(١) - ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: هذه براءةٌ؛ أي: انقطاعُ عصمةٍ من اللَّه ورسوله ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: ملقاةٌ إلى المشركين الذين عاهَدْتُموهم.
* * *
(٢) - ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: أي: قل لهم: ﴿فَسِيحُوا﴾؛ أي: سيروا على مهلٍ على الأمان من القتال أربعةَ أشهرٍ من هذا الوقت إلى تمامِ هذه المدة، وكان الذين لهم عهد مع رسول اللَّه -ﷺ- على أنواع:
منهم: مَن بقي مِن مدته أكثرُ من أربعة أشهر.
ومنهم: مَن بقي قَدْرُ أربعةِ أشهرٍ.
ومنهم: مَن بقي أقلُّ من ذلك.
فجعل الكلَّ على مدةِ أربعة أشهرٍ، وكان هذا فضلًا من اللَّه ﷻ حيث لم يأمر بمباغَتتِهم (^١) بالحرب ليُنظَروا ولا يَحتجُّوا بشيء.
_________________
(١) في (ر): "بمتابعتهم".
[ ٧ / ٢٦٤ ]
وقال محمد بن إسحاقَ: هم صنفانِ من المشركين:
أحدهما: كُليبٌ، كانت مدةُ عهدهم أقلَّ من أربعةِ أشهر، فأُمهِلوا بالسياحةِ تمامَ أربعةِ أشهر.
والآخر: خزاعةُ، وكان مدة عهدهم سنتين، فقُصِرَ على أربعة أشهر، وهم حربٌ بعد ذلك يُقتلون حيثما أُدركوا، ويؤسَرون إلى أن يؤمِنوا.
وقال الكلبي: إنما كانت أربعةُ الأشهر (^١) لمن كان عهدُه دون أربعةِ الأشهر، فأُتم له أربعة الأشهر، ومَن كان عهدُه أكثرَ من ذلك بقي حقُّهم بقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (^٢).
وقيل: التأجيل (^٣) بأربعةِ الأشهر (^٤) لمن نقض العهد، فأما الذي لم ينقض ولم يظاهر أحدًا على المؤمنين فقد أمر بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾.
وقال محمد بن كعب: بَعَث رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكرٍ ﵁ أميرًا على الموسم سنةَ تسعٍ بالبراءة، ثم أَتْبَعه عليًّا ﵁ (^٥).
قال جابر ﵁: كنتُ مع عليٍّ ﵁ حين أَتْبعَه رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) في (ر): "الأربعة أشهر" وفي (ف): "أربعة أشهر".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٤٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٣١١)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٦).
(٣) من قوله: "فأتم له أربعة الأشهر. . . " إلى هنا من (أ).
(٤) في (ر): "أربعة أشهر"، وفي (ف): "دون الأربعة أشهر".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٠٩).
[ ٧ / ٢٦٥ ]
أبا بكرٍ، فلما كان بالعَرْجِ (^١) ثوَّبَ لصلاة الصُّبح، فلمَّا استوى أبو بكرٍ ﵁ ليكبِّر سمع الرغاء، فوقف وقال: هذا رُغاءُ ناقةِ رسول اللَّه -ﷺ- الجدعاء، لقد بدا لرسول اللَّه -ﷺ- في الحجِّ، فإذا عليها عليٌّ ﵁، فقال أبو بكر ﵁: أميرٌ أم رسول؟ قال: لا بل رسول (^٢) أرسلني رسول اللَّه -ﷺ- ببراءةَ أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقَدِما مكة، فلما كان قبلَ التروية بيومٍ قام أبو بكر ﵁ فخطب الناس وحدَّثهم عن مناسكهم، ثم قام عليٌّ فقرأ ثلاثين أو أربعين آيةً من براءةَ (^٣). وأجَّل المشركين أربعةَ أشهر.
وفي رواية: كان ذلك يومَ عرفةَ، وأجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة والمحرمَ وصفرًا وشهرَ ربيعٍ الأول وعشرًا من شهر ربيع الآخر (^٤)، ونادى الناسَ في منازلهم: لا يدخل الحرم إلا مؤمنٌ، ويُتَمُّ إلى كل ذي عهدٍ عهدَه، ولا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُرْيان (^٥).
وقال الزهري: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ نزلت في شوال، فهي أربعة الأشهر: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم (^٦).
_________________
(١) في هامش (أ): "العرج بسكون الراء من مراحل طريق مكة".
(٢) "لا بل رسول" من مصادر التخريج، ووقع في النسخ بدلًا منه: "بلى".
(٣) رواه الدارمي في "سننه" (١٩١٥)، والنسائي (٢٩٩٣)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٦٤٥). وتكرر في الحديث ذكر خطبة أبي بكر وقيام علي بقراءة براءة أربع مرات: قبل يوم التروية بيوم، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٠٩) عن محمد بن كعب القرظي، ورواه بنحوه أبو عبيد في "الأموال" (٤٤٩)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٣١٠)، عن مجاهد.
(٥) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٧٩٧٧)، والنسائي (٢٩٥٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٤١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٣١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٤٧).
[ ٧ / ٢٦٦ ]
وعلى هذا التخريج يكون هذا قولَه تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^١).
وقال مقاتل: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة ومنهم هلال بن عويمر، وبنو مدلج منهم سراقة بن مالك بن جُعْشُم الكنانيُّ، وفي بني خزيمة بن عامر (^٢)، وهما حيان من كنانة كان النبي ﵇ عاهدهم عشر سنين بالحديبية، فجعل اللَّه ﷿ أجلَ الذين كانوا في العهد أربعةَ أشهر من يوم النحر إلى عشرٍ من شهر ربيعٍ الآخر (^٣).
وقيل: ولمَّا ضربت لهم مدةٌ قالوا: نسيح في الأرض (^٤) في المدة على أمان ثم نحتال فنمتنعُ. [فنزل] (^٥) قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾: أي: فائتي اللَّه؛ أي: لا تقدرون أن تفوتوا فتخرجوا عن قبضة قدرته تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾: أي: واعلموا أن اللَّه يخزيكم فيذلُّكم ويفضحُكم.
وقال الإمام القشيري ﵀: وإن قطع عنهم [الوصلة فقد] ضرب لهم مدةً على وجه المهلة، على أنهم إن أقلعوا عن الضلال وجدوا في المآل ما فَقدوا من الوصال، وإن أبوا إلا التمادي في ترك الخدمة والحرمة انقطع ما بينه وبينهم من العصمة.
_________________
(١) بعدها في (أ): "واحدًا". وانظر ما سيأتي عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾.
(٢) قوله: "وفي بني خزيمة بن عامر" من "تفسير مقاتل"، ووقعت العبارة في النسخ: "ومن بني خزيمة وعامر".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٥٦).
(٤) "في الأرض" من (ف).
(٥) ما بين معكوفتين من "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية.
[ ٧ / ٢٦٧ ]
ثم ختم الآية بما معناه: إن أصرَرْتم على قبيح آثاركم مشيتُم إلى هلاككم بقدمكم، وسعَيتُم في عاجلكم في إراقة دمكم، وحصَلتُم في أجلكم على ندمكم، فما خسرتم إلا في صفقتكم، وما جرَّ حينكم (^١) سواكم:
تبدَّلتْ وتبدَّلْنا وأَخْسَرُنا مَن ابتغَى عوضًا يَسْلي فلم يجدْ (^٢)
* * *
(٣) - ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: قال ابن زيد والزجاج: أي: إعلامٌ من اللَّه لكم يا معشرَ المسلمين (^٣)، فليُؤْذِن به بعضُكم بعضًا فقد أمرتُ رسولي بإعلامكم.
﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هو ﴿وَرَسُولُهُ﴾: ورفع ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بإضمارِ هو، وقرأ عيسى بن عمر: (ورسولَه) نصبًا عطفًا على قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ (^٤)، وقرأ الحسن: (ورسولِه) بالخفض على معنى القسَم (^٥).
وقيل: إن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ بالخفض فقال: إن كان اللَّه بريئًا من رسوله فأنا
_________________
(١) في (أ): "حن حينكم"، وفي (ف): "جر حينكم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦). والبيت لأبي الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المعروف بالببغاء. انظر: "تاريخ دمشق" (٣٧/ ٢٨٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٢١) عن ابن زيد، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٢٩).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١١)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٧)، و"زاد المسير" (٣/ ٣٩٧).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١١). قال السمين في "الدر المصون" (٦/ ٩): هذه القراءة يبعد صحتها عن الحسن للإبهام.
[ ٧ / ٢٦٨ ]
بريءٌ منه أيضًا، فأخذ الرجل بتلبيبه وجاء به إلى عمر ﵁، فقصَّ الأعرابي قراءته، فعند ذلك أمر عمر بتعليم العربية (^١).
يقول: أَعْلِموا هذا، فقد أَعْلمت المشركين ذلك بقولي: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وقال ابن عباس ﵄: وإعلامٌ لأهل العهد من اللَّه ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن اللَّه بريءٌ ممن يَعْدِل به غيرَه ورسولُه أيضًا بريءٌ منه (^٢).
وقال القشيري ﵀: بَرِح الخفاءُ (^٣) فليس لهم ولاء، إذ لم يكن منهم [بما عقدوا] وفاء، فليَعْلم (^٤) الكافةُ أنهم أعداء:
أشاعوا لنا في الحي أشنعَ قصةٍ وكانوا لنا سلمًا فصاروا لنا حربًا (^٥)
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾: أي: رجعتُم يا أهل مكة من الكفر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، تنجُون به من السيف في الدنيا ومن العذاب في العُقبى.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي: أبيتُم لا عبادةَ الأوثان، وأعرضتُم عن الإيمان، ودمتُم على هذا التولِّي والخذلان (^٦) ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾: أي: غيرُ فائتِيه.
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: أَعْلِمهم بذلك، فكان بشارةً للمؤمنين والمطيعين بالثواب، والكافرين بالعذاب (^٧).
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١١).
(٢) "منه" ليست في (أ) و(ف).
(٣) أي: وضح الأمر وزالت خفيته. انظر: "أساس البلاغة" (مادة: برح).
(٤) في (أ) و(ر): "فأَعْلَم"، والمثبت من (ف) و"اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧)، وما بين معكوفتين منه.
(٦) "والخذلان" ليست في (أ) و(ف).
(٧) "والكافرين بالعذاب" ليس في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٢٦٩ ]
والحج الأكبر هو الحج، والحج الأصغرُ هو العمرة.
وفي يوم الحج الأكبر اختلاف:
قال عليّ وابن عباس وأبو هريرة وعبد اللَّه بن عمر وابن أبي أوفى والمغيرةُ بن شعبة وابن مسعود وجماعةٌ من التابعين رضوان اللَّه عليهم أجمعين: هو يوم النحر (^١)، وابن عمر والمغيرةُ ﵄ رَوَيا ذلك عن النبيِّ -ﷺ- (^٢)؛ لأن الركن في باب الحج الوقوفُ بعرفة وطوافُ الزيارة، ويجوز الوقوف بعرفة في ليله، ويجب طوافُ الزيارة في نهاره، ويقع أعمالٌ كثيرةٌ فيه من إراقة الدماء والحلق والرمي، وفيه يَحِلُّ المحرم.
وقال عمر، وابن عباس في رواية، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن عمر، وجماعةٌ من التابعين: هو يومُ عرفة (^٣)؛ لقول النبيِّ -ﷺ-: "الحجُّ عرفة" (^٤)، وبفَوَاتِ الوقوف بعرفةَ فواتُ (^٥) الحج.
وقال مجاهد: هو أيام الحج كلُّها (^٦)؛ لأن أفعال الحج تؤدَّى فيها، ويطلق اليوم على الأيام لأنه جنس.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٢٤ - ٣٣٥). ورواه عن علي والمغيرة وابن أبي أوفى أيضًا سعيد بن منصور في "سننه" -التفسير- (١٠٠٧) و(١٠٠٨) و(١٠٠٩).
(٢) رواه من حديث ابن عمر ﵄ أبو داود (١٩٥٤)، وابن ماجه (٣٠٥٨)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٢٤ - ٣٣٥)، وعلقه البخاري عقب الحديث (١٧٤٢). ولم أجده مرفوعًا عن المغيرة.
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٢١ - ٣٢٤).
(٤) رواه أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٩٠٤)، وابن ماجه (٣٠١٥)، من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁.
(٥) في (أ): "فوت".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٣٥ - ٣٣٦).
[ ٧ / ٢٧٠ ]
وقال محمد بن سيرين: الحج الأكبر: العام الذي حجَّ فيه رسول اللَّه -ﷺ-، اتَّفق فيه حجُّ الملل (^١).
* * *
(٤) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: قيل: الاستثناء من الأمر بسياحةِ أربعة (^٢) أشهر، ولهم تمامُ مدتهم.
وقال الزجَّاج: الاستثناء من براءة اللَّه ورسوله إلى المشركين (^٣).
وقيل: من قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
والصحيح: أنه استثناء منقطع بمعنى: لكن، والبراءةُ والإنذار بالعذاب في حقِّ كلِّ الكفار، وتقديره: لكن الذين عاهدتم من المشركين ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يطعنوا في دينكم ولم يدلُّوا على عوراتكم ولم يَسْعَوا في نقيصةِ أمركم ﴿يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾؛ أي: لم يعاونوا عليكم عدوًا ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ فإنَّ حفظ العهد تقوى، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: الحافظين العهدَ.
_________________
(١) ذكره عن ابن سيرين النحاس في "معاني القرآن" (٣/ ١٨٣)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٢). ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٣٧) عن الحارث بن نوفل.
(٢) "أربعة" ليس من (أ) و(ف).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٣٠).
[ ٧ / ٢٧١ ]
والآية نزلت في بني ضَمْرةَ وبني كنانة، وكان بقي لهم من مدتهم تسعةُ أشهر.
وقال ابن عباس ﵄: مدةُ مَن كان له عهدٌ من المشركين قبل أن تنزل براءةُ أربعةُ أشهر من يوم أُذِّن بالبراءة إلى العاشر من شهر ربيعٍ الآخِر، فذلك أربعةُ أشهر، فإنْ نقَض المشركون عهدهم وظاهروا عدوًّا فلا عهدَ لهم، وإنْ وفَوا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول اللَّه -ﷺ- ولم يظاهروا عليه عدوًّا فقد أُمر بأنْ يفيَ عهدَهم (^١).
* * *
(٥) - ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾: قال الحسن: أي: خرجت ومضت هذه أربعة الأشهر (^٢) التي قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ لسائر المعاهدين، وتسعةُ أشهر لبني كنانة، وخمسون يومًا من يوم النحر إلى آخر المحرَّم لمن لم يكن له عهد، وهو قول مجاهدٍ وعمرِو بن شعيبٍ ومحمدِ بن إسحاق وجماعةٍ، وسميت حرمًا لأنهم حرُم قتلُهم فيها بحكم الأمان (^٣).
وقيل: الأشهر الحرم: رجبٌ وذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم.
وقد روَينا عن الزهريِّ أن نزولَ براءة كان في أولِ شوال، فكان يمضي الأربعةُ الأشهر بمضيِّ شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، فيكون الأمر بقتلهم عند انسلاخ الأشهر الحرم الثلاثة بعد شوال.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٤٢).
(٢) في (ر): "الأربعة أشهر".
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).
[ ٧ / ٢٧٢ ]
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾: أي: في الحلِّ والحرم.
وقوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾: أي: ضيِّقوا عليهم المسالك، ولا تَدَعوهم يضربون في البلاد بالتجارة وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: أي: على كلِّ مرصدٍ، وفي كلِّ مرصدٍ؛ أي: مَرْقَبٍ، والمرصد: الطريق الذي يُرقب فيه العدوُّ؛ أي: في كلِّ طريق يُظنُّ مرورُهم فيه ليأخذوهم.
و﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ على هذا منصوبٌ بنزع الخافض.
وقيل: هو نصبٌ على الظرف؛ لأنَّه مكان القعود.
وهذا كلُّه تبعيدٌ (^١) لهم عن مكة، ومنعٌ لهم عن دخولها والاجتماعِ مع المسلمين في الحج، وهو تحقيقٌ لِمَا نودي فيهم: لا يحجُّ بعد العام مشركٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾: أي: رجعوا عن الكفر (^٢) ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: التزَموهما ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾؛ أي: لا تقتلوهم ولا تأسروهم ولا تضيِّقوا عليهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفر لهم كفرَهم ومعاصيَهم بالإيمان به، ويرحمهم فلا يعذِّبهم.
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا أسلم الكافر بعد شركه، ولم يقصِّر فيما (^٣) وجب عليه من قِسْمي فعله وتركه، حصل الإذن في تخليةِ سبيله وفكِّه، قال الشاعر:
_________________
(١) في (ف) و(أ): "بتبعيد".
(٢) في (ف): "أي عن الكفر"، وليست في (أ).
(٣) في (ف): "ولم يعص فيما"، وفي (ر): "ولم ينقض مما".
[ ٧ / ٢٧٣ ]
إنْ وجَدْنا لِمَا ادَّعيتَ شهودا (^١) لم تَجِدْ عندنا لحقٍّ جُحودا (^٢)
ولمَّا قرأ عليٌّ ﵁ هذه الآيات قام رجل فقال: أرأيتَ لو جاء رجلٌ مستأمنٌ ليستمع (^٣) القرآن، أتقتلونه؟ قال: لو صبرتَ لبيَّنْتُ لك حكمَه فيما أنزل اللَّه تعالى فإنه مذكور فيما أقرأ، وهو قوله تعالى:
* * *
(٦) - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾: تقديره: وإن استجارك أحدٌ من المشركين حتى يسمعَ كلام اللَّه ﴿فَأَجِرْهُ﴾؛ أي: إن جاءك أحد من المشركين الذين لا عهد لهم يسألُك أن تُؤمِّنه وتكونَ جارًا له من وثوبِ المؤمنين عليه حتى يسمع كلام اللَّه ويتأمَّلَه، فأَجِبْه إلى ذلك وأَجِره، وإن جاء وسمع وتدبَّر ولم يؤمِن فلا تقتلْه فقد أمَّنْته، ولكنْ أَوْصِله إلى حيث يأمَنُ على نفسه، وهو قوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: الكفارُ جاهلون مقلِّدون جارُون على الإلْف، فإذا الْتَمَس سماعَ كلام اللَّه فأَجِبْه فقد يكون مسترشِدًا، فإذا سمع وتأمَّلَ زالت عنه الشبهةُ فأسلمَ، فإنْ لم يفعل ورجع إلى موضعه فلكُم بعد ذلك إذا (^٤) وجدتُموهم قَتْلَهم وأخذَهم لأنكم قد أَعْذَرتُم إليهم.
وقال عطاء: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: ما أَعَدَّ اللَّه تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه
_________________
(١) في (ر): "الشهودا".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٨).
(٣) في (أ): "يستأمن يستمع"، وفي (ف): "يستأمن ليسمع".
(٤) في (ف): "إن".
[ ٧ / ٢٧٤ ]
من العقاب، وما افتَرض اللَّه ﷿ في دِينه من الصلاة والزكاة والصوم والحج (^١).
قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فأسمِعوهم (^٢) حتى يعلموا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إذا استجارك المشركُ اليومَ لا يُردُّ حتى يسمع كلام اللَّه، فإذا أستعاذ المؤمن طول عمره من الفراق متى يُمنَع عن سماع كلام اللَّه؟ ومتى يكون في زمرة مَن يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (^٣)؟
* * *
(٧) - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ كيف استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: لا يكون للمشركين عهد عند اللَّه يأمنون به من عذابه في الآخرة وعهد عند رسوله يأمنون به على أنفسهم عذاب الدنيا من القتل والأخذ.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: يجوز أن يكون استثناءً من المشركين الذين لا عهد لهم، وتقديره: إلا الذين عاهدتم، ويجوز أن يكون بمعنى: لكن؛ أي: لكن الذين عاهدتُم عند المسجد الحرام فلا تنقُضوا عهدهم ولا تتعرَّضوا لهم.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾: أي: على عهدهم ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾؛ أي: على عهدكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: الذين لا ينقضون العهد.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٩٩).
(٢) في (أ): "فأسمعهم".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٩).
[ ٧ / ٢٧٥ ]
وقال السدِّيُّ وابن جريجٍ: هم بنو جَذِيمة (^١).
وقال محمد بن إسحاق: هم قبائل من بني بكر (^٢) عاهَدوا يوم الحديبيَة (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: هم قريش (^٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد: هؤلاء قريش لم يستقيموا، فضُرب لهم بعد الفتح أربعةُ أشهر ليُسلموا أو ليَلحقوا بأيِّ البلاد شاؤوا، فأسلموا قبل أربعة أشهر (^٥).
وعن ابن عباس ﵄ في رواية: أنهم بنو ضَمْرةَ (^٦).
وقال الحسين بن الفضل: هم بنو جذيمة (^٧) وكنانة.
وقال مقاتل: هم خزاعةُ وبنو مدلج وبنو جذيمة (^٨).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: كيف يستحقُّون أن يُعطَوا العهدَ وقد نقضوا العهود التي (^٩) بينهم وبين ربهم، وهو عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كلِّ أحدٍ الشهادةُ على وحدانية اللَّه تعالى وألوهيتِه، ونقضوا ما عُهد إليهم في كتبهم من إظهار
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٥٠).
(٢) في (ر) و(ف): "كنانة"، والمثبت من (أ) والمصادر.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٥١)، وهو في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٤٤).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٤٩).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٥٢).
(٦) ذكره عن ابن عباس ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٠٠)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٤٢) عن الكلبي، فلعل خبر ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه.
(٧) في (ر): "خزيمة".
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٥٨).
(٩) في (ف): "العهد الذي".
[ ٧ / ٢٧٦ ]
صفة محمد ونعته (^١) للخلق، ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول اللَّه -ﷺ- ولم يحفظوها، فكيف يستحقُّون أن يعطَوا عهدًا مع هذا، إلا أن اللَّه ﷿ بفضله أَذِن أن يُعطَوا العهود، وما استقاموا لكم بالوفاء بالعهد فاستقيموا لهم بذلك (^٢).
وقال القشيري ﵀: كيف يكون المفلسُ في عرفانه كالمخلِص في إيمانه؟ وكيف يكون المحجوبُ عن شهوده كالمستهلَك في وجوده؟ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾: إن تمسكوا بحبل وفائنا أحلَلْناهم في ظلِّ ولائنا، وإن زاغوا عن عهدنا ابتليناهم بصَدِّنا، ثم لم يَبرحوا على بُعْدنا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: فيه إضمارٌ؛ أي: كيف يكونُ لهم عهدٌ وهم إنْ يَظفروا بكم ويغلِبوكم، وهو كقوله ﷿: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾: أي: لا يحفظوا ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ قال ابن عباس ﵄: الإلُّ: القرابة، والذمَّة: العهد (^٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد: كلاهما العهد (^٥).
وقال مجاهد: الإلُّ القرابة، والذمة الميثاق (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وبعثه"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٠٤).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٠)، وفيه: "ثم لم يربحوا في بعدنا"، وفي (أ): "ثم لم يربحوا على بعدنا".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٥٧).
(٦) لم أجده عن مجاهد، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٥٨) عن السدي بلفظ: ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾: عَهْدًا ولا قرابةً ولا ميثاقًا.
[ ٧ / ٢٧٧ ]
وقال قتادة: الإلُّ: الحِلف، والذِّمة: العهد (^١).
وقال الحسن: الإل: الجوار (^٢).
وقال أبو عبيدة: الإل: اليمين (^٣)، وهو مأخوذٌ من الأَليل وهو البريق (^٤) واللَّمَعان.
وقال الزجاج: أصله التحديد، من الأَلَّة؛ أي: الحَرْبة (^٥).
وقال المبرِّد: كرِّر لمَّا اختَلف اللفظان وإن كان معناهما واحدًا، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾، وكما قال الشاعر:
وأَلْفَى قولَها كذبًا ومَينًا (^٦)
وقوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِم﴾: بحُسنِ القول ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ التصديقَ ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾: عاصون ناقضون العهد.
* * *
(٩) - ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٥٧).
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٤٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٠٢).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٢٥٣).
(٤) في (ر): "البرق".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٣٤).
(٦) عجز بيت لعدي بن زيد، وهو في "ديوانه" (ص: ١٨٣)، وصدره: وقدَّمَتِ الأديمَ لراهشَيهِ وهذا القول ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٤) وعزاه للسدي وابن زيد وأحد قولين عن مجاهد، ولم يرتضه الآلوسي فقال: ويأباه إعادة (لا) ظاهرًا فليس هو نظير: فألفى قولها كذبًا ومينا، فالحقُّ المغايرة بينهما. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ٢٣٧).
[ ٧ / ٢٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: قال عطاء: كان أبو سفيان يعطي الناقة والطعامَ ليصدَّ الناس بذلك عن متابعةِ النبي -ﷺ- (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: أعمالُهم هذه في نهاية السوء.
وقال القشيري ﵀: مَن رضي من اللَّه بغيرِ اللَّه أَرخصَ في صَفْقته فخسِر في تجارته، فلا له بما آثَرَ على اللَّه استمتاع، ولا فيما دونه له إقناع، بقي عن اللَّه ولم يستمتِعْ بغير اللَّه، ألَا ذلك هو الخسران المبين (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾: قد فسَّرناه، والأولُ في صفة (^٣) ناقضي العهد، والثاني في صفة المشترِين بآيات اللَّه ثمنًا قليلًا.
وقيل: الأول على الخصوص لأنه قال: ﴿فِيكُمْ﴾، والثاني على العموم لأنه قال: ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾: أي: المجاوِزون حدودَ اللَّه تعالى، وهذا حثٌّ على قتالهم لسوء أعمالهم، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤].
* * *
(١١) - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣١٠).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١١).
(٣) "صفة" ليس من (أ) و(ف).
[ ٧ / ٢٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾: أي: مِن الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: قبلوهما ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: فهم إخوانكم في الإسلام، وقد زالت المعاداة، وارتفعت المقاتَلة والمباراة.
وقوله تعالى: ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أي: نبيِّنها للَّذين يعملون بعلومهم.
* * *
(١٢) - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾: أي: نقضوا ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: عابوه ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ونقضُ العهد كافٍ لإباحة القتل، ولكن ذُكر الطعنُ في الدِّين لزيادة تحريكِ المؤمنين على قتالهم.
وقيل: معناه: وإنْ نكثوا أيمانهم بطعنهم في دِينكم، ويذكر الفعلان بواوٍ بينهما والثاني تفسيرُ (^١) الأول، كقولك: استخفَّ فلانٌ بحقِّي وردَّني عما طلبتُ إليه.
وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾: أي: قاتلوهم فإنهم أئمة الكفر؛ أي: المقتدَى بهم والمتبعون (^٢)؛ لأنَّه قيل: أريد به بنو بكر الذين عدَوا على خزاعة فأعانتْهم قريش فانتَقض عهدهم وغزاهم لذلك رسول اللَّه -ﷺ-، وهم كلُّهم قريش وأشياعهم، وبهم كان يقتدي سائر المشركين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾: أي: لأنهم (^٣)، وقرأ ابن عامر: ﴿لا إيمان لهم﴾ بكسر الألف، وله وجهان:
_________________
(١) في (أ) و(ر): "غير"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.
(٢) في (أ): "والمتبوعون".
(٣) "أي: لأنهم" ليس في (ف).
[ ٧ / ٢٨٠ ]
أحدهما: إنهم لا إيمان لهم باللَّه بل هم كفار.
والثاني: أنه إعطاء الأمان (^١)؛ أي: لا تُعطوهم الأمانَ فإنهم لا يستحقُّون ذلك.
وقرأ الباقون بفتح الألف وهي جمع اليمين (^٢)؛ أي: لا عهود لهم ولا أقسام.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: أي: قاتِلوهم لينتَهوا عن الطعن في دينكم، و(لعل) كلمةُ تَرَجٍّ؛ أي: قاتِلوهم مؤمِّلين انتهاءَهم، ناوين بقتالكم ردَّهم عن الكفر.
وقيل: أي: لا تستنكروا نكثَهم فلا ثقةَ بأيمانهم.
وقال ابن جريج: أئمةُ الكفر: رؤساء (^٣) قريش -وكذا قال الضحَّاك والسدِّي (^٤) - نكثوا (^٥) العهد وعملوا في إخراج الرسول.
وقال مقاتل: أئمة الكفر: أبو سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، نقضوا العهدَ الذي كان بينهم بالحديبيَة (^٦).
ولا يصح ما رُوي عن الكلبي عن ابن عباس ﵃: أنهم أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف ونظراؤهم (^٧) = لأنهم قتلوا يوم بدر، وهذه الآيات نزلت في فتح مكة.
_________________
(١) أي: يراد المصدر من قولك: آمنته فأنا أومنه إيمانًا، تريد: أمانًا. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٢٥)، و"تفسير الطبري" (١١/ ٣٦٦).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٢)، و"التيسير" (ص: ١١٧).
(٣) في (ف): "رؤساء".
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٦٤).
(٥) في (أ): "ونقضوا".
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٥٩).
(٧) لم أجده، وقد روي أيضًا عن غير ابن عباس، رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٦٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٦١)، عن قتادة. وذكره أبو حيان في "البحر" (١١/ ٢٠٧) ثم تعقبه =
[ ٧ / ٢٨١ ]
(١٣) - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: وهذا تحريك لهم على قتال هؤلاء، وهو استفهام بمعنى الإغراء، وهؤلاء القوم هم قريش؛ أي: نقضوا أيمانهم التي كانت بالحديبية وأعانوا أعداءكم بني بكر على حلفائكم خزاعة.
﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ من مكة، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦].
وقوله ﷿: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال مجاهد: نقضوا العهد بإعانة بني بكر على خزاعة (^١).
وقال آخرون: بدؤوكم بقتالِ بدرٍ؛ لأن النبيَّ -ﷺ- خرج للعير، والكفارُ بعد إحراز (^٢) العير لم ينصرفوا وقالوا: نخرج إلى بدرٍ فنشربُ بها الخمر وتَعزف علينا القَيْناتُ (^٣) وتهابُنا العرب، فكانوا هم البادئين.
وقوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾: استفهام بمعنى النهي ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: الإيمان يوجبُ الخشية من اللَّه تعالى في مخالفةِ أمره، فلا مَدفع لحكمه ولا مَرَدَّ لقضائه، وأنتم مؤمنون فحقِّقوا شرط إيمانكم، وهذا أبلغ تحريكٍ وتشجيع.
_________________
(١) = بقوله: وهذا ضعيفٌ إنْ لم يُؤخَذْ على جهةِ المِثَال؛ لأنَّ الآيةَ نزلت بعد بدرٍ بكثيرٍ. وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٦) عن ابن عباس نحو قول مقاتل الذي تقدم قريبًا.
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٦٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٦١).
(٣) في (ر): "أخذ".
(٤) في (أ): "القنان"، وفي (ف): "القيان".
[ ٧ / ٢٨٢ ]
(١٤ - ١٥) - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾: أمرهم بقتال المشركين، ووعَد عليه هذه الأشياءَ، وجزم كلّها لأنه جزاءٌ عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: رفعٌ؛ لأنَّه مبتدأ غيرُ معطوف، ولكنه متصلٌ بالأول معنًى؛ أي: ومن فوائد القتال أنه يتوب بسببه بعضُ مَن تأمَّل فيه.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: لا يكون عليه خفاء ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَلحقه خطأ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما كان منهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما (^١) أمر فيهم.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: شفَى (^٢) صدور المؤمنين على حسَب مراتبهم في الدرجات والمقامات، فمنهم مَن شفاءُ صدره في قهرِ عدوه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في نيلِ مَرْجوِّه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في الظَّفَر بمطلوبه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في لقاء محبوبه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في دَرك مقصوده، ومنهم مَن شفاءُ صدره في البقاء بمعبوده (^٣)، وكذلك ذهابُ غيظِ قلوبهم تختلف أسبابه وتتنوَّعُ أبوابه، ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى يكون استقلالُه بمحوِّل الأحوال لا بصفاء الأحوال (^٤).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "بما".
(٢) في (ف) و(أ): "شفاء".
(٣) في (أ): "ببقاء معبوده" وفي (ر) و(ف): "في لقاء معبوده"، والمثبت من "اللطائف".
(٤) في (أ): "لا بصفات الأحوال"، وهذه الجملة ليست في "اللطائف". انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٢).
[ ٧ / ٢٨٣ ]
(١٦) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾: أي: أظننتُم أن تُتركوا على ما أظهرتُم من الإيمان باللسان (^١) ولا تُبْتَلَون بالقتال.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: أي: لم يوجد منكم جهادُ المشركين، ولو وُجد لعَلِمه اللَّه تعالى موجودًا، لأن اللَّه يعلم في الأزل ما يوجد أنه يوجد، ويعلمه موجودًا حين يوجد، لأنه جل وعلا يعلم كلَّ شيء على ما هو به، وقد قرَّرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وفي سورة آل عمران في قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: عطف على ﴿جَاهَدُوا﴾؛ أي: ولم يعلمِ اللَّه الذين جاهدوا منكم ووالَوا اللَّه ورسولَه والمؤمنين ولم يتولَّوا غيرَ اللَّه ورسولهِ والمؤمنين ولم يتَّخذوا من دون اللَّه أولياء و(^٢) خواصَّ.
والوليجة: البطانةُ الخاصة، من الولوج وهو الدخول، وَلِيجتُك: صديقُك الذي تُطْلعه على ما في داخل قلبك.
وصفة المؤمن المخلِص ألا يتَّخذ بطانةً من الكفار، ولا يتولَّى غيرَ الرسول والمؤمنين الأبرار.
وذكر اللَّه هاهنا لتأكيد الأمر في موالاة الرسول والمؤمنين، ومعنى ذكرِه: أن هذه الموالاةَ مع الرسول والمؤمنين (^٣) بأمره وشرعه، وما ينبغي للمؤمن أن يتولَّى
_________________
(١) "باللسان" ليست في (أ).
(٢) الواو ليست في (أ).
(٣) "ومعنى ذكره أن هذه الموالاة مع الرسول والمؤمنين" من (أ).
[ ٧ / ٢٨٤ ]
الكفار، قال ﷻ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقال: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: من الموافَقة والمخالَفة، وهو وعد ووعيد.
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن ظنَّ أنه يكتفَى منه بالدعوى دون تحقيقِ المعنى فهو على غَلَطٍ من حسبانه، وفي غَلَبٍ من حسابه، بل المطلوبُ صدقُ المجاهدة في اللَّه، وتركُ الركون إلى غير اللَّه، وإذا اتَّخذ وليجة من الكفار فشا في الأعداء الأسرار، وأولى مَن يهجره المرءُ لئلا تطَّلع على الأسرار نفسُه التي هي أعدَى عدوِّه.
حُكي عن أبي يزيد ﵀ أنه قال في بعض أوقات مكاشفاته: كيف أطلبك؟ فقيل له: فارق نفسك وتعال.
والحرية عزيزةٌ، قال قائلهم:
أتمنَّى على الزمان مُحالا أن ترَى مقلتايَ طلعةَ حرٍّ (^١)
* * *
(١٧) - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: واتِّصالها بما قبلها: أن اللَّه عزَّ وعلا حرَّض على قتال المشركين من وجوهٍ، وهذا وجهٌ آخرُ من ذلك،
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٣).
[ ٧ / ٢٨٥ ]
وهو أن مكة مولدُكم ومنشؤكم، وفيها قبلتكم، وبها مفاخرتُكم، وقد استولى المشركون عليها وأخرجوكم منها، وقاموا بعمارة المسجد الحرام الذي فيها وليسوا بأهل ذلك، فقاتلوهم وأخرجوا ذلك من أيديهم، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ أي: أن يلُوا عمارتها.
وقيل: كان فيما نودي فيهم مع البراءة: ألا يحجَّ بعد العام مشركٌ (^١)، وفي هذه الآية إشارةٌ إلى منعهم عن قصدها والطوافِ بها وعمارتها بالصلاة.
ومعنى الآية على هذا: ليس في حكم اللَّه تعالى أن يعمُر المشركون مساجد اللَّه بالصلاة فيها وحجِّها والطواف بها وعمارتها وهم غيرُ مؤمنين، وذلك قوله تعالى:
﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: وقيل: هو اعترافهم بعبادة الأوثان وإن لم يصرِّحوا بالاعتراف بلفظ الكفر والشرك.
وقيل: هو قولهم في التلبية: لبَّيك لا شريك لك إلا شريكٌ هو لك تملكُه وما مَلَك؛ أي: ليس لهم أن يحجُّوها (^٢) وهم قائلون في الحج هذا.
وقيل: أي: ما يدينون به دليل على كفرهم، لا أنهم يقولون: نحن كفار، وهو كقولك للرجل: إن (^٣) كلامك ليشهدُ أنك ظالم؛ قاله الحسن (^٤).
وقال السدِّي: إن النصراني إذا قيل له: مَن أنت؟ قال: نصرانيٌّ، وكذلك اليهوديُّ والمشرك والوثنيُّ (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٩)، ومسلم (١٣٤٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (ف): "يحجوا".
(٣) في (ر): "إذا كان"، وفي (ف): "إذ كان"، بدل: "إن".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٣/ ٢٢٨) (ط: دار التفسير)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣٣١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٠).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٧٤ و٣٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٦٥). وذكره =
[ ٧ / ٢٨٦ ]
ثم قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون المرادُ به حقيقةَ الجمع؛ أي: في كلِّ المساجد الحُكمُ هذا.
وقال الحسن: هو المسجد الحرام، وإنما جُمع لأنه قبلةُ المساجد كلِّها وإمامُها، يقول: ما كان للمشركين أن يُتركوا فيكونوا من أهل المسجد الحرام (^١)، وطريقه طريق قولهم: خرج فلانٌ إلى الحج على البغال، أو: على الإبل، ويراد به الجنسُ لا الجمع.
قال ابن إسحاق: وقالت قريش: إنَّا أهل الحرم وسُقاة الحجيج وعمَّار هذا البيت، لا أحد أفضل منا، فقال اللَّه ﷻ ذلك (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: لمَّا أُسر العباس يومَ بدرٍ أقبل عليه المسلمون فعيَّروه بكفره باللَّه تعالى وقطيعةِ الرَّحِم، وأغلَظَ عليٌّ للعباس القولَ، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له عليٌّ ﵁: ألكُم محاسنُ؟ قال: نعم، إنَّا لنَعْمُر المسجدَ الحرام، ونَحجب الكعبة، ونسقي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانيَ، فأنزل اللَّه ﷻ ردًّا على العباس: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَائِزُونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) = الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣٣١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٠).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣٢٩)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٠).
(٣) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٤٧).
(٤) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣٢٨) وفي "أسباب النزول" (ص: ٢٤٣)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٩). ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٧٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٦٨)، ولم يذكرا فيه عليًّا.
[ ٧ / ٢٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: ما ذكروه من محاسنهم بطَل ثوابُها لشركهم.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾: لكفرهم، أخبر اللَّه تعالى أنهم ليسوا بأهلٍ لعمارتها، ولا في قيامهم ما يوحما الكفَّ عن قتلهم، لأنهم مشركون حبِطت أعمالهم واستحقُّوا الخلود في النار.
* * *
(١٨) - ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: أي: إنما يستحقُّ القيام بعمارتها مَن كان بهذه الصفة، فهو يعظِّم البيت حقَّ تعظيمه.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: لم يعمل ذلك كلَّه إلا لخشية اللَّه.
وقيل: أي: لم يخشَ إلا اللَّه فلم يتخلَّفْ عن قتال المشركين لخشيتهم، وهو إشارةٌ (^١) إلى ما قال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣]، وقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
وقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ و(عسى) من اللَّه إطماعٌ، وإطماع الكريم إيجابٌ؛ أي: المستكمِلون هذه الخصالَ ثابتون على الهداية خارجون عن الضلالة.
وروى أبو سعيد الخُدري ﵁ عن النبيِّ -ﷺ-: "إذا رأيتم الرجل يعتادُ
_________________
(١) في (أ): "بخشيتهم وهو إشارتهم"، وفي (ر): "لخشيهم وهو إشارة".
[ ٧ / ٢٨٨ ]
المسجدَ فاشهَدوا له بالإيمان، قال اللَّه تعالى في كتابه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (^١).
وقال القشيري ﵀: عمارة المساجد التي هي مواقفُ العبودية لا تتأتى إلا بتخريبِ أوطان البشرية، فالعارفُ يَعمُر المسجد بتخريبِ أوطان شهوته، والزاهد يَعمره بتخريب أوطان مُنْيته، والعارف يَعمره بتخريب أوطان علاقته، والموحِّد يَعمره بتخريب أوطان ملاحظته، ولكلٍّ منهم صنفٌ مخصوص (^٢)، وكذلك رتبتُهم في الإيمان مختلفة، فإيمانٌ من حيث البرهان، وإيمانٌ من حيث البيان، وإيمانٌ من حيث العِيان، وشتَّان ما هم (^٣).
* * *
(١٩) - ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الحاجُّ أريد به الجمعُ لأنه جنس (^٤)، وتقدير الآية: أجعلتُم
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦١٧) و(٣٠٩٣) وحسنه، وابن ماجه (٨٠٢)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٥٠٢)، وابن حبان في "صحيحه" (١٧٢١)، والحاكم في "المستدرك" (٧٧٠) وصححه، وهو من طريق دراج بن سمعان عن أبي الهيثم (وهو سليمان بن عمرو العتواري) عن أبي سعيد ﵁. ودراج قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوق وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف.
(٢) في (أ): "صف مخصوص". وعبارة "اللطائف": (وكلّ واحد منهم واقف فى صفته، فلصاحب كلّ موقف منهم وصف مخصوص).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٤).
(٤) "لأنه جنس" ليس في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٢٨٩ ]
صاحب سقاية الحاجِّ وعمار المسجد الحرام كمَن آمن باللَّه واليوم الآخر، أو: أجعلتُم سقايةَ الحجَّاج وعمارةَ المسجد الحرام كإيمانِ مَن آمن باللَّه واليوم الآخر وجهادِ مَن جاهد في سبيل اللَّه؛ لأن الصحيح مقابلة الفعل بالفعل أو الفاعل بالفاعل، ويصير كذلك بهذا الإضمار، وله طريقٌ آخرُ: أن يُجعل السِّقاية والعمارة وهما مصدران كالنعتين، وتقديره: أجعلتُم ساقي الحاجِّ وعامرَ المسجد الحرام كمَن آمن، وهو كالعدل يراد به العادل، وتحقيق هذا قراءةُ عبد اللَّه بن الزبير وأبي وجزةَ السعدي: (أجعلتُم سُقاةَ الحاج وعَمَرة المسجد الحرام) (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: في الدرجة.
﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: قال مقاتل أي: المشركين إلى الحجة (^٢).
وقيل: إلى الجنة.
وقيل: إلى الإسلام مع اختيارهم الكفرَ.
روي أن عليًا والعباس وشيبةَ بن عثمان -وقيل: طلحة بن شيبة- تفاخروا، فقال العباس: أنا أسقي الحجيج، وقال شيبة: أنا أَعْمُرُ مسجد (^٣) اللَّه، وقال علي: ما أدري ما تقولان! لقد صلَّيت إلى القبلة ستةَ أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد مع رسول اللَّه -ﷺ-، فنزلت الآية (^٤)، وعرَفوا أن سقي الحجيج وعمارةَ البيت لا يَعدلان الإيمان والجهاد، وكان العباس وشيبةُ غيرَ مسلمَين يومئذ.
_________________
(١) انظر: "المحتسب" (١/ ٢٨٦). وهي رواية ابن وردان عن أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٨). واسم أبي وجزة: يزيد بن عبيد السعدي المدني الشاعر، من رجال "التهذيب".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٦٣).
(٣) في (أ): "مساجد".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٨٠).
[ ٧ / ٢٩٠ ]
وقال النعمان بن بَشير: كنت عند منبرِ رسول اللَّه -ﷺ- في نفرٍ من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أنْ أسقي الحاجَّ، وقال آخر: بل عمارةُ المسجد الحرام أحبُّ إليَّ، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل اللَّه خيرٌ مما قلتُم، فزجرهم عمرُ ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبرِ رسول اللَّه -ﷺ- -وذلك يومَ الجمعة- فإذا صلى الجمعة دخلتُ إليه (^١) فاستفتيتُه عما اختلفتُم فيه، ففعلوا فأنزل اللَّه هذه الآية (^٢).
وقال مرةُ الهَمْدانيُّ: قال عليٌّ للعباس: يا عم! ألا تهاجرُ؟ قال: ألستُ في أفضلَ من الهجرة؟ ألستُ أسقي الحجيجَ وأَعْمُرُ المسجد الحرام؟ فنزلت الآية (^٣).
وقال مجاهد: أُمروا بالهجرة، فقال العباس: أنا أسقي الحاجَّ، وقال طلحة: أنا حاجب (^٤) الكعبة، لا نهاجر، فنزلت الآية (^٥).
وقال القشيريُّ ﵀: ليس مَن قام بمعاملةِ ظاهره كمَن استقام في تصحيح سرائره، ولا مَن استضاء بسراج علومه كمَن استبصَر بشُموس معارفه، ولا مَن نُصب بالباب من حيث الخدمةُ كمَن مُكِّن من البساط من حيث القُربة، وليس نعتُ مَن تكلَّف نِفاقًا كوصفِ مَن تحقَّق وفاقًا، بينهما بونٌ بعيد (^٦).
* * *
_________________
(١) في (أ): "عليه".
(٢) رواه مسلم (١٨٧٩).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٠)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٤٥)، عن ابن سيرين ومرة الهمداني. ورواه من طريق آخر ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٦٩).
(٤) في (أ): "صاحب".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٨٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٦٨ و١٧٧٠).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٥).
[ ٧ / ٢٩١ ]
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: مِن سقاية الحاجِّ وعمارةِ المسجد الحرام بلا إيمانٍ، وليس لأولئك درجةٌ في الفضل، لكن معناه: أنهم يعتقدون لأنفسهم درجةً، فقال: هؤلاء أعظمُ درجةً على الحقيقة من أولئك على ما يتوهَّمونه لأنفسهم.
وقيل: معناه: أعظمُ درجةً من المؤمنين الذين لم يهاجروا ولم يجاهدوا.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: أي: الناجُون.
* * *
(٢١) - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ﴾: أي: عند الموت على ألسنة الملائكة، وفي الجنة بلا واسطةٍ.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: في جنات (^١).
* * *
(٢٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: هذا كلُّه ظاهر.
وقال القشيري ﵀: بشارةُ العُصاة بالرحمة، وبشارةُ المطيعين بالجنة والنعمة، وبشارةُ العصاة بالنجاة، وبشارةُ المطيعين بالدرجات، وبشارة العصاة بالخلاص، وبشارة المطيعين بالاختصاص.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي وبجنات".
[ ٧ / ٢٩٢ ]
ويقال: بشَّر العصاة بالرحمة، والمطيعين بالرضوان، والكافةَ بالجنة، وقدَّم العاصي في الذكر، وقدم المطيع بالبِرِّ، والذكرُ قولُه وهو قديم، والبِرُّ طَولُه وهو عميم.
وقيل: بشَّر بنفسه ليزيد في محبة عبده؛ لأن القلوب مجبولةٌ على حبِّ المبشِّر، يقول قائلهم:
لولا تمتُّعُ مُقلتي بلقائه لوهبتُها لمبشِّري بإيَابه (^١)
وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ عرَّفهم أنهم برحمته وصلوا إلى طاعته، لا بطاعتهم وصلوا إلى نعمته.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ قومٌ نعيمهم عطاءُ ربهم على وصف التمام، وقومٌ نعيمُهم لقاءُ ربهم على نعت الدَّوَام، فالعابدون لهم تمامُ عطائه، والعارفون لهم دوام لقائه (^٢).
* * *
(٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: ولمَّا أَمر النبيُّ -ﷺ- بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته وقَرابته: إنَّا قد أُمرنا بالهجرة إلى المدينة فاخرجوا معنا، فمنهم مَن يعجبه ذلك ويتسارع فيه، ومنهم مَن يأبى ذلك، ومنهم مَن يتعلق به زوجته وعيالُه وولده
_________________
(١) في (ف): "بلقائه".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٦ - ١٧).
[ ٧ / ٢٩٣ ]
فيقولون له: نَنْشُدُك اللَّه ألا تضيِّعنا، فيَرِقُّ ويجلس وَيدَعُ الهجرة، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾ (^١) الذين بمكة ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ في الدين والعون والنصرة ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾؛ أي: اختاروا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ بعد نزول هذه الآية في الإقامة ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ على الكفر ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٢).
وقال مقاتل: نزلت في السبعة الذين ارتدُّوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى اللَّه عن ولايتهم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٣).
وقال القشيري ﵀: علامةُ الصدق في التوحيد قطعُ العلاقات، ومفارقةُ العادات، وهجرانُ المعارف والقَرابات، والاكتفاءُ باللَّه على دوام الحالات (^٤).
* * *
(٢٤) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢١)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣٤٠) والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٤)، جميعهم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.
(٢) في (ف): "وأولئك".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٦٤).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٨).
[ ٧ / ٢٩٤ ]
اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: أي: اكتسبتُموها (^١) ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: قال مقاتل: قل يا محمد للمتخلِّفين عن الهجرة: إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم (^٢) وعشيرتِكم، وأموالٍ اكتسبتُموها، وتجارةٍ ترجُون حصولَ أرباحها وتخشَون كسادها، ومساكنَ رضيتُموها، أحبَّ إليكم من الهجرة إلى اللَّه ورسوله ومن جهادٍ في نصرة دينه فانتظروا حتى يأتي اللَّه بأمره بفتح مكة (^٣).
وقال عطاء: ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بقضائه (^٤).
وقال الحسن: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ من عقوبةٍ عاجلةٍ أو آجلة (^٥).
وقيل: أي: بعذابه، كما قال ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ [يونس: ٢٤].
وقال القفال: قطَع وجوهَ العُذر بهذا التعديد والبسطِ من الكلام، فلم يُجِزْ تركَ الهجرة والجهاد في سبيل اللَّه للميل إلى الشيء من الأسباب (^٦) المميلة، ولم يجعلْ ما يَثقُل على الإنسان فراقُه من أبٍ بَرّ، وابنٍ يَتزيَّن به، وأخٍ يَعتضِد بمعونته، وزوجةٍ يَسكن إلى صحبتها وإلْفِها وخدمتها، وعشيرةٍ يَتعزَّز بهم ويستعين على دفع المُلِمَّات بنصرتهم، وأموالٍ مكتسَبة قد استَنفذَ في تحصيلها الوُسع، وأنفق على جمعها العُمر،
_________________
(١) "أي: اكتسبتموها" ليست في (ف).
(٢) "وأزواجكم" زيا دة من (أ).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٦٤).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٢)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٥).
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٤٩)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣٤٣).
(٦) في (أ): "الأشياء".
[ ٧ / ٢٩٥ ]
وتجشَّم على حملها الأسفار، وخاف عليها الضَّيَاع بالغيبة عنها، وتجارةٍ قائمة يرجو حصولَ أرباحها، ومنازلَ قائمةٍ (^١) عامرةٍ نَزْهةٍ (^٢) مألوفةٍ يَتحصَّن فيها من أذى البرد والحر، وأَعدَّ فيها مواضع للشتاء والصيف، حجةً في مخالفةِ ما أمر اللَّه تعالى من الهجرة وجهادِ الكفار، وأَخبر أنَّ مَن آثرَ طاعة الشيطان على طاعة الرحمن فليستعدَّ لنزول أمر اللَّه، فإنه ينزل به ما لا مَدفع له ولا اعتصام منه بنصرةِ قرابةٍ أو عشيرةٍ، ولا يتحصَّن بمساكنَ حَريزة، وليعلم أن اللَّه لا يُرشد الفاسقين المستخفِّين بدِينه إلى صوابٍ في تدبيره، ولا يهديهم إلى طريق رضوانه ورحمته ما داموا (^٣) على اختيارِ مخالفته.
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن نَفَقتْ أسواقُ دينه (^٤) كسدت أسواق حظوظه، وما لم تَخلُ منك منازل الحظوظ لا تَعْمُر بك مشاهدُ الحقوق (^٥).
* * *
(٢٥) - ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾: قال قتادة: هو وادٍ بين مكة والطائف (^٦).
_________________
(١) "قائمة" ليست في (أ) و(ف).
(٢) بسكون الزاي وتكسر؛ أي: بعيدة عن ذِبَّان القُرى وومَد البحار وفساد الهواء. انظر: "القاموس" (مادة: نزه).
(٣) في (ف): "كانوا".
(٤) في (ف): "من نفقت سوق ذنبه" وفي مطبوع "اللطائف": (من كسدت سوق دينه).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٨).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٨٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٧٢).
[ ٧ / ٢٩٦ ]
وقال عروة: هو وادٍ إلى جنب ذي المجاز (^١).
يقول: لقد نصركم اللَّه في مواطنَ كثيرةٍ مثلَ بدرٍ والأحزاب، وأعلاكم على عدوِّكم مع ضعفِكم وقلةِ عددكم في مقامات كثيرة من بين غزوةٍ وسرية، ويومَ حنين (^٢)، فليَهُنْ عليكم أمرُ الآباء والأبناء والإخوان والعشيرةِ والأموال، وأسباب المنَعة (^٣) الدنيوية، ولا تظنُّوا النصر بها، فانقطِعوا إلى اللَّه بالكلية واطلبوا من عنده النصرَ والمعونة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ حين كان فزعُكم إلى اللَّه ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ بعدما ولَّيْتُم فزعتُم إلى اللَّه أيضًا، فنصركم أيضًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾: أي: أعجبكم كثرة عَددكم ووفورُ عُددكم ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ الكثرة (^٥) ﴿شَيْئًا﴾؛ أي: لم تنفعكم الكثرة شيئًا.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: (ما) مع الفعل مصدر، وتقديره: برُحْبها؛ أي: مع رُحْبها (^٦)؛ أي: سَعَتها؛ لطلب العدو إياكم، قال الشاعر:
كأنَّ بلادَ اللَّه وهي عريضةٌ على الخائف المطلوب كُفَّةُ حابل (^٧)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٨٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٧٣).
(٢) بعدها في (ر): "إذًا".
(٣) في (ر) و(ف): "المتعة".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٢٣ - ٣٢٤).
(٥) "الكثرة" ليست في (أ) و(ف).
(٦) في (أ): "رحبتها".
(٧) نسب البيت لكثيرين؛ لعبد اللَّه بن الحجاج كما في "أنساب الأشراف" للبلاذري (١٣/ ١٥١)، و"الأغاني" للأصفهاني (١٣/ ١٨٢)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٧/ ٣٦٥). وللبيد كما في "محاضرات الأدباء" (٢/ ٢٠٧). ولرزين العروضي كما في "معجم الأدباء" (٣/ ٣٣٥). ولعبيد =
[ ٧ / ٢٩٧ ]
أي: حِبَالة صيَّاد (^١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾: أي: منهزِمين ابتُليتُم في أول (^٢) الالتقاء بالهزيمة لإعجابكم بكثرتكم دون اعتمادكم على نصرة اللَّه، وعلى إلقائه الرعبَ في قلوب الأعداء، فلم ينفعكم العَددُ والعُدد التي لم تكونوا على مثلها في الوقائع التي نُصرتم فيها مثلَ بدر والأحزاب، وكانوا اثني عشر ألفًا حتى قالوا: لن نُغلبَ اليوم عن قِلَّة، وضاقت عليكم الأرضُ فلم تجدوا طريقًا إلى الخلاص إلا بالهزيمة، وذلك أن مَن أُعجب بعُدته (^٣) اعتَمد عليها فلم يتضرَّع إلى اللَّه تعالى ولم يسأله النصر، فحُرم ذلك بتركِ التضرُّع والدعاء.
وقال الواقدي (^٤): لما فتَح اللَّه تعالى على رسوله -ﷺ- مكة مشت أشراف هوازن بعضُهم إلى بعضٍ، وكذا ثقيفٌ بعضها إلى بعضٍ، وحشَدوا (^٥) وبَغوا وقالوا: واللَّهِ ما
_________________
(١) = ابن أيوب بن ضرار العنبري كما في "الحماسة البصرية" (١/ ٢٩). وللطرماح كما في "ديوانه" (ص: ١٦٩)، و"التذكرة الحمدونية" (٥/ ٤٣٠). وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٧٧).
(٢) في (ف): "صيد".
(٣) في (ف): "في الأول عند".
(٤) بعدها في (ف): "التي".
(٥) قال الواقدي في روايته لهذه الواقعة: حدَّثنا مُحَمّدُ بنُ عبدِ اللَّه، وعبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ، وابنُ أبي سَبْرَةَ، ومحمدُ بنُ صالحٍ، وأبو مَعْشرٍ، وابنُ أبي حَبيبةَ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ سهلٍ، وعبدُ الصَّمَدِ بنُ محمدٍ السعديّ، ومعاذُ بنُ محمد، وبُكَيرُ بنُ مِسمارٍ، ويحيى بنُ عبد اللَّه بن أبي قتادةَ، فكلّ قد حدَّثنا بطائفةٍ، وغيرُ هؤلاء حدَّثنا ممن لم أُسَمِّ أهلُ ثقةٍ، فكلّ قد حدَّثنا بطائفةٍ من هذا الحديثِ، وبعضُهم أَوعَى له مِن بعضٍ، وقد جمعْت كلَّ ما قد حدثوني به، قالوا. . .، فذكره. انظر: "المغازي" (٣/ ٨٨٥). وقد نقل المؤلف عنه ما سيأتي بشيء من الاختصار.
(٦) في (أ) و(ر): "وحسدوا"، والمثبت من (ف) و"المغازي".
[ ٧ / ٢٩٨ ]
لاقى محمدٌ قومًا (^١) يُحْسِنون القتال، فأَجْمِعوا أمركم فسيروا إليه قبل أن يسير إليكم.
فأجمعوا أمرهم على ذلك، وسيدُ هوازنَ مالك بن عوفٍ النَّصريُّ، وسيدُ ثَقيفٍ عبد ياليل بن عمرٍو الثقفيُّ، فأجمَعوا المسير بالناس إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فجاؤوا ومعهم نساؤهم وأموالهم حتى نزلوا بأوطاسٍ، فعسكَروا ودريدُ بنُ الصِّمَّة معهم، وهو يومئذٍ شيخ كبيرٌ ابنُ مئة وستين سنة، ليس فيه شيء إلا التيمُّن به ومعرفتُه (^٢) بالحرب، فلما نزل الشيخ مسَّ الأرض بيده فقال: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاسٍ، قال: نِعْمَ مجالُ الخيل، لا حَرْنٌ ضَرِسٌ ولا سهلٌ دهسٌ (^٣)، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وثُغاء الشاة وخوار البقر وبكاء الصغير؟ فقالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فقال: أين مالكٌ؟ فقالوا: هذا مالكٌ، فدُعي له مالك، فقال: مالكُ إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، فانقض هذا الرأي، فغضب مالك وقال: واللَّه لا أفعل ولا أغيِّر أمرًا صنعتُه، إنك قد كَبِرْتَ وكبر علمُك، وحدث بعدك مَن هو أبصرُ بالحرب منك، هل من رأي غيرِ هذا؟ قال: نعم، نجعل كمينًا يكون لك عونًا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، فقال مالك: هذا الرأي وأنا أقبله.
