بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعلَ في السَّماء بروجًا وزيَّنَها للنَّاظرِيْنَ، الرحمنِ الذي جعلَ الجنَّة للمتَّقين يدخلونها بسلام آمنين، الرحيمِ الذي أمرَ رسولَه بخفضِ جناحِه للمؤمنين.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عنِ النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قالَ: "مَن قرأَ سورةَ الحِجْرِ كانَ له مِنَ الأجرِ عشرُ حسناتٍ بعددِ المهاجرينَ والأنصارِ، والمستهزئِينَ بمحمَّدٍ -ﷺ-" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي تسعٌ وتسعون آيةً، وستُّ مئةٍ وأربعٌ وخمسون كلمةً، وألفان وثماني مئة وستَّة عشر حرفًا.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السُّورةِ بآخر (سورة إبراهيم): أنَّهما جميعًا في صفةِ القرآنِ.
وانتظامُ السُّورتَيْنِ جملةً: أنَّ (سورة إبراهيم) في بيانِ وحدانيَّة اللَّهِ تعالى، ودعوةِ
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٠)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٤٩). قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وقال المناوي في "الفتح السماوي" (٢/ ٧٤٥): رواه ابن مردويه والثعلبي والواحدي عن أبيٍّ، وهو موضوع. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ٩ / ١٦٥ ]
الأنبياء إليها، وتكذيبِ الكفَّار إيَّاهم، وتوكُّلِ الأنبياء على اللَّه تعالى، ونجاتِهم، وهلاكِ مكذِّبِيهم، وبيانِ مَثَلِ أعمالِهم، وبيانِ مَثَلِ توحيدِ المؤمنين، ومَثَلِ كُفْرِ الكافرين، ثمَّ تقسيمِ مَن كفرَ فقيل لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]، ومَن آمنَ قيلَ لهم: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٣١]، وختمَ السُّورةَ بأنَّ القرآنَ بلاغٌ وتبصيرٌ، وإنذارٌ وتذكيرٌ.
وافتتاحُ هذه السُّورة بأنَّ مَن لم يتذكَّرْ ففي الآخرة يتحسَّر، ويودُّ أنْ لو كانَ آمنَ وما كفر، ثمَّ بيانِ تكذيبِ الأوَّليْن واستهزائِهم، ثمَّ بيانِ خَلْقِ آدمَ، وانقسامِ أولادِه إلى مَن يَتَّبعُ الشَّياطين ومَن يتَّبعِ الرَّحمن، وبيانِ جزاءِ هؤلاءِ وجزاءِ هؤلاءِ، وتحقيقِ هذَيْنِ المعنَيَيْنِ إلى ختم السُّورة.
* * *
(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الر﴾ مرَّتْ الأقاويلُ فيه.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾: أي: تلك الآياتُ المنزَلة قَبْلَ هذه السُّورة إنْ جُعِلَ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى الغائبِ، وهذه الآياتُ الَّتي في هذه السُّورة، إنْ كانَ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى الحاضرِ.
فاللَّفظُ يصلحُ لهما آيات القرآن.
وقوله تعالى: ﴿الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ﴾ هما واحدٌ، وسُمِّيَ باسمَيْنِ لاختلافِ المعنَيَيْنِ، فهو كتابٌ لأنَّه يُكْتَبُ ليكونَ مُدوَّنًا مخلَّدًا، وقرآنٌ لأنَّه جُمِعَ فيه ما بنا إليه حاجةٌ اليوم وغدًا.
وقوله تعالى: ﴿الْمُبِينُ﴾ قال القشيريُّ ﵀: يبيِّنُ للمؤمنينَ ما يسكِّنُ
[ ٩ / ١٦٦ ]
قلوبَهم، وللمريدِيْن ما يقوِّي رجاءَهم، وللمحبِّين ما يَهِيجُ اشتياقَهم، وللمشتاقين ما يثيرُ لواعِجَ أسرارِهم (^١).
* * *
(٢) - ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: أي: كثيرًا ما يتمنَّى هؤلاء الكفَّار أنْ لو كانوا مسلمين منقادين لِحُكْمِ هذا الكتاب.
وكلمة (رُب) موضوعةٌ لتكثيرِ ما يُخْبَرُ عنه، وهي تدخلُ اسمَ النَّكرة، وإذا ولِيَتِ الفعلَ (^٢) دخلَها (ما) ليصيرَ مصدرًا، فتصيرُ داخلةً في الاسم معنًى.
وتقدير هذا: رُبَّ ودادِ (^٣) الَّذين كفروا.
وفي ﴿رُبَمَا﴾ قراءتان؛ قرأ عاصم ونافع بالتَّخفيف، والباقون بالتَّشديد (^٤)، وهما لغتان، قال الشَّاعر:
أَزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فإنَّني رُبَ هَيْضَلٍ مَرِسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ (^٥)
وقيل: هذا التَّمنِّي يكونُ عندَ الموتِ، عندَ نزولِ ملائكةِ العذاب.
وقيل: يكون عندَ البعث.
وقيل: يكون عندَ الحساب.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٦٢).
(٢) قوله: "وليت الفعل" كذا في النسخ، والمراد: وليها الفعل. ولو كان: أوليت، لزال الإشكال.
(٣) في (أ): "واد".
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥).
(٥) البيت لأبي كبير الهذلي، واسمه عامر بن حلس. انظر: "شرح أشعار الهذليين" (٣/ ١٠٧٠).
[ ٩ / ١٦٧ ]
وقيل: يكون عندَ دخولِ النَّار. وقيل: يكون فيها.
وقيل: يكون في كلِّ الأحوالِ الَّتي تُخْطِرُ بالبالِ ظهورَ بطلانِ ما كانوا فيه مِن خلافِ الإسلام.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يعذب اللَّه قومًا ممن كان يعبده وقومًا ممن كان يعبد غيره فيجمعهم في النار، فيعيِّر الكفار المؤمنين فيقولون لهم: ما أغنى عنكم توحيدُكم وأنتم معنا في النار؟ فيأمر اللَّه بإخراجهم، فحينئذ يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين (^١).
وقال مقاتلُ بن حيَّان: يُجْمَعُ طائفةٌ مِن أهلِ التَّوحيدِ وطائفةٌ مِن الكفَّارِ في بعضِ دَرَكَاتِ النَّارِ، فيقول الكفَّارُ للمؤمنين: أمَّا نحنُ فمعلومٌ كُفْرُنا وشِرْكُنا وتَكْذِيْبُنا، ولذلِكَ وقَعْنا في النَّارِ، وأمَّا أنتم فكنْتُم مؤمنينَ مصدِّقين، فما أحلَّكُمُ النَّارَ؟ قال: فيَغارُ اللَّهُ تعالى للمؤمنين، فيقول: وعِزَّتي لأنجينَّكُم منها، ثمَّ يأمرُ الشُّفعاءَ حتَّى يشفعوا لهم (^٢).
وقال القشيريُّ: إذا عرفوا عمَّنْ بقُوا علموا كيف شقُوا، وأيَّ كأسٍ سُقُوا.
ويقال: لو علموا عمَّن بقُوا لرأَوا أنفسَهم أهلًا لِمَا مِن العقوبةِ لقُوا.
ويقال: إذا صارَتِ المعارفُ ضرورةً احترقَتْ نفوسُ أقوامٍ عقوبةً، وتقطَّعَتْ قلوبُ آخرِيْنَ حسرةً (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٠).
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٢٨) عن إبراهيم، و(١٤٢٩) عن مجاهد. وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٨ - ١٢) عن أبي موسى وابن عباس وأنس ﵃ وإبراهيم والضحاك.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٦٣).
[ ٩ / ١٦٨ ]
وقال الفرَّاءُ والكِسائيُّ: (رب) أصلُهُ (^١) لِمَا مَضَى: رُبَّ مالٍ أنفقْتَه، وقد تُستَعْمَلُ في المستقبل على معنى التَّقريبِ له، كما أنَّ (إذ) موضوعةٌ للماضي، ثمَّ قد تُستعمَلُ في المنتظَرِ (^٢) تقريبًا له، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآية [السجدة: ١٢]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، وذلكَ لأنَّ ما أَوعدَ اللَّهُ تعالى به فهو قريبٌ آتٍ لا محالةَ، فجُعِلَ في معنَى ما وُجِدَ (^٣).
* * *
(٣) - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾: يتمتَّعوا: يتلذَّذوا، ويلهِهِمُ: يَشغَلْهم، وقد لَهِيَ يَلْهَى مِن حدِّ (علم)؛ أي: ذهلَ عن الشَّيءِ وشُغِلَ عنه، وألهاهُ غيرُه.
وهذا تهديدٌ للكفَّارِ، وتسليةٌ للنَّبيِّ ﵊؛ يقول: دعْهُم يا محمَّد يتقلَّبوا في الدُّنيا ويتمتَّعوا بها، ويشغلهم طولُ الأملِ عن التَّفكُّرِ في القرآن.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل بهم عذابُ الآخرة والسَّيفُ (^٤) في الدُّنيا أنَّ ما كانوا فيه مِنَ الاشتغال في الدُّنيا بالاستمتاعِ بها لم يكنْ شيئًا، وأنَّه لا ينفعُ عندَ اللَّهِ إلَّا الإيمانُ والعملُ الصَّالح.
وقوله تعالى: ﴿يَأْكُلُوا﴾ جُزِمَ لأنَّه جوابُ الأمرِ، وكذا ما بعدَه.
_________________
(١) في (ف): "إن رب صلة" بدل: "رب أصله".
(٢) في (أ): "التنظر" وفي (ف): "الماضي".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٨٢)، وذكره الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٧) عنهما.
(٤) في (ر): "والتعب".
[ ٩ / ١٦٩ ]
وفي قولِه: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] لم يُجزَمْ لأنَّه حالٌ، لا خبرٌ، وتقول العربُ: (دَعْ زيدًا يَنَمْ)، و: (دَعْ زيدًا ينامُ)، فإذا كانَ غيرَ نائمٍ تقولُ: (دَعْ زيدًا يَنَمْ) جوابًا للأمر، وإذا كان نائمًا تقولُ: (دَعْ زيدًا ينامُ)؛ أي: قَرِّرْهُ على حالةِ النَّوم.
* * *
(٤) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾: يتَّصِلُ بما قبلَه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: العذابُ نازلٌ بهم، لكنْ في وقتِه الَّذي جعلناه أجَلًا له، وما أهلكْنَا أهلَ قريةٍ ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أي: أجلٌ مكتوبٌ (^١) معلومٌ، أخَّرناها إلى أجلِها إذا كان في عِلْمِنا إيمانُ مَن يؤمنُ منهم، أو حدوثُ (^٢) أولادٍ يخرجون مِن أصلابِهم يؤمنون، فإذا بلغَ الكتابُ أجلَه وجبَتْ كلمةُ العذابِ على الكافرين، ولم يتأخَّرِ العذابُ عنهم.
* * *
(٥) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: أي: لا تتقدَّمُ أمَّةٌ، و(مِنْ) مؤكِّدةٌ.
﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: أي: لا يتأخَّرون عن وقتِها.
ووحَّد (تسبق) بالتَّاء لظاهرِ كلمةِ (أمَّة)، وجمع قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بالواو والنُّون للمعنى.
_________________
(١) "مكتوب" من (ف).
(٢) في (ف): "يوجدون" بدل من "أو حدوث".
[ ٩ / ١٧٠ ]
وقال القشيريُّ: الآجالُ معلومة، والأحوالُ مقسومة، والمشيئةُ في الكائنات ماضية، ولا يَخفى على اللَّه خافية (^١).
* * *
(٦) - ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾: أي: قال هؤلاء المشركون: يأيُّها الَّذي نُزِّلَ عليه القرآنُ على زعمِهِ، قالوه على وجهِ الاستهزاء به.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾: يُخَيِّلُ إليكَ الشَّيطانُ فتظنُّه مَلِكًا.
* * *
(٧) - ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾: أي: هَلَّا تأتينا بالملائكة رُسُلًا مِنَ اللَّهِ يخبرونَنا بصدقِ رسالتِكَ، ونزولِ الذِّكْرِ عليك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدَّعوى.
وقيل: تزعمُ أنَّ الملائكةَ يأتونَكَ بالوحيِ، فهَلَّا أظهرْتَ لنا إذْ أتَوْكَ لننْظُرَ إليهم، فنعرفَ صِدْقَكَ.
و(لوما) و(لولا) واحدٌ قال ابنُ مقبل:
لوما (^٢) الحياءُ ولوما الدِّينُ عِبْتكُما ببعضِ ما فِيْكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي (^٣)
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٦٣).
(٢) في (ر) و(ف): "لولا".
(٣) البيت في "ديوان" تميم بن أبيِّ بن مقبل (ص: ٧٦). و"مجاز القرآن" (١/ ٣٤٦)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ١٥)، و"المقصور والممدود" للقالي (ص: ٣٢٥) و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٣١)، و"البسيط" للواحدي (١٢/ ٥٤٥)، ورواية "الديوان" و"المقصور والممدود": "لولا" بدل "لوما" =
[ ٩ / ١٧١ ]
أي: (لولا) و(لوما) بمعنى: هلَّا، قال تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨].
* * *
(٨) - ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: قرأ أبو عَمرو وأهلُ المدينة: ﴿ما تَنَزَّلُّ﴾ بنصب التَّاء ورفع اللَّام، بمعنى: تتنزَّل، وحُذِفَتْ إحدى التَّاءين تخفيفًا.
وقرأ عاصمٌ وأهل الكوفة: ﴿نُنَزِّلُ﴾ برفع النُّون ورفع اللَّام إخبارًا مِنَ اللَّهِ تعالى عن نفسِهِ بخطابِ الملوكِ جمعًا، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ نصبًا لأنَّه مفعولٌ، وفي القراءة الأولى رفع لأنَّه فاعل (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي: العذابِ الذي حَقَّ على الجُناةِ.
﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾: أي: إذا جاءَهم العذابُ لم يُمْهَلُوا.
وقيل: أي: لا تنزِلُ الملائكةُ إلى الأرضِ بشهواتِ العبادِ وسؤالِ الاقتراحِ، إنَّما تنزلُ بالحقِّ؛ أي: وحي إلى الأنبياء، أو لقبض الأرواح، أو لأمرٍ مِن أمرِنا.
وقيل: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالموتِ الَّذي هو كائنٌ حقٌّ؛ لأنَّهم لو رأوا الملائكة
_________________
(١) = في الموضعين. وجاء صدره في بعض المصادر: لولا الحياء وباقي الدين عبتكما انظر: "الشعر والشعراء" (١/ ٤٤٧)، و"تهذيب اللغة" (١/ ٣١٠)، و"التكملة والصلة" للصغاني (٤/ ٥٨).
(٢) وقرأ ابن عامر وابن كثير مثل قراءة أبي عمرو وأهل المدينة، ورواية أبي بكر عن عاصم: ﴿تُنَزَّلُ﴾ بالتَّاء مضمومة وفتح النون والزاي ﴿الملائكةُ﴾ بالرفع. انظر: "السبعة" (ص: ٣٦٦)، و"التيسير" (ص: ١٣٥)، و"النشر" (٢/ ٣٠١).
