بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلقَ الخلق ليبلوَهم أيُّهم أحسن عملًا، الرحمنِ الذي فطر الإنسان من ترابٍ ثم من نطفة ثم سوَّاه رجلًا، الرحيمِ الذي جعل للَّذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتِ الفردوس نزلًا.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ الكهف فهو معصوم ثمانيةَ أيام من كلِّ فتنةٍ تكون، فإن خرج في تلك الثمانية (^١) الأيام الدجَّال عصمه اللَّه تعالى من فتنة الدجال" (^٢).
وقال -ﷺ-: "مَن قرأ عند مضجعه آخرَ سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلى آخر السورة كان له في مضجعه (^٣) نورٌ يتلألأ إلى مكة، حشوُ ذلك النورِ ملائكةٌ يصلُّون عليه حتى يقوم من مضجعه، فإن كان مضجعه مكةَ كان له نورٌ يتلألأ إلى البيت المعمور حشوُ ذلك النور ملائكة يصلُّون عليه حتى يصبحَ" (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فإن قرأ وخرج في تلك".
(٢) رواه الضياء في "المختارة" (٤٢٩) و(٤٣٠) من حديث علي ﵁.
(٣) "في مضجعه" ليس في (أ).
(٤) رواه إسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (٣٦٥٤)، والبزار في "مسنده" (٢٩٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٠٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٠٣)، جميعهم من طريق النضر بن شميل، حدثني أبو قرة الأسدي، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ =
[ ١٠ / ٧ ]
وسورة الكهف مكيةٌ، وهي مئةٌ وخمسُ آيات، وقيل: ستٌّ، وقيل: إحدى عشرةَ (^١).
والاختلاف في اثنتي عشرةَ آيةً (^٢): ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]، ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ﴾ [الكهف: ٢٣]، ﴿بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: ٣٢]، ﴿أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥]، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩] ﴿عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].
وكلماتُها: ألفٌ وخمسُ مئة وستٌّ وسبعون (^٣).
وحروفُها: ستةُ آلاف وأربعُ مئة وسبعةٌ وثلاثون (^٤).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ خَتْم تلك السورة بالتكبير وافتتاحَ هذه بالتحميد، وهما من الثناء على اللَّه تعالى، ولأنه قال هناك أيضًا: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فكانا حمدَين.
_________________
(١) = قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "مَن قرأ في ليلةٍ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] كان له نورٌ من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة". قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: أبو قرة فيه جهالة ولم يضعف. وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٢٩٤): رواه البزار ورواته ثقات، إلا أن أبا قرة الأسدي لم يرو عنه فيما أعلم غير النضر بن شميل.
(٢) هي مئة وخمس آيات في المَدَني والمكي، وست في الشَّامي وعشر في الكوفي وإحدى عشرة في البَصْري. انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٧٩).
(٣) في المصدر السابق: إحدى عشرة آية، وأسقط الأخيرة: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.
(٤) في المصدر السابق: وسبع وسبعون.
(٥) في المصدر السابق: ستَّة آلاف وثلاث مئة وستُّون حرفًا.
[ ١٠ / ٨ ]
وأما انتظام السورتين: فإنه ذكر في تلك السورة سؤالَهم عن الروح وفي هذه السورة سؤالَهم عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، وكانت هذه السؤالات في دفعةٍ واحدة.
* * *
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: جميعُ أنواع الشكر والأثنية والرضا للَّه ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾؛ أي: محمدٍ المصطفى ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن (^١) المعجِزَ المشتمِلَ على مصالح الخلق في دينهم ودنياهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾: أي: لم يجعل (^٢) فيه تناقضًا واختلافًا.
* * *
(٢) - ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾.
﴿قَيِّمًا﴾؛ أي: أنزله قيِّمًا، قال ابن عباس والضحاك: مستقيمًا (^٣).
وقيل: قيِّمًا على الكتب التي قبله نَسخَ منها ما نَسخ وأثبت منها ما أثبت.
وقيل: قيِّمًا على سائر كتب اللَّه تعالى يصدِّقها وينفي الباطل عنها.
وقيل: قائمًا بحُجج اللَّه تعالى إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ﴾: أي: عبدةَ (^٤) الكفَّار ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾؛ أي: ببأسٍ شديدٍ
_________________
(١) في (أ): "الفرقان".
(٢) "لم يجعل" ليست في (أ) و(ف).
(٣) ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٧٤).
(٤) "عبدة" من (أ) و(ف).
[ ١٠ / ٩ ]
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾؛ أي: بعذابٍ شديدٍ من عنده ينزلُه بهم في الدنيا والآخرة إن أصرُّوا (^١) على كفرهم بالكتاب والرسول.
وقوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ﴾: أي: وليبشِّر ﴿الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾: أي: ثوابًا جميلًا في الجنة.
* * *
(٣) - ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: أي: خالدين لا ينتقلون عنه ولا ينقطعُ عنهم.
* * *
(٤) - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾.
وقو تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: وخصَّ هؤلاء بالإنذار بعدما عم الجميع بقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ لغايةِ فحش هذا الصنيعِ، وهو قول المشركين: الملائكةُ بنات اللَّه.
* * *
(٥) - ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾: أي: هو جهلٌ منهم وكذبٌ وباطل، جعَله خارجًا عن العلم لدخوله فيما تُحِيله (^٢) العقول.
_________________
(١) في (ر): "ماتوا".
(٢) في (ف): "لا تحتمله".
[ ١٠ / ١٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾؛ أي: قلَّدوا آباءهم وآباؤهم مثلُهم في الجهل؛ إذ لا دليلَ يجوِّزه من حسٍّ أو عقل أو خبر.
وقيل: هو قول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾: أي: عظُمت هذه الكلمةُ كلمةً؛ لأنَّها فريةٌ على اللَّه مستحيلةٌ في فِطَر العقول، وفيه معنى التعجُّب، كأنه قال: ما أكبر هذه الكلمة.
﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: يقولونها بألسنتهم وهي في أفواههم.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾: أي: ما يقولون ذلك إلا كذبًا، يقولون على اللَّه ما لم يفعل.
قال مقاتل: زعمت اليهود: إن كان ما يقول محمدٌ حقًّا أن اللَّه تعالى أنزل عليه الكتاب فهلَّا كان كالتوراة مفصَّلًا كلُّ فصلٍ على حياله، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ قيِّمًا غيرَ مختلفٍ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ لم يُنزلْه ملتبِسًا.
وقال رسول اللَّه -ﷺ- لليهود: "أدعوكم إلى اللَّه، فمَن تاب منكم عن اليهودية كفِّرت عنه سيئاته وأُعطي أجرَه مرتين"، فقالوا: قل: عزيرٌ ابنُ اللَّه، نؤمِنْ بك، فقال: "أعوذ باللَّه من أن أقول: عزيرٌ ابن اللَّه، إنما هو عبد اللَّه داخرًا صاغرًا"، قالوا: إنَّا نجد ذلك في كتابنا وحدَّث به آباؤنا، وإنما قال هذا كعب بن الأشرف وحييُّ بن أخطب وأخوه جديُّ بن أخطب، فاعتزل النبيُّ -ﷺ- وحزن (^١)، فقال له أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ وعثمان بن مظعون وزيد بن حارثة ﵃: لا يَحْزُنك يا رسول اللَّه
_________________
(١) في (أ): "حزينًا".
[ ١٠ / ١١ ]
قولُهم (^١) فإن اللَّه معنا، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: أبا بكر وعمر والذين سمَّيناهم ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ يعني: كعبَ بن الأشرف وأصحابَه، وقولُه تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ جواب لقولهم: حدَّث بذلك آباؤنا (^٢).
وقال القشيري ﵀: إن البأس الشديد هو البقاء (^٣) عن اللَّه، والابتلاءُ بغير اللَّه، والصالحاتُ من العمل ما يصلُح للقبول، وهو [ما] يؤدَّى على الوجه المأمور.
وقيل: العمل الصالح: هو الذي لا يَستعجِل عليه صاحبه حظًّا في الدنيا: من أَخْذِ عِوَضٍ، وقبولِ قوم وانعقادِ (^٤) رئاسة.
والأجرُ الحسن: ما لا يجري مع صاحبه استقصاءٌ في العمل.
وقيل: هو ما يزيد مقدار الأمل (^٥).
وقيل: هو ما لا يُذكَّر صاحبُه تقصيرَه في العمل (^٦)، بل يسترُ عليه عيوب عمله (^٧).
* * *
_________________
(١) في (أ): "تقولهم".
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ر): "التقاعد"، وفي (ف): "اكتفاء".
(٤) في (ر) و(ف): "ونفاذ". وعبارة "اللطائف": (أو قبول جاه أو انعقاد. . .).
(٥) في "اللطائف": (ما يزيد على مقدار العمل).
(٦) في (أ): "في عمله".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٧٦).
[ ١٠ / ١٢ ]
(٦) - ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قال قتادة: أي: قاتلٌ نفسَك (^١). قال ذو الرُّمَّة:
ألَا أيهذا الباخعُ الوجدُ نفسَه لشيءٍ نَحَتْه عن يديه المقادِرُ (^٢)
هوَّن على النبي -ﷺ- ما يجد من الحزن بكفرِ المشركين فقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: مُهلكٌ نفسك ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾؛ أي: آثارِ الكفار، وهو كنايةٌ عن إعراضهم، كأنهم إذا أعرضوا عن الإيمان نظر إليهم وهم مُعرضون (^٣).
﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: قال قتادة: أي: القرآنِ (^٤)، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧].
وقيل: ﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: حديثِ أصحاب الكهف؛ أي: سألوك عنه فأخبرتَهم عنه (^٥)، فلم يجعلوه دليلَ صدقك ولم يؤمنوا بك.
﴿أَسَفًا﴾: قال قتادة والثوريُّ: غضَبًا (^٦)، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥].
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٥١)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٤٩).
(٢) "ديوان ذي الرمة" (٢/ ١٠٣٧).
(٣) في (ر) و(ف): "يعرضون".
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ٥٢٧) عن ابن عباس ﵄، ورواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٦٠) عن السدي. وهو قول أكثر المفسرين، منهم: مقاتل والطبري وأبو الليث السمرقندي والماتريدي والثعلبي والماوردي. انظر ذلك في تفسير الآية عندهم.
(٥) في (أ): "وأخبرتهم عنهم".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٠) عن قتا دة. وذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ٥٢٨) عن الثوري.
[ ١٠ / ١٣ ]
وقال الحسن: حزنًا، وكذلك قال السدي والضحاك (^١)؛ كما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وكلُّ واحد منها صحيحٌ في اللغة مستقيم في المعنى:
فإن معنى الأول: فلعلك لشدة غضبك للَّه تعالى تقتل نفسَك؛ لقصورك عن الانتقام منهم.
ومعنى الثاني: فلعلك لوفور شفَقتك وحرصِك على إيمانهم تقتل نفسك اغتمامًا بكفرهم، قال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] يقول: لا تفعل ذلك وهوِّن الأمر عليك.
* * *
(٧) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾: أي: الدنيا دارُ ابتلاءٍ، وبالابتلاء يَظهر الصلح وغيره، فلا تهتمَّنَّ لذلك، يقول: إنَّا زينَّا الدنيا بأصنافِ ما خلقنا (^٢) فيها من المخلوقات؛ من اللباس والنبات وضروب الحيوانات وغيرها، فالأرض مزيَّنةٌ بجملةِ ذلك، وإن كان عند التفصيل قد يكون منه الشيءُ لو أُفرد عن الجملة لم يكن زينةً.
ووجه آخر: أن المعنى واقعٌ على ما هو زينةٌ في نفسه دون ما ليس بزينةٍ، والكلام
_________________
(١) ذكره عن الحسن الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٨٥)، وعن السديِّ الواحديُّ في "البسيط" (١٣/ ٥٢٨). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٥٢)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٠)، عن قتادة.
(٢) في (أ): "جعلنا".
[ ١٠ / ١٤ ]
قد يُطلق عامًّا والمراد به الخصوص؛ كقول الرجل: ما أحسن نساء هذه البلدة! وإن كان لا يخلو من أن يكون فيهنَّ بخلاف ذلك. وتقديره: إنَّا خلقْنا (^١) كثيرًا مما في الأرض زينةً لها، وهو ما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦] إلى أن قال: ﴿وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤].
ووجهٌ آخر: أنَّا جعلنا ما جعلناه زينةً للابتلاء والامتحان، وجاز هذا الإطلاق إذ (^٢) ليس المقصد الإخبارَ بتفصيل ما هو زينةٌ مما ليس بزينةٍ، بل المقصودُ الإخبارُ بأنَّ ما زيِّن منها إنما زيِّن للابتلاء، ولذلك قال أهل الأصول: الخطاب يُحمل في غير المقصود ويفصَل في المقصود (^٣).
ووجهٌ آخر: أن ﴿مَا عَلَيْهَا﴾ من الحيات والعقارب وغيرِها، فكلُّ (^٤) ذلك عند التأمُّل دليلٌ على صانعٍ قادر فردٍ عالمٍ لا يُشبه الأشياء، وفيها عِبَرٌ وأعاجبُ ومنافع، فكان حسَنًا في نفسه وزينةً، ومزيَّنًا لغيره؛ لدلالته على ما قلنا.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ﴿زِينَةً لَهَا﴾؛ أي: الرجال (^٥).
_________________
(١) في (أ): "جعلنا".
(٢) في (أ): "أي".
(٣) انظر: "البحر المحيط في أصول الفقه" للزركشي (٥/ ٤٤)، وفيه: وقد فَتح الشَّافعيُّ البابَ في التَّأويل فقال: الكلام قد يُحْمَل في غيرِ مقصوده ويُفْصَلُ في مقصوده.
(٤) في (أ): "فعند".
(٥) رواه ابن المنذر وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٦١) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
[ ١٠ / ١٥ ]
وقال مجاهد: العلماء (^١).
وقال الكلبي: النبات (^٢).
وقال مجاهد في روايةٍ وابنُ جريج: ما عليها من شيء (^٣).
ومَن حمله على النبات فإنه يقول: ثم يصير هشيمًا فذلك تذكيرٌ وتنبيه.
وقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أي: نختبرَهم ونمتحنَهم بالعبادات، وتقديره: لنعاملَهم معاملةَ مَن يَختبر، وحقيقتُه: ليَظهر منهم ما عَلِمنا (^٤) أنه يكون منهم، وقد أشبعنا القول (^٥) فيه في مواضع.
وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال الحسن: أي: أيهم أزهدُ في الدنيا وأترَكُ لها (^٦).
وقال مقاتل بن حيَّان: أيهم أعفُّ وأصلحُ فيما أوتي من المال.
وقال الإمام القشيري رحمة اللَّه عليه: أيهم أصدقُ نيةً وأخلصُ (^٧) طَوِيةً.
_________________
(١) روي من طريق مجاهد عن ابن عباس كما في "زاد المسير" (٥/ ١٠٥ - ١٠٦)، ورواه أبو نصر السجزي في "الإبانة" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٦١) عن ابن عباس. وأبو نصر السجزي هو عبيد اللَّه بن سعيد الوائلي البكري السجستاني شيخ الحرم، توفي سنة (٤٤٤ هـ).
(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ١٠٦) عن مقاتل.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥١ - ١٥٢) من طريق ابن جريج عن مجاهد، ومن طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) في (أ): "علمت".
(٥) في (أ): "أسبقنا الكلام"، وفي (ف): "أشبعنا الكلام".
(٦) ذكره عنه الواحديُّ في "البسيط" (١٣/ ٥٢٩).
(٧) في (ف): "وأصلح".
[ ١٠ / ١٦ ]
قال: وقيل: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أشدُّهم استقباحًا لفعله، وأكثرهم استحقارًا لطاعته، لنظره إلى تلاشي أفعاله في جنب ما يستوجبه الحقُّ بحقِّ أمره (^١).
* * *
(٨) - ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: قال السُّدِّي ﵀: الصَّعيد الأملس، والجرُز: الميت.
وقال ابن زيد: الصعيد: المستوي، كما قال تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]، والجرُز: الذي ليس فيه زرعٌ.
وقال مجاهد: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾: بَلْقعًا لا شيء فيه.
وقال ابن جُريجٍ عن مجاهد: قاعًا بَلْقعًا (^٢).
وقال أبو عبيدةَ: ﴿جُرُزًا﴾: غليظًا لا يُنبت شيئًا (^٣).
وقيل: ﴿جُرُزًا﴾: يابسًا لا نبت فيه ولا زرع، يقال: جُرِزت الأرضُ فهي مجروزةٌ، وجرَزها الجراد، وأرضون أجرازٌ: إذا كانت يابسةً لا شيء فيها، وسنَةٌ جرزٌ (^٤)، وسِنونَ أجرازٌ ليُبسها وجَدْبها، قال الراجز:
قد جَرَفتْهنَّ السِّنونَ الأَجْراز (^٥)
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٧٨).
(٢) روى هذه الأقوال -عدا قول السدي- الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٣ - ١٥٤).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٣٩٣).
(٤) أرضٌ جُرُزٌ وجُرْزٌ وجَرْزٌ وجَرَزٌ. انظر: "القاموس" (مادة: جرز).
(٥) الرجز دون نسبة في "مجاز القرآن" (١/ ٣٩٤)، و"تفسير الطبري" (١٥/ ١٥٤)، و"الصحاح" (مادة: جرز).
[ ١٠ / ١٧ ]
وأَجْرَزَ القوم: إذا صارت أرضُهم جُرُزًا (^١)، وجَرَزوا أرضَهم: إذا أكلوا نباتها كلِّها، ويقال: رجلٌ جَرُوز: إذا كان كثيرَ الأكل لا يُبقي شيئًا من الطعام، وسيفٌ جُرَاز: قَطوعٌ يأتي على كلِّ شيء، ومعناه: وإنَّا لمُفْنون الدنيا بعد حصول الامتحان وتمييزِ المحسن من المسيء، وناقلون أهلَها إلى دار البقاء والجزاء، فنَجزي كلَّ واحد منهم بما يستحقُّه، فلا تهتمَّنَّ أنت لذلك، وليس ذلك عليك (^٢)، ويشتفي صدرك بما ينالهم.
* * *
(٩) - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: أي: أحَسِبْتَ أن أصحاب الغار الذي في الجبل واللوح المكتوب عليه أسماؤهم كانوا من بين (^٣) آياتنا عجَبًا، فليس كذلك، بل كلُّ آياتنا عَجَبٌ، وفي آياتنا ما هو أعجبُ من ذلك.
روَى العوفيُّ عن ابن عباس ﵄ قال: معناه: الذي آتيتُك من العلم والكتاب والسنَّة أفضلُ من شأن أصحاب الكهف والرقيم (^٤).
وروَى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ يقول (^٥): هم
_________________
(١) في (ف): "أرضهم جرازًا"، وفي (ر): "أراضيهم جرازًا". والمثبت من (أ) و"تفسير الطبري" (١٥/ ١٥٥).
(٢) في (ف): "فليس لك غليل"، وفي (ر): "فليس لك عليل".
(٣) "بين" من (أ).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٦).
(٥) "يقول" من (أ) و(ف).
[ ١٠ / ١٨ ]
عجَبٌ وغيرُهم ممن خلقتُ أعجَبُ منهم: الشمسُ والقمرُ والجبالُ والسماءُ والأرضُ والنهارُ والليل (^١).
وقال الحسن: لا تحسَبْ أنهم أعجبُ آياتنا، فقد خلقنا ما هو أعجبُ من هؤلاء.
وروَى كُريبٌ عن ابن عباس ﵄ قال: يقول: ما قصَصْنا عليك من غير أمرهم (^٢) أعجبُ منهم.
وقيل: الحسبان بمعنى العلم، ومعناه: أعَلمتَ أن هؤلاء كانوا عجبًا؛ أي: فاعلم أنهم عجبٌ، كقولك: أشعرتَ أن زيدًا فعل كذا؛ أي: فاشعُر والحسبان في الأصل ظنٌّ، والظن في القرآن بمعنى العلم كثير.
وقال الإمام القشيري ﵀: يقول: لا تتعجَّبْ من قصتهم (^٣)، فلَشَأْنُك أعجبُ من قصَّتهم (^٤) في ذهابك إلى قاب قوسَين في بعض الليل.
وقال: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم حيث أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، وتقليبُ العادة من اللَّه تعالى ليس بمستبدَعٍ (^٥).
وقد روينا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] سبب النزول.
وطريق آخر هاهنا: ما روى الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس ﵄ قال: بلغَنا أن قريشًا بعثوا ثمانيةَ رَهْطٍ إلى المدينة فقالوا: سلُوا اليهود عن
_________________
(١) ذكره دون عزو السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٣٣٦).
(٢) في (ر) و(ف): "من غيرهم".
(٣) في (ر) و(ف): "قصصهم".
(٤) في (ر): "قصصهم".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
[ ١٠ / ١٩ ]
محمد واصْدُقوهم نعتَه وقولَه ثم ائتونا فأخبرونا (^١)، فانطلقوا حتى إذا قدموا المدينة وجدوا فيها اليهود من كلِّ أرض اجتمعوا لعيدهم، ونعَتوا لهم نَعْته، فقال لهم حبرٌ من أحبار اليهود: إن هذا لنعتُ النبيِّ (^٢) الذي نحدَّث عنه أنه باعثه في هذه الأرض، قالت رسل قريش: إنه عائلٌ يتيم لم يتبعه من قومه إلا حُفالة (^٣)، ولم يتبعه من أهل الرأي أحد ولا من ذوي الأسنان (^٤)، فضحك الحبر وقال: كذلك نجده، قالت له رسل قريش: إنه يقول قولًا عظيمًا يدعو إلى (^٥) الرحمن الذي باليمامة، قالت لهم علماء اليهود: اذهبوا فاسألوا صاحبكم عن خلالٍ ثلاث، فإن الذي باليمامة قد عجز عنهنَّ، فأما الاثنان من الثلاث فإنه لا يعلمُهما إلا نبيٌّ، فإن أخبركم بها فقد صدَق، وأما الثالثة فلا يجترئُ عليها أحد، قالت رسل قريش: أخبِرونا بهن، قالوا: سلوه عن أصحاب الكهف -وقَصُّوا عليهم وصفَهم-، وسلوه عن ذي القرنين -وحَدَّثوهم بأمره-، وسلوه عن الروح، فإنْ أخبركم فيها بشيءٍ فهو كاذب، فرجعت رسل قريشٍ فأخبروهم بذلك، ففرحوا بذلك، وأرسلوا إلى نبي اللَّه فلقيهم، فقالوا: يا محمد، إنَّا سائلوك عن خلالٍ ثلاثٍ، فإنْ أخبرتَنا بهن فأنت صادق وإلا فلا تذكُرْ آلهتنا بسوء، قال: "ما هنَّ؟ " قالوا: أخبِرْنا عن أصحاب الكهف فإنَّا قد أُنبئنا (^٦) فيهم بآية، وأخبرنا عن ذي القرنين فإنَّا قد أتينا فيه بأمرٍ بيِّن، وأخبرنا عن الروح، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أنظِروني حتى أنظرَ ما يُحدِث إليَّ فيه ربي"، قالوا: إنَّا ناظِروك ثلاثًا.
_________________
(١) "فأخبرونا" ليس من (أ).
(٢) في (ف): "إن هذا أوان بعث النبي"، وفي (ر): "إن هذا نعت النبي".
(٣) في (ف): "حقارته". والحفالة: الحثالة، وهي من الناس من لا خير فيه. انظر: "التاج" (مادة: حفل).
(٤) في (ر) و(ف): "الأنساب".
(٥) في (ر) و(ف): "يذكر".
(٦) في (ر): "أتينا".
[ ١٠ / ٢٠ ]
فمكث رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثًا لا يأتيه جبريل، ثم أتاه فقال: يا جبريل، قد رأيتَني وما سألَني عنه قريشٌ ثم لم تأتني بعدُ، فقال جبريل ﵇: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآية [مريم: ٦٤]، ثم قال: إن اللَّه يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ثم قال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الآية، ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الآيات، فلقيَهم نبيُّ اللَّه -ﷺ- بعد ثلاثٍ فقص عليهم ذلك، فعجِبوا وغلَب عليهم الشيطان أن يصدِّقوه (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، روي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: أنه سأل كعبًا عن هذا فقال: هو اسم القرية التي خرجوا منها (^٢).
وعن عمر مولى غُفْرةَ (^٣) قال: الكهف: الذي كان فيه القوم، والرقيم: المدينة.
وقال قتادة والضحاك: هو الوادي الذي كان فيه الكهف (^٤).
وقيل: هو الجبل الذي فيه الكهف (^٥).
_________________
(١) ذكره يحيى بن آدم في "تفسيره" (١/ ١٥٩)، وابن أبي زمنين في "تفسيره" (٣/ ٣٧)، كلاهما عن تفسير الكلبي.
(٢) رواه سفيان الثوري في "تفسيره" (٥٣٦)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٥٤)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٧).
(٣) هو عمر بن عبد اللَّه، من رجال "التهذيب"، قال الحافظ في "التقريب": ضعيف كثير الإرسال. وتحرف (غفرة) في النسخ إلى: (عفرة) بالعين. وقوله لم أقف عليه.
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٨).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٩ - ١٦٠) من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
[ ١٠ / ٢١ ]
وقال عطية: هو وادٍ بين أَيْلةَ وعُسْفان (^١).
وروى سعيد بن جبير ﵁ عن ابن عباس ﵄ قال: هو لوحٌ من رصاصٍ (^٢) فيه أسامي أصحاب الكهف (^٣).
والتَّرقيم: الكتابة (^٤)، والرَّقيم: المرقوم؛ أي: المكتوب.
وقال سعيد بن جبير: هو لوح من حجارة فيه أسامي الفتية (^٥).
وقال السدِّي: كتبت أسماؤهم على صخرة على باب المدينة (^٦).
وروي عن أنس بن مالك ﵁: الرقيم كلب أصحاب الكهف (^٧).
وحكى مالك بن سليمان صاحبُ "التفسير" (^٨) عن سعيد بن جبير أنه قال: أصحاب (^٩) الرقيم قوم بالسَّراة مثل أصحاب الكهف.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٧ - ١٥٨) من طريق عطية عن ابن عباس. ورواه عقبه من قول عطية مختصرًا بلفظ: (الرقيم واد).
(٢) في (أ) و(ف): "هو اللوح من الرصاص الذي".
(٣) علقه البخاري جزمًا قبل الحديث (٤٧٢٤). وقال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٤٠٧): وصله عبد بن حميد من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير مطولًا، وقد لخصته في أحاديث الأنبياء، وإسناده صحيح على شرط البخاري.
(٤) في (ر) و(ف): "والرقيم الكتاب".
(٥) في (أ): "أسماء الفتية"، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٩) بلفظ: (لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف).
(٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٦٢).
(٧) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٦٢).
(٨) مالك بن سليمان الهَرَويّ، أبو عبد الرحمن السَّعديّ المفسر، توفي سنة (٢١٤ هـ). انظر: "تاريخ الإسلام" (٥/ ٤٥٧).
(٩) "أصحاب" من (ف).
[ ١٠ / ٢٢ ]
وقال ابن زيد: حدَّث اللَّه تعالى عن أصحاب الكهف وترَك أصحاب الرقيم لم يحدِّث عنهم شيئًا (^١).
وقيل: هم أصحاب الغار الذي انطبق على ثلاثةِ نفر، فذكر كلُّ واحدٍ منهم أصلح عمله، وسأل اللَّه تعالى أن يكشف بذلك عنهم، فأجابهم اللَّه تعالى وكشف عنهم وفتح لهم الغار فخرجوا منه، وهو عن النبي -ﷺ- في حديث فيه طول (^٢).
فأما قصة أصحاب الكهف (^٣):
فقد قال وهب بن منبِّهٍ ﵀: إنهم كانوا فتيةً من الروم آمنوا بربهم، وكان ذلك عبرةً وتفكُّرًا منهم في عظمة اللَّه -ﷻ- وملكِه وقدرته، لم يأتهم بذلك وحيٌ، ولم يقرؤوا به كتابًا، ولم يدركوا زمان نبوَّةٍ، وكانوا في زمنِ فترةٍ قبل أن يَبعث اللَّه عيسى ﵇، وكانوا شبَّانًا متقارِبين في الأسنان من قبيلةٍ واحدة، وكانوا في حسَبٍ عظيم من أولاد عظماء الروم، وكان للروم فيهم هوًى وميل، وكان مُلك الروم في أيامهم ينتقلُ في فصيلتهم أكثر من أربع مئة عام حتى انقرضت تلك الفصيلة، وكان الروم يتمنَّون ملك هؤلاء لما قد (^٤) بلغهم في زمانِ مُلكِ سلفِهم من الخفض والدَّعَة، والعافية والأمن والسَّعة، وكان ملوك العصر قد ثقُل عليهم مكانهم فجفَوهم (^٥) وحرَموهم وأضرُّوا بهم مخافةً على أنفسهم، فلم تزَل تلك حالهم حتى أراد اللَّه تعالى بهم ما أراد مِن هُداهم، ونوَّر اللَّه تعالى الإيمان في قلوبهم، فقال قائل
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٥٩).
(٢) رواه البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) في (ف): "أهل الكهف".
(٤) "قد" من (أ).
(٥) في (أ): "فحصوهم".
[ ١٠ / ٢٣ ]
منهم: إني قد رأيت رأيًا (^١) في قلبي فلستُ أُبصر غيره، فاسمعوا أَعْرِضْ عليكم: إني نظرتُ في خلق السماوات والأرض، واختلافِ الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم (^٢) والسحاب والمطر، والأحياء والأموات، والأشجارِ والنبات، والصغارِ والكبار، والعناءِ والشدة، والرخاءِ والنعمة، وتقلُّبِ الدنيا بأهلها، والأحوالِ المختلفة من الموت والحياة، والنقصِ والزيادة (^٣)، والغنى والفقر، وموت (^٤) الصغير وهرم الكبير، وأشباهٍ لهذه كثيرةٍ لا يُشبه بعضها بعضًا، فلما نظرت فيها أجمعَ رأيي على أن لها خالقًا بديعًا أبدعها، وربًّا يملكها ويدبِّرها، ويخلقها ويرزقها، ويغنِيها ويُفقرها، ويرفعها ويخفِضها، ويحييها ويميتها، تتقلَّب في قبضته وتعيش برزقه، فلما تمَّ لي الأمر نظرتُ في عظمته وقدرته (^٥) فإذا ليس من هذا الخلق شيءٌ ملا يفوته، وإذا قدرتُه محيطةٌ بكل شيء، فما (^٦) تقولون؟
فقالوا: قد قلتَ قولًا عظيمًا، ووصفتَ أمرًا عجيبًا، ولا نحسبك إلا وقد أَصبتَ فيه النظر، وقد صدَّقناك وتابعناك (^٧)، ورأينا رأيك، وإنْ كنا لنَرى مثلما رأيتَ، ويَخطر على قلوبنا مثلما خطر على قلبك، لكنَّا لم نشرح منه (^٨) ما شرحتَ؛ لِمَا أن اللَّه هداك
_________________
(١) في (ر) و(ف): "رؤيا".
(٢) بعدها في (ر): "والجبال".
(٣) في (ف): "والكثرة".
(٤) في (ر) و(ف): "ومدة".
(٥) في (ف): "وقهره".
(٦) في (أ): "فماذا".
(٧) (ف): "وبايعناك".
(٨) في (أ): "مثل".
[ ١٠ / ٢٤ ]
وأكرمك وعلَّمك ذلك (^١)، حدِّثنا عما نسألك عنه: هل ينبغي لهذا الربِّ أن يكون له شريكٌ في ملكه، أو حاجةٌ إلى شيء من خلقه؟ وهل (^٢) يغلبه شيء يستعين عليه بغيره؟
فقال: لو كان له شريك في شيء لضبَط ما يَضبط، ولو كان به حاجة إلى أحد من خلقه لكان مثلَهم، ولو كان يستعين على شيء يغلبه بغيره ما بَلَغتْ قدرته حيث بَلَغتْ.
