدها في (ر): "أنت".
(٢) من قوله: "وقال: لقد من" إلى هنا من (أ).
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (١٧١٥٠)، (١٧١٦٣) من حديث العرباض بن سارية ﵁.
(٤) "موضع بالشام" سقط من (أ) و(ف).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
بمعنى التَّوبيخ على وجهِ النَّفي، وموضعُه رفعٌ بالابتداء، ومعناه: ولا يرغب عن دين إبراهيمَ إلَّا السفيه؛ أي: ولا يكرهُها، يقال: رَغِبَ في الشَّيء رغبةً، إذا (^١) أحبَّه وأرادَه، ورغبَ عنه؛ أي: كرهَه وصدُّه، زهدَ في الشيء؛ أي: كرهَهُ وأباه، وزهدَ عنه: أرادهُ وأحبَّه، والمِلَّة: الدِّين والطريقةُ.
وقوله: ﴿سَفِهَ﴾ (^٢) يسفه (^٣)، السَّفهُ والسَّفاهةُ: الجهلُ وخِفَّة العقل.
قال يونس (^٤): ﴿سَفِهَ﴾ لازمٌ، وهو لغةٌ في المتعدِّي، فمعناه: سَفَّهَ نفسَه؛ أي: جعلها سفيهة، وعلى هذا قيل: معناه: أهلكَ نفسَه.
وقيل: هو نصبٌ على التفسير؛ كقولك: طاب نفسًا، وقرَّ عينًا، وضاق ذرعًا.
قلت: وأكثرُ الاستعمال في النَّكرات، وفي المعارف جائزٌ؛ لأنَّ أصل الفعل لها، ثمَّ يُنقَلُ إلى غيرها، ثمَّ يُذكَرُ الفاعلُ نصبًا؛ ليُعلَمَ أنَّ الفعلَ لها، يقال: وَجِعَ زيدٌ رأسَه، وآلمَ عمروٌ بطنَه.
وقيل: معناه: سَفِهَ في نفسه؛ كما في قوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]؛ أي: في معيشتها، وحَذْفُ حرف الجرِّ جائزٌ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ أي: لأولادكم، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ
_________________
(١) في (أ): "أي".
(٢) بعدها في (ف): "من سفه".
(٣) في (أ): "نفسه" بدل: "يسفه".
(٤) هو إمام النحو، أبو عبد الرحمن الضبي مولاهم، البصري، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء وحماد بن سلمة، وأخذ عنه الكسائي وسيبويه والفراء، وله تواليف في القرآن واللغات، توفي سنة (١٨٣ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (٨/ ١٩١ - ١٩٢). وانظر قوله في "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢١٠).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
النِّكَاحِ﴾ (^١) [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: على عقدةِ النكاح (^٢).
وقال الزجَّاج: وهذا (^٣) عندي مذهبٌ صالحٌ، والقولُ الجيِّد عندي: أنَّ معناه: إلَّا مَن جَهِلَ نفسه؛ أي: لم يفكِّر فيها، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (^٤)، وقال النبيُّ -ﷺ-: "من عَرَفَ نفسه فقد عرف ربَّه" (^٥)، وإنَّما يُؤتَى الناسُ ما يُؤتونَ؛ بجهلهم (^٦) أنفسَهم.
ونزولُ الآية في مهاجر (^٧) ابن أخي عبد اللَّه بن سلَام، وكان لعبد اللَّه بن سلَام ﵁ ابنا أخٍ، سلمةَ، ومهاجر، دعاهما إلى الإسلام، وقال لهما: اتَّبِعا دينَ محمَّدٍ -ﷺ- الذي كنَّا نقرؤه في التَّوراة أنَّه مِن ولد قيدار بن إسماعيل العربيّ راكب الجمل، اسمُه أحيد، يُحَيِّدُ أمَّته عن النار، ملعون من تركَ شريعتَه ومنهاجَ دِينه، فأمَّا سلمة، فأسلم، وأمَّا مهاجرٌ، فأبى، فأنزل اللَّه فيه هذه الآية (^٨).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ السَّفهُ: غَلَبةُ الجهلِ وركوب الهوى.
_________________
(١) بعدها في (ر): "حَتَّى يَبْلُغَ".
(٢) "أي على عقدة النكاح" زيادة من (أ).
(٣) في (ف): "هو".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢١١).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٧٩) قال النووي في "فتاويه" (ص: ٢٤٨): ليس بثابت. اهـ. ونقل السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١١٤٩) عن ابن السمعاني أنه قال: لا يعرف مرفوعًا، وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي قوله.
(٦) في (ف): "بجهل"، وفي (أ): "لجهلهم".
(٧) في (ر): "سلمة ومهاجر" بدل: "مهاجر".
(٨) انظر "تفسير مقاتل" (١/ ١٤٠)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٢٧٨)، واسمه فيهما: أحمد، بدل: أحيد.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وقال الحسنُ البصريُّ ﵀: إلَّا من جَهِلَ قدرَ نفسه، فعبدَ صنمًا هو دونه، قال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: اخترناهُ بالإسلام والنبوَّة. ويقال: بالسَّخاوة والخُلَّة، وقيل: بالعهدِ والإمامة، وقيل: بالكلماتِ وبناء الكعبة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: أجبنا دعوتَه: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]؛ أي: الأنبياء الماضين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥]، وقال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]
وقيل: أي: مِن الفائزين لصلاحه.
وقيل: أي: مِن المُستحِقِّين ثوابَ الصَّالحين بوعدِ اللَّه.
وقيل: معناه: وإنَّه في الآخرة لمن الصَّالحين (^١)؛ أي: مع آبائه المرسلين في الجنَّة.
وقيل: أي: من الباقين على الصَّلاح في الدُّنيا، حتَّى يكونَ كذلك في العُقْبى، فكم مِن صالحٍ في أوَّل حاله، ذهبَ صلاحُه في مآله، وكان (^٢) في الآخرة لعذابه ونكاله؛ كبلعام (^٣) وبرصيصا (^٤) وقارون وثعلبة (^٥).
_________________
(١) من قوله: "وقال: وأدخلناهم في" إلى هنا من (أ).
(٢) في (أ): "فكان".
(٣) خبر بلعام أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٧٦ - ٥٧٨) عن أبي المعتمر.
(٤) خبر برصيصا الراهب أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٤٣) عن ابن عباس ﵄.
(٥) خبر ثعلبة أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤٧ - ١٨٤٩) (١٠٤٠٨)، والطبراني في "الكبير": ٧٨٧٣، وغيرهما من طريق مُعان بن رِفاعة عن علي بن يزيد الألهاني عن القاسم عن أبي =
[ ٢ / ٤٥٩ ]
(١٣١) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: واذكر يا محمَّدُ إذ قال له ربُّه أسلم.
وقيل: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ إذ قال (^١)، ثمَّ قوله: ﴿قَالَ﴾ مغايبة بعد قوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ وهو إخبارٌ عن نفسه، وهذا توسُّعٌ في الكلام.
وقوله تعالى: ﴿أَسْلِمْ﴾ أي: اثبتْ على إسلامك.
وقيل: أي: استسلمْ لِمَا يجري عليك.
وقيل: أي: أخلص نفسَك لي، مِن قوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ (^٢) [الزمر: ٢٩].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ أن يكون وَحْيًا أُوحي إليه أن قلْ كذا، فقالَ به، وكان هذا تسليمًا للنفس والقلب.
ويحتمل أن يكون هذا أمرًا بابتداء الإسلام أوَّلَ ما عقلَ، وهو في قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآيات، وقوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩] هو جوابُ قوله:
_________________
(١) = أمامة. ومعان لين الحديث، كما في "التقريب"، وعلي بن يزيد، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك. "ميزان الاعتدال": (٣/ ١٧١). وقال يحيى بن معين: علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ضعافٌ كلُّها. انظر: "تهذيب التهذيب": (٣/ ١٩٩). وقال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشافي" (ص ٧٧): إسناده ضعيف جدًا.
(٢) بعدها في (ر): "له".
(٣) في (ر) و(ف): (سالمًا)، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "السبعة" (ص: ٥٦٢)، و"التيسير" (ص: ١٨٩).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
﴿أَسْلِمْ﴾ (^١). وقالوا: على هذا يكون (^٢) إلهامًا لا وحيًا ظاهرًا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ امتثلَ ما أُمِرَ به، واستقامَ على ما قال، فسَلَّم القلبَ والنَّفسَ والولدَ والمالَ، ولمَّا قال له جبريلُ ﵇: هل لك من حاجةٍ؟ قال: أمَّا إليك فلا، فقال له: أَلَا تسأل ربَّك؟ فقال: حسبي مِن سؤالي (^٣) علمُه بحالي (^٤).
فإن قالوا: لمَّا (^٥) قيل لإبراهيم: أسلم قال: أسلمت، ولمَّا قيل لمحمَّد -ﷺ-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]؛ لم يقل: علمتُ!
قلنا: قد قال ذلك، فقد رُوِيَ أنَّه قال: "أنا أعلمكم باللّه وأخشاكم للَّه" (^٦)، وكان
_________________
(١) انظر "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٧٥).
(٢) بعدها في (أ): "هذا".
(٣) في (ف): "بسؤالي" بدل من "مِن سؤالي".
(٤) قال ابن تيمية في "جامع الفتاوى" (٨/ ٥٣٩): وأما قوله: "حسبي من سؤالي علمه بحالي" فكلامٌ باطلٌ، خلاف ما ذكره اللَّه عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء، من دعائهم للَّه، ومسألتهم إيَّاه، وهو خلاف ما أمر اللَّه به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة.
(٥) في (ر): "لم".
(٦) أخرج البخاري في "صحيحه" (٥٠٦٣) في خبر الثلاثة الرهط الذين سألوا عن عبادة رسول اللَّه فتقالوها، وفي آخره يقول -ﷺ-: "أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له. . . ". وأخرج مسلم في "صحيحه" (١١١٠) من حديث عائشة أن رجلًا جاء يستفتي رسول اللَّه -ﷺ- أنه تدركه الصلاة وهو جنب، فهل يصوم؟ فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم"، فقال: لست مثلنا يا رسول اللَّه، قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "واللَّه، إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه، وأعلمكم بما أتَّقي".
[ ٢ / ٤٦١ ]
هذا الأمرُ له في (^١) القرآن، ثمَّ لم ينزل بعدَه كتابٌ ليَذكُرَ فيه لغيرِه (^٢): أنَّا قلنا له ذلك، فقال كذا.
وجوابٌ آخر: أنَّه قال في آيةٍ أخرى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهو العلمُ بأنَّه لا إله إلَّا هو، فقد أخبر عنه أنَّه قد علم كما أمرناه.
وآخرُ: أنَّ إبراهيم لمَّا قال: أسلمت؛ اقترن به البلوى، ونبيُّنا -ﷺ- تحرَّز عمَّا هو في صفةِ الدَّعوى، فحُفِظَ وكُفِي.
وآخر: أنَّ إبراهيمَ ﵇ أُمِرَ بما يجري مجرى الأفعال، فإنَّ الاستسلام هو المراد، ونبيُّنا ﵊ أُمِرَ بالعلم، ولأقسام الإسلام حَصرٌ، وما لِلَطَائف العلم قصرٌ.
* * *
(١٣٢) - ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ الوصيَّة: الدعة (^٣) إلى الطَّاعة، والوَصَاةُ كذلك، والوِصايةُ والوَصايةُ مصدرُ الوصيّ، والفِعلُ: أوصى يُوصي (^٤) إيصاءً، ووَصَّى توصيةً، وتَواصى القومُ بكذا، واستَوصيتُ فلانًا؛ أي: سألتُه
_________________
(١) بعدها في (أ): "حكم".
(٢) في (ف) و(أ): "لغيره".
(٣) كذا في (ر) و(ف)! وفي (أ): "الدعاء".
(٤) لفظ: "يوصي" من (ف).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
ذلك، وقوله: ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: أمركم (^١)، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: يَفرِضُ.
وقولُه: ﴿بِهَا﴾ قال الزجاج: أي: بالمِلَّة (^٢).
وقيل: بالكلمة؛ وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال (^٣): والأوَّل أصح؛ لأنَّها مذكورة، والثانية مدلولٌ عليها.
وقوله: ﴿بَنِيهِ﴾ أي: أولادَهُ الذُّكورَ الأربعةَ؛ إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ومداين، و﴿بَنِيهِ﴾ حذف نون جمعِه للإضافة، وكذا في قوله (^٤): ﴿يَابَنِيَّ﴾، فاجتمع ياءُ الجمع وياء الإضافة، فأُدْغِمَتا، وفُتِحَت الآخرة؛ لأنَّها حركةٌ ضروريَّةٌ صِيْرَ إليها لاجتماع السَّاكنين، فاخْتِيرَ الفتحُ الذي هو أخفُّ الحركات.
وقوله: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ عطفٌ على: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: أوصى يعقوبُ أيضًا بنيه الاثنَي عشر بذلك، وقُرِئ في الشاذِّ: (ويعقوبَ) بالنصب (^٥)؛ أي: أوصى إبراهيمُ بنيهِ وحافدَه يعقوبَ، فقد أدرك جدَّه، فأدخلهم جميعًا في وصيَّته.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: سُمِّي يعقوب؛ لأنَّه مع أخيه عيص كانا توأمين، فخرجَ عند الولادة عيصُ أوَّلًا، ويعقوب آخذٌ بعقب عيصَ بعد عيص.
وقيل: سُمِّي به لكثرةِ عَقبه، وهم كلُّ بني إسرائيل؛ فإنَّهم أولادُه.
_________________
(١) بعدها في (ر): "به".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢١١).
(٣) "قال" ليس في (ف).
(٤) في (ر): "قراءة".
(٥) هي قراءة عمرو بن فايد وطلحة. انظر "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ١٧).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ "أن" مقدَّرةٌ هاهنا؛ كأنَّه قال: أوصِي أنْ يا بنيَّ (^١)، وجاز الحذفُ؛ لأنَّ الوصية قولٌ، وفي القول يصحُّ بغير "أن"، ومثلُها الوعدُ والرِّسالةُ والإبلاع والإنذار، يجوزُ فيها الوجهان؛ إثباتُها وإلغاؤها، وكذا الأذانُ والدَّعوى وما يَجري مجراها، يجوز فيها إدخالُ "أن" وإلغاؤها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، ولم يقل: أن لهم مغفرةً؛ لأنَّ العِدَة قولٌ، وقال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، وقال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (^٢) [يونس: ١٠]، ففي كلِّ هذا يجوزُ إثباتُها؛ لاعتبار الفعل، ويجوزُ حذفُها؛ لتقدير القول، وفي قوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤]، لا يَجوزُ حذفُها؛ لأَنَّه ليس فيه معنى القول.
وفي صريحِ القول وإضمارِه لا يَجوزُ إيرادُها، تقول: قلت له: زيدٌ في الدَّار، ولا يَجوزَ قلت له: أنْ زيدٌ في الدار، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] لا يجوز في مثله: أنْ أخرجوا أنفسكم؛ لأنَّ القول مضمرٌ، وأنشدَ الكسائيُّ:
إنِّي سأبدي لك فيما أبدي
لي شجنانِ شجنٌ بنَجْدِ
وشَجَنٌ لي بِبلادِ السِّنْدِ (^٣)
_________________
(١) بعدها في (ر): "إنَّ اللَّه اصطفى لكم الدين".
(٢) بعدها في (ر): "ربَ العالمين".
(٣) الرجز في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٨٠، ١٨٠)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٥٨٣)، و"الزاهر" لابن الأنباري (٢/ ١٨٩)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٢٨١).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
لأنَّ الإبداءَ قولٌ.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: اختارَ لكم الدِّين، والألف واللام ليس للاستغراق، بل لتعريفِ المعهود، وله ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنَّه أُريدَ به الإسلام؛ لأنَّ الدِّينَ عند اللَّهِ الإسلامُ، وهو الدِّينُ المطلقُ المرضيُّ المشروعُ المأمورُ به.
والثَّاني: أنَّه بدلُ الإضافة، وهو مضافٌ إليهم؛ أي: اختارَ لكم دينكم الذي تَدينون به، وهو دينُ الإسلام (^١) أيضًا.
والثَّالث: أنَّه مضافٌ إلى اللَّه؛ أي: اختارَ لكم دينَه، وهو دينُ الإسلام أيضًا.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: دوموا على الإسلام، حتَّى إذا أدركَكُم الموتُ وجدَكم مسلمين.
وقيل: أي: لا تموتوا إلَّا منقادين مفوِّضين الأمرَ إلى اللَّه.
وقال الفضيلُ بنُ عياض: أي: لا تَموتُنَّ (^٢) إلَّا وأنتم محسنون بربِّكم الظَّنَّ (^٣).
قال النبيُّ -ﷺ-: "لا يموتنَّ أحدُكم إلَّا وهو يحسن الظنَّ باللَّه (^٤)، فإنَّ قومًا أساؤوا بربِّهم الظنَّ فهلكوا"، قال اللَّه تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] (^٥).
_________________
(١) بعدها في (أ): "لأن الدين"، وهي مقحمة.
(٢) في (أ): "تموتوا".
(٣) انظر "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٨١).
(٤) في (أ): "بربه".
(٥) رواه أحمد في "مسنده" (١٥١٩٧) من حديث جابر ﵁، وفي إسناده النضر بن إسماعيل =
[ ٢ / ٤٦٥ ]
(١٣٣) - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾. أي: أكنتُم حضورًا؟ و"أم" إذا لم يتقدَّمه ألف الاستفهام؛ كان بمنزلة مجرَّد ألف الاستفهام، وهو استفهامٌ بمعنى الاستنكار (^١)، والشهداءُ: جمعُ شهيدٍ؛ وهو الحاضر.