[ ٩ / ١٧٢ ]
لَمَاتوا لِمَا ليس (^١) في وُسْعِهم رؤيةُ الملائكة، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾، وعلى هذا قولُه: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨].
وقيل: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحُججِ على الرُّسل، وهؤلاء ليسوا برسلٍ، ولا أهلٍ لذلك.
وقيل: أي: لا تنزلُ الملائكةُ إلَّا بالوحي إلى الأنبياء، أو تعذيب الكفَّار، وهؤلاء ليسوا كذلك، فليس وراءَه إلَّا النُّزول للعذاب، وذلك إذا حقَّ القول به، وليس بعدَه نَظِرةٌ (^٢).
* * *
(٩) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾: أي: القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ نتوَلَّى (^٣) حفظَه، فلم يُغَيَّرْ ولم يبدَّلْ (^٤)، ولا يأتيه الباطلُ مِن بينِ يدَيْه ولا مِن خلفِه، واستُحْفِظَ أهلُ الكتابِ التَّوراةَ والإنجيل فحرَّفوا وبدَّلوا.
وقيل: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ بإعجازِ نظمِه ومعانيه مِن أنْ يعارِضَه معارِضٌ بمثلِه.
وقيل: نزَّلْنا الذِّكْرَ على محمَّد، وإنَّا لمحمَّدٍ لحافظون مِن التَّقوُّلِ علينا، وممَّا وصفتُموه به مِن الجنون.
وقيل: حافظونَ مِن أنْ يُكادَ وينفذَ فيه لمحتالٍ (^٥) مرادُه.
_________________
(١) في (ر): "لو رأوا الملائكة لما كان" وفي (ف): "لو رأوا الملائكة لما".
(٢) في (أ): "نظيره".
(٣) في النسخ: "نولى"، والصواب المثبت.
(٤) في (ف): "فلم يتغير ولم يتبدل".
(٥) في (ر) و(ف): "المحال".
[ ٩ / ١٧٣ ]
(١٠ - ١١) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾: وهنا مُضمَرٌ؛ أي: ولقد أرسلنا مِن قبلك رسلًا مِن قرنِ الأوَّلين (^١).
والشِّيعةُ: الفِرقة (^٢) المتشايعة، وهي الَّتي يعينُ بعضُها بعضًا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: كما يستهزئُ بكَ هؤلاء.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾: أي: نُدْخِلُ الاستهزاءَ والتَّكذيبَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: أي: بالرَّسول، أو: الكتاب، وسَلَكَ لازمٌ ومتعدٍّ، ونظيره: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ [القصص: ٣٢].
وقال الإمام أبو منصورٍ: أي: مثلَ الذي سلكْنا في قلوبِ المؤمنين مِن قَبولِ الآياتِ والحُجَج والتَّصديق بها لِمَا علمْنَا أنَّهم يختارون ذلك، كذلك نسلُكُ في قلوبِ المجرمينَ مِن تكذيبِ الآياتِ والحُجَج ورَدِّها لِمَا علمْنَا منهم ذلك (^٤).
_________________
(١) "وهنا مضمر أي: ولقد أرسلنا من قبلك رسلًا من قرن الأولين" ليس في (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "القرية".
(٣) في (ر): "يعين بعضها بعضًا ويشيعه"، في (ف): "تعين بعضها بعضًا وتشعه".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٢٥).
[ ٩ / ١٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: مضَتْ طريقةُ الأوَّلين بالتَّكذيبِ والمعاندةِ والاستهزاءِ.
ويحتمِل: وقد خَلَتْ سُنَّتُنا في الأوَّلِيْنَ؛ بتخليصِ الأنبياءِ والمؤمنين وإهلاكِ المكذِّبِيْن والمعانِدين.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي: لو أجبْتُ المشركين (^١) إلى مسألَتِهم لأصرُّوا على كفْرِهم ولم يؤمنوا ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾: أي: فظلَّ الملائكةُ ينزلون ويعرجون؛ أي: ويصعَدون، ذكرَ (^٢) العروجَ ولا يكون ذلك بدون النُّزول، فكان ذكرُه ذكرَه (^٣)، وكانَ حذفُه اختصارًا، واقتضى ظاهرُه إضمارًا.
وقيل: معناه: ولو فتحنا عليهم بابًا من السَّماء فعرجوا فيه بأنفسِهم لم يؤمنوا، بل تعلَّقوا بضَرْبٍ آخرَ (^٤) مِن الباطلِ.
* * *
(١٥) - ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "أجيب المشركون"، وفي (ت): "أجبت الكفار".
(٢) "ذكر" من (أ).
(٣) في (ف): "تكرارا"، وغير واضحة في (ر).
(٤) في (ف): "بضروب أُخَر".
[ ٩ / ١٧٥ ]
قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾؛ أي: سُحِّرَتْ ومُنِعَتْ عن النَّظر وسُدَّتْ.
والسِّكْرُ: السَّدُّ، والتَّسكيرُ للتَّكثير والتَّكرير، وقرأ ابنُ كثيرٍ بالتَّخفيف على الأصل (^١).
قال ابنُ عبَّاس ومقاتلٌ: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾؛ أي: سُدَّتْ (^٢).
وقال الحسنُ: سُحِرَتْ (^٣).
وقال قتادة: أُخِذَتْ (^٤).
وقال الكلبيُّ: أُغْشِيَتْ (^٥).
وقال أبو عَمرو بن العلاء: غُطِّيَتْ (^٦).
وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾: أي: سحرَنا محمَّدٌ، وخَيَّلَ إلينا أنَّ هؤلاء ملائكة، وسَحَرَنا بفتحِ بابِ السَّماء، يَصِفُ عنادَهم.
* * *
(١٦) - ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٢٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٢) عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٦ - ٢٧) عن مجاهد والضحاك وقتادة.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٢).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٧).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٩) بلفظ: "عميت".
(٦) ذكره الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٢).
[ ٩ / ١٧٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: ثمَّ ذَكَرَ بعدَ عنادِ المشركين دلائلَ قدرَتِه وعَجْزِ أصنامِهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾؛ أي: كواكبَ عظامًا ظاهرةً، ومثلُه قولُه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وقولُه: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: أبنية عالية.
وأصلُه: الظُّهور، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]؛ أي: ظاهرات.
وقال قتادةُ: البروجُ: الكواكبُ (^١).
وقال مجاهدٌ: هي دراريُّ النُّجوم (^٢)، يعني: عِظامَها وبيضها.
وقال الضَّحَّاك: هي كبار النُّجوم (^٣).
وقال الكلبيُّ عن ابن عبَّاس: هي الحصونُ، وهي منازلُ الشَّمس والقمر، وأسماؤُها: الحمل والثَّور والجوزاء والسَّرطان والأسد والسُّنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدَّلو والحوت (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٦١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٥٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٤٤)، جميعهم بلفظ: (هي النجوم).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٥٢)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٣٤٤). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٨٣) عن أبي صالح.
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٦/ ٥٦٢) عن ابن عباس ﵄ في رواية عطاء، وعزاه السيوطي في "تفسيره" (٦/ ٢٦٩) إلى الخطيب في "كتاب النجوم". وجاء في "القول في علم النجوم" للخطيب (ص: ١٤٠) دون سند عن ابن عباس في قوله ﵎: ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، قال: (هي هذا الاثنا عشرَ بُرْجًا: أَوَّلُها الحَمَلُ، ثم الثَّورُ. . .).
[ ٩ / ١٧٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾: أي: جعلنا السَّماء مزيَّنةً بالكواكبِ للنَّاظرين إليها، كما قال: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦].
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: أي: حرسْنا السَّماءَ مِن كلِّ شيطانٍ مرجومٍ بالنُّجوم؛ أي: مرميٍّ بها.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: قيل: هو استثناءٌ منقطعٌ، ومعناه: لكنْ مَن استرقَ السَّمع؛ أي: صعد من الشَّياطين إلى السَّماء ليسمعَ كلامَ الملائكةِ فيما يتحاورون بينهم ممَّا يريدُ اللَّهُ إحداثَه في الأرض، فإنَّه يعرِّفُهم بما يشاءُ مِن ذلك، ثمَّ يوحي منه إلى أنبيائِه ما يشاءُ، فتصعدُ الشَّياطينُ لتستمعَ ذلك فَتُرْجَم بالنُّجومِ، فيلحقُها مِن ذلكَ شِهابٌ مبينٌ؛ أي: واضحٌ.
وأتبعَه؛ أي: لحقَه، كما قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]، وهو كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠].
وقيل: هو حقيقةُ الاستثناءِ، ومعناه: حفظنا السَّماء من الشَّياطين أنْ تسمعَ الوحيَ، وهو كقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]؛ أي: سماعِ الوحي، ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾؛ أي: سماعَ خبر أهل السَّماء دون الوحي، فإنَّا لا نحفظها من ذلك، فيسترِقُون ما ليس بوحي، فيقذفونَه إلى آلهتِهم (^١)، ثمَّ تتبعهم الشُّهُب فتقتلُهم (^٢) أو تخبلُهم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "كيفيته".
(٢) في (ر) و(ف): "فتصليهم".
[ ٩ / ١٧٨ ]
قال ابنُ عبَّاس ﵄: كانتِ الشَّياطينُ لا يُحجبونَ عن السَّماواتِ، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقونها على الكهنة، فلَمَّا وُلِدَ عيسى ﵇ مُنِعُوا مِن ثلاثِ سماواتٍ، فلمَّا وُلِدَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ أجمع، فما منهم مِنْ أحدٍ يريدُ استراقَ السَّمع إلَّا رُمِيَ بشهابٍ مبينٍ (^١)، فإنْ أصابَه أحرقَه، وإنْ أخطأَهُ خَبَلَه، فصارَ غولًا يضلُّ النَّاس في البراري (^٢).
ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: ٨ - ٩] الآية، وقوله تعالى ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩] الآية.
* * *
(١٩) - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: أي: بسطناها على وجه (^٣) الماء ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابتَ -وقد رَسَا يَرْسُو رُسُوًّا؛ أي: ثبتَ- لئلَّا تنكفِئ الأرضُ بأهلِها.
﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾: أي: في الأرضِ ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾؛ أي: مقدَّرٍ بقدَرٍ معلومٍ
_________________
(١) في (أ): "قبس".
(٢) ذكر نحوه السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٥٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٣)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٥٦٦)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٧٢)، والرازي في "تفسيره" (١٩/ ١٣٠). ولعله من طريق الكلبي عن ابن عباس، فقد ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ١٥٢) عن الكلبي، والكلبي متروك.
(٣) "وجه" من (أ).
[ ٩ / ١٧٩ ]
على حسبِ الحاجةِ إليهِ والصَّلاحِ به في معايشِهم (^١).
وقيل: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الجبال (^٢) ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾؛ أي: مِنَ الأشياءِ الموزونةِ مِنَ الذَّهبِ والفضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ وسائرِ جواهرِ المعادنِ كلِّها وزينةً (^٣).
* * *
(٢٠) - ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾: أي: في الأرضِ ﴿مَعَايِشَ﴾: جمع معيشةٍ، وهي وجهٌ يُقامُ به العيشُ مِنْ حرفةٍ أو تجارةٍ أو زراعةٍ.
_________________
(١) روى هذا القول الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٤ - ٣٦) عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأبي مالك والحكم بن عتيبة وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وأبي صالح.
(٢) في (ر) و(ف): "الأرض"، والمثبت من (أ) وهو الصواب. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٨٦)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٣٦) ورواه عن ابن زيد، و"تأويلات أهل السنة" (٦/ ٤٢٩)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٣٥)، و"البسيط" (١٢/ ٥٧٠) ونقله عن الكلبي، ثم قال: (وهذا قول ابن زيد والحسن واختيار الفراء). قلت: واستبعده الطبري بقوله: وأولى القولين عندنا بالصواب القول الأوّل؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه. وتعقب هذا القول أيضًا الماتريدي بقوله: وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك للنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.
(٣) قوله: "وزينة" كذا في النسخ، والذي في المصادر: (من الأشياء التي توزن) أو نحو هذه العبارة، انظر التعليق السابق.
[ ٩ / ١٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾: عطفٌ على ﴿مَعَايِشَ﴾؛ أي: وجعلْنا لكم عبيدًا وإماءً (^١) ودوابَّ، لكم رِفْقُها، ومنَّا رِزْقُها.
و(مَنْ) تُستَعْمَل في العقلاء، وهنا لبني آدم وهم عقلاء، وللدَّوابِّ على التَّبعيَّةِ عند الاجتماع، كما في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] الآية، لَمَّا بدأَ الآيةَ بقولِهِ (^٢): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، وهو يتناولُ كلَّ حيوانٍ -ومنهم البشرُ وغيرُهم- أطلق لفظة (^٣) (مَن) للمشاركةِ.
وقيل: فيه دليلٌ على أنَّ الإنسانَ يُزادُ في رزقِهِ بالخَدَم والنَّعَم.
وقيل: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: جعلْنا للخدمِ والدَّوابِّ أيضًا معايش، فإنَّ للدَّواب والأنعام والوحوش والطيور نصيبًا فيما يرتفعُ مِن الأرضِ مِن الزُّروع والأشجار وغير ذلك، فهو من المعايش لها أيضًا.
وقال القشيريُّ: ومِن الرَّواسي الَّتي تثبتُ بها الأرضُ الأولياءُ الذينَ هم أوتادُ الأرضِ، بهم المدفَع وإليهم المفزَع.
ومنَ الرَّواسي العلماء، فبعلماء الأصولِ قِوامُ أصلِ الدِّين، وبالفقهاء نظامُ أمور المسلمين.
وقال في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: المعايشُ مختلفةٌ، فعيشُ المريدين بيُمْنِ إقبالِه، وعيشُ العارفين بلُطْفِ جمالِه، وعيشُ الموحِّدين بكشْفِ جلالِه، وكلٌّ مربوطٌ بحالِه، ولكلٍّ نصيبٌ مِن أفضالِه، والحقُّ غنيٌّ بذاتِه وصفاتِه وأفعالِه (^٤).
_________________
(١) في (أ): "وماء" وليست في (ر).
(٢) في (ف): "لأنه يقول" بدل: "لما بدأ الآية بقوله".
(٣) في (ر) و(ف): "من الخلق ولفظة" بدل: "أطلق لفظة".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٦٦).
[ ٩ / ١٨١ ]
(٢١) - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ليس مِن شيءٍ يخزِّنُهُ الخلْقُ ممَّا يحتاجون إليه.
﴿إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾: أي: إلَّا نحنُ مالكونَ له، قادرون عليه.
والخزائنُ: جمعُ خزانةٍ، وهي المواضعُ الَّتي (^١) يخزِّن فيها الملوك أملاكَهم ليأخذوا منها ما يحتاجون إليه بقَدْرِ الحاجة، ويكونُ الباقي معدًّا لوقت الحاجة، فاستُعِيرَ هنا لِمَا يخرِجُهُ اللَّهُ تعالى لعبادِهِ عندما يحتاجون إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾: وما يخرجُ مِن ذلك للخَلْقِ إلَّا بقَدَرٍ معلومٍ للكفايةِ.