قالوا له: صدَقْتَ وعرفنا ما تقول (^٣)، وثبت في قلوبنا ذلك، ولكن (^٤) حدِّثنا ما بالُ خلقه يُشركون به وهم يعرفونه؟
قال: لأنه خلق فيهم الأهواء، وطبَع قلوبهم على الشهوات، وجبَلهم على الضعف، وثبَّت معهم الشيطان، فمِن قِبَل هذا عدَلوا به، وهم يعرفون أن الذين يدعون من دونه لا يُحيونهم ولا يميتونهم (^٥)، ولا يخلقونهم ولا يرزقونهم، ولا يضرُّونهم (^٦) ولا ينفعونهم.
فعند ذلك أَجمعَ رأيُهم على أن يَأْووا إلى الكهف (^٧)، وأن يعتزلوا قومَهم وما يعبدون من دون اللَّه، فعند ذلك قالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ يقولون: فما يمنعُ هذه الآلهةَ التي تُعبد من دون اللَّه إن كانت كما
_________________
(١) في (أ): "ولكن".
(٢) في (ر) و(ف): "أو هل".
(٣) في (ر) و(ف): "وعزمنا على ما تقول".
(٤) "ولكن" من (أ)، وفي (ف) بدلا منها: "حيث بلغت".
(٥) في (ر) و(ف): "من دونه لا يجيبونهم".
(٦) في (ر) و(ف): "ينصرونهم".
(٧) في (ف): "يأتوا إلى كهف".
[ ١٠ / ٢٥ ]
يزعم أصحابها لا يأتون بسلطان بيِّنٍ مِثْلَ الذي وصَفْنا به ربَّنا، ومثلَ الذي يقدر عليه ربُّنا، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
فلما اعتزلوهم آوَوْا إلى الكهف رجاءَ أن يَنشر لهم ربُّهم من رحمته ويهيِّئَ لهم من أمرهم مرفقًا، ثم إن اللَّه تعالى ألقى عليهم السُّبات فنوَّمهم، وهم في مدينةٍ من مدائن الروم يقال لها: أفسوس، وملكهم يومئذ دقيانوس (^١)، وهم سبعةُ نفر.
وكان ابن عباس يسميهم ويقول: لا يعلمهم إلا قليل وأنا من أولئك القليل: مرطالوس، ويوبوس، وداسوس، وسرافنون وأسطاطانوس، ومسطاييس، وتمليخا (^٢) وهو الذي بعثوه بورِقهم ليأتيَهم بالطعام (^٣).
وكانوا قومًا يطلبون الصيد ومعهم كلابهم (^٤) لِمَا مسَّهم من الضر، ليس لهم معيشةٌ غيرها، وهم يومئذ في الجبل الذي فيه الكهف (^٥) يطلبون الصيد ومعهم كلابُهم وبزَّاتهم وقسيُّهم ونَبْلُهم، قد (^٦) أجمع رأيُهم على أن يَأووا إلى الكهف
_________________
(١) في (أ): "دقيوس".
(٢) في (ف): "فرطالوس وبونوس ودابنوس وسرافنوي واسطاطانوس ومطياميس ويحانوس"، وفي (ر): " فرطالوس ديونوس ودابنوس وسرافنوى واسطاطانوس ومطليلميس ويحانوس".
(٣) في (أ) و(ف): "بطعام". والحديث رواه الطبراني في "الأوسط" (٦١١٣)، والثعلبي في "تفسيره" (١٧/ ٨٩ - ٩٠). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٥٣): فيه يحيى بن أبي روق، وهو ضعيف. وهذه الأسماء وقع في رسمها في المصادر اختلاف كما في النسخ. ولخص القرطبي في "تفسيره" (١٣/ ٢١٦) ما تقدم بقوله: وأما أسماء أهل الكهف فأعجمية، والسند في معرفتها واه.
(٤) "ومعهم كلابهم" من (أ).
(٥) في (أ): "كهفهم".
(٦) في (ر) و(ف): "فلما".
[ ١٠ / ٢٦ ]
يأتمرون فيه: أيُقيمون (^١) مع قومهم على شركهم أو يفارقونهم فيختارون (^٢) ناحية من الأرض يَخْلون فيها ويوحِّدون اللَّه ربهم فيها.
فبينما هم على ذلك ألقى اللَّه تعالى عليهم السُّبات، وأخفى اللَّه على جميع خلقه مكانهم، فليس يبصرهم (^٣) أحد ولا يفطن بمكانهم، ولبثوا في كهفهم ثلاثَ مئةٍ سنين وازدادوا تسعًا، حتى انقرضت الأمَّة التي كانوا فيها والملِكُ الذي كان عليهم (^٤)، وخرج من بعدهم المسيحُ عيسى بن مريم ﵇، فآمَن به الناس واتَّبعوا ملَّته، ورفعه اللَّه إليه، وذهب زمانُه وزمان أهل ملَّته وهم في كهفهم، وكان عيسى قبل أن يُرفع حدَّث عنهم وعن إيمانهم وزمانهم، وكيف ناموا في كهفهم، وكيف أخفى اللَّه تعالى مكانهم، ولا ينبغي لأحد أن يهتديَ إليهم، وكان يُخبر أنه ستُردُّ إليهم أرواحُهم ويُدَلُّ على كهفهم ليكونوا عبرةً لمن خلْفَهم، فردَّ اللَّه تعالى إليهم أرواحَهم بعدما رَفع عيسى بعد هذه السنين، ولزمهم كلبٌ من كلاب صيدهم فلبث سنينَهم كلَّها (^٥) معهم باسطًا ذراعيه بفِناء الكهف، ولم يَطعم ذلك الكلب ولم يشرب ليكون آية.
فلما ردَّ اللَّه تعالى إليهم أرواحهم ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِذًا أَبَدًا﴾ وهم حينئذٍ يظنون أن
_________________
(١) في (ف): "يأووا إلى فئة أيقيمون" وفي (ر): "يأووا إلى قبة يقيمون".
(٢) في (أ): "فيحتاجون". وفي (ر): "فينحازون".
(٣) في (أ): "يضرهم".
(٤) في (ر) و(ف): "كانوا عليه".
(٥) في (ر) و(ف): "فلبث فيهم كلبًا".
[ ١٠ / ٢٧ ]
قومهم أحياءٌ، وأنهم على ما يَعهدون من حالهم وشركهم، فانطلق تمليخا وكان أشدَّهم وأقواهم في أنفسهم (^١)، حتى إذا خالط ربض (^٢) المدينة أنكرها وأنكر كلَّ شيء خلقه اللَّه تعالى من إنسانٍ ودابةٍ أو دارٍ أو بناء (^٣)، ووجد الناسَ على حالٍ لم يكن يعهدُها، ووجدهم يتبايعون بورِقٍ لا يشبه الورِق الذي معه، فتحيَّر وأنكر، وأقبل وأدبر، وأبطأ على أصحابه حتى خافوا عليه وظنُّوا أنه قد فُطن به وقُدِر عليه.
فلما طال عليه ذلك دخل المدينة من ناحيةٍ أخرى خُفْيَةً، فوجد حال أهل المدينة على حال أهل الرَّبَض (^٤) في كلِّ شيء، فلما الْتبَس عليه عَمد إلى مشيخةٍ من أهل المدينة توسَّم فيهم الخير ليتجسَّس ويستمع من قولهم، فوجد (^٥) معهم الإنجيل يقرؤونه، فسمع ما فيه من توحيد اللَّه وشرائعه وحلاله وحرامه، فعرَف ذلك وأذعن له، وأَنصت يستمع حتى إذا فرغوا من قراءتهم سألهم عن كتابهم، فقالوا: هذا كتاب اللَّه الذي أَنزلَه على نبيِّه (^٦) عيسى ﵇، قال: وأين عيسى؟ قالوا: قد رفعه اللَّه إليه، قال: وكم لبث فيكم؟ قالوا: ثلاثًا وثلاثين سنة، قال: هل رأيتموه أو أدركتُم (^٧) زمانه؟ قالوا: لا، كان زمانه قبل أن نُولد، ووجدنا كتابه في أيدي آبائنا، قال: فكلُّ أهل هذه المدينة يؤمِن بهذا الكتاب وهذا (^٨) النبيِّ ويعمل بما فيه؟ قالوا:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وكان أشدهم قوة"، "في أنفسهم" ليس في (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "أرض".
(٣) في (أ): "من إنسان أو دابة وبناء".
(٤) في (ر) و(ف): "أهل الرفض"، بدل: "حال أهل الربض".
(٥) في (أ): "فوجدهم".
(٦) في (ر) و(ف): "الذي أنزل على".
(٧) في (ر) و(ف): "وأدركتم".
(٨) في (ف): "وبهذا".
[ ١٠ / ٢٨ ]
نعم، إلا مستخفِيًا بذنبٍ أو ظالمًا لنفسه، قال: فهل سمعتُم بالملك الذي يقال له: دقيانوس (^١)؟ قالوا: نعم، قال: فكم له منذ هلك؟ قالوا: أكثر من ثلاث مئة سنة، قال: فهل بقيت له ذريةٌ أو أحد من أهل ملَّته يعمل عملَه (^٢) وعملَ قومه؟ قالوا: لا، قال: فلو أراد أحد أن يعمل مثل عمله؟ قالوا: نقتله أو نُخرجه من بين أظهُرنا، فلما أمِنَهم واطمأنَّ إليهم ورأى سِمة الإسلام عليهم بما وفَّقهم اللَّه تعالى بمسائلتهم عنها قال: أخبِروني؛ هل كان نبيُّكم عيسى ﵇ يخبركم عن سبعةِ رَهْطٍ (^٣) خرجوا من هذه المدينة في زمن دقيانوس وقومه هربًا إلى اللَّه تعالى بأنفسهم ودينهم، وفرارًا من دقيانوس وقومه (^٤) حتى أووا إلى كهفٍ من هذه الجبال؟ قالوا: نعم كان يخبرنا عنهم فلعلك منهم فإنا أنكرنا حالكَ كلَّه! قال: فهل كان عيسى يسمي فيما بلَغكم أسماء (^٥) أصحابِ الكهف؟ قالوا: نعم، وسمَّوهم، فلما ذكروا تمليخا قال: فأنا تمليخا، وأنا أحدهم، فخرُّوا له سجَّدًا كما صنع إخوةُ يوسف بيوسف يومَ دخلوا عليه كانت تحيتُهم ذلك، ثم أدخَلوه مسجدهم وعظَّموه وأكرموه ورفَعوه، وجمعوا له أهلَ مدينتهم وعلماءَهم فتمسَّحوا به كلُّهم، وجعلوا له عيدًا عظيمًا، وأقام أيامًا بين أظهُرهم، ثم إنه قال لهم: إن أصحابي لا أُراهم إلا قد خافوا عليَّ وساء ظنُّهم وهم يظنون أن دقيانوس حيٌّ، وأن الزمان زمانُه والدِّينَ دينُه، فانطلِقوا نُعْلمُهم كيف أهلكهم اللَّه تعالى وطهَّر الأرض منهم، وكيف استبدل تعالى بهم أمةً يوحِّدونه ويَهدون بالحق وبه يعدلون.
_________________
(١) في (أ): "دقيوس"، وكذا في المواضع الآتية.
(٢) في (ر) و(ف): "من أهل بيته يعمل بعمله".
(٣) في (أ): "نفر".
(٤) بعدها في (ف): "ودينه".
(٥) "أسماء" ليست في (ف).
[ ١٠ / ٢٩ ]
فانطلَقوا حتى انتهوا إلى الكهف، فوجدوا كلبهم باسطًا ذراعيه بالوصيد، قالوا: هذا الكلب أيضًا من علاماتكم التي كان يحدِّثنا عنها عيسى ﵇، وقد كان يحدِّث أنه لا يَنظر إليهم أحد مِن خلق اللَّه من يومِ يدخلون الكهف إلى أن ينزل عيسى، إلا إلى رجل منهم وهو الذي يدل على مكانهم وأنت هو، فدخل على أصحابه فأخبرهم بما رأى وسمع ثم كان آخِرَ العهد منهم.
وائتمر الناسُ فيهم وتنازَعوا، حتى اجتمعوا أن يتَّخذوا عليهم مسجدًا يَبنونه حول الكهف، ويجعلون الكهف وسطه، ويكتبون قصتهم في حيطانه، فذلك قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
قال وهب: وبلغني أن النبيَّ -ﷺ- قال: "إن اللَّه تعالى يُنشِر أصحاب الكهف عند نزول عيسى ﵇ ويُخرجهم من كهفهم" (^١).
* * *
(١٠) - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾: أي: كانوا عجبًا حين التَجؤوا إلى الكهف فرارًا بدينهم.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: أي: أعطِنا من عندك رحمة ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ الرَّشَد: إصابةُ الطريق المؤدِّي إلى البُغية، وكذا الرُّشْد والرَّشاد، وصَرْفه من باب دخل وعلم جميعًا.
* * *
_________________
(١) لم أقف عليه.
[ ١٠ / ٣٠ ]
(١١) - ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾.
فاستجاب اللَّه تعالى دعاءهم، وذلك قولُه ﷿: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾: أي: أَنَمْناهم ومنعناهم السماعَ، ومجازُه: ضربنا السور (^١) على آذانهم.
وقال القتبيُّ: هذا من فَصاحات القرآن التي أقرَّت العرب بالقصور فيها عن الإتيان بمثلها؛ لأن هذا لو نُقل بلفظه إلى لفظٍ آخر لم يُفهم منه ذلك، وإن قيل: أَنَمْناهم فهو ترجمةٌ للمعنى دون اللفظ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿عَدَدًا﴾ قال الفرَّاء: أي: معدودةً (^٣)، فالعَدُّ المصدر (^٤)، والعدد اسمٌ للمعدود، كالنَّقص بمعنى المنقوص، والرَّفض بمعنى المرفوض، ويَصلح للواحد والجمع.
وقال الزجَّاج: ﴿عَدَدًا﴾؛ أي: تُعدُّ عددًا لكثرتها؛ لأن القليل يُعلم (^٥) مقدارُه من غير عدٍّ، فإذا كثر عُدَّ (^٦).
فأما قوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] فهي على القلة؛ لأنَّهم كانوا يعدُّون القليل ويَزِنون (^٧) الكثير.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "السنون". والمثبت من (أ)، والمراد: ضربنا عليها حجابًا من أن تسمع، فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال: بنى على امرأته، يريدون: بنى عليها القبة. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٠٥)
(٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٢ - ٢٣).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٣٥).
(٤) في (أ): "مصدر".
(٥) في (أ): "يعرف".
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٧١).
(٧) في (أ): "ويزنون".
[ ١٠ / ٣١ ]
(١٢) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾: أي: أيقظناهم من نومهم لم تغيِّرهم السِّنون.
﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾: أي: لنَعلم اختلافَهما موجودًا واقعًا كما علِمناه قبل وجوده أنه يوجد، وقد شرحناه مرات.
وقيل: أي: لنبيِّنَ لهم ولغيرهم أنَّ الحزبَين لا يُحصِيان مبلغَ مدة لبثهم في الكهف، كقولك: سأُمهِلُك تتفكَّر في هذا الأمر لأنظرَ كيف استخراجُك له، أو: لأعلم كيف بصرُك به، وهو يريد: إني أفعل ليَظهر أنك لا تعرفه.
وقيل: ﴿لِنَعْلَمَ﴾؛ أي: ليَعلم أوليائي.
و﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ قال مجاهد: أي: أيُّ الفريقين من قوم الفتية (^١): أهل الهدى أو أهل الضلالة.
وقال السدِّي: أي: اليهود والنصارى (^٢).
وقيل: هم من الفتية أنفسِهم حيث قالوا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾.
وقيل: أحدهما أصحاب الكهف والآخر أصحاب الرقيم، وهم الذين كتبوا أسماء أصحاب الكهف بعدهم.
وقيل: هما طائفتان من المسلمين اختلفوا في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا﴾: أي: عَلِم وتحقَّق، كما قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٧٧).
(٢) ذكره تاج القراء الكرماني في "غرائب التفسير" (١/ ٦٥٢).
[ ١٠ / ٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿أَمَدًا﴾: أي: غايةً، مفعولُ ﴿أَحْصَى﴾، وتقديره: أحصَى أمدًا لِمَا لبثوا؛ أي: أمد ما لبثوا، وهو نظير قولك: ضربتُ لزيدٍ غلامًا؛ أي: غلامًا لزيدٍ، وحاصله: غلامَ زيد، وهو قول المحقِّقين.
وقال الفراء: ﴿أَحْصَى﴾ أفعل للتفضيل؛ أي: أعلمُ بمقدار لبثهم، و﴿أَمَدًا﴾ نصب على التفسير (^١).
وقالوا: هذا غير خارجٍ على ظاهر اللغة؛ لأن ما كان فعلُه من (أَفْعَلَ) لا يقال فيه: هو أفعلُ من فلان، إنما يقال: أشدُّ إفعالًا منه، فكان ينبغي أن يقال: أشدُّ إحصاء.
وقال الزجَّاج: ﴿أَمَدًا﴾ نصب بـ ﴿لَبِثُوا﴾ (^٢)؛ أي: هو نصبٌ على الظرف.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالصِّدق ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾؛ أي: شبَّانٌ.
وقال مجاهد: لقد حدِّثتُ أنه كان على بعضهم أوضاحُ الوَرِق من حداثته (^٣).
وقوله تعالى: ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾: أي: صدَّقوا بوحدانيته ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾؛ أي: ثباتًا ويقينًا ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: شدَدْناهم ووفَّقْناهم وألهمناهم الصبرَ.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٣٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٧١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٦٥).
[ ١٠ / ٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَامُوا﴾: قال قتادة: أي: قاموا من رقدتهم.
وقال السدِّي: قاموا بباب البلدة.
وقال مجاهد: قاموا يقصدون الخروج ومفارقةَ القوم.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ﴾: أي: لن نعبد (^١) ﴿مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾؛ أي: لن ندعو غيرَه معبودًا.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾: أي: قلنا جَورًا وعدوانًا لو دعونا غيره إلهًا.
* * *
(١٥) - ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا﴾: أي: اعتقدوا ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ بتقليدٍ من غيرِ حجة.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: أي: هلَّا يقيمون على آلهتهم سلطانًا بيِّنًا؛ أي: حجةً بيِّنةً أن عبادتها جائزةٌ أو واجبة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: فلا أظلمُ من هؤلاء لأنفسهم ولا أوضعُ للعبادة في غير موضعها، افتروا على اللَّه كذبًا، اختلفوا فقالوا: له شريك.
وقال الإمام القشيري ﵀: سمَّاهم فتيةً لأنهم آمنوا على الوهلة بلا مهلة؛ لِمَا أتاهم من دواعي الوُصلة.
_________________
(١) "أي: لن نعبد" من (ف).
[ ١٠ / ٣٤ ]
وقيل: سماهم فتيةً لأنهم قاموا باللَّه وما استقرُّوا حتى وصلوا إلى اللَّه.
وقال في قوله: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: لاطفهم بإحضارهم ثم كاشفهم في أسرارهم بما زاد في أنوارهم.
وقال في قوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أي: أغنيناهم عن الأغيار، وأوليناهم من أنوار الاستبصار.
وقيل: ربطنا عليها بما استقرَّ فيها من شواهد الغيب، فلم يَهْجس فيها خواطر (^١) الريب.
وقال في قوله: ﴿إِذْ قَامُوا﴾: أي: قاموا للَّه وباللَّه (^٢)، ومَن قام للَّه قعد عمَّا (^٣) سوى اللَّه.
وقيل: مَن قام باللَّه (^٤) لم يقعد حتى يصلَ إلى اللَّه.
وقيل: قعدت عنهم الشهوات فصحَّ قيامهم للَّه (^٥).
* * *
(١٦) - ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: سوى اللَّه.
_________________
(١) في (ر): "خاطر".
(٢) "وباللَّه" زيادة من (أ).
(٣) في (ف): "تخلى عما"، وفي (ر): "فقد عمي عن".
(٤) في (أ): "للَّه".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٨١).
[ ١٠ / ٣٥ ]
وقيل: معنى الاستثناء أنه كان فيهم مَن يعبد اللَّه، وقالوا: كان فيهم رجلان يكتمان إيمانهما، وهما كتَبا أسماء الفتية وقمت مفارقتهم قومهم.
أي: قال بعضهم لبعضٍ: وإذا فارقتُم قومَكم وآلهتهم ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: يبسطْ لكم ربُّكم ما يُصلح لكم دينَكم ومعاشكم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾: قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿مَرْفِقًا﴾ بفتح الميم وكسرِ الفاء، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الفاء (^١)، وهما لغتان فيما يُرتفق به؛ أي: يُنتفع به.
وقيل: أرادوا به الغداءَ، وكانوا يحتاجون إليه ويخافون الخروج والطَّلب (^٢)، فدعوا اللَّه أن يهيِّئ لهم ذلك.
وقيل: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطابٌ من اللَّه لهم إلهامًا، أو إخبارًا أنه فعَل بهم ذلك (^٣)؛ كما قلنا في قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤]؛ أي: أسكنَّاهم، فمعناه هاهنا: آويناهم في (^٤) الكهف وكفَيناهم أمرَ القُوت كما فعلنا بمريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ويتصل به على الطريقين (^٥) قولُه تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ الآية.
وقال القشيري ﵀: مَن تبرَّأ من (^٦) اختياره في احتياله، وصدَق رجوعَه
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٨)، و"التيسير" (ص: ١٤٢). وقراءة أبي بكر عن عاصم ذكرها ابن مجاهد من طريق الكسائي عن أبي بكر، ولم يذكرها الداني.
(٢) في (ر) و(ف): "والظلم".
(٣) بعدها في (أ): "لهم".
(٤) في (أ): "إلى".
(٥) في (أ): "الطريق".
(٦) في (أ): "عن".
[ ١٠ / ٣٦ ]
إلى اللَّه في أحواله، ولم يستعِنْ بغير اللَّه من (^١) أشكاله، آواه إلى كَنَف أفضاله، وكفَاه جميع أشغاله، وهيَّا له محلًّا يتفيّأ فيه من برد ظلاله بكمال إقباله (^٢).
* * *
(١٧) - ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾: قرأ ابن عامر: ﴿تَزْوَرُّ﴾ مثلَ تحمرُّ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿تَزَاوَرُ﴾ خفيفةً، وقرأ الباقون: ﴿تزَّاور﴾ مشدَّدةً (^٣)، وأصله: تتزاور، فعلى الإدغام تشدَّد وعلى الحذف تخفَّف، والتزاوُر والازورار: الميلُ والانحراف.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾: أي: تعدِلُ عنهم وتميل يسرةً.
وقال أبو عبيدة: تخلِّفُهم وتجاوِزُهم وتقطَعُهم وتتركهم عن شمالها (^٤).
وفي كتاب الخليل: القرضُ في السير: إذا عدَلْتَ عن شيء في مسيرك قلتَ: قرضتُ يمنةً ويسرةً؛ أي (^٥): في السير؛ أي: تركته عن اليمين أو عن الشمال، قال ذو الرُّمَّة:
إلى ظُعُنٌ يَقْرِضنَ أقوازَ مُشْرِفٍ شمالًا وعن أيمانهن الفوارسُ (^٦)
_________________
(١) في (ر): و(ف): "في".
(٢) انظر "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٨٢).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٨)، و"التيسير" (ص: ١٤٢).
(٤) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٣٩٦).
(٥) في (أ): "أو"، وسقطت العبارة من (ر) و(ف)، والصواب المثبت، ويستقيم الكلام بحذفها أيضًا.
(٦) انظر: "العين" (٥/ ٥٠). والبيت في "ديوان ذي الرمة" (٢/ ١١٢٠)، و"مجاز القرآن" (١/ ٣٩٦)، =
[ ١٠ / ٣٧ ]
وقال ابن عباس ﵄: كان الكهف مُقابلَ (^١) بناتِ نعشٍ (^٢)، وكانت الشمس تميل عن كهفهم في طلوعها وغروبها وجريِها؛ لأن مَطلِعها كان على يمينهم ومغرِبها على شمالهم، فلم تكن في حال تَدخل عليهم فتؤذيهم بحرِّها وتُشْحب (^٣) ألوانهم وتُبلي ثيابهم (^٤).
﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾: أي (^٥): في متَّسَع ينالهم النسيم فينتفي بذلك عنهم غمَّة الغار وكربُه.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: ما اختاره اللَّه تعالى لهم من هذا الموضع، وهو لطفٌ من اللَّه بأوليائه.
_________________
(١) = و"غريب الحديث" لأبي عبيد (٤/ ١٥٠)، و"تفسير الطبري" (١٥/ ١٨٧)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٧٣)، و"الصحاح" (مادة: قوز)، و"تثقيف اللسان" لأبي حفص عمر بن خلف الصقلي (ص: ٢٦٨). ووقع في جميع النسخ: " لها ظعن"، والمثبت من المصادر، والمعنى: نظرت إلى ظعن يجزن بين هذين الموضعين، والمشرف والفوارس موضعان. والأقواز كما قال الجوهري: جمع القَوز، وهو الكثيب الصغير. ورواية الديوان وبعض المصادر: (أجواز)، قال أبو حفص: والأجواز: الأوساط.
(٢) في (ر) و(ف): "يقابل".
(٣) بنات نعش: سبعةَ كواكب تشاهد جهة القطب الشمالي، شبهت بحملة النعش. انظر: "المعجم الوسيط" (مادة: نعش).
(٤) في (ر): "وتسخف"، وفي (ف): "وتسحت".
(٥) لم أجده عن ابن عباس، لكن ذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ٥٥٣) عن الكلبي، فلعل بعضهم رواه من طريقه عن ابن عباس، وهذا القول قد اعترضه بعض العلماء بأنه إخراجٌ لِمَا وقع في شأنهم من خوارق العادات عن حدِّها ببيان أسبابها العاديَّة. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، و"تفسير البغوي" (٥/ ١٥٧)، و"تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية، و"روح المعاني" (١٥/ ٢٣١). وسيأتي تنبيه المؤلف على هذا الاعتراض قريبًا.
(٦) في (أ): "وكانوا في فجوة"، وفي (ر): "وكانوا ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي".
[ ١٠ / ٣٨ ]
وقيل: بل كان عدولُ الشمس عنهم في طلوعها وغروبها وحرِّها خارجًا عن العادة تخصيصًا لهم؛ ليكون ذلك من آيات اللَّه كرامةً لهم، وتغييرُ العادة بطريق الكرامة جائزٌ لأولياء اللَّه عند أهل السنَّة والجماعة، وكان هذا في حقهم كإبقائهم أحياءً في طول هذه المدة من غير غذاءٍ، وإبقاءِ ثيابهم على حالها كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ خطابٌ للنبي -ﷺ-، ولم يُردْ به حقيقة الرؤية لكن معناه: تحصيلُ العلم له بالإخبار عن أحوالهم.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾: كهؤلاء الفتية ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾: مَن يواليه ويتولَّاه ويرشدُه إلى (^١) مصالحه.
وقيل: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: ما أخبرْنا من قصتهم آيةُ صدقِ دعواك النبوةَ، فمَن هداه اللَّه تعالى بها (^٢) صدَّقك، ومَن أضلَّه اللَّه تعالى كذَّبك.
* * *
(١٨) - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾: جمع يَقُظٍ ويَقِظٍ -بضم القاف وكسرها- وهو اليقظان، قيل: أي: لانفتاح أعينهم حال نومهم.
وقيل: أي: لكثرةِ تقلُّبِهم كما يتقلَّب اليقظان.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾؛ أي: نيام.
_________________
(١) في (أ): "في".
(٢) "بها" ليس من (أ).
[ ١٠ / ٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾: أي: جعلناهم يتقلَّبون يمينًا وشمالًا، وأضاف التقليب إلى نفسه لأنه بتخليقه.
وقيل: كانت الملائكة يقلِّبونهم بأمر اللَّه تعالى، وهذا في رقدتهم قبل أن يشعر بهم قومهم.
وقال ابن عباس ﵄: ولو لم يُقلَّبوا لأكلتهم الأرض (^١).
وقال عبدُ ربِّه: كانوا يقلَّبون في كلِّ عام مرتين (^٢)، وكذا عن سعيد.
وقال الكلبي وجماعةٌ: في كلِّ سنةٍ على جَنْبٍ (^٣).
وقال مجاهد: مكثوا ثلاثَ مئة سنةٍ على شقٍّ واحد، وكانوا يقلَّبون (^٤) تسعَ سنين (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٨٦ و١٩١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٨١٥) (ت: محمد عوامة) من طريق قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٩١) عن قتادة قال: وذكر لنا أن أبا عياض قال: لهم في كل عام تقليبتان. وأبو عياض هو المدني قال عنه الحافظ في "التقريب": مجهول، وقيل: اسمه قيس بن ثعلبة. وعبد ربه هو ابن أبي يزيد. ويقال: ابن يزيد، ويقال: عبد رب. انظر: "تهذيب الكمال" (١٦/ ٤٨٨). وهذا القول ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٦٠)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ١٥٨)، عن أبي هريرة ﵁، وروى معناه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٧٣) عن ابن عباس، ولفظه: ستة أشهر على ذي الجنب، وستة أشهر على ذي الجنب.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٦٠)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ١٥٨)، عن ابن عباس ﵄.
(٤) في (ر) و(أ): "وكانوا يتقلبون في".
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٩٢) بلفظ: (إنما قلِّبوا تسع سنين بعد ثلاث مئة سنة لم =
[ ١٠ / ٤٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾: قيل: كان لهم كلبٌ فتبِعهم.
وقيل: لأحدهم فتَبِعه.
وقال أبو رَوق: لم يكن الكلب من شأنهم، لكنهم مرُّوا براعي غنم فقال لهم: أين تذهبون؟ فقالوا: نَفِرُّ بديننا من هذا الجبَّار، فقال الراعي: ما أنا أَغْنَى عن ربِّي منكم، فترك غنمه ولحق بهم فتبعه كلبُه.
قال ابن جُريجٍ: وكان كلبًا أحمرَ، اسمه قطمور (^١).
وقوله تعالى: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاك: بالفِناء (^٢).
وقال ابن عباس ﵄ في روايةٍ: بالباب (^٣)، ولم يكن له باب ولكنْ أراد به موضعَ الباب، وكذلك قال أبو روق: فم الشِّعب.
وقال ابن جريجٍ: كان يمسك عليهم الباب (^٤).
وقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾: قرأ ابن كثير: ﴿وَلمُلِّئْتَ﴾ بالتشديد للمبالغة، وقرأ الباقون بالتخفيف على أصل الفعل الثلاثي المتعدِّي (^٥).
_________________
(١) = يقلبوا فيها). وأورده الواحدي في "البسيط" (١٣/ ٥٥٨) بخلاف هذا فقال: وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (يمكثون رقودًا على أيمانهم تسع سنين، ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقودًا تسع سنين).
(٢) رواه ابن المنذر في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٧٣).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٩٤).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٩٢).
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٩)، و"التيسير" (ص: ١٤٣). وقراءة نافع فيهما كقراءة ابن كثير.
[ ١٠ / ٤١ ]
﴿رُعْبًا﴾؛ أي: خوفًا.
وهذا خطابٌ للنبيِّ -ﷺ-، ولم يُردْ به اطِّلاعه حقيقةً، لكنه الإخبارُ عن حالهم على تقدير: أن أحدًا لو اطَّلع عليهم كان كذا، يقول: لو نظرتَ في كهفهم نظرًا من فوقهم لهربتَ منهم ولامتلأتَ خوفًا.
وقيل في معناه وجوه (^١):
أحدها: لو رأيتَهم لظننتَ أنهم يريدونك؛ لأن أعينَهم كانت مفتوحةً (^٢).