وكان رسول اللَّه -ﷺ- افتتح مكة لثلاثَ عشرةَ ليلةً مضت من رمضان، وغزا يوم السبتِ السادس من شوال، واستعمل على مكةَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ يصلِّي بهم، ومعاذَ بن جبل يعلِّمهم السُّنن والفقه، وخرج النبيُّ -ﷺ- في اثني عشر ألفًا من المسلمين، عشرةِ آلاف من أهل المدينة وألفين من أهل مكة.
_________________
(١) في (ف): "أقوامًا".
(٢) في (أ): "في معرفته".
(٣) الحزن: المرتفع من الأرض، والضرس: الذي فيه حجارة محددة، والدهس: اللين الكثير التراب. انظر: "الإملاء المختصر" لأبي ذر الخشني (ص: ٣٨٤).
[ ٧ / ٢٩٩ ]
وقال الحسن: كانوا ثمانيةَ آلاف.
وقال عطاء: كانوا ستةَ عشر ألفًا (^١).
فلما فصل (^٢) قال رجل من الصحابة -قال السديُّ: هو سَلَمةُ بن سلَامة (^٣) -: لا نُغلبُ اليومَ عن قلَّة، وكان النبيُّ -ﷺ- قال: "خيرُ الأصحاب أربعةٌ، وخير السرايا أربعُ مئةٍ، وخير الجيوش أربعةُ آلافٍ، ولا يغلَب اثنا عشر ألفًا عن قلةٍ كلمتُهم واحدة" (^٤).
_________________
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٦).
(٢) في (ر): "فلما وصل"، وليست في (ف).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٥/ ٣٤٦)، وفي "الوسيط" (٢/ ٤٨٧)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤١٣)، عن ابن عباس ﵄. ولم أجده عن السدي، بل روى الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٨٩) عن السدي: أن القائل هو رجل من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ولم يعيِّنه، وعن قتادة أنه قال: (وذكر لنا أن رجلا قال. . .)، ومثله روى البيهقي في "الدلائل" (٥/ ١٢٣) عن الربيع. وكذا رواه دون تعيين البزار في "مسنده" (١٨٢٧ - كشف) من حديث أنس ﵁، وفيه: (قال غلام منا من الأنصار. . .). فإن كان كذلك فيستبعد أن يكون القائل سلمة بن سلامة؛ لأن هذا صحابي كبير شهد العقبتين وبدرًا وأحدًا والمشاهد، فلا يخبر عنه بلفظ: (غلام من الأنصار)، لكن الحديث فيه علي بن عاصم بن صهيب، قال عنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ١٧٨): (وهو ضعيف لكثرة غلطه وتماديه فيه). ومع ذلك فليس خبر ابن عباس بأصلح منه؛ لأنَّه قد ذكر بلا سند، بل ذكره الواحدي في تفسيريه من طريق عطاء عن ابن عباس، وهذا الطريق قد كثر وروده عند الواحدي دون سند يعرف، مع وقوعه عند غيره في الغالب من قول عطاء، وقد نبهنا لهذا في المقدمة وسقنا عليه الأمثلة الكثيرة.
(٤) رواه أبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥)، والواقدي في "المغازي" (٣/ ٨٩٠)، من حديث ابن عباس ﵄، قال الترمذي: إنما روي هذا الحديث عن النبي -ﷺ- مرسلًا. وقال أبو داود: والصحيح أنه مرسل. وقال أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (١/ ٣٤٧): مرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي -ﷺ-.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
فسمع رسول اللَّه -ﷺ- قول هذا الرجل فساءه كلامه، فوُكلوا إلى كلمة الرجل، وانتهى النبيُّ -ﷺ- إلى حنينٍ مساء يوم الثلاثاء، وأَمر أُنيسَ بنَ مَرْثَدٍ الغَنَويَّ أن يحرسهم الليلةَ على فرسه على جبل، وقال له حين أصبح: "ما على هذا ألا يعمل عملًا بعد هذا".
وخرج رجال من أهل مكة من أشرافهم وهم كفارُ قريش ينظرون لمن تكون الدَّبْرة، منهم صفوانُ بن أمية، وفيها كانت استعارةُ دروعه، وقولُه (^١): أغصبًا يا محمد؟! وقولُه ﵇: "بل عاريةٌ مؤدَّاة"، ولما وقدت الهزيمة أولًا على المسلمين مرَّ رجل بصفوان فقال: أبشر فقد هُزم محمد وأصحابه! فقال صفوان: فَضَّ اللَّه فاك، قال (^٢): ربٌّ من قريش أحبُّ إلي من ربٍّ من هوازن إن كنت مربوبًا.
وانحدر رسول اللَّه -ﷺ- بأصحابه في وادي حنينٍ -وهو [وادٍ] حدورٌ- وقد مضت مقدمته على تعبئة، وركب النبي -ﷺ- بغلته البيضاء دُلْدُلَ، ولبس درعه والمغفَرَ والبيضة، فاستقبل الصفوف وطاف عليها بعضًا خلفَ بعضٍ، فحضَّهم (^٣) على القتال وبشَّرهم بالفتح إنْ صدَقوا وصبروا.
وقال أنس ﵁: ولمَّا انتهينا إلى وادي حنينٍ -وله مضائقُ وشعبٌ- استقبلَنا من هوازنَ شيءٌ لا واللَّه ما (^٤) رأيتُ مثلَه في ذلك الزمان قطُّ من السَّواد والكثرة، قد ساقوا نساءهم وأبناءهم وأموالهم، فبينا نحن في غلس (^٥) الصبح إنْ شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي فحملوا حملةً واحدةً وهم
_________________
(١) في (ف): "وفيها قال".
(٢) "قال" ليست في (أ).
(٣) في (ر): "فحثهم".
(٤) بعدها في (أ) و(ف): "إن"، والمثبت من (ر) و"المغازي".
(٥) في (ر): "غبش"، والمثبت من (أ) و(ف) و"المغازي".
[ ٧ / ٣٠١ ]
أربعةُ آلاف قد جرَّدوا سيوفهم وكسروا غمودها (^١) -وقيل: أحرَقوها- فانكشفت (^٢) أولُ الخيول مولِّيةً، وتبعهم الناس مولِّين منهزِمين لا يلوون على شيء، فالتفت النبيُّ -ﷺ- عن يمينه ويساره والناسُ منهزمون وقال: "يا أنصار اللَّه وأنصارَ رسوله، أنا عبد اللَّه ورسوله" ولم يكن مع النبيِّ -ﷺ- إلا العباسُ بنُ عبد المطلب وهو آخذٌ بلجام بغلةِ النبيِّ -ﷺ-، وأبو سفيان بنُ الحارث بن عبد المطلب آخذٌ بثَفَر (^٣) بغلة النبي -ﷺ-، وكان العباس صيِّتًا، فقال له ﵇: "اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السَّمُرة، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة"، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنَّت (^٤) إلى أولادها، يقولون (^٥): الكرَّةُ بعد الفرَّة (^٦)، قد أشرعوا الرماح -قال العباس ﵁: حتى إني لأخاف على رسول اللَّه -ﷺ- رماحَهم أشدَّ من خوف رماح المشركين- يؤمُّون الصوت يقولون: لبيك لبيك، فلما اختلطوا واجتلدوا ورسول اللَّه -ﷺ- قائمٌ على بغلته البيضاء يقول: "أَنْشُدُك وعدك، لا ينبغي لهم أن يظهروا"، ثم قال للعباس: "ناولني حصياتٍ (^٧) "، فناوله حصياتٍ من الأرض ثم قال: "شاهت الوجوه"، ورمى بها وجوهَ المشركين وقال: "انهزَموا وربِّ الكعبة" (^٨)، وأَخبروا بعد ذلك أنه لم يبقَ منهم أحد إلا أمتلأتْ عيناه من التراب.
_________________
(١) في (ر): "غمودهم"، وفي (ف): "أغمادها".
(٢) في (ف): "فانكسرت"، والمثبت من (أ) و(ر) و"المغازي".
(٣) الثفر بالتحريك: السير فى مؤخر السرج. انظر: "القاموس" (مادة: ثفر).
(٤) في (أ): "أخنت" والمثبت من (ف) و(ر) و"المغازي".
(٥) في (ر) و(ف): "وهم يقولون"، والمثبت من (أ) و"المغازي".
(٦) في (أ): "الفر". وفي (ر): "النفرة"، والمثبت من (ف) و"المغازي".
(٧) في (ر) و(ف): "ناولني حصاة من الأرض"، والمثبت من (أ) و"المغازي".
(٨) روى نحوه مسلم (١٧٧٥) و(١٧٧٧)، من حديث ابن عباس وسلمة بن الأكوع ﵃.
[ ٧ / ٣٠٢ ]
وكان من دعائه يومئذ: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكَى، وأنت المستعان"، فقال له جبريل صلوات اللَّه عليه: لقد لُقِّنْتَ الكلمات التي لَقَّنَ اللَّه تعالى موسى يومَ فلَق له البحر.
وكان النبيُّ -ﷺ- في مئةٍ صابرة: ثلاثةٌ وثلاثون من المهاجرين، وسبعةٌ وستُّون من الأنصار، وكان النبيُّ -ﷺ- يقول: "أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (^١)، وهذا غايةُ شجاعته حيث لم يُخْفِ (^٢) اسمه في تلك الحالة، ولم يَخَفِ الكفار على نفسه.
وكان عثمان وعليٌّ وأبو دجانةَ وأيمنُ بن عبيدٍ ﵃ يقاتلون بين يدي النبيِّ -ﷺ-، وكرَّت الأنصار ووقفت هوازنُ قَدْرَ حَلَبِ ناقةٍ ثم كانت الهزيمة، وكان سعد بن عبادة يصيح بالخزرج، وأُسيد بن حضيرٍ بالأوس، فثابوا -أي: رجعوا (^٣) - من كل ناحيةٍ كأنهم النحل قد أشرعوا في قتل الذرية، فنهاهم عن ذلك.
قال أنس: وتقدَّم رسول اللَّه -ﷺ- بحَرْبته أمام الناس، وهزمهم اللَّه تعالى، وأمر رسول اللَّه -ﷺ- أن يُقتل كلُّ مَن قُدر عليه ففعلوا، وبعث أبا عامرٍ (^٤) الأشعريَّ في آثار مَن توجَّه إلى أوطاسٍ وعقَد له اللواء، فقتَل منهم كثيرًا ثم استُشهد (^٥)، وغنموا كلَّ أموالهم.
وأمر النبيُّ -ﷺ- بالغنائم فجُمعت، ونادى مناديهِ: مَن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يَغُلَّ، وردَّ عقيل بن أبي طالب إبرةً كان أخذها (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦)، من حديث البراء ﵁.
(٢) في (ر): "يمح".
(٣) "أي: رجعوا" من (ف).
(٤) في (ف) و(أ): "عامر".
(٥) في (ف): "استشهد".
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٧٧) عن زيد بن أَسلمَ قال: جاء عَقِيلُ بن أبي طالب بمِخْيَطٍ، فقال =
[ ٧ / ٣٠٣ ]
وجاء رجل بحبلٍ فطلب من النبيِّ -ﷺ- أن يجعله له، فقال: "نصيبي منه لك، فكيف تصنعُ بأنصباء المسلمين؟ ".
وفي سبايا أوطاسٍ قال ﵊: "ألَا لا تُوطأ الحَبَالى حتى يَضَعْن حملَهنَّ، ولا الحَيَالى حتى يَستبرئنَ بحيضةٍ" (^١).
وفيها أتت الشَّيماء أختُ النبيِّ -ﷺ- من الرضاعة فبسط لها رداءه وأكرمها وحياها.
وقال سعيد بن جبير ﵁: أمَدَّ (^٢) اللَّه نبيَّه بخمسة آلاف ملَك (^٣).
وقال رجل من الأعداء بعد تقضِّي القتال: أين الخيلُ البُلْقُ والرجالُ عليهم الثيابُ البيض، ما كنَّا نراكم فيهم إلا كهيئةِ الشَّامة، وما قُتلنا إلا بأيديهم؟ فأَخبروا بذلك النبيَّ -ﷺ- فقال: "تلك الملائكة" (^٤).
وقال الزهريُّ: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: استَدْبَرتُ النبيَّ -ﷺ- يومَ حنينٍ وأنا أريد أن أقتُله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة وقد قُتلا يوم أحد، فأَطْلع اللَّه رسوله على ما في نفسي، فالتفتَ إليَّ وضرب في صدري وقال: "أعيذكَ باللَّه يا شيبةُ"، فأُرْعِدَتْ فرائصي، فنظرت إليه وهو أحبُّ إليَّ من
_________________
(١) = لامرأته: خِيطي بهذه ثيابكِ، قال: فبعَثَ النبيُّ -ﷺ- مناديًا: "ألَا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ إبرةً فما دُونها"، فقال عقيلٌ لامرأته: ما أرى إبرتَكِ إلا قد فاتتكِ.
(٢) ذكره بهذا اللفظ الشافعي في "الأم" (٧/ ٣٤٦) عن أبي يوسف قال: بلغنا. . .، وذكره. ورواه بنحوه أبو داود (٢١٥٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. والحيالى: جمع حائل، وهي التي لا حبل بها.
(٣) في (ف): "أيد".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٧٤).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٨).
[ ٧ / ٣٠٤ ]
سمعي وبصري، فقلتُ: أشهدُ أنك رسولُ اللَّه، وأن اللَّه أَطْلعك على ما في نفسي (^١).
ولمَّا انهزموا أتَوا أوطاس وبها أموالُهم وعمالُهم، وبعث رسول اللَّه -ﷺ- على إثرهم فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وهرب أميرهم مالك بن عوف فأتى الطائف وتحصَّن بها وأخذ ماله وأهله فيمَن أخذ، وحاصروهم بقية الشهر، فلمَّا دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحلُّ به القتال انصرف عنهم فأتى الجِعْرانة وأَحرم منها بعمرة، وقسَّم بها السبيَ والمال، وكانوا أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، ثم جاء قومهم وأسلموا وقالوا: في السَّبي عماتُك وخالاتك، ولو كنَّا (^٢) أرضعنا النعمانَ بن المنذر لكنَّا نرجو عائدته اليوم، وأنت خيرُ الناس وأبرُّهم وأرحمُهم وأوصلُهم للرحم، فقال ﵇: "أيما أحبُّ إليكم أنسابكم أو أموالكم؟ " فقالوا: أنسابنا، فقام ﵇ خطيبًا وقال: "إن هؤلاء جاؤونا مسلمين، وقد خيَّرناهم فاختاروا أنسابهم، فمَن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يَردَّ فشأنُه، ومَن لا تَطِبْ نفسُه (^٣) فليُعطنا وليكن قرضًا علينا حتى نُصيب شيئًا فنعطيَه مكانه"، فقالوا: رضينا وسلَّمنا، فردُّوا (^٤).
وأُخذ أميرهم (^٥) مالك بن عوف فأُتي به النبيُّ -ﷺ-، فقال له: "ما تريد، أقتلك أم أفاديكَ أم أمُنُّ عليك أم تُسلِم؟ " فقال: أما الإسلام فلا أُسلم أبدًا، وأما القتل فإن قتَلْتَني قتلتَ عظيمًا، فإن مننتَ عليَّ فأعتَقْتَني مننتَ على عظيم، فقال: "أمنُّ عليك
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٨).
(٢) في (ف) و(أ): "أنا".
(٣) "تطب نفسه" من (ف).
(٤) رواه بنحوه البخاري (٤٣١٨ - ٤٣١٩)، والإمام أحمد في "المسند" (١٨٩١٤)، من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة ﵄. وبنحوه أيضًا رواه النسائي (٣٦٨٨)، والإمام أحمد في "المسند" (٦٧٢٩) و(٧٠٣٧)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٥) في (أ): "منهم".
[ ٧ / ٣٠٥ ]
وأطلقُك"، ففعل فقال: تعجبتُ من حُسن خُلقك (^١)، ولا يكون هذا إلا من نبيٍّ حقٍّ، فأسلم وحسُن إسلامه (^٢).
وقسَّم بالجعرانة غنائمَ حنينٍ، وتألَّفَ أناسًا منهم أبو سفيان بنُ حرب والحارث ابن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار: أَمِن الرجل وآثَرَ قومه، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه -ﷺ- وهو في قبةِ أدَمٍ، فقال: "يا معاشر الأنصار، ما هذا الذي بلغني عنكم، ألم تكونوا ضلَّالًا فهداكم اللَّه، ألم تكونوا أذلةً فأعزَّكم اللَّه، ألم ألم"، فقال سعد بن عبادة: ائذن لي أتكلم، فقال: "تكلَّم"، فقال: أمَّا قولك: كنتم ضلَّالًا فهداكم اللَّه، فكنَّا كذلك، وأما قولك: كنتم أذلةً فأعزكم اللَّه، فقد علمَتِ العرب أنه ما كان حيٌّ من أحياء العرب أمنعَ لِمَا وراءَ ظهورهم منَّا، فقال عمر: يا سعد، أتدري مَن تكلِّم؟ فقال: يا عمر، أكلِّم رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "والذي نفسي بيده لو سلكتِ الأنصار واديًا والناسُ واديًا لسلكتُ واديَ الأنصار، ولولا الهجرةُ لكنت امرءًا من الأنصار" ثم قال: "يا معشر الأنصار، أمَا ترضَون أن ينقلبَ الناس بالإبل والشاة وتنقلبون أنتم برسولِ اللَّه إلى بيوتكم؟ " فقالت الأنصار: رضينا باللَّه ورسوله، ما قلنا ذلك إلا ضنًّا باللَّه ورسوله، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه ورسوله يصدِّقانكم ويَعذرانكم" (^٣).
فلما قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة قام خطيبًا فقال: "أما إن خطيب الأنصار لو
_________________
(١) في (أ): "تخلقك".
(٢) انظر قصة إسلام مالك بن عوف في "السيرة النبوية" (٢/ ٤٩١)، و"طبقات ابن سعد" (١/ ٣١٢)، عن محمد بن سلام الجمحي، وفي "دلائل النبوة" للبيهقي (٥/ ١٩٣) عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وفيه أنه أعطاه مئة من الإبل واستعمله على من أسلم من قومه.
(٣) قطعة من خبر رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٨٧ - ٢٨٩) عن قتادة، وإسناده ضعيف لإرساله.
[ ٧ / ٣٠٦ ]
قال: كنت طريدًا فآويناك، وكنت خائفًا فأمنَّاك، وكنت مخذولًا فنصرناك، وكنت وكنت، لكان قد صدَق"، فبكت الأنصار وقالت: يد اللَّه أعظم علينا مَنًّا (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: المنصور مِن اللَّه مَن عصمه عن التوهُّمات، ولم يَكِلْه إلى تدبيره في الأمور، بل أقامه مقام الافتقار متبرِّئًا من الحول والقوة، متحقِّقًا بتصاريف القدرة، ولمَّا أعجبتهم كثرتُهم تفرق عن رسول اللَّه -ﷺ- في الحال أكثر الأصحاب، وكُشف عن القوم جلابيب السر، واضطربت القلوب، وخانت القوى أصحابها فلم تُغْنِ عنهم كثرتهم، فاستخلص اللَّه أسرارهم بصدق الرجوع إليه، فأنزل سكينته عليهم وقلَب الأمر على الأعداء، وخفَقت رايات النصرة (^٢)، ووقعت الدَّبْرة على الأعداء فانقلبوا صاغرِين (^٣).
* * *
(٢٦) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: الرحمةَ التي (^٤) يسكن إليها القلب.
وقيل: هي الأَمَنة والطمأنينة.
وقيل: هي زوال الاضطراب الذي يعتري القلب، وثبات القلب للحرب.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٥).
(٢) في (ف) و(أ): "وحققت آيات النصر".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٨ - ١٩).
(٤) "التي" ليس في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٣٠٧ ]
وفي هذه الآية نقضُ قول المعتزلة؛ لأنَّه سماهم مؤمنين بعد التولِّي؛ قاله الإمام أبو منصور ﵀ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾: أي: من الملائكة ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالهزيمة والقتل والسبي.
قص له تعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: إذا لاقَوا المؤمنين أن يكون الدَّبرة على الكافرين والنصرة للمؤمنين.
قال القشيري ﵀: السكينة ثَلَجُ القلب عند جريان حكم الربّ وخمود آثار (^٢) البشرية بالكلية، والرضا بما يبدو من الغيب من غير معارضةِ القضية، والسكينةُ المُنزلة على المؤمنين اختطافُ الحق إياهم [عنهم] حتى لم تستفزَّهم رهبةٌ من مخلوق، وسكن عنهم كلُّ إرادة واختيار.
﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ من وفور اليقين وزوائد الاستبصار ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتطويحهم في متاهات التغرير (^٣)، والسقوطِ في وهدة [ضيق] التدبير، والغيبة عن شهود التقدير (^٤).
* * *
(٢٧) - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ثم
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٢٦).
(٢) في (ر): "نار".
(٣) في (ت): "التعزير". وعبارة "التأويلات": (بالتطوح في متاهات التفرقة).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٩)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ٣٠٨ ]
يوفِّق اللَّه ﷿ للإيمان بعد ذلك مَن يشاء فيَقبله ويغفر له، وهو الغفور للمؤمنين الرحيم بهم أجمعين.
وقيل: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾؛ أي: يقبل توبة المنهزمين إذا علم منهم الصدق والندم، وهم المهاجرون والأنصار دون مَن رجعوا إلى الحرب في الظاهر ولهم نفاقٌ وكفرٌ في الباطن.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾: أي: أنجاس، وإنما وحَّد لأنه في الأصل مصدر فلا يُثنَّى ولا يُجمع ولا يُؤنَّث، يقال: رجل نَجَسٌ، ورجلان وامرأتان نَجَسٌ، ورجال ونساء نَجَسٌ، ومعناه: أنهم أنجاس في اعتقادهم وأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم؛ لأنهم يشركون باللَّه غيرَه ويريدون بأعمالهم سواه، فهم مستقذَرون يجب اجتنابهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: وهذا من جملة ما وقع به الأذانُ يومَ الحج الأكبر مع البراءة من العهود وبه الانتظام؛ أي: فامنعوهم من الحج بعد هذا العام، وكذا من دخول الحرم للتجارة وغير ذلك.
وقال الإمام مالك ﵀: لا يُترك الذِّمِّي يدخل مسجدًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
وقال الشافعي ﵀: يمنع عن دخول المسجد الحرام فحَسْبُ لهذه الآية.
[ ٧ / ٣٠٩ ]
وعندنا لا يُمنع عن دخول المسجد الحرام أيضًا، والآية في دخولهم للحج؛ لأنهم كانوا يعملون في الحج أعمال المشركين، فأمر اللَّه تعالى بتنزيه المسجد الحرام والحرَم عن ذلك أيضًا، فأما نفس الدخول فغيرُ ممنوع عنها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: أي: فقرًا قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، قال الشاعر:
ولا يدري الفقيرُ متى غِنَاه ولا يدري الغنيُّ متى يَعُولُ (^١)
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾: قيل: إنهم كا نوا يَرِدُون بمكة تجارًا فتترفَّقُ أهلُها بهم في معايشهم، فلمَّا أُمروا بمنحهم منها أشفقوا من ضِيق المعاش وانقطاعِ التجارات، فوعدهم اللَّه تعالى الغِنى من وجه آخر من فضله وأمَّنهم من الفقر.
قال مقاتل: أغناهم اللَّه من فضله فأسلم أهلُ صنعاء وجُدَّةَ وجُرَشَ، وحملوا الطعام إلى مكة على ظهور الدَّوابِّ، فكفاهم (^٢) ما كانوا يتخوَّفون (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ علَّق بالمشيئة قطعًا للآمال عن الأسباب، وصرفًا لها إلى اللَّه تعالى؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
_________________
(١) البيت لأحيحة بن الجلاح، وهو في "ديوانه" (ص: ٧٤)، و"جمهرة أشعار العرب" (ص: ٢٧ و٥١٨)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٥٥)، و"مجاز القرآن" (١/ ٢٥٥) و(٢/ ٣٠٢)، و"تفسير الطبري" (٦/ ٣٧٥) و(١١/ ٣٩٩)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣٦٨) و(٢/ ٤٤١)، و"جمهرة اللغة" (١/ ٥٩ و٥٧١)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ١٤١)، و"غريب الحديث" للخطابي (١/ ٩٨)، و"الصحاح" (مادة: عيل). وفي جميع هذه المصادر: (متى يعيل).
(٢) في (ر): "فأمنهم".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٦٦).
[ ٧ / ٣١٠ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾: أي: بمصالح العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكَم (^١) وأراد.
وقال الكلبي: ولما قال علي بن أبي طالب: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ قال له أناس من بكر بن وائل من التجار: يا أهل مكة، ستعلمون إذا فعلتُم هذا ماذا تلقَون من الشدة، ومن أين تأكلون، فشقَّ ذلك عليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال ابن عباس ﵄: فأمرهم اللَّه تعالى بقتال أهل الكتاب وأغناهم من فضله (^٢).
وقال عطاء: أغناهم اللَّه تعالى بالجزية الجارية شهرًا فشهرًا عامًا فعامًا (^٣).
وقال القشيري ﵀: مَن أناخ بعقوة (^٤) كرم مولاه، واستمطر من سحائب جدواه (^٥)، أغناه عن كلِّ سبب، وكفاه كلَّ تعب، وقضى له كلَّ أَرَب، وأعطاه (^٦) من غير طلب (^٧).
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فعل".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٠٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٧١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٠٤)، لكن عن قتادة.
(٤) في (ر): "بباب"، وفي (ف): "بعفوة"، والمثبت من (أ) و"اللطائف". والعقوة: شجر، وما حول الدار والمحلة. انظر: "القاموس" (مادة: عقى).
(٥) في "لطائف الإشارات": (جوده).
(٦) في (أ): "وأغناه"، والمثبت من (ر) و(ف) و"اللطائف".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٩)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ٣١١ ]
(٢٩) - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: بيَّن في الآي الأُوَل قتالَ المشركين، وبيَّن في هذه الآية قتال اليهود والنصارى.
ولو قال: (قاتِلوا أهل الكتاب) لكفى، وإنما جمَع هذه الأوصافَ الذميمة تحريضًا للمؤمنين على قتالهم؛ لأنَّها صفاتٌ توجب البراءة منهم والعداوةَ لهم.
وإنما قال لهم: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهم يدَّعون الإيمان باللَّه؛ لأنَّهم يؤمنون باللَّه الذي له الولد وهو شبيهٌ بالخَلق، وهذا ليس بإيمانٍ باللَّه، وكذا يصدِّقون اللَّه بإرسال بعض الأنبياء ولا يصدقونه في إرسال بعض وهو يبطل الإيمان باللَّه.
وكذا قال: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهم يدَّعون الإيمان به؛ لأنَّهم لا يصدقون بما فيه من الوعد والوعيد، فيقولون: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودةً، ويقولون: ليس في الجنة مطاعمُ ومشاربُ ومناكح، ولا يكون هذا إيمانًا باليوم الآخر.
﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: من الخمر والخنزير، وتحريف الكتاب، وكتمانِ نعت النبي -ﷺ-.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ وهو الإسلام؛ فإن اليهودية والنصرانية دينٌ باطل، فإنه نسخَ بعضَ أحكام التوراة والإنجيل، وهم قد حرَّفوا البعض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾: أي: إلى أن يُعطوا الجزية؛ كما قال: ﴿فَإِنْ
[ ٧ / ٣١٢ ]
تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥]؛ أي: قبلوهما، مَدَّ وجوبَ القتال إلى هذه الغاية وهي قبولُ الجزية، وهذا حكم أهل الكتاب بالنصِّ، وحكمُ المجوس كذلك بالخبر، وهو قولُه ﵇: "سُنُّوا في المجوس سنَّةَ أهل الكتاب غيرَ ناكحي نسائهم ولا آكلِي ذبائحِهم" (^١)، ولا يجوز هذا في مشركي العرب؛ لقوله ﵇: "لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف" (^٢) ويجوز في الهنود والأتراك والديلم عندنا خلافًا للشافعي رحمه اللَّه تعالى، وهي تعرف في الفقهيات.
وقوله تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾: قيل: عن نقدٍ، فلا تؤخَّر عن وقتها، من قوله: يدًا بيدٍ.
_________________
(١) رواه دون قوله: "غير ناكحي. . . " مالك في "الموطأ" (١/ ٢٧٨) عن جعفرِ بن محمد بن عليٍّ عن أبيه: أنَّ عمرَ بن الخطاب ذَكَر المجوسَ فقال: ما أدري كيف أَصنعُ في أَمْرِهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوفٍ: أَشْهدُ لَسمعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "سُنُّوا بهم سُنّةَ أهلِ الكتابِ". قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ١١٤ - ١١٦): هذا حديث منقطع لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف. . . ولكن معناه متصل من وجوه حسان. وقوله: "غير ناكحي. . . " لم يرد في هذا الخبر، وإنما هو مدرج فيه كما قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٣/ ١٧٢)، قال: لكن روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي من طريق الحسن بن محمد ابن علي قال: (كتب رسول اللَّه -ﷺ- إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل، ومن أصر ضربت عليه الجزية، على ألا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح لهم امرأة)، وفي رواية عبد الرزاق: (غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم)، وهو مرسل، وفي إسناده قيس بن الربيع وهو ضعيف، قال البيهقي: وإجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده. ثم قال الحافظ: تنبيه: تبين أن الاستثناء في حديث عبد الرحمن مدرج، ونقل الحربي الإجماع على المنع إلا عن أبي ثور، ورده ابن حزم بأن الجواز ثبت عن سعيد بن المسيب أيضًا، وأخرج ابن أبي شيبة، من طريقه جواز التسري من المجوس بإسناد صحيح، وعن عطاء وطاوس وعمرو بن دينار كذلك.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١١٧ - ١١٨) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ٧ / ٣١٣ ]
وقيل: عن يدِ مَن عليه، فيُحضره (^١) بنفسه ويؤدِّي، ولا يُرسل به رسولًا، ولا يبعثه على يد ولده أو وكيله أو عبده.
وقيل: عن طيبِ نفسه، فيعطي بيده من غيرِ أن يُكرَه عليه؛ أي: دليلُ (^٢) قبولهِ طوعُه دون أن يُكره عليه، فإنه إذا احتاج إلى ذلك بقي القتلُ والقتال والسبي ولا يثبت عقد الذمة.
وقيل: عن انقياد، يقال: أعطى فلان بيده، إذا استسلَم وانقاد.
وقيل: أي: عن رؤيتهم ذلك إنعامًا منكم عليهم بترك القتال (^٣) بهذا، من قولك: اصطنعتُ إلى فلان يدًا.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: أي: أذلَّاءَ مقهورين يأتون للأداء مشاةً لا ركبانًا، ويؤدون قيامًا والآخذُ قاعدٌ ويدُه تحت يدِ الآخر، ويؤخذ بتلبيبه (^٤) عند الأخذ ويحرَّك ويقال: أدِّ الجزية يا يهودي، أو: يا نصراني.
وقيل: أي: تصاغرت إليهم أنفسُهم بما احتاجوا إليه من بذل الجزية لحقنِ دمائهم.
وقال الكلبي: نزلت في بني قريظة وبني النضير.
والجزية على ثلاث مراتب: على المعتمِل في السَّنة اثنا عشر درهمًا، وعلى وسط الحال أربعة وعشرون درهمًا، وعلى كامل الغنى ثمانيةٌ وأربعون درهمًا،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فيحضر".
(٢) في (أ): "أي ذلك".
(٣) في (أ): "القتل".
(٤) في (أ): "ويدخله بتلبيبه"، وفي (ر): "ويدخله بتلبيسه".
[ ٧ / ٣١٤ ]
كذلك وظَّفها عمر ﵁ (^١)، وبهذه الجزية أغناهم عن العيلة، وهو وجه اتصال هذه الآية بالأولى.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾: قرأ عاصم والكسائيُّ وسهل ويعقوب في روايةٍ: ﴿عُزَيْرٌ﴾ بالتنوين، لأنه اسم مصغَّر فهو مصروف، ولأنه اسم خفيف فيُصرف وإن كان أعجميًا كنوحٍ ولوطٍ، ولأنه اسم مبتدأ وهو مفردٌ غيرُ منسوب و﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ خبره، وقرأ الباقون بغير تنوين (^٢)؛ لأنه اسم أعجمي مفرد، ولأن ﴿ابْنُ﴾ صفة له وتقديره عزيرُ ابنُ اللَّه معبودُنا، أو: نبينا، على هذه القراءة.
ثم هذا بيانُ قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مع دعواهم؛ لأن هذا قولُهم في اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: هو قول (^٣) يقولونه بألسنتهم لا حجةَ لهم على صحته.
وذكر الإمام أبو منصور ﵀ هذا ثم قال: أو قالوا ذلك بأفواههم من (^٤) غير شبهةٍ اعترضت لهم تَحْمِلهم على ذلك (^٥).
_________________
(١) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (٤/ ٢٩٠)، و"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (٥/ ٣٣١)، و"المبسوط" للسرخسي (١٠/ ٧٨).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٣)، و"التيسير" (ص: ١١٨). وقراءة يعقوب في "النشر" (٢/ ٢٧٩).
(٣) في (ف): "أي هم".
(٤) في (أ): "على".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٥٧).
[ ٧ / ٣١٥ ]
وقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (^١): قرأ عاصم بالهمزة والباقون بغير همزة (^٢)، وهما لغتان: ضاهَيتُه وضاهأته؛ أي: شابَهْتُه، ومعناه عند ابن عباس ﵄: شابَهوا عبدة الأوثان في هذا القول (^٣).
وقيل: في قولهم: الملائكة بنات اللَّه.
وقال الزجَّاج: أي: في تقليدهم أسلافَهم في هذا القول (^٤).
وقيل: أي: المشركين في إثبات الشركاء للَّه.
وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: لعنهم اللَّه (^٥).
وقيل: أي: قتَلهم اللَّه، وقيل: أي: عاداهم اللَّه، وقيل؛ أي: أهلكهم اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أي: من أين يصرفون عن الحق، والصرفُ عن الحق ضلال.
قال مقاتل: إن اليهود لعنهم اللَّه قتلوا أنبياءهم، فرفع اللَّه عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزيرٌ يسيح في الأرض، فأتاه جبريل ﵇ فقال: أين تذهب؛ قال أطلب العلمَ، فعلَّمه جبريل صلوات اللَّه عليه التوراةَ كلَّها، فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلَّمهم، فقالوا: لم يعلَم عزير هذا
_________________
(١) في (ف): "يضاهون قول. . . ".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٤)، و"التيسير" (ص: ١١٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤١٤).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٤٣).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤١٥)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٨٣).
[ ٧ / ٣١٦ ]
العلمَ إلا لأنه ابن اللَّه (^١). وله طرق أخرى ذكرنا بعضها في سورة البقرة.
وقال السدِّي: إن العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم وأخذوا التوراة، وهرب علماؤهم الذين بقُوا ودفنوا كتبَ التوراة في الجبال، وكان عزيرٌ غلامًا يتعبَّد في رؤوس الجبال لا ينزل إلا يوم عيد، فجعل يبكي ويقول: يا رب، تركت بني إسرائيل بغير عالِمٍ؟ فجعل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه، فنزل مرة إلى العيد فلمَّا رجع إذا بامرأة قد مَثَلت له عند قبرٍ تبكي وتقول: يا مطعماه يا كاسياه، فقال لها: ويحك! مَن كان يطعمُكِ ويكسوك؟ قالت: هذا الرجل، يعني: زوجها، قال: فمَن كان يطعمك ويكسوك قبله؟ قالت: اللَّه، قال: فإن اللَّه حيٌّ لا يموت، قالت: يا عزير، فمَن كان يعلِّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: اللَّه، قالت: فلمَ تبكي عليهم؟! فلما عَلِم (^٢) أنه خُصم -أي: غُلب (^٣) - ولَّى مدبِرًا فقالت: يا عزير، إذا أصبحتَ غدًا فأْتِ نهرَ كذا فاغتسِلْ فيه ثم اخرج فصلِّ ركعتين، فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذ منه، فلما أصبح انطلق إلى ذلك النهر فاغتسل ثم صلى ركعتين، فجاءه الشيخ فقال: افتح فاك، ففتح فاه فألقى فيه شيئًا كهيئة الجَمرة العظيمة مجتمِعًا [كهيئة القوارير] ثلاث مرات، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل، قد جئتكم بالتوراة، فقالوا: يا عزير! ما كنتَ كذَّابًا، فعمد فربط على كلِّ أصبع له قلمًا، وكتب بأصابعه كلِّها حتى كتب التوراة، فلما رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي دفنوها في خوابٍ، فعارضوها بتوراة عزير فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاك اللَّه هذا إلا لأنك ابنه (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٦٧). ورواه بنحوه ابن أبي حاتم (٦/ ١٧٨١) عن ابن عباس، لكن إسناده ضعيف.
(٢) في (أ): "عرف".
(٣) "أي: غلب" ليس من (أ) و(ف).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤١٠)، وما بين معكوفتين منه. ولعله أخذه من الإسرائيليات.
[ ٧ / ٣١٧ ]
وأما النصارى فقد قال الكلبي: كان شركُهم أنهم كانوا على الحق إحدى وثمانين سنةً بعد ما رُفع عيسى ﵇ إلى السماء يصلُّون إلى القبلة ويصومون، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجلٌ شجاع يقال له: بولس، قتل جماعةً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: كان الحق مع عيسى فكفرنا وجحدنا، والنار مصيرُنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأُضلُّهم حتى يدخلوا معنا النار، وكان له فرسٌ يقال له: العُقاب، يقاتِل عليه، فعَرقب فرسَه وأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب، فقالت له النصارى: مَن أنت؟ قال: أنا بولسُ عدوُّكم فنوديت من السماء: ليست لك توبةٌ إلا أن تتنصَّر، وقد تُبتُ. فأدخَلوه في الكنيسة فدخل فيها سنةً لا يخرج ليلًا ولا نهارًا حتى تعلَّم الإنجيل، ثم خرج وقال: نوديتُ: إن اللَّه تعالى قَبِل توبتك، فصدَّقوه وأحبُّوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطور، وعلَّمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثةً، ثم توجَّه إلى الروم وعلَّمهم اللاهوتَ والناسوت، وقال: لم يكن عيسى بإنْسٍ فتأَنَّسَ، ولا بجسمٍ فتجسَّمَ [ولكنه ابن اللَّه]، وعلَّم رجلًا يقال له: يعقوب، ذلك ثم دعا رجلًا يقال: مَلْكا، فقال له: إن اللَّه لم يَزَلْ ولا يزال كان عيسى.
ولمَّا استمكَن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدًا واحدًا، وقال لكلِّ واحد منهم: أنت خالصَتي، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غدًا أذبحُ نفسي فادعُ الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح [فذبح نفسه] وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلما كان يوم ثالثه دعا كلُّ واحد منهم الناسَ إلى نحلته، فتبع كلَّ واحد منهم طائفةٌ من الناس، فافتُتنوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث (^١).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣٧٦)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٨)، وما بين معكوفتين من هذه المصادر.
[ ٧ / ٣١٨ ]
(٣١) - ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: أطاعوا علماءهم وعُبَّادهم فيما أمروهم به من الاعتقاد والعمل طاعةَ العبيد الأرباب.
وقوله تعالى: ﴿أَرْبَابًا﴾؛ أي: كالأرباب، وهو كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي: كالنار.
وعن عدي بن حاتم قال: أتيتُ النبيَّ -ﷺ- وكنتُ نصرانيًّا، فوافَقْتُه يقرأ سورة براءة، فبلغ قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: يا رسول اللَّه! ما نعبدُهم من دون اللَّه، قال: "أليس يحلُّون لكم ما حرَّم اللَّه عليكم فتستحلُّونه، ويحرِّمون عليكم ما أحلَّ اللَّه لكم فتحرِّمونه؟ " فقلت: بلى، فقال: "تلك عبادتهم" (^١).
وقال أبو البَخْتريِّ: أمَا إنهم لو أَمروهم أن يعبدوهم من دون اللَّه ما أطاعوهم، ولكن كفَّروهم فجعلوا حلالَ اللَّه حرامًا وحرامَه حلالًا، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أي: اتَّخذوه إلهًا معبودًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: إلا أن يعبدوا إلهًا واحدًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، وقد كشفنا عن حقيقته.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٠٩٥)، وقال: حديث غريب. . . وغطيفُ بن أَعْيَنَ (أحد رواته) ليس بمعروف في الحديث.
[ ٧ / ٣١٩ ]
ثم بذلك أمرهم اللَّه تعالى في كتابه، وبذلك أمرهم عيسى ﵇ بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تنزيهًا له عن إشراكهم به غيرَه.
* * *
(٣٢) - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: يريد أهل الكتاب أن يُبطلوا (^١) حججَ اللَّه ﷻ بجدالٍ منهم بألسنتهم من غيرِ حجة.
وقال الحسن والسدي: نورُ اللَّه تعالى: القرآن والإسلام (^٢).
وقيل: الدلالة والبرهان.
وقال الضحاك: يريدون أن يَهلك محمدٌ وأصحابه ولا يُعبدَ اللَّه بالإسلام (^٣).
وقال: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾: أي: لا يريد اللَّه إلا تمامَ هذا النور، وهو إبقاءُ الإسلام والإيمان (^٤) والقرآن، وإيضاحُ الحجة والبرهان، وفيه تخييبُهم وقطعُ أطماعهم.
_________________
(١) بعدها في (ف): "نور اللَّه".
(٢) رواه عن السديِّ الطبريُّ في "تفسيره" (١١/ ٤٢٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٨٥)، وذكره عن الحسن ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٢٦)، وزاد معه قتادة.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٨٥).
(٤) "والإيمان" ليست في (أ).
[ ٧ / ٣٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: أي: على كراهيةِ اليهود والنصارى؛ إذلالًا (^١) لهم وكبتًا وغيظًا.
وقال القشيري ﵀: مَن رام أن يستر شعاع الشمس بدخان نيرانه، أو عالَج أن يدفع حكم السماء بحيلته وتدبيره (^٢)، أو يُسقطَ نجوم الفلك بسهام تقديره، أظهر رعونتَه ثم لم يحظَ بمراده، كذلك مَن توهم أن حُجج التوحيد يعلوها رهجُ الشُّبَه فقد أحال في ظنَّه وافتضح في وهمه (^٣).
* * *
(٣٣) - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾: أي: محمدًا ﴿بِالْهُدَى﴾؛ أي: بالتوحيد.
وقيل: بفرائض (^٤) اللَّه على خلقه.
وقال الكلبي: أي: بالقرآن الذي يهدي إلى الرشد.
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: أي: الإسلام، وإضافته إلى الحق لوجهين:
أحدهما: أن الحق هو اسم اللَّه، والمراد دينُ اللَّه.
والثاني: أن الحق هو الإسلام، لأنه حقٌّ والكفر باطل، ويجوز أن يقال: دين الإسلام؛ أي: طريق الإسلام وملة الإسلام وشريعة الإسلام.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "إضلالًا".
(٢) في (أ): "بمجيء تدبيره"، وفي (ر) و(ف): "بمحن تدبيره"، والمثبت من "لطائف الإشارات".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٢).
(٤) في (ر) و(ف): "بفرض".
[ ٧ / ٣٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: أي: ليُعْليَه (^١) على الأديان كلِّها على كراهةِ المشركين الظهورَ والعلوَّ والغلبةَ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، والدِّين اسم جنسٍ فيَصلح للجمع.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليعلِّمه شرائعَ الدِّين كلَّها، فيُظهرَه ويُطلعَه عليها (^٢)، والهاء عائدة إلى النبيِّ -ﷺعلى هذا التأويل، وهو كقوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣]؛ أي: أَطْلعه عليه، وعلى التأويل الأولى تعودُ الهاء إلى الدِّين، والإظهار بمعنى الإعلاء.
وقال الكلبي: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ بالقرآن والإيمان ليُظهِر دينه على الأديان كلها، فلا يبقى دينٌ إلا ظهر عليه الإسلام، وسيكون ذلك ولم يكن بعد، ولا تقومُ الساعة حتى يكون ذلك.
وقال الضحاك: عند نزولى عيسى (^٣)، فلا يبقى أهل دينٍ إلا دخل في الإسلام أو أدَّى الجزية إلى المسلمين.
ورُوي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ينزلُ عيسى بن مريم فيَكْسرُ الصَّليبَ ويَقتلُ الخنزيرَ ويضعُ الجزية" (^٤)، فلا يبقى على وجه الأرض إلا مسلِمٌ أو مسالم.
_________________
(١) في (أ): "ليغلبه"، وفي (ف): "للغلبة".
(٢) رواه الطبريُّ في "تفسيره" (٤٢٣/ ١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٨٦)، وذكره عن الحسن ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٢٦)، وزاد معه قتادة.
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٣٩١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٤٠)، ورواه الطبريُّ في "تفسيره" (١١/ ٤٢٢) عن أبي هريرة وأبي جعفر.
(٤) رواه البخاري (٢٤٧٦)، ومسلم (١٥٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، وزادا: "ويَفيض المالُ حتى لا يَقبله أحدٌ".
[ ٧ / ٣٢٢ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أزاح العِلل بما ألاح من الحُجَج، وأزال الشُّبَه بما أوضح من النَّهج، فشُموس الحق طالعة، وأدلةُ الشرع لامعة، وأنشدوا:
هي الشمسُ إلا أن للشمس غَيبةً وهذا الذي نَعنيه (^١) ليس يَغيبُ (^٢)
* * *
(٣٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وصَفَ الأحبار والرهبان الذين اتَّخذهم (^٣) أهلُ الكتاب أربابًا فقال: لا تتوهَّموا في كثير من الأحبار والرهبان (^٤) صلاحًا، ولا تغترُّوا بظاهر زيِّهم وسكونهم، فإن ذلك كلَّه مصائدُ للمَطامع، واستجلابٌ للرِّياسة، ومكائدُ للصدِّ عن سبيل اللَّه، والجرِّ إلى الضلالة، وذلك بأخذِهم الرِّشا من الأشراف والعامة، وتحريفِ الكتاب، وكتمانِ نعت (^٥) النبيِّ -ﷺ- وحقِّيَّة الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يجمعون ويحتازون (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "نبغيه"، والمثبت من (أ) و"اللطائف"، ومثله في هامش (ر).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٢).
(٣) في (ر) و(ف): "اتخذوهم" وهي على لغة: أكلوني البراغيث.
(٤) بعدها في (ف): "الذين اتخذوهم أهل الكتاب أربابًا".
(٥) في (ر): "بعث".
(٦) في (أ): "ويخبئون".
[ ٧ / ٣٢٣ ]
وقيل: أصله هو كبسُ (^١) الشيء بعضِه على بعضٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: لا يُخرجونها في طاعة اللَّه، ولم يقل: ينفقونهما؛ لأنَّه أراد به (^٢) الكنوز.
وقيل: اكتفَى بأحدهما عن الآخر إيجازًا، ومثله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، وقد أطلنا الكلام في نظائرها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢].
وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾: أي: ضعِ الوعيدَ بالعذاب الأليم موضعَ البشرى بالنعيم في حقِّهم على التعميم.
ثم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قيل: هو معطوفٌ على ﴿إِنَّ كَثِيرًا﴾ وهو من صفات أهل الكتاب: جمعُ المال، ومنعُ حقوق اللَّه تعالى فيه، والبخل، وقد مرت آياتٌ في إثبات غايةِ بخلهم.
وقيل: هو مبتدأٌ في مانعي الزكاة من المسلمين.
وقيل: هو عامٌّ يتناول الكلَّ.
وقال السدِّي: هي في أهل القبلة (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: هي خاصةٌ عامةٌ؛ أي: خاصةٌ في السبب عامة في النسب (^٤).
_________________
(١) في (ر): "كنز".
(٢) "به" ليس من (أ) و(ف).
(٣) رواه الطبريُّ في "تفسيره" (١١/ ٤٢٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٨٩).
(٤) "أي: خاصة في السبب عامة في النسب" ليس من (أ) و(ف).
[ ٧ / ٣٢٤ ]
وروي عن أبي ذر ﵁ أنه قرأ هذه الآية على معاويةَ في أمرٍ من الأمور، فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب، فقال أبو ذر ﵁: إنها لفينا وفيهم (^١).
وعن ابن عمر ﵄ موقوفًا عليه ومرفوعًا إلى النبي -ﷺ- أنه قال: "ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنز" (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦٦٠).
(٢) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٨٣) من طريق محمد بن جبير عن سفيان عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "كل ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكل ما لا يؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا" قال البيهقي: ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٨٢٧٩) وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٤٢٦) من طريق سويد بن عبد العزيز عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، ولفظه: "كل مال وإن كان تحت سبع أرضين يؤدى زكاته فليس بكنز، وكل مال لا يؤدى زكاته وإن كان ظاهرًا فهو كنز" قال ابن عدي: رفعه سويد إلى النبي -ﷺ- وغيره يرويه موقوفًا. والموقوف رواه الشافعي في "مسنده" (ص: ٨٧)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٧١٤٠) و(٧١٤١). وفي الباب عن أم سلمة قالت: "كنتُ ألبَسُ أوضاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فقلت: يا رسولَ اللَّه، أكنزٌ هو؟ قال: "ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُه، فزُكِّيَ، فليس بكَنزٍ" أخرجه أبو داود (١٥٦٤) واللفظ له، والحاكم في "المستدرك" (١٤٣٨)، من طريق عطاء عن أم سلمة. ورجاله ثقات إلا أن عطاء -وهو ابن أبي رباح- لم يسمع من أم سلمة فيما قاله علي بن المديني. ومع ذلك فقد صححه ابن القطان، وجوَّد إسناده الحافظ العراقي، فيما نقله عنهما الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٢٧٢). وروى البخاري في "صحيحه" (١٤٠٤): عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن هذه الآية فقال: من كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها اللَّه طهرًا للأموال. وقد ترجم له البخاري بقوله: (باب ما أدي زكاته فليس بكنز).
[ ٧ / ٣٢٥ ]
وقال سالم بن أبي الجَعْد: لمَّا نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه -ﷺ-: "تبًّا للذهب والفضة" قالها ثلاثًا، فشقَّ ذلك على الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فقالوا: أيَّ مال نتخذُه؟ [فقال عمر: أنا أعلمُ لكم ذلك، فقال: يا رسول اللَّه، إن أصحابك قد شقَّ عليهم، وقالوا: فأيَّ المال نتخذ؟] فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا، وزوجةً تُعِين أحدكم على دينه" (^١).
* * *
(٣٥) - ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: وهو ظرفٌ لِمَا قبله؛ أي: فبشِّرهم بعذاب أليم يعذَّبون به يومَ يحمَى عليها؛ أي: يوقَد على هذه الأموال، وقد حَمِيَ يَحْمَى بالنار من حدِّ علم، وأَحْمَى غيرَه إحماءً.
وقوله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾: أي: فتُوْسَمُ بالكنوز
_________________
(١) حديث حسن بطرقه وشواهده، رواه الطبريُّ في "تفسيره" (١١/ ٤٢٨) وما بين معكوفتين منه. وهذا بعضه مرسل عن سالم، وبعضه -وهو المروي عن عمر- منقطع، وسالم بن أبي الجعد روى عن عمر لكنه لم يدركه، وهو ثقة روى له الجماعة. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٣٩٢)، والترمذي (٣٠٩٤)، وابن ماجه (١٨٥٦)، من طريق سالم عن ثوبان به، وهو منقطع أيضًا، قال الترمذي: هذا حديث حسن، سألت محمد بن إسماعيل (البخاري) فقلت له: سالم بن أبي الجعد سمع ثوبان؟ فقال: لا. ويشهد له ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣١٠١) من طريق سلم بن عطية الفقيمي عن عبد اللَّه ابن أبي الهذيل عن صاحب له: أنه انطلق مع عمر فقال: يا رسول اللَّه قولك: "تبًّا للذهب والفضة" ماذا؟ فقال -ﷺ-: "لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تُعين على الآخرة" ورجاله ثقات غير سلم بن عطية فقد ليَّنه الحافظ ابن حجر في "التقريب".
[ ٧ / ٣٢٦ ]
المحمَّاة بالنار جباهُ الكافرين، وهي جمعُ جبهة، وهي صفيحةُ أعلى الوجه فوق الحاجبين، ﴿وَجُنُوبُهُمْ﴾ وهي جمع جَنْبٍ، ﴿وَظُهُورُهُمْ﴾ وهو جمع ظَهرٍ، وخُصَّت بالكيِّ هذه المواضعُ لأن الكيَّ على الجبهة (^١) يظهر للعيون فيكون أبلغَ في التشهير والتعذيب، وهو كقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]، والجنوب مقاتل فكيُّها أشد إيجاعًا، والظهور فيها القوة، وفيه إزالةُ القوة بالكلية.
وقال أبو بكر الورَّاق: إنما خُصَّت بالكيِّ هذه المواضع لأن الغنيَّ المانعَ للزكاة إذا رأى الفقير انقبض وجهه، وإذا ضمَّه والفقيرَ مجلس (^٢) ازورَّ عنه فعارضه بجنبه، وإذا ملَّه قام وولَّاه ظهره (^٣).
قال محمد بن عليٍّ الترمذي: لأنه يَبذخ ويَشمخ برأسه بسبب ماله ويقع على كنزه بجنبه ويتساند إليه بظهره (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الجبهة مقدِّمة الوجه، وهم لم يقدِّموها إلى الآخرة، ولم ينفقوها في سبيل اللَّه، فعذِّبوا على الجباه والجُنوب لأنهم أخذوها من كلِّ جانبٍ، وعلى الظُّهور لأنهم أنفقوها في الصدِّ عن سبيل اللَّه وتوليةِ الظهور عن الحق، ويحتمِل ذكرُ هذا إحاطةَ العذاب بهم من كلِّ الجهات؛ كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، وكقوله ﷿: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
وجعلَ اللَّه تعذيبَ أهل النار في الآخرة بالأسباب التي منَعتهم عن طاعة اللَّه
_________________
(١) في (ف): "لأنه"، بدل: "لأن الكي على الجبهة".
(٢) في (ف): "وإذا جلس الفقير مجلسًا"، بدل: "وإذا ضمه والفقير مجلس".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٤٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٣١).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٤٠).
[ ٧ / ٣٢٧ ]
تعالى ودعَتْهم إلى مخالفة أمره، فيجمع بينهما في النار، وهو كقوله تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] ونحو ذلك (^١).
وقال القشيري ﵀: لمَّا طلبوا الجاهَ عند الخَلق بمالهم وبخلوا بإخراج حق اللَّه تعالى عنه شانَ اللَّه وجوههم، ولمَّا ولَّوا جوانبهم (^٢) وأسندوا ظهورهم إلى أموالهم كوَى اللَّه جباههم وجنوبهم وظهورهم (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: على الكنوز (^٤).
﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾؛ أي: لا يوضع دينارٌ مكانَ دينارٍ، ولا درهمٌ مكان درهمٍ، ولكن توسَّع جلودهم فيوضع (^٥) لكلِّ دينار ودرهم كيةٌ على جلده.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبيَّ -ﷺ- قال: "ما من رجلٍ لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل اللَّه ماله يوم القيامة صفائحَ من نارٍ فتكوى بها جبهتُه وجنبُه وظهره في يومٍ كان مقداره (^٦) خمسين ألفَ سنة، حتى يُقضى بين الناس ثم يَرى سبيلَه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ لم يؤدِّ زكاتَها إلا بُطح لها يوم القيامة بقاعٍ قَرْقرٍ تطؤه بأخفافها وأظلافها وتَنطِحُه بقرونها وتَعَضُّه بأفواهها، كلما
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٦٣).
(٢) في (أ): "ولما شدوا جوانبهم"، وفي (ف): "ولما سدوا جوانبهم"، وليست هذه الجملة في "اللطائف".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٣).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٠٣).
(٥) في (ر) و(ف): "فتكوى"، والمثبت من (أ) و"البسيط" (١٠/ ٤٠٣)، والكلام منه.
(٦) في (أ): "قدره".
[ ٧ / ٣٢٨ ]
مرَّت عليه أُخراها عادت عليه أُولاها، حتى يُقضى بين الناس في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنة، ثم يَرَى سبيله إمَّا إلى الجنة وإمَّا إلى النار، وما من صاحب غنمٍ لا يؤدِّي حقَّها إلا أُتي بها يومَ القيامة تَطَؤُه بأظلافها وتنطحُه بقرونها" (^١)، ثم ذكر ما ذكر في الأول.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾: القول هاهنا مضمَر، وتقديره: يقال لهم -أو: يقول لهم خزنةُ جهنم-: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: هذا الذي ترَونه هو الذي كنَزْتُم في الذنيا؛ أي: جمعتُم فلم تؤدُّوا حقَّه ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُون﴾؛ أي: هذا بذاك، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].
* * *
(٣٦) - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾: وبه يتمُّ الحول، وبتمام الحول تجب الزكاةُ في النصاب (^٢)، وهو وجه اتصالها بالآية الأولى.
ووجهٌ آخر: أنها متصلة بجملةِ ما نزلت فيه السورة؛ لأن النبيَّ ﵇ أراد أن يحج عامَ نزولِ هذه السورة، وكان الحج حينئذٍ على حساب النَّسيء في ذي
_________________
(١) رواه مسلم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (أ): "النصب".
[ ٧ / ٣٢٩ ]
القعدة، وفي السنةِ الثانية في ذي الحجة، ولهذا قال ﵇ عامَ حجَّ الوداع: "إنَّ الزمان قد استدارَ كهيئته يومَ خَلْق السماوات والأرض" وأَبْطلَ النسيء (^١).
ووجهٌ آخر للاتصال: أن السورة في قتال المشركين وصفتهم أنهم نجسٌ، وأفعالُهم كذلك، ومِن قبائحهم النسيءُ وهو تغييرُ حُكم اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾: أي: شهورِ السَّنة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكم اللَّه ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ نصبٌ لأنهما اسمان جُعلا اسمًا واحدًا وبُني على الفتحة لأنها أخفُّ الحركات.
وإنما قُدِّرت الشهور القمرية بالاثني عشر لأن الشهور الشمسية كذلك؛ لنزولها في اثني عشر برجًا، وتمام السنة الشمسية بذلك، فجعلت السنة القمريةُ اثني عشر شهرًا أيضًا؛ ليَتوافَقوا على حسابٍ واحد، قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥].
وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: قال ابن عباس ﵄: في الإمام الذي عند اللَّه كتبه يومَ خلَق السماوات والأرض (^٢).
وقال علي بن الحسين بن واقد: أي: في اللوح المحفوظ (^٣)، وهو كقوله في سورة الحج: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠] وكذا في سورة الحديد.
وقيل: في قضاء اللَّه وإيجابِ اللَّه على خلقه من أحكامها.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٩٧)، ومسلم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة ﵁.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٠٧).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٠٧) عن الواقدي، والمشهور بهذا اللقب هو محمد بن عمر صاحب "المغازي"، وعقبه الواحدي بقوله: وهو قول عامة أهل التأويل، ونحو هذا يُحكى عن ابن عباس: (﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال: في الإمام. . .) فذكر ما سبقه من قول ابن عباس.
[ ٧ / ٣٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ولم تزل الأمم تتناسخُه إلى أن غَيَّرت العرب في شِركها ما غَيَّرتْ منها.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: أي: من الاثني عشر شهرًا أربعةُ أشهر حُرم: جمعُ حرام، وهي: رجبٌ وهو فرد، وذو القعدة وذو الحجة والمحرمُ وهي سردٌ، وكذا فسَّرها النبي -ﷺ- (^١).
ومعنى الحرام (^٢): أنه يحرم فيها القتال والقتل، وكانت العرب تعظِّمها، حتى لو لقي الرجل منهم فيها قاتلَ أبيه لم يَهِجْه.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: أي: الحساب المستقيم، كما قال ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي: يوم الحساب، ومعناه: إن الشهور على حساب مستقيم فلا تغيِّروها بالنسيء.
وقيل: الأخذ به الدِّينُ المستقيم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: في جميع الشهور، لأنها شهودٌ عليكم بما تعملون.
وقال قتادة: في الأربعة الحرم (^٣).
وظلمُ النفس هو المعصيةُ؛ لأنَّه يَضرُّ (^٤) بها نفسَه وينقص بها (^٥) حظَّه.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٩٧)، ومسلم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة ﵁.
(٢) في (أ): "الحرم".
(٣) رواه الطبريُّ في "تفسيره" (١١/ ٤٤٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٩٣).
(٤) في (ر): "لأنها يضرب".
(٥) في (أ): "وينقص لها"، وفي (ر): "وينقض بها".
[ ٧ / ٣٣١ ]
وإنما خَصَّ هذه الشهورَ الأربعة بالنهي عن ظلم النفس فيها مع أنه حرامٌ في كل وقت بيانًا أنه فيها أغلظ، وهو كقوله تعالى في حق مكة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الحج: ٢٥]، والظلم في كل مكانٍ حرام، وقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وكلُّ ذلك في كل وقت حرام، وقولِ النبي -ﷺ- في وعيدِ مَن زَنَى بحليلة الجار (^١)، والزنا بكلِّ امرأةٍ حرام، فالتخصيص دلالةُ التغليظ في كل ذلك.
وقيل: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بالبداءة بالقتال، ولا بأس بقتالِ مَن بدأكم له فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: أي: جميعًا.
وقيل: أي: لا تظلموا فيهن أنفسكم إذا قوتلتُم فيهن بأنْ تتركوا القتال، لكنْ قاتلوهم في هذه الحالة.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: لا مع المشركين؛ أي: حافظُ المتقين وناصرُهم، وهم الذين يتقون الشرك.
وقيل: أي: الذين يتَّقون هتك حرمة هذه الأشهر.
وقيل (^٢): الذين يتقون بدء المشركين (^٣) بالقتال فيها.
وقال عطاءٌ الخراساني: أحلَّ اللَّه القتال في الشهر الحرام بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٦١)، ومسلم (٨٦)، من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) "وقيل" من (أ).
(٣) في (ف): "يتقون بداية المشركين"، وفي (ر): "يتقون الشرك".
[ ٧ / ٣٣٢ ]
اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآيات، وبقوله ﷻ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ يقول: فيهن وفي غيرهن.
* * *
(٣٧) - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾: أي: التأخير.
قيل: هو مصدر كالرحيل.
وقيل: هو فعيلٌ بمعنى المفعول، ومعناه: المؤخَّر؛ أي: الشهر المؤخَّر (^١)، من قولهم: نسأ الشيءَ وأنسأه؛ أي: أخَّره، ومنه: النسيئة في البيع.
وقوله تعالى: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾؛ أي: تأخيرُ حرمةِ المحرَّم إلى صفر بدعةٌ زائدة على بِدَع سائر الكفار.
وقوله تعالى: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفصٍ بضم الياء وفتح الضاد (^٢)؛ أي: الأتباع يَضِلون به بإضلال الرؤساء، على ما لم يسم فاعله.
وقرأ الحسن وجماعة بضم الياء وكسر الضاد (^٣): يُضِلُّ الرؤساء به الأتباعَ.
_________________
(١) في (ف): "المؤخر".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٤)، و"التيسير" (ص: ١١٨).
(٣) انظر: "المحتسب" لابن جني (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩). وهذه قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٩).
[ ٧ / ٣٣٣ ]
وقرأ الباقون بفتح الياء وكسر الضاد (^١): يضل الرؤساء؛ أي: يقعون في الضلال بما يفعلون.
وقوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾: أي: يُحلُّون القتالَ في هذا الشهر مرةً ويحرِّمونه مرةً، حُذف (في) عن الفعل كما يُحذف عن (^٢) الاسم، فيقال (^٣): الشهر الحرام والشهر المحرَّم؛ أي: المحرمُ فيه القتال.
وقوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾: أي: ليُوافقوا عدةَ ما حرَّم اللَّه، والمواطَأة: الموافَقة، وتواطَأَ القوم على كذا؛ أي: توافَقوا؛ أي: يحرِّمون صفرًا مكان المحرَّم، ويُحلُّون المحرَّم ويقولون: الأشهر الحرم أربعةٌ، وقد حرَّمنا أربعةَ أشهر.
وقوله تعالى: ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾: أي: ليتوصَّلوا بهذه الحيلة إلى إحلالِ الشهر الذي حرَّم اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾:
قال الحسن: الشيطان زيَّن لهم ذلك (^٤).
وقيل: أنفسُهم زينت لهم ذلك.
وقيل: اللَّه ﷿ زيَّنها بالتخليق امتحانًا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: إلى الحقِّ حالَ اختيارهم الثباتَ على الباطل.
وقيل: لا يهديهم طريق الجنة في الآخرة.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٤)، و"التيسير" (ص: ١١٨).
(٢) في (ر): "في".
(٣) في (ر) و(ف): "فقال".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٩٦).
[ ٧ / ٣٣٤ ]
وقال الكلبي: أولُ مَن نسأ الشهور رجلٌ من بني كنانة يقال له: نُعيم بن ثَعلبة، وكان يكون على الناس بالموسم إذا همَّ الناس بالصَّدَر قام فخطب فقال: لا مردَّ لِمَا قضيتُ أنا الذي لا أُعاب ولا أجاب (^١)، فيقول له المشركون: لبيك ربَّنا، ثم يسألونه أن يُنسئهم شهرًات يغيرون (^٢) فيه فيقول: فإن صفرًا العامَ حرام، فحَلُّوا الأوتار ونزَعوا (^٣) الأسنَّة والأزجَّة، وإن قال: هو حلال، عقَدوا الأوتار فشدُّوا الأزجة وأغاروا على الناس، وكان بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له: جُنَادة بن عوف بن أمية الكِنانيُّ، وهو الذي أدركه رسول اللَّه -ﷺ- (^٤).
وقيل: كان يلي ذلك عامر بن الظربان.
وقال قتادة: كان يفعل ذلك أبو ثُمامة صفوان بن أمية أحد بني فُقيم بن الحارث (^٥).
_________________
(١) في (أ) و(ر): "أخاف"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "معاني القرآن" للفراء، و"تفسير البغوي " و"زاد المسير" و"درج الدرر"، وفي "تفسير الثعلبي": (أخاب)، وفي بعض نسخه كالمثبت.
(٢) في (ف): "يغزون".
(٣) في (ر): "الأوثان وانزعوا".
(٤) ذكره عن الكلبي الثعلبي في "تفسيره" (١٣/ ٣٦٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٤٦ - ٤٧). وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٣٥) عن الفراء، وهو في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٣٦). والجرجاني في "درج الدرر" (١/ ٧٦٤) من طريق محمَّد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. ومحمد بن مروان هو السدي الصغير، وهو متهم بالكذب، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس. والقول بأن فاعل ذلك هو نعيم بن ثعلبة ذكره أيضًا الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٦١) عن الزبير بن بكار. وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٣) عن أبي علي البغدادي، لكنه تعقبه بقوله: واسم نعيم لم يعرف في هذا، وما أرى ذلك إلا كما حكى النقاش: من بني فقيم كانوا يسمون: القلامس، واحدهم: قَلَمَّس، وكانوا يُفتون العرب في الموسم، يقوم كبيرهم في الحجر ويقوم آخر عند الباب ويقوم آخر عند الركن فيفتون. قال ابن عطية: فهم على هذا عدة، منهم نعيم وصفوان ومنهم ذرية القلمس حذيفة وغيرهم.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٥٤).
[ ٧ / ٣٣٥ ]
وفي حديث ابن عباس ﵄: أبو ثمامة كنية جنادة بن عوف بن أمية الكناني (^١) الذي قدَّمناه.
وقال عبد الرحمن بن زيد: هو رجل من بني كنانة يقال له: القَلَمَّس، في الجاهلية (^٢).
وأنشد أبو عبيدةَ لبعضِ بني كنانةَ في الافتخار بهذا:
ألَسْنا الناسئينَ على مَعَدٍّ شهورَ الحِلِّ نجعلُها حرامًا (^٣)
وقال السدي: كانت العرب يَشُقُّ عليهم أن يمكثوا ثلاثةَ أشهر لا يُغِيرون فيها، وإذا أراد رئيسهم أن يُغير (^٤) قال: إني أحلَلْت المحرَّم وحرَّمت صفرًا مكانه، فقاتل الناس في المحرم، فإذا كان صفرٌ غمدوا السيوف، ثم يقول في قابل: أحلَلْتُ صفرًا وحرَّمتُ المحرَّم (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٥١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٥٦).
(٣) البيت لعمير بن قيس بن جذل الكناني، كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٤٥)، و"شرح القصائد التسع الطوال" لابن الأنباري (ص: ٢٥٨)، و"معجم الشعراء" للمرزباني (ص: ٧٢)، و"تهذيب اللغة" (١٣/ ٥٨)، و"النكت والعيون" (٢/ ٣٦١). وعزاه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٤٥)، والقرطبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢١) للكميت، والرواية في "ديوان الكميت" (ص: ٣٥٧): وكنا الناسئين على معدٍّ شهورَهم الحرامَ إلى الحليلِ
(٤) في (ر): "أرادوا نسيئهم أن يغيَّر" وفي (ف): "أرادوا نسيئهم أن يغيِّروا"، وفي نسخة: "أرادوا أن يغيِّروا نسيئهم"، والمثبت من (أ)، وهو المتفق مع مصدر التخريج. انظر التعليق الآتي. وضبط (يغير) و(يغيروا) في جميع النسخ بتديد الياء من التغيير، وله وجه، والأحسن عدم التشديد من الإغارة، كما في سابقه، وكما سيأتي في تخريجه.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٩٦) بلفظ: كان رجلٌ من بني مالكِ بنِ كِنانَةَ يقالُ له: =
[ ٧ / ٣٣٦ ]
وقال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يحلُّون المحرَّم ويسمُّونه صفرًا، ويحلُّون بعده صفرًا ويجعلون في هذا العام صفَرين، ثم يحرِّمون المحرَّم وصفر في القابل ويجعلونهما المحرَّمين (^١).
وفي حديث الحسن: أنهم كانوا يغيِّرون الشهور كلَّها فيتغيَّر شهرُ الحج أيضًا، ولمَّا فتح اللَّه مكة سنة ثمانٍ من الهجرة -وكانت في تلك السنةِ غزوةُ حنينٍ- مضى النبيُّ ﵇ منها إلى الطائف ثم إلى جِعْرانة وقسَّم بها غنائم حنين في ذي القعدة واعتمر فيه، ولم يؤذَنْ له أن يحجَّ في ذلك العام لأن حجَّهم كان وقع في ذي القعدة، ولمَّا كانت سنةُ تسع وقع الحجُّ في ذي الحجة، وأرسل النبيُّ ﵇ أبا بكر ﵁ إلى مكةَ واستعمله على الحج وعلَّمه المناسك، ونزلت سورةُ براءةَ بعد خروج أبي بكر، فبدث النبيُّ ﵇ عليَّ بن أبي طالب ﵁ وأمره إذا خطب أبو بكر وفرغ من خطبته أن يقوم فيقرأ على الناس سورةَ براءة، ففعل ونبذ (^٢) إلى المشركين عهدَهم، وقال: "لا يجتمعنَّ (^٣) مسلمٌ ومشركٌ على هذا الموقف بعد عامهم هذا"، وإنما لم يحجَّ النبيُّ -ﷺ- تلك السنة لمخالطة الكفار، وأُخِّر ليكون حجُّه في السَّنة التي بعدها بدون المشركين.
وكان أبو بكر ﵁ هو الذي يخطبُ على الناس ويصلِّي بهم ويَدفع بهم في الموقف.
_________________
(١) = جُنَادةُ بنُ عوفٍ يُكْنَى أبا أُمامةَ يُنْسِئُ الشهورَ، وكانت العربُ يشتدُّ عليهم أنْ يمكُثوا ثلاثةَ أشهرٍ لا يُغِيرُ بعضُهم على بعضٍ، فإذا أراد أنْ يُغِيرَ على أَحدٍ قام يومَ منى فخَطب. . .، الخبر.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٥٦).
(٣) في (ر): "فقد نبذ" بدل: "ففعل ونبذ".
(٤) في (ر): "يحجن".
[ ٧ / ٣٣٧ ]
فلمَّا كانت سنة عشرٍ أَذِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه في الحج، فحجَّ رسول اللَّه -ﷺ- حجةَ الوداع، فوقف بعرفة وقال: "يأيها الناس، إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلق اللَّه السماوات والأرض، فلا شهر يُنسأ، ولا عِدَّة تُخطأ، وإن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة" (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: قولُه ﷻ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ لمَّا علِم أنهم لا يداوِمون على ملازَمة القُرَب أفرد بعضَ الشهور بالتفضيل ليخصُّوها باستكثار الطاعات فيها، فأما الخواصُّ من عباده فجميعُ الشهور لهم شهرُ رمضان، وجميع الأيام لهم جمعةٌ، وجميع البقاع لهم مكةُ، وأنشدوا في معناه:
ياربِّ إن جهادي غيرُ منقطِعٍ فكلُّ أرضِك لي ثَغْرٌ وطرسوسُ
وقال في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: أمَر العوامَّ ألَّا يَظلموا قلوبهم في جميع (^٢) الشهور بارتكاب الزَّلَّة، وأَمر الخواصَّ أن يَظلموا قلوبهم في جميع الشهور باحتقاب (^٣) الغفلة، فظُلم النفس أن يَجعل العبد زمامَه بيد شهواته فتُورده (^٤) موارد الهلكات، وظلمُ (^٥) القلب أن يلاحِظ الخلقَ فيَحرمَه أُنسَ المشاهَدات، ومَن ظلم نفسه بارتكاب المحظورات ابتُلي بالفترة في الطاعات، ومَن ظلم قلبه بالمساكَنات امتُحن بعدم الصَّفوة في مرور الأوقات.
_________________
(١) لم أجده عن الحسن، وذكره الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ١٨٢ - ١٨٦) مطولًا عن الكلبي.
(٢) في (أ): "أنفسهم في بعض"، وفي (ف): "قلوبهم في بعض"، بدل: "قلوبهم في جميع"، والمثبت من (ر) و"اللطائف".
(٣) في (ر): "باحتقار"، والمثبت من (أ) و(ف) و"اللطائف". واحتقب معناه: ادخر. انظر: "القاموس" (مادة: حقب).
(٤) في النسخ: "فيوردها". والمثبت من "اللطائف".
(٥) في (ر): "وظلماء".
[ ٧ / ٣٣٨ ]
وقال في قوله ﷿: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾: لا سلاحَ أمضَى على العدوِّ من تبرُّئِك من حولك وقوتك.
وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾: الدِّين ملاحظةُ الأمر ومجانبةُ الوِزر وتركُ التقدُّم بين يدي اللَّه تعالى في جميع أحكام الشرع، والآجالُ في الطاعات مضروبة، والتوقُّف في عرفانه (^١) متَّبعَ، والصلاحُ في الأمور بالإقامة على حدِّ العبودية، وتركِ الاعتراض (^٢) والمعارضة على الربوبية (^٣).
* * *
(٣٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾: هو حرف استفهامٍ بمعنى التوبيخ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: اخرجوا إلى الغزو، وقد نَفَر نفيرًا من حدِّ ضَرَب، وسبيل اللَّه: طريق طلب (^٤) رضَى اللَّه، وسمِّي به لأنه يُفضي بسالكه إلى الجنة.
وقوله تعالى: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: أي: تثاقلتُم، وأدغمت التاءُ في الثاء فبُدئ بها -وهي ساكنة- عليها، فزيدَ عليها الألفُ ليكون المبتدأ بالمتحرِّك، ومثله: ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف: ٣٨].
_________________
(١) في (أ): "والتوقيف في عرفانه"، وفي (ر): "والتوقف في عرفاته"، وفي مطبوع "اللطائف": "والتوفيق في عرفانه".
(٢) في (ف) و(أ): "الإعراض".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٥)، والجملة الأخيرة ليست فيه.
(٤) "طلب" ليس من (أ).
[ ٧ / ٣٣٩ ]
وهذه معاتبةٌ للمؤمنين، حيث قيل لهم: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ فتباطؤوا فعُوتبوا على ذلك، وهو وجه النَّظم؛ أي: ما السببُ الذي يدعوكم إذا قال لكم الرسول: اخرجوا في الجهاد في سبيل اللَّه، تثاقلتُم عنه إلى الإقامة بأرضكم لبلوغ الثمار وطلبِ (^١) الظلال، وتعبِ الخروج لشدة الحر.
وقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾: أي: بدلًان الآخرة ونعيمِها الخالد الذي لا يَبيد.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: لأن هذا منقطِعٌ وذاك باقٍ، وهذا كلُّه تقريعٌ وتعجيبٌ من سوء الاختيار.
وقال مجاهد: أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حُنينٍ، أمروا بالنَّفير في الصَّيف حين أَثمرت النخيل وطابت الثمارُ واشتهَوا الظِّلالَ، فشقَّ عليهم الخروجُ فاعتلُّوا فقالوا: فينا الثقيلُ وذو الحاجة وذو الضَّيعة والشغل، فنزلت الآية (^٢).
وقال الكلبي: إن النبيَّ -ﷺ- أقام بالمدينة بعد (^٣) مرجعِه من الطائف، فأمر بالجهاد لغزوة الروم حين طابت ثمار المدينة وأَينعت، فعظُمت على الناس غزوة الروم -وقال قتادة: لغزوة تبوك قبَل الشام (^٤) - وذلك في زمانِ عسرةٍ من الناس، وجَدْبٍ من البلاد، وشدةٍ من الحر، وأحَبُّوا الظلالَ والمقامَ في ثمارهم، وكان النبيُّ -ﷺ- قلَّما يخرج في غزوة إلا كنَى عنها إلا غزوةَ تبوك؛ لبُعدِ شُقَّتها وكثرة العدوِّ،
_________________
(١) في (أ): "وطيب".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٦٠).
(٣) "بعد" ليست في (أ)، وتحرفت في (ر) إلى: "بيد".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٦١).
[ ٧ / ٣٤٠ ]
ليتأهَّب الناس، فأمرهم بالجهاد وأخبرهم بالوجه الذي يريد، فلما علم اللَّه ﷿ تثاقُل المسلمين أنزل هذه الآية (^١).
قال الإمام القشيري ﵀: الجنوحُ إلى التكاسُل والاسترواحُ إلى التغافُل من أمارات ضعف الإيمان؛ إذ الإيمان غريم ملازمٌ لا يرضى من العبد بغيرِ ممارسةِ الأشقِّ وملابَسة الأحق (^٢).
قال أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: بايعنا رسول اللَّه -ﷺ- على السَّمع والطاعة في العسر واليسر والمَنشَط والمَكرَه، بل بايعناه على الموت.
ثم قال: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾: هل يَجمل (^٣) بالعابد أن يختار دنياه على عُقباه؟ أم هل يَحْسُن بالعارف أن يُؤْثِر هواه على رضا مولاه، وغيبةُ يوم من الزاهد (^٤) عن الباب تَعدل شهورًا، وغيبة لحظة من العارف عن البساط تَعدلُ دهورًا، وأنشدوا:
الإلفُ لا يصبرُ عن إلفِهِ أكثرَ مما تَطْرفُ العَين
وقد صَبَرْنا عنكم ساعةً ما هكذا فعلُ المحبِّين (^٥)
* * *
(٣٩) - ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٤٦).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٥).
(٣) في (ف): "يحمد"، وفي (أ) و(ر): "يحمل"، والمثبت من "اللطائف".
(٤) في (ر) و(ف): "الدهر"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٥ - ٢٦).
[ ٧ / ٣٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: (إلا) كلمتان: (إنْ) للشرط و(لا) للنفي؛ أي: إن لم تخرجوا إلى الغزو يعذِّبكم عذابًا وجيعًا لأبدانكم وقلوبكم في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: أي: يُنشئُ قومًا آخرين، ويأت بهم بدلًا عنكم، يحضون على (^١) أمره، ويحرِّضون على مجاهدة عدوِّه.
وقال أبو رَوْق: وهم أهل اليمن (^٢).
وقال سعيد بن جبير: هم أهل فارس (^٣).
وقيل: الملائكة.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: يَصْرفْ ما كان عليكم من الإقبال إلى (^٤) غيرِكم من الأشكال، وليس كلُّ مَن حفر بئرًا يَشرب من مَعينها، وفي معناه أنشدوا:
أسقي رياحينَ الحِفَاظ مَدَامِعي وسوايَ في روضِ التواصُلِ يرتعُ (^٥)
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾: عطفٌ على ما سبق، وهو مجزومٌ لأنه جواب الأمر، وعلامةُ جزمه حذفُ النون في آخره، وهو ظاهرٌ أنه لا يضرُّ اللَّه شيئًا ولا يَنقصُ من ملكه شيئًا.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "إلى".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٣/ ٣٧٢) (ط: دار التفسير).
(٣) المصدر السابق.
(٤) في (ر): "إلى قوم".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٦).
[ ٧ / ٣٤٢ ]
وقيل: معناه: ولا تضرُّوا رسولَه وأولياءه شيئًا، فإن اللَّه ﷿ ينصرُه بما شاء بدونهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: هو على نصرِ رسوله بغيركم وإفناءِ الكفارِ بغيرِ قتالِ أحدٍ قدير؛ إذ هو القادرُ على كلِّ شيء.
وقال القشيريُّ ﵀: العذابُ الأليم: ألا يعاتبه على تأخير الرجوع.
وقيل: العذابُ الأليم: أن يُعرِض العبد عن الطاعة فلا يَبعث وراءه طالبًا (^٢) من [جنود] التوفيق يردُّه إلى الباب.
وقيل: العذاب الأليم: أن يسلبه حلاوة النجوى إذا آب.
وقيل: العذاب الأليم: الصُّدودُ يوم الورود.
وقيل: العذاب الأليم: الوعيد بالفراق، فأمَّا نفسُ الفراق فهو عين (^٣) التلف، وأنشدوا (^٤):
وزعَمْتَ أنَّ البَيْنَ منكَ غدا هدِّدْ بذلك مَن يعيشُ غدا (^٥)
* * *
(٤٠) - ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ
_________________
(١) في (ف): "ينصره بما شاء بدونكم"، وفي (ر): "ينصرهم بما شاء بدونهم".
(٢) في (ر): "عن الطاعات فلا يتوب ولا يكون معه طالب".
(٣) في (ر): "نفس"، وفي "اللطائف": (تمام).
(٤) في (ر) و(ف): "كما قال"، بدل: "وأنشدوا".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٦).
[ ٧ / ٣٤٣ ]
اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾: (إلا) كلمتان كما مر؛ أي: إنْ لم تنصروا محمدًا في هذه الحالةِ فما هو ممن يُضيَّع، فقد نصره اللَّه أضعفَ ما كان فلن لِخذله الآن.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: حين مكرِ قريشٍ فاضطُرَّ إلى أن خرج ليلًا مستخفيًا إلى المدينة مهاجرًا خائفًا مشفِقًا من لحوق الطلب، لا أنيسَ معه ولا أليف إلا رجلٌ واحد وهو أبو بكر الصدِّيق ﵁.
ثم قال هنا: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣]، وقال في آية أخرى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥].
والتوفيق: أنهم همُّوا بإخراجه (^١) بأنفسهم، فاضطُر فخرج بسبب همِّهم، واللَّه أَذِن له في الخروج وقدَّر ذلك عليه.
وقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾: نصبٌ على الحال، وهو حالٌ من النبيِّ -ﷺ-، و﴿اثْنَيْنِ﴾ خفضٌ بالإضافة، وهو محمد المصطفى وأبو بكر الصدِّيقُ ﵁؛ أي: هو أحدُ اثنين ليس معهما ثالثٌ.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَار﴾: وهو الثَّقْبُ (^٢) العظيم في الجبل، وهو في جبلٍ بمكة (^٣) يقال له: ثور، قاله قتادة (^٤).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "أن يخرجوه".
(٢) في (ف): "النقب".
(٣) في (أ): "وهو جبل مكة".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٦٥).
[ ٧ / ٣٤٤ ]
وهو مأخوذ من غار يغور؛ أي: دخل في عميقٍ.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾: أي: النبيُّ -ﷺ- ﴿لِصَاحِبِهِ﴾؛ أي: أبي بكر ﴿لَا تَحْزَنْ﴾؛ أي: لا تهتمَّ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؛ أي: حافظُنا وناصرُنا ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قال الزجَّاج: أي: على النبيِّ -ﷺ- (^١)، كما قال في هذه السورة: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٢٦].
وقيل: على أبي بكر (^٢)؛ لأنَّه هو الخائف المحتاجُ إلى الأمن، وأما النبيُّ -ﷺ- فقد كان ساكنًا بما وُعد له من النصرة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾: أي: وقوَّى محمدًا، وهو عطفٌ على قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، والجنود: الملائكة أيَّده بهم في حرب بدرٍ وحُنينٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾: قال الحسن: هي الشرك.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وهي: لا إله إلا اللَّه، علَتْ هذه الكلمة (^٣) إلى قيام الساعة.
و(كلمةُ اللَّه) رفعٌ بالابتداء، وهي غيرُ معطوفة على الأولى؛ لأنَّه لم يَجعل الجعلَ واقعًا عليها بل استأنف الكلام بها.
وقال ابن كيسان: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾: هي ما قدَّروا بينهم من الكيد به ليقتلوه فلم ينالوا أملَهم ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وعدُ اللَّه أنه ناصرُه (^٤).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٤٩).
(٢) وأجازه الزجاج أيضًا. انظر المصدر السابق.
(٣) في (ر): "الكلمات".
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٤٤).
[ ٧ / ٣٤٥ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل: وجعَل أهلَ كلمة الذين كفروا هم الأسفَلينَ، قال اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] وأهلُ دين اللَّه هم الأعلَونَ (^١)، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾: أي: في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وأحكامه.
وقصتُه: أن قريشًا لمَّا اجتمعوا في دار الندوة يمكرون بالنبيِّ -ﷺ-، وتشاوروا في أمره على ما مر تفسيره في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]، وترك رسول اللَّه -ﷺ- عليًّا على فراشه ليلًا، وخرج مع أبي بكر الصديق ﵁ يتوجَّهان إلى المدينة.
قالت عائشة ﵂ (^٣): جاء رسول اللَّه -ﷺ- واستأذن علينا -وذلك في نحر الظهيرة متقنِّعًا- في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، وقال حين دخل لأبي بكر: "أَخْرِجْ مَن عندَك"، فقال أبو بكر ﵁: إنما هم أهلك، فقال: "إنه قد أُذن لي في الخروج للهجرة"، فقال أبو بكر ﵁: فالصحبةَ يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمي، فقال: "نعم"، قال: فخذ إحدى راحلتيَّ هاتين، فقال ﵇: "بالثَّمن"، وكان اشتراهما بثماني مئة، فأخذ رسول اللَّه -ﷺ- القَصواء (^٤)، وكان يعلفها (^٥)، وكان
_________________
(١) في النسخ: "الأعلين"، والمثبت من "التأويلات"، وهو الأنسب بالآية.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٧٦).
(٣) قوله: "قالت عائشة. . . " من هنا ورد أكثره عند البخاري (٣٩٠٥) و(٤٠٩٣) و(٥٨٠٧) من حديث عائشة، و(٣٩٠٦) من حديث سراقة بن مالك، ومن حديث البراء بن عازب ﵄ عند البخاري (٣٦١٥) و(٣٦٥٢) و(٣٩١٧)، ومسلم (٣٠٠٩) كتاب الزهد. وما كان من غير الصحيحين سنبينه بعون اللَّه.
(٤) في البخاري (٤٠٩٣): (فأَعْطَى النبيَّ -ﷺ- إحداهما وهي الجَدْعاءُ).
(٥) "وكان يعلفها" ليست في (أ). وهذه العبارة حتى قوله: "في خلافة أبي بكر ﵁" لم =
[ ٧ / ٣٤٦ ]
يغزو عليها المغازي ويحج عليها حتى ماتت في خلافة أبي بكر ﵁.
قالت عائشة ﵂: فجهزناهما بأخفِّ (^١) الجِهاز: لحم وخبز، وصنعنا لهما سفرةً في جرابٍ، فقطعت أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نطاقها فأَوْكَتْ به الجِرابَ، فلذلك كانت تسمى ذاتَ النطاقين.
وقيل: كانت تَنتطِقُ بنطاقين، فحلَّت (^٢) أحدهما فجعلته عِلَاقًا للسفرة، والآخرَ عصامًا لفم القِرْبة (^٣).
وخرج النبيُّ -ﷺ- ليلًا من بيته ونفرٌ من قريش يرصدونه على الباب، فأخذ حفنةً من البطحاء فجعل يذرُّها على رؤوسهم وهو يتلو: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ الآيات، ومر ولم يعلموا به، وانتهى إلى بيت أبي بكر الصديق ﵁، فخرجا معًا، وكان أبو بكر استأجر عبد اللَّه بن أُريقِط، فدفع إليه الراحلتين وواعده غار ثورٍ بعد ثلاثِ ليال، وأتاهما بهما حينئذ فارتحلا عليهما إلى المدينة (^٤).
قال أبو بكر ﵁: فأحيينا (^٥) يومَنا وليلتنا حتى قام قائم الظهيرة،
_________________
(١) = ترد عند البخاري.
(٢) في (أ): "بإخفاء"، وفي البخاري: (أَحَثَّ).
(٣) في (ر) و(ف): "فخلعت".
(٤) روى هذه الرواية إسحاق بن راهويه في "مسنده" (١١٦١) من حديث عائشة ﵂، وفي إسناده انقطاع.
(٥) وردت هذه القطعة ضمن خبر طويل رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩) عن شيخه الواقدي من حديث ابن عباس وعلي وعائشة أم المؤمنين وعائشة بنت قدامة وسراقة بن جعشم ﵃ دخل حديث بعضهم في بعض.
(٦) في (ر): "فاختبينا"، والمثبت موافق لما في البخاري (٣٦٥٢) عن البراء بن عازب، وفيه: (فأحيينا أو سرينا)، وفي الرواية الأخرى (فأحثثنا).
[ ٧ / ٣٤٧ ]
فرميتُ ببصري هل أرى من ظلٍّ فنأويَ إليه، فرأيت صخرة فنزلناها، فنظرتُ بقية ظلِّها فسوَّيته وأخذتُ فروةً كانت معي ففرشتُها لرسول اللَّه -ﷺ- وقلتُ: اضطجعْ يا رسول اللَّه حتى أنفضَ ما حولك، فإذا غلامٌ راعٍ قد أقبل في غنمٍ له يريد هذه الصخرةَ للظل، فقلتُ: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش، وسمَّاه فعرفتُه، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، فقلت: هل أنت حالبٌ لي؟ قال: نعم، فأعطيته فحلب، وقد زويتُ لرسول اللَّه -ﷺ- إداوةً من ماء (^١)، فصبَبْتُ على اللبن حتى وجدتُ بردَ الماء من تحت الإناء، فأتيتُ بها النبيَّ -ﷺ- فوافَقْتُه قد استيقظ، فقلتُ: اشرب يا رسول اللَّه، فشرب منه، ثم قلتُ: قد آن الرحيل يا رسول اللَّه.
فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فأدركَنا سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول اللَّه، قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
فلما دنا قِيدَ (^٢) رمحين أو ثلاثةٍ قلت: هذا الطلب قد لحقنا، وبكيتُ، قال: "ما يبكيك؟ " قلت: أنا واللَّهِ ما على نفسي أبكي، ولكن إنما أبكي عليك يا رسول اللَّه، فدعا عليه رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "اللهم اكفِنَاه بما شئتَ"، فساخت فرسه في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها (^٣) ثم قال: يا محمد! قد علمتُ أن هذا عملك، ادع اللَّه على أن ينجيَني مما أنا فيه، فواللَّه لأعمِّين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ سهمًا منها فإنك ستمرُّ على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "لا حاجة لنا في إبلك"، فدعا له رسول اللَّه -ﷺ-، فانطلق راجعًا إلى أصحابه ومضى رسول اللَّه -ﷺ- وأنا معه.
_________________
(١) في البخاري (٣٦٥٢) عن البراء بن عازب: (وقد جَعَلْتُ لرسولِ اللَّهِ -ﷺ- إِداوةً على فمها خِرقةٌ)، وفي الرواية الأخرى (ومعي إِدَاوةٌ من ماء عليها خِرقةٌ، قد روَّأْتُها لرسولِ اللَّه -ﷺ-).
(٢) في (أ): "قدر".
(٣) في (ف): "من عليها".
[ ٧ / ٣٤٨ ]
وكانت قريشٌ جعلت لمن أخذَ محمدًا وأبا بكر ديتَهما، وسمع سراقة رجلًا يقول: رأيت في الطريق سوادًا أظنه محمدًا، فخرج مختفيًا على أن يأخذهما فكان ما كان.
وقال أبو بكر لعائشةَ ﵂: لو رأيتِني ورسولَ (^١) اللَّه -ﷺ- إذ صعدنا الغار، فأمَّا قدَما رسول اللَّه -ﷺ- فتقطَّرتا دمًا، وأما قدماي فغارتا كأنهما صفوانٌ، فقالت عائشة: إن رسول اللَّه -ﷺ- لم يتعوَّد الحفية (^٢).
ولو رأيتِنا ونحن نصعد في الغار مرةً هو أمامي ومرةً أنا أمامَه حتى سبقتُه إلى الغار، فدخلتُه فطلبتُ فيه حجرًا فما وجدتُه، فألقمتُه عقِبي، فدخل رسول اللَّه -ﷺ- عليَّ، فقال أبو بكر ﵁: إن كانت لدغةٌ لدغَتْني أحبُّ إليَّ من أن تلدغَ رسول اللَّه -ﷺ- (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: قال أبو بكر: حين انتهينا إلى باب الغار فقلتُ: يا رسول اللَّه! الغار موضعُ المكاره فدعني أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء مكروهٌ كان لي دونك، فدخل فرأى جِحَرَةً، وكان عليه بردٌ سابرٌ ثمينٌ، فخرقه وحشا تلك الجِحَرة، وبقي جِحران فسدَّهما بعقبيه وقال: ادخل يا رسول اللَّه، فدخل (^٤).
وجاءت العنكبوت فضربت على بابه بعِشَاشٍ بعضِها على بعضٍ، وأرسل اللَّه تعالى زوجًا من حمامٍ حتى باضتا في أسفل الثقب، وأثبت اللَّه على باب المغارة يمامةً (^٥).
_________________
(١) في (أ): "لقد رأيتني ولرسول"، بدل: "لو رأيتني ورسول".
(٢) رواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٤/ ٢٠١)، وابن عساكر في "تاريخه" (٣٠/ ٨١)، من حديث عائشة.
(٣) ذكره المقريزي في "إمتاع الأسماع" (٨/ ٣٢٨) وعزاه للواقدي، ولم أجده في المطبوع من "مغازيه".
(٤) لم أجده.
(٥) رواه مطولًا ومختصرًا ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢٢٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" =
[ ٧ / ٣٤٩ ]
ومكثا فيه لثلاثِ (^١) ليالٍ يبيت عندهما عبد اللَّه بن أبي بكر وهو غلام لَقِنٌ، فكان يرجع منهما (^٢) عند السَّحَر فيصبح مع قريشٍ بمكة فلا يسمع أمرًا يَكيدون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فُهيرة مولَى أبي بكر ﵁ يأتي بمنحةٍ بالليل بعد العِشاء فيبيتان في منحته، فإذا أَسحر رجع (^٣).
وخرج الطلب من مكة، وقَفَوا آثارَهما إلى باب الغار ثم انقطع الأثر، فوقفوا على الجبل فوق الغار، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: "يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين اللَّهُ ثالثهما" (^٤).
وقال واحدٌ: ندخل الغار، فقال أمية بن خلفٍ: ما أَرَبُكم إلى الغار؟ إن عليه لعنكبوتًا كان قبل ميلاد محمد، ثم جاء فبال في صَدْع الغار حتى سال بولُه بين يدي
_________________
(١) = (٢٠/ ٤٤٣)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣) من طريق عون بن عَمرٍو القَيسيِّ، عن أبي مُصعبٍ المكِّيِّ قال: أَدركْتُ زيدَ بنَ أَرْقَمَ وأنسَ بن مالكٍ والمغيرةَ بنَ شعبةَ فسمعْتُهم يتحدَّثون: أنَّ النبيَّ -ﷺ- ليلةَ الغارِ. . .، فذكره، وعون -ويقال: عوين- بن عمرو القيسي، أعله العقيلي به وقال: لا يتابع عليه، وأبو مصعب المكي مجهول. وانظر: "نصب الراية" (١/ ١٢٣). وقصة نسج العنكبوت رواها أيضًا الإمام أحمد في "المسند" (٣٢٥١) بإسناد ضعيف كما ذكر محققوه، لكن قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ٤٥١) عنه: هذا إسناد حَسَن، وهو من أَجودِ ما رُوِي في قصةِ نَسْج العنكبوتِ على فمِ الغارِ.
(٢) "لثلاث" ليست في (أ).
(٣) في (ف): "عنهما".
(٤) قوله: "وكان عامر بن فهيرة. . . " لفظ البخاري في الرواية (٣٩٠٥): (ويَرْعَى عليهما عامرُ بن فُهَيرةَ مولَى أبي بكر مِنْحَةً من غنمِ، فيُريحُها عليهما حين تَذهبُ ساعةٌ من العِشاءِ، فيَبِيتان في رِسْلٍ، وهو لبنُ مِنْحَتِهما ورَضِيفِهما، حتى يَنْعِقَ بها عامرُ بنُ فُهَيْرةَ بغَلَسٍ، يَفعلُ ذلك في كلِّ ليلةٍ من تلك اللَّيالي الثَّلاثِ).
(٥) رواه البخاري (٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١)، من حديث أبي بكر ﵁.
[ ٧ / ٣٥٠ ]
النبي -ﷺ- وأبي بكر، فنهى النبي -ﷺ- يومئذ عن قتل العنكبوت وقال: "إنها جند من جنود اللَّه تعالى" (^١).
وفي رواية قالوا حين رأوا العنكبوت وبيض الحمام: ولو دخلاه لانكسر البيض وتفسَّخ بيت العنكبوت، فانصرفوا (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: إن اللَّه ﷻ جعل رسوله أمانًا لأهل الأرض بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ثم جعله في أمان العنكبوت حين نسج على باب الغار ليُعلم أنه من عند اللَّه دون الأغيار.
وقالوا: إن للبقاع دولًا، متى خطر ببالِ أحد أن يصير ذلك الغار مثوَى سيد الأولينَ والآخِرين، ولكن اللَّه عز وعلا يختصُّ بقسمته ما (^٣) يشاء، كما يختص برحمته مَن يشاء (^٤).
وفيه بيان فضل الصديق ﵁ حيث (^٥) جعله اللَّه لرسوله صاحبَه،
_________________
(١) رواه أبو نعيم من طريق الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن النبي. انظر: "الخصائص الكبرى" للسيوطي (١/ ٣٠٦). والواقدي متروك كما أن الخبر منقطع. وليس في هذا الخبر قوله: "ثم جاء فبال في صدع الغار حتى سال بوله بين يدي النبي -ﷺ- وأبي بكر"، ولا يصح مثل هذا، لكن جاء في خبر طويل رواه الطبراني في "الكبير" (٢٤/ ١٠٦ - ١٠٧) عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: (فقال أبو بكر لرجل يراه مواجه الغار: يا رسول اللَّه إنه ليرانا، فقال: "كلا إن ملائكة تسترنا بأجنحتها"، فجلس ذلك الرجل فبال مواجه الغار). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٥٤): رواه الطبراني وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو حاتم وغيره.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٤٨ - ٤٩) عن الزهري.
(٣) في (ر) و(ف): "من"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٤) في (ر): "ثم يختص برحمته لما يشاء"، وليست في (أ) و(ف)، والمثبت من "اللطائف".
(٥) في (أ): "حين".
[ ٧ / ٣٥١ ]
وعدَّه ثانيَه، ثم هو في القبر ضجيعُه وفي الجنة رفيقُه (^١).
وقال رجل من الشيعة: ما ظنُّك في خمسة سادسهم جبريل؟ فقال أبو يوسف: ما ظنُّك باثنين اللَّه ثالثهما.
وقالت الروافض في قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾: لا يخلو إما أن يكون حزنُ أبي بكر طاعةً أو معصيةً، فإن كان معصيةً ففيه نقصانه لا فضلُه، وإن كان طاعةً فلمَ نهاه رسول اللَّه -ﷺ-؟
قلنا: لم يكن حزنُه سوءَ الظنِّ بربه تعالى، ولا استبطاءً لنصره، لكنْ شفقةً على رسول اللَّه -ﷺ- وحبيبه، وكان (^٢) ذلك شيئًا نشأ عن طبعه ولا نقصَ في مثله.
ثم نعارضهم بخوف موسى وهارون ﵉، وقال اللَّه تعالى لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] إلى آخر السؤال حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة (^٣)، على أنهما قالا: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ﴾ [طه: ٤٥]، وليس في القرآن أن أبا بكر ﵁ قال: إني أحزن، وقد قال أبو بكر ﵁ في شعره:
قال النبيُّ ولم أَجْزع يوقِّرني ونحن في سُدفةٍ من ظُلمةِ الغارِ
لا تَخْشَ شيئًا فإنَّ اللَّه ثالثُنا وقد تكفَّل لي منه بإظهارِ
وإنما كيدُ مَن تَخشَى بوادرَه كيدُ الشياطين قد كادَتْ بكفَّارِ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٧).
(٢) في (ف): "أو كان"، وفي (ر): "ولكن".
(٣) أي: كما تُقَدَّر كلُّ واحدةٍ منهما على قَدْر صاحبتها وتُقْطَع، يُضرب مَثَلًا للشيئين يستويان ولا يَتفاوتان. والقُذَّة واحدة القُذَذ: وهي رِيشُ السهم، ومنه الحديثُ: "لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلَكم حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة". انظر: "النهاية" (مادة: قذذ).
[ ٧ / ٣٥٢ ]
واللَّه يهلكُهم طرًّا بما صنعوا وجاعلُ المنتهَى منهم إلى النارِ (^١)
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ ليس بنهي عن الحزن، بل هو على تخفيف الأمر عليه وتيسيرِ الحالة التي هو عليها (^٢).
وهو كقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
وكما قال النبيُّ -ﷺ- لأبي بكر ﵁، فقد قال لرسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] ولم يكن حزنه معصيةً بل كان شفقةً، فهذا مثله.
وقال القشيري ﵀: كان حزنُه لا لنفسه بل للَّه ﷿؛ لأنَّه قال له رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وحزنٌ لا يذهب إلا بمعية الحق ما يكون إلا بحق الحق (^٣).
* * *
(٤١) - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾: هو نصب على الحال، والخِفَاف: جمع خفيف، والثِّقال: جمع ثقيل.
_________________
(١) ذكر الأبيات عن أبي بكر ﵁ ابن إسحاق فيما رواه عنه أبو نعيم في "دلائل النبوة" (٢٣٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٨٥ - ٨٦)، وأوردها الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٤٨)، والسهيلي في "الروض الأنف" (٤/ ١٤٢) (ط: إحياء التراث)، والكلاعي في "الاكتفاء" (١/ ٢٩٠)، ومعنى يوقرني: يسكنني ويهدئني. وأسدف الليل: إذا أرخى ستوره وأظلم. وفي بعض المصادر (سُدَف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٧٤).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٨).
[ ٧ / ٣٥٣ ]
وقال الحسن ومجاهد والضحاك: أي: شبَّانًا وشيوخًا.
وقال أبو صالح: أي: أغنياء وفقراء.
وقال الحكَم: فارغين ومشاغيل.
وقال ابن عباس وقتادة: نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ، بكسر النون: جمع نشيط.
وقال أبو عمرو: ركبانًا ومشاة.
وقال ابن زيد: ذا ضيعةٍ وغيرَ ذي ضيعةٍ (^١)، وحملتُه على حالٍ يخفُّ فيه النَّفير أو على حالٍ يثقُل فيه النفير.
وقال مرَّة الهَمْداني: أصحَّاءَ ومرضَى.
وقال [حضرميٌّ]: إن ناسًا كان بعضهم عليلًا وبعضهم كبيرًا فقالوا: لا إثم علينا، فنزلت الآية.
وقال يمان بن رئابٍ: عزَّابًا ومتأهِّلين.
قال [محمد]: وشهد أبو أيوبَ الأنصاريُّ بدرًا ثم لم يتخلَّف عن غزاةٍ إلا عامًا واحدًا ثقُل مدةً، ثم تكلَّف وخرج، وقال: قال اللَّه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ولا أجدُني إلا خفيفًا أو ثقيلًا (^٢).
وخرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ذا صنعة أو غير ذي صنعة"، وهو تحريف.
(٢) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٦٨ - ٤٧٣)، وما بين معكوفتين منه. عدا قولي مرة الهمداني ويمان بن رئاب فذكرهما الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٤٩). وحضرمي قال ابن المديني: شيخ بالبصرة روى عنه التيمي، مجهول وكان قاصًّا، وقال أحمد: لا أعلم يروي عنه غير سليمان التيمي. قاله في "التهذيب". ومحمد: هو ابن سيرين.
[ ٧ / ٣٥٤ ]
عليلٌ صاحب ضر فقال: استنفَر اللَّه الخفيفَ والثقيل، فإن لم يمكنِّي الحربُ كثَّرتُ السوادَ وحفظتُ المتاع (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: مِن تَرْكه.
وقيل: ليس هذا للتفضيل، بل لإثبات أصل الخير؛ أي: ذلكم صلاحٌ وخيرٌ لكم، وتركُه فساد وشرٌّ لكم.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: الخير والشر.
وقيل: أي: إن كنتم تعلمون صدقَ الوعد على فعله وصدقَ الوعيد على تركه.
وقيل: أي: إن كنتم تعملون بما تعلمون.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا﴾؛ أي: في حالِ حضور قلبكم فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا رُددتم إليكم في مقاساة تعبِ المكابَدات، فإن البيعة أُخذت عليكم (^٢) في المنشَط والمكرَه.
﴿خِفَافًا﴾ إذا كنتم محمولين في حال الجمع ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا كنتم متحمِّلين في أوان التفرقة.
﴿خِفَافًا﴾ إذا تجرَّدتُم عن رِقِّ المطالبات ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا كان على قلوبكم ثقلُ الحاجات (^٣).
* * *
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٤٩) عن الزهري قال: خرج سعيد بن المسيب. . . فذكره.
(٢) في (أ) و(ر): "منكم".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٩).
[ ٧ / ٣٥٥ ]
(٤٢) - ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ﴾: أي: لو كان المدعوُّ إليه ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾؛ أي: شيئًا من متاع الدنيا قليلًا لا بقاء له (^١).
وقيل: أي: غنيمةً قَرُب مُتناوَلُها، كما قال في غنائم بدر: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧].
وقوله تعالى: ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾: أي: سهلًا وسطًا من الأسفار ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾، أي: هؤلاء المنافقون المعتلُّون بعللٍ لاتبعوك إلى حيث قصدت.
﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾: أي: المسافة.
وقيل: هي قطعة من الأرض يَشُقُّ سلوكها على صاحبها لبُعدها.
فلما لم يكن خروجُهم لرضى اللَّه تعالى بل لأجل نفع الدنيا تعلَّلوا.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾: أي: لو كان لنا زادٌ وراحلةٌ لخرجنا على موافَقتكم، وهي استطاعةُ سلامةِ الآلات وتهيُّؤ الأسباب فإنها تتقدم الفعل، فأما الاستطاعةُ التي يقع الفعل بها فإنها مع الفعل عندنا، ولا متعلَّق للقدرية فيها؛ لِمَا قلنا: إن المراد بها استطاعة الأسباب.
وقوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: يُوْرِدونها نارَ جهنم بكذبهم.
_________________
(١) "لا بقاء له" تحرفت في (ف) و(أ) إلى: "لأثقاله".
[ ٧ / ٣٥٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أنه (^١) لا استطاعة لهم، وهو ما ذكرنا من سلامة الآلات وتهيُّؤ الأسباب؛ أي: فلا تَقبلوا لهم عذرًا.
و﴿إِنَّهُمْ﴾ لم تنتصِب بوقوع (^٢) العلم عليها لمكان اللام بعدها.
وقال مجاهد: إنهم لكاذبون فيما يقولون: ﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ ليس في قلوبهم ذلك.
وقال قتادة: هم جماعة من المنافقين منهم جدُّ بن قيس ومعتِّب بن قُشير.
ودلت الآية على صدق النبيِّ -ﷺ- في دعوى الرسالة، لأنه أَخبر أنهم سيَحلفون كذا، وكان (^٣) كما أخبر، وذاك لا يعلمه إلا العالِمُ بالعباد عالمُ الغيب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾؛ أي: لو كان نفعًا حاضرًا أو غائبًا من منافع الدنيا لاتبعوك، فإن صفتهم كانت اتِّباعَ المنافع، وقال اللَّه تعالى في صفتهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية [الحج: ١١].
وقال في قوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: قيل: يُظهِرون نفاقَهم بترك الخروج، كقوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] (^٤).
وقال القشيريُّ ﵀: كان ذلك تعليلًا فاسدًا من أهل النفاق، وكذا مَن كان غيرَ متحقِّقٍ في قصدِه غيرَ مُبالِغ في جهده، وأنشدوا:
وكذا المَلولُ إذا أراد قطيعةً ملَّ الوصالَ وقال كان وكان
ومَن جدَّ في الطلب لم يعرِّج في أوطان الفشل، يصلُ السَّير بالسُّرى ولم يبالِ من مقاساة العناء:
_________________
(١) "أنه" من (أ).
(٢) في (أ) و(ر): "لوقوع" والمثبت من (ف) وهو الصواب.
(٣) في (أ): "أو كذا".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٧٨).
[ ٧ / ٣٥٧ ]
ثم قطعتُ الليلَ في مَهْمَهٍ لا أسدًا أخشى ولا ذئبا
يغلبُني شوقي فأطوِي النَّوَى ولم يَزَلْ ذو الشوقِ مغلوبا (^١)
* * *
(٤٣) - ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قال الحسين بن الفضل: هذا من لطيف المعاتَبة، ولو لم يفتتح الخطاب بالعفو لَمَا كان يقوم بقوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، فطيَّب اللَّه نفسه بتصدير العفو (^٢).
وقال القفَّال: ذكَر اللَّه في هذه الآية والآياتِ التي بعدها أحوالَ مَن تخلَّف عن غزوة تبوك وخلَّف غيره، وحلَّاهم بأوصافهم، وأذاع (^٣) بذكرهم حتى عرَفهم المسلمون، وذكَر أيمانَهم وحجَجهم ومعاذيرهم الباطلة.
والمراد من ذلك واللَّه أعلم: أن تكون أوصاف مَن بعدهم من أهل النفاق مقرَّرةً عند العلماء مخلَّدةً في كتاب اللَّه تعالى، يُعرَف بما يوجد منها في الأخلاف (^٤) نفاقُ المنافقين منهم إذ كان فاتهم زمانُ النبوة وانقطع الوحي، فإذا عرفوهم بأوصافهم لم يغترُّوا بظواهرهم ولم يأمنوهم على أنفسهم ودينهم.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٠).
(٢) في (أ): "بتقديم العفو"، وفي (ر): "بتصديق العفو"، والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في "البسيط" للواحدي (١٠/ ٤٥٤).
(٣) في (ر) و(ف): "وبدأ".
(٤) في (أ) و(ر): "الأخلاق".
[ ٧ / ٣٥٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾: أي: في التخلف عن الغزو ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل: حتى يُطلعكَ اللَّه على نفاقهم فيكونَ ذلك آيةً من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلُّف، أو (^١) إنْ لم تأذن لهم يتبيَّن لك نفاقهم؛ لأنَّهم يتخلَّفون عنك ويفارقونك وإن لم تأذن لهم، والذين صدَقوا لا يفارقونك، فيتبيَّن لك هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب المنافقين من صدق المؤمنين.
قال: وفيه دليل أنَّ النبي -ﷺ- أذِن لهم بالتخلف (^٢) بالاجتهاد لا بالأمر، إذ لو كان بأمرٍ لم يُعاتَب عليه، ووقع في اجتهاده أنهم معذورون فأذن لهم، ثم إنما عوتب مع أنه اجتهد -وله ذلك- لأنه ترَك الأفضلَ، وهو تركُ الإذن حتى يتبيَّن له الصادق من الكاذب، وعِتابُ الأنبياء يكون على ترك الأفضل مع فعل الفاضل (^٣).
* * *
(٤٤) - ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: أي: أنْ لا يجاهدوا؛ كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف: ١٧٢] أي: لا يستأذنك في التخلُّف بغير عذرٍ مَن كان يؤمن باللَّه فيطيعه بالأمر بالجهاد، وباليوم الآخر فيرجو فيه ثواب الجهاد، واللَّه عليم بمن يتَّقيهِ ولا يخالف أمرَه بالجهاد ولا يتخلَّف عنه.
_________________
(١) في النسخ: "و"، والمثبت من "التأويلات".
(٢) في (ر) و(ف): "في التخلف".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٧٩).
[ ٧ / ٣٥٩ ]
(٤٥) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾: بالتخلُّف (^١) من غير عذرٍ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فلا يَرَون للَّه طاعةً، ولا يرجون في القيامة مثوبة ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: شكَّت في حقيقة الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: أي: يتقلَّبون (^٢).
قال ابن عباس ﵄: ذكر اللَّه تعالى (^٣) هذا في المنافقين الذين يستأذنون من غير (^٤) عذرٍ ذمًّا لهم، فأمَّا المؤمنون الذين لهم عذرٌ فقد قال اللَّه تعالى في حقِّهم. ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ الآية [النور: ٦٢] (^٥).
وقال مقاتل: كان المستأذنون من المنافقين تسعةً وثلاثين رجلًا (^٦).
وقال محمد بن إسحاق: أَذِن لقوم كانوا من ذوي الشرف، فيهم عبد اللَّه بن أبيٍّ والجدُّ بن قيس، لعِلمه أنهم إن خرجوا أفسدوا عليه الجند (^٧).
وقال الإمام القشيري ﵀: حسناتُ الأعداء مردودة، وسيئاتُ الأحباب مغفورة (^٨)، وأنشدوا في معناه:
_________________
(١) "بالتخلف" ليست في (أ).
(٢) "أي: يتقلبون" ليست في (أ).
(٣) "ذكر اللَّه تعالى" ليست في (أ).
(٤) في (ر): "بغير".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٨٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٠٦).
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٧٢).
(٧) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٤٩ - ٥٥٠).
(٨) في (أ): "معقودة"، والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
[ ٧ / ٣٦٠ ]
مَن ذا يؤاخذُ من يحبُّ بذَنْبه وله شفيعٌ في الفؤاد مشفَّعُ (^١)
* * *
(٤٦) - ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِين﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾: أي: معكم للغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾؛ أي: لهيَّؤوا للخروج ﴿عُدَّةً﴾؛ أي: أُهبةً، قرأ عبد اللَّه بن شداد: (عِدَّةً) بكسر العين (^٢)؛ أي: جماعةً من الآلات والقوة قبل وقت الخروج كإعداد المسلمين ذلك.
قال القشيري ﵀: تعالى لو صدقوا في الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة، ولكن سَقمت إرادتُهم فحصلت دون الخروج بلادَتُهم، ولذلك قيل:
لو صحَّ منك الهوى (^٣) أُرْشِدْتَ في الحِيَلِ (^٤)
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾؛ أي: لم يرضَ اللَّه تعالى بخروجهم وانبعاثهم (^٥)، وهو الانطلاق بسرعة، يقال: بعَثْتُه فانْبَعَث.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: والوجه الذي لم يرضَ به هو ما ذكره بعده: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الآية (^٦).
وقوله تعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾: أي: ثقَّلهم عن الخروج وحبَسهم، وقد ثَبِط من
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣١).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٣).
(٣) في (ف): "الهدى".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣١).
(٥) "أي: لم يرض اللَّه تعالى بخروجهم وانبعاثهم" من (ر).
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٨٠).
[ ٧ / ٣٦١ ]
حدِّ عَلِم؛ أي: ثَقُل، وثبَّطه غيرُه تثبيطًا، وفيه دلالةُ خلق اللَّه تعالى أفعالَ البشر.
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: أي: العجزةِ المتخلِّفين من الزَّمْنَى والنساء (^١) والصبيان والمجانين، وهذا الأمر يحتمِل أن يكون من النبيِّ ﵇ حيث استأذنوه فأَذن لهم ظنًّا أن لهم عذرًا، وهو ما قال في هذه السورة: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾؛ أي: هو من اللَّه تعالى لهم على (^٢) التهديد والتوعيد؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
أو الشيطان وسوس لهم وزيَّن في قلوبهم ذلك ودعاهم إليه.
أو قال بعضهم ذلك لبعض.
أو معناه: أقعَدْناهم، وهو إخبار بلفظة الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤].
وقال القشيري ﵀: إن اللَّه سبحانه بأمر التكليف دعاهم، ثم بأمر التكوين ثبطهم وأقصاهم (^٣).