وقال القشيريُّ: مَن عرفَ القِسْمةَ وأنَّ خزائنَ الأشياءِ عندَ اللَّهِ، تقاصرَتْ خُطاه عن التَّرداد إلى منازلِ الأغيار في طلَبِ الإرفاق، وعن التَّطوافِ في الآفاق في طلبِ الأرزاق، وتنقطعُ آمالُه عنِ الخَلْقِ، فينفردُ قلبُه للَّهِ، ويتجرَّدُ عنِ التَّعلُّقِ بغيرِ اللَّهِ.
وقال في قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾: مَن عرفَ القسمةَ استراحَ عن كدِّ الطَّلبِ، فإنَّ المعلومَ لا يتغيَّر، والمقسومَ لا يتقلَّل ولا يتكثَّر (^٢).
* * *
(٢٢) - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾؛ أي: لاقحاتٍ بالماء؛ أي: حاملاتٍ،
_________________
(١) في (ف): "وهو الموضع".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٦٧).
[ ٩ / ١٨٢ ]
وقد لَقِحَتِ النَّاقة: إذا حملَتْ، مِن حدِّ (علم)، وهو قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودِ (^١).
فالرِّياحُ حواملُ بالماءِ وبما يكون فيها مِن خيرٍ، وضِدُّ هذه الرِّيحُ العقيم، وهي الَّتي لا تحملُ الماءَ، وبالنَّظرِ إلى هذه الضِّد عُلِمَ أنَّه يُمْكِنُ إجراؤها على ظاهرها أنَّها لواقِحُ بأنفسِها لا مُلْقِحاتٌ غيرَها، وكذا قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ -أي: حملتْها- دليلٌ (^٢) على أنَّ صفَتها أنَّها حواملُ مستقيمة.
وقال قتادةُ وإبراهيمُ والضَّحَّاكُ: هي بمعنى ملاقِح، جمعُ مُلْقِحَة، وهي مُلْقِحةٌ للشَّجر أو للسَّحاب (^٣)، بجعلِها الماءَ فيها، كالفحلِ يكون مُلْقِحًا للنَّاقةِ بجعلهِ ماءَه فيها.
ثمَّ جَعْلُ اللَّاقِح بمعنى المُلْقِحِ بطريقَيْن:
أحدهما: أنَّ المنشعبَ يُرَدُّ إلى الثُّلاثيِّ؛ لأنَّه هو الأصل.
والثَّاني: أنَّ اللَّاقحةَ بمعنى: ذات اللِّقاح.
وبهذَيْنِ الطَّريقَيْن كان النَّاصبُ بمعنى المُنْصِب في بيتِ النَّابغةِ:
كِلِيْنِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ وليلٍ أُقَاسِيْهِ بَطِيءِ الكَواكِبِ (^٤)
أنَّه بمعنى: ذي نَصَبٍ، أو ردَّ أَنْصَب إلى نصَبَ، ومُنْصِبًا إلى ناصبِ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٣).
(٢) في (ر): "دال".
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٤ - ٤٦).
(٤) انظر: "ديوان النابغة الذبياني" (ص: ٤٥)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٤٤)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٣٧).
[ ٩ / ١٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾: قيل: سقى وأسقى بمعنًى، وقيل: سقاه بمعنى: أشربَه، وأسقاه بمعنى: جعلَ له شربًا، فتفسيرهُ على هذا: فجعلْنَا لكم ذلكَ المطرَ سَقيًا لأراضِيْكُم ومواشِيْكُم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾: أي: ليس في وُسْعِكم أنْ تَخْزُنُوا الماءَ (^١) بقَدْرِ حاجتكم إليه.
وقال أبو بكر بن عيَّاش: لا تقطرُ قَطرةٌ مِنَ السَّحابِ إلَّا بعدَ أنْ تعملَ فيه هذه الرِّياحُ، فالصَّبا تَهيجُه، والدَّبور تُلقِحُه، والجَنوب تَدرُّه، والشَّمال تفرِّقُه (^٢).
* * *
(٢٣) - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾: أي: نحيي النُّطفَ ﴿وَنُمِيتُ﴾؛ أي: الأحياء عندَ انقطاعِ آجالِهم ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾؛ أي: الباقون بعدَ فناءِ الخَلْقِ، والمالكون ما في العالَم.
وكانَ للَّهِ تعالى كلُّ شيءٍ ولكنْ كانَ للخلْقِ تصرُّفٌ، فينقطع تصرُّفُهم بالموت ويخلُصُ للَّهِ كلُّ شيءٍ بلا وجودِ تصرُّفِ غيرِه، وهو كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
* * *
(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: استقدمَ بمعنى:
_________________
(١) في (أ): "إلا".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٧)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٧٥).
[ ٩ / ١٨٤ ]
تقدَّمَ، واستأخَرَ بمعنى: تأخَّرَ، وهو كقولهم: استيقَن وتيقَّن، واستعجلَ وتعجَّل، واستكبرَ وتكبَّر.
ومعناه: ولقد علمْنا مَن تقدَّمَ في الموتِ فماتَ قبلَ هذا اليوم، وعلمْنا مَنْ تأخَّرَ موتُهُ فيموتُ بعدَ هذا، فلا يفوتُنا إحضارُهم، فنحنُ نُحْيِيهم جميعًا ونميتُهم جميعًا، ونحشرُهم جميعًا.
* * *
(٢٥) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه؛ مِن الإحياءِ والإماتةِ والحشْرِ وغيرِ ذلك، ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقِهِ وأعمالِهم وجزائِهم.
وقال عكرمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا﴾ الآية: قدَّم خَلْقًا وأَخَّر خَلْقًا، فعَلِمَ مَن قَدَّمَ، وعَلِمَ مَنْ أَخَّرَ (^١).
وقال مقاتلٌ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾: مَن ماتَ مِن لَدُن آدمَ، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن بقيَ إلى يوم القيامة (^٢).
وقال قتادة: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: هو آدمُ ومَن مَضَى مِن ذرِّيَّتَه، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن بقيَ في أصلابِ الرِّجال (^٣).
وقال مجاهدٌ: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: القرون الأولى، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: أمَّة محمَّد (^٤).
_________________
(١) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٤٦)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٨).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٢٧).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٤٤)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٩).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٤٧)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥١).
[ ٩ / ١٨٥ ]
وقال الحسنُ: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: السَّابقون إلى الطَّاعات، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: المُبَطِّؤون عنها (^١).
وقال عليُّ بنُ أبي طلحةَ: هذا في الصُّفوف، وذلك أنَّ النِّساءَ كُنَّ يخرجْنَ إلى الجماعات، فتقوم النِّساء صفوفًا خلفَ صفوفِ الرِّجال، فكانَ يتأخَّرُ بعضُ (^٢) مَن في قلبِة رِيبةٌ إلى الصَّفِّ الآخير، وتتقدَّم بعضُ النِّساء في الصَّفِّ لذلك، لتقرُبَ مِنَ الرِّجال، وكانت امرأةٌ مِنْ أحسنِ النِّساءِ وجهًا تصلِّي مع النَّبيِّ -ﷺ-، فربَّما ينظرُ الرَّجلُ مِن تحتِ إبطِهِ إليها، فنزلَتِ الآية (^٣).
وذكرَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ في هذه القصَّة: كان بعضُ المسلمين يتقدَّمُ في الصَّفِّ الأوَّلِ لئلَّا تفتنَه هذه المرأة، وبعضُهم يتأخَّر، فإذا سجدوا نظروا إليها مِن تحتِ أقدامِهم، فنزلَتْ (^٤).
وقال مقاتل بن حيَّان: نزلَتْ في صفِّ (^٥) القتال (^٦).
وقال سفيان بن عيينة: يعني: مَن يسلِمُ، ومَن لا يسلِمُ (^٧).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٢ - ٥٣).
(٢) "بعض" من (ف).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٨) عن أبي الجوزاء وابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٣ - ٥٤) عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٤٦) عن ابن عباس ﵄ من طريق أبي الجوزاء.
(٥) "صف" من (أ).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٨)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٦١) عن مقاتل بن سليمان، وزاد فيه: قال معتمر: فحدثت أبي فقال: لقد نزلت هذه الآية قبل أن يفرض القتال.
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٨)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٧٧).
[ ٩ / ١٨٦ ]
وقال الرَّبيع بن أنسٍ: حضَّ (^١) النَّبيُّ -ﷺ- على الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ، فازدحمَ النَّاسُ عليه، وكانت بنو عذرة دُورُهم قاصيةٌ عن المسجدِ، فقالوا: نبيعُ دورَنا ونشتري دورًا قريبة مِن المسجدِ، فنزلَتْ هذه الآية. وفيهم نزلَتْ أيضًا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]؛ أي: خُطاهم إلى المساجد (^٢).
وقال القشيريُّ: إنَّا لنحنُ نحيي القلوبَ بالمشاهدةِ، ونميتُ النُّفوسَ بالمجاهدة، نحيي المريدِيْن بالذِّكْرِ، ونميْتُ الغافلِيْنَ بالهجر (^٣).
وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: هم العارفون يستقدمون بالهِمَم، والعابدون بالقَدَم، والتَّائبون بالنَّدَم، وقومٌ يستأخرون بالقَدَم وهم العُصاة، وقومٌ بالهِمَم وهم الرَّاضون بخسائس الحالات.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾؛ أي: يبعثُ كلًّا على الوصفِ الَّذي خرجوا عليه مِن الدُّنيا؛ فمِن منفردِ القلبِ بربِّهِ، ومِنْ منطرحٍ في أوديةِ التَّفرقة، ثمَّ يحاسبهم على ما يستوجبونَه (^٤).
* * *
(٢٦) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: ثمَّ ذكرَ ابتداءَ خلقِ
_________________
(١) في (أ): "حرض".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٨). وروى البخاري (٦٥٦) عن أنسٍ: أنَّ بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم فينزلوا قريبًا من النبيِّ -ﷺ-، قال: فكره رسول اللَّه -ﷺ- أن يعروا المدينة، فقال: "ألا تحتسبون آثاركم". وانظر ما سيأتي في تفسير (سورة يس).
(٣) في (ر): "بالغفلة"، وفي (ف): "بالنحر".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩).
[ ٩ / ١٨٧ ]
الإنسِ (^١) والجنِّ لإثباتِ آيةِ الوحدانيَّة، ومطالبةً بشكرِ النِّعمة، وتنبيهًا على أصلِ الخِلْقة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: سُمِّي إنسانًا لأنَّه عُهِدَ إليه فنَسِي (^٢).
وقال القتبي: ذهبَ قومٌ إلى أن اشتقاقَه هذا، وإنسانٌ أصله: إِنْسِيان، ولذلك يقال في التَّصغير: أُنَيْسيان.
وقال البصريُّون: هو مِنْ قولهم: آنسَ؛ أي: أبصر، قال تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، سُمِّيَ به لظهورِه وإدراكِ البصر إيَّاه، وزِيْدَتِ الياءُ في تصغيرِه، كما زِيْدَتْ في تصغير رَجُلٍ، فقِيل (^٣): رُوَيْجِل، وفي تصغير لَيْلَة: لُيَيْلَة (^٤).
والصَّلْصالُ: الطِّين اليابس الَّذي يُصَلْصِلُ؛ أي: يُصَوِّتُ إذا نُقِرَ لشدَّة يُبْسِه، وهو كقولِه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، وهو الخزَفُ، شُبِّهَ به لِيُبْسِه وصوتِه عندَ نقرِه؛ أي: خلقْنا آدمَ مِن طينٍ يابسٍ.
قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ الحمأ: الطِّينُ الأسودُ المتغيِّر، والمَسْنون: قيل: هو المصبوب، وهو إشارةٌ إلى رطوبتِه قبلَ أنْ يجفَّ فيصيرَ صلصالًا.
وقيل: معناه: إنَّه كان طينًا (^٥) سيَّالًا، فصارَ حمأً متجاسدًا. وقد سَنَّ الماءَ على وجهِهِ؛ أي: صبَّهُ.
_________________
(١) في (ف): "الإنسان".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٣٥)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٧).
(٣) "فقيل" ليس في (أ).
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٢).
(٥) في (ر): "رطبًا".
[ ٩ / ١٨٨ ]
وقيل: المسنونُ: المتغيِّر الرِّيح؛ قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وقيل: هو مِن قولِكَ: سننْتُ الحديدةَ على المِسَنِّ: إذا غيَّرتها بالتَّحديد.
وقال ابنُ عبَّاس والحسنُ وقتادةُ: الصَّلصالُ: الطِّينُ اليابسُ الَّذي يُسمع له عندَ النَّقْرِ صَلْصَلةٌ (^١)؛ أي: صوت.
وقال مجاهدٌ: الصَّلصالُ: المنتِن (^٢). مِن قولِهم: صَلَّ اللَّحمُ وأَصَلَّ: إذا أَنْتَنَ.
والصَّلصال بِناءُ النَّعتِ بالفتح، وبالكسر بِناءُ المصدر؛ قال تعالى ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١].
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ أي: رَطْب (^٣).
* * *
(٢٧) - ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾: قيل: هو إبليس، وقيل: هو أبُو الجنِّ، وإبليس أبُ الشَّياطين.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: مِن قبلِ الإنسانِ، وهو آدم.
﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾: أي: نارٍ لها التهابٌ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٧) عن قتادة، ورواه أيضًا عن مجاهد، وروى نحوه عن ابن عباس ﵄. وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٤٣٨)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٥٩٢) عن الحسن.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٢).
[ ٩ / ١٨٩ ]
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: نارٌ لا دخانَ لها، والصَّواعق تكون منها، وهي نارٌ بينَ السَّماءِ والحجابِ، فإذا أحدثَ اللَّهُ أمرًا خرقَتِ الحِجابَ فهوَتْ، فالهَدَّةُ الَّتي تسمعونَ خَرْقُ ذلك الحجابِ (^١).
والسَّمومُ في أصل اللُّغة: الرِّيحُ الحارَّة؛ كالحَرُوْر، إلَّا أنَّ الحَرُوْر تكونُ باللَّيل والنَّهار جميعًا، والسَّموم لا تكون إلَّا بالنَّهار، فيحتمِلُ أنَّ نارَ السَّموم نارٌ تلتهبُ التهابَ السَّموم، ومنه قوله: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]؛ أي: عذاب اللَّهب.
* * *
(٢٨) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: ﴿بَشَرًا﴾؛ أي: حيوانًا ظاهرَ البَشَرة، لا شعرَ عليه، ولا وَبرَ، ولا صوف.
وقيل: أي: حيوانًا يباشر؛ أي: يلمس، فإنَّ الرُّوحاني لا يلمس (^٢).
* * *
(٢٩) - ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: أي: صوَّرتُه بشرًا سويًّا ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي: روحًا مِن الأرواح مفضَّلة على سائرها، وإضافته إلى نفسِه للتَّفضيل والتَّشريف.
والنَّفخُ: الإدخال.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٤٠)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٧٩) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. وهو خبر ساقط، فالكلبي متروك، وابو صالح لم يسمع من ابن عباس.
