بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه الذي يَهدي مَن اتَّبعَ رِضوانَهُ سبلَ السَّلام، ويُخرجُهم مِن الظُّلماتِ إلى النُّور بإذنه، ويَهديهم إلى صراطٍ مستقيم، الرَّحمن الذي يحبُّ المؤمنين ويحبونَه، وذلك فضلُ (^١) اللَّه يؤتيهِ مَن يَشاء، واللَّهُ واسعٌ عليم، الرَّحيم الذي يُدخِلُهم جناتٍ تَجري مِن تحتِها الأنهارُ خالدين فيها أبدًا، رضيَ اللَّهُ عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوزُ العظيم.
وسورةُ المائدةِ مدنيَّةٌ، ورُويَ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ سورةَ المائدةِ (^٢) من آخر القرآن تنزيلًا؛ فأحِلُّوا حلالَها، وحَرِّموا حرامَها" (^٣).
وعن أسماءَ بنتِ يزيد أنَّها قالت: إنِّي لآخذةٌ بزِمامِ العَضباء، ناقةِ رسول اللَّه
_________________
(١) بعدها في (ف): "من".
(٢) بعدها في (ف): "كانت".
(٣) أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٣٩) عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس، وهما تابعيان، فالحديث مرسل، وتحرف في مطبوعه إلى: "ضمرة بن حبيب عن عطية بن قيس"، وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٥٧ - ١٥٨). وأخرج النسائي في "الكبرى" (١١٠٧٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢١٠) نحوه عن جبير بن نُفير عن عائشة ﵂ موقوفًا عليها.
[ ٥ / ٢٨٣ ]
-ﷺ-، إذ نزلَتْ عليه سورةُ المائدةِ كلِّها، وكادَت مِن ثقلِها تَدُقُّ عضدُ النَّاقة (^١).
وقيل: هي مدنيَّةٌ إلَّا قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]؛ فإنَّها نزلَتْ بعرفات عشيَّةَ عرفة (^٢).
وهي مئةٌ وعشرون آيةً، وقيل: اثنان وعشرون آية، وقيل: ثلاثٌ وعشرون آية، الاختلافُ في ثلاثِ آيات؛ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]، ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣].
وكلماتها ألفان وثمان مئة وثلاث، وحروفُها أحدَ عشر ألفًا وتسعُ مئةٍ وأحد وخمسون (^٣).
وقد روى أبيُّ بن كعب عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورةَ المائدة أُعطيَ من الأجرِ بعددِ كلِّ يهوديٍّ ونصرانيٍّ يَتنفَّسُ في دار الدُّنيا عشرَ حسنات، ومُحيَ عنه عشرُ سيِّئات، ورُفِعَ له عشرُ درجات" (^٤).
وانتظامُ هذه السُّورة بالسُّورةِ التي قبلها أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ في تلك السُّورة حكمَ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٧٥٧٥)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٨٩). قال محققو "مسند أحمد": حسن لغيره.
(٢) قال القرطبي في "تفسيره" (٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤): وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي -ﷺ- فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار، وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة.
(٣) في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٥): و"ثلاثة وثلاثون" بدل: "وأحد وخمسون".
(٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١١/ ١٠٩) (طبعة دار التفسير)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ١٤٧)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٤٧١) من حديث أبي بن كعب، وفيه ذكر فضائل سور القرآن سورةً سورة، وقد فرقها الثعلبي والواحدي على مواضعها في مطالع السور. قال ابن الجوزي: هذا حديث مصنوع بلا شك. اهـ. انظر تتمة الكلام عنه في آخر سورة النساء.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
أموالِ اليتامى، وحكمَ النِّساء، وحكمَ المواريثِ، وحكم المحرَّمات (^١) والمحلَّلات، وحكمَ السَّكران، والصَّلوات، والأمانات، والقِتال، وقتلَ المؤمن، وصلاةَ الخوف، والسَّرقةَ، والخُلعَ، والصُّلحَ، والشَّهادةَ والحكم، وتحكُّمَ (^٢) المنافقين وأهل الكتاب، وختمها بقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: هذه ا لأحكام؛ لئلَّا تضلُّوا أي: لا تخطئوا، وهذه عهودُ اللَّه مع خلقه، وهي أوامرُه ونواهيه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ (^٣) [يس: ٦٠]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠].
وذكرَ في آخرِ تلك السُّورة نقضَ أهلِ الكتابِ عهودَ اللَّه، وأمرَ في أوَّلِ هذه السُّورةِ المؤمنين بالوفاءِ بهذه العهود؛ مخالفةً لهم.
ونظمٌ آخر: أنَّه حرَّم عليهم بنقضِهم الميثاقَ الطَّيِّبات، وأمرَنا (^٤) بالوفاء بالعهود، وأخبرَ أنَّه أحلَّ لنا الطيِّبات بقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ وبما بعدَه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ﴿أَوْفُوا﴾ أمرٌ، والعقودُ: العهودُ الموثَّقةُ المحكمَة، مِن عَقْدِ الشَّيء بالشَّيء، وهو شدُّه به، والعقودُ ثلاثة: عهودُ اللَّه مع عباده، وهي أوامرُه ونواهيه، وعهودُ العبادِ مع اللَّه تعالى، وهي الأيمانُ والنُّذور، وعهود (^٥) النَّاس فيما بينهم، وهي العقود الشرعية.
* * *
_________________
(١) في (أ): "في المحرمات"، وفي (ر): "والمحرمات".
(٢) في (ف): "وحكم".
(٣) قوله: "يَا بَنِي آدَمَ" من (ر).
(٤) في (أ): "وأمر".
(٥) في (أ) و(ر): "وعقود".
[ ٥ / ٢٨٥ ]
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هذا أمرٌ بالوفاءِ بكلِّ ذلك.
أمَّا الأول فهو كقولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وأما الثاني فهو كقولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
وأما الثالث فهو كقولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾، ثمَّ هذا الأمرُ للإيجاب، وهو على وجوه عشرة:
للإلزامِ على الدوام، كقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦].
وللإيجابِ مؤقتًا، كقوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢].
وللنَّدب، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩].
وللإباحة، كما في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
وللتَّكوين، كقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
وللنَّهي، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
وللردِّ، كقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨].
وللتخيير، كقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠].
وفي معنى الشَّرط كقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]؛ أي: إن كنتم حجارةً أو حديدًا، فلكمُ الموت.
وللإعجاز، كقوله: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
[ ٥ / ٢٨٦ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تشريفٌ، و﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ تكليفٌ، ولمَّا علِمَ أنَّ في التَّكليفِ مشقَّةً، قدَّمَ التَّشريفَ بالثناء على التَّكليف بالأداء، فقال: يا مَن فتحتُ بصائرَهم بشهودِ حقِّي، لا تكونوا كمَن أعرضتُ عنهم مِن خلقي.
والعقدُ: ما ألزمَكَ بسابقِ إيجابِه، ثمَّ وفَّقك بعد ما أظهركَ عند خطابه لجوابِه، فانبرمَ العقدُ بحصولِ الخطاب، والقَبول بالجواب، ويَدخلُ في ذلك ما عَقَدَ القلبُ معه سرًّا بسِرٍّ؛ من خلوصٍ له أضمرَه، ومعنًى كوشِفَ به وطولِبَ به فاستشعرَه (^١).
ثمَّ مِن هذه العقود ما ذكرَهُ مِن بعدُ، وهو قولُه تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ فمِن الوفاءِ بالعهدِ تحريمُ ما حرَّمَهُ، وإحلالُ ما أحلَّه، والبهيمةُ هي التي لا تَعقلُ؛ من قولهم: استبهمَ الأمرُ عليَّ؛ أي: أشكل، والأنعام هي: الإبلُ والبقرُ والغنم، واحدُها: نَعَم، قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]، وقال: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ الآيات [الأنعام: ١٤٢]، وقد يُطلَق على الإبلِ خاصَّةً.
والبهيمة أضيفت إلى الأنعام، وله وجهان:
أحدهما: أنَّ معناه: البهيمة من الأنعام.
والثاني: أنَّهما واحدٌ، والجمعُ بينهما تأكيدٌ، كما يقال: علمُ اليقين، وحقُّ اليقين، وهو إضافةُ الشَّيء إلى نفسِه، ويدلُّ عليه قوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٣٠]، كما جَمع بينهما هاهنا، والبهيمةُ على هذا واحدٌ أريد به الجمع، كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧].
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧).
[ ٥ / ٢٨٧ ]
ثم هذا إشارةٌ إلى ردِّ قولِ الثَّنويَّة (^١) الذين لا يَرونَ ذبحَ الحيوانات وأكلَها، ويقولون: هي بهائمُ لا تَعقلُ، وأكلُها مِن القسوةِ وقلَّة الرَّحمة، فأخبر أنَّ الحكمَ للَّه، والخلقَ كلَّه للَّه، وتناولَها بأمر اللَّه.
وقال الشَّعبيُّ: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: ما في بطون الأنعام (^٢).
وروي عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّه قال: سُئِل النَّبيُّ -ﷺ- عن جنين الناقة، قال: هو من بهيمة الأنعام (^٣).
وقال الكلبيُّ ﵀: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: بقرُ الوحشِ وحُمُر الوحشِ والظَّبيُ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: سوى ما يُقرَأ عليكم؛ أي: في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله (^٥): ﴿عَلَى النُّصُبِ﴾، وإطلاقُ هذا يقتضي حِلَّ تلك الأشياء، ولمَّا استثنى تلك الأشياء بقيَ الحِلُّ فيما وراءها.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ نصب على الحال؛ أي: أُحِلَّ لكم (^٦) هذا في
_________________
(١) هم أصحاب الاثنين الأزليين، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان. انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني (٢/ ٤٩).
(٢) ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٧) عن الشعبي أنه قال: بهيمة الأنعام: الأجنة التي توجد ميتةً في بطن أمهاتها إذا ذبحت.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أبو داود في "سننه" (٢٨٢٧) عن أبي سعيد، قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن الجنين، فقال: "كلوه إن شئتم" قال: قلنا: يا رسول اللَّه، ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة، في بطنها الجنين، أنلقيه أم ناكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٧).
(٥) بعدها في (ر): "وَمَا ذُبِحَ".
(٦) في (ف): "لهم".
[ ٥ / ٢٨٨ ]
غير إحلالِكم الصيد وأنتم محرمون؛ أي: في حالِ ما لا تستحِلُّون ذلك بالاصطياد في الحَرم أو الإحرام.
وقيل: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ يَرجعُ إلى اسم اللَّه تعالى؛ أي: أحللنا لكم الأنعامَ غيرَ محلِّين لكم اصطيادَها في الحَرم أو الإحرام (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الواو للحال والحُرم جمع حرام، ويجوزُ أن يكون هو اسمًا للواحد والجَمع، كالجُنُب يُسمَّى به الواحدُ والجمع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والحُرُم والمحرمُ واحد، وقد أحرمَ؛ أي: دخل في الحَرَم، وأحرمَ أي: عقدَ الإحرامَ للحجِّ أو العمرة، وتحريمُ الاصطيادِ ثابتٌ في حقِّهما جميعًا، وتقديرُه: أحِلُّوا بهيمةَ الأنعام غيرَ محلِّين لها في الإحرام إذا كان صيدًا، والأنعام يتناولُها؛ لأنَّ البقرَ الوحشيَّة منها، والظِّباءُ كالعنوز.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ مِن التَّحريم والتَّحليل للصيد (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا يردُّ على المعتزلة؛ لأنَّهم يقولون: يريدُ اللَّهُ طاعةَ كلِّ أحدٍ، ولو أرادَ ذلك لحكم به، إذ أخبرَ أنَّه يَحكُمُ ما يُريد، ولا جائزٌ أنْ يُريدَ ولا يَحكم، ولو حكمَ لنفذَ حكمُه، فدلَّ أنَّه لم يُرِد (^٣).
* * *
(٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والإحرام".
(٢) تحرف في (أ) و(ر) إلى: "للعبيد".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٣٨).
[ ٥ / ٢٨٩ ]
قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشَّعائرُ: معالمُ الدِّين، واحدتُها شعيرةٌ، والإشعارُ: الإعلامُ، والشِّعرُ العلم، ومعناه هاهنا ما قال ابنُ عباس: أي: لا تَستحِلُّوا شيئًا مِن تركِ المناسك (^١)؛ مِن الطَّوافِ بالبيت، والسَّعيِ بين الصَّفا والمروة، ومسحِ (^٢) الرُّكن، والوقوفِ بعرفات والمزدلفة، ورميِ الجمار؛ لأنَّ عامَّةَ العرب كانوا لا يَرون الصَّفا والمروة مِن شعائر اللَّه، كما بيَّنَّا في تلك الآية، والحُمْس (^٣) كانوا لا يَرون (^٤) الوقوفَ بعرفات منها.
وقيل: أي: لا تَصيدوا وأنتم حرم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ هو اسمُ جنسٍ، فيَقعُ على الأربعةِ الأشهرِ الحُرُم كلِّها، وهي: رجبٌ وذو القَعدة وذو الحِجَّة والمحرَّم؛ أي: لا تَستَحِلُّوا (^٥) هذه الشهور، ولا تتعرَّضوا بقتلٍ ولا قتالٍ أحدًا فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ هو ما يُهدَى إلى الكعبةِ مِن الإبلِ والبقرِ والغنم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ وهي الإبلُ تُقلَّدُ بلحاءِ شجرٍ أو عُروةٍ مزادةٍ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٢).
(٢) في (ف): "ومس".
(٣) وقع في هامش (ف) ما نصه: "حاشية: سميت قريشًا حمسًا لتشددهم دينًا ودنيا".
(٤) بعدها في (ف): "ذلك".
(٥) بعدها في (أ): "في".
[ ٥ / ٢٩٠ ]
ونحوها، وتُوجَّهُ إلى الحَرَم؛ أي: لا تَستحِلُّوا هذهِ الأشياءَ، فلا تتعرَّضوا لأهلها بسوء (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ﴾؛ أي: ولا تَستحِلُّوا القاصدينَ ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾؛ أي: الكعبةَ المحرَّمة المحترمة (^٢)، وقد أمَّ يَؤمُّ أمًّا (^٣)؛ أي: قصدَ، ﴿آمِّينَ﴾ نصب بـ ﴿تُحِلُّوا﴾، و﴿الْبَيْتَ﴾ نصب بوقوعِ الأَمِّ عليها.
وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ صفةٌ للآمين؛ أي: يَطلبون فضولَ الأموالِ بالتِّجارات، ويَطلبون رِضوان اللَّه عنهم، والعفوَ عن الجنايات؛ أي: يَقصدونَ البيت لإصلاحِ أسبابِ المعاشِ والمعاد، وإن كان هذا بحقِّ (^٤) الآمِّين المؤمنين، فابتغاءُ رضوانِ اللَّه منهم (^٥) ظاهر، وإن كان في حقِّ الكفار، فمعناه (^٦) أنَّهم يزعُمون أنَّهم يَبتغون رضا اللَّهِ عنهم (^٧)، لكنَّهم لا يَنالونه إلَّا بعد الإيمان.
وقيل: هو ترضِّيهم اللَّهَ تعالى بتأخيرِ العذاب عنهم، وألَّا يعاجِلَهُم كما عاجلَ المكذِّبين من الماضين، كذلك قال قتادةُ (^٨) وجماعةٌ.
وأصلُ ذلك أنَّ اللَّهَ تعالى عظَّمَ مكَّة وحرَّمَها، وجعلَ النَّاسَ يأتونها من الآفاق،
_________________
(١) في (ف): "لها" بدل: "لأهلها بسوء".
(٢) لفظ: "المحترمة" ليس في (أ).
(٣) لفظ: "أمًّا" ليس في (أ).
(٤) في (أ): "في حق" بدل: "بحق".
(٥) في (أ): "عنهم".
(٦) بعدها في (ف): "في حق".
(٧) لفظ: "عنهم" ليس في (أ).
(٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤١).
[ ٥ / ٢٩١ ]
والحامِلُ على الإتيان من أقاصي البُلدان شيئانِ اثنان؛ أمنُ المقصِدِ، وأمنُ الطَّريق إليه، واللَّهُ تعالى أثبتَهما جميعًا في القديم، فقال: ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (^١) [العنكبوت: ٦٧]، وقال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وأثبتَ أمنَ الطَّريق (^٢) بتحريمِ الأشهر الحرم الأربعة، وهي: ذو القَعدة لإتيانِهم، وذو الحِجَّة لإقامَتِهم بمكَّة، والمحرَّمُ لرجوعهم، ورجبٌ للسَّفر في غير أيَّام الحجِّ، فكانوا (^٣) إذا خرجوا إليها لا يتعرض لهم في هذه الأشهرِ الحُرُمِ بتحريمِ اللَّه تعالى ذلك، فكانوا يأمنون على أنفسِهم وأموالِهم بذلك، ولمَّا كان قد يَبعُدُ الطَّريق، فلا يكفي للإتيان والرُّجوع هذه الأشهر، شرعَ اللَّهُ تعالى الهديَ والقلائدَ، فكانوا إذا ساقوا ذلك مع أنفسِهم، وقد خرجوا في غيرِ هذه الأشهر، لا يُتعرَّض لهم أيضًا بنهبٍ أو قتلٍ أو إيذاء، فيأمنون بذلك، وكانت الحكمةُ في ذلك كلِّه إقامةَ مصالحِ أهلِ مكَّة وقوام عيشِهم بحملِ النَّاسِ إليهم كلَّ شيءٍ يَحتاجون إليه، قال اللَّه تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧].
وكان هذا أمرًا قديمًا، ومعنى تجديدِ الخطاب بذلك ما رُويَ في شأن نزولِ هذه الآية عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: نزلت في الحُطم، واسمه: شريحُ بنُ ضُبيعَة بن شرحبيل البكري، وذلك أنَّه أتى المدينةَ، ودخلَ على النبيِّ -ﷺ-، فقال: إلامَ تدعو النَّاس؟ فقال: "إلى شهادة أنْ لا إله إلا اللَّه، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاة"، فقال: حسنٌ، ألا إنَّ لي أصحابًا لا أقطعُ أمري دونَهم، ثمَّ خرجَ فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "لقد دخلَ بوجه كافرٍ، وخرج بعَقِبَي غادر، وما الرَّجلُ بمسلمٍ"، فمرَّ بسَرْحِ المدينة فاستاقَها، وهو يرتجز:
_________________
(١) بعدها في (أ): "أفبالباطل يؤمنون وبنعمة اللَّه يكفرون".
(٢) بعدها في (ر): "إليه".
(٣) في (أ): "كانوا".
[ ٥ / ٢٩٢ ]
هذا أوانُ الشَّدِّ فاشتدِّي (^١) زِيَمْ
قد لفَّكِ اللَّيلُ بسوَّاقٍ حُطَمْ
ليس براعي إبِلٍ ولا غَنَم
ولا بِجزَّارٍ على ظهرِ وَضَمْ
فلمَّا كان في العام القابلِ خرجَ في حُجَّاج بكرِ بنِ وائل، فبلغَ ذلك أصحابَ السَّرْح، فقالوا: للنبيِّ -ﷺ-: هذا الحطمُ خرج حاجًّا في بكر بن وائل، فخلِّ بيننا وبينه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّه قلَّدَ الهديَ"، فقالوا: يا رسول اللَّه، هذا شيءٌ كنَّا نفعلُه في الجاهليَّةِ، فأبى النبيُّ -ﷺ- عليهم، ونزلت (^٢) الآيةُ (^٣).
وكان حكمُ هذه الآية ثابتًا إلى (^٤) عام حجَّة الصِّدِّيق، ونزولِ سورة براءة، وكان فيها: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وفيها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فنُسِخَ حكمُ الهديِ والقلائد والشهرِ الحرام والإحرام وأمنهم بها بدون الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾؛ أي: وإذا خرجتُم من الحَرم أو الإحرام (^٥)، فقد زالَ حظرُ الاصطيادِ، وأُبيحَ الاصطياد.
_________________
(١) في (أ): "الصد فاستدي" بدل: "الشد فاشتدي".
(٢) بعدها في (ف): "هذه".
(٣) ذكر الواحدي الخبر في "أسباب النزول" (ص: ١٨١) عن ابن عباس دون ذكر الأبيات، وأورده الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٨) دون نسبة، وأخرج الطبري نحوه في "تفسيره" (٨/ ٣١ - ٣٣) عن السدي.
(٤) في (أ): "في".
(٥) في (ر) و(ف): "والإحرام".
[ ٥ / ٢٩٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قرأ ابنُ عامر وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿شنْآن﴾ بسكون النُّون (^١)، والباقون بفتحِها، وهما لغتان عند بعضِهم، وتفسيرُه: العداوةُ، وقد شَنِئ مِن حدِّ: علم، فهو شانِئ، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
وقيل: بالفتح مصدرٌ، وهو العداوة والبُغضُ، وبالسُّكون النَّعت؛ أي: البغيض.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وجماعةٌ مِن أهل اللُّغة: ولا يَحملنَّكم (^٢).
وقال الفراء: لا يكسبنَّكم، وقد جرَمَ جُرمًا؛ أي: كسبَ، وفلانٌ جَرِيمةُ أهله؛ أي: كاسِبُهم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ بالكسر على الشرط، والباقون بالفتح (^٤) على معنى: بأن صدُّوكم، أو: لأنْ صدُّوكم، وهو الأصح؛ لأنَّ الشرطَ للاستقبال، وهذا كان ثابتًا للحال.
وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾؛ أي: لا يحملنَّكم صدُّ الكفَّارِ إيَّاكم عن دخولِ مكَّة للعمرةِ عام الحديبية، وبغضُهم، أو (^٥) البغيضُ منهم، على أنْ
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٢)، و"التيسير" (ص: ٩٨). وتحرف في "التيسير": "أبو بكر" إلى: "أبو عمرو"!
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٤) عن ابن عباس وقتادة.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٩٩).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٢)، و"التيسير" (ص: ٩٨).
(٥) في (أ): "أي".
[ ٥ / ٢٩٤ ]
تَعتدوا أنتم حدَّ الشَّرعِ، فتَمنعوا هؤلاء عن المسجدِ الحرام، فلا قدوةَ في الباطل.
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: على فعلِ الإحسان وتركِ العِصيان.
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: ولا تتعاونوا، حُذِفت إحدى التَّاءين تخفيفًا. والإثمُ: الوزر، والعُدوانُ: مجاوزةُ الحدِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: لمن عصاهُ وما اتَّقاه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: البِرُّ: إيثارُ حقِّه، والتَّقوى: تركُ حظِّكَ، والمعاونةُ على البِرِّ بحُسن النَّصيحةِ، وجميلِ الإشارةِ، والمعاونةُ على التَّقوى بقبض أيدي الخطَّائين، وإبلاغُ الموعظةِ وتمامُ المعاونةِ باتِّصافكَ بحميدِ الخصالِ، على الوجهِ الذي يُقتدَى بك، والمعاونةُ على الإثمِ والعُدوان أنْ تعملَ شيئًا يُقتَدى بك بما لا يَرضاهُ الدِّين، فيكونُ فعلُك سببًا لفسادِ غيرِك من الموحِّدين.
وقال في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: هو ما يَعقُبُ الجُرْمَ ممَّا يَسوءُ صاحبَهُ، وشِدَّةُ العقاب: حجابُ المعاقَبِ عن شهودِ المعاقِب، فإنَّ تَجرُّعَ كاساتِ البلاء على شهودِ المُبلِي أحلى مِن الشَّهد (^١).
* * *
(٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩).
[ ٥ / ٢٩٥ ]
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؛ أي: الذي يموتُ بلا زكاة، ﴿وَالدَّمُ﴾ أي: المسفوحُ وهو السَّائلُ، ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾؛ أي: كلُّ أجزائِه، وتَخصيصُ اللَّحمِ بالذِّكر لما أنَّه معظَمُ المقصود، وقد قال في سورةٍ أخرى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والكناية تَرجِعُ إلى الخنزير، فدلَّ على أنَّ (^١) كلَّه نجسُ العين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: وما ذُبِحَ فذُكِرَ عليه غير (^٢) اسم اللَّه، أو (^٣): اسم الأصنام.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾؛ أي: ما اختنقَ بالشَّبكةِ أو بحبلٍ، أو خنقَهُ خانقٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾؛ أي: المضروبةُ بالخشب (^٤)، وقد وقذه، مِن حدِّ ضربَ؛ أي: ضربَهُ حتَّى ماتَ، وفلانٌ موقوذٌ بالعبادة (^٥) ووقيذٌ (^٦)؛ أي: قد كسرته وأوهنته (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾؛ أي: السَّاقطةُ في بئرٍ أو ماءٍ، أو مِن علوٍّ، وقد ردَّاه فتردَّى؛ أي: أسقطَهُ فسقطَ.
_________________
(١) في (ف): "أنه".
(٢) في (ف): "هو ما ذبح فلم يذكر عليه" بدل من "أي وما ذبح فذكر عليه غير".
(٣) في (ر) و(ف): "أي".
(٤) لفظ: "بالخشب" ليس في (أ).
(٥) في (أ): "بالعياذة". والمثبت هو الصواب، انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٤٠).
(٦) من قوله: "من حد ضرب" إلى هنا ليس في (ف).
(٧) في (أ): "وأرهنته".
[ ٥ / ٢٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾؛ أي: المنطوحةُ، وقد نطَحَتْهُ الشَّاةُ بقرنِها؛ أي: ضربَتهُ فقتلَتهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أي: ما جرحَهُ أسدٌ، أو ذئبٌ، أو ضبُعٌ، أو نحو ذلك، أو أكلَ شيئًا منه، وماتَ بجرحه، ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يرجعُ الاستثناءُ إلى قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وما بعدَها، إذا أدركَها وبها حياةٌ، فذبحَها، وسمَّى عليها، حلَّت.
وسُئِل الشعبي عن رجلٍ انتهى إلى شاةٍ وقد (^١) خرجَ من عامَّتها الرُّوح، إلَّا أنَّ عضوًا منها يتحرَّك، فذبحَها، أتؤكل؟ قال: نعم، كما لو انتهيتَ (^٢) إلى مجروحٍ خرجَ مِن عامَّةِ جسدِه الرُّوح، فقتلتَهُ (^٣) خطأً، فعليك (^٤) ديتُه.
وقال على ﵁: إذا طَرَفَت بعينِها، أو ركَضَت برجلِها، أو حرَّكتْ ذنبَها، فهي ذكيَّةٌ (^٥).
والتَّأنيثُ في هذه الأسماء لجعلِها صفاتٍ (^٦) للبهيمة المذكورة في أوَّل السُّورة، وهي مؤنَّثة اللَّفظ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾؛ أي: على اسم الأصنام.
وقيل: أي: للأصنام ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللَّام، و﴿النُّصُبِ﴾ ما نُصِبَ مِن
_________________
(١) في (أ): "قد" بدل: "وقد".
(٢) في (ر): "انتهى".
(٣) في (ر): "فقتله".
(٤) في (ر): "فعليه".
(٥) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٨٦٣٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٩٨٤٨)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٤ - ٦٥).
(٦) في (أ): "صفة".
[ ٥ / ٢٩٧ ]
الحجارة ونحوِها، فعُبِدَ مِن دون اللَّه، و﴿النُّصُبِ﴾ (^١) واحدٌ، وجمعُه: الأنصاب، كالعُنق والأعناق.
وقيل: هو جمعُ نَصْب، كالرَّهْن والرُّهُن، والسَّقْف والسُّقُف، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (^٢) [المعارج: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ "أن" مع الفعل مصدر، تقديره: والاستقسامُ بالأزلام؛ بالرَّفع عطفًا على المحرَّمات المذكورة في الآية، والأزلام: القِداحُ المعلَّمةُ، واحدُها زُلَم وزَلَم؛ بضمِّ الزَّاي وفتحها.
وقال الحسن: كانوا إذا أرادوا أمْرًا أو سفَرًا، يَعمِدون إلى قداحٍ ثلاثة، على واحدٍ منها مكتوبٌ (^٣): أمرَني ربِّي، وعلى واحدٍ منها (^٤): نهاني ربي، والثالثُ غُفْلٌ لا شيءَ عليه، فيُجيلونها، فإذا خرجَ الذي عليه الأمرُ، مضوا (^٥) لأمرهم، وإن خرجَ الذي عليه النَّهيُ، كَفُّوا، وإن خرجَ الذي ليس عليه شيءٌ أعادوه (^٦).
وقال سعيدُ بنُ جُبير: هي حصًى بيضٌ كانوا يَضربونَها (^٧).
وقال السُّدِّيُّ: كانت القداحُ في الجاهليَّةِ عند الكعبة (^٨)، فكان الرَّجلُ إذا أراد
_________________
(١) لفظ: "والنصب" من (ف).
(٢) قراءة حفص وابن عامر بضم النون والصاد، وقرأ الباقون بفتح النون وإسكان الصاد. انظر: "التيسير" (ص: ٢١٤).
(٣) في (ف): "يكتبون".
(٤) بعدها في (ر): "مكتوب".
(٥) بعدها في (ف): "فيه".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٧٣).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٧٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٩٨) (٦٧٥٦).
(٨) كذا تحرف على المصنف، وصوابها كما في "تفسير الطبري": "الكهنة".
[ ٥ / ٢٩٨ ]
شيئًا، أتى الكاهن، فأعطاهُ ذلك، فضَربَ بها كما ضربَ عبدُ المطَّلب على زمزم وعلى عبد اللَّه والإبل (^١).
ومعنى ضمِّ هذا إلى ما ذُبحَ على الأصنام أنَّ ذلك كان في الكعبةِ، وكان هذا أيضًا فيها، والاستقسامُ بها طلبُ القَسْم؛ أي: الحظِّ والنَّصيب مِن الأمرِ مِن جهتِها.
وقيل: الاستقسامُ بالأزلام هو القمارُ بقِداحِ المَيسِر.
وقال مجاهدٌ: هو كلُّ قمارٍ من اللَّعب بالكِعاب وغيرها (^٢).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي: الاستقسام بالأزلامِ خروجٌ عن الطَّاعة، وارتكابٌ للنَّهي.
وقيل: يرجع ذلك إلى تناولِ كلِّ محرَّمٍ في هذه الآية.
وقال الإمام أبو منصور: دلَّت الآيةُ على بطلانِ العمل بالقُرعة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ وهذا حثٌّ لهم (^٤) على التمسُّكِ بما بيَّنَ لهم؛ مِن الوفاءِ بالعُقود، وتحليل المحلَّلاتِ، وتحريمِ المحرَّمات، خلافًا لما كان عليه المشركون، يقول: أعطيتُكم الغلبةَ عليهم، وقَهَرْتُهم (^٥)، فلا مطمعَ لهم في تغييركم عن دينِكم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾؛ أي: فلا تخافوهم وخافونِ في الثَّباتِ على أمري ونهيي والوفاءِ بعقودي.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٧٥ - ٧٦).
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٧٤).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٥٤).
(٤) في (أ): "لكم".
(٥) في (ف): "وقهرتموهم".
[ ٥ / ٢٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ أي: بيانَ شرائعِ دينكم؛ لأنَّ الآيةَ نزلت بعرفات عامَ حجَّةِ الوداع، ولم يكن بعدَها شرعُ حكمٍ؛ قاله ابنُ عبَّاس ﵄ (^١).
وقيل: أي: أكملتُ لكم نصرةَ دينكم؛ لأنَّ النبيَّ -ﷺ- حجَّ مع أصحابِه، ولم يكن أحدٌ مِن المشركين جاء في ذلك العام للمنع.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾؛ قيل (^٢): بالإسلام، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقيل: هي جميعُ النِّعم؛ فإنَّها جنسٌ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وهو إنجازُ (^٣) ما كان وعد: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠].
قال ابنُ عباس ﵄: كان إتمامُ النِّعمةِ عليهم أنْ دخلوا مكَّةَ آمنِين، وحجُّوا (^٤) مطمئنين، ولم يخالطهُم أحدٌ مِن المشركين (^٥).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا يجوزُ أنْ يُقال: إنَّ الدِّين كان قبل ذلك اليوم ناقصًا أو غيرَ مرضي، لكن له وجوه:
أحدها: اليوم أكملتُ برسولِ اللَّه وبعثِه دينكُم، وبه أتممتُ عليكم نِعمَتي، ولا يكونُ اليومُ إشارةً إلى يومٍ بعينِه، بل إلى ذلك الزَّمان.
والثاني: أظهرتُ لكم دينكم وجعلتُ الغلبةَ لكم على المشركين.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٨٠).
(٢) في (ر): "أي" بدل: "قيل".
(٣) في (أ) و(ف): "إيجاز".
(٤) قوله: "وحجوا" من (أ).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٨٣).
[ ٥ / ٣٠٠ ]
والثالث: أمَّنتكُم مِن العدوِّ والعودِ إلى دين أولئك، وآيستُهم عن عودِكم (^١) إلى دينهم (^٢).
ثمَّ ذكر في حقِّ الدِّينِ الإكمالَ، وفي حقِّ النِّعمةِ الإتمامَ؛ لأنَّ الكاملَ ما لا يَحتمِلُ المزيدَ عليه، والتامَّ يَحتمِلُه.
وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فالإسلامُ هو الدِّينُ المرضيُّ، وهو دينُ اللَّه، وهو الذي لا يقبلُ غيره.
وقالوا: إكمالُ الدِّين في حقِّنا من وجوه: لنا جوامعُ الكَلِم (^٣)، وأُعطِيَ رسولُنا جميعَ (^٤) ما أعطى الرُّسل، وزيدَ له (^٥) ما لم يكن لهم (^٦)، وآمنَّا نحن بجميعِ الكُتب والرُّسل، وشريعتُنا باقيةٌ إلى يوم الدِّين (^٧) لا تُنسَخ، وأضْعَفَ لنا ثوابَ الحسنات، ووَعَد لنا تبديلَ السيِّئات، ولنا طرفا الدَّارين؛ نحن الآخرون في الدُّنيا، السَّابقون
_________________
(١) في (ف): "من دعائكم" وفي هامشها: "نسخة: عن عودكم".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٥٥).
(٣) خبر إيتاء النبي -ﷺ- جوامع الكلم رواه البخاري في "صحيحه" (٢٩٧٧) (٧٢٧٣)، ومسلم في "صحيحه" (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) لفظ: "جميع" ليس في (ف).
(٥) في (أ): "عليه".
(٦) روى البخاري في "صحيحه" (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) عن جابر ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "أعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي؛ نُصِرتُ بالرُّعب مسيرةَ شهر، وجُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ مِن أمَّتي أدركته الصلاةُ فليصلِّ، وأُحلَّت لي المغانم، ولم تَحِل لأحدٍ قبلي، وأُعطيتُ الشَّفاعة، وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قومه خاصَّةً، وبُعِثت إلى الناسِ عامَّة".
(٧) في (ر): "القيامة".
[ ٥ / ٣٠١ ]
في العقبى (^١)، وكتابُنا أيسرُ الكتبُ، ورسولُنا أفضلُ الرُّسل، ونحن أكثرُ الأُمم عددًا، وأسبقهم (^٢) موردًا.
وقال الضَّحَّاك: نزلَت هذه الآيةُ يومَ عرفة، وهو يومُ الجمعة.
وكان ذلك اليومُ عيدًا لليهود وللنَّصارى وللمجوس على حسابهم، ولم تجتمع أعيادُ أهل المللِ كلِّها في يومٍ واحدٍ لا قبله ولا بعده، قاله ابنُ عباس ﵄ (^٣).
ولمَّا نَزلت كان رسولُ اللَّه -ﷺ- على ناقتِه العضباء، فبركَتْ مِن ثقلِ الوحي، ثمَّ سُرِّيَ عنه، فتلاها على النَّاس، وعاش -ﷺ- بعده أحدًا وثمانين يومًا، أو اثنين وثمانين.
وقالت اليهود لعمرَ: لقد أُنزِلت عليكم آيةٌ لو أُنزِلَتْ علينا لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، فقال عمر ﵁: أشهد أنَّها أنزِلَت يوم عرفة يوم الجمعة (^٤)؛ أي: اجتمعَ فيه عيدان، وهو أشرفُ أيَّامِ أهلِ (^٥) الإسلام، وأحقُّها بالإعظام.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إكمالُ الدِّين تحقيقُ القَبول في المآل، كما أنَّ ابتداءَ الدِّين توفيقُ (^٦) الحصولِ في الحال، ولولا توفيقُه لم يكن للدِّين حصولٌ،
_________________
(١) روى البخاري في "صحيحه" (٨٧٦) ومسلم في "صحيحه" (٨٥٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة".
(٢) في (ف): "وأقومهم".
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٣).
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (٤٥)، ومسلم في "صحيحه" (٣٠١٧).
(٥) في (ف): "الأيام لأهل" بدل من "أيام أهل".
(٦) في (أ): "بتوفيق".
[ ٥ / ٣٠٢ ]
ولولا تحقيقُه لم يكن للدِّينِ قَبول، وقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ النِّعمة في الحقيقةِ ما لا يَقطعُك عن المنعم، بل يُوصِلُك إليه (^١).
ثمَّ الدِّينُ مضافٌ إلى العبد في هذه الآية؛ لأنَّه سالكٌ (^٢) طريقتَهُ، ويُضافُ إلى اللَّه؛ لأنَّه شارعٌ حقيقتَهُ، والنِّعمةُ مضافةٌ إلى اللَّه في هذه الآيةِ؛ لأنَّه مُعطيها، وتُضافُ إلى العبد أيضًا؛ لأنَّه المتقلِّبُ فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾؛ أي: أصابَتْهُ الضَّرورةُ والحاجةُ إلى شيءٍ مِن هذه المحرَّمات في مجاعةٍ، فتناوله (^٣)، هذا مضمرٌ.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾؛ أي: غيرَ متمايلٍ إليه قصدًا، أو متناولٍ منه إسرافًا، أو مُدَّخر منه اختيارًا.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يَغفرُ له فلا يعاقبُه، ويَرحمُه فلا يُعذِّبُه.
والخمص: ضمورُ البطن، مِن حَدِّ: شَرُف، وعند الجوع يَضمرُ البطنُ، قال الأعشى:
تَبيتونَ في المشتى مِلاءً بطونُكم وجاراتُكُمْ غَرثى يَبِتن خمائِصَا (^٤)
ويتَّصِل هذا بأوَّل (^٥) الآيةِ؛ فإنَّه استثنى حالةَ الضَّرورةِ عن حُرمةِ هذه الأشياءِ المذكورة.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٤٠١).
(٢) في (ر): "سلك".
(٣) في (أ): "فناوله"، وفي (ف): "فيتناوله".
(٤) انظر: "ديوان الأعشى" (ص ٣٦٦) - طبعة الرضواني.
(٥) في (ف): "بهذا أول" بدل: "هذا بأول".
[ ٥ / ٣٠٣ ]
(٤) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ قال مقاتل: نزلَت الآيةُ في عَدِيِّ بنِ حاتم الطَّائيِّ وزيد بن مُهَلهل الطَّائيِّ، ويقال له: زيدُ الخيل، وسمَّاهُ النَّبيُّ -ﷺ- زيدَ الخير (^١)، قالا للنبيِّ -ﷺ-: إنَّ كلابَ آل ذُريح يأخذون البقرَ والحُمُر والظِّباء، فمنها ما يُقتَل، ومنها ما يُدرَك ذكاتُه، وقد حرَّمَ اللَّه (^٢) الميتةَ، فنزلَت الآيةُ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾؛ أي: الذبائح (^٣).