وقيل: هذا وصفُ وحشةِ مكانهم؛ أي: لو نظرتَ إلى موضعهم لهالَتْك وحشةُ مكانهم، وكان اللَّه تعالى لطفَ بهم في هذا الموضع الوحشي ليَنفر الناس عنهم ولا يَقْرَبوهم لطلبهم، أو (^٣) يكونُ مدحًا لهم برضاهم بمثل هذا الموضع (^٤).
وقيل: كان الناس محجوبين عنهم بالرعب لئلا يَصِلوا إليهم.
وقال الإمام القشيري ﵀: كما ذكَرهم ذكَر كلبهم، ومَن صدَق في محبة أحدٍ أحبَّ مَن يُنسب إليه وما يُنسب إليه.
وقيل: كلبٌ خَطَا مع أحبابه خطواتٍ فذكَره اللَّه تعالى في كتابه، أتَرى أن مسلمًا يَصحب أولياءه من وقتِ شبابه إلى مشيبه يردُّه يوم القيامة خائبًا؟
وقيل: قالوا للراعي: اصْرِف الكلب عنَّا، فقال: لا يمكنني لأني (^٥) أنا ربَّيته، ولمَّا ضربوه قال: لا يمكنني أن أنصرف لأنه ربَّاني.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بوجوه".
(٢) في (أ): "منفتحة"، وفي (ف): "مفتحة".
(٣) في (ف): "و"، ولها وجه، وتكون من تتمة القيل المذكور.
(٤) في (أ) و(ف): "المكان".
(٥) "لأني" ليست في (أ)، وفي "اللطائف": (فإني).
[ ١٠ / ٤٢ ]
وقيل: كلبٌ بسط يده على وصيدِ الأولياء فإلى القيامة يقال: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾، فيَدٌ رفعها مسلم إلى اللَّه خمسين سنة يردُّها خائبة؟ هذا لا يكون.
وقال: يقول اللَّه تعالى في حقهم: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ويقول في حقنا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فشتَّان ما بين المنزلتين.
وقال: لمَّا لم يجاوزِ الكلب قَدْره، ووضع على الوصيد يده، بقي مع الأحباب، وكذا مَن حفِظ أدب الخدمة (^١).
* * *
(١٩) - ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾: أي: كما أَنمناهم وحفظنا عليهم أبدانهم وثيابهم كذلك أيقظناهم ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: كانت عاقبةُ أمرهم أن يتساءلوا (^٢) بينهم عن مدة لبثهم في النوم.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾: أي: رئيسُهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قيل: إنما سألوا (^٣) لأنه راعهم (^٤) ما فاتهم من العبادة في ذلك النوم عند أنفسهم.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٨٥).
(٢) في (أ): "تساءلوا".
(٣) في (ف): "سألهم".
(٤) في (أ): "لأنهم راعوا"، وفي (ف): "لمراعاة".
[ ١٠ / ٤٣ ]
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا﴾: قال الحسن: دخلوا الكهف أولَ النهار، فنظروا حين استيقظوا فإذا هو آخرُ النهار، فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ ثم رأوا من الشمس بقيةً فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ كان عندهم (^١) كذلك، فلم يوصفوا فيه بالكذب ولم يؤاخَذوا.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾: ورُوي أن ابن عباس ﵄ استدلَّ بهذه الآية على أن الصحيح من الأقوال في عددهم أنهم سبعة؛ لأنَّه قال في الآية: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ وهذا واحد، وقال في جواب قول هذا: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ و﴿قَالُوا﴾ فعلُ الجمع وأقلُّه ثلاثة، ثم قال: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ وهذا قولُ جمعٍ آخَرين سواهم؛ لأنَّه قال: ﴿قَالُوا﴾ وهذا جمعٌ، وقال بعده: ﴿رَبُّكُمْ﴾ وهذا خطابُ الجمع فهم ثلاثة آخرون، فصاروا سبعة.
وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: قرأ أبو عمرو وحمزةُ وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ بسكون الراء، وقرأ الباقون: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ بكسر الراء (^٢)، وعن أبي عمرو في روايةٍ إدغامُ القاف في الكاف (^٣).
وتفسيره: بفضَّتكم هذه، وكانوا أخذوا فضةً للحاجة إليها في طريقهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾: أي: هذا المبعوث ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ فليشترِه، وفيه دليلٌ على (^٤) جواز الوكالة.
والزكاةُ في اللغة عبارةٌ عن النماء وعن (^٥) الطهارة، واختلف في تفسير هذا:
_________________
(١) في (أ): "عندكم".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٩)، و"التيسير" (ص: ١٤٣).
(٣) انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي (٥/ ١٣٦).
(٤) "على" من (أ).
(٥) "عن" ليست في (أ).
[ ١٠ / ٤٤ ]
قال ابن عباس ﵄: أي: أَحَلُّ ذبيحةً، وكانوا يذبحون للطواغيت (^١).
وقيل: كانوا يذبحون الخنازير.
وقيل: كانوا يأكلون الميتة.
وقيل: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾: ما لا غصبَ فيه ولا ظلم.
وقال سعيد بن جبير (^٢): أطيبُ طعامًا وألذُّ (^٣).
وقيل: أكثرُ رَيعًا.
وقيل: أرخصُ وأجود، يقال: طعام زكيٌّ؛ أي: رخيصٌ جيد.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾: عن ابن عباس ﵄ في رواية وهو عن علي ﵁ أيضًا أنه الأَرزُّ (^٤)، وعلى هذا قولُه: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾؛ أي: أكثر ريعًا، فإنه يزاد (^٥) بالطبخ، وهو من تدبيرِ قليلِ البضاعة.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: أي: وليستعملْ دقائق التدبير في دخول المدينة وشرائه الطعام، ليَخْفَى مكانه فلا يُعلمَ به في ذهابه وإيابه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: أي: ولا يُعلمنَّ بأخباره، ويحتمِل: بترك التلطف فيُشعَر به، فكأنه أشعَرَهم.
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٧٤).
(٢) "بن جبير" من (أ).
(٣) لم أجده عن سعيد بن جبير، وروى عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٦٣)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢١٣)، قوله: (أحلُّ).
(٤) لم أقف عليه عنهما، وذكره القرطبي دون عزو. انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٣٧).
(٥) في (أ): "يزداد".
[ ١٠ / ٤٥ ]
(٢٠) - ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: ويستولوا عليكم (^١) ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾؛ أي: يقتلوكم ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾؛ أي: يردُّوكم إلى الكفر ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾؛ أي: ولن تفوزوا بخيرٍ أبدًا إذا ارتدَدْتم (^٢).
* * *
(٢١) - ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: قال ابن عباس وعطاء: أَطْلَعْنا عليهم (^٣).
وقيل: أظهَرْنا، وهو قول ابن جريجٍ (^٤)، وأصله: أنَّ مَن عثر برجله على شيء وهو غافل نظر إليه حتى يعلمَه، فاستُعير العثور للظهور.
ومعناه: كذلك؛ أي: كما (^٥) كانت قصتهم أطلعنا عليهم الناس.
وقيل: كالذي أخفينا آثارهم على أهل عصرهم أشعَرْنا بذلك مَن بعدهم لِمَا كان فيه من الحكمة.
_________________
(١) "ويستولوا عليكم" من (أ).
(٢) في (ر): "إذا عدتم"، وفي (ف): "إن رددتم".
(٣) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٧٤) عن ابن عباس.
(٤) ذكره الماوردي دون عزو في "النكت والعيون" (٣/ ٢٩٥).
(٥) في (ر) و(ف): "ومعنى ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: لما".
[ ١٠ / ٤٦ ]
قال ابن عباس ﵄: فلما بعثوا تمليخا ودخل المدينة أنكر أهلَها ولم يعرف منهم أحدًا، وكان ظهر على البلدة ملكٌ مسلم يقال له: أسحا (^١)، وحملهم على الإسلام ومحقِ (^٢) الأصنام، فأتى تمليخا إلى حانوت خبَّاز فأخرج وَرِقه، فأنكر الخباز فقال له: إنك وجدتَ كنزًا، وهذه الدراهم من ضرب دقيانوس، فإن أعطيتَني من ذلك الكنز وإلا رفعتُ أمرك إلى الملك، قال تمليخا: إني خرجتُ (^٣) مع أصحابٍ لي من البلدة، فرفعه إلى الملك فقال له الملك: من أين جئت بهذا الدرهم؟ قال: خرجت به من هذه البلدة عشيةَ أمس، فقال الملك: إنك تُريني أنك مجنون، لَتُخبرنِّي من أين جئتَ بهذا الدرهم أو (^٤) لأقتلنك، فقصَّ عليه القصة، وكان هناك شيوخٌ فقالوا: أيها الملك، حدَّث آباؤنا أن فتيةً سبعةَ نفر (^٥) فرُّوا بدينهم من دقيانوس، ولعله صادقٌ، فاركب حتى نخرج معك فننظرَ إلى الكهف وإليهم، فلعل هذا أمر يريد اللَّه أن يُظهرك عليه، فركب الملك وركبوا حتى أتوا باب الكهف، فسبقهم تمليخا وقال لهم: أتاكم الملك، فظنوا أنه دقيانوس الكافر وخافوا على أنفسهم، فدخل عليهم الملك والناس وسألوهم (^٦)، فبينما هم يتحدثون إذ سقطوا ميتين، فقال الملك: إن هذا لعجبٌ فما ترون؟ فاختلفوا فقال بعضهم: نبني عليهم بنيانًا. وقال بعضهم (^٧): نتخذ عليهم مسجدًا على باب الكهف (^٨).
_________________
(١) في (أ): "استخا"، وفي (ف): "استحا".
(٢) في (ر): "ومحو".
(٣) في (ف): "قال أنى لي بها"، وفي (ر): "قال آتي بها".
(٤) في (أ): "وإلا".
(٥) "نفر" زيادة من (أ).
(٦) في (أ): "الملك وسألهم".
(٧) في (أ): "آخرون".
(٨) ذكره بنحوه مطولًا عبد القاهر الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ٢٣٨ - ٢٤٢) من طريق الكلبي عن =
[ ١٠ / ٤٧ ]
وقد روينا أنهم لم يدخلوا عليهم وعمِّي عنهم مكانُهم حين دخل تمليخا، وإنما علم أهل المِصر حقِّيَّة البعث استدلالًا بإخبار تمليخا عنهم، وثبت عندهم صدقُه بما شاهدوا من أفعاله وما معه.
وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: استدلوا بذلك على أن وعد اللَّه بالبعث حق وأنه قادر عليه ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾؛ أي: لا شك في قيامها.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: أي: يتنازع أهل ذلك العصرِ في أمر الساعة، فيقِرُّ به بعضهم وينكره بعضهم، فعرفوا جميعًا أن البعث حقٌّ بهذه الدلالة، ومعنى ﴿أَمْرَهُمْ﴾؛ أي: الأمرَ الذي فيه تنازُعُهم، ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ بمعنى: تنازعوا، أو: كانوا يتنازعون.
وقيل: كان تنازُعهم في البناء.
﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾: يُعرف به مكانهم كما يُبنى على قبر الرجل الجليل المذكور.
وقيل: كان باب الكهف قد فتح بعد ما كان مردومًا، فقالوا: ابنوا عليهم ما يسترُهم فلا يدخل عليهم أحد.
وقيل: قال الكفار: نبني بناء الكفار؛ لأنَّهم من عشائرنا فلعلهم على ديننا.
فقال اللَّه ﷻ: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾: أي: أنهم آمنوا بربهم كما وصفنا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: عظماؤهم، وقيل (^١): مسلموهم.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾: نتعبد فيه؛ لأنَّهم مسلمون فيتبرَّك المسلمون بالصلاة في مسجدهم عندهم (^٢).
_________________
(١) = أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) في (ف): "وهم".
(٣) "عندهم" ليس من (ف).
[ ١٠ / ٤٨ ]
(٢٢) - ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: أي: سيقول بعض أهل الكتاب: هم ثلاثةٌ رابعهم كلبهم.
﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: أي: ويقول بعضٌ (^١) ذلك.
وقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: قال قتادة: قذفًا بالظنِّ (^٢)، وذلك أن الغيب ما غاب عن الإنسان، وما غاب إنما يُدرك (^٣) بالاستدلال، ولا يكون كالعِيان في إفادة الإيقان.
والرجم (^٤) بالكلام: هو التكلُّم من غير تدبُّر.
وقال نفطويه: تقول: هو يرجم بكذا؛ أي: يقول فيه بالظن.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: أي: ويقول بعضُهم ذلك، يعني: إذا كانوا يختلفون ثبت أنهم لا يتيقَّنون به، فكيف يمتحنونك به؟
وقال الكلبي: قدم العاقب والسيد على رسول اللَّه -ﷺ-، فسألهما عن عدد أصحاب الكهف، فقال السيد وأصحابه: ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب وأصحابه: خمسة سادسهم كلبهم (^٥)،. . . . . . . .
_________________
(١) في (أ): "يقولون بعضهم"، وفي (ف): "يقولون"، بدل: "ويقول بعض".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٦٤)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢١٨).
(٣) في (أ): "وما غاب لا يدركه إلا".
(٤) في (ر) و(ف): "والرمي".
(٥) إلى هنا ذكره عبد القاهر الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ٢٤٤) من طريق الكلبي عن أبي صالح =
[ ١٠ / ٤٩ ]
رجمًا بالغيب، وقال بعضهم: سبعة وثامنهم كلبهم، فنزلت الآية (^١).
وذهب ذاهبون إلى أن اللَّه تعالى بيَّن للنبي -ﷺ- عددهم بقوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لأنه ذكر القولين الأوَّلين وأَلحق بهما ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، ثم ذكر القول الثالث وحقَّقه بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾؛ لأن الواو عطفٌ على قولهم، وهو إخبارٌ من اللَّه تعالى (^٢)، وليس بعده: رجمًا بالغيب.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾: قال هؤلاء: ليس بإجمال، بل هو تحقيق للقول الثابت، فإنه قال: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذا إخبار من اللَّه وهو أعلم بعدتهم (^٣)، فهو الصدق دون ما قالوه بالظن، وكذا قوله:
﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: هذا (^٤) إثباتُ علمِ ذلك لقليلٍ من الخلق، وإذا علِمه أحد
_________________
(١) = عن ابن عباس، وزاد: ولا علم لهم بذلك، فلما رأى اللَّه ذلك منهم قال لنبيه ﵇: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾. ووردت القصة في مصادر أخرى بلا عزو. انظر التعليق الآتي.
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (٢/ ٣٣٢)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ١٦٢)، و"الوسيط" للواحدي (٣/ ١٤٢)، و"تفسير البغوي" (٥/ ١٦١)، و"الكشاف" (٢/ ٧١٢)، و"تفسير الرازي" (٢١/ ٤٤٧)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٤٦). وعندهم جميعًا عدا أبا الليث السمرقندي: (وقال المسلمون)، بدل: (وقال بعضهم).
(٣) فهذا يدل على تصديق القائلين بأنَّهم سبعة؛ لأنَّ الواو عاطفة على كلام مصدَّق، تقديره: نعم وثامنهم كلبهم؛ كما إذا قال قائل: زيدٌ شاعرٌ، فقيل: وفقيهٌ أيضًا؛ أي: نعم، وفقيه أيضًا، وفي الخبر: سئل النبي -ﷺ-: أنتوضأ بما أَفضلت الحمر؟ قال: "وبما أفضلت السِّباع". قالوا: يريد: نعم وبما أفضلت السِّباع. قاله ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية، والحديث المذكور رواه الدارقطني في "سننه" (١٧٥) و(١٧٦) من حديث جابر ﵁ وضعفه، وضعفه أيضًا النووي في "المجموع" (١/ ٢٣٢).
(٤) من قوله: "قال هؤلاء. . . " إلى هنا من (أ).
(٥) في (ف): "هو".
[ ١٠ / ٥٠ ]
من خَلْق اللَّه فالنبيُّ ﵇ أولى بأن يكون عَلِم ذلك بإعلام اللَّه، وقد قال ابن عباس ﵁: أنا من ذلك القليل (^١).
وقال جماعةٌ منهم الإمام أبو منصور ﵀: لم يبين اللَّه تعالى ذلك لأهل الكتاب ولا لنبيِّه ﵇، ولو كان أعلمَه لم يقل: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾؛ لأن علمه به يُغنيه عن السؤال عنهم، ولذلك قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وهو قطعُ علمهم عنهم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ خبرٌ عن قولهم؛ كقوله (^٣): ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، لا فرق بين ذكر الواو وطرحِها (^٤)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] أثبت الواو في بعضها دون بعض.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: لم يبيِّن أن الذي يعلمه من (^٥) الملائكة أو غيرِهم، ويجوز أن يكون هذا نفيًا لعلم الكلِّ؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]؛ أي: لا يؤمنون أصلًا.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٦٥)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ١٥٦).
(٣) في (ر): "خبر لقولهم"، وفي (ف): "خبر كقوله".
(٤) كذا قال، وكتاب اللَّه المعجز ليس فيه حرف إلا لغاية وحكمة، فكيف يكون لا فرق بين ذكر الواو وطرحها؟
(٥) في (ر): "لم يبين من يعلمهم من هو".
[ ١٠ / ٥١ ]
وقد قال السدِّي: لا يعلمهم إلا قليلٌ؛ أي: ليس أحدٌ يعلمهم، وهو (^١) كقولهم: هذه الأرض قلما تُنبت؛ أي: لا تنبت أصلًا.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: أي: لا تجادلْ في أصحاب الكهف أهلَ الكتاب إلا جدالًا ظاهرًا؛ أي: قل لهم: إنكم تقولون هذا بغير حجة (^٢) ولا خبرٍ من عند اللَّه، ونحوَ هذا.
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾: أي: في أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهل الكتاب ﴿أَحَدًا﴾؛ فإنهم (^٣) لا يعلمون ذلك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وليس بنا إلى معرفة عددهم وأسمائهم حاجة، لو كان لتولَّى اللَّه تعالى ذلك في كتابه (^٤).
وقال كعب: أسماؤهم مكسملينا وهو كبيرهم، ثم تمليخا وهو الذي بعثوه لشراء الطعام، ونواس وصدار وبلينوس ومرطيوس وإسبسيانوس.
وقيل في السادس والسابع: كيشرطط ومرطيوس (^٥).
_________________
(١) "وهو" من (أ).
(٢) في (أ): "حق".
(٣) في (ر) و(ف): "أي: قل لهم إنهم"، بدل: "فإنهم".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ١٥٦).
(٥) وقع في هذه الأسماء اختلاف كثير في النسخ والمصادر، وليس في كل ذلك شيء يعتمد عليه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٥٠٥) أن في النطق بأسمائهم اختلافًا كثيرًا، ولا يقع الوثوق من ضبطها. وذكر أبو حيان في "البحر" أن أسماء أصحاب الكهف أعجمية لا تنضبط بشكل ولا نقط، والسند في معرفتها ضعيف. وتقدم كلام القرطبي في ذلك قريبًا.
[ ١٠ / ٥٢ ]
قال عبد (^١) اللَّه بن عمر: وإذا وقع الحريق في موضع فكَتَبْتَ هذه الأسماءَ على قطعةِ رِقٍّ وطرحتَه في النار في الحريق طَفِئَ بإذن اللَّه تعالى (^٢).
وقد روينا عن وهب في أول القصة طريقًا آخر في أسمائهم.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: قال
_________________
(١) في (أ): "عبيد".
(٢) لم أجده عن ابن عمر، ورواه الطبراني في "الأوسط" (٦١١٣)، عقب حديثٍ لابن عباس عن بعض رواة ذلك الحديث، وهو حديث ضعيف، كما تقدم ذلك ضمن خبر ابن وهب الطويل في قصة أصحاب الكهف. وذكر نحو هذا نظام الدين النيسابوري في تفسيره المسمى "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" (٤/ ٤١٢) عن ابن عباس، بل زاد عليه حيث قال: (عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق، تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضَّرَبان وللحمى المثْلِثة والصداع والغنى والجاه، والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل). قلت: وهذا كله لا يصح، كيف ولم يثبت لفظ صحيح لواحد من أسمائهم، ولا اتفق مصدران على رسم فيه، وقال الآلوسي في "روح المعاني" (١٥/ ٢٧٩) بعد نقله لكلام النيسابوري: (ولا يصح ذلك عن ابن عباس ولا عن غيره من السلف الصالح، ولعله شيء افتراه المتزيُّون بزي المشايخ لأخذ الدراهم من النساء وسخفة العقول، وأنا أعد هذا من خواص أسمائهم فإنه صحيح مجرب). وقوله: (وأنا أعد هذا. . .)، يعني: يَعدُّ تسميةَ المخدوعين بأمثال هذه الخرافات بـ (سخفة العقول) هو من خواص أسمائهم، وفيه سخرية بهم ونوع مشاكلة مع ما خدعوا به في أسماء أهل الكهف.
[ ١٠ / ٥٣ ]
الأخفش والكسائي والفراء: أي: إلا أن تقول: إن شاء اللَّه (^١)، وحذف القول ثانيًا تخفيفًا لذكره في صدر الكلام.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾: قال سعيد بن جبير: إذا قلتَ لشيء: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ فنسيتَ أن تقول: إن شاء اللَّه، ثم تذكَّرْتَ فقل: إن شاء اللَّه، وإن كان بعد هذا بيومٍ أو بشهرٍ أو بسنةٍ (^٢).
ومثلُه عن السدي، وقال: ليس هذا في اليمين.
أي: إذا أَطلق الكلام في الوعد بغير يمينٍ، ونسي الاستثناء ثم تذكَّر فاستثنى صار في حقِّ تدارُك النسيان كالوصل، فأما في اليمين فالاستثناء المنفصِل لا يلحقُها ولا يعطلها.
وكان ابن عباس ﵄ يقول: يُحمل هذا على الاستثناء في اليمين، وكان يقول: إذا استثنى ولو بعد حينٍ صحَّ (^٣).
وقال عطاء: هو على الاستثناء في اليمين، ولكن هذا للنبيِّ ﵇ خاصة (^٤).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٣٨)، و"معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٤٢٩).
(٢) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٧٧)، وذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ٥٨٢)، واللفظ له.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٢٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٠٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٧٨٣٣) وصححه. وقال القرطبي في بيانه: هذا في تداركه التبرُّك بالاستثناء للتَّخلُّص عن الإثم، وأما الاستثناء المغيِّر حكمًا فلا يصحُّ إلَّا متَّصلًا. انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٥١). وقال المبرد كما في "البسيط" (١٣/ ٥٨٦): (إن ابن عباس أعلم من أن يسقط حكم الحنث بالاستثناء الذي لا يصله الحالف بيمينه، ولعله قال هذا في الاستثناء من غير يمين كما قال المفسرون، قال: إذا نسي أن يقول: إن شاء اللَّه، ثم ذكر فليقله. فظن بعض الناس أنه يقول ذلك في اليمين، فروى عنه ذلك في اليمين).
(٤) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١١٤٣)، و"الأوسط" (٦٨٧٢)، و"الصغير" (٨٧٦)، عن =
[ ١٠ / ٥٤ ]
وأكثر العلماء على أنه في غير اليمين.
وقال إبراهيم: معنى قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾؛ أي: صلِّ لربِّك إذا (^١) نسيت الصلاة حتى فاتت (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: قال مجاهد: أي: عسى أن يخبرني ربِّي عما سألتُموني قبل غد، فيكون ذلك رشادًا وهذا أرشد منه.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فإنك لا تدري ما أنا صانع ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ بخبرِ ما (^٣) سألتُموني عنه (^٤)، ويبين لكم ولي (^٥) أفضلَ مما سألتموه (^٦).
وقيل: كان مأمورًا أن يقول هذا الكلام أيضًا حين وعدهم بما يفعل غدًا؛ أي: قل: وعدتُكم أن أفعل كذا غدًا، أو أخبرَكم عن كذا إذا أخبرني اللَّه تعالى بذلك، ولو كان الأقربَ إلى الرشاد أن لا أُخبِرَ بذلك هداني إلى ذلك، فليس كلُّ ما أسألُه يجيبُني إلى ذلك، بل يفعل ما يريد، وإذا قال ذلك خرج من الحلف إذا لم يفعل.
_________________
(١) = ابن عباس ﵄. أما عطاء فروى عنه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٧٨) أنه قال: من حلف على يَمِين فله الثنيا حَلَبَ ناقة.
(٢) في (أ): "متى".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ٥٨٦) عن السدي والضحاك، أما إبراهيم فروى عنه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٧٧) قوله: يستثني ما دام في كلامه.
(٤) في (أ): "مما"، وانظر التعليق الآتي.
(٥) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣٠٦)، وفيه: (لخير مما سألتموني عنه).
(٦) في (أ): "أن يخبرني ويبين لي"، بدل: "ويبين لكم ولي".
(٧) في (أ): "التمستموه".
[ ١٠ / ٥٥ ]
وقد بينَّا في أول هذه القصة سبب نزول هذه الآية، واختلفت الروايات في مدة إبطاء الوحي عليه؛ ففي بعضها: خمس عشرة ليلة (^١)، وفي بعضها أربعون ليلة (^٢)، وفي بعضها أيامٌ قليلة، وقال له جبريل ﵇ حين سأله عن إبطاء الوحي (^٣): ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (^٤)، وفي رواية: (قال (^٥): إنَّا لا ندخل بيتًا فيه كلب أو صورة، وكان في البيت جروُ كلبٍ) (^٦).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ نفسَك، فإنَّ ذِكْركَ نفسَك يمنعُك عن استغراقك في شهود مذكورك.
وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، فإن العبد إذا كان ملاحِظًا لذكره كان كغير الذاكر لمذكوره (^٧).
_________________
(١) رواه ابن إسحاق في "السير والمغازي" (ص: ١٩٧)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٤٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٧٠)، من حديث ابن عباس ﵄. وقد تقدم مطولًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥].
(٢) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٣٣٦) عن الضحاك، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٢٣) عن عكرمة.
(٣) في (أ): "عن الإبطاء".
(٤) تقدم ضمن خبر ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. وروى البخاري (٤٧٣١) عن ابن عباسٍ ﵄، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ- لجبريل: "ما يمنعُك أنْ تَزُورَنا أكثرَ مما تَزُورُنا"، فنزلتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤].
(٥) "قال" ليس من (أ).
(٦) رواه مسلم (٢١٠٤) من حديث عائشة ﵂، و(٢١٠٥) من حديث أم سلمة ﵂. ولا علاقة لهذا بقصة أصحاب الكهف.
(٧) في "اللطائف": (كان ذلك آفة ذكره).
[ ١٠ / ٥٦ ]
وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ حظَّك منه.
وقيل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ غيرَ ربِّك (^١).
وقال ذو النُّون: مَن ذكر اللَّه حقيقةً نسي كلَّ شيء، فحَفِظَه اللَّه بكلِّ شيء، وكان له عِوَضًا عن كل شيء.
* * *
(٢٥) - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ثلاثمئةِ﴾ مضافةً غيرَ منوَّنةٍ على طريق قولهم: (ثلاثمئةِ سنة) على الإفراد، والجمعُ أصل، والإفراد اختصارٌ لدلالته على الجمع بما سبق من ذكر العدد، وقرأ الباقون: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ منوَّنةً (^٢) على تقدير التقديم: ولبثوا في كهفهم سنينَ ثلاثَ مئةٍ، فالأول ظرف والثاني ترجمةٌ وبدل، وهو كقول زهير:
وقد كنتُ من سلمى سنينَ ثمانيًا على صِيرِ أمرٍ ما يمرُّ وما يَحلو (^٣)
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٩٠).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٨٩ - ٣٩٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٣).
(٣) انظر: "ديوان زهير" بشرح الأعلم (ص: ١٥)، و"إصلاح المنطق" (ص: ٢٧)، و"غريب الحديث" للحربي (١/ ٩٢)، و"تهذيب اللغة" (١٢/ ١٦١)، و"المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري (٢/ ٣١٤)، و"شرح الشافية" للرضي (٤/ ٢٣٢). ووقع في جميع النسخ: "على صبر" "وما يُحلي"، والمثبت من المصادر، وهو الصواب لأن القصيدة واوية، وقال الرضي: الصِّير بكسر الصاد المهملة: الإشراف على الشيء والقرب منه، يقال: أنا من حاجتي على صير: أي على طرف منها وإشراف من قضائها، وفي "الصحاح": وأمرَّ الشيء: صار مرًّا، وكذلك مَرَّ الشيء يَمَرُّ -بالفتح- مرارة، وأمرَّه غيره ومَرَّه.
[ ١٠ / ٥٧ ]
أي: على إشرافٍ من قضائه.
وقيل: هذا إخبار عن قول أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ فرُدُّوا علمَ ذلك إلى اللَّه تعالى (^١).
قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قيل: تسعَ سنين.
وقيل: هي مبهمةٌ لا ندري أنها سنونَ أو شهورٌ أو أيامٌ أو ساعاتٌ.
وقيل: كانت ثلاثَ مئة سنين شمسية، وازدادت عليها تسعُ سنين قمرية (^٢).
* * *
(٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هو (^٣) مالك غيبهما والعالم به، وهو ما غاب عن حواسِّ الخلق.
وقوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: أي: ما أسمعَه وما أبصَره بخلقه وبما يكون منهم، وهو مبالغةٌ في وصفه بالسمع والبصر.
_________________
(١) في (أ): "ففوضوا علم ذلك إليه". ومعنى هذا القول: أنَّ هذا حكايةُ كلام أهل الكتاب؛ فإنَّهم اختلفوا في مدَّة لبثهم، كما اختلفوا في عددهم؛ فقال بعضهم: ثلاث مئةٍ، وقال بعضهم: ثلاثَ مئة وتسعَ سنين. ويعضده قراءةُ ابن مسعود ﵁: (وقالوا لبثوا)، وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. انظر: "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية. وهذا القول مع قراءة ابن مسعود رواهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٢٩) عن قتادة.
(٢) وقد ذكر لهذا تعليل حسن، وهو: أنهم لبثوا ثلاثَ مئةِ سنةٍ شمسيَّةٍ بحساب الأمم، ولما كان الإخبار هنا للعرب ذُكرت التِّسع؛ إذ المفهوم عندهم من السِّنين القمريَّة، فهذه الزِّيادة هي ما بين الحسابَيْن. قاله ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية.
(٣) "هو" من (أ).
[ ١٠ / ٥٨ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: أي: ما للخلق غيرَه مَن يتولى كفايتَهم.
قوله تعالى ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾: ومِن حُكمه الانفرادُ بعلم الغيب، والعلمُ بمدتهم (^١) عنده، فليس لأحد أن يَحكم فيه بشيء، وبه قال محمد بن إسحاق (^٢).
وقيل -وهو قول مجاهد-: هذا ابتداءُ إخبارٍ من اللَّه تعالى أن لبثهم كان كذلك (^٣)، وهو معنى (^٤) قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾؛ أي: أعلمُ به مِن خلقه الذين يدَّعون علمَ ذلك (^٥) من أهل الكتاب؛ أي: هذا الإخبارُ (^٦) هو الحقُّ الصوابُ، لأن اللَّه تعالى أخبر به، وهو أعلم بذلك وله غيب السماوات والأرض.
وقيل: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يرجع إلى أصحاب الكهف؛ أي: لم يكن لهم على تلك الحالة حافظٌ إلا اللَّه تعالى.
وقيل: يرجع إلى أهل الكتاب؛ أي: ليس لهم مَن يَردُّ عنهم عذاب اللَّه لهم على خلافهم واختلافهم.
وقرأ ابن عامر: ﴿ولا تُشْرِكْ﴾ بتاء المخاطبة والجزم على النهي (^٧)، وهو عطفٌ على قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ ﴿وَقُلْ عَسَى﴾ ﴿ولا تُشركْ في حكمه أحدًا﴾؛
_________________
(١) في (أ): "بعدتهم".
(٢) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣٠٦).
(٣) في (ر) و(ف): "أن لبثتم كان ذلك"، وفي (أ): "أن لبثتم كان كذلك". والصواب المثبت، وهذا القول عن مجاهد رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٢٩).