(٢) في (أ): "أي يمس فإن الروحاني لا يمس".
[ ٩ / ١٩٠ ]
﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾: أي: خِرُّوا له ساجدِيْن سُجودَ تحيَّةٍ. وهذا يدلُّ على أنَّه كانَ وضعَ الجبهة (^١) على الأرض دونَ الانحناءِ وحدَه.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: أضمرَ هنا: فخلقْتُ آدمَ فسجد له الملائكة.
﴿كُلُّهُمْ﴾ للاستيعاب، فدلَّ أنَّه كلُّ الملائكة، لا ملأٌ دونَ ملأٍ، و﴿أَجْمَعُونَ﴾ ليس بتكرارٍ، بل يدلُّ على الاجتماعِ في السُّجود؛ أي: سجدوا في حالةٍ واحدةٍ مجتمعين، لا متعاقبين مترادفين. هذا قولُ المبرِّد.
وقال سيبويه: هو تأكيدٌ بعد تأكيدٍ (^٢).
* * *
(٣٢ - ٣٥) - ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: أي: أيُّ سببٍ لكَ في هذا؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الإنكار.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الوجه".
(٢) انظر: "الكتاب" لسيبويه (٢/ ٣٧٩) و(٢/ ٣٨٧)، و"الانتصار لسيبويه على المبرد" لابن ولَّاد (ص: ١٠٧ - ١٠٨)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٧٩).
[ ٩ / ١٩١ ]
﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: أي: هو دوني، فأنا مِن نارٍ.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: أي: مِنَ السَّماء، وقيل: مِنَ الملائكة؛ أي: تميَّزْ عنهم.
وقيل: مِنَ الجَنَّةِ.
وقيل: مِن هذه الصُّورة الحسنة.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ قيل: مشتومٌ، وقيل: ملعونٌ، وقيل: مرميٌّ، وقيل: مُهلكٌ، وقد مَرَّ ذلك في شرح (سورة البقرة)، وكذا تفسير الآيات ومعانيها والقصَّة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾: إلى يوم القيامة، وإذا دامَتْ إليه لم تنقطِعْ.
وهي لعنة اللَّه، فقد قال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: ٧٨].
وقيل: هي لعنة المؤمنين إيَّاه، كلما ذُكر (^١) لعنوه.
* * *
(٣٦ - ٣٨) - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: وهو يوم القيامة.
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: قيل: هو وقت فناء الدُّنيا وموتِ أهلها، وهو (^٢) تأخير العذاب عنه إلى تلك الحالة.
_________________
(١) في (أ): "كما ذكر أنهم"، بدل: "كلما ذكر".
(٢) "هو" ليس في (ف).
[ ٩ / ١٩٢ ]
وقيل: سأل الأمانَ من الموتِ، فلم يُعْطَ ذلك.
والإنظارُ إلى تلك الحالة لم يكن كرامةً له، بل إِمْلاءٌ له (^١) ليزدادَ إثمًا.
* * *
(٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: مَرَّ تفسيره في الأعراف ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لَأُحَسِّنَنَّ إليهم معاصيك، ولَأُحَبِّبَنَّها إليهم ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: ولَأُضِلَّنَّهُمْ.
فقوله: (معاصيك) مُضمَرة فيه، أو أضمر فيه: (ما)، يعني (^٢): لأزيِّنَنَّ لهم ما في الأرض.
وقيل: ﴿فِي﴾ زائدة؛ أي: لأَزيِّنَنَّ لهم الأرضَ، وهي الدُّنيا، وهو كقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: ذريتي.
* * *
(٤٠ - ٤١) - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: مَن قرأ بفتح اللَّام فمعناه: إلَّا عبادَك الَّذين أخلَصْتَهم بتوفيقِكَ وعصمْتَهم مِن فتنتي، مِن قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص: ٤٦].
_________________
(١) "له" من (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "أرى"، ولعلها محرفة عن: (أي).
[ ٩ / ١٩٣ ]
ومَنْ قرأ بكسرها (^١) فمعناه: إلَّا عبادَك الذين أخلَصُوا أعمالَهم لكَ، مِن قولِه: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾: قيل: هذا الَّذي قلْتَ يا إبليس: (لأزيِّنَنَّ لهم ولأغوينَّهم) طريقٌ مَمَرُّ مَن سلَكُه عليَّ ومصيرُه إليَّ، فأُجَازِي كُلًّا منهم على عملِه.
و﴿مُسْتَقِيمٌ﴾: نعتٌ للصِّراطِ، وليس المرادُ منه استقامتَه في نفسِه، بل المرادُ به أنَّه لا يمكن العُدول عنه، بل يستقيم لسالِكِهِ إليَّ وعليَّ.
وقيل: بل هو إشارةٌ إلى الطَّريقِ الحقِّ، وقد سبق ذِكْرُه: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾؛ فالإخلاصُ طريقٌ مستقيمٌ، وقوله: ﴿عَلَيَّ﴾؛ أي: عليَّ وإليَّ الهداية إليه، ودفعُ الشُّبهِ عنه.
* * *
(٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾؛ أي: إنَّ عبادي الَّذين قاموا إليَّ (^٢) بحقِّ العبوديَّة ليسَ لَكَ عليهم سُلْطانٌ.
﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾: وقَبِل تَزْيِينَكَ وإغواءَكَ ﴿مِنَ الْغَاوِينَ﴾: مِنَ الضَّالِّين.
_________________
(١) قرأ الكوفيون ونافع: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ إذا كان في أوله ألف ولام بفتح اللام حيث وقع، والباقون بكسرها. انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٨).
(٢) "إلي" من (أ).
[ ٩ / ١٩٤ ]
وسُئِلَ سفيانُ بنُ عُيينةَ عن هذه الآيةِ فقال: معناها: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [أن] تلقيَهم في ذنبٍ يضيقُ عنه عفوي (^١).
يعني: أنِّي أَحُولُ بينَهم وبينَ الشِّركِ، وما دونَ الشِّركِ لا يضيقُ عنه عَفوي.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: موعد متَّبعِيك.
* * *
(٤٤) - ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾.
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾: قيل: سبعة أَطْباقٍ بعضُها في بعضٍ.
﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾: أي: نصيبٌ مِن المُتَّبِعِيْن، فقد جعل لهم على حسب مراتبِهم في كفرِهم.
قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: إنَّ اللَّهَ وضعَ الجِنانَ على العرض، ووضعَ دركاتِ النِّيران بعضَها فوقَ بعض، فأسفلُها جهنَّم، وفوقَها لَظًى، وفوقَها الحُطَمة، وفوقَها سَقَر، وفوقَها الجحيم، وفوقَها السَّعير، وفوقَها الهاوية (^٢).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾؛ أي: حظٌ معلومٌ، فجهنَّمُ لِمَنِ ادَّعَى الرُّبوبيَّةَ مِنَ الخَلْقِ، ولَظَى لِعبدَةِ النِّيران، والحُطَمةُ لِعبدَةِ الأصنام، وسَقَر لليهود، والسَّعير للنَّصارى، والجحيم للصَّابئين، والهاوية للموحِّدين (^٣).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٤٢)، والماوردي في "تفسيره" (٣/ ٢١٣)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٨٢). وسيأتي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]، وما بين معكوفتين منه.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٤٢).
(٣) روى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٦٥) عن الضحاك دون تسمية الأبواب.
[ ٩ / ١٩٥ ]
وقيل: جهنَّم مِن قولِ العربِ: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ؛ أي: بعيدة القَعر.
ولَظًى مِن التَّلظِّي، وهو التَّوقُّد.
والحُطَمة لأنَّها تَحطِمُ عظامَ الكفَّار؛ أي: تكسرُها.
وسَقَر لأنَّها تُذِيْبُ عظامَهم ولحومَهم، وقد سَقَرَتْهُ الشَّمسُ وصَقَرَتْهُ: إذا أذابَتْه.
والسَّعير لأنَّها سُعِّرَتْ؛ أي: أُلْهِبَتْ.
والجحيم لأنَّها نارٌ عظيمةٌ.
وهاوية لأنَّها تَهْوِي بهم؛ أي: تسقِطُهم.
وقال القشيريُّ: إذا سمَّى اللَّهُ واحدًا بالعبوديَّة كان مِن جُملةِ الخواصّ، فإذا أضافه إلى نفسِه فهو خاصُّ الخواصّ، فهؤلاء خواصُّ عبادِه الَّذين محاهم عن شواهدِهم، واختطفَهم عنهم، وصانَهم عن أودية التَّفرقة، وجرَّدَهم عن حولِهِم وقوَّتِهم، يحفظُ عليهم آدابَ الشَّرع، ويُلبسُهم لباسَ الاختيار في حالةِ الائتمار، ثمَّ يأخذُهم عنهم باستهلاكِهم في شهودِه، واستغراقِهم في وجودِه، فأيُّ سبيلٍ للشَّيطان عليهم؟ وأيُّ يدٍ للعدوِّ عليهم؟
ومَن أشهدَهُ الحَقُّ حقائقَ التَّوحيد، ورأى العالَمَ مصرَّفًا في قبضةِ التَّقدير، فحاشا أن يكونَ نهبًا للأغيارِ، أو محلًّا للأكدار (^١).
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.
_________________
(١) قوله: "أو محلًا للأكدار" ليس في (أ) و(ف)، ولم يرد في "اللطائف". انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢).
[ ٩ / ١٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ولَمَّا ذَكَرَ مَصيْرَ الغاوينَ (^١) أتبَعَهُ ذِكْرَ ما أعدَّه للمخلصِيْنَ، وهم الَّذين اتَّقوا الشِّرك والمعاصيَ، فأخبرَ أنَّهم في بساتينَ فيها عيون، وقد سُمِّيَتْ في القرآن.
وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾: أي: يُقال لهم: ادخلوا الجنَّات آمنِيْنَ؛ أي: سالمين غانمين (^٢).
قال القشيريُّ ﵀: لم يذكرْ مَنْ يقولُ لهم ذلك، و[قال] قومٌ: يقولُ لهم ذلك الملَكُ.
وقيل: إذا وافَوا بأبواب الجنَّة بعدَ مقاساةِ الشَّدائد والأهوال، ومختلِفِ الأحوال، فمِن حقِّهم أن يَبتدِروا دخولَها، فقد أُبِيْحَتْ لهم، لكنَّهم يقفون احترامًا وانتظارًا للإذْنِ.
ولعلَّ قومًا إذا قالَت لهم الملائكةُ: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ لم يدخلوا حتَّى يقولَ لهم الحقُّ: ادخلوا، وفي مثله قالوا:
ولا ألبَسُ النُّعْمَى وغيرُكَ مُلْبِسِي ولا أقبلُ الدُّنيا وغيرُكَ واهِبُ (^٣)
وقال: إنَّ الجنَّةَ دَرَجَاتٌ بعضُها أرفعُ مِن بعضٍ، ولهم اليومَ كذلك، فدرجةُ قومٍ حلاوةُ الخِدْمة ولذاذة الطَّاعة، ولقومٍ البَسْطُ والرَّاحة، ولآخرين الرَّجاءُ والرَّغبة، ولآخرين الأُنْسُ والقربة، قد علمَ كلُّ أناسٍ مشربَهم، ولزِمَ كلُّ فريقٍ اليومَ مذهبَهم (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "العادين".
(٢) في (أ): "ادخلوا الجنان سالمين آمنين".
(٣) البيت لأبي فراس الحمداني. انظر: "الدر الفريد" للمستعصمي (٢/ ٢١٧ - ٢١٨).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
[ ٩ / ١٩٧ ]
(٤٧) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾: أي: أخرجْنا ما في قلوبِ أهلِ الجنَّةِ مِن غِشٍّ وخيانةٍ وحِقْدٍ وضَغينةٍ مِن بعضِهم على بعضٍ، لا يعادي بعضُهم بعضًا، ولا يُحزِنُ (^١) أحدٌ منهم أحدًا، ولا يحسدُه بنعمةٍ صارَتْ إليه.
وقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا﴾: نصب على الحال ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: يقابِلُ بعضُهم بعضًا، لا يستدبِرُه فينظرَ في قَفاه، حيثُ ما التفَتَ رأى وجهًا يحبُّه.
قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: فينا نزلَتْ أهلَ بدرٍ (^٢).
وروي عنه أنَّه قال: إنِّي لأرجو أنْ أكونَ أنا وطلحة والزُّبير مِن أهلِ هذه الآية (^٣).
وقال عبدُ الرَّحمنُ بن أبي ليلى: قلْتُ لعليٍّ: كنَّا نظُنُّ أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ فيكَ وفي طلحةَ والزُّبير، فقال: اعلمْ أنَّ تيمًا وعديًّا كان بينهما في الجاهليَّة دماءٌ وجِراحاتٌ وتقاتُلٌ وتجادُلٌ، فلمَّا جاءَ اللَّهُ بالإسلامِ، وأسلمَ مَنْ أسلمَ مِنْ تيمٍ وعَدِيٍّ طفقَتْ (^٤) قريشٌ تقولُ: أتظُنُّ تيمٌ وعَدِيٌّ أنَّ الشَّحناء الَّتي كانت بينهم تزولُ عنهم، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية، فدعا رسولُ اللَّهِ -ﷺ- أبا بكر وعمر في تكملة أربعةَ عشرَ نفسًا، وقرأ عليهم هذه الآية، فزالَ عن قلوبِهم ما خامرها مِن الشَّحناء والبغضاء (^٥).
_________________
(١) في (أ): "يخون".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٠٢)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٧٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٧٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٠١)، والإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٠٥٧)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٧٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٧٨).
(٤) في (أ): "طعنت".
(٥) لم أجده.
[ ٩ / ١٩٨ ]
وروى أبو أمامةَ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ أهلَ الجنَّةِ يدخلونَ الجنَّةَ بما في صدورِهِم مِنَ الشَّحناءِ (^١) والغِلِّ، فإذا ترافَقوا وتقابَلوا نزعَ اللَّهُ ذلك عن صدورِهم، فذلِكَ قولُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية (^٢).
وقال مجاهدٌ: لا يرى الرَّجلُ مِن أهل الجنَّة قَفا زوجتِهِ، ولا زوجتُهُ تَرَى (^٣) قَفاه؛ لأنَّ الأَسِرَّةَ تَدُورُ بهم حيث ما شاؤوا، حتى يكونوا في جميع أحوالِهم مُتقابِلِيْن (^٤).
* * *
(٤٨ - ٥٠) - ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾: أي: تعبٌ ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: مِنَ الِجنَانِ ونعيمِها ﴿بِمُخْرَجِينَ﴾ بل هم فيها مخلَّدون.
وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾: أخبرهم يا محمَّد ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾:
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تابَ، ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ لِمَنْ لم يَتُبْ (^٥).
_________________
(١) بعدها في (ف): "والبغضاء".
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٢٤٠٠) موقوفًا على أبي أمامة ﵁ من طريق القاسم بن عبد الرحمن. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف.
(٣) "ترى" ليس في (ف).