وقيل: أي: الحلالاتُ المذكورةُ في أوَّلِ هذه السُّورةِ وغيرها.
وقيل: أي: المستطاباتُ مِن الحبوب واللُّحمان التي لم يَرِد تحريمُها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾؛ أي: وصيدُ ما علَّمتم، هذا مضمرٌ.
والجوارحُ: الكواسبُ للصَّيدِ مِن الكلابِ والفهودِ والبُزاةِ والصُّقور ونحوها، وقد جَرحَ واجترحَ؛ أي: اكتسبَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وجوارحُ الإنسان هي آلاتُ الاكتساب.
_________________
(١) خبر تسمية النبي -ﷺ- له بزيد الخير رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٤٦٤)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ١٨٤ - ١٨٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٧٦)، من حديث ابن مسعود ﵁. قال ابن عدي: هذا حديث منكر، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٩٤): فيه عون ابن عمارة وهو ضعيف.
(٢) بعدها في (ر): "علينا".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٥٤).
[ ٥ / ٣٠٤ ]
وقيل: هي مِن الجِراحة (^١)، وهي جوارحُ الصُّيود، ويُشترَطُ لحلِّها الجَرْحُ، فلا تَحِلُّ بالخَنق.
وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ نصب على الحال؛ أي: مُضَرِّينَ لها حتَّى تَستكلِبَ (^٢) وتَضْرى بالصَّيد، فتعتادَ أخذَه، وقد استكلبَ العدوُّ وتَكلَّب؛ أي: اشتدَّ وضَرِي وكلَّبَهُ غيرُه.
وقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: الجوارح، وتعليمُها أنْ تَنزجرَ بزجرِك، وتَمضي لإرسالِك، ولا تعدلَ عن سَنَنِ إرسالِك، وتَقتلَ الصَّيدَ جَرْحًا، لا خنْقًا، وتمتنعَ بمنعك، ولا تأكلَ مِن الصَّيدِ.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ممَّا (^٣) لم يأكلن، فإذا أكلْنَ، حرم، وهذا في صيدِ الكلبِ ونحوِه، فأمَّا صيدُ البازي ونحوِه، فأكلُه لا يُحَرِّمُه، ويُعرَفُ هذا في الفقهيات.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قيل: "من" زائدةٌ، كما في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وقيل: هو للتبعيض؛ فإنَّ منها ما يُؤكَل، وهو اللُّحومُ والشُّحوم، ومنها ما لا يُؤكَل، كالدَّم والريشِ والعظم.
وقيل: التبعيضُ في أنَّ المجروحَ منها يُؤكل دون المخنوق.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: عند الإرسال، وهو شرطُ الحِلّ.
_________________
(١) في (ر): "الجوارح الجارحة" بدل: "الجراحة".
(٢) في (أ): "تسلب".
(٣) لفظ: "مما" من (ف).
[ ٥ / ٣٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: واحذروا مخالفةَ أمرِ اللَّه في هذا كلِّه وفي غيره، إنَّ اللَّه محاسبُكم على أفعالِكم، ومجازيكم (^١) عليها، ولا يلحقُه فيه لبثٌ لتذكُّرٍ ولا قطعٌ بشغْلٍ.
وقال أبو رافع (^٢): استأذن جبريلُ على النبيِّ -ﷺ-، فأذن له، فلم يَدخل، فأخذَ النبيُّ -ﷺ- رداءَه وخرجَ، فرآه (^٣) فقال: "أذنَّا لك (^٤) "، فقال: أجل، ولكنَّا معشرَ الملائكة لا ندخلُ بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ، فالتمَسوا، فوجدوا جروًا قد دخل بيتهم، فلمَّا أصبحنا أمَرني رسولُ اللَّه -ﷺ- بقتلِ الكلاب، فقتلتُ كلابَ المدينة، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، ماذا يحلُّ لنا مِن هذه الأُمَّة التي نقتلُها؟ فسكتَ النَّبيُّ -ﷺ-، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٥).
فأذِنَ لهم النبيُّ -ﷺ- باقتناءِ الكلاب التي يُنتفَع بها، وأمرَ بقتلِ الكلبِ العَقور، وقال: "أيُّما قومٍ اتَّخذوا كلبًا، ليس بكلب حرثٍ أو صيدٍ أو ماشية؛ فإنَّه يَنقصُ مِن أجورِهم كلَّ يومٍ قيراط" (^٦). وفي رواية: "قيراطان" (^٧).
_________________
(١) في (ف): "يحاسبكم. . . ويجازيكم".
(٢) في (ف): "أبو بكر بن رافع" بدل: "أبو رافع".
(٣) لفظ: "فرآه" ليس في (ف).
(٤) في (ر): "آذناك".
(٥) رواه ابن أبي شيبة (١٩٩١٩) مختصرًا، والطبري في "تفسيره" (٨/ ١٠٠ - ١٠١)، والطبراني في "الكبير" (٩٧٢) من طريق موسى بن عبيدة عن أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع عن أبي رافع به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٤٢ - ٤٣): فيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. اهـ. ولم يتفرد به موسى بن عبيدة، بل تابعه محمد بن إسحاق، فرواه من طريقه الحاكم في "المستدرك" (٣٢١٢)، والبيهقي في "الكبرى" (١٨٨٦٦) دون ذكر قصة جبريل ﵇.
(٦) رواه النسائي في "المجتبى" (٤٢٨٠) من حديث عبد اللَّه بن مغفل ﵁، ورواه مسلم في "صحيحه" (١٥٧٥): (٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁ بألفاظ قريبة.
(٧) رواها ابن ماجه في "سننه" (٣٢٠٥) من حديث ابن مغفل، ورواها مسلم في "صحيحه" (١٥٧٥) =
[ ٥ / ٣٠٦ ]
وقيل لابن المبارك: ولم ذاك؟ قال: لأَنَّه يَنبحُ على الضَّيفِ، ويُروِّعُ السَّائِل (^١).
ودلَّتِ الآيةُ على فضلِ العلم؛ فإن الكلبَ الخسيس بالتعلم جلَّ قدرُه، وحلَّ صيدُه، وفيه عِظَةٌ، وهو أنَّه بتركِ علمِه والأكلِ من صيدِه يُحكَمُ بجهلِه وزوالِ علمه، فلا يَحِلُّ صيدُه، فكذا مَن علم من النَّاس، فخالفَ عِلْمَهُ، وقد سمَّى اللَّهُ تعالى مخالفَ علمِهِ جاهلًا، قال تعالى خبرًا عن يوسف ﵇: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا كان الكلبُ المعلَّمُ تركَ حظَّهُ، وأمسكَ ما اصطادَهُ على صاحبِهِ، حلَّت فريستُه، وجازَ اقتناؤهُ، وسقطَتْ نجاستُه وخساستُه؛ كذلك مَن كانت أعمالُه وأحوالُه للَّه تعالى محضةً، ولا يشوبُها حظُّ نفسِه، تَجِلُّ رتبتُه، وتَعلو حالتُه.
قال: ويُقال: حسنُ الأدب يُلْحِقُ الأخِسَّةَ برتبةِ الأكابر، وسوءُ الأدبِ يَردُّ الأعزَّةَ إلى حالةِ الأصاغر (^٢).
* * *
(٥) - ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
_________________
(١) = (٥٧) من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٩).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٠٣).
[ ٥ / ٣٠٧ ]
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كرَّرَ المنَّة بهذا؛ تأكيدًا.
وقيل: الأوَّلُ بيانُ الحكم، وهذا بيانُ المنَّةِ، ﴿الْيَوْمَ﴾ بمعنى الآن حين أكملتُ لكم الدِّينَ، وأتممتُ عليكم النِّعمةَ.
وقيل: هو يوم نزولِ هذه الآية.
وقيل: هو إشارةٌ إلى عصرِ النَّبيِّ -ﷺ-، وتُذكَرُ هذه اللَّفظة لحالةٍ دائمة، يقال: لا يصلحُ اليومَ منِّي هذا الأمرُ، ولا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يَظلِمَ اليوم.
وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾؛ أي: ذبائحُهم، قيَّدناهُ به؛ لأنَّ سائرَ الأطعمةِ لا يَختصُّ حِلُّها بالملَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾؛ أي: بالبيع والهبةِ والإباحةِ ونحوِها.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: أُحِلَّ لكم العفائفُ بالنِّكاح، وليس هذا لاشتراط صحَّةِ النِّكاح، بل للاستحباب.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: العفائفُ مِن الكتابيَّات، ويَستوي فيه الحرائرُ والإماء، وهذا عندنا (^١)، وقال الشافعيُّ ﵀: لا يجوزُ نكاحُ الأمة الكتابيَّة (^٢)، وتُحمَلُ المحصنات هاهنا على الحرائر، وعامَّةُ أهلِ التَّفسير على ما قلنا أنَّ المحصنات هاهنا العفائف، والاسمُ يَشملُ الحرائرَ والإماء، وقد بيَّنَّا وجوهَ الإحصانِ في سورةِ النِّساء.
_________________
(١) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٥/ ١١٠).
(٢) انظر: "الأم" للشافعي (٦/ ٢١)، و"روضة الطالبين" للنووي (٧/ ١٣٢).
[ ٥ / ٣٠٨ ]
قوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: سمَّيتُم لهنَّ ذلك، وألزِمتُموه (^١)، وقد مَرَّ تحقيقُه في سورة النساء (^٢).
وقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فسَّرنا هذه الكلمات في سورة النساء (^٣)، ومعناه هاهنا: طالبين التَّعففَ بنكاحهنَّ، لا سافِحين الماءَ بالزِّنى حيثُ شئتُم، ولا متَّخذِي خليلاتٍ على الخصوصِ تزنون بهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نَتزوَّجُ نساءَهم وهم على غيرِ دينِنا، فنزل هذا (^٤)، يعني أنَّ أهلَ الكتاب وإنْ ألحِقَ حكمُهم في حلِّ ذبائحِهم لنا وحلِّ نكاحِ نسائِهم لنا بحكم المسلمين، فإنَّهم لم يفارقوا المشركين (^٥)، بل كفروا بالإيمان؛ أي: جَحدوا به أنْ يكونَ دينًا حقًّا لا يُقبَلُ غيرُه، وحَبِط (^٦) بذلك عملُهم، وهو تديُّنهم بالكتابِ وبنُبوَّة موسى وعيسى ﵉.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ خسِروا ثوابَ عنائِهم (^٧) في الدُّنيا، وقيل: مِن الهالكين، وقيل: معناه أنَّ الكتابيَّة قد يَميلُ إليها زوجُها المسلمُ، فتَدعوهُ إلى دينِها، فحذَّرهُم ذلك.
_________________
(١) كذا شكلت في (ف)، ووقع في (أ): "والتزموه". وفي (ر): "والتزمتموه".
(٢) عند تفسير الآية (٢٤) منها.
(٣) عند تفسير الآية (٢٥) منها.
(٤) في (ر): "فنزلت هذه الآية" بدل: "فنزل هذا". والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ١٥٠).
(٥) في (أ): "المسلمين".
(٦) في (ف): "ويحبط".
(٧) في (ف): "عبادتهم".
[ ٥ / ٣٠٩ ]
وقيل: قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: المؤمَنِ (^١) به، مصدرٌ بمعنى المفعول به، وهو الكفرُ باللَّه، وبما يَجبُ الإيمانُ به.
وقال أبو الهيثم السجزيُّ: الباءُ صلةٌ، كما في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، ومعناه: ومَنْ يَكفُر بالإيمان، ويستره (^٢) بجحودِه، فقد حبِطَ عملُه؛ أي: بطَلَ جميعُ سعيِه في الإسلام بالكفرِ بعده.
* * *
(٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ومن الوفاءِ بالعقودِ المأمورِ به في أوَّلِ السُّورةِ هذا؛ قوله (^٣): ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^٤).
وقال زيدُ بنُ أسلم: أي (^٥): قمتم مِن النَّوم (^٦)، وهو حدَثٌ، فلا حاجةَ على هذا القول إلى إضمار: وأنتم محدثون.
_________________
(١) في (ر): "المؤمن".
(٢) في (ر): "يستره"، وفي (ف): "أي يستره".
(٣) لفظ: "قوله" من (أ).
(٤) من قوله: "ومن الوفاء بالعقود" إلى هنا ليس في (ف).
(٥) بعدها في (ر): "إذا".
(٦) رواه مالك في "الموطأ" (١/ ٢١)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ١٥٦).
[ ٥ / ٣١٠ ]
وفي "تأويلات الإمام أبي منصور ﵀": قال النبيُّ -ﷺ-: "العينانِ وِكاءُ السَّه فمن نام فليتوضأ" (^١)، قال: وروي عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان ينامُ ثمَّ يُصلِّي، فلا يتوضَّأ، فسئل عن ذلك فقال: "إنِّي لستُ كأحدِكم، إنَّه لتنامُ عيناي، ولا يَنامُ قلبي، ولو أحدثتُ لعلِمت" (^٢).
وقال آخرون: معناهُ: إذا أردتُم القيامَ إليها، كما في قوله تعالى: ﴿قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيةُ ظاهرُها يَقتضي الأمرَ بالوضوء عند كلِّ قيامٍ؛ محدثًا كان أو طاهرًا، وقد كان رسولُ اللَّه -ﷺ- يتوضَّاُ لكلِّ صلاةٍ قبل فتح مكَّة، فلما كان ذلك اليوم صلَّى الصَّلواتِ الخمسَ بوضوءٍ واحد، فقال عمر ﵁: صنعتَ يا رسول اللَّه ما (^٣) لم تكن تصنعهُ، فقال: "عمدًا فعلتُ كي لا تُحرَجَ أمَّتي" (^٤)، فثبتَ بذلك أنَّ الأمرَ بالوضوءِ عند الحدث، وهو مضمَرٌ فيه، وتقديره:
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧) من حدث علي بن أبي طالب ﵁، وضعف إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط. ولم يرد هذا الحديث في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي.
(٢) كذا أورده الماتريدي ﵀ في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٤٦٩)، وأورده الجصاص في "أحكام القرآن" له (٣/ ٣٣٣) من رواية أبي يوسف عن محمد بن عبد اللَّه عن عطاء، وأخرج البخاري في "صحيحه" (١١٤٧)، ومسلم في "صحيحه" (٧٣٨) من حديث عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- قال لها: "يا عائشة، إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي".
(٣) في (أ) و(ف): "شيئًا".
(٤) أورده السرخسي في "المبسوط" (١/ ٥) بلفظ: "عمدًا فعلت يا عمر كي لا تحرجوا"، ورواه مسلم في "صحيحه" (٢٧٧) بلفظ: "عمدًا صنعته يا عمر".
[ ٥ / ٣١١ ]
وأنتم محدثون (^١)، أو هو للاستحبابِ في حقِّ الطَّاهر، وللإيجاب في حقِّ المحدث؛ لقولِه -ﷺ-: "الوضوءُ على الوضوء نورٌ على نور" (^٢)، وقوله: "لا صلاة إلَّا بطَهور" (^٣).
ومعنى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: فليَغسِل كلٌّ مِنكم وجهَه؛ لأنَّ مقابلةَ الجمعِ بالجمع تَقتضي مقابلةَ الإفراد بالإفراد، كما في قوله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، والوجهُ حدُّه من القُصاص (^٤) إلى الذَّقن، ومن الأذُن إلى الأذن، وهو مِن المواجهة، وهذا القدرُ هو المواجِه (^٥) عند الملاقاة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ جمع مرفق، وهو مجتمَعُ طرَفي السَّاعدِ والعَضد، وفيه لغتان؛ فتحُ الميم مع كسر الفاء، وقلبُ ذلك، ﴿إِلَى﴾ للغاية، فينتهي عندها حكمُ الغَسْلِ عند زُفَر (^٦) ومالك (^٧)، فلا يَجِبُ غسلُها؛ لأنَّ الحدَّ لا يَدخلُ في
_________________
(١) في (ر): "فأنتم محدث" وفي (ف): "أنتم محدثون" بدل: "وأنتم محدثون".
(٢) قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٩٨): لا يحضرني له أصلٌ من حديث النَّبي -ﷺ- ولعلَّه من كلام بعض السّلف، واللَّه أعلم. وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ١٣٤) (بهامش الإحياء): لم أجد له أصلًا. اهـ. ونقل السخاوي في "المقاصد الحسنة" عن شيخه الحافظ ابن حجر أنه قال: إنه حديث ضعيف، رواه رزين في "مسنده".
(٣) روى مسلم نحوه في "صحيحه" (٢٢٤) من حديث ابن عمر ﵄، بلفظ: "لا تقبل صلاة بغير طهور".
(٤) قصاص الشعر حيث تنتهي نبتته من مقدمه ومؤخره (والمراد هنا مقدمه كما لا يخفى) وفيه ثلاث لغات؛ قُصاص وقَصاص وقِصاص، والضم أعلى. قاله الجوهري في "الصحاح" (مادة: قصص).
(٥) في (أ) و(ف): "المواجهة".
(٦) بعدها في (ر): "والشافعي". انظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ٦). ومذهب الشافعي أن المرافق مما يغسل. انظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٥٦)، و"المجموع" للنووي (١/ ٣٨٥).
(٧) المشهور من مذهب المالكية أنه يجب غسل المرفقين. انظر: "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص ٨٣). ونسب النووي في "المجموع" القول بعدم وجوب غسلهما لزفر وأبي بكر بن داود.
[ ٥ / ٣١٢ ]
المحدود؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وعندنا يَجِبُ غَسلُها؛ لأنَّ اليدَ اسمٌ لها إلى الإبط، فكان التحديدُ بالمرافق إخراجًا لما ورائها، لا تبليغًا إليها، فبَقيَت في الغَسل.
وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والمسحُ إمساسُ الماء دون التَّسييل، ثم عند مالكٍ يُفترض مسحُ كلِّ الرأس (^١)؛ لأنَّه أطلقَ ذكرَها، فصار كإطلاق ذِكر (^٢) الوجوه.
وقلنا: لم يقل: فامسحوا رؤوسَكم، بل قرنَه بالباء، وهو للتَّبعيض، يقال: مسحتُ يدي بالمنديلِ، وبالحائط، ويقال: أخذتُ بالزِّمام، ولو قيل: أخذتُ الزِّمام، كان ذلك دليلًا على الكلِّ.
ثم يقولُ الشافعيُّ: إذا مسحَ ثلاث شعرَات منه كفى؛ لأنَّه بعض (^٣).
وقلنا: أمرَ اللَّه تعالى به قصدًا، فلا يَتقدَّر بما يَحصُل (^٤) مِن غير قصدٍ، فقدَّرناهُ بثلاث أصابع مِن اليد (^٥)؛ لأنَّها هي آلةُ المسح، والثلاثُ أكثرُها، وللأكثرِ حكمُ الكلِّ.
وفي رواية عن أصحابنا: هو مقدَّرٌ بالرُّبع؛ لأنَّه يُحكَى عن الكمال، يقول الرجل: رأيتُ فلانًا، وإنَّما رأى جانبًا منه، وهو ربعه.
_________________
(١) انظر: "القوانين الفقهية" (ص ٨٤).
(٢) في (ف): "كل".
(٣) هو قول أبي العباس بن القاص من الشافعية، والمشهور من مذهب الشافعية أن لا يتقدر وجوبه بشيء، بل يكفي فيه ما يمكن، حتى لو مسح بعض شعرة واحدة أجزأه. انظر: "المجموع" للنووي (١/ ٣٩٨).
(٤) في (ف): "يتحصل".
(٥) انظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ٦٣).
[ ٥ / ٣١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قرأ نافعٌ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفص بالنصب (^١) عطفًا على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، فيَدلُّ على فرضيَّةِ غسلِها.
وقرأ (^٢) الباقون بالخفضِ، وهو في الظاهر عطفٌ على "برؤوسكم"، فتعلَّق القائلون بأنَّ وظيفتَها المسحُ مِن الرَّوافضِ بظاهرِها، لكنَّا نَقول: خفضُه على الجوار، كما في قول العرب: جحرُ ضبٍّ خَرِبٍ، وماءُ شنٍّ باردٍ، وفي القرآن: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ إلى قوله: ﴿وَحُورٍ عِينٍ﴾ الخفض (^٣)، وهنَّ لا يُطافُ بهنّ، لكن خفضُها على الجوار، وهو كقول امرئ القيس:
كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ (^٤) مُزَمَّل (^٥)
ولأنَّها محمولةٌ على حال لبسِ الخفَّين، ووظيفتُهما المسحُ في هذه الحالة بهذهِ القراءة، والغَسلُ في حالِ كونهما باديتين بتلك القراءة، والغَسلُ هو المذكورُ في الأحاديثِ المشهورة، وعليه عملُ كلِّ الأُمَّة.
_________________
(١) وهي قراءة ابن عامر أيضًا من السبعة. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨).
(٢) "قرأ": زيادة من (أ) و(ف).
(٣) هي بالكسر قراءة حمزة والكسائي. انظر: "السبعة" (ص: ٦٢٢)، و"التيسير" (ص: ٢٠٧).
(٤) في هامش (ف): "البجاد كساء مخطط".
(٥) "ديوان امرئ القيس" (ص: ٢٥)، وصدره: كأن أبانًا في أفانين ودْقِهِ وأبان: اسم جبل، وأفانين: ضروب، والودق: المطر. انظر: "شرح القصائد العشر" للتبريزي (ص: ٥٢). قال شارح "الديوان": شبَّه الجبل حين غشيهُ المطر وعمه الخصب بشيخٍ ضعيفٍ في بجاد، والبجاد: الكساء المخطَّط، وخص الشيخ؛ لأنَّه متدثر أبدًا، متزمل في ثيابه.
[ ٥ / ٣١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾؛ أي: إلى كعبي كلِّ رجلٍ، والكَعبُ هو العظمُ النَّاتِئ عند أسفل السَّاق، وهو مأخوذٌ مِن قولهم: كَعَبتِ (^١) الجاريةُ، إذا نَتأَ ثدياها، فهي كاعبٌ، وهما داخلانِ في وظيفة الغُسل كالمرافق؛ لما مرَّ.
وفرائضُ الوضوء هذه الأربعةُ، وما ورائها سننٌ وفضائلُ تُعرَفُ في الفقهيَّات، والواوُ للجمع المطلقِ، فلا تقتضي التَّرتيب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ هو جمعٌ، وقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾؛ أي: تَطهَّروا، وهو غسلُ جميعِ ظاهرِ البدن، ويَدخل فيها الفمُ، والأنفُ، والأذنُ، والسُّرَّةُ، وخِلالُ الأصابع، ومنابتُ الشَّعر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ جمعُ مريض، فيقع على كل مرضٍ.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يتناولُ كلَّ سفرٍ أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ أي: وجاءَ أحدُكم مِن الغائط؛ أي: المكانِ المطمئنِّ، كنايةً عن قضاءِ الحاجة؛ لأنَّهم كانوا يأتونه لذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ أي: جامعتم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ أي (^٢): في السَّفر، وقد أحدثتُم بالمجيء من الغائطِ، أو أجنبتُم بالمجامعة، وفاتَ الماءُ الذي كان به الوضوءُ مِن الحدثِ، والاغتسالُ مِن الجنابةِ، أو عجَزتُم عن استعمالِه مع وجوده؛ في المرض الذي يُخافُ باستعمال الماء فيه اشتدادُه أو امتدادُه: يكفيكُم التَّيمُّم بالصَّعيد عن الوضوء
_________________
(١) في (أ): "كعب".
(٢) بعدها في (ر): "فلم تجدوا ماء".
[ ٥ / ٣١٥ ]
والاغتسال، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ التَّيمُّمُ: القصدُ، والصَّعيدُ: وجهُ الأرض، والطَّيَّبُ: الطَّاهر.
وقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ هو بيانُ كيفيَّتِه، وهما ضربتان؛ ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، مع المرفقين عندنا، وفيه اختلافٌ كثيرٌ، يُذكر في الفقهيات.
وقوله تعالى ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الصَّعيد، والآيةُ نزلَت في قصَّة عائشةَ ﵂، قال عمار بن ياسر ﵁: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- في سفرٍ، ومعه عائشةُ ﵂، ففقد عقد لها مِن جَزْع، فاحتبسَ النَّاسُ في طلب عقدِها حتَّى أصبحوا في مكانِهم ذلك، وليس معهم ماءٌ، فأتاها أبو بكرٍ ﵁، فتغيَّظ لها في حبسِها النَّاس، فبينما هم على ذلك، أنزلَ اللَّهُ تعالى الطَّهورَ في التَّمسُّح بالصَّعيد، فأتى أبو بكرٍ عائشةَ فقال (^١): واللَّهِ ما علمتُ إنَّك لمباركةٌ (^٢).
وفي رواية أنَّ أسيدَ بنَ حُضير قال لأبي بكر: ما أعظمَ بركتِكُم يا آلَ أبي بكر، إنَّ اللَّهَ تعالى لم يُنزَل بكم نازلةً إلَّا جعلَ للمسلمين فيها فرجًا ومَخرجًا (^٣).
وقيل: نزلَت في عبدِ الرَّحمن بنِ عوف، كان به جُدَريٌّ، فأصابتهُ جنابةٌ وعنده
_________________
(١) في (ف): "وقال لها".
(٢) رواه أحمد (١٨٣٢٢)، وأبو داود في "سننه" (٣٢٠)، والنسائي في "المجتبى" (٣١٤)، وابن ماجه (٥٦٥). وقول أبي بكر لعائشة هو من بلاغات الزهري.
(٣) قول أسيد رواه البخاري في "صحيحه" (٣٣٤)، ومسلم في "صحيحه" (٣٦٧): (١٠٨) من حديث عائشة ﵂ في آخر قصتها، بلفظ: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية مسلم (٣٦٧): (١٠٩) قال أسيد: جزاكِ اللَّه خيرًا فواللَّه ما نزل بكِ أمر قط إلا جعل اللَّه لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة.
[ ٥ / ٣١٦ ]
ماءٌ، فخشيَ (^١)، فرخَّص اللَّهُ تعالى له في التَّيمُّم (^٢) بالصعيد. قاله مقاتلُ بنُ حيان.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾؛ أي: ضيق، وقيل: مشقة (^٣)؛ أي: لا يريدُ بتكليفِ الوضوءِ والاغتسالِ والتيمُّمِ إيَّاكم تضييقَ الأمر عليكم، وإلحاقَ المشقَّة بكم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾؛ أي: ولكن يريدُ تطهيرَكُم مِن الحدثِ والجنابة.
وقيل: أي: مِن الذُّنوب، وفي الأحاديث المشهورة أنَّ العبدَ إذا غسلَ أعضاءَ وضوءِه سقطَت ذنوبُه مع قطراتِ الماء (^٤).
وقيل (^٥): أي: يريدُ أن تُطيعوهُ، فتوصَفوا بذلك بالطَّهارة التي يُوصَفُ بها المطيعون، وهو نظيرُ التَّزكية.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ويريدُ إتمامَ النِّعمةِ عليكم بإباحةِ التَّيمُّمِ لكم والتخفيفِ في حالة المرضِ والسَّفرِ عليكم.
_________________
(١) في (ف): "يخشى استعماله".
(٢) في (ف): "بالتيمم" بدل: "له في التيمم".
(٣) في (ف): "مشقة أي" بدل من "أي: مشقة".
(٤) من ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" (٢٤٤) من حديث أبي هريرة، أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كلُّ خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كلُّ خطيئةٍ كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسلَ رجليه خرجَت كلُّ خطيئةٍ مشتها رجلاهُ مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرجَ نقيًّا من الذُّنوب".
(٥) لفظ: "وقيل" ليس في (أ).
[ ٥ / ٣١٧ ]
وقال سعيدُ بن جُبَير: أي: ويدخلكم الجنة؛ فإنَّه لا يتم نعمة (^١) إلَّا به (^٢).
وقيل: هو الختم على الإسلام، قاله (^٣) عليُّ بنُ أبي طالب ﵁.
وقيل (^٤): تمامُ النِّعمة شهودُ المنعم.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لِتشكروا له (^٥) قولًا وفعلًا وعقدًا.
وقال القشيريُّ ﵀: لا صلاةَ إلَّا بطَهورٍ، وكما أنَّ للظواهر طهارةً، فللسَّرائر طهارة، فطهارةُ الأبدانِ بماءِ المطر، وطهارةُ القلوب بماء النّدمِ والخجَل، ثمَّ بماءِ الحياء والوجَل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: يُطَهِّرَ ظواهرَكُم عن الزَّلَّة بعصمتِه، ويُطَهِّرَ قلوبَكم عن الغفلةِ برحمتِه.
يُطهِّرَ سرائرَكم عن ملاحظة الأشكال، ويُفرِّغَ ظواهرَكم عن الوقوع في شباك الأشغال.
يُطَهِّر (^٦) عقائدَكم عن التَّدنُّسِ بما يُوهِنُها، وأعمالَكم عن الاعتمادِ عليها.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ إتمامُ النِّعمةِ لقومٍ بنجاة نفوسِهم ولقومٍ بنجاتِهم عن نفوسهم، وشتَّانَ بين قومٍ وقوم (^٧).
_________________
(١) في (ف): "تتم نعمته".
(٢) أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" (٥/ ٢١٧).
(٣) في (ف): "وقال".
(٤) "وقيل: " ليس في (ف). فالقول الآتي في (ف): منسوب لعلي ﵁.
(٥) في (أ): "اللَّه".
(٦) في (ف): "ويطهر" في هذا الموضع والذي قبله.
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٠٥).
[ ٥ / ٣١٨ ]
(٧) - ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قيل: هي المذكورةُ في قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
وقيل: هي إثباتُ الرُّخصِ المذكورةِ في هذه السُّورة.
وقيل: هي الإسلام.
وقيل: هي كلُّ النِّعَم، وأفردَ لأنَّه اسمُ جنس.
وقوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: عهدَه الذي عاهدَكم به، وأوثقَهُ (^١) عليكم، وهو مِن العقودِ المذكورةِ في صدر هذه السُّورة.
وقيل: هو قَبولُ (^٢) الأمرِ والنَّهي.
وقيل: هو عهدُ اللَّه الذي أخذَهُ على العباد بعد الإيمانِ؛ بأداءِ حقوق اللَّهِ، وحقوقِ العباد.
وقال ابنُ عباس ﵄: هو بيعة الرضوان (^٣)، يقول: واذكروا أيضًا ميثاقه؛ أي: ميثاقَ رسول اللَّه -ﷺ- الذي واثقَكم به، حين بايعتُموه على السَّمع والطَّاعة في المنشطِ والمكره، وقد كان ذلك غيرَ مرَّةٍ؛ ليلةَ العقبة، وتحتَ الشَّجرة،
_________________
(١) في (ف): "وأوقعه".
(٢) في (أ): "قول".
(٣) لم أقف عليه، وأخرج الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٢٠) عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال في تفسيرها: يعني: حيث بعث اللَّه النبي -ﷺ-، وأنزل عليه الكتاب، فقالوا: آمنَّا بالنبي وبالكتاب، وأقررنا بما في التوراة، فذكَّرهم اللَّهُ ميثاقَه الذي أقرُّوا به على أنفسِهم، وأمرهم بالوفاء به.
[ ٥ / ٣١٩ ]
وبعد دخول المدينة، فأضافَهُ إلى نفسِه؛ تشريفًا للنبي -ﷺ-، كما قال في سورة الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، لهذا، أو لأنَّه (^١) كان بأمرِ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: سمعنا قولَك، وأطعنا أمرَك، وكان أهلُ بيعةِ الرِّضوان ألفًا وستَّ مئةِ رجلٍ مخلص (^٢).
وقال ابنُ عباس ﵄ في روايةٍ: هو ميثاقه على بني إسرائيل (^٣)، وقد مرَّ بيانُه في سورة البقرة في آيات.
وقال مجاهدٌ ﵀: هو ميثاق ذريَّة آدم (^٤)، وكذلك قال الكلبيِّ (^٥)، وقال: "اذكروا"؛ أي: احفظوا.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في نقض الميثاق، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بسرائر الصُّدورِ، مِن الخيرِ والشَّرِّ، وهذا وعدٌ ووعيد.
وقال الإمام القشيري ﵀: الآيةُ إشارةٌ إلى التَّعريف السَّابق، الذي لولاه لما
_________________
(١) في (ف): "ولأنه".
(٢) هو قول موسى بن عقبة، نقله عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٧/ ٤٤١)، وفي "صحيح البخاري" (٤٨٤٠)، و"صحيح مسلم" (١٨٥٦) من حديث جابر أن الذين بايعوا النبي -ﷺ- يوم الحديبية ألف وأربع مئة. وفي "صحيح البخاري" (٣٥٧٦)، و"صحيح مسلم" (١٨٥٦): (٧٢) عن جابر أيضًا أنهم كانوا خمس عشرة مئة. وذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" الخلاف في ذلك، وجمع بين الروايات بأنهم كانوا أكثر من أربع مئة، فمن قال: ألفًا وخمس مئة جبر الكسر، ومن قال: ألفًا وأربع مئة ألغاه.
(٣) روى الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٢٠) عنه معناه، وذكرت نصه قريبًا فانظره.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٢٠).
(٥) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٢٨٨).
[ ٥ / ٣٢٠ ]
عَلِمتَ مَن هو، فأمرَهم بتَذكُّرِ ما سبقَ لهم من القسَم وهو (^١) في كتْمِ العدم، ما للأغيارِ عنهم خبر، ولا لهم عينٌ ولا أثر، ولا وقع لأحدٍ عليهم بصر (^٢)، وقد سمَّاهم بالإيمان، وحكمَ لهم بالغُفران قبل حصولِ العصيان، ثمَّ لمَّا أظهرَهُم، عرَّفهم التوحيدَ قبل أنْ كلَّفهُم الحدودَ، وعرضَ عليهم بعد ذلك الأمانةَ، وحذَّرهُم الخيانةَ، فقابلوا قولَه بالتَّصديق، ووعدوا مِن أنفسِهم الوفاءَ بشرطِ التَّحقيق، فأمدَّهم بحسن التَّوفيق، وثبَّتَهم (^٣) على سواءِ الطَّريق، ثمَّ شكرَهُم حيث أخبرَ عنهم بقوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ثمَّ قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في نقضِ ما أبرمتُم مِن العقود، والرُّجوعِ عمَّا قدَّمتم من العهود؛ إنَّه عليمٌ، لا يخفى عليه شيءٌ مِن خطراتِ قلوبِكم، وفكرات (^٤) صدوركم.
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ وهذا من العقود (^٥) أيضًا، وفسَّرنا ذلك في سورة النساء (^٦).
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": "وهم".
(٢) بعدها في (ر): "وقد سبق". وهي مقحمة.
(٣) في (ف): "ونبههم".
(٤) كذا في (ر) و(ف)، وفي "لطائف الإشارات": "ونيات".
(٥) من قوله: "عما قدمتم من" إلى هنا ليس في (أ).
(٦) عند تفسير الآية (١٣٥).
[ ٥ / ٣٢١ ]
وقيل: أراد هاهنا (^١): أكملتُ لكم دينكم، فكونوا قائمين (^٢) بأمرِ الدِّين، في حياةِ نبيَّكم وبعد وفاته، مُبيِّنينَ مُبرهنِينَ مُبلِّغينَ مُعلِّمين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ أي: ولا يحملنَّكُم بغضُ قومٍ على تركِ العدلِ فيهم.
وقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ﴿هُوَ﴾ إشارةٌ إلى العدلِ المذكور دِلالةً في قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾، وقولِه تعالى: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، ولا يُقال: العدلُ تقوى، ولا يكونُ الشَّيءُ أقربَ إلى نفسِهِ؛ لأنَّ معناه: وعدلُكم في حقِّ الأولياءِ والأعداء أقربُ إلى أن تكونوا متَّقين مجتنبين كلَّ السَّيِّئات.
وقيل: معناه: أقربُ إلى اتِّقاءِ النَّارِ والعقوبات.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في كلِّ أمرٍ ونهي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هو وعدٌ ووعيد، ولذلك ذكرَ بعدها آيتين؛ إحداهما في الوعد، وذلك قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهذا ظاهرٌ، والأخرى في الوعيد، وذلك قولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وهذا ظاهرٌ أيضًا، ثمَّ قولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وقوله: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مرفوعان، ولم يُنصبا بقوله: ﴿وَعَدَ﴾؛ لأَنَّهما على الاستئناف، وما قبلَهُ تامُّ المعنى؛ لأنَّ الوعدَ المطلقَ هو الإطماعُ في المسارِّ.
وقيل: قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ في حقِّ اليهودِ
_________________
(١) بعدها في (ر): "اليوم".
(٢) في (ف): "قوامين".
[ ٥ / ٣٢٢ ]
الذين ذهبَ النَّبيُّ -ﷺ- يستعينُ بهم في ديةٍ، فهمُّوا بقتلِه، وقصدَ المسلمون مجازاتَهم، فنزلَت هذه الآية (^١).
ولا يقال: إنَّ قتلَ الكفَّار جائزٌ، بل (^٢) واجب فما (^٣) معنى الأمر بالعدل فيهم؟ لأنَّا نقولُ: قد تقعُ المعاملةُ منَّا معهم لا على وجهِ العدلِ بالمثلةِ والقذفِ بالفاحشة وقتْلِ الأولاد الصغار لغيظ الكبار، وذلك محرَّمٌ علينا في مقابلة (^٤) الكفَّار.
* * *
(١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ قال الكلبيُّ: بعث رسولُ اللَّه -ﷺ- سريةً سبعةً وعشرين رجلًا إلى بني عامرِ بن صعصعة، وكان طريقُهم على بني سُليم، وأمَّرَ عليهم المنذرَ بنَ عمرو، فنزلوا على بني سُليم، وهم صلحٌ لرسول اللَّه -ﷺ-، فبعث بنو سُليم إلى بني عامر، فأخبَروهم بأمرِ القوم، فلمَّا كان عند الرحيلِ أضلُّوا بعيرًا لهم، فتَخلَّفوا، وسارَ المنذِرُ حتَّى أتاهُم وقد جمعوا لهم، واستعدُّوا بالسِّلاح، فالتقوا ببئر معونة، فاستُشهِدوا جميعًا، ثم إنَّ الأربعةَ الذين تَخلَّفوا لطلبِ البعيرِ اتَّبعوا أصحابَهم،
_________________
(١) أخرجه الطبري: (٨/ ٢٢٣) من قول عبد اللَّه بن كثير، وخبر استعانة النبي -ﷺ- باليهود في "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٦٣)، وفيها أنه نزل في هذه الواقعة الآية التالية، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. . .﴾.
(٢) بعدها في (ر): "هو".
(٣) في (ر): "كما"، وفي (ف): "جاء" بدل: "فما"، والعبارة غير واضحة.
(٤) في (ف): "مقاتلة".
