بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يعلمُ مَن أسرَّ القولَ ومَن جهرَ به، ومَن هو مستخفٍ باللَّيل وساربٌ بالنَّهار، الرحمنِ الذي بسطَ الرِّزق لمن شاء ويقدر، فهو الخالق الرَّازق الواحد القهَّار، الرحيمِ الذي وعدَ المتَّقين جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار.
وروى أبيُّ بن كعبٍ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورة الرَّعد كان له من الأجر وزنَ كلِّ سحابٍ مضى وكلِّ سحابٍ يكون عشرَ حسناتٍ، وبُعِثَ يومَ القيامة وهو من الموفِينَ بعهدِ اللَّهِ ورسولِه" (^١).
و(سورة الرَّعد) مدنيَّة في قول عكرمة والحسن وقتادة (^٢)، ومكيَّة في قول ابن عباس ﵄ وعطاء ومقاتل وسعيد بن جبير (^٣).
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٦٧)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٣). قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفتح السماوي" (٢/ ٧٤٢)، و"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) رواه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٥٣٥) عن قتادة.
(٣) رواه عن ابن عباس النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٥٣٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٦٧). ورواه عن سعيد بن جبيرٍ سعيدُ بن منصور في "سننه - التفسير" (١١٧٧). وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٦٥)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٤/ ٢٩٩).
[ ٩ / ٧ ]
وهذه السُّورة ثلاث وأربعون آية، وقيل: أربع وأربعون آية، وقيل: خمس وأربعون آية، وقيل: سبع وأربعون آية، والاختلافُ في خمس آياتٍ: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]، ﴿تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿سُوَءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨]، ﴿مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣].
وكلماتُها ثماني مئةٍ وثلاثٌ وخمسون، وحروفُها ثلاثةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وثلاثةٌ وخمسون.
وانتظام أوَّل هذه السُّورة بآخر السُّورة الَّتي قبلَها: أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما في ذِكْرِ القرآنِ وصفتِهِ.
وانتظام السُّورتَيْن: أنَّ (سورة يوسف) في تسلية النَّبيِّ -ﷺ- بما قصَّ عليه ما نال يوسفَ من الأذى من الأقارب؛ ليصبرَ هو على ما ينالُه من أذى الأجانب.
وختم السُّورة بتكذيبِ الكفَّارِ رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، وجحودِهم كتابَ اللَّهِ، وإعراضِهم عن التَّفكُّر في آيات اللَّه، وحذَّرهم العقوبةَ في الدُّنيا والآخرة.
وذَكَرَ في هذه السُّورة أيضًا تكذيبَهم في آياتٍ، وصفةَ القرآن في آياتٍ، ونبَّههم على آياتِ وحدانيته في آياتِهِ، وحذَّرهم عقابَه، وأطمعَهم في ثوابِه في آياتٍ.
* * *
(١) - ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿المَر﴾ مرَّت في تفسيرها أقاويلُ.
وقيل: معناه: أنا اللَّه أعلم وأرى.
وقيل: هي اسم هذه السُّورة.
[ ٩ / ٨ ]
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: أي: هذه آيات القرآن، وهو كلامٌ تامٌّ.
﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾: كلامٌ آخر تامّ أيضًا، مبتدأ وخبر، ومعناه: وكلُّ ما أنزلَ اللَّه على لسانِ جبريلَ إليك فهو الحقُّ والصِّدقُ، لا كذبَ فيه ولا خُلْفَ.
ووجهٌ آخر: أنَّ قولَه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ في محلِّ خفضٍ عطفًا على قولِه: ﴿الْكِتَابِ﴾، وتقديرُه: تلكَ آياتُ الكتابِ وآياتُ ما أنزلَ إليك، وهو كقولِه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، ثم قولُه تعالى: ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: بيِّنُ الحقِّ، أو ذلك الحقُّ، كقولِه: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧]؛ أي: من الحقِّ أو ذاك (^١) الحقُّ، وعلى هذا يكون ﴿الْكِتَابِ﴾ اسمًا للكتب المتقدِّمة، و﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الغائب، ويكون وصفًا لآيات الكتب (^٢) أنَّها الحقُّ.
وقيل: ﴿الْكِتَابِ﴾ ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ شيءٌ واحدٌ، وهو القرآن، وإنَّما عطف بالواو لأنَّ الموصوف واحد، ولكن له صفتان: كتابة، وإنزال.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لا يصدِّقون بأنَّه منزَل مِنَ اللَّهِ؛ لإعراضِهم عن التَّدبُّر فيه.
قال مقاتل: هم مشركو مكَّة، قالوا: إنَّ محمَّدًا تقوَّلَ القرآنَ مِن تِلقاءِ نفسِهِ (^٣).
وقيل: هم أصناف الكفَّار، فهم الأكثرون عددًا، والأقلُّون خطرًا (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ر): "أي من الحق إدراك"، وفي (ف): "أي أرادك".
(٢) في (ر): "الكتاب".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٥٨).
(٤) فى (أ): "مطرًا".
[ ٩ / ٩ ]
(٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾: أي: خلقَها مرفوعةً، لا أنْ تكونَ موضوعةً فرفعَها، وقد مرَّتْ نظائرُه: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^١) [الأنعام: ٧٥].
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: وهي جمع عِمادٍ، ونظيرُه: الإهابُ والأَهَبُ.
وقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهَا﴾: أي: تروْنَ السَّماءَ لا عَمَدَ لها، فهو أمرٌ مُعايَنٌ مُشاهَدٌ. وهو طريق الكلبيِّ ومجاهد (^٢).
وقيل: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ صفةُ العَمَد؛ أي: بغير عَمَدٍ مرئيَّة، ولها عِمادٌ غيرُ مرئيٍّ (^٣)، وهو القدرة، واللَّه تعالى يمسكُها كذلك بقدرتِه، وكأنَّها عماد لها.
وظاهرُ الآيةِ: بغير عَمَدٍ مرئيَّةٍ، وتحقيقُه: بعَمَدٍ غيرِ مرئيَّةٍ (^٤)، فكلمةُ النَّفي مُقدَّمَةٌ في الذِّكْرِ، مُؤخَّرةٌ في المعنى، قال الشَّاعر:
_________________
(١) في (أ): "المؤمنين".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤١١) عن إياس بن معاوية وقتادة، أما مجاهد فالمروي عنه القول الآتي.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٠٩ - ٤١٠) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد، ورواه عن مجاهد أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢١٦)، وهو في "تفسير مجاهد" (ص: ٤٠٣)، ولفظه عندهم: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾: بعمد لا ترونها.
(٤) في النسخ: "بغير عمد مرئية"، وهو خطأ ظاهر وتكرار لا معنى له، والصواب المثبت، انظر قول مجاهد السابق والبيت الشاهد الآتي.
[ ٩ / ١٠ ]
ولا أُرَاهَا تَزَالُ ظَالِمَةً تُحْدِثُ لي قرحةً وتَنْكَؤُهَا (^١)
أي: أُرَاها لا تزالُ ظالمةً.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: مرَّ تفسيرُه مرَّتَيْن، وهو هنا إخبارٌ عن جريِ (^٢) الأمورِ كلِّها على ما قَدَّرَ وقضى.
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: أي: ذلَّلهما وجعلَهما طائعَيْن له، غيرَ ممتنعَيْن عليه، وقصَرَهما على سَنَنٍ واحدٍ لمنافعِ عبادِه ومصالحِ بلادِه؛ لِمَا يُوجَد بهما مِن الآثار في الحبوب والثِّمار.
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: كلٌّ منهما يجري إلى وقتٍ مقدَّرٍ، فالقمرُ يقطعُ الفَلَكَ في شهرٍ، والشَّمس في سنةٍ، لا يختلفُ جريُهما، كما قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]؛ أي: بحسبانٍ معلومٍ لا (^٣) يختلف.
وقيل: كلٌّ يجري على ما سخَّرَهُ اللَّهُ إلى يوم القيامة، ثم ينتقِض، فتُكوَّرُ (^٤) الشَّمس، ويُخسَفُ القمر، وتنكدرُ النُّجوم.
وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: أي: يجري الأمورَ كلَّها على علمِ عواقبِها.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: أي: يأتي بالآياتِ الدَّالة على وحدانيتِه وصدقِ رُسلِهِ فصلًا فصلًا؛ ليتمكَّن العبادُ مِن تدبُّر كلِّ آيةٍ على حِدة.
_________________
(١) البيت لابن هرمة، انظر: "ديوانه" (ص: ٥٦).
(٢) في (أ): "ذي".
(٣) في (أ): "بحساب معلوم ما".
(٤) في (ف): "فتكسف".
[ ٩ / ١١ ]
﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: أي: لتوقنوا بالبعثِ بعدَ الموتِ، والمصيرِ إلى ثوابِه وعقابِه.
ويقال لمن مات: لقي اللَّه.
وقيل: هذه الآيةُ مِن جملةِ مئة وثمانين آية هي أجوبةٌ لسؤال المشركين رسولَ اللَّه -ﷺ- أنَّ الرَّبَّ الَّذي تعبدُه ما فِعْلُه؟ وما صنيعُه (^١)؛ فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٤٠]، ونظائرَها.
وقال مقاتل وعطاء: الأجلُ المسمَّى: يومُ القيامة (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: هو الشَّهر للقمر، والسَّنة للشَّمس (^٣)، وفسرناهما.
* * *
(٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾: ذَكَرَ السَّماءَ وعجائبَها، ثمَّ الأرضَ كذلِكَ؛ دلالةً على ربوبيَّته ووحدانيَّته.
_________________
(١) في (أ): "وصنعه"، وفي (ف): "وصنعته"، بدل: "وما صنيعه".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٦٦)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩٧) عن سعيد بن جبير، وقال: وروي عن عكرمة وعطية وعطاء الخراساني والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٦٩)، بلفظ: (أراد بالأجل المسمّى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهين إليها لا يجاوزانها)، وبنحو هذا اللفظ ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٨٥).
[ ٩ / ١٢ ]
و﴿مَدَّ اَلْأَرْضَ﴾؛ أي: بسطَها طولًا وعرضًا.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا ثوابت، رَسا يَرْسُو رَسْوًا؛ أي: ثبتَ.
﴿وَأَنْهَارًا﴾: أي: جعل فيها أنهارًا جارية، فيها المياه العذبة وغير العذبة.
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أي: وجعلَ فيها من كلِّ الثَّمرات.
﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: أي: لونَيْن؛ أسودَ وأبيض، وحلوًا وحامضًا، وصغيرًا وكبيرًا، ورطبًا ويابسًا، ونحو ذلك. وإنَّما أتبع ﴿زَوْجَيْنِ﴾ بقوله: ﴿اثْنَيْنِ﴾ لمعنيَيْنِ:
أحدُهما: أنَّ الزَّوْجَ قد يكون اسمًا للشَّفْعِ، وقد يكون اسمًا للفَرْدِ، فأتبعَه ﴿اثْنَيْنِ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّه لم يُرِدْ به الشَّفع، ولكن أراد به اللون الفَرْد.
والثَّاني: أنَّه للتَّأكيد؛ لتمكين المعنى في النَّفس.
وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يغطي، فيغشي النَّهارَ اللَّيلَ (^١) فيُذْهِبُ ظلمَتَهُ، ويغشي اللَّيلَ النَّهارَ (^٢) فيُذْهِبُ ضوءَهُ، وهو مختصرٌ في الذِّكْرِ مُرادٌ في المعنى، بدلالةِ نظائرِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: ٦١]، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيه، فيعلمون بتعاقُبِه وتصرُّفِه على نظامٍ واحدٍ أنَّ له صانعًا عليمًا حكيمًا قادرًا، ليس كمثلِه شيءٌ، وأنَّ ذلكَ كلَّه إذا كان مخلوقًا لقِوام العباد اقتضى شكرَهم له على هذه النِّعم بإخلاصِ العبادةِ له.
_________________
(١) "فيغشي النهار الليل" من (ف).
(٢) في (أ) و(ر): "ويغشي النهار الليل"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.
[ ٩ / ١٣ ]
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: خلقَ اللَّهُ الأرضَ على الماءِ، فكانَتْ تَكَفَّأُ كما تَكَفَّأُ السَّفينة بأهلها، فأرساها اللَّهُ بالجبالِ حتَّى استقرَّتْ (^١).
وقال وهبُ: هذه الجبالُ الشَّامخة على وجهِ الأرضِ، طولُها في الأرضِ مثلُ طولها في الهواء، فلذلك سمَّاها أوتادًا.
* * *
(٤) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: أي: متلاصقاتٌ متقرِّبات، تربتُها واحدةٌ وماؤها واحد.
﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾: عطف على قوله: ﴿قِطَعٌ﴾؛ أي: وفي الأرض بساتين مِن أعناب، وهي الكرومُ.
﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو وعاصمٌ في رواية حفص كلَّها بالرَّفع عطفًا على قوله: ﴿قِطَعٌ. . . وَجَنَّاتٌ﴾.
وقرأ الباقون كلَّها بالخفضِ عطفًا على قوله: ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾ (^٢).
والصِّنوانُ: هي النَّخلات الَّتي أصلُها واحد، وهو قول ابنِ عبَّاس والبراء بن عازب ومجاهد وقتادة والحسن (^٣).
_________________
(١) أورده ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٥٥) على أنه حديث، لكنه لم يذكر له راويًا ولا سندًا.
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٢٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٢٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٠) عن ابن عباس =
[ ٩ / ١٤ ]
وهو كذلك في اللُّغة، والواحدة منها: صِنْوٌ، وكلُّ شجرةٍ صِنْوٌ لصاحبتِها إذا كان أصلُهما واحدًا.
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "العبَّاسُ صِنْوُ أبي" (^١)؛ أي: أصلُه وأصلُ أبي واحدٌ.
وقوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾: قرأ ابنُ كثير ونافع وأبو عَمرو: ﴿تُسْقَى بماءٍ واحدٍ﴾ بالتَّاء الَّتي هي للتَّأنيث على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿وَنُفَضِّلُ﴾ بالنُّون، ومعنى التَّأنيث: أنَّ المذكورات (^٢) قبلَه جماعة، والنُّونُ إخبارُ اللَّهِ تعالى عن نفسِه بخطاب الملوك.
قرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿تُسْقَى﴾ بتاء التَّأنيث بإمالة، ﴿ويفضِّلُ﴾ بياء المغايبة وبكسر الضَّاد؛ إثباتًا للفعل الظَّاهر صفةً لـ ﴿اللَّهُ﴾ المذكورِ (^٣) في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾.
_________________
(١) = ﵄. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٢١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٠ - ٢٢٢١) عن البراء بن عازب ﵁. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٢٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٠) عن مجاهد. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٥٠)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٢٤) عن قتادة.
(٢) بهذا اللفظ رواه عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زوائده على "فضائل الصحابة" (١٧٥٢) عن أبي عثمان النهدي، ورواه أيضًا (١٨٠٦) من حديث أم حبيبة زوج النبي -ﷺ-. ورواه ابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٢٧)، والخلال في "السنة" (٢٦) عن أبي مجلز مرسلًا. ورواه مسلم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "عم الرجل صنو أبيه".
(٣) في (ر) و(ف): "المذكوران".
(٤) في (ر) و(ف): "صفة اللَّه تعالى المذكورة".
[ ٩ / ١٥ ]
وقرأ عاصمٌ وابنُ عامر: ﴿يُسْقَى﴾ بياء التَّذكير على معنى: يُسْقَى ما ذُكِرَ، أو كلُّ واحدٍ ممَّا ذُكِرَ، ﴿وَنُفَضِلُ﴾ بالنُّون (^١)؛ أي: إنَّ اللَّه تعالى يقول: ونحنُ نفضِّلُ بعضَها على بعضٍ في الأكل؛ أي: بالثَّمر.
ويُقرأ: (ويُفَضَّلُ) بالياء وفتح الضَّاد على ما لم يُسمَّ فاعلُه (بعضُها) بالرَّفع؛ لأنَّه اسمُ ما لم يُسَمَّ فأعلُه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: مَن استعملَ عقلَهُ وتدبَّرَ -معَ سلامةِ العقلِ مِن الآفات المانعاتِ عن كمالِ النَّظر (^٣) - علمَ أنَّ لذلكَ صانعًا هو فرَّقَ بينَهما وبينَ الجنس الواحد منهما مع اجتماعِها في المغرسِ (^٤) والماءِ، فدلَّ على أنَّ ظهورها ليس بالتُّربة والماء؛ إذ لو كانَ كذلك لم تختلف الطُّعوم والمناظر، وذلك ظهورها بإنشاءِ اللَّهِ تعالى القادرِ على ما يشاء.
وفي الآيةِ وجهٌ آخرُ عن الحسن ومجاهد: وذلك أنَّه مثالُ قلبِ المخاطَبِ، وذاك أنَّ اللَّهَ أنزلَ القرآنَ الذي هو حياة النَّاس في أديانهم، فيتفاضَلُ العبادُ فيه والقرآنُ واحدٌ كتفاوتِ الثِّمارِ والماءُ واحدٌ، ثمَّ ترى هذا (^٥) أنه كما لو شاءَ سوَّى بينَ جميعِ الثِّمار، فكذلِكَ لو شاء لسوَّى بينَ قلوبِ العِبادِ، ولكنَّه بحكمِ
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٢٥٦ - ٢٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١).
(٢) تنسب ليحيى بن يعمر. انظر: "المختصر في شواء القراءات" لابن خالويه (ص: ٧٠).
(٣) في (أ): "النظم".
(٤) في (أ): "الغرس".
(٥) في (ر) و(ف): "ثم قرأ هذا"، وفي (أ): "ثم ترا" وبعدها كلمة غير واضحة، ولعل المثبت هو الأنسب بالسياق.
[ ٩ / ١٦ ]
رُبوبيَّتِهِ فاوتَ بينها، فَمِنْ متكبّرٍ معرضٍ عنه، ومنْ متدبِّرٍ مستنبطٍ منه (^١).
وانتظامُها بالأولى على هذا التَّأويل: أنَّه جعلَ الأرضَ وما فيها آياتٍ لقومٍ يتفكَّرون، وأخبر في هذه الآية أنَّ النَّاس يتفكَّرون، وفي التَّفكُّر يتفاوتون؛ فمنهم مَنْ لا يتفكَّرُ، ومنهم مَنْ يتفكَّرُ ولا يستقصي فلا يجني ثمارَه، ومنهم يستقصي فيه فيُرْزَق استكثاره.
وهو كقوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨].
ثم ذَكَرَ في كلِّ آيةٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ على الجمع؛ لأنَّ في الشَّيء الواحد آياتٍ ودلائلَ وبيِّناتٍ، فالسَّماء تدلُّ على أنَّ لها صانعًا، وعلى أنَّ صانعَها قديم، وأنَّه قديرٌ مدبِّرٌ مختارٌ مريدٌ واحدٌ، لا شريكَ له، حتَّى يفضي ذلك إلى إثباتِ جميع الصِّفات، وإلى إثبات النُّبوَّات، والبعثِ بعدَ الممات، والثَّواب والعقاب.