(٤) في (ر) و(ف): "ومعنى" بدل: "وهو معنى".
(٥) في (أ): "يدعون علمه".
(٦) بعدها في (ر) و(ف): "من اللَّه بل".
(٧) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٣).
[ ١٠ / ٥٩ ]
أي: لا تسأل أحدًا عما أخبرك اللَّه تعالى به عن عدد أصحاب الكهف ومدتهم، فأتى لك (^١) حكم اللَّه فاقتصر عليه.
* * *
(٢٧) - ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: أي: اقرأ واتَّبع القرآن الذي أوحاه اللَّه إليك.
وقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: لا مغيِّرَ لِمَا ذَكر (^٢) فيه، ويدخل في هذه الجملة ما أَخبر به عن أصحاب الكهف مما يختلف فيه أهل الكتاب، وغير ذلك مما أخبر اللَّه تعالى به.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾: ملجأً تَعدِلُ عنه إليه؛ أي: الزَمْ كتابه واعمل به فإنك إن خالفْتَه لم يعصمك من عذابه ملجأٌ.
وقال القشيري: لا تغيير لحُكمه، فمَن أقصاه فلا قبولَ له، ومَن أبعده فلا وصول له، ومَن قبله فلا ردَّ له، ومَن قرَّبه فلا صدَّ له (^٣).
* * *
(٢٨) - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "فإن ذلك" بدل: "فأتى لك".
(٢) "ذكر" من (أ).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٩١).
[ ١٠ / ٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾: ولمَّا أخبر اللَّه بقصة أصحاب الكهف، وكانوا قالوا له: إن أخبرتنا بما سألْنا عنه (^١) صدَّقناك واتَّبعناك، فلما أخبرهم به قالوا: اطرد عنك (^٢) الفقراء والسفلة الذين اجتمعوا عندك نتَّبعْك، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية في نهيه عن ذلك.
وروي عن سلمان الفارسي قال: جاءت المؤلَّفة قلوبهم إلى رسول اللَّه -ﷺ- -عيينةُ بن بدر والأقرعُ بن حابس وذووهم- فقالوا: يا رسول اللَّه، لو جلستَ في صدر المسجد ونفيتَ عنا هؤلاء وأرواحَ جِبَابهم - [يعنون] سلمانَ وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جِبَابُ الصوف، ولم يكن عليهم غيرُها- لجلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ حتى بلغ (^٣): ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ يهدِّدهم (^٤) بالنار، فقام النبي -ﷺ- يلتمِسهم حتى أصابهم في مؤخَّر المسجد يذكرون اللَّه تعالى، فقال: "الحمد للَّه الذي لم يُمِتْني حتى أمرني أن أَصبِرَ نفسي مع رجالٍ من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات" (^٥).
وعن الحسن: أن مشركي العرب كانوا يقولون للنبي -ﷺ-: إن أردتَ أن نجالسك فاطردْ عنا هؤلاء فإنَّا قوم لنا أخطار وأحساب، فأنزل اللَّه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "سألناك".
(٢) "عنك" ليست في (أ).
(٣) في (أ): "إلى قوله".
(٤) في (أ): "فهددهم"، وفي المصادر: (يتهددهم).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٠ - ٢٤١)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٤٥)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٩٧)، وما بين معكوفتين من هذه المصادر.
[ ١٠ / ٦١ ]
وقد ذكرنا طرقًا أخرى في هذا (^١) في سورة الأنعام.
وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾؛ أي: احْبِس نفسك معهم ولا تطردهم بقول المشركين، فهم أحقُّ بمجالستك إذ هم يَدْعون ربهم بالغداة والعشي ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: قاصدينَ التوجُّه (^٢) إليه طالبين رضاه، وقد فسَّرنا الدعاء ومعنى الغداةِ والعشيِّ في سورة الأنعام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: أي: ولا تُجاوِزْ عيناك عنهم إلى أولئك.
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: هو على الحال، وتقديره: تريد التزيُّن والتجمُّل بأولئك الأغنياء الأشراف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾: أي: جعلناه غافلًا عن ذكرنا، ودلَّ هذا على خلقِ اللَّه تعالى أفعال العباد.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أي: عبَد ما استحسَنه من الأصنام بهوَى نفسِه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: قال أهل اللغة: أي: مجاوِزًا فيه الحدَّ، بمعنى المفعول، وهو من الإفراط، وكذلك قال الكلبي: ﴿فُرُطًا﴾؛ أي: إفراطًا كما أَفرط عيينةُ وأصحابه، قالوا: إنَّا رؤوسُ مضرَ إنْ نُسْلِمْ يُسْلِمِ الناس (^٣).
قال أبو عوسجة: ﴿فُرُطًا﴾؛ أي: تفريطًا (^٤)؛ أي: تقصيرًا.
_________________
(١) في (ر): "طرقًا من هذا"، وفي (ف): "طرفًا آخر في هذا".
(٢) في (ر): "التوحيد".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ٦٠١).
(٤) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٧/ ١٦٦).
[ ١٠ / ٦٢ ]
قال القُتَبيُّ: ﴿فُرُطًا﴾؛ أي: سَرَفًا، وأصله: العجلة والسَّبق، يقال: فَرَطَ منه قولٌ قبيح؛ أي: سبَق، وفرسٌ فُرُطٌ؛ أي: متقدِّم (^١).
وقال مجاهد: ضَياعًا (^٢).
وقال قتادة: حَفِظَ ماله وأضاع دِينه (^٣).
وقال خبَّابٌ: ﴿فُرُطًا﴾: هلاكًا (^٤).
وقيل: ندامةً.
وقال أبو مسلم: أي: عجلة (^٥).
وقال محمد بن جرير: وكان أمره في الكِبْر (^٦) واحتقارِ أهل الإيمان سَرَفًا قد جاوز حدَّه (^٧).
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن " لابن قتيبة (ص: ٢٦٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٢).
(٣) في (أ): "يحفظ ماله ويضيع دينه".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٠٢) بلفظ: (سريعًا) وعزاه لابن بحر. وابن بحر هو أبو مسلم نفسه، واسمه محمد بن بحر الأصفهاني، وقد أكثر بعض المفسرين النقل عنه كالماوردي والرازي وأبي حيان، وتارة يسمونه ابن بحر، وتارة أبا مسلم، وهو مفسر معتزلي قال عنه ياقوت في "معجم الأدباء" (٦/ ٢٤٣٨): كان كاتبًا مترسلًا بليغًا متكلمًا جدلًا له "جامع التأويل لمحكم التنزيل" على مذهب المعتزلة، و"الناسخ والمنسوخ"، وكتاب في النحو، وجامع رسائله، مولده سنة (٢٥٤ هـ)، وتوفي سنة (٣٢٢ هـ).
(٦) في (ر) و(ف): "في سرف".
(٧) في (أ): "الحد". وانظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٢٤٣).
[ ١٠ / ٦٣ ]
وقال الصنعاني: أفرط في مسألته، وأحبَّ أن يرتفع عند اللَّه تعالى بغيرِ تقوى (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀ في الآية: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ ولم يقل: قلبك؛ لأن قلبه كان مع الحقِّ، فأمره بصحبة الفقراء جهرًا بجهرٍ، واستخلص قلبه لنفسه سرًّا بسرٍّ.
وقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ لا دنياهم بكرائمها ولا عقباهم بعظائمها (^٢).
وقال: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ لمَّا نظروا بقلوبهم إلى اللَّه ﷿ أمر رسوله بأن لا يرفع بصره عنهم، وهذا جزاؤهم في العاجل، كأنه قال: جعلنا نظرَك إليهم اليوم ذريعة لهم إلينا، وخلفًا عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا، فلا تقطع عنهم اليوم نظرك إليهم فإنَّا لا نمنع غدًا نظرهم إلينا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾؛ أي: شغلناهم فيما لا يعنيهم.
وقيل: أنسيناهم ما فاتهم منَّا حتى لم (^٣) يتحسَّروا على ذلك.
وقالوا: من أمارات الغفلة: طولُ الأمل، وسوءُ العمل، والتعريجُ في أوطان الكسل.
وقيل: هي تزجيةُ الوقت في (^٤) غير قضاء فرضٍ وأداء نفلٍ (^٥).
* * *
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ٦٠١) عن ابن عباس من رواية عطاء.
(٢) في (ر): "لا لدنياهم بكرائمها ولا لعقباهم بعظائمها"، وفي (ف): "لدنياهم بكرائمها ولعقباهم بعظائمها". وفي "اللطائف": (فآويناهم في دنياهم بعظائمنا، وفي عقباهم بكرائمنا).
(٣) في (ر): "لا".
(٤) في (أ): "من".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٩٢ - ٢٩٣).
[ ١٠ / ٦٤ ]
(٢٩) - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: وقلْ لهؤلاء: الحقُّ من ربكم جاء (^١)، وهو الإيمان به، فلا ينبغي أن يُنظَر ضعفُ أهله وفقرُهم، بل يُعرَف هو بنفسه لا بأهله.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾: أي: فقد بان الحقُّ فليَختَرِ امرؤٌ (^٢) لنفسه ما يشاء من الإيمان به والكفر به، على علمٍ بأن مَن كفر فجزاؤه ما ذكرناه في هذه الآية، ومَن آمن فجزاؤه ما ذكرناه في الآية التي بعدها، وهذا صيغتُه صيغةُ أمرٍ وفي الحقيقة هو أشدُّ تهديدًا وأبلغ زجرًا.
وقيل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو الأمر بالصبر مع هؤلاء.
وقيل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو الوعد والوعيد المذكوران في هذه الآية والتي بعدها.
وعن ابن عباس ﵄ قال: معناه: مَن شاء اللَّه له الإيمانَ آمن، ومَن شاء اللَّه له الكفرَ كفَر، وهو كقولِه تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] (^٣).
وقولُه: ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ على هذا صيغةُ أمرٍ بمعنى الخبر؛ كما روي: "إذا لم تستَحْيِ فاصنعْ ما شئتَ" (^٤)؛ أي: صنعتَ ما شئتَ.
_________________
(١) "أي وقل لهؤلاء الحق من ربكم جاء" من (أ).
(٢) في (أ): "أمرًا".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٤).
(٤) رواه البخاري (٣٤٨٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١٠ / ٦٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾: أي: هيَّأنا لمن ظلم نفسَه فكفَر نارًا، وهي الجحيم.
﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾: هو ما أحاط بالبناء من الستر والحائط ونحوِ ذلك، أَخبر أن للنار شبَهًا بذلك يحيط بهم من كلِّ وجهٍ؛ أي: لا مخلص لهم منها ولا مخرج، ولا فُرجة يتفرَّجون بالنظر إلى ما وراءها.
وقال ابن عباس ﵄: هو حائط من نار (^١).
وقال الكلبي: هو عنق يخرج من النار فيحيط بهم كالحظيرة (^٢).
وروى معمر عن الكلبي: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾: أي: من العطش ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ قال ابن مسعود ﵁: هو كلُّ شيء أُذيب حتى ماع.
وقال مجاهد: هو القيح والدمُ الأسود.
وقال ابن عباس: هو ماء غليظ كدُرْديِّ الزيت.
وقال سعيد بن جبير: هو الذي انتهى حرُّه (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٦).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٦٧).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٧٦) و(٣٤٤٥). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٦) من طريق معمر عمن حدثه.
(٤) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٨ - ٢٥٠). ودردي الزيت: عكره وما يستقر منه في قعر الإناء. انظر: "حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي" (٦/ ٩٨).
[ ١٠ / ٦٦ ]
وقال أبو أمامة الباهليُّ عن النبيِّ ﵇ قال: "يُقرَّب إليه فيكرهه، فإذا أُدني منه شَوَى وجهه ووقعت فروةُ رأسه، فإذا شرب قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول اللَّه تعالى ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ " (^١).
وقوله تعالى: ﴿يُغَاثُوا﴾؛ أي: يؤتَوا بماءٍ كالمهل مكانَ ما يغاث به المستغيث (^٢) من العطش، وهو مجازٌ كقول الشاعر:
تحيةُ بينِهم ضربٌ وجيعُ (^٣)
وكقول آخر:
ليس بيني وبين قيسٍ عتابٌ غيرَ طعنِ الكُلَى وضربِ الرِّقابِ (^٤)
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾: أي: هذا المهلُ بئس الشرابُ (^٥).
﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾: أي: ساءت النارُ مجتمَعًا للرُّفقة، لأن قرناءهم الشياطينُ والكفار الملاعين.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥٨٣) وقال: حديث غريب.
(٢) في (ف): "كالمستغيث".
(٣) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب. انظر: "الكتاب" (٣/ ٥٠)، و"النوادر" لأبي زيد (ص: ١٥٠)، و"الخزانة" (٩/ ٢٦٥)، وقال البغدادي: ولم أره في شعره. وصدره: وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيلٍ
(٤) البيت لعمرو بن الأيهم التغلبي. انظر: "الكتاب" (٢/ ٣٢٣)، و"الوحشيات" لأبي تمام (ص: ٤٢)، و"المقتضب" (٤/ ٤١٣)، و"تفسير الطبري" (٢/ ١٥٩)، و"ربيع الأبرار" للزمخشري (٣/ ٣٣٣).
(٥) "بئس الشراب" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٠ / ٦٧ ]
قال مجاهد: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾: مجتمَعًا (^١).
وقال أبو عبيدةَ: متكَأً، من الرفق؛ قال أبو ذؤيب:
بات الخليُّ وبتُّ الليلَ مرتفِقًا كأن عينيَ فيها الصَّابُ مذبوحُ (^٢)
وهو مجازٌ، كأنه قال: بئس موضعُ طلبِ الراحة؛ كما قال: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢].
وقيل: هو من الاررتفاق الذي (^٣) هو الانتفاعُ، والمرتفَق: موضع الانتفاع، وهو مجازٌ أيضًا؛ كأنهم طلبوا الشراب لينتفعوا به ويُبرِّدوا ظمأهم فسُقوا هذا مكانَ ما طَلبوا.
* * *
(٣٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قيل: جوابه ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ بالهاء العائدة، واعتَرض بينهما: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
وقيل: جوابه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: لكن يُضْمر فيه: منهم؛ أي: مَن أَحسنَ منهم، فتعود الهاء إلى المبتدأ.
وقيل: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ بدلٌ عن المبتدأ الأول، والجواب له، فيكون جوابًا للأول تقديرًا (^٤)، وهو كقول الشاعر:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٥٣).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٤٠٠)، و"تفسير الطبري" (١٥/ ٢٥٣)، و"الكشاف" (٢/ ٦١٩)، وهو في "ديوان الهذليين" (١/ ١٠٤) برواية: "مشتجرًا". الخلي: الذي لا هم له، والصاب: شجرة مرة لها لبن يحرق العين إذا أصابها، والمذبوح: المشقوق.
(٣) في (أ): "أي".
(٤) "تقديرًا" ليست في (أ).
[ ١٠ / ٦٨ ]
إنَّ الخليفة إنَّ اللَّه سَرْبَلَه سربالَ مُلْكٍ به تُرجَى الخواتيمُ (^٥)
يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: بالحقِّ الذي جاءهم من ربهم.
* * *
(٣١) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أي: إقامةٍ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: تحت قصورهم وأشجارهم وسُرُرهم، وقيل: بأمرهم.
وقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾: أي: في الجنان.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: جمع سوارٍ؛ يقال: سِوَار، ويجمع: أَسْوِرة، ويجمع الأسورة: الأساور، وهي حليةٌ تلبس في اليد.
وقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: السُّندس: ما رقَّ من الديباج، والإستبرق: ما غَلُظَ منه، وأصله فارسيٌّ معرَّبُ استَبْرَه، قال المرقِّش:
ترَاهُنَّ يَلْبَسْنَ المشاعرَ مرَّةً وإستبرَقُ الدِّيباجِ طورًا لباسُها (^٦)
وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: نصبٌ على الحال ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في جنات عدن.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السرير في الحَجَلة (^٧)،
_________________
(١) البيت لجرير، وهو في "ديوانه" (بشرح محمد بن حبيب) (٢/ ٦٧٢).
(٢) البيت في "تفسير الطبري" (١٥/ ٢٥٥)، و"النكت والعيون" (٣/ ٣٠٥)، و"البسيط" للواحدي (١٣/ ٦١٤)، و"شمس العلوم" لنشوان الحميري (٥/ ٣٢٢٨).
(٣) الحجلة: ساتر كالقبة يزين بالثياب والستور للعروس. انظر: "المعجم الوسيط" (مادة: حجل).
[ ١٠ / ٦٩ ]
لا يسمَّى أريكةً إلا أن يكون كذلك، والحجلة: السِّتر والكِلَّة (^١).
وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾: أي: الجزاء ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾؛ أي: وحسُنت الجنة مجتمَعًا للرفقاء، كما قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
وقيل: وحسُنتِ الأرائك متكأً، كما مر (^٢).
وقال القشيري ﵀: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: مَن خَطَا خطوةً إلينا وجَد حظوةً لدينا، مَن نقل إلينا قَدَمه غفرنا له ما قدَّمه، مَن التجأ إلى سُدَّة (^٣) كرمنا آويناه إلى ظلِّ نِعمنا، مَن شكا فينا قليلًا (^٤) مهَدنا له في دارِ (^٥) فضلنا مَقيلًا.
وقال (^٦): ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾؛ أي: غاب عن رؤية إحسانه.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: هم أصحاب الجنان في رغدِ العيش، وسعادةِ الجَدِّ، وكمالِ الرِّفد، يلبسون حُلل الوُصلة، ويتوَّجون بتاج القُربة، ويحلَّون بحُليِّ المباسَطة، يتَّكئون (^٧) على الأرائك الرَّوح (^٨)، ويشمُّون رياحين الأُنس، يقيمون في حِجال الزُّلفة (^٩)، يُسقون شراب المحبة، يأخذون بيد الزُّلفة ما يُتحفهم الحق [به]
_________________
(١) الكلة: الستر الرقيق، وغشاء رقيق يتوقى به من البعوض. انظر: "القاموس" (مادة: كلل).
(٢) "كما مر" ليس في (أ).
(٣) "سدة" زيادة من (أ) و(ف).
(٤) في (أ) و(ف): "غليلًا".
(٥) في (أ) و(ر): "دري"، وفي (ف): "ذوي". والمثبت من "اللطائف".
(٦) في (ف): "قوله تعالى".
(٧) في (ف) و(ر): "متكئون"، وفي "اللطائف": (ويتكئون).
(٨) "الروح" ليست في "اللطائف".
(٩) في (ر) و(ف): "الرفعة"، وفي مطبوع "اللطائف": (مجال الزلفة).
[ ١٠ / ٧٠ ]
من غير واسطة، يسقيهم (^١) شرابًا طهورًا يطهِّر قلوبهم عن محبة كلِّ مخلوق، نِعْمَ الثوابُ ثوابُهم، ونِعْمَ الربُّ ربُّهم، ونِعْمَ الدارُ دارُهم، ونِعْمَ الجارُ جارُهم، ونِعْمَ الحالُ حالُهم (^٢).
* * *
(٣٢) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾: هذا (^٣) تأكيدُ ما سبق من النهي عن تركِ الإقبال على ضعفاء المؤمنين، والتجاوُزِ عنهم إلى أقوياء المشركين، وتعليمٌ للناس صحبةَ أهل الخير والدِّين.
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾؛ أي: صِفْ يا محمد شَبَهًا ﴿رَجُلَيْنِ﴾ ترجمةٌ عن قوله: ﴿مَثَلًا﴾، وكانا أخوين أحدهما مسلم والآخر كافر.
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾: وهو الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾؛ أي: بستانَين فيهما أعناب ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾؛ أي: كان يحيط بهما نخل.
وقال أبو عبيدة: أي: أَطَفناهما من جوانبهما (^٤)، وهو من قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ أي: محيطين به، والحِفَاف: جانب الشيء، وحفَّ به القوم؛ أي: صاروا في أَحْفِيَة جمع حِفَافٍ، ودل على فضل العِنب
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فسقاهم ربهم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٩٤ - ٢٩٥)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في (أ): "هو".
(٤) في (ف): "أتحفناهما من جوانبهما"، وفي (ر): "أتحفناهما من حوافهما". والمثبت من (أ)، وانظر: "مجاز القرآن" (١/ ٤٠٢)، وفيه: (أطفناهما وحجزناهما من جوانبهما).
[ ١٠ / ٧١ ]
على الرُّطَب، حيث جعل النخل محيطةً بها، والمحاطُ به هو المقصود والأصل (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾: أي: بين الجنتين أرضًا مزروعة.
* * *
(٣٣) - ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾: أي: كلُّ واحدة منهما ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾: أي: أعطت ثمرها، ويجوز في الكلام: آتتا أكلهما، وهو ككلمة (كلّ) تضاف إلى الجمع فيُفرد فعلُها ويجمع، قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: أي: لم تنقص من الأكُل شيئًا؛ أي: الثمر.
وقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾: أي: سيَّلنا ﴿خِلَالَهُمَا﴾: بينهما ﴿نَهَرًا﴾؛ أي: نهرًا كبيرًا، ويجوز أن يكون بمعنى الأنهار ووُحِّد لأن السواقيَ تتشعَّب من نهرٍ كبيرٍ واحد.
وقرأ يعقوب: ﴿وفجَرنا﴾ بالتخفيف (^٢)؛ لأن النهر واحد، والباقون بالتشديد لِمَا قلنا.
* * *
(٣٤) - ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾: قرأ أبو عمرٍو بضم الثاء وتسكين الميم، وقرأ عاصم بفتح الثاء والميم، وقرأ الباقون بضم الثاء والميم (^٣).
_________________
(١) في (أ): "مقصوده وأصله" بدل: "هو المقصود والأصل".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٣).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٣).
[ ١٠ / ٧٢ ]
فمَن فتحهما: فهو الثمر المعروف الذي يكون على الشجر، ويجوز أن يكون جمعَ ثمرة كالشجر جمع شجرة ﴿وَكَانَ لَهُ﴾؛ أي: لهذا الكافر في جنته كلُّ ثَمَرٍ.
وأما الضم: فقد قال الكسائي: هو جمعُ جمعٍ، يقال: ثمرةٌ وثمارٌ وثُمُرٌ، وهو كالحمار والحمُر، ثم يخفَّف ويثقَّل كما في الكتب (^١).
وقال غيره: ويجوز أن يكون بالضم جمعًا للثَّمَر بالفتح؛ كالخَشَب والخُشُب، وبالسكون كالأَسَد والأُسْد.
وقيل: (الثُّمُر) بالضم هو المال المثمَّر.
وقال مجاهد والسديُّ وقتادة: أي: كان له الذهب والفضة وكلُّ مالٍ، وكذا كان ابن عباس ﵄ يقرأ بالضم ويقول: هذا (^٢) أنواع المال (^٣).
وقال أبو عمرٍو: الثُّمْر: المال والولد، وأنشد للحارث بن حلِّزة:
ولقد رأيتُ معاشرًا قد ثمَّروا مالًا ووُلْدًا (^٤)
وقال النابغة:
مهلًا فداءٍ لك الأقوامُ كلُّهم وما أثمِّرُ من مالٍ ومن ولدِ (^٥)
_________________
(١) يعني: يخفف بالتسكين ويثقل بالضم، والمعنى واحد.
(٢) في (أ): "هو".
(٣) روى هذه الأقوال -عدا قول السدي- الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
(٤) البيت في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٧٣)، و"الوحشيات" (ص: ١٦٤)، و"تفسير الطبري" (١٥/ ٦١٩)، و"النكت والعيون" (٣/ ٣٨٧)، و"البسيط" للواحدي (١٤/ ٣١١)، وقد أوردته كتب التفسير شاهدًا على قراءة: (وَوُلْدا)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧].
(٥) البيت في "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١/ ١٦٥)، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي (ص: ٣٢٠)، =
[ ١٠ / ٧٣ ]
فحملتْه كثرةُ المال على الطغيان
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾: أي: لأخيه المسلم ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾؛ أي: يراجعه الكلامَ، والحَورُ: الرجوع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى﴾ [الانشقاق: ١٤ - ١٥].
وقوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: أي: أمنعُ أصحابًا، والنَّفَر: عشيرةُ الرجل وأصحابُه الذين يقومون بالذبِّ عنه، ويَنفِرون إلى عدوِّه الذي يقصده.
* * *
(٣٥) - ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾.
﴿وَدَخَلَ﴾: أي: هذا الكافر ﴿جَنَّتَهُ﴾؛ أي: بستانَه ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ استعان بنِعم اللَّه على الكفر به وجحودِ قدرته على البعث.
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾: أي: ما أحسبُ أن هذه الجنة تهلكُ قطُّ.
وقيل: ﴿هَذِهِ﴾ إشارةٌ إلى الدنيا ﴿أَنْ تَبِيدَ﴾؛ أي: تفنَى هذه الدنيا ﴿أَبَدًا﴾.
* * *
(٣٦) - ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: أي: ولا أحسب البعث وما تَذكُر من الحساب والثواب والعقاب مما يكون.
_________________
(١) = و"المقصور والممدود" للقالي (ص: ٤٤٧)، و"الصحاح" (مادة: فدى)، و"خزانة الأدب" للبغدادي (٦/ ١٨١) وفيه عن أبي عليٍّ قوله في "المسائل المنثورة": بُني (فداءٍ) على الكسر لأنه قد تضمَّن معنى الحرف وهو لامُ الأمر؛ لأن التَّقدير: ليفدك الأقوام كلهم، فلمَّا كان بمعناه بني، وبني على الكسر لأنه وقع للأَمْر والأمرُ إذا حرِّك تحرَّك إلى الكسر، ونوَّنوه لأنه نكرة.
[ ١٠ / ٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾: ولئن كان الأمر كما تصف أنه كائن ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾؛ أي: منصَرَفًا، يعني: يعطيني اللَّه تعالى في الآخرة أفضلَ من هاتين الجنتين.
قيل (^١): ظنَّ أنه أُوتي الدنيا بمحلٍّ له عند اللَّه، فكذلك يؤتى في الآخرة كذلك (^٢).
وقيل: ظنَّ أنه كما تهيَّأ له أن يكتسب ما اتَّخذ به هذه الجنة في الدنيا، يتهيَّأ له ذلك في الآخرة. والأول أوجهُ.
دلَّ هذا على أنه كان شاكًّا في البعث، والشاكُّ في البعث كافرٌ كالقاطع بنفيه، وكذلك في كلِّ ما يعتقد، وفي مصاحف أهل الحرمين: ﴿خَيْرًا مِنْهَا﴾ (^٣) رجوعًا إلى الجنتين، وقراءة العامة: ﴿مِنْهَا﴾ مهو رجوعًا إلى قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، ويحتمِل أنهما كانتا جنتين متَّصلتين، فيصح أن تسمَّى جنةً وتسمَّى جنتين.
* * *
(٣٧) - ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾؛ أي: أخوه المؤمن (^٤) ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾؛ أي: خلق آدم الذي هو أصلُك من تراب.
_________________
(١) "قيل" من (أ).
(٢) "كذلك" ليست في (ف).
(٣) قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر. انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٣).
(٤) في (أ): "المسلم".
[ ١٠ / ٧٥ ]
﴿ثُمَّ﴾ خلقك (^١) ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: أبيك ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾؛ أي: جعَلَك (^٢) من النطفة مع مهانتها وضعفها رجلًا سويًّا بنقله إياك من النطفة إلى العلَقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظم، ثم كساك (^٣) لحمًا، ونفخ فيك الروح فأخرجك من المواتيَّة إلى الحيوانيَّة (^٤)، ثم من الطفولية إلى أن صرتَ رجلًا.
فاحتج المؤمن على الكافر بهذا، وأراد به أن ما أقرَّ به من قدرة اللَّه تعالى هو أعجبُ وأبدع مما أنكره من البعث والإعادة.
قال الكلبيُّ: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾؛ أي: يجادلُه؛ كما قال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١].
وقال الصَّنعاني: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾: يسأله عن ماله وفيما أنفقه، وهو يقول: أنفقتُه في طاعة اللَّه رجاءَ ثوابه (^٥).
* * *
(٣٨) - ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾: قرأ نافع في رواية المسيَّبيِّ وابنُ عامر: ﴿لَكِنَّا﴾ (^٦).
_________________
(١) "خلقك" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (ر) و(ف): "خلقك".
(٣) في (ر) و(ف): "سواك".
(٤) في (ف): "الحيوتية".
(٥) في (أ): "ثواب اللَّه".
(٦) يعني: بإثبات الألف في الوصل، وفي الوقف جميع السبعة يقرؤونها بإثبات الألف. انظر: "السبعة" (ص: ٣٩١)، و"التيسير" (ص: ١٤٣). ورواية المسيَّبي عن نافع لم يذكرها الداني. والمسيبي هو إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن المسيَّب، إمام جليل عالم بالحديث، قيم في قراءة =
[ ١٠ / ٧٦ ]
وروى ورشٌ عن نافعٍ بغير ألف في الوصل كقراءة سائر القراء السبعة، ولم يختلفوا في الوقف أنه بالألف، وأصله: لكنْ أنا، تُركت همزةُ (أنا) فالتقت نونان، فأدغمت إحداهما -وهي الأولى- في الأخرى وحذفت الألف الأخيرة كما حذفت في التكلُّم، فإنك تقول: أنا، فلا تتكلم بالأخيرة (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾: أي: الذي خلقني من ترابٍ ثم من نطفةٍ ثم سوَّاني رجلًا هو اللَّه ربي يصرِّفني كيف يشاء، إن شاء أغناني وإن شاء أفقرني.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾: أي: لا أرى الفقرَ والغنى إلا منه، ولا أراه من نفسي ولا من غيري من خلقه، ويحتمِل أن أخاه الكافرَ كان عابدَ صنمٍ، فنفَى عن نفسه ذلك.
* * *
(٣٩) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا﴾: أي: هلا ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ إذ دخلت بستانك (^٢):
﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: وله إضمار في أوله وآخره، أما في آخره: ما شاء اللَّه كان، وأما في أوله: هذا ما شاء اللَّه؛ أي: حصل هذا بمشيئة اللَّه، و﴿مَا﴾ هاهنا بمعنى الذي.
وقوله تعالى: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: أي: ما قدرتَ على تحصيله إلا بعون اللَّه.
_________________
(١) = نافع ضابط لها، قرأ على نافع وغيره. انظر: "طبقات القراء" لابن الجزري (١/ ١٥٧).
(٢) في (أ): "فلا تتكلم بالألف الآخرة".
(٣) في (أ): "جنتك".
[ ١٠ / ٧٧ ]
وروى أنس عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن رأى شيئًا يعجبُه فقال: ما شاء اللَّه لا قوةَ إلا باللَّه، لم يضرَّه" (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾: ﴿أَنَا﴾ عمادٌ للنون في (تَرَن) (^٢)، ومحلُّه نصبٌ لأنه مفعولٌ، و﴿أَقَلَّ﴾ مفعولٌ ثانٍ، وقوله تعالى: ﴿وَوَلَدًا﴾ دليلٌ على أن المراد من قولِ أخيه: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾؛ أي: أعوانًا من الأولاد وغيرهم.
* * *
(٤٠) - ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾.
يقول: إن كنتَ تراني الآن أقلَّ ما لًا وولدًا وأنصارًا منك في الدنيا الفانية ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الآخرة الباقية، ويحتمِل: في الدنيا؛ أي: يعطيني كما أعطاك.
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾: أي: على جنتك ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: عذابًا.
وأصل الحسبان: المرامي (^٣) والنَّبلُ الصِّغار، وكأنه قال: سهامًا من السماء، سُمِّيت حُسبانًا لأنها نَبلٌ معدودةٌ محسوبة تجمع فتُرمَى بمرَّة.
_________________
(١) رواه البزار في "مسنده" (٣٠٥٥)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٢٠٧)، من حديث أنس ﵁، وفي إسناده أبو بكر الهذلي وهو ضعيف جدًا كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ١٠٩).
(٢) في (ر): "تر".
