بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي (^٢)
(٢) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وانتظامُ قولِه تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالتسميَة ما مرَّ: أنَّ الأشياءَ وجودُها باللَّهِ وله ملكُها.
وله وجهٌ آخَر: بَدَأتُ بسمِ اللَّهِ بعونِ اللَّهِ، فالحمدُ للَّه.
ووجهٌ آخَر: بسمِ اللَّهِ الموصوفِ بالرحمةِ، وهي أجلُّ نعمة، فله الحمدُ على نِعَمه جملة.
ثم هذه السُّورة ثماني آياتٍ في قول الحسنِ البصريِّ ﵀، وستُّ آياتٍ في قول الحسين الجُعفيِّ (^٣)، وسبعُ آياتٍ في قولِ الجمهور مِن أهل العلم؛ فالحسنُ عدَّ التسمية ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيتين، وتَرَكهما الجعفيُّ، والباقون اتَّفقوا على أنَّها سبعُ آياتٍ.
_________________
(١) في (ر): "سورة فاتحة الكتاب"، وفي (ف): "تفسير سورة الفاتحة".
(٢) قوله: "وبه ثقتي" من (ر).
(٣) هو حسين بن علي بن الوليد، أبو عبد اللَّه وأبو محمد الجعفي مولاهم، الكوفي الحافظ المقرئ الزاهد، توفي سنة (٢٠٣ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٣٩٧). وذكر قوله القرطبي في "تفسيره" (١/ ١٧٦) وقال: وهذا شاذ، وذكر القول بأنها ثماني آيات عن عمرو بن عبيد المعتزلي، وتعقبه أيضًا بقوله: هذا شاذ.
[ ١ / ٧١ ]
لكنَّ أصحابَنا -﵏- عَدُّوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيةً، وقالوا: ليست التسميةُ مِن الفاتحة، والشافعيُّ -﵀- جَعَلها مِن الفاتحة، ولم يَجعل ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيةً.
وهي خمسٌ وعشرونَ كلمةً، ومئةٌ وثلاثةٌ وعشرونَ حرفًا: اثنان وعشرونَ أَلِفًا، وثلاثُ باءات، وثلاثُ تاءات، وثلاثُ حاءات، وأربعُ دالات، وذالٌ واحدةٌ، وسبعَ (^١) عشرةَ لامًا، وثلاثُ كافاتٍ، وغينانِ، وستُّ راءاتٍ، وسينانِ، وصادانِ، وضادانِ، وطاءانِ، وستُّ عَيناتٍ، وقافٌ واحدةٌ، واثنا عشر ميمًا، وعشرُ نونات، وأربعُ واواتٍ، وأربعُ هاءات، ولامُ ألفٍ واحدة، وثلاثَ عَشرةَ ياءً.
فمِن الحروفِ المعجمة فيها اثنانِ وعشرون، وأعوامُ النبيِّ -ﷺ- بعد الوحي اثنانِ وعشرون، وهذه السورةُ مشتملةٌ على جميعِ معاني ما أوحَى اللَّهُ تعالى إليه فيها، وليست فيها سبعة أحرف: الثاءُ والجيمُ والخاءُ والزايُ والشينُ والظاءُ والفاءُ (^٢).
وفي بعضِ الآثار: أنَّ الحكمةَ فيها: أنَّ الثاءَ مِن الثبور، والجيمَ مِن الجحيم، والخاءَ مِن الخوف، والزايَ مِن الزَّقُّوم، والشينَ مِن الشَّقاوة، والظاءَ مِن الظُّلْمة، والفاءَ مِن الفراق، ومُعتَقِدُ هذه السُّورةِ وقارئُها على التعظيمِ والحرمة آمِنٌ مِن هذه الأشياء السَّبعة.
ثم هذه السُّورة التي آياتُها سبعٌ تشتمِل على أعدادٍ مِن الواحدِ إلى السبع: هي سُورةٌ واحدةٌ، وهي نصفان، وفي نزولها ثلاثةُ أقوالٍ (^٣)، وأقسامُها أربعة، وأسماءُ اللَّه
_________________
(١) في (ر): "وست".
(٢) في هامش (ف): "سواقط الفاتحة سبعة: يجمعها قولك: فجش تظخز".
(٣) في (ف) و(أ): "أقاويل".
[ ١ / ٧٢ ]
تعالى فيها خمسةٌ، والأشياءُ التي يُظهِر العبدُ فيها مِن نفسِه (^١) ستَّةٌ، وأَساميها سبعةٌ.
أمَّا الأول: فهذه السورةُ واحدةٌ، وإلهُنا واحدٌ، وهذه الأمَّةُ أمَّةٌ واحدةٌ، ورسولُ اللَّه -ﷺ- يَعظُنا بواحدةٍ، وما خَلْقكم ولا بَعْثكم (^٢) إلَّا كنفسٍ واحدةٍ، وآياتُها ظاهرةٌ.
وأمَّا قولنا: نصفان؛ فنصفها ثناءٌ، ونصفها دعاءٌ، وذلك فيما روي عن أبي هريرة (^٣) رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "يقول اللَّهُ تعالى: قَسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفَيْن؛ فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال اللَّهُ تعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال اللَّهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال اللَّهُ تعالى: مجَّدني عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال اللَّهُ تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفان، وإذا قال العبدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال اللَّهُ تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (^٤).
(جون بنده همه سورة أول خواند خداي ﷿ سورة كويد نبده مَنْ مَنْ انم كه تومي كويني وجون همه أخواين سورة خواند خداي ﷿ كويد نبده مَنْ مَنْ دهم كه تومي خُوِي) (^٥).
_________________
(١) في (أ): "من نفسه فيها".
(٢) في (ف): "وما خلقنا ولا بعثنا" بدل من "وما خلقكم ولا بعثكم".
(٣) في (أ): "فيما روى أبو هريرة".
(٤) رواه مسلم (٣٩٥).
(٥) هذا الكلام الفارسي من (ف)، وفي (أ) بعضه، وسقط من (ر)، وجاء في هامش (ف): "تعريب الفارسية: إذا قرأ العبدُ هذه السورةَ النصف الأول يقول اللَّه تعالى: أنا الذي تقرؤه وتعتقده، والنصف الآخر يقول اللَّه تعالى: يا عبدي أعطيك ما تشتهي".
[ ١ / ٧٣ ]
وأمَّا قولنا: في نزولها ثلاثةُ أقاويل:
فقد قال عليٌّ وابنُ عباس وأُبَيُّ بنُ كعبٍ ومقاتل وقتادةُ والضحَّاك بنُ مزاحمٍ ومحمد ابنُ الحنفية وأبو العالية والرَّبيع بنُ أنس وعَمرو بنُ شُرَحْبيل وعطاءٌ الخراسانيُّ وعليُّ بنُ الحسين بنِ واقد وجماعة: إنَّها مكيَّةٌ، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] وهي الفاتحة، وهي في سورة الحِجْر وهي مكيَّةٌ.
وروى الواحديُّ -وهو عليُّ بنُ أحمد المفسِّر- في "تفسيره" بإسناده عن أبي مَيْسَرةَ قال: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- كان إذا بَرَزَ سمعَ مناديًا يُناديه (^١): يا محمَّد، فإذا سمعَ الصَّوتَ انطلق هاربًا، فقال له وَرَقة بنُ نَوفل: إذا سمعتَ النداءَ فاثْبُت حتى تسمعَ ما يقولُ لك، قال (^٢): فلمَّا برز سمعَ النداء (^٣): يا محمَّد، قال: لبَّيكَ، قال: قُلْ: أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأَشهدُ أنَّ محمدًا رسول اللَّه (^٤)، ثم قال: قُلْ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ حتى فَرغَ مِن فاتحة الكتاب (^٥).
_________________
(١) في (ر): "ينادي".
(٢) "قال": ليست في (أ) و(ف).
(٣) في (أ): "سمع كذا".
(٤) في (أ) و(ر): "عبده ورسوله"، والمثبت من (ف)، واللفظان في المصادر.
(٥) في (أ): "فاتحة القرآن" وفي (ر): "الفاتحة". وفي هامش (ف): "حتى فرغ من فاتحة القرآن". وهذا الخبر رواه الواحدي في "الوسيط" (١/ ٧١)، ورواه أيضًا في "أسباب النزول" (ص: ١٩) واللفظ منه، ورواه بنحوه مطولًا ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٥٥٥). وقال ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" (١/ ٢٢٤): وهو مرسل ورجاله ثقات، فإن ثبت حمل على أن ذلك كان بعد قصة غار حراء، ولعله كان بعد فترة الوحي، والعلم عند اللَّه تعالى. وقد ذكر هذا الخبر في هامش النسخة الخطية من "روح المعاني" (١/ ١٧٠) بتحقيقنا، وأتبع =
[ ١ / ٧٤ ]
فدلَّ الحديثُ (^١) على أنَّ الفاتحةَ مكيَّة، وأنَّها أوَّلُ ما أُنزل، وأنَّ التسميةَ ليست بآيةٍ منها.
وقال مجاهدٌ وحده: هي مدنيَّةٌ (^٢).
وقالوا: هذه هفوةٌ منه، ولا يُظَنُّ أنَّ النبيَّ -ﷺ- مَكَثَ بمكَّة ثلاثَ عشرةَ سنةً يُصلِّي فيها بغير فاتحةِ الكتاب، هذا ممَّا لا تَقبله العقول.
وقال جماعةٌ -وفيه تلفيقٌ بين هذين القولَين-: هي مكيَّة مدنيَّة؛ أي: نزلت بمكَّة مرَّةً وبالمدينة مرَّةً؛ تفضيلًا لهذه السُّورة على غيرها، ولهذا سمِّيت مثانيَ؛ لتثنية نزولها.
وأمَّا قولنا: وأقسامُها أربعةٌ (^٣): فهي ذِكْر اللَّهِ تعالى فيها بأسمائه الحسنى، وفيه إظهارُ العبدِ مِن نفسه العبادةَ والاستعانةَ، ومدحُ الموافقين، وذمُّ المخالفين.
وأمَّا قولنا: أسماءُ اللَّه تعالى فيها خمسة: فهي: اللَّهُ والرَّبُّ والرَّحمنُ والرَّحيمُ والمالكُ.
وأمَّا قولنا: الأشياءُ التي يُظهِر العبدُ فيها مِن نفسِه ستَّةٌ: فهي: إخلاصُ العبادة،
_________________
(١) = بالقول: ولولا صحة الأخبار على غير هذا النحو كان هذا الخبر أقوى دليل على مكيتها، فافهم.
(٢) "الحديث" من (أ).
(٣) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٣٩). وفي قول المؤلف: "وحده" نظر، فقد نقل ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٦٥) القول بذلك عن الزهري وعطاء بن يسار وسوادة بن زياد وعبد اللَّه بن عبيد بن عمير، لكن المشهور بالقول به مجاهد، قال السيوطي في "الإتقان" (١/ ٤٦): اشتهر عن مجاهد القول بأنها مدنية، أخرجه الفريابي في "تفسيره" وأبو عبيد في "الفضائل" بسند صحيح عنه، قال الحسين بن الفضل: هذه هفوة من مجاهد لأن العلماء على خلاف قوله.
(٤) في (ف): "على أربعة".
[ ١ / ٧٥ ]
وسؤالُ المعونة، واستدامةُ الهداية، وموافقةُ أهلِ الرسالة، ومخالفةُ أهلِ اليهوديَّة والنصرانيَّة، ومفارقةُ أهلِ البِدْعة والضلالة.
وأمَّا قولنا: أساميها سبعةٌ: فهي: الفاتحةُ، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني، وسورةُ الحمد، وأساسُ القرآن، وسورةُ الشفاء، وسورةُ الصَّلاة:
أمَّا (^١) الفاتحة: فلأنَّ الافتتاحَ هو الابتداءُ، وبها يُبتدأ كتابةُ المصاحف، وبها يُفتتح قراءةُ القرآن في الصلاة، وبها افتُتح الوحيُ إلى النبيِّ -ﷺ- على ما روِّينا، وكذا كُتب في اللوح المحفوظ، ولأنَّها فاتحةُ أبوابِ الفتوحِ في الدنيا، وفاتحةُ أبوابِ الجِنانِ في العقبى، ولأنَّ الفتحَ هو النَّصر (^٢)، والاستفتاحَ الاستنصارُ، ولقارئِ هذه السُّورةِ الظَّفَر والنُّصرة والاستنصار.
وأمَّا أمُّ الكتاب: فالأمُّ هي الأصل، والوالدة أمُّ الوَلَد؛ أي: أصلُه، ومكَّةُ أمُّ القرى؛ أي: أصلُ سائرِ البِقاع، لانها أوَّل ما خُلقت، ومنها دُحيت البلادُ، واللوحُ المحفوظُ أمُّ الكتابِ، وهو أصل كُتب فيه الكائناتُ إلى يوم القيامة، وهذه السُّورةُ أمُّ الكتاب، وأمُّ القرآن، وهي أصلُ المذكوراتِ في سائرِ السُّور والمشتمِلةُ عليها:
فإنَّ جميعَ ما ذُكر في القرآن مِن التحميد والتمجيدِ والتسبيح والتقديسِ والتهليلِ والتكبير والذِّكرِ والثناء والشُّكرِ والدعاءِ، فهو تحت كلمة: ﴿الْحَمْدُ﴾.
وجميعَ ما ذُكر فيه مِن أسماءِ اللَّهِ تعالى الحسنى وصفاتِه العُلَا، وما ذُكِر مِن ربوبيتِه وإلهيتِه ووحدانيتِه وفَرْدانيته، فهو تحتَ كلمة؛ ﴿لِلَّهِ رَبِّ﴾.
_________________
(١) في (أ): "فأما".
(٢) في (أ): "هي النصرة".
[ ١ / ٧٦ ]
وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر السماءِ والأرضِ، والإنسِ والجنِّ، والنَّبيين (^١) والمرسلينَ، والمؤمنينَ والكافرينَ، والملائكةِ (^٢) المقرَّبين، وأهلِ الملكوتِ أجمعينَ، والجنِّ والشياطين، وطيورِ الهواءِ، وحيواناتِ الماءِ، ووحوشِ الصَّحراء، وحشراتِ الأرضِ، وذِكْر سائرِ المخلوقاتِ والموجوداتِ والمكوَّناتِ والمُحْدَثات، فهو تحت كلمة: ﴿الْعَالَمِينَ﴾.
وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر الترزيقِ والإنعام، والتربيةِ والإكرام، والإنظارِ والإمهال، والإحسانِ والإجمال، فهو تحت كلمة: ﴿الرَّحْمَنِ﴾.
وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر عفوِ الإجرام، ومحوِ الآثام، وغفرانِ العصيان، والتجاوزِ عن الطغيان، وإعتاق العصاة، والرحمةِ على الجُناة، فهو تحت كلمة: ﴿الرَّحِيمِ﴾.
وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر القيامةِ، وأسمائِها وصفاتِها، ومواقِفها ومقاماتِها، وعقباتِها وعقوباتِها، وشدائدِها وصعوباتِها، وأفزاعِها وأهوالِها، وحسابِها وسؤالِها، واختلافِ أحوالِها، والنارِ ودَرَكاتها، والجنَّةِ ودرجاتِها، والصِّراطِ وخَطَره، واللَّهب وشررِه، فهو تحت قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر الطاعةِ والخدمةِ، والعملِ والعبادةِ، والخضوعِ والخشوعِ، والقيامِ والركوعِ، والسجودِ والقعودِ، والصلاةِ والزكاة، والصيامِ والقيامِ، والحجِّ والغزوِ، والائتمارِ والانْزِجارِ، فهو تحت قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
وجميعَ ما فيه مِن سؤالِ المعونةِ، وطلبِ النُّصرة، والتماسِ التوفيقِ والعصمةِ،
_________________
(١) "والنبيين" ليست في (أ).
(٢) من هنا وقع سقط في (ف) بمقدار صحيفة، وينتهي عند قوله الآتي: "وجميع ما فيه مِن ذِكْر المشركين والكافرينَ" وسنبين ذلك في موضعه.
[ ١ / ٧٧ ]
وإرادةِ اللُّطف، وابتغاءِ الفَضْل، ورجاءِ الكفاية، وأملِ الحماية، فهو تحت قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وجميعَ ما فيه مِن سؤالِ الهدايةِ، وخوفِ الخاتمة، واغتنامِ المعرفة، ومدحِ الإسلام والشريعة، وبيانِ السُّنَّة والجماعة، فهو تحت قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر الأنبياءِ والأولياء، والملائكةِ والأصفياء، والصديقينَ والشهداء، والعُبَّاد والزُّهَّاد والأتقياء، فهو تحت قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر المشركين والكافرينَ (^١)، واليهودِ والنَّصارى والصَّابئين، والمجوسِ والوَثنيين، والضالِّين (^٢) والمُبتَدِعين، فهو تحت قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وقيل: إنَّما سُمِّيت بذلك لأنَّها تَجمعُ أقسامَ كلِّ القرآن؛ فإنَّ أقسامَ القرآنِ كلَّها هذا الأمرُ والنَّهيُ، والوَعدُ والوَعيد، والقَصَصُ والأَمثال، والنَّاسخُ والمَنْسوخ،
وهذه السُّورة تشتمل (^٣) على ذلك كلِّه:
فإنَّ قولَه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: معناه: قولوا: الحمدُ للَّه، وهذا أمرٌ بالحمد، ونهيٌ عن تركه.
وقولَه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قَصَصٌ عن إيجادِ الخَلْق (^٤) أجمعينَ.
_________________
(١) هنا ينتهي السقط الذي في (ف).
(٢) في (أ): "والمجوس والثنويين الضالين".
(٣) في (أ): "مشتملة".
(٤) في (أ): "إلحاقه الخلائق" وفي (ف): "إيجاد الخلائق".
[ ١ / ٧٨ ]
وقولَه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه وعدٌ ووعيدٌ وتنبيهٌ (^١).
وتسميَةَ الدِّين صراطًا مَثَلٌ.
وقولَه: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: هم هذه الأمَّة، وشريعتُهم ناسخةٌ.
وقولَه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم اليهود والنصارى، وشريعتُهم منسوخةٌ.
وقيل: معنى أمِّ الكتاب: أنَّ الأمَّ هي الرَّايةُ يَنصبها العسكرُ؛ قال البَعِيثُ:
أُمُّنا مَعْقلٌ إليه الْتجاءُ الـ قومِ في البأسِ حين حَرِّ القتال (^٢)
فأمُّ الكتابِ إليها مَفزعُ البشر، كالرَّاية إليها مَفزعُ العسكر.
وقيل: الأمُّ: الإمامُ؛ فالسورةُ إمامُ أهلِ الإسلام، وأمُّ القرى مقصدُ الأَنام، وجهنَّم قيل لها: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩]؛ لأنَّ الكافرَ له إليها المرجعُ والمقام، والدِّماغُ أمُّ الرأس وللرأسِ به القيام؛ فأمُّ القراَنِ تقوم بهذه (^٣) المعاني العظام.
وأمَّا السّبْعُ المثاني: فهي السبعُ الآياتِ، وتُثنَّى قراءتُها في كل صلاة.
وقيل: هي مِن الثناء، وفيها أَثنيةٌ على (^٤) اللَّهِ تعالى.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: سُمِّيت مثانيَ لأنَّ اللَّهَ تعالى استثناها لهذه الأمَّة وذَخرها لهم فلم يُعطها غيرَهم (^٥).
_________________
(١) "وتنبيهٌ": ليست في (أ).
(٢) لم أجده.
(٣) في (ف) و(أ): "بها هذه".
(٤) في (ف): "تثنية على"، وكلمة "على" ليست في (أ).
(٥) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٢٢)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ١١٨).
[ ١ / ٧٩ ]
وقيل: لأَنَّها نزلت مرَّتين؛ مرةً بمكَّة ومرَّةً بالمدينة، شيَّعها (^١) سبعون ألفَ مَلَكٍ (^٢).
وقيل: لأنَّ أهلَ السماء يُصلُّون بها، وأهلَ الأرضِ كذلك.
وقيل: لأنَّ نصفَها ثناءُ الرَّبِّ تعالى ونصفَها سؤالُ العبدِ.
وقيل: لأَنَّها اشتملت على حقَّين: حقِّ اللَّهِ تعالى وحقِّ العبد.
وقيل: لأَنَّها تتضمَّن معانيَ علم (^٣) المثاني؛ ذِكْرِ الربوبيَّة والعبوديَّة، والخالِق والمَخلوق، والعَمل والتوفيق، والهدى والضلال، والوليِّ والعدوّ.
وقيل: تتضمَّن (^٤) كلماتٍ مثانيَ في معنًى واحدٍ؛ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥)، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الصراط صراط، عليهم عليهم، غير (^٦) المغضوب عليهم ولا الضالين (^٧).
_________________
(١) في (أ): "يشيعها".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٥٠)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٩١)، والخازن في "تفسيره" (٣/ ٦٢)، جميعهم عن الحسين بن الفضل ولم يذكروا له سندًا، ووقع في (ف) و(أ): "سبع مئة ألف ملك"، والمثبت من المصادر.
(٣) في (أ) و(ف): "على".
(٤) بعدها في (ر): "معاني".
(٥) في (ر): "اللَّه ورب العالمين"، وفي (ف): "اللَّه رب العالمين".
(٦) بعدها في (ف) و(ر): "ولا".
(٧) جاءت العبارة في (أ) هكذا: "وقيل: تتضمَّن معانيَ كلمات مثاني في معنى واحد للَّه رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين".
[ ١ / ٨٠ ]
وقيل: سُمِّيت بذلك (^١)؛ لأنَّ أسماءَ اللَّهِ ﷻ وصفاتِه على قسمين:
قسمٌ يدلُّ على العَظَمة والجبروت والكِبرياء والسلطان.
وقسمٌ يدلُّ على الرحمة وَالرأفة واللُّطفِ والعطف والإحسان.
وقد اشتمل ذِكْرُ اللَّهِ تعالى والرَّحمنِ والرَّحيمِ على القسمَين.
والحمدُ على قسمين (^٢): حمدٌ على ذاته وصفاته، وحمدٌ على آلائه ونعمائه، وقد اشتملَ قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على الوجهين.
والعالَمُ يتنوَّع نوعين: عَالم الفَناء، وعَالَم البقاء (^٣)، وقد اشتمل قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على النوعين.
والرحمةُ على ضَربين: رحمةٌ في الدنيا، ورحمةٌ في الآخرة، أو يقال: رحمةٌ عامةٌ ورحمةٌ خاصةٌ، وكذلك ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يعمُّ (^٤) الضَّربين.
والدِّين: الجزاء، وهو على شيئين: على الطاعة بالثواب، وعلى المعصية بالعقاب، ودلَّ قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على الشيئين.
والطاعةُ نوعان (^٥): عبادةٌ وعبوديةٌ (^٦)، ودلَّ قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على النوعين (^٧).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بها".
(٢) في (أ) و(ف): "وجهين".
(٣) في (ف): "عالم للبقاء وعالم للفناء".
(٤) في (أ): "ودل ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على"، بدل: "وكذلك ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يعم".
(٥) في (ف): "صنفان".
(٦) في (أ): "وعبودة".
(٧) في (ف) و(أ): "الصنفين".
[ ١ / ٨١ ]
والاستعانةُ تكون على أمرَيْن: على تحصيل الخير، وعلى تَرْك الشَّرِّ، ودلَّ قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الأمرَيْن.
والفِرَق الضالَّة فرقتان (^١): جَبْريَّةٌ وقدَريَّةٌ، ودلَّ قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على ردِّ الفرقتَيْن.
والهدى: بيانٌ وإرشادٌ، ودلَّ قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ على الوصفين.
والمهديُّون قومان: الأنبياءُ، والأولياءُ، ودلَّ قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ على القومَيْن.
والمخالفونَ حِزبان: كفارٌ ومُبتدِعون، ودلَّ قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ على الحزبين.
وبالفارسية: (نامش مثاني أزيهر دويه معاني حمد دونه صفات سذا وبر آلاء ونعماء، وعالم ذو عالم فناء وعالم بقاء، وآثر رحمت ذو بدنيا وبعقبا ومراد وبدونا وبرجفا وعبادت ذو يشيده وبيدا واستعانت برد ومراداه أمر وتحمل قضاء وهدايت ذو ثبات واتبداء وصراط دو راه سعداه وراه أشقياء وأشقياء دو يهود ونصارى) (^٢).
وقال رسولُ اللَّهِ -ﷺ- (^٣) لأُبيِّ بنِ كعب: "إنِّي لأرجو أنْ لا تخرجَ مِن بابِ
_________________
(١) في (أ): "فرقة".
(٢) الكلام الفارسي من (أ) و(ف) على اختلاف في الرسم، والمثبت من (ف)، وفي هامشها: "تعريب: سميت مثاني لتثنية المعاني فيها: الحمد اثنان على صفاته العلى وعلى النعم والآلاء، والعالم اثنان: عالم الفناء وعالم البقاء، وأثر رحمته اثنان: في الدنيا وفي العقبى، وجزاؤه اثنان: الثواب والعقاب، العبادة اثنان: في سر دماعلان، والاستعانة نوعان: على أداء الأداء واحتمال مر القضاء، والهداية نوعان: ثبات وابتداء، والصراط اثنان: للسعداء والأشقياء، والأشقياء نوعان: اليهود والنصارى".
(٣) في هامش (ف): "فقال النبي ﵊".
[ ١ / ٨٢ ]
المسجدِ حتى تَعلم سورةً ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآنِ مثلُها"، قال أُبَيٌّ: فجعلتُ أُبطئ في المشي رجاءَ ذلك، ثم قلتُ: يا رسولَ اللَّه! السورةَ التي (^١) وعَدْتني، قال: "كيف تقرأ إذا افتتحتَ الصَّلاةَ"، فقرأتُ عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فقال النبيُّ -ﷺ-: "هي هذه السورة؛ وهي السَّبعُ المثاني والقرآنُ العظيم الذي أُعطيتُ" (^٢).