[ ٥ / ٣٢٣ ]
فلقيتهم أمةٌ لبني عامر مسلمةٌ، فقالت: مِن أصحاب محمَّدٍ أنتم؟ قالوا: نعم؛ رجاءَ أن تُسلِم، قالت: النَّجاء النجاء، فإنَّ إخوانَكم (^١) قتلوا جميعًا على الماء، تعتورهم النُّسورُ والعقبان، فقال أحد الأربعة: ما ترون؟ قالوا: نَرى أن نرجعَ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فنخبرَهُ بالأمر، قال: لا، ولكنِّي واللَّه لأتغدينَّ (^٢) مِن غداء أصحابي، ارجعوا واقرؤوا على رسول اللَّه -ﷺ- سلامي، قالوا له: فأمهِلنا حتَّى نَتغيَّبَ عنك، فلمَّا تغيَّبوا عنه، صعِدَ الجبلَ، فأشرف على أصحابه، فإذا هم مقتولون، وإذا المشركون قعودٌ يَتغدَّونَ، فانحدرَ بسيفِه فجالدَهم حتَّى قُتِلَ.
وقصدَ الثَّلاثةُ (^٣) المدينةَ، فلقوا رجلينِ من بني سُليم خارجين من المدينة، فقالوا لهما: من أنتما؟ قالا: مِن بني عامر، قالوا: من الذين قتلوا إخوانَنا (^٤)، فقتلوهُما لا يَشكُّون أنَّهما مِن بني عامر، وأخذوا سَلَبَهُما، ثمَّ دخلوا المدينةَ، فوجدوا الخبرَ قد سبق إليه، فقال لهم: "قتلتُم رجلين من بني سُليم، مِن أهل ميثاقي، وهذه كسوتُهما بئس ما صنعتم".
وجاء رهط السُّلمين، فقالوا: يا رسول اللَّه، أقِدنا مِن قتل صاحبينا، فقال لهم: "ليس لكم القوَد؛ لأنَّ صاحبيكم اعتزيا إلى عدوِّنا من بني عامر، ولكنَّا نؤدِّي إليكم ديتَهما".
فانطلقَ رسولُ اللَّه -ﷺ- يسألُ من ميثاقِه، ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمان وعليٌّ ﵃، فبدأ ببني قريظة (^٥)، فأتاهم فقال: "تَعلمون ما أصابنا من دمِ الرَّجلين،
_________________
(١) بعدها في (ر): "قد".
(٢) في (ف): "لا أتغدين".
(٣) بعدها في (ر): "إلى".
(٤) في (أ): "أخوالنا".
(٥) في "تفسير مقاتل" (١/ ٤٥٩)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٥) أنه -ﷺ- بدأ ببني النضير.
[ ٥ / ٣٢٤ ]
ونحن نريدُ أنْ نؤدِّي ديَتهما، فاتَّخذوا عندنا يدًا نجزيكم بها"، قالوا: مرحبًا يا أبا القاسم، إخوانُنا بنو النَّضير، لا نَقضي أمرًا دونَهم، نُعلِمُهم ذلك، ثمَّ تأتينا يومَ كذا وكذا، وقد جمعنا لك الذي تُريد.
فرجعَ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فلمَّا كان ذلك اليوم، أتاهم ومعه أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ ﵃، فأدخلوهُ في صُفَّةٍ لهم، ثمَّ خرجوا يَجمعون السِّلاح، ويَنتظرون كعب بن الأشرف وهو غائبٌ بالمدينة (^١) أن يَقدُمَ عليهم؛ ليثوروا به، فنزل جبريلُ ﵇، فأخبرَهُ بما يُرادُ به.
فقام رسولُ اللَّه -ﷺ-، ولم يُؤذِن أحدًا مِن أصحابِه؛ مخافةَ أنْ يثوروا به، فخرجَ فقام على الباب، فلمَّا أبطأ على أصحابِهِ، خرجَ أبو بكرٍ في طلبِه، فإذا هو بالباب، فقال: "قد غدرَت بي اليهود -اللهمَّ العنْهُم- فقم (^٢) مكانك، فإذا خرج بعضُ أصحابِكَ فأخبرهُ الخبرَ، وأقِمهُ مكانَك حتَّى يَخرجَ إليه صاحبُه"، ففعلَ، ثمَّ خرجَ عمرُ، فقال له ذلك، ثم خرج عثمانُ (^٣)، فقال له عمر ذلك، ثم خرج عليٌّ، فقال له عثمانُ ذلك، حتَّى لحقوه، ونزلت هذه الآيةُ، وعلمَ به اليهودُ بعد ذلك، فتحيَّروا، فقوله (^٤): ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ خطابٌ لكل الصحابة (^٥)؛ فإنَّ النَّبيَّ -ﷺ- لو أصيبَ كان (^٦) ذلك على الكلِّ.
_________________
(١) بعدها في (ف): "إلى".
(٢) في (ف): "فقف".
(٣) قوله: "فقال له ذلك، ثم خرج عثمان" من (ر).
(٤) في (ف): "وذلك قوله تعالى".
(٥) في (أ): "أصحابه".
(٦) في (ف): "لكان".
[ ٥ / ٣٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾؛ أي: قصدَ قوم (^١). ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يَمدُّوها بالقتل.
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾؛ أي: منعَها.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في كلِّ شيءٍ، واثبُتوا على التَّقوى.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وأنتم مؤمنون، فافعلوا ذلك.
وقال جابرُ بنُ عبد اللَّه الأنصاريُّ: نزلَ رسولُ اللَّه -ﷺ- منزلًا، وتَفرَّق النَّاس في العضاهِ (^٢) يَستظِلُّون تحتَه، فعلَّقَ النَّبيُّ -ﷺ- سلاحَهُ بشجرةٍ، فإذا أعرابيٌّ جاء إلى سيف رسولِ اللَّه -ﷺ- فسلَّهُ، ثمَّ أقبلَ على النبيِّ -ﷺ- فقال: مَن يمنعُك منِّي؟ فقال: "اللَّه تعالى"، قالَها ثلاثًا، والنبيُّ -ﷺ- يقول: "اللَّه"، فشامَ (^٣) الأعرابيُّ السَّيفَ، فدعا رسولُ اللَّه -ﷺ- أصحابَه فأخبرَهم، فنَزلَتِ الآية.
وذكر قتادةُ: أنَّ قومًا أرسلوا هذا الأعرابيَّ، وفيهم نزلَت هذه الآية (^٤).
وعن قتادة أيضًا: أنَّ هذا كان في الغزوة السابعة، وقد نزلَ بنخلةٍ، فأرادَ بنو ثعلبة وبنو محارب أنْ يَفتِكوا به، وندبوا هذا الأعرابيَّ لذلك، وفيها نزلَت صلاة الخوف (^٥).
_________________
(١) = (٤/ ٣٥) نحوه مختصرًا عن مجاهد وعبد اللَّه بن كثير وعكرمة والكلبي.
(٢) في (ف): "قصدوا" بدل: "قصد قوم".
(٣) العضاه: شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عِضَةٌ، بالتاء، وأصلها: عِضهة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (مادة: عضه).
(٤) الشيمُ: الإغماد، وهو من الأضداد، يكون سلًّا وإغمادًا. انظر: "النهاية" (مادة: شيم).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره": (٦٨٤)، ومن طريقه الطبري: (٨/ ٢٣٢ - ٢٣٣). وهو بألفاظ قريبة في "صحيح البخاري" (٤١٣٩)، و"صحيح مسلم" (٨٤٣) دون قول قتادة الأخير.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٣٢).
[ ٥ / ٣٢٦ ]
وقيل: كان ذلك حين حاصرَ غطفان، وجاءَ هذا الأعرابيُّ ورسولُ اللَّه -ﷺ- متقلِّدٌ سيفَه، فقال له: يا محمَّد، أرني سيفَك، فأعطاهُ، فجعلَ يَهزُّه، ويقولُ: مَن يمنعُك منِّي، إلى آخره كما ذكرنا (^١).
* * *
(١٢) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ اتصالُها بما قبلَها أنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ لنبيِّه: لا تَعجبنَّ مِن نقض هؤلاء اليهود ميثاقهم معك، وقصدِهم قتلَك؛ فإنَّهم مِن أولادِ قومٍ أخذنا ميثاقَهم فنَقضوا.
وقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ أي: وبعثَ موسى هؤلاءِ بأمرِنا، والنَّقيبُ هو الملِكُ على قولِ ابن عبَّاس؛ أي: على كلِّ سبطٍ مِن بني إسرائيل ملكًا ورئيسًا (^٢)، وهو مَنْ نَقَّب الشَّيء، سُمِّيَ به؛ لأَنَّه يُنقِّبُ عن أحوالِ قومِه، فيَقِفُ على مكنونِ أسرارِهم، ومنه المناقب، وهي الفضائل؛ لأَنَّها تَظهرُ بالتَّنقيب عنها.
وقيل: النُّقباءُ: الأمناء (^٣)، وبعثَ موسى من الأسباطِ الاثني عشر اثنَي عشر أمينًا؛ ليَتعرَّفوا أخبارَ القوم الذين كانوا بأرض الشام مِن الجبَّارين، وكان اللَّه وعدَ بني
_________________
(١) في (ر): "ذكرناه"، وفي (ف): "ذكر". وانظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٥).
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٢٢).
(٣) هو قول الربيع، رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٣٦).
[ ٥ / ٣٢٧ ]
إسرائيل حين أخرجَهُم مِن مصر أنْ يَجعلَ تلك البلادَ لهم، فأمرَهُم موسى بالمسيرِ إليهم لقتالِهم، واختارَ مِن كلِّ سبطٍ رجلًا منهم، يتجسَّسون (^١) الأخبارَ، ويَرجعون فيُخبرون قومَهم، فيعمَلون (^٢) على ذلك.
وقيل: هم الأمراء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقال أبو عوسجة: هم المنظورُ إليهم، والمصدورُ عن رأيِهم.
وقال أبو عبيد: هم الأمناءُ والضُّمناء (^٣).
وقال مقاتل: هم الشهداء (^٤).
وقال محمَّدُ بنُ إسحاق: هم الكفلاء. وقال هو: وأسماؤُهم فيما يُذكر أهل التوراة: بحشون (^٥) بن عميم رأسُ سبطِ بيت يهوذا، وياليل بن صَعُوراء رأسُ سبطِ بيت يشتاخر، وإلياب بن جولان رأسُ سبط بيت زبالون (^٦)، ونصور بن شازورا (^٧) رأسُ سبطِ بيت روبيل، وشلامور بن صوريا رأسُ سبطِ بيت شمعون، والياسف بن رعويل رأسُ سبطِ بيت حاذٍ، واليَسع بن عيهود رأسُ سبط بيت أفراييم بن يوسف، وجميل بن ترينون رأسُ سبط بيت منشا بن يوسف، وأبيدن بن خرعون رأس سبط
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: "يتحسسون".
(٢) في (ر): "فيعلمون".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٨٠).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٦٠).
(٥) في (ر): "يجشون"، ووقع بعدها فيها: "لقيام".
(٦) في (أ): "ذبالون"، وفي (ف): "روبالون".
(٧) في (ف): "شابورا".
[ ٥ / ٣٢٨ ]
بيت بنيامين، وخيعور بن شبوذا رأسُ سبط بيت دان، وخيعل بن جعون رأسُ سبطِ بيت أنشا بن يعقوب، وأجزع (^١) بن عينان رأسُ سبط بيت نفتايل (^٢).
وفي بعض الروايات: من سبطِ روبيل شامول بن بكول، ومن سبطِ شمعون ساقط بن حزن، ومن سبطِ يهوذا كالب بن يوفنَّا، ومن سبطِ أفراييم بن يوسف يوشع بن نون، ومن سبطِ بنيامين رقود (^٣) بن فلطا، ومن سبطِ زبالون (^٤) جدي (^٥) بن شوراهم، ومن سبطِ منشا بن يوسف جويّ بن شوسا، ومن سبط دان حمايل بن آزر، ومن سبط أنشا تور بن مكايل، ومن سبط نفتايل فولايل بن مكيد، ومن سبط يشاخر (^٦) أخدع بن عينان (^٧).
سارَ بهم موسى ﵇ إلى الأرض المقدَّسةِ بأمر اللَّه تعالى، حتَّى إذا نزلَ بريةً (^٨) بين مصر والشام، وهي بلادٌ ليس بها خَمَر (^٩)، دعا موسى ربَّه حين آذاهم
_________________
(١) في (ف): "وأخرج"، وفي (ر): "وأخزع".
(٢) وردت أسماء النقباء في رواية ابن إسحاق في "تفسير الطبري" (٨/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، وفيه اختلافٌ عما هنا، وبعض الأسماء فيه موافق لما سيأتي في الرواية التالية، فمن أرادها فليرجع إليها فيه.
(٣) في (ف): "رفود".
(٤) في (أ) و(ف): "ذبالون".
(٥) في (ف): "خدي".
(٦) في (أ): "يستاحر".
(٧) قوله: "ومن سبط يشاخر أخدع بن عينان" ليس في (ف).
(٨) في "تفسير الطبري": "نزل التيه".
(٩) في (ف): "بلاد محرَّة"، وفي "تفسير الطبري" (٨/ ٢٣٩): "بلاد ليس فيها خمر ولا ظل" بدل: "بلاد ليس بها خمر". ووقع في هامش (أ) ما نصه: "الخمر: ما وراك من الشجر أو من الجرف". وانظر: "النهاية" لابن الأثير (مادة: خمر).
[ ٥ / ٣٢٩ ]
الحرُّ، فظلَّلَ اللَّه بالغمام (^١)، ودعا لهم بالرِّزق، فأنزلَ اللَّه تعالى عليهم المنَّ والسَّلوى، وأمرَه (^٢) اللَّه تعالى أن يُرسِلَ رجالًا يتجسَّسون (^٣) له أخبارَ الأرض المقدَّسةِ التي وهبَ اللَّهُ لبني إسرائيل، فقال لهم: اصعدوا الجبلَ، وانظروا ما في الأرض التي يسكنونَها أقليلٌ أم كثير؟ وهم أقوياءُ أم ضعفاء؟ وانظروا أرضَهم، أذاتُ شجرٍ مثمرة، أم لا؟ وإن كانت ذات شجرٍ مثمرةٍ فاحملوا إلينا من ثمرِها (^٤).
فحملوا عنقودًا بين خمسةِ رهْطٍ، وسمُّوا ذلك الوادي وادي العنقود، ثمَّ رجعوا بعد أربعين يومًا، فأتَوا موسى وهارون، وقصُّوا عليهما، وقالوا: هي أرضٌ تَفيضُ لبنًا وعسلًا، وهذه من ثمرِها، وأهلُها أقوياءُ أشدَّاءُ، ولهم حصونٌ وثيقةٌ، فقال كالوب (^٥) ويوشع: إنَّ لنا بهم قوة، وقال الباقون: إنَّ بها جبابرةً، ورجالًا جسامًا، ونحن في أعينهم مثلُ الجراد، وبكوا من ذلك، فخرَّ موسى وهارون سجودًا، وخرَّق كالوب ويوشع ثيابَهما.
فأوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى: إنْ كان أولئك لا يَقدِرون على دخولِها، فإنِّي غَفرتُ لهم بكلمتِك، وأمَّا كالوب ويوشع فإنِّي أدخلُهما تلك الأرضَ حتَّى يراهما (^٦) مَن فيها مِن العماليق والكنعانيين.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "الغمام".
(٢) في (أ) و(ف): "وأمر"، وفي "تفسير الطبري": "وأمر اللَّه موسى".
(٣) كذا في النسخ، ووقع في "تفسير الطبري": "يتحسسون"، وهو الأصح.
(٤) انظر رواية ابن إسحاق في "تفسير الطبري" (٨/ ٢٣٨ - ٢٤١).
(٥) كذا! وفي "تفسير مقاتل" (١/ ٤٦٦)، و"تفسير الطبري" (٨/ ٣٠١): "كالب"، وكذا ذكر اسمه في ما سلف.
(٦) في (ف): "نريهما".
[ ٥ / ٣٣٠ ]
وقيل: لمَّا أرادَ موسى أنْ يبعثَ هؤلاء، قالوا: إنَّ أولئك أقوياء، ونحن نخافُهم، فوعدَهُمُ اللَّه الحفظَ بما شرَطَ عليهم (^١)، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾؛ أي: قال لهم: إنِّي حافظُكم، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، وقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، قوله: ﴿لَئِنْ﴾ لام قسم، وقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ لامُ جواب، و﴿الصَّلَاةَ﴾ اسمُ جنس، وأريد بها كلُّ الصَّلوات، والتَّعزير: النُّصرة في قول الزَّجَّاج (^٢) والتعظيم في قول أبي عبيدة (^٣)، وأنشد:
وكم من ماجدٍ لهم كريمٍ ومِن ليثٍ يُعزَّرُ في النَّدِيِّ (^٤)
وأصلُ العَزْرِ: المنع، قال القطاميُّ:
ألا بَكَرَتْ سلمى بغيرِ سَفاهةٍ تُعَنِّفُني والمرءُ يَنفعُه العَزْرُ (^٥)
_________________
(١) "بما شرط عليهم" ليس من (ف).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٥٩).
(٣) نص قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ١٥٦): وعزَّرتموهم: نصرتموهم وأعنتموهم ووقَّرتموهم وأيَدتموهم.
(٤) البيت دون نسبة في "مجاز القرآن" (١/ ١٥٧)، و"الأضداد" للأنباري (ص: ١٤٧). والنَّديُّ والنادي والنَّدوةُ والمنتدى: مجلس القوم نهارًا، أو المجلس ما داموا مجتمعين فيه. انظر: "القاموس" (مادة: ندا).
(٥) انظر: "ديوان القطامي" (ص: ١٢٤)، وفيه: "مي" بدل: "سلمى"، و"تعاتب والمودود" بدل: =
[ ٥ / ٣٣١ ]
والتَّعزيرُ المشروع في حق الجُناة: هو منعُهم عن المعاودةِ (^١) بالتَّأديبِ، وتعزيرُ الأنبياء: نصرتُهم بمنعِ الأعداء عنهم.
وقيل: العَزْرُ متَعدٍّ، والتَّعزير: التَّكثير، والتَّكرير منه، وهو نصرتُهم مرَّةً بعد أخرى.
والإقراضُ الحسَنُ: وراء الزَّكاة، وهو الإحسانُ إلى كلِّ محتاجٍ في أيِّ وقتٍ وقعَ مِن غير كراهةٍ في القلب وامتنانٍ على الفقير، بل يَطلُبُ به رضا اللَّهِ، وتطيبُ به نفسُه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قال الكلبيُّ: أي: فمَن نقضَ منكم هذا العهدَ فقد أخطَأَ قصدَ الطَّريق، وضلَّ عن الهُدى.
قال: فأطاع منهم خمسةٌ، أخذوها بحقِّها، وعمِلوا بطاعةِ اللَّه، وأبَى سبعةٌ منهم، فاستحلُّوا المحارمَ، وسعَوا في الأرض بالفسادِ، وقَتلوا الأنبياءَ، وخرج خلال الاثني عشرَ نقيبًا اثنان وثلاثون كذابًا، يأخذونَ المُلكَ بالسَّيف، فلم يَفوا بما أُخِذَ عليهم مِن العهد.
* * *
(١٣) - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ "ما" زائدة. وقيل: مؤكِّدة.
_________________
(١) = "تعنفني والمرء". وظاهر أن معنى العزر في هذا البيت: اللوم كما فسره الأنباري في "الأضداد" (ص: ١٤٧) لا المنع كما ذكر المصنف، فلا يصلح البيت شاهدًا لكلامه.
(٢) في (ف): "العادة".
[ ٥ / ٣٣٢ ]
قوله تعالى: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ أي: طردناهم وبعَّدناهم عن الرَّحمة.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: عذَّبناهم بالجزيةِ.
وقال الحسن: مسخناهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ قرأ حمزةُ والكسائي: ﴿قَاسِيَةً﴾، والباقون: ﴿قَاسِيَةً﴾ (^٢)، والقاسيةُ أظهر، والقَسيَّةُ أبلغ، والقسوةُ: اليُبْسُ والصَّلابةُ، فلا تَلينُ، ولا تَنقاد لأحكامِ الدين (^٣).
وقيل: القَسيَّةُ: الفاسدة، من قولهم: دِرْهمٌ قسِيٌّ؛ أي: فاسد.
وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: يُغيِّرون كلماتِ التوراة عن مواضعِها، و﴿الْكَلِمَ﴾ جمع كلِمة، كالشَّجر جمعُ شجرة، ولذلك جعل لها مواضع، ولكن قال: ﴿مَوَاضِعِهِ﴾ ذهابًا إلى ظاهره؛ لأنَّه على وزنِ الكذبِ واللَّعب الذي هو واحدٌ مذكَّرٌ.
والتحريفُ له وجهان: كتابةُ غيرِها مكانَها، كما قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩].
والثاني: فسادُ التأويل.
وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: وترَكوا نَصيبًا ممَّا وُعِظوا به مِن الإيمانِ بمحمَّدٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: أبدًا تقِفُ على خيانةٍ منهم،
_________________
(١) انظر قولي ابن عباس والحسن في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٨).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٩).
(٣) في (ر): "اللَّه ﷿" بدل: "الدين".
[ ٥ / ٣٣٣ ]
مصدرٌ على وزنِ: فاعلة، كقوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، وهو كقولِهم: سمعتُ راغيةَ الإبل، وثاغيةَ الغنم.
وقيل: معناه: تَطَّلِعُ على فرقةٍ خائنةٍ منهم؛ على النَّعت.
وقيل: أي: على خائنٍ منهم، والهاء للمبالغةِ، كقولهم: فلانٌ راويةُ الشِّعر، وعلَّامة، ونسَّابة.
ويعني به: يهودَ بني النَّضير، منهم كعبُ بنُ الأشرف حين أتاهم النبيُّ -ﷺ- يَستعينُهم في ديةِ المسلمين، فهمُّوا بقتلِه وقتلِ من معه (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ عبد اللَّه بن سلام وأصحابه.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: اترك مكافأتهم للحال (^٢)، ﴿وَاصْفَحْ﴾ أي: أعرِض عن قتلِهم إلى وقت الأمرِ بالقتال، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ العافينَ الصافحين، ثم نسخَتْها آيةُ السَّيف.
وقال ابنُ حيَّان: والقليل منهم: كفَّارٌ لا يخونون (^٣).
وقال السُّدِّيُّ: من تحريفِهم آيةُ الرَّجم.
وقال إبراهيمُ: كان في التوراة: يا أبناءَ أحباري، فكتبوا: يا أبناء أبكاري (^٤).
ثم في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾، وقوله: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ إثباتُ أفعال العباد، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ إثباتُ
_________________
(١) انظر ما سلف عند تفسير الآية (١١) من هذه السورة.
(٢) لفظ: "للحال" ليس في (أ).
(٣) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٣٠٦).
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٣).
[ ٥ / ٣٣٤ ]
التَّخليق مِن اللَّه، وهو حجَّةُ (^١) أهلِ السُّنَّة والجماعة على الجبريَّة والقدرَّية.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: قسوةُ القلبِ: عدمُ التَّوجُّعِ بما يُمتحَنُ به مِن الصَّدِّ، وعن قريبٍ يُمتحَنُ بالرَّدِّ، والرَّدُّ نهايةُ الفراق، وغايةُ البعد، وأوَّل حالِها فوتُ الصَّفوةِ، ثمَّ استيلاءُ الشَّهوةِ، ثمَّ جريانُ الهفوةِ، ثمَّ استحكامُ القَسوةِ، فإن لم يوفَّق للإقلاع عن جملتِها، فهو تمامُ الشِّقوة (^٢).
* * *
(١٤) - ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ذكرَ نقضَ العهدِ وتركَ الوفاءِ بالعقد من النَّصارى أيضًا، كما ذكرَ من اليهود.
وقال الحسن: قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ (^٣) دليلٌ على أنَّهم ابتدَعوا النصرانيَّة وتلقَّبوا بها (^٤).
وفي رواية عنه قال: قيل للنَّصارى: كونوا أنصارَ اللَّه، فقالوا: بل نكونُ نصارى (^٥).
_________________
(١) في (أ): "إثبات".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤١١).
(٣) لفظ: "قالوا" من (ر).
(٤) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (٤/ ٤٢)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٣٠٧).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٨٢).
[ ٥ / ٣٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الإغراءُ بالشَّيء: الإلصاقُ به من جهةِ (^١) التَّسليط عليه، قال تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾؛ أي: لنُسلِّطنَّك عليهم.
وقيل: هو التَّحريش (^٢)، وأصلُه ما قلنا، وقد أغريتُه بالشَّيءِ فغَرِيَ، والغِراء اللُّزوق؛ لما له مِن صفة اللَّزق (^٣).
وقال الكلبيُّ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ [المائدة: ٦٤]، وهي التي تُفضي إلى التَّعدي بالأفعال (^٤)، ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾ العداوةُ الكامنة في القلب.
وقال إبراهيم: هي الأهواء المتفرِّقة (^٥).
وقال مقاتلُ بن حيَّان: أغرينا بين النُّسطوريَّة منهم الذين قالوا: عيسى (^٦) ابنُ اللَّه، وبين اليعقوبيَّة منهم الذين (^٧) قالوا: إنَّ اللَّهَ هو المسيحُ بن (^٨) مريم، وبين الملكانيَّة منهم الذين يقولون: إنَّ اللَّه ثالثُ ثلاثة (^٩)، فهي عداوةٌ ملصقةٌ لا تُفارقهم، عوقِبوا بها لنقضِهم ميثاقَهم.
_________________
(١) في (أ): "رؤية".
(٢) في (ف): "التحريض".
(٣) في (أ) و(ر): "اللزوق".
(٤) في (ر): "في الأفعال" بدل: "بالأفعال".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" للقشيري (٨/ ٢٥٨).
(٦) في (ف): "إن اللَّه هو المسيح".
(٧) من قوله: "قالوا: عيسى ابن اللَّه" إلى هنا ليس في (ف).
(٨) من قوله: "ابن اللَّه وبين" إلى هنا ليس في (أ).
(٩) وهو قول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (١/ ٤٦٣).
[ ٥ / ٣٣٦ ]
وقيل: هذا الإغراءُ بين النَّصارى واليهود، وقد سبق ذكرُهم جميعًا في الآيتين، وذلك ظاهرٌ في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية [البقرة: ١١٣]، ثمَّ قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ مع ما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩].
وقيل: ذلك عند نزولِ عيسى ﵇ من السماء؛ لأنَّ معناه -واللَّه أعلم-: بقاءُ هؤلاءِ المصِرِّينَ على نقضِ العهدِ على هذه العداوة إلى الموت.
وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ هذا وعيدٌ لهم في الآخرة مع ما ذكرَ لهم من وعيدِ الدُّنيا؛ ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾ به توبيخًا، ثمَّ يُجَازيهِم عليه تعذيبًا وتخليدًا.
والوعيدُ بهذا الإغراء ثابتٌ أيضًا في حقِّ اليهود. قال تعالى في هذه السورة: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].
* * *
(١٥) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ خطابٌ لليهود والنَّصارى جميعًا، وقد سبقَ ذكرُهم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: محمَّدٌ ﵊. قال الإمام أبو منصور
[ ٥ / ٣٣٧ ]
﵀: لم يَذكر اسمَهُ؛ ليُعلَم أنَّ الرُّسلَ يُعرفون بالآياتِ المعجزة، دون الأسامي. وفيه دليلٌ أنَّ مَن آمنَ بالرُّسلِ كلِّهم يكون مؤمنًا، وإن لم يَعرِف أسماءَهم (^١).
و﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا﴾ هو الرَّجمُ المذكور في التَّوراة، والبِشارةُ بالنبيِّ المصطفى محمَّدٍ -ﷺ- في التَّوراة والإنجيل، وقصَّةُ أصحاب السَّبتِ الذين مُسِخوا قردةً، كانوا يخفونَه (^٢)؛ لما فيه من السُّبَّة.
وقال الحسين بن الفضل ﵀: ومنها ملَّةُ إبراهيم، وحرمةُ لحوم الإبل وألبانِها، كتموها عن السَّفِلة، وقصَّة عيسى.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أي: يَتركُ بيانَه لكم، وإن أعلمَهُ اللَّهُ به؛ لأنَّ ما بيَّنهُ حُجَّةٌ كافيةٌ عليكم.
وروي أنَّ يهوديًّا قال: ما الكثيرُ الذي يَعفو عنه؟ فأعرض عنه، فسأله ثانيًا وثالثًا، فأعرضَ (^٣)، وكان قصد اليهودي أن تظهرَ منه مناقضتُه بتركِ العفو، فلمَّا أعرضَ تيقَّنَ بصدقِه وأسلمَ.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ وهو محمَّدٌ -ﷺ-؛ لأنَّه يُستضاءُ به من ظلماتِ الكفرِ والأهواء.
وقوله تعالى: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ هو القرآنُ، يُبيِّنُ كلَّ شيءٍ بنا إليه حاجةٌ مِن أمورِ الدِّين.
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٨٤).
(٢) في (ف): "يحرفونه".
(٣) بعدها في (ر): "عنه".
[ ٥ / ٣٣٨ ]
(١٦) - ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾؛ أي: يُرشِد اللَّهُ بالقرآن مَن كان همُّه اتِّباعَ مرضاةِ اللَّهِ بطلب الحقِّ، لا التَّعصُّبِ لدينِ آبائه، إلى طرقِ السَّلامةِ من مكاره الدَّارين.
و﴿السَّلَامِ﴾: السَّلامة.
وقيل: ﴿السَّلَامِ﴾ هاهنا اسمُ اللَّه تعالى، كما في قوله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]؛ أي: إلى طريق اللَّه، وهو دينُ اللَّه.
وقيل: ﴿السَّلَامُ﴾ سمُ الجنَّة، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]؛ أي: إلى الطَّريق الذي يُفضي بسالكِهِ إلى الجنَّة.
وقيل: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ يَرجعُ إلى محمَّدٍ والقرآن؛ لأنَّهما ذُكِرا قبلَه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، وكلُّ واحدٍ منهما يقعُ به الهدايةُ بالدِّلالة، وإنَّما وحَّدَ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُساوي الآخرَ في الهداية.
وإنَّما قال: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ جمعًا، ودينُ الإسلامِ طريقٌ واحدٌ، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ لأنَّ أصلَ الدِّينِ واحدٌ، ولكنَّ طرقَ الطَّاعات مُتَفَنِّنةٌ، وكلُّ طريقٍ يُفضي بسالكِه (^١) إلى الجنَّة بوعدِ اللَّه على تلك الطَّاعة، ولأنَّ سالكيه متعدِّدون، فجَمعَهُ لاجتماع السَّالكين، كما قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] والميزانُ واحدٌ، لكنَّ الموزوناتِ متعدِّدةٌ، فجمعَ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ لتعدُّدِ الموزونات.
_________________
(١) في (ف): "بصاحبه".
[ ٥ / ٣٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: يُخرِجُهم مِن ظُلماتِ الشِّركِ وهي أنواعٌ، إلى نورِ الإيمان وهو واحدٌ.
وقيل: أي: مِن الشُّكوكِ إلى اليقين.
وقيل: أي: من الجَهالاتِ إلى العِلْم.
وقيل: أي: من الضَّلالاتِ إلى الرُّشد.
وقيل: الإخراجُ هاهنا مجازٌ عن الحفظِ، فقد ذكرَ أوَّلًا: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾، وما بعد الهداية يكونُ حِفظًا.
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: يُثبِّتُهم على الدِّين (^١) الحقِّ القيِّم، ومنهم مَن جعلَ قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾، ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾ شيئًا واحدًا والتَّكرار للتَّأكيد، والصَّحيحُ أنَّ الأوَّلَ إعطاءُ (^٢) الهداية، والثَّاني: حفظُهم عن الغِواية (^٣)، والثالث: إبقاؤهم عليه تجديدًا للفوائد.
* * *
(١٧) - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هذا
_________________
(١) في (ف): "الطريق".
(٢) في (ف): "أعطى".
(٣) في (أ): "عن الهداية" وكتب تحت: "عن": "على".
[ ٥ / ٣٤٠ ]
توبيخٌ للنَّصارى، وإبطالٌ لقولِهم بقولِهم؛ لأنَّهم قالوا: هو ابنُ مريم، فكيف يكون إلهًا؟ والأمُ أقدمُ من الولدِ، فهو حادثٌ، والحادثُ لا يكون إلهًا، وهو بعضُها في أصلِ الخلقةِ، والمتبعِّضُ لا يكون إلهًا، وهو منتقِلٌ مِن الرَّحمِ إلى الأرض، والمتمكِّنُ في مكانٍ، والمنتقلُ مِن مكانٍ إلى مكان؛ لا يكون إلهًا.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: فمَن يَمنعُ اللَّهَ مِن شيءٍ يُريدُ أنْ يفعلَهُ؛ لأنَّ مَن منعَ غيرَهُ عن فعلٍ فقد ملكَ عليه أمرَهُ.
وقوله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ﴾ أي: فمن كان يملك؛ لأنَّه (^١) ذكرَ إهلاكَ عيسى وأمِّه، وهي مريم، وهي يومئذٍ كانت ميتةً، وإهلاكُها حقيقةً يكونُ في حياتِها، فيكون هذا في معنى الماضي؛ أي: مَن كان يَمنعُ اللَّهَ عن إهلاك عيسى وإهلاكِ أمه حالَ حياتِها (^٢)، ونظيرُ هذا (^٣) المستقبل قولُ القائل:
فانْضَحْ جوانبَ قبرِهِ بدِمائها (^٤) فلقد يكونُ أخا دمٍ وذبائحِ (^٥)
أي: فلقد كان يكون.
وقيل: أرادَ بالإهلاكِ: التَّعذيبَ في القيامة، وبيَّن بهذا غايةَ ضلالتِهم في اعتقاد عيسى إلهًا مع أنَّه مقدورٌ عليه، مقهورٌ مجبور.
_________________
(١) بعدها في (ر): "كان".
(٢) في (ر): "حياتهما".
(٣) بعدها في (ف): "في".
(٤) في (أ): "برجائها". وهو تحريف.
(٥) البيت لزياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلب، انظر: "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١/ ٤٣١)، و"شعر زياد الأعجم" (ص: ٥٤)، وانظر تتمة تخريجه ثمة.
[ ٥ / ٣٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وعيسى منهم، فكان مملوكًا مخلوقًا.
وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ كما يشاء، بأبٍ وغير أب، فليس فيه ما يُوهِم أنَّ عيسى إله.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يخلق ما يشاء كيف يشاء.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: من اشتملَ عليه أرحامُ الأمَّهات، متى يفارِقُه نقصُ البَشريَّة؟ ومَن لاحت عليه شواهدُ التَّغيير أنَّى يَليق به نعتُ الرُّبوبيَّة؟ ولو قطعَ البقاءَ عن جميع ما أوجَدَ، فأيُّ نقصٍ يعودُ إلى الصَّمديَّة (^١)؟
* * *
(١٨) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ قال محمَّدُ بنُ إسحاق: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ نعمانَ بنَ أضاء، وبحريَّ بنَ عمرو (^٢)، وشاس بنَ عَدي، كلَّموا رسول اللَّه -ﷺ-، فدعاهُم إلى اللَّه، وحذَّرهُم نِقْمتَه، فقالوا: ما تُخَوِّفُنا يا محمد، فنحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤١٣ - ٤١٤).
(٢) تحرف اسماهما في النسخ الخطية إلى: "عثمان بن أمار وجدي بن عمرو". والمثبت من مصادر تخريج الخبر.
(٣) رواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٦٣)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٦٩).
[ ٥ / ٣٤٢ ]
وعن ابن عباس ﵄: إنَّ الآيةَ نزلت في يهود المدينة، كعبِ بن الأشرف، وكعبِ بن أسد، وسعيد بن عمرو، ووهب بن يهوذا، وزيد بن التَّابوت، وبحريِّ (^١) بن عمرو، وسائر رؤساء اليهود، ومن نصارى نجران السيَّدُ والعاقِبُ ومَن معهما، خاصموا أصحابَ رسول اللَّه -ﷺ- في الدِّين، فعيَّرهم أصحابُ رسولِ اللَّه -ﷺ- بالكفرِ، وبغضبِ اللَّه عليهم، فقالت اليهود: إنَّما غضبَ (^٢) اللَّهُ علينا كما يغضبُ (^٣) الرَّجلُ على ولدِه، ثمَّ يَرضى عنه، وإنَّا أبناءُ اللَّه وأحباؤه.
وهم معترفون أنَّهم يُعذَّبون في النَّارِ أربعينَ يومًا، عدَّةَ الأيَّام التي عَبدوا فيها العجلَ، فردَّ اللَّهُ عليهم بهذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾؛ أي: بالنَّارِ، ولا يُعذِّبُ والدٌ ولدَهُ بالنَّار.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أي: لم جعلَ منكم القردةَ والخنازيرَ، والوالِدُ لا يَفعلُ ذلك بولده (^٤).
وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: أرادوا بقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أنَّ منَّا عُزَيرًا، وهو ابنُ اللَّه على زعمهم، ومنَّا المسيح، وهو كذلك عندَهم (^٥)، وهو كقولِ الواحد من القوم: نحنُ الكُتَّاب، ونحن (^٦) الفوارس، يعني بذلك: أنَّ منَّا كذا.
_________________
(١) في النسخ الخطية: "وجدي" وهو تحريف.
(٢) في (ف): "يغضب".
(٣) في (ر) و(ف): "كغضب "بدل: "كما يغضب".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨).
(٥) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٣١٦).
(٦) في (ف): "ومنا".
[ ٥ / ٣٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: خلقٌ مِن خلقِه، فلا بُنوَّةَ.
وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يَغفِرُ لمَن تابَ مِن النَّصرانيَّةِ واليهوديَّة، ويُعذِّبُ مَن ماتَ عليهما.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فله التَّصرُّفُ فيهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: إلى جزائِه مرجعُ الكلِّ.
* * *
(١٩) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا أهلَ اليَهوديَّة والنَّصرانيَّة، وأراد بالكتاب الكتابَين؛ التوراة والإنجيل، وكذلك فيما تقدَّمَ في هذه السُّورة، لكنَّ الكتابَ مصدرٌ، أو اسمُ جنسٍ، فصلحَ للتَّثنية، ولأنَّهما (^١) يَعتقدان التَّوراة، فأضيفوا جميعًا إليها.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾؛ أي: محمَّدٌ -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾؛ أي (^٢): ما لكم وعليكم.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أي: حالَ فتورِ أمرِ الرُّسلِ بانقطاعِ مجيِئهم مدَّةً يَدْرُسَ فيها الدِّينُ، أو يَكاد يَدرُس.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾؛ أي: لئلَّا يَقولوا يومَ القيامةِ: كنَّا في زمانِ فترةٍ، فاتَّبعْنا النَّاسَ على ما أدركناهُم عليه، ولم يَكن عندنا علمٌ بما بدَّلوا
_________________
(١) في (ف): "وإنهما".
(٢) بعدها في (ر): "يبين لكم".
[ ٥ / ٣٤٤ ]
وغيَّروا، فقَطَعَ اللَّهُ احتجاجَهُم بهذا، ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ بمعنى: لئلَّا تقولوا، كما بيَّنَّا في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾؛ يعني: نبيٍّ مبشِّرٍ بالجنَّةِ المطيعين، ﴿وَلَا نَذِيرٍ﴾ يُنذِر بالنَّارِ الجاحدين.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ هو محمَّدٌ -ﷺ-، فانقطعت حُجَجُكم، وبَطَلَتْ معاذيرُكم بإتيانِه وتبيانه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كانوا يقولون: لا رسولَ بعد موسى، فقال: إنَّ اللَّهَ قادرٌ على إرسالِ محمَّدٍ وإقامةِ المعجزاتِ له، كما كان قادرًا على إرسالِ موسى وإقامة المعجزاتِ له، وعلى كلِّ شيء (^١).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄ وقتادة: الفترةُ بين عيسى ومحمدٍ خمسُ (^٢) مئةٍ وستُّون سنة (^٣).