(٣) في (ر): "المرمي"، وسقطت من (ف) مع الواو بعدها.
[ ١٠ / ٧٨ ]
قال ابن عباس وقتادة: ﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: عذابًا (^١).
وقيل: نارًا تُحرقها. وقال السدِّي: بردًا.
وقال الزجَّاج: ﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: عذابًا هو حسبانُ ما كسبتْ يداك؛ لأن الحسبان هو الحساب (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾: أملسَ لا نبت عليها، والصعيد: وجه الأرض، والزَّلَق: الذي تَزِلُّ عليه القدم لملوسته، و(تُصبح) دليلٌ على أن الحسبان يأتي ليلًا (^٣)، وهو كقوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٩ - ٢٠].
* * *
(٤١) - ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾: أي: غائرًا في الأرض فتيبسَ (^٤) ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾: أي: لا تقدر أن تطلبه فتردَّه إلى موضعه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾: تحقَّق ما ظنه الأخ المسلم، واجتيحت ثمار
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٦٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٨٩).
(٣) في (أ): "بالليل".
(٤) في (أ): "فيبس" وليست في (ف).
[ ١٠ / ٧٩ ]
جنَّته (^١) ليلًا؛ أي: استؤصلت بآفة، وقيل: أُهلك ماله كلُّه: الجنانُ وغيرُ ذلك من أمواله (^٢).
قال مجاهد: بثمره من ذهبٍ وفضةٍ وكلِّ شيء يملكه (^٣).
وقال الضحاك: أحاط به أمر اللَّه فهلك.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾: أي: إحداهما على الأخرى، يعني: الكافر.
وقال قتادةُ: يَصْفقُ كفيه ندَمًا (^٤).
﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾: أي: في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: قال الكلبيُّ: أي: ساقطةٌ على سقوفها، وذلك أنه يقع الحيطان أولًا قبل السقف، ثم يقع السقف على الحيطان، والخَواء: السقوط؛ قال تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].
وقال السدِّي: ساقطةٌ على سقوفها (^٥)؛ أي: سقطت الأشجار على السُّقُف (^٦).
وقال أبو عبيدةَ: أي: خاليةٌ على بيوتها (^٧)، فالخواء (^٨): الخلاء، والعُروش البيت.
_________________
(١) في (ف): "وأجيب ما رجيه"، وفي (ر): "وأحسب بما رجيته"، بدل: "واجتيحت ثمار جنته".
(٢) في (أ): "ماله".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٥٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٦٨).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٨٦).
(٦) في (أ): "السقوف".
(٧) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٤٠٥).
(٨) في (ر): "فالخوى".
[ ١٠ / ٨٠ ]
وقال الخليل: خَوَتِ الدار: أي: باد (^١) أهلها وهي قائمةٌ بلا عامرٍ (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾: أي: لمَّا رأى قدرة اللَّه تعالى ندم على شركه.
وقيل: معناه: ليتني رأيت هذه النعمَ من اللَّه، وبقوَّته لا بقوتي.
* * *
(٤٣) - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾: أي: لهذا الكافر فرقةٌ يرجع إليهم ويلتجئُ بهم.
﴿يَنْصُرُونَهُ﴾: أي: يمنعون عنه عذاب اللَّه ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: من المخلوقين، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: غيرِ اللَّه؛ أي: لا نصرة إلا منه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾: أي: لم ينصره غيرُه، ولا انتصَر بنفسه (^٣).
وقيل: لم يكن له ناصرٌ فينتصِرَ بنُصرته.
وفي قراءة حمزة والكسائي: ﴿ولم يكن له فئة﴾ بياء التذكير؛ لتقدُّم الفعل ولوجود الحائل، وفي قراءة الباقين بتاء التأنيث لأنه فعل الفئة (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ف): "أي مات"، وفي (ر): "إذا مات".
(٢) انظر: "العين" (٤/ ٣٢٨).
(٣) في (ف): "ولا ينصر بنفسه"، وفي (ر): "ولا ينصر نفسه".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٢)، و"التيسير" (ص: ١٤٣).
[ ١٠ / ٨١ ]
(٤٤) - ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾: قرأ حمزة: ﴿الوِلاية﴾ بكسر الواو والباقون بفتحها (^١)، وهما (^٢) لغتان كالرَّضاعة والرِّضاعة؛ قاله الفراء (^٣).
وقيل: بالكسر: السَّلطنة، وهي مصدرُ الوالي، وبالفتح: مصدرُ الوليِّ.
ومعنى الفتح؛ أي: في مثلِ ذلك الوقت والمقام، فإن هنالك لهما جميعًا تكون الموالاةُ للَّه (^٤)، يوالي أولياءه ويُعليهِم على أعدائه.
وقيل: أي: يتولَّى إعزازَهم ونصرهم، ويَكِلُ الكفارَ إلى أنفسهم وأعوانهم.
وقيل: أي: هنالك يتولَّى العبدُ اللَّهَ (^٥)، فيرجعُ إليه ويعتصِم به دون خلقه.
ومعنى الكسر: هنالك المُلك والسلطان والقهر والغلبة ونفاذ الأمر له وحده.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿الحقُّ﴾ رفعًا صفةٌ للولاية، وقرأ الباقون خفضًا صفةٌ للَّه ﷿ (^٦)، قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾: أي: في الآخرة لمن آمَن به والتجأ إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾: أي: عاقبةً لمن رجاه وعَمِل لوجهه.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٢)، و"التيسير" (ص: ١٤٣)، عن حمزة والكسائي.
(٢) في (أ): "قيل".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤١٩) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].
(٤) في (ر) و(ف): "تكون الولاية للَّه جميعًا".
(٥) في (ر) و(ف): "إليه".
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٢)، و"التيسير" (ص: ١٤٣).
[ ١٠ / ٨٢ ]
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي: ﴿عُقْبًا﴾ مثقَّلةً، وقرأ عاصم وحمزة: ﴿عُقْبًا﴾ مخفَّفةً (^١)، وهما لغتان كالشُّغْل والشُّغُل.
وقيل: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامة وجزاءِ الأخوين فيه.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: بلغَنا أنهما كانا أخوين ورِثا مالًا، فأصاب كلّ واحد منهما أربعةَ آلاف دينار، فأما أحدهما فاتَّخذ بها الأرضِينَ والدُّورَ والبساتين، وأما الآخر فأعطَى ماله في (^٢) اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلما نفدَ ماله واحتاج إلى أخيه تعرَّض له يسألُه، فقال له أخوه: وأين مالك؟ فقال: أقرَضْتُه ربي وقدَّمْتُه لنفسي، قال: ولكنِّي اتخذتُ به لولدي ونفسي، ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ و﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ وولدًا ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، فكان بينهما ما قصَّه اللَّه تعالى في كتابه، وهما الرجلان اللذان ذكرهما اللَّه تعالى في الصافات: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥١ - ٥٢] (^٣).
وروي أنهما كانا في بني إسرائيل (^٤).
وقيل: كانا ابني ملك في بني إسرائيل.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٢)، و"التيسير" (ص: ١٤٣)، وقراءة ابن عامر بالتثقيل؛ أي: ضم القاف.
(٢) "في" من (أ).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٨٤) و(٣/ ٦٠٧)، و"تفسير يحيى بن سلام" (١/ ١٨٥)، و"تفسير أبي الليث" (٢/ ٣٤٦)، و"تفسير ابن أبي زمنين" (٣/ ٦٢)، و"الهداية" لمكي (٦/ ٤٣٧٨)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٦٩). وروى الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٦٩ - ١٧٠) هذه القصة مع زيادات عليها عن عطاء الخراساني.
(٤) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (٢/ ٣٤٦) عن ابن مسعود ﵁.
[ ١٠ / ٨٣ ]
وقيل: ضرب اللَّه مثلًا لرجلين أخوين من أهل مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمنٌ (^١) وهو أبو سلمة بن عبد الأسد بن عبد ياليل، واسمه: عبد اللَّه، وكان (^٢) زوجَ أم سلمة قبل النبيِّ -ﷺ-، والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل، برجلين من بني إسرائيل أخوين (^٣) أحدهما مؤمن والآخر كافر.
قال ابن عباس ﵄: المؤمن منهما يهوذا والكافر قطروس (^٤)، وسياق القصة على ما مر.
* * *
(٤٥) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يتَّصل بما تقدم من قصة المشركينَ المتكبرين على فقراء المؤمنين.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾؛ أي: وبيِّن لهم يا محمد ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ شَبَهَ الحياة الدنيا التي يفتخرون بها ويترفَّعون بها على فقراء المؤمنين ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: أي: هي كمطرٍ أنزلناه من السحاب (^٥) ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ
_________________
(١) في (ف): "مسلم".
(٢) في (ف): "وهو".
(٣) "أخوين" ليس من (أ).
(٤) في (ر) و(ف): "مطروس". وذكره عن ابن عباس أبو الليث في "تفسيره" (٢/ ٣٤٦)، وفيه: أبو قطروس.
(٥) في (ر) و(ف): "السماء".
[ ١٠ / ٨٤ ]
الْأَرْضِ﴾؛ أي: سقَى المطرُ النبات فالتزَق به فربَا (^١) النباتُ واهتزَّ وحَسُنَ منظرُه، ثم انقطعت المادةُ من ذلك المطر عنه فيبس ثم تفتَّت.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾: أي: صار مهشومًا مكسورًا مفتَّتًا.
وقوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾: تقلِّبه وتطيِّره (^٢) وترميه، وقد ذَرَتْه الريحُ تَذْروه ذَرْوًا، وذَرَّتْه تَذْريَةً، وأَذْرَتْه تُذْرِيهِ إذْراءً.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾: يُنشئه ويُنميه إذا شاء، ثم يفتِّته ويكسره إذا شاء، يعني: ما ينال الإنسانُ من هذه الدنيا من عزِّها وغَنائها زائلٌ عن قريبٍ؛ كهذا (^٣) النباتِ الحسن الذي يَرُوق ثم يَفنى ويزول، فما ينبغي للعاقل أن يثق ويفتخرَ بها ويتكبَّر بنَيلها (^٤).
وفي قوله: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ وجهٌ آخر: وهو أن اختلاط النبات التفافُه وكثافتُه؛ أي: الْتفَّ النبات وكثُف ﴿بِهِ﴾؛ أي: بسببه.
ووجهٌ آخرُ: وهو أن الاختلاط اختلافُ الألوان من أبيضَ وأحمرَ وأصفرَ وأخضر، وهو كقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥].
وتتصل هذه الآية بما قبلها من وجه آخر: وهو أن ذلك الأخ الكافر قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ فبيَّن أنها تصير هشيمًا، فكذا سائر الدنيا.
_________________
(١) في (أ): "فربرب".
(٢) في (ف): "نقلته وطيرته".
(٣) في (ف): "هكذا".
(٤) في (ف): "أن يثق ويتكبر بنيلها"، وفي (ر): "أن يثق ولا يكترث بها".
[ ١٠ / ٨٥ ]
(٤٦) - ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: تَتزيَّن بها وتَتجمَّل مدةً قليلة، ثم تزول وتنقضي.
وقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: أي: أعمالُ الخير هي باقياتٌ لبقاء أجرها ونفعها، وصالحاتٌ لانتفاء الفساد عنها.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾: أي: ثوابُها وما يؤمَّل بها خير من المال والبنين.
وعن ابن عباس ﵄ وابن مسعود ومحمد بن كعب وسعيد بن جبير ومسروق وعمرو بن شرحبيل: هن الصلوات الخمس، وهن الحسنات يذهبن السيئات (^١).
وقال سعيد بن جبير: الباقيات الصالحات هن: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والحج إلى الحج.
وقال ابن عباس في رواية -وهو قولُ عثمان بن عفَّان وابنِ عمر ومجاهدٍ وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيِّب ﵃-: هن سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه (^٢).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٥٨)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، عن ابن عباس، وزاد في "الدر المنثور" (٤/ ٤١٨) عزوه للفريابي وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٧٤ - ٢٧٥) عن سعيد بن جبير وعمرو بن شرحبيل وإبراهيم وأبي ميسرة. وذكره الواحدي في "البسيط" (١٤/ ٣٥) عن مسروق ومحمد بن كعب. وروي عن محمد بن كعب خلافه. انظر التعليق الآتي.
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٧٥ - ٢٧٩)، وزاد الحسن وقتادة ومحمد بن كعب.
[ ١٠ / ٨٦ ]
وعن النبيِّ -ﷺ- في طرق كثيرة أنه فسرها بذلك، فمنها ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "استكثِروا من الباقيات الصالحات" قيل: وما هن يا رسول اللَّه؟ قال: "التسبيحُ والتحميدُ والتهليلُ والتكبيرُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّه" (^١).
ومنها: ما روى (^٢) أنس ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال لأصحابه يومًا: "خذوا جنَّتكم من النار وقولوا: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، هن المعقِّبات، وهن المنجِيات، وهنَّ سراج (^٣) في الخيرات، وهنَّ الباقياتُ الصالحات" (^٤).
وفي حديث أبي الدرداء عن النبيِّ -ﷺ- زيادة وهي: "هنَّ يَحْطُطْنَ الخطايا كما تَحطُّ الشجرةُ ورقَها، وهنَّ الباقياتُ الصالحات، وهنَّ من كنوز الجنة" (^٥).
وقال الضحاك ﵀: الباقيات الصالحات هي (^٦) الفرائض.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١١٧١٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٨٤)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٧٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٨٤٠). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٨٧): رواه أحمد وأبو يعلى. . . وإسنادهما حسن. قلنا: ويشهد له حديث عثمان بن عفان في "مسند أحمد" (٥١٣)، وإسناده حسن.
(٢) في (أ): "روي عن".
(٣) في (أ): "سراع"، ولم أقف على هذه الجملة في المصادر.
(٤) رواه الطبراني في "الأوسط" (٣١٧٩)، وفي إسناده كثير بن سليم وهو ضعيف.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٨٥)، وابن ماجه (٣٨١٣)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦١٦). وفي إسناده عمر بن راشد، وهو ضعيف.
(٦) في (ف): "هن".
[ ١٠ / ٨٧ ]
وقال ابن عباس ﵄ في رواية: هن الكلام الطيب (^١).
وفي رواية عنه: هن جميع الأعمال الحسنة (^٢).
* * *
(٤٧) - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾: قرأ أهل الكوفة: ﴿نُسَيِّرُ﴾ بالنون و﴿الْجِبَالَ﴾ بالنصب إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه أنه يفعل كذا، وقرأ الباقون: ﴿تُسيَّرُ﴾ بالتاء وفتحِ الياء وضمِّ ﴿الجبالُ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعله (^٣).
ثم ذكر القيامة وما فيها من الأهوال والأفزاع، ومجيءِ الناس يومئذ منفردينَ عن الأموال، مَجزيِّين على الأعمال، نهيًا لهم عن التكبُّر والترفُّع على الفقراء والضعفاء بالثروة وحُسن الأحوال، فقال: (يومَ تسيَّر الجبال)؛ أي: واذكر لهم يا محمد يوم ننسفُ الجبال عن مواضعها ونسيِّرُها في الهواء؛ كما قال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وهذه أحوالٌ متعاقبةٌ تظهر في الجبال يومئذ: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً ليس عليها ما يسترُها من جبلٍ أو شجرٍ أو حجر.
وقيل: أبرزنا (^٤) ما في بطنها من الموتى.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٨٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٨٠). ووقع في (ر) و(ف): "جميع أعمال الجنة".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٣)، و"التيسير" (ص: ١٤٤).
(٤) في (ر): "أبرزت".
[ ١٠ / ٨٨ ]
وقيل: لا مستَتَر فيها. وقيل (^١): لا متفيَّأ فيها.
وقيل: أي: ترى أهل الأرض بارزين.
وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾: أي: جمعناهم بعد الموت (^٢) للحساب.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: أي: لم نَترك أحدًا من الأوَّلين والآخِرين لم نُحضره، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل.
* * *
(٤٨) - ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا﴾: أي: يُعرضون ﴿عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ قيل: صفًّا واحدًا.
وقيل: صفوفًا، ويؤدي الواحد عن الجمع؛ كما قال: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]؛ أي: أطفالًا.
وقيل: صفٌّ بعد صفٍّ مستديرين كصفوف المصلِّين (^٣) حول الكعبة.
وقال الكلبيُّ والصنعانيُّ: صفًّا بعد صفٍّ؛ أي: جميعًا (^٤).
وقيل: ﴿صَفًّا﴾؛ أي: قيامًا، كما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]؛ أي: قيامًا.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ (^٥): أي: يقال للمشركين المفتخرين بالأموال على
_________________
(١) "قيل" ليست في (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "البعث".
(٣) في (أ): "المسلمين".
(٤) في (ر) و(ف): "جمعًا".
(٥) بعدها في (ر): "فرادى".
[ ١٠ / ٨٩ ]
الفقراء: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: في بطون أمهاتكم حفاةً عراةً بلا أموالٍ ولا أولادٍ ولا أعوانٍ.
﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾: قال أبو عبيدة: إن العرب إذا كانوا في كلامٍ فأرادوا الأخذَ في غيره بدؤوه بـ (بل)، تقديره: ولقد جئتُمونا كما خلقناكم أولَ مرةٍ بعد تعزُّزكم (^١) بالأموال والأولاد، وتكبُّركم على الفقراء، فأين تلك الأموالُ والأولاد، دعوا هذا فقد كنتُم تقولون شرًّا من هذا: لا بعثَ ولا نشورَ ولا موعدَ، وهو ميقاتٌ يبعث (^٢) فيه.
* * *
(٤٩) - ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: أي: ويوضع كتاب كلِّ إنسان في يده، وهو واحد أريد به الجمع لأنه جنس.
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: المذنِبينَ، وقيل -هو قول السديِّ-: أي: المشركين (^٣).
وقوله تعالى: ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: أي: خائفين مما في الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾: لمَّا رأوا أعمالهم محصاةً عليهم فيه، وعلموا
_________________
(١) في (أ): "تغرركم".
(٢) في (أ): "بعث".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٤/ ٤٢) عن ابن عباس ﵁.
[ ١٠ / ٩٠ ]
أنهم مجازَون بها (^١)، نادَوا بالويل والثُّبور ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ وهي (^٢) لفظة تعجُّب.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: أي: لا يتركُ فعلةً دقيقةً ولا فعلةً جليلةً (^٣) إلا أثبتها بقَدْرها (^٤).
قال السدِّي: الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك (^٥).
وعن ابن عباس ﵄: الصغيرة التبسُّم، والكبيرة القهقهة (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾؛ أي: في الكتاب ذكرُه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾: أي: لا يعاقب بغيرِ ذنبٍ، ولا ينقص ثوابَ طاعةٍ
* * *
(٥٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: أي: واذكر يا محمد قصةَ آدم وإبليس إذ أمرناه بالسجود لآدم في جملةِ مَن أمرناهم بالسجود له من الملائكة، فسجدوا إلا إبليس فإنه فسق عن أمر اللَّه تعالى؛ أي: خرج بتكبُّره
_________________
(١) في (ف): "يجازون بها"، وفي (ر): "يجازون عليها".
(٢) في (ف): "وهذه".
(٣) في (ف): "فعلة جليلة ولا دقيقة"، وفي (ر): "فعلة قبيحة دقيقة ولا فعلة جليلة".
(٤) في (أ): "بعددها"، وسقطت من (ف).
(٥) ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٣/ ٢٩٨) عن الأسدي، وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (٦/ ٤٤٠٠) دون عزو.
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٢٩٠).
[ ١٠ / ٩١ ]
ليعتبرَ هؤلاء المشركون بما أدَّاه إليه تكبُّره، ويعلموا أنهم يَفسُقون بتكبُّرهم أيضًا على فقراء المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: قيل: هم جنس من الملائكة سُمُّوا به لاجتنانهم عن أعين الناس، وهو كقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]؛ أي: الملائكةِ بقولهم: الملائكة بناتُ اللَّه، وهذا قول محمد بن إسحاق (^١).
وقال قوم: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: من خزَّان الجِنَان (^٢).
وقال سعيد بن جبير ﵁: كان من قبيلة يصوغون الحليَّ لأهل الجنة (^٣).
وقيل: بل كان من الجن الذين في الدنيا (^٤)، وهم المذكورون في قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ونحوها من الآيات.
وقد بينَّا الاختلاف بين العلماء في ذلك وحججَ الفريقين في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] أن هذا الاستثناء متصلٌ أم منقطع (^٥)، وذكرنا القول المعتمد عليه في تلك السورة بحمد اللَّه تعالى.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾: استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار (^٦)؛ أي: أتتولَّون إبليس وأولاده بالطاعة لهم والاقتداء بهم.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٣٨ - ٥٣٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٨٧ و٢٩٨ - ٢٩٠) عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك.
(٣) رواه ابن الأنباري في "الأضداد" (ص: ٣٣٤)، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٠٢).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٨٩) عن الحسن قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجنّ، كما أن آدم ﵇ أصل الإنس.
(٥) في (أ): "منفصل".
(٦) في (أ): "والاستنكار".
[ ١٠ / ٩٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾: أي: أعداءٌ، والعدوُّ بمعنى الجمع، وهو كقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤].
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾: أي: بئس إبليسُ وأولادُه الواضعونَ التولِّيَ غيرَ موضعه بدلًا عن اللَّه تعالى.
وعن الشعبي ﵀ أنه قال: سألني رجل فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك لعرسٌ (^١) ما شهدتُه، ثم ذكرتُ (^٢) قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ فقلتُ: لا تكون له (^٣) ذريةٌ إلا من زوجةٍ (^٤).
وروى أبو العلاء عن مجاهد في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ قال: هم خمسةٌ: قسوط، ودليبو، وداموس (^٥)، وثبر، والأعور، أما دليبو فصاحب الراية في الأسواق، وأما داموس فهو الذي في البيوت يأكل مع الناس إذا لم يسمُّوا، وأما ثبر فصاحبُ شقِّ الجيوب على المصائب؛ كقولهم: واثبوراه، وأما الأعور فصاحب الربا يعمِّي أكله على الناس، وأما قسوط فصاحب الكذب الذي لا أصل له (^٦).
_________________
(١) في (أ): "العرس".
(٢) في (ف): "فتذكرت".
(٣) "له" زيادة من (أ).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٧٦)، ورواه نحوه ابن الجوزي في "أخبار الظراف" (٥٤).
(٥) في (أ): " مسوط وزلينو وداسن"، وفي (ف): "فسوط ودلينو وداموس". وسيأتي هذا الاختلاف بين النسخ في باقي الخبر. وانظر التعليق الآتي.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٩٢)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٦٨٢)، من طريق ابن جريج عن مجاهد، ورواه ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" (٣٥) من طريق زبيد عن مجاهد، وأسماء الخمسة عندهم متفقة، وهي: (زلنبور وداسم وثبر ومسوط والأعور)، وعندهم: (فأما الأعور فصاحب الزِّنَا)، زاد ابن أبي الدنيا: (الذي يأمر به ويزينه)، وباقي الخبر بنحوه عندهم مع =
[ ١٠ / ٩٣ ]
(٥١) - ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾: قال قتادة: أي: أعوانًا (^١)، من قولك: اعتضَدْتُ به؛ أي: استعنتُ به.
و﴿عَضُدًا﴾ بمعنى الأعضاد (^٢)، كما في قوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، وفيه وجوه:
قيل: ما أحضرتُ إبليسَ وذرِّيته ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: لم أَحتجْ في خلقِ ما خلقتُه إلى شيء من عونهم وإشارتهم، فكيف يكونون شركاء لي.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾؛ أي: وما كنتُ لأعتضدَ في شيءٍ من تدبير خلقي بمن أعلمُ أنه لا يريد بهم خيرًا بل يريد إضلالهم.
وقيل: هذا ردٌّ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، و: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ أي: إنهم مضلُّون لعبادي (^٣)، وهم الجن، قال اللَّه تعالى خبرًا عن الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾؛ أي: المشركون كانوا يعبدون الشياطين؛ أي: لا أجعلُ لهم شفاعةً فلا يكونون عضدًا لهم، ويكون تقدير الآية: وما كنتُ متَّخذ المضلِّين عضدًا لهم (^٤) يعتضدون بشفاعتهم مع أنهم مضلُّون.
_________________
(١) = بعض اختلاف بين كل منهم وبين ما ذكره المصنف.
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٩٥).
(٣) في (أ): "الاعتضاد".
(٤) في (ر) و(ف): "يضلون عبادي".
(٥) "لهم" زيادة من (أ).
[ ١٠ / ٩٤ ]
ووجهٌ آخر: ما أشهدتُ هؤلاء المشركين الذين يَنهون النبيَّ -ﷺ- عن مجالسةِ الفقراء والضعفاء ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: لم أستعِنْ بهم في شيءٍ من خلقي ولا تدبيري (^١)، بل هم مخلوقون أنا خلقتُهم من ماءٍ مَهين، وما كنتُ لأتَّخذهم وهذه حالُهم عضدًا؛ لأنَّهم مضلُّون فلا أعتضِد بهم في ديني (^٢)، فلا تلتفتْ يا محمد إلى قولهم: لو أسلمنا أسلم الناس بإسلامنا، فأنا مستغنٍ وأنت عنهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وإن كان لا يُتصوَّر شهودُ الإنسان خلقَ نفسه للإعانة (^٣)، لأنه مبالغة في النفي فلا يقتضي التصوُّر، وكأنه قال: ما خلقوا أنفسهم ولا أعانوا على خلق غيرهم.
وقال محمد بن جرير: أي: ما أشهدتُ بعضَهم خلقَ بعضٍ فأستعينَ به وبرأيه (^٤)، بل انفردتُ بخلقِ جميع ذلك بغيرِ مُعين (^٥)، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: لا يَلمِزْ بعضُكم بعضًا، وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ أي: فلْيسلِّم بعضكم على بعضٍ.
* * *
(٥٢) - ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.
_________________
(١) في (ر): "بشيء من تدبيري ولا تقديري".
(٢) في (ر) و(ف): "دنيا".
(٣) في (أ): "للإعادة".
(٤) في (ر) و(ف): "فأستنصر به وبرأيه". وعبارة الطبري: (فأستعين به على خلقه).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٢٩٤).
[ ١٠ / ٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: قرأ حمزة: ﴿نقولُ﴾ بالنون والباقون بالياء (^١).
أي: ﴿وَ﴾ اذكر لهم يا محمد أحوالَهم وأحوال آلهتهم ﴿يومَ﴾ القيامة إذ ﴿يَقُولُ﴾ اللَّه لهم: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾؛ أي: ادعو ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم شركائي وعبدتُموهم دوني؛ أي: ادعوهم لينفعوكم ولينصروكم ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾؛ أي: ففعلوا ذلك ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إلى ما دعوهم إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾: قال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد ﵃: أي: مَهلِكًا (^٢)، وقد وَبقَ وُبوقًا -من حدِّ ضرب وعلم جميعًا (^٣) -: إذا هلك، وأوبَقه غيره: إذا أهلكه، وعلى هذا قول الكلبي: معناه: وجعلنا وصلهم هلاكًا، من قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]؛ أي: وَصْلُكم، وتقديره: وجعَلْنا تواصُلَهم هلاكًا لهم بعد أن قدَّروا نفعَها وشفاعتَها.
ويحتمِل أن يكون معناه: وجعلنا بينهم وبين آلهتهم من الشياطين مهالكَ (^٤) بالنار والعذاب؛ أي: أدخلْنا كلَّهم (^٥) النارَ: العابدين والمعبودين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وقال مجاهد وابن جريج: ﴿مَوْبِقًا﴾: هو واد في جهنم (^٦).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٣)، و"التيسير" (ص: ١٤٤).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٩٦).
(٣) أي: وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا، ووَبِقَ يَوْبَقُ وَبَقًا. انظر: "الصحاح" (مادة: وبق).
(٤) في (أ): "مهلكًا".
(٥) في (ف): "أدخلناهم".
(٦) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٩٦).
[ ١٠ / ٩٦ ]
وقال عمرٌو البِكالي: هو وادٍ عميقٌ يفصل بين أهل الجنة وأهل النار (^١).
وقال عكرمة: هو نهرٌ في النار على حافتيه حياتٌ مثلُ البغال (^٢).
يعني: جعلنا بينهم وبين معبودِيهم من الملائكة وعيسى وعُزيرٍ ﵉ هذا الواديَ أو النهر، فهؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، يدعونهم فلم يستجيبوا لهم.
وقال الحسن: ﴿مَوْبِقًا﴾؛ أي: عداوةً يوم القيامة (^٣)؛ أي: يتلاعنون (^٤) ويتبرأ بعضهم من بعضٍ، وهو من الهلاك أيضًا، فكأن الموبِقَ عداوةٌ مُهلِكةٌ على هذا.
قال نِفطَويه: ﴿مَوْبِقًا﴾؛ أي: محبِسًا، يقا لى: أَوْبَقْتُه؛ أي: حَبَستُه، وقال النبيُّ -ﷺ- في المارِّين على الصراط: "ومنهم الموبَقُ بذنوبه" (^٥)؛ أي: المحبوس.
* * *
(٥٣) - ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾: أي: علموا وأيقنوا أنهم داخلوها.
وقيل: حين يُجاء بالنار لها تغيُّظٌ وزفيرٌ علموا أنها تأتيهم فتأخذهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾: أي: مَعدِلًا.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٩٧) عن عمرو البكالي، وعنه عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٠٥) بلفظ: هو نهر في النَّار يسيل نارًا على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النَّار منها.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٩٦).
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "يوم القيامة".
(٥) رواه البخاري (٦٥٧٣)، والإمام أحمد في "المسند" (٧٧١٧)، وابن حبان (٧٤٢٩)، من حديث أبي هريرة ﵁، وعندهم: "بعمله" بدل: "بذنوبه".
[ ١٠ / ٩٧ ]
(٥٤) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: صرَّفنا القولَ في كلِّ نوع من الأمور، وأتينا فيها بضروب الأمثال، فضربنا مَثَل البعثِ بابتداء الخلق، وبإحياء الأرض بعد موتها، وضربنا مثَل الشرك بالشركاء المتشاكسِينَ ورجلًا سالمًا لرجل، وضربنا الأمثال للحق والباطل، والمثَلَ لمن اغتر بالدنيا وتعزَّز بزينتها من المال والولد.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾: أي: والمشركون مع هذه الأمثال يُكثرون الجدال من غير علم.
وعن أبي زيد قال: هو خصومة القوم لأنبيائهم، وردُّهم عليهم ما جاؤوا به، وقرأ: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] الآيات ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] الآيات، وقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات (^١).
* * *
(٥٥) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾: أي: وأن يستغفروا، والهدى: القرآن، والاستغفار: التوحيد.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٠٠).
[ ١٠ / ٩٨ ]
يقول: لم (^١) يمنع هؤلاء الكفارَ حين جاءهم الكتابُ الهادي إلى الرشد أنْ يؤمنوا به ويستغفروا لِمَا سلف من ذنوبهم ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: إلا التماسُهم أن ينزل عليهم من الآيات ما حُكمي في مثلها أنهم إذا لم يؤمنوا بها أنزلت عليهم عذاب (^٢) الاستئصال الذي هو سنَّتي في الأولين، أضاف السُّنَّة إليهم لأنها سنَّة اللَّه فيهم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾: قرأ عاصمٌ بضمِّ القاف والباء وهي قراءةُ حمزة والكسائي أيضًا؛ جمع قَبيلٍ بمعنى: ضروب من العذاب، وقرأ الباقون بكسر القاف وفتح الباء (^٣)، بمعنى: مقابَلةً ومعايَنةً.
* * *
(٥٦) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: أي: بهذا نرسل المرسلين لا بما التمسوه من الآيات التي تَضطرُّ إلى الإيمان، فلا يكون لها (^٤) ثوابٌ ولا يقع به تبشير.
وقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: أي: إنما يقترح الكفار الآياتِ تعنُّتًا ومجادَلة بالباطل، وقصدًا منهم أن يُبطلوا بجدالهم الحقَّ الذي أنزله اللَّه تعالى.