(٤) رواه مختصرًا ابن المبارك في "الزهد" (٤٣٤)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٠٧٧)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٨٠).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٤٣)، وذكر نحوه الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٦١٤).
[ ٩ / ١٩٩ ]
وقيل: لَمَّا ذكرَ ثوابَ المتَّقين وعقاب الغاوين ذكرَ أنَّه غفورٌ رحيمٌ لهؤلاء، وعذابُه أليمٌ لهؤلاء.
وروي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- خرجَ يومًا فرأى أصحابَه يضحكونَ، فقال لهم: "لو تعلمون ما أعلم لضحكْتُم قليلًا ولبكيْتُم كثيرًا"، فأخذوا يبكون، فنزلَ جبريلُ بهذه الآية (^١).
وقال القشيريُّ: لَمَّا ذكرَ حديثَ المتَّقين وما لهم مِن رفيعِ المنزلةِ علِمَ انكسارَ قلوبِ العاصين، فتدارَكَ قلوبَهم وقال لنبيِّه: أخبرْ عبادي العاصِيْنَ: ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: إنْ كنْتُ الشَّكُورَ الكريمَ بالمطيعين، فإنِّي أنا الغفورُ الرَّحيمُ للعاصين (^٢).
وفي الأخبار: لَمَّا نزلَ قولُه: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] ووصفَ جبريلُ ﵇ لرسولِ اللَّهِ -ﷺ- ما في جهنَّم، احتجبَ عن النَّاسِ أيَّامًا يبكي، وجاءَ سلمانُ فاطمةَ وأخبرَها به، فجاءَتْ إلى النَّبيِّ -ﷺ- فقالَتْ: يا أبتاه، ما الَّذي أصابَكَ؟ فذكَرَ لها نزولَ هذه الآيةِ، وبعضَ ما وصفَ له جبريلُ مِن ذلكَ، وقالَ: "إنَّ حرَّها شديد، وقَعرَها بعيد، وحليَّها حديد، وشرابَها الحميمُ والصَّديد، وثيابَها
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٨٢)، والسمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٥٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٤٣) من حديث رجل من أصحاب النبي -ﷺ-. ورواه البزار في "مسنده" (٢٢١٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٣/ ١٠٤) من طريق مصعب بن ثابت عن عبد اللَّه بن الزبير، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه بهذا اللفظ، عن النبي -ﷺ- إلا ابن الزبير، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق، ولا نعلم أن مصعب بن ثابت سمع من ابن الزبير. وبعض هذا الحديث متفق عليه، وهو قوله -ﷺ-: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا"، رواه البخاري (٤٦٢١)، ومسلم (٢٣٥٩)، من حديث أنس ﵁.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٧٤).
[ ٩ / ٢٠٠ ]
مقطَّعاتُ النِّيران، لو أنَّ مثلَ خرقِ إبرةٍ فُتِحَ منها لأحرقَ أهلَ الدُّنيا، ولو أنَّ ثوبًا من ثيابِ أهلِها علقَ بين السَّماء والأرض لماتوا مِن حرَّها ونتنِها، ولو أنَّ ذراعًا من السِّلسلةِ الَّتي ذكرَها اللَّهُ تعالى في القرآن وُضِعَ على جبلٍ لذابَ إلى الأرض السَّابعة، ولو أنَّ رجلًا بالمغرب يُعَذَّبُ لاحترقَ الَّذي بالمشرق، لها سبعةُ أبوابٍ، بعضُها أسفلُ مِن بعضٍ، مِنْ بابٍ إلى بابٍ مسيرةُ سبعينَ سنةٍ، وكلُّ بابٍ منها أشدُّ حرًّا مِنَ الَّذي يليه بسبعين ضعفًا، تُساقُ أعداءُ اللَّهِ إليها، فإذا انتهوا إلى أبوابها استقبلَتْهُم الزَّبانِيَة بالأغلال والسَّلاسل، فتُسلكُ السِّلسلةُ مِن فِيْهِ، وتخرجُ مِن دُبُرِهِ، وتُغَلُّ يدُه اليُسرَى إلى عنقِه، وتدخلُ يدُه اليمنى في فؤادِه، وتُنْزَع مِن بينِ كتفَيْهِ، ويُسْحَبُ على وجهِهِ، ويُضْرَبُ بمقامعَ مِن حديدٍ".
فلم يحتملْ قلبُ فاطمةَ سماعَ ذلك، فخرَّتْ مغشيًّا عليها، ولَمَّا أفاقَتْ بكَتْ وصاحَتْ، وقالَتْ: يا ليتني لم أُوْلَدْ.
وسمعَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ ذلك خارجَ البابِ، فقال وهو يبكي: ليتني كنْتُ شاةً تُذْبَحُ.
وقال عمرُ ﵁: ليتني كنْتُ شجرةً تُعْضَدُ.
وقال عثمانُ ﵁: ليتني لم أُخْلَقْ.
وقال عليٌّ ﵁: ليتني لم أُوْلَد.
وهربَ مالكُ بنُ سلمة (^١) إلى الفيافي، وهو يصيحُ: النَّارَ النَّار.
_________________
(١) في (أ): "مالك بن أبي سلمة". وفي "نزهة الألباب في الألقاب" لابن حجر (ص: ٢٩٠): ذو الرقيبة مالك بن سلمة القشيري، له صحبة.
[ ٩ / ٢٠١ ]
وبكى النَّاسُ لبكائِهِ، وخرجَتِ الصَّحابة يطلبونَهُ، فوجدوه في جبلٍ يصيحُ، فردُّوه إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فناشدَه أنْ يقرأها عليه مرَّة أخرى، ففعلَ، وصاحَ وخرَّ ميتًا.
وكانت له بنتٌ صغيرةٌ، فأُخْبِرَتْ بموتِ أبيها، فخرجَتْ إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فوجدَتْ أباها ميتًا، فقالَتْ: ما أصابَهُ، فذكروا لها أنَّه سمع آيةً فاشتدَّ خوفُه وخرجَتْ روحُه، فقالَتْ: اقرؤوا عليَّ تلك الآية، فقرؤوها عليها، فصاحَتْ فخرَّتْ ميتة (^١).
فهذا رسولُ اللَّهِ -ﷺ- وولدُه وكبراءُ أصحابِه والطَّاهرون مِن أهل عصرِه يخافون جهنَّم هذا الخوفَ، فكيفَ ينبغي لنا أن نغفلَ بعدَه؟
* * *
(٥١) - ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: انتظامُ بقيَّة السُّورة بهذه الآيةِ الَّتي قبلَها: أنَّه قالَ: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فذكرَ رحمتَه، وقال: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، فذكرَ عقوبتَه، ثمَّ ذكرَ إلى بقيَّة السُّورة تأثيرَ رحمتِه في حقِّ إبراهيمَ ببشارة الولد بإسحاق (^٢)، وفي حقِّ لوطٍ وأتباعِه بالنَّجاة، وفي حقِّ النَّبيِّ ﵊ ومَن آمَنَ به وأصحابِه بإعطاءِ السَّبع المثاني والقرآن العظيم.
وتأثيرَ عذابِه في حقِّ قومِ لوطٍ وأصحابِ الحجرِ والمقتسمين والمستهزئين.
_________________
(١) ذكر السمرقندي بعض هذا الخبر في "تنبيه الغافلين" (ص: ٧٠ - ٧١) عن يزيد الرقاشي عن أنس ﵁. ولم أقف له على أصل، وعلامات الوضع ظاهرة فيه.
(٢) "إسحاق" ليس في (أ).
[ ٩ / ٢٠٢ ]
وقوله تعالى: ﴿عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: أضيافه، فقد قال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، وصيغتُه صيغةُ المصدرِ، فصلح للجمع.
والضَّيفُ: هو النَّازلُ على غيرِه، طَعِمَ عندَه أو لم يطعَم، نزلَ للطُّعم أو لغيره.
* * *
(٥٢) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾.
يقولُ: خبِّرهم عن ضيفِ إبراهيم، وهم الملائكة الَّذين أُرسِلُوا لإهلاكِ قوم لوط ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾: أي: سلَّموا عليه سلامًا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾؛ أي: قال إبراهيم: إنَّا منكم خائفون.
قال هذا بعدَما ردَّ ﵈ وقدَّمَ العجل إليهم فلم يتناولوه، فخافَهم على نفسِه حيثُ لم يتحرَّموا بطعامِه.
ودليلُ هذا الإضمار قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠].
ولا يُقال: ذكرَ في (سورة الذاريات): ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، ثمَّ ذكر تقديم العجلِ بعد الإنكار: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦].
لأنَّا نقول: ذاك إنكارُ المعرفة؛ أي: لا أعرِفُكم، لا إنكارُ الخيفةِ.
* * *
(٥٣ - ٥٤) - ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾: أي: لا تخفْ ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾؛ أي: إذا كبر (^١).
وصارَتِ البشارةُ بشاراتٍ: بوجودِه، وبلقائِه إلى أنْ يُعلَّمَ، وبعلمِه، وأيُّ فرحٍ فوقَ هذا الولدِ وعيشِه وعلمِه؟
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾: أي: بعدَما أصابني كبرُ (^٢) السِّنِّ.
﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ بتشديد النُّون وكسرها، وأصله: (تبشرونني) أدغمَ إحدى النُّونَيْن في الأخرى.
وقرأ نافعٌ بكسر النُّون وتخفيفها، على إسقاط النُّون الأولى تخفيفًا.
وقرأ الباقون بفتح النُّون وتخفيفها (^٣)، على إثبات الفعل بدون الإيقاع على نفسِه؛ يعني: أيُّ بشارة تكونُ على رأسِ الكِبَرِ؟ أي: فليس حينَ (^٤) بشارة، وهذا تعجيبٌ واستبعادٌ منه لذلك.
* * *
(٥٥ - ٥٦) - ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بما لا كذبَ فيه ولا خُلْفَ، بل هو جِدٌّ وحَقٌّ ويقين.
_________________
(١) في (أ): "لا أعرفكم" بدل: "إذا كبر".
(٢) في (ف): "الكبر في".
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦).
(٤) في (أ): "خبر".
[ ٩ / ٢٠٤ ]
﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: أي: لا تيأسَنَّ (^١) مِن رحمتِه بإعطاء الولد على الكِبَر.
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾: قرأ أبو عمرو والكسائيُّ بكسر النُّون مِن باب (ضرب)، والباقون بفتحها من حد (علم)، وهما لغتان، وأجمعوا في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] على فتح النُّون (^٢).
﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾: أي: المخطئون سبيلَ الصَّواب، وهو استفهامٌ بمعنى النَّفي، وتقديره: ولا يقنط مِن رحمة ربِّه ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، أخبرَ أنَّه غيرُ قانطٍ مِنْ رحمتِه، ولا مُنْكِرٍ لقدرَتِهِ.
* * *
(٥٨ - ٥٧) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾: أي: أمرُكم ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ لَمَّا بشَّروه بخلاف العادةِ علمَ أنَّهم ملائكةٌ، فخاطبَهم بهذا.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾: وهم قوم لوط، أجرموا (^٣)؛ أي: كسبوا لأنفسِهم بشركِهم وفواحشِهم العقوبةَ.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "الآيسين" بدل: "لا تيأسن".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦).
(٣) "أجرموا" ليس في (أ).
[ ٩ / ٢٠٥ ]
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: أُرْسِلنا لإهلاكِ قومٍ مجرمين، إلَّا أتباعَ لوطٍ فإنَّا ما بُعِثْنا لإهلاكِهم، بل لإنجائِهم.
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾: استثنوها مِن غيرِ المُهْلَكين، وهم آلُ لوطٍ؛ أي: أتباعُه، فصارت من المهلَكين.
وقوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾: أي: قالت الملائكةُ: أُعْلِمْنا بتقديرِ اللَّهِ تعالى كونَها مِن الغابِرِيْنَ؛ أي: الباقيْنَ في العقوبةِ.
وقد غَبَرَ مِن باب دخل؛ أي: بقي، و﴿إِنَّهَا﴾ كُسِرَتْ لوقوع اللَّام في الجواب.
و﴿قَدَّرْنَا﴾؛ أي: أَعلمنا بالتَّقدير، كقوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ [مريم: ١٩]؛ أي: لأُعلِمَكِ بأنَّه وُهِبَ لَكِ.
* * *
(٦١ - ٦٤) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: أي: لا أعرفُكُم، وهذا سؤالُ أنْ يُعرِّفُوه أنفسَهم ليطمئنَّ إليهم.
﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: أي: بل نحنُ رُسُلُ اللَّهِ جِئْناكَ بما كان يشكُّ قومُكَ في نزولِه بهم مِن العذابِ الذي حذَّرتَهم إيَّاه.
﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالعذابِ المتيقَّنِ، كما قال: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨].
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: أي: في إخبارِنا بهلاكِ قومِكَ.
* * *
[ ٩ / ٢٠٦ ]
(٦٥) - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾: سَرَى وأَسْرَى: سارَ باللَّيل، لازمٌ، وبالباء عدَّاه.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: أي: ببقيَّةٍ، وهو كقولِه: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤].
﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: أي: كُنْ وراءَ أهلِكَ؛ أي: قَدِّمْهُم، وسِرْ خلفَهُم.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وهذا الواجِبُ على كُلِّ والٍ أَمِرَ الجيشَ أنْ يتبعَ أثرَهم، أو يأمرَ مَن يتبعُ أثرَهم ليلحقَ به مَن تخلَّفَ منهم، ويحمِلَ المنقطعَ منهم، وليكونَ ذلك أحفظَ لهم (^١).
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾: أي: لا تلتفِتَنَّ أنتَ وراءَكَ، ولا أحدٌ (^٢) ممَّن معَكَ.
أُمِروا بالمبادرةِ في السَّيرِ، وألَّا يعرِّجوا على شيءٍ حتَّى يتباعدوا عن القريةِ قبلَ أنْ يَفْجَأَهم الصُّبح، وينزلَ بالمجرمين العذاب.
﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾: أي: سيروا إلى حيثُ يأمرُكُم اللَّهُ.
قيل: هي صُغَر؛ إحدى قريَّات قوم لوط (^٣).
* * *
(٦٦) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٥٢).
(٢) بعدها في (أ): "منكم".
(٣) قال المقدسي في "أحسن التقاسيم" (ص: ١٧٨): صغر: وتسمى: صقر، وهي على البحيرة المقلوبة وبقيّة مدائن لوط، وإنَّما نجت لأن أهلها لم يكونوا يعملون الفاحشة. وهي على وزن زفر وصرد، ويقال لها أيضًا: زُغَر. انظر: "معجم البلدان" (٣/ ١٤٢ و٤١١).
[ ٩ / ٢٠٧ ]
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾: أي: أوحينا إلى لوطٍ وأعلمْناهُ، كما في قولِه: وقضينا إلى بني إسرائيل، و﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾: هو العذابُ الَّذي قالوا: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤].
﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾: ﴿أَنَّ﴾ ترجمةٌ عِن قولِه: ﴿الْأَمْرَ﴾، ودابرُ القومِ: مَن يجيءُ بعدَهم، وإذا قُطِعَ ذلك فقد هَلَكَ الكلُّ.