وقال الضحاك ومقاتل: ستُّ مئة سنة (^٤).
وقال الكلبيُّ ومجاهدٌ: خمسُ مئةٍ وأربعون سنة (^٥).
وقال الكلبيُّ: كان بين موسى وعيسى ألف وسبع مئة سنة (^٦)، وكان بينهما ألف
_________________
(١) في (ف): "وهو على كل شيء قدير" بدل: "وعلى كل شيء".
(٢) في (أ): "ست مئة".
(٣) رواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٩١)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٧٥).
(٤) انظر قول الضحاك في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٤٠)، وقول مقاتل في "تفسيره" (١/ ٤٦٤).
(٥) انظر قول الكلبي في "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٢٦)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٤٠).
(٦) ذكره عن الكلبي الزمخشري في "تفسيره" (١/ ٦١٩).
[ ٥ / ٣٤٥ ]
نبيٍّ، وكان بين مولدِ عيسى ومولدِ محمَّد -ﷺ- خمسُ مئةٍ وتسعٌ (^١) وستُّون سنة (^٢)، وكان عيسى حينَ رُفِع ابنَ اثنتين وثلاثين سنة وستَّةَ أشهر.
* * *
(٢٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾؛ أي: واذكُرْ يا محمَّدُ إذ قال موسى لبني إسرائيلَ حين أنجاهمُ اللَّهُ مِن فرعون وقومِه، وأخرجَهم مِن أرضِ مصر، ووعدَهم إسكانَهُم أرضَ الشَّام، وأمرَهم بجهادِ أهل أرضِ أريحا مِن بلادِ فلسطين، فذكروا أنَّها أرضونَ لا علمَ لهم بها، ولا يَهتدون لوجهِ قتالِ أهلِها، فبَعثَ موسى اثنَي عشرَ نقيبًا يتجسسون (^٣) أخبارَها، فأتوهم وهم أقوياءُ طوال، وقد التقطَهُم بعضُهم، وجعلَهم في حجرِه، وجاء بهم إلى ملكِهم، فنثرَهُم بين يديه، وقال: هؤلاء الذين يَغزوننا وخلَّاهُمُ الملكُ؛ ليَرجعوا ويُخبروهم بحالِهم، فجاؤوا موسى فأخبروهُ به، فقال: اكتموا بني إسرائيلَ ما شاهدتُم؛ لئلَّا يَجبُنوا، فلم يَكتُموا إلَّا رجلين (^٤)، نذكرُهما من بعد.
_________________
(١) في (ف): "وسبع".
(٢) ذكر المباركفوري في "الرحيق المختوم" (ص: ٤١) أن مولد سيد المرسلين -ﷺ- كان في أبريل سنة (٥٧١ م) حسبما حققه العالم الكبير المنصورفوري، والمحقق الفلكي محمود باشا.
(٣) كذا، ولعل الأقرب: "يتحسسون".
(٤) هذا الخبر رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٩٠ - ٢٩١)، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦) عن ابن عباس. وهذا الخبر من الإسرائيليات الباطلة، كما نبه عليه الشيخ محمد أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" (ص: ١٨٥).
[ ٥ / ٣٤٦ ]
فانتشرَ الخبرُ في بني إسرائيلَ مِن جهة العشرة النُّقباء، فأظهروا الامتناعَ عن قتالِهم، فحَرَّكهم (^١) موسى على الجهاد بهذا، وهو قوله: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، وذِكْرُ النِّعمةِ يَستَدعي الشُّكرَ، وطاعةَ المنعمِ فيما أمر، ونِعَمُ اللَّهِ كثيرةٌ، ومنها ما قال: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ والأنبياءُ بعد إبراهيم كلُّهم مِن نسلِ إبراهيم، وبنو إسرائيل أولاده.
وقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال الحسن: أحرارًا تملكون أنفسَكم بعد ما كنتم في أيدي القبط كأهل الجزية فينا (^٢).
وقال مقاتل (^٣): أي: لا يُدخَلُ عليكم إلَّا بإذنٍ (^٤)، وكان قومُ فرعون يَدخلون عليهم متى شاؤوا (^٥) من غير استئذان تهاونًا بهم.
وقال عطاء: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾: آتاكم مِن النِّعمةِ: فَلْقَ البحرِ، وإغراقَ العدوِّ، والآيات (^٦).
وقال الضَّحَّاك: كانت منازلُهم واسعةً، فيها مياهٌ جاريةٌ ومن كان له مسكنٌ واسعٌ، وفيه ماءٌ جارٍ، فهو ملك (^٧).
وقال قتادة: جعلَ لكم الخدمَ مِن بني آدم، وهم أوَّلُ قومٍ جعلَ لهم ذلك (^٨).
_________________
(١) في (ف): "فحرضهم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٨١) لكن من قول السدي، وانظر: "التفسير البسيط" (٧/ ٣٢٢).
(٣) في (ف): "وقيل" بدل: "وقال مقاتل".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٦٥).
(٥) في (أ): "شاء".
(٦) ذكر الواحدي في "التفسير البسيط" (٧/ ٣٢٢) أنه من رواية عطاء عن ابن عباس.
(٧) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٣٢١).
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٨٠ - ٢٨١).
[ ٥ / ٣٤٧ ]
وقيل: أي: جعلَكم بعد ما كنتم (^١) تُستَعبدون تَقصِدون الملوكَ وتُجاهِدون.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: جعلَ لكم الخَدَمَ والحشَم (^٢).
وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: مَن كان له بيت وخادم فهو ملك (^٣).
وقال مجاهدٌ: كان بنو إسرائيل يقولون: من كان له دار وخادم وزوجة فهو ملك (^٤).
وقد روى زيدُ بن أسلم عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: " ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ مَن كان له مسكنٌ وزوجةٌ وخادمٌ فهو مَلِك" (^٥).
وقال الحسن في روايةٍ: أي: جعل لكم المركَبَ والخادم (^٦).
وقيل: أي: وجعلَ فيكم الأنبياء، وبهم قوامُ الدين، وجعلَ فيكم الملوكَ، وبهم قوامُ الدُّنيا؛ أي: هيَّأ (^٧) أسبابَ معاشِكم ومعادِكم، فاشكروا له بطاعتِكم وجهادِكم.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانِكم.
وقيل: هو التوراة.
_________________
(١) لفظ: "كنتم" من (ف).
(٢) روى الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٨٠) عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الآية: البيت والخادم، وفي رواية أخرى: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كنت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكًا.
(٣) لم أقف عليه عن ابن مسعود.
(٤) روى الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٧٩) نحوه عن الحكم.
(٥) رواه أبو داود في "المراسيل" (٢٠٤)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٧٩). قال ابن كثير: هذا مرسل غريب.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٧٩).
(٧) بعدها في (ر): "لكم".
[ ٥ / ٣٤٨ ]
وقيل: هو فلقُ البحر.
وقيل: تظليلُ الغَمام، وإنزالُ المنِّ والسَّلوى.
لكن عند بعضِهم كان هذا في التيه، وكان ذلك بعد هذا الأمرِ بالجهاد، فهو على سائر ما أوتوهُ مِن الآياتِ وأنواع الكرامات.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أمر اللَّهُ بني إسرائيلَ على لسان نبيِّه أنْ يَذكروا نعمَة اللَّه، وأمر هذه الأمة بخطابِ نفسِه، لا على لسان مخلوق؛ بأنْ يَذكروهُ، فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ثمَّ جعلَ جزاءَ أولئك ثوابَه الذي هو فعلُه، وجعلَ جزاء هؤلاء ذكرَه الذي هو قولُه.
وقال في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الملِكُ مِن المخلوقين: مَن عبدَ اللَّهَ الملِكَ الحقيقيَّ. وقال: الملكُ: مَن مَلَك هواهُ، والمملوكُ مَن هو في رِقِّ شهواتِه ومُناه.
قال: ويقال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ لم يُحوِجكُم إلى أمثالِكم، ولم يَحجبكُم عن نفسِه بأشغالِكم، وسهَّل سبيلَكُم إليه في عمومِ أحوالِكم.
وقال في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: لئن آتى بني إسرائيلَ بمقتضى جودِه، فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاكتفوا بوجوده، والاكتفاء بوجوده أتم من الاستغناء بمقتضى جوده (^١).
* * *
(٢١) - ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤١٥).
[ ٥ / ٣٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾: المطهَّرة، وقيل: المباركة.
قال ابنُ عباس ﵄: هي أرض بيت المقدس أريحا وغير ذلك (^١).
وقال قتادة: أرض الشام (^٢).
وقال الكلبيُّ: دمشق وفلسطين وبعضُ الأردن (^٣).
وتَقدُّسها (^٤): بكونها مستقرَّ الأنبياء والعُبَّادِ والزُّهَّاد.
وقيل: مقدَّسة: مطهَّرة من الشِّركِ والفواحش، وبركتُها: بكثرةِ الماء والشَّجرِ والثَّمر، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (^٥) [الإسراء: ١]، قالوا: بكثرةِ الماء و(^٦) الشجر والثَّمر وسَعَة العيش.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: هي مدينةُ الجبَّارين (^٧).
قوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: قضى أنْ يكون لكم، وقيل (^٨): جعلَها اللَّهُ لكم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: أي: كتبَ اللَّهُ عليكم قتالَ أهلِها
_________________
(١) روى الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٨٥) عن ابن عباس ﵄ أنه فسرها بأريحا.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٩٥).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٤٢).
(٤) في (أ): "وتقديسها".
(٥) قوله: "من المسجد الحرام" من (ر).
(٦) قوله: "الماء و" من (ر).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٩٨).
(٨) بعدها في (ر): "أي".
[ ٥ / ٣٥٠ ]
ليُسلِموا، واللامُ بمعنى: "على"، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها (^١).
وقال القتبيُّ: أمرَكُم بدخولِها (^٢).
فإن قالوا: رُويَ أنَّهم لمَّا لم يجيبوا إلى الجهادِ (^٣) بَقوا في التِّيه أربعين سنةً، وماتوا فيها، فكيف كانت مكتوبةً لهم، وماتوا قبل أن يدخلوها (^٤)؟ قلنا عنه أجوبة:
أحدها: أنَّ هذا كان وعدًا مقيَّدًا بشرطِ الجهاد؛ لأنَّه وإنْ أُطلِقَ في أوَّل هذه الآية، فقد قال في آخرها: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، وقد خالَفوا الشَّرطَ فحُرِموها.
والثَّاني: أنَّ الخطابَ لبني إسرائيل، وقد وقع الفتحُ على أيدي أولادِ هؤلاء، ودخلوها، فتَحقَّق الوعدُ.
والثَّالث: أنَّ بعض مَن بقيَ في التِّيه الذين كانوا مع موسى حين خاطَبهم، منهم يوشع بن نون وكالب؛ قد (^٥) فتحوها ودَخَلُوها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾؛ أي: ولا تَرجِعوا موَلِّينَ ظهورَكُم منهزمين، فتَخسروا ما وعدَ لكم؛ مِن الاستيلاءِ على بلادِهم في الدُّنيا، ومن الثَّوابِ في العُقبى.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٩١).
(٢) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٤٢).
(٣) في (ر): "القتال".
(٤) قوله: "وماتوا قبل أن يدخلوها" من (ف).
(٥) في (ف): "وكالوب وقد" بدل: "وكالب قد".
[ ٥ / ٣٥١ ]
(٢٢) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ قال ابنُ عرفة: أي: أهل سَطوةٍ وقَهرٍ.
وقال ابنُ اليزيديِّ (^١): ﴿جَبَّارِينَ﴾؛ أي: عظماء.
وقال الأزهريُّ: ﴿جَبَّارِينَ﴾؛ أي: عاتين (^٢).
وقيل: عِظامُ الأجسام، يُقال: نخلةٌ جبَّارةٌ: طويلةٌ عظيمة.
وقال قتادة: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾؛ أي: أشدَّ منَّا قوَّةً، وأطولَ منا أجسامًا (^٣).
وقال الزُّهريُّ (^٤): كان عوج الجبَّار في فلسطين، وقد غلبَ عليها كلَّها.
وقال محمد بن إسحاق: كان أهلُ الكتاب يقولون في عوج: إنَّ السَّحابَ كان يكون إلى معقدِ إزارِه، وكان يَضربُ بيدهِ الحوتَ مِن أسفلِ البحر، فيَشويهِ بقَرنِ
_________________
(١) هو أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن المبارك، بصرىّ سكن بغداذ، وكان ذا قدر وفضل، وحظ وافر من الأدب، وكان شاعرًا مجيدًا، سمع من أبى زيد الأنصاري والأصمعي، وله كتاب "ما اتفق لفظه واختلف معناه" و"مصادر القرآن" و"المقصور والممدود"، توفي سنة (٢٢٥ هـ). انظر: "إنباه الرواة" للقفطي (١/ ٢٢٤ - ٢٢٦)، و"بغية الوعاة" للسيوطي (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).
(٢) انظر أقوال ابن عرفة وابن اليزيدي والأزهري في "الغريبين" للهروي (١/ ٣٠٩ - ٣١٠) (مادة: جبر)، ووقع في مطبوعه: "عاتبين" بدل: "عاتين"! وانظر أيضًا "تهذيب اللغة"، للأزهري (١١/ ٥٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٠١).
(٤) في (ف): "الأزهري".
[ ٥ / ٣٥٢ ]
الشَّمس، ثمَّ يأكلُه، وكان عُمِّر (^١) ثلاثةَ آلافٍ وست مئة سنة، وولد في دار (^٢) آدم، ثمَّ عاش حتى قتلَهُ موسى ﵇ (^٣).
وقيل: كان طولُ هؤلاء الجبارين ثمانين ذراعًا.
وقيل: مئة ذراع.
وقيل: أربع مئة ذراع.
وقيل (^٤): ثمان مئة ذراع.
وقيل في عوج: عاج بن عوج.
وقيل: هو الذي أخذَ الاثني عشر نقيبًا وجعلَهم في كُمِّه، ثمَّ خلَّاهم، فلمَّا رجعوا أخبر العشرةُ منهم بني إسرائيلَ بحال هؤلاء، فخافوا، فلذلك قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾؛ أي: بالقتال، ﴿حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ بغيرِ قتال، فيُسلِّموها لنا، ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ أي: يسلِّموها لنا طائعين، أو بغيرِ قتال، ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ بلادَهم حينئذٍ.
* * *
_________________
(١) في (أ): "عمره".
(٢) في (ف): "زمن".
(٣) خبر عوج بن عنق من خرافات وأباطيل بني إسرائيل. انظر بيان ذلك في "تفسير ابن كثير" عند هذه الآية، و"الإسرائيليات" لأبي شهبة (ص: ١٨٥).
(٤) بعدها في (ر): "كان طول عوج".
(٥) لا يخفى أن هذا من الإسرائيليات التي لا يوافقها عقل ولا نقل، وقد نبهت عليها غير مرة. واللَّه الهادي.
[ ٥ / ٣٥٣ ]
(٢٣) - ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾؛ يعني: قال اثنان مِن أولئك الاثني عشر، وهما يوشعُ بنُ نون وكالب بن يوفنَّا، وهما مِن الذين يَخافون اللَّهَ، ولا يَخافون غيرَهُ، وذلك بإنعامِ اللَّه عليهما بالتَّوفيق للاعتماد عليه، والأمنِ بوعدِه.
وقيل: أي: من الذين يَخافون الجبَّارينَ طبعًا كخوف غيرهما، لكن أنعمَ اللَّهُ عليهما بالثِّقةِ بوعدِه، ومجاهدةِ النَّفسِ في الائتمار بأمرِه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀ (^١): وعن سعيد بن جبير أنَّه كان يَقرؤها: (يُخافون) بضمِّ الياء (^٢).
قال أبو عبيد: جعلَ الرجلين من الجبارين وقد أسلما فاتبعا موسى ﵇ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾؛ أي: قالا لهم: ادخلوا أنتم بابَ بلدِهم، فإذا دخلتم انهزَموا، وكانت الغلبةُ لكم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إنَّ الإيمانَ باللَّه يوجِبُ الثِّقةَ بوعد اللَّه، والاعتمادَ على نُصرةِ اللَّه، والائتمارَ بأمرِ اللَّه.
_________________
(١) قوله: "وقال الإمام أبو منصور ﵀": ليس في (ف).
(٢) لم أقف عليها في "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي، (١/ ٤١١)، والقراءة في "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ٣٨) عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وفي "المحتسب" (١/ ٢٠٨) عن سعيد بن جبير ومجاهد.
(٣) القول في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٤٣) دون نسبته لأبي عبيد.
[ ٥ / ٣٥٤ ]
(٢٤) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.
وقال الكلبيُّ: قالوا: يا موسى أتكذِّبُ عشرةً، وتُصدِّقُ اثنين؟ وعادوا إلى الكلامِ الأوَّل، وذلك قولُه تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾؛ أي: وإنْ كثُرَ القول، وامتدَّ الزَّمان.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ مِن أهل الظَّاهرِ مَن حمل هذا على الظَّاهر، وقال: اعتقدوا في اللَّه الذَّهابَ، وهو كفرٌ مِنهم، لكن لا وجهَ لهذا؛ لأنَّهم لو قالوا ذلك اعتقادًا، وكفروا به لحاربَهم موسى ﵇، ولم تكن مقاتلةُ الجبَّارينَ أولى من مقاتلةِ هؤلاء، لكن له وجهان صحيحان:
أحدهما: اذهب أنت، وربُّك ﷻ يعينُك على قتالِك، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
والثاني: ﴿وَرَبُّكَ﴾؛ أي: سيِّدُك، وهو أخوك الأكبرُ هارون، اذهبا جميعًا فقاتلاهم، وقوله: ﴿أَنْتَ﴾ زِيدَ عمادًا لضمير ﴿فَاذْهَبْ﴾، ويجوزُ في المرفوع إثباتُه وحذفُه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٨]، وقال: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧]، وفي المخفوضِ لا بدَّ مِن الإثبات؛ أي: لا بد من إعادة العامل (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ "ها" تنبيهٌ و"هنا" إشارةٌ إلى المكان الحاضر، وهناك إشارة إلى المكان الغائب، و﴿قَاعِدُونَ﴾؛ أي: مستَقِرُّون ثابتون، لا نَتقدَّم إلى بابِ بلدِهم، ولا نُقاتل أهلَه.
_________________
(١) قوله: "أي لا بد من إعادة العامل" من (ف).
[ ٥ / ٣٥٥ ]
وقال المقدادُ بن الأسود ﵁ للنَّبيِّ -ﷺ-: إنَّا لا نقولُ لك: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن نقول: اذهب أنت، وربُّك يعينُك، وإنَّا معكم مقاتلون (^١).
* * *
(٢٥) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾؛ أي: قال موسى: يا رب، إنِّي لا أملكُ إلَّا نفسي، وأخي أيضًا لا يَملِكُ إلَّا نفسَه، فلا نقدِرُ على تكليف هؤلاء شيئًا، وهو رفعٌ عطفًا على موضع الضمير في ﴿أَمْلِكُ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨].
وقيل (^٢): ﴿إِلَّا نَفْسِي﴾ وإلَّا أخي، فإنَّه يُطيعُني ولا يُخالِفُني، فأنا مالكٌ أمرَه بظاهرِ الحال وموافقتَهُ (^٣) إيَّاي في كلِّ شيءٍ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ولمَّا ادَّعى أنَّه يَملِكُ نفسَه، عُرِّفَ عجزَهُ عن ملكِهِ نفسَه، حيث أخذَ برأسِ أخيهِ يجرُّه إليه.
ويقال: ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾؛ أي: لا أدَّخرها عن البذلِ في أمرِك، ولا أملِكُ إلَّا أخي، فإنَّه لا يُؤثِرُ بنفسِه عن الذي كلَّفتُهُ مِن قبلك (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: أخْرِجنا مِن (^٥) عدادهم، ولا تُلحِقنا بهم في استحقاقِ العقوبة.
_________________
(١) رواه بنحوه البخاري في "صحيحه" (٣٩٥٢) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) بعدها في (ر): " ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ أي".
(٣) في (أ): "ولموافقته".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤١٧).
(٥) في (أ): "عن".
[ ٥ / ٣٥٦ ]
وقيل: أي: اقضِ بيننا وبينَهم، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]؛ أي: يُقضى.
وقيل: أي: باعِدْ بيننا وبينَهم، قال الرَّاجزُ:
يارَبِّ فافرُق بينَه وبيني أشَدَّ ما فرَّقتَ بين اثْنينِ (^١)
وقيل: أي: ميِّز بيننا وبيثَهم في الآخرة، فيكونُ هؤلاء في النَّار، وهؤلاء في الجنَّة، ولم يقل: بيننا وبينهم؛ لأنَّ فيهم مَن أطاعَهُ، كيوشع وكالب، فلذلك قال: ﴿وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ على التَّخصيص.
* * *
(٢٦) - ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: فإنَّ الأرضَ المقدَّسةَ ممنوعةٌ عليهم أنْ يَدخلوها ويَسكنوها، والتَّحريمُ: المنع، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، وهو تَفعيلٌ مِن الحرمان، وكان ذلك عقوبةً لهم بعصيانِهم.
وقيل: أي: التَّوبةُ محرَّمةٌ عليهم، فلا يَتوبون.
وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرفٌ لقوله: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، وقيل: لقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يَبقون مُتحيِّرين في الأرضِ التي هُم فيها، وهي البرّ.
_________________
(١) ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ١٦٠)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٠٥)، وانظر ما علقه عليه الشيخ محمود شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" (١٠/ ١٨٨).
[ ٥ / ٣٥٧ ]
والتِّيهُ: التَّحيُّر الذي لا يُهتَدى لأجلِه للخروجِ إلى الطَّريقِ المستقيم، والتِّيهُ: التكبُّر، مِن ذلك، والتَّيهاءُ: الأرضُ التي لا يُهتَدَى فيها، وكان التِّيهُ مقدارَ ستَّةِ فراسخ عرضًا، في اثني عشرَ فرسخًا طولًا.
وقال مقاتل: أوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى ﵇ أنِّي أحبِسُهم بالنَّهار، وأسيَّرُهم باللَّيل أربعينَ سنة، فإذا بلغَ أجلُهم أربعين سنةً، أرسلتُ عليهم الموتَ، فلا يَدخلُها إلَّا خلوفُهم، غير يوشعَ وكالب، وهما يسوقان بني إسرائيلَ إلى تلك الأرضِ، فتاهَ القومُ في ستة فراسخ، وقالوا لموسى: ما صنعْتَ بنا، ونَدِمَ موسى على ما دعا عليهم (^١).
وقيل: لم يقصد موسى بالدُّعاء هذا النوعَ من العذاب، بل أرادَ بهم ما هو أخفُّ منه، وحَزِنَ بهذا، فخفَّفَ اللَّه تعالى عليه ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لا تحزَن عليهم بما أصابَهم وهم فاسقون مستحِقُّون لذلك.
قال مقاتل: ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى أخرجَ ذراريهم بعد أربعين سنةٍ، وقد هلكَتِ العُصاةُ في التَّيه، فأتَوا أريحا، فقتلوا مقاتليهِم، وسبوا ذرارِيهم، وقتلَ ثلاثةً مِن الجبَّارين، ومات في التِّيهِ كلُّ ابن عشرين سنة، ومات هارونُ في التِّيهِ، ومات موسى بعدَهُ بسنةٍ، واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون (^٢).
وقيل: قد أُجيبَتْ دعوةُ موسى في الفَرْق بينه وبينهم؛ فإنَّهم كانوا محبوسين في التِّيه، وموسى وهارون ويوشع وكالب لم يكونوا محبوسين، بل كانوا مخيَّرين،
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٦٨).
[ ٥ / ٣٥٨ ]
وإنَّما مَكثوا في التِّيهِ حفظًا لهم على الإسلام والطَّاعة، فإنَّهم كانوا يَرجعون عن الدِّين لولاهم.
وقيل: إنَّ قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ما علمَ به بنو إسرائيل، بل علِم به هو، أو (^١) هؤلاء الثلاثة معه على الخصوص، ولو علموا بذلك لما تَكلَّفوا المسيرَ كلَّ يومٍ مع علمِهم بالحبسِ.
وقيل: إنَّ تظليلَ الغمامِ وإنزالَ المنِّ والسَّلوى كان في هذا.
وقيل: هذا نعمةٌ، وكان حبْسُهم محنةً، بل ذلك كان حين خرجوا من البحرِ، ودخلوا تلك البَرِّيَّة، وهذه البَرِّيَّةُ غيرُ تلك البَرِّيَّةِ (^٢).
وقيل: يَجوزُ أن يكون هذا في هذه البَرِّيَّة، والعقوبةُ في الدُّنيا لا تُنافي النِّعمةَ؛ فإنَّها ليست بدار الجزاءِ على الحقيقة.
وفي تفسير الربيع بن أنس أنَّ حبسَهُم في التِّيهِ كان أربعينَ سنةً، ثمَّ زالَ، فدخلوا تلك الأرض (^٣).
والصَّحيحُ أنَّهم ماتوا فيها، وفُتِحَت تلك البلادُ لأولادهم.
* * *
(٢٧) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أهلِ الكتاب هؤلاء؛ الذين قال أسلافُهم
_________________
(١) قوله: "هو أو" ليس في (ف).
(٢) لفظ: "البرية" من (أ).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٠٧ - ٣٠٨) مطولًا.
[ ٥ / ٣٥٩ ]
لموسى ذلك، وهؤلاء الذينَ في عصرِك مِن أولادِهم يَحسدُونك، وقد همُّوا أنْ يَبسطوا أيديَهم إليك بالقتل، فأخبِرهم بقِصَّةِ ابنَي آدمَ، الذي بَسطَ يدَهُ إلى صاحبِه بالقتلِ حسدًا له، وإلى ماذا صار أمرُه مِن خُسران الدُّنيا والآخرة، فكذلك حالُ هؤلاء.
وقيل: يَرجِعُ هذا إلى قوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]، وكان من ذلك هذه القصَّة.
وقوله تعالى: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾؛ أي: خبرَهما.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ليَعتبروا ويتذكَّروا، لا ليَحمِلوه على اللَّعبِ والباطل ككثيرٍ مِن الأقاصيص التي هي من لهوِ الحديث.
قال الحسن: وبعض الناس يقولون (^١): إنَّ هذين الرجلين من بني إسرائيل (^٢)، وضربَ اللَّهُ المثلَ بهما؛ لبيانِ أنَّ التَّحاسُدَ في بني إسرائيل قديمٌ، وبلغ ذلك حتَّى قَتلَ مَن رُدَّ قربانُه مَن قُبِلَ قربانُه؛ حسدًا له على ما آتاهُ اللَّه من فضلِه، وهؤلاء أولادُ أولئك، فلا تُنكِر يا محمَّدُ حسدَهم إيَّاكَ.
وسمَّاهما ابنَي آدم؛ لأنَّهما مِن نوافله، كما سمَّانا بني آدم، وهذا وإن كان أقربَ إلى النَّظم، فهو خلافُ المأثورِ المشهورِ أنَّهما وَلَدا آدمَ لصلبه؛ هابيل وقابيل، على ما رُويَ عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: كانت حوَّاءُ تَلِدُ في كلِّ بطنٍ اثنين؛ غلامًا وجاريةً، وقد ولدَت خمسَ مئة بطنٍ، فولَدَت أوَّل بطنٍ قابيلَ وأختَه إقليما، ثمَّ مكثَت سنتَين، ثمَّ ولدَت البطنَ الثَّاني هابيلَ وأخته لبوذا (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بعده يقول" بدل: "يقولون".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٢٤). وذكره ابن كثير في "تفسيره"، وقال: وهذا غريب جدًّا، وفي إسناده نظر.
(٣) اسم أخته في "تفسير مقاتل" (١/ ٤٦٩)، و"تفسير أبي الليث" (١/ ٤٢٩): "ليوذا"، و"تفسير=
[ ٥ / ٣٦٠ ]
فلمَّا أدركوا، أمرَ اللَّهُ تعالى آدمَ أنْ يُنكِحَ قابيلَ أختَ هابيل، وأنْ يُنْكِحَ هابيلَ أختَ قابيل، فرضيَ هابيلُ بالذي أُمِر، وسخِطَ قابيل؛ لأنَّ أختَه كانت أحسنَهُما، وقال: ما أمرَ اللَّهُ آدمَ بهذا قطّ، ولا أزوِّجُ هابيلَ أختي، قال آدمُ: فقرِّبا قُربانًا، فمِن أيِّكما تُقُبِّل تزوَّجَها، فقرَّبَ هابيلُ حملًا سمينًا مِن خيرِ غنمِه [و] (^١) لبنًا وزُبدًا، وقرَّبَ قابيلُ فسيلًا مِن شرِّ زرعِه، فانطلقَ بهم آدمُ إلى الجبلِ، فأضمرَ قابيلُ في نفسِه: ما أبالي تَقبَّل اللَّهُ منِّي أم لا، لا يَتزوَّج هابيلُ أختي أبدًا، وأضمرَ هابيلُ في نفسِه الرِّضا للَّه، فنزلَت نارٌ مِن السَّماء، فتَقبَّل اللَّهُ تعالى مِن هابيل؛ لأنَّه كان زاكيَ القلب، ولم يَتقبَّل مِن قابيل، فنزلوا من الجبلِ وتَفرَّقوا.
ثمَّ أتى قابيلُ هابيلَ وهو في غنمه، فقال له: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ (^٢)، قال: ولم؟! قال: لأنَّ اللَّهَ تعالى قبلَ قربانَك وردَّ قُرباني، وستَنكِحُ (^٣) أختي الحسناء، وأنكِحُ أختَك القبيحةَ، فيَتحدَّثُ النَّاسُ أنَّك خيرٌ منِّي، ويَفخَرُ ولدُكَ على ولدي، قال له هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي (^٤): ممن كان زاكي القلبِ (^٥)، ورُدَّ عليك لأنَّك لست بزاكي القلبِ. وروي أن الكبش كان أبيض (^٦) أعين أقرن.
وقال السُّدِّيُّ: كان قابيلُ أكبرَ مِن هابيل، فأرادَ آدمُ الخروجَ إلى مكَّة، فطلبَ
_________________
(١) = الثعلب" (٤/ ٤٩).
(٢) ما بين حاصرتين من "تفسير الثعلبي" (٤/ ٥٠).
(٣) بعده في (ف): "وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال قابيلُ لهابيل: لأقتلنَّك".
(٤) في (أ) و(ف): "وتنكح".
(٥) قوله: "من المتقين أي" ليس في (أ)
(٦) قوله: "أي: ممن كان زاكي القلب" ليس في (ر).
(٧) "أبيض": زيادة من (أ) و(ف).
[ ٥ / ٣٦١ ]
إلى السَّماء أنْ تحفظَ عليه أهلَه وولدَه بأمانةِ اللَّه، فأبت، وطلبَ إلى الأرضِ، فأبَت، وطلبَ إلى الجبالِ، فأبت، فقال قابيل (^١): أنا أحفظُهم عليك بأمانة اللَّه، فضَمَّنهُ ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وانطلق آدمُ إلى مكَّة، فطاف بالبيت، فطلب هابيلُ إلى قابيل أنْ يُزوِّجَهُ أختَه، فقال له قابيل: أنا أكبرُ منك، وأنا وصيُّ أبي، فقال له هابيل: ما أنت خيرًا مني، تعال فلنقرِّب قُربانًا، فأيُّنا تُقبِّلَ قربانُه فهو خيرٌ مِن صاحبه، وكان قابيلُ صاحبَ زرعٍ، وهابيلُ صاحبَ غنمٍ، فأخرج قابيلُ سُنبلًا، وأخرج هابيلُ كبشًا سمينًا، فجاءت نارٌ فأخذت الكبشَ، وتركتِ السُّنبلَ، فحسَده قابيلُ، فقال: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، فقال هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾؛ أي: تَقرَّبا إلى اللَّه بقربانٍ؛ قابيلُ بالسُّنبلة، وهابيلُ بالكبش، فتُقبِّلَ مِن هابيل، ولم يُتقبَّل مِن قابيل، وقوله تعالى: قربا قربانًا؛ أي: قرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما (^٣) قربانًا، أو هو مصدرٌ، فصَلَح للاثنين والجمع.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي: قال قابيلُ ذلك؛ أي: كيلا يَقولَ النَّاسُ إذ رأوك ورأوني: هذا مقبولُ القُربان، وهذا مردود القربان (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: قال ذلك هابيل، قال فضالةُ بنُ
_________________
(١) في (أ): "هابيل".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٢٢ - ٣٢٣) من رواية السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي -ﷺ-
(٣) لفظ: "منهما" من (ف).
(٤) في (أ): "مردوده وقول قابيل"، وفي (ر): "مطرود القربان" بدل: "مردود القربان".
[ ٥ / ٣٦٢ ]
عبيد: لأنْ أكونَ أعلمُ أنَّ اللَّهَ قد تَقبَّل منِّي مثقالَ حبَّةٍ من خردل أحبُّ إليَّ مِن الدُّنيا وما فيها، وتلا هذه الآية (^١).
وقالوا: قُبلَ قُربان هابيل لتعظيمه، ورُدَّ قُربان قابيلَ لتحقيرِه، وما ينبغي لأحدٍ أنْ يَترُكَ تعظيمَ اللَّه فيما يَتقرَّبُ به إليه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ الآية [الحج: ٣٧] - اجتمع في قابيل عقوقُ الأبِ، وحَسَدُ الأخ، وتحقيرُ القُربان، والتَّأخيرُ في الائتمار، فأفضى به ذلك إلى ردِّ الأمر والوقوعِ في الكفر، وكذلك إيثارُ (^٢) المعاصي والإصرارُ عليها والاستهانةُ بها.
* * *
(٢٨) - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: لئن مددتَ، و(اللَّام) للقسم، وكذلك أجيب بـ ﴿مَا﴾ الذي هو مِن جواب القسم، ولولاه لكان بالفاء؛ لأنَّ جوابَ الشرط كذلك، وإذا اجتمعا، وصَدرُ الكلامِ للقَسَم، كان اعتبارُه أولى.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قيل: أي: أستَسْلِمُ وأصبرُ، ولا أعارض، وكانت معارضةُ القاتِلِ يومئذٍ حرامًا، والتَّسليمُ واجبًا، فأخبرَ أنَّه يَخافُ اللَّه، ولا يَرتكبُ الحرام.
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٧٨ - زوائد حماد)، وابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية" (٢٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ١٧).
(٢) في (ف): "إتيان".
[ ٥ / ٣٦٣ ]
وقيل: بل كان واجبًا ذلك؛ فإنَّ تركَ المعارضةِ إهلاكُ نفسه، ومشاركةُ القاتل (^١) في إثمه، لكن معناه: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ مبتدئًا ظالمًا لقصدِك ذلك منِّي، وكان عازمًا على مدافعتِه إذا قصدَ قتلَهُ، لكن أخذَهُ على غفلةٍ وهو نائم، فشدخَ رأسَه، فلم يُمكنهُ دفعُه.
وذكر (^٢) الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في "تأويلاته": أنَّ أبا موسى الأشعريَّ رَوى عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "كسِّروا قِسِيكم، وقَطِّعوا أوتارَكم، والزموا أجوافَ البيوت، وكونوا كخيرِ ابني آدم" (^٣).
قال الشيخ: هذا في الذين يَقتتلان مع غير إمامٍ عادلٍ (^٤) بحميَّةٍ أو عصبيَّةٍ، فهما على الخطأ، فأمَّا الخوارجُ على إمام الهدى فقتالُهم واجبٌ بالإجماع (^٥).
روى أنسٌ وأبو سعيدٍ الخدريُّ ﵄: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "سيكونُ في أمَّتي اختلافٌ وفرقةٌ، قومٌ (^٦) يُحسِنونَ القولَ، ويُسيئون العملَ، يَمرقون مِن الدِّين كما يَمرقُ السَّهمُ مِن الرَّميَّةِ، ولا يَرجعون، هم شرُّ الخليقةِ والخلق، طُوبى لمَن قتلَهم وقتلوه، ويدعون إلى كتابِ اللَّه وليسوا منه في شيءٍ، مَن قتلَهُم كان أولى باللَّه منهم" (^٧).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "للقاتل".
(٢) في (ف): "وقال".
(٣) لم أره في "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي، والحديث أخرجه أبو داود (٤٢٥٩)، وابن ماجه (٣٩٦١).
(٤) في (ف): "عدل".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٩٩).
(٦) في (ف): "وهم" بدل: "قوم".
(٧) رواه أبو داود في "سننه" (٤٧٦٥).
[ ٥ / ٣٦٤ ]
وقال النبيُّ -ﷺ-: "قاتِلْ دون مالِكَ حتَّى تمنعَ مالك، أو تكونَ مِن شهداءِ الآخرة" (^١).
وقال: "من قُتِلَ دون مالِه فهو شهيدٌ" (^٢).
* * *
(٢٩) - ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: تَرجِعَ، وقيل: أي: تَحتمل (^٣).
وقوله تعالى: ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: بإثمِ قتلِك إيَّايَ، وبسائرِ ما أثِمْتَ به؛ مِن عقوقِ الأب، والحسد، والحقد، والكُفر. أضافَ الإثمَ إلى نفسِهِ أوَّلًا؛ لأنَّه أثِمَ بسببِه، فيَجوزُ إضافتُه إلى كلِّ واحدٍ منهما، وهو كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]، أضافه إلى المؤجَّلِ تارةً، وإلى المؤجِّلِ له تارةً أخرى، فيُضافُ الإثمُ أيضًا إلى الآثم بالجناية، وإلى المجنيِّ عليه أيضًا، وهذا معنى قول قتادةَ ومجاهدٍ والضحَّاكِ والسُّدِّيِّ ﵏ (^٤).
ثمَّ ليس هذا رضا بالذَّنب، بل هو إرادةُ عقوبةِ المذنب، ولذلك جاء في بعض التفاسير: إنِّي أريدُ أنْ تبوءَ بعقوبة إثمي؛ أي: بعقوبةِ إثمِك في قتلي، ﴿وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: بعقوبةِ سائر آثامك.
وقيل معناه: أريدُ أن تكون عليك آثامي التي كانت بذنوبي بسببِ قتلكَ إيَّاي،
_________________
(١) رواه النسائي في "سننه" (٤٠٨١) من حديث مخارق ﵁.
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" (٢٤٨٠)، ومسلم في "صحيحه" (١٤١) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٣) في (ر) و(ف): "تتحمل".
(٤) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٣٠ - ٣٣٢).
[ ٥ / ٣٦٥ ]
فقد رُويَ أنه يؤخَذُ من سيِّئات المظلومِ يوم القيامة فتحمَلُ على الظالم (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فتعذَّبَ بالنَّار إذا بُؤتَ بالإثم، وذلك جزاءُ مَن قتلَ نفسًا بغيرِ حقٍّ، واختارَ الدُّنيا على الآخرة، ومَن فعل ذلك، فقد نقصَ نفسَهُ حظَّها مِن ثوابِ اللَّه تعالى.