ورُوي: أنَّ عيرًا قَدمت مِن الشام لأَبي جهلٍ بمالٍ عظيمٍ، وهي سَبْع فرقٍ، ورسولُ اللَّه -ﷺ- وأصحابه يَنظرون إليها، وأكثرُ الصحابة بهم جوعٌ وعريٌ، فخطر ببالِ النبيِّ -ﷺ- شيءٌ لحاجة أصحابه (^٣)، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾؛ أي: مكانَ سبعِ قوافلَ لأبي جهلٍ، ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾؛ أي: هذا أبو جهلٍ لا يَنظرُ إلى ما أعطيناكَ مع جلالةِ هذه العطيَّةِ، فلمَ تَنظر إلى ما أَعطيناه (^٤) وهو متاعُ الدنيا الدنيَّة؟ وعَلِمَ اللَّهُ تعالى أنَّ تمنّيَه لم يكن لنفسِه بل لأصحابه، فقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ وأَمَره بما يزيدُ نفعُه على نفعِ المال، فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٧ - ٨٨]، فإنَّ تواضعَك أطيبُ لقلوبهم مِن ظَفَرهم بمحبوبِهم.
وأمَّا سورةُ الحمد: فلأنَّها (^٥) افتُتحت بالحمد، وفيها أمرٌ بالحمد، وتعليمُ كيفيَّةِ
_________________
(١) في (ر): "الذي"، بدل: "السورة التي".
(٢) رواه بهذا اللفظ مالك في "الموطأ" (١/ ٨٣)، وهذه القصة شبيهة بقصة أبي سعيد بن المعلى عند البخاري (٤٤٧٤)، وانظر ما جاء في الجمع بينهما في "فتح الباري" (٨/ ١٥٧).
(٣) في (ر): "لأصحابه"، بدل: "لحاجة أصحابه".
(٤) في (ف) و(أ): "أعطيته".
(٥) بعدها في (أ): "لما".
[ ١ / ٨٣ ]
الحمد، وبيانُ أنَّ اللَّهَ تعالى مستحقُّ الحمد، وبدايةُ القرآن بالحمد، وخَتْمُ كلام أهلِ الجنَّة بالحمد.
والحمدُ المذكور في القرآن على سبعةٍ في الدنيا، وعلى سبعةٍ في العقبى:
أمَّا التي في الدنيا:
فالحمد على الدِّين والهداية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣].
وعلى البيان والدلالة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١].
وعلى الوحي والرسالة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١].
وعلى المصالح والنِّعمة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١].
وعلى النُّقصان والزيادة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].
وعلى إهلاكِ ظَلَمة الأمَّة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥].
وعلى حِفْظ العالَم والمملَكَة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٣٦].
وأما في الآخرة:
فإنَّ أهلَ القبور إذا بُعثوا وبَقُوا قيامًا في القبر ثلاثَ مئةِ سنةٍ قد أَلجمهم العَرَق، ثم دُعوا إلى الحساب حَمدوا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ: ١].
والثاني: إذا فَرغوا مِن الحساب حمدوا، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
[ ١ / ٨٤ ]
والثالث: إذا مُيِّز عند الطريقين أهلُ السَّعادة من أهلِ الشقاوة حمدوا، فقالوا: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨].
والرابع: إذا مرُّوا على الصِّراط ووجدوا رائحةَ الجنَّة ونَظروا إليها، قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣].
والخامس: إذا دخلوا الجنَّة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤].
والسادس: إذا صَعدوا على الدَّرجات فأَمِنوا (^١) الحَزَن قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤].
والسابع: إذا رأَوا (^٢) ربَّهم ﷿ بغيرِ كيفٍ حمدوا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
وأمَّا أساسُ القرآن: فقد رويَ: أنَّ رجلًا أَتَى الشعبيَّ فشكا إليه وَجَعَ الخاصرةِ، فقال: عليك بأساسِ القرآن، قال: وما أساسُ القرآن؟ قال: فاتحةُ الكتاب، سمعتُ عبدَ اللَّه بنَ عباس ﵄ غيرَ مرَّةٍ يقول: إنَّ لكلِّ شيءٍ أساسًا؛ فأساسُ الدنيا مكَّةُ، لأنَّ (^٣) منها دُحِيت الأرضُ، وأساسُ السماوات غريبٌ وهي السماءُ السابعةُ العليا، وأساسُ الأرض عجيبٌ (^٤) وهي الأرضُ السابعةُ السفلى، وأساسُ الجِنان جنَّةُ عَدْنٍ وهي سُرَّةُ (^٥) الجِنان، عليها أُسِّست الجِنانُ، وأساسُ النار (^٦) جهنَّم وهي
_________________
(١) في (ف) و(أ): "وأمنوا".
(٢) في (ر): "نظروا".
(٣) في (أ): "لأنها".
(٤) كما في "تفسير القرطبي" طبعة التركي.
(٥) في (أ): "سورة"، وفي (ر) و(ف): "سور"، والمثبت من المصادر.
(٦) في (ر): "النيران".
[ ١ / ٨٥ ]
الدَّرَكةُ السابعةُ السفلى؛ عليها أُسِّست الدَّرَكات، وأساسُ الخَلْقِ آدمُ ﵇، وأساسُ الأنبياءِ نوحٌ، وأساسُ بني إسرائيل يعقوبُ ﵇، وأساسُ الكتبِ القرآنُ، وأساسُ القرآنِ فاتحةُ الكتاب (^١)، وأساسُ الفاتحةِ بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم، فإذا اعتَلَلتَ أو اشتَكَيتَ فعليكَ بالأساسِ تشفى بإذنِ اللَّهِ تعالى (^٢).
وأمَّا (^٣) سورةُ الشفاء: فلهذا قال النبيُّ -ﷺ- "إنَّ في سورةِ الفاتحة (^٤) سبعين شفاءً" (^٥).
وروى أبو سعيدٍ الخُدْريُّ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "فاتحةُ الكتاب شفاءٌ مِن كلِّ سُمٍّ" (^٦)، وفي روايةٍ: "شفاءٌ (^٧) مِن كلِّ داءٍ إلَّا السَّامَ" (^٨) وهو الموتُ.
وحديثُ قراءةِ النبيِّ -ﷺ- الفاتحةَ على مقطوع اليد وبُرء يده مشهورٌ (^٩).
_________________
(١) في (أ): "الفاتحة".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢٨)، وذكره القرطبي في "تفسيره" (١/ ١٧٤).
(٣) في (أ) و(ف): "فأما".
(٤) في (أ): "فاتحة الكتاب".
(٥) لم أجده.
(٦) رواه سعيد بن منصور في "سننه " (١٧٨ - تفسير) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا، وإسناده ضعيف جدًّا. وانظر ما رواه البخاري (٥٠٠٧)، ومسلم (٢٢٠١)، من حديث أبي سعيد ﵁.
(٧) "شفاء": من (أ).
(٨) رواه الدارمي في "سننه" (٣٣٧٠) عن عبد الملك بن عمير عن النبي ﷺ مرسلًا. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢٩) بإسناد منقطع أيضًا. وليس فيهما: إلا السام.
(٩) في (ر): "وبرئه مشهور". ولم أجده.
[ ١ / ٨٦ ]
وحديثُ قراءة جماعةٍ مِن الصحابة على مجنونٍ هذه السورةَ وإفاقتِه مأثورٌ (^١)، وهِبَةُ قومِه لهم غنمًا كثيرةً معروفٌ (^٢).
وأمَّا (^٣) سورةُ الصلاة: فلقولِ النَّبِيِّ -ﷺ-: "يقولُ اللَّه تعالى: قَسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين" وقد روَيناه.
وتسميتُها صلاةً لوجوهٍ:
أحدها: أنَّ الصلاةَ هي القراءةُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، فمعنى قوله: "قسمتُ الصلاةَ"؛ أي: قراءةَ هذه السورة.
والثاني: أنَّ الصلاةَ هي الثناءُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وهي الدُّعاءُ أيضًا، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وهذه السورة ثناءٌ ودعاءٌ.
والثالث: أنَّ كمالَ الصلاةِ وجَمَالَها بهذه السورة، فسُمِّيت هذه السورةُ صلاةً؛ فإنَّها كلَّها هي تعظيمٌ لها (^٤).
وفي فَضْل هذه السورةِ أحاديثُ كثيرةٌ:
منها: قوله -ﷺ-: "هذه السورةُ لو كانت في التوراة لَمَا تهوَّد قومُ موسى، ولو
_________________
(١) "مأثورٌ": سقط من (أ) و(ف).
(٢) رواه أبو داود (٣٨٩٦)، والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢٩) من حديث عم خارجة بن الصلت، وإسناده حسن. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (١٠٩٨٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصة أخرى، ورواه البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١)، من حديث أبي سعيد في قصة اللديغ بنحو قصة المجنون.
(٣) في (ر): "وأما قول تسميتها".
(٤) في (أ): "كأنها هي كلها تعظيمًا لها" وفي (ف): "كأنها كلها هي تعظيمًا لها".
[ ١ / ٨٧ ]
كانت في الإنجيل لما تنصَّر قوم عيسى، ولو كانت في الزَّبور لما مُسخَ قومُ داود، وأيُّما مسلمٍ قَرَأها أعطاهُ اللَّهُ ﷻ مِن الأجر كأنَّما قَرأَ القرآنَ كلَّه، وكأنَّما تصدَّق على كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ" (^١).
ثم هذه السورة سبعُ آياتٍ، وأبوابُ جهنَّم سبعةٌ، مَن قرأها أُغلقتْ عنه أبوابُها السبعةُ، وكلُّ بابٍ منها عَرْضُه كعَرْض السماءِ والأرض سبعَ مرَّاتٍ (^٢)، وبساطُ هذا البناء الأرضونَ السبعُ، وأهلُها بنو آدم وتاراتُهم (^٣) سبعٌ؛ أي (^٤): خُلِقوا مِن سلالةٍ مِن طينٍ، ثم من (^٥) نُطفةٍ، ثم عَلَقةٍ، ثم مُضغةٍ، ثم عظامٍ، ثم لحمٍ، ثم يُنشَأ خلقًا آخَرَ، هاذأ وُلد الإنسانُ فهو طفلٌ، ثم صبيٌّ، ثم مراهقٌ، ثم بالغٌ، ثم شابٌّ، ثم كهلٌ، ثم شيخٌ.
ورِزْقه في هذه الأحوال مِن سبعٍ: قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ الآية [عبس: ٢٤ - ٢٨].
وهو مأمورٌ أنْ يقولَ كلماتِ الشهادة، وهي سبعٌ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ محمدٌ رسول اللَّه، وهي إقرارٌ بربوبيَّةِ مَن (^٦) أَوجد الأشياءَ وأَخبر عن وجودِها بسبعةِ أحرفٍ: كُن، فيَكون.
_________________
(١) لم أجده.
(٢) في (أ) و(ف): "كعرض السماء والسماوات سبع".
(٣) في (أ): "وماراتهم"، وفي (ف): "وحالاتهم".
(٤) "أي" زيادة من (ف).
(٥) في (ر): "هي" وسقطت من (ف).
(٦) في (ف): "بربوبيته" بدل من "بربوبية من".
[ ١ / ٨٨ ]
وجعلَ مُضيَّ عمرِهم في (^١) سبعةِ أيَّامٍ وهي أيَّام الجمعة، وجعل مدَّة أيام الدنيا سبعةَ آلافِ سنةٍ (^٢).
فمَن قَرأ معتقِدًا معظِّمًا هذه الآياتِ السبعَ، أَعتق جوارحَه السبعَ عن عقوباتِ الدَّرَكات السبعِ، وأُعطي حسناتٍ مِلءَ السماواتِ السبعِ والأرضينَ السبعِ، ووصلت بركتُه إلى أهلِ الأقاليمِ السبعةِ، وبُوركَ له في أرزاقِه السبعةِ (^٣)، وحُفظَ في أحوالِه السبعِ، وثبَّته (^٤) اللَّهُ تعالى على كلماتِه السبعِ، ووصلَ إلى السعادةِ الأبديَّة عند مضيِّ هذه الأدوارِ السبعةِ، وأَمِنَ مِن الأخطارِ السبعةِ، وهي بالفارسية: (خطر عافيب كه بر كفر بود بأمر مسلماني، وخطر كوركه نوراني بود با ظالماني، وخطر سؤال كه جواب صواب كفتن تواني بان تواني، وخطر بعد كه رويت بالسياهي نود نانار حشاني، وخطر حساب كه سلامت نابي نادر مالي، وخطر وزن أعمال كه بكه طاعات يا سكي موديا يا كو لك، وخطر دوراه كه جهنمي سوى يا حباني جون ابن آيات نا تعظيم برخواني خونشتر وأرين أخطاء تفصيل ورحمت ولي برهاني) (^٥).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "على".
(٢) لا صحة لهذا التقدير ولا لأمثاله في عمر الأرض، ولا دليل على شيء منه.
(٣) في (ف): "السبع".
(٤) في (أ) و(ف): "ويثبته".
(٥) في هامش (ف): "تعريبه: الأخطار السبعة: أولها: خطر العاقبة؛ على الإيمان يُختم أمره أم على الكفر، والثانية: خطر القبر، فكونها مظلمة أو منورة، والثالثة: خطر جواب مُنكَر ونَكير وسؤال منكر ونكير؛ يُجيب صوابًا أم خطأ، ورابعها: خطر البعث؛ بأن يبيضَّ وجهه أم يسودَّ، وخامسها: خطر الحساب؛ ليسلم منه أو يتعلَّل، وسادسها: خطر الميزان؛ كفة طاعاته ثقيلة أو خفيفة، وسابعها: خطر الطريقين؛ يُساق إلى جهنَّم أو يُهدى إلى الجنة، فإذا قَرأ القرآنَ -أي: السبع الآيات- بتعظيمٍ واعتقادٍ، خلَّص نفسَه مِن هذه الأخطار بفَضْل اللَّه ورحمته".
[ ١ / ٨٩ ]
وقالوا: خيارُ المسلمين سبعةُ أصنافٍ: الحامدونَ، والراجون، والخائفونَ، والمخلِصون، والمتوكِّلونَ، والمستقيمون، والعارفونَ.
وفي هذه السورة نصيبٌ لكلِّهم؛ فقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على نصيبِ الحامدين، وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على نصيبِ الراجين (^١)، وقولُه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ نصيبِ الخائفين، وقولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على نصيبِ المُخلِصين، وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على نصيبِ المتوكِّلين، وقولُه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ على نصيبِ المستقيمين. وبقيَّةُ السورة على نصيبِ العارفين.
وقولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄؛ أي: الشُّكر للَّهِ بما صَنَعَ إلى خَلْقه (^٢).
وفي روايةٍ قال: أي: الشكرُ للَّه الذي (^٣) جادَ على العبادِ بسوابغ النِّعم ومواهبِ القِسَم.
وقال أُبيُّ بنُ كعبٍ: أي: الشكرُ للَّهِ على الأشياءِ كلِّها.
وقال مجاهد: أي: الشكرُ للَّهِ على جميع نَعْمائه دينًا ودُنيَا.
وقال عطاء: أي: على نعمائه ظاهرةً وباطنةً.
وقال أبو عبيدةَ: الحمد للَّه؛ أي: الثناءُ للَّه.
_________________
(١) في (ر): "الراحمين".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٣٥٨)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٣٦).
(٣) قوله: "وفي رواية قال أي الشكر للَّه الذي"، كذا العبارة في (أ)، ووقع بدلًا منها في (ر): "أيضًا أي"، وفي (ف): "وفي رواية قال أي الشكر للَّه بما صنع إلى خلقه أيضًا أي الذي".
[ ١ / ٩٠ ]
وقال ابنُ الأنباري: الحمدُ مقلوبُ المدح (^١).
وقيل: الحمدُ: الثناءُ بالجميل والاعترافُ للمُنعِم.
وقيل: الحمدُ معرفةُ الإحسانِ ونشرُه.
والكلامُ الجامعُ فيه: أنَّ الحمدَ يُذكَر لمعانٍ أربعةٍ:
أحدها: الثناءُ بالأفعالِ الحسنةِ، يقال: حَمدتُه على فعلِ كذا، فمعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذا؛ أي: الثناءُ عليه في كلِّ ما فعلَ؛ أماتَ أو أحيى، أَفقر أو أَغنى، أَعزَّ أو أَذلَّ، أَكثَرَ أو أقلَّ، أَبلى أو ابتلى، أَبهج أو أَشجنَ (^٢)، وكذا غيرُه (^٣)، فإنَّ جميعَ ما يفعله عدلٌ وحكمةٌ وعاقبتُه حميدةٌ.
والثاني: الحمدُ بمعنى الشكر، يقال: حَمدتُه على إنعامِه، فمعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذا؛ أي: الشكرُ للَّهِ على نِعَمه التي لا تُحصى ومِنَنه التي لا تُنسى، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، فكلُّ النِّعَم منه، فقد قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
والثالث: الحمدُ بمعنى الرضى، يقال: حمدتُ سيرةَ فلانٍ ومذهبَه، فمعنى الحمدِ على هذا؛ أي: رضيتُ بحُكمه وقضيَّتِه وتقديرِه وقسمتِه، فلا اعتراضَ على فِعْله، ولا إعراضَ عن حُكمه، وكيف (^٤) وقد قال: "مَن لم يرضَ بقضائي،
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٠٨).
(٢) في (ر): "أو أشجى". والشجن والشجى: الحزن.
(٣) في (ر) و(ف): "وكذا يجب"، والمثبت من (أ) ولعل معناه: وكذا غير ما ذكر.
(٤) "وكيف": سقط من (أ)، وفي (ف): "كيف".
[ ١ / ٩١ ]
ولم يَصبر على بلائي، ولم يَشكر على (^١) نعمائي، فليَطلب ربًّا سوائي" (^٢).
والرابع: الحمدُ بمعنى المدحِ بالصِّفات الحسنى، يقال: حَمدتُ فلانًا على فَضْله وعلمِه، ووقاره وحلمِه، وجُودِه وسماحتِه، وبأسِه وشجاعتِه، ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذا؛ أي: المدحُ للَّهِ على صفاته الحسنى، فهو اللَّهُ الرَّحمنُ الرَّحيمُ، العليُّ العظيمُ، العزيزُ الحكيمُ، القديرُ القديمُ، الغنيُّ الكريمُ، السَّتَّارُ الحليمُ. . إلى تمامِ أسمائِه الحسنى.
والألفُ واللامُ في ﴿الْحَمْدُ﴾ لاستغراق الجنس، فيصيرُ على مجموعِ المعاني الأربعةِ كأنَّ العبدَ يقول: أُثني على اللَّهِ بكلِّ أفعاله فهي جميلةٌ، والشُكر (^٣) له على كلِّ نَعمائه فهي جزيلةٌ، وأرضَى بكلِّ أقضيته فهي حميدةٌ، وأَحمدُه بكلِّ صفاته فهي جليلةٌ.
(سنا خداي راسزدكه جرهه كند حكمت آست شكر ورا واجب شودكه أروى في سما ونعمة آست رضا بقائي ناي ورآست اي نا ورا مالي) (^٤).
_________________
(١) "على": زيادة من (أ).
(٢) رواه ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٣٢٧). وقال العراقي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ١٠٥٨): إسناده ضعيف.
(٣) في (أ): "وأشكر".
(٤) في هامش (ف): "تعريبه: الثناء يستحقه اللَّه تعالى لأن جميع أفعال محكمة وفيها حكمة له بالغة، والشكر له واجب لأن النعم التي لا تحصى منه بدت ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فهو المنعم لا غير، فالشكر له مطلقًا، والرضا بقضائه لازم؛ لنفاذ مشيئته على العموم، والمدح ينبغي أن يكون له لا لغيره لأن صفاته جميعها لا تعبر بالمدح والحمد، فمَن لازَمَ على ثنائه يجازيه اللَّه تعالى بالثناء عليه، ومن واظب على الثناء يتجدد له العطاء، ومن رضي منه مطلقًا ﵁، ومن استقام في محبته يجده على قدر محبته ومعرفته بلا كيف".
[ ١ / ٩٢ ]
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: احتمَل أن يكون اللَّهُ تعالى حَمدَ نفسَه ليُعلِمَ الخَلْقَ استحقاقَه (^١) الحمدَ بذاتِه فيَحمدوه، ويحتمِل أن يكون على إضمارِ الأمرِ؛ أي: قولوا: الحمدُ للَّهِ، وهو أمرٌ بتوجيه الشُّكر إليه؛ لأنَّ النِّعَم منه، وذلك يتضمَّن الأمرَ أيضًا بكلِّ المُمكن مِن الطَّاعات، على ما روي عن النبيِّ -ﷺ-: أنَّه صلَّى حتى تورَّمت قَدماهُ، فقيل له: قد غَفرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّم مِن ذنبك وما تأخَّر؟! قال: "أَفَلا أكونَ عبدًا شكورًا" (^٢)، فصيَّر أنواعَ الطاعات شكرًا له (^٣).
وتكلَّموا في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أنَّه على الأمرِ به، أو على الإخبارِ، أو على الابتداءِ:
قال بعضهم: هو على الأمرِ؛ أي: قولوا: الحمدُ للَّه، وإضمارُ القولِ ثابتٌ في كثيرٍ مِن الآيات؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ﴾ [البقرة: ١٢٧]؛ أي: قالا ربَّنا.
وقال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]؛ أي: يقولون: سلامٌ عليكم.
وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]؛ أي: يقال لهم: أَكَفرتم بعد إيمانِكم.
ويدلُّ على هذا الإضمارِ قولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولا بدَّ هاهنا مِن إضمارِ: قولوا.
_________________
(١) في (ر): "استحقاق".
(٢) رواه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
[ ١ / ٩٣ ]
وقد أُظهر ذلك في قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الإسراء: ١١١]، وهذا تعليمٌ مِن اللَّه عزَّ وعلا لعباده كيفيةَ حمدِه وثنائِه.
وقال بعضُهم: هو على الإخبارِ، ومعناه: أنَّ حمدَ جميعِ الحامدين ومدحَ جميعِ المادحين وشكرَ جميعِ الشاكرين وذِكْرَ جميعِ الذاكرين للَّهِ ﷿، وبالفارسية: (حمد خداي داما نداي راشيد وخداي راسد ها وجن وردل نشود).
وذلك لأنَّ المُنعِم هو اللَّهُ تعالى، فالشكر له، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ومَن أَنعمَ عليكَ مِن خَلْقه فبتوفيقِه وعونِه، وأمَّا الابتداءُ فحمدٌ (^١) مِن اللَّه تعالى لنفسِه لأنه يحبُّ الحمد.
قال النبيُّ -ﷺ-: "لا أحدَ أحبُّ للمدح مِن اللَّه تعالى، فلذلك مَدَح نفسَه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ " (^٢).
وقال أصحابُ المعاني: حَمدَ اللَّهُ تعالى نفسَه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، واستَحمَدَ مِن خَلْقه فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩]، ونزَّه نفسَه فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [المؤمنون: ٩١] واستَنْزه مِن خَلْقه فقال: ﴿وَسَبِّحُوُه﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وشَهدَ بوحدانيتِه فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، واستَشْهَد مِن خَلْقه فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وأَظهر بذلك محبّتَه الحمدَ (^٣) والتنزيهَ والشهادةَ.
ولأنَّه لمَّا خَلَقَ الخلقَ وربَّاهم، وفهَّمهم وهداهم، وجبَ عليهم شكرُه بذلك
_________________
(١) في (أ): "بحمد".
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٣٧) عن الأسود بن سريع، وإسناده منقطع. ورواه البخاري (٤٦٣٤)، ومسلم (٢٧٦٠)، من حديث ابن مسعود ﵁ بلفظ: "ليس أحدٌ أَحبَّ إليه المدحُ من اللَّهِ من أَجْلِ ذلك مَدحَ نَفْسَه".
(٣) في (ف): "للحمد".
[ ١ / ٩٤ ]
وبسائر نِعَمه، وعَلِمَ عجزَهم عن شكرِه على الكمال، أتمَّ الإفضال؛ بأنْ حمدَ نفسَه بنفسِه، وناب عنهم في شُكره بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
وهذا كما يصلِّي على النبيِّ -ﷺ- بسؤالنا عنَّا: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ، مع أنَّه أَمَرَنا بالصلاةِ عليه، لعَجْزنا (^١) عن الصلاةِ على ما يستحقُّه.
وهذا كما يُخاطِب الملوكَ المنازِعينَ له في ملكِه بعد فناءِ خَلْقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؛ تقريعًا لهم، ويَعلم أنَّ أولياءَه لو كانوا أحياءً لأَجابوا، فينوبُ عنهم بقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
ولأنَّه أَظهر لخَلْقه (^٢) أنَّ الحمدَ الذي هو له على الكمالِ، هو الحمدُ الذي حمدَ به نفسَه لا حَمْدُهم إيَّاه، فإنَّهم مُحدَثون عاجزون؛ لم يكونوا فكانوا، ولا يكونون بعد أنْ كانوا، فكيف يكون حمدهم كفاءً لحقِّه (^٣)؟
ولأنَّ حمدَهم معلولٌ، فإنَّهم (^٤) يَطلبون به (^٥) إدامةَ الموجود ووجودَ المفقود، فلا يَخلُصُ (^٦) لهم (^٧)، واللَّهُ تعالى حمدَ نفسَه في الأَزَل، وهو حقٌّ، وحمدُه حقٌّ، وأَمَرَ عبادَه أن يَحمدوه، ليصير حمدُهم الحادثُ المَجازيُّ (^٨) بالحمد الأزليِّ الحقيقيِّ صالحًا مرضيًّا مقبولًا.
_________________
(١) في (ف): "مع عجزنا".
(٢) في (أ) و(ف): "للخلق".
(٣) في (أ): "كفاة كفه"، وفي (ف): "كفؤا لحقه".
(٤) في (ر): "لأنهم".
(٥) في (ف): "منه".
(٦) في (ر) و(ف): "مخلص".
(٧) في (أ) و(ر): "له".
(٨) في (أ): "المحاذي".
[ ١ / ٩٥ ]
وهذا كما شَهدَ بوحدانيَّته في الأَزَل وأَمَرَ عبادَه بأن يَشهدوا له بالوحدانيَّة، وجعل شهادتَهم الحادثةَ الموقَّتةَ بشهادته الأزليَّةِ الدائمةِ صالحةً مرضيَّةً مقبولةً، ووَعَدهم عليها ثوابَ الأَبَد مع أنَّها منهم موقَّتةٌ؛ لأنَّها شهادةٌ للَّه بما شهد هو بها (^١) لنفسه، وهي أزليَّةٌ دائمةٌ على الأَبَد، فلذلك وَعَدهم عليها ثوابَ الأبدِ.