وقال القشيريُّ ﵀: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: فمِن سبخٍ وسهل وحجر ورمل أنواعٌ مختلفةٌ وأزواج متَّفقة، وزروع ونبات، وأشجار أشتات (^٢)، أصلُ كلِّ واحدٍ مِن أشجارِها حبَّة متماثلة الأجزاء، متشاكلة الأبعاض، فإذا أنبتَها جعلَ بعضَها عِرقًا (^٣)، وبعضها جِذْعًا، وبعضها غصنًا، وبعضها أوراقًا، وبعضها أزهارًا (^٤)،
_________________
(١) روى عنهما بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٢٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢١) عن مجاهد مختصرًا.
(٢) في (أ): "أستار"، وفي (ر) و(ف): "باسقات". والمثبت من "اللطائف".
(٣) في (أ): "عدقًا"، وفي (ف): "عرفًا"، والعبارة في مطبوع "لطائف الإشارات": "غدقًا".
(٤) في (أ): "أوتارًا".
[ ٩ / ١٧ ]
وبعضها قشرًا، وبعضها لُبًّا، ثمَّ لكلِّ واحدٍ طعمٌ مخصوصٌ، ولونٌ مخصوصٌ، وطبعٌ مخصوصٌ (^١).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وقولُه: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ يبطلُ قولَ مَن تأوَّل قوله ﵊: "الجارُ أحقُّ بِشُفْعَتِهِ" (^٢): أنَّ المرادَ به: الشَّريك؛ لأنَّه ذَكَرَ التَّجاوُرَ صفةً للقِطَعِ، فإذا كانَتِ الأرضُ واحدةً فلا تكون متجاورةً، بل التَّجاورُ للقِطَعِ المفرَزة المتلازقة، فدلَّ أنَّ المرادَ بالحديثِ هو الجار المتلازق دون الشَّريك (^٣).
* * *
(٥) - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾: أي: وإنْ عجبْتَ يا محمَّدُ مِن إنكارِ هؤلاءِ للإعادةِ مع إقرارِهم أنِّي أنا الخالقُ لِمَا قدَّمْتُ ذِكْرَه مِن السَّماء والأرضِ وعجائبِ ما فيهما، وأنِّي أنا المخترع (^٤) للثِّمار المختلفة مِن الأرضِ الواحدةِ، بل مِن الحبَّةِ الواحدةِ ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾؛ أي: فقد وضعتَ (^٥) بالتَّعجُّب في موضعِه؛ لأنَّهم أقرُّوا بقدرتي على ابتداء هذه الأشياء، ثمَّ أنكروا إعادتها، والَّذي أنكروا قدرتي عليه أولى أن يكون مقدورًا عليه مما أَقَرُّوا بقدرتي عليه.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢١٧).
(٢) رواه البخاري (٢٢٥٨) من حديث أبي رافع مولى النبي -ﷺ-، بلفظ: "الجار أحق بسقبه".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٠٦).
(٤) في (ف): "المخرج".
(٥) في (ر): "بعد وصفت"، وفي (ف): "بعد وضعت".
[ ٩ / ١٨ ]
ووجهٌ آخرُ: أنَّ الكفَّار كانوا صنفَيْنِ: قوم منهم ينكرون الصَّانع، ومنهم مَن كان يُثْبِتُ الصَّانع وينكر البعث، فاحتجَّ على منكرِي الصَّانع بهذه الآيات الدَّالة على قدرته ووحدانيتِه، ثمَّ قال لنبيِّه: وإنْ تعجبْ مِن إقامة هؤلاء على الإنكارِ مع قيام الدَّلائل على إثباته ووحدانيته وقدرتِه، فاعجَبْ مِن الذين يقرُّون بالابتداءِ، ثمَّ يُنكرون الإعادة ويقولون:
﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمرو وعاصم وحمزة بالاستفهام فيهما جميعًا، إلَّا أنْ عاصمًا وحمزة يهمزان همزتين، وقرأ نافعٌ والكِسائيُّ بالاستفهام في الأوَّل والخبر في الثَّاني، إلَّا أنَّ الكسائيَّ يهمز همزتين، وقرأ ابنُ عامر على الخبرِ في الأوَّل والاستفهام في الثَّاني رواية (^١).
وقال الزَّجَّاج: تقديرُه: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ نُبعث، ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: بعدَ أنْ صرنا ترابًا نُحيَى ونُعاد خلقًا جديدًا كما كنَّا أوَّل مرَّة (^٢).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قيل: وإنْ تعجَبْ مِن قولِهم: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] يعنونَ بعثَكَ رسولًا، فاعجَبْ أيضًا مِنْ قولِهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ (^٣).
ثمَّ العَجَبُ منَّا (^٤) يكونُ بظهورِ ما لم يكن في الوَهْم، ولا يجوز ذلك على اللَّهِ تعالى، فإنْ حُمِلَ على الحقيقةِ فهو على تعجُّبِ النَّبيِّ -ﷺ-؛ أي: وإنْ تعجَبْ مِن إنكارِهِم رسالتَك فتعجَّبْ مِن إنكارِهِم البعثَ أيضًا، وإنْ تعجَبْ مِنْ إنكارِ بعضِهم الصَّانعَ فتعجَّبْ مِنْ إنكارِ المقرِّيْنَ به البعثَ.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٢).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٣٨).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٠٩).
(٤) في (أ): "ثم التعجب منها".
[ ٩ / ١٩ ]
وإنْ جعلْتَ معنى قوله: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ مِن اللَّه تعالى فمعناه الإنكار؛ أي: أنكرْتَ أنتَ مِن هؤلاء كذا، فقد أنكرَ اللَّهُ منهم قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾.
وكشفُ هذا الكلام: أنَّ العجبَ منَّا يكون في موضعَيْن:
في الإساءة ممَّنْ يلزمُه الإحسان، فتقول: عجبْتُ مِن فلانٍ؛ أحسنْتُ إليه طولَ الزمان (^١) فأساءَ إليَّ! وهو غايةُ الكراهةِ والإنكار (^٢).
وفي الإحسان ممن كان لا يُتوقَّع منه ذلك، فتقول: عجبْتُ مِنْ فلانٍ قامَ بأموري وأحسنَ إليَّ، وما كان منِّي إليه شيءٌ يقتضي ذلك! ويكون ذلكَ غايةَ الرِّضا والحمد.
فوردَتْ هذه اللَّفظة في هذَيْن الموضعَيْن في صفةِ اللَّه تعالى على إرادة هذَيْن المعنيَيْن، قال النَّبيُّ -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ تعالى ليعجَبُ مِنَ الشَّابِ ليسَتْ له صَبْوة" (^٣)؛ أي: يرضى عنه غايةَ الرِّضا.
وقال في هذه الآية: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾، وقال في (سورة الصَّافات): ﴿بَلْ عَجبْتُ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الدنيا".
(٢) "والإنكار" ليس في (أ).
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٧٣٧١)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٧٤٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٣٠٩)، من حديث عقبة بن عامر ﵁. وحسن إسناده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٧٠)، وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة" (٧/ ٤٥١): رواه الحارث وأبو يعلى وأحمد بن حنبل ومدار أسانيدهم على ابن لهيعة، وهو ضعيف. قلت: عبد اللَّه بن لهيعة وإن كان سيئ الحفظ، لكن الراوي عنه هنا هو قتيبة بن سعيد، وقد مشَّى بعض أهل العلم حديثه عن ابن لهيعة، وذلك لأنه كتب أحاديثه من كتاب ابن وهب ثم سمعها من ابن لهيعة، وكان ابن وهب ممن سمع منه قديمًا قبل اختلاطه واحتراق كتبه، كما أن للحديث شاهدًا من حديث أبي هريرة عند أبي نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٦٩). فهو حسن كما قال الهيثمي، واللَّه أعلم.
[ ٩ / ٢٠ ]
وَيَسْخَرُوْنَ﴾ على قراءة الضَّم (^١)، وهو غاية الإنكار (^٢) والكراهة، وهو مجازٌ على إرادةِ منتهى الأمر دون مَبدئِهِ.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾؛ أي: كفروا بإنكار البعث بربِّهم الذي هم يُقرُّون أنَّه (^٣) خالقُهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾: أي: يومَ القيامة، فإنَّه مِن عقوبةِ أهل النَّار، قال تعالى: ﴿إِذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، ولم يذكر الأيدي مع الأعناق، وإنْ كان الاستعمال على هذا الوجه أنْ تكونَ الأيدي مجموعة إلى الأعناق؛ لأنَّه معقولُ (^٤) المعنى، فوقعَ الاكتفاء بذِكْرِ أحدِهما عن الآخر.
وقيل: إنَّهم ممنوعون (^٥) عن الإضرار بكَ، وإيصال المكروه إليك، وأنتَ معصومٌ عنهم، لا سبيلَ لهم إلى مَسِّكَ بسوءٍ، كالمغلول يداه إلى عنقه.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ذكرَ (أولئك) ثلاثَ مرَّاتٍ، والمراد به: هؤلاء، وجازَ ذلك لأنَّه مَضى (^٦) الخبر عنهم، فجازَتْ الإشارةُ بـ (أولئك).
* * *
_________________
(١) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٥٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٦).
(٢) "الإنكار" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "الذي مقرون أنه"، وفي (ر): "الذين هم مقرون بأنه".
(٤) في (أ) و(ف): "مفعول".
(٥) في (أ) و(ف): "مخترعون".
(٦) في (أ) و(ف): "قصَّ".
[ ٩ / ٢١ ]
(٦) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: أي: ومِن عِظَمِ جهالتِهم أنَّهم -مع إصرارِهم على الشِّرك ومعاندتهم النَّبيَّ -ﷺ- يَدْعون اللَّهَ تعالى بإنزالِ العذابِ عليهم.
نزلَتْ في النَّضر بن الحارث بن علقمة بن كَلَدة بن قصي قال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] (^١).
وقوله تعالى: ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أي: بالعذاب.
وقوله: ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: الإيمانِ والطَّاعة الذي يُدْفَع به العذاب، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الآية ﴿القصص: ٨٤].
وقيل: ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: العفو والإهمال.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتمِل أن يكون معناه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ منهم إليك؛ أي: الإيذاء ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ منهم إليك، وهي القَبول والتَّصديق (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: العقوبات (^٣).
وقال قتادة: وقائع اللَّه في الأمم الخالية (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٦٧)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٨٦).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣١٠).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٣٥).
[ ٩ / ٢٢ ]
وقال الكسائيُّ: الأمثال (^١).
وقال الأخفشُ: النَّظائر والأشباه، يعني: في العذاب.
والمَثُلات في اللُّغة: العقوبات الَّتي تَزجرُ عن مثل ما وقعَتْ لأجله؛ أي: قد مضَتْ قبلَ هؤلاء وقائعُ اللَّهِ في الأمم الخالية.
أو قالوا لأنبيائهم: ائتونا بعذابِ اللَّهِ، إذا أصرُّوا على كفرهم واقترحوا الآيات، فعُذِّبَ بعضُهم بالمسخ، وبعضُهم بالخسف، وبعضهم بالقذف (^٢)، وبعضُهم بالظُّلَّة، وهؤلاء قد تقرَّر علمُهم بذلك، فكيف يستعجلونك به وليس معهم إيمانٌ يعتصمون به؟
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: قال السُّدِّيُّ: يعني: المؤمنين ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يعني: على الكافرين (^٣).
قال بعضُ أهل العلم: هي أرجى آيةٍ في كتاب اللَّه تعالى، حيثُ ذَكَرَ المغفرةَ مع الظُّلم، وهو بدون التَّوبة، فإنَّ التَّوبة تزيلُ العقوبة (^٤) وترفعُها.
وقيل: هما جميعًا في حقِّ المؤمن، وهو معلَّق بالمشيئة فيهما، ومعناه: يغفرُ لمن يشاءُ، ويعذِّب مَن يشاء، وهو ترغيبٌ وترهيبٌ، وإطلاقُه كإطلاقِ قولِه تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٣٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٣) عن مجاهد. وقاله أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٣٢٣).
(٢) في (أ): "بالعذاب".
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٣١١) دون نسبة، وانظر: "تفسير الرازي" (١٩/ ١٢).
(٤) في (أ) و(ف): "تزيلها".
[ ٩ / ٢٣ ]
(٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: هي الآية المقترحة.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾: أي: مبعوثٌ لتحذِّرهم العذابَ، لا مريدٌ لهلاكِهم، ولا مستعجِلٌ بعذابِهم، ولا مالكٌ لعقابِهم.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: أي: أنت نذيرٌ لهم، داعي الخلقِ إلى الحقِّ، وكذلك كان الأنبياء قبلك أوَّلًا (^١).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾؛ أي: داعٍ إلى الحقِّ (^٢).
وقال الزَّجَّاجُ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾؛ أي: هو يدعوهم بما يُعطَى مِنَ الآيات، لا بما يتحكَّمون به (^٣).
وقال مجاهد وقتادة: وهو نبيُّ كلِّ أمَّة (^٤).
وقال الحسن وقتادة في روايةٍ وأبو الضُّحى وعكرمة: الهادي محمَّد رسول اللَّه (^٥).
_________________
(١) في (أ): "والأمم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٤٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٥).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٤٥).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٥٤) عن قتادة، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٤٠ - ٤٤١) عن مجاهد وقتادة.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٣٨) عن عكرمة وأبي الضحى، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٤) عن ابن عباس ﵄، وقال: وروي عن علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي صالح، وعكرمة، وأبي الضحى، والسدي، والضحاك، وأبي جعفر محمد بن علي، وعبد الرحمن بن زيد أن المنذر النبي -ﷺ-. وذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٩٩) عن الحسن وعكرمة وأبي الضحى.
[ ٩ / ٢٤ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄ في رواية وسعيد بن جبير ومجاهد والضَّحَّاك: الهادي هو اللَّه تعالى، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وأنا الهادي دونَك (^١).
نظيرُه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والمرادُ: إنَّما أنت منذرٌ وهادٍ لكلِّ قوم (^٢).
* * *
(٨) - ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾: يَنتظِمُ بقولِه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الرعد: ٢]، وبقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ [الرعد: ٣].
ووجهٌ آخرُ: أنَّه خطاب للمتعجِّلين، وتعريفٌ لهم أنَّ اللَّهَ لا يدعُ حكمتَه باستعجالِهم، ولا يخفى عليه وجهُ الصَّلاح، فإنَّه الَّذي يعلمُ ما تحملُ كلُّ أنثى: أذكرٌ هو أم أنثى؟ أبيضُ أم أسودُ؟ واحدٌ أو أكثرُ؟ ناقصٌ أم تامٌّ؟
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: أي: ما تنقصُ، غاضَ يغيضُ، لازمٌ ومتعدٍّ، وكذلك غاضَ الماءُ وغاضَه اللَّه؛ أي: غار، وأغاره (^٣) اللَّه، قال تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤].
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٩٩).
(٣) في النسخ: "وأغار"، والصواب المثبت.
[ ٩ / ٢٥ ]
وقال الحسن: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾؛ أي: تنقص عن تسعة أشهر، فتضع الولدَ لستَّة أو لسبعة أو لثمانية ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ على تسعة (^١).
وقال الرَّبيع بن أنس: أي: تزداد على الولد الواحد إلى أربعة، ﴿وَمَا تَغِيضُ﴾ هو السَّقط (^٢).
وقال ابن كيسان: ﴿وَمَا تَغِيضُ﴾؛ أي: تنقص من أعضاء الولد كالمُخدَج وما أشبهه من نقصان يد أو أصبع، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ على الأعضاء كزيادة أصبع أو نحوها.
وقيل: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾؛ أي: تذهِبُ الماءَ فلا تحمل، وتكون عقيمًا، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾: فتحملُ وتلدُ الأولاد.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: أي: جعلَ لكلِّ شيءٍ مقدارًا معلومًا مِن الخَلْقِ والرِّزقِ والأجلِ والعمل، فلا معنى لاستعجالهم بالعذاب.
* * *
(٩) - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾: نعت قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾.
وقيل: أي: هو عالمُ الغيب والشَّهادة.
وقال الحسن: أي: عالم السِّرِّ والعلانية (^٣).
وقيل: أي: هو عالمٌ بما غابَ عن الخلق وما شاهدوه، لا يخفى عليه شيءٌ منه.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٥٠).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٧٣).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٨٦).
[ ٩ / ٢٦ ]
﴿الْكَبِيرُ﴾ في شأنِه وقدرته وسلطانِه وكلِّ صفاتِه ﴿الْمُتَعَالِ﴾: عمَّا لا يليقُ به.
وقال الحسنُ: المتعالي عمَّا يقول المشركون (^١).
وقال القشيريُّ ﵀: أحاطَ الحقُّ سبحانَه بالمعلوماتِ عِلمًا، وأمضى في الكائنات حكمًا، فلا معلومَ يَعْزُبُ عن علمِه، ولا مخلوقَ يخرجُ مِن حكمِه، تعالى عن سمات النَّقص، وتقدَّس عن صفات العيب (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾: أي: أخفاه ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾؛ أي: رفعَ به صوته ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾؛ أي: متوارٍ.
﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: ذاهب (^٣).
وقال الضَّحَّاكُ: ظاهرٌ (^٤).
وقال مقاتل بن حيَّان: خارجٌ (^٥).
وقال مقاتل بن سليمان: منتشر (^٦).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٠٢).
(٢) لم أجده في مطبوع "لطائف الإشارات".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٥٤) عن أبي رجاء بلفظ: (ذاهب على وجهه). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٥٧) عن الحسن وقتادة بلفظ: (ظاهر ذاهب).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٥٤) عن ابن عباس ﵄. وانظر التعليق السابق.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٥٤) عن مجاهد.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٦٩).
[ ٩ / ٢٧ ]
وقال الكسائيُّ: أي: راكب رأسَه (^١).
وقيل: سالكٌ في سَرَبِهِ يتسرَّب في مذاهبه (^٢)؛ أي: يضطرب في طرقه.
وهذه الأقاويل متقاربة (^٣)، وهي في اللُّغة: جريانٌ في خروجٍ بسرعة، وقيل: ذهاب على الوجه.
وقد سَرَبَ سُرُوبًا، وانْسَرَبَ انْسِرابًا.
قال الحطيئة (^٤):
وكلُّ أناسٍ قاربوا قيدَ فَحْلِهِمْ ونحنُ حللْنَا قيدَهُ فهوَ سارِبُ (^٥)
وقال الحسن: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: أي: مستترٌ بالنَّهار (^٦). وقال الزَّجَّاج: هو جائز في اللُّغة، يقال منه: سَرَبَ الوحشُ وانسَرَبَ: إذا دخلَ كناسَه (^٧).
تمدَّح سبحانَه في هذه الآية بسمعِه وبصرِه كما تمدَّح في الآية الأولى بعلمِه
_________________
(١) في (أ): "دابته". وروى الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٥٥) عن خصيف في قوله: ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ قال: راكب رأسه في المعاصي ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ قال: ظاهر بالنهار.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٢٣).
(٣) في (ف): "متفاوتة"، ولعله تحريف.
(٤) تحرفت في (أ) إلى: "الحطيب"، ولم أجد من نسبه للحطيئة.
(٥) البيت للأخنس بن شهاب التغلبي، كما في "المفضليات" (ص: ٢٠٨)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (١/ ٥٥١)، و"أمالي القالي" (٢/ ٢٤٣)، و"الصحاح" للجوهري (مادة: سرب)، ولم أجد من نسبه لغيره.