* * *
(٣٠) - ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ يقال: طاعَ لفلانٍ كذا؛ أي (^٢): أتاه طوْعًا منقادًا، وطَوَّعَ متعدٍّ له؛ أي: سهَّلَت له نفسُهُ قتلَ أخيه حتَّى فعلَ غيرَ خائفٍ، ولا مُتفكِّرٍ في عاقبتِه، فأطاعَ هواهُ، وقتلَ أخاهُ.
وقال قتادة: زَيَّنَت له نفسُه.
وقال مجاهدٌ: شجَّعتهُ (^٣).
وقال أبو عبيد: أعانَتهُ على ذلك (^٤).
وقال الكلبيُّ: تابعتهُ نفسُه على ذلك.
_________________
(١) روي في هذا المعنى أحاديث؛ منها ما رواه البخاري في "صحيحه" (٢٤٤٩) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلَّلهُ منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ، إن كان له عملٌ صالحٌ أخذَ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسناتٌ، أخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه".
(٢) في (ف): "إذا".
(٣) قولا قتادة ومجاهد رواهما الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٣٧).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٣/ ١٠٥)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٣٤١).
[ ٥ / ٣٦٦ ]
وقال يمانُ بن رئاب: سهَّلت له (^١).
وقال عبد العزيز بن يحيى (^٢): أجابتهُ إلى ذلك.
وقال أبو عبيدة (^٣): جرَّأتهُ (^٤).
وقال المؤرِّج: رخَّصت له (^٥).
وقال عطاء (^٦): سوَّلت له نفسُه (^٧).
وقوله تعالى: ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: صار خاسرًا دنياهُ وآخرتَهُ، فقد أسخطَ والديه، وفقدَ أخاهُ، وأسخطَ ربَّه، وصار إلى النَّار.
وفي بعض الآثار أنَّه لم يَدرِ كيف يقتلُه، فتمَثَّل له إبليسُ -لعنه اللَّه- في هيئة طائرٍ، فأخذَ طائرًا، فقطعَ رأسَهُ (^٨)، ثمَّ وضعَهُ بين حجرَين، فشدخَ رأسَه يُعلِّمُه القتلَ،
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٣).
(٢) هو عبد العزيز بن يحيى الكناني المكي، ينسب له كتاب "الحيدة"، (قال الذهبي: لم يصح إسناده إليه فكأنه وضع عليه)، وله تصانيف، كان يلقب الغول لدمامة منظره، كان من أهل العلم والفضل، تفقه للشافعي واشتهر بصحبته. ترجم له المزي في "تهذيب الكمال": (١٨/ ٢٢٠ - ٢٢١) تمييزًا، والذهبي في "ميزان الاعتدال": (٢/ ٥٥٧).
(٣) في (أ): "عبيد".
(٤) نص قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ١٦٢): أي: شجعته وآتته على قتله، وطاعت له؛ أي: أطاعته.
(٥) قول المؤرج من (أ).
(٦) في (ر): "وقيل" بدل: "وقال عطاء".
(٧) بعدها في (ر): "فقتله".
(٨) كذا في النسخ!!
[ ٥ / ٣٦٧ ]
فطلبَهُ ليقتلهُ، حتَّى انتهى إليه في ظلِّ جبلٍ نائمًا، وغنمُه تَرعى حولَهُ، فأخذَ صخرةً، فضربَ بها رأسَهُ فمات (^١).
وقال الأعمش: لمَّا قتلَ ابنُ اَدم أخاهُ، نَشِفَتِ الأرضُ دمَهُ، فلُعِنَت، فلم تَنْشَف دمًا (^٢) بعده (^٣).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "لا تُقتَلُ نفسٌ ظلمًا إلَّا كان على ابنِ آدم كِفْلٌ مِن دمِها، وذلك أنَّه أوَّلُ مَن سنَّ القتلَ" (^٤).
وقال عبدُ اللَّه بنُ عمر ﵄: وقابيلُ: هو أبو يأجوجَ ومأجوج.
وقال عليُّ بن الحسين: وُكِّلَ به ملكان، يَطلُعان بهِ مع الشَّمس إذا طَلَعَت، ويَغرُبان به مع الشَّمسِ إذا غربَت، ويَنضحانِه بالماء الحارِّ مع حرِّ الشَّمس، حتَّى تقومَ السَّاعة (^٥).
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: لمَّا قتلَ قابيلُ هابيلَ، وآدمُ بمكَّةَ؛ اشتاكَ الشَّجرُ، وتَغيَّرتِ الأطعمةُ، وحَمِضَتِ الفواكهُ وأمرَّ الماءُ، واغبرَّتِ الأرضُ، فقال آدم: حَدثَ في الأرضِ حادثٌ، فأتى الهندَ وهو يقول:
تَغيَّرتِ البلادُ ومَن عليها فوجهُ الأرضِ مغبَرٌّ قبيحُ
تَغيَّرَ كلُّ ذي لونٍ وطعمٍ وقلَّ بشاشة الوجهِ الصَّبيح (^٦)
_________________
(١) روى الطبري نحوه في "تفسيره" (٨/ ٣٣٨) عن ابن جريج.
(٢) بعدها في (ر): "آخر".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٤٥)، وقول الأعمش هذا لم يرد في (ف).
(٤) رواه البخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٥) ذكره الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ٦٦٦).
(٦) يروى بجر القافية على الإقواء (وهو أن يأتي بيت مجرورًا وآخر مرفوعًا)، ويروى بنصب =
[ ٥ / ٣٦٨ ]
وما لي لا أجودُ بسكبِ دمعٍ وهابيلٌ تَضمَّنهُ الضَّريحُ
أرى طولَ الحياة عَلَيَّ غَمًّا فهل أنا مِن حياتي مُستريحُ (^١)
وروي أنَّ الوحوش والطيور كانت تألَفُ أولادَ آدم، فلمَّا وقعَ هذا نفرَتْ واستوحشَتْ، وهاجَتْ ريحٌ أظلمَتْ لها الدُّنيا، وكان آدمُ في مناسكِ الحجِّ، فقال لجبريل ﵇: ما هذا؟ فقال: هذا مِن شؤمِ قتلِ ابنكَ قابيل أخاه هابيل، فحزنَ لذلك آدمُ، وبكى، ولم يَضحَك (^٢) مئةَ سنةٍ لذلك.
وروي أنَّه لم يَقرَبْ آدمُ بعد ذلك حوَّاء مدَّة حياتِه.
* * *
(٣١) - ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: قتلَ أخاه، ولم يَدْرِ ما يَصْنَعُ به، فأرسلَ اللَّهُ غرابًا يُثيرُ التُّرابَ عليه.
_________________
(١) = "بشاشة" من غير تنوين، ورفع: "الوجه المليح" (أو الصبيح) قال أبو حيان في "البحر المحيط" (٨/ ١٦٣ - ١٦٤): وليس بلحن، قد خرجوه على حذف التنوين من "بشاشة"، ونصبه على التمييز، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١١/ ٢٨٠ - ٢٨١) (١٢٦٠) (طبعة دار التفسير) دون البيتين الأخيرين، وجاء ذكرهما عن ابن عباس أيضًا في الرواية التالية (١١/ ٢٨٣) (١٢٦١). قال الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٦٢٦): وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون. وقد صحّ أن الأنبياء ﵈ معصومون من الشعر.
(٣) بعدها في (ر): "بعد ذلك"، وفي (ف): "ما يضحك".
[ ٥ / ٣٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾؛ أي: ليُبْصِرَهُ كيف يُخفي جثَّةَ أخيه، وقد كانت أنتنَت، فسُمِّيَت سوأةً لذلك.
وقيل: السوءةُ: العورةُ هاهنا، كما في قوله: ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧].
وقال قتادةُ: قَتلَ غرابٌ غرابًا، ثمَّ جعلَ يحثو عليه (^١).
وقال ابن عباس ﵄: جاء غرابٌ حيٌّ إلى غرابٍ ميتٍ، فواراهُ في التُراب (^٢).
وقال الحسينُ بن الفضل: بعث اللَّهُ غرابًا يَبحثُ في الأرضِ بمنقارِه، فعلم أنَّه يَبحثُ الأرضَ ليدفنَ بها أخاه.
وقال بعضُهم: جاء الغرابُ وأثارَ الأرضَ، ووارى به هابيل (^٣).
وظاهرُ الآيةِ يَحتمِلُ كلَّ ذلك، واللَّهُ أعلمُ بحقيقة ما كان.
والإمامُ أبو منصور ﵀ جعل الروايةَ الصَّحيحةَ مواراةَ الغرابِ هابيلَ، لا الغراب الآخر؛ لأنَّه قال: ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾، والغرابُ لا يكون له سوأَةٌ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾؛ أي: قال قابيل: ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ وهي كلمةُ تأسُّف على ما فَعَلَ، فلا نفعَ له.
وقيل: الويلُ والويلة: الهلاك، وهذا على وجهِ النِّداء، والألفُ في آخرِه للنُّدبة، وتقديرُ النِّداء في مثل هذا: يا ويلةُ احضري، فقد آنَ أوانُك.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٤٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٤٢).
(٣) في (ف): "أخاه" بدل: "هابيل".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٠١).
[ ٥ / ٣٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ استفهامٌ بمعنى التعجُّب، وتقديره: أعجَزتُ عن أن أكونَ، وهذا تَحسُّرٌ منه على ما فاتَه مِن مقدارِ هذا العلم الذي وقفَ عليه الغرابُ.
قوله تعالى: ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ نصبَ بالفاء في جوابِ الاستفهام.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾؛ أي: صار نادمًا على حملِهِ، لا على قتلِه، قال وهبُ بن منبِّه: حملَهُ ثلاثةَ أيَّامٍ لا يَدري ما يَصنع به، حتَّى بعثَ اللَّهُ تعالى الغُرابين.
وقال الكلبيُّ ﵀: حملَهُ سنةً.
وقال مجاهدٌ: حملَهُ مئة سنةٍ يَطوفُ به.
وقال الكلبيُّ: ندم على حملِه والتَّطوافِ به، ولو كانت ندامتُه على قتلِه، لكانت توبةً له.
وقال الحسينُ بنُ الفضل ﵀: كانت ندامتُه على ذنبِه، وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧]: إنَّهم ندموا على قتلِها، لكنَّ ندمَ الأوَّلين لم يكن توبةً، وكانوا يعاقَبون على جنايتِهم بعد ندامتِهم، كما عُرِف في الذين عَبدوا العجلَ وندِموا، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]، ومع ذلك عُوقِبوا بقَتلِ أنفسِهم، وإنَّما جُعِلَ النَّدمُ توبةً في حقِّ هذه الأمَّةِ خاصَّةً.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ويَحتمل أن يكون: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ بمعنى: فيصبح، يعني: في القيامة، ماضٍ بمعنى المستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] (^١).
وقيل: لمَّا قتلَهُ نُودي: كنْ خائفًا أبدًا، لا تَرى أحدًا إلَّا خفتَهُ أنْ يَقتلك.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٠٠).
[ ٥ / ٣٧١ ]
وقيل: لما قتلَهُ اسودَّ جسدُه (^١)، فلما رآه آدمُ قال له: أين هابيل؟ قال: لم أكن وكيلًا عليه، قال آدم: بل أنت قتلتَهُ، ولذلك اسودَّ جسدُك (^٢). قال الواقديُّ: فالسُّودان من ولدِه.
وقيل: لمَّا هامَ به في الأرض خائفًا كان يَرميه مَن رآهُ بحجرٍ، فرآهُ بعض ولدِه، فرماهُ بحجرٍ فقتلَه (^٣).
وقيل: أمرَ اللَّهُ تعالى الرِّيحَ فألقتهُ في أحرِّ موضعٍ في الدُّنيا، فهو يُقاسيهِ في الصَّيف، وتُلقيهِ في أبردِ موضعٍ في الدُّنيا، فهو يُقاسيهِ في الشِّتاء.
وقيل: قَتَلَ أخاه وهو غيرُ مستحِلٍّ له، ولا رادٍّ للأمر، فكان عاصيًا، بخلافِ أبيه، وقتلِ أخيه، واستئثارِ أختِه، لكن حملَهُ شؤمُ المعصيةِ على الكفر، وسببُ ذلك أنَّ إبليسَ -لعنه اللَّه- تَمثَّلَ له في صورةِ إنسانٍ، وقال له: أتدري لم قُبِلَ قربانُ أخيك؟ قال: لا، قال: إنَّه كان يُعظِّمُ النَّارَ، ويَتواضَعُ لها، فلذلك أكلَتْ (^٤) قربانَهُ، فاسجُد أنت للنَّار، فسجدَ لها مِن دون اللَّه، فكفرَ بذلك، وهو أوَّلُ مَن سجدَ للنَّار (^٥).
وقال محمَّدُ بن عليٍّ التِّرمذي ﵀: إنَّ قابيلَ تولَّدَ مِن قوَّةِ حبَّةٍ أكلَها آدمُ مِن الشَّجرةِ مع النَّهي، فأثَّر في فسادِ هذا الولد، فصار أبًا ليأجوج ومأجوج الذين يَكثُر فسادُهم في آخر الزَّمان على وجهٍ لا تُعرَفُ غايتُه.
_________________
(١) في (ف): "وجهه".
(٢) في (ف): "وجهك". وفي هامش (ف): "جسدك".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٥٣).
(٤) في (ر): "قبلت".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٥٣)، وهذا الخبر وأمثاله مما سبق، مما لم يصل إلينا من طريق صحيح، وأغلبه من الإسرائيليات، فلا يعول عليه. واللَّه أعلم.
[ ٥ / ٣٧٢ ]
(٣٢) - ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: بسبب ذلك أكَّدنا القولَ على بني إسرائيلَ، وغلَّظنا (^١) الميثاقَ عليهم، وخَصَّ بني إسرائيلَ بالذِّكرِ، والحكمُ ثابتٌ في (^٢) الكلِّ؛ لأنَّ المخالفين في عصرِ النَّبيِّ -ﷺ- بقيَّةُ بني إسرائيل، وكانوا يَدينون بالتَّوراة والإنجيل، فذكَّرهم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: بغير نفسٍ قتلَها هو، فاستحقَّ القِصاص بذلك.
قوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ردَّةٍ؛ فإنَّ الفسادَ اسمٌ للكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤].
وقيل: أي: زَنَى وهو محصَنٌ، قال النبيُّ -ﷺ-: "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى معانٍ ثلاثة: زنًى بعد إحصان، وكفرٌ بعد إيمان، وقتلُ مؤمنٍ بغير حقٍّ" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: هذا في حقِّ مَن قتلَ نبيًّا أو إمامًا عدلًا (^٤)، فالآيةُ في حقِّ بني إسرائيل،
_________________
(١) في (ف): "أي غلظنا".
(٢) بعدها في (ر): "حق".
(٣) رواه أبو داود في "سننه" (٤٥٠٢)، والترمذي في "سننه" (٢١٥٨)، والنسائي في "سننه" (٤٠١٩)، وابن ماجه (٢٥٣٣) من حديث عثمان بن عفان ﵁.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٤٨ - ٣٤٩).
[ ٥ / ٣٧٣ ]
وكانوا معروفين بقتلِ الأنبياءِ، وقتلُهم قتلُ كلِّ العالم، أو هو في حقِّ كلِّ مقتولٍ، لكن خُصَّ بنو إسرائيل بهذا التغليظ، كما خُصُّوا بسائرِ التَّغليظات.
وقيل: هو في حقِّنا كذلك، ومعنى الآية: أنَّ نفعَ هذا الواحدِ كان يَصلُ إلى كلِّ المؤمنين، وكان يقوم ببدنِه في مصالحِ كلِّ المؤمنين، وكان يقول بلسانِه: اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فيَصِلُ ذلك إلى كلِّ المؤمنين.
وقال الحسينُ بنُ الفضل ﵀: هذا في حقِّ قتل المؤمن، فقد قال النَّبيُّ -ﷺ-: "المسلمون كنفسٍ واحدة" (^١)، فكان قتلُه قتلَهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتمِلُ أنَّه في أول قتيلٍ (^٢) قُتِل، حتَّى جعلَ النَّاسُ يَقتلون بعد ذلك بعضَهم بعضًا، يَستنُّون به، وقال النبيُّ -ﷺ-: "من سنَّ سنةً سيِّئةً، فلهُ وِزرُها ووِزرُ مَن عمِلَ بها إلى يوم القيامة" (^٣).
وقيل: أي: يَجِبُ عليه من القَتلِ ما يَجبُ عليه لو قتلَ النَّاس جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وهو في العفوِ عن القصاصِ، وإبقائه حيًّا، وهو إبقاءُ النَّفعِ منه على كلِّ النَّاس، فهو كإحياءِ كلِّ النَّاس.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: ولقد جاء بني إسرائيلَ هؤلاء ﴿رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الواضحاتِ الدَّالَّاتِ على صدقِهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾؛ أي: بعد
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) لفظ: "قتيل": ليس في (أ).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٥٠١)، والحديث رواه مسلم في "صحيحه" (١٠١٧) من حديث جرير ﵁.
[ ٥ / ٣٧٤ ]
ذلك المجيء بالدِّلالات لَمُجاوِزون حدَّ الأمرِ والنَّهي، وناقضونَ الميثاقَ بالعصيان والكُفر.
وقال عطاءٌ: أي: يُسرِفون على أنفسهم.
وقال الكلبي أي: لمشركون، فمِن قائلٍ: الملائكةُ بناتُ اللَّه، وقائلٍ: عزيرٌ ابنُ اللَّه، وقائلٍ: المسيحُ ابن اللَّه، وقائلٍ: الأصنامُ شركاء اللَّه.
وقال مقاتل: المسرفون في سفكِ الدِّماء واستحلال المعاصي (^١).
* * *
(٣٣) - ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ لمَّا ذكرَ عقوبةَ مَن قتلَ نفسًا بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرض، ذكرَ بعدَه عقوبةَ مَن يَسعى بالفساد في الأرض، وهم قطَّاع الطَّريق، وجعلَهم محاربين اللَّهَ ورسوله؛ لأنَّهم يُحارِبون المؤمنين، وهم أولياءُ اللَّه ورسولِه، فشرَّفَهم بجعلِ محاربتِهم محاربتَه ومحاربةَ رسوله، وقال النبيُّ -ﷺ-: "يقول اللَّه تعالى: من أهان لي وليًّا فقد بارزَني بالمحاربة" (^٢)، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال في ضدِّه: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨].
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٧٢).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب".
[ ٥ / ٣٧٥ ]
وقيل: معناهُ: يُخالِفون اللَّهَ ورسولَه؛ فإنَّه لا محاربةَ بدون المخالفة.
ثمَّ جعلَ أخذَ مال المسلمين بغير حقٍّ محاربةً للَّه ورسوله بأيِّ طريقٍ كان، فقال في الأخذ قهرًا ومجاهرةً: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال في الأخذ لطفًا ومعاقدةً: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾؛ أي: بفسادٍ.
وقيل: هو على الحال مصدرٌ بمعنى النَّعت، وتقديره: فاسدين أو مفسدين.
وقيل: هو مفعول ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾؛ بمعنى: يكسبون، كما قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]؛ أي: كسبَ، وأصلُهُ المشيُ عن سرعةٍ، واستُعيرَ في الكسبِ والتَّصرُّف؛ لأنَّه به يَحصُلُ غالبًا.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ التَّقتيلُ: تكثيرُ القتل وتكريرُه.
وقوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ التَّصليبُ: تكثيرُ الصَّلْبِ وتكريرُه، وهو نوعُ قتلٍ يكونُ مع التَّعليق في جذع.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ التَّقطيعُ: تكثيرُ القطعِ وتكريرُه، و﴿مِنْ خِلَافٍ﴾؛ أي: تقطع اليدُ اليمنى والرِّجلُ اليسرى.
وقوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ النَّفيُ: التَّبعيد، وقيل: هو التَّسييرُ في البلاد (^١)، وتركُ التَّقرير في مكان، وقيل: هو الحبسُ في السِّجن.
و﴿أَوْ﴾ في هذه الآية ليس للتَّخيير، بل هو للتَّفصيل، وقد بيَّنَّا وجوههُ (^٢) في
_________________
(١) في (ف): "السير في الأرض" بدل: "التسيير في البلاد".
(٢) في (أ): "وجوه أو" بدل: "وجوهه".
[ ٥ / ٣٧٦ ]
أوائل سورة البقرة، ومعناه: أن يقتَّلوا، ويُكتفى به إذا كان مِن أحدِهم قتلُ أحدٍ مِن أهل الطَّريق، ويُصَلَّبوا مع ذلك، إذا كان منهم قتلٌ وأخذُ مالٍ، وتُقطَّعَ أيديهم وأرجلهم من خلاف، إذا أخذوا المال، ولم يكن منهم قتلٌ، ويُحبَسوا (^١) في السِّجن إذا خَوَّفوا النَّاسَ في الطَّريق، ولم يكن منهم قتلٌ ولا أخذُ مالٍ، وهذا الحبسُ يكون نفيًا عن الأرض معنًى؛ إذ لا يبقى لهم تَقلُّبٌ في الأرض، وقد قال بعض المسجونين شعر:
خرَجنا من الدُّنيا ونحنُ مِن اهْلِها فَلَسْنا مِنَ الأحياءِ فيها ولا الموْتَى
إذا جاءَنا السَّجَّانُ يومًا لحاجةٍ عَجِبنا وقُلنا جاءَ هذا مِن الدُّنيا (^٢)
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: فضيحةٌ، و﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكورِ قبلَه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: مع عقوبةِ الدُّنيا.
وقال الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- وادعَ هلالَ بنَ عويمر -وهو أبو بردةَ الأسلميُّ- على ألَّا يعينَه، ولا يعينَ عليه، ومَن أتاهُ مِن المسلمين فهو آمن من (^٣) أنْ يُهاج، فمرَّ أناسٌ مِن بني كنانة يُريدون الإسلام بأناسٍ من (^٤) أسلمَ من قوم هلال،. . . . . . .
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أو يحبسوا".
(٢) اختلف في نسبتها، فنسبها الجاحظ في "المحاسن والأضداد" (ص: ٣٧ - ٣٨) لعبد اللَّه بن معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، ونسبت في "أمالي المرتضى" (١/ ١٤٥)، و"معجم الأدباء" (١/ ٣٣١)، و"إنباه الرواة" (١/ ٩٧) لصالح بن عبد القدوس، ونسبها ابن عبد البر في "بهجة المجالس" (٣/ ١٠٧ - ١٠٨) لعلي بن الجهم.
(٣) لفظ: "من" ليس في (ف).
(٤) تحرفت في النسخ الخطية إلى: "ممن".
[ ٥ / ٣٧٧ ]
ولم يكن هلال شاهدًا يومئذٍ، فنهدوا (^١) إليهم، فقتلوهم، وأخذوا أموالَهم، فبلغَ ذلك إلى رسولِ اللَّه -ﷺ-، فنزل جبريلُ ﵇ بالقضية فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (^٢)
فقال له جبريل: ابعثْ في طلبِ القوم، فمن قدَرْتَ عليه وقد قُتِلَ وأَخَذَ المال، فحَدُّهُ الصَّلب، وإنْ وجدتَه قد قَتَلَ ولم يَأخذِ المالَ فحدُّه القتل، وإنْ وجدتَه قد أخذَ مالًا ولم يَقتُل، فحَدُّهُ القطعُ، تُقطعُ يدُه اليُمنى ورجلُه اليُسرى، ومَن لم يقدِر عليه نُفِيَ مِن الأرض، والنَّفيُ مِن الأرض إذا عجَزوا عن إدراكِه، أن يُنادى عليه: مَن لقيه قتلهُ.
وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: نزلَتِ الآية في العُرَنيِّين الذين ارتدُّوا، واستاقوا الإبلَ، وقَتلوا الرِّعاء، والقِصَّةُ مشهورةٌ (^٣).
* * *
(٣٤) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فتَسقطُ عنهم هذه الحدودُ.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤) يَغفرُ لهم بالتَّوبة فلا يُعذِّبُهم، ويَرحمُهم، فلا يُعاقِبُهم.
_________________
(١) يقال: نهد إلى العدو ينهد؛ أي: نهض. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: نهد).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٥٥).
(٣) لم أقف عليه عن سعيد بن المسيب، ورواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٦٢) وغيره عن سعيد بن جبير، وقصة العرنيين رواها أيضًا البخاري (٢٣٣)، (٤١٩٢)، (٥٧٢٧)، ومسلم (١٦٧١) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٤) بعدها في (أ): "غفور".
[ ٥ / ٣٧٨ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: والفرق بينه وبين سائر الحدود:
أنَّ التَّوبةَ مِن غيرِ المحارب لا تَظهرُ حقيقةُ، فلا تَظهرُ في إسقاطِ ما وجَبَ، وفي المحارب تَظهرُ.
والثاني: أنَّه لو لم يُقبَل منه ذلك لتَمادى في السَّعيِ في الأرض بالفساد، فيَلحقُ بالمسلمين مِن الضَّررِ أكثرُ مِن أخذِهم بذلك (^١).
وقال القشيريُّ: السَّعيُ (^٢) بالفساد على ضربين؛ بالظَّاهرِ، وعقوبتُه هذه الظَّواهر، وبالباطن وعقوبتُه واردةٌ على السَّرائر، وذلك بقطعِ ما كان متَّصِلًا من وارداتِ الحقِّ، والسِّترِ بعد الكَشْف، والحجابِ بعد البَسط، واستشعارِ الوَحْشَة بعد الأنس، وتبديلِ تَوالي التَّوفيق بتتابعِ صنوفِ الخِذلان، والنَّفي عن بساطِ العبادة، والإخراجِ إلى متابعات النُّفوس، وذلك -واللَّه- خزيٌ عظيمٌ، وعذابٌ أليم.
وقال في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾: مَن أقلعَ عن معاصيه، وارتدعَ عن ارتكاب مساويه، قبل أنْ يَنهتِكَ (^٣) عنه سِتْرُ السَّداد، لا تقامُ عليه في الظَّاهر حدودُ الشريعة، ولا يؤاخِذُه الحقُّ ﷾ بسالفِ الجريمة، وإذا قَدَر عليه الإمامُ قبلَ إظهارِ التَّوبةِ، أقامَ عليه الحدَّ وإنْ تَقنَّع بنقابِ التَّقوى والخشية، وكذلك إذا سقطَ العبدُ عن عينِ اللَّه، لم يصل بعدَهُ إلى ما كان عليه مِن تقريبِ اللَّهِ إيَّاه بالمشاهدة (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٠٨).
(٢) بعدها في (ر): "في الأرض".
(٣) في (أ): "نهتك".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).
[ ٥ / ٣٧٩ ]
(٣٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تُؤذوا عبادَ اللَّه، وثقُوا بوعدِ اللَّه، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾؛ أي: القُربة بالتَّقوى، فلن يُقرِّبكُم إليه غيرُه، لا كما يَفعلُ هؤلاء اليهود بالتَّوسُّل بآبائهم (^١)، والإفراطِ في ذلك، حتى يقولوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ هؤلاء اليهودَ وسائرَ الكُفَّار.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لِتَأمنوا ما تخافون، وتَنالوا ما تَرجون.
وقيل: لمَّا قال: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وهي القربة، قطعَ وَهْمَ القُربةِ بالمكانِ، فقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾؛ أي: هذا التَّقرُّب بسلوكِ سبيل طاعتِه واجتنابِ مخالفتِه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ابتغاءُ الوسيلة: التَّبرِّي عن الحولِ والقُوَّةِ، والتَّحقق بشهودِ الطَّولِ والمنَّة.
ويقال: ابتغاءُ الوسيلةِ: التَّقرُّب إليه بما سبقَ إليك مِن إحسانِه.
ويقال: هو خلوصُ العقدِ عن الشِّرك (^٢).
ويقال: هو استدامةُ الصِّدق في الوَلاء إلى آخر العمر.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بآبائهم" بدل من "إلى آبائهم".
(٢) في "لطائف الإشارات": "الشك" بدل: "الشرك".
[ ٥ / ٣٨٠ ]
ويقال: هو تجريدُ الأعمالِ عن الرِّياءِ، وتفريدُ الأحوالِ عن الإعجاب، وتخليصُ الأنفاسِ عن الحظوظ (^١).
* * *
(٣٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ذكرَ وعيدَ المتباعِدين بعد وعد المتوسِّلين، يقول: لو أنَّ الكُفَّار ملكوا جميعَ ما في الأرض، وملكوا مثلَ ذلك، ليفتدوا به، فيُخلِّصوا أنفسَهم مِن عذابٍ حضر (^٢)، لم يُتقَبَّل ذلك منهم، ولم يُخلَّصوا، ولهم عذابٌ وجيع.
وقال أنسُ بن مالك ﵄: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يُقالُ للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملءُ الأرض ذهبًا، أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال: لقد سُئلتَ أيسرَ من ذلك" (^٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: اليوم يُقبَلُ مِن الأحبابِ مثقالُ ذرَّةٍ، وغدًا لا يُقبَلُ مِن الأعداءِ ملءُ الأرضِ ذهبًا ودرًّا (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢١).
(٢) في (ر): "جهنم".
(٣) رواه البخاري (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥): (٥٢).
(٤) في (أ) و(ر): "ودرة". وانظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٢).
[ ٥ / ٣٨١ ]
(٣٧) - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ قيل: أي: يَطمعون، كما يقولُ الرَّجلُ لآخر: إنَّما أريدُ أنْ تُعطيني كذا؛ أي: أطمع، وهو قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقال أبو الدرداء (^١):
يقولُ المرءُ فائِدتي ومالِي وتقوى اللَّهِ أفضلُ ما استَفادَا (^٢)
يُريدُ المرءُ أنْ يُعطَى مُناهُ ويَأبَى اللَّهُ إلَّا ما أَرادَا (^٣)
فمعناه: يَطمعون اليومَ أنْ يَخرُجوا منها غدًا، فقطعَ طمعَهم بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾.
وقيل: معناه: أي: يَتمنَّون في النَّار أنْ يَخرجوا منها، ولا يكونُ ما يَتمنَّون.
وقيل: هو قصدُهم في النَّار إلى الخروج (^٤)، ولا يمكَّنون منه، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠].
وقيل -وهو قول الضَّحَّاك-: هو سؤالُهم الإخراجَ مِن النَّار، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، وقال (^٥): ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [فاطر: ٣٧].
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الشاعر" بدل: "أبو الدرداء".
(٢) البيت الأول من (أ).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "التقوى" كما في "الدر المنثور" للسيوطي (١/ ١٣٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٢٥).
(٤) في (أ): "إليه" بدل: "إلى الخروج"، وليس في (ف).
(٥) في (ر): "وقالوا".
[ ٥ / ٣٨٢ ]
وقيل: معناه: يكادونَ يَخرجون منها إذا رفعَتهم بلهبِها، وهو كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ وهذا الخلودُ للكفَّار، وصدرُ الآيةِ فيهم.
وقال مجاهدٌ: إذا أُخرِجَ (^١) المؤمنون من النَّار، تمنَّى الكفار أن يكونوا مسلِمين، فذلك قولُه تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] (^٢).
وقال عوفٌ للحسن البصريِّ ﵀: بمَ يدخلون النَّار؟ قال: بذنوبِهم، قلت: وبم يَخرجون؟ قال: بإيمانهم.
* * *
(٣٨) - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ السَّرقةُ: أخذُ ما ليس له مستخفيًا، هذا هو حقيقتها لغةً، واستراقُ السَّمعِ كذلك، والسَّرقةُ الموجبةُ في الشَّرع للقطع: هي أخذُ النِّصابِ مِن الحرزِ على استخفاء، والسَّارقُ: الرجل الفاعل لذلك، والسارقةُ: المرأة، وبدأ بالرَّجل هاهنا، وبالمرأةِ في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾؛ لأنَّ الدَّاعي إلى ذلك الفعلِ يَنشأ مِن جهتِها غالبًا، وهذا الفعلُ وهو السَّرقةُ وجودُه يكونُ مِن الرَّجل غالبًا.
وقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أضافَ الأيدي إليهما، فيكون عن كلِّ واحدٍ منهما يدٌ واحدةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وتقديرُه: صغى قلبُ كلِّ واحدٍ منكما، فكذلك هاهنا، وتقديرُه: فاقطعوا يدَ كلِّ واحدٍ منهما،
_________________
(١) في (ف): "خرج".
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٢٩)، ومن طريقه الطبري (١٤/ ١١).
[ ٥ / ٣٨٣ ]
ثمَّ لم يعرف تعيينُ اليدِ التي تُقطع فيها، ولا (^١) موضعُ القطعِ منها بإطلاقه، فتوقَّفَ على بيان (^٢) النبيِّ -ﷺ-، وقد بيَّنَهُ فعلًا بقطعِ (^٣) يمين السَّارقِ من المفصل (^٤)، فصارَ ملتحقًا بالنصِّ كالمنطوقِ به، ولذلك قرأ عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (فاقطعوا أيمانَهما) (^٥)، وهو جمعُ يمين.
وقيل: إنَّما جمعَ الأيدي؛ لأنَّ السَّارقَ اسمُ جنس، وكذلك السَّارقة، وأريد بهما الجمع، فلذلك قال: الأيدي؛ لأنَّها أفرادٌ مضافةٌ إلى الجمع، وقال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ على التثنية، ولم يقل: أيديهم؛ لظاهرِ اللَّفظ، وهذا جمعٌ بين اعتبارِ اللَّفظِ واعتبارِ المعنى في كلامٍ واحد، وهو سائغٌ (^٦) لغةً، كالجَمعِ بين تذكيرِ المعنى وتأنيث اللَّفظ، قال الشاعر:
أبوك خليفةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرى وأنتَ خَلِيفةٌ ذاكَ الكمالُ (^٧)
_________________
(١) في (ف): "ولأن موضع كل واحد منهما" بدل: "ولا".
(٢) في (أ): "إطلاق".
(٣) في (ف): "نبه النبي -ﷺ- فعلى ذلك تقطع" بدل: "بينه فعلا بقطع".
(٤) خبر قطع اليد من المفصل رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (١٧٢٤٨ - ١٧٢٥٠) من حديث عدي وجابر وعبد اللَّه بن عمرو ﵃، وقطع اليد اليمنى لا خلاف فيه بين العلماء. انظر: "تفسير القرطبي" (٧/ ٤٦٨)، وجاء في حديث عبد اللَّه بن عمرو أخرجه أحمد (٦٦٥٧)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٤١١)، وفي إسناده ابن لهيعة.
(٥) رواها عنه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، وذكرها الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٣٠٦)، وابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ٣٩).
(٦) في (ف): "شائع".
(٧) البيت في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٠٨)، وتفسير الطبري (٥/ ٣٦٢)، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري (٢/ ١٤٤)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٥٩) وغيرها دون نسبة.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
واتِّصالُ هذه الآية بما قبلَها: أنَّ ذلك في أخذِ مال الغيرِ ظاهرًا، وهذا في أخذِه باطنًا.
وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: مكافأةً لهما على ما فعلا مِنْ فِعلِ السَّرقةِ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قيل: ما الحكمةُ في قطعِ يدٍ قيمتُها ألوفٌ بسرقةِ عشرة دراهم، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠]؟
قلنا: جزاءُ الدنيا محنةٌ يُمتحَنُ بها المرءُ، وللَّه تعالى أنْ يَمتحن عباده (^١) بما شاء ابتداءً مِن غير جزاءٍ على كَسْب، ولأنَّ القطعَ ليس بجزاءِ ما أخذَ مِن المال، ولكن لمَا هتكَ مِن الحُرمة، ألا ترى أنَّه قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، فيجوز أنْ يَبلغ جزاءُ هتكِ تلك الحرمة قطعَ اليد، وإنْ قصرَ عن البشر علمُ ذلك؛ لأنَّ مقاديرَ العقوبات إنَّما يَعلمُها مَن يَعلمُ مقاديرَ الإجرام، وإذا كان كذلك، فحقُّه التَّسليمُ والانقياد (^٢).
وقوله تعالى: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: عقوبةً رادعةً لهما من العود، ولغيرِهما مِن الاقتداء بهما، مأخوذٌ من النُّكول، وهو الامتناعُ، وقد شرحنا ذلك في قِصَّة القِردة مِن سورة البقرة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: منيعٌ لا يُعارَضُ في حكمِه، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكمَ به في شرعِه، فهو تحصينٌ للأموال، ومنعٌ للعِباد عن سيِّء الأفعال.
_________________
(١) لفظ: "عباده": من (ر).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥١٢ - ٥١٣).
(٣) عند تفسير الآية (٦٦) منها.
[ ٥ / ٣٨٥ ]
قال ابنُ عباس ﵄: نزلت الآيةُ في طُعمَة بن أُبيرِق الظَّفَري سارقِ الدِّرع (^١)، وقد بيَّنَّا القصَّة في سورة النِّساء (^٢).
* * *
(٣٩) - ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾؛ أي: سرقتِه، كما في قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥]؛ أي: السَّارقين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ردَّ المسروقَ، وأَرْضى الخصمَ.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يقبلُ توبتَه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يَغفِرُ ذنبَه، فلا يَفضحُه، ويَرحمُه فلا يُعذِّبُه.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: مَن ندِمَ على ما صنعَهُ، وتَداركَ ما ضيَّعَهُ، وأصلحَ مِن أمرِه ما أفسدَهُ، أقبلَ اللَّهُ عليهِ بفضله فغفرَه (^٣)، وأعادَ (^٤) عليه باللُّطفِ وجبرَه (^٥).
* * *
_________________
(١) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٨٨) عن الكلبي.
(٢) عند تفسير الآية (١٠٥) منها.
(٣) في (ف): "لذنبه فغفره".
(٤) في (أ) و"لطائف الإشارات": "وعاد".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٣).
[ ٥ / ٣٨٦ ]
(٤٠) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾؛ أي: يا محمَّدُ، وقيل: أي: يا إنسان؛ خطابٌ لكلَّ مكلَّف، وقيل: الخطابُ للنَّبيِّ -ﷺ-، والمرادُ جميعُ أمَّتِه.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والمرادُ مِن هذا الاستفهام الأمرُ؛ أي: اعلَمْ أنَّ ملكَ السَّماواتِ والأرض للَّه.
وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: السَّارقَ، يأمرُ بقطعِه مع توبتِه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُسقِطُ الحدَّ عن قاطعِ الطَّريق إذا تابَ قبل أنْ يُقدَرَ عليه، نَفى بذلك وَهْمَ من يقول في نفسه: لم افترقَ حكمُهما؟ فيقول: الملكُ لي، والحكمُ لي، فلا اعتراضَ على فعلي.
وقال الكلبيُّ: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مَن ماتَ على كُفرِه، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لمَن تابَ مِن ذنبِه.
وقال الضَّحَّاك: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ على الصَّغيرةِ إذا أصرَّ عليها، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الكبيرةَ إذا نزعَ عنها (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: على التعذيبِ والمغفرةِ وغيرِهما.
* * *
(٤١) - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
_________________
(١) انظر قولي الكلبي والضحاك في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٦٣).
[ ٥ / ٣٨٧ ]
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ خاطبَ سائرَ الأنبياءِ باسم التعريف: ﴿يَاآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣]، ﴿يَانُوحُ﴾ [هود: ٣٢]، ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]، ﴿يَالُوطُ﴾ (^١)، وخاطبَ محمَّدًا -ﷺ- باسم التَّشريفِ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤].