وهذا خطابٌ لأهل الكتاب المدَّعين أنَّ دينَهم دينُ إبراهيم، يقول: ما كنتم حضورًا تعلمونَ ما جرى هناك، فلا تتعلَّقوا بما لم تَشهدُوه، ولا تَدْعوا أولادَه إلى اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، فإنَّه كان على دينِ الإسلام، وبه أوصى أولاده.
وقال الزجَّاج: "أم" في الابتداء بمنزلة "بل"، وهو خطاب لهؤلاء، والمراد: سلفهم؛ أي: بل شهد آباؤكم يعقوبَ حين أوصى بالإسلام دون ما قلتم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ أي: حضر الموتُ يعقوبَ؛ أي: قَرُب خروجُه من الدُّنيا.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ كرَّر كلمة "إذ"، والأُولى لبيان وقتِ حضور الموت، والثانيةُ لبيان وقتِ الإيصاء.
وقوله: بَنِيْهِ، قيل: هم الأسباط، وهم الأولادُ الاثنا عشر.
_________________
(١) = وابن أبي ليلين وهما ضعيفان. والقطعة الأولى منه -وهي قوله: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه"- رواها مسلم في "صحيحه" (٢٨٧٧).
(٢) في (أ) و(ر): "الإنكار".
(٣) كذا نقل المصنف عن الزجاج، ونص قوله في "معاني القرآن" له: (١/ ٢١٢): المعنى: "بل أكنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟ ".
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وقيل: أولادُه وحوافده، وكانوا يومئذٍ ثمانين نفسًا.
وقيل: مئتين (^١) وخمسين، وهم بمصر.
وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من تعبدون بعد موتي؟ وهو كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]؛ أي: ومن بناها، وقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، ومحلُّ "ما" رفعٌ بإضمار الهاء العائدةِ عليه؛ أي: ما تعبدون به (^٢)، أو نصبٌ بإيقاع الفعل عليه بلا إضمار الهاء.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ أي: أجابَهُ أولاده، قالوا (^٣): نعبدُ اللَّهَ الذي تعبدُه أنت وتَلتَجِئُ إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ أي: وهو اللَّهُ الذي كان يعبدُه آباؤك الأنبياء، وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ هو بدلٌ عن قوله: ﴿آبَائِكَ﴾.
و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ كان جدًّا له، والجدُّ أبٌ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﵇ كان عمًّا له، والعمُّ عند العرب يُسمَّى أبًا، وله حُرْمَةُ الأب، قال النبيُّ -ﷺ- في حقِّ العبَّاس: "هذا بقيَّة آبائي" (^٤)، وقال أيضًا: "ردُّوا عليَّ
_________________
(١) في (ف): "مئتي".
(٢) في (أ): "تعبدونه" بدل: "تعبدون به".
(٣) في (أ): "فقالوا".
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" (١١١٠٧) عن ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٦٩): فيه عبد اللَّه بن خراش، وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ، وبقية رجاله وثقوا. ورواه الطبراني في "الأوسط " (٤٢٠٩) من حديث الحسن بن علي ﵁. قال الهيثمي في =
[ ٢ / ٤٦٧ ]
أبي، فإنِّي أخشى أنْ تفعلَ به قريشٌ ما فَعلت بعروةَ بنِ مسعودٍ الثَّقفيِّ" (^١).
﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ﵇ كان والدًا له، وقدَّم إسماعيل على إسحاقَ، مع أنَّ إسماعيلَ عمٌّ وإسحاقَ أبٌ حقيقةً؛ لأنَّ إسماعيلَ كان أكبر سنًّا منه.
وقرأ يحيى بن يعمر: (وإله أبيك) (^٢) وله وجهان:
أحدهما: أنَّه قصدَ الأبوَّة على إبراهيم، وميَّز إسماعيل؛ لأنَّه عمٌّ لا أبٌ.
والثاني: أنَّه جمعَ أب على السَّلامة، يقال: أب وأبون، وأخ وأخون، وفي النَّصب والخفض: أبين وأخين، قال الشَّاعر:
فإنَّك مجهولُ الأبينَ هَجِينُ (^٣)
وقال آخرُ:
وكانَ لنا فَزارَةُ عمَّ سوءٍ وكنتُ له كَشَرِّ بني الأخِيْنَا (^٤)
_________________
(١) = "مجمع الزوائد": فيه جماعة لم أعرفهم. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٥١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٢١٢)، والطبري (١٣/ ٤٢٥) عن مجاهد مرسلًا.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٦٩٠٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٥٤٤٥) عن عكرمة مرسلًا مطولًا.
(٣) انظر: "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ١٧)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٢٨١)، وزاد ابن جني في "المحتسب" (١/ ١١٢) نسبتها لابن عباس والحسن وعاصم الجحدري وأبي رجاء بخلاف عنه.
(٤) أورده الكرماني في "غرائب التفسير وعجائب التأويل" (١/ ١٧٩) دون نسبة.
(٥) البيت لعقيل بن عُلَّفة المرِّي. انظر: "النوادر" لأبي زيد ص ١١١، ١٩١، و"خزانة الأدب" للبغدادي (٤/ ٤٧٨ - ٤٧٩). وأورده الجاحظ في "البيان والتبيين" (١/ ١٨٦) دون نسبة.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بدلٌ عن قوله عزَّ وعلا: ﴿إِلَهَكَ﴾، والأوَّل معرفةٌ والثاني نكرةٌ، وهو جائزٌ؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥ - ١٦].
وقيل: هو على القطع؛ لأنَّه بعد تمام الكلام، والأوَّل معرفةٌ والثَّاني نكرة.
وقيل: فيه إضمار: "نَعبدُ" ثانيًا، فقد قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾، فصارَ كأنَّهم قالوا: نَعبدُ إلهًا واحدًا. وفائدةُ التَّكَرار مع الصِّفة -وهي الواحد- نفيُ الوهم عن جاهلٍ يظنُّ أنَّهم لمَّا قالوا: إلهك وإله آبائك، فذكروا الإله مرَّتين، وبينهما واو، أنَّها عبادةُ إلهين، فقطع الوهمَ بإعادته مع صفةِ الواحد.
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: منقادونَ بالطَّاعة، ثابتونَ على العبادة، مخلصونَ في القولِ والعملِ والنيَّة، والواو للحال، وتَصلُحُ للحال الذي ذكروهُ بعدَ موتِه، وتَصلُحُ للحال التي تكلَّموا فيها؛ أي: نعبد بعدك معبودك، ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال على ذلك.
وإنَّما أجابوه بهذه الكلمات التي تتضمَّن الثَّباتَ على الدِّينِ (^١)، ومَدْحَ آبائِه بكونِهم على ذلك، فإنَّهم متَّبِعون لهم ثابتون على دينهم؛ ليكونوا بارِّين آباءَهُم، سَارِّين (^٢) إيَّاه بقبول ما وصَّاهم به (^٣).
وقال الكلبيُّ: لمَّا دخلَ يعقوبُ مصرَ، ورأى أهلها (^٤) يَعبدون الأوثان والنِّيران؛
_________________
(١) في (ف): "دين الحق".
(٢) في (ر): "بارين".
(٣) "به" ليس في (أ).
(٤) في (أ): "أهله".
[ ٢ / ٤٦٩ ]
جمعَهم حين حضَرتهُ الوفاة، وخاف عليهم صنيعَ أهل مصر (^١)، فسألهم عن ذلك، فأجابوه لِمَا أجابوه (^٢)؛ فطابت نفسه.
وقال عطاء: إنَّ اللَّه تعالى لم يقبض نبيًّا حتَّى يُخيَّر بين الموت والحياة، فلمَّا خُيَر يعقوبُ؛ قال: أنظرني حتَّى أسألَ ولدي وأوصيهِم، فأُنْظِرَ، فجمعَ الأسباطَ وأولادهم، وقال ذلك، وقالوا له ذلك، ثمَّ قبضَهُ اللَّهُ تعالى وهم على هذا الدِّين (^٣).
* * *
(١٣٤) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: أولئك المذكورون؟ إبراهيمُ وأولادُه ﴿وَأُمُّةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ أي: مَضَتْ وخَلا عنها أمكنتُها.
وقوله: ﴿وَلَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ؛ أي: لها كسبُها. وقولُه: ﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: ولكم كسبُكم؛ أي: هم يُحاسبونَ يوم القيامة بأعمالِهم ويجازون عليها، وأنتم تحاسبون يومَ القِيامةِ بأعمالكم وتجازون عليها، ولا تُؤاخَذون أنتم بأعمالِهم، ولا هم يؤاخذون بأعمالِكم.
وقول تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو كقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ الآية [سبأ: ٢٥]، وقولِه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
والكَسْبُ: ما يقع بقدرة حادثةٍ، والاختراعُ: ما يَقعُ بقدرةٍ قديمةٍ، فلا يُوصَفُ اللَّهُ تعالى بالكسْبِ، ولا العبدُ بالاختراع.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٨١).
(٢) في (أ): "أجابوا".
(٣) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
ووجه اتصال هذه الآية بالأولى أنَّهم كانوا مسلمين، وقال في هذه: إنَّهم قد مضوا، ولو كانوا مخطئين للحقِّ، دائنين بدينكم، لم ينفعكم؛ لأنَّهم يُجازَون بأعمالهم، وأنتم تُجازَون بأعمالِكم، فاتَّبعوا الحقَّ أنتم، وصدِّقوا محمدًا؛ فإنَّه يَدعو إلى الحقِّ، واتركوا تقليدَ المبطِلين.
ومعنى آخر: أنَّهم مضوا على دينِهم الذي شَرَعهُ اللَّهُ لهم، والآن عليكم اتِّباعُ الدِّين الذي شرعَهُ اللَّهُ، والدِّينُ للَّه يَشرعُ منه ما يشاءُ، ويَنقلُ عمَّا يشاءُ إلى ما يشاء.
* * *
(١٣٥) - ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ أي: قالت اليهود للمسلمين: تَهوَّدوا تُصِيبوا الهدى، وقالت النَّصارى للمسلمين: تَنصَّروا تُصِيبوا الهدى، ولم يُرِد اجتماعَ الفريقين على دعواهم (^١) جميعًا إلى الملَّتين جميعًا، وقد ذكرنا وجهَ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ عبدَ اللَّه بنَ صُوريا الأعورَ -لعنهُ اللَّه- قال لرسول اللَّه -ﷺ-: ما الهُدى إلَّا ما نحن عليه، فاتَّبِعْنَا يا محمَّدُ تَهتدِ، وقالت النَّصارى مثلَ ذلك؛ فنزلت الآيةُ (^٢).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄ أيضًا: إنَّ يهود أهلِ المدينة؛ كعبَ بن الأشرف
_________________
(١) في (أ): "دعوتهم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٨٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٤١) (١٢٩٠).
[ ٢ / ٤٧١ ]
ومالك بن الصَّيف (^١) ووهب بن يهودا وسائر اليهود لعنهم اللَّه (^٢). وفي حديث مقاتلٍ: منهم كعب بن أسد (^٣)، وأبو ياسر بن أخطب، وعازورا، وشمويل (^٤)، وحبيش (^٥)، ونصارى نجران؛ السيِّدُ والعاقب ومن معهما: خاصموا النبيَّ -ﷺ- وقالوا: كونوا على ديننا، وزعمتْ كلُّ فرقةٍ أنَّ نبيَّها أفضلُ الأنبياء، وكتابَها أفضلُ الكُتُب، ودينَها أفضلُ الأديانِ، فكذبهم اللَّهُ تعالى، فأنزل هذه الآية (^٦).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: قلْ يا محمَّد: لا نكون كما قلتُم، بل نتَّبعُ ملَّة إبراهيم.
فقوله: نتَّبع مضمرٌ؛ لدلالة ما مضى عليه، فإنَّ قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ في معنى: اتَّبعوا اليهوديَّة والنصرانيَّة، و﴿بَلْ﴾ ردٌّ لذلك، وإثبات لما يُخالِفه.
وقيل: معناه: بل نكون؛ لأنَّ المذكور قبله: ﴿كُونُوا﴾، ثمَّ نصبُ ﴿مِلَّةَ﴾ على هذا الطريق من وجهين:
أحدهما: بل نكون (^٧) على ملَّة إبراهيم؛ فهو منصوبٌ بنزع الخافض.
أو معناه: بل نكون أهلَ ملَّة إبراهيم، وأضمر فيه الأهلَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الضيف".
(٢) انظر قول ابن عباس هذا في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٨٢).
(٣) في "تفسير مقاتل": "أسيد".
(٤) في (أ): "وعازار وسمول". وفي "تفسير مقاتل": "وعازارا واشماويل".
(٥) في "تفسير مقاتل": "وخميشا".
(٦) انظر "تفسير مقاتل" (١/ ١٤١).
(٧) بعدها في (ر): "بمعنى".
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وقُرِئ في الشاذِّ: (بل ملَّةُ إبراهيم) بالرفع (^١)؛ أي: ملَّتنا ملَّةُ إبراهيم.
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ هو نعتُ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، ونُصِب على القطع؛ لأنَّ الأوَّل معرفةٌ وهذا نكرة، أو هو على الحال؛ أي: نتَّبعه في حال كونهِ حنيفًا.
والحنيفُ فيه أقاويلُ كثيرةٌ:
قال ابنُ دُريد: هو العادلُ مِن دينٍ إلى دينٍ، والعربُ كانت تسمِّي به العادلَ عن اليهوديَّة والنصرانيَّة (^٢).
والحنفُ: الميلُ، والأحنفُ: الذي في صدر قدمِه ميلٌ، والحنيفُ: المائلُ عن الدِّين الباطل إلى خالصِ الدِّين الحقِّ.
وقيل: الحنيفُ: المستقيم، والأحنف سُمِّي به تحسينًا للاسم؛ كما يقال للأعمى: بصيرٌ (^٣)، وللمهلكَة: مفازةٌ، وللَّديغِ: سليمٌ، أو قيل (^٤) ذلك تفاؤلًا.
وقال الأزهريُّ: الحنيفُ: المقبل على الدِّين الحقِّ، والحَنَفُ: إقبالُ إحدى القدمين على الأخرى (^٥).
وقال أبو عبيد (^٦): الحنيفُ عند العرب: مَنْ كان على دينِ إبراهيمَ ﵇.
وقال ذو الرُّمَّة:
_________________
(١) هي قراءة الأعرج وابن جندب. انظر "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ١٧).
(٢) انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد (١/ ٥٥٦).
(٣) في (ر) و(ف): "بصير".
(٤) في (ر) و(ف): "وقيل".
(٥) انظر "تهذيب اللغة" للأزهري (٥/ ١١٠) (مادة: حنف).
(٦) كذا وقع في النسخ، والقول في "تهذيب اللغة" للأزهري (٥/ ١١٠) عن أبي عبيدة، وهو في "مجاز القرآن" (١/ ٥٨).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
إذا بلغ الظلُّ العشيَّ رأيتَه حنيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنصَّرُ (^١)
يصف الحرباء باستقباله (^٢) الكعبةَ عشيًّا، وتوجُّهه إلى المشرق غُدوة.
وقيل: الحنيفُ عند العرب: مَن اختتنَ وحجَّ البيت، وفي الإسلام صار اسمًا للمسلم (^٣).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: في كلِّ موضع ذكر الحنيف مع المسلم؛ فهو الحاجُّ، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وفي كلِّ موضع ذُكِر (^٤) وحده فهو المسلم، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] (^٥).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هو أي: لم يكن كذلك، قطَعَ دعوى المخالفين؛ فإنَّ (^٦) كلَّ فريق من أهل الضَّلالِ كانوا يَدَّعون أنَّ دينَه دينُهم، فأكذَبهمُ اللَّهُ تعالى في ذلك.
* * *
(١٣٦) - ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "ديوان ذي الرمة" (٢/ ٦٣٢)، وفيه: "إذا حول" بدل: "إذا بلغ".
(٢) في (ف): "باستيصاله".
(٣) هو قول الأخفش كما في "تهذيب اللغة" (٥/ ١١٠).
(٤) في (ف): "ذكره".
(٥) لم أقف عليه بهذا السياق، لكن روى الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٩٣) عن ابن عباس قال: ﴿حَنِيفًا﴾: حاجًا.
(٦) في (ر): "لأن" وفي (ف): "وإن".
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ هو دليلٌ على (^١) أنَّ الإقرار شرطٌ.
وقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: صدَّقنا بألوهيَّة اللَّه تعالى، ووحدانيَّته، وبجميع ما جاءَ مِن عنده، وفيه اشتراطُ التَّصديقِ بالقلب، وهذا تعليمٌ للمؤمنين جوابَ أهل الكتاب حين قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: وما أُنزل على نبيِّنا مِن القرآن، والإنزالُ إليه إنزالٌ إلى أُمَّتِه؛ لأنَّ حكم المنزَل يَلزمُ الكُلَّ.
وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: مِنَ الصُّحف، وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم أولادُه وحوافده؛ أي: وبما أُنزِل إلى هؤلاء.
والأسباطُ في قول ابن عبَّاس ﵄: أولادُ يعقوب ﵇ (^٢)، واحدهم سِبْط، وهو ليس باسمٍ للولد الواحد، ولكنَّ السِّبطَ كالطَّائفة والفرقة في الأصل، والأسباطُ في أولاد إسحاق؛ كالقبائل في أولاد إسماعيل، وهم (^٣) جماعةٌ مِن أبٍ وأمٍّ، مأخوذٌ من السِّبط؛ وهي (^٤) شجرةٌ واحدةٌ لها أغصانٌ كثيرةٌ، وفي الحديث: "الحسينُ (^٥) سِبْطٌ مِنَ الأسباط" (^٦)؛ أي: أمَّةٌ مِنَ الأمم في الخير،
_________________
(١) لفظ: "على" من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٧ - ٨).