وعلى الوجوه الثلاثة؛ لا وجهَ لامتناعِكَ عن الحمد بحالٍ، فإنَّه إنْ حُمل على الأمر فعليكَ الائتمارُ، وإن حُمل على الإخبار عن استحقاقه الحمدَ فعليكَ الدَّوامُ عليه والاستكثار، وإنْ حُمل على الابتداء -وهو حمدُه (^٢) نفسَه- فلا وجهَ للمخالفةِ والاستكبارِ (^٣).
وكيف (^٤) تُخْلي ساعةً مِن عُمرك عن حمدِه وشكرِه، ولا تَخلو لحظةٌ عن إنعامِه وبرِّه؟!
فإن قيل: لم حَمد اللَّهُ تعالى نفسَه، ومِثْلُه في الخَلْق غيرُ محمودٍ؟
فجوابه ما قاله (^٥) الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: له وجهان:
أحدهما: أنه استحقَّ الحمدَ بذاتِه لا بأحدٍ، فيكونُ (^٦) في ذلك تعريفُ الخَلْق ما
_________________
(١) في (ر): "للَّه لما شهِده وبها"، وفي (ف): "اللَّه بما شهد هو بها".
(٢) في (ر): "حمد".
(٣) في (ر) و(ف): "والاستنكار".
(٤) في (ف): "فكيف".
(٥) في (أ): "ما قاله الشيخ"، وفي (ر): "ما قال".
(٦) في (أ): "يكون". وفي "التأويلات": "ليكون".
[ ١ / ٩٦ ]
يُزلفُهم لديه، ليُثنوا (^١) عليه بما أَثنى هو (^٢) على نفسِه، وغيرُه إنَّما يكون له ذلك باللَّه تعالى، فعليه توجيهُ الحمدِ إليه لا إلى نفسِه.
والثاني: أنَّ اللَّهَ تعالى حقيقٌ لذلك؛ إذ لا عيبَ يمسُّه ولا آفةَ تَحلُّ به فيَدخلَ نقصانٌ في ذلك، ولا هو مأمورٌ بشيءٍ، والعبدُ لا يَخلو عن عيوبٍ وآفاتٍ، ويُمدح بالائتمار، ويُذمُّ بالترك، ويتمكَّن به (^٣) فيه النقصانُ، وحُقَّ لمثلِه الفَزَعُ إلى اللَّهِ تعالى ليتغمَّده برحمته.
وعلى ذلك: التكبُّرُ يُحمَد به اللَّهُ تعالى ولا يُحمَد به غيرُه؛ إذ ليس للعبد معنًى يَستقيم لذلك تكبُّره (^٤)، إذ هم جميعًا أكفاءُ مِن طريق الخِلْقة والمحنة (^٥)، وما أَدرك واحدٌ منهم مِن فضيلةٍ أو رِفعةٍ، فباللَّه (^٦) أَدركه لا بنفسِه، فعليه تنزيهُ الرَّبِّ تعالى، والفَزَعُ إليه بالشُّكر، لا بالتكبُّر على أمثاله، واللَّهُ -تعالى- عن هذا الوصف مُتعالٍ (^٧).
وتكلَّموا في الفَرْق بين الحمدِ والشُّكرِ (^٨):
_________________
(١) في (ر): "فيثنوا".
(٢) "هو": ليست في (ر).
(٣) "به": ليست في (ر). وعبارة "التأويلات": (وفي ذلك تمكن النقصان).
(٤) في (أ) و(ف): "يستقيم لذلك بكثرة". وعبارة "التأويلات": (يستقيم معه تكبره).
(٥) عبارة "التأويلات": (من طريق المحبة والخلق)، ولعل لفظ (المحنة) الوارد في النسخ قد تحرف عن لفظ (المحبة).
(٦) في (ر): "فمن اللَّه وباللَّه"، بدل: "فباللَّه".
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
(٨) انظر الأقوال في ذلك في: "معاني القرآن" للنحاس (١/ ٥٧) وما بعدها، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٠٨) وما بعدها.
[ ١ / ٩٧ ]
فقيل: الحمدُ بالقولِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الإسراء: ١١١] والشُّكرُ بالعملِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣].
وقيل: الحمدُ باللسان، والشكرُ بالجَنان، وتحقيقُ الشكر بالأركان.
وقيل: الحمدُ للَّه (^١) على وجودِه، والشُّكرُ له على جُودِه.
وقيل: الحمدُ: الثناءُ عليه بما (^٢) هو به، والشكرُ: الثناءُ عليه لِمَا (^٣) هو منه.
وقيل: الحمدُ على الجلالِ والجمالِ، والشكرُ على الإنعامِ والإفضال.
وقيل: الحمدُ على ما حَبَا وهو النعماء، والشكرُ على ما زَوَى وهو الآلاء.
وقيل: الحمدُ على النِّعم الظاهرة، والشكرُ على النعم الباطنة.
وقيل: الحمدُ ابتداءً، والشكرُ جزاءً.
وقيل: الحمدُ بصفاتِه الحسنى، والشكرُ بصنائِعه الكُبرى.
وقيل: الحمدُ مقلوبُ المدح، والشكرُ مقلوبُ الكَشْر، وهو انفتاحُ الشَّفتَيْن بالضَّحك حتى تبدوَ الأسنانُ، فالشكرُ (^٤) انكشافُ الغطاءِ عن القلب حتى يعرفَ المنَّة مِن المنَّان.
وقيل: الحمدُ هو الثناءُ بعموم النِّعمة، والشكرُ هو الثناءُ بخصوص النِّعمة.
وقيل: الحمدُ أخصُّ مِن الشكرِ لفظًا وأعمُّ معنًى، والشكرُ أعمُّ منه لفظًا وأخصُّ معنًى، فإنَّك تقول: الحمدُ للَّه، ولا تقول: الحمدُ لفلانٍ، فهذا خصوصُ
_________________
(١) "للَّه": ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ر): "مما".
(٣) في (أ): "بما".
(٤) في (أ) و(ف): "والشكر".
[ ١ / ٩٨ ]
اللفظ، وتقول: الشكرُ للَّهِ والشكرُ لفلانٍ، فهذا عمومُ اللفظ، ثم الحمدُ يُوضَع موضعَ الشكرِ، فيقالُ: حَمدتُه على صفاتِه الجليلة، وحَمدتُه أيضًا على صنائعِه الجزيلةِ، والشكرُ لا يُوضَع موضعَ الحمدِ، فيقالُ: شكرتُ له على آلائِه ونعمائِه، ولا يقالُ: شكرتُ له على علائه وكبريائه، فكان كلُّ شكرٍ حمدًا، ولم يكن كلُّ حمدٍ شكرًا.
وبالفارسية: (الحمد للَّه استايش همه استانيد كان وراي منتهي، والشكر للَّه ساس همه دارند كان ورابد همة منتهي) (^١).
وقال قتادةُ: إنَّ اللَّه تعالى افتتحَ بالحمدِ (^٢) حين خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وختمَ بالحمد فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] (^٣)، فجعل ابتداءَ العالَم وانتهاءَه بالحمد.
ثم قراءةُ العامَّة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على الابتداء، واللامُ بالكسر على الأصل.
وقرأ هارونُ بنُ موسى العَتكيُّ الأعورُ ورؤبةُ بنُ العجَّاج بنصبِ الدَّالِ على المصدر (^٤)، وهو على الأَمْرِ بطريقِ الإغراء.
وقرأ الحسنُ البصريُّ ﵀: (الحمدِ للَّه) بخفض الدَّالِ (^٥)؛ إِتباعًا لكسرة اللام.
_________________
(١) في هامش (ف): "تعريبه: مدح جميع المُدَّاح له وشكر جميع الشاكرين له على مننه".
(٢) في النسخ: "الحمد"، والمثبت من هامش (ف). ولفظ الخبر: (فُتح أول الخلق بالحمد للَّه. .).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٧٣).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، ونسبها لرؤبة.
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، وزاد نسبتها لرؤبة، و"المحتسب" (١/ ٣٧)، وزاد نسبتها لزيد بن علي.
[ ١ / ٩٩ ]
وقرأ إبراهيم بنُ أبي عَبْلة الشاميُّ برفع الدَّال وضمِّ اللام إتباعًا للدَّال (^١).
ويجوز في الوقف على "الحمد للَّه" القَصْرُ؛ وهو حذفُ الأَلِف التي بينَ اللَّامين والهاء، قال الشاعر:
أقبلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أَمْرِ اللَّه يَحْرِدْ حَرْدَ الجنَّة المُغِلَّهْ (^٢)
وإثباتُ الألف أصحُّ وأفصحُ.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: سيِّدِ العالَمين (^٣).
وهو كقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: سيِّدِك.
وقيل: معناه: المالك، كما يقال: ربُّ الدار؛ أي: مالكُها.
وقال النبيُّ -ﷺ- لرجلٍ: "أربُّ إبلٍ أنت أم ربُّ مالٍ وغنمٍ"، قال: من كلٍّ آتانيَ اللَّهُ تعالى (^٤).
وقيل: هو المُصلِح المدبِّر، ومنه: ربَّةُ البيت، ومنه: الرَّبَّانيُّون؛ وهم
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، و"المحتسب" (١/ ٣٧).
(٢) البيت بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٧٦)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٦٦)، و"الكامل "للمبرد (١/ ٧٤)، و"لسان العرب" (مادة: حرد غلل وأله). وعزاه ابن السيد في "شرح الكامل" لقطرب كما ذكر البغدادي في "خزانة الأدب" (١٠/ ٣٨٦)، وقال البكري في "شرح أمالي القالي" (١/ ٣١): قال أبو حاتم: هذا البيت مصنوع، صنعه من لا أحسن اللَّه ذكرَه. يعني: قطربًا. ومعنى: حَرَد حردَ الجنَّة: قصد قصدها، وأغلَّت الضيعة: أعطت الغلة.
(٣) أورده السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٤١)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٥٩).
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٧٢٢٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٤١٦)، من حديث مالك بن نضلة الجشمي ﵁.
[ ١ / ١٠٠ ]
العلماءُ المصلحون أمورَ الناس بعلمهم، والمُدبِّرون لأمورهم، قال (^١) الشاعر:
كانوا كسالئةٍ حَمْقاءَ إذ حَقَنَتْ سِلاءها (^٢) في أديمٍ غيرِ مَرْبُوبِ (^٣)
أي: غير مُصلَحٍ.
وقيل: هو مربِّي الخَلْق، ومنه قولُه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، وقولُه: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨].
وقد رَبَّه يَرُبُّهُ، ورَبَّاه يُرَبِّيه، فمنهم مَن يقول: رَبَّاه أصله: رَبَّبَه، جُعلت إحدى الباءات ياءً، كما في قوله: ﴿يَتَمَطَّى﴾ أصله: تمطَّطَ؛ أي: تمدَّد، ومنهم مَن يقول: هو فَعَّله من رَبَا يربو؛ أي: ازداد، فالتربية: إثباتُ الزِّيادة في المُربَّى.
وقال الحسين بن الفضل البَجَليُّ: الرَّبُّ: الثابتُ الدائم، من قولهم: ربَّ بالمكان وأربَّ؛ أي: أقام، وكذلك لَبَّ وأَلَبَّ.
قال ﵇: "أعوذ باللَّه من فقرٍ مُرِبٍّ -ورُوي: مُلِبِّ- وضَرَعٍ إلى غير محبٍّ" (^٤).
_________________
(١) في (ف): "وقال".
(٢) في هامش (ف): "سلأت السمن؛ أي: عملته سِلاء بالكسر، شبه القوم في عبارتهم بهذه المرأة".
(٣) البيت للفرزدق، انظر: "ديوانه" (ص: ٢٦)، و"تفسير الطبري" (١/ ١٤٢). سلأ السمن يسلؤه: طبخه وعالجه فأذاب زبده، والسِّلاء بكسر السين: السمن، وحقَن اللبن في الوَطب، والماء في السقاء: حبسه فيه وعبأه. ورَبَّ نحي السمن يَرُبه: دهنه بالرُّب، وأديم مربوب: قد أصلح بالرُّب، وهو دبسُ كل ثمرة، وكانوا يدهنون أديم النحي بالرب حتى يمتنوه ولصلحوه، فتطيب رائحته، ولمنع السمن أن يرشح من غير أن يفسد طعمه أو ريحه، وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحي فسد السمن. يقول: فعلوا فعل هذه الحمقاء، ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله. من حاشية الطبري لأحمد شاكر.
(٤) الجزء الأول من الحديث أورده بلا إسناد ابن قتيبة في "عيون الأخبار" (١/ ٤٥٢)، والخطابي في =
[ ١ / ١٠١ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: التوجيه (^١) إلى المالك أقربُ منه إلى السيد، إذ يستقيمُ أنْ يقال: ربُّ السماوات والأرض، ومالكُ السماوات والأرض، ولا يستقيم: سيدُ السماوات والأرض، ولا يقال: هو سيدُه، إلا في بني آدم خاصةً (^٢).
فاللَّه تعالى ربُّ العالمين؛ أي: مالك الخلائق أجمعين، له المُلك والمِلك والخَلْقُ والأمر، وهو سيدُهم؛ أي: مالكُهم الواجبُ عليهم طاعته، وسيدُ العبد مالكُه، وعليه طاعتُه.
ولا يقال: سيدُ الدار؛ لأنه لا يمكن تحقيقُ معنى وجوب (^٣) الطاعة فيها.
وهو مصلِح أمورهم، ومهيِّئُ معاشهم ومَعادهم، أصلح قلوبَ المؤمنين بالمعرفة، وألسنتَهم بالشهادة، وأنفسَهم بالخِدْمة، وأصلح طاعاتِهم على كثرة تقصيرهم فيها بالقَبُول، وأصلح معاصيَهم على كثرتها بالعَفْو، قال اللَّه تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١].
وهو مُربِّي الظواهر بالنعمة، وهي النفوس، ومُربِّي البواطن بالرحمة، وهي القلوب.
_________________
(١) = "شأن الدعاء" (١٢٦)، باللفظين: (مرب) و(ملب). وأورده أبو القاسم الأصبهاني في "محاضرات الأدباء" (٢/ ٤٨٦) من قول قيس بن سعد بلفظ: اللهم إني أعوذ بك من فقر مكبٍّ، وضروع إلى غير محبٍّ.
(٢) بعدها في (ر): "منه".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠). وجاء في هامش (أ): "ويردُّه الحديث المشهور المذكور في فضل آية الكرسي، فانظر إلى الكشاف وإليه".
(٤) في (ف): "لأنه لا يمكن وجوب تحقيق".
[ ١ / ١٠٢ ]
والرَّبُّ على الإطلاق للَّه تعالى على الخصوص، ويُطلَق (^١) على المخلوق بالإضافة، فيقال: ربُّ الدار.
وعن أبي الدرداء وابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: هو اسمُ اللَّه الأعظمُ (^٢).
وقالوا (^٣): دلالةُ ذلك: أنَّ كلَّ اسمٍ قلبتَه بطلَ معناه إلا الربُّ؛ فإنَّ مقلوبَه البَرُّ، وهو اسمُ اللَّه الأعظم (^٤) أيضًا.
وأشار إليه الخَضرُ ﵇ في المسجد الحرام في حكايةٍ، فإنه قال: اسمُ اللَّه الأعظمُ هو ما دعا به كلُّ نبيٍّ وكلُّ وليٍّ وكلُّ عدوٍّ.
وأشار إلى دعوات الأنبياء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥]، ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١]، ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨]، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨]، ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١]، ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]، ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف: ١٥١]، ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ
_________________
(١) في (أ): "وينطلق".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩٣٦٥)، والحاكم في "المستدرك" (١٨٦٠).
(٣) في (أ) و(ف): "وقيل".
(٤) "الأعظم" ليس في (ف).
[ ١ / ١٠٣ ]
نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩]، ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩]، ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ إلى آخر السورة.
وقالت الصحابةُ الأربعةُ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].
وقالت الأعداء: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]، ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ (^١)، ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾.
ثم إن اللَّه ﷻ أضاف هذا الاسمَ إلى ﴿الْعَالَمِينَ﴾ على العموم، فقال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم خصَّ السماوات والأرض وما بينهما فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم: ٦٥]، ثم خصَّ السماء والأرض فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]، ثم خصَّ المشارقَ والمغاربَ فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، ثم خصَّ المشرقين والمغربين فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، ثم خصَّ المشرقَ والمغربَ فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨]، ثم خصَّ من الأرض (^٢) بيتَه فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣].
وأضاف هذا الاسمَ أيضًا إلى كلِّ الناس فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم خصَّ رسولَه فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٢]، ثم (^٣) خصَّ أمَّتَه أيضًا فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
_________________
(١) "فارجعنا" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (ر): "من الأرضين"، وفي (ف): "في الأرض".
(٣) في (أ) و(ف): "و".
[ ١ / ١٠٤ ]
وأما قوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ فقد قال ابنُ عباسٍ ﵄ في رواية الكلبيِّ: هم كلُّ ذي روحٍ يدبُّ على وجه الأرض (^١)؛ لأنهم هم الذين يقبَلون التربية.
وروى سعيد بن جُبيرٍ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: هم الجنُّ والإنسُ (^٢)، من قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
وقال قتادةُ: هم الجنُّ والإنسُ والملائكةُ والشياطينُ، وهم المخاطبون (^٣).
وقال الحسن البصري ﵀: هم الخلائق أجمعون (^٤).
وقال الحسين بن الفضل البَجَليُّ: هُمُ الإنسُ، من قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] (^٥).
وقال جعفر بن محمدٍ الصَّادقُ: هم أهل الجنة والنار (^٦).
وقال مُقاتل بن سليمان: لو فسَّرتُ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ لاحتجتُ إلى ألفِ مجلَّدٍ، كلُّ مجلدٍ (^٧) ألفُ ورقةٍ (^٨).
وقال أبو حذيفةَ: العالَمون ستةٌ: الملائكة عالمٌ، والإنس عالمٌ، والجنُّ من
_________________
(١) أورده السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٤١). والكلبي متروك.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٤٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٤٦) بلفظ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: كلُّ صنف عالَم.
(٤) في (ف) تقديم وتأخير مع القول الذي يليه.
(٥) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١١١).
(٦) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١١٢).
(٧) في (أ): "ألف جلد كل جلد".
(٨) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١١٢).
[ ١ / ١٠٥ ]
بني الجانِّ وذُرِّيتِه عالمٌ، والشيطان إبليس وذريتُه عالمٌ، والبهائمُ والدَّوابُّ ودوابُّ البحر (^١) عالمٌ، والطيور عالمٌ، واللَّه ربُّهم خالقُهم ورازقُهم.
وقال عطاء بن أبي رَبَاح: العالَمون عشرةُ أصنافٍ: الملائكة، والبَشَر، والجنُّ، والشياطين، والوحوش، والسِّباع، والهوامُّ، والبهائم، ودوابُّ البحر، والطيور.
وقال وَهْبٌ: هم ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَمٍ؛ عالَمُ الدنيا واحدٌ (^٢) منها، وما العمرانُ في الخرابِ إلا كفسطاطٍ في البحر (^٣).
وقال الضحَّاك: هم ثلاثُ مئة وستون عالَمًا: ثلاثُ مئةٍ منهم حفاةٌ عراةٌ لا يعرفون خالقَهم، وهم حشوُ جهنم، وستون عالَمًا يلبسُون الثياب مرَّ بهم ذو القرنين وكلَّمَهم (^٤).
وقال سعيد بن جبير: هم ألف عالَمٍ: ستُّ مئةٍ في البحر، وأربع مئةٍ على وجه الأرض.
وقال عليُّ بن الحسين بن واقِدٍ: العالَمون ألفُ أُمَّة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقال مقاتل بن حيَّان: العالَمون ثمانونَ ألفَ عالَم: أربعون ألفًا في البرِّ، وأربعون ألفًا في البحر (^٥).
_________________
(١) "ودواب البحر" زيادة من (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "الدنيا عالم"، بدل: "عالم الدنيا واحد".
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٧٠).
(٤) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١١٢).
(٥) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١١٢).
[ ١ / ١٠٦ ]
وقال كعبُ الأحبار: لا يحصُر عددَ (^١) العالَمين أحد من الخلق، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن اللَّه تعالى خلق الخَلْق حين خلقهم وهم أربعةُ أصنافٍ: الملائكةُ، والشياطينُ، والجنُّ، والإنس، ثم جعل هؤلاء عشرةَ أجزاءٍ: فتسعةٌ (^٣) منهم الملائكة، وجزءٌ واحدٌ (^٤) الشياطينُ والجنُّ والإنس، ثم جعل هؤلاء الثلاثَ عشرةَ أجزاءً: فتسعةٌ منهم الشياطين، وجزءٌ واحدٌ الإنسُ والجنُّ، ثم جعل الإنسَ والجنَّ عشرةَ أجزاءٍ: فتسعةٌ منهم الجنُّ، وجزءٌ واحدٌ الإنسُ (^٥)، ثم جعل الإنسَ مئةً وخمسةً وعشرين جزءًا:
فجعل منهم مئةَ جزءٍ في بلاد الهند، فمنهم ساطوخ: وهم أناسٌ رؤوسُهم مثلُ رؤوس الكلاب، ومالوخ (^٦): وهم أناسٌ أعينُهم في صدورهم (^٧)، وماسوخ (^٨): وهم أناسٌ آذانُهم (^٩) مثلُ آذان الفيلة، ومالوق: وهم أناسٌ لا
_________________
(١) "عدد"، ليس في (أ).
(٢) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١١٢).
(٣) في (أ): "تسعة".
(٤) في (أ): "وجزء منهم".
(٥) إلى هنا أورده الزمخشري في "ربيع الأبرار" (١/ ٣٣٤) بلا إسناد عن أبي هريرة مرفوعًا. وروى نحوه الحاكم في "المستدرك" (٨٥٠٦) عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ موقوفًا.
(٦) في (أ): "ومالوح".
(٧) في (أ): "على صدورهم"، وفي هامشها: "رؤوسهم"، وعليها علامة التصحيح.
(٨) في (أ): "وماسوح".
(٩) في هامش (أ): "رؤوسهم"، وعليها علامة التصحيح.
[ ١ / ١٠٧ ]
تطاوعهم أرجلُهم حين يمشون، يُسمَّون دوال باي (^١)، ومصيرُهم (^٢) كلُّهم إلى النار.
وجعل اثني عشرَ جزءًا في بلاد الروم: النسطوريَّة، والملكانيَّة، والإسرائيليَّة، ومصيرُهم جميعًا إلى النار.
وجعل ستةَ أجزاءٍ منهم في المشرِق: يأجوجُ ومأجوجُ، وتُركُ خاقانَ، وتُرك خَلج (^٣)، وتُرك خَزَرَ، وتُرك خرخيرَ، وكلُّهم من أهل النار.
وجعل ستةَ أجزاءٍ منهم في المغرب: الزِّنجُ، والزِّطُّ، والحبشةُ، والنُّوبةُ، والبَربرُ، وسائر كفار العرب (^٤)، ومصيرُهم إلى النار.
وبقي من الإنس من أهل التوحيد جزءٌ واحدٌ، فجَزَّأهم ثلاثةً وسبعين جزءًا؛ اثنان وسبعون على خطرٍ، وهم أهل البدع والضَّلال (^٥)، وفرقةٌ ناجيةٌ وهم أهل السنة والجماعة، وحسابُهم على اللَّه تعالى، يغفر لمَن يشاء ويعذب مَن يشاء.
فهذا تفسير ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
والعالَمون في القرآن على عشرةِ أوجهٍ (^٦):
_________________
(١) في (أ): "ياي".
(٢) في (ف): "ومصير".
(٣) في (ر): "علج"، والصواب المثبت. وخَلْج -بفتح أوله، وتسكين ثانيه، وآخره جيم-: موضع قرب غزنة من نواحي زابلستان. انظر: "معجم البلدان".
(٤) في (ف): "المغرب".
(٥) في (أ): "والضلالات".
(٦) في (أ): "على وجوه عشرة".
[ ١ / ١٠٨ ]
أحدها: الإنس والجنُّ، قال اللَّه تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
والثاني: الناس، قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١].
والثالث: مَن كان بعد نوحٍ إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩].
والرابع: مَن كان في زمن موسى من بني إسرائيل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧].
والخامس: مَن كان في زمن لوطٍ، قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥].
والسَّادس: الغُرباء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠].
والسَّابع: أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ إلى قوله: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
والثامن: المؤمنون، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
والتاسع: المنافقون، قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠].
والعاشر: كل المخلوقات، قال اللَّه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أضافَ نفسَه إلى كلِّ المخلوقات مِلْكًا ومُلْكًا، وأضاف هذا الاسمَ إلينا لُطْفًا وعَطْفًا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ﴾ [يونس: ٣٢].
[ ١ / ١٠٩ ]
ففي الأول: تعظيمُ نفسه، وفي الثاني: تعظيمُ أحبابه (^١)، كأنه قال: ما أعظمني! والعالَمون لي، وما أعظمكم أحبائي (^٢)! وأنا لكم.
ثم العالمُ جمعٌ لا واحدَ له من لفظه؛ كالأنام والرَّهط والجيش، وهو مأخوذٌ من العَلَم والعلامة، وهو على وزن (فاعَل) بالفتح؛ كالخاتَم والطابَع، والخاتَم: ما يُختَم به، والطابَع: ما يُطبع به، فالعالَم: هو ما يُعلم به؛ أي: يُستدلُّ به على الصَّانع.
فوجودُ المخلوقات دليلٌ على وجود الخالق وإيجاده، وحدوثُها دليلٌ على قِدَمه، وبقاؤها على هيئةٍ دليلٌ على وحدانيَّتِه، ووجودُها على هيئةٍ مخصوصةٍ مع جواز غيرها دليلٌ على إرادته، وانتظامُها واتساقُها (^٣) دليلٌ على علمه وحكمته.
وإجابةُ دعاء (^٤) الدَّاعين دليلٌ على سمعه وإجابته.
وعجزُ الخلائق عن (^٥) ردِّ قضائه دليلٌ على جلاله وعظمته.