(٦) ذكره الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٧٢) عن بعض نحوي أهل البصرة بلفظ: السارب هو المتواري. وروى عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٥٧) عن الحسن غير هذا القول وقد ذكرناه قريبًا.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٤٢).
[ ٩ / ٢٨ ]
فقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ فليسَ قولٌ عندَه أخفى مِن قولٍ، وليسَ سمعُه كسمع المخلوق الَّذي يَخفى عليه ما بَعُدَ مِن سمعِه، ويَفهمُ ما قَرُبَ منه، وسواءٌ عندَه في الرُّؤية مَن هو مستَخْفٍ باللَّيل ومَن هو ظاهرٌ بالنَّهار.
وقيل: تقديرُه: ومَن هو مستخفٍ باللَّيل ومَن هو ساربٌ بالنَّهار، فترك (مَن) في (^١) الثَّاني اختصارًا (^٢) لدلالة الماضي عليه.
وقيل: بل معناه -أي: الاستخفاء والسُّروب- صفةُ الواحد لا الاثنين (^٣)، والمرادُ به أَنَّه (^٤) تستوي حالتا هذا الرَّجل في علم اللَّه، بخلافِ قوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾؛ لأنَّهما صفتا رجلَيْن.
وقال القشيريُّ: سِيَّان منكم مَن خاطَبَنا بلسانِه بوصف الدُّعاء جهرًا، ومَن خاطبَنا بقلبِهِ ببيانِ النَّجوى سِرًّا، لكلِّ واحدٍ منهما إجابةٌ منَّا إذا ساعدَتْهُ المشيئةُ ووافقتْهُ القضيَّة.
وقيل: سواءٌ في علمِ اللَّه ورؤيتِهِ وسمعِهِ المُسِرُّ والذي يجهرُ، والذي يَكمن (^٥) والذي يَظْهَر، فالبصرُ متناولٌ للكلِّ، والعلمُ شاملٌ للجميع، والحكمُ جارٍ على الكافَّة.
وقيل: نزولها في عمير بن وهب (^٦) الجُمحيِّ، كان جُرِحَ يومَ بدرٍ وهو مع الكفَّار جرحًا مخوفًا، وعالج وبرأ، وقال يومًا وهو مع صفوان بن أميَّة وهو في حِجْر
_________________
(١) في (ف): "فترك ما في".
(٢) في (أ): "اقتصارا".
(٣) في (أ): "صفة للواحد لا للاثنين".
(٤) في (ف): "أنه لا"، وهو خطأ.
(٥) في (ر) و(ف): "يكتم".
(٦) في جميع النسخ: "وهب بن عمرو بن وهب"، والمثبت الموافق لمصادر التخريج.
[ ٩ / ٢٩ ]
الكعبةِ: لولا عيالي ودينٌ عليَّ لتولَّيْتُ قتلَ محمَّدٍ، قال صفوانُ: وكيف تصنع؟ قال: أراعي وحدته فأقتله بسيفي غِيلةً وأهرب، فقال صفوان: دَينُكَ عليَّ، وعيالُك مع عيالي، فافعل هذا.
فاتَّخذَ وهبٌ سيفًا وسمَّه، ودخل مع صفوان بينَ (^١) باب الكعبة والسِّتر، وعاهدَه على ذلك.
فقال صفوان: كيف تسير إليه واللَّه يخبرُه بمسيرك؟
فقال: أستخفي باللَّيل؛ أي: أسيرُ في ظلمته، وأسربُ بالنَّهار؛ أي: أدخل السرب.
وكان ذلك عقيدةُ بعضِ الكفَّار في أنَّ العبد قد يتستَّر عن اللَّه بمثل هذا.
ولَمَّا وصل إلى المدينة ودخلَها راَه عمرُ ﵁، فقال للصَّحابة: إنِّي رأيْتُ وهبًا قد قدم، فرابني قدومُه، وهو رجل غادر، فاحرسوا (^٢) رسولَ اللَّهِ -ﷺ- عنه.
ولَمَّا رآه النَّبيُّ -ﷺ- قال له: "ما أقدمَكَ؟ "، قال: جئْتُ أفادي الأسارى، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "فلمَ تقلدْتَ السَّيفَ؟ "، فقال: يا محمَّد، أَمَا إنَّا حملنا السُّيوف يومَ بدرٍ فلَمْ نُفلح، فقال -ﷺ-: "وما الَّذي قلْتَ لصفوان في الحِجْر: لولا عيالي ودَيني لتولَّيْتُ قتلَ محمَّدٍ بيدي؟ " فقال وهبٌ: ما قلْتَ يا محمَّد؟ أعدْهُ عليَّ. فأعادَ، فقال: كنَّا نكذّبُكَ في أخبار الأرض، فالآن أخبَرْتَنا بخبر السَّماء، هذا أمرٌ لم يطَّلِعْ عليه أحدٌ مِن النَّاس، وما أطلَعَكَ عليه إلَّا اللَّهُ بوحيٍ مِن السَّماء، ثمَّ قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّه، وأشهدُ أنَّك عبدُه ورسولُه (^٣).
_________________
(١) في (أ): "من".
(٢) في (ر): "فأخبروا".
(٣) روى نحوه الواقدي في "مغازيه" (١/ ١٢٥) عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا، ورواه الطبراني =
[ ٩ / ٣٠ ]
قال الضَّحَّاك: وفيه نزلَتْ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ الآية (^١).
* * *
(١١) - ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾: قال الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير والضَّحَّاك وأبو صالح وإبراهيم: أي: للَّه ملائكة يتعاقبون (^٢) باللَّيل والنَّهار (^٣).
﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: أي: مِن بينِ يدَي (^٤) هذا الذي هو مستَخْفٍ باللَّيل وساربٌ بالنَّهار.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: أي: مِن وراء ظهرِه؛ أي: عليه حفظةٌ مِن الملائكةِ حولَه.
_________________
(١) = في "المعجم الكبير" (١٧/ ٥٦) عن عروة، و(١٧/ ٥٨) عن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلًا، و(١٧/ ٥٩) عن ابن شهاب مرسلًا، و(١٧/ ٦٠) عن أبي عمران الجوني، وقال: لا أعلمه إلا عن أنس، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (٤١٣) عن عروة بن الزبير. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٨٦) عن حديث محمد بن جعفر بن الزبير: رواه الطبراني مرسلًا وإسناده جيد. وقال عن حديث عروة (٨/ ٢٨٦): إسناده حسن. وقال عن حديث أبي عمران الجوني (٨/ ٢٨٧): رجاله رجال الصحيح. وليس في شيء من هذه الأخبار كون القصة سببًا لنزول الآية.
(٢) لم أجده.
(٣) في (أ): "معاقب".
(٤) رواه عنهم عدا الضحاك الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٥٦ - ٤٦٠ و٤٦٣ - ٤٦٤)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٣٠) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄.
(٥) في (ف): "شر" بدل من "بين يدي".
[ ٩ / ٣١ ]
﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: قال الحسنُ وقتادة: أي: بأمر اللَّه (^١). كما يُقال: أجابك مِن دعائِكَ؛ أي: بدعائك.
وقال ابن عبَّاس ﵄: أي: الملائكة هم مِن أمرِ اللَّه (^٢).
وقال مجاهد وإبراهيم: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من الجنِّ والهوامِّ (^٣). وسمى الجنَّ مِن أمرِ اللَّهِ لأنَّها لا تُرى؛ كما قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقيل: أي: مِن عذابِ اللَّهِ، كما قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٥٨].
وقيل: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: لأمرِ اللَّهِ، كما قال: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]؛ يعني: أنَّ هذا المستخفيَ والسَّارب إنَّما يمتنِعُ مِن نزولِ العقوبةِ به مع قبيحِ فعله لِمَا وكَّلَ اللَّهُ تعالى به من (^٤) الحفظة، لا أنَّه يمتنع بقوَّة نفسه (^٥)، أو لمكانةٍ له عند ربِّه، أو لخفاءِ أحوالِه وأفعالِه على اللَّه تعالى، ولكن يؤخِّر إزالةَ نعمتِه وعافيتِه عنه وإنزالَ عقوبتِه وسطوتِه به إلى أنْ يغيِّروا هم ما بأنفسهم بالإصرار على الفساد، والإقامة على الكفر، فتزول المعقِّبات، وتنزل العقوبات.
وقال كعب: لولا أنَّ اللَّه وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذًا لتُخطِّفتم (^٦).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٥٨)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٦٤) عن قتادة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٣٢).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٦٥).
(٤) "من" ليس في (أ) و(ف).
(٥) في (أ): "فيه" وفي (ف): "اللَّه".
(٦) في (أ): "لتخطفكم" وفي (ر): "لتخطفتكم"، وفي (ف): "لتحفظنكم"، والمثبت من "تفسير الطبري"، فقد رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٦٦).
[ ٩ / ٣٢ ]
وقيل: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾؛ أي: للَّذي أسرَّ القول. . . إلى آخره.
وقيل: أي: للَّه معقِّبات بينَ يدَي الرَّسول المصطفى محمَّد -ﷺ- ومِن خلفِه؛ أي: وللرَّسول معقِّبات، فقد سبقَ ذكرُه في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾؛ أي: حفظةٌ يحفظونَه بأمرِ اللَّهِ ممَّنْ يريدُ به سوءًا، أو يهمُّ فيه بمكروهٍ مِن قتلٍ أو غيرِه.
أو يرجع إلى جميع الرُّسل، فقد قال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾؛ أي: ولكلِّ قومٍ هادٍ وكَّل اللَّهُ به مَن يحفظُه.
والمعقِّبات: إنَّما جُمِعَ بالألفِ والتَّاء مع أنَّ الملائكةَ ذكران لأنَّه جمع الجمع، مَلَكٌ معقِّبٌ، وطائفةٌ منهم معقِّبةٌ، وطوائِفُ منهم معقِّبات، وهو كالرَّجل والرِّجال والرِّجالات.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾: أي: من نعمة ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: بالكفران.
قال ابنُ عبَّاس: إذا أنعمَ اللَّهُ على قومٍ بنعمةٍ فشكروها ولم يَكْفرُوها زادَ لهم تلك النِّعمة وأدامَها عليهم، وإذا لم يشكروها وتلقَّوها بالكُفْران سلبَها عنهم وابتلاهم بضدِّها (^١).
وفيه يقول الشَّاعر:
لم يشكروا نعمةَ ما خُوِّلوا فبدَّلوا المالحَ بالعذْبِ
صاحَ بهمْ مِنْ بينِهم صائحٌ شتَّتَهُم في الشَّرْقِ والغَرْبِ (^٢)
_________________
(١) ذكر نحوه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٢٤١).
(٢) ذكر البيت الأول القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (٢/ ٣٤٦) وعزاه لابن الكوني، أبو الحسن ابن عبد الجبار من فقهاء صقلية.
[ ٩ / ٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾: أي: وإذا حقَّتْ كلمةُ العذابِ على هؤلاءِ الَّذين غيَّروا ما بأنفسِهم، وحانَ وقتُ حلولِ النِّقمة بهم، وكانوا أهلًا لذلك ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾؛ أي: فلا يقدرُ أحدٌ على ردِّهِ عنهم، فزالَ عنهم المعقِّبات.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾: أي: ما لهؤلاء القومِ أحد دونَ اللَّهِ يليهم ويلي أمرهم؛ أي: لا يعافيهم (^١) إلَّا اللَّه، ولا أحد يملكُ أمرهم إلَّا اللَّه، فلا مانعَ ولا دافعَ ولا رافعَ ولا شافعَ.
* * *
(١٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: تَنتظِمُ بما قبلَها في بيان قدرةِ اللَّهِ تعالى على ما يشاء.
وقيل: نزلَتْ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ هذه الآية وما بعدها في أربد بن قيس، أخي لبيد بن ربيعة الشَّاعر لأمِّه (^٢)؛ جاءَ إلى النَّبيِّ -ﷺ- مريدًا له سوءًا، فعلمَ بذلكَ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فخرجَ أربدُ فأرسلَ اللَّهُ عليه في طريقِهِ صاعقةً فقتلَتْهُ (^٣).
_________________
(١) في (أ): "يعاقب لهم" وفي (ف): "يعاقبهم".
(٢) في (ر) و(ف): "لأنه".
(٣) رواه مطولًا الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٧٦٠)، و"المعجم الأوسط" (٩١٢٧) من طريق عبد العزيز بن عمرانَ، عن عبد الرحمن وعبد اللَّه ابنَي زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيهما، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن عن ابن عباس ﵄، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٤٢): وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف. ورواه مطولًا أيضًا الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٦٧ - ٤٧٠) عن عبد الرحمن بن زيد أسلم، و(١٣/ ٤٨١ - ٤٨٢) عن ابن جريج. وكلاهما مرسل. =
[ ٩ / ٣٤ ]
فتوعَّدهم اللَّهُ تعالى بهذا، ودلَّهم به على قدرتهِ وعَجْزِ آلهتِهم عن مثلِه، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾؛ أي: اللَّهُ هو الذي يريكم -معاشرَ عبادِه- البرقَ في السَّماء ﴿خَوْفًا﴾ للمسافر، يخافُ أذاهُ لِمَا ينالُه مِن مطرٍ إنْ كانَ عقيبه ﴿وَطَمَعًا﴾ للحاضر، المعنى: أنْ يكونَ عقيبه مطرٌ فينتفعُ به.
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿خَوْفًا﴾ من العذاب، ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿خَوْفًا﴾ للمسافر، ﴿وَطَمَعًا﴾ للمقيم (^٢).
وقال قتادة: ﴿خَوْفًا﴾ للمسافر يخافُ أذاه ومعرَّته، ﴿وَطَمَعًا﴾ للمقيم يرجو بركته ومنفعته (^٣).
وقيل: ﴿خَوْفًا﴾ مِن هولِه وصواعقِه ﴿وَطَمَعًا﴾ في مطرِه.
والرَّعدُ والبرقُ فيهما أقاويلُ كثيرة ذكرناها في (سورة البقرة).
وقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: أي: ينشئ ويبدئ، والسَّحابُ هنا جمعُ سحابةٍ، ولذلك قال: ﴿الثِّقَالَ﴾ على الجمع؛ أي: الثِّقال بالمطر، وهو واحدٌ في قوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ﴾ [الروم: ٤٨].
* * *
_________________
(١) = ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٧٦) من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح (وتسمى سلسلة الكذب) عن ابن عباس. وسيأتي الخبر بتمامه قريبًا.
(٢) رواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٦١٨)، وذكره الماوردي في "تفسيره" (٤/ ٣٠٧).
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣١٣).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٦١)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٧٥).
[ ٩ / ٣٥ ]
(١٣) - ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾: قال شَهْرُ بنُ حَوْشَبُ: الرَّعدُ مَلَكٌ، وصوتُه: سبحانَ ربِّيَ العظيم (^١).
وقال الضَّحَّاكُ: الرَّعدُ: مَلَكٌ، والبرقُ: سوطٌ (^٢) مِن نورٍ، يزجرُ به السَّحاب (^٣).
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "ينشئ اللَّهُ السَّحاب، فينطق أحسنَ النُّطْقِ، ويضحكُ أحسنَ الضِّحك، فمنطقُه الرَّعْدُ، وضحكُهُ البرقُ" (^٤).
وقال ابن عبَّاس ﵄: الرَّعدُ مَلَكٌ يسوقُ السَّحاب، والصَّوتُ الَّذي تسمعون هو زجرُه السَّحاب (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٥٧)،
(٢) في النسخ الثلاث: "صوت"، والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٦٣) وابن الأنباري في "الزاهر" (٢/ ٣١٦) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄.
(٤) رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٢٤٨) عن عمرو بن أبي عمرو عن الثقة عن النبي -ﷺ-. ورواه العقيلي في "الضعفاء" (١/ ٣٥)، والرامهرمزي في "الأمثال" (ص: ١٥٥)، من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٦٨٦)، والعقيلي (١/ ٣٥)، وابن الأنباري في "الزاهر" (٢/ ٣١٧)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٥٢٢٠)، من حديث شيخ من الصحابة. ورجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢١٦)، ولفظه: "إنَّ اللَّه يُنْشِئُ السَّحابَ، فيَنْطِقُ أَحسَنَ المَنْطِقِ، ويَضحكُ أَحسَنَ الضَّحِكِ".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٥٨).
[ ٩ / ٣٦ ]
وقال عليُّ بنُ أبي طالب ﵁: الرَّعد: الرِّيح، والبرقُ: النَّار، وهي مخاريق الملائكة (^١).
وقال أبو الجَلْدِ: الرَّعدُ: الرِّيح، والبرقُ: الماءُ (^٢).
وقال بعضُ أهل اللُّغة: الرَّعدُ: الصَّوت، والبرقُ: نارٌ، يكونان مع السَّحاب.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾: وقال مقاتل بن سليمان: ميَّزَ اللَّه بينَ الرَّعدِ وبينَ الملائكةِ، كما ميَّزَ بينَ جبريل وميكائيل وبين الملائكة، وكما ميَّزَ بينَ الفاكهة وبين النَّخل والرُّمَّان (^٣).
وقيل: الرَّعدُ: اصطكاكُ أجرامِ السَّحاب، وتسبيحُهُ: دلالتُه على وحدانيَّة اللَّهِ تعالى وتنزيهِه عن كلِّ سوءٍ، وهو كقولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في الآية: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾:
يحتملُ: خوفًا لأهل البنيان، ﴿وَطَمَعًا﴾ لأهل الأنزال.
ويحتمل: طمعًا في وقت المنفعة، وخوفًا في غير وقت المنفعة، ﴿خَوْفًا﴾ من نزوله، طَمَعًا في مضيِّه.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٦٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٥٥). والمخاريق: جمع مخراق، وهو المنديل يلف لِيُضربَ به، أو السيف.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٦١ و٣٦٣ - ٣٦٤) و(١٣/ ٤٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٥٥).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٧٠). وقوله هذا مبني على أن الرعد ملك، حيث قال قبله: (والرعد ملك من الملائكة اسمه الرعد، وهو موكل بالسحاب صوته تسبيحه، يزجر السحاب ويؤلف بعضه إلى بعض ويسوقه بتسبيحه إلى الأرض التي أمر اللَّه تعالى أن تمطر فيها).
[ ٩ / ٣٧ ]
ويحتمل: ﴿خَوْفًا﴾ موعودًا، ﴿وَطَمَعًا﴾ موعودًا؛ لأنَّ البرقَ نورٌ ونارٌ، فالنُّور يُطمِعُ في النُّور الموعود في الجنَّة، والنَّارُ يخوِّفُ مِنَ النَّار الموعودة في جهنَّم.
وقال في قوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: قال أبو عوسجة: أي: يرفع.
وقال في قوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾: روي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: أقبلَتِ يهودُ إلى النَّبيِّ -ﷺ- فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الرَّعد ما هو؟ قال: "ملَكٌ مِن الملائكة موكَّلٌ بالسَّحاب معه مخاريق مِن نار، يسوق بهِ السَّحاب حيثُ شاءَ اللَّهُ"، فقالوا: ما هذا الصَّوت الَّذي نسمع؟ قال: "زجرُه السَّحاب إذا زجرَه انتهى (^١) إلى حيث أُمِرَ"، قالوا: صدَقْتَ (^٢). فإنْ ثبتَ هذا فهو هو.