* * *
(٤٧) - ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾: أي: فسادًا، وليس معناه أنهم كانوا في فساد والمنافقون زادوا في فسادهم، لكن معناه: لو خرجوا فيكم ما
_________________
(١) "والنساء" من (ف).
(٢) في (ر): "من"، وفي (ف): "في".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٢).
[ ٧ / ٣٦٢ ]
زادوكم قوةً، ولكن أوقعوا فسادًا بالتجبين والتهويل من الكفار، وترديدِ الرأي، وتزيينِ الأمر لفريق وتقبيحِه عند فريق (^١) ليختلفوا بتفرق كلمتهم لا ينتظم أمرهم.
وقال مُرَّة الهَمْداني: ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾؛ أي: غشًّا (^٢).
وقال يمان بن رِئابٍ: إلا مكرًا (^٣).
وقال عبد الرحمن بن زيد: إلا شماتةً بكم (^٤).
وقال عطاء: إلا ضعفًا وجُبنًا (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: هي لام القسم، وأَوْضَعَ تعديَةُ وَضَع؛ أي: أسرع، قال الشاعر:
يا ليتني فيها جَذَعْ أخُبُّ فيها وأَضَعْ (^٦)
ومفعوله مضمَرٌ؛ أي: ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ الإبلَ ﴿خِلَالَكُمْ﴾؛ أي: فيما بينكم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ [النمل: ٦١]؛ أي: لحثُّوا الإبل مسرعين فيما بينكم في النميمة وإفساد ذاتِ البَين والتخليط.
وقوله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: أي: يطلبونكم، والفتنة: المحنة، وأصله: إخراج خَبَث الذهب بالنار.
_________________
(١) في (ر): "وتقبيحه لفريق".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٦٥).
(٣) المصدر السابق.
(٤) الذي رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٨٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٠٧)، عن ابن زيد يفيد أن المعنى على قوله: إلا تخذيلًا.
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٦٥) عن ابن عباس.
(٦) البيت لدريد بن الصمة. انظر: "ديوانه" (ص: ٩٣)، و"السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٤٣٩).
[ ٧ / ٣٦٣ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الفتنة الشرك (^١)، ويحتمِل القتلَ وإدخالَ الفشل والجبنِ فيهم.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: يحتمِل: ولأَدْخلوا رواحلَهم بينكم حتى لا يصيبَهم الأذى، كانوا يتستَّرون بالمسلمين لئلا يصيبَهم البلاء والشدة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: قال قتادة: أي: وفي عسكركم مَن يسمع قولَهم (^٣) اغترارًا بظاهر أحوالهم في التنصُّح (^٤) للمسلمين، فينصرفُ عن القتال فيقتدي به غيرُه فيرجع.
وقال مجاهد وجماعة: وفيكم جواسيسُ للمنافقين ينقلون إليهم منكم ما يسمعون فيكم (^٥).
وقال قتادة (^٦): وفيكم من المؤمنين أهلُ محبةٍ لهم يطيعونهم ويقبَلون قولهم لشرفهم فيهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: أي: المنافقين، فيكشف لكم عن مكنون سرائرهم لتحذَروهم.
_________________
(١) في (أ): "يحتمل الفتنة الشرك"، وفي "التأويلات": (قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه).
(٢) في (ر): "الأذى والشدة". والمثبت من باقي النسخ و"التأويلات". انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٨١ - ٣٨٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٨٦).
(٤) في (ف): "التنصيح".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٨٦) بلفظ: (يُحَدِّثون بأحاديثكم، عيونٌ غيرُ منافقين).
(٦) كذا قال، وهذا القول مذكور في المصادر عن ابن إسحاق. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٥٠)، "تفسير الطبري" (١١/ ٤٨٦)، و"البسيط" (١٠/ ٤٧٤).
[ ٧ / ٣٦٤ ]
وقيل: أي: عليمٌ بمن يوجِّه أفعاله عن (^١) وجوهها ويضعُها غيرَ موضعها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا عن جهلٍ أَمهَلهم على ما هم عليه، لكنه أخَّرهم ليومٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٢] (^٢).
وقال القشيري ﵀: أَخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن سابق علمه فيهم، وذكَر ما عَلِم أنه لا يكون أنه (^٣) لو كان كيف كان يكون.
وقال: لو ساعدوكم في الخروج لكان يَلحقُكم من سوء سيرتهم في التضريب بينكم والنميمةِ فيكم والسعي فيما يسوؤكم أكثرُ مما ينالكم بتخلُّفهم من نقصان عددكم، ومَن ضرُّه أكثرُ مِن نَفْعه فعَدَمُه خيرٌ مِن وجوده، ومَن لا يَظهر مِن حضوره غيرُ شروره فتخلُّفُه خيرٌ من حضوره (^٤).
* * *
(٤٨) - ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾: في الوقائع، منها في حرب الخندق بقولهم: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]، وفي حرب أحدٍ بانصراف ابن أبيٍّ بأصحابه وهم ثلاثُ مئة، وبقي النبيُّ -ﷺ- في أصحابه وهم (^٥) سبعُ مئة، وقد
_________________
(١) في (ف) و(أ): "غير".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٨٢).
(٣) في (ف): "وأنه"، وفي "اللطائف": (أنْ).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٢).
(٥) "أصحابه وهم" ليس في (أ).
[ ٧ / ٣٦٥ ]
مرت القصة، وليلةَ العقبة (^١) بإلقاء شيء بين قوائم ناقةِ النبيِّ -ﷺ- بالليل حتى تَنْفرَ وتُلقيَ النبيَّ -ﷺ-، ووقوف اثني عشرَ منافقًا ليلتئذٍ على الثنيَّة ليَفتكوا بالنبيِّ -ﷺ- وأخبره اللَّه تعالى بذلك (^٢)، وبتجبين المؤمنين في الغزوات.
وقوله تعالى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: أي: صرَّفوا (^٣) فيك الآراء والحِيَل.
وقيل: بغَوا لك الغوائل.
وقيل (^٤): قد مكَروا بك ليُثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: الإسلام ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: كثُر المؤمنون، وقيل: أي: نصَرهم (^٥) اللَّه ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ أي: المنافقون كارهون ظهورَ الدِّين ونصرَ المسلمين.
وقيل: قوله (^٦): ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلِ أن (^٧) يَقْوَى أمرك ويكثُرَ أنصارك لم ينفذ لهم فيك شيءٌ، فكيف اليوم وقد ظهرت قوتُك وكثرت شيعتُك؟
وقال محمد بن إسحاق: لمَّا خرج النبيُّ -ﷺ- إلى تبوك ضربَ عسكره على ثنيةِ الوداع، وضرب عبد اللَّه بن أبيٍّ عسكره أسفلَ منه على [حِدَةٍ بحذاءِ ذُبابٍ] جبلٍ
_________________
(١) ليست هذه العقبة المشهورة في بيعة الأنصار للنبي -ﷺ-، لكنها قصة أخرى ستأتي في هذه السورة.
(٢) هي قصة العقبة السابقة وستأتي في هذه السورة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾.
(٣) في (ف): "وضربوا".
(٤) "قيل" من (أ).
(٥) في (ف): "نصر".
(٦) في النسخ: "قولهم"، والصواب المثبت.
(٧) "من قبل أن" ليس في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٣٦٦ ]
بالجبانة (^١) أسفلَ من ثنية الوداع، فلما سار رسول اللَّه -ﷺ- تخلَّف ابن أبيٍّ، وعبد اللَّه ابن نبتلٍ، ورِفاعةُ بن التابوت، وأبو زيد (^٢)، وأوس بن قيظيٍّ وجماعةٌ من عظمائهم فنزلت هذه الآية (^٣).
* * *
(٤٩) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾؛ أي: ومن المنافقين مَن يقول: ﴿ائْذَنْ لِي﴾ في التخلُّف ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾؛ أي: ولا تُوْقِعني في الفتنة؛ أي: الكفر.
﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾: أي: قد وقعوا في الكفر قبل هذا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: مشتمِلةٌ عليهم لا يخرجون منها.
وقيل: أي: جامعةٌ للمنافقين وسائرِ الكافرين؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
وقال محمد بن إسحاق: قال النبيُّ -ﷺ- لجدِّ بن قيس المنافقِ: "هل لك في جِلَاد بني الأصفر؟ " يعني: الروم، فقال: يا رسول اللَّه، ائذَنْ لي ولا تفتنِّي، فواللَّه قد
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "تفسير الطبري" و"تاريخه"، وفي "السيرة": (على حدة نحو ذباب).
(٢) في (ر): "وأخو زيد"، ولم يرد في كتابي الطبري، وفيهما: ورفاعة بن زيد بن التابوت أخو بني قينقاع. ومن قوله: "وعبد اللَّه بن نبتل. . . " إلى آخر الخبر لم يرد في "السيرة".
(٣) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥١٩)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٢٨٥ - ٢٨٦) تحقيق محمود شاكر، و"تاريخ الطبري" (٢/ ١٨٢)، ونزول الآية في هذه القصة لم يذكره ابن هشام في "السيرة" عن ابن إسحاق، لكن رواه الطبري من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري.
[ ٧ / ٣٦٧ ]
عرفَ قومي ما رجلٌ أشدَّ عُجْبًا بالنساء منِّي، وإني أخشى إن رأيتُ نساء بني الأصفر ألَّا أصبرَ عنهن! فأَعرض عنه رسول اللَّه -ﷺ- وقال: "قد أذنتُ لك"، ونزلت الآية (^١).
وقيل: أراد بالفتنة الردَّةَ إذا دعَوه (^٢) إلى النصرانية.
وقيل: أراد به: إنَّا عسى أن نُواقعهنَّ قبل القسمة فوقعنا في الفتنة؛ أي: الإثم.
وقيل: أراد به: إنَّا نشتغل بهنَّ ونُفتَتنُ بهن فيشغلُنا ذلك عن طلب المعاش وعن الخروج للجهاد.
وأيَّ ذلك أراد لم يَعذره (^٣)، وبيَّن أنه قد وقع في الفتنة لمخالفة النبي -ﷺ-.
قال أبو العالية: كان الأصفرُ رجلًا من الحبشة ملَك الروم فوُلدت له بناتٌ لُعْسٌ (^٤) لم يُرَ مثلُهن في الحسن.
وقال الإمام القشيري ﵀: أَبرَزَ القوم قبيحَ فعالهم (^٥) في مَعرِض
_________________
(١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٥/ ٥١٦)، و"تفسير الطبري" (١١/ ٤٩٢)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٠٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨). وقد رواه ابن إسحاق ومن طريقه الطبري عن الزهري وجماعة من أشياخه مرسلًا، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٠٩) متصلًا من طريق بن إسحاقَ ثنا سعيدُ بنُ عبد الرحمن بنِ حسانَ بنِ ثابتٍ عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعْتُ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- يقول لجَدِّ بنِ قيسٍ. . فذكره. ورواه بنحوه الطبراني في "الكبير" (١٢٦٥٤) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده يحيى الحماني وهو ضعيف كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٠).
(٢) في (ف): "دعونه".
(٣) في (أ) و(ر): "لم يُعذر".
(٤) جمع لعساء، وهي التي في لونها أدنى سواد مشربة من الحمرة. انظر: "القاموس" (مادة: لعس).
(٥) في (ر): "قبح أفعالهم".
[ ٧ / ٣٦٨ ]
التحرُّج (^١)، وراموا التلبيسَ على رسول اللَّه -ﷺ- وعلى المؤمنين سوءَ سيرتهم وخبثَ سريرتهم، فبيَّن اللَّه تعالى أن الذي فرُّوا منه بزعمهم سقطوا فيه بفعلهم (^٢).
* * *
(٥٠) - ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾: أي: إنْ تنَلْك غنيمةٌ ونصرٌ وعافية (^٣) كما كانت يوم بدر يحزُنهم ذلك؛ أي: هؤلاء المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾: أي: نكبةٌ وهزيمةٌ، وقيل: كما كانت يوم أحد.
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: قد كنَّا أخذنا حِذْرنا واحتَطْنا لأنفسنا بالتخلُّف عنهم، وأخذنا أمرنا بالوثيقة.
﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورون بما أصاب المسلمين.
* * *
(٥١) - ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾: قال الكلبي: أي: قل يا
_________________
(١) في (ر): "التحريج"، وفي (ف): "التخريج"، وفي مطبوع "اللطائف": (التخرج)، والمثبت من (أ) ولعل المراد به: ادعاء المَحرج إزاء بنات بني الأصفر للهروب من الخروج.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٣).
(٣) في (ر): "ونصرة وعافية"، وفي (ف): "ونصر وعاقبة".
[ ٧ / ٣٦٩ ]
محمد لهؤلاء المنافقين: لن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا في اللوح المحفوظ (^١).
وقال الضحاك: إلا قضاءُ (^٢) اللَّه تعالى وقدرُه علينا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: إلا ما جاء به القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾؛ أي: مالكُنا ونحن عبيدُه.
وقال الكلبي: هو ناصرُنا على عدونا (^٤)، وفي رواية عنه قال: هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة (^٥).
وقيل: هو وليُّنا.
وقيل هو متولِّي أمورنا وكافينا (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: فلْيَثِقْ به الموحِّدون.
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا علم العبد أن ما أصابه فبإرادةِ مولاه سقط عن قلبه ما يهواه، واشتغل بروحِ رضاه، وعذُبَ عنده ما صعُبَ من بلواه، وأنشدوا في معناه:
إن كان يرضيكمُ مرضاةُ حاسدِنا (^٧) فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ
_________________
(١) انظر: "البسيط" (١٠/ ٤٨٠).
(٢) في (أ): "قضاه" وفي (ف): "قضاء" بدل: "إلا قضاء".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٨٦).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٨٢) عن ابن عباس، فلعله مما روي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٥٣).
(٦) في (ر): "وكفايتنا". والكلام من قوله: "وقوله تعالى: ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ " إلى هنا سقط من (أ).
(٧) في "اللطائف": (إن كان سركم ما قال حاسدنا).
[ ٧ / ٣٧٠ ]
وقال: شهودُ جريانِ التقدير يخفِّف على العبد كلَّ عسير.
وقال: أول التوكُّل الثقةُ بوعده، ثم الرضا باختياره، ثم نسيان أمورك بما يغلب على قلبك من أذكاره.
وقال: بداية التوكُّل سكونُ السرِّ عند حلول الأمر، ونهايتُه التفويضُ وهو استواءُ الحلو والمرّ والنعمة والضرّ (^١).
* * *
(٥٢) - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: ﴿هَلْ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي، والتربُّص: الانتظار، و﴿الْحُسْنَيَيْنِ﴾: تثنيةُ الحُسنى، والحُسنى تأنيثُ الأحسن، والأحسنُ تفضيلُ الحسَن، وأريد به نعتُ الحالتين أو الخصلتين.
ومعناه: قل يا محمد: ما تنتظِرون يا معشر المنافقين بنا إلا واحدةً من خَصلتين، وكلُّ واحدة منهما نهايةٌ في الحُسن غايةٌ فيما يُحمد في العاقبة (^٢)، وهي الغنيمة أو الشهادة، فليس مما يجري علينا من جهتكم موضعُ شماتة.
قال الكلبي: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: النصر أو الشهادة.
وقال ابن عباس ﵄: أي: إمَّا أن ثُقتلَ ففيه الحياةُ والرزقُ، وإمَّا أن نَغْلِب فيؤتيَنا اللَّه أجرًا عظيمًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٣ - ٣٤).
(٢) في (أ): "من العافية".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٩٧).
[ ٧ / ٣٧١ ]
وقال الحسن: هي الغنيمةُ في الدنيا والجنةُ في الآخرة.
وقال ابن كيسانَ: شهادتُنا، أو إسلامُكم بدعوتنا.
وقال الإمام أبو القاسم بن حبيب: سألني بعضهم: كيف قال: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ والمؤمن ينتظِر كلتا الحسنيين: الفتحَ في الدنيا والثوابَ في الآخرة بوعدِ اللَّه تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى قوله: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]؟
فقلت: هذا خطاب المنافقين، وكانوا يتربَّصون بالمؤمنين أحدَ الأمرين: إما أن يُنصروا، وإما أن يُقتلوا، فأَخبر أنهم إن غَلبوا كانت لهم حُسنى وإن غُلبوا فكذلك، وأما المؤمنُ فإنه ينتظر في الجهاد كلتا الحسنيين.
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: قال ابن جريج: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: الموت ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: القتل (^١).
وقال الكلبيُّ: ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ مما (^٢) أصاب الأممَ الخالية (^٣)، وبما شاء اللَّه من العذاب والنقمة ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: بالسيف.
وقال ابن كيسان: ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ (^٤) فيعاقبَكم في الدنيا في أنفسكم وفي الآخرة بالنار ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم (^٥).
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾: قال الكلبيُّ: أي: انتظِروا هلاكنا فإنا ننتظر هلاككم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٩٧) من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﵄، وهو منقطع.
(٢) في (أ): "بما".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٨٥) بلفظ: (كما أصاب. . .).
(٤) في (أ) و(ف): "بعذاب اللَّه من عنده".
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٨٥).
[ ٧ / ٣٧٢ ]
وقال الحسن: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ مواعيد الشيطان، فإنه كان يمنِّيهم موتَ النبيِّ -ﷺ-؛ قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ مواعيدَ اللَّه من إظهار دينه واستئصال مَن خالفه (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: إن ظفرنا بكم فنصرٌ وغنيمة، وإعزازٌ للدِّين ورفعة، وإن قُتلنا فشهادةٌ ورحمة، ورضوانٌ من اللَّه وزلفة، وإن أصابتنا هزيمةٌ ونكبة، فذلك سبب لنيل الأجر والمثوبة، فإذًا لا يستقبلنا إلا ما هو حسن ونعمة (^٢)، وأما أنتم فإنْ ظفرنا بكم فتعجيلُ ذلٍّ لكم ومحنة (^٣)، وإن قُتلتم فعقوبةٌ من اللَّه وسَخطة، وإن كانت لكم اليدُ في الحال فخذلانٌ من اللَّه وتخلية، وسببُ زيادة عذابٍ ونقمة (^٤).
* * *
(٥٣) - ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: ﴿أَنْفِقُوا﴾ أمرٌ صيغةً ومعناه الشرط؛ كقول الشاعر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مَقْليَّة إنْ تَقَلَّتِ (^٥)
كأنه قال: إن أسأتِ أو أحسنتِ لا (^٦) تلامي، فكذا هذا: إن أنفقتُم طوعًا بالاختيار
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٥٣)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٤٨٥).
(٢) في (ر): "إلا ما هو حسنى".
(٣) في (ر) و(ف): "فتعجيل ذلك لكم"، وفي "اللطائف": (فتعجيل لذلِّكم ومحنة).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٤).
(٥) البيت لكنَير عزة، وهو في "ديوانه" (ص: ٨٠)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٤١)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٥٠٦).
(٦) في (أ): "لن".
[ ٧ / ٣٧٣ ]
أو كرهًا بالإجبار لن يُتقبل منكم؛ لأنكم كنتم في القِدَم (^١) فاسقين منافقين خارجين عن الطاعة والإخلاص، وإنما يتقبل اللَّه من المتقين، وطوعُ المنافق لا يكون لرجاء ثواب اللَّه ولطلب رضا اللَّه، لكن ما يفعله بطبعه فهو من طوعه، وكرهُه ما يُطلب منه ويُجبر عليه.
وقال ابن عباس ﵄: نزلت في جَدِّ بن قيس حيث قال: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ وأُعِيْنُك بمالي، فنزلت هذه الآية (^٢).
وقال القشيريُّ ﵀: المردود لا يُقبل منه توسُّلٌ، ولا يغيِّر حكمَ شقاوته تكلُّفٌ ولا تعمُّل.
وقيل: تقرُّبُ العدو يُوجب زيادة المقت، وتحبُّبُ (^٣) الحبيب يُوجب زيادةَ العطف، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (^٤).
* * *
(٥٤) - ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: (مَنَع) يتعدَّى إلى مفعولين، تقول: منعتُ زيدًا مرادَه، وها هنا أحدُ المفعولين: هم، والثاني: ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾
_________________
(١) في (ف): "القديم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٩٩) من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﵄، وهو منقطع.
(٣) في (ر) و(ف): "وتحية"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٤).
[ ٧ / ٣٧٤ ]
لأنه في معنى المصدر، وتقديره: وما منع المنافقين قبولَ نفقاتهم في سفرهم معك وفي غير ذلك طوعًا أو كرهًا إلا كفرُهم باللَّه وبرسوله، وهو رفعٌ لأنه فاعل.
وكما لا تُقبل نفقاتهم لا تُقبل صلاتهم لكفرهم، وهم لنفاقهم لا يأتونها إلا متثاقِلين؛ لأنَّهم لا يرجون بأدائها ثوابًا ولا يخافون بتركها عقابًا، ولا ينفقون شيئًا إلا على كراهةٍ منهم.
ثم ذمُّهم على الكسل مع أنه لا صلاةَ لهم ذمٌّ على النفاق الذي يَبعث على الكسل، وفَقْدِ الإيمان الذي يَبعث على النشاط.
وقال الإمام القشيري ﵀: فقَدوا الإخلاص في أعمالهم فعَدِموا الاختصاصَ في أحوالهم، وحُرِموا الخلاص في عاجلهم ومآلهم (^١).
* * *
(٥٥) - ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وقال ابن عباس ﵄ وقتادة: فيه تقديم وتأخير، فلا تعجبْك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها في الآخرة (^٢).
وقال الحسن: هي على نَظْمها، ومعناه: يعذبهم بها في الدنيا بأخذ الزكَوات منهم بغيرِ طيبةِ نفسٍ منهم، والإنفاق في سبيل اللَّه كذلك.
وقال [ابن] زيد: أي: بالمصائب (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٥).
(٢) "إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها في الآخرة" ليس في (ف).
(٣) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٠ - ٥٠١).
[ ٧ / ٣٧٥ ]
وقيل: أي: بكونهم مكظومين، وقد غصُّوا (^١) بما يُضمِرونه من النفاق ويَرَونه من علوِّ المسلمين عليهم، ولا سبيل لهم إلى إظهار ما في نفوسهم (^٢).
ومعنى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾؛ أي: أن يعذِّبهم.
وقيل: فيه إضمار: إنما يريد اللَّه أنْ يمليَ لهم فيها ليعذِّبهم (^٣)، وإنْ حُملت الآية على المشركين فتعذيبُهم في الدنيا قد يكون بالسبي والاستغنام.
وقوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾: أي: تخرجَ أرواحهم ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾؛ أي: حالَ الكفر.
وقيل: ﴿تَزْهَقَ﴾: تذهب، قال تعالى: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١].
وقيل: تَهْلِكَ، قال تعالى: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾؛ أي: هلك.
ودلَّت الآية على إبطال القول بالأصلح؛ لأنَّه أخبر أن إعطاء المال والأولاد إياهم للتعذيب والإماتةِ على الكفر.
ودل قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ على إرادة اللَّه أفعالَ العباد كلَّها خيرَها وشرَّها؛ لأن إرادة العذاب إرادةُ ما يعذَّب عليه.
* * *
(٥٦) - ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: أي: على دينكم وطريقتكم ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: على دينكم الإسلام ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أي: يخافونكم
_________________
(١) في (ف) و(أ): "عصموا".
(٢) في (أ): "أنفسهم".
(٣) "ليعذبهم" من (ر).
[ ٧ / ٣٧٦ ]
على أنفسهم إن صرَّحوا (^١) لكم بما في قلوبهم، فلذلك يحلِفون إنهم لمنكم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [المجادلة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤].
* * *
(٥٧) - ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: حِرزًا. وقال قتادةُ: أي: حِصنًا (^٢).
وقال عطاءٌ: مَهْربًا (^٣).
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: جمع مغارة، قال ابن عباس ﵄: أي: غيرانًا (^٤)، جمع غارٍ، والغار: الثَّقب الواسع في الجبل.
وقيل: المغارة: المدخلُ الساتر، وقيل: المغارات: المكامِن التي يُتوارى فيها.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾: مفتعلًا من دخل، وهو موضع الدخول.
وقال ابن عباس ﵄: أي: سَرَبًا (^٥)، وقال الضحاك: مأوًى (^٦).
وقوله تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾: أي: وجوههم (^٧).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أن يصرحوا".
(٢) روى القولين الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٤).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٥٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٥٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٤).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٤).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٥٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٥٩).
(٧) "أي: وجوههم" ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٣٧٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: أي: يُسرعون لا يردُّهم شيءٌ، من الفَرَس الجَموح الذي لا يردُّه اللِّجام.
يقول: يحلفون لكم إنهم لمنكم كاذبين خوفًا من القتل؛ لتعذُّر خروجهم من بلادكم، ولو استطاعوا ترك دورهم وأموالِهم والالتجاءَ إلى بعض الحصون أو الغِيران -أي: المواضع التي تسترهم عن رؤيتكم- لفعلوه استثقالًا لكم وتكرُّهًا للقائكم.
وقال ابن كيسان: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ قويًا (^١) يأمنون فيه، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: غيرانًا يَسْتَخْفون فيها ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ في أهل حربكم لا ينالهم منكم ما يخافون من القتل والأسر، لأسرعوا إلى واحد من الثلاثة ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: يركبون رؤوسهم لا يَلْوون على شيء (^٢).
قال الإمام القشيري ﵀: إن المُماذق (^٣) في الخُلة ينسلُّ عن سِلكها بأضعف خَلَّة (^٤)، إن وجد مهربًا آوى إليه، وإن أمل نيلَ ما يعلَّل به انتهزه واتَّكل عليه (^٥).
* * *
(٥٨) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.
_________________
(١) "قويًا" زيادة من (أ).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٣/ ٤١١) (ط: دار التفسير)، و"البسيط" (١٠/ ٤٩٧).
(٣) في (ف) و(أ): "المتمارق"، وفي (ر): "الممارق"، والمثبت من "اللطائف". والمماذق: الذي لا يخلص في وده.
(٤) الخلة بالضم: الصداقة، وبالفتح: الحاجة.
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٦).
[ ٧ / ٣٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾: قرأ الحسن والأعرج وسهل ويعقوب: ﴿يَلْمُزُكَ﴾ بضم الميم (^١)، وقرأ القرَّاء (^٢) بكسرها وهما لغتان.
وقال الحسن: أي: يَعيبك (^٣).
وقيل (^٤): اللمزُ: العيب مُسَارَّةً، والهمز: العيب مجاهَرةً؛ قاله الزجَّاج (^٥)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.
وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾؛ أي: يَطعن عليك (^٦).
وقال عطاء: أي: يغتابك (^٧).
أي: ومن المنافقين مَن يعيبك في إعطاء الصدقات أهلَها، فيقول: إن محمدًا يفرِّق الصدقات على شهوته، فيعطي مرة ويَحْرِم مرة أخرى، ويعطي واحدًا ويَحْرِم آخر، ويعطي الأغنياء المؤلَّفةَ قلوبهم ويمنع الفقراء، فيَلمزك لجهله بمواضع الأحكام.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾: أي: إن
_________________
(١) انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٩) عن يعقوب. و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٥٦) عن الحسن والأعرج وأبي رجاء وسلام ويعقوب.
(٢) في (ف): "وعامة القراء" بدل: "وقرأ القراء".
(٣) انظر: "البسيط" (١٠/ ٥٠٠) عن الكلبي.
(٤) كلمة: "قيل" من (أ)، وفي (ر): "قال"، وليست في (ف).
(٥) في النسخ: "وقال الزجاج"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٥٦). وظاهر كلامه اختيار عدم الفرق بينهما، وكذا في تفسير سورة الهمزة (٥/ ٣٦١).
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٩١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٦).
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٥٦) عن عطاء، و"البسيط" (١٠/ ٥٠٠) عن عطاء عن ابن عباس.
[ ٧ / ٣٧٩ ]
أعطاهم النبيُّ ﵇ منها ما أرادوا رضُوا وذكروه بالجميل وأثنوا عليه، وإن لم يعطهم منها غضبوا منه وطعنوا عليه.
قال أبو سعيد الخدري ﵁: بينا رسول اللَّه -ﷺ- يقسم مالًا إذ جاءه ابن أبي الخويصرة -وهو حُرقوصُ بن زهير- التميميُّ عظيم من عظماء المنافقين، فقال: اعدل يا رسول اللَّه، قال: "ومَن يَعدِلْ إن لم أعدلْ؟! " فقال عمر ﵁: ائذن لي أضربْ عنقه، فقال: "دَعْه، فإن له أصحابًا يَحْقِر أحدكم صلاته في صلاتهم، وصيامَه في صيامهم، يَمْرُقون من الدِّين كما يمرُق السهم من الرميَّة، وآيتُهم رجل أسودُ ذو ثدية مثل ثدي المرأة تَدَرْدَرُ (^١)، يخرجون على فترة من الناس"، قال أبو سعيد ﵁: سمعتُ هذا من رسول اللَّه -ﷺ-، وأشهد أن عليًّا حين قتلهم (^٢) جيء بالرجل على النعت الذي وَصف رسول اللَّه -ﷺ- (^٣).
وروي أنَّ هذا الطاعن كان رجلًا غائر العينين كثَّ اللحية مشرِفَ الجبهة، فقال لرسول اللَّه -ﷺ-: اعدل فإنك لم تعدل! فقال ﵇: "لا تأمنوني وأنا أمينُ ربي؟ " ثم قال: "يخرجُ من ضئضئ هذا قومٌ يقرؤون القرآن يقتلون أهل الصلاة" (^٤).
ولما خرج قال النبي ﵇: "مَن يقوم إلى هذا فيقتله؟ " فقال أبو بكر ﵁: أنا يا رسول اللَّه فذهب فوجده قائمًا في الصلاة، فرجع وقال:
_________________
(١) قوله: "ذو ثدية مثل ثدي المرأة تَدَرْدَرُ" كذا في النسخ، ولفظ الصحيحين: "إحدى عَضُدَيْه مِثْلُ ثَدْي المرأة، أو مثلُ البَضْعَة تَتَدَرْدَرُ"، وفي رواية للبخاري: "إحدى يديه. . . "، والباقي كالأولى، وفي أخرى: "إحدى يديه -أو قال: ثَدْيَيْه- مثلُ ثَدْي المَرأة، أو قال: مِثْلُ البَضْعة تَدَرْدَرُ". والبَضعة: القطعة من اللحم، وتدردر: تضطرب وتذهب وتجيء.
(٢) قوله: "قتلهم" كذا في رواية للبخاري، وفي باقي روايات الصحيحين: "قاتلهم".
(٣) رواه البخاري (٣٦١٠) و(٦١٦٣) و(٦٩٣٣)، ومسلم (١٠٦٤/ ١٤٨).
(٤) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤/ ١٤٣) من حديث أبي سعيد ﵁.
[ ٧ / ٣٨٠ ]
يا رسول اللَّه، وجدته في القيام، وقال ﵇: "مَن يقتله؟ " فقال عمر ﵁: أنا، فذهب فوجده في الركوع، فقال: لم يقتله الصدِّيق في القيام فكيف أقتلُه في الركوع؟ فرجع فقال: يا رسول اللَّه وجدتُه في الركوع، ثم أعاد رسول اللَّه -ﷺ- ذلك فقال عثمان ﵁: أنا أقتلُه، فذهب فوجده في السجود فقال: إن أبا بكر وعمر لم يقتلاه بالقيام والركوع فكيف أقتلُه في السجود؟ فرجع فأعاد رسول اللَّه -ﷺ- الكلام، فقال عليُّ ﵁: أنا أقتلُه، فقال ﵇: "تقتلُه إن وجدتَه" فلم يجده فرجع، فقال ﵇: "قد قلتُ إنك لا تجده، لكن هلاكه يكون على يديك"، وكان كذلك، وقتل فيمَن خرج بالنَّهْرَوَان ذلك على عهد عليٍّ ﵁ (^١).
* * *
(٥٩) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: أي: ما آتاهم رسول اللَّه فإنه يؤتَى بأمر اللَّه، قال ﵇: "اللَّه المعطِي وأنا القاسمُ" (^٢)، وقال ﵇: "والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئًا ولا أمنعُكم، إنما أنا خازن" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: أي: كافينا ورازقُنا من حيث شاء، فيعطينا كفايتَنا وإن تأخَّرت.
وقوله تعالى: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: فما آتاه فهو فضلٌ منه سواءٌ كان بكسب العبد أو بغير كسبه.
_________________
(١) لم أجده.
(٢) رواه البخاري (٣١١٦) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٦) عن قتادة مرسلًا.
[ ٧ / ٣٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: سيؤتينا رسوله بأمره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾: أي: في توسعة أرزاقنا علينا من حيث نشاءُ، وفي آخره مضمرٌ؛ أي: لكان خيرًا لهم، وهو أبلغ من الذكر؛ لأن النفْس تذهب فيه كلَّ مذهبٍ والذِّكر يَقصُره على ما ذُكر دون غيره.
وقال الإمام القشيري ﵀: لو وقف القوم مع اللَّه بشرطِ الرضا لآتاهم (^١) فنون العطاء، ولو حفظوا مع رسوله الأدبَ لسُعِدوا بوجدان الأَرَب من غير معاناة تعبٍ ولا مقاساةِ نَصَبٍ، لكنهم عرَّجوا في أوطان الطمع فوقعوا في الذل والحَرَب (^٢).
* * *
(٦٠) - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾: بيَّن مصارفَ الصَّدقات في هذه الآية، وردَّ على (^٣) مَن عاب النبيَّ -ﷺ- في صرف الصدقات إلى حيث كان يصرف وأعلم أن اللَّه عزَّ وعلا أمره بذلك، وأن الذين كانوا يطمعون فيها لم يكونوا مستحقِّيها فإنهم كانوا أغنياء، واللَّه تعالى جعل مصارفها للفقراء، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ وليست اللام دلالةَ الملك بينهم بالسويَّة فإنهم مجهولون، والمجهولون لا يَصْلُحون للاستحقاق بطريقِ الملك، بل هي لبيان أن الصرف لهم
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": (بسر الرضا لأتتهم).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٧).
(٣) "على" ليست في (أ).
[ ٧ / ٣٨٢ ]
دون غيرهم؛ كما يقال: الخلافة لبني العباس، وميراثُ فلان لقرابته؛ أي: ليست لغيرهم، لا أن تكون بينهم بالسويَّة (^١).
ثم الفقرُ هو شدةُ الحاجة، والمسكنةُ في معناه، لكنْ تدلُّ على انكسار صاحبها وتَذَلُّلِهِ، فإن المسكين عند الناس اسمٌ للمرحوم، والمغايرةُ في الاسم تدلُّ على نوعِ تفاوتٍ.
واختُلف في أن الفقير أضعف حالًا أم المسكين؟
قال فقهاء العراق أبو حنيفة وغيرهم رضوان اللَّه عليهم: الفقير: الذي لا يَسأل؛ لأن عنده ما يكفيه للحال، قال الشاعر (^٢):
أما الفقيرُ الذي كانت حَلوبَتُه وَفْقَ العيال فلم يُترك له سَبَدُ (^٣)
والمسكين أضعفُ حالًا منه، وهو الذي يَسأل لأنه لا يجد شيئًا، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ أي: لَصِق بالتراب لقُربه.
وهو قول عامَّة السَّلف، وهو اختيار يونسَ البَصري وأبي العباس ثعلبٍ الكوفي.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ والحسنِ وجابر بن زيد والزهريِّ ومجاهدٍ: أن الفقير المتعفِّفُ الذي لا يَسأل، قال اللَّه تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، والمسكين
_________________
(١) في (أ): "بالتسوية".
(٢) "قال الشاعر" من (ف).
(٣) البيت للراعي النميري، وهو في "ديوانه" (ص: ٦٤)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٥٨)، و"البسيط" (١٠/ ٥٠٣). السبد بالتحريك: القليل من الشَّعر، يقال: ما له سبد ولا لبد؛ أي: لا قليل ولا كثير. انظر: "القاموس" (مادة: سبد).
[ ٧ / ٣٨٣ ]
الذي يَسأل (^١)، وقد بينَّا أن المسألة تشيرُ إلى المذلَّة وهي ظاهرة (^٢) في المسألة.
وقال الشافعي ﵁: الفقير أضعف حالًا (^٣)؛ لأن الاسم من كَسْرِ الفَقَار، وهو نهايةُ الاضطرار، وأما المسكين فهو الذي يَسكن قلبه إلى شيءٍ وهو معه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ﴾ [الكهف: ٧٩].
وقيل: الفقراء أهلُ الصُّفَّة، وكانوا لا يخرجون ولا يَسألون شيئًا ولا يملكون شيئًا، والمساكين هم الطوَّافون السائلون، ولذلك قال ﵇: "ليس المسكينُ الذي تردُّه اللُّقمة واللقمتان والتمرةُ والتمرتان، لكن المسكين الذي لا يَسأل الناس شيئًا، ولا يُفطَنُ لمكانه فيُتصدَّقَ عليه" (^٤)، وهو دليل على أنهم كانوا يطلقون هذا الاسم على السُّؤَّال الذين يُتصدَّق عليهم بالكِسَر واللُّقَم.
ورُويت عن السلف ألفاظٌ مختلفة في الصنفين:
قال جابر: الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين الذين (^٥) لم يهاجروا (^٦).
وقال الحسن: الفقير الجالس في بيت، والمسكين الذي يتتبع (^٧).
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٩ - ٥١٠)، وذكره عنهم الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٥٧)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٠١ - ٥٠٢).
(٢) في (ف): "وهذا ظاهره".
(٣) "حالًا" من (ف).
(٤) رواه البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) بعدها في (ر): "يتصدق عليهم بالكسر واللقم"، وليست في المصادر.
(٦) ذكره عن جابر بن عبد اللَّه الرازيُّ في "تفسيره" (١٦/ ٨٥)، ورواه أبو عبيد في "الأموال" (١٩٤١) عن ابن عباس ﵄، ورواه أبو عبيد أيضًا في "الأموال" (١٩٤٠)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠٥٩٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥١١) عن الضحاك، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٥٧) عن النخعي والضحاك.
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٩) بلفظ: (. . . والمسكين الذي يسعى).
[ ٧ / ٣٨٤ ]
وقال قتادة: الفقير الذي به زَمانةٌ، والمسكين الصحيحُ المحتاج (^١).
وقيل: الفقير الذي له دون النصاب، والمسكين الذي لا شيء له.
وقال عبد الرحمن بن أَبْزى: كان ناسٌ من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحج عليها ويغزو، وسماهم اللَّه تعالى فقراء، وجعل لهم سهمًا في الزكاة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: هم عمالُ الصدقات يُصرَف إليهم منها ما يكفيهم وأعوانَهم كَفافًا لا إسرافًا.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: هم قومٌ من رؤساء العرب أسلموا، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يتألَّفُهم على الإسلام ويستدنيهم (^٣) عليه، ويستدعي به إليه أتباعهم.
روى معمر عن يحيى بن أبي كثير أنهم من بني مخزوم: الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أمية: أبو سفيان بن حرب، ومن بني جُمَح: صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي: سهيل بن عمرو وحُويطب بنُ عبد العُزَّى بنِ أبي قيس (^٤)، ومن بني أسد بن عبد العُزَّى: حكيم بن حزام، ومن بني هاشم: أبو سفيان بن حارث بن عبد المطلب، ومن بني فَزارةَ: عُيينةُ بن حِصنِ بن حذيفة، ومن بني تميم: الأقرع بن حابس، ومن بني نصرٍ: مالك بن عوف، ومن بني سليم: العباس بن مرداس، ومن بني ثَقيفٍ: العلاء بن حارثة (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥١١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥١٢).
(٣) في (ف): "ويستديمهم".
(٤) في (أ): "وحويصب بن عبد المطلب"، وفي (ر) و(ف): "وحويطب بن عبد العزى بن عبد المطلب"، والصواب المثبت.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٠٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٢٠).
[ ٧ / ٣٨٥ ]
ومنهم: عَدِيُّ بن حاتم الطائيُّ، والزِّبْرِقان بنُ بدر، وزيدُ الخيل، ومَخرمةُ بن نوفلٍ، وعُمير بن وَهْبٍ، وهشام بن عمرٍو، وقيس بن عديٍّ، وأبو السَّنابل بنُ بَعْكَكٍ، وعلقمة بن عُلاثةَ، وجدُّ بن قيس، وعمرو بن مرداس.
وقال الواقدي: قسَّم رسول اللَّه -ﷺ- غنائم الطائف وحنينٍ بالجِعْرانة، وكان غَنِمَ أربعة آلاف أوقيةٍ، فأعطى المؤلَّفة قلوبهم أولَ الناس، وجاءه أبو سفيان بن حربٍ وبين يديه الفضةُ، فقال: يا رسول اللَّه! أصبحت أكثر قريش مالًا، فتبسَّم رسول اللَّه -ﷺ-، فقال أبو سفيان: أعطني من هذا المال يا رسول اللَّه، فقال: "يا بلال، زِنْ لأبي سفيان أربعين أوقيةً، وأعطه مئة من الإبل"، فقال أبو سفيان: ابني يزيدَ أعطه، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "زِنُوا ليزيدَ أربعين أوقية وأعطُوه مئةً من الإبل"، فقال أبو سفيان: واللَّه إنك لكريم، فداك أبي وأمي واللَّه لقد حاربتُك فنعم المحاربُ كنتَ، ثم سالمتُك فنعم المسالمُ أنت، جزاك اللَّه خيرًا.
وأعطى صفوان بن أمية مئةً من الإبل، وكان يطوف مع النبيِّ -ﷺ- يتصفَّح الغنائم إذ مرَّ بشِعبٍ فيه إبلٌ وغنم كثيرة من الغنائم (^١)، فجعل صفوان ينظر إليه متعجِّبًا، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أعجبكَ يا أبا وهب هذا الشِّعبُ؟ " قال: نعم، قال: "هو لك وما فيه"، قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفسُ أحد قطُّ إلا نبيٌّ، وأشهد أنك رسول اللَّه عليك السلام.
وأعطى عيينةَ بن حِصن مئةً من الإبل، والأقرعَ بن حابس مئةً من الإبل، والعباس بنَ مرداس خمسين من الإبل، فعاتبه في أبيات:
أتَجْعَلُ نَهْبي ونَهْبَ العُبَيَـ د (^٢) بين عُيينةَ والأقرعِ
_________________
(١) في (ف): "الغنيمة".
(٢) في هامش (أ): "العبيد: اسم فرس العباس بن مرداس".
[ ٧ / ٣٨٦ ]
وما كان حصنٌ ولا حابسٌ يفوقان مرداسَ في مَجمعِ
وما كنتُ دون امرئٍ منهما ومَن تضعِ اليومَ لا يُرفعِ
وقد كنتُ في الحرب ذا تُدرإٍ (^١) فلم أُعطَ شيئًا ولم أُمنَعِ (^٢)
فقال ﵇: "اقطعوا لسانه"، فهاب الناس، ثم أُعلموا أنه أراد به قطع كلامه بزيادة العطية، فأعطوه تمام (^٣) مئة من الإبل (^٤).
وكان رسول اللَّه -ﷺ- يعطيهم كذلك كلَّ سنة، فلما قبض رسول اللَّه -ﷺ- واستُخلف أبو بكر ﵁ جاؤوا يستبدلون منه الخطَّ (^٥) بذلك، فبذل لهم، فجاؤوا إلى عمر ﵁ وعرضوا عليه الخطَّ وطلبوا منه التقرير، فأخذ ذلك منهم ومزقه وقال: كان النبي -ﷺ- يتألَّفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعزَّ اللَّه الإسلام، فالإسلامُ أعز من أن يُرشى عليه، فإن ثبتُّم على الإسلام بغير رشوة وإلا فبيننا وبينكم السيف، فعادوا إلى أبي بكر وقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: هو إن شاء (^٦). فسقط سهم المؤلفة قلوبهم بإجماع الصحابة ﵃.
_________________
(١) أي: ذا دفع، من قولك: درأه، إذا دفعه.
(٢) روى هذه القطعة من الخبر -دون البيت الأخير- مسلم (١٠٦٠) من حديث رافع بن خديج ﵁.
(٣) "تمام" ليست في (أ).
(٤) انظر: "مغازي الواقدي" (٣/ ٩٤٤ - ٩٤٧).
(٥) في (أ): "مستبدلين منه الخطة".
(٦) رواه بنحوه البخاري في "التاريخ الأوسط" (١/ ٨١)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٢٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٠)، والخطيب في "الجامع" (٢/ ٣٠٤)، عن عبيدة السلماني، ورواه بنحوه أيضًا الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (٣٨٣) عن نافع.
[ ٧ / ٣٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: أي: المكاتَبين، يُعطَون شيئًا (^١) من الصدقات فيؤدُّون بها بدلَ الكتابة فينالون به العِتق.
وقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: أي: المديونينَ (^٢) الذين ليس لهم بعد قضاءِ الدَّين ما يقع به الغنى.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: الغزاةِ المحتاجين، وإن كانوا أغنياءَ بأموالهم خلَّفوها في بلدهم.
وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: أي: الغريبِ البعيد عن ماله.
وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أي: إيجابًا من اللَّه؛ أي: يُصرف إليهم ولا يصرف إلى غيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: أي: بمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: في أحكامه.
ثم عند الشافعي ﵁: لا بد أن يصرف إلى الأصناف السبعة -فقد سقط سهم المؤلفة قلوبهم- من كلِّ صنفٍ ثلاثةٌ تحقيقًا لمعنى الجمع.
وعندنا: إن صُرف إلى صنف واحد وإلى شخصٍ واحد جاز؛ لأنَّهم ذُكروا لبيان أسباب الحاجة، ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقال ﵇ لمعاذ بن جبلٍ ﵁: "خُذْها من أغنيائهم ورُدَّها في فقرائهم" (^٣)، فأَوجب الصرف إلى المحتاجين، ثم بيَّن بهذا
_________________
(١) "شيئًا" من (ر).
(٢) في (ر): "أي في الديون".
(٣) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٧ / ٣٨٨ ]
النصِّ أسباب الحاجة، فصاروا صنفًا واحدًا في التحقيق، وهو مذهبُ عامة الصحابة ﵃: عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعود وابنِ عباس وحذيفةَ وغيرِهم، وكذا قال جماعة من التابعين: سعيد بن جبير والضحاك وأبو العالية وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران (^١).
قال ابن عباس ﵄: أيَّ صنفٍ أعطيتَه من هذه الأصناف (^٢) جاز.
قال حذيفة: إن شئتَ جعلتَها في صنفٍ واحد (^٣) وإن شئتَ جعلتَها في صنفين.
وقال سعيد بن جبير: لو وضعتَها في صنفٍ واحد أجزأ عنك، ولو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراءَ متعفِّفين فجَبَرْتَهم (^٤) بها كان أحبَّ إليَّ (^٥).
وقال الإمام القشيري ﵀: الفقير الصادق عندهم: مَن لا سماءَ تُظِلُّه ولا أرضَ تُقِلُّه، ولا سِمةَ (^٦) تتناوله، ولا معلوم يَشغلُه، ولا علاقة تَقطعه، فهو عبدُ اللَّه باللَّه (^٧)، يُردُّ (^٨) إلى التمييز في أوان العبودية، وفي غير هذا الوقت مُصْطلَمٌ عن شواهده فانٍ عن أغياره.
_________________
(١) روى أقوال هؤلاء الأئمة من الصحابة والتابعين -عدا عليًّا والضحاك- الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٣١ - ٤٣٢).
(٢) "من هذه الأصناف" من (أ).
(٣) بعدها في (ر): "أجزى عنك".
(٤) في (أ) و(ر): "فخيرتهم"، والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري". والجبر: أن تغني الرجل من فقر.
(٥) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" وقد تقدم قريبًا تخريجها.
(٦) في (ف) و(أ): "سمة".
(٧) في (ف) و(أ): "عند اللَّه باللَّه". وفي مطبوع "اللطائف": (عبد باللَّه للَّه).
(٨) في "اللطائف": (يرده).
[ ٧ / ٣٨٩ ]
وقيل: الفقير: مكسور الفَقَار، فهو عندهم: مَن سقط اختيارُه، وتعطَّلت عنه ديارُه، واندرست في استيلاءِ مَن اصطَلَمه آثارُه، وكأنه لم يبق منه إلا أخبارُه، قال الشاعر:
أما الرُّسومُ فمُخْبِراتٌ أنهم رحَلوا قريبًا من جِوار المنزلِ (^١)
وأما المسكين: فهو الذي أسكنَتْه حالتُه بباب معبوده، لا يَبرح عن سدَّته، فهو معتكِفٌ بقلبه، لا يغفل لحظةً عن ربِّه، وهي مراتبُ الحاجة والفقر والمسكنة:
فذو الحاجة: مَن يرضى بدنياه وتسدُّ الدنيا فقره.
والفقير: الذي يكتَفي بعُقباه وتَجبُر الجنة فقرَه.
والمسكين: الذي لا يرضى بغير مولاه، لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفي.
* * *
(٦١) - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾: أي: ومن المنافقين قومٌ يؤذون النبيَّ ﵇.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يبيِّن بماذا يؤذونه؟ فيحتمِلُ أنهم كانوا يُؤذونه بتكذيبه وتركهم إجابتَه وطاعتَه، ويحتمِل أنهم يؤذونه بكلماتٍ يُسمعونه وطعنٍ يَطعنون به.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ قال أبو عَوسجةَ: هو الذي مَن قال له شيئًا
_________________
(١) "من جوار المنزل" من (ر)، وليس في (أ) و(ف) و"اللطائف".
[ ٧ / ٣٩٠ ]
سمعه، ومَن حدَّثه بشيء صدَّقه، والأُذن التي هي جارحة السماع كذلك، وكان النبيُّ -ﷺ- يستمع إلى كلام كلِّ مَن حدَّثه بشيء؛ لكرمه وشرفه ومجده وحُسن خلقه.
وقيل: أرادوا به أنه يقبل كلَّ عذرٍ صدقًا كان أو كذبًا، وكان النبيُّ ﵇ كذلك لكرمه وحُسن خلقه، فظن أولئك أنه إنما يقبله ويعاملُهم به لسلامة قلبه وصغر همته وقصور يده (^١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾: أي: أنا أذن خير لكم (^٢)، وهو إضافةُ الشيء إلى صفته كقوله: هو رجلُ خيرٍ؛ أي: قل يا محمد: إن الذي يقبل العذر خيرٌ ممن لا يقبله، فكيف تؤذونه وتعيبونه؟!
وقيل: إنه يسمع الخير ويَقبله دون الشر.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: أي: يصدِّقه ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ويصدِّق المؤمنين (^٣) بما شهدوا به عنده، فلا يَقبل (^٤) إلا ما ثبتَ صدقُه بإخبار اللَّه ﷿ عنهم فيما قالوا وليس عندهم أحد من المسلمين، أو بشهادة المؤمنين إذا قالوا ذلك بحضرتهم.
ولفظة الإيمان تعدَّى بالباء واللام، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦].
وقيل: كانوا يذكرون أشياء لو بلغه ذلك آذاه، فإذا قيل لهم: لا تفعلوا فإنه
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤١). وجاء في (ف): "ويعاملهم به ليس لسلامة قلبه بل لصغر همته. . "، والمثبت من باقي النسخ و"التأويلات".
(٢) "أي: أنا أذن خير لكم" من (أ).
(٣) في (ف): " ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: يصدق اللَّه ويصدق المؤمنين".
(٤) بعدها في (ر): "عنده".
[ ٧ / ٣٩١ ]
يبلغه الخبر، قالوا: نأتيه فنعتذر إليه فيصدِّقنا لأنه أُذنٌ، فقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإذا أخبره اللَّه تعالى بكذبكم أو شهد المؤمنون على قولكم لم يصدِّقكم.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾: أي: وأنا رحمةٌ لمن آمن منكم مع أنكم إذا أذَيْتُموني فيلزمُكم العذاب، فإذا آمنتُم بي فلكم الرحمةُ والثواب.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدارين.
قال ابن عباس ﵄: نزلت في خِذَام بن خالد، والجُلاس بن سويد، هاياس بن قيس، ومَخْشيِّ بن حميِّر (^١)، وسِمَاك بن زيدٍ، وعُبيد بن هلالٍ، ورِفاعةَ بن عبد المنذر (^٢): كانوا يقولون في رسول اللَّه -ﷺ- ما لا ينبغي، فقالوا: لا تفعلوا فإنَّا نخاف أن يبلغَه هذا فيوقِعَ بنا، فقال الجلاس: إنه أذنٌ نقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدِّقنا، فنزلت الآية (^٣).
_________________
(١) في النسخ: "مخشي بن خويلد"، ومثله في "تفسير الثعلبي" (٥/ ٦٢)، والصواب المثبت. وقد اختلف في اسمه، فقيل: مَخْشي كما هنا، وقيل: مُخاشِن، وقيل: مخشِّنٌ، وقيل: ابن مخشي. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، و"تاريخ خليفة بن خياط" (ص: ١١٤)، و"الاستيعاب" (٤/ ١٤٦٥)، و"التعريف والإعلام" للسهيلي (ص: ٧٠)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٥)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ٢٩٢)، و"تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (٢/ ٦٤). وذكر القرطبي الخلاف في اسمه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦] عن ابن إسحاق وخليفة بن خياط وابن عبد البر والسهيلي، ثم قال: (وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة، وكان تاب وتسمى عبد الرحمن ودعا اللَّه أن يقتل شهيدًا، ولا يعلم بقبره). قلت: وسيأتي هذا قريبًا من رواية السدي.
(٢) قوله: "ورفاعة بن عبد المنذر" كذا وقع ذكره في هذا الخبر، ولعل الصواب غيره، فرفاعة صحابي جليل ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٨٨)، و"تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (١/ ١٨٤).
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٦٠) من طريق أبي صالح عن ابن عباس، ولعله من رواية =
[ ٧ / ٣٩٢ ]
وذكر مقاتل في جملتهم: شاس بن قيس، والمخشي بن حمير، وعبيد (^١) بن مالك، ورفاعة بن زيد، ثم قول الجلاس ذلك (^٢).
وقال أبو حاتم سهل بن محمد: هو نبتل بن الحارث (^٣)، وكان رجلًا أَدْلمَ (^٤) ثائرَ الشعر، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه الخِلقة، وفيه قال النبيُّ -ﷺ-: "مَن أحبَّ أن ينظر إلى الشيطان فلينظرْ إلى نبتلِ بن الحارث" وكان يَنمُّ حديثَ النبيِّ -ﷺ- إلى المنافقين، فقالوا له: لا تفعل، فقال: إنما هو أذنٌ، مَن حدَّثه بشيء صدَّقه، أقول هذا ثم آتيه فأعتذرُ إليه (^٥).
وقال الحسن: قال المنافقون: ما هذا الرجل إلا أذنٌ يقبل ما يسمع ليست له عزيمةٌ، فنزلت الآية (^٦).
_________________
(١) = الكلبي عن أبي صالح عنه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٣/ ٤٤٩) (ط: دار التفسير) دون عزو، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٢٦) عن السدي. وذكره أيضًا مقاتل كما سيأتي. وقد روي أن الجلاس قد تاب وحسنت توبته كما سيأتي عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
(٢) في (ف) و(أ): "وعبيدة".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٧٨)، وفيه بدل "شاس": (شماس). وبدل "عبيد بن مالك": (عبيد بن الحارث).
(٤) وقاله ابن اسحاق أيضًا. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٨٨)، و"تفسير الطبري" (١١/ ٥٣٥)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٤٩). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٢٦) من طريق محمد بن إسحاقَ عن محمدِ بن أبي محمدٍ عن عكرمةَ أو سعيد بن جبيرٍ عن ابن عباسٍ.
(٥) الأدلم: الطويل الأسود، والشديد السواد من الناس. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: دلم).
(٦) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٢١)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٤٩).
(٧) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٢١).
[ ٧ / ٣٩٣ ]
قالوا: عابهُ الجهَّال بما هو آيةُ كرمه وغايةُ حُسن شِيَمه، قال ﵇: "المؤمنُ غِرٌّ كريم، والمنافق خِبٌّ لئيم" (^١).
وقيل: العاقل هو الفَطِنُ المتغافل، وأنشدوا في معناه:
وإذا الكريمُ أتيتَه بخديعةٍ فرأيتَه فيما تَرُومُ يُسارِعُ
فاعْلَمْ بأنك لم تخادِعْ جاهلًا إنَّ الكريم بفَضْلهِ مُتخادِعُ
* * *
(٦٢) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾: أي: يعتذر هؤلاء ويحلفون باللَّه (^٢) كاذبين ليُزيلوا سَخَطكم.
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: أي: يحقُّ عليهم في إزالة سَخَطكم أن يُخلصوا، فإذا فعلوا ذلك أرضَوا اللَّه ورسوله فيرضى المؤمنون به؛ لأن اللَّه تعالى إذا رضي عن العبد أرضى عنه الناس.
ثم إنه قال: ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ على التوحيد -مع سَبْقِ ذكر اللَّه ورسولهِ- لأنه أراد: أن يرضوا الرسولَ، وإرضاؤه إرضاءُ اللَّه تعالى؛ كما قال ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [النور: ٤٨]، لأن حكمَه حكمُ اللَّه.
وقيل: إنه لا يُذكر بعد ذكر اللَّه ورسوله كنايةٌ ترجعُ إليهما (^٣)؛ لأنَّه تسويةٌ بينهما،
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفيهما: "والفاجر" بدل: "والمنافق". قال الترمذي: (غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه).
(٢) في (ر) و(ف): "ويحلفون عليه".
(٣) في (ف): "عليهما". وهذا الذي قاله المؤلف هو في القرآن كما قال لكنه منقوض في السنة =
[ ٧ / ٣٩٤ ]
وتركُ تعظيمٍ في حق اللَّه ﷿، ولهذا قال النبيُّ ﵇ فيمَن تكلَّم عنده وقال: مَن أطاع اللَّه ورسوله فقد رشَد، ومَن عصاهما فقد غوَى: "بئس خطيبُ القوم أنت" (^١)، كره منه ذكر كناية واحدة راجعةٍ إلى اسم اللَّه تعالى وإلى اسم رسوله.
قال السدي: اجتمع ناسٌ من المنافقين منهم جلاسُ بن سويدٍ ووديعةُ بن ثابت ورجالٌ آخرون وعندهم غلام من الأنصار يقال له: عامر بن قيس -وفي روايةِ غيرِ السديِّ: هو زيد بن الأرقم (^٢) - فحَقَروه، وقالوا: إن كان ما يقولُ محمد حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير، فغضب الغلام وقال: واللَّه إن ما يقول محمد حقٌّ، وأنتم شرٌّ من الحمير، ثم أتى النبيَّ -ﷺ- فأخبره، فدعاهم فسألهم فحلفوا إن عامرًا كاذب، وحلف عامر أنهم كذَبةٌ، فصدَّقهم النبي -ﷺ-، فقال عامر: اللهم صدِّق الصادقَ وكذِّب الكاذب، وكان واحدٌ من المنافقين قال (^٣) بعد ما سمع عامر كلامهم (^٤): ودِدْتُ أني قدِّمْتُ فجُلدْتُ مئةَ جلدة وأنه لا ينزل فينا شيءٌ يفضحنا، فنزلت: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ ونزلت: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٢] (^٥).