ونقضُ العزائم وفسخُ الهِمَم دليلٌ على إرادته ومشيئته.
وحرمانُ المجتهدين دليلٌ على قبضه وقدرته، وسعةُ العاجزين عن الكسب دليل على بَسْطه ومِنَّته.
وإمهالُ المفترِين على اللَّه تعالى دليلٌ على حِلْمه ورحمته.
_________________
(١) في (ف): "أحبائه".
(٢) في (أ): "أحبابي".
(٣) في (ر) و(ف): "وانقسامها".
(٤) في (أ): "دعوات".
(٥) في (أ): "الخلق عن"، وفي (ر): "الخلائق في".
[ ١ / ١١٠ ]
وافتقارُ الخَلْق دليلٌ على غُنْيته، وعجزُهم دليلٌ على قدرته، وضعفُهم دليلٌ على قوَّته، وانقيادُهم دليلٌ على قهره ومَلَكته (^١).
ثم إضافةُ الربِّ إلى العالَمين بيانٌ أنه ربُّ الجميع، ليس كأربابِ الأشياء المخصوصة، وإيضاحٌ أنه مستحقٌّ حمدَ الكلِّ؛ إذ هو خالقُهم ومُرَبِّيهم ومالكهم، وليس وجود ربوبيَّته بوجودهم، فقد كان ربَّ العالمين قبل أن يكونوا، ويكون ربَّ العالمين بعد أن يَبِيدوا.
وقد كان (^٢) خالقًا قبل وجود المخلوقات، صانعًا قبل وجود المصنوعات، قادرًا قبل وجود المقدورات، قاهرًا قبل وجود المقهورات، رازقًا قبل وجود المرزوقين، راحمًا قبل وجود المرحومين، مذكورًا قبل وجود الذَّاكرين، مشكورًا قبل وجود الشَّاكرين، محمودًا قبل وجود الحامدين، معبودًا قبل وجود العابدين، مجيبًا قبل دعوات السَّائلين، غنيًّا قبل وجود السماوات والأرضين، ملكًا قبل وجود المملكة والمملوكين، باقيًا (^٣) بعد فناء الخَلْق أجمعين، يقول اللَّه ﷻ بعد موت كلِّ الخَلْق: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، سبحان اللَّه هو العزيز الغفار.
ثم قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قراءةُ العامة بخفض الباء على النعت، وقراءةُ (^٤) زيد بن عليٍّ بنصبها على المدح أو على النداء (^٥)، وقرأ شقيقُ بن سلمة بالرفع على الابتداء (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ومملكته"، وفي هامش (ف): "ملكته".
(٢) في (أ): "وكان" بدل: "وقد كان".
(٣) في (ر): "مالكا".
(٤) في (أ): "على الوصف وقرأ".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٠٩).
(٦) ذكرها العكبري في "الإملاء" (ص: ٥) دون نسبة.
[ ١ / ١١١ ]
وكذا ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على هذه الوجوه (^١).
* * *
(٣) - ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: مرَّ تفسيرُهما في التسمية.
فإن قالوا: لِمَ كرَّرَهما مع أنه (^٢) في التسمية ذكَرهما؟
قُلنا: عنه أجوبةٌ خمسةٌ:
أحدها: ليُعلم أنَّ التسميةَ ليست من الفاتحة، ولو كانت منها لَمَا أعادهما؛ لخُلُوِّ الإعادة عن الإفادة.
والثاني: أنه ندبَ العباد إلى كثرة الذِّكر، فإن مِن علامة حبِّ اللَّه حبَّ ذكره، وفي الحديث: "مَن أحبَّ شيئًا أكثرَ من (^٣) ذكرِه" (^٤).
والثالث: أنه ذكر أنه ربُّ العالمين، فبيَّن أنَّ ربَّ العالَمين هو الرحمن (^٥) الذي يرزقهم في الدنيا، الرحيمُ الذي يغفر لهم في العُقبى، ولذلك ذكر بعدَه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
_________________
(١) الجمهور على خفضهما، ونصمبهما زيد وأبو العالية وابن السميفع وعيسى بن عمر، ورفعهما أبو رزين العقيلي والربيع بن خثيم وأبو عمران الجوني. انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (١/ ٥٧).
(٢) في (أ): "أن".
(٣) "من" ليست في (ر).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الزهد" (٥٣٤) عن رابعة. ورواه -كما في "المقاصد الحسنة" (ص: ٦١٩) - أبو نعيم ثم الديلمي من حديث مقاتل بن حيان عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة به مرفوعًا.
(٥) في (ر): "الرحمن الرحيم".
[ ١ / ١١٢ ]
الرابع: أنه ذكر الحمدَ، وبالحمد تُنال الرحمةُ، فإنَّ أولَ مَن حمد اللَّه تعالى من البشر آدم، عطس فقال: الحمد للَّه، وأجيب للحال: يرحمك ربُّك، ولذلك خلقتُك، فعلَّم خَلْقَه الحمدَ، وبيَّنَ أنهم ينالون (^١) رحمتَه بالحمد.
والخامس: أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ترهيبٌ، وقولَه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ترغيبٌ، فجمع بين الرَّغبة والرَّهبة؛ ليكون ذلك أعونَ للناس على طاعته، وأمنعَ من معصيته.
ونَزيد في الفائدة هاهنا بذكر (^٢) مقالاتٍ لم نذكرها في التسمية في تفسير الاسمين:
قال الإمامُ أبو منصورٍ عبدُ الكريم بنُ هوازنَ القشيريُّ (^٣): الرحمنُ بما رَوَّح، والرحيم بما لَوَّح، فالترويحُ بالمَبارِّ، والتَّلويح بالأنوار.
الرحمن بكشف تجلِّيه، والرحيم بلُطْف تولِّيه.
الرحمن بما يُوفِّق، والرحيم بما يُحقِّق، فالتوفيق للمعاملات، والتحقيق للمواصلات، فالمعاملات للقاصدين، والمواصلات للواجدين.
الرحمن بما يصنع، والرحيم بما يدفع، فالصُّنع بجميل الرِّعاية، والدَّفع بحُسن العِناية (^٤).
* * *
_________________
(١) في (أ): "يسألون".
(٢) في (أ): "ونذكر هاهنا"، بدل: "هاهنا بذكر".
(٣) في (ر) و(ف): "الإمام القشيري عبد الكريم بن هوازن"، والمثبت من (أ) وهامش (ف).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٧).
[ ١ / ١١٣ ]
(٤) - ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: قُرئ هذا على سبعة أوجهٍ:
﴿مَالِكِ﴾ بالألف وخفض الكاف.
و﴿مَلِكِ﴾ بغير الألف بكسر اللام وخفض الكاف (^١).
و(مَلْكِ) بتسكين اللام وخفض الكاف، فهذه ثلاثة أوجهٍ (^٢) على النعت.
و(مالكَ) بالألف ونصبِ الكاف.
و(ملِكَ) بكسر اللام ونصْبِ الكاف، وهذان على النداء.
و(مَلَكَ) بفتح الميم واللام ونصب الكاف على الفعل الماضي، و(يومَ الدِّين) بالنصب على المفعول.
و(مالكُ يومِ الدِّين) بالألف ورفعِ الكاف (^٣).
و(مالكْ) بالألف وتسكين الكاف (^٤).
فأما ﴿مَالِكِ﴾ بالألف وخفض الكاف؛ فقد رُوي ذلك عن النبي -ﷺ-، وعن
_________________
(١) قرأ عاصم والكسائي: ﴿مَالِكِ﴾، وباقي السبعة: ﴿مَالِكِ﴾. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ١٠٤)، و"التيسير في القراءات السبع" للداني (ص: ١٨).
(٢) في (أ): "وهي"، وفي (ف): "وجوه".
(٣) انظر هذه القراءات ومن قرأ بها وزيادة عليها في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٩)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١١٢ - ١١٤)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٦٨)، و"البحر المحيط" (١/ ٥٩).
(٤) "ومالك بالألف وتسكين الكاف" من (ر)، ولم أجدها، مع أن المؤلف أشار في أول كلامه إلى سبعة، وهذه زائدة عليها.
[ ١ / ١١٤ ]
الخلفاء الراشدين الأربعة، وعن جماعةٍ من الصَّحابة ﵃، والتابعين، وهو اختيار عاصم والكسائي والأعمش وجماعةٍ (^١).
وأما ﴿مَلِكِ﴾ بكسر اللام وخفض الكاف؛ فعن النبي -ﷺ- في روايةٍ، وعن عثمان، وعن عليٍّ، وزيد بن ثابتٍ (^٢)، وابن عمر، وأبي الدَّرداء، وهو اختيار نافع وابن كثيرٍ وأبي عمرو وحمزة وابن عامرٍ.
وأما (مَلْكِ) بسكون اللام وخفض الكاف؛ فعن أبي عمرو، رواه (^٣) عبدُ الوارث بن سعيدٍ.
وأما (مَالِكَ) بنصب الكاف؛ فعن أبي هريرة ﵁، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش.
وأما (مَلِكَ) بغير ألفٍ ونصبِ الكاف (^٤)؛ فعن أبي حيوةَ شُريح (^٥) بن يزيد (^٦).
_________________
(١) "وجماعةٍ" ليس في (أ). وانظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ١٠٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١١٢).
(٢) في (أ): "ويزيد بن عاصم". والصواب المثبت. انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١١٢ - ١١٤)، و"البحر المحيط" (١/ ٥٩).
(٣) في (ر) و(ف): "ورواه"، والصواب المثبت، فهذه القراءة رواها عبد الوارث عن أبي عمرو في غير السبعة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٩)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١١٤)، و"البحر المحيط" (١/ ٥٩).
(٤) في (أ) و(ف): "والنصب".
(٥) في جميع النسخ: "وشريح"، والصواب المثبت.
(٦) في (أ): "زيد". والصواب المثبت. انظر: "التقريب" لابن حجر، وانظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٩).
[ ١ / ١١٥ ]
وأما (مَلَكَ) على صيغة الفعل الماضي؛ فعن يحيى بن يَعْمَرَ (^١).
وأما (مالكُ) بالرفع؛ فعن بعض أهل الشام، ثم عن يحيى بن يَعْمَرَ (^٢).
وأما (^٣) (مالك) بإضجاعٍ بليغٍ، هو قراءة أهل البصرة (^٤).
وعن أيوب السَّخْتِيانيِّ بإشمام (^٥).
وتكلَّم المتأخرون في أَولى هذه القراءات، فقيل: أَولاها ﴿مَلِكِ﴾ بالألف؛ لأن فيه زيادةَ حرفٍ، وبه زيادةُ ثوابٍ.
يُحكى عن أبي عبد اللَّه الثلجيِّ (^٦) أنه قال: كان من عادتي قراءة ﴿مَالِكِ يَوْمِ
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١١٤)، وعزاها أيضًا: للحسن وأبي حمزة وأبي حنيفة. وانظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٩)، وعزاها لأنس بن مالك.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١١٤)، وفيه: (وهي قراءة عزير العقيلي). وقال أبو حيان: ونسبها صاحب "اللوامح" إلى أبي روح عون بن أبي شداد العقيلي ساكن البصرة. فلعل (عزير) محرف عن (عون).
(٣) "وأما" ليس في (أ) و(ف).
(٤) "هو قراءة أهل البصرة" ليس في (أ) و(ف). وانظر: "تفسير الثعلبي" (ص: ١١٤)، وفيه: (روي ذلك عن يحيى بن يعمر)، وكذا في "البحر" وزاد أبو حيان نسبتها لأيوب السختياني.
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (ص: ١١٤)، وفيه: (وعن أيوب السختياني بين الإمالة والتفخيم)، وذكرها أبو حيان عن قتيبة بن مهران عن الكسائي.
(٦) في (أ) و(ر): "البلخي"، وفي (ف): "البجلي". والصواب المثبت، فقد ذكر القصة أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٤٢)، وإسماعيل حقي في "روح البيان" (١/ ١٠) فقالا: عن أبي عبد اللَّه محمد بن شجاع الثلجي، وتحرفت (الثلجي) عند أبي الليث إلى: (البلخي)، والثلجي هذا ذكره ابن النديم في "الفهرست" (ص: ٢٩١) فقال: أبو عبد اللَّه محمد بن شجاع الثلجي مبرز على نظرائه من أهل زمانه، وكان فقيهًا ورعًا وثباتًا على آرائه، وهو الذي فتق فقه أبي حنيفة =
[ ١ / ١١٦ ]
الدِّينِ﴾، فذكر لي بعضُ الأدباء أن ﴿مَلِكِ﴾ أبلغُ في المدح وأكثرُ في الثواب، فتركتُ عادتي، فكنت (^١) أقرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ حتى رأيت في المنام أن قائلًا قال لي: لم نقصْتَ من حسناتك عشرًا، أما سمعتَ قول النبيِّ -ﷺ-: "من قرأ القرآن كُتب له بكلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ، ومُحيت عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفعت له عشر درجاتٍ" (^٢)، فانتبهْتُ، فلم أترك عادتي حتى رأيتُ ثانيًا في المنام أنه قيل لي: لِمَ لا تترك هذه العادة؟ أمَا سمعتَ قول النبيِّ -ﷺ-: "اقرؤوا القرآن فَخْمًا مُفخَّمًا"؛ أي: عظيمًا مُعظَّمًا، فأتيتُ قُطْرُبًا وسألتُه عن الفرق بين (المالك) و(الملِك)، فقال: الملِك الذي يملك شيئا من الدنيا (^٣)، والمالك الذي يملك الملوك.
وقيل: لا ترجيح بزيادة حرفٍ، فقد اختلفت (^٤) الصَّحابةُ رضوان اللَّه عليهم في (فَرِهِين) و(فارِهين)، و(حَمِئةً) و(حامِئةً)، و(نَخِرةً) و(ناخِرةً)، فلم يحتجَّ أحدهم
_________________
(١) = واحتج له. . . وكان من الواقفة على القراءة إلا أنه يرى رأي أهل العدل والتوحيد. قلت: وذكره ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٩١) واتهمه بوضع الحديث.
(٢) في (أ): "وكنت".
(٣) رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٣٨٧) من حديث ابن عباس ﵄، وفيه حفص بن عمر بن حكيم، قال ابن عدي: مجهول. وروى الترمذي (٢٩١٠) من حديث ابن مسعود وصححه: "مَن قَرَأَ حَرْفًا من كتابِ اللَّهِ فله به حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بعَشْرِ أمثالِها، لا أقولُ: الم حَرْفٌ، ولكِنْ ألفٌ حَرفٌ، ولامٌ حَرفٌ، وميمٌ حَرفٌ".
(٤) في (ر): "الذي يملك الأشياء في الدنيا"، والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الموافق لما في "روح البيان"، أما أبو الليث فلفظه: (فأما مَلِك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك). وفيه بعدها قوله: (فرجعت إلى قراءة الكسائي).
(٥) في (أ): "اختلف".
[ ١ / ١١٧ ]
على صاحبه بزيادة الحرف، وإنما رجَّحوا بزيادة المعنى، فبنا (^١) أن ننظر أيهما أبلغُ في المعنى.
قال أبو عبيدةَ والأصمعيُّ وأبو حاتم والأخفش: (مالك) أبلغ، فإنه يقال: مالكُ كلِّ شيءٍ، ولا يقال: ملك كلِّ شيءٍ، وإنما يقال: ملكُ الناس.
ولأنه يُضاف إلى الفعل والذات، يقال: مالكُ العبد، ومالكُ التصرُّف.
ولأنه لا يقال: مالكُ الشيء، إلا وهو يملكُه، وقد يكون مَلِكَ (^٢) شيءٍ وهو لا يملكه، يقال: فلانٌ ملكُ العرب، وملكُ العجم، وملك الهند، وملك الروم، وملك الترك.
ولأن (المالك) من المِلْك، و(المَلِك) من المُلْكِ، والمالك يدلُّ عليهما، يقال: مالكُ المُلْك، ومالكُ المِلْك، والمَلِك لا يدل عليهما، يقال: مَلِكُ المُلك، ولا يقال: مَلكُ المِلْك.
ولأنه أضاف إلى ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾، وذكر في آيةٍ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩]، فنفى المِلك عن الخلق، فثبت ذلك للَّه تعالى.
وقال أبو عبيدةَ (^٣) وعاصمٌ الجحدريُّ والمبرِّد وأبو عمرٍو والزجَّاج وجماعة: (مَلِك) أبلغ وأوفق للقرآن، قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾، وقال عزَّ وعلا: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وقال في صفة يوم القيامة: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿لِمَنِ
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية، ولعل الصواب: (فلنا)، أو نحو ذلك.
(٢) في (أ) زيادة: "كل".
(٣) قوله: "أبو عبيدة" تكرر في القولين، ولعل أحدهما: (أبو عبيد)، فكثيرًا ما يحصل الخلط بينهما لتشابه الاسمين، والمعاصرة حيث إنَّ أبا عبيد تلميذ أبي عبيدة.
[ ١ / ١١٨ ]
الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، وقال ﷻ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وقال تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن: ١].
ولأن المالكَ قد لا يكون مَلِكًا، ولا يكون مَلِكٌ إلا و(^١) يكون مالكًا، ولأن المالكَ لا يُذكر إلا مُضافًا، يقال: مالك كذا، والملِكُ يذكر غيرَ مضافٍ، يقال: هو الملِك، ومدحُ الذات بما هو اسمُه من غيرِ إضافةٍ أبلغُ من مدحه بالإضافة إلى غيره (^٢).
ومأخَذُ الاسم في اللغة من قولهم: مَلَكتُ العجينَ، ومَلَكتُ بالطَّعن اليمين، وأمْلَكتُ بين الزَّوجين، وحاصله: الشَّدُّ والرَّبط والشِّدَّة والقوة، فمعنى الاسم في الحقيقة للَّه، فله القوةُ الكاملة، والولاية النافذة، والتصرُّف الماضي، والحكم الجاري، وهو (^٣) للعباد مُجازي، فللّهِ المِلك والمُلك والملكوت، والعزة والجبروت، وهو الحيُّ الذي لا يموت.
ومَن مَلَك من العباد (^٤)؛ فلِمُلكه بدايةٌ ونهايةٌ، وحدٌّ وغايةٌ، وهو على البعض لا على الكلِّ، وعلى الجسم لا على العَرَض، وعلى النَّفْس لا على النَّفَس، وعلى الظاهر لا على الباطن، وعلى الحاضر لا على الغائب، وعلى الحيِّ لا على الميت.
ومُلك اللَّه تعالى بلا (^٥) بدايةٍ ولا نهاية، ولا حَدٍّ ولا غاية، وعلى الكلِّ، وعلى
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وأن".
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١/ ٢١٦).
(٣) في (ر): "فهو".
(٤) في (ف): "عباد اللَّه".
(٥) في (أ): "لا".
[ ١ / ١١٩ ]
النفوس والأنفاس، وعلى الظواهر والبواطن، وعلى الفِطْرات والفِكْرات، والهيئات والمُهِمَّات (^١)، وهو المَلِك الذي لم يَزلْ ولا يَزال (^٢)، كلُّ مُلكٍ زائلٌ إلا مُلْكَه، وكلُّ مِلْكٍ باطلٌ إلا مِلكَه، ليس لمُلكه زوالٌ، ولا لمِلْكه انتقالٌ.
وقال الإمام أبو منصُور الماتريديُّ رحمة اللَّه عليه: في الآية دلالةُ وصف الربِّ بمُلكِ ما ليس بموجودٍ (^٣) وقتَ الوصف بمُلكه، وهو يوم القيامة.
ثبت أنَّ اللَّه تعالى بجميع ما يستحقُّ الوصفَ به، يستحقُّه بنفسه لا بغيره، ولذلك قلنا نحن: هو اللَّه خالقٌ لم يزل، ورحيمٌ لم يزل، وجوادٌ لم يزل، وسميعٌ لم يزل، وإنْ كان ما عليه وَقْعُ ذلك لم يكن، وكذلك نقول: هو ربُّ كلِّ شيءٍ وإلهُ كلِّ شيءٍ في الأزل وإنْ كانت الأشياء حادثةً، كما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وإنْ كان اليومُ بعدُ (^٤) غيرَ حادث (^٥).
ثم قولُه: (مالكَ يومِ الدِّين) كما قُرئ بالنصب، فقد قرأ زيد بن عليٍّ: (رَبَّ العالمين، الرَّحمَنَ الرَّحِيمَ) بالنصب (^٦)، وهذا (^٧) على المدح، أو على النداء، وقراءةُ العامَّة بالخفض على النَّعت، وقرأ شقيقُ بنُ سلمة بالرفع على الابتداء (^٨).
_________________
(١) في (أ): "وعلى الحضرات والفكرات والحياة والممات".
(٢) في (أ) زيادة: "ولم يزل ولا يزال".
(٣) في (ر) و(ف): "لموجود".
(٤) في (أ): "يعد".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٦٢).
(٦) "بالنصب" ليس في (ف). وانظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (١/ ٥٥).
(٧) في (أ): "وهو".
(٨) تقدمت قراءته قريبًا.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ إنما أضاف المُلْكَ والمِلْك إلى يومِ الدين على الخصوص؛ لأنه قد أعطى الخلق اليومَ مُلكًا ومِلكًا، والمُلَّاكُ يبخلون في مِلْكهم، والملوك يجورُون في مُلكهم، فإذا كان يوم الدِّين نُزع المِلك عن (^١) كلِّ مالكٍ، والمُلك عن كلِّ مَلِكٍ، فيبقى المِلك والمُلك له على الخصوص، فلا يبقى بُخلٌ ولا جَورٌ، بل يجود في مِلكه، ويعدلُ في مُلكه، وهو وعدٌ ووعيدٌ، يقول للأولياء: أنا المَلك والمالك، أُعزُّكم بمُلكي، وأغنيكم بمِلكي، فلا يمنعُني مانعٌ، ويقول للأعداء: أنا المَلك والمالك، علمتُ ما عامَلْتُموني به، وأقدِرُ على مكافأتكم، فلا فِرار لكم عني، ولا يَدفع العذابَ عنكم دافع.
وفي تفسير ﴿الدِّينِ﴾ أقاويلُ سبعةٌ:
قال ابن عباس وابن مسعودٍ والحسن البصري والسُّدِّي ومقاتل: هو الحساب، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ أي: الحساب المستقيم (^٢)، واللَّهُ تعالى يحاسبُ العبادَ يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وقال مجاهدٌ والضحاك وقتادة: هو الجزاء (^٣)، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]؛ أي: غير مَجْزِيِّين (^٤)، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾
_________________
(١) في (ر): "من".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (٢/ ١٦٩)، و"تفسير الطبري" (١/ ١٥٦)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١١٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٣).
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ١٥٧)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١١٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٣).
(٤) في (أ): "مجرمين".
[ ١ / ١٢١ ]
[النور: ٢٥]؛ أي: جزاءَهم، واللَّه تعالى يجزي العباد يومئذٍ بأعمالهم، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧].
وقال جماعة: هو القضاء، كما في قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]؛ أي: قضائه، واللَّه تعالى يقضي بين خلقه يومئذٍ، كما قال ﷿: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩].
وقال محمد بن كعبٍ القُرظي: هو التوحيد (^١)، كما في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، والعزُّ والكرامةُ يومئذٍ لأهل التوحيد، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الحديد: ١٢].
وقيل: الدِّين: الطاعة (^٢)، قال زهير:
لَئِن حَلَلْتَ بوادٍ (^٣) في بني أسَدِ في دِينِ عمرٍو وحالَتْ بيننا فَدَكُ (^٤)
أي: هذا (^٥) يومٌ لا ينفع فيه إلا الطاعة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧].
وقال الحسين بن الفضل البَجَلي ﵀: هو الخضوع؛ قال النبيُّ
_________________
(١) أورده البغوي في "تفسيره" (١/ ٥٣) بلفظ: مَلكُ يومٍ لا ينفع فيه إلا الدين.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١١٦).
(٣) في "ديوان زهير بن أبي سلمى": "بجَوٍّ".
(٤) انظر: "ديوان زهير بن أبي سلمى" (بشرح ثعلب) (ص: ١٨٣)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٧١)، و"البحر المحيط" (١/ ٦٣). قال الشارح: جوّ: واد، ودين عمرو: طاعته، وعمرو هو عمرو بن هند.
(٥) في (أ): "هو".
[ ١ / ١٢٢ ]
-ﷺ- لأبي طالب: "إني أدعُوكَ إلى كلمةٍ لو قُلْتَها دانتْ لك العرب" (^١)؛ أي: خضعَت.
ويومُ القيامة: يومُ خضوع الخلق، قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨].
وقال يمانُ بن رئابٍ: هو القهر والغلبة جميعًا (^٢)، تقول العربُ: دِنْتُه فدَان؛ أي: قَهرْتُه فخضع (^٣).
وقال الأعشى فيهما جميعًا:
هو دان الرِّبَابَ إذ كَرهوا الدِّيـ ن دِرَاكًا بغزوةٍ وصِيَالِ (^٤)
ويومُ القيامة: يومُ قهر الجبارين وقصْمِ القهَّارين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢].
وقال الفرَّاء: هو العادة (^٥)، قال المثقَّبُ العَبْدي:
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٢) من حديث ابن عباس ﵄ بنحوه، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) "جميعًا": سقط من (أ)، "والغلبة" سقط من (ف).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٥٣).
(٤) انظر: "ديوانه" (ص: ١١)، و"تفسير الطبري" (٣/ ٣٠٠)، و"القطع والائتناف" للنحاس (ص: ١٣٠)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٢٦٣). وجاء في هامش (ف): "قال في الصحاح: الرِّباب بالكسر: خمس قبائل تجمعوا فصاروا يدًا واحدة وهم ضبة وثور وعكل وتيم وعدي، وإنما سموا بذلك لأنهم غمسوا أيديهم في رب وتحالفوا عليه، وقال الأصمعي: سموا به لأنهم ترببوا؛ أي: تجمعوا، والنسبة إليهم: رُبى -بالضم-؛ لأن الواحد منهم ربة". وقد وقع في العبارة طمس في بعض الكلمات فاستدركناها من "الصحاح".
(٥) في (أ): "العبادة".