قال: وقيل: الرَّعدُ: ملَكٌ يسوقُ السَّحاب، وإذا شذَّتْ (^٣) سحابةٌ ضمَّها، فإذا اشتدَّ غضبُه طار (^٤) مِن فيه النَّار، فهي الصَّواعق.
قال: وقال بعض الفلاسفة: هو ريحٌ مختنقٌ تحتَ السَّحاب.
قال: وأيَّ شيءٍ كانَ فالتَّسبيح مُحْتَمَلٌ مِن كلِّ شيءٍ، فيَحْتَمِلُ تسبيحَ الخلقة، وجعلَ في كلِّ شيء حمدَ صانعِه وبراءةَ مُنشئِه مِن كلِّ ما وصفَتْه الملاحدة.
فالأقاويل فيه كثيرة، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجةٌ سوى أَنَّه هولٌ هائلٌ يهولُ الخلقَ ويذكِّرُهم سلطانَه وعظمتَه، ولولا أنَّهم اعتادوا ذلك وإلَّا لم تقمْ (^٥) أنفسُهم لسماع ذلك.
_________________
(١) في (أ): "زجر حتى ينتهي" بدل من "زجره انتهى".
(٢) جزء من حديث رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٤٨٣)، والترمذي (٣١٧٧)، وقال: حسن غريب.
(٣) في (ر) و(ف): "شردت".
(٤) في (ف): "صار".
(٥) في (أ): "تستقم".
[ ٩ / ٣٨ ]
وقال في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾: له وجهان:
أحدهما: أنَّه خوفُ عقوبتِه؛ لأنَّه قد جاء فيهم (^١) الوعيد؛ قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
والثَّاني: خوفُ هيبتِه؛ لأنَّه وصفَهم بالطَّاعة والاستسلام، والعملِ على الدَّوام، وخوفُ الهيبة لا يزولُ في الآخرة، وخوفُ العقوبة يزولُ (^٢).
وقال القشيريُّ ﵀: إذا أُنشِئَتِ السَّحابةُ في السَّماء أظلمَ الجوُّ في الوقتِ، ولكنَّه يَعقبه بعدَ ذلك ضحكُ الرَّياحين، وما لم تبكِ السَّماء لا تضحكُ الرِّياض.
فكذا يُنْشِئُ في القلبِ سحابةً للطَّلب، فيحصل للقلب تردُّدُ الخاطر، ثمَّ يلوح وجهُ التَّحقيقِ فتضحكُ الرُّوح بفنون راحات الأُنْس، وصنوف أزهار القُرْب (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾: جمعَ صاعقةٍ، وهي نارٌ تسقطُ مِن السَّماءِ هائلةٌ، لها صوتٌ يقتلُ، فتقتلُ مَن تُصيبُه أو تُدْهِشُه.
وقوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾: أي: وهؤلاء المشركون -مع علمِهم بأنَّ اللَّهَ خالقُ هذا الرَّعدِ وما فيه مِن الخوفِ والطَّمع- لا يُخلصون العبادةَ للَّهِ، بل ﴿يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: يخاصمونَ النَّبيَّ -ﷺ- والمؤمنين فيه، فمرَّةً يقولون: أآلهتنا خيرٌ أم هو؟ ومرَّة يقولون: صِفْ لنا ربَّك، على ما رُوِيَ أنَّ عامر بن الطُّفيل قال للنَّبيِّ -ﷺ-: أخبرني عن إلهك، مِن أيِّ جنسٍ هو؟ مِن جميع
_________________
(١) في النسخ الثلاث: "قد خافهم"، والمثبت من "تأويلات أهل السنة".
(٢) انظر: " تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣١٨ - ٣٢٠).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٢٠).
[ ٩ / ٣٩ ]
أجناس الآلهة، أم مِن خشبٍ، أم حديدٍ، أم رصاص، أم شَبَهٍ، أم صُفرٍ، أم ذهب، أم فضَّة؟ فأرسلَ اللَّهُ عليه صاعقةً نفخته فذهب (^١).
وقيل: نزلَتْ في أربد بن قيس أخي لبيد بن ربيعة لأمِّه، وذلك أن عامر بن الطُّفيل أتى النَّبيَّ -ﷺ-، فقال له: ما تجعل لي مِن أمرِكَ إنْ أسلمْتُ؟ فقال: "أجعلُ لكَ الوبر"، فقال: أليس ذلك لي؟ فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "فما تريد أنْ أجعلَ لكَ (^٢)؟ " قال: اجعل لي الأمر بعدَك، فقال: "ذلك إلى اللَّه تعالى"، فقال: فاجعلني على أعنَّة الخيل، فقال: "ليس ذلك إليَّ"، فغاظه ذلك فقال لأربد بن قيس: اكفني أمرَ محمَّد أو أكفيك أمره، قال: ما تريد (^٣)؟ قال: اشغلْهُ بالحديثِ حتَّى أقتلَه، فأجابه إلى ذلك، فجاء عامرٌ فشغلَ رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، فجاء أربدُ مشتملًا على سيفِه ليضربَه، واختلفوا فيما بعد هذا:
فمنهم مَن قال: شُلَّتْ يدُه.
ومنهم مَن قال: استمسكَ السَّيف في القراب فلم يقدر على سلِّه.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فذهبت تفجعه" بدل من "نفخته فذهب". وهذا الخبر الواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٤٢٧)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٩/ ٢٦٦)، عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول سورة الإخلاص. وذكره بنحوه دون عزو في هذه الآية الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣١٦)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٥١٩)، وفيهما أن القائل لذلك هو أربد لا عامر. وروى نحوه النسائي في "السنن الكبرى" (١١١٩٥)، والبزار (٢٢٢١ - كشف الأستار)، وأبو يعلى في "مسنده" (٣٤٦٨)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٨٠)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٢٣٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٧١)، من حديث أنس ﵁، دون تسمية الرجل.
(٢) "أن أجعل لك" ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (أ): "اكفني أمر محمد أو أكفيك ومن قال ما تريد" وفي (ر): "اكفني أمر محمد وأكفيك أمره".
[ ٩ / ٤٠ ]
ومنهم مَن قال: كُفَّ عن رسولِ اللَّه -ﷺ-.
فقال ﵇: "اللَّهمَّ اكفني عامرًا -أو: قني عامرًا-"، فانصرف أربد، فقال له عامر: ما منعَكَ مِن قتله؟ قال: كلَّما همَمْتُ بقتلِه رأيتُكَ بيني وبينَه. ثمَّ جاءَتْ صاعقة فأحرقَتْهُ، وجعلَتْهُ فحمًا (^١).
وأمَّا عامرٌ فقد قيل: إنَّه دخلَ بيتَ امرأةٍ مِن بني سلول، وظهرت على ركبته غُدَّة، وهو يقول: غدَّةٌ كغدَّة البعير، وموتٌ في بيت سلوليَّة، فواللَّهِ ما قتلني إلَّا ربُّ محمَّد، وركبَ الفرسَ وبيده الرُّمح، وهو يقول: يا ملكَ الموتِ، تحاربني عن خفية، فاظهرْ لي وجاهرني بالمحاربة تَرَ بأسي، فما زالَ يطارد حتَّى يسقط عن فرسِه، ومات وصار إلى النَّار، ونزلَتِ فيه الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾: أي: اللَّهُ شديدُ العقوبةِ (^٣)، وقيل: قويُّ الكيدِ.
ولا يجوز في الابتداء وصفُ اللَّهِ به، ويجوز على وجهِ المجازاة كما مرَّ في المكر والخداع والاستهزاء، وهو مِن قولِكَ: مَحَلَ (^٤) به إلى السُّلطان؛ أي: سعى به، وذكرَ عيوبَه حتَّى أوقَع به، ومنه في صفة القرآن: "هو شافعٌ مشفَّع وماحِلٌ مصدَّق" (^٥).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "حممًا".
(٢) تقدم تخريجه مستوفًى في هذه السورة عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وأكثر الروايات على أن أربد يبست يده فلم ينفذ كيده برسول اللَّه -ﷺ-، ولم أقف على الرواية التي فيها أن يده شلت.
(٣) في (ف): "العقاب".
(٤) في (ر): "ماحل" وفي (ف): "حل".
(٥) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٦٠١٠)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٠٠٥٤) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه. =
[ ٩ / ٤١ ]
وقيل: هو من الإهلاك، وسَنَةُ المَحْلِ: سَنَةُ القَحْطِ المُهْلِكِ.
وقيل: هو صفةُ عامرٍ، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾؛ أي: شديد المخاصمة والمنازعة، والمماحلة كذلك.
* * *
(١٤) - ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: هي شهادة أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّه على إخلاص التَّوحيد (^١). وهو قول قتادة وابن زيد (^٢).
وقال الحسنُ: اللَّهُ الحقُّ، فمَنْ دَعاه دعا الحقَّ (^٣).
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ويحتملُ: له عبادةُ الحقِّ؛ لأنَّه المستحِقُّ للعبادةِ.
وقيل: أي: للَّهِ دعوةُ الحقِّ، وهي الاستعانةُ بهِ والدُّعاءُ بكشفِ الضُّرِّ وإعطاءِ
_________________
(١) = ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٤٥٠) من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعًا. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٦٤): رواه الطبراني، وفيه الربيع بن بدر وهو متروك. وصحَّح وقفه الدارقطني في "العلل" (٢/ ٢٣٢). ورواه ابن حبان في "صحيحه" (١٢٤)، والبيهقي في "الشعب" (٢٠١٠)، من حديث جابر ﵁ مرفوعًا.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٦٧)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٨٥ - ٤٨٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٦٦)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٨٦) عن قتادة، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٨٦) عن ابن زيد.
(٤) ذكره الواحدي في "تفسيره" (١٢/ ٣٢٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١٩/ ٢٣).
[ ٩ / ٤٢ ]
السُّؤْلِ، وهي الحقُّ، ومَن دعا اللَّهَ وسألَه فهو على حقيقةٍ مِن دعوَتِه؛ لأَنَّه يدعو مَن لا يعجزُه شيءٌ، ولا يلحقُه بخلٌ، ولا تنقضه عطيَّةٌ.
وقيل: للَّهِ دعوةُ الخَلْقِ إلى الحقِّ، ولمن دعا إليه بأمرِه، وليس ذلك لغيره مِن الأصنام؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] (^١).
وقيل: للَّهِ دعوة (^٢) الرُّبوبيَّة، فله عليه البراهين الباهرة.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾: يعني: الأصنام، وجمع بالواو والنُّون وهي جماد لأنَّ المشركين وضعوها موضعَ الأحياء العقلاء الذين يضرُّون وينفعون، ويستجيبون للَّذين يدعون، فأُضِيْفَ الخبر عنهم إليها كما يُضاف إلى العقلاء، كما في قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وقوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨].
ويحتمل: أنَّه أراد به الملائكة وعُزيرًا والمسيح والجنَّ؛ لأنَّهم لا يستجيبون لعابدِيهم بشيءٍ، ولا ينفعونهم إلَّا بأمرِ اللَّهِ، فأمَّا أنْ ينفعوهم مِن عندهم فلا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاه﴾: قيل: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن؛ أي: لا يستجيبون لهم أصلًا، لكنَّهم كمادِّ يدَيْهِ إلى الماء ليبلُغَ الماءُ فمَه ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾؛ أي: ليس يبلغُ الماءُ فمَهُ.
وقيل: هو على حقيقةِ الاستثناءِ، والمعنى (^٣): لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلَّا كما يُستَجابُ لِمَن بسطَ كفَّيْهِ إلى الماء؛ أي: فإذا كان لا يُستجابُ لهذا الباسطِ بشيءٍ،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٢١).
(٢) في (أ): "دعوى".
(٣) في النسخ الثلاث: "ومعنى"، ولعل الصواب المثبت.
[ ٩ / ٤٣ ]
فكذلك لا يُستجابُ لهم، وهو كقولك للرَّجل يرجو بخيلًا: ربما (^١) يعطيْكَ فلانٌ كما أعطى فلانًا، يريد: أنَّه لم يعطِه شيئًا فكذلك لا يعطيْكَ.
وقال مجاهدٌ: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾؛ يعني: يدعو بلسانِه، ويشيرُ بيدِه، فلا ينالُه أبدًا (^٢).
وقال عطاءٌ: هو إنسانٌ ينظرُ في قعرِ بئرٍ، فكما لا تبلغُ يدُه قعرَ الماء، ولا يعلو الماءُ إليه، فكذلك الأصنامُ لا تنفعُ العبدَ شيئًا (^٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هذا مَثَلُ المشركِ الَّذي عبَدَ غيرَ اللَّهِ، فمثلُهُ كمَثَلِ العطشانِ الَّذي ينظرُ إلى خَيالِهِ في الماءِ ليتناوَلَهُ، فلا يقدرُ عليه (^٤).
وقال الفرَّاءُ: لا تجيبُ الأصنامُ داعيَها إلَّا كما ينالُ الظَّمآن المشرِفُ على الماء، وليسَ معه آلاتُ الاستقاء (^٥).
والعربُ تضربُ المثلَ لِمَنْ سعى (^٦) فيما لا يدركُهُ بالقابضِ على الماء، قال الشاعر:
فأصبحْتُ ممَّا كان بينِيْ وبينَها مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ باليَدِ (^٧)
_________________
(١) في (ف): "إنما".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٨٨).
(٣) رواه أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" (٤/ ٦٢٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٨٩).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٦١).
(٦) في (أ): "يسعى".
(٧) البيت لأبي الهذيل، كما في "النكت والعيون" (٣/ ١٠٣)، ولأبي دهبل الجمحي كما في "الأغاني" (٧/ ١٥٥). ودون نسبة في "مجاز القرآن" (١/ ٣٢٧)، و"الحيوان" (٥/ ٤١ و٧٧)، و"تفسير =
[ ٩ / ٤٤ ]
وقيل: أي: مَن بسطَ كفَّيْهِ إلى الماء مِن غير أنْ يرفعَه إلى فِيْه بكفَّيْهِ أو في إناءٍ لم يبلغْ فاه، يجعلُ الماءَ مثلًا للمعبود مِن دونِ اللَّهِ، وقد جعلَ بَسْطَ اليدَيْن إلى الماء كتوجيه الرَّغبة إلى المواتِ المعبودِ الَّذي لا يعقل، كالماء الَّذي لا يعقل رغبةَ باسطِ الكفِّ إليه فيه.
وأخبرَ أنَّهم فيما يرجون مِن ذلكَ في ضَلالٍ، وهو قولُه تعالى:
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: أي: في غيرِ استقامةٍ وهدًى، فإنَّه غيرُ حاصلٍ لهم ما رَجَوه، ولا إجابةَ لهم ممَّن دَعَوه.
وقيل: هو مبتدأ؛ أي: وما دعاءُ الكفَّارِ الأصنامَ إلَّا ضلالًا عن الهدى.
وقيل: أي: تَضِلُّ الأصنامُ عنهم، فلا يجدونها ولا ينتفعون بها، قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [الأعراف: ٣٧].
وقال القشيريُّ ﵀: دواعي الحقِّ صارخةٌ في القلوبِ مِن حيث البرهان، فيدعو العبدُ بلسانِ الخواطرِ، فمَنِ استمعَ إليها بسَمْعِ الفهم استجابَ ببيان العلم، وفي مقابلتِها دواعي الشَّيطان، وهي هاتفةٌ بالعبدِ تزيينَ المعاصي، فمَنْ أصغى إليها بسمْعِ الغَفْلةِ استجابَ لصوتِ (^١) الغيِّ (^٢).
* * *
(١٥) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
_________________
(١) = الطبري" (١٣/ ٤٨٨)، و"المستقصى في أمثال العرب" (٢/ ٢٠٩).
(٢) في النسخ الثلاثة: "بصوت"، والمثبت من "لطائف الإشارات".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢١). ووقع في النسخ الثلاث: "بصوت الغي"، والمثبت من المصدر.
[ ٩ / ٤٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: أي: إنَّ الكفَّارَ وإنْ دعوا مِن دونِ اللَّهِ دعوةَ الباطلِ، وامتنعوا مِن دعوةِ الحقِّ، فكلُّ مَن في السَّماواتِ والأرضِ مِن الملائكةِ وبني آدمَ والجنِّ والشَّياطين يسجدون للَّهِ؛ إمَّا طائعِيْن، وإمَّا كارهِين، وظلالهم تسجدُ له بالغَدواتِ والعشايا.
والآصال: جمعُ أُصُلٍ، والأُصُل: جمع أصيل، وهو العشيُّ، وهو ما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشَّمس، ويُجمَعُ على أصائلَ أيضًا، قال أبو ذؤيب:
لَعَمْرِي أنتَ البيتُ أُكْرِمُ أهلَهُ وأقعدُ في أفيائِهِ بالأصائلِ (^١)
والسُّجودُ طوعًا ظاهرٌ، والسُّجودُ كَرْهًا ممَّنْ أُكْرِه على الإسلام موجودٌ أيضًا، أمَّا ما عداهما: فتركُّب (^٢) صور الأعيان، واختلافُ الأحوال عليها، وتعاقبُ المتضادات مِن الحركة والسُّكون والاجتماع والافتراق عليها، وحاجةُ بعضها إلى بعض في تمامِ قوامِها = شاهدٌ على أنَّها مصنوعاتٌ محتاجةٌ إلى مَن يقيمها، وأنَّ لها صانعًا صنعَها (^٣) لا يشبهُها، فهذا مِن الكافرِ شاهدٌ للَّهِ بالرُّبوبيَّةِ، وأنَّه مستحِقٌّ لدعوة الحقِّ، وإنْ كانَ الكافرُ كارهًا لذلك غيرَ مريدٍ له ولا معترفٍ، وذلك سجودٌ مِن الكافرِ للَّهِ وخضوعٌ له كرهًا.
وأمَّا الظِّلال فساجدةٌ للَّهِ تعالى بالغدوِّ والآصالِ؛ لأنَّها تميلُ مِن ناحيةٍ إلى ناحية، وليس ذلك باختيارِها، بل هو بفعلِ اللَّهِ ذلك بها، وتصريفُه إيَّاها على ما يشاء مِن ذلك، ودلَّ ذلك على أنَّها مخلوقةٌ مصرَّفةٌ على ما يصرِّفُها عليه صانعُها
_________________
(١) انظر: "الكامل" للمبرد (٣/ ٥٤)، و"شرح أشعار الهذليين" (١/ ١٤٢).
(٢) في (أ): "فتركت"، وفي (ر): "فتركيب"، وفي (ف): "فتركبت".
(٣) في (أ): "يصنعها".
[ ٩ / ٤٦ ]
ومدبِّرُها، وذلك شهادةٌ منها للَّهِ تعالى بالقدرةِ والسُّلطان والوحدانيَّة، وخضوعٌ منها له، وهو السُّجود.
ومِنَ السُّجود كَرهًا معنى سجود الكافرِ للَّهِ إذا نزلَ به ضرٌّ ألجأتْهُ الحاجة إلى أنْ يتواضعَ للَّهِ ويسجدَ له، يدعوه بها لحاجتِه بها.