وقوله تعالى: ﴿مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾: أي: يُقْطَعُ مصبِحِيْن؛ أي: في حال إصباحِهم.
* * *
(٦٧ - ٦٧) - ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾: أي: قومُ لوط وهم أهل مدينة سَدُوم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: يُظهِرونُ آثارَ السُّرور في بَشَرَاتِ وجوهِهم؛ إذْ سمعِوا أنَّ غلمانًا صباحًا ضافوا لوطًا؛ طمعًا منهم في ركوبِ الفاحشة.
﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾: أي: أضيافي ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾؛ أي: لا تَهتكوا حُرْمَتي فيهم.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ يحتمل: فلا تفضحوني في ضيفي، فإنَّهم إنَّما نزلوا بنا على أمنٍ منَّا.
ويحتمل: فلا تفضحوني في الخُلُقِ، فإنَّهم يقولون: في بيت لوط يُفعَلُ بالأضياف كذا (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٥٣).
[ ٩ / ٢٠٨ ]
(٦٩ - ٧١) - ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾: أي: لا تُخجلوني، ولا تلحقوا بي العارَ فيهم.
﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: أي: قالَ له قومُه: أولم ننْهَكَ أنْ تُضيْفَ أحدًا مِنَ النَّاسِ كلِّهم؟
﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾: أي: بناتُ قومي؛ لأنَّ كلَّ نبيٍّ هو أبو أمَّتِه، أُزَوِّجُكُموهنَّ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أي: قابلين ما آمرُكُم به.
وقيل: أي: طالبين الاستمتاع.
وقيل: أرادَ به بناتَ نفسِه، وكان يزوِّجُهنَّ منهم إذا أسلموا، وقد شرحناه بأتمَّ مِن هذا في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨].
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: هذه القصَّة وما قبلَها مِن القصص في هذه السُّورة وغيرها، وورودُها بألفاظٍ مختلفةٍ في آياتٍ دليلٌ على أنَّ العبرة لاتِّفاق المعاني، فإنَّ هذه المخاطَبَاتِ لم تكن مرارًا، بل مرَّة، ومع ذلك وردَتْ على وجوهٍ، فدلَّ أنَّ اختلافَ الألفاظ وتغيُّرَها لا يوجبُ اختلافَ الحُكْمِ بعدَ أنْ (^١) لا يغيِّرَ المعنى، وذلك أنَّ الخبرَ إذا أُدِّيَ معناه على اختلافِ لفظِهِ فإنَّه يجوز، وكذا إذا قرئ بعدَ أنْ لا يُغيَّرَ المعنى (^٢) بغيرِ اللِّسان الذي أُنزِلَ جازَ (^٣).
_________________
(١) بعدها في (أ): "كان". وليست في المصدر. انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٣٨).
(٢) "إذا قرئ بعد أن لا يغير المعنى" من (أ).
(٣) كرر الماتريدي هذا المعنى في أكثر من موضع. انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٣٨) (٧/ ٧٥) (٨/ ٥٧٢).
[ ٩ / ٢٠٩ ]
(٧٢) - ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: وهذا كلامٌ اعتَرض في خلالِ القصَّة، يخاطِبُ اللَّهُ به (^١) نبيَّه محمَّدًا ﵊، فيقول: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: هو قسمٌ بحياةِ رسولِه، والعُمْرُ والعَمْرُ (^٢): البقاءُ والحياةُ.
واللَّام للتَّأكيد، و(عَمْرُ) رفعٌ بالابتداءِ، وخبرُه مُضمَرٌ، وهو: قسمي؛ أي: وعيشُكَ يا محمَّدُ.
وقال الضَّحَّاكُ: هذا قَسَمٌ بدينِهِ (^٣).
﴿إِنَّهُمْ﴾: قومَك مِن قريشٍ ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أي: حيرَتِهم وضلالِهم التي هي كحالِ سُكْرِ السَّكران ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: يتردَّدونَ في الباطلِ، غافلِيْن عمَّا أَعَدَّ اللَّه تعالى لأهل معصيتِهِ (^٤) نظيرًا لِمَا أنزلَه بقومِ لوطٍ.
وهذا كرجلٍ يذكرُ قصَّةَ قومٍ خرجوا على السُّلطانِ فأُخِذوا وقُتلوا، فإذا ذكرَ بعضَ القصَّةِ وهو يريدُ أنْ يَسْمَعَه قومٌ مثلُهم فعلوا كذلك ولم يعاقبوا بعدُ، فقالَ قبلَ تمام القصَّة: اسمعْ فإنَّ هؤلاءِ في غفلةٍ لا يدرونَ ماذا يحلُّ بهم، ثمَّ يعودُ إلى تمامِ القصَّة.
وقيل: هذا قولُ الملائكةِ لِلُوطٍ أنَّه لَمَّا دعاهم إلى نكاح البنات فلم تنجع فيهم
_________________
(١) "به" من (أ).
(٢) "والعمر" من (ف).
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٤٥٥). وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ٢١٩).
(٤) في (ر) و(ف): "المعصية".
[ ٩ / ٢١٠ ]
الموعظة قالت له الملائكةُ: لَعَمْرُكَ إنَّهم لا يعلمونَ ماذا يُنتظر بهم صباحَ ليلتِهم، فلا تخفْ (^١)؛ فإنَّهم لا يصلون إليك ولا إلينا.
والقولُ الأوَّلُ أصحُّ؛ قال ابنُ عبَّاس ﵄: واللَّهِ ما خلقَ اللَّهُ شخصًا أكرمَ عليه مِن محمَّدٍ ﵊، وما سمعْتُ اللَّهَ أقسمَ بحياةِ أحدٍ إلَّا بحياتِه (^٢).
* * *
(٧٣ - ٧٤) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: أي: الهَلَكَةُ؛ صاحَ الزَّمانُ به؛ أي: هلَكَ.
﴿مُشْرِقِينَ﴾: داخلِيْنَ في وقتِ شُروقِ الشَّمس؛ أي: طلوعِها؛ أي: في هذه الحالةِ، وكذلك قوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: داخلِيْن في الصَّباح، وهو هذه الحالة.
﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾: أي: قلبَها جبريلُ بأمرِنا عُلْوًا لسفلٍ.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: وأرسلْنَا عليهم ﴿حِجَارَةً﴾ مِن فوقُ، كالمطر يأتي مِن السَّماء.
﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ذكرنا الأقاويل فيه في (سورة هود).
ثمَّ الإمطارُ مع التَّقليْبِ: قيل: قُذِفوا بالحجارةِ أوَّلًا، ثمَّ قُلِبُوا.
وقيل: التَّقليْبُ كان للحاضرِيْن، والإمطارُ لِمَن شَذَّ منهم.
* * *
_________________
(١) في (أ): "تحزن"، وفي (ف): "تجدن".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٦٩).
[ ٩ / ٢١١ ]
(٧٥) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: قال مجاهدٌ: أي: للمُتفرِّسين (^١).
وقال قتادة: أي: للمُعتبِرِيْن (^٢).
وقال ابنُ زيدٍ: للمُتفكِّرِيْن (^٣).
وقال الضَّحَّاك: أي: للنَّاظرين (^٤).
وقال أبو عبيدة: أي: للمتبصِّريْن (^٥).
وقيل: النَّاظرين في السِّمة الدَّالة على المراد.
يقول: [إنَّ] (^٦) في هذه القصَّة لدلائلَ للمعتبِرين المستدلِّين على أنَّ عواقب مَن عصى اللَّهَ مثلُ ذلك، والأصلُ المعقولُ الموافقُ للأصول: أنَّ كُلَّ مشتبِهَيْنِ فحُكْمُهُما مِن حيثُ اشتباهُهما واحدٌ.
* * *
(٧٦) - ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾: أي: إنَّ هذه المدينة الَّتي جعلْنَا عالِيَها
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٩٥).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٩٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٩٧).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٩٥) عن الضحاك وابن عباس ﵄.
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٥٤).
(٦) زيادة تقتضيها اللام الآتية في قوله: "لدلائل".
[ ٩ / ٢١٢ ]
سافِلَها بطريقٍ واحدٍ ثابتٍ، يراها المارُّ بها منكم -معاشرَ العربِ- في الأسفارِ (^١)، لا تزولُ عن مكانها، ولا يخفَى أمرُها، فاعتبروا بها.
* * *
(٧٧ - ٧٨) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: هم المنتفِعون بها.
﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾: الأيكةُ: الشَّجرُ الملتفُّ. وقيل: الغَيْضَةُ.
ذكرَ هلاكَ قومٍ آخرينَ، وهم قومُ شعيبٍ، وقد مرَّتْ قصَّتُه في (الأعراف) وفي (هود).
ومعنى الآية: وما كان أصحابُ الأيكةِ إلَّا ظالمين أنفسَهم، واضعِيْن الشَّيء في غيرِ موضعِه.
* * *
(٧٩) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: أي: عاقبناهم ﴿وَإِنَّهُمَا﴾؛ أي: المدينتان؛ مدينةُ قوم لوط، ومدينةُ قوم شعيب ﴿لَبِإِمَامٍ﴾؛ أي: لبِطَريقٍ يُؤْتمُّ ويُتَّبعُ ويُهْتَدَى به. وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ والضَّحَّاكِ والحسن (^٢).
﴿مُبِينٍ﴾: أي: بيِّن واضح، يمرُّ بها المشركون في أسفارِهم، ويطَّلِعون على آثارِهم.
_________________
(١) في (أ): "الأعراب" بدل: "العرب في الأسفار".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٠٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٧١) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد والضحاك وقتادة.
[ ٩ / ٢١٣ ]
(٨٠) - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾: هو مدينةُ ثمودَ قومِ صالحٍ، وبينها وبين وادي القرى ثمانيةَ عشرَ ميلًا، فيما بينَ (^١) الحجاز والشَّام.
ذكرَ قصَّةً أُخرى، وكانَتْ منازلُهم وما نزلَ بهم معروفًا عند العربِ، فذكرَهم اللَّهُ تعالى ليعتبِروا بهم (^٢).
قال ابنُ عمرَ ﵁: مررْنا مع النَّبيِّ -ﷺ- على الحِجْرِ، فقال: "لا تدخلُوا منازلَ الذين ظَلَمُوا أنفسَهم إلَّا أنْ تكونوا باكِيْنَ، حذرًا أنْ يصيبَكُم ما أصابَهم"، ثمَّ تَزَحْزَحَ حتَّى خَلَّفَها (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: رسولَهم صالحًا، وفي تكذيبِهِ تكذيبُ كلِّ الرُّسل.
* * *
(٨١) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾: أي: جئناهم بأدلَّتِنا وحُجَّتِنا، ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: لم يتفكَّروا فيها، ولم يعتبِروا بها.
ثمَّ جمعُ الآياتِ: يحتملُ أنْ يكونَ أعطاهم آياتٍ سِوى النَّاقة، ولم تُذْكَرْ في القرآنِ.
ويحتملُ أنْ تكونَ النَّاقةُ وحدَها آياتٍ، وهي أنَّها كانت مِن الصَّخرة، وتحرَّكَتِ
_________________
(١) في (أ): "وراء".
(٢) "بهم" ليس في (أ) و(ف).
(٣) رواه البخاري (٤٧٠٢)، ومسلم (٢٩٨٠).
[ ٩ / ٢١٤ ]
الصَّخرةُ لخروجِها، ووِرْدُها يومًا وتركُها يومًا، والانتصابُ لهم حتَّى غلبوها، وصدورُها في طريقٍ غير الطَّريق التي وردَتْ لأنَّه كان يضيقُ عنها (^١)، وغيرُ ذلك مِن أمورِها، كلُّ ذلك آياتٌ، وكلُّ واحدٍ مِن ذلك آيةٌ.
* * *
(٨٢) - ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾: أي: لأنفسِهم لشدَّة قوَّتِهم ﴿آمِنِينَ﴾ مِن الموتِ عندَ أنفسِهم.
وقيل: مِن نزول العذاب بهم في ظنِّهم، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ﴾ [الحشر: ٢].
وقيل: ﴿آمِنِينَ﴾: أنْ تَخِرَّ عليهم، أو تخربَ لإحكامِ صُنْعِها.
* * *
(٨٣ - ٨٤) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: أي: الهَلَكَة ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: داخلِين في صباح اليوم الرَّابع الذي أُوْعِدوا فيه العذابَ، وهو كقوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: ما نفعَهم وما دفعَ عنهم ما كانوا يكسبون مِن الأموال، وغيرِها من البيوتِ في الجبال.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى﴾ يحتمِلُ الاستفهامَ، ويحتمِلُ النَّفي، وهو تنبيهٌ
_________________
(١) في (ف): "عليها".
[ ٩ / ٢١٥ ]
لأهل مكَّةَ، يقول: كانوا أشدَّ منكم قوَّة وأكثرَ أموالًا، فلم يُغْنِ ذلك عنهم شيئًا، فكيف حالكم؟
* * *
(٨٥) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي: إنَّ الأممَ الَّذين عرفتُموهم يا معاشر العرب -ومساكنُهم على ممرِّكُم- لَمَّا خالفوا الحقَّ أُهْلِكوا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ما خلقَ السَّماواتِ والأرضَ وما بينهما إلَّا بالحقِّ، والسَّاعةُ آتيةٌ للجزاءِ، وجميعُ ما خلَقَ يرجِعُ إلى عالِمٍ به وبتدبيرِهِ (^١) ونظمِ أجزائِه.
بيَّنَ في أوَّلِ السُّورةِ خَلْقَ السَّماواتِ والأرضِ، وذَكَرَ (^٢) ها هنا الحكمةَ في خلقِهما فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحقِّ الذي جعلَ لنفسِهِ على أهلِها، وللحقِّ الَّذي لبعضِهم على بعضٍ.
وقيل: أي: إلَّا شهودًا للَّهِ بالحقِّ على أهلِها.
وقيل: إلَّا ليمتحنهم بالعبادةِ فيها.
وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لحقٍّ كائنٍ، وهو البعْثُ بعدَ الموتِ للجزاء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾: أي: إنَّ القيامةَ لَكائنةٌ، فيُجْزَى كلُّ عاملٍ على وَفقِ عملِه.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾: أي: فأعرضْ يا محمَّدُ عن هؤلاء
_________________
(١) في (أ): "وتقديره".
(٢) في (أ): "وبين".
[ ٩ / ٢١٦ ]
المشركين إعراضًا جميلًا، كما قال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]؛ أي: لا تكافيهم بما آذَوك بألسنَتِهم وفعلِهم؛ فإنَّ السَّاعة آتيةٌ، وأنا أكافيهم عنك.
ووصفَه بـ ﴿الْجَمِيلَ﴾ على معنى: لا تتركْ نصيحَتَهم ودعاءَهم إلى الحقِّ مع ذلك.
وقيل: كان هذا أمرًا بالإعراض عن قتالِهم، ثمَّ نُسِخَ بآيةِ القتال. وهو قول مجاهد وعكرمة وقتادة والضَّحَّاك (^١).
وقيل: ليس هذا بمنسوخٍ، بل هو كان مأمورًا بالصَّفحِ في موضعِهِ، وبالقتالِ في موضعِهِ، كما قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، فهو أمرٌ بالإعراضِ في موضعِه، وبالوعظِ في موضعِه.