[ ١ / ١٢٣ ]
تقولُ إذا دَرَأْتُ لها وَضِيني أهذا دِينُه أبدًا ودِيني
أكلَّ الدَّهرِ حِلٌّ وارتحالٌ أمَا يُبْقِي عَلَيَّ ولا يَقِيني (^١)
ويومُ القيامة يومٌ يُبعث فيه كلُّ أحد على عادته، فالكافر المنكِرُ يُبعث على إنكاره (^٢)، يقول اللَّه تعالى خبرًا عنهم أنهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (^٣) [الأنعام: ٢٣].
* * *
(٥) - ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِيَّاكَ﴾؛ أي: قولوا: ﴿إِيَّاكَ﴾، ولا بد من هذا الإضمارِ إنْ حُمل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على الابتداء أو على الإخبار، وإن حُمل على الأمر وأُضمر: (قولوا: الحمد للَّه) هناك، كان هذا عطفًا على ذاك من غيرِ إضمارٍ ثانٍ.
و﴿إِيَّاكَ﴾ فيها كلامٌ من جهة القراءة واللغة والإعراب والمعنى:
أما القراءة: فقراءة العامة بكسْر الألف وتشديد الياء، وقراءةُ الفضل الرَّقَاشيِّ
_________________
(١) انظر: "المفضليات" (ص: ٢٩٢)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، و"طبقات فحول الشعراء" (١/ ٢٦٣)، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٧١)، و"غريب القرآن" لابن عزيز (ص: ٢٢٦)، و"إعراب ثلاثين سورة" لابن خالويه (ص: ٢٥). الوضين: حزام الرحل، ودرأْتُ وَضِينَ البعيرِ: إذا بَسَطْتَه على الأَرض ثم أَبْرَكْته عليه لتَشُّدَّه به. وأراد: لو قدرتْ ناقتي أن تتكلم لقالت هذا الكلام، وأشار بقوله: (هذا) إلى ما استمرت به عادته معها.
(٢) في (أ): "عادته".
(٣) زيد في (ر): " ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ".
[ ١ / ١٢٤ ]
بفتح الألف وتشديد الياء (^١)، وقراءةُ عُبيد بن عميرٍ: (آياك) (^٢) بمدِّ الألف وتخفيف الياء (^٣).
وقراءةُ عَمرِو بن فائدٍ: (إِيَاك) بكسرِ الألِف وتخفيفِ الياء (^٤).
قال ابن مجاهد: ما أدري ما هي ويشبه أن تكون خطأً أو لغةً.
قال ﵁ (^٥): ووجهُ الغلط أنهم قالوا: إيَاةُ (^٦) الشمس عينُها، فكأنه يقول: شمسَكَ نعبُد، واعتقاده كفرٌ، والقراءة به خطأٌ، وهي للصلاة مُفسدةٌ.
ووجهُ اللغة: أن تخفيف المشدَّد أيضًا مسموعٌ كما في قوله: (ربَّما)
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، و"المحتسب" (١/ ٣٩). والفضل الرقاشي هو الفضل بن عيسى بن أبان، أبو عيسى البصري الواعظ، قال عنه ابن معين كما في "الميزان": كان قاصًّا رجل سوء.
(٢) "إياك" ليست في (ر).
(٣) لم أجدها.
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٠)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، و"المحتسب" (١/ ٤٠)، و"الإبانة عن معاني القراءات"، لمكي بن أبي طالب (ص: ١٢١)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٧٢)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٢٢٥)، و"البحر المحيط" (١/ ٦٩). قال مكي: (وقد كره ذلك بعض المتأخرين لموافقة لفظه لفظ إيا الشمس، وهو ضياؤها). وقوله: "وقراءةُ عَمرِو بن فائدٍ: إِيَاك، بكسرِ الألِف وتخفيفِ الياء) سقط من (ف). وعمرو بن فائد هو أبو علي الأسواري البصري، ذكره ابن الجزري في "طبقات القراء" (١/ ٦٠٢) وذكر له هذه القراءة، وقال عنه ابن حجر في "اللسان": قدري معتزلي توفي بعد المئتين.
(٥) في (أ): "قال نجم الدين ﵀".
(٦) بعدها في (ف): "حق".
[ ١ / ١٢٥ ]
و(ربَما)، وقد قرئ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] بهما جميعًا (^١).
قالوا: ويجوز: (هَيَّاك) بالهاء بدلًا عن الهمزة (^٢)، كما في قولهم: هيهات وأيهات.
وأمَّا اللغة: فقد قيل: أصله (إِوْيَاك)، وهي من قولهم: آوى إليه وآواه (^٣)، فكأنه يقول: إليك أنقطِعُ بالعبادة والاستعانة، وهذه الكلمة ضميرٌ مكنيٌّ لا يكون إلا في موضع نصبٍ، ولا يضاف إلا إلى كنايةٍ، وقد وردت إضافتُها إلى الصريح شاذًّا: إذا بلغ الرَّجل الستِّين فإيَّاه وإيَّا الشَّوابِّ (^٤).
وقال الشاعر:
دَعْني وإيَّا خالدٍ فلأَقْطَعنَّ عُرَى نِيَاطهِ (^٥)
وفي (^٦) الكلام الشائع، وفي آياتِ القرآنِ الإضافةُ إلى الكناية: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٢٤] ﴿مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، ﴿مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
_________________
(١) قرأ نافع وعاصم بالتخفيف وباقي السبعة بالتشديد. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٦).
(٢) أي: بإبدال الهمزة المكسورة هاء مكسورة، والمفتوحة هاء مفتوحة. ونسبت لأبي السوار الغنوي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٧٢)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٢٢٥)، و"البحر المحيط" (١/ ٦٩).
(٣) في (أ): "آوى إليه آواه"، وفي (ف): "آوى وآواه".
(٤) انظر: "الكتاب" لسيبويه (١/ ٢٧٩)، وقد ذكر سيبويه عن الخليل أنه سمع أعرابيًّا يقولها.
(٥) البيت لمحمد بن عيينة بن المهلب بن أبي صفرة، من قصيدة في هجاء ابن عمه خالد بن يزيد. انظر: "الأغاني" (٢٠/ ٢٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١١٧).
(٦) في (ر) و(ف): "وقال في".
[ ١ / ١٢٦ ]
ولا يؤتَى بها إلا مقدَّمةً على الفعل، ولا تؤخَّر إلا بفاصلٍ بالاستثناء أو العطف أو تكرارِ الكناية بها (^١): ما عنيت إلا إياك، ذكرتك وإياه، أدعوك (^٢) إياك.
وأمَّا الإعراب: فقد قال الخليل بنُ أحمد: (إيَّا) سُلَّمٌ للشأن (^٣)، والكافُ نصبٌ؛ أي: هي كنايةٌ مقدَّمةٌ، ولو أخَّرْتَ قلتَ: نعبدُك، فإذا قدَّمْتَ لم يمكِن التلفُّظُ (^٤) بحرفٍ واحدٍ، فزادوا (إيَّا) سُلَّمًا للشأن (^٥) ليُتمكَّنَ منه، أو لأن الكافَ وحدها إذا تقدَّمت شابهتْ كاف التشبيه، فأزالوا الاشتباه بهذا.
وقال الفرَّاء: إنما نُصب لوقوع (^٦) الفعل عليه، والكافُ (^٧) خُفض بالإضافة، وبيانُه: أن هذا بمنزلةِ قولك: نَفْسَكَ نعبُد.
وأما المعنى: ففي زيادة هذه الكلمة معنًى بليغٌ، فإنك لو (^٨) قلتَ: نعبدُك ونستعينك، وإن كان أَوجزَ لك، لكن (^٩) في هذا النظم فوائدُ زوائدُ: موافقةُ رؤوس الآي، ونفيُ العبادة والاستعانة عن غيرِ اللَّه تعالى، وأجلُّها: البدايةُ بذكر اللَّه دون ذكر (^١٠) نفسه، وهو نظرٌ من اللَّه تعالى إلى العبادة لا من العبادة إلى اللَّه تعالى.
_________________
(١) "بها": ليست في (أ)، وفي (ف): "على".
(٢) في (ر): "ذكرت وأدعوك" بدل: "أدعوك".
(٣) في (ف): "للسان".
(٤) في (أ): "اللفظ".
(٥) في (ف): "للسان".
(٦) في (ف): "بوقوع".
(٧) بعدها في (ر): "إنما".
(٨) في (ر): "فكأنك إن"، وفي (ف): "فكأنك لو".
(٩) "لكن" سقط من (ف)، و"لك": سقط من (أ).
(١٠) "ذكر" سقط من (ف).
[ ١ / ١٢٧ ]
وبهذا ظهر (^١) علوُّ درجة نبيِّنا محمدٍ -ﷺ- على موسى -ﷺ- بقوله (^٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقال (^٣) موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، وهو معنًى لطيفٌ وعِلمٌ شريفٌ.
فإنْ قيل (^٤): لمَ كرَّر ﴿إِيَّاكَ﴾ ولو اكتفى بالأول صحَّ؟
قلنا: لأن (إيا) (^٥) في أول الكلام كالكافِ في آخره، ولو قال: نعبدُك ونستعينك، احتِيج إلى تكرار الكاف، فكذلك (^٦) (إِيّا)، ولأن تكراره تحقيقٌ لكلِّ واحدٍ منهما مفردًا؛ أي: نعبدك لا غير ونستعين بك لا غير.
وقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ﴾: فالعبادةُ في اللغة لمَعَانٍ:
أحدها: التذليل (^٧) والقهر؛ قال تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]؛ أي: ذلَّلتهم وقهَرتهم، ومنه قولهم: طريقٌ معبَّدٌ؛ أي: مذلَّلٌ بكثرةِ الوطء، قال الشاعر:
تُباري عِتَاقًا ناجياتٍ وأَتْبعَتْ وظيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ معبَّد (^٨)
_________________
(١) في (أ): "ولهذا ظهر"، وفي (ف): "وبهذا أظهر".
(٢) في (ر): "حيث قال"، بدل: "بقوله".
(٣) في (أ): "وقول".
(٤) في (ف) و(أ): "ولا يقال".
(٥) في (ر) و(ف): "إياك".
(٦) في (أ): "وكذا"، وفي (ف): "فكذا".
(٧) قوله: "التذليل" كذا في النسخ، ولعل الأولى: (التذلُّل)، كما في "الغريبين" للهروي (مادة: عبد)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٢٢٣)، وسيأتي إشارة لهذا في كلام المصنف. أما التذليل فهو معنى التعبيد كما في "النكت والعيون" للماوردي (٤/ ١٦٨).
(٨) البيت لطرفة من معلقته، وهو في "شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات" لابن الأنباري =
[ ١ / ١٢٨ ]
وبعيرٌ معبَّد؛ أي: مَطْليٌّ بالقَطِران، قال طَرَفةُ:
إلى أنْ تَحامَتْني العشيرةُ كلُّها وأُفْرِدْتُ إفْرادَ البعيرِ المعبَّدِ (^١)
فالعبادةُ من التعبُّد، وهي التذلُّلُ للَّه تعالى.
والثاني: الإكرام والإعزاز، يقال: بعيرٌ معبَّدٌ؛ أي: مُكْرمٌ، قال حاتم:
تقولُ ألَا أَمْسِكْ عليك فإنَّني أرى المالَ عندَ الباخِلين معبَّدًا (^٢)
فالعابد (^٣) على هذا هو المكرَم بالإذن في الخدمة (^٤).
والثالث: الأنَفة والاستنكاف؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] على قراءةِ حذفِ الألف (^٥)، وقال الشاعر:
أولئك آبائي فجئني بمثْلِهم وأَعْبَدُ أنْ يُهْجَى كُليبٌ بدارِمِ (^٦)
_________________
(١) = (ص: ١٥٣)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص: ٩٤). وجاء في هامش (ف): "أي سابقت هذه الناقةُ نوقًا كرامًا حسانًا مسرعات، فأَتبعت وظيفةَ يدِها وظيفة رجلها فوق طريق مطوي بذلك، والعتاق جمع عتيق، والمور المعبد: الطريق المذلل". والوظيف قال الزوزني: ما بين الرسغ إلى الركبة. وقال ابن الأنباري: قوله: (أتبعت وظيفا وظيفا)، معناه: لم تتكل يدها على رِجلها ولا رجلُها على يدها.
(٢) البيت من معلقته. انظر: "شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات" لابن الأنباري (ص: ١٩١)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص: ١٠٧).
(٣) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٣٥)، و"الزاهر" له (١/ ١٠٨)، و"جمهرة اللغة" (١/ ٢٩٩). وذكره ابن سيده في "المخصص" (٢/ ٣٩٦) بلفظ: (تقول ألا تمسك عليك. . .).
(٤) في (ر): "فالعبد".
(٥) في (ر): "بالخدمة".
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٣٧)، و"المحتسب" (٢/ ٢٥٧).
(٧) نسب للفرزدق وليس في ديوانه، وورد في المصادر بألفاظ متقاربة لكن مع احتوائها جميعا على =
[ ١ / ١٢٩ ]
فالعابدُ على هذا هو الذي يأنَفُ من خدمةِ غير مولاه، ويستنكِف عن (^١) التعلُّق بسواه، ولا يعبدُ ولا يستعينُ إلا إياه.
والرابع: التكليف بالأمر (^٢) والنهي، يقال: تعبَّده واستعبدَه: إذا كلَّفه أمرَه ونهيَه، قال الشاعر:
تَعَبَّدني نِمْرُ بنُ سعدٍ وقد أُرَى ونِمْرُ بنُ سعدٍ لي مُطِيعٌ ومُهْطِعُ (^٣)
فالعبدُ هو المكلَّف أمرَ اللَّه ونهيَه، والعابدُ هو المؤتمِر والمنتهِي (^٤).
وأما تفسيرُه: فقد قال ابن عباس ﵄: معناه: إياك نُوحِّد (^٥).
وقال (^٦) عكرمةُ: جميع ما ذُكر في القرآنِ من العبادة فالمرادُ بها التوحيدُ، وجميعُ ما ذُكر فيه من التسبيح فالمرادُ به الصَّلاةُ، وجميعُ ما ذُكر فيه من القُنوت فالمراد به الطاعةُ، وجميعُ ما ذُكر فيه من الأرائك فالمراد به السُّرُر (^٧) التي فوقها
_________________
(١) = محل الشاهد. انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٢١٨)، و"إصلاح المنطق" (ص: ٤٥)، و"جمهرة اللغة" (١/ ٢٩٩)، و"تهذيب اللغة" (٢/ ١٤١)، و"الصحاح" (مادة: عبد).
(٢) في (ر): "من".
(٣) في (ف): "الأمر" بدل: "التكليف بالأمر".
(٤) أنشده ابن عباس لنافع بن الأزرق منسوبا لتبَّعٍ كما روى السيوطي في "الإتقان" (٢/ ١٠١)، والطستي كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٧٤)، وهو دون نسبة في "العين" للخليل (١/ ١٠١)، و"الصحاح" (مادة: عبد)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٢٥).
(٥) في (أ): "المؤتمر المنتهي".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٥٩).
(٧) في (ف): "قال".
(٨) في (ف): "فهي السرر"، وفي (أ): "فهي السور"، بدل: "فالمراد به السرر".
[ ١ / ١٣٠ ]
الكِلَّة (^١)، وجميعُ ما ذُكر فيه من الكأس فهو القدَح مع الشراب، وجميعُ ما ذكر فيه من الرياح فهي رياحُ الرحمة، وجميعُ ما ذُكر فيه من الرِّيح فهي ريحُ العقوبة.
وقال سفيانُ بن عُيينة وجماعةٌ: معناه: لك (^٢) نخشعُ ونخضعُ؛ أي (^٣): بالطاعة.
وقال الحسن البصريُّ: معناه: إياك نُطيع.
وروَى الضحَّاك عن ابن عباس ﵄: أن جبريل صلواتُ اللَّه عليه قال للنبيِّ -ﷺ-: قل يا محمد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ أي: إياك نؤمِّلُ ونرجو ربَّنا لا غيرَك (^٤).
وهذا وجهٌ لو ثبتَ روايتُه لم يُحتَجْ إلى تأويلٍ سواه (^٥).
وعن الضحَّاك قال: معناه: إياك نرجو ونخافُ، وهو أهلٌ لذلك، قال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦].
وقال تعالى في مدحِ الأنبياء صلواتُ اللَّه وسلامُه عليهم: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
_________________
(١) في (ر): "الحلة". والكِلة: ستر رقيق مثقَّب يتوقَّى به من البعوض وغيره، جمعها: كِلَل. انظر: "المعجم الوسيط" (مادة: كلل).
(٢) في (ر): "إليك".
(٣) "أي": من (أ) و(ف).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٥٩). وفي إسناده بشر بن عمارة الخثعمي الكوفي، وهو ضعيف، قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٨٠): تعرف وتنكر. وقال النسائي في "الضعفاء" (ص: ٦): ضعيف. وقال ابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٨٩): كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، ولم يكن يعلم الحديث ولا صناعته. وذكر ابن كثير عند تفسير الاستعاذة في أول "تفسيره" أن هذا الإسناد فيه ضعف وانقطاع، والمراد بالانقطاع أن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٥) ولم يثبت، لما تقدم.
[ ١ / ١٣١ ]
وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال في حقِّ القانت: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وأَمَر فقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقال بعض أهل المعرفة: العبادةُ شَغْلُ كُلِّكَ به، وهو: شَغْلُ القلبِ بمعرفته، وشَغْلُ الروحِ بمشاهَدته، وشَغْلُ النَّفْس بخدمته، وشَغْلُ اللسان بمِدْحته.
وقيل: العبادَةُ: إجلالُ الربِّ وإذلالُ النفس.
وقيل: هي الرِّضا بالقضاء، والصَّبرُ على البلاء، والشكرُ على النَّعْماء.
وقيل (^١): تصديقُ اللَّه تعالى فيما أَخبر، والانقيادُ له فيما قدَّر، والطاعةُ له فيما نَهَى وأَمر، والثقةُ بما رغَّب وحذَّر.
ثم قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ من العبادة ومن العُبودة.
(عبادات تواست بندكي كردن وعبودت بنده بودن، عبادت موقت است مان كردن طاعت وست عبودت بمو بد است وإن ماندن معصيت است واست كفتني عبادت استهمه أوردن نونوي عبودت حوس بودن مردتن مال نفارت وسرقة وثواب أي بيش أز ثواب) (^٢).
روَى أبو أُمامةَ الباهِليُّ رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "درهمٌ واحدٌ
_________________
(١) بعدها في (أ): "هو".
(٢) في هامش (ف): "تعريبه: العبادة: القيام بواجب الخدمة والطاعة، والعبودية: صيرورته عبدًا لا ملك ولا قدرة له، وقيل: العبادة موقتة وهو الطاعة في أوقات معينة مقدرة، والعبودة مؤبدة وهو ترك العصيان أبدًا، وقيل: العبادة الصدق في الكلام والعبودة عدم التكلم بالكذب أصلا وتركُ جميع أعوانه، وقيل: العبادة فعل ما يرضى اللَّه عنه والعبودة الرضى بما فعل اللَّه تعالى، وقيل: العبادة إعطاء المال بطريق الزكاة والصدقة، والعبودة: الفرح بما أخذ منه من المال بطريق التعدي والظلم والنهب والسرقة، وثواب هذا أعظم من ثواب ذلك".
[ ١ / ١٣٢ ]
يأخذه السُّلطان ظلمًا واعتداءً خيرٌ من أن يتصدَّق بثلاثِ مئة ألفِ درهم" (^١).
وصاحبُ العبادة عابدٌ (^٢)، وجمعُه: عُبَّاد، وصاحب العُبودة عبدٌ وجمعُه: عِبَاد، وقد مدح اللَّه تعالى الملائكةَ والنبيِّين والمؤمنين بهما، فقال في حقِّ الملائكة في صفَة العبادة: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقال في صفة العبودة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].
وقال في عبادة الأنبياء: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤].
وقال في عبودتهم (^٣): ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠]، ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١]، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ [ص: ٤٥] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ [ص: ١٧] ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: ١٠]، ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩].
وقال في حقِّ المؤمنين في صفة العبادة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال في صفة العبودة: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦].
فمِن العبادة: الصَّلاةُ بلا غَفلةٍ، والصومُ بلا غِيبةٍ، والصَّدقةُ بلا مِنَّةٍ، والحجُّ بلا إراءةٍ، والغزوُ بلا سمعةٍ، والعِتقُ بلا أذيَّةٍ، والذِّكرُ بلا ملالةٍ، وسائرُ الطاعات بلا آفةٍ.
_________________
(١) لم أجده.
(٢) في (ف): "عَبْدٌ".
(٣) في (أ): "عبادتهم".
[ ١ / ١٣٣ ]
ومن العبودة: الرِّضا بلا خُصومةٍ، والصبرُ بلا شكايةٍ، واليقينُ بلا شبهةٍ، والشهود بلا غَيبةٍ، والإقبال بلا رجعةٍ، والاتصال بلا قطيعةٍ.
وقيل: حقيقةُ العُبودةِ: تركُ الدعوى، واحتمالُ الأذى، وحبُّ المولى.
وقيل: هي أن لا يكونَ عندك للدنيا خطرٌ (^١)، ولا للكونَين في قلبك أثر.
وقيل: هي حفظُ الحدود، والوفاءُ بالعهود، والرضا بالموجود، وتركُ طلَبِ المفقود.
وقال شقيق: هي تركُ الدنيا لأهلها، وطلبُ الآخرة بحقِّها، وأنْ تجعلَ هواك تحت قضاءِ اللَّه تعالى ورضاهُ، والاستعدادُ للموت والقيامة.
وقيل: علامتُها: أن لا يزيدَ في رِفعتك إلا زدتَ في التواضع، ولا يزيدَ في مالكَ إلا زدتَ في السَّخاوة، ولا يزيدَ في عمرك إلا زدتَ في الطاعة.
وقيل: هي رؤيةُ المنَّةِ، وجهدُ الخدمةِ، وخوفُ الخاتمة.
فالأول: للخليل حيث قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ الآيات [الشعراء: ٧٨].
والثاني: للحبيب حيث قام حتى تورَّمتْ قدَماهُ.
والثالث: ليوسف الصديق حيث قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
ثم العبادةُ أمرٌ خلَق اللَّهُ الجنَّ والإنس ليأمرهم بها، فقال (^٢): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وأَمر بها الناسَ على العموم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ
_________________
(١) في (أ): "حظ".
(٢) في (أ): "قال"، وكلمة "بها" ليست في (ف).
[ ١ / ١٣٤ ]
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وخصَّ بها الأنبياءَ فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وخصَّ من بينهم موسى فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤].
وقال في حقِّ الأمم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال في قصةِ كلِّ نبيٍّ: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
وقال في بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣].
وقال في حقِّ قوم عيسى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦].
وقال في حقِّ هذه الأمة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦].
وخصَّ به المصطفى فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]، وأمره أن يقول ذلك باللسان أيضًا فقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]، وأمرنا به أيضًا أن نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: أي: نطلبُ العونَ ونسألُه، فإنَّ سينَ الاستفعالِ للطَّلب والسؤال.
وقال بعضُ أهل المعرفة: هي طلبُ العين؛ أي: نسألُك أن تجعلَنا نعبدُك كأننا
[ ١ / ١٣٥ ]
نُعاينُكَ، فقد ثبتَ في الحديثِما أنَّ الإحسان: "أنْ تعبدَ اللَّه كأنك تَراهُ فإنْ لم تكن تراه فإنه يَراك" (^١).
وقال ابن عباسٍ ﵄: معناه: وإياك نستعينُ على عبادتِك.
وقال السُّدِّيُّ: معناه: وإياك نستعينُ على ما لا طاقة لنا به.
وقال الحسن ﵀: وإياك نستعينُ على الشيطان الذي يمنعُنا عمَّا خلَقْتنا (^٢) له من عبادتك.
وقال ابن عُيينةَ: وإياك نستعينُ على محاربةِ الشيطان الذي يمنعُنا عن (^٣) عبادتك.
وقال مقاتل بن سليمان: أي: بك نستعين في أمورنا على ما يُصْلحنا في دِيننا ودُنيانا.
والجامعُ للأقاويل: نسألُكَ أن تُعِيننا على أداءِ الحقوق، وإقامةِ الفروض، وتحمُّلِ المكاره، وطلبِ المصالح.
فإن قالوا: المعونةُ إنما تُطلب قبل العمل، فهلَّا قال: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قبل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
فجوابُه من وجوهٍ:
أحدها: أن الواو لمطلَقِ الجمع لا للترتيبِ، فمعناه: أنه يأتي بهما ولا يتركُهما (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (أ): "وإياك نستعين على ما خُلِقنا".
(٣) في (ف): "من".
(٤) في (ر): "يأتي بها ولا يتركها".
[ ١ / ١٣٦ ]
وآخَرُ (^١): أنَّ معناه: إياك نوحِّدُ وإياك نستعينُ على الثبات على التوحيد.
وآخَرُ: أن معناه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أداء الطاعات بعد التوحيد.
وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في الحال، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على ذلك في الاستقبال (^٢).
وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بظواهرنا فهي التي في وُسعِنا، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على حفظ بواطنِنا فأنت الذي تقلِّبها كيف تشاء.
وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على الرجاء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الخوف.
وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على الشكر، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو على الصبر.
وقال أبو بكرٍ الورَّاقُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك خلقْتَنا، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنك هدَيْتنا (^٣).
وقال محمد بن عليٍّ الترمذيُّ (^٤): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فاقْبَلْ عبادتنا وإنْ كانت غيرَ صافيةٍ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فأَعِنَّا وإنْ كنَّا غيرَ مستحقِّين للإعانة.
وقال أبو الحسن القَنَّاد (^٥) ﵀: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك الصانعُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن المصنوعَ لا غنَى به (^٦) عن الصانع.
_________________
(١) في (ر): "ووجهٌ آخر".
(٢) في (ف): "في المستقبل" بدل: "على ذلك في الاستقبال". وجاء في هامشها ما يوافق المثبت.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١١٨).
(٤) هو الترمذي صاحب "نوادر الأصول".
(٥) في (ر): "الحسين القناد" وفي (ف): "الحسن القتاد". والمثبت من (أ)، والذي في "تفسير الثعلبي" (١/ ١١٨): (وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرحمن الفران وقد سئل عن الآية فقال. .) وذكره.
(٦) في (ر): "له"، والمثبت موافق لما عند الثعلبي.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنَّا عبيدٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنك كريمٌ مَجيد.
وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك المعبود بالحقيقة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على لُزوم هذه الطريقة.
وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهذا تذلُّلٌ في الظَّاهر ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أن تَعلَم قلوبُنا أنه تَعزُّزٌ في الحقيقة والباطن، وقد (^١) قال قائلُهم:
وإذا تذلَّلتِ الرِّقابُ تقرُّبًا منَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها (^٢)
وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بقطع العلائق والأعراض (^٣) ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الثبات على هذا الحال فإنه بك لا بنا.
وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالإخلاص ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على المكاشفة لأسرارنا.
وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بأمرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عليها بفضلك.
وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالدعاء (^٤) ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أن تُسقطَ عنا الدعاوي وتردَّنا إلى رياض الحقائق.
وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالتوفيق ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على شكر ما وفَّقتنا من عبادتك.
ثم الجمعُ بين الكلمتين للافتخار والافتقار، فقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ افتخارٌ بكونه
_________________
(١) "وقد": ليست في (أ).
(٢) البيت لأبي إسحاق الصابي كما في "يتيمة الدهر" (٢/ ٣٢٥)، ودون نسبة في "لطائف الإشارات" (١/ ١٣).
(٣) في (ف): "والأعواض"، وفي (أ): "والأعواص".
(٤) في (أ): "بالدعاوي".
[ ١ / ١٣٨ ]
عبدًا له عابدًا له، وقولُه تعالى: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ افتقارٌ إلى معونتهِ، واحتياجٌ إلى توفيقِه وعِصمته، كأنه (^١) يقول: (بناز وسر يرادكه بيده مني، وبنو روسو فر وداركه مي معونت من برهيج مني) (^٢).
وقالوا: هما لتعليمِ بذل المجهودِ، وتلقينِ سؤالِ العطاءِ والجُود.
ثم تحقيقُ هذين اللفظينِ من العبد: أن لا يَخدمَ غيرَ اللَّه، ولا يسألَ غيرَ اللَّه، بعدما أظهرَ هذا من نفسِه أنه إياه يَعبدُ وإياه يستعين.
وقد حُكي عن سفيان الثوريِّ: أنه أَمَّ قومًا في صلاة المغرب، فلما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خرَّ مغشيًا عليه، فلما أفاق قيل له في ذلك، فقال: خفتُ أن يُقالَ لي: فلمَ تَذهبُ إلى أبوابِ الأطبَّاء والسَّلاطين؟
ثم في مجموعِ الكلمتين تحقيقُ مذهب أهل السُّنة والجماعة، وهو إثباتُ الفعل من العبدِ والتوفيقِ من اللَّه تعالى، وفيه ردٌّ على (^٣) الجبريَّة والمعتزلةِ (^٤):
فالجبريةُ يَنْفون الفعلَ من العبد، وقولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يردُّ عليهم ذلك.
والمعتزلةُ لا يَرون التوفيقَ من اللَّه (^٥)، وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يردُّ ذلك عليهم.
_________________
(١) في (ر): "وكأنه".
(٢) في هامش (ف): "تعريبه: كأنه يقول: افتخر وترفع. . . وافتخر وأخفض فعبادتك بغير معونتي لست بشيء ينفع".
(٣) "على" من (ف).
(٤) في (ف): "والقدرية".
(٥) في (ف): "ربهم".
[ ١ / ١٣٩ ]
وأهلُ السنَّة والجماعةِ يقولون: من العبد الفعلُ واختيار الفعل، ومن اللَّه تعالى خلقُ ذلك الفعلِ ومشيئةُ ذلك الفعلِ، والآيةُ تدلُّ على ذلك كلِّه.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هو على إضمارِ الأمر، أي: قلْ هذا، ثم لم يَجعلْ له أن يستثنيَ في (^١) القول به، بل أَلزمه القولَ به، فيجب أن لا يستثنيَ في التوحيد، فإن مَن استثنَى فيه عن (^٢) شكٍّ يُستثنَى، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال النبيُّ -ﷺ-: "أفضلُ الأعمال إيمانٌ لا شكَّ فيه" (^٣).
قال: وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إبطالُ قولِ المعتزلة؛ لأن الاستعانة لا تصحُّ على قولهم، لأن تلك المعونةَ على أداء ما كلِّف قد (^٤) أُعطيَ العبد ذلك، إذ على قولهم لا يجوزُ أن يكون مكلَّفًا وقد بقيَ شيءٌ مما به أداءُ ما كلِّف به عند اللَّه، وطلبُ ما أُعطيَ كتمانُ العطية، وهو كفرانٌ، فيصير كأنَّ اللَّه تعالى أَمر (^٥) أن يَكفرَ نعمَه ويكتمَها (^٦) ويطلبها منه تعنُّتًا، وظنُّ مِثله باللَّه كفرٌ.
ثم لا يخلو من أنْ يكون عند اللَّه تعالى ما يطلب فلمْ يُعْط التمامَ إذًا، أو
_________________
(١) في (ر): "من"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
(٢) في (ف) و(أ): "فعن"، وفي (ر): "فمن"، والمثبت من "التأويلات".
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٧٥١١)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (١٥٣)، وابن حبان في "صحيحه" (٤٥٩٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (ر): "إذ قد"، والمثبت موافق لما في مطبوع "التأويلات"، ولعل صوابها: (وقد).
(٥) في (ر): "أمره"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
(٦) في (ر): "ويكفرها"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
[ ١ / ١٤٠ ]
ليس عنده فيكونُ طلبه استهزاءً به، إذ مَن طلَب إلى آخرَ ما يَعلم أنه ليس عنده فهو هازئٌ به.
ولأن الذي يطلب إمَّا أن يكونَ للَّه أن لا يُعطيَه مع التكليف، فيَبْطُل قولهم؛ إذ (^١) لا يجوز أن يكلِّف وعنده ما به الصلاحُ في الدِّين فلا يعطي، أو ليس له أنْ لا يعطيَ، فكأنه قال: اللهم لا تَجُرْ، ومَن هذا علمُه بربِّه فالإسلامُ أولى به (^٢).
ثم قولُه (^٣): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وإن أُضمر فيه الأمرُ بالقول في أولِ السورة كذلك، فإنَّ الأول مغايَبةٌ وهذا مخاطَبةٌ، وكذلك قوله: ﴿اهْدِنَا﴾، فكيف جمع بينهما؟
وجوابه: أنه سائغٌ (^٤) في كلام العرب، وواردٌ في القرآن:
قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢].
وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ [مريم: ٦٨]، ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].
وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ثم قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
وهذا كلُّه مغايَبةٌ ثم مخاطَبةٌ.
_________________
(١) في النسخ: "أنه"، والمثبت من "التأويلات".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٦٢ - ٣٦٥)، وفي نقل المؤلف شيء من الاختصار والتصرف.
(٣) في (ر): "وقوله"، بدل: "ثم قوله".
(٤) في (ف): "شائع".
[ ١ / ١٤١ ]
وقد وردت المغايَبةُ بعد المخاطبة أيضًا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ [يونس: ٢٢].
وقال النابغة:
يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسَّندِ أَقْوَتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ (^١)
رجَع في هذا من المخاطَبة إلى المغايَبة.
وقال آخرُ ورجَع عن المغايَبة (^٢) إلى المخاطَبة:
يا ويحَ نفسي كان جِدَّةُ خالدٍ وبياضُ وجهِكَ للتُّرابِ الأَعْفرِ (^٣)
ثم اللطيفةُ فيه هاهنا: أن المحبَّ إذا ابتدأ عاتَبَ وإذا انبسَط خاطَبَ.
ومنهم مَن جعَل ابتداءَ هذه المخاطبة من قوله ﷿: (مالِكَ يومِ الدِّين) على قراءةِ مَن نصب الكافَ على النداء، ومَن قرأ: (ربَّ العالَمين) على النصبِ جعَل الابتداءَ من ذلك، ومَن جعلَهما نصبًا على المدح أو على القطع كان على المغايَبة بناءً على افتتاحِ السُّورة.
وقولُه ﵇ في حديث القِسمة: "هذا بيني وبينَ عَبْدي نصفَين" (^٤)، أشار الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ إلى معنيَين فيه:
_________________
(١) انظر: "ديوان النابغة الذبياني" (ص: ٣٠).
(٢) في (ر): "من الغائبة".
(٣) البيت لأبي كبير الهذلي. انظر: "ديوان الهذليين" (٢/ ١٠١)، و"تفسير الطبري" (١/ ١٥٦)، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٢٣)، و"المستقصى" للزمخشري (١/ ٦٧). والشاهد فيه قوله: وبياض وجهك، وكان حقه: وبياض وجهه. وتسمية المؤلف لما هنا بالمخاطبة والمغايبة قد سماها غيره: الالتفات. انظر: "الكشاف" (١/ ١٣)، و"البحر" (١/ ٧٣).
(٤) قطعة من حديث رواه مسلم (٣٩٥) عن أبي هريرة رضي اللَّه، وتقدم بتمامه.
[ ١ / ١٤٢ ]
أحدُهما: أن يكون كلُّ واحدٍ منهما بين اللَّه وعبدِه، العبادةُ من العبدِ وهي للَّهِ تعالى، والاستعانةُ فعلُ العبد وهي طلبُه من اللَّه تعالى.
والثاني: أن العبادةَ من العبد للَّه تعالى، والمعونةَ من اللَّه تعالى للعبد، وهذا أظهرُ؛ لأنه قال في بقية السورة: "هذا لعَبْدي ولعَبْدي ما سَأل" (^١) لمَّا كان نفعُ الهدايةِ للعبد جعَله للعبد، فكذلك نَفْعُ المعونة (^٢).
ثم دلَّت هذه القسمةُ على أنَّ التسميةَ ليست من الفاتحة، فإنه جعَل السورةَ نصفين، ثم جعل هذه الآيةَ المتوسطةَ نصفين، وقَبْلَها ثلاثُ آياتٍ بدون التسمية، فتصيرُ مع نصفِ هذه الآية نصفَ السورة، ونصفُ هذه الآية مع الثلاثِ الآيات التي بعدها نصف السورة، وهي سبعُ آياتٍ.
وأنه لم يَعدَّ البسملة (^٣) في تقسيمها، بل بدأ بقوله: "فإذا قال العبد: الحمد للَّه، قال اللَّه تعالى: حَمِدني عبدي" (^٤).
وهذا قولُ قرَّاء المدينة والبَصرة وفقهاءِ الكوفة، وعلى ذلك دلَّتِ الأخبارُ وآثار الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم.
* * *
(٦) - ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾: انتظامه بما قبله: أن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إظهارُ
_________________
(١) قطعة من الحديث السابق.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٦٥)، وفي نقل المؤلف شيء من التصرف.
(٣) في (أ): "التسمية".
(٤) قطعة من الحديث السابق.
[ ١ / ١٤٣ ]
التوحيد (^١) من نفسه، و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ طلبُ العونِ من ربه، وقوله: ﴿اهْدِنَاَ﴾ سؤالُ الثباتِ على دِينه، وهو تحقيقُ عبادته واستعانتِه.
وفي تفسير الكلمة أقاويلُ:
أحدها -وهو المجمَع على صحته-: قول عليٍّ وأبيٍّ ﵄: ﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: ثبِّتْنا على هذا الصراط المستقيم (^٢)، وهذا كما يقالُ للرجل: كُلْ، وهو يأكل، و: اقرأْ، وهو يقرأ؛ أي: دُمْ على ذلك واثْبُتْ عليه، وهو نظيرُ قول إبراهيمَ وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وهو (^٣) دعاءُ استدامةٍ واستثباتٍ، وبذلك خاطَب اللَّهُ ﷻ المؤمنين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦].
والثاني: قول مقاتل والسدِّي: ﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: أَرْشِدْنا، وهو طلبُ إعطاءِ الرُّشدِ (^٤) في كلِّ ساعةٍ إلى الطريق المستقيم كيلا يَزيغَ عنه لحظةً؛ فعلًا ولا قولًا ولا نيةً، وكذا قال ابن عباسٍ ﵄: معناه: أرشِدْنا إلى الطاعات (^٥).
والثالث: قولُ بعضِ المفسِّرين: إنه طلبُ الزيادة المذكورةِ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، قيل (^٦): وهو اليقينُ والنور؛ أي: زدنا اليقينَ الصائب والنورَ الثاقبَ حتى نزدادَ كلَّ يومٍ استبصارًا، وعلى الدِّين الحقِّ ثباتًا وقرارًا.
_________________
(١) في (ر): "للتوحيد".
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٣) عن علي، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٤) عن علي وأبي.
(٣) في (أ) و(ف): "هو".
(٤) في (ف): "طلب الإعطاء للرشد".
(٥) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٣)، و"تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٦٦).
(٦) "قيل" زيادة من (ف).
[ ١ / ١٤٤ ]
والرابع: قولُ بعضهم: معناه: وفِّقْنا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ أي: لا يوفِّقُهم، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ أي: لنوفِّقَنَّهم لسلوكِ سبُلنا، وقال الشاعر:
فلا تَعْجَلنِّي هَدَاكَ المَلِيكُ فإنَّ لكلِّ مَقامٍ مَقالًا (^١)
والخامس: قولُ بعضهم: معناه: قدِّمْنا إلى (^٢) طريق الجنة؛ قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]؛ أي: قدِّموهم، وهو من قولهم: أقبلَتْ هَوَادي الخيل؛ أي: متقدِّماتُها (^٣)، وهوادي الجبال: وجوهُها وأعناقُها، وهادِيَةُ الإجْلِ (^٤): العَنْزُ المتقدِّمةُ عليها.
وأصل الكلمة: الإمالةُ، وأغلبُ استعمالها في الإرشادِ والدِّلالة، يقال: هداه كذا، ولكذا، وإلى كذا، وثلاثتُها في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
والدلالةُ إمالةٌ، وهِدَاءُ (^٥) العروس إلى زوجها -وهو زفافُها- كذلك، وإهداءُ
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣)، و"المقتضب" (٣/ ٢٢٤)، و"تفسير الطبري" (١/ ١٦٦)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ١٠٤)، و"الانتصار للقرآن" للباقلاني (٢/ ٦٣٨)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٠٧)، ولفظهم عدا الطبري: (تحنن علي هداك. . .)، وعزاه أبو عبيدة وجماعة للحطيئة.
(٢) في (ف) و(أ): "في".
(٣) في (ف): "مقدماتها".
(٤) في هامش (أ): "الإجل هو قطيع البقر والظباء".
(٥) في (أ): "وإهداء". وكلاهما صواب، قال الزجاج في "معاني القرآن" (٢/ ٣٣٩): وأهديت العروس إلى زوجها وهديْتُها. والأخفش فصَّل فقال في "معاني القرآن" (١/ ٣٢٥): وبنو تميم يقولون: هَدَيْت العروسَ إِلى زَوْجِها، جعلوه في معنى: دَلَلْتُها، وقيس تقول: أَهْدَيْتُها، جعلوها بمنزلة الهدية.
[ ١ / ١٤٥ ]
الهديَّة إلى الصَّدِيق كذلك، وإهداءُ (^١) الهَدْيِ إلى الحرم كذلك، وتهادَى القومُ في المشي: إذا (^٢) تمايَلوا، وخرج فلانٌ يُهادَى بين اثنينِ من ذلك، والهادي: العنقُ والعصا والسائقُ (^٣) من ذلك أيضًا.
والهديُ المذكور في القرآن وإن ذُكِرت وجوهُه زائدةً على العشرة فحاصلُه شيئان:
أحدهما: البيان، كما في قوله عز وعلا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧].
والثاني: خلقُ فعلِ الاهتداء في العبد، كما في قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢].
وقد يجيءُ ثالثٌ وهو الإثباتُ على الاهتداء، وهو عين الثاني لأنه يجدِّده فيه.
فعلى (^٤) هذا قولُه: ﴿اهْدِنَا﴾ ليس هو سؤالَ البيانِ فإنه سابقٌ، ولا ابتداءِ الإيجاد فإنه قد أعطاه، لكنه سؤالُ التثبيت وهو تجديدُه فيه ساعةً بعد ساعةٍ.
فأمَّا وجوهُه المذكورةُ في القرآن: فقد ذُكر للبيان، وذُكر لخَلْق فعل الاهتداء، وقد تلَوْنا الآيتين.
وللتثبيت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وللدَّعوة: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧].
وللدِّلالة: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
_________________
(١) في (ر): "وأهدى"، والمعنى واحد.
(٢) في (أ): "أي".
(٣) في (أ) و(ف): "والسابق".
(٤) في (أ): "وعلى".
[ ١ / ١٤٦ ]
وللإصلاح: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢].
وللإلهام: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]؛ أي: خلق الذَّكر والأنثى فألهمَهُما كيف يأتيها وتأتيه.
وللدِّين: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠].
ولليقين: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣].
وللتَّوحيد: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ: ٣٢].
وللرُّسل والكتب: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨].
ولأمر محمدٍ -ﷺ- خاصةً: ﴿يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩].
وللقرآن خاصَّةً: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
وللتوراة خاصَّةً: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ [الإسراء: ٢].
وذُكر الاهتداءُ في القرآن لوجوهٍ:
لمعرفة طرُق الدنيا: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
وللاسترجاع: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧].
وللاستنان بسَننِ الماضين: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢].
ولسلوك مذهب السنَّة والجماعة: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢].
ولبعض أهلِ التحقيق (^١) في قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ كلماتٌ مليحةٌ وهو الإمامُ القشيريُّ قال:
_________________
(١) في (أ): "ولبعض أهل المحققين"، وفي (ر): "ولبعض المحققين".
[ ١ / ١٤٧ ]
﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: مِلْ بنا إليك، واجعَلْ إقبالَنا عليك، وكنْ عليك دليلَنا، ويسِّر إليك سبيلَنا.
اقطعْ أسرارَنا عن شهود الأغيار، ولوِّح في قلوبنا طوالعَ الأنوار، وأفرِدْ قُصودنا إليك عن دنسِ الآثار، ورقِّنا عن منازل الاستدلالِ إلى ساحات القُرب والوصال، وحُلْ بيننا وبين مساكَنةِ الأمثال والأشكال بما تكاشِفُنا به من شهودِ الجمال والجلال.
أزِلْ عنا ظلماتِ أحوالنا لنستضيءَ بنور بأنوارِ قدسك، وارفع عنا ظلَّ (^١) جهدنا لنستبصِرَ بنجوم جُودك.
احفَظْنا عن (^٢) النَّزَغات والوساوس، والخطَرات والهواجس، كيلا يستهويَنا آفةٌ من فشلٍ أو هوادة، أو طبعٍ أو عادة، أو كسلٍ أو ضعفِ إرادة، أو طمعِ مالٍ واستزادة (^٣).
قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قالت المعتزلة: المراد بالهداية (^٤) هاهنا البيانُ، فإنهم لا يَرون من اللَّه ﷿ خلقَ فعلِ الاهتداء، ولو كان كما قالوا فهم (^٥) والمغضوبُ عليهم والضالُّون في ذلك سواءٌ، لأنه قد بيّن للكلِّ (^٦).
ثم في هذه الكلمةِ فوائدُ:
_________________
(١) في (ر): "ظلة" وفي (ف): "ظلمة"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٢) في (ف): "واحفظنا من".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٤٩ - ٥٠).
(٤) في (ر) و(ف): "المراد من هذه الآية".
(٥) في مطبوع "التأويلات": "فهو"، فإن لم يكن تحريفا يكون الضمير عائدًا على القائل: ﴿اهْدِنَا﴾ باعتبار اعتقاده أن المعنى من ذلك البيان، والمؤدى واحد لمن تأمل.
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٦٦).
[ ١ / ١٤٨ ]
منها: أنَّ اللَّه تعالى أمر عباده بهذا السؤالِ لأنه أهمُّ حوائجهم، وهو الذي سأله الأنبياءُ ﵈ والأولياءُ، قال (^١) يوسفُ صلوات اللَّه عليه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ (^٢) [يوسف: ١٠١]، وقال سحرةُ فرعونَ عليه لعائنُ اللَّه: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]، وقا لت الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وما ينبغي أن يُعتمد على ظاهرِ الحال، فقد يتغيَّر في المآل، واعتَبِرْ بإبليس وبرصيصا، وبلعامَ (^٣) وثعلبة.
ومنها: أنه علَّم كيفيَّةَ الدعاء، وهو البدايةُ بالثناء، وقد قال ﵊: "مَن بدأ بالدُّعاء قبل الثَّناء فهو قَمِنٌ أنْ لا يُستجابَ له" (^٤).
ومنها: أنه أَمر بهذا الدعاءِ، ولو لم يُرِدْ به (^٥) الإجابةَ لَمَا أَمر به، وقد حقَّق ذلك فيما روِّينا: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (^٦)، وهذا إثباتُ المباسَطةِ، وهو دليلُ حقيقةِ المحبة، وما رُوي: أن المصلِّيَ يناجي ربَّه (^٧)، فقد قيل: هو في هذا، وفي إثباتِ هذه المناجاةِ إثباتُ المحبةِ والقربةِ والخصوصيَّة، فلا مناجاةَ إلا من أهل المحبة، وإلا بَعدَ نيلِ القُربة، وإلا عند ظهورِ الخصوصيَّة.
ومنها: أنَّ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ على الجمعِ يكون لنفسه ولعامة المسلمين،
_________________
(١) في (ف): "فقال".
(٢) زاد في (أ): " ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ".
(٣) في (ف) و(أ): "وبلعم".
(٤) لم أجده، وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩١٧١) عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: إذا بدأ لرجل بالثناء قبل الدعاء فقد وجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء.
(٥) "به" من (ف).
(٦) قطعة من حديث رواه مسلم (٣٩٥)، وتقدم.
(٧) قطعة من حديث رواه البخاري (٥٣١) من حديث أنس ﵁.
[ ١ / ١٤٩ ]
وهو إثباتُ محلِّ الشفاعةِ له، ويقول في آخِر الصلاة: واغفر (^١) للمؤمنين والمؤمنات، فيشفع لهم في طلب المغفرة، ويقول: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، فيشفع لهم في سؤالِ مصالحِ الدنيا والآخرة، وفي القيام يقول: ﴿اهْدِنَا﴾ وهذا (^٢) سؤالٌ لنفسه ولهم الثباتَ على الإيمان والمعرفةِ، وأنه أعظم الشفاعة، ولمَّا ثَبتت الشفاعة لكلِّ مؤمنٍ في حقِّ كلِّ أهلِ الإيمان، فما ظنُّك بشفاعة النبيِّ -ﷺ- في حقِّ أهل العصيان؟
وقوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ﴾: فقد قرأ نافع وأهلُ العراق والعامَّةُ بالصَّاد، وقرأ ابنُ عباس ﵄ بالسّين، وبه قرأ بعضُ القرَّاء وهو ابن كثير (^٣)، وقرأ حمزة بإشمام الزاي قليلًا (^٤).
فالصَّادُ لغةُ قريشٍ، والسّينُ لغةُ بني قيسٍ، والزايُ لغةُ بني عُذْرةَ.
والصّراط هو السبيل، وقيل: هو الطريق السَّوِيُّ، وقيل: هو الطريق الواضح.
وقيل: هو لغةُ الروم.
وقال أبو عبيدةَ: ليس في القرآن غيرُ اللغةِ العربية.
وقيل: لمَّا تكلَّمت العرب به صارت عربيةً أيضًا.
_________________
(١) في (ف): "صلاته اغفر".
(٢) في (أ): "وهو".
(٣) في (ر) و(ف): "وبه قرأ ابن كثير". وهي قراءة ابن كثير في رواية قنبل من السبعة، وقراءة يعقوب في رواية رويس من العشرة. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٠٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨)، و"النشر" لابن الجزري (١/ ٢٧١).
(٤) هي قراءة حمزة في رواية خلف حيث وقعت، وخلَّاد في الموضع الأول من الفاتحة. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٠٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨).
[ ١ / ١٥٠ ]
وقيل: هو من الاسْتراط وهو الابتلاعُ، سمي به لأنه يبتلِعُ سالكيه.
وقيل: إن المسترَط هو (^١) ممرُّ الطعام، والطريقَ ممرُّ الأنام، وصارت السينُ صادًا لمطابقةِ الطاء، وكذا الضعيف يَقْوَى باتصاله بالأقوياء.
واختُلف في المرادِ به هاهنا:
فقال ابنُ عباسٍ وجابرٌ وابنُ الحنفيةِ والضحاكُ ومقاتلٌ وابن جُريجٍ: هو الإسلام (^٢)، قال تعالى خبرًا عن إبليس: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]؛ أي: لأضلَّنهم عن دين الإسلام (^٣)، وقال لنبيه (^٤) محمدٍ -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣].
وقال عليٌّ وابن مسعودٍ ﵄: هو كتاب اللَّه تعالى؛ قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] (^٥).
وقال الحسن البصريُّ وأبو العالية الرِّيَاحيُّ رحمهما اللَّهُ: هو طريقُ النبيِّ -ﷺ-، وصاحبيه أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ (^٦).
قال اللَّه تعالى في حقِّ النبيِّﷺ-: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢].
_________________
(١) "هو": ليس في (أ) و(ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٣ - ١٧٥) عن جابر وابن الحنفية، وعن ابن عباس وابن مسعود من طريق السدي، وعن ابن عباس من طريق الضحاك وابن جريج.
(٣) في (ف) و(أ): "عن دينك".
(٤) في (ر): "وقال في حق نبيه".
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٣).
(٦) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٥).
[ ١ / ١٥١ ]
وقال في حقِّ أصحابه (^١): ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١٨ - ٢٠].
وعن بكرِ بنِ عبد اللَّه المزنيِّ قال: رأيتُ النبيَّ -ﷺ- في المنام فسألتُه عن الصراط المستقيم فقال: سُنَّتي وسُنّة الخلفاءِ الراشدين من بعدي (^٢).
وقال أبو سليمانَ الدَّارَانيُّ: هو طريق العبودية التي ذكرها قبله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وقال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١].
وقال السُّدِّيُّ: هو طريقُ الجنة، فالطريقُ طريقان: طريقُ الجحيم قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وطريق الجنة قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
ثم إنما سمِّي الدِّين صراطًا لأن مَن كان له مقصودٌ أو مطلَبٌ (^٣) فإنما يصل إليه بعد قطعِ الطريق وسلوكِ (^٤) سواءِ السبيل، واللَّهُ تعالى متعالٍ (^٥) عن الأمكنةِ، لكنَّ العبد الطالب صاحبُ المكان، فلا بد له من قطعِ المسافات، ومسِّ الآفَات، وتحمُّلِ المَخافات، ليُكرَم بالوصول والموافاة.