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ لا يغمك المسارعون ﴿فِي الْكُفْرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقون.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ عطف على المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: هم ﴿سَمَّاعُونَ﴾، أضمرَ الابتداء.
وقيل: تمَّ الكلامُ الأوَّلُ بذكرِ المنافقين، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ابتداءٌ، و﴿سَمَّاعُونَ﴾ خبره، وانتظامُها بما قبلَها: أنَّ أخذَ المال بقطع الطَّريق والسَّرقة أورث (^٢) العقوبةَ، وأخذَ اليهودِ أموالَ النَّاس لتحريف الكتاب أورثَ الكفرَ.
وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ مبالغةٌ في السَّماع.
_________________
(١) وقع خطاب لوط في كلام الملائكة في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨١]، وفي مخطابة قومه له: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ. . .﴾ [الشعراء: ١٦٧].
(٢) في (أ): "أوجب".
[ ٥ / ٣٨٨ ]
وقال الحسنُ ﵀: معناه: ﴿سَمَّاعُونَ﴾ منك ليَكذِبوا عليك (^١).
وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾؛ أي: يَسمعون منك ليُخبِروا مَن لم يَأتِك، والسَّمَّاعون: هم كبارُ اليهود، والذين لم يَأتوك هم عوامُّهم الذين اشتَغلوا بمعايشِهم، يعني: يَنقُلون عنك إليهم (^٢) غيرَ ما قلت، يَحتالون بذلك للتَّحريف، وكانوا يُفتونهم (^٣) بآرائِهم، ويُروِّجون ذلك بقولهم: نأتي محمَّدًا فنسمعُه يقولُ كذلك، وهو حكمُ اللَّه في كتابنا وكتابهم، يقول: إنَّ عوامَّهم لا يأتونَك فيعرفوا أحكامَ الإسلام.
وقيل: معنى قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾؛ أي: قابلونَ لكذب أحبارهم في أخبارهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]؛ أي: قالوا: قبلنا، وهم لا يقبلون.
وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾؛ أي: جواسيسُ يَأتونك فيتجسَّسون، ثمَّ يَر جِعون فيُخبِرون، وهو كقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: مِن بعد إنزالِ اللَّهِ تلك مذكورةً في مواضعها، ﴿الْكَلِمَ﴾ جمعٌ على صيغةِ الواحد، فجَمَعَ المواضعَ، ووحَّد الكنايةَ في آخرِها لذلك.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾؛ أي: يقولُ أحبارُهم لعوامِّهم: إنْ حَكَمَ لكم محمَّدٌ بما أخبرَنا أنَّه في كتابِنا فاقْبَلوه.
_________________
(١) انظر قول الحسن في "النكت والعيون" للماوردي (٢/ ٣٨)، وزاد نسبته للزجاج، وهو في "معاني القرآن" له (٢/ ١٧٤).
(٢) بعدها في (ر): "اليهود".
(٣) في (ف): "يفتنونهم".
[ ٥ / ٣٨٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: إنْ حكمَ بخلافِ هذا، فلا تَقبلوهُ، وتَحرَّزوا عن حكمِه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قطعَ رجاءَ محمَّدٍ -ﷺ- عن إيمانِ هؤلاء، فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ﴾ إضلالَهُ في الدُّنيا، وتعذيبَهُ في الآخرةِ، فلن تمنعَ أنت يا محمَّدُ (^١) عنهم ذلك. والفتنةُ: قد تكون بمعنى الإضلال، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقد تكون بمعنى العذاب، قال تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٤].
وقال الزَّجَّاج: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾؛ أي: فضيحتَهُ (^٢) وإخزاءَهُ بإظهار حاله.
ودلَّت الآيةُ على إرادة اللَّه تعالى أفعالَ العبادِ وخلقها، وهو في من علم أنَّه يَختارُ الكفرَ.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾؛ أي: عن الكفرِ؛ لعلمِه منهم اختيارَ الكفر.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وخزيُ الدُّنيا هو ما قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١].
وقيل: هو أخذُ الجزيةِ منهم.
وقيل: هو السَّبيُ والجلاء.
_________________
(١) قوله: "يا محمد" من (ر).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٧٦).
[ ٥ / ٣٩٠ ]
وقال مقاتل: نزلَت الآيةُ في المنافقين واليهود، والذين هادوا (^١) كعبُ بن الأشرف، وكعبُ (^٢) بن أسيد، وسعيد (^٣) بن عمرو، ومالك بن صوريا (^٤)، وكنانة، وشاس بنُ قيس، وأبو نافع (^٥)، ويوسف، وعازار (^٦)، وسلول (^٧)، ومختار بن عمرو بن سلول (^٨)، وهم ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: ليهودِ خيبر، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (^٩) أي: أمر الرَّجم، وذلك أنَّ رجلًا [يسمى يهوذا] وامرأةًا سمُها بسرة من يهود خيبر زنيا، وكانا في شرفٍ، فكرهوا رجمَهما، وقالوا: إنَّ في دين محمد الضَّرب، فلو كان نبيًا كما يَزعُم، فليس على صاحبنا رجم، فكتب يهودُ خيبرَ إلى يهود المدينة، وبعثوا نفرًا منهم، وقالوا: سلوا محمَّدًا عن الزانيين إذا أحصنا، ما حدُّهما؟ فإن أمرَكم بالجلد فاقبلوا منه، وإن لم تؤتوه -أي: الجلد- وأمرَكُم بالرَّجم، فلا تَقبلوه منه.
فجاؤوا وسألوا، فأتاهُ جبريلُ بالرَّجم، وقال جبريل: اجعل بينك وبينَهم ابنَ صوريا الأعور، وسلهم عنه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "هل تعرفون غلامًا شابًا أبيضَ أمردَ أعور، يَسكن فدك، يقال له: ابنُ صوريا؟ " قالوا: نعم، هو أعلمُ يهوديٍّ بقي في (^١٠) الأرض، فأرسلَ
_________________
(١) بعدها في (ف): "في".
(٢) في (ف): "وفي كعب".
(٣) في (ف): "وسعد".
(٤) في مطبوع "تفسير مقاتل" (١/ ٤٧٤): "وسعيد بن مالك وابن صوريا".
(٥) في "تفسير مقاتل": "وأبو رافع".
(٦) في "تفسير مقاتل": "ويوسف بن عازار".
(٧) في (أ): "وشاول".
(٨) في "تفسير مقاتل": "وسلول بن أبي سلول والبخام بن عمرو".
(٩) في (أ) و(ف): "عن" بدل: "من بعد".
(١٠) بعدها في (ف): "وجه".
[ ٥ / ٣٩١ ]
إليه النَّبيُّ -ﷺ-، فجاءَ فقال له: "أنت أعلمُ اليهود؟ " قال: كذلك يزعمون، قال النبيُّ -ﷺ-: "اجعلوه بيني وبينكم"، قالوا: قد رضينا بما رضيت، فقال له: "فإنِّي أنشُدك اللَّهَ الذي لا إلهَ إلا هو، إلهَ موسى وإلهَ بني إسرائيل، الذي أخرجَكم مِن مصر، وفلقَ لكم البحرَ، فأنجاكم وأغرقَ آل فرعون، وأنزلَ عليكم كتابًا فيه حلالُه وحرامه، وظلَّل عليكم الغمامَ، وأنزلَ عليكم المنَّ والسَّلوى، هل وجدتُم في كتابكم الرَّجم على مَن أحصِن؟ " قال: نعم، ولولا مخافةُ أنْ أهلِكَ إن كتمتُ أو كذبتُ، ما اعترفت لك به، فقال له قومُه (^١): ما أسرعَ ما أخبرتَهُ به، فأمر النبيُّ -ﷺ- بهما فرُجِما (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه وجوهٌ من الدَّلائل:
أحدها: أنَّه ظهرَ بكتمانِهم الحقوقَ التي بينَهم وبين اللَّه تعالى خيانتُهم في كتمانِهم بعثَ النبيِّ -ﷺ-.
والثاني: إثباتُ رسالته إذ باللَّهِ عَلِمَ.
والثالث: أنَّهم لمَّا طلبوا منه الرُّخصةَ والتَّخفيفَ في الحدِّ، دلَّ أنَّهم عرَفوا أنَّه رسولٌ؛ إذ لا يُطلَبُ ذلك مِن غير الرَّسول؛ لكنَّهم عاندوا.
والرابع: جوازُ شهادة بعضِهم على بعض؛ إذ قبلَ شهادةَ ابنِ صوريا عليهم بالرَّجم (^٣).
وقال الكلبيُّ: نزلَت الآيةُ في أبي لُبابة بنِعبد المنذر: وذلك لمَّا استشارَهُ بنو
_________________
(١) بعدها في (ف): "ما أسرع ما اعترفت به وقال له قومه".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٧٤ - ٤٧٦)، وانظر أيضًا: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٦٣ - ٦٤)، والخبر فيه دون نسبته لمقاتل. وهذا الخبر رواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٦٤)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٢٢).
[ ٥ / ٣٩٢ ]
قريظة: أننزل (^١) على حكم سعد بن معاذ (^٢)؟ فأشار عليهم بيده أنَّه الذبح، قال أبو لبابة: فما زالتْ قدمايَ حتَّى علمتُ آّني خنتُ اللَّهَ ورسولَه (^٣).
وقال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ هذا كان في قتل بني قريظة والنَّضير، رجل من قريظةَ قتلَهُ النَّضير، وكانت النَّضيرُ إذا قَتلت مِن قريظةَ لم يُقيدوهم (^٤)، وإنَّما يُعطونَهم الدِّيةَ؛ لفضلِهم عليهم، وكانت قريظةُ إذا قتلَت مِن النَّضير لم يَرضَوا إلَّا بالقَوَد؛ لفضلِهم في أنفسِهم تَعزُّزًا، فقدِمَ النَّبيُّ -ﷺ- على هؤلاء، فأرادوا أن يَرفعوا ذلك إلى النَّبيِّ -ﷺ- ليَحكمَ بينهم، فقال رجلٌ مِن المنافقين لهم: إنَّ قتيلَكُم هذا عمدٌ (^٥)، ومتى تَرفعوه إلى محمَّدٍ أخشى عليكم القَوَدَ، فإنْ قَبِلَ منكم الدِّيةَ فخذوه (^٦)، وإلَّا فكونوا على حَذَرٍ (^٧).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ من أرسلَ عليه قوارعَ (^٨) الهوى، وسلَّطَ عليه نوازِعَ المُنى، وأذلَّهُ بسُوءِ القضاء، فليس يُلقى عليه غيرُ الشَّقاء (^٩).
_________________
(١) في (أ) و(ر): "أنزل"، ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) "أنزل على حكم سعد بن معاذ": سقط من (ف).
(٣) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٤٣٦)، ولم ينسبه للكلبي. وأخرجه سعيد بن منصور: (٩٨٧ - تفسير)، والطبري: (١١/ ١٢٢)، وابن أبي حاتم: (٥/ ١٦٨٤) (٨٩٧٥) عن عبد اللَّه بن أبي قتادة لكن في سبب نزول قوله تعالى: ﴿تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وهو مرسل.
(٤) في (أ): "يقدهم". وفي (ف): "يقودوهم".
(٥) في النسخ الخطية: "عبد" والمثبت من مصدر التخريج.
(٦) في (ر): "فاقبلوا".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٢٦).
(٨) في "لطائف الإشارات": "غاغة" بدل: "قوارع". والغاغة تطلق على الكثير المختلط من الناس. انظر: "الصحاح" للجوهري: (غوى).
(٩) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٤).
[ ٥ / ٣٩٣ ]
(٤٢) - ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ له وجهان كما مرَّ، وهو نعتٌ لـ ﴿أُولَئِكَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ أي: الحرام المستأصل، وقد سَحَتَهُ وأسْحَتَهُ إذا استأصَلَهُ، قال تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١].
وقال الزَّجَّاج: سُمِّي الحرامُ به؛ لأنَّه يُعقِبُ عذابَ الاستئصال (^١).
وقيل: لأنه لا بركةَ فيه، فيزولُ عن قريب.
وقال الخليل: هو القبيحُ الذي فيه العار، فيُسْحِتُ مروءةَ الرَّجل (^٢).
وقيل: هو حرامٌ يَحمِلُ عليه الشَّرَهُ، من قولهم: فلانٌ مسحوتُ المعدة، إذا كان أكولًا شَرِهًا. والسُّحت هاهنا: هو الرشوة في الفُتيا والحكمِ وتحريفِ الكتاب.
قال مقاتل بن حيان: هو كعبُ بنُ الأشرف، كانت اليهودُ تَحاكَمُ إليه، فيَرتشي، فيَقضي لمن رشاهُ.
وقال الحسن: كان الحاكمُ في بني إسرائيل إذا أتاهُ أحدهم برشوةٍ جعلَها في كمِّه، فيريها إيَّاه، فينظرُ إليها، ويَتكلَّمُ بحاجتِه، فيَسمع منه، ولا يَنظرُ إلى خصمِه، فيَأكلُ الرشوةَ، ويَستمعُ للكذب (^٣)، فأنزلَ اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٧٧).
(٢) انظر: "العين" للخليل (٣/ ١٣٢) (مادة: سحت).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٨).
[ ٥ / ٣٩٤ ]
وقال مسروق: سألتُ ابنَ مسعودٍ ﵁ عن السُّحت، أهو الرشوةُ في الحكم؟ قال: لا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و﴿الظَّالِمُونَ﴾ و﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٤، ٤٥، ٤٧]، ولكنَّ السُّحتَ أنْ يَستعينَك على مَظْلَمَةٍ فيُهدي لك، فتَقبلَه، فذلك السُّحتُ (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إذا دفع مالًا ليدفع الظلم عن نفسه أو ماله فهو معذور، رويَ ذلك عن الحسن وعطاء والشَّعبي (^٢).
وقال أبو الشَّعثاء: لم نَجِد في زمنِ زياد شيئًا أنفعَ لنا من الرِّشا (^٣).
وأمر النبيُّ -ﷺ- بلالًا أن يُعطيَ رجلًا (^٤)، وقال له: "اقطعْ عنِّي لسانَه" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قال الكلبيُّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾، يعني: أهل خيبر، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ بالرَّجمِ، ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فلا تقضِ بينهم، أنت في ذلك بالخيار.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: ثمَّ نُسِخَ الخيار، ووجبَ الحكمُ بقولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (^٦).
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٧٤١ - تفسير)، والطبري (٨/ ٤٣٠).
(٢) لم أقف على هذا الكلام في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي.
(٣) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (٤/ ٨٦)، وقول أبي الشعثاء جابر بن زيد رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢١٩٩٠).
(٤) بعدها في (ر): "شيئًا".
(٥) رواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٣/ ٤١٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢١١٣٠) عن عكرمة، قال البيهقي: هذا منقطع.
(٦) رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١٣٥) (٦٣٨٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢١٧).
[ ٥ / ٣٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾؛ أي: لن يقدروا على الإضرارِ بك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾؛ أي: وإن اخترتَ ذلك فاحكم بالعدلِ، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العادلين.
وقال عمرُ وعليٌّ وابنُ عبَّاسٍ ﵃: السُّحتُ: الرِّشوةُ في الحكمِ، ومهرُ البَغِيِّ، وحلوانُ الكاهن، وثمنُ الكلبِ، وثمنُ الميتةِ، والدَّمِ، والخنزير، وعسَبُ الفحل، وأجرُ النَّائحة والمغنِّيةِ والساحر والقائف، وأجرُ مصوِّر التَّماثيل، وهديَّة الشَّفاعة، والاستجعال في المعصية (^١).
وقال الحسن: إنَّما ذلك في الحَكَمِ إذا رشوتَهُ ليُحِقَّ لك باطلًا، أو ليُبطِلَ عنك حقًّا، فأمَّا أنْ يُعطي (^٢) الرَّجلُ الواليَ يخافُ ظلمَه وعدوانَه شيئًا؛ ليَدرأهُ عن نفسه، فلا بأسَ به له، وعليه (^٣) وِزرُه (^٤).
* * *
(٤٣) - ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) كذا في النسخ، والصواب: "والاستجعال في القضية"، انظر: "تفسير الطبري" (٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، والخبر فيه مروي عن علي ﵁، وفيه معظم الأصناف المذكورة. ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (٧٤٥ - تفسير)، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١١٠٥٠) من طريق حبيب بن صالح عن ابن عباس، قال البيهقي: هذا منقطع بين حبيب بن صالح وابن عباس، وهو موقوف. وروى الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٣١) عن عمر قال: بابان من السحت؛ الرشا في الحكم، ومهر الزانية.
(٢) بعدها في (ر): "حق".
(٣) في (ف): "وعليك"، وفي (ر): "عليك وعلى الظالم"، بدل: "له وعليه".
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٨).
[ ٥ / ٣٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ استفهامٌ بمعنى الاستنكار؛ يعني: كيف يجعلونكَ حاكمًا فيَرضون بحكمِكَ، وعندَهمُ التَّوراة فيها حكمُ اللَّه، فلا يَرضون به؟
قال ابنُ عباس ﵄: هو الرَّجم (^١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: الرَّجم فلا يقبلونه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ للحال بكتابهم؛ لأنَّهم قد حرفوه.
وقيل: أي: لا يؤمنون في المستقبلِ بكَ وبكتابِك (^٢)، وهذا في قومٍ عَلِمَ اللَّهُ منهم أنَّهم لا يؤمنون.
وقال قتادة: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ بيانُ ما تَشاجروا في أمر قتيلِهم (^٣)، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وهم يَقتلون النَّفسَين بالنَّفس، وفيها: العين بالعين، وهم يَفقَؤون العينين بالعين.
* * *
(٤٤) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٤٩) من قول السدي، وروى (٨/ ٤٤٨) عن ابن عباس أنه فسر حكم اللَّه بحدود اللَّه.
(٢) في (ر): "وبحكمك".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
[ ٥ / ٣٩٧ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾؛ أي: هدايةٌ إلى الدِّين، ونورٌ يُضيءُ طريقَ (^١) الصَّواب في الأحكام.
وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾؛ أي: انقادوا لحكمِ اللَّهِ تعالى في التَّوراة، وهو كقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وهو هاهنا مِن الأوصافِ اللَّازمةِ التي ذُكِرَت للمدحِ والتَّشريف، لا مِن الأوصافِ المحتمِلة التي تُذكَرُ للتَّمييز والتَّعريف.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾؛ يعني: على اليهود، واللامُ بمعنى "على"، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها.
وقال مقاتلُ بن حيَّان: أي: لهم وعليهم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿النَّبِيُّونَ﴾، والرَّبانيُّون: العالِمون العامِلون، نُسِبوا إلى الربِّ؛ لأنَّهم عالمون بهِ عاملون له.
وقيل: لأنَّهم يُربُّون النَّاسَ بعلمِهم.
قوله: ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ جمع حبر؛ بفتح الحاء وكسرها، وهو العالمُ الذي يُحَبِّرُ الأمورَ تحبيرًا (^٣)؛ أي: يُحَسِّنُها.
وقال قطرب: هو مِن الجمالِ والهيئة، والعالم له (^٤) جمالُ العلم وبهاؤه، وفي
_________________
(١) بعدها في (ر): "الهدى و".
(٢) رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣١٩).
(٣) "تحبيرًا": سقط من (ف).
(٤) في (أ): "به".
[ ٥ / ٣٩٨ ]
الحديث: "يخرجُ رجلٌ مِن النَّارِ قد ذهبَ حِبْرُهُ وسِبْرُهُ" (^١)؛ أي: جماله وهيئته (^٢).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ قيل: الباء (^٣) صلةُ "الأحبار"؛ أي: العلماءُ المحسنون بسبب حفظِ الكتاب.
وقيل: الباء صلة ﴿يَحْكُمُ﴾؛ أي: يَحكمون بالتَّوراة بسبب استحفاظِهمُ الكتابَ.
وسينُ الاستفعالِ للطَّلب والسُّؤال، والحفظُ يكونُ عن النِّسيان، ويكونُ عن التَّضييعِ، وقد أُخِذَ عليهم الأمران جميعًا؛ أنْ يَحفظوها فلا يَنسَوها، ويُراعوا حقَّها (^٤) فلا يُضيِّعوها، فالحكمُ الذي يَحكُمُ به هؤلاء هو الرَّجمُ في الزِّنى، والقِصاصُ في قتلِ العمد، وغير ذلك، وقد ذُكر هذان الأمران قبلها وبعدها.
قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾؛ أي: كان هؤلاء جميعًا شهودًا على أنَّه كتابُ اللَّه وحكمُه، وأمرُه ونهيُه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ولمَّا كان الاستحفاظُ لِئلَّا يُحرِّفوا، وكان التَّحريفُ لأمرين؛ لخوفِ الكِبار، وطمعِ العوام، سدَّ عليهم البابين فقال: لا تَخشوا كبارَ القومِ واخشون (^٥)، ولا تَستبدلوا بأحكامِ دِيني عرضَ الدُّنيا.
_________________
(١) أورده أبو عبيد في "غريب الحديث" (١/ ٢٢٠)، وقال: وفي هذا الحديث اختلاف، وبعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه، يقول: عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير. اهـ. وأخرج الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٤٨) عن مطرف بن عبد اللَّه، في قوله: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] قال: "واللَّه لولا أنه عرفه ما عرفه، لقد غيرت النار حبره وسبره".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٧٠).
(٣) بعدها في (ف): "كونه".
(٤) في (ف): "حفظها".
(٥) بعدها في (ر): "ولا تشتروا".
[ ٥ / ٣٩٩ ]
وقال الحسينُ بنُ الفضلِ البَجليُّ ﵀: إنَّ اللَّهَ استحفظَ أهلَ الكتابِ كتابَه، فبَدَّلوا، وحفظَ القرآنَ بنفسِه فما بدلوا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وكان المعنى في ذلك أنَّه كان بعد التَّوراةِ نزولُ الإنجيل، فعرَّفَهم تبديلَ اليهودِ التَّوراة، وكان بعد الإنجيلِ نزولُ القرآن، فعرَّفهُم تبديلَ النَّصارى الإنجيلَ، ولم يكن بعد القرآنِ كتابٌ آخرَ، ولا بعد النَّبيِّ (^١) نبيٌّ آخرُ يُعرِّفُهم لو وقعَ التَّحريفُ، فحفِظَهُ بنفسِه عن التَّبديل؛ ليَبقى لهم هاديًا إلى سواءِ السَّبيل.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ "من" اسمُ جنسٍ تَصلحُ للجمعِ فوحَّد الشَّرطَ لتوحيدِ لفظِه، وجمع الجزاء لاجتماعِ معناه، ومعناهُ: ومَن لم يرَ الحكمَ به ولم يعتقده.
وقال عكرمةُ: من جحدَ شيئًا مِن حدود اللَّه فقد كفر، ومن أقرَّ بها ولم يَحكُم بها فهو ظالمٌ فاسق (^٢).
وقال مقاتل: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ أهلَ خيبرَ أنْ تُخبِروهم بالرَّجم، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ إنْ كتمتمُوه (^٣).
وقال الكلبيُّ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ في إظهارِ صفةِ محمَّدٍ، والعملِ بالرَّجمِ، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في كتمانِ ذلك، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ بالقرآنِ وبمحمَّدٍ عرضًا يسيرًا مِن مآكلِ الدُّنيا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في القرآن، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقال الضَّحَّاك ﵀: نزلت الآيات الثلاث: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ و﴿الظَّالِمُونَ﴾ و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في حقِّ اليهود (^٤).
_________________
(١) قوله: "بعد النبي" من (ف).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٧٠).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٨٠).
(٤) روى الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٥٧) عن الضحاك أنها في أهل الكتاب.
[ ٥ / ٤٠٠ ]
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: مَن اتَّخذ غيرَ اللَّهِ حكمًا، ولم يَحمد (^١) تحت جريانِ حُكمِهِ سِلمًا، فعن شِرْكٍ خامَرَ قلبَهُ، وكفرٍ قارنَ سِرَّهُ، وهيهات أنْ يكونَ معه سواه (^٢).
* * *
(٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ أي: في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ؛ أي: الواحدةُ تَقتصُّ بالواحدة، وقد خالفتُم ذلك، ففَضَّلتم بني النَّضيرِ على بني قُريظة بالتَّضعيف، ثمَّ أخبرَ أنَّ القِصاصَ فيما دون النَّفس كذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، قرأ الكسائيُّ بالرَّفع، وقد روى أنسٌ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قرأ كذلك إلى آخر الآية (^٣)، وهو اختيارُ أبي عبيد (^٤).
وقرأ عاصمٌ ونافعٌ وحمزةُ كلَّها بالنَصب عطفًا على ﴿النَّفْسَ﴾.
وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامر وأبو عمرو بالنَّصب إلَّا قولَه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (^٥)؛ لأنَّ الأوائلَ على نهج الأول، وهذا أُفرد بخبرٍ، فاستؤنف به.
_________________
(١) في (ف): "يدخل"، وفي "لطائف الإشارات": "يجد".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٦).
(٣) يعني: أنه نصب: ﴿النَّفْسَ﴾، ورفع: ﴿وَالْعَيْنَ﴾ وما بعدها. والخبر رواه أبو داود في "سننه" (٣٩٧٦، ٣٩٧٧)، والترمذي (٢٩٢٩). قال الترمذي: حديث حسن غريب. قال محققو "سنن أبي داود": إسناده ضعيف.
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٢٢)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٧١).
(٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٤)، و"التيسير" (ص: ٩٩).
[ ٥ / ٤٠١ ]
وقال أبو حاتم: الرَّفعُ أولى؛ لأنَّها جملٌ تامَّةٌ، فالاستئنافُ أولى، كما في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الجاثية: ٣٢] و﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
وقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾؛ أي: العينُ الواحدة تُقتَصُّ بالعين الواحدة، وكذلك ما بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ أي: فيما يمكنُ حفظُ المساواةِ فيه؛ تحقيقًا لمعنى القصاص.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾؛ أي: عفا عنه، ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ للعافي بإحسانه.
وقيل: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ للمعفوِّ عنه بسقوطه، ثمَّ أجرُ العافي على اللَّه.
وقال مجاهدٌ: معناه: فمَن جنى، وخفيَ ذلك على وليِّ الجناية، فأقرَّ به، وسلَّمَ نفسَهُ، فهو كفارةٌ إذا اقتُصَّ منه.
وقال الضَّحَّاك: كان لبني إسرائيل القصاصُ والعفو، ولم يكن لهم الدَّية، ولنا هذه الأشياءُ الثَّلاثة.
وقال ابن عباس ﵄: كانوا لا يَقتلون الرَّجلَ بالمرأةِ، فنزل قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وقال مقاتل: قالت بنو قريظة - منهم أبو لبابة وسعيد (^١) بن عمرو الليثي لكعب بن الأشرف: إخوانُنا بنو النضير (^٢)، أبونا واحدٌ، ودينُنا واحدٌ، وكتابُنا
_________________
(١) في "تفسير مقاتل": "وشعبة".
(٢) كذا في النسخ الخطية، وهو مضطرب، والصواب كما في "تفسير مقاتل" أن أبا لبابة ومن معه قالوا =
[ ٥ / ٤٠٢ ]
واحد، فإنْ قتلَ بنو النضير منَّا قتيلًا، أعطونا سبعين وسقًا من تمرٍ، وإنْ قتَلنا منهم واحدًا، أخذوا منا مئةً وأربعين وسقًا، فإنْ كان القتلى بواءً (^١)، فلِم صارَت جراحاتنا على أنصافِ جراحاتهم؟ فاقض بيننا وبينَهم.
وكانت بنو قريظة بينهم وبين بني النضير دماء، قال: فإنِّي أحكمُ أنَّ دمَ القُرَظيِّ وفاءٌ مِن دمِ النَّضيريِّ، ودمَ النَّضيري وفاءٌ مِن دمِ القرظي، وذلك قبل أن يبعثَ اللَّه محمدًا -ﷺ-، ليس لأحدِهما فضلٌ على الآخر في دمٍ ولا عقلٍ ولا جراحةٍ، الدَّمُ بالدَّم، والجِراحةُ بالجِراحة، فغضبَ بنو النضير مِن ذلك، وقالوا: لا نَرضى بحكمِك؛ فإنَّك لنا عدوٌّ، وإنَّك لا تألوا من وضعِنا وتَصغيرنا، فأنزل اللَّه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ يعني: حكمَهم الأول ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾؛ أي: لا أحدَ أحسن ﴿مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (^٢) [المائدة: ٥٠]، ثمَّ أخبرَ أَنَّه كتبَ عليهم القِصاص في النَّفس، وفي ما دون النَّفس بهذه الآية (^٣).
قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: الواضعون الأمرَ غيرَ موضعه.
* * *
(٤٦) - ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾؛ أي: أتبعنا، وقد قَفَاه يَقفُوه قفوًا أي: تبعَهُ،
_________________
(١) = للنبي -ﷺ-: إخواننا بنو النضير كعب بن أشرف وكعب بن أسيد و. . .، أبونا واحد. . .
(٢) يعني: سواء. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: بوأ).
(٣) قوله: " ﴿وَمَن أَحْسَنُ﴾ أي لا أحد أحسن ﴿اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ " من (أ).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٨٠).
[ ٥ / ٤٠٣ ]
ومنه القفا والقافية، وقفَّاه يُقَفِّيه تقفيةً؛ أي: أتبعَهُ، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: آثارِ الذين أسلموا.
وقيل: على آثار الربانيِّين والأحبار.
وقوله تعالى: ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾؛ أي: أرسلناهُ بعدَهم.
وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾؛ أي: صدَّق (^١) بما تَقدَّمه من نزول التوراة أنَّها حقٌّ، وأنَّها مِن عند اللَّه، وأنَّ العملَ بها واجبٌ عليهم إلى ورود نَسخِ ما نُسِخَ منها.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾؛ أي: وأعطينا عيسى الإنجيلَ، ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في الإنجيل ﴿هُدًى﴾؛ أي: بيانُ التَّوحيد والطَّاعة، ﴿وَنُورٌ﴾ أي: وضياءٌ للطَّريق الحقّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: وجعلنا الإنجيلَ موافقًا لما تَقدَّمَهُ مِن التَّوراة في أصل التَّوحيد والطَّاعة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾؛ أي: هاديًا إلى الحقِّ، مُرشِدًا إليه، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: واعظًا، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ خصَّهم بها؛ لانتفاعِهم بها، كما قال في أول سورة البقرة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] مصدران بمعنى النعتين، فوصف الكتابَ بها بطريق التَّسبيب.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾؛ أي: في الإنجيل مِن الأحكام.
_________________
(١) في (ف): "مصدقًا".
[ ٥ / ٤٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن الطَّاعة.
* * *
(٤٨) - ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: وأنزلنا إليك يا محمَّدُ القرآن ببيانِ الحقِّ، موافقًا لما تَقدَّمه مِن التَّوراة والإنجيل.
وقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال الكسائيُّ: أي: شاهدًا عليه (^١)، وأنشد:
إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب (^٢)
وقال ابنُ عبَّاس وقتادةُ والحسنُ ومجاهد: أمينًا عليه (^٣).
وقال الزَّجاج: أصلُه: مؤيمن (^٤) بالهمزة مفيعل بمعنى الفعيل، كقولهم: مبيطِر،
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٧٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٧٣)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ١٩٥) و"البسيط" (٧/ ٤٠٧)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٦٥). وفي "ديوان حسان" (١/ ٣٤٣) في قصيدة يهجو بها الحارث بن المغيرة قريب منه، ولفظه: أخواتُ أُمِّك قد عَلِمْتَ مكانَها والحقُّ يَفهمُهُ ذوو الألبابِ
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٨٧ - ٤٩٠) عن ابن عباس والحسن ومجاهد.
(٤) في "معاني القرآن" للزجاج: "مؤتمن".
[ ٥ / ٤٠٥ ]
بمعنى البَطير، وأبدلت الهمزة بالهاء لتقاربهما، كما في قولهم: أرقتُ الماءَ وهَرَقْتُه، وإيَّاك وهيَّاك، وأيهات وهيهات (^١).
وقيل: حفيظًا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال أبو عوسجة: مسلَّطًا (^٢).
وقال الأصم: هي كلمةٌ مأخوذةٌ مِن كتُبهم، غيرُ مأخوذةٍ مِن لسان العرب؛ ليَعلموا أنَّه إنَّما عرف باللَّه لا أنَّه استخرجَه بلسانه.
ومعنى الكلِّ أن يُؤدِي ما في الكتبِ المتقدِّمة على وجهه وحقيقتِه، مِن غيرِ زيادةٍ ولا نقصان في المعنى، ويُخبِرُ عن تحريف أهل الكتاب وخيانتِهم فيها، ومعنى تصديقِه الكتبَ موافقتُها في التوحيد والعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، ذكر إنزالَ التَّوراة على موسى، ثمَّ إنزالَ الإنجيلِ على عيسى، ثمَّ إنزالَ القرآنِ على محمَّدٍ صلواتُ اللَّه عليهم، وبيَّن أنَّه ليس للسَّماع فحسب، بل للحكم به، فقال في الأولى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾، وقال في الثَّانية: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾، وقال في الثَّالثة: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٣)؛ أي: بالرَّجمِ على المحصَن، وبالتَّسوية في القِصاص بين القرظي والنَّضيري (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: في تركِ القَوَد، وإعطاءِ الدِّيةِ، وتركِ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٨٠).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٣٤).
(٣) قوله: "وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ " ليس في (ف).
(٤) بعدها في (ف): "وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قد تقدم الكلام عليه".
[ ٥ / ٤٠٦ ]
الرَّجم واختيارِ الجلد، وهذا ناسخٌ لما تَقدَّمَ مِن التَّخيير: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ قيل: أي: ميلًا عمَّا جاءَك مِن الحق، أضمرَ فيه هذا.
وقيل: أي: بعد ما جاءَك. و"عن" و"بعد" يتناوبان، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾؛ أي: البيانِ في القرآن.
وقال الإمامُ القشيريُّ: قدَّم اللَّهُ تعريفَ رسولِه قصص المتقدِّمين بين يديهِ على تكليفِهِ اتِّباعَ ما أُنزِلَ إليه؛ لئلَّا يَسلُكَ سبيلَ الذين سبقوهُ؛ فيستوجب ما استوجبوه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: لا تَستميلنَّك مودَّةُ قريبٍ، واعتنِق ملازمةَ أمرِ اللَّه بتركِ كلِّ نصيب (^١).
وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾؛ أي: جعلنا لكلِّ أمَّةٍ شريعةً، وهي في الأصل: المدخلُ إلى الماءِ، وبه الحياةُ والطَّهارةُ والمصالح (^٢)، وشرائعُ الدِّين -وهي أحكامُه وحدودُه ولوازمُه- كذلك.
﴿وَمِنْهَاجًا﴾؛ أي: طريقًا واضحًا؛ كأنَّه قال: جعلنا لكلٍّ منكم موردًا وطريقًا إليه، أخبرَ أوَّلًا أنَّ هذا مصَدِّقٌ لما قبلَهُ والأصلُ واحد، ثمَّ بيَّن أنَّ الطُّرقَ مختلفةٌ، وكلُّها مؤدِّيةٌ إلى واحد.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٨).
(٢) لفظ: "والمصالح": ليس في (أ).
[ ٥ / ٤٠٧ ]
وقال ابنُ عباس ﵄: الشَّريعةُ: المنصوصُ عليها في الكتاب، والمنهاج: الثَّابتُ بالسُّنَّةِ (^١).
وقال مجاهدٌ والزَّجَّاج: الشِّرعةُ والمنهاج واحدٌ، وهو الطَّريق؛ أي (^٢): الدِّين (^٣)، وهو كقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ و﴿الْفُرْقَانَ﴾، وهو تكرارُ اللِّفظِ واتِّحادُ المعنى، كقول القائل:
حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عهدُه أقوى وأقفرَ بعد أمِّ الهيثمِ (^٤)
وقال مقاتل: شِرْعةُ اليهودِ القِصاص، ولا عفوَ ولا ديةَ، وشرعةُ النَّصارى العفوُ لا غير، وشرعتُنا في العمدِ كل ذلك، وكذلك الحدُّ في الزِّنى مختلفٌ (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على شرعةٍ واحدةٍ، وهي الإسلام، بلا اختلافٍ ولا تفاوت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؛ أي: جعلَ الشَّرائعَ مختلفةً؛ أي: ليَختبركُم فيما أعطاكُم مِن الدِّين.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: فابتَدروا إلى العملِ بالشَّرائع، فهي خيراتٌ كلُّها، جامعةٌ خيرَ الدَّارَين.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أيُّها الأمم، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ
_________________
(١) روى الطبري في "تفسيره" (٨/ ٤٩٦ - ٤٩٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٥١، ١١٥٢) (٦٤٨٢، ٦٤٨٥) عنه قال: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: سبيلًا وسنةً.
(٢) في (ر) و(ف): "إلى".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٨٤).
(٤) البيت لعنترة، وهو في "ديوانه" (ص: ١٨٥).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٨٢).
[ ٥ / ٤٠٨ ]
تَخْتَلِفُونَ﴾ وهو وعدٌ ووعيد؛ أي: كنتم مختلفين، فكان بعضُكم يُضيفُ شيئًا إلى اللَّه أنَّه شَرعَهُ، وينفيه آخر، فأُثيبُ منكم المحقَّ على حقِّه، وأجزي المبطِلَ جزاءَ مثله.
وقال الإمام القشيري: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: أفردنا (^١) كلَّ واحدٍ منكم معاشرَ الأنبياء بطريقةٍ، وأما أنت يا محمَّدُ، فلا يُدانيكَ أحدٌ في طريقتِك على الحقيقة، فأنت المقدَّمُ على الكافَّةِ، والمفضلُ على الجملة، ولو شاءَ اللَّه لسوَّى مراتبَكم، ولكن غاير بينكم ابتلاءً، وفضَّلَ بعضَكم على بعضٍ امتحانًا.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: سارعوا إلى الطَّاعات، ومسارعةُ كلِّ أحدٍ على ما يَليقُ بوقتِهِ، فالعابدون يُسارِعون بقدمِهم من حيث الأوراد، والعارفون بهمَمِهم (^٢) مِن حيثُ المواجيد.
قال: ويقال: استباقُ الزَّاهدين برفضِ الدُّنيا، واستباقُ العابدين بقطعِ الهوى، واستباقُ العارفين بنفي المُنى، واستباق الموحَّدين بتركِ الورى، واستباقُ المقرَّبين بنسيانِ الدُّنيا والعُقبى (^٣).
* * *
(٤٩) - ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.
_________________
(١) بعدها في (ف): "بقوله".
(٢) في (ر): "بفهمهم"، و(ف): "بهمهم".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٨).
[ ٥ / ٤٠٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قيل: يتَّصِلُ بقوله: ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وبـ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾، ولا يصلح عطفًا على قوله: ﴿فَاحْكُمْ﴾ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ (^١).
وقيل: يتَّصِل بقوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾؛ أي: أنزلناه بتصديقِ ما بين يديه وبـ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾.