* * *
(٨٦) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾: أي: بخلقِهِ، لا تخفَى عليه أفعالُهم وأقوالُهم وضمائرُهم، ونجزيهم يومَ القيامةِ على استحقاقِهم.
* * *
(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾: ذكَّرَهُ منَّتهُ فيما أعطاه؛ ليَسْهلَ عليه تحمُّلُ إيذاءِ المشركين إيَّاه، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾؛ أي: أعطيناك سبعًا من المثاني.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٠٧) عن قتادة والضحاك ومجاهد وسفيان بن عيينة. وذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ١٧٠) عن عكرمة.
[ ٩ / ٢١٧ ]
روى أبيُّ بنُ كعبٍ وأبو هريرة وأبو سعيدٍ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "هي فاتحةُ الكتاب" (^١).
وكذا فسَّره عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ (^٢).
وعلى هذا قولُه: ﴿سَبْعًا﴾؛ أي: سبعَ آياتٍ مِن المثاني، و(من) ليسَ للتَّبعيض بل هي للتَّجنيس هنا، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾: وهي المثاني؛ أي: الفاتحة؛ لأنَّها تُثَنَّى في كُلِّ صلاة (^٣)، ولأنَّ معانيَها من أوَّلها إلى آخرها على المثاني، على ما مرَّ شرحُه في (سورة الفاتحة)، ولأنَّها أَثْنيَةٌ على اللَّهِ تعالى، ولأنَّها قسمان اثنان.
وقيل: ﴿الْمَثَانِي﴾: اسمُ القرآن، ومعنى ﴿سَبْعًا﴾؛ أي: سبعَ آياتِ الفاتحة، وهي مِن المثاني؛ أي: مِن القرآن الَّذي هو مثاني، قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ به لأنَّه ثنَّى فيه الأقاصيص والأمثال والتَّرهيب والتَّرغيب، تأكيدًا للحُجَّة، وإبلاغًا في الإفهام.
وقيل: هو مِن قولهم: ثنَى عِنانَه، وثنَاه عن كذا: إذا صرَفَه، وهي مصارفُ عن المعاصي لِمَن عملَ بها.
_________________
(١) حديث أبي بن كعب ﵁ رواه الترمذي (٣١٢٥)، والنسائي (٩٨٨). وحديث أبي هريرة ﵁ رواه البخاري (٤٧٠٤). وحديث أبي سعيد بن المعلى رواه البخاري (٤٧٠٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١١٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٧٢)، والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢١٤١).
(٣) في (ف): "في كل سورة وصلاة".
[ ٩ / ٢١٨ ]
وقيل: ﴿سَبْعًا﴾؛ أي: سبعَ (^١) سورٍ ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾؛ أي: مِن القرآن.
قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ وجماعةٌ مِن التَّابعين: هي السَّبعُ الطِّوال (^٢).
والأوَّلُ أصحُّ.
قال الرَّبيع بن أنسٍ ﵁: نزلَتْ هذه السُّورة بمكَّة قبلَ أنْ ينزلَ مِن الطُّوَلِ شيءٌ (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: قيل: هو جميعُ القرآنِ، والسَّبع المثاني منه، لكنه أفردَها بالذِّكر تخصيصًا وتشريفًا له، كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقولهِ تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وقيل: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ هو الفاتحة، ويدلُّ عليه قولُ النَّبيِّ -ﷺ- في حديث أبيِّ بنِ كعبٍ: "هي السَّبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ" (^٤). وهو بعضُ القرآن، ولكنَّ بعض القرآن يُسمَّى قرآنًا؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
_________________
(١) "سبع" من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٠٧) عن ابن مسعود وابن عمر ﵃. ورواه أبو داود (١٤٥٩)، والنسائي (٩١٥)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٠٧) عن ابن عباس ﵄.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١١٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٧٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢١٩٧).
(٤) ورد في حديث أبي بن كعب وحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث أبي هريرة ﵁ التي تقدم تخريجها قريبًا.
[ ٩ / ٢١٩ ]
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾: هي سبعةُ الأسباع، وهي كلُّ القرآن (^١).
* * *
(٨٨) - ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: قيل: قَدمَتْ لأبي جهلٍ -لعنه اللَّه- في يومٍ واحدٍ سبعُ قوافل للتِّجارة، معها مالٌ كثيرٌ وطعام (^٢) ومطاعم وثياب، وكان بأصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يومَئذٍ عُرْيٌ وجوعٌ، فخطرَ بقلب رسول اللَّه -ﷺ- أنَّ أصحابَه ليس لهم قَدْرُ الحاجة، وللمشركين هذه الأموال بهذه الكثرة، فنزلَتْ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ بدل ما أعطيناهم سبعًا من القوافل، وهم لا يمدُّون أعينَهم إلى هذه السَّبع مع عظمتِها، فلا تمدنَّ عينَيْكَ إلى دنياهم مع خساستِها (^٣).
وقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾: أي: لا تتمنَّينَّ يا محمَّدُ ما جعلناه من زينةِ الحياة الدُّنيا متاعًا للأغنياء مِن هؤلاء المشركين ممَّا قد جعلْنا مثلَه لأشباهِهم، وهو معنى قوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: أشباهًا.
_________________
(١) روى الطبري نحوه في "تفسيره" (١٤/ ١٢١) عن الضحاك، ولفظه: "المثاني: القرآن، يذكر اللَّه القصة الواحدة مرارًا". وشرحه ما قال الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٩٢): سمِّي القرآن مثاني لأن القصص ثنيت فيه، وعلى هذا القول المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن، ويكون فيه إضمار تقديره: وهي القرآن العظيم.
(٢) "كثير وطعام" ليس في (أ).
(٣) نقله عن المصنفِ الصفوريُّ في "نزهة المجالس" (١/ ٣٦)، وانظر: "السيرة الحلبية" (١/ ٣٩٧).
[ ٩ / ٢٢٠ ]
وقيل: أي: أفرادًا، فإنَّ الزَّوجَيْن فردان؛ أي: أعطينا ذلك واحدًا بعدَ واحدٍ؛ لأنَّ الغِنى خاصٌّ في النَّاس، وإذا كان مَتاعًا (^١) كان زائلًا عن قريب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: قيل: كان تمنِّيه ذلك لفقر (^٢) أصحابِه، فقيل له: لا تحزنْ لأجلِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: تواضعْ لهم، فتواضعُكَ لهم خيرٌ مِن مَرافق الدُّنيا (^٣)، وتَطيبُ بذلك قلوبُهم، وتزول كروبُهم.
وقيل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الكفَّار بما أصابوا مِن نعيم الدُّنيا.
وقيل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ بفقد إيمانهم باللَّه وطاعتهم له ومتابعتهم لك.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على هلاك الكفَّار، فللهلاكِ خلقَهم (^٤).
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: أصلُ هذه الكلمة أنَّ الطَّائر إذا ضمَّ فرخَه إلى نفسِه بسطَ جناحَه له، ثمَّ خفضَه على الفرخ، فجعل ذلك وصفًا لتقريب الإنسانِ أتباعَه وتعطُّفِه عليهم.
وقال القشيريُّ: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: غارَ الحقُّ سبحانَه على عينِ حبيبِهِ أنْ
_________________
(١) في (ف): "وإن" بدل من "وإذا كان متاعًا".
(٢) في (أ) و(ف): "لفقراء".
(٣) في (أ): "الحياة".
(٤) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٢٢٠). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٦٢) دون نسبة، وذكره الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٢) عن الكلبي.
[ ٩ / ٢٢١ ]
يستعمِلَها في النَّظرِ إلى المخلوقاتِ، ولَمَّا لم يكن في الدُّنيا إلى رؤيةِ الحبيبِ سبيلٌ أمرَهُ بغضِّ بصرِه عن غيرِ الحبيبِ (^١). وأنشد (^٢):
لَمَّا تيقَّنْتُ أنِّي لسْتُ مبصرَكُم غَمَّضْتُ عيني فلم أنظرْ إلى أحد (^٣)
وتأدَّبَ بهذا الأدبِ، فلم ينظرْ في ليلة المسرى إلى ما أُري (^٤) في الحضرة الكبرى، فأثنى عليه في قوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] (^٥).
* * *
(٨٩ - ٩٠) - ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: أي: وقلْ يا محمَّدُ للمشركين بعدَ خفضِ الجناحِ للمؤمنين: إنِّي أنا المخوِّفُ بالعذاب المصرَّح (^٦) به ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾؛ أي: بمثل عذابٍ نزلَ بهؤلاء، وصحَّ قوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ بعدَ قولِه: ﴿إِنِّي﴾ لأنَّ معنى قوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: وأنذِر، ويستقيمُ أنْ يُقال: وأنذرهم عذابًا كما أنزلنا.
_________________
(١) في (ف): "عن الغير".
(٢) "وأنشد" من (أ).
(٣) نسب لأبي بكر الشبلي. انظر: "الأمالي" للجرجاني (٢/ ٩٣)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٢/ ٣٩٢).
(٤) في (ف): "فلم ينظر إلى ما نهي عنه بمد البصر ففي ليلة الإسراء".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٨٠).
(٦) "المصرَّح" كذا ضبطت في (أ) بفتح الراء، فتكون الحاء مكسورة، والكلمة صفة العذاب، ويجوز كسر الراء ورفع الحاء على أنها خبر آخر لـ (إنِّي).
[ ٩ / ٢٢٢ ]
وقال الحسن: هو عطفٌ على قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ. . . كَمَا أَنْزَلْنَا﴾؛ أي: تفضَّلْنا عليك بهذا كما تفضَّلْنا بهذا (^١).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: مِن مشركي العرب، وكانوا اثني عشر رجلًا (^٢).
وقال مقاتل: كانوا ستَّة عشرَ رجلًا، بعثهم الوليد بن المغيرة في أيَّام الموسم حتَّى قعدوا على أنقابِ مكَّة ودروبها وأبوابها، فإذا جاء الحُجَّاج قال فريق منهم: لا تغترُّوا بالخارج منا المدَّعي للنُّبوَّة فإنَّه مجنون. وقالت طائفةٌ أخرى: إنَّه كاهن. وقالت طائفة ثالثة على طريق ثالث (^٣): إنَّه (^٤) عرَّاف. وقالت طائفةٌ أخرى: شاعر. والوليدُ قاعدٌ على باب المسجد، نصَّبوه حكَمًا، فإذا سُئِلَ عن رسولِ اللَّهِ -ﷺ- قال: صدق هؤلاء (^٥)؛ يعني: المقتسمين (^٦).
وسُمُّوا مقتسمين لأنَّهم اقتسموا أنقاب مكة.
_________________
(١) ذكره مقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٣٦)، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤١٧) عن مقاتل.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٦٥٨) من رواية عطاء عن ابن عباس ﵄، إلا أنه ذكر أنهم ما بين ثمانية وثلاثين إلى الأربعين. وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنهم أهل الكتاب، رواه البخاري (٤٧٠٥)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٢٩ - ١٣٠). وسنذكر لفظه قريبًا.
(٣) "على طريق ثالث" ليس في (ف).
(٤) في (أ): "هو".
(٥) في (أ): "أولئك".
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٣٨)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٦٥٨).
[ ٩ / ٢٢٣ ]
وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: الَّذين اقتسموا القرآن، فقال بعضُهم: هو سحرٌ، وقال بعضهم: سَمَرٌ، وقال بعضهم: كذبٌ، وقال بعضُهم: أساطيرُ الأوَّلين (^١).
وقيل: هم أهل الكتاب، اقتسموا القرآن وعَضَوْه (^٢)، وآمنوا ببعضِه، وهو ما كان فيه ذِكْر موسى ﵇ وعيسى ﵇ وفضائل بني إسرائيل، وكفروا ببعضِه ممَّا قد حرَّفوه مِن كتبِهم، وهو ما قال خبرًا عنهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢].
* * *
(٩١) - ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وعليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: جمع عِضَةٍ، وهو مِن التَّعضيةِ، وهي التَّفريق، ومِن ذلك العضوُ والأعضاءُ، والعِضَةُ حذفت الواو مِن آخرها، كالبُرَة والثُّبَة والكُرَة والعِزَة (^٣).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٥٣)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٦٦١).
(٢) "وعضوه" من (أ) و(ر)، وهو يشير إلى ما رواه البخاري (٣٩٤٥) عن ابنِ عباسٍ ﵄، قال: هم أهلُ الكتابِ، جَزَّءُوه أجزاءً فآمَنوا ببعضِه وكفروا ببعضِه، يعني قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. ورواه (٤٧٠٥) بلفظ: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال: آمَنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ، اليهودُ والنصارى.
(٣) البُرَةُ محذوفة اللام: حلقة تُجعل في أنف البعير، وجمعها: بُرُون. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (مادة: بري). والثُّبة: العصبة من الفرسان، وجمعها: ثُبات وثُبون. انظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (مادة: ثبى). والكرة: ما أدرت من شيء، وجمعها: كُرين، وكِرين، وكرًى وكرات. انظر: "القاموس المحيط" للفيروزابادي (مادة: كرى). =
[ ٩ / ٢٢٤ ]
وقيل: العِضة أصلُها: العِضْهَة، حُذفَتْ هاؤها تخفيفًا، كالسَّنة أصلها: السَّنْهَة، حذفت هاؤها تخفيفًا، وكذلك الماء والشَّاة، أصلها الماه والشَّاهة، ودليل ذلك التَّصغيرُ والفِعل: مُوَيْهٌ وشُوَيْهةٌ وسُنَيْهَةٌ (^١)، وسانهْتُ فلانًا، وموَّهْتُ السِّكين (^٢).
وها هنا أيضًا يقال: يا للعَضِيهة (^٣)، والعاضهُ: الباهت، وعضهْتَ الرَّجل: رميتَه بالباطل، والعِضْهة: البُهْتُ والقول الباطل.
ومعناه: أنَّهم عابوا كتابَ اللَّهِ باهتين، قائلين بالباطل: إنَّه سحرٌ، وإنَّه كهانةٌ، وإنَّه كذبٌ، وإنَّه مفترًى، وإنَّه أساطير الأوَّلين.
وقال الفرَّاء: العِضةُ: السِّحرُ (^٤)، وأنشد:
للماءِ مِن عِضاتِهنَّ زمزمَه (^٥)
أي: من سحرهنَّ.
* * *
(٩٢ - ٩٣) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) = والعِزة: الطائفة من الناس، والهاء عوض عن اللام المحذوفة وهي واو، والجمع: عِزُون. انظر: "المصباح المنير" (مادة: عزز).
(٢) "وسنيهة" من (أ).
(٣) أي: سقاها الماء، وذلك حين يَسنُّها به، ذكره في "التاج" في معنى: أماهَ السكِّين.
(٤) العَضيهَةُ: البهيتةُ، وهي الإفك والبهتان، وقولهم: يا لِلعَضيهةِ بكسر اللام على معنى: اعْجَبوا لهذه العَضِيهَة، يقال ذلك عند التعَجُّب من الإفك العَظيم، فإذا نَصَبْتَ اللامَ فمعناه الاستغاثة. انظر: "التاج" (مادة: عضه).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٩٢).