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: قلْ للمشركِيْنَ السَّاجدِيْنَ للَّهِ كَرْهًا دلالةَ الخلقَةِ: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مالكهما ومدبِّرُهما، وكانوا مقرِّين (^١) بأنَّ ربَّ السَّماوات والأرض هو اللَّه؛ أي: سَلْهُم عن هذا، فيقولون: اللَّه، فحذفَ جوابَهم لدلالَةِ الكلامِ عليه؛ لأنَّهم كانوا مقرِّيْنَ بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾: أي: وإذا قالوا: اللَّه، فقل أنت أيضًا: اللَّه، تقريرًا لهم، وتأكيدًا للاحتجاجِ عليهم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ والتَّقريع؛ أي: قلْ لهم بعدَ هذا التَّقرير: فلِمَ اتَّخذْتُم مِن دونه أولياء تتولَّونهم وتعبدونهم وتوجِّهون الرَّغبة إليهم، وهم لا يملكون لأنفسِهم نفعًا يجلبونَه إليها، ولا ضرًّا يدفعونَه عنها، وإذا كان كذلك فهم مِن ملكَةٍ لكم أبعدُ.
_________________
(١) في (ف): "مقهورين مقرين".
[ ٩ / ٤٧ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: وهو تقريعٌ آخر؛ أي: هل يستوي الجماد الذي لا يُبصِرُ ولا يسمَعُ، واللَّهُ الحيُّ الذي يبصرُ ويسمعُ.
وقيل: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِن.
ولَمَّا قرَّرَ أنَّ اللَّهَ ربُّ كلِّ شيءٍ، وبَّخهم بعبادةِ غيرِ اللَّهِ، وبيَّنَ أنَّ مَنْ فعلَ ذلك فهو أعمى عن الرُّشد، والمؤمن بصيرٌ (^١) به، ولا يستويان.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾؛ أي: الكفر والإيمان، فالكفرُ ظلمةٌ لا يُهتَدى فيها، والإيمانُ نورٌ يُهتَدى فيه، ولا يستويان.
وقال القشيريُّ ﵀: إنَّ الأنوارَ إذا تلألأَتْ في القلوبِ نفَتْ آثارَ الظُّلمةِ، فنورُ اليقين ينفي ظلمةَ الشَّكِّ، ونورُ العلمِ ينفي تهمةَ الجهلِ، ونورُ المعرفةِ يمحو أثرَ النَّكرة، ونورُ المشاهدة ينفي آثار البشريَّة، وأنوار الجمع تنفي آثار التَّفرقة، وأنوارُ الحقائق تمحو (^٢) آثارَ الحظوظِ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾: وهذا تقريعٌ آخر، يقول: أوَقعَ عندَهم أنَّ الأصنامَ تخلقُ الأشياءَ كما أنَّ اللَّهَ تعالى يخلقُ الأشياءَ فاستجازوا (^٤) عبادةَ الأصنامِ لوجودِ التَّخليقِ منها، كما استجازوا (^٥) عبادةَ اللَّهِ لذلك لاشتراكِهم في استحقاق العبادةِ لذلك، وإنْ (^٦) لم يكنْ هذا هكذا، بل اللَّهُ
_________________
(١) في (ر): "بصير".
(٢) في (ر) و(ف): "تنفي".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
(٤) في (ر): "فاختاروا"، وفي (ف): "فاستخاروا".
(٥) في (ر) "اختاروا"، وفي (ف): "استخاروا".
(٦) في (ر): "وإذا".
[ ٩ / ٤٨ ]
هو المنفرِد بالتَّخليق، فهو المتفرِّد (^١) باستحقاق العبادة له.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: وقد أقررْتُم أنَّه لا خالقَ غيرُه، فلا يستحقُّ العبادةَ غيرُه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾؛ أي: الواحدُ الَّذي لا ثانيَ له، ولا شريكَ له، وهو القهَّارُ الَّذي يقهرُ بقدرته كلَّ شيءٍ، ولم يقهرْهُ شيءٌ، وهو المستحِقُّ لتوجيه الرَّغبات إليه، والاستغناءِ به عن غيرِه.
* * *
(١٧) - ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية: قال قتادةُ: هذه ثلاثةُ أمثالٍ في مثلٍ واحدٍ:
قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الصَّغير والكبيرُ، فشبَّه نزولَ القرآنِ بالماءِ ينزلُ مِن السَّماء، وشبَّه القلوبَ بالأوديةِ والأنهار، فذو العلم على قَدْر علمِه، وذو الجهل على قَدْر جهلِه، فهذا مَثَلٌ.
ثمَّ شبَّه وساوسَ الشَّيطان ومخايل النَّفس والخَطَرات الفاسدةَ بالزَّبَد يعلو الماء، وهو قوله تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ (^٢)، والرَّابي: العالي، فما يقعُ في النَّفس مِن الوهم والفضول فمِن ذاتِها لا من الحقِّ، يقولُ: فكما يذهبُ الزَّبدُ باطلًا
_________________
(١) "بالتخليق فهو المتفرد" ليس في (أ).
(٢) "وهو قوله تعالى فاحتمل السيل زبدًا رابيًا" من (ف).
[ ٩ / ٤٩ ]
ويبقى صفوُ الماءِ، كذلك تذهبُ مخايلُ النَّفس ووساوسُ الشَّيطان ويبقى الحقُّ كما هو، فهذا مثلٌ ثانٍ.
والمثل الثَّالثُ قولُه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾: أي: له خبثٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ، فكما (^١) يذهبُ خَبَثُ الجواهرِ ويبقى خلاصُها وصفوها كَذَلِكَ يذهبُ الجهلُ والوهمُ، ويبقى العلمُ والفهمُ، فهذا المثل الثَّالث (^٢).
وقال الإمامُ القشيريُّ: الآيةُ تشتملُ على أمثالٍ:
شبَّه القرآنَ المنزَلَ بالماءِ المنزَل من السَّماء.
وشبَّه القلوبَ بالأودية.
وشبَّه وساوسَ الشَّيطان وهواجس النَّفس بالزَّبَد الَّذي يعلو الماء.
وشبَّه الحقَّ بالجواهر الصَّافية مِن الخَبَثِ؛ مِنَ الذَّهب والفضَّة والصُّفر والنَّحاس وغيره.
وشبَّه الباطلَ بخبَثِ هذه الجواهر.
ثمَّ إنَّ الأودية مختلفةٌ في صغرِها وكبرِها، فبقَدْرها تحتمِلُ الماءَ في القلَّة والكثرة، كذلك القلوبُ مختلفةٌ في الاحتمالِ على حسب الضَّعف والقوَّة، وكما أنَّ السَّيل إذا حصل في الوادي يطهِّر الوادي، كذلك القرآن يطهِّرُ القلوب.
وكما أنَّ السَّيل يحتمل الزَّبد فيلفِظُهُ كذلك القرآن إذا حصل حفظُه في القلوب ينفي الوساوسَ والهواجسَ عنها.
_________________
(١) في النسخ: "فكذا"، والصواب المثبت.
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٠١).
[ ٩ / ٥٠ ]
وكما أنَّ الماء قد يصحبُه ما يكدِّره، ويخلِّص بعضه عمَّا يشوبُه، فكذلك الإيمانُ وفهمُ القرآنِ في قلوب المؤمنين قد تختلطُ به نزغات (^١) الشَّيطان والخواطر الرديَّة، فمِن بين صافٍ وكدرٍ.
وكما أنَّ الجواهر التي يُتَّخَذ منها الأواني إذا أذيبَتْ (^٢) خلصَتْ عن الخبث، كذلكَ الحقُّ يتميَّز مِن الباطل ويبقى الحقُّ ويضمحلُّ الباطلُ.
ثمَّ الجواهرُ الَّتي تُتَّخَذُ منها الأواني مختلفةٌ؛ فمِن إناءٍ يُتَّخَذُ مِنَ الذَّهبِ، وآخر مِن الرَّصاصِ إلى غيرِه، فكذلِكَ القلوبُ تختلفُ.
وفي الخبر: "إنَّ للَّهِ أواني، وهي القلوبُ" (^٣)، فمريدٌ قاصدٌ، ومحبٌّ واجدٌ، وعابدٌ خائفٌ، وموحِّد عارفٌ، ومتعبِّدٌ متقشِّفٌ، ومتهجِّد (^٤) متصوِّف. وأنشدوا:
ألوانُها شتَّى الفنونِ وإنَّما تُسْقَى بماءٍ واحدٍ مِن مَنْهَلِ (^٥)
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: الواحدُ القهَّار أنزلَ مِن السَّماء مطرًا.
_________________
(١) في (ف): "قد يختلط بنزعات".
(٢) في (ف): "صفت".
(٣) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٨٤٠) عن أبي عنبة الخولاني مرفوعًا، قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ٦٣١): إسناده جيد. ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٩٧) من حديث أبي أمامة ﵁. ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥٦٨٧) من قول عبد اللَّه بن مالك، والخرائطي في "اعتلال القلوب" (١/ ١١) من قول ثور بن يزيد.
(٤) في (ف): "ومجتهد".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، والبيت للوأواء الدمشقي واسمه محمد بن أحمد العناني أبو الفرج.
[ ٩ / ٥١ ]
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾: جمعُ وادٍ ﴿بِقَدَرِهَا﴾: على أقدارها (^١) مِن السَّعةِ والضِّيق، والكِبَر والصِّغَر.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾؛ أي: الوادي إذا سالَ حملَ السَّيل زبدًا مرتفعًا على ظهرِه؛ وهو زَبَدُ الماءِ والغثاء؛ أي: الحق الَّذي أنزلَه اللَّهُ تلقَّتْهُ القلوبُ على قَدْرِ عقولِها وإذعانِها، والباطلُ يظهرُ أحيانًا ويكادُ يعلو الحقَّ، ثمَّ يتلاشى ويضمحِلُّ، ولا تكون العاقبةُ إلَّا للحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾؛ أي: من الجواهر الَّتي يستخرجونها مِن المعادن فيوقدون عليها ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾؛ أي: طلبَ الحلية ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾؛ أي: آنية من الأواني فله ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾؛ أي: خبثٌ كزبدِ الماء، ثمَّ إنَّه (^٢) ينمحقُ عندَ أوَّل ما لمستْهُ النَّار، ولا ينتفِعُ به أهلُه، فكذلك الباطل يضمحِلُّ عندَ أوَّلِ حجَّةٍ تقومُ بهِ مِن حججِ الحقِّ، والجواهرُ تبقى في الأرض، وهي مِثْلُ الحُجَجِ (^٣) تثبُتُ وتقوى.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾: أي: يبيِّن ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾؛ أي: يذهبُ بعدَ علوِّهِ السَّيل برفعِ الرِّياح إيَّاه، وقذفِ الماءِ به، وتعلُّقِه بالأشجار، وجنبات الأودية.
وقد جَفَأَتِ القدرُ وأجْفَأَتْ، وجَفَأَ الوادي وأَجْفَأَ؛ أي: رمى بما علاه، فيرمِي الوادي بالجَفأ أوَّلًا إلى جانبٍ، ثمَّ تعمل فيه الرِّيحُ والشَّمسُ ويتلاشى، وكذا الباطل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: المطرُ وجواهرُ المعادن
_________________
(١) في (أ): "مقدارها".
(٢) "إنه" من (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "مثلٌ لحجج".
[ ٩ / ٥٢ ]
تستقرُّ في الأرض، فيَنتفعُ بها النَّاسُ عندَ الحاجةِ إليها، والزَّبَدُ يعلو صورةً ثمَّ يتلاشى، وكذلك الباطلُ وأهلُه، والماءُ والجواهرُ يسفُلُ صورةً ويثبُتُ ويبقى، فكذلك الحقُّ وأهلُه، والجواهر تستفيدُ بالنَّار صفاءً، وكذلك المحقُّ يزدادُ بأذى المبطليْنَ خُلوصًا وبقاءً.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: أي: يبيِّنُ الأشياءَ لإيضاحِ الحقِّ وإدحاضِ الباطلِ.
* * *
(١٨) - ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾؛ أي: أجابوا دعوةَ الحقِّ ﴿الْحُسْنَى﴾؛ أي: المثوبةُ الَّتي لا أحسنَ منها، وهي الظَّفَرُ والتَّمكين في الدُّنيا، والنَّعيم المقيم في الجنَّة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]؛ أي: الظَّفرَ والشَّهادة، وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾؛ أي: الجنَّة.
وقال الإمام القشيريُّ: هي قَبولُ استجابَتِهم له، وذلك مِن أجلِّ الأشياءِ عندَهم؛ إذْ لا شيءَ أعزُّ على المحبِّ مِن قَبول محبوبِه منه شيئًا (^١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾: لم يجيبوا لربِّهم في دعوةِ الحقِّ، فلا مخلَصَ لهم بوجهٍ مِن الوجوهِ.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: مِن صنوفِ الأموالِ ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾؛ أي: وضعفَ ذلك.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٥).
[ ٩ / ٥٣ ]
﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾: لأعطَوه بدلًا عن أنفسِهم ليخلِّصوها من العذاب، ولا يُقبَل منهم، قال ذلك في آيةٍ أخرى، وهذا ممَّا عَلِمَ اللَّهُ في الَّذي لا يكونُ أنَّه لو كانَ كيفَ كانَ يكونُ.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾: أي: يحاسبُهم اللَّهُ بكلِّ معاصيهم، فيجازيهم عليها ولا يتجاوزُ عنها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: مرجعُهم بعدَ المحاسبة النَّارُ ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: بئسَ الفِراشُ جهنَّمُ.
* * *
(١٩) - ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: ليسَ الَّذي استجابَ للَّهِ في دعوة الحقِّ وعلم أنَّ ما أوحى اللَّهُ إليك أنَّه حقٌّ صِدقٌ كالذي لم يستجبْ له فيها وعميَ عنها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: إنَّما يتَّعظُ بآياتِ اللَّهِ أولو العقول، فيعلمون أنَّ وحيَه الحقُّ.
وقال أبو القاسم ابنُ حبيبٍ ﵀: رأيْتُ في بعض التَّفاسير أنَّها نزلَتْ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، وفي أبي جهلٍ لعنَه اللَّه (^١).
وقيل نزلَتْ: في عمَّار بنِ ياسرٍ وأبي حذيفة بن المغيرة (^٢).
_________________
(١) الذي ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٣٨)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٤٩٢) عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في حمزة ﵁ وأبي جهل.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٧٥).
[ ٩ / ٥٤ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لا يستوي البصيرُ والضَّريرُ، والمقبولُ والمردودُ، والمؤهَّلُ للتَّقريبِ والمعرَّضُ للتَّعذيب، والَّذي أقصيناه عن شهودِنا والَّذي هديناه لوجودِنا (^١).
* * *
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: له وجهان على الانتظام:
أحدهما: أنَّه نعتُ قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
والثَّاني: أنَّ تقريره: هم الَّذين.
وقال ابن عبَّاس ﵄: الَّذين يقيمون على الشَّهادة ولا ينقضون ذلك (^٢)؛ أي: لا يشركون باللَّه تعالى.
وقال مقاتلُ بنُ حيَّان: هو ميثاق ذريَّة آدم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ إذا بلغوا الحنثَ (^٣).
وقيل: هو ميثاقُ أهلِ الإيمان وقَبول الأوامرِ والنَّواهي.
وقيل: هو ميثاقُ الخِلْقة، وقد مرَّ ذكرُها وذكرُ أقاويل أُخَر في أوَّل (سورة البقرة).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هو باستدامةِ العِرفان، وإيفاءِ شرائطِ الإحسان،
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٥).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٣٨) بلفظ: (يريد: الذي عاهدهم عليه في صُلب آدم).
(٣) روى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٧١) في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وهو مثل ما ذكره الواحدي عن ابن عباس ﵄ كما في التعليق السابق.
[ ٩ / ٥٥ ]
والتوقِّي عن (^١) ارتكاب العصيان، بذلك (^٢) انبرم العقدُ يومَ الميثاق والضَّمان، وميثاقُ قومٍ ألَّا يعبدوا سواه، وميثاقُ قومٍ ألَّا يحبُّوا سواه، وميثاقُ قومٍ ألَّا يشاهدوا سواه، وميثاق قومٍ ألَّا يسألوا سواه (^٣).
* * *
(٢١) - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يعني مَن آمنَ مِن أهلِ الكتابِ وصلُوا الإقرارَ بكلِّ الأنبياءِ والكتبِ، ولم يقولوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض (^٤).
وقيل: هو صلةُ أرحامهم.
وقيل: هو صلةُ رَحِم النَّبيِّ -ﷺ-؛ قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: إلا أن تودُّوني لقرابتي منكم (^٥).
وهو خطابٌ للعربِ، ويجوز أن يكون لأهل الكتاب أيضًا، فهم بنو إسرائيل، وهم أولاد إسحاق، والعربُ -وهم النَّبيُّ ﵇ وأصحابه- من أولاد إسماعيل، فهم بنو عمٍّ بعضُهم لبعض.
_________________
(١) في (أ): "والتنفي عن" وفي (ف): "والنفي عن"، وفي (ر): "والسعي عن"، والمثبت من "لطائف الإشارات".
(٢) "بذلك" ليس في (أ).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٦).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٣٩)،
(٥) في (ف): "أي إلا أن تودوني منكم" وفي (ر): "أي لا تؤذوني لقرابتي منكم".
[ ٩ / ٥٦ ]
وقيل: هو التَّواصل في (^١) الدِّين والتَّوالي عليه، ولا طاعةَ بعدَ الإيمانِ باللَّهِ تعالى أعظمُ ثوابًا مِن الحبِّ في اللَّه تعالى والبغضِ فيهِ.
وقوله تعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: أي: في نقضِ الميثاقِ وقطيعةِ الرَّحم وكلِّ شيء.
﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾: أي: مناقشتَه، والمجازاةَ على كلِّ المعاصي بغيرِ عفوٍ.
وقال القشيريُّ ﵀: يصلونَ أنفاسَهم بعضَها ببعضٍ، فلا يتخلَّلُها نَفَسٌ لغيرِ اللَّهِ تعالى، ولا في شهودِ غيرِ اللَّه، ويصلونَ سيرَهم بسُراهم (^٢) في إقامة العبوديَّة، والتَّبرِّي مِنَ الحولِ والقوَّة.
﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: والخشيةُ لجامٌ يوقفُ المؤمنَ عن الرَّكض في ميادين الهوى، وزمامٌ يجرُّه إلى (^٣) استدامة حكم التَّقوى.
﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾؛ أي: يبدو لهم مِن اللَّهِ ما لم يكونوا يحتسبون (^٤).
* * *
(٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾: أي: حبسوا أنفسَهم عمَّا لا يجوز.
وقيل: أي: تجرَّعوا مرارةَ منعِ النَّفس فيما تهواه.
_________________
(١) في (ف): "على".
(٢) في (ر) و(ف): "سرهم بسرائرهم".
(٣) في (أ): "مجرد أي" بدل من "يجره إلى".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٦).
[ ٩ / ٥٧ ]
وقيل: صبروا على أداءِ الطَّاعات.
وقيل: صبروا على ترك السَّيِّئات.
ويجوز أن يكون هذا عطفًا، ويجوز أن يكون ابتداء، وجوابُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يحتمل الوجهَيْن.
وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: الصَّلوات بأركانها وشروطها وآدابها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: أي: في الزَّكوات، ونوافل الصَّدقات، والمندوبِ من النَّفقات، سرًّا وعلانية، لا علانية لا غير، فيكونَ رياءً.