_________________
(١) = الصحيحة بقول النبي -ﷺ- في الحديث المتفق عليه: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وَجَدَ حلاوةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُه أَحبَّ إليه مما سواهما. . . ".
(٢) رواه مسلم (٨٧٠) من حديث عدي بن حاتم ﵁.
(٣) روى هذه الرواية ابن شبة في "أخبار المدينة" (٧٠٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤٢)، والبيهقي في "الدلائل" (٤/ ٥٧)، من حديث أنس بن مالك ﵁، وفيه ذكر نزول قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤].
(٤) في (ف): "فقال واحد من المنافقين".
(٥) في (ف): "بعدما سمع كلام عامر".
(٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٢٦) في نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ فقط. وورد نحو هذه القصة في نزول قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ رواه الطبري في =
[ ٧ / ٣٩٥ ]
(٦٣) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾: استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون أنه مَن يُعادِ اللَّه ورسوله.
قال ابن عباس ﵄: يخالف اللَّه.
وقال الأخفش: يحارب اللَّه.
وقال قطرب: يعاند اللَّه (^١).
والمحادَّة بين اثنين: أن يصير كلُّ واحد منهما في حدٍّ غيرِ الحد الذي عليه الآخَرُ معاداةً ومخالفةً وممانعةً.
﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وتكرار (أنَّ) للمبالغة في التأكيد، و﴿خَالِدًا فِيهَا﴾: دائمًا فيها (^٢) بكفره، ومَن صار (^٣) كذلك فقد عظُم خِزْيه؛ أي: افتَضَح أبلغَ الافتضاح، وبلغ غايةَ الهوان، والخزيُ: الهوان بما يُستحيَى مِن مثله.
_________________
(١) = "تفسيره" (١١/ ٥٤٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٢٨)، عن قتادة. وروي نحوها أيضًا في نزول قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦٩) عن عروة وابن إسحاق ومجاهد، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤٣) عن كعب بن مالك وابن عباس ﵃. وروي أيضًا من حديث أنس وقد خرجناه قريبًا.
(٢) ذكر هذه الأقوال الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٣١).
(٣) "دائمًا فيها" ليس من (أ).
(٤) في (أ): "كان".
[ ٧ / ٣٩٦ ]
قال ابن عباس ﵄: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك -وقد سميناهم- جاؤوا حين رجع رسول اللَّه -ﷺ- يعتذرون فيحلفون، فنزلت هذه الآية وغيرها (^١).
* * *
(٦٤) - ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ خبرٌ عن حذَرهم عند أكثر المفسرين.
وقال الزجَّاج: هو بمعنى الأمر (^٢).
قال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل ذلك: أي: ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم؛ أي: على النبيِّ ﵇ فيخبرهم به (^٣)، والمنزلُ على الرسول منزلٌ على الأمَّة معنًى، لأنه خطاب لهم بما فيه.
وقوله تعالى: ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: تخبرهم بذلك، ولم يكن ذلك لإعلامهم فقد علموا به، لكن بإخبارهم أنه لا يخفَى على اللَّه ولا يُخفيه عن رسوله، وليَهْتكَ أستارهم للمؤمنين ليعلموا به، وعلى القول الذي قالوا: إنه خبرٌ عنهم، فلكثرةِ ما كان يُطْلع اللَّه رسولَه عليه كانوا يحذرون ذلك، ولخُبث اعتقادهم وشدة كفرهم كانوا يُؤذونه ويستهزؤون به، وذلك قوله تعالى:
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٢٩).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٥٩).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤١٩).
[ ٧ / ٣٩٧ ]
﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾: وصيغته أمرٌ وهو للتهديد؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ودليله قوله: ﴿اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾؛ أي: مظهرٌ، وقد أظهر أحوالهم في هذه السورة، ولذلك سميت فاضحةً مبعثِرة.
وقال الحسن: كانوا يسمُّونها حافرة؛ لأنَّها حَفرت ما في قلوبهم فأظهرته (^١).
وقال قتادة: كانوا يسمونها المثيرة (^٢).
وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الجلاس بن سويد وأصحابه وقد سميناهم (^٣).
وقال عطاء: هم سبعون رجلًا أنزل اللَّه تعالى أسماءهم وأسماء آبائهم، ثم رفعت مرحمةً على العباد، ولأن أولادهم أسلموا وأخلصوا (^٤).
وقال السدِّي: جاء واحد من المنافقين اسمه مَخْشيُّ بن غليظ وقال: إن اسمي واسمَ أبي من شرِّ الأسماء يا رسول اللَّه، فغيِّرهما لعل اللَّه يغيِّر حالي، وكان منافقًا، فسماه النبي -ﷺ-: عبد اللَّه بن عبد الرحمن فأسلم وأخلص وقال: اللهم إني أسألك أن أُقتل في سبيلك لا يُقدَر لي على (^٥) جثةٍ، ولا يُعلم لي مقتل، فقُتل بوقعة (^٦) مسيلمة الكذَّاب (^٧).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٦٤)، وفيه بدل "الحافرة": "الحفَّارة".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٢٩).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٧٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٨).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٣٣) عن عطاء عن ابن عباس، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٦٨)، عن ابن عباس.
(٥) في (أ): "يعذر" بدل من "يقدر لي على".
(٦) في (أ): "يوم".
(٧) لم أجده، وذكر نحوه القرطبي كما ذكرنا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقد ذكرنا ثمة الخلاف في اسمه، لكن لم أجد من ذكر أن اسم أبيه (غليظ).
[ ٧ / ٣٩٨ ]
(٦٥) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: ولئن قلت لهم: لم قلتُم كذا، حين أطلعك اللَّه على ذلك، قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾؛ أي: لم يكن ذلك عن اعتقادٍ وشكٍّ في الدِّين، لكن على العادة من الناس إذا اجتمعوا لم تخلُ أحاديثهم عن أن يجريَ فيها القول على سبيل المساعدة والاستئناس من الهزل، فقل يا محمد إنكارًا عليهم: أباللَّه وآياته ورسله تفعلون هذا؟ وهو لا يحتمِل إلا الجِدَّ والصدق دون الهزل واللعب.
قال محمد بن إسحاقَ: قال هذا وديعة بن ثابت (^١).
وقال مقاتل بن حيَّان: نزلت في ثلاثةِ نفرٍ: معتِّب بن قُشيرٍ ووديعةَ بن ثابتٍ ومخشيِّ بن حميرٍ، ولكن عبد اللَّه بن عبد الرحمن لم يمالِئْهما في الحديث، ولكنه كان يسير مجانبًا لهما ويضاحكُهما، فقال وديعة لمعتِّبٍ: أيطمعُ هذا الرجل في الشام وقصورها؟ هيهات! ويظنُّ أن جِلَاد بني الأصفر هيِّن، فنزلت هذه الآية، فبعث النبيُّ -ﷺ- عمار بن ياسر فقال لهم: احترقتُم أحرقكم اللَّه، قلتُم كذا وكذا، فجاؤوا يعتذرون، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٢).
_________________
(١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٢٣).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (٢/ ١٧٩)، وذكره ابن أبي زمنين في "تفسيره" (٢/ ٢١٩) عن الكلبيِّ، والواحديُّ في "البسيط" (١٠/ ٥٣٦) عن الكلبي ومقاتل بن سليمان، والجرجاني في "درج الدرر" (٤/ ٦٨) دون عزو، ورواه بنحوه دون ذكر الأسماء ودون ذكر عمار الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٤٤ - ٥٤٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٣٠) عن قتادة. وقد وقع في =
[ ٧ / ٣٩٩ ]
وفي رواية زيد بن أسلم: نظرتُ إلى هذا القائل متعلِّقًا بنسع ناقة رسول اللَّه -ﷺ- (^١).
وفي رواية عبد اللَّه بن عمر: رأيتُ عبد اللَّه بن أبيٍّ يشتدُّ بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- والحجارةُ تَنكبُه وهو يقول: إنما كنَّا نخوض ونلعب، ورسول اللَّه -ﷺ- يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (^٢).
وعذَر النبي -ﷺ- الذي لم يمالِئْهم حين اعتذر وهو عبد اللَّه بن عبد الرحمن، وفي رواية: مخشيُّ بن حميِّر، وفي رواية: الحمير بن الحمير (^٣).
وقال القشيري ﵀: مَن استهان بالدِّين، ولم يحتشِم مِن تركِ حرمة الإسلام والمسلمين، جعله اللَّه في الحال نكالًا، وسامه في الآخرة صغرًا وإذلالًا،
_________________
(١) = المصادر اختلاف في الأسماء، لكن لم يذكر أحد فيهم: عبد الرحمن بن عبد اللَّه، ولعل ذكره وهم، فإن عبد الرحمن هذا هو نفسه مخشي، سماه به النبي -ﷺ- عند توبته كما تقدم في خبر السدي، وكما ذكر القرطبي، وهو الذي لم يمالِئْهما في الحديث، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ على قول طائفة من العلماء. انظر: "تفسير القرطبي" (١٠/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٤٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٢٩ - ١٨٣٠) عن زيد بن أسلم، عن عبد اللَّه بن عمر قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغبَ بطونًا ولا أكذبَ ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء! فقال رجل في المجلس: كذبتَ، ولكنك منافق! لأخبرن رسول اللَّه -ﷺ-، فبلغ ذلك النبي -ﷺ- ونزل القرآن. قال عبد اللَّه بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحَقَب ناقة رسول اللَّه -ﷺ-). فالقائل: "نظرت" هو عبد اللَّه بن عمر لا زيد بن أسلم.
(٣) رواه الهروي في "ذم الكلام" (٤/ ٩٣) من طريق نافع عن ابن عمر. ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٤٣) عن زيد بن أسلم عن ابن عمر دون ذكر اسم الرجل.
(٤) قوله: "وفي رواية: الحمير بن الحمير" ليس في (ف)، ولم أقف عليه، وقد تقدم قريبًا ذكر الخلاف في اسمه، ومخشي بن حمير هو اسمه قبل التوبة، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن سماه إياه النبي -ﷺ- عند التوبة، كما تقدم في خبر السدي قريبًا.
[ ٧ / ٤٠٠ ]
والحقُّ سبحانه لا يرضى دون أن يُذيق العتاةَ بأسَه، ويسقيَ كلًّا على ما يستوجبُه كأسُه، وقد أرخَى اللَّه للمنافقين عنان إمهالهم، ثم هتك أستارهم بأقوالهم وأفعالهم (^١).
* * *
(٦٦) - ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾: أي: لا تتكلَّموا بالعذر الباطل ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾: فقد صرَّحتم بما يوجب الكفر ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: بعد إظهاركم الإيمانَ باللسان.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (^٢): قرأ عاصم: ﴿نَعْفُ﴾ بالنون وفتحها وضم الفاء، ﴿نُعَذِّبْ﴾ بالنون وضمِّها وكسر الذال، ﴿طَائِفَةٍ﴾ بالنصب، إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه بكلمة التعظيم، وقرأ الباقون: ﴿يُعْفُ﴾ بالياء وضمها وفتح الفاء ﴿تُعَذِّبْ﴾ بالتاء وضمها وفتح الذال على ما لم يسمَّ فاعله، ﴿طَائِفَةً﴾ بالرفع (^٣).
ومعناه: إن تركنا العقوبة في الحال في حقِّ بعضهم وهم العامةُ والأتباع الذين لا ضرر منهم على المسلمين لنعاقبهم في الآخرة، نعذبْ طائفة منهم من الكبراء المعلِنين بالأراجيف الساعين بين المسلمين بالفساد بالقتل.
قال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: ٦٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]، وقوله تعالى:
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٢).
(٢) في (ف): "إن يعف. . . تعذب. . . "، وهي قراءة أكثر السبعة كما سيأتي.
(٣) " ﴿طَائِفَةٌ﴾ بالرفع" من (ر). وانظر القراءتين في "السبعة" (ص: ٣١٦)، و"التيسير" (ص: ١١٨).
[ ٧ / ٤٠١ ]
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] إلى قوله عز وعلا: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١) [النساء: ٨٩].
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (^٢) وهو اسمٌ نهاية الذم؛ لأنَّه يدل على انقطاعه عن كلِّ الخيرات، من الجَرْم: وهو القطع.
وقيل: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ﴾ قومِ منهم نعلمُ أنهم يتوبون ويخلصون ﴿نُعَذِّبْ﴾ قومًا منهم نعلم أنهم على النفاق يدومون.
وقيل: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ منهم بالإيمان ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ (^٣) بالموت على الكفر.
وقيل: ﴿إِنْ نَعْفُ﴾ فلم نأمر بالقتل في حق قومٍ لم يظهر نِفاقهم للنبيِّ -ﷺ- وللمؤمنين كما قال ﷻ: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبه: ١٠١] ﴿نُعَذِّبْ﴾ بالأمر بالقتل والتشهيرِ مَن ظهَر نفاقُهم بهذه الأحوال.
وقال محمد بن كعبٍ القرظي: ﴿نَعْفُ﴾ عن طائفةٍ منهم: هي واحدةٌ (^٤)؛ كما قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وهو الذي ذكرنا في الآية التي قبلها أنه لم يمالِئْهم واعتذر فعُذر ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ وهم الذين خاضوا.
وقيل: هو الواحد أيضًا، وهو وديعة بن ثابت.
* * *
_________________
(١) في (ف): "وأقتلوهم حيث ثقفتموهم".
(٢) في النسخ: "إنهم كانوا مجرمين".
(٣) في (ف): "تعذب طائفة".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٤٧) بلفظ: (طائفة: رجل).
[ ٧ / ٤٠٢ ]
(٦٧) - ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: أي: مجتمعون على النِّفاق، مطابقون على إيذاء الرسول والمؤمنين على اتِّفاق (^١).
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾: بما يُنكره الشرع والعقل ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾: ما يرضاه الشرع والعقل. ومن المنكرات: تركُ الجهاد، وهم به يَأمرون، ومن المعروف: الجهاد، وهم عنه يَنْهَون.
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾: أي: عن الإنفاق في الجهاد وسُبُل الطاعات من الزكوات ونوافلِ الصدقات.
وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾: أي: تركوا ذكر اللَّه وطاعته ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾؛ أي: خذلهم.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾: أي: هم الخارجون عن قبول أمر اللَّه والعملِ به.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: بتكذيب رسول اللَّه -ﷺ- ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: عن تصديقِه واتِّباعه (^٢).
وقال الضحاك: يأمرون بالكفر وينهون عن الإسلام (^٣).
وقال القشيري ﵀: المنافق لصاحبه أسٌّ به قِوَامُه، وأصلٌ به قيامُه، يُعِينه
_________________
(١) في (ر) و(ف): "عن النفاق".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٤١) عن عطاء عن ابن عباس.
(٣) المصدر السابق.
[ ٧ / ٤٠٣ ]
على فساده، ويعمِّي عليه طريقَ رشاده، والمؤمنُ يَنصر المؤمن؛ يبصِّره عيوبَه، ويقبِّح في عينه ذنوبه، فهو على السَّداد يُنْجده، ومن الفساد يُبْعده، والمنافقون يقبضون أيديهم لا يُنفقون في سبيل اللَّه، ولا يَجِدُّون في إعانة عباد اللَّه، ولا يأخذون بأيدي الضعفاء لوجه اللَّه، ولا يرفعون أيديهم في طلب الحوائج إلى اللَّه.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾؛ أي: تركوا طاعتَه وآثروا مخالفتَه ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: تركهم وما يختارون؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] (^١).
* * *
(٦٨) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾: أي: الذين يُظهِرون الإيمان ويضمِرون الكفر.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾: أي: المجاهرين به.
﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾: أي: واقعةٌ موقعَ ما استَحَقُّوه من الجزاء على كفرهم.
﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: طردهم من رحمته ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: دائم.
وقال القشيري ﵀: لهم النار في الآجلة، والعذابُ المقيم في العاجلة، وتلك (^٢) عذابُ الحُرقة، وهذه عذاب الفُرقة.
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٣).
(٢) في (ر): "ذلك".
[ ٧ / ٤٠٤ ]
(٦٩) - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: خطابٌ للمنافقين، وفي أوله مضمَرٌ، وتقديره: وأنتم في معاملتكم كالذين من قبلكم.
وقيل: أي فِعْلي بكم في الدنيا والآخرةِ كفِعْلي بالذين مِن قبلكم.
وقوله تعالى: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: منعةً وبطشًا (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾: يتكثَّرون بالأولاد ويعتضِدون (^٢) بالأموال، فلم يعتصِموا بقوة أنفسهم ومعونةِ أولادهم وأنصارهم وكثرةِ أموالهم حين كذبوا رسلي واستحقُّوا إنزال بأسي.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾: أي: صَرَفوا إلى التمتُّع الحاليِّ نصيبَهم من الدنيا ولم يقدِّموا إلى الآخرة.
﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾: فعلتُم أنتم في الدنيا فِعلَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾: أي: في آيات اللَّه بالباطل، فإذا كنتم في سوء المعاملة مثلَهم، وفي القوة والمنعة دونهم، فما يؤمِّنكم أن يصيبَكم من العقوبة مثلُ (^٣) ما أصابهم.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٦٦) دون عزو.
(٢) في (أ): "ويتعصون".
(٣) "مثل" ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٤٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: الذين رضُوا من آخرتهم بدنياهم بَطَلتْ أعمالهم في الدارين فلا ينتفعون بها: أمَّا في الدنيا فقد قصدوا بذلك توهينَ الإسلام وقهرَ أهله وعلوَّ أنفسهم، فأبطل اللَّه تعالى كيدَهم وخيَّب أملهم، قال تعالى: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، ﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وفي الآخرة لا ثواب لهم ولا نجاة.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: ذهبت أموالهم فيما ضرَّهم ولم ينفعهم، ولو ذهبت فيما لا ينفعُهم ولا يضرُّهم كانت خسرانًا، فكيف وقد ذهبت فيما يضرُّهم ولا ينفعهم؟ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤].
* * *
(٧٠) - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾: هي قَرْيَاتُ لوطٍ، ومعناها: المنقلِبات (^١)، حيث جعَل اللَّه عاليَها سافلَها، و﴿أَلَمْ﴾ استفهام بمعنى التقرير.
قال القفَّال: أي: قد أتاهم خبرُ الأمم السالفة، سمعوا ذلك وعرَفوه، وشاهدوا آثار إيقاع اللَّه بهم بما جعلهم نكالًا وعبرةً لغيرهم؛ كما فعل بقوم نوحٍ صلوات اللَّه عليه حين أُهلكوا بالغرق، وعادٍ بالريح الصَّرصَر العاتية، وثمودَ بالرجفة والصاعقة،
_________________
(١) في (أ): "الملقيات".
[ ٧ / ٤٠٦ ]
وقومِ إبراهيم بالتشتيت وسلب الملك والنعمة؛ أي: من نمرود، وأصحابِ مدين بعذابِ يوم الظلة، وقومِ لوط بانقلاب الأرض، وكلُّ ذلك كان عدلًا من اللَّه تعالى وحكمةً وعقابًا لمن ظلم نفسه وعصى ربَّه وكذَّب رسلَه واستحقَّ عقابه، فليحذر المنافقون أن يُفعل بهم ما فُعل بأولئك.
وقوله تعالى: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: يرجعُ هذا إلى كلِّ هذه الأمم، وإنْ صُرف إلى ما يليه وهي المؤتفكات -ورسولُ أهلها واحد وهو لوط ﵇- فقد قيل: كان في كلِّ قرية رسولٌ من جهة لوط، فلذلك جُمع.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُم﴾: أي: ليس من صفة اللَّه تعالى ظلمُ العباد بتعذيبهم من غير ذنبٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بإيقاعها فيما يوجب العقوبة.
* * *
(٧١) - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: ذكر بمقابلةِ المنافقين والمنافقات: المخلِصين والمخلصات، وتغاير صفات الفريقين، فالمخلصون ذكورهم وإناثهم يتوالون على الدين ويتناصرون ويتعاونون حتى إن الرجل ليخرج إلى الجهاد وامرأته تهيئ أسبابه وتخرج النساء مع الرجال أيضًا فيداوين الجرحى ويعالجن المرضى ويصلحن الطعام ويحملن الماء وكذا كل الخيرات في الدين.
وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾: وقد فسَّرناهما في تلك الآية، وهو خلاف صفات المنافقين.
[ ٧ / ٤٠٧ ]
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: وهو خلافُ صفة المنافقين، هؤلاء يصلُّون وفي الصلاة ذكرُ اللَّه، وأولئك داوَموا على نسيان اللَّه.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: وهو خلاف صِفة (^١) المنافقين، فإنهم يقبضون أيديهم.
﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في كلِّ الأوامر والنواهي، فهو خلاف صفة المنافقين ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^٢).
﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾: بخلاف المنافقين (^٣) ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال مقاتل: ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره (^٤).
وقال القفَّال: ﴿عَزِيزٌ﴾: منيعٌ قادرٌ على مجازاة المطيعين والعاصين ﴿حَكِيمٌ﴾ في توفيق المؤمنين وخذلان المثافقين.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكَر في المؤمنين والمؤمنات: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وذكَر في الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وذكَر في المنافقين: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، ولم يقل: بعضهم أولياءُ بعض؛ لأن المؤمنين يتوالَون ويتناصرون ويتعاونون على الدِّين الحق، والكفارَ لهم دينٌ أيضًا وهو باطل وهم يتوالون عليه ويتعاونون ويتناصرون، فأما المنافقون فليس لهم دِينٌ يُظهرونه ويمكِنُهم التوالي والتعاونُ والتناصُر عليه، لكن بعضهم على صفةِ بعضٍ، فلذلك قال: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (^٥).
_________________
(١) في (ر): "صفات".
(٢) " ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ " ليس في (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "بخلاف ما للمنافقين".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٨١).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٢١ - ٤٢٢).
[ ٧ / ٤٠٨ ]
وقال في هذه الآية: يجوز أن يكون هذا إخبارًا عنهم أنهم كذلك؛ لأنَّهم صاروا بالإسلام أولياء؛ قال تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ويجوز أن يكون أمرًا من حيث المعنى؛ أي: ليكونوا أولياء بعضُهم لبعضٍ، فقد نهَى عن موالاة الكفار لقوله (^١): ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء: ١٤٤]، وبقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، فكان أمرًا لهم أن يكون (^٢) بعضهم أولياءَ بعض (^٣).
وقال القشيريُّ رحمه اللَّه تعالى: إن اللَّه تعالى وصف المؤمنين بأنهم يتحابُّون في اللَّه، ويقومون بحقِّ اللَّه، ويتصاحبون للَّه، ويعادُون مَن يعادُون لأجل اللَّه، تركوا حظوظهم لحقِّ اللَّه، وآثروا على هواهم (^٤) رضاء اللَّه، أولئك الذين عصمهم اللَّه في الحال وسيرحمهم في المآل (^٥).
* * *
(٧٢) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وهو في مقابلةِ قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٧٢].
_________________
(١) "لقوله" كذا في النسخ، ولعل الأحسن: (بقوله).
(٢) في (أ): "أمرا لهم بكون".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٢٦).
(٤) في (أ): "أحوالهم" وفي (ر): "أنفسهم". والمثبت من (ف) و"اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٥).
[ ٧ / ٤٠٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾: أي: جزاءً عمَّا احتمَلوه من أذى الحر وسوءِ المنازل في أسفارهم للغزوات وتركِهم مواطن الراحات.
وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: أي: إقامةٍ، وقد عَدَن بالمكان عَدْنًا، والمعدِن: المُقام؛ أي: هي مواضع إقامةٍ وثباتٍ لا يبغون عنها حِوَلًا، وليس هذا بتكرارٍ لقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ لأن قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ إخبارٌ بدوام مُقامهم فيما أُعدَّ لهم من المساكن، وقولَه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إخبارٌ بدوام النعيم لهم في الجنان، فهما معنيَان مختلفان.
وقال الأعمش: ﴿عَدْنٍ﴾ وسط الجنة (^١).
وقال ابن مسعود ﵁: بطنان الجنة (^٢).
وقال عبد اللَّه بن عمرو (^٣) ﵄: إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، وله خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبيٌّ أو صدِّيق (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦١).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٧٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥١٦٧)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤٠). وهذا القول هو بمعنى المذكور قبله عن الأعمش، فإن معنى بطنان الجنة: وسطها، كما جاء في رواية الطبري لخبر ابن مسعود من طريق الأعمش عن عبد اللَّه بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود، وفيه: (فقلت للأعمش: ما بطنان الجنة؟ قال: وسطها). وقوله: "وقال ابن مسعود ﵁: بستان الجنة" ليس في (أ) و(ف)، وقد استدرك على هامش (ر).
(٣) في النسخ: "عمر"، والمثبت من المصادر.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٩٣٨٠) و(١٩٣٩٣) و(٢١٩١٩) و(٣٢٥٦٠)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦٣)، وزيد في بعض الروايات: (أو شهيد أو إمام عادل). وبهذه الزيادة رواه البزار في "مسنده" (٢٤٨٧) من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا، لكن إسناده ضعيف، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ١٩٦): فيه عبد اللَّه بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف.
[ ٧ / ٤١٠ ]
وقال الكلبي: ﴿عَدْنٍ﴾؛ أي: أعلى درجةِ الجنة، وفيها عينُ التسنيم، والجِنَانُ حولها محدِقةٌ بها (^١)، وهي مغطَّاةٌ من يومِ خلَقها اللَّه تعالى حتى يَنزلها أهلُها الأنبياءُ والصدِّيقون والشهداءُ والصالحون ومَن شاء اللَّه ﷻ.
وقال مقاتل: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾: قصورُ الدرِّ والياقوت والذهب، فتهبُّ ريحٌ طيِّبةٌ من قحت العرش فتُدخل عليهم كُثبانَ المسك الأبيض (^٢).
وقال عطاء: ﴿عَدْنٍ﴾: نهر في الجنة جنَّاتُه على حافَّتيه (^٣).
وروى أبو الدرداء ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "عدنٌ دارُ اللَّه التي لم ترَها عينٌ ولم تخطرْ على قلب بشر، لا يسكنُها من بني آدمَ غيرُ ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء (^٤)، يقول اللَّه تعالى: طوبى لمن دخلك" (^٥).
وقال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حُصين عن قوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "قصرٌ في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كلِّ دار بيتٌ من زمردةٍ خضراء، في كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا، على كلِّ سريرٍ سبعون فراشًا من كلِّ لون، على كلِّ فراش زوجةٌ من الحور العين" (^٦).
_________________
(١) "بها" من (أ).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٨١ - ١٨٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦٤).
(٤) بعدها في (ف): "والصالحين".
(٥) رواه البزار في "مسنده" (٣٥١٦ - كشف الأستار)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (٣/ ١١٥١)، وابن الجوزي في "العلل" (٢١)، وقال: هذا الحديث من عمل زيادة بن محمد، لم يتابعه عليه أحد.
(٦) رواه البزار في "مسنده" (٣٥٦٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" =
[ ٧ / ٤١١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: أي: أعظمُ من هذه النعم قَدْرًا وأشرفُ منها ذكرًا رضوانُ اللَّه تعالى عن هؤلاء، ومن رضوانه قبولُ أعمالهم اليسيرةِ، وتيسيرُ الحساب عليهم، وإثابتُهم على الأعمال المنقطِعة نعمًا لا تَنقطع وكلَّ كرامةٍ في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أي: الرضوان الذي نالوه هو الفوز العظيم الذي لا أعظم منه؛ لأنَّه دركُ كلِّ مطلوب، ووصولٌ إلى كلِّ مأمول، وأمانٌ من كلِّ محذور.
وقال الإمام القشيري رحمه اللَّه تعالى: المساكنُ لا تطيب للساكن إلا برؤية المحبوب، إلا أنه قد تختلف بهم الهمَم: قومٌ تَطيبُ مساكنهم بوجود عطائه (^١)، وقومٌ تَطيب أنفسهم بشهود لقائه، قال قائلهم:
وإنِّي لأهوَى الدارَ ما يستقرُّ بي لها الودُّ إلا أنها مِن دياركا
وقال آخر:
أجيرانَنا ما أوحشَ الدار بعدَكمْ إذا غِبْتُمُ عنا ونحن حُضورُ (^٢)
* * *
(٧٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾: لمَّا وصف اللَّه المنافقين
_________________
(١) = (٦/ ١٨٤٠)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٤٢٤)، وقال: موضوع.
(٢) في (ر) و(ف): "خطابه"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٥ - ٤٦).
[ ٧ / ٤١٢ ]
والكفار، وكشف له أحوال المتستِّرين منهم بالإظهار، أمَره بجهادهم الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من صفات المؤمنين، وخلافُ ذلك من صفات المنافقين.
وقال عطاء: نسخت هذه الآيةُ كلَّ شيء من الصَّفح والعفو (^١).
وقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾؛ أي: بالسلاح في وقته وباللسان في وقته.
﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: باللسان (^٢).
وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود (^٣).
وقيل: بالسيف بعدما ظهرت أحوالهم، قال تعالى ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ولا تداهِنْهم وآيِسْهم من نفسك، وقرِّرْ عندهم أنه لا موادَّة بينك وبينهم، وإنما هو الإسلام أو السيف.
وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ غلبوا في الجهاد أو غلبوا ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ جهنم.
وقال القشيريُّ ﵀: المجاهدةُ أولُها باللسان، بشرحِ البرهان وإيضاحِ الحجج والبيان، ثم إنْ حصل من العدوِّ جحدٌ بعد إزاحة العذر فالوعيدُ والزجر بالإعلان، فإن لم يَنجَعِ الكلام ولم يَنفعِ المَلام فالقتالُ والحِراب بالسَّيف والسِّنان (^٤).
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (١٣/ ٤٧٨)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٥٣)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٧٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤٢).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤١).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٦).
[ ٧ / ٤١٣ ]
(٧٤) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾: وهذا ينتظِمُ لِمَا سبق من ذكر مقابحِ المنافقين وطعنِهم في الرسول وفي الدِّين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْر﴾: هي كلُّ لفظةٍ ترجع إلى الطعن في الدِّين أو في الرسول، وقد بينَّا بعضها.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾: أي: حكَم لهم بالكفر بهذه اللفظة بعدما حكَم بإسلامهم بظاهر إقرارهم، واختلفت الروايات في هذا القائل:
قال عروةُ وابن إسحاقَ ومجاهدٌ: هو الجُلَاس بن سُوَيدِ بنِ الصامت، وقد بينَّا قصتَه في الآيات المتقدمة، ومقالتَه: إن كان ما (^١) جاء به محمد حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذه الكلمة ليست بكفر إلا إن ثبت معها زيادة عليها هي كفر.
وقال قتادة: هو عبد اللَّه بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ حين قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (^٣).
_________________
(١) في (ف): "الذي".
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦٩ - ٥٧١). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤٣) من طريق محمد بن إسحاقَ عن محمدِ بن أبي محمدٍ عن عكرمةَ أو سعيد بن جبيرٍ عن ابن عباسٍ.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٧٢).
[ ٧ / ٤١٤ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكَر هذا القولَ أيضًا، وحكى عنه أنه قال: واللَّه ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائل: سمِّنْ كلبَك يأكُلْك.
قال: ويُشبه أن يكون هذا متَّصلًا بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، وكانوا يستهزئون باللَّه وآياته ورسوله، وهو كفر، أو قالوا قولَ كفرٍ لم يبين اللَّه لنا ذلك، فلا نفسِّره أنهم ماذا قالوا لمَّا ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قال مجاهد: هو همُّ عبد اللَّه بن أبيٍّ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (^٢).
وقال مجاهد في روايةٍ: هو همُّ الجلاس بقتلِ مَن أنكر عليه قولَه: إن كان ما يقول محمد حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير، على ما روينا (^٣).
وقال الكلبي: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ يعني: المنافقين ليلةَ العقبة، همُّوا بقتل النبيِّ ﵇ في غزوة تبوك: عبد اللَّه بن أبيٍّ، وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْحٍ القرشي، وطعمةُ بن أُبَيْرِقٍ، والجُلاس بن سُويدٍ، ومجمِّع بن جارية، وأبو عامر بن النعمان، وأبو الأخوص (^٤)، وكانوا خمسة عشر رجلًا.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٣٠).
(٢) ذكره دون عزو الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٧٣ - ٥٧٤). وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٨٣) عن قتادة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٧٣). وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤٥).
(٤) في (أ): "الأحوص". وهذا الخبر ذكره مقاتل في "تفسيره" (٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، وفيه: (وأبو الخواص). وروى نحوه البيهقي في "الدلائل" (٢/ ٢٥٨) عن ابن إسحاق في خبر طويل، وفيه أن النبي -ﷺ- أنبأ حذيفة بأسمائهم وكانوا اثني عشر رجلًا منهم المذكورون هنا، وفيه بدل "أبو الأخوص": "أبو حاضر =
[ ٧ / ٤١٥ ]
وقال ابن كيسان: لمَّا رجع رسول اللَّه -ﷺ- من غزوة تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلًا من المنافقين ليفتِكوا به إذا علَاها ومعهم رجلٌ مسلم، فأخبر جبريل النبي ﵇ بما قدَّروا وتنكَّروا له في ليلةٍ مظلمة، فأمر جبريلُ رسولَ اللَّه -ﷺ- أن يرسل عليهم (^١) مَن يضرب وجوهَ رواحلهم، وعمارُ بن ياسر يقود برسول اللَّه -ﷺ- وحذيفةُ يسوق به، فقال لحذيفة: "اضْرِبْ وجوهَ رواحِلهم"، فضرب بها حتى نحَّاهم، فلما نزل قال لحذيفة: "مَن عرفتَ من القوم؟ " قال: لم أعرف منهم أحدًا، غير أني عرفتُ جمل فلانٍ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنهم فلانٌ وفلانٌ" حتى عدَّهم كلَّهم، فقال حذيفة: ألا تبعثُ إليهم فيأتوك؟ قال: "أكرهُ أن يقول العرب لمَّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيناهم اللَّه بالدُّبيلة" قيل: يا رسول اللَّه، وما الدُّبيلة؟ قال: "شهابٌ من نارِ جهنم يضعُه على نيَاط فؤاد أحدهم حتى تَزهَق نَفْسُه" (^٢). النياط: عرقٌ متعلِّق بالقلب إذا انقطع مات صاحبه (^٣).
_________________
(١) = الأعرابي". لكن البيهقي ﵀ توقف عند ذكر عبد اللَّه بن أبيٍّ معهم حيث قال: (إلا أن ابن إسحاق ذكر قبل هذا أن ابن أبيٍّ تخلف في غزوة تبوك، ولا أدري كيف هذا؟).
(٢) في (ف) و(أ): "إليهم".
(٣) ذكره عن ابن كيسان الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٦٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٦٩). ورواه بنحوه البزار في "مسنده" (٢٨٠٠)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٢٦٠) من حديث حذيفة ﵁. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٧٩٢) من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة رضي اللَّه عه، وإسناده قوي، ورواه البيهقي أيضًا (٢/ ٢٥٨) من طريق أبي الأسود عن عروة، ومن طريق يونس عن ابن إسحاق، لكن إخبار النبي -ﷺ- بأسمائهم على التعيين لم يرد في شيء من هذه الأخبار سوى خبر ابن إسحاق. انظر التعليق السابق. وحديث الدبيلة رواه مسلم (٢٧٧٩) عن حذيفة ﵁، وفيه: "في أُمتي اثنا عَشَر منافقًا لا يدخلون الجنة، ولا يَجِدون رِيحها، حتى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخِيَاطِ ثمانيةٌ منهم تَكْفِيكهم الدُّبَيْلةُ، سِرَاجٌ من النَّارِ يَظْهَر في أكتافهم، حتى يَنْجُمَ من صدورِهم".
(٤) "النياط: عرق متعلق بالقلب إذا انقطع مات صاحبه" ليس في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٤١٦ ]
وقال أبو رَوْقٍ: ذكروا أن اثني عشر رجلًا من المنافقين أتوا رسول اللَّه -ﷺ- وهو في بيته ليفتكوا به، فأتاه جبريل فعرَّفه إياهم حتى عرَفهم وأخبرَ بقصتهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اثني عشر رجلًا من المنافقين ائتمَروا بأمر لم ينالوه، فلْيقوموا ولْيستغفروا فأستغفرَ لهم" فلم يقوموا فقال: "قم يا فلان قم يا فلان"، حتى أتى على آخرهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، نستغفرُ اللَّه ونتوبُ إليه مما كنَّا عليه من الكفر، فقال: "الآن ولم تُجيبوني (^١)؟! اخرجوا عني" فخرجوا مفتضَحين، فنزلت فيهم: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: ما عابوا.
وقيل: أي: ما طعنوا.
ومعناه: أي: ليس للمؤمنين عندهم ذنبٌ يَعيبونهم به ويغتاظون به عليهم إلا أنْ أغناهم اللَّه من فضله (^٣) بالغنائم والصدقات، ورسولُه كان سببًا لذلك وموصِلًا إليهم، وهذا ليس مما يُنقم به.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي: إنْ يُخْلِص هؤلاء المنافقون فهو خيرٌ لهم في الدنيا والآخرةِ؛ لنجاتهم من العقاب ووصولِهم إلى الثواب في العُقبى، وأمنِهم وعزِّهم وحُسنِ ذكرِهم في الدنيا.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "تخشوني".
(٢) لم أجده، وهو مخالف للأخبار السابقة مرسلة ومرفوعة من أن القصة وقعت خلال غزوة تبوك، وقد روي في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ خبر شبيه ببعض ما هنا، رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٤٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٧٠)، والطبراني في "الأوسط" (٧٩٢)، من حديث ابن عباس ﵄، وفيه: قام رسول اللَّه -ﷺ- يوم جمعة خطيبا فقال: "قم يا فلان فاخرج فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق" فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم. . الحديث. وسيأتي بتمامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾.
(٣) "من فضله" من (ف).
[ ٧ / ٤١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾: أي: عن التوبة عن النفاق (^١) ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ باللعن وهتك السِّتر والجلاء والسَّبي والقتل ﴿وَ﴾ في (^٢) ﴿الْآخِرَةِ﴾ بعذابِ النار أبدًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: في الدنيا ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أي: مَن يتولَّى الذبَّ عنهم إذا نزل عذابُ الدنيا، ولا مَن ينصرُهم فيمنعُ اللَّه عن تعذيبهم، ولم يذكر الآخرة لأن الملكَ يومئذ للَّه فلا وليَّ ولا نصير يومئذ لأحد، فأما في الدنيا فقد يكون للإنسان وليٌّ ونصير، وهؤلاء ليس لهم في الدنيا ذلك.
وقيل: أي: ما لهم مَن يوالونهم ويتعصَّبون لهم، ولا مِن أعوانهم والقائمين بنصرتهم في هذه الدنيا مَن يصرفُ عنهم العذاب في العُقبى.
وقال ابن عباس ﵄: ولمَّا نزل ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ قام الجلاس فقال: أسمع اللَّه يَعْرِض عليَّ التوبة، واللَّه لقد قلتُ هذا، وإن الذي أخبر عني لصادقٌ، فتاب وحسُنت توبته (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: تمنَّوا زوال دولة الإسلام، فأبى اللَّه إلا إعلاءَ أمرِها على الدوام.
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾؛ أي: وما عابوهم إلا بما هو أجلُّ الخصال، فلم يحصلوا إلا على الخزي والنكال.
_________________
(١) "عن النفاق" من (أ).
(٢) "في" من (أ) و(ف).
(٣) ذكره عن عطاء عن ابن عباس الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٥٧). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٧٠)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٥٧)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٧٠)، عن الكلبي. ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٨٣٠٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٧٦)، عن عروة بن الزبير، وهو عندهم متصل بقصة قوله: (لنحن شر من الحمير).
[ ٧ / ٤١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [وأقوى أركانِ] التوبة: حلُّ عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيامُ بكلِّ حقوق الرب (^١).
* * *
(٧٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: ومن هؤلاء المنافقين مَن عاهد اللَّه، هو ثعلبةُ بن حاطب، وقد كتبنا هذه القصة في أمالي بعض (^٢) مشايخنا ببخارى مسندًا عن أبي أمامة الباهلي ﵁: أن ثعلبة بن حاطب ﵁ قال لرسول اللَّه -ﷺ-: ادع اللَّه أن يرزقني مالًا، فقال النبي -ﷺ-: "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدِّي شكره خير من كثيرٍ لا تُطِيقه"، ثم قال له مرةً أخرى، فقال له: "ألَا ترضَى أن تكونَ مثلَ نبيِّ اللَّه؟ فوالذي نفسي بيده لو شئتُ أن تسير معي الجبال ذهبًا وفضةً لسارت" فقال: والذي بعثك بالحق نبيًّا لو دعوتَ اللَّه أنْ يرزقني مالًا لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "اللهمَّ ارزقه مالًا".
فاتَّخذ غنمًا فنَمَتْ كما ينمو الدودُ، فضاقت عليه المدينة فتنحَّى عنها فنزل واديًا من أوديتها، ثم جعل يصلي الظهرَ والعصر بجماعةٍ ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحَّى (^٣) حتى ترك الصلوات إلا الجمعةَ، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة، فطفِقَ يتلقى الركبان يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار، فسأل رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ما فعل ثعلبة" قالوا: يا رسول اللَّه، اتَّخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة، وأخبروه
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٧)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) قوله: "في أمالي بعض" من (ر)، ووقع بدلًا منه في (أ): "من بعض"، وفي (ف): "لبعض".
(٣) "فتنحى" ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٤١٩ ]
بأمره، فقال النبي ﵇: "يا ويحَ ثعلبةَ يا ويحَ ثعلبة" فأنزل اللَّه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ﴾ وأنزلَ عليه فرائضَ الصدقة، فبعث النبيُّ -ﷺ- رجلين على الصدقة وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وأسنانَ الإبل، وأمرهما أن يخرجا ويأخذا الصدقاتِ من المسلمين، وقال لهما: "مُرَّا بثعلبة وبفلانٍ من بني سليمٍ فخُذا منهما الصدقة"، فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة فأقرآه كتاب رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: ما هذه إلا جزيةٌ، ما هذه إلا أختُ الجزية، ما أدري ما هذا؟! انطلِقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا.
وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خِيَار أسنان إبله فعزلها (^١) للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ منك هذا، قال: بلى خذوه فإن نفسي بذلك طيِّبة، وإنما هي لي، فأخذوها منه، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرَّا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا أختُ الجزية! فانطلِقا حتى أرى رأيي.
فانطلقا حتى أتيا رسول اللَّه -ﷺ-، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يتكلَّما ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلميُّ، فأنزل اللَّه تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآيات، وعند رسول اللَّه -ﷺ- ناسٌ (^٢) من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويلك يا ثعلبة، قد أنزل اللَّه فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه -ﷺ-، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال ﵇: "إنَّ اللَّه قد منعني أن أقبل منك صدقتك" فجعل يَحثي على رأسه التراب، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "هذا عملُك، قد أمرتُك فلم تُطِعني" فلما أبَى أن يقبل منه شيئًا رجع إلى منزله.
_________________
(١) في (ف): "فعدها".
(٢) "ناس" ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٤٢٠ ]
وقُبض رسول اللَّه -ﷺ- ولم يَقبل منه شيئًا، حتى أتى أبا بكر حين استُخلف فقال: قد علمتَ منزلتي من رسول اللَّه -ﷺ- وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول اللَّه -ﷺ- وأنا أقبلها؟! فقُبض أبو بكر ﵁ ولم يقبلها.
فلما ولي عمر ﵁ أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول اللَّه -ﷺ- ولا أبو بكر وأنا أقبلها؟! فقبض عمر ولم يقبلها منه.
ثم ولي عثمان ﵁ أتاه يسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول اللَّه -ﷺ- ولا أبو بكر وعمر وأنا أقبلها منك؟! فلم يقبلها منه عثمان، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان ﵁ (^١).
وذكروا أن ثعلبة قبل سؤال المال وحدوث هذا الحال كان ملازمًا لمسجد رسول اللَّه -ﷺ- ليلًا ونهارًا، وكان يلقب بذلك: حمامةَ المسجد، وكانت جبهتُه صارت كرُكْبةِ البعير لكثرة سجوده على الأرض -وقيل: على الحجارة المحمَّاة بالشمس- وجعل يخرج كلما فرغ رسول اللَّه -ﷺ- من الفجر بالجماعة من غير لبثٍ واشتغالٍ بدعاء أيامًا، فقال له ﵇: "مالك صرت تعمل أعمال المنافقين من تعجيل الخروج بعد الجماعة؟ "، فقال: يا رسول اللَّه، إني في غاية الفقر والفاقة، ولي ولامرأتي ثوبٌ واحد وهو الذي عليَّ، فأنا أصلِّي فيه هاهنا وهي عريانةٌ في البيت، ثم أعود إليها فأنزعه وهي تلبسه فتصلي فيه، فسَلِ اللَّه أن يوسِّع عليها، ثم القصة على ما سقناها (^٢).
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٢٥٣)، والطبري في "التفسير" (١١/ ٥٧٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧٨٧٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٢) من حديث أبي أمامة ﵁، قال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولًا بأسانيد ضعاف. وقال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" (ص: ٦٦): منكر بمرَّة.
(٢) ذكره حقي في "روح البيان" (٣/ ٤٦٩)، والآلوسي في "روح المعاني" (١٠/ ٤٣٢).
[ ٧ / ٤٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: وسَّع علينا المالَ ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾؛ أي: لنتصدَّقن، أُدغمت التاء في الصاد وشُدِّدت؛ أي: لنصرفنَّ (^١) في وجوه الخير من الجهاد وغيره ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين﴾.
قيل: مِثْلَ عثمان بنِ عفان وعبدِ الرحمن بن عوف في البذل والسخاء.
* * *
(٧٦) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: ووسَّع اللَّه عليهم الدنيا ﴿بَخِلُوا بِه﴾؛ أي: بالفضل، فمنعوا حقوقه ﴿وَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: عن طاعة اللَّه وطاعة رسوله في أداء حقوق الأموال ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: عن الإسلام وأحكامه.
* * *
(٧٧) - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾: قال مجاهدة فأعقبهم اللَّهُ نفاقًا (^٢)؛ أي: جعل عاقبةَ ذلك نفاقًا.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: ترديدًا واضطرابًا في العقيدة، وشكًّا في الإسلام، وهذا من اللَّه تعالى جزاءٌ لهم على بخلهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل: فأَعقبهم دوامًا على نفاقهم (^٣)،
_________________
(١) في (ف): "لنصدقن".
(٢) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٤/ ٣٥٠)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٦٤) بلفظ: (أعقبهم اللَّه ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٣٣).
[ ٧ / ٤٢٢ ]
فقد (^١) قيل: كانوا منافقين فخذلهم اللَّه وتركهم في ضلالهم لاختيارهم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾: أي: إلى يوم القيامة، وهو لتأبيدِ نفاقهم، فمَن بقي منافقًا إلى يومِ القيامة لم يثبت له حكمُ الإسلام أبدًا.
ثم هو حجة لنا في مسألةِ خَلْق الأفعال، ومسألة (^٢) الأصلح.
وقال الحسن: فأَعقبهم بخلُهم نفاقًا (^٣)؛ أي: صار سببًا لذلك، وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾؛ أي: يرون بخلَهم؛ كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: فوَعْدُهم: عهدُهم المذكور في أول الآية، وكذبُهم: قولُهم: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ودلَّ على أنَّ مَن قال: لأفعلنَّ كذا، وهو ينوي ألا يفعله كان كاذبًا.
وقال النبيُّ -ﷺ-: "ثلاثٌ من علامات المنافق (^٤): إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أَخْلَف، وإذا اؤتُمن خان" (^٥)، ومعناه: إذا استحلَّ ذلك، أو كانت هذه الأشياء في الدِّين لا في معاملة الخَلق.
وذكر محمد بن جرير في "تفسيره" عن معبد بن ثابت أنه قال في هذه الآية: إنما هو شيء نوَوْه في أنفسهم ولم يتكلَّموا به يدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله تعالى:
_________________
(١) "فقد" ليست في (أ).
(٢) في (ر): "ومثله".
(٣) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٤/ ٣٥٠).
(٤) في (أ): "المنافق".
(٥) رواه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٧ / ٤٢٣ ]
(٧٨) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (^١): استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: يعلم ما أَسرُّوه في أنفسهم يومَ عاهدوه وما يتناجَونه فيما بينهم مما لا يَشْرَكُهم في العلم به غيرُهم من الطعن على شرائع الإسلام من الصدقات ووجوهِ الطاعات، وهو علَّامُ الغيوب لا يخفى عليه من الغائبات شيءٌ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: من الغائبات عن الخَلق، ولا يَغيب عن اللَّه تعالى شيء (^٢).
* * *
(٧٩) - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾: أي: هم الذين يَعيبون المتطوِّعين، أُدغمت التاء في الطاء وشدِّدت، وقوله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المخلِصين في الصدقات الزائدة على الزكَوات اللازمة، فيقولون: يراؤون بما يفعلون.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: أي: ويَعيبون الفقراء الذين يأتُون بما لا يَفي حالهم بأكثرَ منه، والجُهْد بالضم: الطاقة، والجَهْد بالفتح: المشقَّة (^٣).
_________________
(١) لم أجده عند الطبري، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٧٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٧٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٣٤).
(٣) ويجوز في معنى الطاقة فتح الجيم أيضًا. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: جهد).
[ ٧ / ٤٢٤ ]
وقال الشعبيُّ: الجَهد بالفتح: في العمل، والجُهد بالضم: في القوت (^١).
وقيل: هما لغتان كالضَّعف والضُّعف، والكَرْه والكُرْه، وهما الحملُ على النفس بما يشقُّ عليها.
وقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُم﴾: أي: يَهْزَؤون.
وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾: أي: جزاهم (^٢) جزاءَ سُخريتهم، وقد بينَّا نظائره في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله تعالى ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة.
وقال الكلبي: قال النبيُّ -ﷺ-: "اجمعوا صدقاتكم"، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلافِ درهم، وقال: قد كان لي ثمانيةُ آلافِ درهم، فأقرضتُ ربِّي أربعةَ آلافٍ وأمسكتُ لنفسي أربعةَ آلاف، فقال ﵇: "بارك اللَّهُ لك فيما أَعطيتَ وفيما أمسكتَ"، ثم جاء عمر بنحو ذلك، وجاء عاصم بن عديٍّ بسبعين وسقًا من تمر -وفي رواية: بمئة وسقٍ-، فلمَزه المنافقون وقالوا: ما أعطاه إلا رياءً، وجاء أبو عقيلٍ بصاعٍ من تمر، فأمره رسول اللَّه -ﷺ- أن يضعه فوق الصدقات، فلمزه المنافقون وقالوا: كان اللَّه غنيًّا عن صاع أبي عقيل، ولكنه أحبَّ أن يذكِّر نفسه ليعطى من الصدقة (^٣).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٦٩).
(٢) في (ف) و(أ): "جازاهم".
(٣) رواه أبو الشيخ في "تفسيره" عن الحسن مرسلًا مطولًا كما في "الدر المنثور" (٤/ ٢٥٢)، وللقصة شواهد عن جمع من الصحابة والتابعين رواها الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٨٨ - ٥٩٦)، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عند البزار (٢٢١٦ - كشف الأستار). وخبر أبي عقيل رواه البخاري (١٤١٥)، ومسلم (١٠١٨) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
[ ٧ / ٤٢٥ ]
وقال مقاتل: الذين يلمزونهم هم معتِّبُ بن قُشير وحَكيم بن زيد (^١)
وقال عطاء: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: سهل بن رافع (^٢).
وقيل: هو أبو خيثمة.
وفي رواية: قال لعبد الرحمن: "أكثرتَ يا عبد الرحمن، هلا تركتَ لأهلك شيئًا" قال: تركتُ لهم شطرَ مالي، فدعا له بما روينا (^٣).
* * *
(٨٠) - ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾:
قال الإمام أبو منصور ﵀: قال عامةُ المفسرين: لمَّا مات عبد اللَّه بن أبيٍّ أراد رسول اللَّه -ﷺ- أن يصلِّي عليه، فأخذ عمر بثوبه فقال: ما أمرك اللَّه بهذا؛ قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فقال: "قد خيَّرني ربي" فقال عمر ﵁: إنه قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال: "أَزيد على السبعين فعسى اللَّه ان يغفر لهم" فأنزل اللَّه عند ذلك ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (^٤)، ولكن هذا
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٨٦).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٦٨) من طريق عطاء عن ابن عباس. وتحرف فيه، "رافع" إلى: نافع.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٨٥).
(٤) رواه مختصرًا عبد الرزاق في "تفسيره" (١١١٣) عن قتادة، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٠١) عن =
[ ٧ / ٤٢٦ ]
يَبْعُد، أن يفهم رسول اللَّه ﵇ التخييرَ وعمرُ يمنعه عن ذلك، ولا يجوز أن يفهم التخيير من ذلك، أو يخرج ذلك على التحديد، أو تكون هذه منسوخةً بالآية التي في المنافقين لأنه وعيدٌ والوعيد لا يحتمِلُ النسخ.
والوجه فيه واللَّه أعلم: إن استغفرتَ لهم فإن استغفارك ليس بالذي يردُّ ولا يجاب، لكنهم كفروا باللَّه ورسوله، وقد تعلم من حُكمي أني لا أغفر لمن مات على ذلك، فخرج ذلك على الاعتذار لرسول اللَّه -ﷺ- في ذلك، والنهيِ (^١) له عن الاستغفار؛ كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، وقد علم هو كفرَ المنافقين؛ إذ لا يُحتمَل أن يكون ذلك قبل أن يطَّلع رسول اللَّه -ﷺ- على كفرهم (^٢).
وقال غيره: قوله ﷿: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُم﴾ ليس بأمرٍ، وقوله: ﴿أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ليس بنهي، ﴿أَو﴾ ليس بتخييرٍ، بل هو تسويةٌ بين الفعلين: أنه لا يقع به المغفرة،
_________________
(١) = ابن عباس، وإسناده ضعيف جدًا. وأورد عليه أنّ سورة براءة آخر ما نزل فكيف تكون الآية التي في (سورة المنافقين) نازلة بعدها. قاله الشهاب في "الحاشية" (٤/ ٣٤٩). وقال ابن حجر "الكافي الشافي" (ص: ٧٨): (وأصله في المتفق عليه عن ابن عمر ﵄ قال: لما توفي عبد اللَّه بن أبي جاء ابنه إلى رسول اللَّه -ﷺ- فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام يصلي عليه، فأخذ عمر ﵁ بثوبه فقال: أتصلي عليه وقد نهاك اللَّه أن تصلي عليه؟ فقال: "إنما خيرني فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، وسأزيده على السبعين" فصلى عليه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ فتُركت الصلاة عليهم. لفظ مسلم). قلت: رواه البخاري (٤٦٧٠، ٤٦٧٢)، ومسلم (٢٤٠٠).
(٢) في (أ): "النهي" دون الواو، ولها وجه، لكنها وقعت في باقي النسخ "والتأويلات": "والنهي"، بالواو.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٣٦).
[ ٧ / ٤٢٧ ]
وطريقُه طريقُ قول الرجل: اطلب مني هذا أو لا تطلب، فإن طلبت سبعين مرة فلَمْ أعطِكَ، هو بيانٌ أنه لا يقع في ذلك ولا أثر لذلك، والتقدير بالسبعين ليس يُقصَر عليه، بل هو بيانُ الكثرة والمبالغةُ فيها، فإن السبعين جمع السبع، وعلى السبع أكثر الأعداد: عددُ السماوات والأرضين، والأقاليمِ والبحارِ والأعضاء، وتاراتِ بني آدم وأرزاقهم (^١)، والأيام السبعة، وأسباع القرآن، وأيام الدنيا، وغير ذلك، والجمع نهاية فيه، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وقوله: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢]، وقولى النبي -ﷺ- "ما أصرَّ مَن استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (^٢).
فمعناه: إنك وإن انتهيتَ في عدد الاستغفار لم ينفعهم ذلك.
وقيل: كان يستغفر لهم بطلبهم وكانوا يسخرون بذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ الآية [الفتح: ١١]، ولذلك قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]؛ أي: سواء عندهم، فليس ذلك منهم على الجِدِّ والتحقيق.
وقيل معناه: سواءٌ عند اللَّه في حقهم الاستغفارُ وتركُه؛ لِمَا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: أي: الخارجين عن الإيمان، ما داموا مختارين (^٣) للكفر والطغيان.
وقال القشيري ﵀: مَن غلبَتْه الشِّقوة لم تنفعه الشفاعةُ والدعوة، وصريعُ القدرة لا يُنعشه الجهد والحيلة (^٤).
_________________
(١) في (ر): "وأرزاق بني آدم"، بدل: "وتارات بني آدم وأرزاقهم".
(٢) رواه أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩)، من حديث أبي بكر ﵁. قال الترمذي: هذا حديثٌ غريب إنما نَعْرِفُه من حديث أبي نُصَيْرَةَ، وليس إسنادُه بالقويِّ.
(٣) في (ر): "والمختارين"، بدل: "ما داموا مختارين".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٩).
[ ٧ / ٤٢٨ ]
(٨١) - ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: المخلَّفون: الذين لم يخرجوا مع رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنين إلى غزوة تبوك، ولتسميتهم بذلك معانٍ:
أحدها: أن اللَّه تعالى خلَّفهم، وهم الذين ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾.
والثاني: أن النبيَّ -ﷺ- لم يأذن لهم (^١) بالخروج وتركهم.
والثالث: أن النبيَّ -ﷺ- والمؤمنين لم يَعبؤوا بهم، ولا عَدُّوهم في جملةِ مَن يُتكثَّر بمثلهم في العسكر أو يُعتضَد بهم في رأيٍ ومشورةٍ لمَّا علموا بتثاقلهم عن الجهاد.
وتسميتُهم بذلك على هذه الوجوه تهجينٌ (^٢) لهم وسبٌّ وذمٌّ، وفي معناه يقول الأخطل يهجو قومًا:
مخلَّفون ويقضي الناسُ أمرَهم (^٣)
وقوله تعالى: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ يجوزُ أن يكون مصدرًا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ [القدر: ٥]؛ أي: بقعودهم، ويجوز أن يكون موضعًا ومعناه: فرحوا بالمدينة وبمنازلهم وحوائطهم لِمَا نالوا من الدَّعة والراحة.
وقوله تعالى: ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾؛ أي: على مخالفته (^٤) بمعنى المصدر.
_________________
(١) في (ر): "تأذن لهم"، بدل: "لم يأذن لهم".
(٢) في (ر): "تهجير".