وقيل: يقعُ عليه الإنزالُ، وتقديره: إنَّا أنزلناه إليك ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ قال أبو عبيد: أي: يصرفوك، وقال قطرب: أي: يَستزِلُّوك، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: فإنْ أعرضوا عن الانقيادِ لحكمك، فاعلم أنَّ اللَّهَ يُريدُ أنْ يُعجِّلَ لهم عقوبة بعضِ ذنوبِهم في الدُّنيا، فإنَّ الدُّنيا ليست بدار كمالِ الجزاء، وعذابُ الدُّنيا عذابُ بعض الذُّنوب؛ لأنَّه لا يَدوم، وعذابُ الآخرةِ عذابُ جميعِ الذُّنوب؛ لأنَّه يَدوم، وقد أصابَهم بذلك، وهو قتلُ بني قريظة، وإجلاءُ بني النَّضير.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: معناه: عِظْهُم بلسانِ العلم، فإنْ أبَوا قَبوله، فشاهِدهم بعينِ الحكم، [ويقال:] أشرْ (^٣) عليهم باعتناقِ لوازم التكليف، فإن أعْرَضوا، فعاينهُم بعينِ التَّصريف (^٤)، فإنَّ الحقَّ ﷾ بشرطِ التَّليفِ
_________________
(١) من قوله: "قيل يتصل يقوله" إلى هنا ليس في (ف).
(٢) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٤١٤).
(٣) في "لطائف الإشارات" للقشيري: "اشدد" بدل: "أشر"، وما بين حاصرتين منه.
(٤) في (ف): "التصديق".
[ ٥ / ٤١٠ ]
يُلزمُهم، وبحكمِ التَّصريفِ يُؤخِّرُهم ويقدِّمُهم (^١)، فالتَّكليفُ فيما أوجبَ، والتَّصريفُ فيما أوجدَ، والعبرةُ للإيجادِ لا للإيجاب (^٢).
وقال مقاتلٌ: إنَّ رؤساءَ يهودِ بني النَّضير قال بعضُهم لبعض: انطلِقوا بنا إلى محمَّدٍ -ﷺ- نفتِنُه، ونَردُّه عمَّا هو عليه، إنَّما هو بشرٌ، فاصتوهُ فقالوا له: هل لك أنْ تَحكُم لنا على أصحابِنا في أمر الدِّماء (^٣) كما كنَّا عليه مِن قبل، فإنْ فعلتَ فإنَّا نبايعك، وإن بايعناك تابعكَ أهلُ الكتابِ كلُّهم، فإنَّا بقيَّتُهم وخيارُهم، فأنزلَ اللَّه هذه الآية يُحذِّرهُ ويقول: لا تتَّبع أهواءَهم، واحذرْهُم أنْ يَصدُّوك عن بعضِ ما أنزلَ اللَّهُ إليك من التَّسوية في الدِّماء، فإن أبَوا حكمك، فاعلم أنَّ اللَّهَ يُريد أنْ يُصيبَهم؛ أي: يُعذِّبَهم في الدُّنيا بالقتلِ والجلاء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي: من رؤساء اليهود وغيرهم ﴿لَفَاسِقُونَ﴾ خارجون عن الطَّاعة، فلمَّا نزل هذا، قال كعبُ بن الأشرف ومالكُ بن الصَّيف: لا نرضى بحكمك، فنزل قوله تعالى:
* * *
(٥٠) - ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (^٤) الألفُ ألفُ الاستفهام، وهو للاستنكار والاستعظام. و﴿الْجَاهِلِيَّةِ﴾ حالةُ الشِّرك، والجهلُ المطلقُ يقع على (^٥) جهل الكفار، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].
_________________
(١) في (ف): "ويعذبهم".
(٢) في "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٩): "والعبرة بالإيجاد والإيجاب".
(٣) في (ر): "الدنيا"، وفي (ف): "الدين"، والمثبت موافق لما في "تفسير مقاتل".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٨٢ - ٤٨٣).
(٥) في (أ): "هو"، وفي (ف): "و" بدل: "يقع على".
[ ٥ / ٤١١ ]
والبُغاء: الطَّلبُ بضمِّ الباء، يقول: أتطلبون حكمَ أهل الجاهليَّةِ في حدِّ الزِّنى والقصاص حيث لم تَرضوا بحكم التَّوراةِ والإنجيلِ والقرآن.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: لا أحسنُ حكمًا مِن اللَّه ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أنَّ لهم إلهًا، فيعلمون أنَّه لا أحسنُ حكمًا منه (^١)؛ لأنَّه على المصلحةِ والحكمةَ، لا على المجازفة والشَّهوة.
وقيل: معناه: عند قومٍ يوقنون باللَّه وبحكمته، وحرفُ اللَّام، وكلمة "عند" يتقاربان، يقال: لفلانٍ العلمُ بهذا الأمرِ، و: عندهُ العلمُ بهذا الأمر.
وقال الإمام القشيريُّ: أيعودون في ظُلمةِ الحِجاب بعدما انهتكَ سِتْرُ الارتياب؟! اصلطلبون منك أنْ تَحيدَ عن المحجَّة المُثلى والطريقة العظمى، بعدما اتَّضحَ لك البراهيُن وتَجلَّى اليقين (^٢)؟!
* * *
(٥١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: لا تَتولَّوهم.
وقال الإمام أبو منصور: ويَحتملُ: لا تَدينوا بدينهم، فإنَّكم إذا فعلتُم ذلكَ صِرْتُم لهم أولياء (^٣).
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾؛ لاتِّفاق أديانِهم، فإذا تولَّيتُموهم كنتم على دينِهم.
_________________
(١) في (ف): "من اللَّه" بدل: "منه".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٢٩).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٣٧).
[ ٥ / ٤١٢ ]
وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وهذا إذا تولَّاهم لدينِهم، وأمَّا الصُّحبةُ لمعاملةٍ أو شراءِ شيءٍ منهم، أو لطلب عملٍ منهم، مع المخالفةِ في الاعتقادِ والأمور الدينيَّة، فليس فيه هذا الوعيد.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ دليلٌ على أنَّ الكفرَ كلَّه مِلَّة واحدةٌ باطلة (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا يُرشِدُ الظالمين أنفسَهم بتركِ إخوانِهم المؤمنين وموالاةِ الكافرين.
قال مقاتل: نزلت في أبي لبابة واسمُه مروان، ورجلين آخرين، وذلك أنَّه لمَّا كان يومُ أحد، خاف ناسٌ مِن المسلمين أن يُدالَ الكفَّارُ عليهم، فقال أحدُهما: إنِّي آتي فلانًا اليهوديَّ فأتهوَّدُ، وقال آخرُ: إنِّي آتي الشَّامَ فأتنصَّر، فنزلَت الآيةُ (^٢).
وقال عياض الأشعري: قدم أبو موسى الأشعري على (^٣) عمر، ومعه كاتبٌ له نصرانِيٌّ، فدعا به، فقرأ كتابًا، فأعجبَهُ ظرفه وحفظُه، فلمَّا كان يومُ الجمعة قال له عمر: ادع كاتبَك، قال: إنَّه لا يَدخلُ المسجدَ، فقال: أجنبٌ هو؟ قال: لا، ولكنَّه نصرانيّ، فقال: لا تُكرِموهم إذْ أهانَهم اللَّه، ولا تُعِزُّوهم إذ أزلَّهمُ اللَّه، ولا تَأتمِنوهم إذ خوَّنهمُ اللَّه، ولا تُدنوهم إذْ أقصاهمُ اللَّه (^٤).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٣٨).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٨٣)، وليس فيه تسمية الرجلين بل جاء ذكر أبي لبابة والرجلين في الكلام عن الآية التالية، فلعله انتقال بصر، واللَّه أعلم. والخبر أخرجه أيضًا الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٠٦)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٥٥ - ١١٥٦) (٦٥٠٧) من قول السدي.
(٣) قوله: "الأشعري على": من (ر).
(٤) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٢٠٤٠٩).
[ ٥ / ٤١٣ ]
وقال عطية العوفي: جاء عبادةُ بنُ الصَّامت إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسولَ اللَّه (^١)، إنَّ لي مواليَ مِن يهودَ كثيرٌ عددُهم، وإنِّي أبرأُ إلى اللَّه وإلى رسولِه من وَلايتِهم، فقال عبد اللَّه بنُ أبيٍّ: إنِّي رجلٌ أخافُ الدَّوائرَ، ولا أبرأُ مِن ولاية مواليَّ. وهم يهود بني قينقاع، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لعبدِ اللَّه بنِ أُبيّ: "ما بخِلتَ به مِن ولايةِ يهود على عبادةَ فهو لك"، فقال: قد قبِلتُ، فأنزل اللَّه فيهم: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (^٢)؛ أي: نفاقٌ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾؛ أي: في ولايتهم، ونزلَ في عبادة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥].
وقال عكرمة: نزلَتْ في أبي لبابةَ بنِ عبد المنذر حين تَنصَّح إلى بني قريظةَ، فأشار إليهم أنَّهُ الذبح (^٣).
* * *
(٥٢) - ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾؛ أي: فتُبصِرُ يا محمَّدُ المنافقين الذين في قلوبهم شكٌّ في الدِّين، وغِلٌّ على المؤمنين، يُبادِرون في موالاةِ اليهودِ والنَّصارى والكافرين، ثمَّ يَحتجُّون بما لا حُجَّة فيه، وذلك قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ هي الدولةُ الدائرةُ من قومٍ إلى قوم؛ أي: يقولون: نخافُ أنْ يكون للدَّهر دائرةٌ على المؤمنين، فنضطرَّ إلى هؤلاءِ الكفَّار والالتجاءِ بهم،
_________________
(١) في (ف): "وقال" بدل من "فقال: يا رسول اللَّه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٠٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٠٦ - ٥٠٧).
[ ٥ / ٤١٤ ]
فخيَّبَ اللَّهُ ظنَّهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.
قال الكلبيُّ ﵀: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شكٌّ ونِفاق، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في ولايةِ اليهودِ ونصارى أهلِ نجران؛ لأنَّهم كانوا أهلَ ريفٍ، وكانوا يَميرونهم ويُقرِضونهم، ويقولون: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾؛ أي: سنةٍ جدْبَةٍ (^١)، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾؛ يعني: فتح مكة، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾؛ أي: الخصب لمحمَّدٍ وأصحابه، ﴿فَيُصْبِحُوا﴾؛ أي: فيَصيروا؛ يعني: أهلَ النِّفاق ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا﴾؛ أي: أضمَروا في أنفسِهم؛ أي: في قلوبِهم ﴿نَادِمِينَ﴾؛ أي: على ما كان مِن ولايتِهم ودسِّ الأخبارِ إليهم (^٢).
وقيل: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ أي: بالفرج (^٣) من غدرِ اليهودِ؛ بقهرهم حتَّى يُذعِنوا لهم بالذِّمَّةِ وقَبول الجزية، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ بإهلاكهم.
وقال الضَّحاك: ﴿بِالْفَتْحِ﴾ لقُرى اليهود فدك وخيبر (^٤)، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ إجلاء (^٥) بني النَّضير، وقتلِ بني قريظة.
والفتحُ: هو حلُّ الأمورِ المنعقدة، وفتحُ الأبوابِ المنغلقة.
و"عسى" من اللَّهِ إطماعٌ، وإطماعُ الكريم إيجابٌ، ومعنى الإطماعِ بهذه الكلمة بدون كلمة التَّحقيق: تعليقُ القلوب بحسن الرَّجاء، وحملُ المؤمنين على صدقِ
_________________
(١) في (ف): "مجدبة".
(٢) في (أ) و(ف): "الأخبار إليهم" بدل من "الأحبار اليهود".
(٣) في (أ): "بالفرح"، وفي (ف): "بالفرح والسرور".
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٧/ ٤٢٢)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٦٨).
(٥) في (ف): "بإجلاء".
[ ٥ / ٤١٥ ]
الالتجاء، وكذلك إدخال ﴿أَوْ﴾ بين الأمرين، مع علم اللَّه أنَّه يكون هذا أو هذا؛ لتعلُّقِ القلوبِ بلطفِ اللَّه بهم، دون اعتمادهم على أمرٍ كائنٍ لهم.
قوله تعالى: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ولمَّا تحقَّقوا ذلك ندموا، لكنَّ ندامتَهم لم تكن على نفاقِهم؛ لأنَّه توبةٌ منهم، بل على تولِّيهم إيَّاهم، واعتدادِهم به، وجملتُه أنَّ اللَّهَ أخبرَ بهذا الكلام أنَّه لا يكونُ لليهود علوٌّ على المسلمين مِن بعد، وأنَّ المنافقين يَندمون على ذلك، وكان كذلك.
وقال عطاء (^١): ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ عبدُ اللَّه بنُ أبيٍّ وأصحابُه، ﴿يُسَارِعُونَ﴾ في مودَّة بني قينقاع (^٢)، وكانوا أسارى في يدِ رسول اللَّه -ﷺ-، فما زال بالنبيِّ -ﷺ- حتَّى قال: "خُذهُم، لا باركَ اللَّهُ لك فيهم"، فما بقيَ منهم نافخُ ضَرْمَةٍ (^٣).
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرأ أبو عمرو (^٤) بالنَّصبِ عطفًا على: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾، والباقون بالرَّفع على الاستئناف (^٥).
_________________
(١) كذا، ولعل الصواب: "عطية"، وهو العوفي.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٥١١) (٦٥٢٠). والضرمة: النار.
(٣) أورده الجرجاني في "درج الدرر" (١/ ٥٧٠) عن عطية.
(٤) في (ر): "ابن عامر" بدل: "ابن عمرو"، وهو تحريف.
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٥)، و"التيسير" (ص: ٩٩).
[ ٥ / ٤١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾؛ أي: يقول المؤمنون لليهود: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ المنافقين ﴿الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ مجتهدين غايةَ جهدِهم فيها ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: الحالفون ﴿لَمَعَكُمْ﴾ أيُّها اليهود ومتولُّوكم وأعوانُكم، وقد وثقتُم بهم، وقد ظهرَ كذبُهم في أيمانِهم، وخيبةُ ظنونِكم بهم.
وقيل: معناه: ويقول المؤمنون بعضُهم لبعض: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ المنافقون الذين حلَفوا أنَّهم معكم ائُها المؤمنون، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وقد أظهرَ اللَّهُ أنَّهم يُوالون أهلَ الكتابِ، فهتكَ أستارَهم.
وقولُه تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: بَطَلَت أعمالُ المنافقين في موَالاةِ أهل الكتاب، وانقَطَعتْ أطماعُهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾؛ أي: في الدُّنيا والآخرة؛ بفوات المعونةِ، ودوامِ العقوبة.
وقال الإمام القشيري: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: إنَّ الذين سَقِمت ضمائرُهم، وضَعفت في التَّحقيقِ بصائرُهم، سبقَ إلى قلوبِهم هوادةُ الأعداءِ؛ خوفًا من معرَّتِهم، وطمعًا في المأمولِ مِن صُحبتِهم، ولو استيقَنوا أنَّهم في أسرِ العجزِ وذلِّ الإعراض، لأمَّلوا من اللَّه الموعودَ من كفاليه، والمعهودَ مِن رعايته، ولكنْ حُجِبوا عن محلِّ التَّوحيد والإيمان، فتَفرَّقوا في أوديةِ الظُّنون والحسبان، وعن قريبٍ يأتيكم الفَرَجُ أيُّها المؤمنون، وهم يَستشعِرون النَّدمَ، ويُقاسون الألمَ، وأنتم تَعلو رؤوسُكم، وتضيءُ بزواهرِ القُرَب قلوبُكم، وتَصلون مِن الموعودِ إلى ما يُربي على المقصودِ.
* * *
[ ٥ / ٤١٧ ]
(٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: مَن يرجِعُ منكم عن دينِ الإسلام بموالاة الكفَّار، فليَعلم أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِي دينَه عن أنصارٍ يَحمونَه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ أي: يرضى منهم أعمالَهم، ويُثني عليهم بها، ويُطيعونَهُ ويُؤثِرون رضاه.
وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ جمع ذَلُول، وهو اللَّيِّنُ، يقال: دابَّة ذَلولٌ بيِّنَةُ الذِّلِّ، بكسر الذَّال، ورجل ذليلٌ بيِّنُ الذُّلِّ بضمِّ الذَّال، قال تعالى: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]، وقال: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل: ٦٩]. وقوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ جمع عزيز، وهو الشَّديد، يُقال: ناقةٌ (^١) عزوز، إذا تعذَّر استخراج لبنها (^٢)، وأرضٌ عَزَازٌ؛ أي: صُلبة؛ أي: يأتي بقومٍ رحماءَ بالمؤمنين عاطفين عليهم، غلاظٍ على الكفَّار أشداءَ عليهم.
وقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: يَبذُلون المجهودَ في قتال الكفَّار، حملًا لهم على الإسلام، ومنعًا عن عبادةِ الأصنام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾؛ أي: لا يَخشون في إظهارِ دينِ اللَّه ملامةَ مَنْ يَلومُهم مِن أقاربِهم الكفَّارِ على قطيعةِ الرحم.
_________________
(١) في (أ): "جوزة"، وفي (ف): "حورة".
(٢) في (أ): "لبها".
[ ٥ / ٤١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ اتِّصافُهم بهذه الأوصافِ ممَّا آتاهمُ اللَّهُ مِن فضلهِ؛ ثوابًا لهم على حُسنِ نيَّاتِهم.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يُعطيه مَن يعلَمُهُ أهلًا له؛ باختيارِه طاعتَه، وكراهيةِ معصيته.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يَسَعُ فضلُه جميع خلقِه، عَليمٌ بمَن هو مِن أهلِه.
وقال محمَّد بنُ كعبٍ القُرظي: هو في رِدَّة مقيس بن صبابة (^١)، وطُعمةَ بنِ أُبيرِق، والعرنيين ورجالٍ معدودين، والقومُ الذين ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أهلُ اليمن، قَدِموا وأسلموا، وهم ألفان أو ثلاثةُ آلاف (^٢)، قال أبو هريرة ﵁: قال النبيُّ -ﷺ-: "أتاكُم أهلُ اليَمَن، هم ألينُ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً، الإيمانُ يمان، والحكمةُ يمانية" (^٣).
وقال عياض الأشعري: لمَّا نزلَ قولُه تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال النَّبيُّ -ﷺ- لأبي موسى الأشعريِّ ﵁: "هم قومُ هذا" (^٤).
وقال الكلبيُّ: ارتدَّ بعد وفاةِ رسولِ اللَّه -ﷺ- بنو تميمٍ، وبنو حنيفةَ وأسدٍ وغطفان، وأناسٌ مِن كِندة، وفيهم الأشعثُ بن قيس، وبقيَ ثلاثةُ مساجدَ لم يَرتدُّوا بمكَّةَ والمدينة والبحرين، فأتى اللَّه بخيرٍ مِن الذين ارتدُّوا، فشدَّد بهم الدِّين، وهم أحياءٌ
_________________
(١) في (ف): "صبابة".
(٢) لم أقف عليه.
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" (٤٣٨٨)، ومسلم في "صحيحه" (٥٢).
(٤) رواه الطبري (٨/ ٥٢١)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٦٠) ٦٥٣٥، والطبراني في "الكبير" (٧/ ٣٧١) (١٠١٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٢٠)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢). وهو حديث مرسل، كما جزم بذلك ابن أبي حاتم، فعياض بن عمرو الأشعري عنده تابعي، وهو الأصح، فلم تثبت صحبته، انظر: "تهذيب الكمال" (٢٢/ ٥٧١).
[ ٥ / ٤١٩ ]
مِن اليمن؛ مِن كندة ومن النَّخَع ومن بَجيلة، ألفان من النَّخَع، وخمسةُ آلافٍ من كِنْدَة وبَجيلة، وثلاثةُ آلافٍ من سائر النَّاس، فجاهدوا في سبيل اللَّه يوم القادسيَّة (^١).
وقال عطاء: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: هم (^٢) الأنصار.
وقال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ البَصريُّ وقتادةُ والضَّحَّاك: هم أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وأصحابُه، وذلك أن عامة العرب بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ- قالوا: أما الصلاة فإنا نصلي وأما الزكاة فلا تغصب أموالنا، فقال أبو بكر ﵁: لو منعوني عناقًا مما أدوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- لقاتلتهم عليه (^٣)، فقال عمر: أليس قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فقال أبو بكر ﵁: هذا من حقِّها (^٤).
وقال الإمامُ أبو منصور: وفيه إثباتُ إمامةِ أبي بكرٍ الصِّديق ﵁؛ لأنَّ اللَّهَ مدحَ المجاهدين معه بأمرِه (^٥)، فثبتَ أنَّ الائتمارَ بأمرهِ طاعة وأنَّه مفترَضُ الأمر، وفي ثبوتِ خلافتِهِ ثبوتُ خلافةِ عمرَ وعثمان وعليٍّ ﵃.
قال: وفيه دليلٌ على أنَّ عليًّا ﵁ لم تكنْ له الخلافةُ حين قُبِضَ
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٧١).
(٢) في (ف): "وهم" بدل من "قال: هم".
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (٨/ ٥١٨ - ٥٢١)، والخبر فيه بطوله عن قتادة، ورواه عن الحسن والضحاك مختصرًا.
(٤) رواه البخاري (١٣٩٩، ١٤٠٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه أن أبا بكر أجاب عمر بقوله: واللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه -ﷺ- لقاتلتهم على منعها. وبرواية: هذا من حقها. رواه الشافعي في "مسنده" (٨٣٧).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٤٢).
[ ٥ / ٤٢٠ ]
رسولُ اللَّه -ﷺ-؛ إذ لا يَحتمِلُ أنْ يَرى الحقَّ (^١) لنفسِه في زمن أبي بكر ﵁، ثمَّ يتركَ طلبَها، وفيه تضييعُ حقِّ اللَّه عليه، مع قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ﴿يُجَاهِدُونَ﴾ بنفوسِهم باستدامةِ الطَّاعات، وبقلوبِهم بقطعِ المنى والطَّلبات، وبأرواحهم بحذفِ العِلاقاتِ، وبأسرارِهم بالاستقامةِ على الشُّهودِ في دوام الأوقات (^٣).
* * *
(٥٥) - ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ نهى عن موالاةِ الأعداء، وأَخبَرَ أنَّ وليَّهم هو اللَّهُ الذي يتولَّى مصالِحَهُم ومراشِدَهم، ويَأمرُ رسولَهُ أنْ يَتولَّاهم بالنَّصيحةِ والدُّعاءِ إلى طاعة اللَّه وطلبِ مرضاتِه، ورَسولُهُ يَأمرُ المؤمنين بأنْ يتولَّوهم بالشفقةِ (^٤) والمعاونة على التَّقوى والطَّاعة.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وهذا من صفاتِ الذين آمنوا.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾؛ أي: هم خاشعون للَّه، مع استكثارِهم نوافلَ الصَّلوات والصَّدقات.
ورويَ أنَّ الآيةَ نزلَت في عليٍّ ﵁، تَصدَّق بخاتَمه في ركوعِه، فعلى هذا يكون قوله: ﴿وَهُمْ﴾ واو الحال، وظاهرُه العموم.
_________________
(١) في (ف): "الأمر".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣٣).
(٤) بعدها في (ر): "والمعونة".
[ ٥ / ٤٢١ ]
وقال ابنُ عباس: إنَّ بلالًا أذَّن للظُّهر، فخرجَ النَّبيُّ -ﷺ- والنَّاسُ يُصلُّون، فإذا هو بمسكينٍ يَطوفُ ويَسألُ النَّاسَ، فدعاهُ رسولُ اللَّه -ﷺ- وقال: "هل أعطاكَ أحد شيئًا؟ " قال له: نعم، قال: "ماذا؟ " قال: خاتم فضة، قال: "من أعطاك؟ " قال: ذاك الرَّجلُ القائم، فنظرَ إليه النَّبيُّ -ﷺ-، فإذا هو عليٌّ ﵁، فقال: "على أيِّ حالٍ أعطاكَهُ؟ " قال: أعطاني وهو راكعٌ، فنزلتِ الآيةُ (^١).
وقيل: قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ في الفرائضِ، وقوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ في النَّوافل.
وقال ابنُ عبَّاس: إنَّ رهطًا مِن مؤمني أهلِ الكتاب عبدَ اللَّه بن سلام وأسيد (^٢) وثعلبة لمَّا أمرَهُم رسولُ اللَّه -ﷺ- أنْ يَقطعوا مودَّة اليهودِ، ففعلوا، قالت قريظةُ والنَّضير: ما بالُنا نودُّ أهلَ دينِ محمَّد -ﷺ-، وقد تبرَّؤوا منَّا، فوالذي نحلف به، لا نُكلِّمُ أحدًا منهم، ولا نجالِسُهم، فبلغَ ذلك ابنَ سلامٍ وأصحابَه، فأتوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: إنَّ قومَنا قد هجَرونا، وأقسموا ألَّا يجالسونا، ولا نَستطيعُ مجالسةَ أصحابِك؛ لبُعدِ المنازل، فنزلَتِ الآيةُ، فقرأَها عليهم رسولُ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: رضينا باللَّه وبرسولِه وبالمؤمنين أولياء (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه ابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" و"الدر المنثور" (٥/ ٣٦١) من طريق محمد بن السائب الكلبي، وهو متروك، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄. قال ابن تيمية في "منهاج السنة" (٧/ ١١): أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع.
(٢) " وأسيد": ليس في (ر). وفي (ف): "وأسد وأسيد".
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وأورده الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٨٠)، والواحدي في "البسيط" (٧/ ٤٣٣)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٧٢) عن جابر بن عبد اللَّه ﵁.
[ ٥ / ٤٢٢ ]
(٥٦) - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ومَن جعلَ اللَّهَ وليًّا له، يَتولَّى مصالحَهُ ونَصْرَهُ (^١)، وجعلَ رسولَه وليًّا له يَدلُّه على مراشدِه، وجعل المؤمنين أولياءَ له (^٢)، يَعتضِدُ بهم في أمورِه، ويَجعلُهم موضِعَ سرِّه وصلتِه وبرِّهِ، فهو مِن حزب اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ قال الحسن: ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ جندُه، وقيل: أنصاره.
والتَّحزُّبُ: التَّجمُّع لدفعِ ما يَحْزُبُ؛ أي: ينوبُ، فأخبرَ أنَّ الغلبةَ لحزب اللَّه، وقد كان كذلك، فقد جعلَ الغلبةَ للمسلمين على اليهود، فقتَلَهُم وأجلاهُم، وفرَّقَهم وسباهم، وخيَّب ظنونَ مَنْ تولَّاهم.
وقال الإمام القشيري: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لا موالاة بين أولياء اللَّه وأعداء اللَّه، أعداءُ اللَّه (^٣): أعداءُ الدِّين وأعداءُ المسلمين، وأعدى عدوِّكَ نفسُك التي بين جنبيك، ومَن عادى نفسَهُ، لم يَخرج بالمخاصمةِ عنها على الخلق، وبالمعارضةِ فيها مع (^٤) الحقِّ.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ الفانون عن حظوظِهم، الذين هم خصمُ الحقِّ على أنفسِهم، لا خصمُ أنفسِهم على مولاهم، والغلبةُ بالحجج (^٥) والبُرهان لا باليدِ واللِّسان (^٦).
_________________
(١) في (ف): "ونصيره".
(٢) في (أ): "أولياءه" بدل: "أولياء له".
(٣) قوله: "أعداء اللَّه" من (أ).
(٤) في (أ): "عن".
(٥) في (أ): "بالحجاج".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣٣).
[ ٥ / ٤٢٣ ]
(٥٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائيُّ: ﴿والكفارِ﴾ بالجرِّ؛ عطفًا على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾؛ أي: ومِن الكفَّارِ، وقرأ الباقون بالنَّصبِ؛ عطفًا على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ﴾ (^١).
نهى عن موالاةِ كلِّ الكفَّارِ على العموم بعد ما نَهى عن موالاةِ أهل الكتاب على الخصوص، يقول: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ اليهودَ والمشركين ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، ووَصفهُم فقال: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا﴾؛ أي: سخريةً ﴿وَلَعِبًا﴾؛ أي: عبثًا؛ أي: يهزؤون به، ويقولون: هو محدَثٌ، لا قرارَ له ولا ثبات، ولا هو مِن عندِ اللَّه آت.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: واحذروا عذابَ اللَّهِ؛ في تركِ ما أمرَكُم به، وفعلِ ما نهاكُم عنه مِن اتِّخاذِ الكفَّارِ أولياء وغيرِ ذلك، إن آمنتم، فإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ طاعةَ اللَّهِ، وتركَ موالاةِ أعداءِ اللَّه.
* * *
(٥٨) - ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾؛ أي: وإذا أذَّنَ مؤذِّنُكم، فدعا إلى الصَّلاة، اتَّخذوا الصَّلاةَ سخريةً وعبثًا، وقالوا: هذا أمرٌ لا ثباتَ له، فإذا كان صنيعُهم هذا بأجلِّ أمورِ دينكم، فكيف يَجوزُ لكم أنْ تُوالوهم وتَثِقوا بهم؟
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: إنَّما يَفعلون ذلك لأنَّهم سفهاءُ،
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٥)، و"التيسير" (ص: ١٠٠).
[ ٥ / ٤٢٤ ]
لا يَعلمون ما في الصَّلاةِ والدُّعاءِ إليها مِن النَّهيِ عن الفحشاءِ والمنكر في الدُّنيا، والثَّوابِ الجزيلِ في العُقبى.
وروي أنَّهم كانوا إذا سمعوا النداء والإقامة قالوا: قد قاموا لا قاموا، قد صلَّوا لا صلَّوا (^١).
وقال السُّدِّيُّ: إنَّ نصرانيًّا بالمدينة كان إذا سمعَ المؤذِّن يقول: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول اللَّه، يقول: حُرِّقَ الكاذبُ، فدخلَ خادِمهُ بنارٍ ليلًا، فتطايرَت شرارةٌ، فاحترقَ بها هو وأهلُه (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: نبَّههم على موجبِ التَّحيُّزِ عنهم، والتَّميُّزِ منهم، فإنَّ المخالِفَ في العقيدةِ لا يكونُ موافقًا في الحقيقة، وأمرهم بأن لا يلاحظوهم إلَّا (^٣) بعين الاستصغار، كما لاحظوا دينَ المسلمين بعين الاستحقار.
ثمَّ الأذانُ دعاءٌ إلى محلِّ النَّجوى، فمَنْ تَحقَّق بعلوِّ المحلِّ فسَماعُ الأذانِ يوجِبُ له روحَ الرُّوح (^٤)، ومَن كان محجوبًا عن حقيقةِ الحال، لاحظَ ذلك بعينِ اللَّعِب، وأصغى إليه بأذنِ الاستهزاء، وذلك حكمُ اللَّه غايَرَ بين عبادِه على ما (^٥) يشاء (^٦).
* * *
_________________
(١) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٧٤ - ٢٧٥) من طريق محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والسدي عن الكلبي عن أبي صالح سلسلة الكذب.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٣٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٦٣ - ١١٦٤) (٦٥٥٧).
(٣) لفظ: "إلا" من (ف).
(٤) في "لطائف الإشارات": "روح القلب واسترواح الروح" بدل: "روح الروح".
(٥) في (أ) و(ر): "من" بدل: "ما".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣٤).
[ ٥ / ٤٢٥ ]
(٥٩) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: هل تَعيبون؟ وقيل: تَكرهون؟ وقيل: تَطعنون (^١)، وقال أبو عوسجة: تُنكِرون؟ (^٢)
وقال ابن عباس في سبب نزولها: أنّ نفرًا مِن اليهود، منهم أبو ياسر بن أخطب ورافعُ بنُ أبي رافع وغيرُهما، أتوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، فسألوهُ عمن يؤمِنُ به من الرُّسل؟ فقال: "أؤمنُ باللَّهِ وما أُنزِل إلينا، وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، وما أُوتيَ موسى وعيسى، وما أُوتيَ النَّبيُّون مِن ربِّهم، لا نُفرِّقُ بين أحدٍ منهم، ونحن له مسلمون"، فلمَّا ذكرَ عيسى، جحدوا نبوَّتَه، وقالوا: لا نؤمِنُ بما (^٣) آمنتَ به، فأمرَ اللَّهُ تعالى (^٤) نبيَّه -ﷺ- أنْ يقولَ لهم: ما الذي تَعيبون منَّا في تديُّننا بالإسلام إلَّا أنَّا لم نُفرِّق بين الأنبياء والكتبِ، فآمنَّا بكلِّ مَن أرسلَهُ اللَّهُ، وبكلِّ ما أنزلَهُ اللَّه، وليس نداؤنا بالصَّلاة والشَّهادةِ لمحمَّدٍ بالرِّسالة جحودًا لمَن يَنتحلونَهم مِن الأنبياء؛ مِن موسى وغيرِه، بل هو جامعٌ للشَّهادة للَّه بالتَّوحيد، وللأنبياءِ بالرِّسالة، فلا عيبَ علينا، بل العيبُ عليكم إذ بدَّلتُم وخالفتُم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن الطَّاعة، وبحضُكم أسلمَ وأطاعَ، كعبد اللَّه بن سلام وأصحابِه.
_________________
(١) في (أ): "تقطعون".
(٢) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٥٤٨).
(٣) في (ف): "به كما"، بدل: "ما".
(٤) في "تفسير الطبري" (٨/ ٥٣٧ - ٥٣٨)، و"تفسير ابن حاتم" (٤/ ١١٦٤) (٦٥٥٩) والخبر مخرج فيهما: فأنزل اللَّه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ. . .﴾ الآية بدل: فأمر اللَّه نبيه. . . إلخ.
[ ٥ / ٤٢٦ ]
(٦٠) - ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ قيل: هذا جوابٌ لكلامٍ محذوف، وهو قولُهم للمؤمنين: إنَّ ثوابَكم على دينِكم ما أنتُم فيه من الفقرِ والضُّرِّ، ولو كنتم مُحقِّين لكنتُم للخيرِ والبِرِّ مستحقِّين، فنزلَ قوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ بمَن هو شرٌّ مثوبةً منَّا؛ أي: جزاء. وقد أثابَهُ؛ أي: جزاه (^١)، والمثوبة: الثَّواب، وهو الجزاء.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّه﴾؛ أي: هو أنتم وأسلافُكم، و﴿مَنْ﴾ اسمُ جنسٍ، ولفظه فرد ومعناه جمع، فلذلك وحَّد قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾، ثمَّ جمعَ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾، واللَّعْنُ في سلفِهم ما ذكرَ: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨].
وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ كما قال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، فسلبَهُم مُلكَهم، وشتَّتَ شملَهم، وضربَ عليهم الذِّلَّةَ والمسكنة.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ قيل: جعل أصحابَ السَّبتِ قردةً، وجعلَ أصحابَ المائدة خنازير.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كلا الصِّنفين مِن أصحابِ السَّبت، فشُبَّانهم مُسِخوا قردةً، ومشايخُهم مُسِخوا خنازير (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عطف على قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: ومَنْ عبدَ
_________________
(١) في (ف): "جازاه".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٨٥).
[ ٥ / ٤٢٧ ]
الطَّاغوت، وهو ما عُبِدَ مِن دونِ اللَّه، وجَعَلَهُم بطاعتِهم أحبارَهُم ورهبانَهم فيما أَمروهُم به مِن معصيةِ اللَّه عابدينَ لهم، كما قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وقيل: أراد بهِ عبادةَ العجلِ.
وقيل: أراد بـ ﴿الطَّاغُوتَ﴾ كعبَ بنَ الأشرف، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ١٦٠].
وقرأ حمزة: ﴿وعَبُدَ الطَّاغوتِ﴾ بفتح العينِ وضمِّ الباء ونصبِ الدال وخفضِ تاء ﴿الطَّاغوتِ﴾ على الإضافة (^١)، والصَّحيحُ من وجهِ قراءته أنَّه أرادَ به جمعَ العبد، يقال: عبدٌ وعبيدٌ وعُبُدٌ جمع الجمعِ، وهو كقولهم: السَّرير والسُّرُر، ثمَّ نُقِلَت ضمَّة العينِ فتحًا؛ لئلَّا يجتمع ضمَّتان، ومعناه: وجعلَ منهم عبدةَ الطَّاغوتِ؛ على الإضافة.
وقرأ بعضُهم: (عُبَّدَ الطَّاغوت) (^٢)، وهو جمع عابد.
وقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: هؤلاء الذين هذه صفاتُهم أردأُ منزلةً، وأبعدُ عن قصدِ الطَّريق -وهو الهدى- ممَّن قلتم.
ثمَّ ذكر في أول الآية ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾، وقال في آخرها: ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾، وقال: ﴿وَأَضَلُّ﴾، ولا شرَّ ولا ضلالَ في المؤمنين، فكيف يكون الفريقُ الآخرُ شرًّا منهم وأضلَّ منهم؟! ومعناه: أنَّه أرادَ به أنَّ حالَكُم شرٌّ مِن حالِ مَن ظننتُم أنَّه في شرِّ حالٍ، وهو ما فيه المؤمنون مِن الفقرِ والضُّرِّ.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٦)، و"التيسير" (ص: ١٠٠).
(٢) نسبها ابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ٤٠) للأعمش، ونسبها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٢١٤) لابن عباس ﵄.
[ ٥ / ٤٢٨ ]
وقيل: هو خطابٌ لهم على ما في زعمهم، كما قال ذلك في الخير: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].
ولمَّا نزلَت هذه الآيةُ عيَّرهم المسلمون، وقالوا: يا إخوةَ القردةِ والخنازيرِ، فنَكسوا رؤوسَهم بما فضحهم اللَّهُ تعالى على لسان رسولِه -ﷺ-.
* * *
(٦١) - ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾؛ أي: مِن هؤلاء اليهودِ منافقون يَلقونَكُم بوجهٍ، ويَلقون الكفَّارَ بوجهٍ، فإذا جاؤوا مجلسَ الرَّسول -ﷺ- قالوا: آمنَّا بما أنزلَ اللَّه، قولًا مجملًا.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: دخلوا وهم كافِرون.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وخرجوا وهم كافرون، كما يُقال: دخلَ بردائِه وطَيلسانِه؛ أي: وهو لابِسهما، ﴿وَهُمْ﴾ تأكيدٌ أنَّ الكفرَ منهم، ونفي أنْ يكون من أمر (^١) النبيِّ -ﷺ- سبب يوجب (^٢) لهم الكفرَ.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي: بما لم يزالوا يُضمِرون من النِّفاق والحقد عليكم.
* * *
_________________
(١) لفظ: "أمر" من (ر).
(٢) في (أ): "موجب".
[ ٥ / ٤٢٩ ]
(٦٢) - ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن اليهود ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾؛ أي: الوزر، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: الظُّلم، ويجوزُ أن يكونَ الإثمُ في القولِ، والعدوانُ في الفِعل، كما قال في الآية التي بعدها: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ أي: الحرام.
وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ هي كلمةُ ذمٍّ.
* * *
(٦٣) - ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾؛ أي: هلَّا (^١) يَنهاهم العلماءُ العُمَّال، ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ هم العلماءُ المحسِنون، ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ هو تغييرهم نعتَ النَّبيِّ -ﷺ-، ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي: الحرام، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، هو ذمُّ العلماء، والأوَّلُ ذمُّ العامة، وقوله: ﴿كَانُوا﴾ وصفٌ لهم أنَّهم لم يَزالوا كذلك.
وقال الحسن: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ﴾ علماءُ أهلِ التَّوراة، ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ علماءُ أهلِ الإنجيل.
وقال الضحاك: هي أخوف آيةٍ في القرآن، حيث أنزلَ (^٢) تاركَ النَّهيِ عن المنكرِ منزلةَ مرتكبِ المنكر (^٣).
_________________
(١) في (أ): "فلا" بدل من "هل لا".