_________________
(١) في (ف): "ما".
(٢) "عذاب" ليس في (أ) و(ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٣)، و"التيسير" (ص: ١٤٤).
(٤) في (أ): "بها".
[ ١٠ / ٩٩ ]
وقوله: ﴿لِيُدْحِضُوا﴾؛ أي: ليُزيلوا به الحقَّ من موضعه، من قولهم: دَحَضتْ رجله؛ أي: زَلِقتْ وزلَّتْ، ومكان دَحْضٌ؛ أي: زَلِق (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾: أي: إنذارَهم مما يُهزأ به.
* * *
(٥٧) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: أي: ومَن أظلم لنفسه وعقله ممن وُعظ بالقرآن المعجز ولم يتَّعظ.
وقوله تعالى (^٢): ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾: أي: عن التدبُّر فيها ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: أي: بترك التدبُّر فيما قدَّم من سوء أعماله (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: أي: أغطيةً مانعةً من ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: يفهموه، وهو (^٤) الخذلان لمَّا علم اللَّه اختيار الضلال منهم.
وقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: أي: وجعلنا في آذانهم ثقلًا مانعًا أن يستمعوا الحقَّ ويعقلوه، خذلانًا لهم على سوء اختيارهم وشُؤم إصرارهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾: أي: وإن اجتهدتَ في دعائهم إلى الإيمان.
_________________
(١) في (أ): "مزلة".
(٢) "ولم يتعظ وقوله تعالى" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "عمله".
(٤) في (أ): "وهذا".
[ ١٠ / ١٠٠ ]
﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾: أي: فلن يَرْشُدوا أبدًا، وهذا في قوم بأعيانهم من المتمرِّدين المتعنِّتين (^١) الذين عَلِم اللَّه تعالى منهم أنهم لا يؤمنون.
* * *
(٥٨) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾: أي: الساترُ لذنوب العباد، الرحيمُ بترك التعجيل في العقوبة ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: لو أراد أخذهم بما فعلوا من الذنوب ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾: الاستئصال في الدنيا.
﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾: أي: وقت للعذاب إذا جاء ذلك الوقت لم يتأخَّر عنهم.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾: أي: من دون اللَّه ملجأً يلجؤون (^٢) إليه ويمتنِعون به إذا نزل بهم العذاب.
وقيل: أي: من دون العذاب؛ أي: لن يجدوا شيئًا يلتجئون إليه سوى العذاب.
وقيل: كان هذا العذاب يوم بدر.
وقال السدِّي: هو يومَ القيامة (^٣).
* * *
(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾: أي: أولئك أهلُ البلاد
_________________
(١) في (ف): "بأعيانهم متمردين متعنتين".
(٢) في (ف): "يلتجئون".
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٠٧).
[ ١٠ / ١٠١ ]
أهلكناهم، وهي القرى التي عرَفوها من قرى قوم لوطٍ وشعيبٍ وعادٍ وثمودَ ونحوِها.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾: قرأ عاصم بفتح اللام والميم، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام؛ أي: لهلاكهم، وقرأ الباقون بضم الميم وفتح اللام (^١)؛ أي: لإهلاكهم.
﴿مَوْعِدًا﴾؛ أي: أجلًا.
وقال الحسن: لم يعذِّب اللَّه قومًا إلا بمواعَدةٍ تواعَدَهم، ألا تسمعه يقول: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] ويقول: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] (^٢).
* * *
(٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ﴾: أي: واذكر يا محمدُ لهؤلاء المشركين المتكبِّرين على فقراء المسلمين قصةَ موسى وتواضُعَه للَّذي ذهب إليه يتعلم منه.
وفيه: تقريعُهم على تكبُّرهم ومدحٌ للمؤمنين على تواضعهم.
وفيه أيضًا: تعريف أهل الكتاب والمشركين أن خفاءَ حال أصحاب الكهف
_________________
(١) قرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام، وحفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وباقي السبعة بضم الميم وفتح اللام. انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٣)، و"التيسير" (ص: ١٤٤).
(٢) في (ف): "وقال تعالى". وقد ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٧/ ١٨٩).
[ ١٠ / ١٠٢ ]
وذي القرنين على محمد -ﷺ- وتأخُّرَ الوحي عنه لا يدلُّ على أنه ليس بنبيٍّ، فإن موسى ﵇ كان نبيًّا اصطفاه اللَّه تعالى بكلامه، ثم ذهب عليه من العلم ما علِمه غيرُه حتى احتاج إلى الارتحال إليه وطلبه منه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾: أي: موسى بنُ عمران، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين وعامةِ المفسرين رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿لِفَتَاهُ﴾ وهو يوشع بن نون، وعليه الأكثر، وهو ابنُ أخت موسى.
وقال الحسن: ﴿لِفَتَاهُ﴾؛ أي: لعبده.
وقال محمد بن إسحاق: هو موسى بن ميشا بن يوسف، وكان نبيًّا في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران، وزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب العلم عند الخضر (^١).
وقيل لابن عباس ﵄: إن نوفًا البكاليَّ ابنَ امرأةِ كعبِ الأحبار يزعُم عن كعبٍ أن موسى بن ميشا بن يوسف هو الذي طلب العلم؟! فقال ابن عباس: كذَب نوفٌ، حدثني أبيُّ بن كعب عن النبيِّ -ﷺ-: "أن موسى بن عمران صلوات اللَّه عليه سأل ربَّه ﷿ فقال: يا رب، إن كان في عبادك أحدٌ أعلمَ مني فادْلُلْني عليه، فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك، ثم نعت مكانه وأذِن له في لقائه، فخرج موسى ﵇ ومعه فتاه يوشع بن نون. . . "، وذكر الحديث (^٢).
_________________
(١) رواه عنه الحاكم في "المستدرك" (٤٠٩٣)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٢١)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ١٦٤). ووقع في مطبوع "النكت": (موسى بن منشى). وهذا القول قال عنه ابن الجوزي: ليس بشيء؛ للحديث الصحيح. قلنا: سيأتي لا حقًا.
(٢) هذا بداية حديث طويل رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٢٦ - ٣٢٩). وهو بنحوه في "صحيح البخاري" (١٢٢)، و"صحيح مسلم" (٢٣٨٠).
[ ١٠ / ١٠٣ ]
وقال محمد بن إسحاق: يوشعُ بن نون هو الذي نبأه اللَّه في زمن موسى وبعده، وهو الذي افتتح لموسى (^١) أريحا وقتل جبابرتها، وله رُدت الشمس يومئذ.
وقوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾؛ أي: لا أزال أسير.
وقيل: أي: لا أزايلُ سيري، وفي قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠]؛ أي: لا أزايل مقامي.
﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: قال قتادة: بحر الروم مما يلي المغربَ، وبحر فارسَ مما يلي المشرقَ. وقال محمد بن كعب: طنجة (^٢).
وعن ابن عباس ﵄: مجمع البحرين الخضر وإلياس، وهما بحران في العلم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: دهرًا. وقال قتادة: زمانًا (^٤).
وقيل: هو سنةٌ بلغة قيس.
وقال مجاهد: سبعون سنةً. وقال عبد اللَّه بن عمرو: ثمانون سنةً (^٥).
_________________
(١) "لموسى" ليس من (ف). وقد ذكر الطبري في "تاريخه" (١/ ٢٥٧) خلافًا بين السلف: هل كان مسير يوشع إلى أريحا لقتال الجبارين في حياة موسى أو بعده؟
(٢) رواهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٢٢) عن السدي. وهذا قول لا يلتفت إليه، وهو أقرب لكلام أهل الإشارة، وهو مردود بنص القرآن، حيث قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.
(٤) رواهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣١١).
(٥) رواهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣١٠).
[ ١٠ / ١٠٤ ]
قيل: لمَّا أعلمه اللَّه حال الخضر ولم يُعْلمه موضعَه بعينه، وإنما جعل له علامةً، أَخبر أنه قد وطَّن نفسه على طلبه وإن احتاج إلى قطع مسافة بعيدةٍ وتَزْجيَةِ مدةٍ طويلة.
* * *
(٦١) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾: أي: انطلقا حتى بلغا مجمع البحرين.
وقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: أي (^١): الحوتَ الذي كانا تَزوَّدانه، وشاهَد ذلك يوشعُ، وكان موسى بحيث لم يَرَه، وارتحلا من ذلك الموضع ونسي يوشع أن يذكر ذلك لموسى.
ثم (^٢) قوله: ﴿نَسِيَا﴾ مع أن الناسي يوشعُ وحده، فعند الفراء طريقُه طريقُ قولهِ تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وهو يخرج من المالح دون العذب (^٣)، وقولهِ تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ وهو من الإنس دون الجن.
وقيل: كانا معًا تزوَّدا للحاجة إليه في سفرهما، وفي هذا وإن كان في يد أحدهما تضاف الأفعال إليهما، يقول الرجل: كنا في سفرِ كذا ومعنا (^٤) من الزاد كذا، ولما كنَّا بمرحلةِ كذا نسينا الزاد هناك، وإن كان الزاد في يد مَن يقوم بأمر الرفقة؛ لاتفاقهم على ذلك.
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "دخل البحر".
(٢) "ثم" ليس من (أ).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٥٤).
(٤) في (أ): "ومعي"، وفي (ر) و(ف): "ومعناه". والصواب المثبت.
[ ١٠ / ١٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾: اختلف في معناه:
قال ابن عباس ﵄: أي: جَعل سبيله في البحر كالسرب؛ أي: النفقِ (^١) الذي يُدخل فيه فيُسلك منه إلى موضع.
وقال أبو عبيدةَ وقطربٌ والأخفش: ﴿سَرَبًا﴾؛ أي: مسلكًا ومذهبًا يُسرب (^٢) فيه، كما قال: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] (^٣)، وقد سرَب سُروبًا؛ أي: مضى وذهب.
وقيل: صار طريقه كالطاق.
وقيل: بل جمد طريقه حتى سلك فيه (^٤).
وقيل: بل صار حجرًا مضى عليه (^٥).
وقال ابن زيد: حيي الحوت في البطحاء بعد موته، ثم مشى على البطحاء إلى البحر، فذلك هو السرب (^٦)؛ أي: الطريق على البطحاء إلى البحر، ثم انغمس فيه.
وقيل: كان يغسله على الشط فوثب فانسرب في الماء.
وقال أبو مالك: أوحَى اللَّه تعالى إلى موسى ﵇: إن لي عبدًا هو أعلمُ
_________________
(١) في (ر): "الشق"، وفي (ف): "النشف".
(٢) في (ف): "يسلك".
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٤٠٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣١٤) عن قتادة، ولفظه: (فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا صار ماءً جامدًا)، فلعل الصواب في عبارة المؤلف: (. . . حين سلك فيه). وكثيرًا ما يقع الاشتباه بين (حتى) و(حين) في النسخ.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣١٥) عن ابن عباس ﵄.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣١٥).
[ ١٠ / ١٠٦ ]
منك فاطلبه، قال: وما علامته؟ قال: تنطلق معك بزاد وتخرج في طلبه فإذا تعبتَ في سفرك. . . (^١).
وفي حديث سفيان عن عمرو قال: "تأخذ حوتًا فتجعله في مكتلٍ، فحيثما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ" (^٢)، فانطلق موسى ويوشعُ وحملا معهما خبزًا ولحمًا (^٣)، وأقبلا من الشام حتى أخذا بحر أرمينية.
وفي حديث أبي مالك عن ابن عباس ﵄: تزودا أربعةَ أرغفةٍ في مكتلٍ وسمكةً مالحةً (^٤).
وفي حديث العَوفي عن ابن عباس ﵄: أوحى اللَّه إليه أن ائتِ البحر فإنك تجد على شاطئ البحر حوتًا، فخذه وادفعه إلى فتاك ثم الزَمْ شطَّ البحر، فإذا نسيت الحوت فتجد (^٥) العبد الصالح الذي تطلبه، تجده عند الصخرة (^٦).
فانتهيا إلى الصخرة، ثم وضع موسى رأسه، فقام يوشع وقال: لو أني غسلتُ هذه السمكة من هذا الماء (^٧) يأكل منها نبيُّ اللَّه، فغسلها وكانت عينٌ في البحر تدعى:
_________________
(١) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٣٥٣) عن السدي.
(٢) قطعة من رواية البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (١٧٠/ ٢٣٨٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي -ﷺ-.
(٣) في (ف): "صِرَارَ لحم" بدل: "خبزًا ولحمًا". وفي روايات الصحيحين أنهما حملا حوتًا في مكتل.
(٤) لم أجده، وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٩٣)، وفيه: (ومعهما خبز وسمكة مالحة في مكتل).
(٥) في (أ) و(ف): "فثم تجد".
(٦) قطعة من خبر طويل رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٣٠) من طريق عطية عن ابن عباس ﵄، وإسناده ضعيف.
(٧) في (أ): "الملح".
[ ١٠ / ١٠٧ ]
عين الحيوان، فلما غسلها اضطرب الحوت فوقع في الماء فذهب، فانجاب (^١) الماء فصار مثل السرب.
وفي حديث السدي: فصار أثره في الماء جامدًا (^٢).
وفي حديث سفيان عن عمرو: "فأمسك اللَّه جريةَ الماء عليه مثلَ الطاق" (^٣).
* * *
(٦٢) - ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾: أي: تعدَّيا ذلك الموضعَ الذي سربه الحوت في الماء ﴿قَالَ لِفَتَاهُ﴾؛ أي: قال موسى لصاحبه يوشع: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾؛ أي: ائتنا بغدائنا.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾: أي: تعبًا، والجوعُ يَقْوَى معه.
وفي حديث سفيان عن عمرو: "فانطلقا يمشيان، فلما كان من الغد وجد موسى النَّصَب، ولم يجد النَّصَب حتى جاوز المكان الذي أمره اللَّه تعالى به" (^٤).
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.
_________________
(١) بعدها في (أ): "البحر".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣١٤) عن قتادة، وقد تقدم قريبًا. وورد نحوه في رواية عطية عن ابن عباس الذي تقدمت قطعة منه قريبًا.
(٣) قطعة من رواية البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠/ ١٧٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي -ﷺ-.
(٤) انظر التعليق السابق.
[ ١٠ / ١٠٨ ]
﴿قَالَ﴾: أي: يوشع: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ استفهام بمعنى التقرير، وظاهره: أعلمتَ، ومعناه: أعلم أنه كان كذا.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾: أي: التجأنا إليها للاستراحة ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾؛ أي: نسيت أمر الحوت أن أذكره لك ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بإلقاء الخواطر في القلب.
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾: من كلام يوشع في الإخبار عن حال الحوت.
وقوله تعالى: ﴿عَجَبًا﴾ له وجوهٌ:
قيل: هو تمامُ كلام يوشع؛ أي: اتَّخذ سبيله في البحر اتخاذًا عجبًا، وهذا مما يُتعجَّب منه إذ صار كالطاق.
وقيل: قوله: ﴿عَجَبًا﴾ قول موسى؛ أي: يا (^١) عجبًا من هذا، وقيل: عجبًا من نسيانك هذا الأمر العجيبَ أن تذكُرَه لي.
وقال الحسن: بينهما وقفٌ حسنٌ لهذا (^٢).
وعن (^٣) ابن عباس ﵄: أن قوله: ﴿وَاتَّخَذَ﴾ من كلام اللَّه تعالى، و(اتَّخذ) فعلُ موسى، معناه: وعَدَّ موسى سلوكَ الحوت في البحر بهذا الطريق عجبًا، وكذا لفظ مجاهد وقال: موسى تَعجَّبَ من أثر الحوت (^٤).
_________________
(١) "يا" ليست في (ف).
(٢) ذكره عن الحسن الداني في "المكتفى في الوقف والابتدا" (ص: ١٢٥). ويردُّ هذا القول تأخير ﴿قَالَ﴾ عن ﴿عَجَبًا﴾ كما ذكر ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية.
(٣) في (أ): "ولهذا قال".
(٤) رواهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣١٧ - ٣١٨).
[ ١٠ / ١٠٩ ]
وروى أبيُّ بن كعب عن رسول اللَّه -ﷺ-: "فكان البحر للحوت سَرَبًا ولموسى وفتاه عجَبًا" (^١).
وقيل: ﴿وَاتَّخَذَ﴾ هو فعلُ يوشع؛ أي: وعَجِبَ يوشع وموسى من سَرَبِ (^٢) الحوت في البحر.
* * *
(٦٤) - ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾: أي: قال موسى ليوشع: هو الذي كنا نطلبُه؛ لأن ذهاب الحوت كان جُعل علمًا له على وجود الخضر، و﴿ذَلِكَ﴾ يصلح إشارةً إلى انسراب الحوت فإنه جُعل عَلَمًا، ويصلح إشارة إلى المكان فإن وجود الخضر كان فيه.
وقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾: أي: فرجع موسى ويوشع ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾؛ أي: على طريقهما الذي جاءا منه، وقوله: ﴿قَصَصًا﴾؛ أي: اتِّباعًا لذلك الأثر لا يزولان عنه.
* * *
(٦٥) - ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾: أي: وجَدا هنالك ذلك المطلوب.
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾: قيل: أي: نبوَّةً، كما قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
_________________
(١) قطعة من رواية البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (١٧٠/ ٢٣٨٠).
(٢) في (أ): "تسرب".
[ ١٠ / ١١٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾؛ أي: عِلمًا من عِلْمنا لم نعلِّمه غيرَه، وهو دليل على نبوته، وكذلك قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾.
وقيل: العلم اللدُنيُّ: ما حصل للعبد من طريق الإلهام.
وقال الإمام القشيري ﵀: هو ما لا يجد صاحبه سبيلًا إلى جَحْده ولا دليلًا على صحته (^١).
وقال الضحاك: لمَّا رجعا وأتَيَا تلك الصخرةَ التي جلسا عندها، فإذا البحر فيه الحوت، فرجع الحوت مُدْبِرًا في البحر، ثم أقبل ثم انطلق، فاتَّبعه موسى، فلما تحرك في الماء صار له حجرًا وتبعه (^٢) موسى حتى انتهى إلى العبد الصالح.
وفي حديث ابن عباس ﵄: فإذا رجل على شاطئ البحر ملتفٌّ بكساء (^٣).
وفي حديث أبي العالية: وجده قائمًا في جزيرة من جزائره (^٤).
وقال الكلبي: وجده قائمًا يصلِّي.
وفي حديث عثمان بن أبي سليمان: "رآه على طِنْفِسةٍ خضراءَ على وجه الماء" (^٥).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٠٨).
(٢) في (ف): "ومعه".
(٣) ورد بنحوه في الصحيحين، ولفظه: "فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ" أو قريب من هذا، وانظر التعليق الآتي.
(٤) رواه عبد بن حميد كما في "الفتح" (٨/ ٤١٧)، قال الحافظ: (ولعبد بن حميد من طريق أبي العالية: فوجده نائمًا في جزيرة من جزائر البحر ملتفًّا بكساء).
(٥) قطعة من رواية البخاري (٤٧٢٦) من طريق ابن جريج، عن يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، عن أبيٍّ، عن النبي -ﷺ-، وفيه: "فرجَعَا فوجَدا خَضِرًا -قال لي عثمان بنُ أبي =
[ ١٠ / ١١١ ]
وفي حديث أبي مالكٍ: وجده قائمًا يصلِّي في مِدْرعةِ صوفٍ وكساءٍ، يصلِّي عند (^١) الصخرة، وإذا العشبُ قد نبت وغطَّى قدميه، وسمي الخضر لذلك؛ لأنَّه حيث كان (^٢) تَنبت الخضرة (^٣).
وقال وهبٌ: قال موسى: يا ربّ، هل آتيتَ عبدًا من عبادك من العلم (^٤) ما لم تؤتِني؟ فأوحَى اللَّه إليه: نعم هو (^٥) عبدٌ من عبيدي يقال له: إيليا، يعبدني في جزيرةٍ من جزائر البحر -قد سماها له- قال: يا ربّ، فأْذَنْ (^٦) لي في لُقيِّه، فأَذِنَ له، وذلك في زمان التِّيه، فانطلق مع يوشع حتى انتهى إلى البحر، ووكَّلَ اللَّه تعالى حوتًا من حيتان البحر يدلُّهما على مكانه، فسايرهما في البحر كأنه كوكبٌ درِّي، وأوحى اللَّه إليه: إنك (^٧) إذا فقدتَ الحوت فإن صاحبك حيث يتغيَّب عنك الحوت. .، وذكر القصة إلى أن قال: فدخلا في السَّرب حتى انتهيا إلى موضع الخضر، فإذا هو في روضة خضراء عليه
_________________
(١) = سليمانَ- على طِنْفِسَةٍ خضراءَ، على كَبِد البحر". قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٤١٧): (القائل هو ابن جريج، وعثمان هو ابن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، وهو ممن أخذ هذا الحديث عن سعيد بن جبير. وروى عبد بن حميد من طريق ابن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان قال: رأى موسى الخضر على طنفسة خضراء على وجه الماء، انتهى. والطنفسة: فرش صغير).
(٢) في (ف): "على".
(٣) في (ف): "قام".
(٤) لم أجده، وروى البخاري (٣٤٠٢)، والترمذي (٣١٥١)، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّما سمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا لأنَّه جلسَ على فروةٍ بيضاءَ فاهتزَّتْ تحتَه خضراء".
(٥) "من العلم" ليس من (أ).
(٦) "نعم هو" ليس من (ف).
(٧) في (ف): "تأذن".
(٨) في (ف): "أن".
[ ١٠ / ١١٢ ]
ثيابٌ خضر قائمٌ يصلي، فسلم موسى ويوشع عليه فرد ﵉ (^١).
وفي روايةٍ قال: وعليك السلام يا نبيَّ بني إسرائيل، قال: ومَن أدراك بي؟ قال: أدراني بك مَن أدراك بي ودلَّك عليَّ، قال: فما الذي جاء بك؟ قال: جئتُك لتعلِّمني مما عُلِّمتَ رُشدًا (^٢)، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾: وفيه تعليمُ التواضع لمن طلب العلم من غيره، فإنه غايةُ التواضع من موسى، فإنه بدأ بالاستفهام والاستئذان، ووصف نفسه بالاتِّباع، ومدَحه بالعلم، وأظهر الرغبة فيما عنده من العلم.
وفي رواية: قال له الخضر في جواب هذا: لك في التوراة علمٌ وفي بني إسرائيل شغلٌ.
* * *
(٦٧) - ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
ثم ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: أي: يَثقل عليك الصبرُ على ما تَرى مني؛ لأنك تنظر إلى ظاهر ذلك الأمرِ، وربما يكون فيه سرٌّ لا يكون لك عليه اطِّلاع، وذلك قوله:
_________________
(١) لا شك أنه من الإسرائيليات، ويكفيه ردًا مخالفته للمتفق عليه من الروايات.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٨٢ - ١٨٣) عن ابن عباس، وبنحوه عبد بن حميد عن الربيع بن أنس كما ذكر الحافظ في "الفتح" (٨/ ٤١٧)، وقال: وهذا إن ثبت فهو من الحجج على أن الخضر نبي، لكن يُبعد ثبوته قوله في الرواية التي في الصحيح: "مَن أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ " الحديث.
[ ١٠ / ١١٣ ]
(٦٨) - ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾.
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾: أي: على ما لم تعلم وجهَه؛ لاتِّصال ما أفعلُه بمعرفة العواقب التي لا يحيط بها علمًا إلا مَن علَّمه اللَّه إياها.
* * *
(٦٩) - ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾: الاستثناء على الأمرين للواو، وهو كقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وهذا تواضعٌ آخرُ بعد تمنُّعٍ كان من الخضر.
ثم تحكَّم عليه من وجهٍ آخرَ ثانيًا، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٧٠) - ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: أي: عن شيء تراه وتُنكره لظاهره، فلا تُراجِعْني فيه ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ أي: بيانًا لوجهه.
* * *
(٧١) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا﴾: أي: فسارا، قال وهبٌ: فمشيَا على ساحل البحر.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾: مرت بهما سفينةٌ وثيقةٌ جديدةٌ،
[ ١٠ / ١١٤ ]
فسألا أهلها أن يحملوهما ففعلوا (^١)، فلما اطمأنَّا في السفينة ولجَّجت (^٢) بأهلها ﴿خَرَقَهَا﴾؛ أي: الخضرُ.
وكانت لمساكين، وكانوا عشرةَ إخوةٍ زَمْنَى لم يكن لهم معيشةٌ غيرها، وكانت مأواهم ورثوها من أبيهم (^٣)، وكان خمسةٌ منهم يعملون فيها وخمسةٌ لا يطيقون العمل، فأما العمالُ منهم فكان أحدهم مجذومًا، والثاني أعورَ، والثالث أعرجَ، والرابع آدَرَ، والخامس محمومًا الدهرَ كلَّه وهو أصغرُهم، والخمسة التي لا يطيقون العمل مُقعَدٌ وأعمى وأصمُّ وأخرسُ ومجنونٌ، وكان البحر الذي يعملون فيه (^٤) ما بين بحر فارسَ والروم (^٥)، وكان جُلَنْدى ملكًا يأخذ كلَّ سفينة غصبًا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿لِيَغرَقَ﴾ بياء التذكير والمغايَبة و﴿أهلُها﴾ بالرفع إضافةً للفعل إليهم، وقرأ الباقون: ﴿لِتُغْرِقَ﴾ بضم التاء التي هي للخطاب ﴿أَهْلَهَا﴾ بالنصب إضافة الفعل إلى الخضر (^٦).
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: قال مجاهد وقتادة: منكرًا.
وقال أبو عبيدة: أي: داهية عظيمة، وأنشد:
قد لقي الأقرانُ منِّي (^٧) نكرًا داهيةً دهياءَ إدًّا إمرًا (^٨)
_________________
(١) في (أ): "فقبلوا".
(٢) في (ف): "وولجت". ولججت السفينة: خاضت اللجة.
(٣) في (أ): "آبائهم".
(٤) في (ف): "الذي فيه السفينة".
(٥) في (أ): "إلى بحر الروم".
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٥)، و"التيسير" (ص: ١٤٤).
(٧) في (أ): "منه"، وفي (ر) و(ف): "منك". والمثبت من "مجاز القرآن".
(٨) انظر: "مجاز القرآن" (ص: ٣٩٥).
[ ١٠ / ١١٥ ]
وقال أبيُّ بن كعب ﵁: أخرج منقارًا له ومطرقةً، ثم عمَد إلى ناحية منها فضرب فيها حتى خرَقها، ثم أخذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلس يَرْقَعُها، فقال له موسى ذلك (^١).
وقال الكلبي: أخذ فأسًا ومنقارًا وفعل ذلك.
وقال مقاتل: خرَق بقَدُوم (^٢).
وقال شعيب بن الحَبْحاب: خرقها وكان الخضر لا تراه عينٌ إلا مَن أراد اللَّه تعالى أن يُرِيَه إياه، فخرقها ولم يره إلا موسى، ولو رآه القوم حالوا بينه وبين ذلك (^٣).
ورُويت بوجوهٍ أُخر.
* * *
(٧٢) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: أي: تحقَّقَ ما قلتُ لك.
* * *
(٧٣) - ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: بما تركتُ من شرطِكَ (^٤).
_________________
(١) قطعة من حديث طويل رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٢٦ - ٣٢٩) من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ-.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٩٥).
(٣) رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٢٥).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٣٩) بلفظ: بما تركت من عهدك.
[ ١٠ / ١١٦ ]
وقال أبي بن كعب: هو النسيان حقيقةً (^١)، ولعله نسي ذلك لشدة ما ورد عليه من خرق السفينة.
وقيل: هو تعريض؛ فإنه لم يقل: نسيتُ هذا الشرط منك، ولكنْ أَطلق وقال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وهو يحتمِل نسيانَ أمر آخرَ سوى هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾: أي: لا تُعسِّر عليَّ، وقد رَهِقه الشيء؛ أي: غشيَه وأدركه، وأَرهقه غيره.
* * *
(٧٤) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾: قال وهبٌ: انتهوا إلى الملك الذي كان (^٢) يأخذ كلَّ سفينة صحيحة (^٣) غصبًا، فنظر إلى سفينتهم مخروقةً قد عابوها فخَلَّى عنها، فلما جاوزهم سدَّ الخضر السفينةَ وسلَّمها إليهم، وخرجا من السفينة يمشيان، فانطلقا على وجوههما حتى أتيا أيلةَ، وهي قرية (^٤) من قرى الروم، فإذا هما بغلمان عشرةٍ يلعبون وفيهم غلامٌ هو أصغرهم، وليس فيهم أظرفُ ولا أضوأُ منه، فأخذ الخضر بيد الغلام وأخذ حجرًا فرضخ به رأسه وقتله.
وفي رواية سعيد بن جبير: فاقتلع رأسه بيده.
_________________
(١) قطعة من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ-، رواه البخاري (٤٧٢٥)، ولفظه: وقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "وكانت الأُولى من موسى نسيانًا".
(٢) في (ر) و(ف): "وكان"، بدل: "الذي كان".
(٣) "صحيحة" ليست في (أ).
(٤) "قرية" ليست في (أ) و(ف).
[ ١٠ / ١١٧ ]
وفي رواية كعب: فوكزه فقتله.
فرأى موسى أمرًا عظيمًا لا صبر له (^١) على مثله، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿زَكِيَّةً﴾، وقرأ الباقون: ﴿زاكِيَةً﴾ (^٢)؛ أي: طاهرةً بريئةً من الذنوب.
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أي: من غيرِ أن قتلتْ نفسًا.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾؛ أي: منكرًا، قال قتادة: النكر أشد من الإمر (^٣)، والأول كان فيه وهمُ الهلاك وفي هذا حقيقةُ الإهلاك (^٤).
وقيل: بل الإمر أشدُّ؛ لأنَّه الأمر العظيم، وكان ذلك إتلافَ نفوس كثيرة غالبًا، وهذا إتلاف نفسٍ واحدة.
* * *
(٧٥ - ٧٦) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: أَذكَرَه (^٥) ما كان ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾؛ أي: بعد هذه المرة، أو هذه المسألة ونحوها.
وقيل: أي: بعد النَّفْس التي قتلتَها.
﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾: أي: صرتَ معذورًا بمفارقتي.
_________________
(١) "له" زيادة من (ف).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٥)، و"التيسير" (ص: ١٤٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٤٢).
(٤) في (أ) و(ف): "الهلاك".
(٥) في (أ): "أذكر". وفي (ف): "أذكره".
[ ١٠ / ١١٨ ]
قال الحسن: كان ذلك الغلام رجلًا كافرًا (^١)؛ أي: بالغًا، وسمي غلامًا لاغتلامه؛ أي: شدَّةِ شَبَقه، فكان اسمًا للشاب وكذلك الرجل (^٢)، يقال: رأي الشيخ خير من مشهد (^٣) الغلام، فيقابَلُ الشيخ به، ومقابلُه الشابُّ دون الصبي.
وروى أبيُّ بن كعب عن النبي -ﷺ- أنه كان كافرًا (^٤).
وقال الكلبي: كان فتًى بين قريتين أبوه من عظماء أهلِ إحداهما، وأمُّه من عظماء أهل القرية الأخرى، وكان يقطع الطريق بينهما ويأخذ المتاع (^٥)، فعلى هذا كان قتلُه بقطع الطريق.
قال وهب: كان اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رُحْمى (^٦).
وعن أبي (^٧) إسحاق: أنه كان غيرَ بالغ، وكان طُبع كافرًا، ولو أدرك أَرهق (^٨) أبويه طغيانًا وكفرًا (^٩).
_________________
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٥/ ١٩١) دون كلمة: "كافرًا". وهذا مخالف لما في الصحيح حديث ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ-، رواه البخاري (٤٧٢٥)، وفيه: (. . . إذ أبصرَ الخضرُ غلامًا يَلعبُ مع الغِلمانِ. . .).
(٢) "الرجل" من (ف).