(٣) وعجزه: وهم بغيبٍ وفي عَميَاءَ ما شَعروا انظر: "المقاصد النحوية" للعيني (٢/ ٥٩٣).
(٤) في (ف): "بمخالفته" بدل: "على مخالفته".
[ ٧ / ٤٢٩ ]
وقيل: أي: خَلْف رسول اللَّه -ﷺ-، وهو كقوله ﷿: ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] وقرئ: ﴿خِلَافَكَ﴾، على المعنيين.
وقوله تعالى: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: استَثقلوا ذلك لكفرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾: أي: قال بعضهم لبعضٍ -وقيل: قالوا للمؤمنين-: لا تخرجوا للغزو، فإنه وقع في شدة حرٍّ لا يؤمَن معها قلةُ المياه وكَلالُ الظهور والضعفُ عن المشي، فعاب اللَّه ﷿ هذا من قولهم وهدَّدهم عليه بالنار، وذلك قوله تعالى:
﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾: أي: أخبِرهم يا محمدُ أن لهم على تخلُّفهم وتثبيطهم غيرَهم نارَ جهنم إليها مصيرُهم، وتأذِّيهم بحرِّها أشدُّ من تأذِّيهم بحرِّ الشمس والهواء.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: لو تدبَّروا وتفكَّروا كما يفعل ذلك مَن فَهِم وفَقِه، ولو فَقِهوا وفهموا (^١) لاحتملوا قليل التعب والأذى في طاعة اللَّه ليُفضيَ بهم ذلك إلى النعيم المقيم.
وقال ابن عباس ﵄: ضرب النبيُّ -ﷺ- عسكره على ثنية الوداع، وضرب عبد اللَّه بن أبيِّ عسكره أسفلَ من الثنية، وكان أعظمَ العسكرين، فلما سار رسول اللَّه -ﷺ- فتخلف عبد اللَّه فيمَن تخلَّف من المنافقين وأهل الريب، فنزلت الآية (^٢).
_________________
(١) "وفهموا" ليست في (أ) و(ف).
(٢) لم أجده عن ابن عباس، ولم أجده في نزول هذه الآية، وروى الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٩٠ - ٤٩١) هذه القصة من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [التوبة: ٤٨]، وقد تقدم عند تفسير الآية المذكورة.
[ ٧ / ٤٣٠ ]
وقال مقاتل: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾؛ أي: رضي المخلفون ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾:
بقعودهم عن غزوة تبوك ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وهم بضعةٌ وثمانون رجلًا، فمنهم مَن اعتلَّ بشدة الحر، ومنهم مَن اعتلَّ بالعسرة ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ وقال بعضهم لبعض: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ مع محمد، نزلت في سبعة منهم أبو لبابةَ وأصحابه، فإن (^١) الحر شديد والسفر بعيد ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: يعلمون (^٢).
* * *
(٨٢) - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾: أمرٌ (^٣) بمعنى التهديد؛ كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ومعناه: يضحكون على فرحهم بتخلُّفهم، وهذا في الدنيا قليل ثم يكون في الآخرة بكاءً كثيرًا دائمًا لا ينقطع.
قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: من الكفر والنفاق والمعاصي.
* * *
(٨٣) - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾: أي: رجعك (^٤) اللَّه من غزوةِ تبوك إلى المدينة، وقد بقي من المنافقين طائفةٌ وهلكت طائفةٌ.
_________________
(١) قوله: "فإن"، كذا في النسخ، وفي "تفسير مقاتل": (قالوا).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٨٧).
(٣) من هنا وقع خرم في (ر) بمقدار ورقتين، وسوف نبين نهايته في موضعها.
(٤) في (ف): "ردك".
[ ٧ / ٤٣١ ]
وقيل تخصيص طائفةٍ منهم تخصيصُ رؤسائهم.
وقد روى شعبة عن قتادة أنهم كانوا اثني عشر رجلًا (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾: أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾؛ أي: فامنعهم عن الخروج معك للقتال، عاقِبْهم بأنْ لا تستصحِبَهم (^٢) استخفافًا بهم، ودلالةً على سقوط محلِّهم والاستغناء في الأمور عنهم.
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فلم تخرجوا إلى تبوك ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قال الحسن وقتادة: أي: مع النسوان والصبيان (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: أي: مع مَن تخلَّف من المنافقين بغيرِ عذرٍ (^٤).
وقيل: مع مَن تخلَّف عن الجهاد بعذرٍ من العميان والزَّمْنى.
وقيل: مع أهل الفساد، من قولهم: خَلَف فوهُ خُلوفًا: إذا تغيَّر إلى الفساد.
وقال القشيري ﵀: يقول: لا تنخدعْ لتملُّقهم، ولا تَثِقْ بقولهم، ولا تمكِّنْهم من صحبتك فيما يظهرونه من الوفاق، بعد ما ظهر وتقرَّر منهم الكذب والنفاق، وإذا انقطع سلكُ العهد لم يحتمل الشدّ، وإذا اتَّسع الخرقُ لم ينفع بعده الرقع (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٠٩) من طريق سعيد عن قتادة. وسعيد هو ابن أبي عروبة، فلعل كلمة (شعبة) في النسخ محرفة عن: (سعيد).
(٢) في (ف): "تصحبهم".
(٣) ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٨٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٠٩) عن قتادة بذكر النساء فقط.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٧٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٨٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٠٩) بلفظ: (والخالفون الرجال).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٠). وفيه: (. . . وإذا وهن سلك العهد. . .)، وهو الصواب، فإن المنقطع لا يصلح ذكر الشد معه، وإنما يكون ذاك للَّذي وهن.
[ ٧ / ٤٣٢ ]
(٨٤) - ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾: هذه فضيحةٌ لهم بعد الوفاة، وما ذُكر قبلها خزيٌ لهم في حالة الحياة.
وقال قتادة: دخل رسول اللَّه ﵇ على عبد اللَّه بن أبيٍّ ابنِ سلولَ في مرض موته وكان دعاه (^١)، فسأله أن يصليَ عليه ويقومَ على قبره ويكفنَه في قميصه، ففعل ذلك، فنزلت الآية (^٢).
وعن عمر ﵁ أنه قال: لمَّا توفي عبد اللَّه بن أبيٍّ ووضعناه ليصلَّى عليه، قام رسول اللَّه ﵇، فقلت: أتصلي على عدوِّ اللَّه، القائلِ يوم كذا: كذا، والقائل يوم كذا: كذا، وعدَّدتُ أيامه الخبيثة، فتبسم رسول اللَّه ﵇ وصلَّى عليه، ثم مشى معه وقام على حفرته حتى دُفن وانصرف، فواللَّه ما لبث إلا يسيرًا حتى نزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية، فما صلى رسول اللَّه ﵇ على منافقٍ أبدًا ولا قام على قبره (^٣).
وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديره: ولا تصلِّ أبدًا على أحدٍ منهم مات ولا تَقُمْ على قبره.
قيل: هو نفسُ القيام وهو نوعُ إكرام.
وقيل: هو القيامُ بأسباب دفنه ومواراته (^٤).
_________________
(١) في (ف): "عاده".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ١٦١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٦١٤).
(٣) رواه بنحوه البخاري (١٣٦٦)، ومسلم (٢٤٠٠).
(٤) في (أ): "وموالاته".
[ ٧ / ٤٣٣ ]
وفي "التأويلات" أنه قيل: يا رسول اللَّه! تُلبِسُ عدوَّ اللَّه قميصك، قال: إني لأرجو أن يُسلم بقميصي ألفٌ من بني الخزرج (^١)، وكان كذلك (^٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾: أي: قد كفروا وأصرُّوا وعليه ماتوا، فليسوا أهلًا في إجلالك.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ أي: مُعلِنون للمعاصي.
وقال القشيريُّ ﵀: يقول: ليس بعد التبرِّي تولِّي، ولا بعد الفراق وِفاق، ولا بعد الحَجْبة قُربة (^٣).
* * *
(٨٥) - ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
قوله تعالى ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: فسَّرنا الآية مرةً، ومعنى التكرير: المبالغةُ في التأكيد والتقرير، أو لأن كلَّ آيةٍ في فرقةٍ غيرِ الأخرى.
ومعنى اتصالها بالأولى: أَمْضِ في المنافقين هذه الأحكامَ ولا يَهولنَّك ما يتكثَّرون به من الأموال والأولاد.
_________________
(١) رواه ابن شبة في "أخبار المدينة" (٧٣٢) عن الحسن، و(٧٣٤) عن قتادة، وفيهما: (من بني النجار) بدل: (من بني الخزرج). ورواه عن قتادة أيضًا الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦١٤)، وفيه: (من قومه).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٤٠). وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٦٣). وفيه: (فيروى أنه أسلم من بني الخزرج ألف لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول اللَّه -ﷺ-). قلت: وهذا كله لم يرد به خبر يصلح للاحتجاج به.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥١).
[ ٧ / ٤٣٤ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: ولا تحسبنَّ أن تمكين أهل النفاق من تنفيذِ مرادهم وتكثيرِ أموالهم وأولادهم إسداءُ معروف منا إليهم، وإسباغُ إنعامٍ من لدُنَّا عليهم، إنما ذلك مكرٌ بهم واستدراجٌ لهم، وإمهالٌ لا إهمال، وسيلقون (^١) غبَّه عن قريب (^٢).
* * *
(٨٦) - ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.
قوله تعالى ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾: هو الأمر بابتداء الإيمان في حقِّ الكافرين، وبالدوام على الإيمان في حقِّ المؤمنين، وأمرٌ بالإخلاص في حق المنافقين.
قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾: أي: جاهدوا الكفار مبايِعينَ (^٣) لرسوله.
قوله تعالى: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄ ومقاتل والحسن: أي: أولو الغنى (^٤).
وقال ابن كيسان: وهو الكثيرُ المنظور إليهم (^٥).
وقيل: الطَّول: العُدَّة التي يُتمكَّن بها من مطاولة الأعداء.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: أي: دعنا (^٦) نقعدْ مع المتخلِّفين.
_________________
(١) في (ر): "وسيقولون"، وفي (ف): "وسيطوقون"، والمثبت من "اللطائف"، ولعل ما في (أ) محرف عنه.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥١).
(٣) في (ف): "متابعين".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦١٦) عن ابن عباس، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٥٨)، وذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٨٥) عنه وعن الحسن. وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٨٨).
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٨٥) بلفظ: (الكبراء المنظور. .).
(٦) في (أ): "ذرنا".
[ ٧ / ٤٣٥ ]
(٨٧) - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾: أي: النساءِ المتخلِّفات، والفواعل (^١) جمع الإناث.
وقيل: معناه: مع الخِسَاس، من قولهم: فلانٌ خالفةُ أهله، إذا كان دونهم في أسباب الفضل، وهذا تعييرٌ لهم وذمٌّ.
قوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أي: خُتم عليها فخُذلوا لاختيارهم الكفر والنفاق.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾: قيل: لا يعلمون.
قال الضحاك: أي: لا يقبلون أمر اللَّه (^٢)، وهذا كقوله: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]؛ أي: لا نقبل.
قال الإمام أبو منصور: الفقه: معرفةُ الشيء بمعناه الدالِّ على نظيرِه، ومنَعَهم الطبعُ أن يعرفوا الأشياء (^٣) بمعانيها ونظائرها للحجاب الذي وقع، فإن الإيمان نورٌ تبصَر به عواقبُ الأمور، وتُرفع السُّتور عن القلوب، والكفرُ ظلمةٌ تَستر ذلك (^٤).
وقال الإمام القشيري ﵀: تعلَّل أولو السَّعة وركَنوا إلى اختيار الدَّعة، وقعدوا عن بساط العبادة، ورضُوا بالتعريج في ميدان التفرقة، ولو أنهم رجعوا إلى اللَّه بصدق النَّدم لقابلهم بالفضل والكرم، ولكن القضاء غالبٌ والتكلُّفَ ساقط (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ف): "والقواعد".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٨٦) وتحرف فيه "يقبلون" إلى: (يعلمون).
(٣) في (أ): "الأسباب"، والمثبت من (ف) و"التأويلات".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٤٣).
(٥) في (ف): "والتكليف ساقط" والمثبت من (أ) و"اللطائف". انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٢).
[ ٧ / ٤٣٦ ]
(٨٨) - ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾: وهو صفةُ الرسول ﵊ والمخلِصين الذين معه، بخلافِ صفة أولئك المنافقين.
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾: أي (^١): المنافعُ والمحاسن في الدارين: من الأمن، والثناء الحسن، والصحبةِ مع رسول اللَّه -ﷺ- في المغازي وإصابة المغنم، وصلاةِ النبيِّ ﵇ عليهم، والقيام على قبورهم، وفي الآخرة بالكرامات الموعودة في الجنة.
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بكلِّ مطلوب والبالغون في أنفسهم وأعدائهم كلَّ مأمول.
* * *
(٨٩) - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: وهذا ظاهر.
* * *
(٩٠) - ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾: يقال: اعتَذرْتُ إلى
_________________
(١) في (أ): "أي مع".
[ ٧ / ٤٣٧ ]
فلان؛ أي: تكلَّمت بالعذر، فعذرني -بالتخفيف- أي: قَبِل عذري، وأَعْذرْتُ (^١) إليه؛ أي: أقصتُ العذرَ الصحيح على أمري، وعذَّرتُ -بالتشديد- أي: أتيتُ بما هو صورةُ العذر ولا عذرَ لي فيه حقيقةً.
والآية قرئت بقراءتين: بالتخفيف وهي قراءةُ ابن عباس (^٢)، وبالتشديد وهي قراءة سائر الناس.
وبالتخفيف إخبارٌ عن قوم أتوا بالعذر الصحيح فعُذِروا، وبالتشديد إخبارٌ عن أعراب تكلَّموا بالعذر ولا عذر لهم فلم يُعذَروا، وفي الآية ذمٌّ لهم.
وجملتُه: أن نزول السورة في الجهاد، وصار الناس على أصناف:
منافقو أهل المدينة: وقد ذكرهم في قوله: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾.
والمخلصون: وذكرهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾.
وأعراب أهل البادية مَن لهم عذر حقيقةً أو لا عذرَ لهم، وذكرهم اللَّه في قوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ من الأعراب على القراءتين.
وآخرون من الأعراب تخلَّفوا من غيرِ استئذانٍ، وذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَه﴾؛ أي: أظهروا الإيمان باللَّه ورسوله وهم كافرون في الباطن، فقد كذَبوا بذلك اللَّه ورسولَه.
وقيل إنهم بايعوا رسول اللَّه -ﷺ- على الجهاد ثم تخلَّفوا عن هذه الغزوة، فقد كذَبوا اللَّه ورسوله فيما قالوا في تلك البيعة.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "واعتذرت"، والصواب المثبت.
(٢) كما في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩)، وهي قراءة يعقوب من العشرة كما في "النشر" (٢/ ٢٨٠)، ورواية عن الكسائي -في غير المشهور عنه- كما في "جامع البيان" للداني (٢/ ١٨٢).
[ ٧ / ٤٣٨ ]
وقيل: لمَّا دعاهم رسول اللَّه -ﷺ- إلى هذه الغزوة قالوا: نستعدُّ (^١) ونلحقُ بك، فلم يفعلوا فذلك كَذِبُهم.
قوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا والآخرة بكفرهم وكذبهم، ولم يقل: سيصيبهم، [ليدلَّ على أن من أهل النفاق مَن قد آمن، وأن مَن تاب يُقبل ذلك منه] (^٢) [فيكون قوله]: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيةَ لمن مات منهم على الكفر ولم يخلص، دون مَن تاب وأخلص.
وقوم آخرون (^٣) من ضعفاء المسلمين لم يكن لهم عُدَّةٌ فجاؤوا واستعانوا، فذلك قوله تعالى:
* * *
(٩١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾:
فالضعفاء: هم الذين لا قوةَ لهم بسبب كبرِ سنٍّ أو زَمانةٍ أو عَرَجٍ أو عمًى.
والمرضى: الذين بهم علةٌ يرجى زوالها إلا أنه في الحال لا طاقةَ بهم.
والذين لا يجدون ما ينفقون: هم الفقراء.
فهؤلاء لا حرج عليهم؛ أي: لم يضيِّق اللَّه تعالى عليهم بالقعود بل وسَّعه عليهم.
_________________
(١) في (ف): "سنستعد".
(٢) ما بين معكوفتين من "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٤٥)، والكلام فيه بنحوه، وما جاء بعده بين معكوفتين زدناه ليستقيم السياق.
(٣) في (ف): "وهم قوم" بدل: "وقوم آخرون"، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية.
[ ٧ / ٤٣٩ ]
قوله: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: لم يثبِّطوا غيرَهم من الموسِرين والأصحَّاءِ عن الخروج، ولم يوهِموهم أن قعودهم كان لجواز التخلُّف لكلِّ مَن أراده، بل بيَّنوا سبب تخلُّفهم، وحرضوا القادرين عليهم (^١)، وقاموا بأسبابهم عند خروجهم وأسبابِ مَن خلَّفوهم بالمعونة.
قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾: وهم هؤلاء ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفر لهم تخلُّفهم، ويرحمُهم بإزالة الحرج عنهم.
* * *
(٩٢) - ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾: أي: ولا حرجَ أيضًا على الأصحاء (^٢) الذين لا يستطيعون المشي ويحتاجون إلى المركب، وجاؤوك يا محمد وسألوك أن تعطيَهم مراكب تحملُهم عليها، وقد حمل الأمير فلانًا؛ أي: أعطاه مركبًا.
قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: أي: قد فرَّقت ما كان عندي على الناس فلم يبقَ شيء أهيِّئُ به مراكبكم.
قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾: أي: انصرفوا من عندك وهم يبكون تأسُّفًا على فَوتِ صحبتك وتخلُّفِهم عنك، وهذه أمارةُ إخلاصهم وقعودهم بالعُذر، وشدةِ شوقهم إلى لقاء رسول اللَّه -ﷺ- وتحسُّرِهم على فَوت ثواب الجهاد.
_________________
(١) في النسخ: "عليهم" والصواب المثبت. انظر: "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية.
(٢) في (أ): "المرضى". والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية.
[ ٧ / ٤٤٠ ]
واختلفوا فيمَن نزلت فيهم هذه الآية:
قال مجاهد: في نفرٍ من مُزينةَ (^١)، وهم مَعْقلُ بنُ مقرِّنٍ والنعمانُ بن مقرِّن (^٢).
وقال مقاتل: نزلت في سبعة نفرٍ من جُهينةَ ومُزينةَ وبني عُذرةَ (^٣): عمرو بن خيثمة (^٤) من بني عمرو بن عوف، وعُلبة بن زيد أخو بني حارثة (^٥)، وعمرو بن حزم من بني واقف (^٦)، وسالم بن عمير وعبد الرحمن بن كعب وهو أبو ليلى من بني
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٢٥) بلفظ: (هم بنو مقرن من مزينة)، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٧١)، والقرطبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣): وعلى هذا جمهور المفسرين. وانظر التعليق الآتي.
(٢) "والنعمان بن مقرن" من (ف)، وفي الاقتصار على اسم أو اثنين نظر، فقد كانوا سبعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي -ﷺ- ولم يشاركهم في هذه المكرمة غيرهم، وهم: النعمان، ومعقلٌ، وعقيلٌ، وسويدٌ، وسنانٌ، وعبد اللَّه، وعبد الرحمن. انظر: "الاستيعاب" (٣/ ١٤٣٢)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ٣٣٣)، و"تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (١/ ٣٣٦ و٣٥٦)، و"القاموس" (مادة: قرن).
(٣) قوله: "من جهينة ومزينة وبني عذرة" ليس في "تفسير مقاتل".
(٤) في (أ): "خيثم"، والمثبت من (ف)، ولم أقف على أي منهما. وفي "تفسير مقاتل": (عمرو بن عبسة)، وفي نسخة منه: (عمرو بن غنمة)، وقد ذَكر غيرُه عمرَو بن غنمة في البكائين، لكن من بني سلمة لا من بني عمرو بن عوف، وذَكر من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير. رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٢٦) عن محمد بن كعب وغيره.
(٥) في (أ) و(ف): "وعلية بن زيد بن حارثة"، ووقع في اسمه في "تفسير مقاتل" تحريف كثير، والصواب المثبت. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥١٨)، و"الاستيعاب" (٣/ ١٢٤٥)، و"الإصابة" (٤/ ٥٤٦)، وغيرها. قال الحافظ: علبة بضم أوله وسكون اللام بعدها موحدة، ابن زيد بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي. ذكره ابن إسحاق وابن حبيب في "المحبّر" في البكّاءين في غزوة تبوك. . . إلى آخر ما قال.
(٦) في "تفسير مقاتل": (وعمرو بن حزام من بني سلمة)، وفي خبر محمد بن كعب وغيره المتقدم: (ومن بني واقف: هرمي بن عمرو). وفيه وفي غيره ممن ذكر اختلاف كثير في كتب السيرة والتفسير.
[ ٧ / ٤٤١ ]
النجار، وعمرو بن خزيمة من بني سلمة، هؤلاء الستة هم من الأنصار، وعبد اللَّه بن المغفل المزني، أتوا النبي ﵇ فقالوا: احملنا فإنا لا نجد ما نخرج عليه، فقال: "لا أجد ما أحملُكم" فانصرفوا يبكون (^١).
وقال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعريِّ وأصحابه (^٢).
وقيل: هم معقل بن يسار، وصخر بن سلمان، وعبد اللَّه بن كعب، وسالم بن عمر، وثعلبة بن عثمة؛ كلهم من الأنصار، وعبد اللَّه بن المغفل وصخر بن خنساء.
وقال قتادة: نزلت في عائذ بن عمرو وغيره (^٣).
قال أبو مسعود الأنصاري: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﵇ فقال: احملني، فقال: "ليس لي ما أحملُك، ائتِ فلانًا فإنه يحملك"، فأتاه فحمله، فأُخبر رسول اللَّه بذلك، فقال رسول اللَّه ﵇: "مَن دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرِ مَن عَمِله" (^٤).
وقال الحسن: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ هي في عبد اللَّه بن أم مكتوم وأصحابه (^٥).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٨٩ - ١٩٠).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٥٩٥). وانظر حديث أبي موسى ﵁ في "صحيح البخاري" (٣١٣٣)، و"صحيح مسلم" (١٦٤٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٢٣) دون كلمة: "وغيره". وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٨١) وفيه: (وأصحابه).
(٤) رواه أبو داود (٥١٢٩).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٨١) عن الضحاك. وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٦١) عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول اللَّه -ﷺ- فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول اللَّه -ﷺ- ينظر ما عليه إذ جاءه أعمى فقال: كيف بي يا رسول اللَّه وأنا أعمى؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾.
[ ٧ / ٤٤٢ ]
(٩٣) - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾: أي: سبيلُ اللوم والعتاب والعقاب ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾: ومعنى التكرير المبالغة في التقرير.
وكذلك قوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
* * *
(٩٤) - ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: أي: يعتذر إليك هؤلاء المنافقون المتخلِّفون إذا رجعتُم إلى المدينة التي فيها مساكنكم ومساكنهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾: أي: لا تقبلوا عذرَهم وقولوا لهم: لا تتكلَّموا بالعذر ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾؛ أي: فإنَّا لا نصدِّقكم.
قوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾: أي: قد عرَّفنا اللَّه (^١) إضمارَكم عداوتَنا وكذبَكم في معاذيركم.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾:
قال ابن عباس ﵄: أي: إنْ عملتُم خيرًا وتبتُم إلى اللَّه مِن تخلُّفكم فسيرى اللَّه عملكم ورسولُه فيما تستأنِفون، ثم ترجعون ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
_________________
(١) هنا نهاية الخرم في (ر).
[ ٧ / ٤٤٣ ]
وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: إلى جزاء اللَّه لا يخفى عليه شيءٌ، فيخبركم بما عملتُم ويَجزيكم على ذلك (^١)، وهو كقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤].
* * *
(٩٥) - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾: أي: إعراضَ صفحٍ ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾؛ أي: إعراضَ مقتٍ، وأظهِروا لهم الاستخفافَ بهم، وعرِّفوهم أن إقرارهم أوضعُ من أن يَصلحو الصحبة رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾: أي: أنجاسٌ نجاسةَ كفرٍ ونفاق.
وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: وإن لم تُجازِهم في الدنيا وصفَحْتَ عنهم.
* * *
(٩٦) - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: أي: يلتمِس هؤلاء المنافقون المتخلِّفون بحَلِفهم أن يُرضوكم وتَطيبَ قلوبُكم لهم، فلا ترضَوا عنهم، وإنْ أعرضتَ عن عقوبتهم على تخلُّفهم،
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٧).
[ ٧ / ٤٤٤ ]
ولكن أبغِضوهم بقلوبكم ساخطين معاملاتهم إياكم (^١)، فإن اللَّه لا يرضى عنهم لعلمه بكذبهم وفسقهم، ومأوى الفاسقين النار، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾ [السجدة: ٢٠].
قال الإمام القشيري ﵀: مَن كان مسخوطَ الحقِّ لا ينفعُه أن يكون مرضيَّ الخَلْق، وليست العبرةُ بقول غير اللَّه، إنما المدارُ على ما سبق من السعادة في حُكم اللَّه (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: سمى اللَّه الكفارَ والمنافقين فاسقين في آياتٍ وإن كان اسم الكافر والمنافق أبلغَ في الذمِّ من اسم الفاسق؛ لأن اسم الفاسق يأنَفُ منه كلُّ ذي دِينٍ، فإنه خروجٌ عما يَدِينُ به، فأخبر اللَّه تعالى أنهم مع تديُّنهم بالباطل فاسقون في معاملاتهم، خارجون عن دياناتهم، مستوجبون لمَذمَّاتهم.
قال ابن عباس ﵄: نزلت في جدِّ بن قيس ومعتِّب بن قشيرٍ، وكانوا ثمانين رجلًا (^٣).
وقال مقاتل: نزلت في عبد اللَّه بن أبيٍّ لعنه اللَّه، وذلك أنه حلف للنبيِّ -ﷺ- باللَّه الذي لا إله إلا هو لا يتخلَّف عنه وليكوننَّ معه على عدوِّه، وطلب إلى النبي -ﷺ- أن يرضى عنه، فنزلت الآية (^٤)، وحلف عبد اللَّه بن أبي سرحٍ لعمر بن الخطاب أن يرضى
_________________
(١) قوله: "وإنْ أعرضتَ عن عقوبتهم على تخلُّفهم، ولكن أبغِضوهم بقلوبكم ساخطين معاملاتهم إياكم"، كذا وقع في النسخ، ولعل الصواب التبديل بين الجملتين؛ أي: "ولكن أبغِضوهم بقلوبكم ساخطين معاملاتهم إياكم، وإنْ أعرضتَ عن عقوبتهم على تخلُّفهم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٦).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٨٢)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٨٥).
(٤) "فنزلت الآية" من (ر)، وليست في (أ) و(ف)، وفي "تفسير مقاتل" بدلًا منها: (يقول اللَّه: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ يعني: عن المنافقين المتخلفين ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾).
[ ٧ / ٤٤٥ ]
عنه فنزلت الآية، وقال النبيُّ -ﷺ- حين قدم المدينة "لا تجالسوهم ولا تكلِّموهم" (^١).
* * *
(٩٧) - ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: يتصل بما سبق: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ٩٠].
أي: سكان البوادي إذا كانوا كفارًا أو منافقين فهم أشدُّ كفرًا ونفاقًا؛ لبعدهم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وغيبتهم عن مجالسته، وقلةِ ما يَرِدُ عليهم من مواعظ القرآن، فهم بذلك أحرى أن يَجهلوا حدود العبادات والشرائع المنزلة من اللَّه على رسوله.
وقيل: الحدود: الأوامر والنواهي؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
وهو ﴿عَلِيمٌ﴾ بسرائر المؤمنين والكفارِ والمنافقين ﴿حَكِيمٌ﴾ في تعريف أوليائه ذلك ليميِّزوا بين الأولياء والأعداء، وحكيم أيضًا في كلِّ ما يأمر به في حقِّ كلِّ طبقة.
قال ابن عباس ﵄: نزلت في أعاريبِ أسدٍ وغطفانَ ومَن حوالي المدينة منهم (^٢).
﴿وَأَجْدَرُ﴾؛ أي: أحرى ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من فرائضه في كتابه.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٩١). وقول النبي -ﷺ-: "لا تجالسوهم ولا تكلموهم" رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٦٥) عن السدي مرسلًا.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٠). ورواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" (٤/ ٢٦٦) عن الكلبي، فلعله مما روي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ٧ / ٤٤٦ ]
وقال الضحاك: هم أعرابُ بني أسدٍ وبني تميمٍ.
وقال مقاتل: هم أعرابُ مُزينةَ (^١).
وقال ابن كيسان: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾ حجَجَ اللَّه وتوحيدِه وتثبيتِ رسالة رسوله (^٢)؛ لأنَّهم لا ينظرون فيها ولا يعلمونها.
وقال يمانُ بن رئابٍ: حدودُه: الحرام والحلال (^٣).
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يسرُّون ﴿حَكِيمٌ﴾ في احتجاجه.
* * *
(٩٨) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾: أي: ومن هؤلاء الأعراب من يَعُدُّ ما أنفق في نائبةٍ أو وجهِ بِرٍّ وصدقةٍ -كان النبيُّ -ﷺ- يبعث الناس عليها (^٤) - أو في تجهيز غازٍ غرامةً، ولا يفعله حسبةً (^٥)؛ لأنه لا يؤمن باللَّه ولا يصدِّق بالبعث والجزاء، ولا ينال به (^٦) عوضًا في الدنيا، ولا يخاف عقوبةً في الإمساك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾: أي: يَنتظر بكم الحوادث.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٩١).
(٢) في (أ): "رسالة رسله"، وفي (ف): "رسالته"، والمثبت من "البسيط" للواحدي، والكلام منه.
(٣) ذكر القولين الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٥).
(٤) "كان النبي -ﷺ- يبعث الناس عليها" ليست في (أ) و(ف).
(٥) في (ر) و(ف): "حسنة".
(٦) في (أ): "يتألى به" وفي (ر) و(ف): "يناله به"، والمثبت هو الأنسب بالسياق.
[ ٧ / ٤٤٧ ]
قال يمان بن رئابٍ: أي: ينتظِر أن تنقلبَ الأمور عليكم فيموتَ الرسول ويظهرَ عليكم المشركون (^١).
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: أي: عليهم يدور البلاء والخزيُ، فلا يَرون في محمد ودِينه إلا ما يسوءهم.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿دائرة السُّوء﴾ هو بضم السين والباقون بفتحها (^٢).
قال الكسائي: مَن ضمَّ السين أراد بالسوء البلاءَ والشدة وهو إضافة، ومَن فتح السين جعل السوء نعتًا للدائرة، فيكون كقولك: رجلُ سَوءٍ وامرأةُ سَوءٍ.
قال الإمام القشيري ﵀: خبُثت عقائدهم فانتظروا للمسلمين ما تمنَّوه من حلول المحن بهم، فأبى اللَّه إلا أن يَحيق بهم مكرُهم، وقد قيل في المثل: إذا حفرْتَ لأخيك فوسِّع، فربما يكون ذلك مقيلَك (^٣).
ويقال: مَن نظر إلى ورائه لم يوفَّق في كثير من تدبيره ورأيه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: أي: لمقالاتهم (^٥) ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: بنيَّاتهم.
* * *
(٩٩) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٦)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٨٦).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٦)، و"التيسير" (ص: ١١٩).
(٣) في (ر): "مقتلك".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٧).
(٥) في (ف): "لمقالتهم".
[ ٧ / ٤٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: ومن هؤلاء الأعراب مَن يخالفُهم في الصفة، و﴿مَن﴾ للجمع هاهنا لأنه جنس؛ أي: ليسوا بكفارٍ ولا منافقين، بل هم مؤمنون باللَّه واليوم الآخر مصدِّقون بالبعث والجزاء.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: أي: ينفقون في سبيل اللَّه ببعثِ رسول اللَّه ويرونه قربةً؛ أي: طاعةً مقرِّبةً إلى رحمة اللَّه، يرجع إليهم ثوابها، وينالون بها الدرجات في الآخرة، ويكتسبون (^١) بها صلواتِ الرسول: وهو دعاؤه المتبرَّكُ به، واستغفارُه المرجوُّ إجابتُه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾: أي: لهم (^٢) ما نوَوا ورجَوا.
وقوله تعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: في جنته (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: يغفر ذنوبهم ويكفِّرها بهذه النفقات، ويرحمهم ولا يجزيهم بالعقوبات.
قال ابن عباس ﵄: هم مَن أسلَمَ مِن أعراب أسدٍ وجهينةَ وغِفارٍ وأَسْلَمَ (^٤).
وقال مجاهد: هم بنو مقرِّنٍ من مُزينة.
قال القشيري ﵀: تنوَّعوا فمنهم مَن غشَّ فلم يربح، ومنهم مَن نصَح فلم
_________________
(١) في (ف): "ويكسبون".
(٢) "لهم" زيادة من (ف).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٢ - ٢٣).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٩).
[ ٧ / ٤٤٩ ]
يخسر، فأما الذين مذَقوا (^١) فهم في مهواةِ هوانهم، وأما الذين صدَقوا فهم في رَوح إحسانهم (^٢).
* * *
(١٠٠) - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾:
وانتظامها بما قبلها: أن اللَّه تعالى ذكر من أول السورة إلى هاهنا أقسامَ الكفار، وهم ثلاثة: أهل الشرك، وأهل الكتاب، وأهل النفاق (^٣)، وقد ذكرهم على الترتيب إلى هاهنا، ثم ذكر أقسام المؤمنين وهم ثلاثة: المطيعون، والعاصون التائبون، والعاصون المصرون، أما المطيعون فهو قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ وهو ابتداءٌ وجوابه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ إلى آخر الآية.
وقال الكلبي: هم الذين سبقوا إلى الإيمان والهجرة والجهاد والنصرة ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ هم الذين جاؤوا بعدهم وعملوا عملَهم إلى قيام الساعة.
فعلى قوله: الآية تتناول جميع المهاجرين: وهم الذين هجروا أوطانهم بمكة ورحلوا مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى المدينة، وجميعَ الأنصار: وهم أهل المدينة سُمُّوا به للنصرة، والمهاجرون أيضًا نصروا رسول اللَّه -ﷺ-، لكنَّ اختصاص (^٤) أهل المدينة
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مرقوا"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٧).
(٣) في (أ): "والمنافقون" بدل: "وأهل النفاق".
(٤) في (ر) و(ف): "ولذلك اختص".
[ ٧ / ٤٥٠ ]
بهذا الاسم لِمَا أنهم نصروا رسول اللَّه -ﷺ- والمهاجرين معه لمَّا جاؤوهم، فآوَوهم ونصروهم، ثم اجتمعوا جميعًا على نصرة النبي ﵇ في الغزوات.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ليس للتبعيض على هذا القول بل للتجنيس.
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾: هم جميع متَّبِعيهم بالإحسان في كل عصر وزمان.
والإحسان: قيل: هو الإخلاص؛ كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢].
وقال النبيُّ -ﷺ-: "الإحسانُ أن تعبدَ اللَّه كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك" (^١).
وقيل: هو إحسان العمل.
وقيل: هو الإحسان إلى الناس.
وقيل: الآية خاصة في السابقين من جملتهم، و﴿مِنَ﴾ للتبعيض واختلف في ذلك:
قال ابن عباس ﵄: هم الذين صلَّوا إلى القبلتين وشهدوا بدرًا (^٢).
وقال الشعبي: مَن بايَعَ تحت الشجرة من الحديبيَة فهو من المهاجرين الأولين (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) لم أجده عن ابن عباس، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٣٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٦٨)، عن سعيد بن المسيب. وليس عند الطبري: (وشهدوا بدرًا)، ورواه دون هذه العبارة أيضًا الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٣٨ - ٦٤٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٦٨)، عن أبي موسى الأشعري وابن سيرين وقتادة. وزاد ابن أبي حاتم نسبته للشعبي -في إحدى الروايات عنه- والحسن.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٣٧ - ٦٣٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٦٨).
[ ٧ / ٤٥١ ]
وقال عطاء: هم أهلُ العقبة السبعون (^١).
وقيل: هم السابقون من أهل كلِّ قبيلة إلى الإسلام وإلى العلم وإلى القرآن (^٢) وإلى الشهادة.
وقرأ الحسن وسلام ويعقوب: ﴿والأنصارُ﴾ بالرفع عطفًا على قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ (^٣)، ويكون السبق صفةً للمهاجرين خاصة.
وقراءة العامة بالخفض عطفًا على ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾ والسبقُ صفةٌ لهم جميعًا، سبق أولئك بالهجرة وسبق هؤلاء بالنصرة.
وقرأ عمر بن الخطاب ﵁: (الذين اتبعوهم بإحسان) بغير واوٍ نعتًا لـ ﴿الأنصارِ﴾ هو بأنهم اتبعوا المهاجرين بإحسان.
وروي عنه أنه سمع رجلًا يقرأ: ﴿وَالَّذِينَ﴾ بالواو فقال: مَن أقرأك هذا؟ قال: أبيُّ بن كعب، فسأل عنه أبيًّا، فقال: أقرأنيه رسول اللَّه -ﷺ-، قال أبيٌّ ﵁: وتصديق ذلك في سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] (^٤).
_________________
(١) لم أجده عن عطاء، وذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٣ - ٢٤) عن ابن عباس وغيره بلفظ: سبَّاق الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة، والثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا بالمدينة حين قدم عليهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن. وذكر الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٩٥)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٣) عن عطاء قوله: هم الذين شهدوا بدرًا.
(٢) "وإلى القرآن" ليست في (ف).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٨٣)، وذكرها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩) عن عمر ﵁ والحسن وقتادة ويعقوب. وقراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٨٠).
(٤) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٣٠١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٤٠ - ٦٤١)، وجاء قول أبيٍّ في رواية الطبري: (بلى، تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا =
[ ٧ / ٤٥٢ ]
وقال الحسن: قرأ عمر يومًا: (والأنصارِ الذين اتَّبعوهم بإحسان) وعنده أبيُّ بن كعب، فقال أبيٌّ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ يا أمير المؤمنين! فقال عمر (^١): (الذين اتَّبعوهم بإحسان)، فقال أبي: واللَّه لأقرأنيها (^٢) رسول اللَّه -ﷺ- مِن فيه إلى فيَّ وإنك تبيع القُرظ بالبقيع، فقال عمر: صدقتَ، ولئن شئتَ قلتَ: شهدنا وغبتُم ونَصرنا وخَذلتم وآوينا وطَردتم، وتابع عمرُ أبيًّا (^٣).
وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قرأ يومًا بغير واو، فقيل له: هاهنا واو، فقال: هذه الواو عندي خيرٌ من الدنيا وما فيها، يعني: ثبوتَ الشركة للمتأخِّرين في فضل المتقدمين (^٤).
وقال عطاءٌ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ يريد: الذين يذكُرون المهاجرين والأنصارَ بالخير والرحمة والدعاء (^٥)، أشار إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
_________________
(١) = بِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وفي الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾، إلى آخر الآية). قال الآلوسي في "تفسيره" (١٠/ ٤٨٤): ومراده أن هذه الآيات تدل على أن التابعين غير الأنصار.
(٢) بعدها في (ر): "هم".
(٣) في (ف): "أقرأنيها".
(٤) ذكر هذه الرواية الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٣٠٤).
(٥) في (ر): "للمتأخر في فضل المتقدم".
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٨٣)، وذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٤) من طريق عطاء عن ابن عباس.
[ ٧ / ٤٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: هذا ظاهرُ التفسير.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: في الآية دلالةُ الرد على الروافض؛ لأنَّهم يجعلون أبا بكر وعمر وهؤلاء ظلمةً وعلى غير الحق بتوليةِ الإمارة والخلافة أبا بكر وعمر وعثمان = لأنه أخبر أن اللَّه تعالى راضٍ عنهم، فدلَّ أنهم كانوا على حقٍّ وصواب، وأن مَن وصفهم بالظلم والتعدِّي فهو الظالم والمتعدي.
وفيه دلالةُ وجوبِ (^١) تقليد الصحابة رضوان اللَّه عليهم والاقتداءِ بهم؛ لأنَّه مدح الذين ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ فدلَّ أنهم إذا أَخبروا بخبرٍ وقالوا قولًا يجب العمل به ولا يسعُ تركه (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: السابقون مختلفون، فمِن سابقٍ بصدق قدمه، ومن سابق بصدق (^٣) همَمِه، والسابقُ على الحقيقة: مَن ساعدته القسمةُ (^٤) بالتوفيق، وأسعدته القضيةُ بالتحقيق، فسبق لهم من اللَّه تعالى رحمتُه، وسيقَ (^٥) لهم عنايتُه.
ويقال: بسبق عنايته بهم سَبقوا بطاعتهم له، وبرضاه عنهم وصلوا إلى رضاهم عنه (^٦).
* * *
_________________
(١) في "التأويلات": (جواز).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٦١).
(٣) في (أ) و(ر): "بصادق".
(٤) في (ر): "العناية".
(٥) في (ر): "وصدق"، وفي (ف): "وصدقت".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٨).
[ ٧ / ٤٥٤ ]
(١٠١) - ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾.
ثم ذكر بعد ذكر الأنصار -وهم المخلصون من أهل المدينة- المنافقين، وذلك قوله:
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ ويتصل هذا بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾.
وقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾؛ أي: حول مدينتكم، وهو المحيط بها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾: هؤلاء سكَّانها، ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ سكانُ أطرافها، والذين سبق ذكرهم في قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ سكانُ البادية.
وقوله تعالى: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ صفةُ مَن في المدينة ومَن حولها؛ أي: عتَوا وطغَوا وثبَتوا عليه، وأعيوا (^١) خبثًا.
وقال مقاتل: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ يعني: جهينةَ ومزينةَ وأسلمَ وغِفار وأشجع، كانت منازلهم حول المدينة، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ عبد اللَّه بن أبيٍّ، ومعتِّب بن قُشيرٍ، والجُلاس بن سُويد، ووحوح (^٢) بن الأسلت، وأبو عامر بن النعمان الراهب سماه النبيُّ -ﷺ-: الفاسق.
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾: أي: لا تعرف نِفاقَهم ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾: نحن نعلم نفاقهم ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ
_________________
(١) في (أ): "وأعتوا".
(٢) في (أ): "ووجوع"، وفي (ر): "ووجوح". والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في المصادر. انظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ووقع في المطبوع من "تفسير مقاتل": (وحوج)، وهو تحريف أيضًا.
[ ٧ / ٤٥٥ ]
مَرَّتَيْنِ﴾ عند الموت بضرب الملائكة وجوهَهم وأدبارهم، وفي القبر بمنكرٍ ونكير ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ في الآخرة (^١).
وقال ابن عباس ﵄: أول العذابين: بدر، والثاني: عذاب القبر، والثالث: عذاب جهنم (^٢).
وقال مقاتل: العذاب الأول: السيف يوم بدر، والثاني: عند الموت، والثالث: في الآخرة (^٣).
وقال الكلبي: القتل وعذاب القبر وعذاب النار.
وقال مجاهد: الأول القتل والسبي (^٤).
وقال الحسن: الأول: عذاب النبي ﵇يعني: قوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] - والثاني: عذاب القبر (^٥)، والعذاب العظيم في الآخرة (^٦).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٩٣).
(٢) القول بأن أول العذابين بدر لم أجده عن ابن عباس وسيأتي من قول مقاتل، أما القول بأن العذاب الثاني عذاب القبر فقد رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٤٤) عن ابن عباس وجمع من الأئمة على اختلاف بينهم في العذاب الأول، والذي عن ابن عباس: أن المرة الأولى فضيحة المنافقين بكشف أسمائهم للناس، والثانية عذاب القبر، وروى في ذلك قصة ستأتي قريبًا. وذكر أيضًا عن ابن عباس من وجه غير مرتضًى -كما قال-: إحدى المرتين الحدود، والأخرى عذابُ القبر.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٨٨)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٩٣)، عن مقاتل بن حيان.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٤٥).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٨٨) بلفظ: (عذاب النبي وعذاب اللَّه، يعني بعذاب النبي -ﷺ- تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٤٧) بلفظ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: (عذاب الدنيا وعذاب القبر).
(٦) في (أ): "النار".
[ ٧ / ٤٥٦ ]
وقال عطاء: هم الأوس والخزرج ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك أن مرض المؤمن كفَّارةٌ ومرضَ المنافق عقوبةٌ (^١)، وعلى هذا لا يكون قوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ عذابًا ثالثًا، بل يكون إخبارًا عن قَدْر العذاب في المرة الثانية.
وقال الضحاك: مصائب الدنيا وعذاب الآخرة.
قيل: هو إخراجهم إلى الغزو (^٢) لقتال إخوانهم، وأخذُهم بالإنفاق في الجهاد لتقوية أعدائهم على أوليائهم، ثم ما يرون من عزِّ المسلمين وعلوِّ قَدْرهم وازديادِ غيظ أنفسهم بذلك، ثم العذابُ العظيم في جهنم.
وقيل: الأول: إخراجُهم من المسجد، والثاني: تخريبُ مسجد الضرار، والعذابُ العظيم في الآخرة.
وقال ابن عباس ﵄: قام رسول اللَّه -ﷺ- يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان فأنت منافق، اخرج يا فلان فأنت منافق، اخرج يا فلان فأنت منافق" وأخرجهم من المسجد بأسمائهم وفضَحهم، ولم يكن عمرُ شهد تلك الساعةَ، فلقيَهم عمر وهم يخرجون من المسجد فظنَّ أنهم قد صلَّوا، فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد الجمعة، واختبؤوا من عمر وظنُّوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل المسجد فإذا الناس لم
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٨٨). وذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٨) من طريق عطاء عن ابن عباس. وليس عندهما عبارة: "الأوس والخزرج"، ولا يظهر لذكرها وجه هنا، بل وردت في بعض التفاسير عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ قال السمعاني في "تفسيره" (٢/ ٣٤٣): (قوم من الأوس والخزرج)، ومثله في "تفسير البغوي" (٤/ ٨٩)، وذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٦) عن ابن عباس.
(٢) في (ف): "العدو".
[ ٧ / ٤٥٧ ]
يصلُّوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشرْ يا عمر فقد فضح اللَّه المنافقين اليوم (^١).
وقيل: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ على معنى متابعةِ العذاب عليهم في الدنيا دون تعيينِ العدد، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦].
وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ كان ذلك يومئذ، ثم كشَف له أحوالهم بالعلامات، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ﴾ [محمد: ٣٠]، وبالتعيين أيضًا كما مر.
وقال الإمام القشيري ﵀: الأولى: ظنُّهم أنهم على شيء، والثاني: خيبةُ آمالهم، والثالث: ظهور ما لم يحتسِبوه (^٢).
* * *
(١٠٢) - ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: أقرُّوا، وهم القِسمُ الثاني من أقسام المؤمنين الذين ذكرناهم.
قال ابن عباس ﵄: هذا في أقوام كانوا تخلَّفوا عن غزوة تبوك لا على اعتقاد الخلاف، لكنْ لتأخُّرهم الاستعداد (^٣) إلى أن فاتهم اللُّحوق بالنبيِّ ﵇، وكان ذلك منهم ذنبًا لا نفاقًا منهم، فندموا على ذلك واعترفوا فتاب اللَّه عليهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٤٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٧٠)، والطبراني في "الأوسط" (٧٩٢). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٤): فيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، وهو ضعيف.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٩).
(٣) في (ف): "للاستعداد".
[ ٧ / ٤٥٨ ]
وروي أنهم كانوا ثمانيةَ نفر، وقال الضحاك: سبعة، وقال قتادة: تسعة فيهم أبو لُبابةَ الأنصاريُّ، وهو من أفاضل الصحابة.
وروى حيان عن الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا ثلاثةً: أبو لُبابةَ بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبةَ، ووديعةُ بن حزام، تخلفوا عن رسول اللَّه -ﷺ- مخرجَه إلى تبوك، فلما بلغهم ما نزل فيمَن تخلف عن رسول اللَّه -ﷺ- أيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فلم يزالوا كذلك حتى قدِم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة (^١) فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول اللَّه -ﷺ- هو الذي يحلهم، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: "وأنا أقسم أن لا أكون أول من حلهم إلا أن أؤمر فيهم بأمر" فلما نزل: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ عسى من اللَّه واجبٌ" فقام إليهم فحلَّهم، فأتوا نبيَّ اللَّه بأموالهم فقالوا: هذه أموالنا التي خلفَتْنا عنك فتصدَّقْ بها عنا، قال: "ما أُمرتُ فيها بأمر" فنزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (^٢).
وقال قتادة: ذكر أنهم سبعة، وفيهم جدُّ بن قيس وأوس بن خزام وثعلبة بن وديعة وعامر، كلُّهم من الأنصار (^٣).
وقال الزهري: ربط أبو لبابة نفسه بساريةٍ وحلف لا يحلُّ نفسَه ولا يذوق طعامًا
_________________
(١) "المدينة" زيادة من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٥١)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٧١)، وابن مردويه كما في "الكافي الشاف" (ص: ٨٠) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄. وقوله في الخبر: "إن عسى من اللَّه واجب" ليست من كلام النبي -ﷺ-، بل من كلام ابن عباس ﵁، وقد رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٧٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٥٣)، وأسماء الأربعة فيه: (جَدُّ بن قَيْسٍ، وأبو لُبَابَةَ، وحَرَامٌ، وأَوْسٌ)، وكذا رواه عنه ا بن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٧٣)، وفي مطبوعه: (خذام) بدل: (حرام).
[ ٧ / ٤٥٩ ]
ولا شرابًا حتى يموت أو يتوبَ اللَّه عليه، فمكث سبعًا كذلك حتى غُشي عليه، ثم تاب اللَّه عليه وحلَّه النبيُّ -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب، وأن انخلع من مالي كلِّه صدقةً إلى اللَّه تعالى ورسوله، فقال ﵇: "يجزيك الثلث" (^١).
وقال سعيد بن جبير: ومن أصحاب أبي لبابة مرداس وكردم وأبو قيس (^٢).
وقال الحسن: هم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن خزام ووديعة بن ثعلبة.
وكان سببُ تخلُّفهم: أن النبيَّ -ﷺ- خرج غداةَ يوم الخميس، وكان قدَّم فقراء الصحابة، وكان الأغنياء والأقوياء مع رسول اللَّه -ﷺ-، وقال أبو لبابةَ وأصحابه: نمكث اليوم ونلحقُ بهم الليلةَ، فلما أَمْسَوا ثقَّل عليهم الشيطانُ الخروج -وكذا مَن قصَّر في الطاعة قليلًا سهَّل الشيطان عليه كثيرًا- فقالوا: نخرج سحَرًا، فغلبهم النوم، فلما أصبحوا خافوا أن يخرجوا فلا يلحقوا بالنهار بهم وفي الطريق أعداء، فقالوا: نخرج في الليلة القابلة، فلما أمسوا قالوا: بعُدوا علينا (^٣) فلا يمكننا لحوقُهم، فقعدوا.
وقوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: يقال: خلَطْتُ الشيءَ بالشيءِ: إذا امتزجا، وخلَطْتُ الشيءَ والشيءَ -من غير باءٍ-: إذا جمعتَ بينهما فلم يمتزجا، يقال: خلطتُ الماء باللبن، وخلطتُ الدراهم والدنانير.
وقال الكلبي: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾: التوبةَ ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: تقاعُدَهم عن القتال.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٢٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٥٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٥٣).
(٣) في (أ): "عنا".
[ ٧ / ٤٦٠ ]
وقال الحسن: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ قيل: هذا خروجهم إلى الجهاد معك ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: تخلُّفهم عن تبوك (^١).
وقيل: خرجوا مرةً وقعدوا مرةً.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قال الكلبي: ﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجب (^٢)؛ أي: هو إطماعٌ، وإطماع الكريم واجب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ هذا ظاهر.
وقال بعض العلماء: المسيءُ منَّا إلى مخلوقٍ إذا خافه لم يخلِّصه من ذلك إلا شيئان: الإنكار والفِرار (^٣)، والمسيء في حقِّ اللَّه تعالى لا ينجيه إلا شيئان: الإقرار والقَرار (^٤)، قال قائلهم:
أَقْرِرْ بذَنْبكَ ثم اطْلُبْ تَجاوُزَنا واعلَمْ بأنَّ جحودَ الذَّنْبِ ذَنْبان (^٥)
* * *
(١٠٣) - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ قد روَينا أن أبا لبابة وأصحابه لمَّا تاب اللَّه
_________________
(١) ذكر القولين الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣١ - ٣٢).
(٢) تقدم قريبًا عن ابن عباس ﵄.
(٣) في (ر) و(ف): "والإقرار".
(٤) في (ر) و(ف): "والفرار".
(٥) ذكره دون نسبة الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٧٠)، والثعالبي في "المنتحل" (ص: ١١٥)، والراغب في "محاضرات الأدباء" (١/ ٢٨٥).
[ ٧ / ٤٦١ ]
تعالى عليهم جاؤوا بأموالهم إلى رسول اللَّه -ﷺ- ليتصدَّق بها كفارةً لذنوبهم وشكرًا لِمَا أنعم اللَّه عليهم من قبول التوبة فقال ﵇: "لم أؤمر فيها بأمر" فنزلت الآية.
و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وقد روَينا أنه أخذ الثلث.
وقوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: التاء لخطاب النبيِّ -ﷺ-؛ أي: تطهِّر نفوسهم من الذنوب بها.
قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: أي: يحصُل لهم الثناء الحسن والرفعة بها، والإضافة إلى النبي -ﷺ- بطريق التسبيب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ من الآثام ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ من البخل والمنع وأخلاق اللئام (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ من طلب الأعواض عليها ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ من ملاحظتهم إياها.
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ عن شحِّ نفوسهم ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ بأن لا يتكثَّروا (^٢) بأموالهم، بل يتعزَّزون بالتجرُّد عنها، ويرون عظيمَ منَّة اللَّه عليهم بوجدان التجرُّد منها (^٣).
ثم اختُلف أن هذه الصدقة ما هي:
قيل: صدقةُ نفلٍ، والكلام مبتدأٌ غيرُ مرتبطٍ بشيء.
وقيل: هي صدقةٌ حثَّ النبيُّ -ﷺ- عليها يوم الخروج إلى تبوك، وهي ما قلنا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] فيرتبِط هذا بذلك، والآياتُ نزلت في هذه القصة.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٦٦).
(٢) في (ف) و(أ): "يتكبروا". وفي "اللطائف": (يتكاثروا).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٠).
[ ٧ / ٤٦٢ ]
وقيل: هي صدقةُ أبي لبابةَ والمتخلِّفين، والآية تتصل بالآية التي قبلها.
وقيل: هي الزكاةُ، ويدل عليه ما روَينا في قصة ثعلبة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ وأن هذه الآيات لمَّا نزلت بعث النبيُّ -ﷺ- المصدِّقَينِ إلى ثعلبة وغيره.
وقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ادعُ لهم واستغفِرْ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾: قرأ عاصم في رواية حفصٍ والمفضلِ وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ على التوحيد، والباقون: ﴿صَلَاتَكَ﴾ على الجمع (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ دعاءَك ﴿عَلِيمٌ﴾ شفقتَك.
وقيل: ﴿سَمِيعٌ﴾ لما أظهَروه لك من التوبة ﴿عَلِيمٌ﴾ بصدق نيَّاتهم فيه.
ومعنى السكن: طمأنينةُ القلب.
وقيل: كان إذا أتى رجل بصدقته وهو مؤمنٌ مخلصٌ دعا له، وإذا أتى بها منافق لم يَدْعُ له، وكان إذا دعا لمن أتى بالصدقة سكَن قلبُه إلى أنه مخلِصٌ.
وقيل: لأن (^٢) المؤمن يسكُن قلبه بدعاء النبيِّ -ﷺ-، ولعلمه أنه يستجاب له فيه.
* * *
(١٠٤) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: يجوز أن يكون هذا الاستفهامُ بمعنى الإثبات، ويجوز أن يكون بمعنى الأمر كما في قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٧)، و"التيسير" (ص: ١١٩).
(٢) في (أ): "إن".
[ ٧ / ٤٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾: أي: عن عباده كلِّهم إذا أخلصوا، ويأخذُ كلَّ (^١) الصدقات؛ أي: يقبلها ويُثيب عليها.
وقيل: جعل اللَّه أخذَ النبي -ﷺ- أخذًا له تشريفًا (^٢) للنبيِّ ﵇، وقد روي: "أن الصدقة تقع في يد اللَّه تعالى قبل أن تقع في يد السائل، فيربِّيها. كما يربِّي أحدكم فلُوَّه" (^٣)، وهذا ترغيبٌ للعباد في فِعلها، وبيانٌ أنه قابِلُها والمثيبُ عليها والمكثِرُ قليلَها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: أي: كثير قبول التوبة ﴿الرَّحِيمُ﴾ بترك (^٤) العقوبة، وهذا وعدٌ لهؤلاء أنه قبِل توبتهم ورضي صدقتَهم.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾: أي: قل لهؤلاء التائبين اعملوا الطاعات بعد قبول التوبة وأخذِ الصدقة ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فيثيبُكم عليه ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فيعلمون بصدق توبتكم، فيخالطونكم ولا يهاجرونكم (^٥) كما يفعلون بالمنافقين.
_________________
(١) "كل" زيادة من (أ).
(٢) في (ف): "تصديقًا".
(٣) رواه البخاري (١٣٤٤)، ومسلم (١٠١٤)، والنسائي (٢٥٢٥)، والترمذي (٦٦١)، وابن ماجه (١٨٤٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٣١٩)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٤٢٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (أ): "برفع"، وفي (ف): "بفعل".
(٥) في (ف): "يجاهدونكم".
[ ٧ / ٤٦٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: أي: تُرجَعون في القيامة إلى جزاءِ مَن يعلم الظاهر والباطن.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: يخبركم به ويجزيكم عليه.
وقيل: أي: لا تنظروا إلى قبول التوبة وأخذِ الصدقة فتتركوا العمل، بل اعملوا ما عشتُم (^١).
وقيل: أي: أصلحوا أعمالكم في المستأنَف، واحذروا العَود إلى مثل ما كان منكم، فإن النبي ﵇ والمؤمنين يراعون أعمالكم ولا يخفى عليه ثباتُكم على التوبة أو زوالُكم عنها، واللَّه ﷿ لا يخفَى عليه سرائرُكم، وهو يُثيبكم (^٢) بأعمالكم ويجزيكم عليها، وهو ترغيب وترهيب.
وقيل: هو خطاب للمنافقين ووعيدٌ لهم.
وقيل: هو خطاب للمؤمنين: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فيثيبُكم ﴿وَرَسُولُهُ﴾ فيزكِّيكم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فيَشهدوا لكم بالخير.