(٣) في (ر): "وهما".
(٤) في (أ): "وهو".
(٥) في النسخ الخطية: "الحسن"، والمثبت من مصدري التخريج.
(٦) أخرجه الترمذي في "سننه" (٣٧٧٥)، وابن ماجة (١٤٤) من حديث يعلى بن مرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وفي الحديث: الحسنُ والحسينُ سِبطا رسولِ اللَّه -ﷺ- (^١)؛ أي: قطعتان منه.
وأولادُ يعقوب سُمُّوا أسباطًا وهم اثنا عشر؛ لأنَّه وُلدَ لكلِّ ابنٍ منهم أُمَّةٌ مِنَ النَّاس، وهم اثنا عشر ابنًا؛ يوسف، وابن يامين -وقيل: بنيامين-، وروبيل، ويهودا، وشمعون، ولاوي، ودان، وقِهاب (^٢)، ويشجر، ونفتالن (^٣)، وجاد، وآشر (^٤)، ويقال: ربالون (^٥) مكان: قهاب، ويشتاخر مكان: يشجر، ويعثال مكان: نفتالن، وحاد (^٦) مكان جاد، واللَّه تعالى أعلم بالصَّحيح من الرِّواية، ثمَّ ظاهرُ القرآن يدلُّ على أنَّهم أنبياء؛ لذِكْرِ الإنزال عليهم، وقد اختلف فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: آمنَّا بما أُعطِي موسى مِنَ التَّوراة والمعجزات.
وقوله تعالى: ﴿وَعِيسَى﴾ أي: وبما أُعطِي عيسى مِنَ الإنجيل والمعجزات.
_________________
(١) جاء هذا اللفظ في حديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٦٧٦) عن جابر وابن عباس ﵃ في خبر اقتصاص عكاشة من رسول اللَّه -ﷺ- في قصة طويلة فيها ذكر وفاة رسول اللَّه -ﷺ-، وفيها أن الحسن والحسين قالا: يا عكاشة أليس تعلم أنا سبطا رسول اللَّه؟ فالقصاص منا كالقصاص من رسول اللَّه -ﷺ-. . . وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٩٧ - ٣٠١) وقال بعده: هذا حديثٌ موضوعٌ محالٌ، كافأ اللَّه من وضعَه، وقبَّح مَن يشينُ الشَّريعة بمثل هذا التخليطِ البارد، والكلام الذي لا يليق بالرسول -ﷺ- ولا بالصحابة، والمتَّهمُ به عبد المنعم بن إدريس.
(٢) اسمه كما في "تفسير الطبري" (٢/ ٥٩٨) عن السدي: "قهاث".
(٣) في (أ): "تقتالن" في هذا الموضع والذي يليه، واسمه كما في "تفسير الطبري" (٢/ ٥٩٩) عن ابن إسحاق: "نفثالي".
(٤) في (ف): "واشتر".
(٥) في (أ): "زبالون" وفي (ف): "روبالون".
(٦) في (ف): "وخاد".
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: وبما أُعطِي داودُ من الزَّبور وسائرُ الأنبياء من الدلالات.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ولعلَّه اختصارٌ؛ أي: بين أحدٍ منهم وآخر، أو: وغيره؛ أي: في الإيمانِ فنؤمنُ ببعضٍ ونَكفرُ ببعض؛ كاليهود والنَّصارى.
وقيل: أي: لا نقولُ: إنَّهم متفرِّقون في أصل الدِّين، نقول: أصلُ دين الكُلِّ يوحِّدون؛ أي: (^١) التوحيدُ والطَّاعة، وإن اختلفت شرائعُهم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: مخلِصونَ مطيعونَ منقادون، ثمَّ ذكر في هذه الآية: النبيِّين، وكذلك في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال في قولِه: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وكذا في قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فاستدلَّ بذلك بعضُهم أنَّه لا فرقَ بين الأنبياء والرُّسل.
وقيل: بينهما فرق، قال (^٢) تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية [الحج: ٥٢]، وكلُّ رسولٍ نبي، وليس كلُّ نبيٍّ رسولًا.
وقال الإمام أبو منصور رحمه اللَّه تعالى: هذه الآية تَنقضُ على مَن يستثني في إيمانه؛ لأنَّه أمرَهُم أن يقولوا ذلك قولًا باتًّا لا ثنيا فيه (^٣).
* * *
_________________
(١) قوله: "يوحدون أي" ليس في (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "وقال".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٧٧).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
(١٣٧) - ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ قال الإمامُ أبو منصور ﵀: رُوِي عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: لا تقرؤوا: ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فإنَّ اللَّه تعالى ليس له مثل، ولكن اقرؤوا: (فإن آمنوا بالذي آمنتم به)، أو (بما آمنتم به) (^١)، وكذلك هو في مصحف عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (^٢).
قال: ويَحتملُ أن يكون معناه: فإنْ آمنوا بلسانِهم، بمثل ما آمنتُم به بلسانِكم؛ بالكُتُب والرُّسل جميعًا، فقد اهتدوا.
وقال: ويَحتملُ أي: بلسانٍ (^٣) غيرِ لسانِهم فقد اهتدوا (^٤).
وقالوا: لا يصحُّ عن ابن عباس ﵄ ما حُكِيَ عنه، فإنَّه خلافُ القراءة المجمَع عليها، إلَّا أن يُحمَل على أنَّه أراد به: لا تتأوَّلوه على أن تجعلوا للَّه مثلًا، فإنَّه شركٌ، وتأوَّلوه على ما يَصِحُّ في التَّأويل مِن غير تمثيل.
وقيل: معنى ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: مثلَ ما آمنتم به (^٥)، و﴿مَا﴾ مع الفعل مصدر، وتقديره: فإن آمنوا مثلَ إيمانِكُم، والباءُ زائد، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٦]، وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان: ٦] أي: يشربها.
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٠٠)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٤٤) (١٣٠٦).
(٢) القراءة ذكرها ابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ١٧).
(٣) بعدها في (ر): "أي".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٧٧ - ٥٧٨).
(٥) قوله: "مثل ما آمنتم به" من (أ).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وقيل الباء بمعنى "على"؛ أي: على مثلِ إيمانِكم، وهو كقوله (^١): كتبتُ بمثل ما كتبَ فلانٌ، وعلى مثلِ ما كتبَ فلان.
وقيل: معناه: فإن آمنوا بإيمانٍ مثلِ إيمانِكم.
وقيل: معناه: بما (^٢) آمنتم به، وكلمةُ مثل زائدةٌ (^٣)؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي: ليس كهوَ شيءٌ (^٤)، وهو كما يُقال: لا يُقال لمثلي هذا؛ أي: لي.
وقوله (^٥): ﴿فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ أي: أصابوا الصِّراطَ السَّوِيَّ، وبه يَهديهِم ربُّهم إلى الجنَّة، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، وقال في حقِّ الكفَّار: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]؛ أي: اعرَضوا، وتُوصَلُ بـ "عن"، فيقال: تَولَّى عنه، بمعنى أعرض عنه، فإذا قيل: تولَّى إليه، فهو بمعنى الإقبال عليه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤]، وتولَّاه؛ أي: اتَّخذه وليًّا، قال تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]، وقولُه: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]؛ أي: يَلِي حفظَهم وكفايتَهم بنفسِه، وقولُه: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]؛ أي: نَكِلُهُ إلى ما اختارَه لنفسِه.
ومعنى قوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمانِ بما آمنتُم به.
_________________
(١) في (أ): "كقولهم".
(٢) في (ر): "مثل ما"، وفي (ف): "بمثل ما" بدل: "بما".
(٣) في (أ): "زيادة".
(٤) قوله: "أي ليس كهو شيء" من (أ).
(٥) في (ر) و(ف): "وله" بدل: "وقوله".
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أي: في خِلافٍ وعداوةٍ، وقد شاقَّهُ (^١) يُشاقُّه مُشَاقَّةً وشِقاقًا؛ أي: صار هو في شِقٍّ -أي: جانبِ- وذلك في شقٍّ، وقوله: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣]؛ أي: خالفوه، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أي: خلاف ما بينهما، وقولُه تعالى: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ [هود: ٨٩]؛ أي: عداوتي. وقيل: هو مشتقٌّ مِن المشقَّةِ، وإذا خالفَه أو عاداه، فقد طَلبَ مشقَّتَهُ.
وقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: لا تحزن (^٢) يا محمَّدُ بخلافِهم وعداوتهم، فسوف يكفيكَ اللَّهُ شرَّهُم.
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: يَسمعُ مَقالَ الموحِّدينَ فيه (^٣)، فيثيبُهم، ومقالَ الكفَّار (^٤)، فيعاقبُهم، والعليمُ باعتقادِ الفريقين، فيجزي الكلَّ على اعتقادِهم.
ويحتمل: ﴿السَّمِيعُ﴾ دعاءَك، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحاجتِك، فيجيبُك.
وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ كلمةٌ تَنتظمُ سبعة (^٥) أشياء؛ فاءَ الجوابِ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، وسينَ سوف على اختصار، والياءَ الحادثة للاستقبال، ووعدَ الكفايةِ، وكاف خطابِ النبيِّ -ﷺ-، وهو مفعولٌ بـ "يكفي"، وهاءَ المغايبة، وميمَ الجمع، وينصرفُ إلى أهل الكتاب، ومحلُّها نصبٌ؛ لأنَّه مفعولٌ ثاني لـ "يكفي".
* * *
_________________
(١) بعدها في (ر): "الرجل".
(٢) بعدها في (ف): "عليهم" وهي مقحمة.
(٣) في (ف): "فيهم" بدل: "فيه"، وليس في (ر).
(٤) بعدها في (أ): "فيه".
(٥) في (ر) و(ف): "بسبعة".
[ ٢ / ٤٨٠ ]
(١٣٨) - ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي: قولوا: نتَّبعُ صبغةَ اللَّه، وذُكِرَ فيه وجوهٌ، وهذا أصحُّها، فقد قيل: هو على الإغراء، وقيل: معناه الزَموا واتَّبعوا صبغةَ اللَّه. لكن تَضعُف تلك الأقاويلُ بآخرِ هذه الآية؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾، ويعلم به أنَّ أوَّلَ الآيةِ محمولٌ على ما قلنا وهو كما تقدَّم: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^١).
وصبغةُ اللَّه: دين اللَّه، وله أسماء (^٢) كثيرةٌ، عَددْناها في (^٣) تفسير قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥].
وإنَّما سُمِّيَ صبغةً (^٤) لما أنَّه للمسلمين بدلٌ مِن صَبغِ النَّصارى أولادَهم في ماء المعموديَّة؛ لأنَّهم كانوا يفعلون ذلك بالمولودِ في اليوم السَّابع مِن ولادتِه، ويقولون: صبغناهُ بالنَّصرانيَّة، أو طهَّرناهُ بهذا الماء، فذَكرَ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ على مقابلةِ ذلك، وهذا معنى ما قالهُ الفرَّاء (^٥).
وقال قتادة (^٦): اليهودُ تصبُغ أبناءَها يهودًا، والنَّصارى تَصبُغ أبناءَها نصارى (^٧)؛ أي: يُلقِّنونَهم دينَهم، فيُشْرَبُون ذلك في (^٨) قلوبِهم، كما يُشرَبُ الصِّبغُ في الثَّوب.
_________________
(١) يعني: بل نتبع ملةَ إبراهيم، كما سلف عند تفسيرها.
(٢) في (أ): "أسامي".
(٣) في (أ): "عند".
(٤) في (ر): "صبغة اللَّه".
(٥) انظر "معاني القرآن" للفراء (١/ ٨٣).
(٦) بعدها في (ر): "إن".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٠٣).
(٨) "في" ليس في (أ).
[ ٢ / ٤٨١ ]
وعن عمر ﵁ أَنَّه كتبَ في عهدِ نصارى بني تغلب؛ أن لا يَصبُغوا أولادَهم، ولكن يتركونَهم حتَّى يبلغوا، ويختاروا لأنفسِهم ما شاؤوا (^١)؛ أي: لا يُلَقِّنونهم دينَهم.
فقال (^٢) اللَّه تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: تلقينَهم يوم الميثاق؛ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وقال ابنُ الأنباريِّ: لم يخاطب اللَّهُ العربَ بهذا إلَّا وهي تعرفُه، وكانوا يقولون: فلان يَصبُغُ فلانًا في الشرِّ، إذا أدخلَه فيه و(^٣) ألزمهُ إيَّاه كما يَلزَمُ الثَّوبُ الصِّبغَ (^٤)، أنشد (^٥) ثعلب:
دعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بالنَّجاةِ تَحرُّزًا إذا أنت لم يَصْبِغْكَ في الشَّرِّ صابغُ
ولكن إذا ما الشَّرُّ أرْخى قِناعَهُ عليكَ فجَوِّدْ دبغَ ما أنت دابِغُ (^٦)
وصبَغَ يَصبَغُ، بفتح الباء (^٧) في المستقبل، وفي (^٨) ضمِّها وكسرها ثلاثُ لغاتٍ.
_________________
(١) رواه البيهقي في "الكبرى" (١٨٧٩٥).
(٢) كذا في النسخ، ولعلها: "وقال" يعني بداية قول مغاير لما قبله.
(٣) في (أ): "أو".
(٤) ما نسبه المصنف لابن الأنباري، لم أقف عليه فيما بين يدي من مصنفاته، وهو دون نسبته له في "التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ٣٦٠)، ولابن الأنباري كلام حول هذا المعنى في "الزاهر" (١/ ٣٤٠ - ٣٤١) وهو مغاير لما هنا، وذكر البيتين الآتيين دون العزو لثعلب.
(٥) في (أ) و(ر): "أنشد".
(٦) البيتان دون عزوهما لثعلب في "الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٣٤١)، و"أساس البلاغة" للزمخشري (مادة: دبغ وصبغ). وذكر الواحدي الأول منهما في "التفسير البسيط" (٣/ ٣٦٠) وعزاه لثعلب.
(٧) في (ر) و(ف): "بضم الياء" بدل: "بفتح الباء".
(٨) "في" ليس في (أ).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ استفهامٌ في معنى الجَحْدِ؛ أي: لا أحدَ أحسنُ دينًا وتلقينًا مِن اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾؛ أي: باتِّباعِنا ملَّةَ إبراهيمَ وصبغةَ اللَّه، والعابدُ: العاملُ بحقِّ العبوديَّة في مرضات اللَّه ﷿.
* * *
(١٣٩) - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ الألف ألف الاستفهام، وهو للتَّوبيخ والاستنكار (^١) هاهنا، ومعناه عند ابن عباس ﵄: لم تُجادِلوننا (^٢)، وعند مجاهدٍ: لم تخاصموننا (^٣).
والمحاجَّةُ مفاعلةٌ بين اثنين في إيراد الحجَّةِ على ما يَدَّعي.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قالت اليهودُ والنَّصارى نحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه، ونحنُ أولى باللَّه منكم، فنزلَت هذه الآيةُ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ فاستَوَينا نحن وأنتم في عبوديَّتِه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؛ أي: فلا يُجزَى أحدٌ إلَّا بعملِهِ، ولا فضلَ لمن قَصُر عمله.
_________________
(١) في (ر): "والإنكار".
(٢) في (أ): "تحاجوننا".
(٣) أخرج قوله وقول ابن عباس الطبريُّ في "تفسيره" (٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨).
(٤) أورده الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٨٠).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ أي: الاعتقادَ والعملَ، لا أنتم، فكيف تكونون أفضلَ منَّا وأولى منا؟
وقال الكلبيُّ وغيرُه: أي: فاستوينا نحن وأنتُم في عبوديَّتِه، وإنَّ اليهودَ والنَّصارى -لعنهم اللَّه- خاصموا أهلَ الإسلام في الدِّين، فقالوا: نحن أهلُ الكتابِ الأوَّلِ والعلمِ القديم، ونحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه، ولسنا من العربِ من عبدةِ الأوثان، فنحن أولى بالحقِّ (^١) وبالفضل، وبأن يكون الرَّسولُ منَّا، ويُلتَمَسَ الحقُّ مِن عندنا، فنزلَت الآية: قل يا محمد: أتجادلوننا في دين اللَّه تعالى واللَّهُ عزَّ وعلا ربُّ الكلِّ، غنيٌّ عن الكلِّ، لا ينفعُه طاعةُ مطيعٍ، ولا يَضرُّهُ عصيانُ عاصٍ، ولا نؤاخذُ نحن بأعمال غيرِنا مِن سلفِ (^٢) المشركين، ونحن الآن مِن المخلصين.
* * *
(١٤٠) - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ (^٣) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾
قرأ ابنُ كثير ونافعٌ ويزيدُ وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد والمفضل بالياء على المغايبة.
_________________
(١) بعدها في (ر): "منكم".
(٢) بعدها في (ر): "من".