(٦) ذكره الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٣٧) دون نسبة.
[ ٩ / ٢٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: في الآخرة ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الاقتسامِ، وتعضيةِ القرآنِ، والشِّركِ والمعاصي، وهو سؤالُ تقريعٍ وتوبيخٍ لا سؤالُ استفهامٍ واستعلام.
وقال القشيريُّ: يسألُ قومًا عن تصحيحِ أعمالِهم، وقومًا عن تصحيح أحوالهم.
يسألُ قومًا عن حركات ظواهرِهم، وآخرين عن خَطَراتِ سرائرِهم.
يسألُ الصِّدِّيقين (^١) عن تصحيحِ المعاني تشريفًا لهم، ويسألُ المدَّعين عن تصحيح الدَّعاوي تعنيفًا لهم (^٢).
* * *
(٩٤) - ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: قيل: أي: أَظْهِرْ ما تُؤْمَرُ به.
والصَّدْعُ في اللُّغةِ: هو الشَّقُّ والفَرْقُ والفَتْحُ، وتصدَّعَ القومُ؛ أي: تفرَّقوا، ويقع به الإظهار.
وقيل: أي: فرِّقِ الباطلَ بالحقِّ؛ أي: الَّذي أنزلناه (^٣) عليك، والشَّقُّ يقعُ به ذلك.
وقيل: أي: امضِ بما تُؤْمَر؛ أي: بأمرِ اللَّهِ، وأرادَ به تبليغَ (^٤) الرِّسالة إلى جميعِ الخَلْقِ، ومتى شُقَّ الحائل تهيَّأ المضيُّ.
_________________
(١) في (ف): "المتقين".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٨٢).
(٣) في (أ): "أنزلته".
(٤) في (أ): "أي امض بأمر اللَّه وإرادته بتبليغ".
[ ٩ / ٢٢٦ ]
و﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ بمعنى المصدر على هذا القول، كما في قوله: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧].
وقال القشيريُّ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: كُنْ بنا، وقُلْ بنا، وإذا كنْتَ لنا بنا فلا تحتفلْ بغيرِنا، وصَرِّحْ بما خصصناكَ به، وأعلِنْ محبَّتنا (^١) لك:
فَبُحْ باسْمِ مَن تهوَى ودَعْنِي مِنَ الكُنَى فلا خيرَ في اللَّذَّاتِ مِن دونِها سِتْرُ (^٢)
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: أي: عن مكافأتهم.
وقيل: عن قتالهم، ونُسخ هذا بآيةِ السَّيف.
* * *
(٩٥) - ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: أي: نكفيْكَ، فذكره بصيغة الماضي لِقُرْبِهِ وتحقُّقِ كونه، كأمور القيامة ذُكِرَتْ أكثرُها بصيغة (^٣) الماضي لهذا.
قال محمَّدُ بنُ إسحاق: حدَّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير: أنَّهم كانوا خمسةَ نفرٍ ذوي أنسابٍ وشرفٍ في قومِهم.
من بني أسدِ بنِ عبد العُزَّى بن قصيٍّ: الأسود بن المطَّلب (^٤) بن أسد أبو زَمعَة،
_________________
(١) في (ر): "بمحبتنا".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٨٢)، والبيت لأبي نواس. انظر: "ديوانه" (ص: ٢١٢)، المكتبة التجارية، مصر.
(٣) في (أ) و(ف): "على صيغة" في الموضعين.
(٤) في النسخ: "قصي بن الأسود بن عبد المطلب"، والمثبت من "سيرة ابن هشام".
[ ٩ / ٢٢٧ ]
وكان رسولُ اللَّهِ -ﷺ- دعا عليه لِمَا كان يبلغُه مِن أذاه واستهزائِه به، فقال: "اللَّهمَّ أعمِ بصرَه، وأثكلْهُ ولدَه".
ومن بني زُهْرة: الأسودُ بن عبد يَغُوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة.
ومن بني مخزوم: الوليدُ بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عَمرو بن مخزوم.
ومن بني سهمِ بن عَمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي: العاصُ بنُ وائلِ بن هاشمِ بن سعيد بن سهم.
ومن بني خزاعة: الحارث بنُ طُلاطِلَة بن عَمرو بن الحارث بن عبد عَمرو بن مَلَكان.
فلمَّا تمادَوا في الشَّرِّ وأكثروا الاستهزاء، أنزلَ اللَّهُ تعالى عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
وكان مِن أمرهم أنَّ جبريل ﵇ أتى رسول اللَّه -ﷺ- وهو يطوف في البيت، فقامَ وقامَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى جنبِهِ، فمرَّ به الأسودُ بنُ المطَّلب (^١)، فرماه في وجهِه بورقةٍ خضراء، فعَمِي.
ومرَّ به الأسودُ بن عبدِ يغوث، فأشارَ إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فماتَ منه حَبَنًا (^٢).
ومرَّ به الوليدُ بن المغيرة، فأشارَ إلى أثرِ جرحٍ بأسفل كعبِ رجلِه كانَ أصابَه قبلَ ذلك بسنين، فانتقض به فقتلَه.
_________________
(١) في النسخ: "الأسود بن عبد المطلب"، والمثبت من "سيرة ابن هشام".
(٢) الحبن: داء في البطن يعظم منه ويرم. انظر: "القاموس المحيط" للفيروزابادي (مادة: حبن).
[ ٩ / ٢٢٨ ]
ومرَّ به العاصُ بنُ وائلٍ، فأشارَ إلى أخمصِ رجلِه، فخرج على حمارٍ له يريد الطَّائفَ، فَوُقِصَ على شِبْرِقَةٍ (^١)، فدخلَتْ في أخمصِ رجلِه منها شوكةٌ فقتلَتْهُ.
ومرَّ به الحارثُ بنُ الطُّلاطِلَة، فأشار إلى رأسِه، فامتَخَضَ قيحًا فقتلَه (^٢).
وكان رأسُهم الوليدَ بن المغيرة، هو الَّذي جمعَهم (^٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كانوا خمسةً؛ الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطَّلب (^٤).
وقال مقاتل: كانوا سبعةً، وزاد على هؤلاء: بَعْكَكًا وأصرمَ (^٥).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: وكان جبريل عندَ النَّبيِّ -ﷺ-، فمرَّ الوليدُ بن المغيرة، فقال جبريل: ما تقولُ فيه يا محمَّد؟ قال: "أقول فيه: إنَّه عبدُ سوءٍ"، فأشار جبريلُ إلى أخمصِ رجلِه، وقال: لقد كُفِيْتَ أمرَه، قال: فندرَتْ (^٦) شظيَّة، فتعلَّقَتْ
_________________
(١) الشبرق: نبت حجازي يؤكل وله شوك، وإذا يبس سمي الضريع. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٤٤٠) (مادة: شبرق).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٤٦)، وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٤٠٩ - ٤١٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٧٤) عن ابن عباس ﵄.
(٤) رواه مطولًا الطبراني في "الأوسط" (٤٩٨٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٨)، والضياء في "المختارة" (١٠/ ٩٦)، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٦٥) عن مقسم مولى ابن عباس، وهو شبيه بما تقدم عن ابن إسحاق من ذكر قصة هلاكهم واحدًا واحدًا، وسيأتي بتمامه قريبًا. ووقع في النسخ: "الأسود بن عبد المطلب"، والمثبت من المصادر.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٤٠). ووقع في النسخ: (بعكك) بالرفع والصواب المثبت.
(٦) في (أ): "فمر بنبال"، وفي (ر): "قال فبدرت". وقد جاء في بعض رواياته أنه مر برجل يريش نبلًا فأصاب أبجله فقطعها، وفي أخرى أنه تعلق سهم بردائه فقطع أكحله.
[ ٩ / ٢٢٩ ]
ببردِه، وكان عليه بردةٌ يتبخترُ فيها، فمنعَه الكبرُ أنْ ينزعَها منه، فهبَّتْ ريحٌ، فأسقطَتْه على يدِه، فأصابَتْ أكحلَه، فمات منه.
ومرَّ به العاصُ، فقال جبريل ﵇: ما تقول فيه؟ فقال: "عبدُ سُوءٍ"، فأشار إلى ظهرِه، وقال: قد كُفِيْتَ أمرَه. فَخَرَجَ متنزِّهًا مع بَنِيْهِ في شِعْبٍ مِن شِعابِ مكَّة، فصاح وقال: قد لُدِغْتُ، ففتَّشوا، فلم يجدوا شيئًا، ومات منه.
ومرَّ الحارث بن قيس، فقال جبريل ﵇: ما تقول فيه؟ فقال: "عبدُ سُوءٍ"، فأشار إلى بطنِه وقال: قد كُفِيْتَ أمرَه. فأكلَ سمكةً مالحةً، فعطشَ، فجعل يشربُ ولا يَروَى، حتى انفطرَ بطنه، ومات (^١).
ومرَّ به الأسودُ بنُ المطَّلب، فقال جبريل ﵇: ما تقول فيه؟ فقال: "عبدُ سُوءٍ" فأشار إلى عينِه فعمِيَ، فتوجَّعَتْ عينُه، فجعل يضربُ رأسَه في الجَدْر (^٢) حتى هلك، وكان رسول اللَّه -ﷺ- قال: "اللَّهمَّ أعمِ بصرَه".
ومرَّ به الأسودُ بن عبد يغوث، فقال جبريل ﵇: ما تقول فيه؟ فقال: "عبدُ سُوءٍ"، فأشار إلى جسدِه، فخرج إلى البادية، ورجع وقد اسودَّ وجهُه وجلدُه كلُّه، فقرعَ الباب، فأنكرَه أهلُه، فلم يفتحوا له حتَّى مات (^٣).
_________________
(١) "ومات" من (أ).
(٢) في (أ): "بالجدار".
(٣) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٦٥) عن مقسم مولى ابن عباس، ورواه الطبراني في "الأوسط" (٤٩٨٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٨)، والضياء في "المختارة" (١٠/ ٩٦)، من طريق جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواه ابن حبيب النيسابوري في "عقلاء المجانين" (ص: ٩ - ١٠) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وذكر نحوه الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٣)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٩٥)، دون نسبة.
[ ٩ / ٢٣٠ ]
قال مقاتل: وأمَّا بَعككٌ فأخذَتْه الدُّبَيْلةُ (^١) فمات، وأمَّا أصرمُ فأخذَتْه ذات الجَنْب (^٢) فمات.
فماتوا في يومٍ وليلةٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (^٣).
* * *
(٩٦) - ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: هي صفة ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: ما ينزل بهم عاجلًا وآجلًا، ودلَّ قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ قولَه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾؛ أي: نكفيْكَ.
* * *
(٩٧ - ٩٨) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾: أي: نحن عالمون أنَّ صدرَكَ يضيقُ بما يقولُ هؤلاء المشركون فيك وفي القرآن مِن الفِريةِ والباطل، ويحزِنُكَ ذلك، فلا يضيقَنَّ صدرُكَ، ولينكشِفْ عنك حزنُكَ، وليكُنْ مفزعُكَ إلى ذِكْرِنا وعبادَتِنا، وذلك قوله:
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وهذا قولٌ ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: من المصلِّين، وهذا فعلٌ.
_________________
(١) الدبيلة: هي خراج ودمل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا، وهي تصغير دبلة. وكل شيء جمع فقد دبل. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (مادة: دبل).
(٢) ذات الجنب: هي الدبيلة والدمل الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل، وقلما يسلم صاحبها. انظر: "النهاية" (مادة: جنب).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٤٠).
[ ٩ / ٢٣١ ]
(٩٩) - ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: أي: وأقم العبادة والعبوديَّة لربِّكَ إلى أن يأتِيَكَ المتيَقَّنُ مِن وعدِ اللَّهِ بما يُنزِلُ اللَّهُ بهؤلاءِ، وسَمَّى العذابَ يقينًا كما سماه (^١) حقًّا في آياتٍ.
وقيل: ﴿الْيَقِينُ﴾: الموتُ. وهو قولُ الضَّحَّاكِ وغيرِه (^٢).
ورُوي أنَّ عثمانَ بنَ مظعونٍ لَمَّا توفِّي جاءَه النَّبيُّ -ﷺ- وقال: "أمَّا هذا فقد جاءَه اليقين" (^٣).
وقال الحسنُ: المداومةَ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى لم يجعل لعمَلِ ابنِ آدمَ أجلًا (^٤) إلَّا الموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (^٥).
وسُمِّيَ الموتُ يقينًا لوجهَيْن:
أحدهما: أنَّه بمعنى المتيقَّن، مصدرٌ بمعنى المفعول.
والثَّاني: أنَّه يزول به كلُّ شكٍّ.
ولَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ قال النَّبيُّ ﵊: "ما أوحى اللَّهُ إليَّ أنْ أجمعَ المالَ وأكونَ مِن التَّاجرين، ولكنْ أوحى إليَّ أنْ سبِّح بحمدِ ربِّك وكُنْ من السَّاجدين، واعبُد ربَّك حتَّى يأتِيَكَ اليقين" (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وسمِّي العذاب يقينا كما سمي".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٥٤ - ١٥٥) عن سالم بن عبد اللَّه ومجاهد وقتادة والحسن وابن زيد.
(٣) رواه البخاري (٢٦٨٧) من حديث خارجة بن زيد ﵁.
(٤) في (ر): "حدًا".
(٥) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٨)، والإمام أحمد في "الزهد" (١٥٤٨).
(٦) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (٢٣١٦)، والسمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٦٤)، وأبو نعيم في =
[ ٩ / ٢٣٢ ]
وقال القشيريُّ ﵀: يقولُ: إنْ ضاقَ قلبُكَ بسماعِ ما يقولون في ذمِّك، فارتعْ بلسانِكَ في رياضِ تسبيحِنا والثَّناء علينا، يكنْ ذلك سببًا لزوالِ ضِيقِ صدرِكَ وسلوةً لقلبِكَ.
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾: قفْ على بساطِ العبوديَّة معتنقًا للخدمة إلى أنْ تجلسَ على بساطِ القُربةِ، وتُطالَب بآداب الوصلة.
ويُقال: التزِمْ شرائطَ العبوديَّة إلى أن تُلَقَّى بصفات الحرية، وأَشرفُ خصالِكَ العليَّةِ قيامُك بحقِّ العبوديَّة (^١).
وأُنشِدَ في معناه:
لا تَدْعُنِي إلا بيا عبدَها فإنَّه أصدقُ أسمائي (^٢)
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) = "حلية الأولياء" (٢/ ١٣١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٩٧)، من حديث أبي مسلم الخولاني مرسلًا. ورواه الجرجاني في "تاريخ جرجان" (ص: ٣٤٢) من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ٥٠٥): رواه ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعود بسند فيه لين.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٨٣).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦ و٢٩٦). وعزاه المستعصمي لأبي عبد اللَّه المعري. انظر: "الدر الفريد" (١١/ ١٤٣).
[ ٩ / ٢٣٣ ]
سورة النحل
[ ٩ / ٢٣٥ ]