روي (^١) عن أبيِّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺأنه قال: "مَن قرأ سورة الأنفال وبراءةَ فأنا شفيعٌ له يوم القيامة، وشاهدٌ أنه بريءٌ من النفاق، وأُعطي عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ منافقٍ ومنافقةٍ، وكان العرشُ وحملةُ العرش يستغفرون له أيامَ حياته" (^٢).
وهي مدنية، وآياتُها مئة وتسعٌ وعشرون آيةً، وقيل: مئةٌ وثلاثون آية، والاختلاف في آيتين: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣]، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩].
وكلماتها ألفان وأربعُ مئة وثمان وتسعون، وحروفها عشرةُ آلاف وتسعُ مئة وسبعةَ عشر.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قلتُ لعثمان بن عفَّان: ما حملَكم على أن عمدتُم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءةَ وهي من المئين فقرنْتُم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ووضعْتُموها في السبع الطِّوال؟ فقال عثمان ﵁: كان النبي -ﷺ- يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورُ ذواتُ العدد، فكان إذا نزل عليه الشيءُ يدعو بعض من يكتب له فيقول له: "ضعوا هذه الآيات في
_________________
(١) في (ر) و(ف): "روينا".
(٢) قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا.
[ ٧ / ٢٦١ ]
السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا"، وكانت الأنفال مما أُنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتُها شبيهةً بقصة الأنفال فظننَّا أنها منها، وقُبض النبيُّ -ﷺ- ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمِن أَجْل ذلك قرنَّا بينهما ولم نكتُب بينهما بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وكانتا تُدعيان: القرينتين، فوضعنا هما (^١) في السبع الطِّوال (^٢).
وقال سفيان بن عيينة وقد سئل: لمَ لمْ يُكتب في صدر براءة بسم اللَّه الرحمن الرحيم؟ قال: إن التسمية رحمة، والرحمةُ أمانٌ، وهذه السورة نزلت في المنافقين بالسيف ولا أمان للمنافقين (^٣).
وسئل علي بن محمد العلويُّ الكوفي (^٤) عن ذلك فقال: لأن بسم اللَّه الرحمن الرحيم مفتاح (^٥) سِلمٍ وبركة، وبراءةَ مفتاحُ حربٍ وهلكةٍ، فلم يَجُز افتتاحُ السِّلم والبركة بافتتاح الحرب والهلكة.
وقال ابن كيسان: نزلت براءة على تسعٍ من هجرة النبيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) في (ف): "فعرضناهم".
(٢) رواه أبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦). وهو حديث تفرد بروايته يزيد الفارسي، ويكاد يكون مجهولًا كما ذكر الشيخ أحمد شاكر في "المسند" (٣٩٩) وقال: فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي قراءة وسماعًا وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه ولنفيها برأيه، وحاشاه من ذلك، فلا علينا إذا قلنا: إنه حديث لا أصل له، تطبيقًا للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث.
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٣/ ١٦٤).
(٤) لعله علي بن محمد بن جعفر، أبو الحسين العلويّ الكوفي الحماني، شاعر من أهل الكوفة، وكان وجيه الكوفة في عصره، وبها وفاته، وكان يقول: أنا شاعر وأبي شاعر، إلى أبي طالب، كلهم شعراء. توفي سنة (٣٠١ هـ). انظر: "الأعلام" (٤/ ٣٢٤).
(٥) "مفتاح" من (أ).
[ ٧ / ٢٦٢ ]
وقال الزهري: كان سعيد بن المسيِّب يقول: الأنفال وبراءة سورة واحدة (^١).
وقال أبو عطيةَ: كتب إلينا عمر ﵁: تعلَّموا سورةَ براءة، وعلِّموا نساءكم سورة النور (^٢).
وقال البراء بن عازبٍ: آخرُ سورة أنزلت كاملةً سورةُ براءة (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: كانت براءةُ تسمَّى: الفاضحة، على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فضحمت أقوامًا يومَ النحر -وهو الحجُّ الأكبر- بما أَنزل اللَّه من شؤونهم (^٤)، وما كانوا يكتمون من غشِّ النبيِّ -ﷺ- (^٥).
ومن المفسرين مَن سماها بسبعة أسماء: سورة التوبة، والمبعثِرة؛ أي: المظهِرةُ لأسرار المنافقين، من قوله: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]، والفاضحة، والمنكِّلة، والمشرِّدة، والمخزِيَة من قوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]، والمدمدِمة وهي المهلِكة.
* * *
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٠٠٤ - تفسير)، والبيهقي في "الشعب" (٢٤٣٧).
(٣) رواه البخاري (٤٣٦٤)، ومسلم (١٦١٨).
(٤) في (ف) و(أ): "سوآتهم".
(٥) لم أجده بهذا اللفظ، وروى البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١) عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: قلتُ لابن عباس: سورةُ التَّوبةِ، قال: التوبةُ؟ هي الفاضحةُ، ما زالتْ تَنْزِلُ: ومنهم ومنهم، حتى ظَنُّوا أنَّها لن تبقِيَ أحدًا منهم إلَّا ذُكِرَ فيها.
[ ٧ / ٢٦٣ ]