وروى الإمام أبو منصور ﵀: أن النبي -ﷺ- مروا عليه بجنازة فأَثنوا عليها فقال ﵇: "وجَبَتْ" قيل: يا رسول اللَّه، وما وَجَبتْ؟ قال: "الملائكة شهداءُ اللَّه في السماء، وأنتم شهداءُ اللَّه في الأرض، فإذا شهدتُم وجبتْ "ثم قرأ النبيُّ -ﷺ- هذه الآية (^٣)، قال: وفيه دلالة أن إجماع الأمة حجةٌ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "عسيتم".
(٢) في (ف) و(أ): "ينبئكم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٣٢) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁. وله شاهد من حديث أنس رواه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩)، دون ذكر تلاوة الآية، ودون قوله: "الملائكة شهداءُ اللَّه في السماء".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٧٢).
[ ٧ / ٤٦٥ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: خوَّفهم برؤيته ﷾ أعمالَهم، فلمَّا علم أن فيهم مَن يتقاصرُ حاله عن الاحتشام لاطِّلاع الحق قال: ﴿وَرَسُولُهُ﴾، ثم قال لمن نزلت رتبتُه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وقد خسر مَن لا يمنعه الحياءُ، وسقط مِن عين اللَّه مَن هتكَ جلبابَ الاتِّقاء، وقال ﵇: "إنَّ مما أدركَ الناس من كلام النبوة: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت" (^١) قال الشاعر:
إذا قَلَّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤُه ولا خيرَ في وجهٍ إذا قلَّ ماؤه (^٢)
* * *
(١٠٦) - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٣) قرئ بالهمزة وغير الهمزة (^٤)، ومعناه: مؤخَّرون موقوفون إلى أن (^٥) يظهر أمر اللَّه فيهم.
وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: قيل: الإرجاء من العباد، فكانت طائفة تقول: إن اللَّه يتوب عليهم كما تاب على أبي لبابة وأشكاله، وطائفة تقول: إن اللَّه يعذبهم ويردُّ توبتهم ويمنع الناس من مكالمتهم ويفرِّق بينهم وبين نسائهم، أو يأمر بقتلهم أو نفيهم، فنزل القرآن بقبول توبتهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨].
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٨٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦١).
(٣) في (ف): "وآخرون مرجؤون. . . "، وهما قراءتان كما سيأتي.
(٤) قرأ بالهمز ابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بغير همز. انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٧ - ٢٨٩)، "التيسير" (ص: ١١٩).
(٥) في (أ): "ومعناه مرجون إلى أن"، وفي (ف): "ومعناه مرجون موقوفون إلى أن".
[ ٧ / ٤٦٦ ]
وقيل: الإرجاء كان من اللَّه إذ أخفى أمرهم مدةً ثم بيَّن توبتهم على أجمل الوجوه حين قرن توبتهم بتوبته على النبيِّ -ﷺ- والمهاجرين والأنصار، على ما نذكر في تلك الآية.
قال ابن عباس ﵄: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ ليقضيَ فيهم ما هو قاضٍ (^١).
وهم ثلاتةُ نفر: كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية الواقفي، ومُرارة بن الربيع الزبيدي، وكانوا تخلَّفوا عن غزوة تبوك وفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وكانوا مرجئين لأمر اللَّه لا يتولاهم أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ولا يتبرؤون منهم، حتى نزلت: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وكانوا لم يُوْثِقوا أنفسهم بالسواري فلم يَدْروا أيُتاب عليهم أم يعذَّبون (^٢).
وقال الضحاك: كانوا من أفاضل الصحابة مياسيرَ، ولم يتَّسع لهم العذرُ كما اتَّسع لأبي لبابة وأصحابه؛ لأنهم لم يبالغوا في التنصُّل (^٣) والاعتذار كما فعل أبو لبابة، فأخِّر أمرهم (^٤).
وقال ابن عباس ﵄: فوقَفَهم النبيُّ -ﷺ- خمسين ليلة، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، وأمر نساءهم بالاعتزال منهم، حتى شفَّهم القلق،
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٤٣).
(٢) في (أ): "يعذبون".
(٣) في (ر): "التوبة"، وسقطت الجملة من (ف).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٤٢) عن ابن عباس، وفيه بدل "فأخر أمرهم": (فوقف رسول اللَّه -ﷺ- أمرهم، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، الآيات بعد خمسين ليلة).
[ ٧ / ٤٦٧ ]
ونَهِكهم الحزن، وضاقت عليهم أنفسُهم؛ لإعراض الناس عنهم، واعتزال الأهل والولد منهم، وكانوا ممن شهدوا بدرًا، فتاب اللَّه عليهم بعد خمسين ليلة (^١).
* * *
(١٠٧) - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾: ذكر جماعةٌ أنهم طائفةٌ من المنافقين بالمدينة كانوا بنَوا (^٢) بقرب قُباءٍ مسجدًا يعارضون به مسجدَ -ﷺ- بقُباء، وكانوا اثني عشر رجلًا كلُّهم من الأوس والخزرج: خِذَام بن خالد، وثعلبة بن حاطب، ومعتِّب بن قُشيرٍ، وأبو حبيبةَ بن الأزعر، وعبَّاد بن حُنيفٍ، وجارية بن عامر، وابناه مجمع بن جارية ويزيد بن جارية، ونَبْتَل بن الحارث، وبَحْزَج الضُّبَعي، وبِجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، وكانوا أتوا النبي -ﷺ- وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول اللَّه، إنَّا قد بنينا مسجدًا لذي العلَّة والحاجة والليلة المَطِيرة والليلة الشاتية، ونحن نحبُّ أن تأتيَنا فتصليَ فيه، فقال: "إني على جناحِ سفرٍ وحالِ شغلٍ، ولو قدِمْنا أتيناكم فصلَّينا فيه".
فما انصرف رسول اللَّه -ﷺ- من تبوك حتى نزل بوادٍ بينه وبين المدينة ساعة من نهار، فأتاه خبرُ المسجد، فدعا رسولُ اللَّه -ﷺ- مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف، ومعنَ بن عديِّ أو أخاه عاصم بن عديٍّ فقال: "انطلِقا إلى هذا المسجد
_________________
(١) انظر التعليق السابق. وروى حديثهم مطولًا البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، من حديث كعب بن مالك ﵁.
(٢) في (ف): "يقيمون".
[ ٧ / ٤٦٨ ]
الظالمِ أهلُه فاهْدِماه وحرِّقاه"، فهدَماه وحرَّقاه، وتفرَّقوا، ونزلت هذه الآية (^١).
ورُوي أنهم بنَوه بكتاب أبي عامر بن النعمان -المعروف بالراهب- إليهم، وذلك أن أبا عامر هو الذي حزَّب الأحزاب على رسول اللَّه -ﷺ-، فلما انصرف المشركون بما انصرفوا به خرج إلى الشام يستنصِر قيصرَ على رسول اللَّه -ﷺ-، فكتب إلى هؤلاء المنافقين يأمرهم ببناء المسجد، وأخبرهم أنه سيظهر على رسول اللَّه -ﷺ- إذا جاء صلَّى في هذا المسجد، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾؛ أي: يضارُّون به أهل مسجد رسول اللَّه -ﷺ-، ولا يقصدون به الخير (^٢).
وقوله ﷿: ﴿وَكُفْرًا﴾؛ أي: كفرًا منهم باللَّه لأنهم اتَّخذوه لأبي عامرٍ المشركِ، وقصدوا به مخالفة اللَّه والرسول.
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ليصليَ بعضهم فيه جاهلًا (^٣) بالحال، فيتفرَّقَ الناس عن رسول اللَّه -ﷺ- ولا يتوفَّرون (^٤) في مسجده.
وقوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا﴾: أي: إعدادًا، وقد أَرْصَدَ؛ أي: أَعَدَّ، ورَصَدَ؛ أي: ترقَّبَ.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: أعدَّ (^٥) المسجد لأبي عامر،
_________________
(١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٣٠) عن ابن إسحاق، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٧٣) من طريق ابن إسحاق عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد اللَّه بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٧٥ - ٦٧٩) عن ابن عباس وجمع من الأئمة.
(٣) في (أ) و(ف): "جاهلين".
(٤) في (أ) و(ر): "يتوقرون".
(٥) في (ر): "أعدوا".
[ ٧ / ٤٦٩ ]
وهو الذي حارب اللَّه ورسوله من قبلُ؛ أي: من قبلِ بناء هذا المسجد، يعني: يوم الخندق.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾: أي: لم نقصد به إلا الرِّفقَ بالضعفاء والتسهيلَ في الشتاء.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أي: في قولهم: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾.
وهذا المعروف بالراهب سماه النبيُّ -ﷺ-: الفاسقَ، وكان ترهَّبَ في الجاهلية ولبس المُسوح، فلما قدم النبيُّ -ﷺ- المدينةَ قال للنبيِّ ﵇: ما هذا الذي جئتَ به؟ قال: "جئتُ بالحنيفيةِ دينِ إبراهيم"، قال أبو عامر: فأنا عليها، قال النبيُّ -ﷺ-: "إنك لستَ عليها" قال: بلى، ولكنكَ أدخلتَ في الحنيفيّة ما ليس منها، فقال النبيُّ -ﷺ-: "ما فعلتُ، ولكني جئتُ بها بيضاءَ نقيةً"، فقال أبو عامر: أماتَ اللَّه الكاذب طريدًا وحيدًا.
فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين: أنِ استعدُّوا بما استطعتم من قوةٍ وسلاح، وابنوا لي مسجدًا فإني ذاهبٌ إلى قيصر فآتي بجندٍ تُخرج محمدًا وأصحابَه، فمات الفاسق بالشام طريدًا وحيدًا كما دعا، وابنه حنظلةُ غسيل الملائكة فاستُشهد يوم أحد.
وقال الحسن: لمَّا التمس هؤلاء من النبيِّ -ﷺ- أن يأتي مسجدهم فيصليَ فيه، فجعل ينتظر الوحي، فجعل لا يأتيهم وأولئك لا يأتونه يفعلون بالصلاة في مسجدهم، فلما طال ذلك عليه دعا بقميصه ليلبسَه ويأتيَهم، فبينا هو يَزرُّه (^١) عليه إذا بجبريلَ نزل وأنزل قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (^٢).
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فبينما هو يزرره".
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٧٨) عن قتادة.
[ ٧ / ٤٧٠ ]
(١٠٨) - ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾: أي: لا تقُمْ في مسجد الضرار للصلاة ما عشتَ، وهو كقوله ﵊: "مَن صام رمضان وقامه" (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾: قيل: هو مسجدُ رسول اللَّه -ﷺ- أُسِّس لإحياء دين اللَّه وإظهار معالم شريعته التي لا يقومُ بها إلا مَن اتَّقى اللَّه تعالى.
قال أبو سعيد الخدري ﵁ وأبيُّ بن كعب ﵄: قال النبيُّ -ﷺ-: "هو مسجدي هذا" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: أي: أولِ الأيام إذا ميزت (^٣) يومًا يومًا؛ كما تقول: أعطيتُ كلَّ رجل في الدار (^٤)؛ أي: كلَّ الرجال إذا ميزوا رجلًا رجلًا.
وقوله تعالى: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾: للصلاة من مسجد أُسس على غير التقوى، بل ضرارًا وكفرًا وتفريقًا وإصادًا، وذلك ليس بحقٍّ فكيف يكون هذا أحقَّ؟
قلنا: هو مبالغةٌ، ومعناه: لو كان ذلك حقًّا فهذا أحقُّ، فكيف وذاك باطل؟
وقيل: هو مسجد قُباء.
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾: أي: مخلصون يحبُّون أن
_________________
(١) رواه أبو داود (١٣٧١)، والترمذي (٦٨٣)، وابن ماجه (١٣٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم (١٣٩٨)، والترمذي (٣٠٩٩) وصححه، والنسائي (٦٩٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. واللفظ للترمذي والنسائي. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢١١٠٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٨٤) وصححه، من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٣) في (ر): "الأيام التي امتيزت".
(٤) في (ر): "الدراري".
[ ٧ / ٤٧١ ]
يصلُّوا للَّه ﷿ متطهِّرين بأبلغ الطهارة، لا كأهل مسجد الضِّرار الذين يصلُّون صورةً لا حقيقةً وهم مدنَّسون بالنفاق.
وقيل: هو التطهُّر عن الذنوب بالإخلاص للَّه تعالى.
وعن جابرٍ وأنسٍ وجماعة: أن الآية لما نزلت دعا رسول اللَّه -ﷺ- أهل مسجد قُباء فقال: "إنَّ اللَّه قد أَثْنى عليكم بطُهوركم، فما طُهورُكم؟ " قالوا: إنَّا نستنجي بالماء، فقال: "فعليكُموه" (^١).
وقال عطاء: كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على الجنابة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: أي: يحبُّ هؤلاء ومَن فعَل مثلَ فِعلهم.
وقال يزيد بن شجرةَ: أتت الحمَّى رسولَ اللَّه -ﷺ- في صورة جاريةٍ سوداءَ، فقال لها رسول اللَّه -ﷺ-: "مَن أنت" قالت: أنا أمُّ مَلْدم، أنشِّفُ الدَّمَ، وآكُلُ اللَّحم، وأصفِّر الوجه، وأرقِّق العظم، فقال النبيُّ -ﷺ-: "مرِّي فاقْصِدي الأنصار فإن لهم علينا حقوقًا" فحُمَّ الأنصارُ، فلما كان من الغد قال: "مالي لا أرى الأنصار؟ "، قال: حُمُّوا عن آخرهم، قال: "قوموا بنا نعودُهم" فعادهم وجعل يقول: "أبشِروا فإنها كفَّارة وطُهورٌ"، فقالوا: يا رسول اللَّه، فادْعُ اللَّه أن يديمَها علينا أيامًا حتى تكونَ كفَّارة لذنوبنا، فأنزل اللَّه تعالى يُثني عليهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بالحمَّى عن معاصيهم ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (^٣).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٣٥٥)، والدارقطني في "سننه" (١٧٤) وقال: عتبة بن أبي حكيم (أحد رجال الإسناد) ليس بقوي. قال القرطبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٨٠): وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء، إلا أن حديث أبي سعيد الخدري نصَّ فيه النبي -ﷺ- على أنه مسجده فلا نظر معه.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٩٦).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٥)، ولم أجده مسندًا من حديث يزيد بن شجرة، لكن روي معناه =
[ ٧ / ٤٧٢ ]
قال مقاتل: أَمر رسول اللَّه -ﷺ- في مسجد الضرار بعدما هُدم وأُحرق أن يتَّخذ كناسةً يُلقَى فيها الجِيَفُ (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: في هذه الآية دلالةُ نبوةِ محمد -ﷺ-؛ لأنَّه معلوم أنهم أَسرُّوا وأَضمروا فيما بينهم من الضِّرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأَطْلعَ اللَّه نبيَّه على ما أسرُّوا ليُعلَم أنه إنما عرَف ذلك باللَّه تعالى (^٢)، وكذا قال في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٣)، وكذا قال في كثير من آيات هذه السورة فيما يرجع إلى إضمارهم السوءَ في حقِّ النبي -ﷺ- وأصحابه.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾: يتطهَّرون عن وضَر المعاصي وذلك سِمَةُ التائبين، ويتطهَّرون عن الشهوات والأمانيِّ وذلك صفةُ الزاهدين، ويتطهَّرون عن محبة المخلوقين [ثم] عن شهود أنفسهم فيما به يتَّصفون، وذلك صفة المحبين (^٤).
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ بأسرارهم عن مساكنةِ المخلوقين وملاحظة المسبوقين (^٥).
_________________
(١) = دون ذكر سبب النزول من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٤٣٩٣)، وقال محققوه: رجاله رجال الصحيح وفي متنه غرابة.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٩٨).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٧٦ - ٤٧٧).
(٤) المصدر السابق (٥/ ٤٧٩).
(٥) في "اللطائف": (صفة العارفين).
(٦) في (ر) و(ف): "المسرفين". وانظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٢) وما بين معكوفتين منه. ووقع في (ر) و(ف): "وملاحظة المسرفين"، وعبارة "اللطائف": (عن المساكنة إلى كل مخلوق، أو ملاحظة كل محدث مسبوق).
[ ٧ / ٤٧٣ ]
(١٠٩) - ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾: قرأ نافعٌ وابنُ عامر على ما لم يسمَّ فاعلُه، وقرأ الباقون على الفعل الظاهر ﴿بُنْيَانَهُ﴾ بالنصب على أنه مفعول به (^١).
والألفُ استفهام بمعنى الإنكار، والبنيان: البناء.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾: بحذف تنوينه لأنه على وزن فَعْلَى: وأصله: وَقْوى.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ﴾: هو على التفضيل فسِّر كذلك، وإنما لم يدخل فيه ألف (أَفْعَل) لأن الخير والشر فيهما اشتراكٌ، فقد يراد بهما الاسمُ بدون التفضيل.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ الشَّفا: الطَّرَفُ، والجُرُف: الوادي الذي تجرَّف (^٢) بالماء أصلُه فيبقى واهيًا، وهو من الجَرْف والاجتراف: وهو اقتلاع الشيء من أصله، والهاري (^٣): الساقط الواقع الذي يتداعَى بعضُه على إثر بعضٍ كما ينهار الرمل الرقيقُ والشيء الرِّخْوُ، قاله قُطْرُبٌ.
وقال أبو عوسجة: أي: رخوٌ سريعُ الانهدام (^٤).
ورجلٌ هارٍ؛ أي: ضعيفٌ، وقد هار يَهُور هَوْرًا: إذا انصدع بالتهدم، فهو هائر.
وإنما قيل هاهنا: ﴿هَارٍ﴾؛ لأنَّه قُلب فصار (هارٍ) مكان: هائر، كما يقال:
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٨)، و"التيسير" (ص: ١١٩).
(٢) في (أ): "ينجرف" وفي (ف): "يتجرف".
(٣) في النسخ: "والهار"، والصواب المثبت.
(٤) ذكره عنه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٨٣) بلفظ: الهار: الهش الذي ليس بصلب.
[ ٧ / ٤٧٤ ]
عاقَ يَعوقُ فهو عائق (^١)، ثم قيل في النعت: عاقٍ، على القلب (^٢)، قال الشاعر:
ولو أني رَمَيْتُك من بعيدٍ لعاقَك من دعاءِ الذئب عاقِ (^٣)
ويقال أيضًا: هار يَهَارُ فهو هارٌ على الرفع، وتقديره: هَوز، كما يقال: رجلٌ مالٌ؛ أي: متموِّلٌ، وتقديره: مولٌ، وعلى هذا لا قلبَ.
وقوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: أي: تساقَطَ وتناثَرَ به؛ أي: بصاحبه فسقطا معًا فيها، والباء للتعدية والإيصال.
ومعنى الآية: أيُّ الفريقين أولى بالخيرية: مَن أسَّس بناء المسجد يريدُ به تقوى اللَّهِ وطاعتَه وهم أهلُ مسجد قُباء أو مسجدِ المدينة، أم مَن أسَّس بناءه على النِّفاق والشِّقاق والكفر والتفريق وانتظارِ الكفار أن يأتوه فيَقصدوا به كيدَ المسلمين، ويتدبَّروا في الاحتيال لتوهين الدِّين، فلا يَلبثُ احتيالُهم أن يَبطُلَ وظنونُهم أن تخيبَ، فينهدِمُ البناء وينهارُ الأساس، ثم تكون عاقبة أهله (^٤) دخولَ جهنم؟
ولم يقل: هو في نار جهنم للحال؛ لأنَّه ما دام حيًّا أَمكنه أن يُخلِصَ فيتخلَّصَ ولا يقعَ فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: لا يهديهم للرشد ولِمَا يتمُّ
_________________
(١) في (ر): "عاق"، وسقطت من (أ) و(ف)، والصواب المثبت.
(٢) "على القلب" ليس من (أ) و(ف).
(٣) البيت لذي الخِرَق الطُّهَوي قُرْط بن شُريحٍ كما في "الدلائل في غريب الحديث" لقاسم بن ثابت السرقسطي (١/ ٣٠٤)، ودون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٩٤)، و"كتاب الألفاظ" لابن السكيت (ص: ٤٠٩)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٥٩٦)، و"الصحاح" (مادة: عقا).
(٤) في (ر): "عاقبته".
[ ٧ / ٤٧٥ ]
به تدبيرُهم الفاسد؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، ولا يوفِّقهم للخير عقوبةً لهم على نفاقهم.
وقال محمد بن إسحاق: إن الذي كان يؤمُّ في ذلك المسجد مجمِّع بن جارية، فلمَّا أنزل اللَّه في شأنه ما أَنزل، وأَمر النبيُّ -ﷺ- بهدمه، وفرِّقت تلك الجماعة، وذهب مَن كان يصلي من بني عمرو بن عوفٍ في مسجدهم إلى المسجد (^١) الذي بنَى رسول اللَّه -ﷺ- بقُباء، كلَّم بنو عمرو بن عوف عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته ليأذن لمجمِّع بن جارية فيؤمَّهم في مسجدهم، فقال: ولا نَعِمَتْ عينٌ، أليس بإمام (^٢) مسجد الضرار؟ فقال له مجمِّعٌ: يا أمير المؤمنين! لا تعجَلْ عليَّ، فواللَّه لقد صلَّيت فيهم واللَّه إني لا أعلم ما أضمَروا عليه، ولو علمتُ ما صليتُ معهم فيه، كنت غلامًا قارئًا للقرآن وكانوا شيوخًا ولم أعلم ما في أنفسهم (^٣)، وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئًا، فصلَّيتُ ولا حسبتُ ممَّا صنعوا شيئًا، إلا أنِّي قلتُ: يتقرَّبون إلى اللَّه، فعذَره وصدَّقه وأمره بالصلاة لقومه (^٤).
* * *
(١١٠) - ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: أي: شكًّا وشبهة؛ أي:
_________________
(١) "إلى المسجد" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ف): "كان يؤم".
(٣) في (ف): "نفوسهم".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٣)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٩٥).
[ ٧ / ٤٧٦ ]
كان ألقَى إليهم أبو عامر أنه يأتي مسجدَهم فيصلِّي فيهم، ويكون له ولهم الظهور على المسلمين، فلا يزال ذلك في قلوبهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصم في رواية حفصٍ بفتح التاء، وأصله: تتقطَّع، فحذفت إحداهما تخفيفًا، وقرأ الباقون بضمِّها (^٢)، وهو ما لم يسمَّ فاعله من التقطيع (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: هو الموت (^٤).
وقال عكرمة: هو في القبر (^٥).
وقال المبرِّد: تقطُّع القلب: تشقُّقه وانصداعه ولا بقاء مع ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦]، وهو نياط القلب، والحياةُ تنقطع عند إنقطاعه، وهذا إخبار بموتهم على نفاقهم وإصرارهم عليه حالَ حياتهم.
وقيل: معناه: إن خطأهم وضلالهم فيما قصدوه ببناء هذا المسجد لا يزول عنهم إلا أن يموتوا فيستيقِنوا بالمقتِ (^٦)؛ لأنَّه حالُ زوال الشكوك.
وقال المبرد: أي: لا يزال هدمُ بنيانهم غيظًا في قلوبهم إلى الموت، قال الشاعر:
قضَيْنا من تِهَامةَ كلَّ ريبٍ وخيبرَ ثم أَجمَمْنا السيوفا (^٧)
_________________
(١) بعدها في (ف): "أي شكًا وشبهة".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٩)، و"التيسير" (ص: ١٢٠).
(٣) في (ف): "التقطع".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٩٨).
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٨٦).
(٦) في (أ): "بالموت".
(٧) البيت لكعب بن مالك ﵁. انظر: "طبقات الفحول" (١/ ٢٢١).
[ ٧ / ٤٧٧ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضهم: ﴿رِيبَةً﴾؛ أي: حسرةً وندامةً، وهو على وجهين:
يحتمِل أنهم تابوا وندموا على ما صنعوا.
ويحتمِل: حسرةً وندامةً لمَّا افْتَضحوا بما صنعوا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: أي: بضمائر العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ في التمييز بين أهل الصلاح وأهل الفساد.
* * *
(١١١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾: بدأ السورة بالبراءة من الكافرين، ثم بالأمر بقتال المشركين، ثم بالحثِّ على الخروج إلى غزوٍ عظيم اختَلفت فيه أحوال المنافقين، وذمَّ فيه المتخلِّفين، ثم مدَح في هذه الآية المجاهدين، وذكَر كرامتهم (^١) يوم الدِّين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ أخبر ﷿ أنه تاجَرَ (^٢) عبادَه المؤمنين على أبدانهم وأموالهم بما أَعدَّ لهم من جناتِ النعيم عنده -مع أن الأشياء كلَّها مِلكُه- لطفًا منه بعباده؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، وهو كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].
_________________
(١) في (ف): "كراماتهم".
(٢) في (ف): "بأجر" بدل: "أنه تاجر".
[ ٧ / ٤٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يبذلون أنفسهم وأموالهم في طاعة اللَّه والجهاد لأعدائه على إعلاء كلمته.
﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾: أي: تارةً هم يقتلون العدوَّ وتارةً يقتلهم العدو، فإذا فعلوا ذلك فقد سلَّموا ما باعوا واستحقُّوا بوعد اللَّه ثمنَ ما أَعطوا وهو الجنة، وهذا مستعارٌ من الكلام تشبيهًا بالبيع المعروف الذي حقيقتُه إعطاء شيء وأخذُ (^١) بدلٍ عنه.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿فيُقتَلون﴾ بضمِّ الياء وفتح التاء على ما لم يسمَّ فاعله ﴿ويَقْتُلون﴾ على عكسه على الفعل الظاهر (^٢)، وهذا أدلُّ على ثبات قلوبهم وجرأتهم على عدوهم (^٣)، وأنهم لم ينكسروا لِمَا جرى على بعضهم، كما قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا﴾ (^٤) الآية [آل عمران: ١٤٦].
وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾: ﴿وَعْدًا﴾ نصبٌ على الحال من قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، أو معناه: بوعدٍ عليه حقٍّ، فنُصب بنزع الخافض، ومعناه: عهدًا عليه لازمًا أَوحى به إلى أنبيائه وأثبته في كتبه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي، وهو بيانٌ أن المراد من الوعد المذكور قبله هو العهد.
وقيل: بل المراد من هذا العهدِ هو الوعد، وهو بيانٌ أن الشراء ليس على حقيقته، وهو مبادلةٌ صورةً ومواعدةٌ معنًى.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾: أي: فافرحوا به فإنكم
_________________
(١) في (ف): "واحد".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٩)، و"التيسير" (ص: ٩٣).
(٣) "على عدوهم" ليست في (أ).
(٤) في (ر): "وكأين من نبي قاتل معه. . . "، وكلها قراءات سبعية.
[ ٧ / ٤٧٩ ]
تبيعون فانيًا بباقٍ، وتأخذون ثمنًا من مشترٍ هو المالك، وبمبيعٍ هو ملكُه وحقُّه، ثم لا يَخرج من أيديكم بهذا البيع إلا حياةٌ منغَّصةٌ (^١) فانيةٌ، ومالٌ (^٢) قليلٌ تافةٌ تعتاضون منه حياةً مهنَّأة دائمةً، ونعمًا في جناتِ الخلد باقيةً.
وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: وهذا الشراء على هذا الوجه لكم فيه ربحٌ عظيم.
وروي عن عبد اللَّه بن رواحة أنه قال: يا رسول اللَّه اشترِطْ، لربِّك ولنفسك ما شئت علينا، قال: "أشترِطُ لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأَشترِطُ لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسكم وأموالكم" قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة" قال: ربحَ المبيع لا نُقيل ولا نَستقيل، فنزلت هذه الآية (^٣).
وقال الحسن: مرَّ أعرابيٌّ بالنبيِّ -ﷺ- وهو يقرأ هذه الآية، فقال: كلامُ مَن هذا؟ قال: "كلامُ اللَّهِ تعالى" قال: بيعٌ واللَّه مربحٌ، لا نُقيله ولا نَستقيله (^٤)، فخرج إلى الغزو فاستُشهد (^٥).
_________________
(١) في (أ): "منقضية".
(٢) في (ف): "وبمال".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦ - ٧) عن محمد بن كعب القرظي. وذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" (٢/ ٥٨٩) وقال: (وهذا مما لا يوجد صحيحًا). ومراده واللَّه أعلم: أنه لم يرد في حديث متصل؛ لأنه أعقبه بنحوه عن الشعبي ثم قال: وهذا وإنْ كان مقطوعًا فإنَّ معناه ثابتٌ مِن طرقٍ.
(٤) في (ف): "لا نقيل ولا نستقيل".
(٥) ذكره عن الحسن الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٧)، ورواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٨٦) من طريق عطاء الخراساني عن جابر ﵁، وعطاء الخراساني لم يسمع من جابر. انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص: ١٣٠).
[ ٧ / ٤٨٠ ]
وقال جعفر بن محمد الصادقُ: ليس لأبدانكم ثمنٌ إلا الجنةَ، فلا تبيعوها إلا بها، وأنشد الأصمعيُّ لجعفر الصادقِ:
أُثامِنُ بالنَّفسِ النفيسةِ ربَّها فليس لها في الخَلْقِ كلِّهم ثَمنْ
بها تُشترَى الجنات، إنْ أنا بعتُها بشيءٍ سواها إنَّ ذلكم غَبنْ
إذا ذهبتْ نفسي بدُنيا أصيبُها فقد ذهب الدنيا وقد ذهب الثمن (^١)
وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء: يا بني آدم، ما خلقتكم لأربح عليكم إنما خلقتُكم لتربحوا عليَّ (^٢).
وفي التوراة: الجنةُ جنتي والمالُ مالي، فاشتروا جنَّتي بمالي، فإنْ ربحتُم فلكم وإن خسرتُم فعَلَيَّ (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: البائعُ لا يستحقُّ الثمنَ إذا امتَنع عن المبيع، فلذلك لا يستحقُّ العبدُ الجزاءَ الموعودَ إلا بعد تسليم النَّفْس والمال على موجَب أوامر الشرع.
ويقال: لا يكون في الشرع البائعُ والمشتري واحدًا فيتولَّى طرفي العقد إلا الأبَ والجدَّ، لفَرْط شفقتهما وكمال نظرهما، ولما كانت رحمة اللَّه بالعبد أتمَّ ونظرُه له أبلغَ، وكان ﷾ أولى بالمؤمن منه بنفسه، تولَّى العقدَ عنه عليه.
وقيل: علِم اللَّه تعالى سوءَ خُلقك فاشتراك قبل أنْ أَوجدك، وغالى بثمنك لئلا يكون لك حقُّ الاعتراض عند بلوغك.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٧)، والطبرسي في "مجمع البيان" (١١/ ١٤٧).
(٢) ذكره القشيري في "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٤).
(٣) ذكره القشيري في "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٥)، وأورده الديلمي في "الفردوس" (٥١٠) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٧ / ٤٨١ ]
وقيل: لا يصح للمؤمن أن يتعصَّب لنفسه بحالٍ؛ لأنها ليست له ومشتريها أولى بها من صاحبها الذي هو أجنبيٌّ عنها.
وحُكي عن الجنيد أنه مرض مرضًا، فدعا اللَّه تعالى أن يَشفيه، فنودي في السرِّ: يا فضولي، لمَ تَدخُل بيني وبين نفسك، أما علمت أن نفسك لي أتصرَّفُ فيها كيف شئت.
وقيل: أخبر أنه اشتراها لئلا يدَّعيَ العبد فيها ولا يساكنَها ولا يلاحظَها ولا يُعجب بها.
وإنما قال: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ ولم يقل: قلوبَهم؛ لأنها فيها فدخلت في الحُكم معها.
وقيل: ذكَر النفوسَ والأموال، وجعَل الجزاء عليهما الجنة، فأما القلوب فعطاؤها رؤيتُه ﷿.
وقيل: ذكر شراءَ النفوس والأموال لأنها مَعيبةٌ، ولا يَرغب المشترون (^١) في شراء المعيب، فاشترى هو ذلك بكرمه ترويجًا لِمَا كسَد على العبد امتنانًا عليه.
وقيل: اشترى النفوس منهم بالثمن فوهبوا القلوب له شكرًا لذلك.
وقيل: القلوب ليست في أيديهم (^٢) فلا يقدرون على تسليمها، ولا يُشتَرى ما لا يمكن تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء.
وقال أبو عليٍّ الدَّقَّاق: القلوب موقوفةٌ على محبة اللَّه تعالى والوقف لا يشترى.
وقال في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ ولم يقل تعالى:
_________________
(١) في (ف): "المشتري".
(٢) في (ف) و(أ): "أيديهم".
[ ٧ / ٤٨٢ ]
بثَمن مبيعكم، ليُعلم أن الاستبشار بزوال الأنفس والأموال عن حكمهم وخلاصهم عن آفاتها (^١).
* * *
(١١٢) - ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ﴾: وفي مصحف عبد اللَّه: (التائبين) (^٢) نعتًا لقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فأما الرفع فلوجوه:
أحدها: هم التائبون.
والثاني: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ولذلك ضمير في آخره، وهذا بدل (^٣) ذلك الضمير.
والثالث: هو مبتدأ وخبرُه مضمَر في آخره: لهم الجنة، وكذا ما بعده فوجوهُه ما بينَّا (^٤).
ولمَّا مدَحهم وزكَّاهم بما كان منهم ذكَر خصالهم التي هي صفات المتحقِّقين (^٥)
_________________
(١) في (أ): "آفاتهما". وانظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٤ - ٦٥)، وفي كلام المؤلف بعض الزيادة والاختلاف.
(٢) وكذا ما بعده إلى آخر الآية كله بالياء. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
(٣) في (أ): "يدل على".
(٤) في (ر): "لما قلنا"، وفي (ف): "لما بينا".
(٥) في (ر) و(ف): "المتخلقين".
[ ٧ / ٤٨٣ ]
بالإيمان، ولذلك ختم بالإيمان بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما افتتح به بقوله: ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقال ابن عباس ﵄: هذه الصفاتُ مما شَرَطه اللَّه ﷿ على أهل الجهاد؟ إذا وفوا للَّهِ (^١) بشرطه وفَى لهم بشرطهم.
وقال الحسن: هذه أعمالهم قبل الجهاد.
وعنه في رواية: قال: على هذا الشرط اشترى منهم (^٢).
وأما تفسير (التائبين) فقد قال قتادة وعطاء: ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الشرك ثم لم ينافقوا في الإسلام (^٣).
وقيل: الراجعون عن المعاصي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: التائبون أصناف: فمِن راجعٍ يَرجع عن زلَّته إلى طاعته، ومن راجعٍ يَرجع عن متابعة (^٤) هواه إلى موافقة رضاه، ومِن راجعٍ يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومِن راجعٍ يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستغراق في حقائق حقِّه (^٥).
وقوله تعالى: ﴿الْعَابِدُونَ﴾: أهل العبادة والعبودية.
وقال الكلبي: أي: المطيعون المخلصون (^٦).
_________________
(١) في (ر): "وفوا له".
(٢) لم أجده بهذا اللفظ، ولعله يريد ما رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٨٦) عن الحسن في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ قال: هم الذين وفَوا ببيعتهم.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٨ - ٩) عن قتادة والحسن.
(٤) في (ر) و(ف): "سابقة".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٦).
(٦) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٦٩) بلفظ: (الذين أخلصوا للَّه العبادة).
[ ٧ / ٤٨٤ ]
وقال عطاء: الموحِّدون للَّه (^١).
وقال الحسن: الذين عبدوا اللَّه باتِّباع أمره وآثَروه على مَن دونه (^٢).
وقال القشيري ﵀: ﴿الْعَابِدُونَ﴾: الخاضعون للَّه بكلِّ وجهٍ، الذين لا تسترِقُّهم كرائم الدنيا، ولا تستعبدُهم عظائم العُقبى، ولا يكون العبد عبدًا للَّه على الحقيقة إلا بعد تجرُّده عن كل حادث (^٣).
وقوله تعالى: ﴿الْحَامِدُونَ﴾: أي: المُثنُون عليه بآلائه، الشاكرون له على نعمائه، المادحون له بصفاته وأسمائه.
وقال القشيري ﵀: الحامدون له: هم الذين لا اعتراض لهم على ما يحصل بقدرته، ولا انقباض لهم عما يجب له من طاعته.
وقيل: هم الذين يحمدونه على منعه وبلائه كما يحمدونه على صنعه وعطائه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿السَّائِحُونَ﴾: أي: الصائمون، قالت عائشة ﵂: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "سياحةُ (^٥) أمتي الصيَّام" (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٨٩) عن سعيد بن جبير.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٦٩). وروى الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٨٩) عن الحسن قوله: عبدوا اللَّه على أَحايينهم كلِّها في السَّرَّاء والضَّرَّاء.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٦).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٧) وفيه: (. . . على نفعه وعطائه).
(٥) في (أ): "سياحة".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٥) عن عائشة ﵂ موقوفًا بلفظ: (سياحة هذه الأمة الصيام). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١١)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٣١٧)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٣٨)، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وقال العقيلي: فيه حكيم بن خذام كان يرى القدر، منكر الحديث. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١١) عن أبي هريرة موقوفًا، =
[ ٧ / ٤٨٥ ]
وقال سفيان بن عيينة: إنما قيل للصائم: سائح؛ لأنَّه تارك اللَّذات كلِّها من المطعم والمشرب والنكاح (^١)، كمَن يسيح في الأرض؛ أي: كمَن يسير فيها.
وقيل: طلَّابُ العلم الداخلون فيه.
وقال الإمام القشيري ﵀: هم الصائمون عن شهود غير اللَّه، الممتنعون عن خدمة غير اللَّه تعالى، المكتفون من اللَّه باللَّه.
وقيل: ﴿السَّائِحُونَ﴾: السائرون في الأرض على جهة الاعتبار طلبًا للاستبصار، الذاهبون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكُّر في جوانبها، والاستدلالِ بآياتها على خالقها، والجائلون بأسرارهم في الملكوت، فيجدون روحَ الوصال، ويعيشون بنسيم الأنس بالتحقُّق بشهود ذي الجلال (^٢).
وقوله تعالى: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾: أي: المحافظون على الصلوات فرضِها ونفلِها تذلُّلًا إليه وخضوعًا.
وقال عطاء: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ بنيةٍ صادقةٍ بلا رياءٍ ولا سمعة (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿الرَّاكِعُونَ﴾: الخاضعون للَّه في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التَّجلِّي.
وفي الخبر: إن اللَّه تعالى إذا تجلَّى لشيء خشع (^٤) له.
_________________
(١) = وصوب وقفه ابن كثير عند تفسير هذه الآية. وقد روي هذا القول عن جمع من الصحابة والتابعين، فقد رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١١ - ١٥) عن أبي هريرة وعائشة كما تقدم، وعن ابن مسعود وابن عباس ﵃، وعن سعيد بن جبير ومجاهد والحسن والضحاك وعطاء.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٨)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٩٩).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٧).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٧١) من قول ابن عباس بلفظ: (الذين يصلون للَّه بنية صادقة).
(٥) في (ر): "خضع". والمثت من باقي النسخ و"اللطائف".
[ ٧ / ٤٨٦ ]
و﴿السَّاجِدُونَ﴾ بنفوسهم في الظاهر على بساط العبودية، وبقلوبهم في الباطن عند شهود الربوبية (^١).
وقوله تعالى: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي: الإيمان والطاعة ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: أي: الكفر والمعصية.
وقال بسام (^٢) بن عبد اللَّه: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بإقامة السنَّة والجياعة ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: عن الهوى والبدعة (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ هم الذين يَدْعودن الخَلْق إلى اللَّه تعالى ويحذِّرونهم عن غير اللَّه تعالى، يتواصَون على الإقبال على اللَّه وتركِ الاشتغال بغير اللَّه تعالى (^٤).
وفي زيادة الواو في قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أقاويلُ:
قيل: الواو تدخل للمبالغة في المدح للمنعوت واحدًا كان أو جماعةً، قال تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩].
وقيل: لأن الأمر والنهي متقابلان، والمعروفَ والمنكر كذلك، فكانا
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٧).
(٢) تحرف في (ر) و(ف) إلى: "بثار"، وسقطت الجملة من (أ)، والصواب المثبت، وهو بسام بن عبد اللَّه الصيرفي أبو الحسن الكوفي، روى عن زيد بن علي بن الحسين وأخيه أبي جعفر الباقر وجعفر الصادق وعطاء وعكرمة، وغيرهم، وعنه ابن المبارك ووكيع وأبو نعيم وغيرهم، من رجال "التهذيب".
(٣) ذكره عن بسام الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٨)، ودون عزو البغوي في "تفسيره" (٤/ ٩٩)، كلاهما أورده مختصرًا بلفظ: (المعروف السنَّة والمنكر البدعة).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٨).
[ ٧ / ٤٨٧ ]
كالمتعاندَين (^١)، فأدخل بينهما حرف العطف كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].
وقيل: هي واو الثمانية، لأنها الصفة الثامنة، والعرب تخصُّ ذلك بالواو، كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]؛ لأن أبواب الجنة ثمانيةٌ.
ولا أصل لهذا القول عند المحققين، فليس في هذا العدد ما يوجب ذلك، ولا استعمال على الاطِّراد كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ بغير واو.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيةَ بغيرِ واوٍ في الثامن.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: قال الحسن: هم أهل الوفاء ببيعة اللَّه (^٢).
وقيل: حدود اللَّه: أوامره ونواهيه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقيل: هي معالمُ الشرع.
وقال القشيري ﵀: هم الواقفون حيث وقَفهم اللَّه تعالى، الذين يتحرَّكون إذا حرَّكهم ويسكُنون إذا سكَّنهم، يحفظون مع اللَّه أنفاسهم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: الذين بايَعهم اللَّه ليستبشروا، وقال بنفسه: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ وقال لنبيِّه: ﴿وَبَشِّرِ﴾ ليتضاعَفَ الاستبشار.
_________________
(١) في (أ): "كالمتغايرين".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٨ - ٩٩)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٩٩). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٨) بلفظ: (القائمون على أمر اللَّه).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٨).
[ ٧ / ٤٨٨ ]
وقيل: أي: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المجاهدين وغيرهم، لمَّا خَصَّ المجاهدين بقوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ سكَّن قلوب القاعدين بعذرٍ بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لئلا يَقْنطوا.
* * *
(١١٣) - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾:
اتصالها بما قبلها: أنها حثٌّ للنبي -ﷺ- والمؤمنين على قطعِ موالاة المشركين أحيائِهم وأمواتهم، قريبهم وبعيدهم؛ تأكيدًا لِمَا أمرهم به من الجهاد؛ إذ لا يَتهيَّأ ذلك مع الأقارب خصوصًا إلا بقطع الموالاة والوداد (^١).
و﴿مَا كَانَ﴾ تأكيدُ نفيٍ (^٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ (^٣) [النمل: ٦٠]، ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨]، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣].
وتقديره: يَبعُد من أخلاقهم أن يسألوا اللَّه تعالى مغفرةَ المشركين وإن كانوا أقرباءهم بعد أن عرفوا أنهم أعداءُ اللَّه، والمستوجِبون سخطَ اللَّه، والمستحِقُّون عذابَ اللَّه تعالى.
_________________
(١) في (ف): "والوارد".
(٢) في (أ): "تأكيد بقي"، وفي (ر): "تأكيدًا للنفي".
(٣) في (ف): "تؤذوا رسول اللَّه"، بدل: "تنبتوا شجرها".
[ ٧ / ٤٨٩ ]
وقال بعض أهل التفسير: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: ظهر لهم شركُهم، فقد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك: أي: بعد ما ماتوا على شركهم فقد إنقطع رجاءُ صيرورتهم وكونِهِم (^١) أهلًا للمغفرة (^٢).
وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: رأيت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ فذكرت ذلك للنبيِّ -ﷺ- فنزلت هذه الآية (^٣).
وقال الحسن: أُتي النبي -ﷺ- فقيل له: إن فلانًا يستغفر لآبائه وهم مشركون؟! فقال: "ونحن نستغفر لهم" فنزلت هذه الآية، فأمسَكوا عن الاستغفار (^٤).
وقال سعيد بن المسيب [عن أبيه] (^٥): لمَّا حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ دخل عليه رسول اللَّه -ﷺ- وعنده أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية فقال: "يا عم، قل: لا إلهَ إلا اللَّهُ، كلمةً أحاجُّ لك بها عند اللَّه" فقالا له: يا أبا طالب، أترغبُ عن ملة آبائك، فلم يزالا به حتى قال آخرَ ما كلَّمهم به: هو على ملَّة عبد المطلب، فقام رسول اللَّه -ﷺ- من عنده باكيًا وقال: "لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك" فنزلت هذه الآية (^٦).
_________________
(١) "وكونهم" من (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٩) عن الضحاك.
(٣) رواه النسائي (٢٠٣٦)، والترمذي (٣١٠١) وقال: حديث حسن.
(٤) الخبر مروي في "تفسير مجاهد" (ص: ٣٧٥).
(٥) ما بين معكوفتين من الصحيحين وكتب السنة.
(٦) رواه البخاري (٣٨٨٤)، ومسلم (٢٤)، من حديث المسيب بن حزن ﵁. قال الواحدي في "البسيط" (١١/ ٧٤): واستبعده الحسين بن الفضل؛ لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولًا، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في عنفوان الإسلام. =
[ ٧ / ٤٩٠ ]
وذكر الكلبي أن النبيَّ -ﷺ- زار قبرَ أمه في ألف فارسٍ وهو يريد أن يستغفر لها، فلما قام عند قبرها فإذا هو بجبريل ﵇ فوضع يده على صدر النبيِّ -ﷺ- ونزلت الآية، فبكى النبيُّ -ﷺ- وبكى المسلمون، فما رؤي يومٌ أشدَّ باكيًا وأكثرَ (^١) من يومئذ (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا يصح حديث استغفار النبيِّ -ﷺ- لعمِّه
_________________
(١) = قلت: وكذا قال ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية متعقبًا: (وفيه: أنَّ موتَ أبي طالب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزلت بالمدينة، لا يقال: ما ذكر إنَّما يتمُّ لو كان نزول الآية عقيب موت أبي طالب، وليس بلازم؛ لجواز أن يكون النبي ﵇ يستغفر له إلى وقت نزول الآية = لأنَّا نقول: الظاهر من قوله: (فنزلت) إنَّما هو التَّعقيب بلا تراخٍ. وقد ذكرنا في تحقيقنا له ما ذكره الألوسي في توجيه هذا الإشكال: أن الفاء للسببية لا للتعقيب، يعني أن قوله: (فنزلت) لا يراد به أن النزول كان عقيب القول، بل يراد أن ذلك سبب النزول، قال: واعتمد على هذا التوجيه كثير من العلماء، وهو توجيه وجيه. لكنه عاد فذكر أنه يعكر عليه ما رواه ابن سعد عن علي كرم اللَّه تعالى وجهه، وفيه: (وجعل رسول اللَّه -ﷺ- يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل ﵊ بهذه الآية). قال: فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيًّا به. . . والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ٥٣٩). والخبر الذي رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٢٣)، وفي إسناده الواقدي وهو متروك.
(٢) في (ف): "في يوم أشد بكاء ولا أكثر" وفي (ر): "في يوم أكثر وأشد بكاء".
(٣) لم أقف عليه بهذا السياق، والكلبي متروك، لكن روى مسلم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي -ﷺ- قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستاذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت". وليس فيه أن الآية نزلت في ذلك، لكن روي عن ابن مسعود نحو هذه القصة على أنها سبب نزول الآية، رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٩٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٩٢)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ١٨٩).
[ ٧ / ٤٩١ ]
وأمِّه (^١)، فقد عَلم بكفرهما وموتهما عليه (^٢)، ولا يخفى عليه أن اللَّه تعالى لا يَغفر للمشرك، إذ في العقل والحكمة تعذيبُ الكافر أبدًا، وأنْ لا يُغفر له؛ إذ في ذلك تسويةٌ بين الوليِّ والعدو، وهو ليس بحكمة، وجائز أن يكون استغفر للمنافقين قبل أن يتبيَّن له نفاقُهم، فلما تبيَّن له كفَّ، والاستغفار للمشرك حالَ حياته يجوز على معنى سؤال الإسلام له والمغفرةِ بسببه، فأما مع قيام الكفر فلا (^٣).
* * *
(١١٤) - ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾:
قيل: لمَّا ورد النهي عن الاستغفار للمشركين قال الناس: إن إبراهيم استغفر لأبيه المشرك (^٤)، فنزلت هذه الآية (^٥).
ومعناها: ولم يكن سؤالُ إبراهيم ﵇ اللَّهَ أن يغفر لأبيه المشركِ إلا
_________________
(١) بل حديث استغفاره لعمه قبل نزول الآية متفق عليه كما تقدم، أما استغفاره لأمه فقد ثبت أنه لم يؤذن له فيه. انظر التعليق السابق. وهذا الكلام منقول عن الماتريدي بالمعنى، وليس في كلامه التعرض لعدم صحة الحديث.
(٢) كذا قال، وفي ذكرهما معًا نظر، فإن أبا طالب قد أدرك الدعوة وعرض عليه الإسلام فأبى، أما أم النبي -ﷺ- فإنها لم تدرك دعوته، فأكثر ما يمكن أن يقال فيها: إنها من أهل الفترة، وهؤلاء علمُ عاقبتهم عند اللَّه.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٩٢)، والكلام فيه بنحوه.
(٤) في (ف): "وهو مشرك".
(٥) رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٢٤) عن عمرو بن دينار مرسلًا، ورواه بنحوه النسائي (٢٠٣٦)، والترمذي (٣١٠١) وحسنه، من حديث علي ﵁.
[ ٧ / ٤٩٢ ]
بسببِ أنه كان وعَد لأبيه لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] فوفَى بذلك الوعد وسأل اللَّه أن يغفر له.
ومعناه: أن يهديه للإسلام ويجعلَه أهلًا للمغفرة ويغفرَ له بعد إسلامه، وهو كقول هود لقومه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٦١] وكقول نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، ليس هذا بأمرٍ لهم أن يقولوا: نستغفر اللَّه، ولكن هذا أمرٌ بالإسلام ليصيروا أهلًا للمغفرة لهم.
وكذا قولُ إبراهيم ﵇: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]؛ أي: أعطهِ السبب الذي تَغفرُ له به، وهو التوحيد.
وعلى هذا القولِ يكون قولُه: ﴿وَعَدَهَا﴾ خبرًا عن فعل إبراهيم، وقولُه تعالى: ﴿إِيَّاهُ﴾ كنايةً عن أبيه.
وقال بعض المفسرين: بل قوله: (وَعَد) خبرٌ عن فعل والدِ إبراهيم أنه وعد إبراهيم، وقوله: ﴿إِيَّاهُ﴾ كنايةٌ عن إبراهيم، وتلك المواعَدةُ أنه كان قال لإبراهيم: إني أُسلم وقتَ كذا، فكان يستغفر له، ومعنى استغفاره (^١): سؤالُه المغفرةَ له بعد ما أسلم، أو سؤالُه إعطاءَ الإسلام الذي به يغفر له.
وقيل: كانت المواعدةُ مؤقتةً، فانتهى إبراهيم إلى ذلك الوقت فظن أنه أسلم فاستغفر له مطلقًا، ولذلك قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]؛ أي: قبل هذا؛ كما قال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]؛ أي: قبل التوبة، فلما ظهر أنه لم يُسلم تبرَّأ منه.
وعلى القول الأول: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: أي: لمَّا مات على الكفر تبرَّأ منه، وهذه الجملة حاصلُ كلام الإمام أبي منصور ﵀.
_________________
(١) في (أ): "استغفار"، وفي (ف): "الاستغفار".
[ ٧ / ٤٩٣ ]
ثم أورد سؤالًا على قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ [الممتحنة: ٤]: لمَّا استثنَى هذا من الاقتداء به عُلم أنه لا يجوز، وسؤالُ الهداية للكافر والمغفرةِ جائز بعد هذا، فما معناه؟
وأجاب أن معناه: حتى يُعلم (^١) المراد من استغفاره؛ أي: إذا وقع عند السامع أنه سؤال المغفرة مطلقًا لا على الوجه الذي قلنا فما ينبغي له أن يفعله مقتديًا به في ظاهر الاستغفار (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾: (الأواه) في اللغة: المتأسِّف، وهو (^٣) المتوجِّع والمتحزِّن، قال المثقِّب العبدي:
إذا ما قمتُ أَرحَلُها بليلٍ تأوَّهُ آهةَ الرجلِ الحزين (^٤)
أصلها: تتأوه، بتاءين.
وقال ابن عباس ﵄: (الأواه): التوَّاب (^٥).
وقال ابن مسعود ﵁: الدَّعَّاء (^٦).
وقال الحسن وقتادة: الرحيم (^٧).
_________________
(١) في "التأويلات" (حتى نعلم).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٩٣)، والكلام فيه بنحوه.
(٣) في (أ): "هو في اللغة التأوه لي هو" وفي (ف): "هو في اللغة المشاقة وهو"، بدل: "الأواه في اللغة: المتأسف وهو".
(٤) انظر: "ديوان المثقب" (ص: ١٦٤).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٩٦).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٤ - ٣٥).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٥ - ٣٨) عن الحسن وقتادة وابن مسعود وعمرو بن شرحبيل. والأول أصح إسنادًا عن ابن مسعود كما قال النحاس في "معاني القرآن" (٣/ ٢٦١).
[ ٧ / ٤٩٤ ]
وقال محمد: الموقن (^١).
وقال كعب: القائل: آه، عند ذكر النار (^٢).
وقيل: المؤمن (^٣).
وفي "التأويلات": عن النبي ﵇ أنه سئل عن (الأوَّاه) فقال: "الدَّعَّاء الخاشع المتضوِّع" (^٤).
وفيها: عن ابن عباس ﵄: (الأواه): المؤمن (^٥).
وفيها قيل: (الأواه): الفقيه الموقن (^٦).
وفيها: قيل: المسبِّح (^٧).
وقال في (الحليم): هو الذي لا يغضَبُ ولا يَسفَه عند سَفَهِ السَّفيه (^٨).
وقيل (الحليم) هاهنا: هو أنَّ جَهْلَ الكافر لم يمنعه عن الدعاء إلى اللَّه تعالى،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٨ - ٤٠) عن ابن عباس ومجاهد وسفيان والضحاك وعكرمة وعطاء. زاد ابن عباس في رواية وعكرمة وعطاء: (بلسان الحبشة). وزاد سفيان: (وقال بعضهم: الفقيه الموقن). وفي رواية عن مجاهد: (مؤتمن موقن).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٠٢)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٠٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠) عن مجاهد، ورواه ابن عباس وابن جريج بلفظ: (المؤمن بالحبشية).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٣ - ٤٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٩٥ - ١٨٩٦) عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وهو مرسل، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف.
(٥) تقدم تخريجه عنه بلفظ: (المؤمن بالحبشية).
(٦) في النسخ: "الموفق"، والمثبت من "التأويلات"، وكذا روي عن سفيان كما تقدم قريبًا.
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤١) عن سعيد بن المسيب.
(٨) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٩٤).
[ ٧ / ٤٩٥ ]
وعن المواعدة الجميلة التي يرجو بها الحملَ على الإسلام، وذلك مثلُ ما ذكر في سورة مريم في مخاطبةِ أبيه في آيات.
* * *
(١١٥) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾:
قال مجاهد: إن اللَّه لا يَحكم بضلالكم عن الحقِّ باستغفاركم للمشركين إلا بعدأنْ تبيَّن لكم أنكم منهيُّون عنه (^١).
وقال الكلبي: لمَّا أنزل اللَّه الفرائضَ فعمل بها الناسُ، ثم جاء ما ينسخها من القرآن وقد غاب أناسٌ (^٢) وهم يعملون بالأمر الأول من القبلة والخمر وأشباه ذلك، سألوا رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٣).
وقال الكلبيُّ: ويقال: وما كان اللَّه ليُبطِلَ عملَ قوم قد عملوا بالمنسوخ حتى يتبيَّن لهم الناسخ (^٤)، ونظيره: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].
_________________
(١) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٧ - ٤٨).
(٢) في النسخ: "الناس"، والمثبت من المصادر، وستأتي.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٠٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٠٣) عن مقاتل والكلبي، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٥١٠) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وهو في "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٠٠).
(٤) هذا تتمة قول الكلبي عند الثعلبي. انظر التعليق السابق.
[ ٧ / ٤٩٦ ]
وقال الضحاك: وما كان اللَّه ليعذِّبَ قومًا حتى يبيِّن لهم ما يأتُون وما يَذَرون، والإضلال: الإهلاك، يقال: ضلَّ الماء في اللَّبَن (^١).
قال أبو رَوْق: وما كان اللَّه ليتركَ قومًا في الضلال وإنْ عملوا بالمنسوخ حتى يبيِّنَ لهم ما نُسخ من القرآن ثم يعملون به بعد ذلك.
وقال القشيري: مَن أهِّل لبساط الوُصلة ما مُنيَ بعده بعذاب الفُرقة إلا إذا أسرَّ بعده تركَ الخدمة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هذا ظاهر (^٣).
* * *
(١١٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ينتظِم بما مرَّ من الحثِّ على الجهاد أن له الخَلْقَ كلَّهم يصرِّفهم كيف يشاء يُبقي ويُفني، فامضوا على بيعتكم ولا يَهُولنَّكم كثرةُ الأعداء، وتوكَّلوا عليَّ فأَوْفوا بالمبايعةِ أنصرْكم، فإن لم تُوفوا بها خذلْتُكم ثم لا يكون لكم وليٌّ ولا نصير.
وعلى قولِ مَن حمل الآية الأولى على النَّسخ فوجهُ الانتظام له: أنه ينسخ حكمًا بحكمٍ وأمرًا بأمرٍ، يَحكم في أهل السماوات والأرض بما يشاء.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٠٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٠٣).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٩)، ولفظه: (من أحلَّه بساط الوصلة ما مُني بعده بعذاب الفرقة، إلا لمن سلف منه ترك حرمة). ومن قوله: "وقال القشيري. . " إلى هنا ليس في (أ) و(ف).
(٣) "هذا ظاهر" ليس في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٤٩٧ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو لا يتجمَّل بوجود مملوكاته، ولا يَلحقه نقصٌ بعدم مخلوقاته، يُحيي مَن يشاء بعرفانه، ويميت مَن يشاء بكفره وطغيانه، يُحيي مَن أقبل عليه بتضرُّعه ويميت مَن أعرض عنه بترفُّعه (^١).
* * *
(١١٧) - ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية:
قال ابن عباس ﵄: ولما نزلت هذه السورة وفي آياتها بيانُ معاملات المنافقين على التفصيل (^٢) ظننَّا أنه لا يبقى أحدٌ منَّا إلا نزل فيه قرآنٌ، إلى أن نزلت هذه الآية، وكانت السورة تدعى: الفاضحة، ولما نزلت هذه الآية سُميت بها: سورةَ التوبة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال أبو عبيدة: هو مفتاح كلام، لمَّا كان هو سببَ التوبة على القوم ذُكر معهم (^٤)، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١].