(٣) كذا في (أ) و(ر)، ولم ينقط حرف المضارعة في (ف).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وقرأ الباقون بالتاء على المخاطبة (^١)؛ بناءً على قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ (^٢) أم تقولون: إنَّ هؤلاء الأنبياء كانوا على دينكم، فبأيِّ الحجَّتين تتعلقون؛ أبالتوحيد (^٣)، ونحن الموحِّدون دونكم، أم باتِّباعِ دينِ الأنبياء، ونحن المتبعون دونكم؟
وقراءةُ الياء على الإعراض (^٤) عن الخطابِ، استجهالًا (^٥) لهم بما كان منهم، كما يُقبِلُ العالِمُ على مَن بحضرتِه إذا ارتكبَ مَن يُجادلهُ جهالةً، فيقول: قد قامت الحجَّةُ عليه أم يقول (^٦) هو (^٧) بإبطالِ النَّظرِ المؤدِّي إلى المعرفةِ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ أي قل: يا محمَّد، أتجادلوننا (^٨) في دين اللَّه، أم تقولون: إن هؤلاء الأنبياء كانوا على ملَّتكم؛ وليس كذلك، وما كانوا إلَّا مسلمين على الدِّين الذي نحنُ عليه، كذا أخبرَنا ربُّنا، أفأنتم (^٩) أعلمُ بأديانهم، أم اللَّه تعالى؟ أي: فاللَّهُ تعالى أعلمُ بهم (^١٠) منكم، وقد علِمَ منهم خلافَ ما تقولون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قيل: ولا أحد أظلم منكم معاشرَ أهل الكتاب؛ استفهامٌ بمعنى الجَحْدِ، وكذا ما قبلَه: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾،
_________________
(١) انظر "السبعة" (ص: ١٧١)، و"التيسير" (ص: ٧٧).
(٢) بعدها في (ر): "أي".
(٣) في (ر) و(ف): "بالتوحيد".
(٤) بعدها في (ف): "عن الأغراض"، وأضيفت في (ر) محرفة في غير موضعها!!
(٥) لفظ: "استجهالًا" من (أ).
(٦) في (ر) و(ف): "يقولون" بدل "يقول".
(٧) بعدها في (ر) و(ف): "باطل".
(٨) في (أ): "أتحاجوننا".
(٩) في (ر) و(ف): "فأنتم".
(١٠) في (ر) و(ف): "به".
[ ٢ / ٤٨٥ ]
يقول: لا أحدَ أظلمُ منكم؛ إذ كتمتُم مِن اللَّه شهادةً عندكم، وأنتم شهداءُ بأنَّ هؤلاء الأنبياء لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وأنَّ محمَّدًا نبيٌّ، وهو على دينِهم، قد علمتُم هذا، ووجدتموهُ في كتابكم، فعلى هذا القول قولُه: ﴿مَنَ اللَّهِ﴾ يتعلَّقُ بالكتمان، يقال: كتمتُك الشهادةَ، وكتمتُ منك الشَّهادةَ؛ أي: لم أقمْها عندكَ، فكأنَّه قال: ومَن أظلمُ ممَّن عندهُ شهادةٌ، فلم يقمْها عند اللَّه ﷻ وبينَ عباده، بل كتمَها وأخفاها، فظلمَ بذلك نفسَهُ.
وقيل: معناه: ومَن أظلمُ ممَّن كتمَ شهادةً جاءتهُ من اللَّه، فحرَّفها وأخفاها، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ على هذا يتعلَّق بالشَّهادة؛ أي: الشهادة من اللَّه.
وقال الحسن: هذا قولُ المؤمنين لأهلِ الكتاب: ومَن أظلمُ منَّا؛ أي (^١): إن تابعناكُم على ما تقولون بعد أن حصلَت عندنا شهادةٌ مِن اللَّه عليكم بالكذبِ في قولكم: إنَّ هؤلاء الأنبياء كانوا هودًا أو نصارى (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ مِن كتمانِ الشَّهادةِ بصدق محمَّدٍ -ﷺ-، والبشارةِ به.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا على الوعيد؛ أي: لا تحسبوا أنَّه غافلٌ عمَّا تعملون.
ويجوز أن يكون معناه: لم يُنْسِئهم على غفلةٍ ممَّا يعملون، بل على علمٍ بما يعملون، خلقهم ليُعلَمَ أنَّه ليس له في شيءٍ مِن عملِ الخلْق حاجةٌ ليخلقهم على رجاء النَّفع له، بل خلقَهم وهو يعلمُ أنَّهم يعصونه (^٣).
_________________
(١) لفظ: "أي" من (ف).
(٢) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦١١)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٤٦) (١٣٢٠).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٨١).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
فإن قالوا: قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ نَفى علمَهم (^١)، وإثباتُ الشَّهادة عندَهم إثباتُ عليم لهم؛ إذ الشَّهادةُ لا تكونُ إلَّا بعلمٍ؟
قلنا: كانوا يَعرفونه كما يعرفون أبناءَهم، ولمَّا كَتموا ذلك التحَقوا بالجهَّال؛ لفوت نفع العلم.
* * *
(١٤١) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ التكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير.
وقيل: هذه محاجَّةٌ في غير ذلك الزمان، وغير ذلك المكان.
وقيل: الأُولى ترجعُ إلى أسلافِهم؛ أي: تلك الأسلاف قد مضت، وهذه في إبراهيم ومَن معه.
ووجهُه أنها مع فضلِها (^٢) ونبوَّتها، إذا لم ينفعْها عندَ اللَّهِ إلَّا ما كسبت بأنفُسِها، فأنتم أحرى أن لا ينفعَكم عند اللَّه ما كسبوهُ، ولا تَنتفعون إلَّا بما تَكسِبونه، فلا تتَّكِلوا على أفعالهم.
* * *
(١٤٢) - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
_________________
(١) في (ر): "عنهم العلم"، وفي (ف): "عنهم" بدل: "علمهم".
(٢) في (ف): "فعلها".
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: الجُهَّالُ الضُّعفاءُ العقولِ.
قال ابن عباس والبراء بن عازب ﵃: هم اليهود (^١).
وقال الحسنُ: هم مشركو العرب (^٢)؛ لمَّا حُوِّلَ رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى الكعبةِ مِن بيت المقدس، قالوا: يا محمَّدُ، رغبتَ عن قِبلةِ آبائك، ثمَّ رجعتَ إليها آنفًا، واللَّه لترجِعنَّ إلى دينِهم.
وقال السُّدِّيُّ: هم المنافقون، قالوا ذلك استهزاءً بالإسلام (^٣).
وقوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ﴿مَا﴾ كلمةُ استفهام بمعنى الاستنكار (^٤).
وقوله ﴿وَلَّاهُمْ﴾ أي: صرفَهم، يقال: تولَّى عن كذا؛ أي: انصرفَ عنه، وولَّاهُ غيره؛ أي: صرفَهُ.
وقوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: جهتهم التي يستقبلونَها في الصَّلاة، وأرادوا بها بيتَ المقدس.
وقوله ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؛ أي: على التَّوجُّه إليها.
وانتظامُها بما قبلَها أنَّه قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وهم اليهودُ والنَّصارى، سمَّاهم سفهاءَ، وذكر بعدها آياتٍ فيما قالوا، ثمَّ أخبرَ أنَّ هؤلاء السُّفهاء يقولون هذا.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦١٦ - ٦١٧). وقول البراء رواه البخاري في "صحيحه" (٤٠)، (٣٩٩) مطولًا.
(٢) أورده الواحدي في "البسيط" (٣/ ٣٦٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦١٦)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٤٧) (١٣٢٤).
(٤) في (ر): "الإنكار".
[ ٢ / ٤٨٨ ]
واختُلِفَ في قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ أنَّ هذا إخبارٌ عنهم قبل أن يقولوا، أو بعد ما قالوا؟ فأكثرُهم على أنَّه لمَّا حُوِّلت القبلةُ إلى الكعبة، قالت اليهودُ ذلك، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، ثمَّ قولُه: ﴿سَيَقُولُ﴾ وإن كان هذا لمحض الاستقبال، ولكن معناه: ستواصِلُ اليهودُ هذا القول، ويَدومون عليه طعنًا (^١) فيكم، والقولُ ممَّا يُكَرَّر، فيجوز الإخبارُ عنه بهذه الصيغة؛ فيما وُجِد، وفيما يُوجَدُ مكرَّرًا (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: ولمَّا حُوِّلَت القبلةُ مِن بيت المقدس إلى الكعبةِ، جاء كعب بنُ الأشرف، ورفاعةُ بنُ قيس، وفروةُ (^٣) بن عمرو، ونافعُ بنُ أبي نافع، والحجَّاجُ بنُ عمرو، وكِنانةُ بنُ أبي الحُقَيق وجماعة، وقالوا: يا محمَّدُ، ما ولَّاك عن قبلتِكَ التي كنت عليها، كُنْ على قِبلةِ بيت المقدس، نتَّبعْكَ ونُصدِّقك، وأرادوا (^٤) فتنةَ النبيِّ -ﷺ- فسمَّاهُم اللَّه سفهاء (^٥)؛ لأنَّهم كانوا نوافلَ إبراهيمَ، والكعبةُ بناؤه وقبلتُهُ، ومع ذلك رَغِبوا عنها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان وعدَ اللَّهُ نبيَّه ﵊ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكعبة، فأخبرَه بهذا عمَّا يقولُه اليهودُ إذا حُوِّلت، وكان هذا قبل أنْ تُحَوَّلَ، وقبل أن يَقولوا له شيئًا، ألا ترى إلى قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، ولو لم يكن له وعدٌ بذلك، لكان تقلُّبُ وجهِهِ إلى السَّماء تخيُّرًا منه وتحكُّمًا عليه، وليس لأحدٍ على اللَّه ذلك، فدلَّ على الوعدِ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ظنًّا".
(٢) في (ر) و(ف): "تكرارًا".
(٣) في المصادر: "قردم" بدل: "فروة".
(٤) بعدها في (ر): "به".
(٥) رواه الطبري (٢/ ٦١٩)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨) (١٣٢٧). وانظر "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٥٠).
[ ٢ / ٤٨٩ ]
قال: ثمَّ فيه إثباتُ رسالةِ محمَّدٍ -ﷺ-، حيث كان أخبرَهُ على ما أخبر، وكان كذلك، فدلَّ أنَّه عَلِمَ ذلك باللَّه.
قال: ثمَّ إنَّ اليهودَ قالوا ذلك؛ لأنَّهم لا يَرون نسخَ الشَّرائعِ والأحكام، ويقولون: هذا (^١) كالبَداء والرُّجوع، وذلك فعلُ مَنْ يَجهلُ عواقبَ الأمور، كبانٍ بنى بناءً ثمَّ نقضَهُ.
وهذا جهلٌ مِن اليهود، والنَّسخُ عندنا هو بيانُ مُنتَهى الحكمِ إلى وقتٍ، وليس فيه بَداءٌ، ولا نقض لما مَضى، بل تجديدُ حكمٍ في وقتٍ بعد انقضاءِ حكم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: قل يا محمَّدُ، للَّه الأمكنةُ والنواحي كلُّها (^٣)؛ يأمرُ عبادَه أنْ يتوجَّهوا إلى أيِّ جهةٍ شاءَ، شرقًا أو غربًا، فالطَّاعةُ له في الائتمار بأمرِه، لا في عين التوجُّه نحو المشرقِ أو (^٤) المغرب لهوًى هووه، أو لتمنٍ تمنَّوه؛ لأنَّ اليهودَ -لعنهم اللَّه- جعلوا قِبلتَهم المغربَ اتِّباعًا لهواهم، وكذا النَّصارى، اتَّخذوا المشرقَ قبلةً بهوى أنفسِهم، والمسلمون اتَّبعوا الأمرَ في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: يُرشِدُ مَن يَشاءُ إلى قبلةِ الحقِّ، وهي الكعبةُ التي أَمَرَ بها، فيتوجَّهون إلى حيث أُمِروا به لا إلى حيث يَهوَون.
وقيل: أي: إلى أيِّ الجهات ولَّاهم فتوجَّهوا إليها، فهم على هُدًى واستقامةٍ؛ لأنَّهم بأمره توجَّهوا إليها.
وقالوا: لمَّا كانوا بمكَّة، أُمِروا أن يتوجَّهوا إلى بيتِ المقدسِ؛ ليَتميَّزوا به مِن
_________________
(١) في (أ): "هو".
(٢) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٨٢).
(٣) بعدها في (ف): "له".
(٤) في (أ) و(ف): "و".
[ ٢ / ٤٩٠ ]
المشركين، ولمَّا انتقلَ رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى المدينة، وكانت اليهودُ بها يتوجَّهون نحو بيت المقدس، نُقِلوا إلى الكعبة، ليَتميَّزوا منهم، كما تَميَّزوا من أولئك.
ورَوى أبو صالحٍ عن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ -ﷺ- كانت قبلَتُهُ نحو بيتِ المقدس، فصلَّى إليها مع أصحابِه بعد مقدمه المدينة نحوًا مِن سبعةَ عشرَ شهرًا (^١). وكذا قال البراءُ بنُ عازب (^٢).
وقال قتادةُ: ستة عشر شهرًا (^٣).
وقال أنس: تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهر (^٤).
وقال قتادة: صلَّى الأنصارُ نحو بيت المقدس حَولين قبل قدومِ النبيِّ ﵊، وصلَّى النبيُّ بعد قدومه المدينة نحو بيت المقدسِ ستَّة عشرَ شهرًا (^٥)، ثمَّ وجَّهَهُ اللَّهُ تعالى إلى الكعبة، فقالت اليهودُ لعنهم اللَّه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاقَ الرَّجلُ إلى مولده! فقال (^٦) اللَّه عزَّ وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية (^٧).
_________________
(١) لم أقف على رواية أبي صالح عنه، وهي كذلك (أي: سبعة عشر شهرًا) في رواية سعيد بن جبير أو عكرمة عند الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦١٩). وفي رواية علي بن أبي طلحة عنه أنه -ﷺ- استقبل بيت المقدس بضعة عشر شهرًا. رواها ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٤٨) (١٣٢٩).
(٢) رواه البخاري (٤٠)، (٣٩٩)، وفيه أنه -ﷺ- صلى إلى بيت المقدس في المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا. وسلفت الإشارةُ إليه عند أول الآية.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٤٠)، وسيأتي قريبًا مطولًا.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٢١).
(٥) من قوله: "وقال أنس تسعة" إلى هنا من (أ).
(٦) في (ف): "قال".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٤٠).
[ ٢ / ٤٩١ ]
فكانوا يقولون: الأرضُ المقدَّسةُ مواطنُ الأنبياء، ولها شرفٌ قديمٌ، فأُخبِر (^١) أنَّ المواطنَ كلَّها للَّه، يُشَرِّفُ منها ما يشاءُ في كلِّ زمانٍ على ما علمَ مِن مصالحِ عبادِه فيه.
وقال مقاتل بن سليمان: كان النبيُّ -ﷺ- يُصلِّي بمكَّة ركعتين بالغَداةِ، وركعتين بالعَشِيِّ، فلمَّا عُرِجَ به إلى السَّماء، أُمِرَ بالصَّلواتِ الخمس، فصارت الرَّكعتين (^٢) للمسافر، وللمقيم أربعُ ركعاتٍ، فلمَّا هاجر النبيُّ -ﷺ- إلى المدينةِ، وذلك لليلتين خَلتا مِن شهر ربيعٍ الأوَّل، أُمِر (^٣) أن يُصلِّيَ نحو بيت المقدس؛ لئلا يكذِّبَهُ (^٤) اليهودُ؛ لأنَّ نعتَه في التَّوراةِ أنَّه صاحبُ قِبلتين، وكانت الكعبةُ أحبَّ القِبلتين إلى النبيِّ -ﷺ-، فقال لجبريل ﵇: "وَدِدتُ أنَّ ربِّي صَرَفني عن قبلةِ اليهودِ إلى غيرِها"، فقال جبريل: إنَّما أنا عبدٌ، لا أملكُ شيئًا، فسل (^٥) ربَّك ذلك (^٦)، فصَعِدَ جبريلُ ﵇ إلى السَّماء، وجعل النبيُّ -ﷺ- يُدِيمُ النَّظرَ إلى السَّماء، فأنزلَ اللَّهُ تعالى في (^٧) رجب عند الظُّهر قبلَ قتال بدرٍ بشهرين: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية (^٨).
وقال مقاتل بن حيان (^٩): أوَّلُ ما نُسِخ من القرآن أمرُ القِبلة، وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ-
_________________
(١) في (ر): "فأخبروا".
(٢) في (أ): "الركعتان".
(٣) في النسخ الخطية: "وأمر"، والمثبت من "تفسير مقاتل".
(٤) في (ر) و(ف): "يكذبونه".
(٥) في (ف): "فسأل".
(٦) "ذلك" سقط من (ف).
(٧) بعدها في (ر): "شهر".
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٤٤).
(٩) في (ر): "سليمان".
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وأصحابَه ﵃ كانوا يصلُّون بمكَّة إلى الكعبةِ سنتين، فلمَّا هاجرَ أُمِر أنْ يُصلِّيَ نحو بيت المقدس، فقالت اليهود: يزعمُ محمَّد أَنَّه نبيٌّ، وما نُراهُ أحدثَ في نبوَّتِه شيئًا، أليس يُصلِّي إلى قبلتِنا، ويَستنُّ بسنَّتِنا، فإن كانت هذه نُبوَّةً، فنحن أقدمُ وأوفرُ نصيبًا، فبلغَ ذلك رسولَ اللَّه -ﷺ- وشَقَّ عليه، وزادهُ اللَّهُ شوقًا إلى قِبلة الكعبة، فأتاهُ جبريلُ، فقال له النبيُّ -ﷺ-: "وَدِدتُ أنَّ اللَّهَ يَصرِفني مِن قبلةِ اليهودِ إلى غيرها، فإنِّي أبغضُهم وأُبغِضُ موافقتَهم"، فقال جبريل: ليس لي من الأمرِ شيءٌ، وإنما أنا عبدٌ، فعرج (^١)، وخرجَ (^٢) رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى الصَّحراء نحو أُحدٍ، يصلِّي هاهنا ركعتين، وهاهنا ركعتين (^٣) ويدعو اللَّه تعالى أن يجيزَه (^٤) في ذلك.