وقيل لبعض الكُبراء: ما الطريقُ إلى اللَّه تعالى؟ فقال: عَطْفتينِ (^٦) وقد وصلتَ: تدورُ مرةً فتنبذُ الدنيا وراء ظهرك، وتدورُ ثانيةً فتنبذُ العُقْبى وراء ظهرك، وقد وصلت.
_________________
(١) في (أ): "الصحابة".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٢٠).
(٣) في (ر): "أو مطلب مقصد"، وفي (أ) و(ف): "أو مقصد".
(٤) في (ف): "وسلوكه".
(٥) في (ر) و(ف): "يتعالى".
(٦) في (ر): "خطوتين".
[ ١ / ١٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: أي: المستوي، يقال: أقامه فاستقام، كما يقال: أوسَعَه فاستَوْسَع، وأَرْخاه فاستَرْخَى، واللازمُ يجيءُ من ثلاثةِ أبوابٍ: من الانْفِعال كالانْقِطاع، ومن الافْتِعال كالاخْتِلاط، ومن الاستِفْعال كالاستِرْسال.
ثم وصفُ الطريقِ به له معنيان:
أحدهما: أنه مستوٍ بنفسه غيرُ مُعْوَجٍّ.
والثاني: أن سالكه مستقيمٌ فيه، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يُبصَرُ فيه، وكقولك: نهرٌ جارٍ؛ أي: الماءُ جارٍ فيه، ونظيرُه في القرآن: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: عَزَمو ا فيه، وقولُه: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]؛ أي: ما ربحوا فيها، وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢].
وقال بعضُ أهل التفسير: هو المستوي الذي لا يميلُ بسالكه إلى خطأ.
وقال بعضُهم: هو الذي يُفضي بسالكه إلى الجنة.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: هو القائمُ؛ أي: الثابتُ بالبراهين، الذي لا يزيلُه شيءٌ، ولا يَنقُض حُججَه كيدٌ (^١).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هو ما عليه من الكتاب والسنَّة دليل، وليس للبدعةِ إليه سبيل.
وقال أيضًا: هو ما دَرَجَ عليه سَلَفُ الأمَّة، ونطَق بصوابه دلائلُ العِبرة.
وقال أيضًا: هو ما شَهد بصحَّته دلائلُ التوحيد، ونبَّه عليه شواهدُ التَّحقيق (^٢).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٦٧). وفي (ر): "حجته".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٠).
[ ١ / ١٥٣ ]
قال نجمُ الدِّين (^١) رضي اللَّه تعالى عنه: وأنا أقول:
هو ما ليس عليه ظلامُ النُّكرةِ ولا غبارُ البِدعة.
هو ما لا يَضلُّ سالكُه ولا يهتدِي تاركُه.
هو ما لا يُخاف فيه قطعُ الطريق، ويُمدُّ سالكُه ببَدْرقةِ (^٢) العصمة والتوفيق.
هو ما يُسهِّل إلى المقصِد، والمقصودُ وصولُ قُصَّاده، واللَّهُ تعالى بمِرْصاده.
* * *
(٧) - ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾: هو بدلٌ عن قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وهو كالتفسير له، والبدلُ يَتبعُ المبدَلَ في إعرابه (^٣)؛ لأنه هو: إمَّا عينًا وإما اتِّصالًا (^٤)، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] فأُتبعَ الخفضُ الخفضَ، وهاهنا أُتبع النصبُ النصبَ، وهذا كقوله:
_________________
(١) "نجم الدين": ليس في (أ).
(٢) في (ف): "بدرقة". والبدرقة قال في "التاج" (مادة: بذرق): بالذالِ المُعْجَمة والمُهمَلة، وقال ابْن بَرِّي: هِيَ الخفارة، وقالَ الهَروي في (فصل عصم) من كتابِه "الغريبين": إن البَذْرقَة يُقال لها: عصمةٌ؛ أَي: يعتصْم بها، وقالا ابن خَالَوَيه: ليست البذْرَقَة عَرَبيةً، وإنما هِيَ فارسية، فعربتها العرب، يُقال: بَعَث السُّلطانُ بَذْرَقَة مع القافِلَةِ، بالذَّالِ معجَمَةً. قلتُ (القائل الزبيدي): وأصل هذه الكلمة مُرَكبة من: بُد وَرَاه، والمعنى: الطَّريقُ الرديء، فعرَّبوا الهاء بالقافِ، وأَعجموا الذَّال. والمبذرِق: الخفير، نَقله الصَّاغَانِي. قلت: وينتج أن المراد بها هنا: العون والمدد، وما في معناهما.
(٣) في (أ): "الإعراب".
(٤) "إما عينًا وإما اتصالًا": سقط من (أ) و(ف).
[ ١ / ١٥٤ ]
﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥]، ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ١ - ٢].
هذا كلُّه عند الخليلِ يسمَّى: البدَلَ، وعند الأخفشِ يسمَّى: عطفَ البيان، وعند الكسائيِّ يسمَّى: الإتْباعَ، وعند الفرَّاء يسمَّى: المترجِم (^١).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ﴾ هو جمعُ الذي، وهو اسمٌ موصولٌ لا يَتمُّ إلا بصِلَته (^٢) ولا يُذكر بدونها، وتأنيثُه: التي، وتثنيةُ الذي: اللَّذَان، وتثنيةُ التي: اللَّتان، وجمعُ الذي: الذينَ، وجمعُ التي: اللَّاتي واللَّوَاتي واللَّائي.
وقولُه تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: مَنَنْتَ عليهم، والاسم منه: النِّعمة بالكسر، وبالفتح: التنَعُّم، وبالضمِّ: المسرَّة.
واختُلفَ في هؤلاء المنعَم عليهم: مَن هم؟ وفي هذا الإنعامِ الذي عليهم: ما هو؟
قال مجاهدٌ وأبو رَوْق (^٣): هم النبيُّون، ودليلُه قولُه في سورة مريمَ بعد ذِكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [مريم: ٥٨].
_________________
(١) ورد هذا في مواضع من "معاني القرآن" للفراء، منها قوله فيه (١/ ١٦٨) في الشعر المشهور (لمية موحشًا طلل): وقد يجوز رفعه (أي: موحشًا) على أن تجعله كالاسم يكون الطلل ترجمةً عنه، كما تقول: عندي خراسانيةٌ جاريةٌ. . .، وقوله (٢/ ١٥٩) عند تفسير قول تعالى: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾: ولو جعلتَ (الحُسْنى) رفعًا وقد رفعت الجزاءَ ونوَّنت فيه كانَ وجهًا، ولم يقرأ بِهِ أحد، فتكونُ كقراءة مسروق: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدّنيا بزينةٍ الكواكبِ) فخفَض (الكواكب) ترجمة عَن الزينة.
(٢) في (أ): "بصلة".
(٣) "وأبو روق" ليس في (ف). وأبو روق -بفتح الراء وسكون الواو- هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي صاحب التفسير، انظر: "التقريب".
[ ١ / ١٥٥ ]
وقال ابنُ كيسانَ: هم الأنبياءُ والصِّدِّيقون.
وقال الحسنُ وعبدُ الرحمن بنُ زيدٍ: هم الأنبياءُ وأتباعُهم (^١).
وقال مقاتلٌ: هم الأنبياءُ والصدِّيقونَ والشُّهداءُ والصالحون (^٢).
وقال السدِّيُّ: هم الأنبياءُ والمؤمنون.
وهذه الأقاويلُ الأربعةُ كلُّها (^٣) متقاربة، ودليلُها كلُّها قولُه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هم أصحابُ موسى -صلواتُ اللَّهِ عليه- قبلَ أن يغيِّروا نعمةَ اللَّه عليهم (^٤)، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال الضحَّاك وابنُ جُريجٍ ووَكيعٌ: هم المؤمنون (^٥)، ودليلُه قولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقال سعيدُ بن المسيِّب: هم جميعُ مَن أنعم اللَّه عليهم بالهدى والطاعةِ؛ لِمَا مَرَّ (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٨) عن ابن زيد بلفظ: (هم النبي -ﷺ- ومن معه).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٧) عن ابن عباس ﵄، وزاد عليهم: الملائكة.
(٣) "كلها" ليس في (ف).
(٤) في (ف): "قبل أن يغير اللَّه نعمه عليهم". والخبر ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢٢) بلفظ: هم قوم موسى وعيسى من قبل أن يغيّروا نعم اللَّه عليهم.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٨) عن وكيع، وعن ابن جريج عن ابن عباس ﵄.
(٦) "لما مر": من (أ).
[ ١ / ١٥٦ ]
وقال سهلُ بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ: هم الذين أنعم اللَّه عليهم بالسُّنَّة (^١)، وذلك دليلُ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
وقال محمدُ بن عليٍّ: هم الذين أَنعم اللَّه عليهم بشكرِ ما أَنعم عليهم، وذلك لأنَّ النعمة إنما تبقَى لمَن شَكَر لا لمَن كَفَر، فإذا زالتْ فكأنَّها لم تكن.
وقال عليُّ بن الحسين بن واقِدٍ: هم الذين أنَعم اللَّه عليهم بالشكر على السَّرَّاء والصبرِ على الضَّرَّاء (^٢)؛ لأنَّ الشكر لا يَتمُّ إلا بالصبر.
وقال الحسنُ ﵀: هم الصحابةُ الأربعةُ، ودليلُه ما تلَوْنا: ﴿أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وهي نَزَلت فيهم.
وقال الإمامُ القُشيريُّ ﵀: هم الذين أَنعَم اللَّه عليهم بالهدايةِ إلى الصِّراط المستقيم؛ لأنها هي المذكورةُ قبله، وهم الأنبياءُ والأصفياء (^٣).
وقال الحسينُ بن الفَضل: هم الذين أتمَّ اللَّه عليهم النعمةَ وخَتَم لهم بالموت (^٤) على الإسلام؛ لأنه هو النعمةُ بالحقيقة.
هذه أقاويل المفسرين، وفيه أقاويلُ للمحقِّقين:
قال جعفرُ بنُ محمدٍ الصادقُ ﵁: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالعلم بكَ والفهمِ عنك (^٥).
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢١) بلفظ: (طريق السنَّة والجماعة لأن البدعة لا تكون مستقيمة).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢٢) وتحرف في مطبوعه: "واقد" إلى: (داود).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥١).
(٤) في (ف): "بختمهم"، وفي (أ): "بجمهم"، بدل: "وختم لهم بالموت".
(٥) ذكره السلمي في "تفسيره" (١/ ٤٣).
[ ١ / ١٥٧ ]
وقال محمدُ بن عليٍّ الترمذيُّ: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) زمَمْت (^٢) جوارحَهم بالهيبة عند الخدمة.
وقال أبو العباس بنُ عطاءٍ: هم طبقاتٌ، فالعارفون أَنعَم اللَّه عليهم بالمعرفة، والأولياءُ أَنعم عليهم بالصدق والرضا واليقين والصَّفوة، والأبرارُ أَنعم اللَّه عليهم بالحلم والرأفة، والمريدون أَنعم اللَّه عليهم بحلاوة الطاعة، والمؤمنون أَنعم عليهم بالاستقامة (^٣).
وقال أبو عثمان الحِيْريُّ: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بأنْ عرَّفْتَهم مهالكَ الصراط، ومكائدَ الشيطان، وخيانةَ النفس (^٤).
وقال محمدُ بن الفضلِ ﵀: [﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لقبولِ ما افترَضْتَ عليهم.
وقال أبو الحسن الورَّاق]: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالإعانةِ على الاستقامةِ (^٥) في طريق مناجاتك.
وقال بعضُ البغداديين: صراطَ مَن أَغْنَيتَه (^٦) عن النظرِ إلى النعمة بدوامِ التنعُّم بقُربك ومؤانَسَتك.
وقيل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالنظر إلى جريان ما جرى عليهم في الأزل، فلم يَشْغلْهم كشفُ ذلك عن الشُّغل بك.
_________________
(١) "أنعمت عليهم" ليس من (ف).
(٢) في (ر): "رممت"، والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الموافق لما في "تفسير السلمي" (١/ ٤٣).
(٣) ذكره بنحوه السلمي في "تفسيره" (١/ ٤١).
(٤) ذكره السلمي في "تفسيره" (١/ ٤٢).
(٥) في النسخ: "الاستعانة"، والمثبت من "تفسير السلمي".
(٦) في (أ): "أفنيته"، ومثله في "تفسير السلمي".
[ ١ / ١٥٨ ]
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالإيمان والهداية والتوفيق والرعاية والمراقبة والكلاءة.
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بفناء حظوظهم وقيامهم معك بحسن الأدب.
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بمشاهدة المنعِم دون النعمة.
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بإزالةِ ظلماتِ الأكوان عن سرائرهم، وطهَّرتَ أرواحهم بنورِ قُدسك، فشاهدوك بهمَمِهم ولم يشاهدوا معك سواك.
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بعبادتك على المشاهدة حتى عبدوك كأنهم يَرونك.
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن أَذِنْتَ لهم في سؤالكَ ومُناجاتك (^١).
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالوصولِ، فلم يَقِفوا في الطريق.
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالقيام بحقوقِك دون التَّعريج على استِجْلاب حظوظهم، وهو قول القشيري.
وقال أيضًا: صراطَ مَن طهَّرْتَهم عن (^٢) آثارهم حتى وصلوا إليك بك.
وقال أيضًا: أي: حَفِظْتَ عليهم آثارَ الشَّريعة عند غَلَبات وارادات (^٣) الحقيقة حتى لم يخرجوا عن حدِّ العلم، ولم يخلُّوا بشيءٍ من أحكامِ الشرع (^٤).
وقيل: أي: أهَّلْتَهم لإنعامك وأصلَحْتَهم لإكرامك.
وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في البداية بالعناية، وفي الحال بالهداية، وفي النهاية بالحماية، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] وهذا
_________________
(١) انظر هذه الأقوال جميعًا في "تفسير السلمي" (١/ ٤٢ - ٤٤)، وما تقدم بين معكوفتين منه.
(٢) في (ر): "ظهرتهم من"، وكذا هي في نسخة من "اللطائف".
(٣) في (أ): "غلباته وإراداته". وفي "اللطائف": (غلبات بَوَادِه).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥١).
[ ١ / ١٥٩ ]
في البداية، وقال تعالى: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وهذا في الحال، وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ وهذا في النهاية.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وعلى قول المعتزلة ليس للَّه تعالى على أحدٍ من المؤمنين نعمة ليست على المغضوب عليهم ولا الضالين؛ إذ لا نعمةَ من اللَّه تعالى على أحدٍ إلا الأصلحُ (^١) في الدِّين والبيانُ للسبيل المَرْضيِّ، وتلك قد (^٢) كانت على جميعِ الكفرة، فبَطَل على قولهم الثُّنيا (^٣)، وباللَّه العصمةُ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: فكلمةُ (غير) تجيءُ على ثلاثة أوجهٍ:
بمعنى: المُغايِر، وفارسيّته: (جرْ)، قال تعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣].
وبمعنى: (لا)، وفارسيَّته: (ني)، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ أي: لا باغيًا ولا عاديًا.
وبمعنى: (إلا)، وفارسيته: (مكر)، قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]؛ أي: إلا (^٥).
ويجوزُ صرفُها هاهنا إلى هذه الوجوه:
فإنْ حُمِلتْ على الأول فمعناها: ثبِّتْنا على طريقِ (^٦) الذين أَتممْتَ النعمة عليهم، المغايرين للمغضوبِ عليهم.
_________________
(١) في (ر): "الإصلاح"، وفي (ف): "للأصلح"، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في "التأويلات".
(٢) في (ر): "وتلك نعمة"، والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الموافق لما في "التأويلات".
(٣) في (ر): "الثناء"، وفي (ف): "التثنا"، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في "التأويلات".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥١). وفيه: (واللَّه الموافق) بدل: "وباللَّه العصمة".
(٥) "أي: إلا": سقط من (أ) و(ف).
(٦) بعدها في (ر): "صراط".
[ ١ / ١٦٠ ]
وإنْ حُملتْ على الثاني فمعناها: على طريقِ المنعَم عليهم لا المغضوبِ عليهم.
وإنْ حُملتْ على الثالث فمعناها: إلا المغضوبَ عليهم.
وهذا على قراءة الخفض (^١)، وقد روَى الخليلُ بن أحمدَ عن ابن كثيرٍ أنه قرأ بالنصب (^٢)، وللنصب وجوهٌ:
أحدها: الاستثناءُ، وللاستثناء وجهان:
أحدهما: حقيقةُ الاستثناء على تفسيرِ ابن عباسٍ ﵄؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أنهم بنو إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ويكون هذا سؤالَ التثبيتِ على طريق (^٣) أهلِ الكتاب الذين آمنوا بكلِّ الأنبياء وبكلِّ الكتبِ، واستثناءِ اليهودِ والنصارى منهم الذين آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ.
والثاني: أن يكون استثناءً منقطعًا بمعنى: لا؛ أي: نسألك طريقَ (^٤) الأولياء لا طريق الأعداء.
ووجهٌ آخرُ للنصب: أنه على الحال.
وقال الكسائيُّ: هو على القطع.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "النصب".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، و"البحر المحيط" (١/ ٨٧). والمشهور عن ابن كثير أنه قرأ كالجمهور بالجر.
(٣) في (أ): "طرائق".
(٤) في (ف): "منقطعًا بمعنى: لا نسألك إلا طريق".
[ ١ / ١٦١ ]
وقيل: هو على المدح، وتقديره: لا مغضوبًا عليهم.
وقراءةُ الخفض -وهي (^١) قراءةُ العامَّةِ- لِمَا أنه نعتُ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وذلك مخفوضٌ بالإضافة.
ويجوز في اللغة الرفعُ على الاستئناف، بمعنى: وهم غيرُ المغضوبِ عليهم، ولم يَقرأْ به أحدٌ، فلا يُقرأُ به.
فأما المغضوبُ عليهم: فالغضبُ هو نقيضُ الرضا.
وقيل: هو إرادةُ الانتقام.
وقيل: هو تحقيقُ الوعيد.
وقيل: هو الأخذُ الأليمُ، والبطشُ الشديد.
وقيل: هو هتكُ الأستار والتعذيبُ بالنار.
ثم الغضبُ فعلٌ لا يَتعدَّى إلا بصلةٍ، وهي على وجوهٍ، ويجيء منه (^٢) المفعولُ به موصولًا بهذه الصلة، ثُم التثنيةُ والجمع والتأنيث يدخلُ على الصلة لا الموصولِ؛ لأن هذه الزياداتِ تدخل بعد التمامِ، وتمامُه بصلته.
فيقال: رجلٌ مغضوبٌ عليه، و: امرأةٌ مغضوبٌ عليها، و: رجلان مغضوبٌ عليهما (^٣)، و: امرأتان مغضوبٌ عليهما، و: رجالٌ مغضوبٌ عليهم، و: نساءٌ مغضوبٌ عليهنَّ.
وفي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ سبعُ قراءاتٍ:
_________________
(١) في (أ): "هي".
(٢) "منه": ليست في (ف).
(٣) "مغضوبٌ عليهما": زيادة من (أ).
[ ١ / ١٦٢ ]
بكسر (^١) الهاءِ وتسكينِ الميم، وهي قراءةُ أهلِ المدينة (^٢) والبصرةِ والكوفة والشام (^٣).
وبضمِّ الهاءِ وتسكينِ الميم، وهي قراءة الأعمش (^٤).
وبكسر الهاء وضمِّ الميم مع الواو، وهي قراءةُ ابن كثير (^٥).
وبضمِّ الهاء والميم مع الواو، وهي قراءة عيسى بن عمر.
وبكسر الميم مع الياء قراءةُ الحسن.
وباختلاس ضمة الهاء وإسكان الميم روايةُ عبد الوهَّاب عن أبي عمرو (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "كسر".
(٢) في (ر): "وهي قراءة الأعمش وأهل المدينة"، وفي (ف): "وهي قراءة المدينة".
(٣) وهي قراءة الجمهور عدا من سيأتي تخصيصهم. انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٢٢) عن الأعمش. وهي قراءة حمزة من السبعة، ويعقوب من العشرة. انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩)، و"النشر" (١/ ٢٧٢).
(٥) هي قراءة ابن كثير وقالون بخلاف عنه، وقرأ بها من العشرة أبو جعفر. انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩)، و"النشر" (١/ ٢٧٣).
(٦) كذا ذكر المؤلف هذه القراءة باختلاس ضمة الهاء وإسكان الميم، والذي ذكره الثعلبي فيها: بكسر الهاء وضم الميم مضمومة مختلسة. انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٢٢)، ومثله في "البحر" (١/ ٨١) عن الخفاف عن أبي عمرو، لكن لم يذكر الاختلاس. ووقع في مطبوع الثعلبي بدل (عبد الوهاب): (عبد اللَّه)، وهو خطأ، فهو: عبد الوهاب بن عطاء بن مسلم، أبو نصر الخفاف العجلي البصري ثم البغدادي، ثقة مشهور، روى القراءة عن أبي عمرو، وعن إسماعيل بن مسلم عن ابن كثير، وعن أبان بن يزيد عن عاصم، توفي ببغداد سنة (٥٢٠٤)، وقيل: سنة ست أو سبع. انظر: "طبقات القراء" لابن الجزري (١/ ٤٧٩).
[ ١ / ١٦٣ ]
بكسر (^١) الهاء والميم بغير ياءٍ قراءة عمرو بن فائدٍ (^٢).
فأما المرادُ بالمغضوب عليهم (^٣) في هذه الآية: فقد روى عَديُّ بن حاتم الطائيُّ ﵁ عن النبيِّ -ﷺ-: أنَّهم هم اليهودُ، والضالُّون هم النصارى (^٤).
وكذا قال ابن عباسٍ ﵄ (^٥)، واستَشهدَ بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] (^٦)، وذلك أنهم ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]؛ أي: يستنصِرون على كفار العربِ بمحمدٍ -ﷺ- ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] لأنهم (^٧) كانوا يَرْجون أن يكون محمد من ولد إسحاق وهو أبوهم، فلمَّا بُعث محمدٌ -ﷺ- وهو من ولد إسماعيلَ كفروا به حسدًا وبغيًا (^٨) ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]؛ أي: انقلَبوا بسَخَطٍ على سَخَطٍ، ولعنةٍ على لعنةٍ، الأولُ بكفرهم بعيسى، والثاني بكفرهم بمحمدٍ ﵉.
وكذا فسَّر الضحَّاك ومقاتلٌ والسدِّيُّ وعطاءٌ وابن جُرَيجٍ وابن كَيْسانَ، وفيه كلامٌ كثيرٌ نذكُره (^٩) بعد ذكرِ الضالِّين.
_________________
(١) قبلها في (ر): "الحسن".
(٢) انظر هذه القراءات في: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، و"المحتسب" (١/ ٤٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٢٢)، و"البحر المحيط" (١/ ٨١).
(٣) في (أ) و(ف): "فأما المراد بهم".
(٤) رواه الترمذي (٢٩٥٤).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٨٨ - ١٨٩ و١٩٦).
(٦) الذي استشهد بها هو الطبري في "تفسيره" (١/ ١٨٩)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ١٧٧).
(٧) في (ر) و(ف): "وأنهم".
(٨) في (أ): "وتعنتًا".
(٩) في (أ): "يذكر".
[ ١ / ١٦٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: قيل: (لا) (^١) صلةٌ مؤكِّدةٌ، ومعناه: غيرِ المغضوبِ عليهم والضالِّين، لكن زيدتْ (لا) لئلَّا يُظنَّ أنه معطوفٌ على ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
وقيل: هو بمعنى (غير) الذي تقدَّم، كأنه قال: غيرِ المغضوبِ عليهم وغيرِ الضالِّين، وإنما جاز أن يُعطف بـ (لا) على (غير) لأنهما جميعًا للنفي فتَناسَبَا، يقال: هذا غيرُ عاقلٍ وغيرُ عالمٍ، و: هذا غيرُ عاقلٍ ولا عالمٍ، و: هذا لا عاقلٌ ولا عالمٌ.
وقيل: كلمة (لا) لفائدةٍ زائدةٍ، فإن قولك: ما جاءني زيدٌ وعمرٌو، ينفي مجيئَهما جميعًا (^٢). وقولُكَ: ما جاءَني زيدٌ ولا عَمرٌو، ينفي مجيئهما جميعًا (^٣) وتَفْرِقةً، وهذا أبلغُ في النفي، فكذلك في سؤال التثبيت على طريقِ المنعَم عليهم، والعصمةِ عن طريقِ الضالِّين والمغضوبِ عليهم.
وأما قولُه تعالى: ﴿الضَّالِّينَ﴾ فالضَّلَالُ نقيضُ الرُّشد، وهو في القرآن لمعانٍ:
للغيِّ (^٤) والكفر: قال اللَّه تعالى خبرًا عن إبليس لعائنُ اللَّه عليه: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩].
وللزَّلل (^٥): قال تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣].
وللخَسَار: قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥].
_________________
(١) في النسخ الثلاث: "ولا"، والصواب المثبت.
(٢) في (أ): "جمعًا".
(٣) في (أ): "جمعًا".
(٤) في (ر): "الضلال بمعنى الغي".
(٥) في (أ): "وللتزلل".
[ ١ / ١٦٥ ]
وللخطأ: قال تعالى خبرًا عن إخوةِ يوسف صلوات اللَّه عليهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِين﴾ [يوسف: ٨].
وللبطلان: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١].
وللجهالة: قال تعالى خَبَرًا عن موسى: [فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠].
وللنسيان: قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وللتَّلَاشي: قال تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠].
وفي هذه الآيةِ هو ضلالُ الكفر؛ لأنه مقابَلٌ بالإيمان المذكورِ في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
ثم (^١) هو كفرٌ مخصوصٌ؛ لأنهم معطوفون على المغضوب عليهم، فالظاهرُ أنهم غيرهم، وقد قلنا: إنه رُوي أنهم النصارى.