(٣) في (ف): "رأي". والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في "تفسير الرازي" (٢١/ ٤٨٦).
(٤) رواه مسلم (٢٦٦١) بلفظ: "طُبع كافرًا"، والفرق واضح بينه وبين لفظ المؤلف، وللحديث بقية ستأتي قريبًا.
(٥) ذكره عن الكلبي بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٨٤)، والماوردي "النكت والعيون" (٣/ ٣٣٣)، والكرماني في "غرائب التفسير" (١/ ٦٧١)، والقرطبي في "تفسيره" (١٣/ ٣٣٠).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٨٤).
(٧) في (ف): "ابن".
(٨) في (ف): "لرهق".
(٩) رواه مسلم (٢٦٦١) من طريق أبي إسحاقَ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن أُبيِّ بن =
[ ١٠ / ١١٩ ]
وقتلُ الصغير إنما لا يجوز لعدم إذن الشرع به، وكان اللَّه تعالى أذن للخضر بذلك، ولذلك قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وليس الأمر بقتله أكبرَ من إماتته، واللَّه تعالى يميت الصغار، وله أن يحكُم في عباده بما يشاء.
وعن ابن عباس ﵄ أيضًا: أنه كان غيرَ بالغ (^١).
* * *
(٧٧) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾: قال وهب: كانت قريةً من قرى الروم حين غربت الشمس، وكانت ليلةً شاتيَةً شديدةَ البرد، فانطلقا (^٢) فطلبا إلى أهل القرية أن يضيِّفوهما ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾؛ أي: امتنعوا أن يُنزلوهما ضيفين ويطعموهما.
وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾: أي: فوجدَا فيها حائطًا على ظهر الطريق مائلًا يمرُّ تحته أهل تلك القرية وغيرُهم لا طريق لهم غيرُه، وكان بناه رجل صالح، فلم يزل يرثُ ذلك الحائط قرنٌ بعد قرنٍ حتى ورثه أبو الصغيرين، وكان سمك الحائط في السماء مئتي ذراع بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضُه خمسون ذراعًا، فمال الحائط من أسفله حتى كاد
_________________
(١) = كعبٍ عن النبي -ﷺ-.
(٢) ورد هذا في حديث ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ-، رواه البخاري (٤٧٢٥)، وفيه: (. . . إذ أبصرَ الخضرُ غلامًا يَلعبُ مع الغِلمانِ. . .).
(٣) "فانطلقا" ليست في (أ).
[ ١٠ / ١٢٠ ]
يسقطُ، وذلك قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾؛ أي: يقارِبُ أن ينكسر ويسقطَ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ بحالِ المريد للفعل في الثاني (^١)، قال الشاعر:
يريد الرمحُ صدرَ أبي براءٍ ويرغبُ عن دماءِ بني عَقيلِ (^٢)
والانقضاض: السقوط، وقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾؛ أي: قوَّمه.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لتَخِذْتَ﴾ بالكسر من باب عَلِم، والتاءُ فاء فَعِلَ (^٣).
فلما رأى الخضر الجدار رفعه (^٤) بمنكبيه ويديه حتى أقامه، فقال له موسى ﵇: استطعمناهم فأبوا أن يطعمونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ في عمله حتى يكون قُوتًا على سفرنا هذا، وتتصدَّق ببعضه.
* * *
(٧٨) - ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾: قيل: القرية أرمينية، وقيل: أنطاكية، وقيل: بَرْقة، وقيل: أرض بربر، وقيل: جروان، وقيل: باجروان (^٥)، وقيل: هي بناحية الأندلس.
_________________
(١) "في الثاني" ليس من (ف).
(٢) البيت في "مجاز القرآن" (١/ ٤١٠) ونسبه للحارثي، و"تأويل مشكل القرآن" (ص: ٨٦)، و"تفسير الطبري" (١٥/ ٣٤٧)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٣٠٦)، و"الصناعتين" للعسكري (ص: ٢٧٧).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٦)، و"التيسير" (ص: ١٤٥).
(٤) في (أ) و(ر): "رفع الجدار".
(٥) في (أ): "خروان"، وفي (ف): "باحروان".
[ ١٠ / ١٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قيل: ولم يدَعوهما ينزلان في القرية.
وقال كعب: وجاءت امرأة إليهما بطعام وقالت: إن رجالنا في أخلاقهم شدةٌ فلم أستطع أن أضيِّفكما، فهذا طعامي فكُلَا منه، فدعا الخضر لنسائهم بالبركة ولعن رجالهم.
ثم قال الخضر لموسى: أمَا إذا لم تستطع أن تصبرَ فسأخبرُك ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾؛ أي: سببُ فراقِ وَصْلي ووَصْلِك.
وقوله تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾: وفي رواية: أخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني (^١)، فقال:
* * *
(٧٩) - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾: وهم ممن ذكرنا من الإخوة العشرة.
﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾: أي: أجعلَها ذاتَ عيبٍ لئلا يأخذَها الملك الغاصب، وهو قوله:
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ قال ابن عباس والسدي وقتادة والفرَّاء وأبو عبيدةَ ﵏: أي: أمامهم (^٢)، كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، وقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠]، وقال لبيد:
_________________
(١) انظر: "البسيط" (١٤/ ١١٢).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٤١٠) و"معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٥٧)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٥٤) عن قتادة. وأما ابن عباس فقد روى البخاري (٣٤٠١) ومسلم (٢٣٨٠) عنه أنه كان يقرأ: (وكان أمامهم ملك).
[ ١٠ / ١٢٢ ]
أليس ورائي إن تراخَتْ مَنِيَّتي لزومُ العصا تُحنَى عليها الأصابع (^١)
وقيل: هو ما توارى عنك؛ خلفَك كان (^٢) أو قدامك.
والملك قيل: كان ملكَ عمان، وقال الكلبي: هو جُلندَى (^٣).
وقيل: هو جُلَنْدُ بن كركرة (^٤).
وقيل: الجلند بن المستكبر بن الأرقم بن الأزد.
وقال ابن جريج: هو مدد بن يزد (^٥).
وقيل: هدد بن برد (^٦).
﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وفي قراءة أبيِّ بن كعب وابن عباس ﵃، وهو مرويٌّ عن النبي -ﷺ-: (يأخذ كلَّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا) (^٧) وهو محمولٌ على التفسير دون التنزيل.
ورُوي أن الملك مر بها فرآها مَعيبةً فتركها ومرَّ، فقال الخضر لموسى: كيف
_________________
(١) في (ف): "الأضالع". وانظر: "ديوان لبيد" (ص: ٥٧).
(٢) "كان" زيادة من (ف).
(٣) في (أ): "جلند".
(٤) في (ر) و(ف): "كركر".
(٥) في (أ): "بدد".
(٦) "وقيل هدد بن برد" ليس في (ف).
(٧) رواها الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٥٦) عن ابن عباس عن أبيٍّ. ورواها البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠) عن ابن عباس.
[ ١٠ / ١٢٣ ]
رأيتَ عاقبةَ (^١) صنعِ اللَّه بها؟ أخبرني عن خرق السفينة أحسنتُ أم أسأتُ، فقال: بل أحسنتَ وأَصبتَ وأُجرتَ.
* * *
(٨٠) - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: قال سعيد بن جبير: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يدخُلا معه في دِينه (^٢). وقال ابن جُريجٍ كذلك.
وقال الكلبي: كان غلامًا (^٣) لصًّا عاديًا يَقتل ويسرق ثم يجيءُ بسرقته إلى أبويه، فإذا جاء مَن يَطلب حلف أبواه أنه لم يفعل، وكانا في عز وشرف (^٤). وقال مقاتل نحوًا من ذلك (^٥)، وهذا تمادٍ يُخشى منه الوقوع في الكفر.
وقيل: كان (^٦) يحتمل أن يكون يُدخل عليهما شبهةً في دينهما، ويزيِّنَ الكفر والطغيان إليهما.
* * *
_________________
(١) "عاقبة" ليس من (ف).
(٢) رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم في "تفسيريهما" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٢٨).
(٣) في (أ): "الغلام".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٨٤)، وذكر نحوه الواحدي في "البسيط" (١٤/ ١٢٠) عن ابن عباس من رواية عطاء.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٩٨).
(٦) "كان" زيادة من (أ).
[ ١٠ / ١٢٤ ]
(٨١) - ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾: قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: ﴿يُبْدِلَهُمَا﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف (^١)؛ أي: يعطيَهما ولدًا آخر بدلًا عنه.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ دينًا وصلاحًا وطهارة، وهو في مقابلةِ قول موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: قال قتادة: أي: أبرَّ بوالديه (^٢). والرُّحم مصدرٌ كالرحمة والمَرحمة.
وعن سعيد بن جبير قال: هو أرحم به منهما بالأول (^٣).
وقيل: أي: أقرب إلى أن يُرحما به (^٤)؛ أي: يطيع ولا يعصي ولا يحمل أبويه على الكفر والطغيان.
قال ابن عباس ﵄: أبدلهما اللَّه تعالى جارية فولدت نبيًّا وهو شمعون المذكور في قوله: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] (^٥).
وروى ابن جريج (^٦) عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: أبدلهما اللَّه تعالى به جارية ولدت سبعين نبيًا (^٧).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٧)، و"التيسير" (ص: ١٤٥)، ولم يذكرا أبا بكر في قراءة التشديد.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٩٩)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٦٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٦٠ - ٤٦١) عن ابن جريج.
(٤) في (أ) و(ر): "يرحمانه"، ولعله تصحيف.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "فتح الباري" (٨/ ٤٢٢) عن السدي.
(٦) في (أ): "سعيد بن جبير".
(٧) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٤/ ١٢٣) عن ابن عباس من رواية عطاء. والثعلبي في "تفسيره" =
[ ١٠ / ١٢٥ ]
(٨٢) - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾: وهي القرية المذكورة قبلها، ودل أنها كانت كبيرة ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ﴾؛ أي: تحت الجدار ﴿كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾.
قيل: اسم الغلامين أصرم وصريم، واسم أبيهما كاشح، وكان صالحًا تقيًّا.
وأما الكنز فقد روي عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "كان لوحًا من ذهب عليه مكتوبٌ: عجبتُ لمن أيقنَ بالموت كيف يفرحُ، وعجبتُ لمن أيقنَ بالقَدَر كيف يحزن، وعجبتُ لمن أيقن بالنار كيف يضحك، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا كيف يَغفل، وعجبتُ لمن أيقن بالدنيا وتقلُّبِها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه" (^١).
_________________
(١) = (٦/ ١٨٧) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه.
(٢) روي مرفوعًا وموقوفًا ومرسلًا: أما المرفوع: فرواه البزار في "مسنده" (٤٠٦٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٢١)، من حديث أبي ذر ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٥٣): رواه البزار من طريق بشر بن المنذر عن الحارث بن عبد اللَّه اليحصبي، ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات. وقال ابن كثير عند هذه الآية: بشر بن المنذر هذا يقال له: قاضي المصيصة، قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم. ورواه البيهقي في "الزهد" (٥٤٥)، وابن مردويه في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٢١)، من حديث علي ﵁. وفيه جويبر بن سعيد وهو متروك. وأما الموقوف: فرواه ابن عدي في "الكامل" عن ابن عباس ﵄، وفيه كثير بن مروان =
[ ١٠ / ١٢٦ ]
وقال الضحاك: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: صحفٌ فيها علمٌ (^١).
وقال مجاهد: ذهب وفضة (^٢).
وقال وهب: قال الخضر: ولو وقع الجدار لظهر الكنز، ولو ظهر الكنز لأخذه الناس دونهما.
وقال ابن عباس ﵄: الرجل الصالح يُحفظ في ولده وولدِ ولده، والدوائرُ تدور حولهم وحولَ دارهم ولا يضرُّهم شيئًا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾: اسطاعَ لغةٌ في استطاع، وهو تخفيفٌ بحذف التاء.
ثم ذَكر في الأول ﴿فَأَرَدْتُ﴾ لأنه ذكر بعده: ﴿أَنْ أَعِيبَهَا﴾ فأضاف ذلك إلى نفسه، ثم قال في الثاني: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ جمعًا؛ لأنَّه تنبَّه (^٤) على أن في إضافة الفعل إلى نفسه على الانفراد رؤيةَ نفسه (^٥)، فذكر الجمع إدخالًا لنفسه في الجملة، ثم تنبَّه
_________________
(١) = الفلسطيني وشيخه أبين بن سفيان، وهما ضعيفان. وأما المرسل: فرواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، عن جعفر بن محمد وعن الحسن البصري وعن عمر مولى غفرة، من قولهم.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٦٢ - ٣٦٤)، عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد.
(٣) لم أجده عن مجاهد، وقد روي مرفوعًا، رواه الترمذي (٣١٥٢) من حديث أبي الدرداء ﵁، وفيه يزيد بن يوسف الصنعاني، وهو متروك. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٦٥)، عن عكرمة بلفظ: كنز مال. واختاره على باقي الأقوال.
(٤) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٢٢).
(٥) في (ف): "تنبيه".
(٦) في (ف): "دون النفس"، وفي (ر): "دونه التبس". بدل: "رؤية نفسه".
[ ١٠ / ١٢٧ ]
على أن الأشياء كلَّها بإرادة اللَّه تعالى فقال في الثالث: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، ولأنه ذكر الفضل والرحمة فأضافه إلى اللَّه تعالى دون غيره.
وقيل: قال الخضر لموسى ﵇ حين قال له: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ قال له: لقد ألقَتْك أمُّك في اليمِّ فلم تغرق، فلِمَ خِفتَ الغرق عليهم مع حفظ اللَّه تعالى لهم.
ولمَّا قال له: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قال له: إنك قتلْتَ القِبْطيَّ بالوكزة فلمْ يعاتبوك (^١)، فلمَ تعاتبُني بهذا؟
فلما قال له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال له: إنك سقيتَ لابنتَيْ شعيبٍ فلمْ تطلب لذلك أجرًا، فلمَ تأمرني بذلك؟ فكان له وجوهٌ ستة (^٢) في هذه القصة.
قال وهب: ثم انطلق الخضر وموسى ﵇ حتى قعدا على الصخرة، فأقبل طائر فغمس بمنقاره في (^٣) البحر، ثم أخرجه فمسحه على جناحه، فقال له الخضر: إنه يقول: ما علمُ الخلق في علم اللَّه تعالى إلا بقَدْر ما حملتُ بمنقاري (^٤).
وقال موسى للخضر حين أراد أن يفارقه: أوصني، فقال: يا ابن عمران، إياك واللَّجاجةَ، ولا تمش (^٥) في غيرِ حاجة، ولا تضحك من غيرِ عَجَبٍ، ولا تعيِّر الخاطئ بخطيئته، وابكِ على خطيئتِكَ، ولا تؤخِّر عمل اليوم لغد.
* * *
_________________
(١) في (ف): "يعاقبوك".
(٢) في (أ) و(ف): "تنبيه".
(٣) في (أ) و(ف): "إلى".
(٤) ورد نحوه ضمن حديث أبي بن كعب عند البخاري (٤٧٢٥).
(٥) في (أ): "تكن ماشيًا"، وفي (ف): "تكن مشاءًا".
[ ١٠ / ١٢٨ ]
(٨٣) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾: ذكرنا في أول السورة أن المشركين سألوا رسول اللَّه -ﷺ- بتلقين أهل الكتاب- عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فأنزل اللَّه جلَّ ذكرُه وجلالُه جوابَ ذلك كلِّه (^١).
واختُلف في معنى تسميته بذي (^٢) القرنين، وفي أنه نبيٌّ أو غيرُ نبيٍّ، وفي نسبه.
روي أن ابن الكوَّاء سأل عليًّا ﵁ عن ذي القرنين: أملِكٌ أم نبيٌّ؟ فقال ﵁: ليس بملكٍ ولا نبيٍّ، ولكنه كان عبدًا أحبَّ اللَّه تعالى فأحبَّه اللَّه، وناصَحَ اللَّه تعالى فناصَحَه اللَّه، ضُرب على قرنه الأيمن فمات فبعثه اللَّه تعالى، ثم ضُرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه اللَّه تعالى (^٣).
وقال أبو العالية: سمي ذا القرنين لأنه قرَن ما بين مطلع الشمس ومغرِبها (^٤).
وقال وهب: اختلف فيه أهل الكتاب؛ فقال بعضهم: كان ملكَ الروم وفارس، وقال بعضهم: كان في رأسه شِبْهُ القرنين (^٥).
وقال الحسن: سمي به لأنه كان في رأسه غديرتان يطأ عليهما (^٦).
_________________
(١) في (ف): "تعالى السورة" بدل من "جل ذكره وجلاله جواب ذلك كله".
(٢) في (أ) و(ف): "واختلف في تسمية ذي".
(٣) "ثم ضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه اللَّه تعالى" ليس في (أ). والخبر رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٧٠)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (١/ ١٠٥)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٧٠)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٥/ ١٢١)، والضياء في "المختارة" (٥٥٥).
(٤) رواه ابن المنذر وأبو الشيخ في "تفسيريهما" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٣٩).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٧١)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٤٤)، والإمام أحمد في "الزهد" وابن المنذر وابن أبي حاتم في "تفسيريهما" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٣٨).
(٦) رواه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (١/ ١٠٦)، وابن عساكر في "تاريخه" (١٧/ ٣٣٦). وفيهما: (يطأ فيهما).
[ ١٠ / ١٢٩ ]
وعن وهب قال: كانت صفحتا رأسه من نحاس (^١).
وقال وهب: رأى رؤيا أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقَرْنيها شرقِها وغربها، فقصَّ رؤياه على قومه فسمي بذي القرنين (^٢).
وقيل: عاش عيشَ قَرْنينِ.
وفي رواية وَهْبٍ: عاش خمسَ مئة سنة.
وروى أبو هريرة عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "ما أدري ذا القرنين كان نبيًّا أم لا" (^٣).
وقال ابن عباس وعبد اللَّه بن عمر وأبو هريرة ﵃: كان نبيًّا، وكذلك قال مجاهد (^٤).
وقال علي ﵁: لم يكن نبيًا (^٥). وعن الحسن، وعن وهب في رواية كذلك (^٦).
وقيل: اسمه إسكندروس.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٧١).
(٢) رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٧٣).
(٣) رواه الحاكم في "المستدرك" (٢١٧٤) وصححه، وابن حزم في "المحلى" (١١/ ١٢٥) وصححه.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٩١١) من طريق مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ١٨٤) عن عبد اللَّه بن عمرو والضحاك، ولم أقف عليه عن ابن عباس وأبي هريرة ﵃.
(٥) ورد في خبر سؤال ابن الكواء لعلي المتقدم قريبًا.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٧١)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٤٤)، والإمام أحمد في "الزهد" وابن المنذر وابن أبي حاتم في "تفسيريهما" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٣٨). وقد تقدم قريبا قطعة منه.
[ ١٠ / ١٣٠ ]
وقيل: إسكندر بن فيلاسون بن يونان (^١).
وعن محمد بن إسحاق: اسمه ميرزبان (^٢) بن مردبة اليوناني، من ولد يونان بن يافث بن نوح.
وفي تفسير الصنعاني: أنه روميٌّ من ولد العِيص بن إسحاق.
وروى عقبة بن عامر الجهني أن قومًا من أهل الكتاب استأذنوا على رسول اللَّه -ﷺ- فإذن لهم، قدخلوا ومعهم مصاحفُ، فقال النبي -ﷺ- "إن شئتُم أُخبركم ما أردتُم أن تسألوني عنه، وإن شئتُم فاسألوني"، قالوا: بل أخبِرْنا بما جئنا له قبل أن نتكلم، فقال: "جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وسأخبركم بما تجدونه في كتبكم مكتوبًا: إن أول أمره (^٣) أنه كان غلامًا من الروم أعطي ملكًا، فسار حتى أتى أرض مصر فابتنى (^٤) عندها مدينة يقال لها: الإسكندرية، فلما فرغ من بنائها أتاه ملَك فعرَج به فقال: انظر ما تحتك، فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرَها! فقال له الملَك: تلك (^٥) الأرض كلُّها وهذا السوادُ الذي تراه محيطًا بها البحرُ، وإنما أراد اللَّه تعالى أن يُريَك الأرض، وقد جعل لك (^٦) سلطانًا فيها، فسِرْ في الأمم فعلِّم الجاهل وثبِّت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدَّين وهما (^٧) جبلان
_________________
(١) في (ف): "إسكندروس وقيل: اسنور بن يونان"، وفي (ر): "إسكندروي وقيل: أسور بن نونا" بدل: "إسكندر بن فيلاسون بن يونان".
(٢) في (ف): "مزربة".
(٣) في (أ): "أوانه".
(٤) في (ر) و(ف): "فأنشأ".
(٥) في (ف): "فلك". وجاء في بعض رواياته وهي رواية أبي الشيخ: (لك تلك).
(٦) في (ر) و(ف): "جعلك".
(٧) في (ف): "وفيهما".
[ ١٠ / ١٣١ ]
ليِّنان يَزلق عنهما كلُّ شيء، فبنى السد ثم سار فوجد يأجوجَ ومأجوجَ يقاتلون قومًا وجوهُهم كوجوه الكلاب، ثم قطَعهم فوجد أمةً [قصارًا] يقاتلون القوم الذين وجوههم كوجوه الكلاب، ثم قطَعهم فوجد قومًا (^١) من الغرانيق يقاتلون القوم القصار، ثم قطعهم فوجد أمةً من الحيات تلتقم الحيةُ منها مثلَ الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المُديرِ بالأرض" فقالوا: نحن نشهد أن أمره كان كذا، وإنَّا نجد هذا مكتوبًا في كتبنا (^٢).
وقال وهب: إن ذا القرنين نشأ في أدبٍ حسنٍ، وحِلمٍ ومروءة وعفَّةٍ، وكان يتخلَّق بمكارم الأخلاق، ويسمو لمعالي الأمور، وكان حلَم حُلمًا أنه دنا من الشمس وأخذ بقرنيها، وقصَّ رؤياه على قومه فسمَّوه ذا القرنين، وبهذه الرؤيا بعُدَتْ همته، وعلا صوته (^٣)، وعزَّ في قومه، فألقى اللَّه تعالى عليه الهيبةَ، وحدَّث (^٤) نفسه بالأشياء كلِّها، وكان أولَ ما أجمع عليه رأيه (^٥) أنه أمر قومه فبنوا له مسجدًا طولُه أربعُ مئة ذراعٍ، وعرضُه مئتا ذراع، وعرض حائطه اثنان وعشرون ذراعًا، وطوله في السَّماء مئة ذراع، وأمرهم أن لا ينصبوا فيه سواري، فقالوا: كيف لك بخشب يبلغ ما بين
_________________
(١) في (ف): "أمة".
(٢) رواه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (١/ ١٠٤)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٦٨ - ٣٦٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٦٨). وهو حديث واهي السند كما قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٣٨).
(٣) في (ر): "صيته".
(٤) في (أ): "وجرب".
(٥) في (ر) و(ف): "أمره". ولفظ الرواية في "العظمة" هكذا: (فكان أول ما أجمع عليه رأيه الإِسلام، فأسلم فحسن إسلامه، ثم دعا قومه إلى أن يسلموا فأسلموا عنوة من عند آخرهم، ثم أمرهم فبنوا له مسجدًا قهرًا، فلم يجدوا بدًّا أن أجابوه. . .)، ثم ذكر طوله وعرضه كما سيأتي.
[ ١٠ / ١٣٢ ]
الحائطين؟! فقال: اكبِسوه بالتراب إلى رؤوس الحوائط ووزعوا (^١) على الموسِع قَدَرُه وعلى المقتِرِ قدَره من الذهب والفضة، ثم اقطعوا ذلك مثلَ قُلامة الظُّفر، واخلِطوه بذلك الكبس، واعملوا له جذوعًا من النحاس كلُّ جذعٍ مئتا ذراعٍ للهواء، وعلى الحائط من الجذوع اثنا عشر ذراعًا من جانب، ومثلُه من جانب، فإذا تم فقولوا للمساكين: أخرجوا التراب وما فيه من الذهب والفضة فهو لكم، ففعلوا وتم ذلك على أعجب الوجوه وأحسنِها.
وأوحى اللَّه تعالى إليه رسولًا: أني قد أرسلتُك إلى جميع الخلائق من مطلع الشمس إلى مغرِبها، فأثبت (^٢) حجَّتي عليهم، وهذا تأويلُ رؤياك، وقد بعثتُك إلى جميع أهل الأرض، وهم سبع أمم: أمتان بينهما طول الأرض، وأمتان بينهما عرض الأرض كلُّه، وثلاثُ أمم في وسط الأرض مختلِطون وهم الإنس والجن ويأجوج ومأجوج، وأما اللتان بينهما طول الأرض فإنه عند مطلع الشمس إحداهما ناسِك، وأخرى بحيالها مَنْسك، وأما اللتان بينهما عرضُ الأرض فإنه في القطر الأيمن وهي هاويل، والأخرى في القطر الأيسر وهي تاويل، فقال: يا إلهي، إنك ندَبْتني لأمر عظيم لا يَقْدِر قَدْرَه غيرُك، فبأيِّ قوةٍ أكابدهم؟ وبأيِّ صبر أقاسيهم؟ وبأيِّ لسان أكلِّمهم؟ وكيف أفقهُ لغاتهم؟ وبأي حجةٍ أخصمُهم (^٣)؟ وبأيِّ عقل أعقلُ عنهم؟ وبأيِّ حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي معرفة أفصِل بينهم؟ وبأي علم أُحصيهم؟ وبأيِّ يد أسطو عليهم (^٤)؟ فأوحى اللَّه تعالى إليه: أَنِّي سأطوِّقكَ ما حمَّلتُك، وأشرح لك
_________________
(١) في (أ): "وفرعوا"، وفي "العظمة": (فإذا فرغتم من ذلك فرضتم).
(٢) في (ر) و(ف): "فأنت".
(٣) في (أ) و(ر): "أخاصمهم".
(٤) في (ر): "أقدر عليهم" وسقطت من (ف)، والمثبت موافق لما في "العظمة".
[ ١٠ / ١٣٣ ]
صدرك فيسعُ كلَّ شيء، وأشرح لك فهمك فتَفْقهُ كلَّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلَّ شيء، وأكشف لك عن بصرك (^١) فينفذُ كلَّ شيء، وأدبِّر في أمورك فتتيقَّن كلَّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدُّ لك ظهرك فلا يَهدُّك شيء، وأشدُّ لك قلبك فلا يَهُولك شيء، وأَبسط لك يدك فتَسْطوا فوق كلِّ شيء، وأسدِّد رأيك فتصيبُ في كلِّ شيء، وأسخِّر لك النور والظلمة وأجعلهما جندين من جنودك: النور يهديك من أمامك، والظلمةُ تَحوطك وتحرس عليك الأمم من ورائك.
فانطلق ذو القرنين، فأيَّده اللَّه تعالى بما وعده، فقصد المغرب فلا يمرُّ بأمة إلا دعاهم إلى اللَّه تعالى، فإن أجابوه قَبِل ذلك منهم، وإن لم يجيبوه أغشاهم الظلمةَ فأُلبست (^٢) مدائنَهم وبيوتهم، وأغشت أبصارهم، ودخلت أفواههم وآنُفهم وآذانهم وأجوافهم، فيتحيَّرون ويجيبون. .، وذكر بلوغَ الشمس (^٣)، على ما نبيِّن في تفسير تلك الآية إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ أي: سأقرأ عليكم منه خبرًا فيه ذكرُ قصته وحاله.
* * *
(٨٤ - ٨٥) - ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ملَّكناه الدنيا وأعطيناه إمكان ضبطها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "نظرك".
(٢) في (ف): "فلبست".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٩٠ - ٣٩٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٥١ و١٤٧٣)، وواضح أنه مما أخذ عن أهل الكتاب.
[ ١٠ / ١٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾: أي: من كلِّ شيء يحتاج إليه في سياستها ما به يَتوصل إلى المراد، وأصل السبب هو الحبل يُتوصَّل به إلى الماء وغيره.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿سَبَبًا﴾: علمًا، وهو قول قتادة وعبيد بن يعلى وابن زيد (^١).
وقال مجاهد: منازلَ وطرقًا (^٢).
وقال الحسن: بلاغًا إلى حاجته (^٣).
وسئل ابن عباس ﵄: كيف وصل إلى المشارق والمغارب؟ قال: سخَّر له السحاب، وبسط له النور، وكان الليلُ والنهار عنده سواءً.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتشديد، ومعناه: اقتفى، والباقون بالقطع (^٤)، ومعناه: لَحِق، وإنما لم يعرَّف الثاني باللام مع أنه أعاده (^٥) بعد المذكور؛ لأن المراد من الأولى الكلُّ، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾؛ أي: الأسبابَ كلَّها، والمرادَ من الثاني سببٌ منها، ومعناه: امتثل وجهًا من وجوهِ الأسباب؛ أي (^٦): ما مُثِّل له فعمدَ طريق المغرب.
وقيل: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ علمًا ﴿فَأَتْبَعَ﴾ طريقًا.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٧١ - ٣٧٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٧٣).
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٧/ ٢٠٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٩٠)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ١٩٩).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٧ - ٣٩٨)، و"التيسير" (ص: ١٤٥).
(٥) في (أ) و(ف): "مع أنه إعادة".
(٦) "الأسباب أي" ليس في (أ).
[ ١٠ / ١٣٥ ]
وقيل: آتيناه الأسباب؛ أي: الأقطار ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أي: قطرًا منها؛ أي: قَصد أولًا إلى قطر بعينه، وهو المغربُ ليصلحه.
* * *
(٨٦) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾: أي: انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب.
وقوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: أي: رآها في مرأى العين تغيبُ في عين حمئة (^١).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿حَمِئَةٍ﴾؛ أي: ذاتِ حَمْأةٍ، كذا فسرها ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير (^٢) ﵃، والحمأة: الطين الأسود، وقرأ الباقون: ﴿حاميةٍ﴾ (^٣)؛ أي: حارَّة.
والعين موصوفة بهما جميعًا: هي طينةٌ سوداء، وهي حارةٌ.
ومعناه: أنه (^٤) انتهى إلى عمارةٍ كان إذا نظر رأى بعينه عينًا حَمِئةً حاميةً، وكانت الشمس تغيب من تلك الحمئة؛ كالواحد منا إذا كان على شطِّ البحر وغربت الشمس رآها تغرب في البحر.
_________________
(١) في (أ): "حامية".
(٢) في (أ): "وقتادة وسعيد بن جبير"، وفي (ر): "ومجاهد وابن جبير". وقد رواه عنهم جميعًا الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٧٥ - ٣٧٧).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٨)، و"التيسير" (ص: ١٤٥).
(٤) "أنه" ليست في (أ).
[ ١٠ / ١٣٦ ]
وقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ يجوز: عند الشمس؛ أي: بقرب رؤية غروب الشمس، ويجوز: عند العين الحمئة؛ أي: بقُربها.
وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾؛ أي: بالقتل ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾؛ أي: بالمنِّ، وقيل: بالأسر والاسترقاق (^١)، وكانوا كفارًا فخيَّره فيهم بين الأمرين كما خيَّر نبيَّنا محمدًا -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وبقوله في حق أهل الكتاب: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ليجتهد فيختارَ الأصلح في الدين.
* * *
(٨٧) - ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾: إذا أصرَّ على الكفر ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾؛ أي: بالقتل في الدنيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ أي: فظيعًا في الآخرة.
* * *
(٨٨) - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾.
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿جَزَاءً﴾ بالنصب والتنوين، وقرأ الباقون: ﴿جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ بالرفع والإضافة (^٢)، وتقدير القراءة الأولى: فله الحسنى جزاءً، والحسنى: الجنة، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، و﴿جَزَاءً﴾ نصبٌ على المصدر، وتقديره: يجزى به جزاءً.
_________________
(١) في (أ): "وقيل بالاسترقاق".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٨)، و"التيسير" (ص: ١٤٥).