فلم يَزل كذلك يُديم النَّظرَ إلى السماء حتَّى دخلَ ناحيةَ أُحد، فأنزلَ اللَّهُ تعالى في (^٥) رجب بعد زوال الشمس: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، فنَسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن قبلة بيتِ المقدسِ، وصارت الكعبةُ قبلةَ المسلمين إلى نفخ الصُّور.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ردٌّ على المعتزلة، لأَنَّه أخبرَ أنَّه يَهدي مَن يشاء، فدلَّ أنَّ اهتداءَ العبدِ بهدايتِه (^٦)، وعندَهم ليس كذلك، بل قالوا (^٧): قد يشاءُ هُدى العبدِ فلا يهتدي.
_________________
(١) ذكر الثعلبي منه في "تفسيره" (٢/ ١١) من قول اليهود: يزعم محمد أنه نبي. إلى هنا.
(٢) في (ف): "فخرج".
(٣) قوله: "وها هنا ركعتين" من (أ).
(٤) في (أ): "يخبر له"، ولعلها: "يَخِيرَ له" وفي (ف): "يخبره".
(٥) بعدها في (ر): "شهر".
(٦) في (ر): "بهداية ربه" بدل: "بهدايته".
(٧) لفظ: "قالوا" زيادة من (ف).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
ودلَّ أنَّ مشيئةَ الهداية (^١) ليست للكلِّ، وعندهم هدايتُه (^٢) بيانٌ، وذلك للجميع.
ودلَّ على (^٣) أنَّ السُّنَّةَ يَنسخُها الكتابُ، فإنَّ الصَّلاةَ إلى بيتِ المقدسِ كانت بالسُّنَّة؛ إذ لا ذكرَ له في الكتاب، ثمَّ نُسِخ ذلك بالكتاب.
وعند الشافعيِّ -﵀- لا تُنسَخُ السُّنَّة بالكتاب إلَّا بعد عملِ الرَّسول به، فيصيرُ نسخُ السُّنَّة بالسُّنَّة. وهذا قبيحٌ، ألَّا يكونَ للكتاب من القوَّة ما يَنسخُ سنَّتَه لولا عملُه (^٤).
* * *
(١٤٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: وكما هديناكُم إلى صراطٍ مستقيمٍ، صيَّرناكم أمَّةً وَسَطًا، وهذا وجهُ النَّظمِ.
ووجهٌ آخرُ: كما جعلنا قِبلتكُم خيرَ القِبلتين في الدُّنيا، فكذلك جعلناكُم خيرَ الأممِ في العُقبى.
ووجهٌ آخرُ: إنْ عابَكمُ السُّفهاءُ بما قالوا في الآية الأولى، فإنَّ اللَّهَ تعالى يمدحُكُم في هذه الآية.
_________________
(١) في (أ): "الآية".
(٢) في (ف): "هداية".
(٣) لفظ: "على" من (أ).
(٤) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٨٣).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
وقولُه: ﴿وَسَطًا﴾ روى أبو سعيدٍ الخُدريُّ ﵁: عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "الأمة الوسط: العدل" (^١) أخذَ مِن التَّوسُّطِ في الدِّين، وهو بين الغلُوِّ والتَّقصير، فإنَّهم لم (^٢) يغلوا غلوَّ النَّصارى حيث وَصفوا المسيحَ وهو عبدٌ بالألوهيَّة، وبأنَّه ولده (^٣)، وبأنَّه ثالثُ ثلاثةٍ، ولم يُقَصروا تقصيرَ اليهود، حيث قَتلوا الأنبياءَ، ووصفوا مريمَ بالزِّنى، وعيسى بأنَّه ولدُ الزِّنى.
وقيل: سمُّوا وسطًا؛ لأنَّهم كالمتوسِّط بين الخصمين يَعدلُ ولا يميل، وكالمتوسِّط (^٤) بين شيئين متساويين.
وقيل: سمُّوا وسطًا؛ لأنَّ قبلةَ النَّصارى إلى المشرق، وقبلةَ اليهود إلى المغرب، والكعبةُ في (^٥) الوسط، وهي سرَّةُ الدُّنيا.
وقال أبو عبيدة: الوسطُ: الخيار (^٦)، قال النبيُّ -ﷺ-: قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]؛ أي: خيرُهم وأفضلهم (^٧).
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" (٧٣٤٩)، والترمذي في "سننه" (٢٩٦١)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٩٣٩)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٢٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، وغيرهم.
(٢) في (ر) و(ف): "لا".
(٣) في (أ) و(ف): "ولد".
(٤) في (أ): "وكالوسط".
(٥) في (أ): "إلى".
(٦) انظر "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٥٩).
(٧) ورد في "صحيح البخاري" (٣٥٧٠) في حديث الإسراء، وهو عن أنس بن مالك ﵁، أنه جاء النبي -ﷺ- ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو وهو نائم في مسجد الحرام، فقال أولهم: أيُّهم هو؟ فقال: أوسطهم: هو خيرهم.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
وقال أحمدُ بن فارس: الوَسَط -بالفتح- مِن كلِّ شيءٍ أعدلُه، وضَرَبتُ وَسَطَ رأسِه - بفتح السِّين، وجَلستُ وسْطَ القوم؛ بالسُّكون، وهو أوسطُهم حَسَبًا، إذا كان في واسطةِ قومه (^١)، وواسطةُ القلادةِ أفضلُها.
وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: للأنبياء (^٢)، ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، كما في قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: للنصب، و﴿النَّاسِ﴾ هم الأنبياء هاهنا، كما في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: ذكرت للأنبياء (^٣).
وقيل: كلمة ﴿عَلَى﴾ لحقيقتها هاهنا، و﴿والنَّاسِ﴾ هم الكفار هاهنا، وهم أممُ الأنبياء الذين (^٤) لم يؤمنوا، وتقديره: لتكونوا شهداءَ على الكفَّار للأنبياء يوم القيامة، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، فتقولُ الكفَّار: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذير، وتقول الأنبياءُ قد بلَّغنا، فإذا أنكر الأممُ احتاجَ الأنبياءُ إلى إثبات ذلك، فيأتون محمَّدًا ﵊، يلتمسُ كلُّ رسول منهم طائفةً من أمَّته تَشهدُ له على أمَّته، وإذا شهِدوا، قال الكفَّار: كيف تشهدون، ولم تكونوا في زماننا؟ فيقولون: أخبرنا اللَّه تعالى به (^٥) في كتاب نبينا؛ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ الشعراء: ١٠٥]، وكذا في سائر القَصص (^٦).
_________________
(١) انظر "مجمل اللغة" لابن فارس (٢/ ٩٢٤).
(٢) في (أ): "الأنبياء".
(٣) في (ف): "هم الأنبياء هاهنا" بدل من "أي ذكرت للأنبياء" والأخيرة مذكورة في هامشها نسخة.
(٤) في (ف): "والذين".
(٥) في (ف): "بذلك".
(٦) شهادة أمة محمد -ﷺ- للأنبياء على أممهم وردت في "صحيح البخاري" (٣٣٣٩)، (٤٤٨٧)، (٧٣٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، واعتراض كفار الأمم على شهادتهم رواه =
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: لكم، كما في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، ومعناه: مُزكِّيًا مُعدِّلًا.
وقال القفَّال: للمفسِّرين فيها ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنَّها تكونُ منهم على قوم نوحٍ خاصَّة.
والثاني: أنَّها تكونُ على كفَّارِ أمَّة هذه الدَّعوة، وهي (^١) دعوةُ نبيِّنا محمَّدٍ -ﷺ-.
والثالث: أنها تكونُ منهم على جميعِ الأمم.
وقيل: معناهُ: ليَشهدَ كلُّ فريقٍ منكم على مَن يَحدُثُ في عصرِهم ومَن بعدَهم بالشَّرائعِ التي تَلزمُهم، ويكونَ الرسولُ شهيدًا عليكم؛ أي: مبلِّغًا إليكم، شاهدًا عليكم عن اللَّه تعالى بما يؤدِّيه إليكم مِن شرائعِ دينِه، وتكونوا أنتم شهداءَ على النَّاس للَّه والرسول بما (^٢) أدَّاه الرسولُ إليكم عنه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: جعل هذه الأمَّة عدولًا، والعدلُ: هو المستحِقُّ للشَّهادة وقبولها، ففيه الدِّلالةُ على جعل الإجماع حجَّةً، فإذا اجتمعوا على شيءٍ وشهدوا به، لزمَ قَبولُه بما شهدوا به، والشَّهادةُ فيه أَنَّه من عند اللَّه وقعَ لهم ذلك (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: بيت المقدس، وهاهنا
_________________
(١) = ابن المبارك في "الزهد" (١٥٩٨)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦) من حديث حبَّان بن أبي جَبَلة، وهو مرسل، وفي إسناده رشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهما ضعيفان.
(٢) في (ر) و(ف): "وهذه".
(٣) في (ف): "فيما".
(٤) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٨٤ - ٥٨٥).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
مضمرٌ، وهو: قبلة، تقديرُه (^١): وما جعلنا القبلةَ التي كنت عليها قبلةً (^٢)، ومعنى ﴿جَعَلْنَا﴾: صيَّرنا، فيقتضي مفعولًا ثانيًا، والقبلةُ التي كان عليها هي بيتُ المقدِس، ويقتضي إضمارًا آخرَ في آخره؛ أي: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ إذا حوَّلناك عنها إلى الكعبة.
وقيل ﴿جَعَلْنَا﴾ في معنى: نَصبنا وشرعنا، كما في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (^٣)؛ أي: ما شرع، فلا يَقتضي الإضمارَ.
وقيل الإضمارُ في أوَّله: وما جعلنا تغييرَ القِبلة التي كنت عليها، أو صرفَك عنها، أو تحويلَها (^٤)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: وما جعلنا ذكرَ الرُّؤيا، أو خبرَك عن الرُّؤيا، إذ لا فتنةَ في نفس الرُّؤيا.
وقيل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ أي: وما حوَّلنا، وهو كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]، والجَعْلُ في القرآن يجيء على قريبٍ من عشرين وجهًا، ذكرناها عند تفسير قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أي: على اعتقاد استقبالِها، كما (^٥) يقال: كان (^٦) فلانٌ على دين كذا، وعلى قول كذا.
_________________
(١) من قوله: "أي بيت المقدس وهاهنا" إلى هنا وقع مكانه في (أ): "قيل: أي".
(٢) بعدها في (أ): "هي مضمرة".
(٣) بعدها في (ر): "ولا سائبة".
(٤) في (ر): "تحويل القبلة".
(٥) في (ر) و(ف): "علم اعتقادك مستقيما لها" بدل: "على اعتقاد استقبالها كما".
(٦) "كان" ليس في (أ).
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: ليتميَّزَ أهلُ الشَّكِّ (^١) من أهل اليقين.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه: إلَّا ليُعلمَ كائنًا ما علمناه قبل كونِه أنَّه سيكونُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى يَعلمُ الأشياءَ قبل كونها أنَّها ستكون، وبعد الكونِ يعلمُها كائنةً (^٢)، وبعد ما مضى (^٣) يعلمُ (^٤) أنَّها كانت، وقبل الكون لا نقول (^٥): يعلمها كائنة؛ لأنَّه يكون جهلًا.
قال: ولا نَصِفُ اللَّهَ تعالى بالعلمِ في الخَلْقِ على غيرِ الحال التي الخَلْقُ عليها؛ لأنَّ وصفَنا إيَّاه بالعلمِ على غير الحال التي الخلقُ عليها يُؤدِّي إلى وصفِه بالجهل؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُقال: يَعلمُ مِن السَّاكنِ في حال السُّكون حركةً، أو مِن المتحرِّكِ في حالِ الحركة سكونًا، أو يَعلمُ مِن الجالسِ قيامًا، أو مِن القائمِ جلوسًا؛ لأنَّه وصفٌ بعلم ما ليس (^٦)، وهو محال.
قال: وكلُّ علمٍ يُذْكَرُ على حدوث المعلوم، يُذكَرُ بِذكرِ الوقتِ للمحدَث (^٧)؛ لئلَّا يُفهمَ بذكره قدمُ المعلوم في الأزل، فيُقال فيما لم يكن بعدُ: إنَّه يَعلم (^٨)، وفيما هو كائنٌ: إنَّه عالمٌ به، ويقال فيما مضى: قد عَلِمَ.
_________________
(١) في (ف): "الشرك".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٨٦).
(٣) في (أ): "تمضي".
(٤) في (ر): "يعلمها".
(٥) في (ف): "يقال".
(٦) بعدها في (ر) و(ف): "هو عليه"، والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٨٦).
(٧) في (ر) و(ف): "المحدث".
(٨) في (ر): "يعلمه".
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وإذا وصفنا اللَّهَ تعالى بما هو حقيقةٌ بلا ذِكْر الخَلق مع ذلك، نَصِفُه بالذي نَصِفُه به في الأزل؛ لتعاليه عن التغيُّر والزَّوال، وعن الانتقال مِن حالٍ إلى حال، ولا قوَّةَ إلَّا باللَّه (^١).
وقيل: معناه ليعلم رسولي والمؤمنون، والعربُ تضيفُ فعلَ الأتباعِ إلى المتبوع، وهو كقولِهم: رجمَ رسولُ اللَّه ﵊ ماعزًا، وقتل أبو بكرٍ الصِّديقُ أهل الرِّدَّة، وفتحَ عمرُ السواد (^٢)،
وحُكِي عن بعض العرب: إنِّي أجوعُ في غير بطني، وأعرى في غيرِ ظهري؛ يعني: جوعَ عيالِه (^٣) وعُريَهم.
وعن ابن عباس ﵄: ﴿لِنَعْلَمَ﴾؛ أي: لنرى (^٤).
وقال الفرَّاء: الحقيقةُ في العلم راجعة إلى المخاطَبين، وهذا كعاقلٍ وجاهلٍ يجتمعان، فيقول الجاهلُ: الحطبُ يُحرِقُ النَّارَ، ويقولُ العاقلُ: بل النَّارُ تحرقُ الحطبَ، وسنَجمعُ بينهما؛ لنعلم أيُّهما يُحرِقُ صاحبَه (^٥)، فمعناه: لتَعلمَ أنت أيُّها الجاهلُ، فكذا هذا (^٦)، معناه: لتعلموا أنتم.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٨٦ - ٥٨٧).
(٢) في (ف): "سواد العراق".
(٣) في (ر) و(ف): "عيالي". وانظر: "تفسير الطبري" (٢/ ٦٤٢).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٤٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٥٠) (١٣٤١)، ولفظه: لنميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة.
(٥) انظر "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٦٠) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١].
(٦) في (أ): "هنا".
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وقيل: العلمُ صلةٌ، ومعناه: ليكونَ اتِّباعُ المتَّبعين، وانقلابُ المنقلبين، كقول الشاعر:
لا أعرفنَّكَ بعد الموتِ تَنْدُبُني وفي حياتيَ ما زوَّدْتَني زادِي (^١)
المعنى: لا تَندُبْني بعد موتي، وهو كقولك: ما علمَ اللَّه هذا منِّي؛ أي: ما كان منِّي، ولو كان لعلم (^٢) اللَّه.
وقيل: معناه: إلَّا لنُعامِلَكم معاملةَ مَن يَمتحِنُ ليُعلَم، ثمَّ هذا اللام، وإنْ دخلَت في العلمِ، فهي داخلةٌ في الاتِّباع معنًى؛ لأنَّ الابتلاءَ لكي يقعَ الفعلُ فيعلمَه اللَّهُ، لا للعلم (^٣).
وتقديره: إلَّا ليتَّبعَ البعضُ الرَّسولَ، ويَنْقَلِبَ البعضُ، فيعلمَ اللَّهُ ذلك، وهو كقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]؛ أي: حتَّى تُجاهِدوا وتَصبِروا، فيعلمَ ذلك، وهو كقولك: لا أسمعنَّ كلامَك، النَّهيُ عن السَّماع ظاهرًا، وحقيقتُه نهيٌ عن الكلام (^٤)؛ أي: لا تتكلَّمَنَّ فأسمعَنَّ كلامَك.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أي: في أمرِ القبلة ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: ينصرفُ، يقال: قَلَبَهُ؛ أي: صرَفَهُ، فانقلَبَ؛ أي: انصرفَ.
والعقبُ مؤخَّر القدم، وقال الأصمعيُّ: العقبُ: ما أصابَ الأرضَ مِن مؤخَّرِ الرِّجلِ إلى موضع الشِّراك (^٥).
_________________
(١) البيت لعبيد بن الأبرص، وهو في "ديوانه" (ص: ٤٨).
(٢) في (أ): "لعلمه".
(٣) في (أ) و(ر): "العلم".
(٤) في (ر) و(ف): "وحقيقة نهي الكلام" بدل: "وحقيقته نهي عن الكلام".
(٥) انظر: "الغريبين" للهروي (٤/ ١٣٠٥).
[ ٢ / ٥٠١ ]
وقوله: ﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ مجازٌ عن الارتداد، وهو الرُّجوعُ عن الدِّين الحقّ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ له ثلاثةُ وجوه (^١):
أحدها: أنَّ ﴿إن﴾ للنَّفي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، واللَّامُ في ﴿لَكَبِيرَةً﴾ بمعنى: إلَّا، كما في قوله: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]؛ أي: ما كان وعدُ ربِّنا إلَّا مفعولًا.