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: أي: يدفعون إساءةَ مَن أساءَ إليهم مِن النَّاس بالإحسان إليهم، عملًا بقولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
وقيل: أي: يدفعون بالإيمانِ الشِّرك.
وقال الحسنُ: إذا حُرِموا أَعطوا، وإذا ظُلِموا عَفَوا، وإذا قُطِعوا وَصَلوا (^١).
وقال ابنُ كيسان: إذا أذنبوا تابوا، وإذا هربوا أنابوا، فيدفعون بالتَّوبة عن أنفسِهم معرَّة الذُّنوب (^٢).
ونظيرُه قولُه ﵊ لمعاذٍ ﵁: "إذا عملْتَ سيِّئةً فأتْبِعْها بحسنةٍ، السِّرُ بالسِّرِّ، والعلانيةُ بالعلانيةِ" (^٣).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٨٦).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٨٦)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٤٠).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٣٢٥) من طريق أبي معاوية عن معاذ ﵁ قال أوصني يا رسول اللَّه. . . الحديث. ورواه الإمام أحمد في "الزهد" (١٤١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ١٥٩) عن عطاء بن يسار عن معاذ. =
[ ٩ / ٥٨ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: أي: هؤلاء الَّذين وصفناهم هم الَّذين أعقبَهم اللَّهُ الجِنان مِن دار الدُّنيا؛ أي: جزاءً بما فعلوا فيها.
وعن ابن المبارك أنَّه قرأ هذه الآيات فقال: ثماني خِلالٍ مسيِّرةٌ إلى ثمانيةِ أبوابٍ مِن أبوابِ الجنَّة (^١).
وقال القشيريُّ ﵀: وممَّا يجبُ الصَّبر عليه لأهل الإرادة هو الوقوف على حكم تعزُّز الحقِّ ﷻ، فإنَّه يتفضَّلُ على الكافَّة مِن المجتهدين، ويتعزَّز خصوصًا على المريدين، فيمتحنُهم بالصَّبر في أوانِ إرادتِهم، فإذا صدقوا في صبرِهم جادَ عليهم بتحقيقِ ما طلبوا (^٢).
* * *
(٢٣) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾: رفعُها مِن وجهَيْنِ:
أحدُهما: أنَّه بدلٌ عن قولِه: ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾.
والثَّاني: أنَّه مبتدأ، وخبرُه ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ أي: بساتينُ إقامةٍ يدخلونها.
_________________
(١) = ورواه هناد في "الزهد" (١٠٧٢) و(١٠٩٢)، والطبراني (٢٠/ ١٧٥)، عن أبي سلمة قال: قال معاذ. . . وكلها مرسلات، ويشهد له حديث أبي ذر ﵁: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، رواه الترمذي (٤/ ٣٥٥) وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٨٦).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٧).
[ ٩ / ٥٩ ]
﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: أي: مَن آمنَ باللَّه مِن والدِيهم وزوجاتِهم وأولادِهم فيجتمعون، وفيه أعظمُ اللذَّات وأجلُّ النِّعمة والكرامات.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾: قال مقاتلٌ: يدخلون عليهم في مقدارِ يومٍ وليلةٍ مِن أيَّام الدُّنيا ثلاثَ كرَّات (^١)، معهم الهدايا والتُّحف (^٢).
* * *
(٢٤) - ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: يقولون: سلامٌ عليكم، وهو تحيَّة وكرامة.
وقيل: إخبارٌ منهم أنَّهم وصلوا إلى السَّلامة التَّامَّة مِن كلِّ آفةٍ.
وقيل: هو دعاءٌ منهم لهم بها.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (^٣): في الدُّنيا عن المعاصي (^٤) وعلى الطَّاعة وعلى المحنة.
وقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾: أي: فهي نِعْمَ عُقبى الدَّار، وقد فسَّرناها.
* * *
(٢٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "كرامات"، وفي "تفسير مقاتل": "ثلاث عشرة مرة"، والمثبت الموافق لـ (أ)، و"تفسير الثعلبي".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٧٦)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٨٦).
(٣) بعدها في (ر): "أي: بما صبروا".
(٤) في (أ): "المعصية".
[ ٩ / ٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: أي: إيثاقه ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ هو بمقابلة ما ذكر في الآيات المتقدِّمة مِن الوفاء بالعهد وصلة الرَّحم.
قوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ﴾: قيل: بالعمل بالمعاصي.
وقيل: بالتَّنفير عن النَّبيِّ -ﷺ- والنَّميمة على المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: أي: الطَّرد والإبعاد عن رحمة اللَّه ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾؛ أي: يرَوْن فيها ما يسوؤهم.
وقال القشيريُّ ﵀: نقضُ العهدِ: الرُّجوع إلى الاختيار والتَّدبير (^١) بعدَ شهودِ الأقدارِ وملاحظة التَّقدير (^٢).
* * *
(٢٦) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: أي: يوسِّع الرِّزق لمن يشاءُ ويضيِّق على مَن يشاء، وليس التَّوسيع على الكفَّار لكرامتهم، ولا التَّضييق على المسلمين لإهانتِهم، بل للمسلمين في الآخرة الجنَّة ونعيمها، ونِعْمَ عُقبى الدَّار، وللكافرين في الآخرة اللَّعنة ولهم سوء الدَّار.
وقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: سُرُّوا بها وبطروا؛ أي: المشركون، ولم يعلموا ما عندَ اللَّهِ للَّذين يؤمنون.
_________________
(١) في (ف): "والإدبار".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٨).
[ ٩ / ٦١ ]
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾: قال مجاهدٌ: أي: نفعٌ قليلٌ ذاهبٌ (^١).
وقال القشيريُّ ﵀: بسَطَ الرِّزقَ للأغنياء وطالبَهم بالشُّكر، وقبضَ عن الفقراءِ وطالبَهم بالصَّبر، ثمَّ وعدَ الزِّيادةَ للشَّاكرين، ووعدَ معيَّته للصَّابرين، فللأغنياء الأموال بمزيدِها، وللفقراءِ التَّجرُّد في الدَّارين عن طريفِها وتليدِها.
﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فرحَ الأغنياءِ بزكاءِ أموالِهم، وفرحَ الفقراءِ بصفاءِ أحوالِهم.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾؛ أي: قليلٌ بالإضافةِ إلى متاعِ الآخرةِ، فأموال الأغنياء وإنْ كَثُرَتْ قليلةٌ بالإضافةِ إلى ما وعدَ لهم مِن شهودِ جماله وجلالِه (^٢).
* * *
(٢٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أي: يقول عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ وأميَّةُ وأصحابُه: لولا أُنزِلَ عليه آيةٌ مِن ربِّه، وهي آيةٌ كانوا يقترحونَها.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ مع ظهور الآيات ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ مَن يشاءُ (^٣) مع غموضِ الآيات، فهو الهادي والمضلُّ، فيهدي ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ إليه؛ أي: رجعَ إليه (^٤)، وانقطعَ بعملِه إليه؛ أي: يهدي مَن علمَ منه اختيارَ الهدى والرُّجوع إليه تعالى.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥١٦).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٩).
(٣) في (ف): "أناب ".
(٤) في (أ) و(ف): "إلى اللَّه".
[ ٩ / ٦٢ ]
(٢٨) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾: هذا نعتُ ﴿مَنْ أَناَبَ﴾، وذلك بمعنى الجمع؛ لأنَّه جنسٌ.
﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تسكنُ ولا تضطرب، وتزول عنها الشُّبَه.
قال مجاهدٌ: الآيةُ في أصحابِ رسولِ اللَّه -ﷺ- (^١).
وقال مقاتلٌ: وتطمئنُّ قلوبهم بالقرآن (^٢).
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ يعني: تسكنُ القلوبُ بالقرآنِ.
وقال قتادةُ: أي: تَهَشُّ إلى ذكرِ اللَّهِ وتستأنسُ به (^٣).
وقال القشيريُّ: قومٌ قد اطمأنَّتْ قلوبُهم بذكرِ اللَّهِ، وفي الذِّكْرِ وجدوا سلوتهم (^٤)، وبالذِّكرِ وصلوا إلى صفوتِهم، وقومٌ قد اطمأنَّتْ قلوبُهم بذكرِ اللَّهِ، فإذا ذكرَهُم اللَّهُ بلطفِه أثبتَ الطَّمأنينة في قلوبِهم على وجهِ التَّخصيص لهم.
وقيل: إذا ذكروا أنَّ اللَّهَ ذكرَهُم استروحَتْ قلوبُهم، واستبشرَتْ أرواحُهم، واستأنسَتْ أسرارُهم (^٥).
* * *
(٢٩) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥١٩)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٨٨).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٧٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥١٨)،
(٤) في (ر) و(ف): "سكونهم".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٢٩).
[ ٩ / ٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: هذا مبتدأ، وخبرُه قولُه تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.
وقيل: لَمَّا قال في الآية الأولى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقَبْل جوابه أتى بكلامٍ معترضٍ تامٍّ، وهو قولُه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ أي: هكذا يجبُ أنْ يكون، انقطع الأوَّل، فأعاد ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وهو يرجع إلى ما تقدَّمَ، وبني عليه جوابُه.
﴿طُوبَى لَهُمْ﴾؛ أي: لهم طِيْبُ العيش.
﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾؛ أي: حسنُ مرجعٍ ومنقلَبٍ إلى كرامةِ اللَّهِ تعالى.
و﴿طُوبَى﴾: فُعلى مِن الطِّيب، والواو أصلها الياء، وصارت واوًا لضمَّةِ ما قبلها.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: فرحٌ لهم، تقرُّ به أعينُهم.
وقال قتادة: حُسنى لهم.
وقال عكرمة: نِعْمَ ما لهم.
وقال الضَّحَّاك: غبطة لهم.
وقال إبراهيم: أي: كرامة لهم من اللَّه.
وقال مجاهد: أي: الجنَّة لهم (^١).
قال أبو هريرة: هي شجرةٌ في الجنَّة (^٢).
_________________
(١) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٢٠ - ٥٢٣).
(٢) سيأتي تخريجه قريبًا.
[ ٩ / ٦٤ ]
وقيل: هي تأنيثُ الأطيبِ، وهي صفة الجنَّة؛ أي: أطيب الأشياء لهم، وهي الجنَّة.
وقال الزَّجَّاج: أي: العيش الطَّيِّب لهم (^١).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: هو البستانُ بلغة الهند (^٢).
وقال مجاهد: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: هو الجنَّة بلسانِ الحبشة (^٣).
وقال شميط بن عجلان (^٤): ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، يعني: دوام الخير (^٥).
وقال أبو هريرة: طوبى: شجرةٌ في الجنَّة، يقول اللَّه تعالى لها: تفتَّقي لعبادي عما شاؤوا، فتتفتَّقُ لقومٍ عن الخيلِ بِسُرُجِها ولُجُمِها، ولقومٍ مِن الإبلِ برحالِها وأَزِمَّتِها، ولقومٍ عن الحليِّ والحُلَلِ، ولقومٍ عن الفواكِه (^٦).
وقال مقاتلٌ: طوبى: شجرةٌ في الجنَّة، لو ركبَ رجلٌ فرسًا أو نجيبةً عُمُرَهُ لم يبلغ الموضِعَ الَّذي ركبَ منه حتَّى يدركَهُ الهرمُ، ولو طارَ طائرٌ مِن ساقِها لَمَا أدركَ فرعَها حتَّى يدركَهُ الهرمُ، لها أوراقٌ كلُّ ورقةٍ منها تُظِلُّ أمَّةً، على كلِّ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٤٨).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٨٨)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٢٢) عن سعيد بن مسجوح.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٢٢) عن ابن عباس ﵄.
(٤) شميط بن عجلان البصري العابد، أحد زهاد البصرة، أسند شيئًا يسيرًا عن التابعين، وله مواعظ نافعة وقصص، سئل أبو حاتم عنه فقال: لا بأس به، يكتب حديثه، توفي (١٥٠ هـ). انظر: "تاريخ الإسلام" للذهبي (٣/ ٨٩٢).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٨٨).
(٦) رواه نعيم بن حماد في زوائده على "الزهد" لابن المبارك (٢٦٥)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٧٦)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٢٤)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ١٦).
[ ٩ / ٦٥ ]
ورقةٍ ملَكٌ يسبِّحُ اللَّهَ تعالى بأنواع التَّسبيحِ، ثمارُها الحليُّ والحُلَلُ (^١).
وقال عبيدُ بنُ عميرٍ: طوبى: شجرةٌ في الجنَّة (^٢)، أصلُها في دارِ النَّبيِّ -ﷺ-، ففي كلِّ دارٍ وغرفةٍ غصنٌ منها، لم يخلق اللَّه لونًا ولا زهرةً إلَّا وفيها، ينبعُ مِن أصلِها عينان: الكافور والسَّلسبيل (^٣).
وروى أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ عن النَّبيِّ -ﷺ-: "طوبى شجرةٌ في الجنَّةِ مسيرةُ مئةِ سنةٍ، ثيابُ أهلِ الجنَّةِ تخرجُ مِنْ أكمامِها" (^٤).
وقال أبو أمامة: طوبى شجرة في الجنَّة، ليس فيها دارٌ إلَّا وفيها غصنٌ منها، ولا طيرٌ إلَّا وهو فيها، ولا ثمرةٌ إلَّا وهي فيها (^٥).
وقال يزيد بن شجرة: طوبى شجرةٌ في الجنَّةِ عليها طيرٌ أمثالُ البخت، يقعدُ الوليُّ على الخوان فيدعو واحدًا منها فيقع على الخوان، فيأكل نصفَه شواءً، ونصفَه قديدًا، فإذا فرغَ مِن الأكلِ قامَ الطَّيرُ فطارَ وذهبَ (^٦).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٧٧).
(٢) في (أ): "جنة عدن".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٨٩)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣١٦).
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١١٦٧٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٧٤)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٤١٣).
(٥) رواه ابن وهب في "جامعه - تفسير القرآن" (٣٢٨).
(٦) رواه هناد في "الزهد" (١٢٠)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٣٩٦٦)، وسعيد بن منصور في "سننه" (١١٧٠ - تفسير)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٦٨)، جميعهم من قول مغيث بن سمي.
[ ٩ / ٦٦ ]
(٣٠) - ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾: أي: قد خلَتْ مِن قبلِكَ أممٌ أرسلنا إليهم كما أرسلنا إلى هذه الأمَّة.
قوله تعالى: ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أي: لتقرأَ عليهم القرآنَ فيتدبَّروه، ويقفوا على إعجازِه، فيكونَ آيةً على صدقِكَ، إذْ هم في غايةِ الفصاحةِ والعلمِ بأصنافِ الكلامِ، فيستدلُّوا بعجزِهم عن الإتيان بسورةٍ مثلِه أنَّه مِن عندِ اللَّهِ، فيقفوا أيضًا على أقاصيصِ الماضِيْن ليتيقَّنوا (^١) أنَّه مِن عندِ اللَّهِ تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾؛ يعني: ممَّا تتلو عليهم مِن القرآنِ المعجزةِ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا أكفرُ بِهِ كما تكفرون ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: اعتمدْتُ ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾؛ أي: مرجعي في الأمورِ كلِّها.
وقال مقاتلُ بنُ سليمانَ: نزلَتْ في صلح الحديبيةِ حينَ صالحَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- أهلَ مكَّة؛ منهم سُهَيلُ بنُ عَمرو، وذلك أنَّهم أرادوا أنْ يكتُبَ لهم رسولُ اللَّهِ -ﷺ- كتابَ الصُّلح، فقالَ للكاتبِ: "اكتب: بسمِ اللَّهِ الرَّحمن الرَّحيم"، فقال سهيلٌ: ما نعرفُ الرَّحمن إلَّا صاحبَ اليمامةِ -يعني مسيلمة الكذَّاب- اكتبْ: باسمِكَ اللَّهمَّ، فكتبَ: باسمِكَ اللَّهمَّ (^٣)، فأُنْزِلَتْ هذه الآيةُ (^٤).
_________________
(١) في (أ): "فيعرفوا"؛ وفي (ت): "فيقروا".
(٢) في (أ): "من الطرف المعجز" بدل من "القرآن المعجزة".
(٣) "فكتب باسمك اللهم" ليس في (ف).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، وعزاه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩١) لقتادة وابن جريج، =
[ ٩ / ٦٧ ]
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نزلَتْ في أبي جهلٍ، وذلك أنَّه دعا جماعةً مِن المشركين، وأتَوا النَّبيَّ -ﷺ-، فقالوا (^١): إنْ يسرُّكَ أنْ نؤمِنَ بكَ ونتَّبِعَكَ فسيِّرْ لنا هذهِ الجبالَ مِن مكَّةَ، فنحنُ في ضِيْقٍ حتَّى نتَّخذ كظائِمَ -يعني: آبارًا (^٢) - ونغرس ونزرع، فلسْتَ أهونَ عندَ اللَّهِ مِن داود، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "لا أطيقُ ذلك"، قالوا: فسخِّرْ لنا الرِّيحَ لنركبَها، ونمتارَ في يومٍ إلى الشَّامِ مسيرةَ شهرٍ، ونرجعَ مِن يومِنا، فلسْتَ أهونَ عندَ اللَّهِ مِن سليمانَ، قال: "لا أطيقُ ذلك"، قال: فإنْ كنْتَ لا تطيقُهُ فأحيِ لنا جدَّكَ قُصيًّا حتَّى يخبرَنا عن كونِ البعْثِ، وعن صحَّةِ أمرِكَ، فلسْتَ بأهونَ عندَ اللَّهِ تعالى مِن عيسى، قال: "لا أطيقُ ذلك"، قال: فإنْ كنْتَ لا تطيقُه فلا أُلفينَّكَ تذكرُ آلهتَنا بسوءٍ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الآية (^٣).
* * *
(٣١) - ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
_________________
(١) = وأصل الحديث رواه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ومسلم (١٧٨٤) من حديث أنس ﵁.
(٢) في (أ): "فقال لرسول اللَّه -ﷺ-" وفي (ف): "النبي -ﷺ- فقال" بدل من "وأتوا النبي -ﷺ- فقالوا".
(٣) في (أ): "يعني: آثارًا" وفي (ر): "ثم نبني لها دارًا". والكظائم: هي آبارٌ تُحْفَرُ ويُبَاعَدُ ما بَيْنَها، ثمَّ يُخْرَقُ ما بَيْن كلِّ بِئرينِ بقناةٍ تُؤدِّي الماءَ مِن الأُولى إلى التي تَلِيْها، حتَّى يَجْتَمِعَ الماءُ إلى آخِرِهِنَّ؛ ليَبْقَى في كلِّ بئرٍ ما يَحْتاجُ إليه أهلُها للشُّربِ وسَقْيِ الأرض، ثمَّ يُخْرَجُ فَضْلُها إلى التي تَلِيْها. انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: كظم).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٢). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٣٤ - ٥٣٥) عن قتادة والضحاك وابن زيد.
[ ٩ / ٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾: جوابُه محذوفٌ، وهو: لكان هذا القرآن، وهو كقولِ القائل:
واقْسِمُ لو شَيءٌ أَتَانَا رَسولُهُ سِواكَ ولَكِنْ لم يَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا (^١)
وجوابُه محذوفٌ، وهو: لدفعْنَاه.