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٩ - ٧٠).
(٢) في (ف): "التفصيل ومنهم".
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وروى البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١) عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: قلتُ لابن عباس: سورةُ التَّوبةِ، قال: التوبةُ؟ هي الفاضحةُ، ما زالتْ تَنْزِلُ: ومنهم ومنهم، حتى ظَنُّوا أنَّها لن تبقِيَ أحدًا منهم إلَّا ذُكِرَ فيها.
(٤) في (ف): "معهم".
[ ٧ / ٤٩٨ ]
وقال ابن عباس ﵄: هو العفو عن إذنه للمنافقين بالتخلُّف عنه (^١)، قال تعالى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: هو في حقِّ زلَّاتٍ سبقت منهم يومَ أحد وغيره، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٥].
وقيل: هو في حقِّ هفَواتٍ كانت منهم في غزوة تبوك؛ همُّوا أن ينصرفوا في غير وقت الانصراف على غيرِ إذنٍ لشدائدَ أصابتهم.
قال: ويجوز أن يكون أراد الإدامةَ والثباتَ (^٢) على التوبة الياضية، كما عُرف في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] أنه على الدوام والثبات دون الابتداء والإنشاء.
قال: ويحتمل أنه على أنهم حيث صبروا على ما أصابهم من الجهد والشدة كشف اللَّه عنهم أشياء كانت مستورةً عنهم، وجلَّى لهم أغطيةً كانت لا تنجلي لهم من قبلُ، فازدادوا تفويضًا وتسليمًا ورجوعًا إلى ربهم، فذلك توبةُ اللَّه عليهم وتوبتُهم إلى اللَّه تعالى (^٣).
ثم الجمعُ بين المهاجرين والأنصار وبين النبي -ﷺ- في هذا غايةُ التشريف لهم والتشهير (^٤)، حيث أَشرك بينه وبينهم في التطهير.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: أي: في غزوة تبوك وقد أصابتهم
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٨٠).
(٢) في (ر) و(ف): "والإثبات".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥٠٢ - ٥٠٣).
(٤) في (أ): "غاية تشريف وتشهير".
[ ٧ / ٤٩٩ ]
فيها مشقَّةٌ شديدة من قلةِ الزاد والماء والمركب، وهذا عن مجاهد وجابر وقتادة (^١).
قال عبد اللَّه بن محمد بن عقيل: كان ذلك عسرةً من الماء، وعسرةً من النفقة، وعسرةً من الظَّهر (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: قيل لعمر بن الخطاب ﵁ في شأن العسرة، قال: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى تبوك في قيظٍ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننَّا أن رقابنا ستُقطع، حتى إنْ كان الرجل يذهبُ يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظنَّ أن رقبته ستُقطع، وحتى إن الرجل ينحرُ بعيره فيعصرُ فَرْثَه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، إن اللَّه قد عوَّدك في الدعاء خيرًا فادع اللَّه لنا، قال: "نعم" فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلَّت السماء ثم سكَبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (^٣).
وقال قتادة: ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقَّان التمرة بينهما، وكان النَّفَر يتداولون التمرة بينهم يمصُّها هذا ثم يشربُ عليها الماء، ثم يمصُّها هذا (^٤).
وقال الحسن ومَعْمرٌ: كان الرجلان والثلاثةُ على بعيرٍ واحد يتعاقبون، وكان زادُهم التمرَ والمَحْضَ (^٥) وشيئًا من الشعير، وإهالةً مُنتنةً (^٦).
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٠ - ٥١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٠).
(٣) رواه البزار في "مسنده" (٢١٤)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٢)، وابن حبان في "صحيحه" (١٣٨٣)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٠١)، والطبراني في "الأوسط" (٣٢٩٢)، والحاكم في "المستدرك" (٥٦٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ١٩٥): رواه البزار والطبراني في "الأوسط" ورجال البزار ثقات.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥١).
(٥) في (ر): "والمخض". والمحض: اللبن الخالص. انظر: "القاموس" (مادة: محض). وفي المصادر: (التمر المسوِّس)، بدل: "التمر والمحض".
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٠٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٠٤)، والقرطبي في "تفسيره" =
[ ٧ / ٥٠٠ ]
وفيها قصةُ دعائه بتمرٍ قليلٍ، وجَعْلِه في قصعةٍ، والدعاءِ (^١) بالبركة، حتى أَخذ الناسُ -وهم أكثرُ من ثلاثين ألفًا- أزوادهم والتمرُ بحاله (^٢).
وفيها كانت قصةُ وضعه كفيه في ماءٍ قليل، وانفجارِ الماء من أصابعه العشر، حتى شربوا وسَقَوا دوابَّهم وملؤوا أوعيتهم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (^٤): قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿يَزِيغُ﴾ بياء التذكير لتقدُّم الفعل، وقرأ الباقون بتاء التأنيث بسبب الجمع (^٥)، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: ١١٣].
وقوله: ﴿يَزِيغُ﴾؛ أي: تميل ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: جماعةٍ، ولم يقل: زاغت، بل قال: ﴿كَادَ يَزِيغُ﴾ ولم يقل: قلوبهم، بل قال: ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ وهذا في الزيغ يجوز أن يكون ميلًا عن المضيِّ وقصدًا للرجوع، ويحتمِل أن يكون وقوعَ الاضطراب في القلوب.
يقول: تناهى بهم العسر، واشتدَّ عليهم الأمرُ، حتى قارَبوا أن تضطرب قلوب بعضهم، فتداركهم اللَّه، وكذا كان حال الأنبياء وأتباعِهم من قبلُ، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقال: ﴿وَلَمَّا
_________________
(١) = (١٠/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، عن الحسن. الإهالة: الشحم. انظر: "القاموس" (مادة: أهل).
(٢) في (أ): "ودعا".
(٣) رواه مسلم (٢٧/ ٤٥).
(٤) رواه مالك في "الموطأ" (١/ ١٤٣)، ومن طريقه مسلم (١٠/ ٧٠٦) (كتاب الفضائل)، وفيه أن الماء نبع من عين بعد أن غسل النبي -ﷺ- فيه يديه ووجهه. وكذا روي عن ابن إسحاق في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٢٧).
(٥) في (ر) و(ف): "من بعد ما كاد تزيغ. . . ".
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٣١٩)، و"التيسير" (ص: ١٢٠).
[ ٧ / ٥٠١ ]
يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وقال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: وفَّقهم للرجوع إليه والاعتصام به، وقبِل ذلك منهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: والجمع بين الاثنين (^١) للمبالغة والتأكيد.
وإنما كرَّر ذكر التوبة لوجوهٍ:
أحدها: أن قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ﴾ هو للتوفيق للتوبة، ثم قولَه: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ لقبولها، والأول لِمَا سلف والثاني لِمَا كان منهم في هذه الغزوة، أو الأول للكلِّ والثاني لمن كاد يزيغ قلبه على الخصوص.
وقيل: الأول: العفو، والثاني: التخفيف، حيث قفَل بهم النبيُّ -ﷺ- قبل الحرب، قاله الحسن، وهو كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ أي: خفَّف عنكم فأسقطه عنكم.
وقال الإمام القشيري ﵀: كذا سنَّةٌ اللَّه مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب وقاربوا من التلف، واستمكن اليأس من قلوبهم من النصرة، ووطَّنوا أنفسهم على أن يذوقوا أليمَ البأس والعسرة، يُمطر عليهم سحائبَ الجود والنصر الموعود، فيعيد عودَ الحياة بعد يبسه طريًّا، ويَردُّ وردَ الأُنس عقيب (^٢) ذبوله غضًّا جنيًا (^٣).
* * *
(١١٨) - ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ
_________________
(١) في (ف) و(أ): "الاسمين".
(٢) في (ف): "بعد".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧٠).
[ ٧ / ٥٠٢ ]
عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: أي: وتاب أيضًا على الثلاثة الذي خلِّفوا.
قال قتادة: أي: عن غزوة تبوك (^١).
وقال مجاهد: أي: عن التوبة (^٢).
وقيل: أي: عن (^٣) الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾، أو (^٤) عن المذكورين في قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فابتهلوا ودعوا فتاب اللَّه عليهم.
وللأول وجهان:
أحدهما: أنه تقدَّمهم القوم فهم مخلَّفون بتقدُّم أولئك.
والثاني: خلَّفهم اللَّه؛ أي خلَق فيهم التخلُّف، ودل ذلك على خلق الأفعال.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: أي: اتَّسعت، وقد رَحُب رُحْبًا بضم راء المصذر، فهو رَحْبٌ بفتحها، من حدِّ شرُف.
و(ما) مع الفعل مصدر تقديره: برُحبها؛ أي: بلغ منهم الغمُّ والتأسُّف والندمُ مبلغًا لا يجدون منه مخرجًا ولا يهتدون لحيلة، كما قال الشاعر:
كأنَّ بلادَ اللَّه وهي عريضةٌ على الخائف المطلوب كُفَّةُ حابلِ (^٥)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٦).
(٢) ذكره عن مجاهد الواحدي في "البسيط" (١١/ ٨٤). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٤) عن عكرمة وقتادة. ورواه عن قتادة أيضًا أبن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٠٤).
(٣) "عن" ليس من (أ) و(ف).
(٤) في (أ): "أي".
(٥) نسب لعبد اللَّه بن الحجاج، وللبيد، ولرزين العروضي، ولعبيد بن أيوب بن ضرار العنبري، وللطرماح، =
[ ٧ / ٥٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: أي: اشتدَّ غمُّهم وضِيقُ صدورهم وحياؤهم فصاروا كأنهم لا يجدون موضعًا يُخفونها فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾: أي: أيقنوا أنه (^١) لا معتَصَم من اللَّه إلا باللَّه، ولا مخلِّص من عقاب اللَّه إلا عفوُ اللَّه.
وقيل: كان ذلك حين كلَّموا النبيَّ -ﷺ- في ذلك فلم يُجبهم بشيء.
و﴿حَتَّى إِذَا﴾ يقتضي جوابًا، وهو محذوف هاهنا، وهو معطوف عليه ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾، وهو أن يقال: خفَّف عليهم -أو: رحمَهم، ونحوه- ثم تاب عليهم.
وقيل ﴿حَتَّى إِذَا﴾ كلمة غايةٍ وتقديره: وخلِّفوا إلى هذه الغاية ثم تاب عليهم، وعلى هذا الوجه لا حذف فيه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾: أي: وفَّقهم للتوبة فتابوا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: وهذا ظاهرٌ.
والآية نزلت في كعب بن مالكٍ من بني سَلِمةَ، وهلال بن أمية الواقفيِّ، ومُرارةَ بنِ الربيع الزبيدي.
وذكر محمد بن إسماعيلَ البخاريُّ في "الجامع": عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده أنه قال: لم أتخلَّفْ عن رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك، وكان من خبري: أنِّي لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفْتُ عنه في تلك الغزوة، واللَّه ما اجتمعتْ عندي قبله راحلتان قطُّ حتى جمعتُهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يريدُ غزوةً إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوةُ غزاها رسول اللَّه -ﷺ- في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا وعدوًّا كثيرًا، فجلَّى
_________________
(١) = وقد تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ٢٥].
(٢) في (ف): "أن".
[ ٧ / ٥٠٤ ]
للناس أمرهم ليتأهَّبوا أُهبةَ غزوِهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول اللَّه -ﷺ- كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتاب حافظ. يريد الديوان.
قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلا ظَنَّ أنه سيَخفى له ما لم ينزل فيه وحيٌ اللَّه تعالى، وغزا رسول اللَّه -ﷺ- تلك الغزوةَ حين طابت الثمار والظلال، وتجهَّز رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنون معه، فطُفقت أغدو لكي أتجهَّز (^١) معهم، فأرجعُ ولم أقضِ شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي ذلك حتى خرج رسول اللَّه -ﷺ- والمسلمون معه ولم أقضِ شيئًا من جَهازي، فقلت: أتجهَّز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقُهم، فغدوتُ بعد أن فصَلوا لأتجهَّز فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا، ثم غدوتُ ثم رجعتُ ولم أقضِ شيئًا، ولم يزَل بي ذلك حتى أسرعوا، وهممتُ أن ارتحلَ فأدركَهم وليتني فعلتُ، ولم يقدَّر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول اللَّه -ﷺ- فطفتُ فيهم أَحزنني أنْ لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق (^٢)، أو رجلًا ممن عذَره اللَّه من الضعفاء، ولم يذكُرني رسول اللَّه -ﷺ- حتى بلغ تبوكَ (^٣)، فقال وهو جالس في القوم: "ما فعَل كعبٌ؟ " فقال رجل من بني سَلِمة: يا رسول اللَّه، حبسه بُرداه (^٤) ونظرُه في عِطْفه، فقال معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلتَ، واللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول اللَّه -ﷺ-.
قال كعب بن مالك: فلمَّا بلغني أنه توجَّه قافلًا حضَرني همِّي، وطَفِقْتُ أتذكَّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سَخَط رسول اللَّه -ﷺ- غدًا، واستعنْتُ على ذلك بكلِّ ذي رأي من أهلي، فلمَّا قيل: إن رسول اللَّه -ﷺ- قد أظلَّ قادمًا زاح عني الباطلُ،
_________________
(١) في (ف): "لأتجهز".
(٢) أي: متهمًا به. انظر: "شرح مسلم" للنووي (١٧/ ٨٩).
(٣) بغير صرف للأكثر، وفي رواية: (تبوكًا) بالصرف على إرادة المكان. انظر: "فتح الباري" (٨/ ١١٨). وقال النووي في "شرح مسلم" (١٧/ ٨٩): هكذا هو في أكثر النسخ (أي: نسخ مسلم): (تبوكًا) بالنصب.
(٤) في (أ): "برده".
[ ٧ / ٥٠٥ ]
وعرفت أني لن أخرج عنه أبدًا بشيءٍ فيه كذب، فأجمعتُ صِدْقه.
وأصبح رسول اللَّه -ﷺ- قادمًا، وكان إذا قدم من سفره بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم يجلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون وطفِقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول اللَّه -ﷺ- علانيَتهم وبايعهم واستغفرَ لهم، ووكَلَ سرائرهم إلى اللَّه تعالى، فجئتُه، فلما (^١) سلمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضَب ثم قال: "تعال"، فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفك، ألم تكن قد ابتَعْتَ ظَهْرَك؟! " فقلت: بلى، إني واللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أنْ سأخرج من سَخَطه بعذرٍ، ولقد أُعطيتُ جدلًا، ولكني واللَّه لقد علمتُ لئن حدَّثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني ليوشكنَّ اللَّه أن يُسخطك عليَّ، ولئن حدَّثتُك حديثَ صدق تجدُ عليَّ فيه إنِّي لأرجو فيه عفو اللَّه، لا واللَّه ما كان لي من عذرٍ، واللَّه ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أمَّا هذا فقد صَدَق، فقُم حتى يقضيَ اللَّه فيك" فقمتُ، وسار رجال من بني سَلِمة فاتَّبعوني فقالوا لي: واللَّه ما علِمناك كنتَ أذنبتَ ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزتَ أن لا تكون قد اعتذرتَ إلى رسول اللَّه -ﷺ- بما اعتذر إليه المتخلِّفون (^٢)، قد كان كافِيَكَ ذنبَك استغفارُ رسول اللَّه -ﷺ-، فواللَّه ما زالوا يؤنِّبونني حتى أردتُ أن أرجع فأكذِّبَ نفسي، ثم قلت لهم: هل لقيَ هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثلَ ما قلتَ فقيل لهما مثلُ ما قيل لك، فقلت: مَن هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العنبريُّ وهلالُ بن أميةَ الواقفيُّ، فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أسوةٌ، فمضيت حين ذكروهما لي.
_________________
(١) في (ف): "و".
(٢) في (أ) و(ر): "المخلفون".
[ ٧ / ٥٠٦ ]
ونهَى رسول اللَّه -ﷺ- المسلمين عن كلامنا مِن بينِ مَن تخلَّف عنه، فاجتنبَنا الناس وتغيَّروا لنا، حتى تنكَّرتْ في نفسي الأرضُ فما هي التي أعرفُ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمني أحدٌ، وآتي رسول اللَّه -ﷺ- فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلِّي قريبًا منه فأسارقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبلَ إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عنِّي، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوةِ الناس مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدار حائط أبي قتادة، وهو ابنُ عمي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلَّصتُ عليه فواللَّه ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة! أَنشدُكَ باللَّه هل تعلمُ أني أحبُّ اللَّه ورسوله؟ فسكتَ، فعدتُ له فنَشَدْتُه فسكت، فعدتُ له فنَشدْتُه فسكت، فعدتُ له فنَشدْتُه فقال: اللَّه ورسوله أعلمُ، ففاضت عيناي وتولَّيت حتى تسوَّرتُ الجدار.
فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنَبَطيِّ من أنباط الشام ممن قدِم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: مَن يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطَفِق الناسُ يشيرون له إليَّ، حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أمَّا بعدُ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يَجعلك اللَّه بدارِ هوانٍ ولا مَضْيعةٍ، فالْحَقْ بنا نواسك، فقلتُ لما قرأتُها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيمَّمت بها التَّنُّور فسجَرْتُه بها.
حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ اللَّه -ﷺ- يأتيني فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- يأمرُك أن تعتزلَ امرأتك، فقلتُ: أطلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزِلها ولا تَقْرَبها، وأَرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الْحَقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضيَ اللَّه في هذا الأمر.
[ ٧ / ٥٠٧ ]
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أميةَ رسولَ اللَّه -ﷺ- فقالت، إن هلال بن أمية شيخٌ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه، قال: "لا، ولكنْ لا يَقْربْكِ" قالت: واللَّه ما به حركةٌ إلى شيء، واللَّه ما زال يبكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعضُ أهلي: واللَّه لو استأذنتَ رسول اللَّه -ﷺ- في امرأتك كما استأذنَتِ امرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: واللَّه لا أستأذن فيها رسول اللَّه -ﷺ-، وما يدريني ما يقولُ رسول اللَّه -ﷺ- إذا استأذنتُه فيها وأنا رجل شابّ؟
فلبثتُ بعد ذلك عشرَ ليالي حتى كَمَلتْ لنا خمسون ليلة مِن حينِ نَهَى رسول اللَّه -ﷺ- عن كلامنا، فلما صلَّيت الفجر صبحَ خمسين ليلةً وأنا على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه تعالى قد ضاقت نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحُبت، سمعتُ صوت صارخٍ أوفَى على جبل سَلْعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالكٍ أبشِرْ، فخَررتُ ساجدًا، وعرفتُ أنْ قد جاء الفرجُ (^١).
وآذن (^٢) رسولُ اللَّه -ﷺ- بتوبةِ اللَّه علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشِّروننا، وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشِّرون، وركض رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعى ساعٍ مِن أسلمَ (^٣) فأَوْفَى على الجبل، فكان الصوتُ أسرعَ من الفرس، فلما جاءني الذي سمعتُ صوتَه يبشِّرني نزعتُ له ثوبيَّ فكَسَوْتُه إياهما ببُشراه، واللَّه ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرتُ ثوبين فلبستُهما وانطلقتُ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يهتفُ لي بالتوبة، يقولون: ليَهْنِك توبةُ اللَّه عليك.
قال كعبٌ: حتى دخلتُ المسجد، فإذا برسول اللَّه -ﷺ- جالسٌ والناسُ حوله،
_________________
(١) في (أ): "جاءني الفرج"، ولفظ الصحيحين: (جاء فرجٌ).
(٢) أي: أَعْلَمَ.
(٣) بعدها في مسلم: (قِبَلي)؛ أي: نحوي.
[ ٧ / ٥٠٨ ]
فقام إليَّ طلحةُ بن عبيد اللَّه يهرولُ حتى صافحني وهنَّأني، واللَّه ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلَّمْتُ على رسول اللَّه -ﷺ- قال رسول اللَّه -ﷺ- وهو يَبْرُق وجهُه من السرور: "أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدَتْكَ أمُّك" قلتُ: أمِن عندك يا رسولَ اللَّه أم مِن عند اللَّه؟ قال: "لا، بل من عند اللَّه"، وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعةُ قمر، وكنَّا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلتُ: يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً إلى اللَّه تعالى وإلى رسوله، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أمسِكْ عليك بعضَ مالك فهو خيرٌ لك"، قلتُ: إني أمسكُ سهمي الذي بخيبر، فقلتُ: يا رسول اللَّه، إنما نجاتي بالصدق، وإنَّ من توبتي ألَّا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيتُ، فواللَّه ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه اللَّه تعالى من صدقِ الحديث منذ ذكرتُ ذلك لوسول اللَّه -ﷺ- أحسنَ مما أبلاني، ما تعمَّدتُ منذ ذكرتُ ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظَني اللَّه تعالى فيما بقيتُ.
فأنزل اللَّه تعالى على رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فواللَّه ما أنعمَ اللَّه عليَّ من نعمةٍ قط بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صِدقي رسولَ اللَّه -ﷺ- أنْ لا أكونَ كذَبْتُه فأَهلِكَ كما هلك الذين كذَبوا، فإن اللَّه تعالى قال للَّذين كذَبوا حين أَنزل الوحيَ شرَّ ما قال لأحد، قال سبحانه: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
قال كعب: وكنَّا تخلَّفنا [أيها الثلاثة] عن أمر أولئك الذين قبِل منهم رسول اللَّه -ﷺ- حين حلفوا له فبايَعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول اللَّه -ﷺ- أمرَنا حتى قضى اللَّه ﵎ فيه، فلذلك قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي
[ ٧ / ٥٠٩ ]
ذكَر اللَّه مما خلِّفْنا عن العزو، وإنما هو تخليفُه إيانا وإرجاؤه أمرَنا عمَّن حلف له واعتذر إليه فقَبِل منه (^١).
* * *
(١١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: القائلين بالحقِّ العامِلِين به، و: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ في معنى: من الصادقين، أو: في الصادقين؛ لأن (مع) هو للمصاحبة، و(في) للوعاء، و(من) للتبعيض، فإذا كانوا في جملتهم فهم على المعاني الثلاثة.
وقيل: هذا أمر للصحابة رضوان اللَّه عليهم إذا خرجوا مع رسول اللَّه -ﷺ- أن يتَّقوا مخالفتَه، وأن يكونوا على مذهبِ مَن يستعمل الصدق في أقواله وأفعاله، وهو من قولك: أنا مع فلان؛ أي: على مذهبه.
وقيل: معناه: اتَّقوا اللَّه في الدنيا لتكونوا مع الصادقين في الجنة في العقبى، من قول اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]، وطريقُه طريقُ قولك: ائتني وخُذْ كذا؛ أي: لتأخذَ كذا.
وفي قصة كعبٍ التي سُقناها ما يدلُّ على أن الآية نزلت في المجاهدين، فقد قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، وليس هو مجرَّدَ القول، بل هو التحقيقُ في الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فكان معنى الآية: ولا تعودوا إلى التخلُّف عن رسول اللَّه -ﷺ- في مغازيه لتكونوا قد صدَقْتُم في إيمانكم.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، وما بين معكوفتين منهما.
[ ٧ / ٥١٠ ]
وقال الحسن (^١): بلغني أنه كان لأحدهم حائطٌ كان يومئذ خيرًا من مئة ألف درهم، فقال: يا حائطاه! ما خلَّفني عن رسول اللَّه -ﷺ- إلا ظلُّك وانتظارُ ثمرك، اذهب فأنت في سبيل اللَّه، ثم لحق برسول اللَّه -ﷺ-، وأما الآخرُ فلم يكن له إلا أهيلٌ له، فقال: يا أهيلاه (^٢)! ما بطَّأني عن رسول اللَّه -ﷺ- ولا خلَّفني عنه إلا الضِّنُّ بك، لا جرم واللَّه لأكابِدَنَّ المفاوزَ حتى ألحق برسول اللَّه -ﷺ-، وأما الثالث فلم يكن له أهل ولا مال فقال: يا نفسُ! واللَّه ما خلفني عن رسول اللَّه -ﷺ- إلا حبُّ الحياة لا جرم (^٣) واللَّه لأكابدنَّ الشدائد حتى أَلحق برسول اللَّه -ﷺ-، ثم ركب نعليه (^٤) ومعه زادُه تحت إبطه، فلحق برسول اللَّه -ﷺ-.
وقال ابن عباس ﵄: يا أيها الذين آمَنوا من أهل الكتاب، اتَّقوا اللَّه وكونوا مع الصادقين؛ أي: مع المجاهدين (^٥).
وقيل: يا أيها الذين آمَنوا من أهل مكة ولم يهاجروا، اتَّقوا اللَّه وكونوا مع المهاجرين.
_________________
(١) ذكر قوله الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٣١٩).
(٢) في "الكشاف": "ولم يكن لآخر إلا اهله فقال: يا أهلاه".
(٣) "لا جرم" ليست في (ف).
(٤) في (أ): "بغلته".
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٨٧) عن ابن عباس ومقاتل بلفظ: (يعني به مؤمني أهل الكتاب، يأمرهم بالجهاد وأن يكونوا مع المهاجرين)، وبهذا اللفظ ذكره في "الوسيط" (٢/ ٥٣٣) لكن عن الكلبي ومقاتل، فلعله مما روي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. أما مقاتل بن حيان فقد رواه عنه باللفظ المذكور ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٠٦). وذكره عن ابن عباس أيضًا الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٣٢١)، وفيه بدل: "أي: مع المجاهدين": (أي: كونوا مع المهاجرين والأنصار، ووافقوهم وانتظِموا في جملتهم، واصدقوا مثل صدقهم). وهذا الذي قاله الزمخشري هو الأوفق بالمعنى، فغير المسلم يطلب منه أولًا أن يكون مع المسلمين قبل أن يطلب كونه في المجاهدين.
[ ٧ / ٥١١ ]
قال الضحاك: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: مع أبي بكر وعمر ﵄ (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: اتقوا مخالفةَ اللَّه فيما يأمركم به، وكونوا مع الموافِقين لأمره.
ودلت الآية على أن إجماع الأمة حجةٌ؛ لأنَّه أمرهم بالكون مع الصادقين في دِينه، فلزم قبول قولهم (^٢).
وقال يمانُ بن رئابٍ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: اصْدُقوا كما صَدَق هؤلاء الثلاثة.
وقال ابن مسعود ﵁: واللَّه ما يَصلُحُ الكذب في جِدٍّ ولا هَزْلٍ، ولا أن يَعِدَ (^٣) أحدُكم صبيَّه ثم لا يُنجزه، اقرؤوا إن شئتم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٨٦) عن الضحاك وسعيد بن جبير.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥٠٦).
(٣) في (أ): "أن بعد"، وفي (ف): "لأن يعد".
(٤) رواه بتمامه وكيع في "الزهد" (٤٠١)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٠٩)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٥٣٣). ورواه دون قوله: (اقرؤوا إن شئتم. . .) ابن ماجه (٤٦)، والإمام أحمد في "المسند" (٣٨٩٦)، ووكيع في "الزهد" (٣٩٦)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٠٧٦) و(٢٠١٩٨)، وسعيد بن منصور في التفسير من "سننه" (١٠٤٩)، وهنَّاد في "الزهد" (١٣٧٢)، والطبراني في "الكبير" (٨٥١٨). ورواه دون قوله: "ولا أن يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجزه"، ابن المبارك في "الزهد" (١٤٠٠)، وسعيد بن منصور في التفسير من "سننه" (١٠٤٧) و(١٠٤٨)، ووكيع في "الزهد" (٣٩٥)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٠٦). وجاء عند وكيع والطبري وابن أبي حاتم بدل ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: (من الصادقين)، وهو الصواب في هذا الخبر، فقد جاء عند الطبري وابن أبي حاتم عقبها: (قال يعني: الراوي للخبر-: وكذلك هي قراءة ابن مسعود: "من الصادقين").
[ ٧ / ٥١٢ ]
وقال عبد اللَّه بن عامر: أتانا رسول اللَّه -ﷺ- في بيتنا وأنا صبيٌّ، فخرجت ألعبُ، فقالت أمي: تعال أعطِكَ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما أردتِ أن تعطيهِ؟ " قالت: تمرًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أمَا إنك لو لم تُعطِه كانت كذبة" (^١).
وقال قتادة: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الصدقُ في النية، والصدقُ في العمل، والصدقُ في الليل والنهار، والصدق في السرِّ والعلانية (^٢).
وقال أهل المعرفة: هو الصدقُ في الأحوال.
وفي الزَّبور: كَذَب مَن ادَّعَى محبَّتي فإذا جنَّه الليل نام عنِّي.
* * *
(١٢٠) - ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾:
ثم حثَّ ﷻ ساكني المدينةِ من غير المهاجرين والأنصارِ ومَن حولهم من الأعراب -مُزينةَ وأشجعَ وأسلمَ وجهينةَ وغِفار- على ما حثَّ عليه الأنصار، فقال: ما ينبغي لهؤلاء أن يتخلَّفوا عن رسول اللَّه -ﷺ- إذا استَنفرهم واستَنهضهم إلى
_________________
(١) في (أ): "كنت كذابة"، وفي (ف): "فأنت كذابة". والحديث رواه أبو داود (٤٩٩١). وفي الباب عن أبي هريرة، رواه الإمام أحمد في "المسند" (٩٨٣٦)، ولفظه: "من قال لصبي: تعال هاكَ، ثم لم يُعطِه، فهي كذبةٌ".
(٢) رواه ابن أبي حاتم (٦/ ١٩٠٧).
[ ٧ / ٥١٣ ]
غزوٍ، ولا أنْ يَضِنُّوا بأنفسهم حتى ينفرد هو بتحمُّل المشقَّة دونهم، بل يلزمُهم جميعًا أن يخرجوا معه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: ولا أن يرغبوا، عطفًا على الأول، والرغبة: طلب المغفرة، فقولك: رغب في كذا؛ أي: طلب المنفعةَ به، وقولك: رغب عن كذا؛ أي: طلب المنفعة بتركه، ومعنى ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: يطلبوا المنفعة بتوقيَةِ أنفسهم دون نفسِ رسول اللَّه -ﷺ-.
وقال قطربٌ: أي: لا يَكرهوا لأنفسهم ما يَرضاه الرسولُ لنفسه.
وقال أبو الهيثم السِّجْزيُّ (^١): أي: لا يكونوا أشفقَ على أنفسهم منهم على رسول اللَّه -ﷺ-.
وقال ابن كيسان: أي: لا يرضَوا أن يكونوا في خَفْضٍ ودَعةٍ ورسولُ اللَّه -ﷺ- في شدةٍ ونصَب.
وقال القشيري ﵀: أي: ليس لهم أن يُؤْثِروا على النبي -ﷺ- شيئًا من أهل وولد ومال ونفسٍ وروح، ولا يخسرون بذلك به (^٢).
ثم وصل به ما يحرِّكهم به عليه، وهو قوله تعالى:
_________________
(١) لعله عبيد اللَّه بن عبد اللَّهِ السِّجزِي أبو الهيثم، يروي عن أبي إسحاق السَّبيعِي، روى عنه ابنه حسين بن عبيد اللَّه. انظر: "الثقات" لابن حبان (٧/ ١٤٧). وفي موضع آخر من "الثقات" (٨/ ٤٠٤): عبيد اللَّه السجزِي أبو الهيثم يروي عن سُفْيان الثوْريِّ روى عنه قُتيبة بن سعيد الحكلايات. وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي (٤/ ٦٨٨): عُبَيْدُ اللَّه بن محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بن سِنَان بن طُغَانَ التُّرْكيُّ الخُراسانيُّ السِّجْزِيُّ الفقيهُ، أبو الهيثم، توفي (١٧١ - ١٨٠ هـ)، كان جَدُّه مُتَولِّيَ إمر، خراسانَ، وقد أُدخل عُبيدُ اللَّه وهو صغيرٌ على الحسنِ البَصريِّ وسَمع من أيوبَ السَّخْتِيَانيِّ، وهشامِ بن حسَّان، وابنِ إسحاقَ. وعنه: عثمانُ بنُ زائدةَ وهو أكبرُ منه، وابن المبارك، وغيرهما، كان من كبار الفقهاءِ، وما رأيتُ لأحدٍ فيه تضعيفًا.
(٢) "به" من (ف)، وفي "اللطائف": (وليس يخسرون على اللَّه، وأنى ذلك؟). انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧٢).
[ ٧ / ٥١٤ ]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: ذلك الحثُّ والترغيب بأنهم لا ينالهم عطشٌ ولا تعبٌ ولا مجاعة في طريق الجهاد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾: أي: ولا يطؤون بأقدامهم أو خيولهم أرضًا، والموطئ يجوز أن يكون مصدرًا ويجوز أن يكون موضعًا كالموضِع (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾: أي: لا يجدون، ومعناه: لا يصيبون من أحدٍ منهم شيئًا من جَرحِ أو قتلٍ أو ضربٍ أو تشديدٍ أو أخذِ مالٍ ونحوِ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾: أي: حَصَل لهم بكلِّ واحدٍ من هذه الآثار حسنةٌ مقبولة.
وإنما قال: ﴿بِهِ﴾ مع ذكر أشياءَ جمعًا؛ لأنه لمَّا أَدخل بين شيئين (لا) مكرَّرًا صار كلُّ فعل مفرَدًا بالذكر مقصودًا بالوعد، وهو كما قال أصحابنا: مَن حلَف لا يأكل خبزًا ولا لحمًا، يَحنث بواحدٍ منهما، ولو قال: واللَّه لا آكلُ خبزًا ولحمًا، لم يحنث إلا بهما جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: هم محسِنون، واللَّه لا يُبطِل ثوابَهم.
* * *
(١٢١) - ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾: قال ابن عباس ﵄: قليلةً ولا كثيرةً (^٢).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "كالمرجع".
(٢) انظر: "تنوير المقباس" (ص: ١٦٨). وذكر عنه الواحدي في "البسيط" (١١/ ٩١): يريد تمرة فما =
[ ٧ / ٥١٥ ]
وقيل: ﴿صَغِيرَةً﴾: إنعالُ فرسٍ، أو خَرْزُ مِطْهرةٍ، أو خَصْفُ نعلٍ، و﴿كَبِيرَةً﴾: شراكُ كُراعٍ أو سلاح، أو إعدادُ زاد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾: قال ابن عباس ﵄: مُقبِلين ومُدْبرين (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: أي: عملٌ صالحٌ كما مرَّ مرةً، ويستقيم: إلا كُتب لهم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: يأمر بكتابةِ هذه الأشياء في كتبهم ليُخرجها لهم يوم القيامة، فيجزيَهم على كلِّ وأحد منها جزاءَ أحسنِ عملٍ كان لهم، فيُلحق ما دونه به شكرًا لسعيهم وتوفيرًا لأجرهم.
قالوا في الآية: إن مَن قصَد طاعةً كان قيامُه وقعودُه ومشيُه وحركاتُه فيها كلُّها حسناتٍ مكتوبةً له، فما أعظمَ بركات الطاعات.
وقال قتادة: ما ازداد قومٌ في سبيل اللَّه من أهاليهم بعدًا إلا ازدادوا من اللَّه قربًا (^٢).
وقال القشيريُّ ﵀: ذلك بأنهم لا يرفعون لأجله سبحانه خطوةً إلا قابلهم بألفِ خطوةٍ، ولا ينقلون للَّه قدمًا إلا لقَّاهم لطفًا وكرمًا، ولا يقاسون فيه عطشًا إلا سقاهم من شرابِ لطفه كأسًا، ولا يتحملون لأجله مشقَّةً إلا أعطاهم سرورًا ونصرةً، ولا ينالون من الأعداء ما يوجب وهَنهم إلا شكَر سعيَهم (^٣).
* * *
(١٢٢) - ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
_________________
(١) = فوقها ولا أدنى منها، وروي عنه: ولو عِلاقة سوط.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٩٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٠٩).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧٢).
[ ٧ / ٥١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾:
قال الكلبي: لمَّا أنزل اللَّه تعالى عيوبَ المنافقين وبيَّن نفاقهم في غزوة تبوك، قال المؤمنون: واللَّه لا نتخلَّف عن غزوةٍ يغزوها رسول اللَّه -ﷺ- ولا سريةٍ أبدًا، فلما قدم رسول اللَّه -ﷺ- وأمر بالسرايا إلى العدو (^١) نفر المسلمون -﵃ أجمعين- جميعًا، وتركوا رسول اللَّه -ﷺ- وحده بالمدينة، فنزلت الآية الكريمة الشريفة عليه -ﷺ- (^٢).
فعلى هذا تفسيرُ الآية: ليس من حُكم المؤمنين ﵃ أن ينفروا جميعًا ويتركوا رسول اللَّه -ﷺ- بغيرِ أصحابٍ ويضيِّعوا أهاليَهم وأموالَهم، فهلَّا خرج من كلِّ قبيلةٍ جماعةٌ منهم للغزو، وقعد طائفةٌ ليتعلَّموا من رسول اللَّه -ﷺ- القرآن والأحكام.
والتفقُّه: التفعُّل من الفقه، وهو طلبُه وتحصيلُه، والفقه: فهمُ موجَبات المعاني المضمَّنةِ فيها من غير تصريحٍ بالدلالة عليها، ولينذرَ هؤلاء المتفقِّهون قومَهم الخارجين إلى الغزو إذا رجعوا من الغزو إليهم ليَحذروا مخالفةَ الشرع إذا سمعوا وعلموا (^٣).
وبنحوه قال ابن عباس ﵄: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا﴾ جميعًا ويتركوا النبيَّ -ﷺ- وحده، فهلَّا ﴿نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يعني: السرايا، ولا يخرجوا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا ونزل بعدهم قرآنٌ تعلَّمه القاعدون من النبيِّ -ﷺ-، قالوا: إن اللَّه تعالى أنزل على نبيِّكم بعدكم قرآنًا، وقد تعلَّمناه، فيمكثُ السرايا يتعلَّمون ما أَنزل اللَّه تعالى على نبيِّهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، [فذلك قوله]:
_________________
(١) في (أ): "الغزو".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١١)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٦٣)، وفي "البسيط" (١١/ ٩٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٥١٦)، جميعهم عن ابن عباس من رواية الكلبي.
(٣) في (ر): "وعملوا".
[ ٧ / ٥١٧ ]
﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [يقول]: حتى يعلموا ما أنزل اللَّه على نبيِّهم ويعلِّموه السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون (^١).
وذكر الإمام أبو منصور ﵀ هذا القول وقولًا آخر عن بعضهم: أن النبي -ﷺ- كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعًا معه، فتبقى المدينة خاليةً من الرجال، فنهَى اللَّه عن ذلك وقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ مع رسول اللَّه -ﷺ-، فهلا نفر من كلِّ عشيرة قومٌ ليتفقَّهوا في الدين من رسول اللَّه -ﷺ- ولينذروا قومهم أهلَ المدينة إذا رجع المتفقِّهون إليهم لعلهم يحذرون.
وقيل: ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾؛ أي: وليُخْبروا الكفَّار المقيمين بالمدينة بما نصَر اللَّه به رسولَه وقهر أعداءه، وليحذَر الكفارُ عن أن ينالَهم كذلك فيُسلموا، وإليه ذهب الحسنُ وابن كيسان، وقالا: نسخت هذه الآية ما قبلها: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ -ﷺ- (^٢).
وهذه الآيةُ في الظاهر بخلافِ قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ولكنَّ التوفيق بينهما: أن النبيَّ -ﷺ- إذا خرج وفي أصحابه قلةٌ فعلى الاخرين أن يخرجوا معه، وإذا خرج وفي أصحابه كثر قعد البعض لحفظ المدينة والأهل والولد.
وقيل: أحدهما إذا عمَّ النَّفيرُ والآخر إذا لم يعمَّ.
وذكر أيضًا قولًا ثالثًا: أنه في الوفود القادمين من الآفاق للتعلُّم (^٣).
وقد رُوي أن حيًّا من بني أسد بن خُزيمة أصابتهم سنةٌ وشدةٌ، فأقبلوا بالذراري معهم والصِّبية حتى نزلوا المدينة، وأفسدوا طرقها بالعَذِرات وأَغلوا أسعارها، فنزلت:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٧٧)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥٠٦).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥٠٨ - ٥٠٩).
[ ٧ / ٥١٨ ]
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية (^١)، وفيه تعليمٌ لهم أن الواجب عليهم أن ينفر إلى رسول اللَّه -ﷺ- قومٌ يتعلَّمون ثم يرجعون إلى مواضعهم فيعلِّمون أولئك.
قال: وفي الآية دليلُ سقوط الجهاد عن الجماعة إذا قام به البعض.
وفيها دلالةُ لزوم العمل بخبر الآحاد (^٢) وإن احتمَل الغلط؛ لأن الطائفة تحتمِل اجتماعهم على الكذب أو الغلط، ثم ألزمَ قومهم قبول خبرهم (^٣).
وقال القشيري ﵀: المسلمون على مراتب: فعوامُّهم كالرعية للملك، وكتبةُ الحديث كخُزَّان الملك، وأهلُ القرآن كحفَّاظ الدفاتر ونفائس الأموال، والفقهاءُ بمنزلة الوكلاء للملك؛ إذ الفقيهُ يوقِّع عن اللَّه تعالى، وعلماءُ الأصول كالقوَّاد وأمراء الجيوش، والأولياء كأركان الباب، وأربابُ القلوب وأصحابُ الصفا كخواصِّ الملك وجلسائه، فيشتغل كلُّ قوم بحفظ أركان الشرع، وآخرون بإمضاء الأحكام، وآخَرون بالردِّ على المخالِفين، وآخرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجُعل قومٌ مفردِين بحضور القلب وهم أصحابُ الشهود، وليس لهم شغل، يراعون مع اللَّه أنفاسهم وهم أصحاب الفراغ، لا يستفزُّهم طلب ولا يهزُّهم أربٌ (^٤)، فهم باللَّه للَّه بمحوٍ [عن] ما سوى اللَّه، وأما الذين يتفقَّهون في الدين فهم الداعون إلى اللَّه، وإنما يُفهِم الخلقَ عن اللَّه إذا كان يَفهم عن اللَّه (^٥).
* * *
(١٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾: أي: يَقْربون
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١١٢)، عن الكلبي.
(٢) في (ر): "الواحد".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥١٠ - ٥١١).
(٤) في (أ): "يهزهم أمن" وفي (ف): "يهزهم أمر"، وفي (ر): "يهمهم أمر"، والمثبت من "اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧٣)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ٥١٩ ]
منكم، وقد وَليَه يَليهِ وَلْيًا؛ أي: جاهِدوا الأقربَ فالأقربَ إليكم، ولا تدَعوا الأقربَ وتقصِدوا الأبعد فيَقصدَ الأقربُ بلادَكم وأهاليَكم وأموالكم وأولادَكم.
وفيه: أنهم إذا أمِنوا الأقربَ كان لهم مجاوزتُهم إلى الأبعد (^١).
قال ابن عباس ﵄: أمر اللَّه المؤمنين أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوِّهم من أهل المدينة مثلَ قُريظةَ والنَّضير وخيبرَ وفدك (^٢).
وذكر أن الذين يلُونهم من الأعداء يومَ نزول هذه الآية هم الروم الذين بهم ختم رسول اللَّه -ﷺ- غزوة تبوك؛ لأن بلاد العرب كانت قد فتحت عليه وكانت مسافتهم إلى الروم أقرب منها إلى بلاد الأعاجم (^٣)، وكان الكلام متصلًا بما تقدم من ذكر غزوة تبوك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: كان هذا الأمر أولًا بقتال الأدنى فالأدنى، ثم ورد الأمر بقتال الكلِّ بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾.
وقيل: كان النبي -ﷺ- إذا غزا ربما يجاوز (^٤) كفارًا ويقاتل الأبعدَ لتكون آية لنبوته، وأنه لا يبالي ولا يخاف مَن ترَكَه، فنزلت الآية تعليمًا للمؤمنين أمرَ الحرب كما علَّمهم ذلك في سائر الآيات من الأمر بأخذِ الحذر وإعدادِ ما استطاعوا من قوة.
وقيل: هذا إنباءٌ عن دوام الجهاد مع الأعداء أبدًا؛ لأنَّه كلما فُتح ناحيةٌ صار الذين بقُوا وراء هؤلاء يلونهم (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾: قال الضحاك: أي: عنفًا، وقال مجاهد:
_________________
(١) في (ف): "كان لهم محاربة الأبعد".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٢)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٩٦) واللفظ له.
(٣) روي نحو هذا عن ابن عمر عند الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٢)، وعن ابن عباس عند الواحدي في "البسيط" (١١/ ٩٦).
(٤) في (أ): "يجاور".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥١١ - ٥١٢).
[ ٧ / ٥٢٠ ]
أي: شدة، وقال عطاء: أي: شجاعة، وقال الحسن: أي: صبرًا (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: معكم إن اتَّقيتُموه (^٢) في أوامره ونواهيه من الجهاد وغيره، ومعكم؛ أي: مُعِينُكم وناصرُكم وحافظُكم.
* * *
(١٢٤) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾: أي: فمِن المنافقين مَن يقول لأصحابه أو لضَعَفة المؤمنين على سبيل الهزء والاستخفاف بالقرآن عند نزول السورة: أيُّكم زادته هذه السورة تصديقًا؛ أي: إنَّا لم نزدَدْ بهذه إيمانًا، ولا أحدث بنا (^٣) نزولُها تصديقًا بما يدَّعيه محمد من الوحي والشرائع التي فيها المشاقُّ والمخاطرةُ بالنفوس والأموال والأولاد.
ثم أجيبوا عن هذا بما يذكر بعده، وهو قوله تعالى:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: فأما المخلِصون فإن هذه السورة صارت سببًا لزيادة تصديقهم ويقينهم وإخلاصهم، وهم يفرحون بما نزل فيها من الوعد على الإيمان والعمل حتى يتبيَّنُ ذلك في وجوههم وبشرتهم.
* * *
(١٢٥) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: شك، وقيل: أي: نفاق، وقيل: غلٌّ، وقيل: ضغنٌ على المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾: أي: صارت سببًا لزيادة كفرهم وتكذيبهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
_________________
(١) ذكر هذه الأقوال الواحدي في "البسيط" (١١/ ٩٧) وقول عطاء عزاه لابن عباس.
(٢) في (ر): "اتبعتموه".
(٣) في (ف): "لنا".
[ ٧ / ٥٢١ ]
وقيل: الرِّجس: الأذى، ومعناه: امتلاءُ صدورهم من الغيظ مما يَرون من علوِّ المسلمين وقهرِ الكافرين والمنافقين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: وهو إخبار عن إصرارهم عليه إلى الموت، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠].
وقال القشيري ﵀: إنزالُ (^١) القرآن لقوم شفاءٌ ولقوم شقاء، فأما المخلصون فزادتهم السورة إيقانًا فارتقَوا من حدِّ تأمُّل البرهان إلى روح البيان، ثم من روح البيان إلى أُنس العِيان، فشُموسُ العِرفان طالعة على أسرارهم، وأنوار التحقيق مالكةٌ لأرواحهم، فلا لهم تعبُ الطلب، ولا عليهم سلطان الفكر والدأب، وشعاعُ شُموس العرفان مستغرقٌ لأنوار العلم والبيان، يقول قائلهم:
فلمَّا استبانَ الصُّبحُ أَدْرَجَ ضوءُه بإسفاره أنوارَ ضوءِ الكواكب (^٢)
* * *
(١٢٦) - ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: قرأ حمزة: ﴿أَوَلَا تَرَوْنَ﴾ بتاء المخاطبة للمؤمنين، وقرأ الباقون بياء المغايبة خبرًا عن المنافقين (^٣)؛ أي: عجبًا منهم كيف قستْ قلوبهم وعَمِيت أبصارهم عما يَتتابع عليهم من أنواع المحن حتى لا يخلو كلُّ عامٍ من محنةٍ أو محنتين، ثم لا يرجعون عن كفرهم ولا يتَّعظون بما يصيبهم.
وقال الحسن وقتادة: هذه الفتنة هي القتلُ (^٤) والسبيُ ونصرُ المؤمنين (^٥).
_________________
(١) في (ف): "أنزل"، وفي "اللطائف": (جعل اللَّه إنزال).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧٤).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٢٠)، و"التيسير" (ص: ١٢٠).
(٤) في (أ): "القتال".
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٩٢)، وعن الحسن عبدُ الرزاق في "تفسيره" (١١٤٥)، =
[ ٧ / ٥٢٢ ]
وقال مجاهد: القحط والجوع (^١).
وقيل: بهتك أستارهم كإخراجهم من المسجد وطردِهم عن المحافل.
وقيل: بالمرض والحوادث.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: يُبتلَون بالجهاد والغزو، فيتخلَّفون عنه فيظهر بذلك نفاقُهم (^٢).
وقال عكرمة: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون (^٣).
وقال يمان بن رئاب: ينقضون عهدهم مرةً أو مرتين.
وقال القشيري ﵀: ثم إن سنةَ اللَّه تعالى ألَّا يُخلي أرباب التكليف من دلائل التعريف، والتحريكِ لهم في كل وقت بنوعٍ من البيان، والتعريك في كلِّ أوانٍ بضربٍ من الامتحان، فمنهم مَن لا يزداد بإيضاح البرهان إلا زيادةَ الخذلان، والحَجْبةَ عن فوائد البيان، وأما أصحاب الحقائق فما يكون لغيرهم في كلِّ عامٍ مرة أو مرتين فلهم في كلِّ نَفَسٍ مرات وتارات، لا يخليهم الحق سبحانه من زواجرَ توجِب بصائر، وخواطرَ زواهرَ تتضمن تكليفاتٍ وأوامر، قال قائلهم:
كأن رقيبًا منك حلَّ بمهجتي إذا رُمتَ تسهيلًا عليَّ تصعَّبا (^٤)
* * *
(١٢٧) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
_________________
(١) = وكلها بلفظ: (يبتلون بالغزو في سبيل اللَّه في كل عام مرة أو مرتين).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٩٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩١٥).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥١٥).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٣).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧٥).
[ ٧ / ٥٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: أي: بعضُ هؤلاء المنافقين إلى بعضٍ إيماءً ببصره واستخبارًا بإشارته.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾: أي: هل يتفقَّد (^١) انصرافكم أحدٌ من المخلِصين.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾: أي إذا وجدوا غفلةً من المؤمنين انصرفوا كراهيةً لسماع القرآن.
وقيل: خوفًا مما ينزل من ذكر مقابحهم.
وقيل: حذرًا من نزول الأمر بالجهاد، وتكليفِ النبيِّ -ﷺ- إياهم بالخروج، واضطرارِهم إلى الإجابة إذا خاطبهم به.
وقيل: هي كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦].
وقوله تعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: حيث اختاروا الانصراف عن الإيمان، وعلِم اللَّه ذلك منهم فصرفهم عنه، وهو دليلُ خلقِ الأفعال، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
وقال الحسن: ثم انصرفوا على عزم الكفر والتكذيب بمحمدٍ والقرآن (^٢).
وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أي: استَحقُّوا ذلك عقوبةً لهم على تركهم التدبُّر في القرآن كمَن لا يفقهُ ذلك.
* * *
(١٢٨) - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ف): "يتقصد".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٠٤).
[ ٧ / ٥٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: ختم السورة بذكر صفات الرسول الذي أنزل عليه القرآن، ومنه كان لهم البيان؛ كما في هذه السورة وسائر الفرقان.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: آدميٍّ مثلِكم.
وقيل: هو خطاب للعرب؛ أي: من نسبكم عربيٌّ مثلُكم، وذاك أقرب إلى الألفة، وأبعدُ من اللَّجاجة، وأسرع إلى فهم الحُجة.
وقيل: لمَّا كان منكم وقد عرفتُم صدقَه وأمانته لم يقع في قلوبكم كذبُه ولا خيانتُه (^١).
وقرأ ابن عباس وفاطمة بنت رسول اللَّه -ﷺ- ورضي عنها: (مِن أَنْفَسِكم) بفتح الفاء (^٢)؛ أي: من أشرَفكم وأفضلِكم، من قولهم: شيءٌ نفيسٌ؛ أي: خطير.
وقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾: أي: شديدٌ عليه عنَتُكم؛ أي: هلاكُكم، وقيل: مشقَّتُكم، وقيل: إثمكم.
وقيل: العنتُ: الأذى الذي يَضيقُ به الصدر، ولا يهتدي للمخرج منه؛ أي: لشفقته عليكم يَشُقُّ عليه ما يسوءكم.
وقيل: أي: لا يدعوكم إلى شيء فيه ذلك، بل إلى كلِّ يُسرٍ وخفَّه (^٣).
وقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَانيُّ: ﴿عَزِيزٌ﴾ نَعَتَه بالعزَّة على ربِّه ثم قال: ﴿عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾؛ أي: عليه الشفاعةُ فيما أثمتُم كالدِّية على العاقلة (^٤).
_________________
(١) في (أ): "وهم كذب وخيانة" وفي (ف): "كذب ولا خيانة" بدل: "كذبه ولا خيانته".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
(٣) في (ف): "كل سر وخفية".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٤/ ١٤٧) لكن باختلاف عما هنا، ولفظه: قال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ =
[ ٧ / ٥٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: على إيمانِ مَن لم يؤمِن منكم.
وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: الرأفة: أشدُّ الرحمة، والرحمةُ أعمُّ من الرأفة؛ لأنَّها استعملت في كلِّ نفع كالمطر والسعة والعافية وغيرها، فكان المعنى في الرؤوف: الشَّفيق (^١) العطوف، وفي الرحيم: النافع المُفْضِل (^٢).
وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع اللَّه تعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا لنبيِّنا محمدٍ -ﷺ-، فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقال لإبراهيم: ﴿حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال لإسماعيل: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] وليحيى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩].
* * *
(١٢٩) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: قرَّرنا صفاتك عندهم، فإن أعرضوا عنك ولم يصدِّقوك بل خالفوك وعادَوك ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فعرِّفْهم أن اللَّه أن الذي لا إلهَ إلا هو كافيكَ مكروههم (^٣) وناصرُك عليهم.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: أي: أخبرهم أنك فوَّضْتَ أمورك إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: أي: ذو القدرة والسلطان والملك، والعرشُ عبارةٌ عن الملك، يقال: ثُلَّ عرشُه؛ أي: زال ملكه.
وإنْ حُمل على العرش الذي فوق السماوات فذكرُه ذكرُ كلِّ المخلوقات لأنه
_________________
(١) = رَحِيمٌ﴾ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾، لا يهمه إلّا شأنكم، وهو القائم بالشفاعة لكم، فلا تهتموا لما عنتم ما أقمتُم على سنَّته فإنه لا يرضيه إلّا دخولكم الجنة.
(٢) في (ر): "الشفوق".
(٣) "المفضل" ليست في (ف).
(٤) في (أ) و(ر): "مكروههم".
[ ٧ / ٥٢٦ ]
أعظمُها فذكرُه ذكرها، وإضافةُ اللَّه إليه إضافةُ (^١) بيانِ خَلْقه ومُلْكه وقدرته وعلمه وعظمته وسلطانه (^٢).
وقال القشيري ﵀: لقد جاءكم رسولٌ يشاكِلُكم في البشرية لكنه يأتيكم فيما أفردناه (^٣) به من الخصوصية، وأَلْبسناه لباسَ الرحمة عليكم، وأقمناه بشواهدِ العطف والشَّفقة على جملتكم، قد وكَل همَّته بشأنكم، [و] أكبر (^٤) همَّته في إيمانكم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أمرَه أن يدعوَ الخلق إلى التوحيد، ثم قال: فإن أعرضوا عن الإجابة فكنْ لنا بنعتِ التجريد.
ويقال: قال له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] ثم أمره بأن يقول: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ عينُ الجمع، وقوله: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ تفرقةٌ، بل هو جمع الجمع؛ أي: قل، ولكنْ بنا تقول، فنحن المتولُّون عنك، وأنت مستهلَكٌ (^٥) في عين التوحيد، فأنت بنا، ومحوٌ عن غيرنا (^٦).
وروَى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيِّ بن كعب: أنهم جمعوا القرآن في مصحفٍ في خلافة أبي بكر ﵁، فكان رجال يكتبون يملي عليهم أبيُّ بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ظنُّوا أنه آخرُ القرآن، فقال لهم أبي بن كعب: إن النبي -ﷺ- قد أقرأني بعد هذه آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر السورة، فهذا آخر ما أنزل من القرآن، فخُتم الأمرُ
_________________
(١) "إضافة" زيادة من (ف).
(٢) "وسلطانه" ليس من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "أوردناه".
(٤) في (أ): "أكثر".
(٥) في (ر): "ستهلك"، وفي (ف): "المستهلك".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧٦).
[ ٧ / ٥٢٧ ]
بما فُتح به؛ بـ: لا إله إلا اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (^١).
وقال البراء بن عازبٍ: آخرُ سورةٍ نزلت كاملةً براءة (^٢).
وقال يحيى بنُ جَعْدةَ: كان عمر ﵁ لا يَكتب آيةً في المصحف حتى يَشهَدَ عليها رجلان، فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة التوبة، فقال عمر ﵁: واللَّه لا أسألك عليهما بينةً كذلك كان رسول اللَّه -ﷺ-، فأثبتَه (^٣).
والحمد للَّه رب العالمين، قد أتممت هذه السورة بعون اللَّه وطاقته، وتوفيقه ورأفته.
_________________
(١) رواه عبد اللَّه ابن الإمام أحمد في زوائده على "المسند" (٢١٢٢٦)، وابن أبي داود في "المصاحف" (ص: ٥٦ و١١٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩١٩)، والضياء في "المختارة" (١١٥٥). وقوله: "إلا يوحى" هكذا جاءت في النسخ الخطية و"المسند": بالياء التحتية المضمومة، وفتح الحاء، وهي قراءة جمهور القراء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿نُوحِي﴾، بالنون المضمومة وكسر الحاء. قوله: "فختم بما فتح به. . . "، يعني: أن اللَّه تعالى افتتح الدِّين بالتوحيد، واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وختم الدين بالتوحيد أيضًا فقال في آخر آية مِن سورة براءة: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
(٢) رواه البخاري (٤٣٦٤)، ومسلم (١٦١٨).
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٠٥٣ - تفسير)، وإسناده منقطع لأن يحيى بن جعدة لم يسمع من عمر كما في "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص: ١٨٨). ورواه من طريق آخر الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٠٠)، وفيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف جدًّا. وخبر وجود هاتين الآيتين مع خزيمة الأنصاري رواه البخاري (٤٦٧٩) من حديث زيد بن ثابت ﵁ حين أمره الصدِّيق بجمع القرآن.
[ ٧ / ٥٢٨ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق جمال عبد الرحيم الفارس
المجلد الثامن
دار اللباب
[ ٨ / ١ ]
سورة يونس
[ ٨ / ٥ ]