والثاني: أنَّ ﴿إن﴾ مع اللام للتَّأكيد، و﴿إن﴾ بمعنى: قد، واللامُ بمنزلةِ القسم، وتقديرُه: وقد كانت كبيرةً واللَّه.
والثالث (^٢) أنَّ ﴿إن﴾ للتَّحقيق، يقول: لقيتُ فلانًا وإنْ كرهْتُ لقاءَه؛ أي: مع كراهتي للقائِه، وتقدير الآية: مع أنَّها كبيرةٌ إلَّا على المهتدين.
وقوله ﴿كُنْتَ﴾ كنايةٌ عن القِبلة، وهي المذكورةُ في الآية. وقيل: كنايةٌ عن مصدرٍ مؤنَّثٍ مدلولىٍ عليه غيرِ مصرَّحٍ به، وهو التحويلةُ، أو التَّوليةُ.
والكبيرةُ: الثقيلةُ، وقد مرَّ شرحُها في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى﴾ أي: على الذين وفَّقَهُم اللَّهُ لاتِّباعِ أمرِه، والانقيادِ لحكمِه، ومخالفةِ طبعه بموافقة شرعِه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال السُّدِّيُّ: لمَّا توجَّه النَّبيُّ إلى المسجدِ الحرام، اختلف الناسُ فيها، فكانوا أصنافًا، قال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ، وما بالهم تركوها؟! وقالت اليهود: اشتاق محمَّدٌ إلى بلدِهِ ومولدِه.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "أوجه".
(٢) من قوله: "أن إن مع اللام" إلى هنا من (أ).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وقال المشركون: تحيَّرَ في دينِه. وقال المسلمون: ليتنا نعلمُ حالَ إخواننا الذين ماتوا وهم يُصلُّون نحو بيت المقدس، فنزلَت الآيات (^١).
ورُوي أنَّ حييَّ بنَ أخطب وأصحابَهُ قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتِكم نحوَ بيت المقدس، أكانت هدًى أم ضلالة؟ فإن كانت هدًى، فقد تحوَّلتُم عنها، وإن كانت ضلالةً، فقد دِنتُمُ اللَّهَ وتقرَّبتم إليه بها، وإنَّ مَن مات منكم عليها، لقد مات على الضَّلالة.
وقال المسلمون: إنما (^٢) الهدى ما أمرَ اللَّهُ به، والضَّلالةُ ما نَهى اللَّه عنه.
قالوا: فما شهادتُكم على مَن مات منكم على قِبلتِنا؟ وكان مات قبل أن تُحوَّلَ القبلةُ أسعدُ بنُ زرارة من بني النَّجار، والبراءُ بن مَعرور مِن بني سلمة، وكانا من النُّقباء، ومات رجالٌ.
فانطلق عشائرُهم، فقالوا للنبيِّ -ﷺ-: توفِّي إخوانُنا وهم يُصلُّون إلى القِبلة الأولى، وقد صرفَك اللَّهُ (^٣) إلى قبلةِ إبراهيم، فكيف إخوانُنا (^٤)؟ فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾؛ أي: صلاتَكم إلى بيت المقدس (^٥).
سمَّى الصلاةَ إيمانًا؛ لأنَّ وجوبَها على أهل الإيمان، وقَبولَها مِن أهل الإيمان.
_________________
(١) روى الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٥٢) القطعة الأخيرة منه (يعني كلام المسلمين وتخوغهم على من سبقهم).
(٢) في (ف): "إن".
(٣) بعدها في (ر): "عنها".
(٤) في (ر) و(ف): "بإخواننا".
(٥) انظر "تفسير الثعلبي" (٢/ ٩ - ١٠)، وأورده الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩) من رواية الكلبي عن ابن عباس.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وقيل: كان اليهودُ يجعلون الصَّلاة إيمانًا، فخاطبَهُم (^١) بما سمَّوها، كما قال: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١]، والأصنامُ ليست بآلهة، لكن (^٢) كانت كذلك على زعمِهم، فسماها بما سمَّوها؛ أي: على زعمِهم وكما قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ولا خالقَ إلَّا اللَّه، لكن كانوا يعرِفون كلَّ صانعٍ خالقًا، فخوطِبوا على ما تَعارفوا.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ قومًا صلَّوا إلى بيت المقدس، وماتوا على ذلك، فلمَّا حوِّلَت القبلةُ قالوا: ضاعت صلاتهم؛ إشفاقًا عليهم. لكنَّ هذا بعيدٌ (^٣) لا يحتمل؛ لأنَّ الذي اعتقدَ الإسلامَ مِن الصَّحابة ﵃، وعرف موقعَ (^٤) أمر اللَّه وأمرِ رسولِه، لا يجوزُ أن يخطرَ ببالهم هذا حتَّى يسألوا عن ذلك، بل كانوا أعلمَ باللَّهِ مِن أن يجدَ عدوُّ اللَّه فيهم ذلك؛ لأنَّهم (^٥) أطاعوا اللَّهَ فيما أمرَهم، وماتوا على التَّصديق (^٦).
لكن إن كان ثَمَّ سؤالٌ، فهو من اليهود الذين لا يرون النَّسخَ.
أو قومٍ مِن الكفرةِ آذوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، وأفرطوا في خلافِه ومعاداتِه، ثمَّ أرادوا الإسلامَ، فظنُّوا أنَّ ما سبقَ منهم يَمنعُ قَبول الإسلام، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
_________________
(١) بعدها في (ر): لفظ الجلالة "اللَّه".
(٢) في (ر): "وإنما" وفي (ف): "كما" بدل: "لكن".
(٣) في (أ): "تعبد". وهو تحريف.
(٤) في (أ) و(ف): "مواقع". والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة".
(٥) بعدها في (ر): "كانوا".
(٦) والذي صح في ذلك ما رواه الترمذي في "سننه" (٢٩٦٤) وغيره عن ابن عباس قال: لما وُجِّهَ رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى الكعبة، قالوا: يا رسولَ اللَّه، فكيف بالذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيت المقدس؟ فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ لما كان منكم في حال الكفر، يدل عليه آخرُ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يتجاوز عمَّن تابَ.
أو قومٍ علموا أن لا اختلافَ في الدِّين، وظنوا أنَّ نسخَ الأحكامِ يُوجِبُ اختلافًا في الدِّين، فبيَّن أنَّ الإيمانَ لا يقعُ على اعتقاد الصَّلاة إلى جهةٍ دون جهة، بل يقعُ على الائتمار، فالإيمانُ مِن الصَّحابة الذين ماتوا كان على اعتقادِ الائتمار، ومِن هؤلاء كذلك، فلا تفرُّقَ ولا اختلاف (^١).
ويحتمل أن يكون معناه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بالصَّلاة إلى بيت المقدس، فإنَّه كان بالأمر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرؤوف على وزن الفعول (^٢)، والرَّؤف على وزن الفَعُل (^٣)، والرَّحيمُ على وزن الفعيل، هو المبالغُ في الرَّحمة والرَّأفة.
والرَّأفةُ المصدر، والرآفة بالمدِّ كذلك، والرَّحيمُ قد فسَّرناهُ في التَّسمية، فالرَّحيمُ أعمُّ، والرؤوف أبلغُ، ولذلك جمع بينهما لإثباتِ المعنيين جميعًا، وبدأ بالأبلَغِ، وختمَ بالأعمِّ.
ومعناه هاهنا أنَّه برأفتِه ورحمته نقلَهم عن ذلك إلى هذا، وهو أصلحُ لهم، ولم يضيِّع (^٤) عملَهم، ولم يُوجِب إعادتَهُ عليهم بعد النَّسخ.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٨٧ - ٥٨٨).
(٢) في (ف): "فعل".
(٣) وهما قراءتان متواترتان؛ قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص: "لرؤوف"، وقرأ الباقون: "لرَؤُف". انظر: "السبعة" (ص: ١٧١)، و"التيسير" (ص: ٧٧).
(٤) في (أ): "يضع".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
ثمَّ وصفَ رسولَه بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال في صفة نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وهو يَعمُّ الكفَّار والمؤمنين، وذلك في حقِّ الكافر، فإنَّه (^١) يَرزقُه، ويُمهِلُه، وإذا أتاهُ يَقبلُه، ورأفةُ محمَّدٍ ﵊ ورحمتُه على المؤمنين خصوصًا (^٢) كانت مِن اللَّه تعالى، قال ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، ويقول لنبيِّه ﵊: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨]، أخبرَ أنَّ الكفَّار يَستعجِلون العذابَ، ولو كان ذلك إلى النبيِّ -ﷺ- لأهلكَهم، فلا أرأفَ ولا أرحمَ من ربِّ العالمين، هو أرحمُ الرَّاحمين، وأكرمُ الأكرمين.
ثمَّ قولُه (^٣): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ في جواب الذين سألوا عن حال صلواتهم إلى بيت المقدس ظاهرٌ (^٤).
وعلى قولِ مَن قال: هو جوابٌ عن صلاةِ الذين صلَّوا إلى بيت المقدسِ وماتوا، يكون (^٥) معناه: ليضيعَ إيمانَ سلفِكم، كما قلنا في قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢].
وإن كان هذا جوابَ الكُلِّ، فوجهُه أنَّه خطابُ الحاضرين والغائبين، والغالب فيه مِن استعمالِ العرب هو الإجراءُ على المخاطبة، يقولون: كنت أنت وفلانٌ -الغائبُ- فعلتما ذلك.
* * *
_________________
(١) في (أ): "بأنه".
(٢) في (ر): "خاصة".
(٣) في (ر) و(ف): "قال".
(٤) في (أ): "ظاهرًا".
(٥) في (ر) و(ف): "ليكون".
[ ٢ / ٥٠٦ ]
(١٤٤) - ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾. قد قدَّمنا قصَّته، و﴿قَدْ﴾ كلمةُ تأكيدٍ و"لقد" أبلغُ منه.
والتَّقلُّبُ: التَّصرُّف، ومعناه: نرى إدامةَ نظرِك إلى السَّماء؛ انتظارًا لتحويلِ القِبلة إلى الكعبة، وكان يتمنَّى ذلك لمخالفةِ اليهود -لعنهم اللَّه-؛ لأنَّهم كانوا يقولون: إنَّه يُخالِفنا في ملَّتِنا، ويَتوجَّهُ إلى قبلتِنا، ولأنَّ الكعبةَ كانت قِبلة إبراهيم، ولأنَّه كان يَرجو أن يكونَ ذلك سببًا لإسلامِ العربِ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ اللامُ في أوَّلِه والنون المشددة في آخره للقَسَم، وهو للتَّأكيد؛ أي: لنُوَجِّهَنَّكَ (^١). وقوله تعالى ﴿قِبْلَةً﴾ مفعولٌ ثانٍ، وقولُه تعالى: ﴿تَرْضَاهَا﴾؛ أي: تُحِبُّها؛ للمعاني الثلاثةِ التي قدَّمناها.
وقيل (^٢): ترضاها؛ لأنَّها كانت قبلةَ الأنبياء من قبل، وليس معناه أنَّه كان لا يَرضى غيرَها، وهذا جائزٌ في الكلام، يقول الرَّجلُ لآخر: أعطيكَ شيئًا ترضاهُ، وإن لم يظهر منه الكراهةُ في غيرِ ذلك والرَّدُّ.
وقيل: أي: لا تسخطُها، وتُسَلِّمُ لأمرِ اللَّه فيها، لا تفعلُ كما فعلت العربُ الذين أسلموا ثمَّ ارتدُّوا حين حُوِّلَت القبلةُ، فأنت ترضاها، وترضى كلَّ جهةٍ نوجِّهُك إليها؛ لأنك تَعلمُ أنَّ اللَّهَ تعالى لم يفعل ذلك إلَّا لعلمِه بأنَّ صلاحَك وصلاحَ أمَّتِك فيه.
_________________
(١) بعدها في (ر): "قبلة".
(٢) بعدها في (أ): "أي".
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ودلَّت الآيةُ على عِظَم قدرِ نبيِّنا ﵊ عند اللَّه، حيث جعلَ الكعبةَ قبلةً له على موافقة (^١) محبَّتِهِ ورضاه، وهذا كما رُويَ عن عائشة ﵂ أنَّها قالت للنبيِّ -ﷺ- حين نزلَ قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]: يا محمَّدُ أما إنَّ ربَّك ليُسارع (^٢) لك في رضاك (^٣).
وقد مرَّ عن الإمام أبي منصور ﵀ أنَّه قال: كان النبيُّ -ﷺ- يُقَلِّبُ الوجهَ في السَّماء؛ لما سبقَ له من الوعدِ بتحويل القبلة. قال: ويقال -وهو (^٤) تفسير الحسن البصري-: إنَّه كان حُبِّب إليه الصَّلاةُ حتَّى كان لا يصبرُ عنها، وقد نُهِيَ عن الصَّلاةِ إلى بيت المقدس، ولم يُؤمَر بعدُ بالتوجُّه إلى غيرها، وكان يُقَلِّبُ وجهَه إلى السَّماء رجاءَ أن يُؤمَرَ بالتوجُّه إلى غيرها (^٥).
وقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: درَجِّه وجهَك نحو الكعبة إذا أردتَ الصَّلاة، وحقيقةُ قولِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ أي: اجعَلْ وجهَكَ ممَّا يَلِيه، وشطرُ الشيء نحوه.
و﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قيل: هو على ظاهرِه، والمسجدُ الحرامُ هو المسجدُ الكبيرُ الذي فيه الكعبة، وقالوا: إنَّ عينَ الكعبة يَصعُبُ استقبالُها؛ لصغرها.
وقيل: هو الحرمُ كلُّه.
والصَّحيحُ أنَّه الكعبة، فهي القبلةُ، ففي جميع الأحاديث كذلك؛ ثمَّ صُرِفَ إلى
_________________
(١) في (ر): "توافق" وفي (ف): "موافق".
(٢) في (أ): "ليتسارع".
(٣) رواه البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤).
(٤) في (ر) و(ف): "في".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٨٩).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
الكعبة (^١)، وكان يُحِبُّ أنْ يوجَّه إلى الكعبة (^٢)، حُوِّلَ إلى الكعبة (^٣)، فقال عند ذلك: ألا إنَّ القبلةَ حُوِّلَت إلى الكعبة (^٤)، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾؛ أي: نُحَوِّلنَّك إلى الكعبة.
وقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ هذا أمرٌ لجميع المؤمنين (^٥) بذلك بعد ما أمرَ به محمدًا ﵊ على الخصوص، وفيه إضمار؛ أي: وفي أي موضعٍ كنتم من الأرض وأردتُم الصَّلاة، فولُّوا وجوهَكم نحوَه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي: اليهودَ والنَّصارى. قوله تعالى: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: هي قبلةُ الأنبياء، وأنَّهم إليها كانوا يُصلُّون.
وقيل: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ لعِلْمِهم أنَّك نبيٌّ، وأنَّك لا تأتي إلَّا بالحقِّ.
وقيل: أي: في كتبِهم صفةُ النَّبيِّ -ﷺ-، ومَبعثُهُ، وهِجرتُه، وتحويلُهُ إلى الكعبة، فكانوا يعلمون أنَّ اللَّهَ سيُحَوِّلُهُ إليها، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ ترجعُ الكنايةُ إلى التَّحويل الذي دلَّ عليه قولُه:
_________________
(١) قوله: "ثم صرف إلى الكعبة" رواه أحمد في "مسنده" (٢٩٩١) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) قوله: "كان يحب أن يوجه إلى الكعبة" رواه البخاري في "صحيحه" (٣٩٩) من حديث البراء بن عازب ﵁. وسلف بعضه عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾.
(٣) قوله: "حول إلى الكعبة" رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٦٨) عن السدي.
(٤) روى أبو داود في "سننه" (١٠٤٥) من حديث أنس ﵁ أن النبي -ﷺ- وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، فمر رجل من بني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، مرتين، قال: فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبة. وهو عند مسلم في "صحيحه" (٥٢٧) بلفظ: "ألا إن القبلة قد حولت" يعني دون لفظ: "الكعبة".
(٥) في (أ): "المسلمين".
[ ٢ / ٥٠٩ ]
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، أو تقديره: ليَعلمون أن ما نُولِّيكَهُ (^١)، وما نفعلُه مِن تحويلِك إلى الكعبةِ هو الحقُّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (^٢) قرأ الأعمشُ بتاء المخاطبةِ، وهي قراءةُ ابن عامرٍ وحمزةَ والكسائيِّ وسهلٍ ويعقوبَ (^٣)، وهو وعدٌ للمؤمنين بالثَّواب على القَبول والأداء، وقرأ الباقون بياء المغايبة (^٤)، وهو وعيدٌ للكافرين بالعِقاب على العُنود والإباء.
* * *
(١٤٥) - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ ﴿وَلَئِنْ﴾. لامُ قسمٍ دخلت على "إن" التي هي للشَّرط، ولذلك أجيبَ بـ ﴿ما﴾، وجوابات القسم خمسة:
أحدها: "ما"، قال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢].
والثاني: إنَّ المشددة، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
والثالث: اللام المفتوحة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨].
_________________
(١) في (ر): "نوليك" وفي (ف): "نوليكم".
(٢) في (ف): "يعملون".
(٣) هي قراءة يعقوب في رواية روح. وقرأ بها أيضًا من العشرة أبو جعفر. انظر "النشر" (٢/ ٢٢٣).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ١٦٠ - ١٦٢)، و"التيسير" (ص: ٧٧).
[ ٢ / ٥١٠ ]
والرابع: إن الخفيفة، قال اللَّه تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧].
والخامس: لا، قال اللَّه تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢].
وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ أي: ولو جئتَ رؤساءَ اليهود والنَّصارى بكلِّ (^١) معجزةٍ طلبوها منك على تصديقِك في دَعوى رسالتِك، ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾؛ أي: ما صلَّوا إليها، ولم يؤمنوا بكَ، وله وجهان:
أحدهما: أنَّ جميعَهم لا يؤمنون، وهو قول الحسن. أما يجوز أن يؤمن بعضهم (^٢).
وقيل: هو لقومٍ بأعيانهم، علمَ اللَّهُ تعالى ذلك منهم على وجهِ العناد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾؛ أي: ولست أنت يا محمَّدُ بمستقبلٍ بيتَ المقدس في صلاتِك بعدما صرفتُك عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أي: لا يصلِّي اليهودُ إلى قبلةِ النَّصارى، ولا النَّصارى إلى قبلة اليهود، ثمَّ قولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هذا الكلامُ له ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنَّه حسمَ أطماعَ أهلِ الكتاب في متابعة الرَّسول ﵊؛ إذ كانوا طَمِعوا (^٣) في رجوعه إلى الصَّلاة إلى بيت المقدس.
والثاني: أنه قابلَ قولَه: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ بقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، وهي مِن أقسام البلاغة، يقول: ما هم بتاركي إنكارِ الحقِّ، وما أنت بتاركٍ الاعترافَ به.
_________________
(١) بعدها في (ر): "آية".
(٢) كذا في النسخ. ولعل صواب العبارة: وهي جواب من يقول: أما يجوز أن يؤمن بعضهم؛ وانظر "التفسير البسيط" للواحدي (٣/ ٣٩٤).
(٣) في (ر): "يطمعون".
[ ٢ / ٥١١ ]
والثالث: أي (^١): ليس يمكنُك استصلاحُهم باتِّباع قبلتهم؛ لاختلاف وجهتهم، وتباين نحلتيهم؛ فبيَّن أنَّه محالٌ، غيرُ ممكنٍ بحال.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، وهو الإرادةُ والمحبَّة، ولم يقل: هواهم؛ على الوحدان، لاختلاف إرادة (^٢) المخالفين؛ أي: ولئن وافقتَهم في القِبلة، مداراةً لهم وحرصًا على إيمانهم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: بيان القبلة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾ هو بيانُ الوقت؛ أي: حين تفعل (^٣) ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: الضَّارينَ نفسَك.
وقيل: أي: واضعين العملَ في (^٤) غير موضعه.
وقيل: الخطابُ للنَّبيِّ -ﷺ- والمرادُ غيرُه، ويجوزُ أن يكون له وإن كان معصومًا، لما مرَّ أنَّ العصمةَ لا ترفعُ النَّهيَ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ فيه الوعدُ له بالعصمة في المستقبل، ويَحتملُ أن يكون معناه: وما لك أنْ (^٥) تُتَابِعَهم في القِبلة. وهذا التأويلُ كأنَّه أقربُ؛ لما خرجَ آخر الآية على الوعيد (^٦).
وفي الآية إثباتُ رسالتِه؛ لأنَّه أخبرَهُ بالإياسِ عن اتِّباعِهم له في قومٍ بأعيانهم، وكان كما قال، ولا يوصَلُ إلى مثله إلَّا بوحيٍ مِن اللَّه عزَّ وعلا.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أن".
(٢) في (أ): "إرادات".
(٣) في (ر): "بلغك" بدل: "تفعل".
(٤) لفظ: "في" من (ر).
(٥) لفظ: "أن" من (أ).
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٩٠).
[ ٢ / ٥١٢ ]
(١٤٦) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: الكنايةُ ترجعُ إلى أمر القبلة، وهو قول مقاتلٍ وقتادة (^١)؛ أي: يعرفونَ أنَّه حقٌّ، وأنَّه مِن عند اللَّه.
وقيل: الكنايةُ راجعةٌ إلى النبيِّ -ﷺ-؛ أي: يعرفونَهُ بالرِّسالةِ والنُّبوَّة، كما يعرفون أولادَهم بالنَّسب والبنوَّة.
وقيل: هو مدحُ مَن آمن مِن أهل الكتاب، كعبد اللَّه بن سَلَام وأصحابِه.
وقد روي أنَّ عمر رضي اللَّه تعالى عنه قال لابن سلام: إنَّ اللَّهَ تعالى وصفَكم بأنَّكم تعرفون رسولَ اللَّه كما تعرفون أبناءَكم، فقال: نعم، وزيادة، إنِّي لأعرفُ أنَّه رسولُ اللَّه حقًّا (^٢) بما ذكره في التَّوراة والإنجيل، ولا أدري ماذا أحدث النِّساءُ بعدي. فقال عمر ﵁: وفقك اللَّه يا ابن سلام (^٣).
وإنَّ اللَّهَ تعالى مدحَ هؤلاء الذين عَرَفوا فاعترفوا (^٤)، وذمَّ الذين عَنَدوا (^٥) وجحدوا.
وكذلك (^٦) قوله ﷻ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^٧) قال مجاهد
_________________
(١) قولا ابن عباس وقتادة رواهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٧٠)، وقول مقاتل في "تفسيره" (١/ ١٤٨).
(٢) لفظ: "حقًا" من (أ).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٤٠) عن ابن عباس من طريق الكلبي.
(٤) في (ر) و(ف): "اعترفوا" بدل: "عرفوا فاعترفوا".
(٥) في (ر): "عاندوا".
(٦) في (أ): "وذلك".
(٧) بعدها في (ر): "وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
[ ٢ / ٥١٣ ]
﵀: أي صفةَ محمَّدٍ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التَّوراةِ والإنجيل.
وقال الرَّبيع: أي: يَكتمون أمرَ القبلة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه، وأنَّ الكعبةَ قبلةُ اللَّه.
وقيل: أي: وهم يَعلمون أنَّهم يكتمون الحقَّ.
وقيل: أي: يعلمون ماذا يجب عليهم مِن العقوبة لمن كتمَ الحقَّ.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: حملَهم (^٢) مستكنَّاتُ الحسدِ وسوءِ الاختيار على مُكابرةِ ما علموهُ بالاضطرار، وكذلك المغلوب في ظلماتِ نفسِه يُلقي جلبابَ الحياءِ، فلا ينجَعُ فيه ملامٌ، ولا يردعُه عن انهماكه كلامٌ (^٣).
* * *
(١٤٦) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: هذا هو الصدق من ربِّك، فهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ على هذا القول.
وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وخبرُه ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.
وقيل: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ مقدَّرٌ في صدر الكلام، و﴿الحَقُّ﴾ خبرُه.
وقيل: معناه: القبلةُ هي الكعبة، وإنَّ اللَّه بحقٍّ نقلَكُم إليها؛ لعلمه بصلاحكم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكِّين، والمريةُ: الشَّكُّ، والمماراةُ: المجادلة.
_________________
(١) قولا مجاهد والربيع رواهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٧٢ - ٦٧٣).
(٢) بعدها في (ر): "على ذلك".
(٣) "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ١٣٥).
[ ٢ / ٥١٤ ]
وقال ابن عرفة (^١): قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (^٢) [النجم: ١٢]؛ أي: أتجادلونَهُ جدالَ (^٣) الشاكِّين وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥]؛ أي: تشكُّ، وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [النجم: ١٢]؛ أي: أتجحدونه (^٤)، وقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ أي: فلا تُجادل (^٥).
وأصلُ المِراء (^٦): الجدال؛ من قولك: مَرَيْتُ الشَّاةَ، إذا حَلبتَها واستخرجتَ لبنَها، فالمِراءُ: الجدالُ (^٧) لاستخراجِ ما عند الخصم.
ومعنى الآية: فلا تكوننَّ مِن الشَّاكِّينَ في أنَّه حقّ، وأنَّه مِن عندِ اللَّه.
وقيل: أي: لا (^٨) تَشُكَّ في هذا، ولا تتَّبع ما يَدْعُونَك إليه؛ فإنَّه ليس بحقٍّ، وليس من عندِ اللَّه.
وقيل: أي: ولا تَشُكَّ أنَّ هذا الفريقَ معاندون، يكتمون الحق، وقالوا: بعد ما طلعَت شمسُ اليقين، فلا تَركننَّ إلى ظُلمات التَّخمين.
ثمَّ إذا صُرِفَ معنى قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ إلى أمر القبلة، كانت هذه الآياتُ الثَّلاث
_________________
(١) هو الإمام العلامة النحويُّ الأخباريُّ، أبو عبد اللَّه، إبراهيم بن محمد بن عرفة، العتكي الأزدي الواسطي، المشهور بنفطويه، صاحب التصانيف، منها "غريب القرآن"، و"المقنع" في النحو، و"تاريخ الخلفاء" وغيرها، توفي سنة (٣٢٣ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٧٥ - ٧٦).
(٢) قوله: "على ما يرى" ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "جدل".
(٤) في (ف): "تجحدونه".
(٥) انظر قول ابن عرفة في "الغريبين" للهروي (٦/ ١٧٤٦) (مادة: مرا).
(٦) بعدها في (أ): "الذي هو".
(٧) من قوله: "من قولك مريت" إلى هنا من (أ).
(٨) في (ر) و(ف): "قيل أي ولا" بدل: "وقيل أي لا".
[ ٢ / ٥١٥ ]
على سَننٍ واحدٍ، وإذا صُرِفَ إلى النبيِّ -ﷺ-، وهو مغايبةٌ، والتي قبلها: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ مخاطبةٌ، والتي بعدها: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ مخاطبةٌ، فتوسُّط (^١) الثانية على المغايبة يَكون على الانتقالِ مِن هذه إلى تلك، ومن تلك إلى هذه، وذلك في القرآن كثير؛ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (^٢) [الإنسان: ٢١]، ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢].
* * *
(١٤٨) - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي: ولكلِّ قومٍ قبلةٌ تتوجَّهُ إليها، وقوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يجوز أن يكون هو راجعًا إلى قوله: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ ولفظُه واحدٌ، وإن كان معناه الجمع، فيجوزُ أن تكون الكنايةُ الرَّاجعةُ إليه على التَّوحيد للفظه.
ومعنى ﴿مُوَلِّيهَا﴾؛ أي: جاعلٌ إليها وجهَهُ، ويجوزُ أن يكونَ ﴿هُوَ﴾ اسمُ اللَّه تعالى؛ أي: اللَّه موجِّهٌ إليها عبادَه، والتَّوليةُ متعدِّيةٌ، وعلى الأوَّل يُجعَلُ الوجهُ مضمرًا؛ أي: كلٌّ موجِّهٌ إليها وجهَه.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: تسارَعوا إليها، وأصلُ السَّبقِ التَّقدم، والاستباقُ من الاثنين ومن الجمع، كالتَّسابق، وكذا التَّبادرُ والابتدار، والتَّقاتلُ والاقتتال (^٣).
_________________
(١) في (أ): "وتوسط".
(٢) بعدها في (ر): "شرابا طهورا".
(٣) في (ف): "والتقابل والاقتبال".
[ ٢ / ٥١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ هي كلمةُ شرطٍ، ولذلك جَزَمَتْ، وعلامة الجزم سقوط النون.
وقوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ جزمَ ﴿يَأْتِ﴾ لأنَّه جزاءُ الشَّرطِ؛ أي: في أيِّ موضعٍ كنتم أحضرَكم اللَّهُ المحشرَ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، وفي تفسير الآية أقاويل:
قيل: هذا تمام الكلام الأوَّل؛ ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، ولكلٍّ منكم وجهةٌ؛ أي: قبلةٌ يَستقبلُها راضيًا بها، لا يفارقُها، فلا سبيلَ إلى اجتماع جميعِكم على قبلةٍ واحدةٍ، فالزموا معاشرَ المسلمين قبلتكم، فإنَّكم على خيرات (^١) مِن ذلك في الدُّنيا والآخرة، وأينما كنتم من جهاتِ الأرضِ، جمعَكم اللَّهُ يومَ القيامة، وفَصلَ بين المحقِّ والمبطلِ، والمطيعِ والعاصي، فأثابَكم، وعاقبَ مَن خالفَكم، إنَّه على كلِّ شيءٍ مِن الجمع والإحضارِ والمجازاة قديرٌ.
وقال ابنُ كيسان: لمَّا قال السُّفهاء: ما ولَّاهم عن قبلتِهم، أنزلَ اللَّهُ تعالى قولَه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي: لكلٍّ مِن اليهودِ والنَّصارى والمشركين قبلةٌ هو موجِّهُهم إليها، فإنْ كان اللَّه وجَّهَهم إليها، فأنت فيما يَنقُلكَ إليه مِن قبلةٍ إلى قبلةٍ بمنزلتهم، فما معنى قولهم لك: ما ولَّاهم عن قبلتهم؟ فتسَارَعوا (^٢) إلى ما دعاكم إليه، فإنَّه خيرٌ لكم.
وقيل: أي: بيتُ المقدس والكعبةُ كلُّ واحدٍ منهما جهةٌ، واللَّه يُولِّي عبادَه إلى هذا وإلى هذا على ما يرى (^٣) من الصَّلاح، فاستَبِقوا إلى الانقيادِ لأمر اللَّه تعالى في الحالَين،
_________________
(١) في (أ): "خير".
(٢) في (ر) و(ف): "فسارعوا".
(٣) في (ر) و(ف): "كل" بدل: "ما يرى".
[ ٢ / ٥١٧ ]
ففيه خيرات لكم، ولا تَلتفتوا إلى طعنِ هؤلاء، فإنَّهم يُريدون أنْ يَصْرفوكم عنها، فاستَبِقوا إليها ولا تُغلَبوا عليها، واللَّه يَجمعكم وإيَّاهم يومَ القيامة؛ فيَفصلُ بينكم.
وقيل: أي: لكلِّ أهلٍ ناحيةٌ منكم أيُّها المؤمنون، ناحيةٌ يَتوجَّهُ منها إلى الكعبةِ مَن كان على يمينِها، أو يسارِها، أو قُدَّامَها، أو خَلْفها، وكلُّهم يَستقبلونها بأمرِ اللَّه، واللَّهُ وجَّههم إليها، لا يَخفى على اللَّه حالُ أهل الآفاقِ وشأنُهم (^١) في ذلك، وهو يَحشُرهم ويَجزِيهم.
وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: وبادروا إليها قبل الموت، وفي أيِّ موضعٍ متُم، حُشِرتُم وجُوزيتم.
وقال بعضُ أهل الحقيقة: معناه: كلُّ قومٍ اشتغلوا بغيرنا عنَّا، وأقبلوا على غيرنا فكونوا معاشِرَ العارفين لنا، واشتغلوا بنا عن غيرِنا، فإنَّ مرجعَكم إلينا، وأنشدوا:
إذا اشتغلَ اللَّاهون عنك بشُغلِهم جعلتُ اشتغالي فيكَ يا مُنتَهى شُغلي (^٢)
* * *
(١٤٩) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: ومِن أيِّ موضعٍ خرجتَ، وأينَما كنتَ في أقطارِ الأرض، فاستقبلِ الكعبةَ بصَلاتِك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: تحويلُ القبلةِ إلى الكعبة حقٌّ، وهو مِن اللَّه تعالى.
_________________
(١) في (أ): "ونياتهم".
(٢) ذكره ابن الجوزي في "المدهش" (ص: ٤٥٥) دون نسبة.
[ ٢ / ٥١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأ أبو عمرو بياء المغايبة؛ ردًّا إلى قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، وقرأ الباقون بتاء المخاطبةِ؛ ردًّا على قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكوُنُوا﴾ (^١).
* * *
(١٥٠) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فإنْ قالوا: لم كرَّرَ الأمرَ باستقبالِ الكعبة فقال أوَّلًا: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقال ثانيًا: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وقال ثالثًا: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، وقال رابعًا: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقال خامسًا: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؟
قلنا لهذه أجوبة:
أحدها: أنَّ التكرار يَقتضي التَّأكيدَ والتَّقرير.
والجواب الثَّاني: أنَّه نَسْخٌ، حيث نُقِلَ عن قبلة (^٢) اليهود، وصعُب عليهم الانتقالُ، فكرَّر الأمرَ به، كما كرَّرَ الأمرَ بالصَّلاة والزَّكاة؛ لما أنَّهما كانتا تَشُقَّان عليهم؛ فإنَّ الصَّلاةَ نهايةُ الخضوع، والزَّكاةَ بذلُ المحبوب، فكرَّرهُما، وفي النُّفوسِ قرَّرهما، وهذا كذلك.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ١٦٠ - ١٦٢)، و"التيسير" (ص ٧٧).
(٢) في (أ): "أنه نسخ ثقل على اليهود".
[ ٢ / ٥١٩ ]
والجوابُ الثَّالثُ: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لفائدةٍ أُخرى؛ فإنَّ الأوَّلَ كان حين كان النبيُّ -ﷺ- يُصلِّي في مسجدِ المدينة (^١) إلى بيت المقدس، فوردَ النَّسخُ، وأُمِرَ بالتوجُّه إلى الكعبةِ، فقيل له: ولِّ وجهَك شطرَ المسجدِ الحرامِ إذا صلَّيتَ في مسجدِك، وكان هذا أمرًا (^٢) له على الخصوص، ثمَّ عَمَّ الأمرَ، فقال لعامَّة المؤمنين: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾؛ أي: في سائرِ المساجد ومواضعِ الصَّلواتِ مِن البيوتِ وغيرِها، ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وهذا للمقيمين بالمدينة، ثمَّ قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يا محمَّدُ في الأسفارِ، فبيَّن أَنَّه في الأسفار مثلُه في الأمصار، ثمَّ قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ مِن سائر البلاد، ثمَّ عمَّ المؤمنين فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ بعدَ ما خصَّ به النبيَّ -ﷺ-.