ثم الغضبُ والضلال وردا جميعًا في القرآن لجميع الكفار على العموم، ولليهود والنصارى جميعًا على الخصوص:
قال اللَّه تعالى في حقِّ جميع الكفار: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧].
وقال في حقِّ اليهود: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠].
وقال في حقِّ النصارى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا
_________________
(١) "ثم": من (أ).
[ ١ / ١٦٦ ]
كَثِيرًا﴾ إلى أن قال: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠].
وإنما خصَّ اليهود بالغضب في هذه الآية والنصارى بالضلال؛ لأن وعيد الغضب فوق الوصف بالضلال؛ لأن الغضب هو إرادة الانتقام لا محالةَ، واليهودُ أحقُّ (^١) بذلك؛ لغايةِ قبحِ كفرهم، وبلوغِهم الغايةَ في التمرُّد والمعاندة، فقد قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أي: هو بخيل، وقالوا: إن اللَّه تعالى خلَق السماوات والأرض في ستة أيامٍ فلَغِبَ (^٢) فاستراح يوم السبت، وكانوا يعادُون جبريل صلو ات اللَّه عليه وسلامُه، وكانوا يقتلون النبيين بغيرِ الحق، وقصدوا قتلَ عيسى صلوات اللَّه عليه، وقالوا: قد قتلناه، وقالوا على مريم ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] وحَرَّفُوا التوراة ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فاستحَقُّوا بذلك كلِّه الغضب.
وأما الضلالُ فهو الميلُ عن الطريق المستقيم، والنصارى قد عدَلوا عنه بعد غايةِ التبيين، فقد دعاهم موسى وعيسى ومحمدٌ عليهم الصلاة والسلام بالتوراة والإنجيل والفرقان، فهم في غايةِ الضلالة بعد وقوع البيان على الكمال، ولأنهم في غاية العمَى والتَّمادي في التَّردِّي بقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقولِهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وذلك لأنهم (^٣) رأوه بدعائه يُصِحُّ المرضى ويُحيي الموتى وكذا وكذا، وذاك شيءٌ ملا أعطاه اللَّه عزَّ وعلا معجزةً له، واللَّهُ تعالى هو المُوْجِدُ والمُظْهِر لذلك، فجعلوه من عندِ عيسى نفسِه، واتَّخَذوه
_________________
(١) في (ف): "ألحقوا".
(٢) في (ر): "فَتعبَ". وفي هامش (أ): "اللغوب الإعياء".
(٣) في (أ): "أنهم".
[ ١ / ١٦٧ ]
إلهًا وأشرَكوا به، مع ما رأوه يأكلُ ويشرب، ويجيءُ ويذهب، ويستريحُ ويتعب، ولم يكن لهم من الفطنةِ ما يعلمون أن المضطرَّ المغلوبَ المقهورَ المربوب لا يكون إلهًا، فيَرجعوا إلى ما رجع إليه إبراهيم حيث قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى أن قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧].
ولأن (^١) المغضوبَ عليه لا ينال الرِّضى أبدًا، فكذلك اليهود لا يُسلِمون أبدًا (^٢)، فأما الضالُّ فقد يهتدِي.
وقد رُوي أن عيسى صلوات اللَّه عليه حين ينزل من السماء في آخِر الزمان يدعو النصارى إلى الإيمان بمحمدٍ فيؤمنون، وبعد الضلالِ يَهتدون.
وقال بعضُ المحقِّقين: المغضوبُ عليهم هم المعاندون من أهل الكتاب، والضالُّون هم المقلِّدون منهم، كما (^٣) قال تعالى في حقِّ المعاندين منهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال تعالي: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
وقال في حق المقلِّدين منهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقال: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ
_________________
(١) في (ر): "لأن".
(٢) فيه نظر، فلا يخلو الأمر من يهود أسلموا وحسن إسلامهم من لدن النبي -ﷺ- وحتى يومنا هذا، وهؤلاء وإن كانوا بجانب غيرهم من الملل الذين أسلموا قليل، لكن النظر في التعميم.
(٣) "كما": من (أ).
[ ١ / ١٦٨ ]
مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وقال: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١].
ثم الغضبُ للمعاندين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ [الشورى: ١٦] والضلالُ صفةُ المقلِّدين قال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧].
ثم في مجموع الكلمتين كلامٌ كثيرٌ للسلف:
قال سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بالبدعة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن السنَّة.
وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: المكابرون، والضالون: المرتابون.
وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: المشركون، والضالون: المنافقون.
وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: أئمة الكفر، والضالون: أتباعُهم.
وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: الكافرون، والضالون: المبتدِعون.
وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: الموقَعون في مَهاوي الرَّدَى، والضالُّون: الحائدون (^١) عن طريق الهدى باتباعِ الهوَى.
وعلى لسان أهلِ المعرفة:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ برؤية الأفعال، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بطلبِ الأعواض على الأعمال.
وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بتركِ حُسنِ الأدب في أوقاتِ القيام بخدمتك، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن رؤية منَّتك.
_________________
(١) في (أ): "الجائرون"، وفي (ر): "الحائرون".
[ ١ / ١٦٩ ]
وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بالعُجب والمراءاة (^١) ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن مراعاة السُّننِ في أركان العبادات.
وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بأنْ وكَلْتَهم إلى أنفُسهم ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بتركِ اعتصامهم بك وتمسُّكِهم.
وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ و﴾؛ أي: الذين صدَمَتْهم (^٢) هواجِمُ (^٣) الخذلان، وأدركتهم (^٤) مصائبُ الحرمان، وكبستهم (^٥) سَطْوةُ الردّ، وغلَبَتْهم صدمةُ الصدّ.
وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بنسيانِ التوفيق والعصمة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن شهود سوابق (^٦) الاختيارِ والقِسمة.
وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لتضييعِهم آداب الخدمة، وتضجيعهم (^٧) في أداءِ شروط الطاعة.
وقيل: هم الذين تقطَّعوا (^٨) في مفاوِز الحرمان، وتبدَّدت بهم الهمومُ في أوديةِ وجوهِ الحسبان.
_________________
(١) قوله: "بخدمتك، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن رؤية منَّتك، وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بالعُجب والمراءاة" وقع بدلا منه في (ف): "للطاعات".
(٢) في (أ): "وقيل المغضوب عليهم الذين صدمتهم".
(٣) في (ر): "هواجر".
(٤) في (ر) و(ف): "ودركتهم".
(٥) في (ر): "وكستهم"، وفي (ف): "وكسبتهم".
(٦) في (أ): "سابق".
(٧) أي: تقصيرهم، قال في "القاموس" (مادة: ضجع): ضجَّع في الأمر تضجيعًا: قصَّر.
(٨) في (ر): "ينقطعون"، وفي (ف): "يقطعون".
[ ١ / ١٧٠ ]
وقيل: قولُه تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: ثبِّتنا على طريق الذين أنعمتَ عليهم بتوفيقِهم لحمدك (^١)، ورؤيتِهم استحقاقَ الحمدِ لك دون غيرِك، لا على طريق ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين استَجازوا (^٢) حمدَ غيرك، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذين إذا حَمِدوك شاهدوا فعلَهم في حمدك (^٣)، وغفلوا عن رؤية منَّتك في توفيقِهم لحمدك (^٤).
وقيل: أي: ثبِّتنا على طريق الذين أنعمتَ عليهم فقلتَ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، واعصِمْنا عن طريقِ المغضوب عليهم والضالِّين الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فاجعَلْنا من أحبَّائك (^٥) الذين صحَّ لهم المعنى، ولا تجعَلْنا من أعدائك الذين قطَعَهم عنك كاذبُ الدَّعوى.
وقيل: أي: ثبِّتْنا على طريقِ الذين أنعمتَ عليهم فرضِيْتَ عنهم إذا رضُوا عنك بما كان عليهم منك، ولا تجعَلْنا من الذين (^٦) غضبْتَ عليهم إذا سَخِطوا عنك بما أصابهم من مكروهٍ سَبق به القضاءُ منك، ولا من الذين ضلُّوا عن الطريق، بأنْ قصَدوا في سلوكِ الطريقِ عينَ الطريق، وإنما أُمروا بسلوك الطريقِ للوصول (^٧) إلى مَن أمَرهم بسلوك هذا الطريق، فإذا نازَلوا الطريق فقد انقطَعوا عن الوصول، وحُجبوا عن الدخول، وليس كلُّ مَن وصَل دخل (^٨)، ولا كلُّ مَن دخَل قرُب، ولا
_________________
(١) في (أ): "بحمدك".
(٢) في (ف): "استخاروا".
(٣) في (أ) و(ر): "بحمدك".
(٤) "لحمدك": سقط من (أ).
(٥) في (ر): "أحبابك".
(٦) في (أ) و(ف): "ممن".
(٧) في (ر): "الموصل".
(٨) في (ر) و(ف): "حصل".
[ ١ / ١٧١ ]
كلُّ مَن قرُب بُرَّ، ولا كلُّ مَن بُرَّ خُصَّ، ولا كلُّ مَن خُصَّ بُقِّي (^١)، فكم مِن مقرَّبٍ بُعِّدَ ومختصٍّ طُرد.
ثم ذكر هاهنا الهدى والصِّراط، فأضاف (^٢) الهدى إلى نفسِه في قولهِ ﷻ: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠] وأضافَهُ إلى العباد في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأضاف الصِّراط إلى نفسه في قولهِ عزَّ وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأضافهُ إلى العباد في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وكذا قال في الدِّين: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] ثم قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وذلك (^٣) لوجوهٍ:
أحدُها: أن ذلك كلَّه له (^٤) شرعًا ولنا نفعًا، هو الذي شرَع ذلك وجعَل لنا نفعَ ذلك، ولأنها له ارتضاءً واختيارًا ولنا سلوكًا وائتمارًا، ولأنه أيضًا أضافه إلى نفسه قَطْعًا لعَجَب العبد ثم أضافها إلى العبد تسكينًا لقلبِ العبد، ولأنه أضافها إلى العبد تشريفًا له وتقريبًا ثم أضافها إلى نفسه قطعًا لطمع إبليسَ عنه وتخييبًا.
وهذا كما قيل: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] قال اللَّعين (^٥): إنْ لم أقدِرْ على سلب عزَّةِ اللَّه وعزَّةِ رسوله أسلُبُ عزةَ (^٦)
_________________
(١) في (أ): "نقي".
(٢) في (ر) و(ف): "وأضاف".
(٣) في (ف): "وهذا".
(٤) في (ف): "للَّه".
(٥) في (أ): "الشيطان". وفي (ف): "الشيطان اللعين".
(٦) في (ف): "عز اللَّه وعز رسوله أسلب عز" وفي (ر): "عن اللَّه ورسوله أسلب عن".
[ ١ / ١٧٢ ]
المؤمنين، فقال اللَّه ﷻ: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، فقطَع طمعه عن ذلك.
وقول القارئ: (آمين) بعد تمام السورة (^١) فيه لغتان (^٢):
(أَمِينَ) بالقصر، قال الشاعر:
تباعَدَ مِنِّي (^٣) فُطْحُلٌ إذ لَقِيتُهُ أَمِينَ فزاد اللَّه ما بَيننا بُعدًا (^٤)
و(آمِينَ) بمدِّ الألف، قال الشاعر:
ياربِّ لا تَسْلُبَنِّي حبَّها أبدًا ويرحمُ اللَّهُ عبدًا قال آمينًا (^٥)
و(آمين) بالإمالة لغةٌ، وهي قراءةٌ أيضًا (^٦).
ولو قيل: (آمِّين) بالتشديد فهو خطأٌ في هذا الموضع، وذكر شمسُ الأئمَّة أبو محمدٍ عبدُ العزيز بنُ أحمدَ الحَلْوانيُّ ﵀ (^٧) وجهًا لهذا؛ تصحيحًا لكلام
_________________
(١) وليست من الفاتحة إجماعًا. انظر: "روح المعاني" (١/ ٣١٥).
(٢) في (ر) و(ف): "لغات".
(٣) في (أ): "عني".
(٤) البيت لجبير بن الأضبط كما في "المحرر الوجيز" (١/ ٨٠)، و"التاج" (مادة: فطحل)، وذكره دون نسبة ابن السكيت في "إصلاح المنطق" (ص: ١٧٩)، وابن الأنباري في "الزاهر" (١/ ٦٦)، والجوهري في "الصحاح" (مادة: أمن).
(٥) البيت لمجنون بني عامر، واسمه قيس بن مُعاذ المعروف بالملوّح كما في "التاج" (مادة: أمن)، وذكره دون نسبة ابن السكيت في "إصلاح المنطق" (ص: ١٧٩)، وابن الأنباري في "الزاهر" (١/ ٦٧)، والجوهري في "الصحاح" (مادة: أمن).
(٦) انظر: "الكامل في القراءات العشر والأربعين الزائدة عليها" (ص: ٣١٦)، وفيه: روى ابن مهران: (آمين) بالإمالة وإن لم يكن من القراءات، وجوز فيها الفتح كالباقين.
(٧) من أهل بخارى، إمام أصحاب أبي حنيفة بها في وقته، توفي سنة ثمان أو تسع وأربعين وأربع مئة =
[ ١ / ١٧٣ ]
العامَّة، وصيانةً لصلاتهم (^١) عن الفساد، أن معناه: ندعُوكَ قاصدينَ إجابتَك. فإن تفسير الآمِّين بالتشديد هم القاصدون، قال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢].
وعن جعفرِ بن محمدٍ الصَّادقِ أنه فسَّره بما يدل على أنه كان يشدِّده (^٢)، فإنه قال: أي: قاصِدِين نحوك وأنت أكرمُ مِن أن تخيِّبَ قاصِدَك (^٣).
وكذلك قال الحسينُ بن الفضل البَجَليُّ: معناه: قصَدْناك بهذا الدعاء فأَجِبْه لنا.
وفي (^٤) إعرابه وجوهٌ.
أفصحُها (^٥): الفتحة، وهي القراءة الظاهرةُ، ووجهُه: أنه من الأدوات وهي مبنية، والأصل في (^٦) البناء السكونُ، وعند الْتِقاء الساكنَين يُضطرُّ إلى التحريك فيُفتح؛ لأن الفتحة أخفُّ الحركات كما في سوف وكيف وأين، وقد يسكَّن للوقف، وقد يُكسَر أيضًا لأن السَّاكن إذا حرِّك كُسر، وقد (^٧) قال الشاعر:
فإنْ تُصِبْكَ من الأيام جائحةٌ لم نَبْكِ منك على دُنيا ولا دِينِ
_________________
(١) = بكَشّ، وحمل إلى بخارى فدفن بها، ومن تصانيفه: "المبسوط"، والحلواني بفتح الحاء المهملة وسكون اللام نسبة إلى بيع الحلوى. انظر: "اللباب في تهذيب الأنساب" (ص: ٣٨٠)، و"الجواهر المضية" (ص: ٣١٨).
(٢) في (ر): "للغتهم".
(٣) في (ر): "يشدد".
(٤) انظر: "تفسير السلمي" (١/ ٤٥).
(٥) في (ف): "ولنا في".
(٦) في (أ) و(ف): "أصحها".
(٧) في (أ) و(ف): "وأصل" بدل: "والأصل في".
(٨) "قد": زيادة من (أ) و(ف).
[ ١ / ١٧٤ ]
ولا نقولُ إذا يوما نُعيتَ لنا إلا بآمينِ ربَّ العرشِ آمينِ (^١)
أي: لا نقول إلا: اللهمَّ استجِبْ لنا (^٢).
وقد ذُكر فيه الرفعُ على النداء، على تأويلِ مَن جعَله اسمًا للَّه تعالى، كأنه قال: يا آمينُ.
فأمَّا تفسيرُه:
ففيما رواه ابنُ عباسٍ ﵄ عن النبيِّ -ﷺ-: "ربِّ افعَلْ" (^٣).
وقال ابن عباسٍ ﵄: معناه: كذلك يكون (^٤).
وقيل: أصلُه فارسيةٌ، ومعناه (^٥): مُهيمنٌ.
وقال مجاهدٌ: هو اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى (^٦)، ومعناه: أنه آمنٌ من الزوال، ومأمونٌ من جَوره، ومؤتمَنٌ على كلِّ شيءٍ، ومهيمنٌ؛ أي: شهيدٌ.
_________________
(١) البيتان في "الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٦٦).
(٢) "أي: لا نقول إلا: اللهمَّ استجِبْ لنا" سقط من (أ) و(ف).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢٥) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به. وروي أيضًا من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس به، كما "تفسير ابن كثير"، وكلاهما لا يصح، فإن الكلبي وجويبر متروكان.
(٤) انظر: "الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٦٦)، و"تفسير أبي الليث" (١/ ٤٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٢٥).
(٥) في (ر): "معناه".
(٦) انظر: "الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٦٦)، و"تفسير أبي الليث" (١/ ٤٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٢٥).
[ ١ / ١٧٥ ]
وقال [عبدُ الرحمن بن] زيد بنِ أسلمَ: (آمين) كنزٌ من كنوز العرش لا يَعلمُ تأويلَه إلا اللَّهُ تعالى (^١).
وأمَّا فتحُه على تفسيرِ مَن جعَله اسمًا للَّه (^٢) تعالى -ومِن حقِّه الرفعُ لأنه نداءٌ- فلأنه نداءُ نُدْبةٍ، وأصله: يا أميناه، وحُذفت الهاء والألف تخفيفًا فبقيتِ النونُ على الفتح.
ثم هي عند مجاهدٍ من السورة (^٣)، وعند غيرِه ليست منها.
ورُوي أنَّ النبي -ﷺ- لمَّا قرأ الفاتحة قال له جبريل: قُلْ: آمين (^٤).
وقال ﵇: "آمين خاتَمُ ربِّ العالَمِين على عباده المؤمنين" (^٥).
وسمع ﵊ رجلًا يدعو ليلًا، فقال له عليه الصلاة السلام: "اخْتِمْ بآمِينَ وأَبْشِرْ" (^٦).
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ١٢٥)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) في (أ) و(ف): "اسم اللَّه".
(٣) ذكره الآلوسي في "روح المعاني" (١/ ٣١٥) وبالغ في رده، فقال: وما قيل: إنها من السورة عند مجاهد، فمما لا ينبغي أن يلتفت إليه، إذ هو في غاية البطلان، إذ لم يكتب في الإمام ولا في غيره من المصاحف أصلًا، حتى ذَكر غيرُ واحد أن مَن قال: إنَّ (آمين) من القرآن كفَر.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧٩٦١) عن أبي ميسرة، وزاد: (فقال: آمين). وهو مرسل.
(٥) رواه الطبراني في "الدعاء" (٢١٩)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٤٤٠)، والأزهري في "تهذيب اللغة" (١٥/ ٣٦٨)، من حديث أبي هريرة ﵁. وفي إسناده مؤمَّل بن عبد الرحمن وأبو أمية إسماعيل بن يعلى، وهما ضعيفان، وقال ابن عدي في مؤمل: عا مة أحاديثه غير محفوظة. وقد أورده ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٧٩) من قول علي ﵁ بلفظ: آمين خاتم رب العالمين يختم بها دعاء عبده المؤمن، ومثله ذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٤٥) من قول كعب الأحبار.
(٦) رواه أبو داود (٩٣٨) من حديث أبي زهير النميري ﵁واسمه: يحيى بن نفير-، وفيه أن =
[ ١ / ١٧٦ ]
وروَى ابنُ عُمرَ ﵄ عنه -ﷺ- أنه قال: "الدَّاعي والمؤمِّنُ شريكان" (^١)، يعني به قولَه تعالى: مي قَالَ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩].
وقال ﵊: "إذا قال الإمامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإن الإمام يقولُها والملائكةُ تقولُها، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه" (^٢).
وفارسية التعوُّذِ والتسميةِ والفاتحة على بسطٍ يأتي على أكثرِ الأقاويل فيها: (هداي اند خسم وبناه من خواهم، ونكاه داشت متجواهم، دامان متجواهم، وناوي متجواهم، وفرياد مي خواهم بهداي كه معبود بحق اللَّه واند خسر اده خلق أست واله كشده أهل شوق أست وقديم وأزك أست وعظيم وعلى أست وعقلها حيران أست در عظمت أو ود لها با أرام أست در مشاهدة أو ديدها محجوب أست در دينا أردويت أو أرديور يده ورايده ودرحوت وهلاكت مانده وبي ورمان لي درمان نا عدوان باطغيان مي كنم بنام خداي بخشنده بخشانيده هنده أمر زنده هانفد سانيده خواننده خواهنده فكويند سباس وستائش مرخد أي راسد دخن أخبار داري وسباس مرخد أي راجون ابتدا داري وجامع مربعاني حمد را ابن بود بنا مر خد أي رزكه تهمة تناها سن أست وشكر وراس همه يعميها لدى حدوتي عنتها أست
_________________
(١) = النبي -ﷺ- قال في رجل كان يدعو ويلح في المسألة: "أَوْجَبَ إن خَتَم"، فقال رجل من القوم: بأي شيءٍ يَختِمُ؟ فقال: "بآمين، فإنه إن ختمَ بآمين فقد أوْجَبَ" فانصرفَ الرجلُ الذي سأل النبي -ﷺ- فأتى الرجلَ فقال: اختِمْ يا فلان بآمين وأبشِرْ.
(٢) ذكره الديلمي في "الفردوس" (٣٠٩٣) من حديث ابن عباس ﵄. قال المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٥٣٦): وفيه إسماعيل الشامي قال الذهبي: ممن يضع الحديث، وجويبر بن سعيد وقال الدارقطني وغيره: متروك.
(٣) رواه البخاري (٦٤٠٢)، ومسلم (٤١٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ١٧٧ ]
ورضا بقضاوي بدحكم وبادشاتي وراست وستايشها همه وراكه صفات وي سري مدحت وتناست أفريد كار ومر دركا رهمه جهانيان أست ودره حيري بر ألوهيت وربوبيت ووحدانيت بر قدرت أو شان أست وروي دهنده بند كان أست كسانيده نوعا صيان أست بادشاه وروي وسخيزات كه دروي حساب وجزا وحكم وقضا وكدامت موحدان وتواحت مطيعان وخضوع جباران وقهر قهاران وجحود كافران أست درانيم برأخوانيم وتراخواهيم وبرثيات وتراباشيم وترابرشيم وإياك نستعين وياري ارتواخيم برتبات برايمان وكرار دقومان ومخالفت شيطان وكشيدن باركران ويسكان داس أشكار أونهان بدارها وأبدراه إيمان موافقت قومان ومتابعت أنبياء وناران وهمت نيكواكاران وتوفيق ده مارا بر طاعات وبيقر أي مار أبريقين وتعت وبنش فرشت ما راد دراه جنت ونكاه دار ما راين طريق سنت ودور دارمادا ارجهودان وترسايان وراندينان كم راهان وناكر وندكان وهو أداران وخدمت نا أرند كان ومن نابيند كان ودررفت راه يراه بسنده كنبد كان ودر كر دكار بكار بسنده كفعد كان آمين أي موا حوف فتاني ودر فعل توجور وجفاني ودرقول نو خلف وخطابي ودر علم توهيج حيدرا جفاني همنن دمكهحوا استيم كه خزتوا جانب كشده دعائي) (^١).
_________________
(١) في هامش (ف): "تعريبه الحاصل من قوله: (وفارسيته التعوذ والتسمية والفاتحة): اطلب الهدى، واطلب الالتجاء والحفظ والأمان والصحبة، واطلب الغوث باللَّه المعبود بالحق رب العالمين، ومحير أهل الشوق القديم العظيم العلي، حارت العقلاء في عظمتك، والقلوبُ دهشة في مشاهدتك، محجوبةٌ في الدنيا عن رؤيتك، حتى بقوا في الحيرة وصارت بلا إذن متعدين طاغين، أرفع صوتي باسم اللَّه الوهاب، المعطي الحي الواحد، كلهم ناطق بحمد اللَّه، إن كنتَ بدعائك مبتدئا فعليك بالحمد، فإنه جامع المعاني لكل ثناء وشكر على كل نعمة حادثة، ونرضى بقضائه وحكمه وصفاته، خالق الخلائق، أهل الدنيا وكل موجود ينطق بوحدانيته وأنه قادر يعطي كل أحد رزقه المطيع والعاصي، القاهر الرازق بلا حساب، ويوم الجزاء لا حكم إلا للَّه، يكرم فيه الموحدون =
[ ١ / ١٧٨ ]
ثم من لطفِ اللَّه ﷻ أنْ أكرَمَنا بهذه السورةِ، وأتمَّ لطفَه علينا (^١) بمحمدٍ رسولهِ -ﷺ- نبيِّ الرحمة، فقال في أول هذه السورةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وقال في حقِّ محمدٍ (^٢) نبيِّه ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
ثم قال هاهنا: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال في حقِّ رسوله: ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٣) [الأنبياء: ١٠٧].
ثم قال هاهنا: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقال في حقِّ رسوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ثم قال هاهنا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال في حقِّ رسوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ﴾ [التوبة: ٣٣].
ثم قال هاهنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقال في حقِّ رسوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦].
ثم قال هاهنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقال في حقِّ رسوله ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
_________________
(١) = والمطيعون، ويخضع فيه الجبارون ويقهرون، نسألك الثبات على الحق والاستعانة على ثبات الإيمان ومخالفة الشيطان، ووفقنا لمتابعة الأنبياء، وألحقنا بالصالحين، وثبتنا على اليقين والتقوى والطريق، ونجنا من طريق اليهود والنصارى وأهل الضلالة، واحفظنا من الخوف وعلمنا، ولا يسمع الدعاء سواك".
(٢) في (ر): "وأتم نعمته".
(٣) كلمة: "محمد" ليست من (ف).
(٤) في (ر): "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
[ ١ / ١٧٩ ]
ثم قال هاهنا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وقال في حق رسوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٦].
ثم قال هاهنا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقال في حق رسوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
ثم يقولُ قارئ السورةِ: آمين، وهو خاتمُ ربِّ العالمين، والمصطفى محمدٌ (^١) خاتمُ النبيين، اللهم صلِّ عليه وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين (^٢)، والحمدُ للَّهِ ربِّ العالَمِين.
* * *
_________________
(١) كلمة: "محمد" ليست في (ف).
(٢) "اللهم صلِّ عليه وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين" من (ف).
[ ١ / ١٨٠ ]
سورة البقرة
[ ١ / ١٨١ ]