وقال الفرَّاءُ: يجوزُ أنْ يكونَ جوابُه: لكفروا بالرَّحمن؛ لتقدُّم ما يقتضيه (^٢).
يعني: إنَّهم لتعُّنتِهم لا يؤمنون مع رؤيةِ كلِّ آيةٍ، كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]، وهي منتظِمةٌ بما مَرَّ: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ يعنون: مثلَ تسيير الجبالِ وتفجُّرِ الأنهار، فلمَّا أُشِيْرَ بهم إلى القرآن أنَّه آية معجزة قالوا: فافعل هذا بقرآنِكَ، فنزلَتْ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ فكذا وكذا، وجوابُه: لكان هذا القرآن، لكنْ ما أُنْزِلَ هذا القرآنُ لهذه الأشياء، فليسَتْ هذه (^٣) مِن القرآنِ ولا مِن محمَّد، بل هي مِن اللَّه (^٤) تعالى، ولو فُعِلَ بالقرآنِ لكانَ
_________________
(١) البيت لامرئ القيس، انظر: "ديوانه" (ص: ١٢٦)، وصدره في الديوان: وجَدِّكَ لو شيءٌ أتانا رسوله
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٦٣)، وفيه: (وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ لم يأتِ بعدَه جوابٌ لـ (لو)، فإنْ شئْتَ جعلْتَ جوابها متقدِّمًا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ولو أنزلنا عليهم الذي سألوا، وإنْ شئْتَ كان جوابه متروكًا لأنَّ أمرَه معلومٌ، والعرب تحذفُ جوابَ الشَّيء إذا كان معلومًا إرادةَ الإيجاز). فقوله: (فإنْ شئْتَ جعلْتَ جوابها متقدِّمًا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾. . .)، هو ما أراده المؤلف بما عزاه للفراء كما يتبين من كلام مكي بن أبي طالب في "الهداية" (٥/ ٣٧٤١) حيث قال: قال الفراء: الجواب: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾، والتقدير: ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال لكفروا بالرحمن.
(٣) "فليست هذه" ليس في (أ) و(ف).
(٤) في (أ) و(ف): "بل هو للَّه".
[ ٩ / ٦٩ ]
ذلِكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تعالى، والأمرُ كلُّه للَّهِ تعالى، يفعلُ ما يشاءُ، لا يمتنعُ عليه شيءٌ أرادَه، ولكن لا يفعل (^١) على شهواتِ المقترحين.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾: استفهامٌ بمعنى الأمرِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ والحسنُ وقتادةُ وابن زيدٍ وأبو عبيدةَ: يعني: أفلمْ يعلمْ، ومعناه: فلْيعلَمْ (^٢).
قالَ سُحَيْمٌ:
أقولُ لهمْ بالشِّعْبِ إذْ ييسرونَني ألمْ تَيْأَسُوا أنِّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ (^٣)
وقيل: أفلمْ ينقطعْ طمعُهم مِن خلافِ هذا علمًا لصحَّتِه، والعلمُ بالشَّيءِ يوجِبُ اليأسَ مِن خلافِه.
وقيل: إنَّ طائفةً مِن المسلمين قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أجبْ هؤلاءِ الكفَّارَ إلى ما سألوا، فعسى يؤمنون، فقال اللَّه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى
_________________
(١) في (أ): "يعمل".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٣٧) عن ابن عباس ﵄ وابن جريج ومجاهد وقتادة وابن زيد. وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٢٨) عن الحسن. وذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٣/ ١٤٩)، ثم قال: "والقول عندي -واللَّه أعلم- أن معناه: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم اللَّه بأنهم لا يؤمنون لأنه قال: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ".
(٣) البيت لسحيم بن وثيل الرياحي. انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٣٢)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (٣/ ١١٤٨)، و"تفسير الطبري" (١٣/ ٥٣٥)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٩٣).
[ ٩ / ٧٠ ]
النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ أي: إن اللَّه قادرٌ على أنْ يهديَ كلَّ النَّاسِ، ولكنْ لا تطمعوا أنتم في إيمانِهم، فإنِّي لا أهديهم لعلمي باختيارهم الضَّلال.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: قال ابنُ عبَّاس: ﴿قَارِعَةٌ﴾: عقوبة (^١).
وقال قتادة: بليَّة (^٢).
وقال مجاهدٌ: وقعة هَلَكة؛ أي: مِن سراياه (^٣).
وقال المبرِّد: داهيةٌ (^٤). وأنشدَ لحسَّانَ ﵁:
وأَمَّ النَّبيُّ بني مالكٍ لقارعةٍ وَسْطَهُمْ تَنْزِلُ (^٥)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٤١) بلفظ: "عذاب من السماء ينزل عليهم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٤٢)، ولفظه: "وقيعة".
(٣) وقع لفظ الكلام في (أ) هكذا: "وقال مجاهد دفعة وقيل هلكة أي من سراياه". وقد روي خبر مجاهد في المصادر بألفاظ مختلفة لكنها متقاربة، ففي "تفسير مجاهد" (ص: ٤٠٧)، و"تفسير الطبري" (١٣/ ٥٤١)، من طريق ابن أبي نجيح عنه قوله: (تُصَابُ مِنْهُمْ سَرِيَّةٌ أَوْ تُصابُ فيهم مُصِيبةٌ). ورواه سفيان الثوري في "تفسيره" (٤٥٦) عن ليث عن مجاهد بلفظ: (﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: السرايا)، وكذا رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٤٢) من طريق عكرمة عنه. وكذا رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٤٣) من طريق ليث أيضًا وزاد: (كان يبعثهم النبي -ﷺ-) وهذا يدل على أن الضمير في "سراياه" عائد على النبي -ﷺ-، وقد جاء في رواية أخرى عند الطبري: (﴿قَارِعَةٌ﴾: سَرِيَّةٌ)، وفي أخرى: (كتيبةٌ)، وفي أخرى: (﴿قَارِعَةٌ﴾: مصيبة من محمد ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ قال: أنتَ يا محمدُ ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: الفتحُ).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٤) بلا نسبة.
(٥) لم أقف عليه.
[ ٩ / ٧١ ]
فعلى قولِ مَن قالَ: هذا السُّورة مكيَّةٌ، فتأويلُه: ولا يزالُ هؤلاء المشركون يصيبهم بكفرِهم واقتراحِهم داهيةٌ مهلكةٌ مِن صاعقةٍ، كما أصابَتْ أربدَ ونحوَ ذلك، وكما أصابَتِ المشركين (^١) بمكَّة على ما تأتي قصَّتُه إن شاء اللَّه تعالى، أو تحلُّ أنت يا محمَّد قريبًا مِن دارهِم، تخرجُ مِن المدينةِ وتنزل قريبًا من دارهِم، فيخافون، حتَّى يأتيَ أمرُ اللَّهِ بالقتالِ.
وعلى قولِ مَن قال: هي مدنيَّة، فالقارعةُ: السَّريَّةُ مِن سرايا رسولِ اللَّه -ﷺ- تأتي مكَّة، أو تحلُّ القارعةُ قريبًا مِن دارهِم حول مكَّة، والتَّاء (^٢) في هذا للتَّأنيث، وفي الأوَّل للخطاب ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: فتحُ مكَّة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
وقيل: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: إظهار دينِه على الأديانِ كلِّها.
وقيل: حتَّى يأتي يومُ القيامةِ.
والقارعةُ: مِن القَرْعِ، وأصلُه: الضَّربُ بشدَّةٍ كقَرْعِ البابِ، والضَّرْبُ بالمِقْرَعَةِ، والقارعةُ اسمٌ للقيامةِ لقرعِها القلوب.
* * *
(٣٢) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: وهذه تسليةٌ للنَّبيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) في (أ): "المستهزئين".
(٢) أي: التاء في ﴿تَحُلُّ﴾.
[ ٩ / ٧٢ ]
يقول: ولقد فُعِلَ بالرُّسِلِ مِنْ قبلِكَ ما يَفعلُ هؤلاء المستهزئون (^١) بك، مِن الاستهزاءِ، واقتراحِ الآيات، فأمهلْتُ المستهزئينَ مدَّةً ليؤمِنَ مَن كان في علمي أنَّه يؤمِنُ، أو يزدادَ إثمًا ويكفرَ مَن علمْتُ أنَّه لا يؤمنُ.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: بالعقابِ، فانظر كيف كان ذلك.
وقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ كلمةٌ تُستعمَلُ عندَ الإعلام بالقدرة، وهو توعُّدٌ لهؤلاءِ بمثلِه.
* * *
(٣٣) - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: هو تعجُّبٌ مِن المشركين في إشراكِهم باللَّهِ غيرَه، وهو استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: ليس مَن هو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبَتْ؛ أي: قائمٌ بالتَّدبير في جزائها (^٢)، وقيل: بحفظِها وإدرارِ رزقِها.
وقيل: أفمَن هو محاسِبٌ مطالِبٌ، كما قال: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥].
وحذفَ هنا: (كمَنْ ليس كذلك) لدلالةِ الكلامِ عليه، ومثلُهُ في القرآن كثيرٌ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩]، ودلَّ على هذا الحذف ما بعدَه، وهو قوله تعالى:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾؛ أي: شركاءَ ليسوا بقائمِينَ على الأنفس.
_________________
(١) "المستهزئون" ليس في (أ).
(٢) في (ف): "حراستها".
[ ٩ / ٧٣ ]
وقيل: المحذوفُ شيءٌ آخرُ، وتقديرُه: أفمَن هو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبَتْ يحفظُها ويرزقُها في دار المحنةِ إلى مدَّةٍ يمتحنُهم ثمَّ لا يجعلُ لهم دارَ جزاءٍ؛ أي: هذا لا يكون.
وكلمةُ: (أفَمَنْ) و(أومَنْ) و(أمَّنْ) ذُكِرَتْ في القرآنِ في ستَّ عشرةَ آية:
ثلاثٌ في صفةِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس: ٣٥].
وثلاثٌ في حقِّ الرَّسولِ -ﷺ-: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤]، ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢]، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢].
وواحدةٌ في حقِّ الصِّدِّيقِ ﵁: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ الآية [القصص: ٦١].
وواحدةٌ في حقِّ الفاروقِ ﵁: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ [فصلت: ٤٠].
وواحدةٌ في حقِّ عثمانَ ﵁: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩].
وواحدةٌ في حقِّ عليٍّ ﵁: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨].
وثلاثٌ في حقِّ المؤمنين: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١٩]، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وثلاثٌ في حقِّ الكفَّارِ: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩]، ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ٢٤]، ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨].
[ ٩ / ٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾؛ أي: أشركوا أيضًا مع إنكارِهُمُ البعثَ، فازدادوا كفرًا إلى كفرٍ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾: قيل: سمُّوا هؤلاء الَّذين جعلتُموهم شركاء بأسماء حقيقةٍ لها معانٍ تستحقُّ بها أنْ تكونَ معبودةً، ولم تقدروا على ذلك، فبطلَ قولُكم.
وقيل: إذا سمَّيتموها آلهةً فسمُّوها بأسماء اللَّه، وهي الخالق والرَّازق وسائر الأسماء، ولا يفعلون ذلك لعلمِهم أنَّه باطل، فكذلك تسميتُهم بالآلهةِ.
وقيل: إذا جعلتُم لي شركاء فسمُّوها مَن هم، ولا شكَّ أنَّهم يسمُّون أصنامَهم المعروفةَ بالَّلات والعُزَّى ومناةَ ونحوها، فيَعلمُ كلُّ عاقلٍ أنَّها جماداتٌ لا تملكُ شيئًا، ولا يكون منها شيءٌ إلهًا معبودًا، وهو كمَنْ يقولُ: إنِّي لأعلمُ لفلانٍ شبيهًا، فيُقالُ له: سَمِّهِ، فإذا سَمَّى مَن يُعْلَمُ يقينًا أنَّه ليس بشبيه لِمَنْ (^١) يقولُ، رُدَّ عليه قولُه، وبطلَ كلامُه، فكذا هذا.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: أتخبِّرون اللَّهَ بالشُّركاءِ في الأرض وهو لا يعلمُ ذلك؛ أي: لو كان لَعَلمَ، فهو في الحقيقةِ نفيُ الكونِ، لا نفيُ العِلْم، وأنَّه (^٢) عطفٌ على الألفِ في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾.
وقيل: هاهنا مُضمَر با لألف، ثمَّ هذا عُطِفَ عليه: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ (^٣) أتسمُّونهم أم تنبِّئون اللَّهَ بما لا يعلمُ في الأرض.
_________________
(١) في (أ): "لشبيه أن" بدل من "بشبيه لمن".
(٢) في (ف): "ولأنه".
(٣) في (ر) و(ف): "بل سموهم".
[ ٩ / ٧٥ ]
وقوله تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾: قالَ مجاهدٌ وقتادةُ: أي: بظاهرٍ مِن قَوْل سلفِكُم على الجهالةِ أنَّها شركاء مِن غير حقيقةٍ (^١).
وقيل: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الَّذي أنزلَ اللَّهُ على عبادِه، فإنِ ادَّعوا ذلكَ فقل: هاتوا برهانَكم.
وقيل: أي: بظنٍّ (^٢) مِنَ القول، كالرَّجلِ يرى ظاهرَ الشَّيءِ وهو لا يعلمُ باطنَه، ولو تأمَّلَه لَبَانَ له خلافُه، وهو كقوله: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]؛ أي: بما ظهرَ لهم من الرَّأي مِنْ غيرِ تأمُّلٍ.
وقيل: أي: بباطلٍ مِن القول زائلٍ، ويقال: ظهرَ عنِّي العيب؛ أي: زالَ، قال الشَّاعرُ:
وتِلْكٌ شَكاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها (^٣)
أي: زائلٌ.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: أي: ما أُتُوا مِن هذا، ولكن زَيَّنَ الشَّيطانُ لهم اختداعَهم (^٤) للضَّعفة.
وقوله تعالى: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ بضمِّ الصَّاد؛ أي: وصرفَهُم الشَّيطان عن سبيلِ اللَّهِ، وقرأ الباقونَ بفتحِها (^٥)؛ أي: هم أعرضوا عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: هذا ظاهرٌ.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٤٩)، ولفظ مجاهد: "بظن"، ولفظ قتادة: "الظاهر من القول: هو الباطل".
(٢) في (ر) و(ف): "نطق".
(٣) عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي، انظر: "ديوان الهذليين" (١/ ٢١)، وصدره: وعيَّرها الواشون أنِّي أحبُّها
(٤) في (أ): "اختلاعهم"، وفي (ر) و(ف): "اخداعهم"، والمثبت من "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية.
(٥) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣).
[ ٩ / ٧٦ ]
(٣٤) - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يحلُّ بهم كما حلَّ بالمستهزئين وبرؤوس المشركين يومَ بدرٍ ونحو ذلك.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾: أي: أغلظُ وأبلغُ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾؛ أي: إذا عذَّبهم لم يمنعْهُ مانعٌ عنه.
* * *
(٣٥) - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾.
وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: قيل: جوابُه محذوفٌ في آخرِه، وهو: أَجَلُّ مَثَلٍ.
وقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: صفةُ الجنَّة، كقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، وعلى هذا فيه مُضْمَرٌ أيضًا، تقديرُه: صفةُ الجنَّة التي وُعِدَ المتَّقون [أنها] (^١) تجري مِن تحتِها الأنهارُ.
وقيل: الإضمار في أوَّله: وفيما يُتْلَى عليك مثلُ الجنَّةِ.
وقيل: إضماره: هذا مثل الجنَّة، ذكر وعدَ الأولياءِ بعدَ ذكرِ وعيدِ الأعداءِ.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: فى غاية النُّزهة، والعربُ كانوا فى عِوَزٍ مِن الماءِ، فكانوا يَعُدُّون هذا أعظمَ نزهةٍ.
وقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾: أي: ثمرُها غيرُ منقطعٍ ﴿وَظِلُّهَا﴾ كذلِكَ لا تنسخُهُ الشَّمسُ.
_________________
(١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، وبدونه لا يكون هناك مضمر، وهذا الوجه أجازه الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ٦٥)، ونقله عنه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٣١٥).
[ ٩ / ٧٧ ]
﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: أي: هذه عاقبة المتَّقين ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾: هذا ظاهر.
* * *
(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: وأهل الكتاب الَّذين أسلموا ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: بالقرآنِ؛ لموافقةِ كتابِهم في ذِكْرِ الرَّحمنِ.
﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: قال مقاتلٌ: يعني: بني المغيرة وبني أميَّة وآلَ أبي طلحة بن عبد العُزَّى، قالوا: ما نعرفُ الرَّحمن إلَّا مسيلمة (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ مؤمِني اليهود أتَوا النَّبيَّ -ﷺ-، فقالوا: يا رسول اللَّه، ذِكرُ الرَّحمنِ في التَّوراةِ كثيرٌ، ولسْنَا نرى ذلك في القرآنِ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، الآية، فقال مشركو مكَّة: كان محمَّدٌ يدعونا إلى إلهٍ واحدٍ، والآن يدعونا إلى إلهَيْنِ اثنَيْنِ، فأنكروا اسم الرَّحمن، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ (^٢).
وقيل: فرحَ أهلُ الكتابِ به لموافقتِه كتابَهم في كلِّ شيءٍ، والأحزابُ ينكرونَ بعضَه لأنَّهم يقولون: الخالقُ هو اللَّهُ، ثمَّ يشركون بهِ غيرَه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ: إنَّ اليهودَ آمنوا بسورةِ يوسف لوفاقِها ما في التَّوراة مِن قصَّةِ يوسفَ، ثمَّ أنكروا جميعَ القرآنِ سوى قصَّةِ يوسفَ (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٨٢)، وفيه: "أنكروا الرحمن، والبعث، ومحمدًا ﵊" بدل "قالوا: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٧٤)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٢٣).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٨٠)، وروى نحوه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٧٦).
[ ٩ / ٧٨ ]
والأحزابُ: جمعُ حِزْبٍ، وهم الأخلاط من اليهود والنّصارى والمشركين، تحزَّبوا على رسولِ اللَّهِ -ﷺ- يوم الخندق؛ أي: تعاونوا.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾: أي: مرجعِي في أمورِي كلِّها، وهو حَسْمٌ لإطماعِهم في مطابقتِهم على شيءٍ مِن دينِهم.
* * *
(٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾: أي: وكما آتيناهم الكتاب قد أنزلنا عليكم حكمًا عربيًا؛ أي: كتابًا بلسانِ العربِ.
والحُكْمُ: اسمُ القرآنِ، سُمِّيَ به لأنَّه للحُكْمِ نَزَل.
وقيل: أي: أنزلنا حُكْمًا دانَتْ به العرب قديمًا، وهو دينُ الحنيفيَّة، دينُ إبراهيمَ وإسماعيلَ، إلى أنْ غيَّروه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: في اتِّباع مِلَّةِ آبائِهم المشركين.
وقد قيل: في القِبْلَةِ، فقد قيل في ذلك: نزلَتْ حين دعاه اليهود إلى الصَّلاة إلى قبلِتهم بعدما حُوِّلَ عنها.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: يتولَّى دفعَه عنك ﴿وَلَا وَاقٍ﴾: يقيْكَ عذابَه.
* * *
(٣٨) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.