[ ١٠ / ١٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾: أي: سنأمرُه بما هو يسرٌ.
وقال السدي: كانت له آبارٌ يذيب (^١) فيها الصُّفْر، فيأمر بالرجل فيُطرح فيها فيعذِّبه فيها (^٢)، فذلك قوله ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ (^٣).
وقال ابن جريجٍ: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ قال: مدينةً لها اثنا عشرَ ألفَ بابٍ، لولا أصوات أهلها لسمع الناس وجوبَ الشمس حين تَجب (^٤)، واسمها: رومية.
وفي رواية: لسمعوا صوتَ مرِّها في السَّماء كصوتِ المنشار في الخشب.
قال وهبٌ: فلما بلغ المغربَ وجد عددًا لا يُحصيهم إلا اللَّه تعالى، وناسًا لا تُطاق، وألسنةً مختلفةً، وأهواءً مشتَّتةً، فكابَدهم بالظُّلمة فغشِيَتْهم من كلِّ جانب، فأسلموا كلُّهم، فجنَّد (^٥) منهم جندًا عظيمًا، فقادهم والظُّلمةُ تسوقهم حتى ساروا (^٦) إلى ناحية الأرض اليمنى إلى هاويل، فقطع البحار حتى أتاهم (^٧).
_________________
(١) في (ف): "يصب".
(٢) "فيعذبه فيها" ليس في (أ).
(٣) لم أجده، وهو مردود؛ لأن مثل هذا الفعل لا يفعله سوى الظلمة والجبابرة العتاة، وليس من أخلاق المؤمنين والدعاة.
(٤) رواه أبو يعلى كما في "المطالب العالية" (٣٦٥٧)، وعنه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٤٠ - ١٤٤١)، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في "تفاسيرهم" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٥٢). ولعله من خرافات أهل الكتاب.
(٥) في (ر) و(ف): "فأخذ".
(٦) في (ر): "سار".
(٧) قطعة من خبر وهب الطويل، رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٩٠ - ٣٩٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٥١). وهو كسابقه.
[ ١٠ / ١٣٨ ]
وقال السديُّ: وبلغ أرض الظلمات من قِبَل المغرب فدخلها بالخيل، ورأى تحت حوافرها ضوءًا كالنار فقال: مَن أخذ منها (^١) ندم ومَن لم يأخذ ندم، فأَخَذ مَن أَخَذ وتَرَك مَن تَرَك، فلما خرجوا فإذا هو ياقوتٌ أحمر وأصفر، فندم مَن ترَك على الترك، وندم مَن أخذ على ترك الزيادة، وهو أول ياقوتٍ وقع في أيدي الناس (^٢).
* * *
(٨٩ - ٩٠) - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: أي: طريقًا آخر وهو إلى المشرق ﴿إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾:
قال الحسن: كانت أرضهم أرضًا لا تحتمِل البناء، فكانت الشمس إذا طلعت عليهم تهوَّروا في البحار (^٣)، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعَوا كما تراعَى البهائم (^٤).
وقال سَمُرةُ بنُ جندبٍ: لم يُبن (^٥) فيها بناءٌ قط، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا أسرابًا لهم حتى تزول (^٦).
_________________
(١) في (أ): "من هذا".
(٢) قطعة من خبر طويل جدًّا رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٦١ - ١٤٦٧)، من طريق أبي جعفر (هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب) عن أبيه.
(٣) في (ر): "العمار"، وفي (ف): "التماد". وفي "تفسير الثعلبي": (الماء).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٩٢). ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٨٢)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٤٥٤) للطيالسي، والبزار في "أماليه"، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وجاء في آخره: (ثم قال الحسن: هذا حديث سمرة).
(٥) في (ف): "يبتن".
(٦) رواه أبو يعلى كما في "المطالب العالية" (٣٦٥٧)، وعنه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٤٠ - ١٤٤١)، =
[ ١٠ / ١٣٩ ]
وقالوا: إنما لا تحتمِل (^١) البناء لأنه لا جبال فيها، فتميدُ ولا تستقر.
وقال مالك بن سليمان: هم قوم صغيرةٌ أجسامهم، وطعامُهم ما جَزَر عنه البحر من السمك، فأصابه حرُّ الشمس واشتوَى (^٢)، فيأكلونه.
وقيل: لا جبلَ بها ولا شجرَ ولا مأوى، ولا ثوبَ ليَستُرهم (^٣).
وقال مجاهد: مَن لا يلبس الثياب من السودان عند طلوع (^٤) الشمس أكثرُ من جميع أهل الأرض (^٥).
وقال وهب: هم الزنج، وبها ذهبٌ ينبتُ نباتًا!
* * *
(٩١ - ٩٢) - ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾: قيل: كذلك فعل ذو القرنين أَتبع الأسباب ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾؛ أي: وقد علمنا بما لديه من الصلاح كذلك.
وقيل: كذلك جعل اللَّه تعالى أمرَ هؤلاء على ما أَعلم رسولَه.
والثالث: أتبع سببًا بلغ به المشرق كما أتبع سببًا بلغ به المغرب، ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا
_________________
(١) = وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في "تفاسيرهم" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٥٢). وهو من طريق ابن جريج: حدث الحسن (وفي "الدر المنثور": حدثت عن الحسن) عن سمرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-. .، وذكره.
(٢) في (ف): "إنها لا تحتمل"، وفي (ر): "إنما لا تحمل".
(٣) في (ر) و(ف): "واستوى".
(٤) في (ف): "ولا ثوب يسترهم"، وفي (ر): "ولا بيوت تسترهم".
(٥) في (أ): "مطلع".
(٦) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٧٤٥).
[ ١٠ / ١٤٠ ]
بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾: علمنا (^١) كلَّ ما فعل من جميع الجيوش والآلات والسياسات كذلك كانت حاله مع أهل المشرق كما كان مع أهل المغرب.
وقيل: كذلك علِمنا هؤلاء القوم كما (^٢) وجدهم هو، وعلِمنا أيضًا ما كان عنده من التدبير فيهم.
وقال الحسن: كذلك كان خبرُه، ثم ابتدأ ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾.
وعلى هذه الأقاويل كلِّها ﴿لَدَيْهِ﴾ كنايةٌ عن ذي القرنين.
وقال محمد بن جرير: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْه﴾؛ أي: بما عند مطلعِ الشمس ﴿عِلْمًا﴾، لا يخفى علينا ما هنالك من الخلق وأحوالهم وأسبابهم (^٣).
قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: أي: طريقًا آخر.
* * *
(٩٣) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾: قال الضحاك (^٤) ومجاهد: السدَّان: جبلان بين أرمينية وأذربيجان (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا﴾: أي: من ورائهما مجاوِزًا عنهما ﴿قَوْمًا﴾؛
_________________
(١) في (ف): "أي: علمنا".
(٢) في (ف): "ما كان"، بدل: "كما".
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٣٨٤).
(٤) بعدها في (ف): "والسدي".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٨٦)، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٥٤) عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبري عن الضحاك بلفظ: (بين جبلين).
[ ١٠ / ١٤١ ]
أي: أمةً من الناس ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾؛ أي: لا يعرفون الكلام إلا بلسانهم دون لسان ذي القرنين، ﴿يَكَادُونَ﴾ صلة زائدة.
وقرأ حمزةُ والكسائي: ﴿يُفْقِهون﴾ بضم الياء وكسر القاف (^١)، ومعناه ما قال السديُّ: لا يَفقه إنسان كلامَهم.
قال ابن جريج: هم التُّرك (^٢).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ بالفتح، وقرأ الباقون بالضم (^٣).
وقال عكرمة وأبو عبيدة: ما كان من صنعة بني آدم فهو بالفتح، وما كان من صنعة اللَّه تعالى فهو بالضم (^٤).
وقال أبو عمرٍو: السَّدُّ بالفتح: الحاجز بينك وبين الشيء، وبالضم: الغشاوة في العين.
وقيل -وهو قول الكسائي-: هما لغتان؛ كاليَنعْ واليُنعْ؛ والمَكْث والمُكْث (^٥).
* * *
(٩٤) - ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٩)، و"التيسير" (ص: ١٤٥).
(٢) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٥٤).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٩)، و"التيسير" (ص: ١٤٥). وقرأ في الثانية بالفتح أيضًا حمزة والكسائي.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٤١٤)، ورواه عن عكرمة الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٨٤).
(٥) انظر القولين في "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٣٠٦).
[ ١٠ / ١٤٢ ]
قوله تعالى ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: قرأ عاصم بالهمز والباقون بغير همز (^١).
فهَّم ذا القرنين وفهَّمَهم قولَه بعد وَصْفهم بأنهم لا يَفْقَهون ولا يُفْقِهون، وهو من الأسباب التي آتاه اللَّه تعالى كما علَّم سليمانَ مَنطِق الطير، أو تَرْجَم عنه آخَرُ (^٢).
قال وهب: لما كان عند منقطَعِ أرض التُّرك قالت له أمةٌ من الإنس صالحةٌ: إن بين هذين الجبلين خلقًا كثيرًا فيهم مشابهُ الانس، وهم أشباهُ البهائم، يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحوش، ويأكلون الحياتِ والعقارب وكلَّ ذي روح، وليس للَّه خلقٌ يَنْمِي نماءَهم، ويوشِك أن يملؤوا الأرض ويُخْلون منها أهلها، وليست تمر بنا (^٣) سنةٌ منذ جاورونا ورأيناهم إلا ونحن على خوفٍ أن يَطْلع علينا أوائلهم (^٤).
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿خراجًا﴾ والباقون: ﴿خَرْجًا﴾ (^٥).
قال عطاءٌ وقتادة: أجرًا (^٦).
وقال السدِّي: جُعْلًا (^٧).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٩٩)، و"التيسير" (ص: ١٤٥).
(٢) في (أ): "أحد"، وفي (ر): "بنطق آخر".
(٣) في (ر): "علينا".
(٤) قطعة من خبر طويل عن وهب رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٩٠ - ٣٩٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٥٥ - ١٤٦٠)، وهو من الإسرائيليات.
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٤٠٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٦).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٠٢) عن قتادة، وعن عطاء الخراساني عن ابن عباس.
(٧) ذكره ابن زنجلة في "حجة القراءات" (ص: ٤٠٢).
[ ١٠ / ١٤٣ ]
وقال الحكم: مالًا.
وقال أهل اللغة: الخَرْج: ما يُخرَج من المال، والخَراج: ما يُخرَج من الأرض.
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾: فسألوه أن يجعل بينهم حاجزًا على أن يُعِينوه بمالهم دفعًا لفسادهم في الأرض.
قال السدِّي: كانوا يَخرجون فيأخذون ويَقتلون ثم يَرجعون.
وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضنا أيامَ الربيع فلا يدَعون شيئًا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسًا إلا احتملوه وأدخلوه أرضَهم.
وقيل: كانو ا يُفسدون معايشهم وأموالهم وأزواجَهم.
وعن وهب: أنهم يلوطون بالرجال.
وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا يأكلون لحوم الناس.
* * *
(٩٥ - ٩٦) - ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾: قال السدي: أي: ما أعطاني ربي من الدنيا خيرٌ مما تَعرضون عليَّ من المال (^١).
وقال ابن عباس ﵄: أي: العلمُ الذي أعطاني ربِّي بالأسباب التي يقع بها التمكينُ خيرٌ من جُعلكم.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٥٩).
[ ١٠ / ١٤٤ ]
قرأ ابنُ كثير: ﴿مكَّنني﴾ بنونين على الإظهار، والباقون بنونٍ واحدة مشدَّدة على الإدغام (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾: أي: برجالٍ وآلةٍ، ولا حاجة بي إلى المال.
وقيل: أي: أعينوني بمالٍ أَصْرفه في الآلة، لا جُعلًا لي وأجرًا.
وقوله تعالى: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾: أي: سدًّا.
وقال ابن عباس ﵄ هو كأشدِّ الحجاب (^٢).
وقال الكلبي: لمَّا قال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ قالوا: ما تريد؟ قال: آلة العمل، قالوا: ما هي؟ قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾؛ أي: ائتوني بزُبَرِ الحديد، يعني (^٣): قطعَه.
قال ابن عباس ومجاهد والربيع والسدِّي وعطاء: زبر الحديد: قطعُ الحديد (^٤).
وقال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة، والأَزْبرُ: الضخم (^٥).
وقيل: الزُّبرةُ: الجملة المجتمِعة، من قولك: زَبَرْتُ الكتاب؛ أي: كتبتُه وجمعتُ حروفه.
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: وهاهنا مضمرٌ تقديره: فأَتَوه بها فساوى بين الصدفين؛ أي: الجبلين، يعني: وضعها بينهما حتى صارت مساويةً لهما كالحشو فيما بينهما.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٠٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٠٥ - ٤٠٦) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي صالح.
(٣) "ائتوني بزبر الحديد يعني" من (أ).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٠٤).
(٥) انظر: "العين" (٧/ ٣٦٢).
[ ١٠ / ١٤٥ ]
وقيل: حتى وارى رؤوسهما.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الصاد والدال، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتحهما، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضمِّ الصاد وتسكينِ الدال (^١)، وهي ثلاث لغات.
قوله تعالى: ﴿قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾: أي: وضع المنافخ وأوقد النار في الحديد، ثم أمر بالنفخ فيها.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾: أي: نفَخوا حتى ذاب الحديد كلُّه وصار كالنار في منظرها.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ائتوني﴾ من الإتيان (^٢)، وقرأ الباقون بالمد (^٣)؛ أي: آتوني بقِطرٍ أفرغْ عليه، والقِطر: النحاس.
وقيل: هو المذاب الذي يَقطُر.
قال السدِّي: نضَّد الحديد، ثم وضع عليه الحطب، ثم قال: ﴿انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ ثم أمر بالصُّفْر فأذيب فصُبَّ عليه، فصار طريقةً حديدًا و(^٤) طريقةً صُفرًا.
وقال وهب: أمرهم بجمع الحديد والصُّفر والنحاس، ودخل هو بين بلادهم، ورأى حالهم وقاس ما بينهما، فكان بُعدُ ما بينهما مئةَ فرسخ، فرجع عنهم وحفر أسًّا (^٥) حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوَها الصخورَ،
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٠١)، و"التيسير" (ص: ١٤٦).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٠١)، و"التيسير" (ص: ١٤٦) عن حمزة، وأبي بكر بخلف عنه.
(٣) وهو الوجه الثاني لأبي بكر.
(٤) في (أ): "وصار".
(٥) في (ر) و(ف): "أساسا".
[ ١٠ / ١٤٦ ]
وطينَها النحاسَ يذابُ ويُصبُّ عليه، وأعلاه زبر الحديد والنحاس المذاب، وصار كأنه بردٌ محبَّر من صُفرة النحاس وحمرتِه وسوادِ الحديد (^١).
* * *
(٩٧) - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: أي: يَعلُوه من فوقه لعلوِّه ومَلاسَته ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ من أسفله فيَخرجوا منه لكثافته وصلابته.
* * *
(٩٨) - ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
﴿قَالَ هَذَا﴾: أي: ما قوَّاني اللَّه تعالى عليه من هذا الرَّدم ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ على خلقه، وهو يبقى إلى الميقات (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾: وهو الوقت الذي وقَّته لخروجهم في آخر الزمان.
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: على قراءة المد: مستويةً (^٣) على الأرض، من قولهم: ناقةٌ دكاءُ؛ أي: لا سنام لها، وهي قراءة ابن كثير ونافعٍ وأبي عمرو وابن عامر (^٤)، والتأنيث راجع إلى مؤنَّث مضمَر؛ كأنه قال: جعله أرضًا دكَّاء.
_________________
(١) قطعة من خبر وهب الطويل رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٩٠ - ٣٩٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٥٥ - ١٤٦٠).
(٢) في (أ): "الميعاد".
(٣) في (ف): "فيسويه".
(٤) كذا قال والصواب العكس، فقرأ المذكورون بغير مد، وقرأ باقي السبعة -وهم حمزة والكسائي وعاصم- بالمد. انظر: "السبعة" (ص: ٤٠٢)، و"التيسير" (ص: ١٤٦) عن حمزة، وأبي بكر بخلف عنه.
[ ١٠ / ١٤٧ ]
وقرأ الباقون غيرَ ممدودة بالتنوين، ومعناه: مدكوكًا؛ أي: مدقوقًا ملزوقًا (^١) بالأرض، مصدر بمعنى المفعول؛ كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]؛ أي: مخلوق اللَّه، و: هذا الدرهم ضربُ الأمير؛ أي: مضروبُه.
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾: أي: صدقًا، وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ولد لنوح سامٌ وحامٌ ويافث، فولد سام العربَ وفارسَ والروم والخيرُ فيهم، ووَلد يافث يأجوجَ ومأجوجَ والتركَ والصقالب ولا خير فيهم، ووُلد لحامٍ القِبْطُ والبربرُ والسودان" (^٢).
وفي الحديث المرفوع: "ولا يموتُ أحدهم حتى يُولد لصُلبه ألفُ رجل" (^٣).
وقال أبو سعيد: هم خمس وعشرون قبيلةً من وراء يأجوج ومأجوج (^٤)، طولُ هؤلاء شبرٌ في شبرٍ.
وفي حديث ابن عباس: شبر وشبران وثلاثة أشبار (^٥).
_________________
(١) في (ف): "مدفونًا ملزقًا".
(٢) رواه البزار (٢١٨ - كشف)، والخطيب في "تالي تلخيص المتشابه" (١/ ١١٤)، من طريق سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا. وفي إسناده يزيد بن سنان الرهاوي، قال عنه الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/ ٢٧٠) بعد أن ذكر هذا الحديث: (ضعيف بمرة، لا يعتمد عليه). ورواه الطبري في "تاريخه" (١/ ١٢٩) من قول سعيد بن المسيب، وهو المحفوظ كما قال ابن كثير.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٠٠) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وإسناده ضعيف. ورواه عبد الرزاق في "التفسير" (١٨٨٩)، وعنه نعيم بن حماد في "الفتن" (١٦٤٢)، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص موقوفًا، ورواه نعيم (١٦٤٣) و(١٦٥١) موقوفًا أيضًا عن عبد اللَّه بن سلام وابن مسعود.
(٤) إلى هنا رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٤٨).
(٥) رواه الحاكم في "المستدرك" (٨٦٠٧) عن ابن عباس موقوفًا.
[ ١٠ / ١٤٨ ]
وقال كعب: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم [أجسامهم كالأرز، وصنف] أربعة أذرع في أربعةِ أذرع طولًا وعرضًا، وصنف يفترشون إحدى آذانهم ويلتحفون الأخرى (^١).
وقال حسان: هم أمتان، في كلِّ أمةٍ أربع مئةِ ألفِ أمةٍ، لا تشبه أمةٌ أمةً أخرى (^٢).
وقال الكلبي: طعامهم التنِّين (^٣)، لا يزرعون إنما يقع في أبياتهم (^٤) أمثالَ الجبال منها فيأكلونها (^٥).
وقال وهب: توسَّط ذو القرنين بلادهم فإذا لهم مخاليبُ وأضراسٌ وأنيابٌ
_________________
(١) رواه نعيم في "الفتن" (١٦٢٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٤)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٤٥٦) لابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ١٠٧). وما بين معكوفتين من هذه المصادر. والأرز كما قال ابن حجر: بفتح الهمز وسكون الراء، وهو شجر كبار جدًّا.
(٢) رواه نعيم في "الفتن" (١٦٤٩)، والداني في "السنن الواردة في الفتن" (٦٧٣)، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٥٦)، عن حسان بن عطية.
(٣) في (أ): "القنين". وانظر التعليق بعد الآتي.
(٤) في (أ): "في أنيابهم"، وفي (ف): "فيهم".
(٥) لم أقف عليه، وجاء في خبر وهب الطويل الذي تقدمت منه قطع: (. . وهم يرزقون التنين أيام الربغ، ويستمطرونه إذا تحينوه كما نستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كلّ سنة بواحد، فيأكلونه عامهم كله إلى مثله من العام القابل، فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم، فإذا أمطروا أخصبوا وعاشوا وسمنوا، ورؤي أثره عليهم، فدرّت عليهم الإناث، وشَبِقت منهم الرجال الذكور، وإذا أخطأهم هَزَلوا وأجدبوا، وجفرت الذكور، وحالت الإناث، وتبين أثر ذلك عليهم. .). وفي "تهذيب اللغة" (١٤/ ١٨٠): (التِّنِّينُ: ضرب من الحيّات من أعظمها. . . وجاء في بعض الأخبار أن السحابة تحمل التنين إلى بلاد يأجوج ومأجوج فتطرحُه بها، وأنهم يجتمعون على لحمه فيأكلونه)، وكله من خرافات أهل الكتاب.
[ ١٠ / ١٤٩ ]
كأنياب السباع وأضراسِها، وأحناكٌ كأحناك الإبل يسمع لها حركة (^١) إذا أكلوا، وعلى أبدانهم شعورٌ يتوارون بها ويتوقَّون الحر والبرد، لكلِّ واحد منهم أذنان عظيمتان، على ظاهر إحداهما وباطنها وبرٌ، وعلى ظاهر الأخرى وباطنها زغبٌ، يتصيَّف في إحداهما ويتشتَّى في الأخرى، يعلم كلُّ ذكر وأنثى وقتَ موته، وهو إذا تم له ألفُ ولد، وإذا مطروا أخصبوا وسمنوا وشبعوا وتوالدوا وإذا لم يمطروا هزلوا وعجزت الذكور وحالت الإناث، يعوون عواء الذئاب، ويتسافدون حيث التَقَوا تسافُد البهائم (^٢).
وروَى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "إن يأجوج ومأجوج يحفرون السدَّ كلَّ يوم، حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غدًا، فيُعيده اللَّه تعالى أثبتَ ما كان، حتى إذا بلغت مدتُهم حفروه حتى كادوا يَخرقونه، قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غدًا إن شاء اللَّه تعالى، فاستثنى، قال: فيعودون إليه فيجدونه كهيئته حين تركوه، فيخرقونه فيخرجون على الناس ويستقون الماء، ويتحصَّن الناس منهم في حصونهم، فيَرمون سهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا أهل السماء، فبعث اللَّه عليهم نَغَفًا في أقفائهم فيهلكهم اللَّه تعالى به، فوالذي نفسي بيده إن دوابَّ الأرض لتسمنُ من لحومهم" (^٣).
* * *
_________________
(١) يعني: حركة كحركة الجِرَّة من الإبل. كما جاء في الرواية.
(٢) قطعة من خبر وهب الطويل الذي تقدمت منه قطع، والمراد من الإمطار إمطار التنين عليهم. انظر التعليق السابق.
(٣) رواه الترمذي (٣١٥٣) وحسنه، وابن ماجه (٤٥٨٥)، والحاكم في "المستدرك" (٨٥٠١) وصححه، وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٤/ ٢٠١): صحيح رجاله ثقات.
[ ١٠ / ١٥٠ ]
(٩٩) - ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾: قال الحسن والكلبيُّ والسدي: يعني: يأجوج ومأجوج يوم خروجهم من السدِّ يموج بعضهم في بعضٍ يزدحمون ويتبادرون (^١).
وقال نفطويه: يختلطُ بعضُهم ببعضٍ مقبِلين مُدْبرين حيارَى.
وقال ابن عباس ﵄: هم الجن والإنس يموجون عند خروج يأجوج ومأجوج (^٢)؛ إذ هو عَلَمٌ للساعة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] إلى قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقّ﴾ [الأنبياء: ٩٧].
وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾؛ أي: ينفخ إسرافيل فيه.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾: هو أول يوم القيامة (^٣)، وهذا الموجُ هو ازدحامهم (^٤) واختصامهم.
قوله تعالى: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾: للعرض والحساب والجزاء؛ كما قال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
* * *
(١٠٠) - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾.
_________________
(١) رواه بنحوه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٦٣) عن السدي.
(٢) رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتِم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٦٣)، ولفظه: الجن والإنس يموج بعضهم في بعض.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤١٦).
(٤) في (ف): "واخطباطهم".
[ ١٠ / ١٥١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾: أي: أبرزنا جهنم لهم يرونها قبل أن يدخلوها بما فيها، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾.
* * *
(١٠١) - ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾: صفةٌ لقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، مجازٌ عن احتجابهم عن النظر في العواقب والتفكُّر فيما ذكَّرهم اللَّه تعالى به.
وقال مجاهد: ﴿فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أي: في غفلةٍ، كما قال: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: أي: يَستثقلون سماع (^١) ذكر اللَّه تعالى.
* * *
(١٠٢) - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾: أي: أفظنَّ هؤلاء الذين كفروا وأشركوا واتَّخذوا (^٢) الأنبياء والملائكة آلهةً أنهم إنْ تولَّوهم يصيرون لهم بذلك أولياءَ ينصرونهم ويشفعون لهم ويقرِّبونهم إلى اللَّه زُلفى. وهذا استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار؛ أي: ليس كذلك.
و﴿عِبَادِي﴾ إضافة التخصيص، فدلَّ على ما قلنا، وكذا قال ابن عباس ﵄، قال: هم عيسى والملائكة (^٣).
_________________
(١) في (أ): "استماع".
(٢) في (ر): "هؤلاء الكفار والمشركين الذين اتخذوا".
(٣) روي هذا عن غير ابن عباس، كما روي عن ابن عباس خلافه، فقد روى الطبري في "تفسيره" =
[ ١٠ / ١٥٢ ]
وقيل ﴿عِبَادِي﴾؛ أي: الشياطين والجن، وهو إضا فة التخليق، ولا يكونون أولياء، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾: للمعاندين والشياطين جميعًا.
وقال مقاتل: ﴿يَتَّخِذُوا عِبَادِي﴾؛ أي: الأصنام (^١)، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤].
وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: جعلناها مقرًّا (^٢) لهم لينزلوها.
وقال الزجَّاج: ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: منزلًا (^٣).
وقيل: النُّزل: الطعام المهيَّأ للنازل.
* * *
(١٠٣ - ١٠٤) - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يجوز
_________________
(١) = (١٥/ ٤٢٢) عن ابن جريج في قوله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ قال: يعني مَن يَعبد عيسى ابن مريم والملائكة، وهم عباد اللَّه، ولم يكونوا للكفار أولياء. أما ابن عباس ففي "تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٠٠) عنه أنه قال: يعني: الشياطين، تولَّوهم وأطاعوهم من دون اللَّه. لكن هذا القول استبعده الآلوسي وغمز في صحته، فقال: وفيه بعد، ولعل الرواية لا تصح. انظر: "روح المعاني" (١٥/ ٥٨٥).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٠٤).
(٣) في (أ): "معدة".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٣١٤).
[ ١٠ / ١٥٣ ]
أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ نعتًا لـ (الأخسرين) ويكونَ جوابُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ جوابًا وتقديره: هم الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: أي: تلاشَى عند اللَّه ثوابُ ما عملوا في الدنيا، وهم مع هذا يظنون أن ما يصنعونه من موالاةِ الكفار وتعنُّت النبيِّ -ﷺ- بهذه السؤالات صنعٌ حسنٌ.
* * *
(١٠٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: أي: أولئك كفروا بالتوراة بجَحْد ما فيها ﴿وَلِقَائِهِ﴾؛ أي: البعثِ بعد الموت ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: بطَلت ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾؛ أي: لا نجعل لها قَدْرًا.
* * *
(١٠٦) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾: يَهْزؤون بذلك.
ثم بعد ذكرِ جزاء الكافرين ذَكَر جزاء المؤمنين، وهو قوله:
* * *
(١٠٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾: أي: بساتينُ الأعناب وكلُّ شيء من الثمار والأزهار (^١) وسائرِ ما يُلِذُّ ويُمتِع، وهو بلسان السُّريانيةِ في الأصل،
_________________
(١) في (أ): "والأنهار".
[ ١٠ / ١٥٤ ]
وصارت عربيةً باستعمال العرب (^١)، وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: ثوابًا معدًّا للنازلين بها.
وقال أبو أمامة: الفردوس سُرَّة الجنة وأفضلُها (^٢).
* * *
(١٠٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾: لا يطلبون عنها تحويلًا.
قال الزجَّاج: هو مصدرُ حال يَحولُ حِوَلا كالصِّغَر والكبَر (^٣).
ومعناه: لا يتمنَّون التحوُّل عنها؛ لأنَّه يكون لكراهته، أو لوجود أفضلَ منه، وليس كذلك، ولأن الإنسان إنما يطلب التحوُّل إذا حُوِّل، وهم لا يحوَّلون.
* * *
(١٠٩) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾: لمَّا سألوا (^٤) عن الرُّوح وكذا وكذا ونزل في جواب الروح في آخر الآية ﴿وَمَا
_________________
(١) في (ف): "العرف".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤١١٠)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٣١). وروي عنه مرفوعًا، رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٤٠٢)، والطبراني في "الكبير" (٧٩٦٦)، وفيه جعفر بن الزبير، قال عنه الذهبي في "التلخيص": هالك. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٩٨): متروك.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٣١٥).
(٤) في (ف): "سألوه".
[ ١٠ / ١٥٥ ]
أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: إنه يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ثم يقول هذا، فكيف يجتمعان؟! فنزلت الآية (^١).
أي: وإن كانت الحكمة -وهي القرآن- خيرًا كثيرًا وقد آتانيه اللَّه تعالى، ولكن (^٢) كلمات اللَّه تعالى لا نفاد لها، ومعلوماتُه لا يحاط بها كثرةً، فما أوتيتُ أنا من القرآن ولا أنتم من التوراة في جنب ذلك إلا قليلًا.
وقال السدِّي: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ فكُتب به ما وَصف اللَّه تعالى في الجنة للمؤمنين مما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطَر على قلبِ بشر، وما في النار للكافرين، وقد سبق ذكرهما في هذه الآيات، لنَفِدَ البحر قبل أن يَنْفدَ ذلك (^٣)، ولو جيء ببحرٍ آخرَ مثلِه لنَفِدَ أيضًا؛ أي: فَنِيَ.
وقال عكرمة: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾؛ أي: ثوابُ مَن تكلَّم بكلماتِ ربي، يعني: قال (^٤): لا إله إلا اللَّه، قال تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].
* * *
(١١٠) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" (٢/ ٣٦٥)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ١٦٢)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٩٨)، و"البسيط" (١٤/ ١٧٢)، و"تفسير البغوي" (٥/ ٢١٢)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٤٦)، و"الكشاف" (٢/ ٧٥٠). وعزاه بعضهم لابن عباس ﵄.
(٢) في (ر) و(ف): "وكل".
(٣) في (ر) و(ف): "قبل أن تنفد كلمات ربي".
(٤) في (ف): "قول"، وليست في (ر).
[ ١٠ / ١٥٦ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾: أي: مِثْلُكم في البشرية، وأُفارقكم في أن يُوحى إليَّ، فلا أعلم إلا ما علَّمني ربي، وقد أَوحَى إليَّ أنْ أبلِّغكم.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فلا تتخذوا من دونه أولياء (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾: أي: يأمل ثواب الطاعة، وقيل: يخاف عقاب المعصية، والرجاء اسم لهما عند لقاء ربه؛ أي: يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾: خالصًا عن الشرك والرياء ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قيل: ولا يراءِ بعمله للَّه أحدًا مِن خلقه.
وقيل: لا يشركْ باللَّه في العبادة شيئًا من الأصنام وغيرها.
والحمد للَّه رب العالمين، ربِّ نجِّنا من القوم الظالمين، واجعلنا من عبادك الصالحين (^٢)، بلطفك آمين (^٣).
* * *
_________________
(١) في (أ): "وليًا".
(٢) في (ف): "المخلصين".
(٣) "ربِّ نجِّنا من القوم الظالمين، واجعلنا من عبادك الصالحين، بلطفك آمين" ليس في (أ).
[ ١٠ / ١٥٧ ]
سورة مريم
[ ١٠ / ١٥٩ ]