والجوابُ الرَّابع: أنَّ الأوَّلَ مع الثَّاني، وهو أمرُ النَّبيِّ -ﷺ- على الخصوص، وأمرُ المؤمنين على العموم: كان لابتداءِ التوجيهِ إليها، والثَّالثَ أمرٌ للنبيِّ ﵇ بالدَّوام عليه في كلِّ الأمكنة، والرَّابعَ والخامسَ أمرٌ للنَّبيِّ ﵊ على الخصوص، وللمؤمنين على العموم، على الدَّوامِ على ذلك في كلِّ الأزمنة.
والجواب الخامس: أنَّ كلَّ أمرٍ ذُكِرَ ليُقرَنَ به أمرٌ آخر، وذاك من باب البلاغة، كقولك: زيدٌ عالمٌ، زيدٌ جميلُ المعاشرةِ، زيدٌ أهلٌ للمودَّة، فكأنَّه قال: الزم هذه القبلةَ؛ فإنَّ اللَّهَ شرَّفك إجابةَ دعوتك فيها، الزم هذه القبلةَ؛ فإنَّها قبلةُ حقٍّ لا قبلة هوى، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، لزم هذه القبلةَ؛ فإنَّ في لزومِك إيَّاها انقطاعَ حُجَج المخالفين، وهو قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ أي: دوموا على استقبالِ هذه القبلة حيثُ كنتُم؛ فإنَّكم إذا فعلتُم ذلك، لم يكن للنَّاس عليكم حجَّةٌ؛ أي: موضعُ احتجاج.
_________________
(١) في (أ): "مسجده بالمدينة" بدل من "مسجد المدينة".
(٢) في (ف): "الأمر".
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: إلَّا أنْ يَحْتَجَّ عليكم ظالم بما ليس بحجَّةٍ، وكشفَ هذا الكلامُ أنَّ اليهودَ -لعنهم اللَّه- قالوا أوَّلًا: يُخالفُنا في دِيننا، ويتَّبعُ قبلتَنا (^١)، وقالوا: ما دَرى محمَّدٌ أين يتوجَّه بصلاته (^٢) حتَّى هديناه، وبعد صرفِ القبلةِ قالوا: اشتاقَ الرَّجلُ إلى مولِده وبلدِ آبائه، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
وقال المشركون -لعنهم اللَّه-: رجعَ محمَّدٌ إلى قبلتِنا، وسيَرجِعُ إلى دينِنا.
فأبطلَ اللَّه تعالى قولَ اليهود في دعوتهم: إنَّا هديناهُ إلى القبلةِ، حيث صرفَهُ إلى قبلةِ أبيهِ إبراهيمَ، وأعلمَهم أنَّه هو الذي هدَاه لها دونَهم، وردَّ قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: الأماكنُ كلُّها للَّه تعالى، لا حرمةَ لها لأعيانِها، وللَّه ﷻ أنْ يأمرَ عبادَهُ باستقبالِ ما شاءَ منها وهو أعلمُ بمصالحِ عبادِه (^٣)، فلم يبق لليهود خصومةٌ ولا شبهة؛ لأنَّهم إن قالوا: يُصلِّي إلى قبلتِنا في هذه الحالة، كابروا، فإن قالوا: إنَّ المشرقَ والمغربَ ليسا (^٤) للَّه، كَذبوا، فإن قالوا: للأمكنةِ بنفسِها (^٥) حرمةٌ مِن غير أنْ يجعلَها اللَّهُ تعالى، أحالوا.
وقولُهم: اشتاقَ الرَّجلُ إلى بلدِه، تحكُّمٌ منهم باطلٌ، بل انقادَ لأمرِ اللَّهِ تعالى، وسلَّم لحكم اللَّه، وهذا منهم دعوى لا بُرهان عليها، وهو ظلمٌ، والمحتجُّ بمثلِه ظالمٌ.
_________________
(١) في (أ): "ملتنا".
(٢) في (ر) و(ف): "لصلاته".
(٣) قوله: "باستقبال ما شاء منها وهو أعلم بمصالح عباده" ليس في (ف)، ووقع بدله في (ر): "بالتوجه إلى أي جهة شاء".
(٤) في (أ): "ليستا".
(٥) في (أ): "بأنفسها".
[ ٢ / ٥٢١ ]
وقول المشركين: إنَّه قد رجعَ إلى قبلتِنا، فيرجعُ إلى ملَّتِنا، هذا تمنٍّ منهم، وليس للإنسان ما تمنَّى، ويقال لهم: لم يرجع إلى قبلتِكم (^١)، بل استقبلَها بأمرِ اللَّه الذي بعثَهُ إلى خلقِه، فأطاعَهُ فيما أمرَ (^٢) به، حتَّى هجرَ أهلَه وقرابتَه وبلدَه؛ لابتغاء مرضاتِه، وهذا أوضحُ ما قيل فيه وأقواهُ وأعلاه.
وقيل: الاستثناءُ منقطعٌ هاهنا، ومعناه: لكن، كما في قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنّ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقولِه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، ومعنى هذه الآيةِ على هذا القول: لكن الذين ظلموا منهم يتعلَّقون بالشُّبهةِ في موضعِ الحُجَّة.
وقيل: أراد (^٣) بالحجَّة المحاجَّة؛ أي: المجادلة، وتقديره: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لليهود، ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: محاجَّةٌ، إلَّا للظَّالمين منهم، فإنَّهم يُحاجُّونَكم بالباطل، وعلى هذا القول يكونُ الاستثناءُ متَّصلًا غيرَ منقطع (^٤).
وقال أبو عبيدة (^٥): ﴿إِلَّا﴾ هاهنا (^٦) بمعنى: ولا (^٧)، كما في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ أي: ولا خطأ، قال الشاعر:
_________________
(١) بعدها في (ر): "من تلقاء نفسه".
(٢) في (أ): "أمره".
(٣) في (ف): "أردنا".
(٤) قوله: "غير منقطع" من (أ).
(٥) في (ر) و(ف): "عبد اللَّه" بدل: "عبيدة".
(٦) "هاهنا" من (أ).
(٧) نص قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٦٠): موضع "إلا" هاهنا ليس بموضع استثناء، إنما هو واو الموالاة، ومجازها: لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
ما بالمدينةِ دارٌ غيرُ واحدةٍ دارُ الخليفةِ إلَّا دارُ مروانِ (^١)
أي: ولا دار مروان (^٢)، فعلى هذا يكون بمعنى: ولا الذين ظلموا (^٣).
وقال قطرب: معناهُ: إلَّا على الذين ظلموا، فهو عطفٌ على قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، أي: لا يكونُ لأحدٍ حجَّةٌ عليكم، إلَّا على الظالمين (^٤).
وقال أبو معاذٍ النحويُّ: ﴿إِلَّا﴾ هاهنا ليس للاستثناء، ولكنَّه حرفُ نسقٍ (^٥)، ومعناه: والذين ظلموا منهم ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾؛ أي: لا تخافوهم في التوجُّه إلى الكعبة، وخافوني في تركِها.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (^٦) قال ابنُ كيسان: فلا تَخشَوا النَّاسَ في تظاهرِهم عليكم في المحاربة (^٧) والمحاجَّة، فإنِّي أظهرُكم عليهم بالحجَّة.
وقيل: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ فيما يخاصمونَكُم، فإنَّهم لن يضرُّوكم في دِينكم ما أطعتموني، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ ولا تَعصُوني، فإنَّكم إن خالفتموني استوجَبتم عذابي.
وقوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ قيل: الواو زائدةٌ، كما في قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: اخشوني؛ لأتمَّ نعمتي عليكم، وهي نعمُ الدُّنيا والآخرة.
_________________
(١) نسبه سيبويه في "الكتاب" (٢/ ٣٤٠) للفرزدق، وهو في "المقتضب" للمبرد (٤/ ٤٢٥) دون نسبة.
(٢) قوله: "أي ولا دار مروان" من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "والذين ظلموا". وانظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ١٦).
(٤) انظر قول قطرب في "تفسير الثعلبي" (٢/ ١٧).
(٥) في (ر) و(ف): "سبق". وهو تحريف.
(٦) "قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ " ليس في (أ).
(٧) في (ر): "المجادلة".
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وقيل: هو الختمُ على الإسلام.
وقيل: أي: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ هدَيتُكم إلى هذا، فهو مضمرٌ فيه.
وقيل: هو عطفٌ على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بنقلِكُم مِن شريعةٍ إلى شريعةٍ غيرِها، على ما فيه (^١) صلاحُكم، حتَّى تتمَّ لكم مصالحكم، وقد حقَّق ذلك وتمَّمهُ، حتَّى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ولتهتدوا إلى شرائعِ ديني.
والحجَّةُ في الأصل: هي البيِّنةُ الواضحةُ، مأخوذةٌ (^٢) من مَحَجَّة الطَّريق.
وقيل: هي من الغَلَبة، يقال لجَّ (^٣) فحجَّ؛ أي: غلبَ (^٤).
وقيل: هي التي وجبَ الرُّجوعُ إليها عملًا بها، من: حجَّ البيت، وهو الرُّجوع إليه ولذلك سمِّيَ مثابةً أي: مرجعًا (^٥).
* * *
(١٥١) - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) بعدها في (ر): "من".
(٢) في (ر) و(ف): "مأخوذ".
(٣) في (ف) و(أ): "لج".
(٤) قال الأصمعي: ومن أمثالِهم في صعوبة الخلق واللجاجة: لجَّ فحجَّ، يُضرَب للرَّجل إذا بلغ من لجاجته أن يَخرجَ إلى شيء ليس من شأنه، وأصله أنَّ رجلًا لجَّ في الغَيْبة عن أهله، حتَّى خرجَ إلى حجٍّ وما يريدُ الحجَّ. انظر: "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ٩٦).
(٥) في (ر) و(ف): "مراجعًا".
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ قيل: هو متَّصِلٌ بما قبلَه، وعليه وقعَ التَّشبيهُ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: النِّعمةُ عليكم في أمرِ القِبلة كالنِّعمة بإرسال (^١) محمَّدٍ -ﷺ- فيكم، وهو أحدُ قولَي الزَّجَّاج والفرَّاء (^٢).
وقيل: معناه: كما أجبتُ دعوةَ إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٢٩]، فبَعثتُ محمَّدًا، فكذلك أجبتُ دعوتَه مع تلك الدعوة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فشرعت لهم الشرائعَ الحنيفيَّة السَّمحة؛ إتمامًا للنِّعمة.
وقال الحسنُ وابنُ أبي نَجيح ومجاهدٌ، وهو أحد قولَي الفرَّاء، واختيارُ الزَّجَّاج: هذا متَّصِلٌ بما بعدَه (^٣). قال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ مِن أنفُسِكم يُعلِّمكم (^٤) بعد الجهل، ويُطهِّرُكم، ويُوقِفُكم على معالم الدِّين، وهي نعمٌ توجِبُ الشُّكرَ، فاشكروا لي بذكرِ نعمتي، وأنا مع ذلك أذكركُم، فقوله: "اذكروني" يكون له جوابان؛ متقدِّمٌ، ومتأخِّرٌ، فجعلَ ذكرَهم شكرًا له (^٥) للنِّعم الماضية، وإيجابًا لذكر اللَّه تعالى لهم بنعمٍ مستأنفة.
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ هذا خطابٌ للعرب، وهذا الرَّسولُ محمَّدٌ ﵊. وتفسيرُ تلاوة
_________________
(١) في (ر) و(ف): "في إرسال".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٢٧)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٩٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٩٤) عن ابن أبي نجيح ومجاهد. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٢٧)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٩٢).
(٤) بعدها في (ر): "وهو قوله ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ ".
(٥) "له" ليس في (أ)، وفي (ف): "لهم".
[ ٢ / ٥٢٥ ]
الآيات والتَّزكيةِ والكتاب قد مرَّ تفسيره (^١) في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] على الاستيفاء والاستقصاء.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: مِن أقاصيص الأمم الخالية، وأخبار القرون الماضية والإخبار عما يكون في الأزمنة الجائية، وغير ذلك من علوم الديانةِ العاليةِ.
* * *
(١٥٢) - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قد مرَّ الكلامُ فيه من حيث اللُّغةُ.
وقال محمدُ بنُ عليٍّ الترمذي ذِكْرُ اللَّه على وجوه: الأوَّلُ: ذِكرُه بالتَّوحيد، والثَّاني ذِكرُه بالأمر والنَّهي، والثَّالثُ: ذِكرُه عند كلِّ نعمةٍ في الدِّين والدُّنيا، والرَّابعُ: ذِكرهُ بالمنَّة، والخامسُ: ذِكرُه بالتَّدبير، والسَّادسُ: ذِكرُه بالمحبَّة (^٢)، والسَّابعُ: ذِكرُه بالوَلَه، والثَّامنُ: ذِكرهُ بالشَّوق إليه، والتاسع: ذِكرُه بالاتِّصال، والعاشرُ: ذِكرُه بالمراعاةِ على الدَّوام.
وكلُّ ذاكرٍ على حسبِ ذكرِه يرجعُ إليه ثمرةُ ذكرِه، ومِن ذلك الوجهِ يَذكُرُه (^٣) ربُّه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ في قوله: ﴿وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: أي: ذِكْرُ اللَّه إيَّاكم أكبرُ مِن ذكركُم إيَّاه (^٤).
_________________
(١) لفظ: "تفسيره" ليس في (أ).
(٢) في (ف): "بالمحنة".
(٣) في (ر) و(ف): "يذكره".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤١١).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
وفي قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ لأهل المعرفة عباراتٌ لطيفةٌ:
قال القتَّاد: أي: فاذكروني بالتَّوبة، أذكُرْكُم بغفرانِ الحوبة.
وقيل: فاذكروني بالطَّاعة، أذكرْكُم بالرَّحمة.
وقيل (^١): فاذكروني بالدُّعاء، أذكركُم بالإجابة (^٢)، فاذكروني بالسُّؤال، أذكرْكُم بالنَّوال (^٣)، فاذكروني بلا غفلةٍ، أذكرْكُم بلا مُهلةٍ، فاذكروني بالنَّدم، أذكُرْكم (^٤) بالكَرم (^٥)، فاذكروني بالمعذرة، أذكركم بالمغفرة (^٦)، فاذكروني بالإرادةِ، أذكُرْكم بالإفادة، اذكروني بالإخلاص، أذكركُم بالخلاص.
ويقال: فاذكروني بالتَّذلُّل، أذكركُم بالتَّفضُّل، فاذكروني بشهودِ قلبِكم، أذكركُم بتحقيقِ مطلوبِكم، فاذكروني على الباب (^٧) من حيث الخِدمةُ، أذكركُم بالإيجابِ على بساطِ القُربةِ بإكمالِ النِّعمة، فاذكروني بتصفيةِ السِّرَ، أذكركُم بتوفيةِ البِرِّ، فاذكروني حالَ حياتِكم، أذكركُم بعد وفاتِكم، فاذكروني في شهودِكم، أذكركُم في لُحودِكم، فاذكروني في دُنياكم، أذكركُم في عُقباكم، فاذكروني بقطعِ العلائقِ، أذكركُم بوصلِ الحقائق، ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ على عظيم منَّتِي عليكم، حيث قلتُ لكم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ بذكري ذكرتموني، إذ لولا ذكري السَّابق، لم يكن ذكركُم اللَّاحق.
_________________
(١) "وقيل" سقط من (أ).
(٢) بعدها في (ر): "وقيل".
(٣) في (ر) و(ف): "بالكرم".
(٤) من قوله: "بالنوال" إلى هنا من (أ).
(٥) بعدها في (ر): "وقيل".
(٦) بعدها في (ر): "وقيل".
(٧) قوله: "على الباب" من (أ).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وقيل: فاذكروني في الرَّخاء، أذكركُم في البلاء، فاذكروني بالمجاهَداتِ، أذكركُم بالمشاهدات.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ الشُّكرُ إظهارُ النِّعمةِ بالاعتراف بها، أو بعملٍ هو كالاعتراف في القيام بحقِّها، والكفر أن يسترَ نعمةَ المنعم بالجحود، أو بعملٍ هو كالجحودِ في مخالفة المنعم، ويقال: شكرتُه، وشكرتُ له، كما يقال: نصحتُه ونصحتُ له، وقال الشاعرُ:
هُمُ جَمَعوا بُؤسَى ونُعمَى عَليكُمُ فهلَّا (^١) شكرْتَ القومَ إذْ لم تُقاتِلِ (^٢)
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ حذفت الياءُ مِن آخره، لتستويَ الفواصلُ، فهو كقول الشاعر:
ومِن شانِئٍ كالِسفٍ بالُه إذا ما انتَسبْتُ له أَنْكَرَنْ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ أمرٌ بالقول، ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ أمرٌ بالعمل، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: وجِّهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا تَشكروا غيري، ويَحتمل: وجِّهوا العبادةَ إليَّ، ولا تَعبدوا غيري (^٤).
* * *
_________________
(١) في (أ): "فهلا" بدل من "وهل لا".
(٢) البيت لعمرو بن لجأ التيمي، نسبه له الفراء في "لغات القرآن" (ص: ٦٩ - ٧٠)، وأبو حيان في "البحر المحيط" (٣/ ١٢٦)، وهو في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٩٢)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٦٩٦)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٩٦) دون نسبة.
(٣) البيت للأعشى، وهو في "ديوانه" (ص: ١٣٢) (طبعة الرضواني).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٩٥).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
فادي المغربي - ماهر أديب حبوش
المجلد الثالث
دار اللباب
[ ٣ / ١ ]