[ ٩ / ٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: ثمَّ عاد الكلامُ إلى ذِكْرِ ما التَمسوا مِن الآياتِ قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ (^١).
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾؛ أي: زوجاتٍ وأولادًا؛ أي: كان سبيلُهم كسبيلِ غيرِهِم مِن البشرِ، ينكحونَ ويُوْلَدُ لهم، ويقضونَ ما أحلَّ اللَّهُ لهم مِن الشَّهوات، لم يفارقوا غيرهم إلَّا في الرِّسالة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: لم يكنْ في وُسْعِهم الإتيان بآيةٍ إلَّا بإيتاءِ اللَّهِ تعالى.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أي: لكلِّ شيءٍ وقتٌ وقد قدَّرَهْ اللَّهُ فيه، فالآياتُ الَّتي التمسوها إنَّما تكون في الوقتِ الذي أجَّله اللَّه لها، لا على اقتراحِهم.
وقيل: إنَّ الآيةَ نزلَتْ في اليهودِ حينَ عيَّرَتْ (^٢) رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، وقالوا: لا نرى له همَّة إلَّا النِّساء والنِّكاح، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية (^٣).
وقد كانَ لداودَ ﵇ مئةُ امرأةٍ مهرلَّة، وثلاثُ مئة سُرِّيَّة، وكان لسليمان ﵇ ثلاثُ مئةِ مهريَّة، وسبعُ مئة سُرِّيَّة، ولك يا محمَّد تسع نسوهٍ، فما لهم لا يعيبونهما ويعيبونك.
* * *
(٣٩) - ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
_________________
(١) في (ف): "ثم عاد الكلام إذا ما ذكروا قال ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك"، وليست في (ر).
(٢) في (ر): "عابت".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٧٥) عن الكلبي، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٥٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٧٨)، في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ﴾ [النساء: ٥٤].
[ ٩ / ٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عَمرو وعاصم: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ مخففًا، مِن الإثباتِ، والباقون: ﴿يُثَبِّتُ﴾ مشددًا مِن التَّثبيت (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِن ديوان الحفظَةِ، ما ليسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما فيه ثوابٌ وعقابٌ، وذلك لأنَّ الحفظَةَ تكتبُ على الإنسانِ جميعَ ما يقول ويعمل، فإذا كان يومُ الخميس والإثنين عُوْرِضَ ذلك بالَّلوح المحفوظ، فيُلْقَى مِن كتاب الحفظة ما لا جزاءَ له مِن خيرٍ وشرٍّ، ويُثبتُ ما يوافق الكتابَ مِن ذلك الخير والشَّرِّ، والثَّواب والعقاب (^٢).
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ ما ليس للعبد ولا عليه، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما له وعليه (^٣).
وقال عليٌّ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من القرون ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء من القرون؛ قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [طه: ١٢٨]، وقال: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] (^٤).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: هذا في الفرائض والشَّرائع، يَنسخُ فرضٌ فرضًا، وشريعةٌ شريعةً (^٥).
وقال قتادة: هو قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، الآية (^٦)، يشيرُ إلى أنَّ النَّاسخ هو المثبَت، والمنسوخ هو الممحوُّ.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤).
(٢) ذكره بنحوه عن ابن عباس الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٧٩)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٦٦) عن الكلبي.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٧)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٧٩)، و"الوسيط" (٣/ ٢٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣٣٨).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٨).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٨)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٨٠).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٦٧).
[ ٩ / ٨١ ]
وقال عكرمةُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: يمحو بالتَّوبة جميعَ الذُّنوب، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بدلَ الذُّنوب حسناتٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (^١).
وقال الحسنُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ الآباءَ، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ الأبناء (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: يعني: في الشَّمس والقمر، ومعناه: يمحو القمرَ، ويثبت الشَّمس؛ قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] (^٣).
ومحو اللَّيل على وجهَيْن:
أحدهما: نقصانُ نورِه عن نورِ الشَّمس.
والثَّاني: ما نرى مِن السَّوادِ في وجهِ القمر.
وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ: إذا وُلدَ الإنسانُ أثبِتَ أجلُه ورزقُه، فإذا ماتَ مُحِيَ أجلُه ورزقُه (^٤).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتمل محوَ الأحوال (^٥) وإثبات أضدادها، مِن نحوِ تحويلِ النُّطفةِ علقةً، ثمَّ مضغةً. . . إلى آخرها.
ويحتمل: محوَ الأعمالِ؛ إذا كان كافرًا ثمَّ أسلمَ في آخر عمرِه مُحيَتِ الأعمالُ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٨)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٢٥).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٨)، والقرطبي في "تفسيره" (١٢/ ٨٩).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٨).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٩٨)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٢٥).
(٥) في (ر) و(ف): "ويحتمل محو أجله وأحواله".
[ ٩ / ٨٢ ]
الَّتي كانت في حال كفرِه فأُبْدِلَتْ حسناتٍ، وإذا كان مسلمًا ثمَّ كفرَ في آخر عمرِه مُحِيَتْ أعمالُه الَّتي كانت صالحةً فلم ينتفِع بها (^١).
وقيل: هو محو السعادة وإثبات الشقاوة وعكسهما (^٢).
وعن عمرَ ﵁: أنَّه كان يدعو بهذا الدُّعاء: اللَّهمَّ إنْ كُنْتَ كتبْتَ اسمي في ديوان الأشقياءِ، فامحُهُ مِن ديوان الأشقياءِ، وأثبتْهُ في ديوان السُّعداءِ، فإنَّكَ قلْتَ وقولُك الحقُّ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^٣).
وقيل -وهو الأوفقُ (^٤) للنَّظم-: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾؛ أي: لكلِّ وقتٍ قضاءٌ مكتوب في اللَّوحِ المحفوظِ، فكانَ في أَيَّامِ الماضيْنَ إذا سألوا آيةً مقترحةً أتاهم ذلك، فإذا لم يقبلوها استأصلَهم، كالنَّاقة لصالح، والمائدة لعيسى.
وكان في زمنِ النَّبيِّ -ﷺ- الإتيانُ بالآيات الدَّالة على حقيقته مِن غير اقتراحٍ منهم، ولم يؤْتِهم ما اقترحوه؛ لأنَّ تركَ الإيمانِ يوجبُ الاستئصال، والنَّبيُّ -ﷺ- بُعِثَ رحمةً للعالمين.
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: يمحو إيتاءَ الآياتِ المقترحة، ويثبِتُ إيتاءَ الآياتِ المبتدأة لهذه الحكمة.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٥٢).
(٢) في (ف): "وعكسها".
(٣) رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٦٣)، والفاكهي في "أخبار مكة" (٤١٨)، والدولابي في "الكنى" (١/ ١٥٥)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٦٣)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (١٢٠٧). وروى نحوه ابن فضيل في "الدعاء" (٥٢)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٩٥٣٠)، والبيهقي في "القضاء والقدر" (٢٥٧)، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٤) في (ر) و(ف): "الأزين".
[ ٩ / ٨٣ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يمحو مِن قلوبِ الزُّهَّاد حبَّ الدُّنيا، ويثبِتُ بدلَه الزُّهدَ فيها.
ويمحو مِن قلوب العارفين الحظوظ، ويثبِتُ بدلها إيثارَ حقِّ اللَّهِ.
ويمحو عن قلوب الموحِّدين شهود الخلق، ويثبِتُ بدلها شهود الحقِّ.
وقيل: يمحو العارفين عن شواهدِهم، ويثبِتُهم بشاهد الحقِّ.
وقيل: يمحو العبدَ عن أوصافِه، ويثبِتُه بالحقِّ.
وقيل: يمحو عن قلوبِ الأجانبِ ذِكْرَ الحقِّ، ويبدلُ بدلَه غَلَبَاتِ الغَفْلَةِ وهواجم النِّسيان.
وقيل: يمحو أوضارَ الزَّلَّةِ عن نفوس العاصين، وآثارَ العصيانِ عن ديوانِ المذنبين، ويثبِتُ بدلَه لوعةَ النَّدمِ، وانكسارَ الحسرةِ، والخمودَ عن متابعةِ الشَّهوة.
وقيل: يمحو نضارةَ الشَّبابِ، ويثبِتُ صفةَ الشَّيبِ.
وللمقال مجالٌ في هذا الباب.
وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قيل: اللَّوحُ المحفوظُ الَّذي أثبِتَ فيه ما سبقَ علمُه وحُكمه بما لا تبديلَ له ولا تغيير.
وقيل: هو إشارة إلى علمِه الشَّامل لكلِّ معلومٍ (^١).
* * *
(٤٠) - ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾: ﴿وَإِمَّا﴾ كلمتان؛ (إنْ) للشَّرط، و(ما) للتَّأكيد، والنُّون في ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ كذلك.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
[ ٩ / ٨٤ ]
﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: هو قولُه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوْا قَارِعَةً﴾، وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يقول: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ﴾ ما نعدهم من الانتقام (^١)؛ أي: مِن هؤلاءِ المستهزئين بك المكذِّبين لك في حياتِك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾؛ أي: أو أُمِتْكَ قبلَ ذلكَ وفعلْتُ بهم ذلكَ بعدَ موتِكَ، أو أخَّرْتُ عقوبَتهم إلى يومِ القيامةِ = فليس عليكَ في ذلكَ نقصٌ في نبوَّتِكَ.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾؛ أيْ بتبليغ الرِّسالة، والوعيدِ بالعقوبةِ، لا تعجيلها لهم ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾؛ أي: وإلينا مراعاةُ أجلِها المعلوم، والإيقاعُ بهم عندَ الوقتِ المحتوم.
* * *
(٤١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: أي: تأخيرُ العذاب عنهم ليس للعجزِ، لأَنَّا قد أريناهم النُّقصان في أطراف بلادِهم، بخرابِ ما حولَهم مِن القُرى، وخلوِّها عن أهلِها بالقتل والسَّبي، وزوالِ سلطانِهم عنها، وضربِ الجزيةِ عليهم.
وتفسيرُ قولِه تعالى: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؛ أي: يأتيها أمرُنا بالعذابِ، كما قال: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وقال: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤]، ونظيرُ هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف: ٢٧]، وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الأسقام".
[ ٩ / ٨٥ ]
وهذا التَّأويل عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ والحسن والضَّحاك (^١).
وقال مجاهد: هو بموت أهلها (^٢).
وقال ابن عبَّاس في روايةٍ ومجاهد: بموت العلماءِ وخيارِ أهلِها (^٣).
والأطرافُ: الأشرافُ -لغةً- على هذا القول، وعلى القول الأوَّل: النَّواحي.
وقال ابن عبَّاس في رواية: بخرابها (^٤).
وروى أبو هريرةَ عنِ النَّبيِّ -ﷺ- أَنَّه قال: "هو موتُ العلماءِ" (^٥).
وقيل: معنى الآية: أَوَلَا يتأمَّلون أنَّا نفتحُ على رسولِ اللَّهِ -ﷺ- ما حولَ مكَّةَ مِن بلاد المشركين فأَنْقصُ بذلك مِن قراهم وأزيدُ في بلادِ الإسلامِ، فيعلموا أنَّه لا يكون لهم حُسن (^٦) العاقبة بعدَ أنْ نَقَصْتُ مِن أطرافِ أرضِهم.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ما رُويَ أنَّه موتُ علمائِها، وذلك لأنَّ العلماءَ هم عُمَّار الأرض وأهلها، وبهم صلاحُ الأرضِ، فوصفَ الأرضَ بالنُّقصانِ بذهابِ أهلِها، وهو كما قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال: ﴿لَفَسَدَتِ
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٧٤ - ٥٧٥)، ولفظ ابن عباس: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض؟ ولفظ الحسن والضحاك قريب منه، فقول المؤلف: "يأتيها أمرنا بالعذاب" المراد به هزيمتهم وقهرهم بتغلب النبي -ﷺ- عليهم، وذهاب أرضهم وملكهم بما يفتح اللَّه على نبيه منها.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٧٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٧٨ - ٥٧٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٣٤) عن ابن عباس ﵄، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٩٤)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٧٩) عن مجاهد.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٧٦).
(٥) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٦٦٥) إلى ابن مردويه.
(٦) في (ر) و(ف): "حسن مآب أي" بدل "حسن".
[ ٩ / ٨٦ ]
الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، والأرضُ لا تفسدُ بنفسِها، بل وُصِفَتْ به لفسادِ أهلِها، فلذلك لا تَنْقصُ، ولكنْ وُصِفَتْ بهِ لذهابِ عُمَّارها.
ثمَّ يحتمِلُ ذلكَ علماءَ أهلِ الكتاب المتقدِّمين، والمرادُ بذِكْرِ ذلك أنَّهم إذا ذهبوا فلا بُدَّ مِن رسولٍ يعلِّمُهم الشَّرائع والآداب، ويجدِّد ما درسَ مِن الآياتِ، وإنْ أرادَ به علماءَ هذه الأمَّة ففيه تسليةٌ للنَّبيِّ -ﷺ- وتعزيةٌ له بما يصيبُ أمَّته (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾؛ أي: لا ناقضَ له، ولا رادَّ، والتَّعقيبُ: إعقاب الشَّيء بما يبطلُه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: إنَّ أجلَ العذابِ إذا جاءَ لى يتأخَّر عن مستحقِّه، بل هو سريعٌ عاجلٌ.
وقال القشيريُّ: النَّقص مِن أطرافِها هو موتُ الأولياء الذين إليهم يفزَعُ الخَلْقُ.
وقيل: هو ذهابُ أهلِ المعرفةِ حتَّى إذا جاء مسترشدٌ في طريقِ اللَّهِ لم يجدْ مَن يهديهِ إلى اللَّهِ تعالى (^٢).
* * *
(٤٢) - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: بأنبيائِهم (^٣)؛ بالاستهزاءِ، والتماسِ آياتِ الاقتراحِ، كما مكرَ بك هؤلاء وصوَّروا عندَ الضَّعَفة أنَّ دعوتَكَ لو كانت حقًّا لجئْتَهم بما يلتمسونَه مِن الآياتِ المقترحة.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٥٥).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٣٦).
(٣) في (ر) و(ف): "باستهزائهم".
[ ٩ / ٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾: أي: إنَّ اللَّهَ تعالى يردُّ ضررَ المكرِ على الكفَّارِ، فلا يحصلون (^١) مِن مكرِهم على شيءٍ، ويوضِّحُ اللَّهُ حُججَهُ لعبادِه، فيعودُ أثرُ مكرِهم عليهم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١].
وقيل: تحصيلُ هذا الكلام: أنَّ اللَّهَ مالكُ مكرِ العبادِ، لا يضرُّ الماكرون أحدًا إلَّا بإذنِ اللَّهِ، وقد ضَمِنَ اللَّهُ تعالى نصرةَ أوليائِهِ، فلا يعودُ ضررُ مكرِ المشركين إلَّا عليهم.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾: أي: مِن خيرٍ أو شرٍّ، فهو مجازِيْها بهِ.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: أي: عن قريبٍ يعلمون، وقرأ أبو عَمرو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ (^٢)، وهو معرفة، فكان للجنس، فتضَمَّنَ معنى الجمعِ.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: أي: يعلمون لِمَنْ تكونُ عاقبةُ الدَّار، وهذا وعيدٌ.
وقال القشيريُّ ﵀: مكرُ الكفَّارِ: إظهارُ الموافقةِ مع إبطانِ المخالفةِ، ومكرُ اللَّهِ بهم: إيهامُهم أنَّهم محسنونُ في أعمالِهم، وأنَّ لهم شيئًا مِن أحوالهم (^٣).
* * *
(٤٣) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾: قال ابن عبَّاس رضي اللَّه
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يحيطون".
(٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع أيضًا. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤).
(٣) في (أ): "وأن بهم شيئًا من أحوالهم"، وفي (ر) و(ف): "وأن لهم شيئًا من أقوالهم"، وانظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٣٧)، وفيه: "وحسبانهم أنهم ستأمن أحوالهم".
[ ٩ / ٨٨ ]
عنهما: هو كعبُ بنُ الأشرفِ، ومالكُ بنُ الصَّيفِ، وكنانةُ بن أبي الحقيق، وربيعة بن عَمرو (^١).
ويجوز أنْ يكون جميعَ كفَّارِ عصرِه.
وقال مقاتلٌ: يعني: مشركي العرب (^٢).
وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ قيل: جوابُ هذا وردَ منصوصًا عنه في آياتٍ، منها قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣]، ومنها قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩].
ثمَّ معنى قولهم: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾: ما أنتَ برسولٍ مِن اللَّهِ إلينا؛ لأنَّكَ عاجزٌ عن إنزالِ ما التمسناهُ منكَ مِن الآيات.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: أي: كفى باللَّه شهيدًا لي عليكم بما أقامه مِن الدَّلائل على صحَّةِ (^٣) دعوى النُّبوَّة والرِّسالة، بالمعجزات الَّتي أظهرَها على يدي، وبما أيَّدني به مِن الإخبار عن الغيوب، وغير ذلك، وكفى بذلك شهادةً؛ لأنَّه ممَّا لا يتهيأُ لأحدٍ مِن البشرِ أنْ يعارضَها بمثلِها، أو ينقضَها بضدِّها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: عطفٌ على قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾.
وقيل: أُريدَ به عبد اللَّه بن سلام، كما قال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠].
_________________
(١) في (ف): "وشعبة بن عامر" بدل: "وربيعة بن عمرو". وقد ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٣٢) دون نسبة بلفظ.
(٢) يعني: كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر اليهود. ذكره الواحدي في "البسيط" (١٨/ ٤٥٠) عن ابن عباس ﵄ ومقاتل، وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٨٤).
(٣) في (أ): "حجة".
[ ٩ / ٨٩ ]
وقيل: ﴿مِنْ﴾ للجنسِ، والمراد بهِ جمعٌ، وهم: عبد اللَّه بن سلام، وتميمٌ الدَّاري، وسلمانُ الفارسي، والنَّجاشي، وعلماء أهل الكتاب الذين أسلموا.
وقرأ بعض المتقدِّمين: (ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكتابِ) بكسر الميم والدَّال (^١)، ومعناه: ومنْ عندِ اللَّهِ علمُ الكتابِ.
وكان يقول: حملُه على هذا أولى؛ لأنَّ حملَهُ على علماءِ أهلِ الكتابِ لا وجهَ له هنا، والسُّورة مكيَّة، وإسلامهم كان بعدَ ذلك.
لكنْ لا وجهَ لتَرْكِ القراءةِ المشهورةِ، والأكثرُ على أنَّ السُّورةَ مدنيَّة (^٢)، واللَّه أعلم.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٨٤ - ٥٨٦) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم، وهي قراءة شاذة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٧٢)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٣٥٨).
(٢) قال الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٨٦) بعد أن ذكر خبرًا مرفوعًا عن النبيِّ -ﷺ- يؤيد هذه القراءة: وهذا خبر ليس له أصلٌ عند الثِّقات من أصحاب الزُّهري، فإذا كان ذلك كذلك، وكانت قراء الأمصار من أهل الحجاز والشَّام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] كان التَّأويل الَّذي على المعنى الَّذي عليه قرَّاء الأمصار أولى بالصَّواب ممَّن خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصَّواب.
[ ٩ / ٩٠ ]
سورة إبراهيم
[ ٩ / ٩١ ]