(٢) في (ف): "أوجبت إنزال" بدل من "حيث أنزل".
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٥٧)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٥١).
[ ٥ / ٤٣٠ ]
(٦٤) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ولمَّا استوى عامَّتُهم وعلماؤهم في المعاصي ابتلاهُمُ اللَّهُ تعالى بالسِّنين، وكذلك كانت سُنته في الماضين، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقال في قصة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، فلم يَنتبهوا، ولم ينتهوا، لكن تَجاهلوا وتَسفَّهوا، ووَصفوا اللَّهَ تعالى بالبخلِ بمنعِ الخصبِ، وتسليطِ المحل، فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ أي: هو بخيلٌ لا يُعطينا ما يَنفعُنا ولا يَضرُّه، والعربُ تُسمِّي البخيلَ مغلولَ اليدين؛ أي: ممسكَ اليدينِ عن العطاء، كالذي هو مغلولٌ حِسًّا، وهو كما قال اللَّه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: هم الذين قُبِضَت أيديهِم عن الإعطاء، فهم الموصوفون بكمالِ البُخل، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣].
وقيل: وهو وعيدٌ لهم بالغُلِّ في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١].
وقوله تعالى: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾؛ أي: بُعِّدوا عن الرَّحمةِ وطُردوا.
وقال الكلبيُّ: نَزلت في فِنحاص بن عازورا اليهوديِّ وأصحابِه، وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى كان بسطَ على اليهود حتَّى كانوا أكثرَ النَّاس مالًا، وأخصبَهُم ناحيةً، فلمَّا
[ ٥ / ٤٣١ ]
عصوا اللَّهَ تعالى في محمَّدٍ، وكفروا به، كفَّ اللَّهُ عنهم بعضَ الذي بسطَ عليهم مِن السَّعة، فقال فِنحاص وأصحابُه: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ أي: ممسِكةٌ عنَّا في الرِّزق، محبوسةٌ، لا يَبسطُ (^١) علينا كما كان يَبسطُ (^٢)، فقال اللَّه تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: أُمسِكتْ أيديهِم أنْ يُنفِقوا في خير.
وقال يمانُ بن رئاب: شدَّد وثقَّلَ عليهم الشَّرائعَ، وهو قوله: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (^٣).
وقال الحسنُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ أي: مكفوفةٌ عن عذابِنا، فليس يُعذِّبُنا إلَّا بما يَبرُّ بهِ قسَمَه قدرَ ما عبدْنا العجلَ سبعةَ أيام، قال اللَّه تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٤).
وقيل: إنَّهم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ حين نزلَ قولُه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، قالوا: هو (^٥) فقيرٌ يَستقْرِضُ مِن عبادِه، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ لا يوسِّعُ الدُّنيا على محمَّدٍ وأصحابِه.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ اليدُ والعينُ والمجيءُ والإتيانُ ونحوُها صفاتُ اللَّه، وردَ بها القرآنُ فنُثبِتُها للَّه على اعتقادِ ما أراد اللَّهُ تعالى بها، مع نفيِ الجوارح عنه وما لا يَليقُ بصفاتِه، ومَن فسَّر اليدَ بالنِّعمة أو بالقُدرة فقد جعل الصفتين واحدةً، واللَّهُ تعالى أثبتَ كلَّ ذلك، فنُثْبِتُ ذلك كلَّه على ما بيَّنَّا.
_________________
(١) في (أ): "ينبسط".
(٢) في (أ) و(ف): "ينبسط". والخبر أورده الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٨٧) عن ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٨٨).
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٧٦).
(٥) في (ف): "هذا".
[ ٥ / ٤٣٢ ]
والمفهومُ مِن هذه الكلمةِ هاهنا ردُّ ما قالوا، وإثباتُ سَعَةِ فضلِه وسبوغِ نعمِه على عبادِه.
وقال بعضُ أصحاب المعاني: إنَّهم لمَّا قالوا: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ، على طريقِ المَثَلِ، ذكرَ اللَّهُ تعالى في مقابلةِ كلامهم ما هو أتمُّ منه في ضدِّ معناه؛ أي: نِعَمُ (^١) اللَّهِ أكثرُ مِن أنْ تُحصَى، وعطاياهُ أوسعُ، وخزائنه (^٢) أكثر، ومعنى التَّثنية أنَّ المتعارَفَ في الإعطاءِ مِن البشرِ المناولةُ بيدٍ واحدةٍ، فالمناولَةُ باليدين أوسعُ منه (^٣) وأكثر (^٤)، فأثبتَ اللَّهُ صفتَه (^٥) بإكثار العطاء وإسباغِ النعماء بهذهِ الكلمة، على مطابقة كلامهم، ونظيرُه من المطابقة والمقابلة قولُه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقولُه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، ونظائرُه.
وقيل: أرادَ باليدينِ نعمةَ الدُّنيا ونعمةَ الدِّين.
وقيل: أراد به أنَّه يَملِكُ الثَّواب والعقاب.
وقيل: أي: ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ بالمغفرةِ والتعذيب؛ أي: يَغفرُ لمَن يشاء، ويُعذِّبُ مَن يَشاء.
وقال الإمامُ القشيري: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: بل قدرتُه بالغةٌ، ونعمتُه سابغةٌ، ومشيئتُهُ نافذةٌ، وإرادتُه ماضيةٌ.
_________________
(١) في (أ): "أنعم".
(٢) في (ف): "وخير اللَّه".
(٣) لفظ: "منه" ليس في (أ).
(٤) من قوله: "ومعنى التثنية" إلى هنا ليس في (ف).
(٥) في (ف): "فأثبتت للَّه صفته" بدل: "فأثبت اللَّه صفته".
[ ٥ / ٤٣٣ ]
قال: وقيل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يَضعُ ويَرفعُ، ويَدفعُ ويَنفعُ، فلا يَخلو أحدٌ مِن نعمةِ الدَّفْعِ، وإنْ خلا عن نعمةِ النَّفع (^١).
وقوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ أي: يَرزقُ مَن يشاءُ ما يشاءُ على ما يشاءُ مِن توسيعٍ وتضييق، فله الحكمُ والمشيئةُ في كلِّ البَرِيَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ اللامُ للقَسم، وهو للتَّأكيد، ومعناهُ أنَّ كثيرًا مِن هؤلاء اليهود يَزداد -عند نزولِ القرآنِ بكشفِ سرائرِهم القبيحةِ- عنادًا وثباتًا على الكفر، وهذا من إضافة الفعل إلى السَّبب؛ كما قال: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقال: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فسرَّناه في هذه السُّورة مرَّة (^٢)، وهذا عقوبةٌ لهم على ما كان منهم، وامتنان على النبيِّ ﵇ وأصحابِه، فإنَّ ذلك يُورِثُ الفشلَ لعدوِّهم.
وقال مقاتل: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ بني النَّضير، ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في أمرِ الرَّجمِ (^٣) في القرآن، ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ بالقرآن، ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ بين اليهودِ والنَّصارى ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ أبدًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ مجازٌ عن همِّهم بتهييجِ الحروبِ على النبيِّ -ﷺ-، وإبطالِ اللَّه ذلك.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣٧).
(٢) عند تفسير الآية (١٤) منها.
(٣) في (ف): "من اللَّه في أمرهم" بدل: "من ربك في أمر الرجم".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٩٠).
[ ٥ / ٤٣٤ ]
وقال قتادة: لا تَلقى اليهودَ في بلدةٍ (^١) إلَّا وهم أذلُّ أهلها، ولقد جاءَ اللَّه بالإسلامِ وهم تحتَ أيدي المجوس (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ قيل: بالمعاصي.
وقيل: باختداع الضَّعفة (^٣)، وصدِّهِم عن الإسلام.
وقيل: بأخذِ الرِّشا وتغييرِ الكتاب.
وقيل: بقطعِ الطَّريقِ، وإخافةِ السَّبيل، وقد ذكر ذلك في هذه السورة مِن صفاتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ هذا ظاهرٌ.
* * *
(٦٥) - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾؛ أي: اجتنبوا المعاصي، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ السَّالفة، ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ في الآخرة؛ أي: لا يُعذِّبهم بما قالوا، لحاجةٍ له إلى تعذيبهم، بل جزاءً لهم على كفرِهم وتكذيبِهم، ولو أنَّهم آمَنوا وأسلموا، لأَمِنوا وسَلِموا.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: شرطَ في حقِّهم الإيمانَ والتَّقوى لإدخالهم
_________________
(١) في (أ): "ببلدة" بدل من "في بلدة".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٦٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٦٩) (٦٥٩٠).
(٣) في (ف): "بالاختداع للضعفة".
[ ٥ / ٤٣٥ ]
الجنَّة، ووعد للظَّالمين مع السَّابقين والمقتصدين مِن هذه الأُمَّة إدخالَ الجنَّة فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: ٢٣] (^١).
* * *
(٦٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: أقاموا العملَ بذلك على الاستقامةِ دون التَّحريف.
وقيل: أي: نصَبوا ذلك بأعينِهم فاتَّبعوه ولمْ يُخالِفوه، واتَّبعوا القرآنَ أيضًا، وذلك في حكمِ الرَّجمِ والقِصاصِ، وبيانِ نعت (^٢) النبيِّ -ﷺ-، وغيرِ ذلك.
وقيل: هو المحافظةُ على ذلك، كإقامةِ الصَّلوات.
وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾؛ أي: لتابَعْنا عليهم بركات السَّماء بالأمطارِ وبركاتِ الأرض بالنَّبات (^٣)، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الفرَّاء: هو كقولهم: فلانٌ في الخيرِ مِن قرنِه إلى قدمِه (^٤).
وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ مِن الثِّمار، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الحبوب.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣٧).
(٢) في (ف): "بعث".
(٣) في (أ): "السماء والأرض بالأمطار والنبات"، وفي (ر) "من السماء بالأمطار وبركات الأرض" بدل: "السماء بالأمطار وبركات الأرض بالنبات".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣١٥).
[ ٥ / ٤٣٦ ]
وقيل: أي: من الجبلِ والسَّهل.
ودلَّ ذلك على أنَّ العملَ بطاعةِ اللَّه سببٌ لسَعَةِ الرِّزق، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقولِه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ الآيات [نوح: ١٠ - ١١]، وقولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ الآية [الجن: ١٦].
وقيل: هذا إشارةٌ إلى ما جرى على اليهودِ؛ مِن قطعِ نخيلِهم، وإفسادِ زروعِهم، وإجلائِهم.
وقيل: هو جوابُ قولِهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يَعنون البخل، أي (^١): مُنِعَ ذلك عنهم ليس للبخل، بل حُرِموه للكفر.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ جاريةٌ على القصدِ، وهو الطريق العادل؛ أي: لم يزيغوا، ولم يَغلُوا في دينِهم، ولم يَقولوا في المسيح وفي أمِّه غيرَ الحقِّ، وهم الذين آمَنوا بموسى وعيسى ومحمَّد ﵊، كالنَّجاشيِّ وأصحابِه، وعبدِ اللَّه بن سلام وأشكالِه، وبَحيرى الرَّاهب، وسلمان، ورهطٍ مِن الشَّام.
وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ سائر اليهود؛ مِن الكفر، وصدِّ الناس عن الإيمان، واستحلالِ السُّحت.
* * *
(٦٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "الذي".
[ ٥ / ٤٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: أي: مِن مقابحِ هؤلاء، ولا تَنظُر إلى قلَّةِ المقتصدين منهم وكثرةِ الفاسقين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ قرأ عاصمٌ في رواية أبي بكرٍ ونافعٌ وابنُ عامر: ﴿رِسَالَتَهُ﴾ على الجمع، والباقون على الواحد (^١).
قالت الملاحدةُ -لعنهم اللَّه-: هذا كلامٌ لا يُفيد، وهو كقولِك لغلامِك: كلْ هذا الطَّعامَ، فإنْ لمْ تَأكلهُ فإنَّك ما أكلتَهُ.
قلنا: هذا قصورُ فهمٍ منكم، وبلادةُ طبع، وقلَّة معرفةٍ بكلام النَّاس، وله وجوهٌ صحيحةٌ:
أحدُها: أنَّ قولَه: ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ للعموم، ومعناه: بلِّغ جميعَ ما أُنزِل إليكَ؛ فإنْ لم تُبَلِّغ شيئًا منه فإنَّك (^٢) لم تبلِّغ رسالاتي كلَّها، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، جعلَ الكفرَ ببعضٍ محبطًا أصلَ الإيمان. قاله عليُّ بن مهدي الطبريُّ (^٣).
والثاني: قول الحسين بنُ الفضل البجليُّ ﵀: معناه: بلِّغ ما أنزل إليك من ربِّك الآن، ولا تَنتظر به كثرةَ الشَّوكةِ والقُوَّة والعُدَّة، فإن لم تُبلِّغ كنتَ كمَن لم يُبلِّغ.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٦)، و"التيسير" (ص: ١٠٠).
(٢) في (ر) و(ف): "فكأنك".
(٣) هو أبو الحسن، علي بن محمد بن مهدي، تلميذ الشيخ أبي الحسن الأشعري، كان من المبرزين في علم الكلام، والقوامين بتحقيقه، له كتاب "تأويل الأحاديث المشكلات الواردات في الصفات". انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" (٣/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
[ ٥ / ٤٣٨ ]
وقيل: معناه: بلِّغ ذلك محتسِبًا غيرَ خائفٍ أحدًا، فإنْ لم تُبلِّغ على هذا الوصف فكأنَّك لم تُبلِّغهُ أصلًا.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أي: إنْ لم تُبلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ لما تَخشى مِن الإهلاكِ والمكر بك، فكأنَّك لم تُبلِّغ الرسالةَ أصلًا، لم يعذرهُ في تركِ تبليغِ الرِّسالةِ إليهم، وإن خافَ على نفسِهِ الهلاكَ، وليس كمَن أُكرِهَ على الكفرِ، رُخِّصَ له أنْ يَتكلَّم به إذا خافَ الهلاكَ على نفسِه، ولا يُرخَّصُ تركُ تبليغِ الرِّسالةِ لذلك؛ لأنَّ تبليغَ الرِّسالةِ باللِّسانِ دون القلب، والإيمانُ تَعلُّقهُ بالقلب، فإذا أُكرِهَ على الكفرِ وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان، رُخِّصَ له ذلك، وأمَّا الرِّسالةُ فلا سبيلَ له أنْ يُبلِّغَها إلَّا باللِّسان، فلذلك لم يُرخَّص له (^١) تركُها وإنْ خاف.
وهذا دليلٌ لقولِنا في المكره على الطَّلاق أو العتاق (^٢): إذا تكلَّم به عمل، لأن تَعلُّقَ ذلك باللِّسان، لا بالقلب، والإكراه لا يمنع فعلَ اللِّسان، فلا يمنعُ النَّفاذ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: يَحفظُكَ منهم.
قالت الملحدةُ لعنَهمُ اللَّه: كيف عصمَهُ منهم وقد شجُّوه وأدمَوهُ وقصدوهُ وآذوهُ.
قلنا: وَعَدَهُ العِصمةَ مِنَ القَتْلِ، وقد حفظَهُ عن ذلك، فأمَّا سائرُ البلايا والمِحَن، فذلك ممَّا كان يَجري على سائرِ الأنبياء والأولياء، قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]،
_________________
(١) بعدها في (ف): "على".
(٢) في (ف): "والعتاق".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٥٧).
[ ٥ / ٤٣٩ ]
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "أشدُّ النَّاسِ بلاءًا لأنبياءُ، ثمَّ الأولياء، ثمَّ الأمثل فالأمثل" (^١).
وقال محمَّدُ بنُ كعب القرظي: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- يُحرَسُ باللَّيل، وكان يَخاف العدوَّ، فلمَّا نزلَت الآيةُ، ووَعَدَهُ اللَّه ذلك، ترك ذلك (^٢)، وكان الشجُّ وغيرُ ذلك قبل هذا.
وقال أنس: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- يُحرَسُ باللَّيل، حتَّى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ليلًا، فأخرجَ رسولُ اللَّه -ﷺ- رأسَه مِن قبَّة أدم، وقال: "انصرفوا أيُّها (^٣) النَّاس؛ فقد عصَمني اللَّه" (^٤).
وقيل: إنَّ رسول اللَّه -ﷺ- دعا اليهودَ إلى الإسلام، فأكثرَ الدَّعوةَ، فجعلوا يستهزؤون به ويقولون: تريدُ أنْ نتَّخِذَك حنانًا، كما اتَّخذتِ النَّصارى عيسى حنانًا، فسكتَ رسولُ اللَّه -ﷺ- تثبتًا، فنزلَتْ هذه الآيةُ في التَّحريض، فعاد إلى دعوتهم، وقال: "ما أُبالي مَن خذلَني ومن نصرني" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: لا يُرشدُ إلى الحقِّ أهلَ الكفر، ما داموا مختارين للكفرِ.
_________________
(١) رواه الترمذي في "سننه" (٢٣٩٨)، والنسائي في "الكبرى" (٧٤٣٩)، وابن ماجه (٤٠٢٣) من حديث سعد ﵁ دون قوله: "ثم الأولياء"، ورواه أحمد في "مسنده" (١٤٨١)، وفيه: "ثم الصالحون" بدل: "ثم الأولياء".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٧٠).
(٣) في (ف): "يا أيها".
(٤) أورد الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٩١) عن أنس: كان النبي -ﷺ- يحرس، وقالت عائشة: فكنت ذات ليلة إلى جنبه. . . فذكره مطولًا. ورواه البخاري (٢٨٨٥)، (٧٢٣١)، ومسلم (٢٤١٠) من طريق عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة عن عائشة ﵂.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٩١ - ٤٩٢)، و"تفسير أبي الليث" (١/ ٤٤٩).
[ ٥ / ٤٤٠ ]
(٦٨) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾؛ أي: من الدِّين الحق، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: حتَّى تَعملوا بجميعِ هذه الكتب على الاستقامةِ والدَّوام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾؛ قد ذكرنا أنَّ إضافةَ زيادةِ (^١) الكفر والطُّغيان إلى نزولِ القرآن بطريقِ التَّسبيب.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: لا تَحزن على أنْ لم يدخلوا في دينِك، ولم يَصيروا مِن أتباعِك، فليسوا ممَّن يُتأسَّفُ بفوتهم، وهو كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].
وقيل: معناه: لا تَحزن بنزولِ العذابِ عليهم؟ فإنَّهم كفارٌ، ليسوا منك ولستَ منهم.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذا في الحقيقة تنبيهٌ للكلِّ أنَّه لا قدرَ لأحدٍ ولا لعملٍ، إلَّا بمراعاةِ الأمرِ والنهي، والمحاماةِ على أحكام الشَّرع (^٢).
* * *
(٦٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
_________________
(١) لفظ: "زيادة" ليس في (ف).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣٩).
[ ٥ / ٤٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فسَّرنا الآيةَ في سورةِ البقرة (^١)، ولمَّا ذكر وعيدَ الكافرين في الآية الأولى، ذكر وعدَ المؤمنين في هذه الآية.
ثمَّ قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ رفعَهُ مع تقدُّم الكلمة (^٢) الناصبة، وهي ﴿إِنَّ﴾ كَثُرَت فيه الأقاويل، وأوضحُها قولُ الكسائيِّ والفرَّاء والمبرِّد وجماعة: إنَّ قوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ محمولٌ على التَّأخير، مرفوعٌ بالابتداء، وتقديرُه: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا مَن آمنَ مِنهم باللَّه واليومِ الآخر وعملَ صالحًا، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصَّابئون والنَّصارى كذلك (^٣)، وهو كقول الشَّاعر:
وإلَّا فاعْلَموا أنَّا وأنتُم بُغاةٌ ما حَيينا في شِقاقِ (^٤)
وتقديره: فاعلموا أنَّا بغاةٌ ما حيينا في شقاقٍ، وأنتم كذلك، وأنشد الفرَّاء:
يا ليتَني وأنتِ يا لميسُ ببلدٍ ليسَ بهِ (^٥) أنيسُ (^٦)
_________________
(١) عند الآية (٦٢) منها.
(٢) بعدها في (ر): "السابقة".
(٣) كذا نسب المصنف هذا القول للكسائي والفراء والمبرد، والصواب أنه قول سيبويه في "كتابه" (٢/ ١٥٥ - ١٥٦)، ونسبه له مكي في "مشكل إعراب القرآن" (١/ ٢٣٣)، ونسبه الزجاج في "معاني القرآن" (٢/ ١٩٣)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٢/ ٢١٩) لسيبويه والخليل ونحاة البصرة. ومذهب الكسائي أنه معطوف على موضع اسم "إن" لأن الأصل فيه الرفع (وهو ما سيذكره المصنف قريبًا عن قطرب)، وقال الفراء مثل قوله، غير أنه ذكر أن هذا يجوز في النسق على مثل "الذين" والمضمر. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣١٠ - ٣١٢)، و"معاني القرآن" للزجاج، و"إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٣٢)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٣٢٢).
(٤) البيت لبشر بن أبي خازم، وهو في "ديوانه" (ص: ١٦٥)، و"الكتاب" (٢/ ١٥٦).
(٥) في (أ): "بها".
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣١١)، ولم ينسبه.
[ ٥ / ٤٤٢ ]
وأنشد المبرِّدُ:
يا ليتَني وهُما نَخلو بِمنزلَةٍ حتَّى يَرى بعضُنا بعضًا ونأتلِفُ (^١)
وقال قطرب: هو مرفوع عطفًا على قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومحلُّه رفع بالابتداء، و"إنَّ" نصبُها أضعفُ مِن نصبِ أخواتها، مثل: "كأنَّ" و"ليت" و"لعلَّ"، لأنها أحدثَت في الكلام معاني، وهي التَّشبيه والتَّرجي والتَّمنِّي، و"إنَّ" لم تُحدِث شيئًا، فيَجوزُ تركُ عملِها، وتصير كأنَّ ابتداءَ الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وعلى ذلك قولُ قائلِهم:
فمَنْ يكُ أَمْسى بالمدينةِ رَحْلُهُ فإنِّي وقيَّارٌ بها لغريبُ (^٢)
وقيل: هو عطفٌ على ضميرِ ﴿هَادُوا﴾، وتقديرُه: والذين هادوا هم والصَّابئون (^٣).
وقيل: هو رفعٌ على الذَّمِّ، وكما يُنصب على الذمِّ قطعًا عمَّا قبلَه مِن غير النَّصب، يجوزُ رفعُه أيضًا قطعًا عمَّا قبلهُ مِن غيرِ الرَّفع.
وقيل: لمَّا ضعُفَ عمل "إنَّ" فلم يَعمل في خبره لمَّا (^٤) بعُد (^٥)، لم تعمل في المعطوف عليه إذا بَعُدَ أيضًا.
_________________
(١) = والبيت لجران العود. انظر: "ديوانه" (ص: ٥٢)، و"خزانة الأدب" (١٠/ ١٨)، وذكره ثعلب في "مجالسه" (١/ ٢٦٢) دون نسبة.
(٢) أنشده الفراء أيضًا في "معاني القرآن" (١/ ٣١١) دون نسبة.
(٣) البيت لضابئ بن الحارث البُرْجُمي، وهو في "الكتاب" (١/ ٧٥)، و"الأصمعيات" (ص: ١٨٤)، و"خزانة الأدب" (١٠/ ٣١٢، ٣٢٠).
(٤) وهو منسوب للكسائي. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٩٢)، و"البحر المحيط" (٨/ ٣٢٢).
(٥) في (أ): "عما". وفي (ف): "أما".
(٦) في (أ): "عما بعد"، وفي (ف): "أتى بعده".
[ ٥ / ٤٤٣ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيَّن أنَّهم وإن اختلفت أحوالهم، فبعدما جمعَهم التَّوحيد، فلهمُ الأمانُ مِن الوعيدِ والفوزِ بالمزيد (^١).
* * *
(٧٠) - ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: في كتبِهم بالإيمانِ باللَّه وبجميعِ الأنبياء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾؛ أي: في تجديدِ هذا الميثاق.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: لا يوافِقُ أهواءَهم.
وقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾؛ أي: فريقًا كانوا يَقتلون، فإنَّه إخبار عن سَلَفَهم، وذاك ماضٍ، فدلَّ أنَّ "كانوا" مضمرٌ.
قال ابنُ كيسان: كان الأنبياء ضربين (^٢)؛ أصحاب كتبٍ وشرائع، لم يصلوا إلى قتلِهم، مثل: نوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى (^٣) وداود وسليمان، وأنبياء (^٤) لم يكن لهم كتبٌ وشرائع قتلوهم، مثل: زكريَّا ويحيى وغيرهما.
وبلغني أنَّهم قتلوا في يومٍ سبعين نبيًّا، وهذا نقضٌ مِنهم للميثاق والعهد، وقد أمرَ في ابتداءِ السُّورة بالوفاء بالعهدِ، ثمَّ ذمَّ في بقيَّةِ السُّورة النَّاقضين للعهد.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣٩).
(٢) بعدها في (ر): "ضرب".
(٣) قوله: "وعيسى" من (ر).
(٤) في (ف): "والذين".
[ ٥ / ٤٤٤ ]
(٧١) - ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ بالرَّفع، وتقديرُه: أنَّه لا يكونُ، والباقون بالنَّصب (^١). بأن يقول: أصرُّوا على الذُّنوب، وظنُوا لطولِ إمهالِ اللَّه إيَّاهم ألَّا يقع عليهم من اللَّه عقوبة، من قوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال قائلون: الفتنةُ: المحنة؛ أي: حسِبوا ألَّا تأتيَهم الرُّسلُ بامتحانِهم على خلافِ ما أحدَثوا بهوى أنفسِهم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾؛ أي: ألِفوا المعاصيَ، فصاروا لرَين القلوبِ عُميًا، فلا يُبصِرون قبحَها، وصمًّا، فلا يَسمعون وعظَ النَّاهي عنها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ثمَّ أرسلَ اللَّهُ رُسُلًا، فأجابوهُم، وتابوا للَّه، فقبِلَ اللَّهُ توبتَهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾؛ أي: ثمَّ امتدَّتِ المهلةُ، فعادوا إلى المعاصي، وألفوها، فصاروا كما كانوا عُميًا وصُمًّا، وهو كقولهم: حبُّك الشَّيءَ يعمي ويُصِمُّ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ جمعَ الفعلَ مع التَّقدُّم على الفاعل؛ لأنَّه فعلُ
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٠٠).
(٢) من قوله: "بأن يقول أصروا" إلخ لعل موضعها قبل ذكر قراءة أبي عمرو ومن معه.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٦١).
(٤) انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ٢٨٨).
[ ٥ / ٤٤٥ ]
قومٍ تَقدَّم ذِكرُهم (^١)، ثمَّ قولُه: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ تفسيرُ قدرِ فاعلِيهِ؛ كما في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، هذا تفسيرُ وصفِ فاعلِيه.
وقيل: هو على لغةِ بعض العرب، وهو جمعُ الفعلِ مع التقدُّم، يقولون: ذهبوا أصحابُك، قال الشاعر:
ألْفَيَتا عيناكَ عند القَفا أوْلَى فأوْلَى لكَ ذا واقِيَهْ (^٢)
وقال الزَّجَّاج: ﴿كَثِيرٌ﴾ خبرٌ لابتداءٍ محذوف؛ أي: العميُ والصُّمُّ كثيرٌ منهم (^٣).
ثمَّ إنَّما ذكرَ الكثيرَ لا الكلَّ؛ لأنَّ مِنهم مَن أبصر وسمع، فآمنَ وتبعَ ووفَّى بالعهد ولم يمتنع.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بأعمال الأسلاف والأخلاف، فيُجازِيهم على الاستحقاق في الوِفاقِ والخلاف.
وقال مجاهد: فـ ﴿تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تجاوزَ عنهم برفع البلاء (^٤).
وقيل: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ بعدَ موسى، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ على عهدِ عيسى، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بعد عيسى.
_________________
(١) بعدها في (ف): "ثم ذكرهم".
(٢) البيت لعمرو بن مِلْقَط من قصيدة له، ذكرها أبو زيد في "النوادر" (ص: ٦٢)، وعبد القادر البغدادي في "الخزانة" (٩/ ٢١) قال البغدادي: ألفيتا؛ أي: وجدتا، وقوله: أولى لك، كلمةُ وعيدٍ وتهديد، والواقية: مصدر بمعنى الوقاية. يصفُه بالهروب، ويقول: أنت ذو وقايةٍ مِن عينيك عند فرارك، تَحترِسُ بهما، ولكثرة تلفُّتِك إلى خلفك حينئذٍ، صارت عيناك كأنهما في قفاك.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٩٦).
(٤) في (أ): "البلايا".
[ ٥ / ٤٤٦ ]
وقال الحسن: ﴿وَحَسِبُوا﴾ ألَّا يُبتلَوا في الدِّين، ولا يُفرَضَ عليهم طاعةُ محمَّدٍ -ﷺ-، ﴿فَعَمُوا﴾ عن الدِّين، ﴿وَصَمُّوا﴾ فيه، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فاستنقذَهم بمحمَّدٍ -ﷺ-، فكذَّبوه (^١)، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (^٢) أقاموا على اليهوديَّةِ.
وقال مقاتل: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بلاءٌ وقحْطٌ، ﴿فَعَمُوا﴾ عن الحقِّ، فلم يُبصِروه، ﴿وَصَمُّوا﴾ فلم يسمعوهُ، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ رفعَ البلاءَ عنهم، فلم يَتوبوا، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ من قتلِ الأنبياءِ وتكذيب الرُّسُل (^٣).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: اغترُّوا بطولِ الإمهال، فأصرُّوا على قبيحِ الأعمال (^٤)، فلمَّا أخَذَتهم فجأةُ الانتقامِ، ونوائبُ الأيَّام، لم يَنفعهُم النَّدم، ولم يُثبِت لهم القدم (^٥).
* * *
(٧٢) - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قال الكلبيُّ: هو في نصارى بني نجران، وهو قولُ اليعقوبيَّة مِن النَّصارى أنَّ عيسى إلهٌ.
_________________
(١) قول الحسن: فاستنقذهم بمحمد فكذبوه. ذكره الواحدي في "التفسير البسيط" (٧/ ٤٧٩).
(٢) في (أ) و(ف): "فعموا" بدل: "ثم عموا".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٩٤).
(٤) في (ر): "الأفعال".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣٩).
[ ٥ / ٤٤٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾؛ أي: هو معترفٌ بأنَّه عبدُ اللَّه ورسولُه، وأنَّ اللَّهَ ربُّه وربُّ بني إسرائيل، ويقولُ لهم: لا تُشرِكوا باللَّه، ويَتوعَّدُهم عليه، وذلك: قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (^١)؛ أي: أحدًا مِن خلقِه، ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ وهو تحريمُ المنعِ، لا تَحريمُ التَّكليف كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾؛ أي: وما للمشركين أعوانٌ يمنعونَهم.
والظُّلم: الشِّركُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهو وضعُ الشَّيء غيرَ موضعِه.
* * *
(٧٣) - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ثم ذكر قول عامَّةِ النَّصارى، وذلك قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وذلك أنَّ النُّسطوريَّة واليعقوبيَّة (^٢) والمَلكانيَّة يقولون: المعبودُ واحدٌ بالجوهر، ثلاثةٌ بالأقنوم، والأقانيمُ ثلاثةٌ؛ الأبُ، والابنُ، وروحُ القدس، والابنُ: هو الكلمة، والرُّوح: الحياةُ وكلُّ ذلك إلهٌ واحدٌ، ولا يقولون: ثلاثةُ آلهة، وهي لازمةٌ لهم على قضيَّة مقالهم عقدًا، وإن امتنعوا عن إطلاقِه لفظًا، وهي مِن أشنعِ ضلالةٍ، وأقبحِ جهالةٍ، وأفسدِ مقالة.
_________________
(١) بعدها في (ف): "فقد حرم اللَّه عليه الجنة إنه من يشرك باللَّه".
(٢) "واليعقوبيَّة": سقط من (ف).
[ ٥ / ٤٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وهو إلهُ الخلقِ أجمعين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾؛ أي: إنْ لم يَرجِعوا عن هذا القول.
وقوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ليُصِيبنَّ الذين كفروا، ولم يقل: ليَمسنَّهم؛ لأنَّه لو قال ذلك، لخَصَّ الفريقَ الثانيَ به، والمرادُ به كلا الفريقين، فلذلك قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على العموم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن كفَّار النَّصارى، وهو زيادةُ تشديدٍ لهم بالتَّخصيص (^١) بهذا العذاب هاهنا، وإن كان كلُّ الكفَّار يَستحقُّونَه، وهو كقوله في آخر سورة الفتح: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، والكلامُ بدون هذه الكلمة تامٌّ؛ لأنَّه أرادَ به التَّخصيصَ بهذا الوعدِ المذكورين قبلَه والذين معه إلى آخره.
وقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قيل: في الدُّنيا، وقيل: في الآخرة، وقيل: فيهما جميعًا.
* * *
(٧٤) - ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: فليَتوبوا إلى اللَّه مِن هذه المقالات، وليُؤمنوا، وليَستغفروا اللَّه بألسنتِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغفرُ ذنوبَ التَّائبِ، ويَرحمُه، فلا يَردُّ توبتَه ولا يعذِّبُه.
_________________
(١) في (أ): "للتخصيص".
[ ٥ / ٤٤٩ ]
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: لم يُغلِق بابَ التَّوبة عليهم مع قبيح أقوالهم (^١)، وفسادِ عقائدهم وأعمالهم؛ تقويةً لأطماعِ المؤمنين وآمالهم (^٢).
* * *
(٧٥) - ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾؛ أي: ليس عيسى ﴿إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ يأتي بمثلِ ما أتى به أولئكَ مِن المعجزات، ولم يكن ما أتَوا به مِن الآياتِ مُخرِجًا لهم مِن العبوديَّة، مُثبِتًا لهم استحقاقَ الرُّبوبية، فكذلك عيسى، وكانت أمُّه صِدِّيقةً؛ أي: بَرَّةً تقيَّةً، صَدَقتْ في أعمالِها وأقوالِها وأحوالِها، وذلك لا يوجبُ لها أن تكون إلهًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾؛ أي: كانا يحتاجان إلى ما يُقيمُهما مِن الغذاءِ، وكانا يَجوعانِ وَيشبعان، ويكونُ مِنهما ما يكونُ ممَّن يأكلُ الطَّعام، وهو كنايةٌ عن قضاءِ الحاجةِ، فآثارُ الحدوثِ فيهما ظاهرةٌ، وحاجتُهما إلى ما يقيمُهما ماسَّةٌ، وهذا ممَّا لا يَتهيَّأ للنَّصارى دفعُه، فكيف تصحُّ دَعواهم فيما يَدَّعون.
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: تَدبَّر وأبصر بعينِ قلبِك كيف نوضِحُ لهم الدلائل؟!
_________________
(١) في (ف): "أفعالهم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٠).
[ ٥ / ٤٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: كيف يُصرَفون عن الحقِّ؟! وهذا تَعجيبٌ مِن اللَّه في ذهابِهم عن الفرقِ بين الرَّبِّ والمربوب.
* * *
(٧٦) - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: إذا كان المسيحُ وأمُّه يَحتاجان إلى ما يُقيمُهما، لم يَملِكا لأحدٍ ضرًّا ولا نفعًا إلَّا بإذن مالكِهما، كسائر المربوبين، فكيف يعبدان؟!
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ أي: يَسمعُ مقالاتِ (^١) النَّصارى، ويَعلمُ اعتقاداتِهم، فيُجازِيهم جزاء مثلهم، وهذا وعيد.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: تعليقُ القلبِ بدون الرَّبِّ في استدفاع الشَّرِّ واستجلابِ الخير: إمضاءُ الوقت بما لا يُجدِي، وإذهابُ العمرِ فيما لا يُغني؛ إذ المتفرِّدُ بالإيجادِ بريءٌ عن الأنداد (^٢).
* * *
(٧٧) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾؛ الغلوُّ:
_________________
(١) بعدها في (ف): "من".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤١).
[ ٥ / ٤٥١ ]
مجاوزةُ الحدِّ إلى الازدياد، وضِدُّه التَّقصير، وهو النُّقصان عن بلوغ الحدِّ، وكلاهما فاسدٌ (^١)، والحقُّ في الوقوفِ عند الحدِّ.
وهذا نهيٌ لليَهود والنَّصارى عن مجاوزةِ الحدِّ في عيسى؛ فإنَّ اليهودَ جاوزوا الحدَّ فيه، حيث نَسبوهُ إلى غيرِ رِشْدَةٍ، والنَّصارى جاوزوا (^٢) الحدَّ فيه، فاتَّخذوه إلهًا.
وقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾؛ أي: بغير الحقِّ، وهو الباطل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾؛ أي: أسلافَكم، ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: أحدَثوا هذه الأباطيلَ، فضلُّوا بها في أنفسِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾؛ أي: مِن الناس بدعوتِهم إيَّاهم إليها.
وقوله تعالى: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: ثَبتوا على (^٣) ذلك الضَّلال.
وقيل: الضَّلالُ الأوَّلُ هو في أصل المذهبِ عن طريقِ الحقِّ، والثاني: ضلالُهم في إضلالِ النَّاس، فإنَّه ضلالٌ، والرُّشدُ: هو الدَّعوةُ إلى الحقِّ دون الضَّلال، ولأنَّهم يُؤاخَذون بضلالِ غيرِهم؛ لأنَّهم هم الذين حملوهُم عليه، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقال: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
* * *
(٧٨) - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "فساد".
(٢) في (أ): "حاذروا".
(٣) في (أ): "عن".
[ ٥ / ٤٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قال ابن عباسٍ ﵄: لُعنوا في الزَّبورِ على لسان داود، وفي الإنجيلِ على لسان عيسى بن مريم (^١).
وقال الكلبيُّ ومجاهدٌ وقتادة: لُعِنوا على لسان داود، فصاروا قردةً، وهم أصحابُ السبت، ولعنوا على لسان عيسى فصاروا خنازير وهم أصحاب المائدة (^٢).
وإنَّما خصَّ داودَ وعيسى بالذِّكر؛ لأنَّ مَن قارب عهدَ موسى كانوا على الحقِّ، وإنَّما حدَثت هذه الضَّلالاتُ بعد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: ذلك اللَّعنُ والمسخُ لعصيانِهم أمرَ اللَّه، وعدوانِهم على خلقِ اللَّه.
* * *
(٧٩) - ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾؛ أي: كان لا يَنهى بغضُهم بعضًا عن الفعلِ القبيح الذي فَعلوه.
وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وهو كلمةُ ذمٍّ؛ أي: ما أسوأ تركَ الأمرِ بالمعروف والنَّهيِ عن المنكر.
ورويَ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "لمَّا وقعَ النَّقصُ مِن بني إسرائيل، جعلَ الرَّجلُ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٨٦ - ٥٨٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٨١ - ١١٨٢) (٦٦٦٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٨٧) عن مجاهد، ورواه عبد بن حميد وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" (٥/ ٣٩٩) عن قتادة.
[ ٥ / ٤٥٣ ]
مِنهم يَرى أخاهُ على الذَّنْبِ، فيَنهاهُ عنه، ولا يَمنعُه ذلكَ مِن أن يكون أكيلَهُ وشريبَهُ وجليسَهُ، فضربَ اللَّهُ قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، وأنزلَ فيهم القرآن: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى آخر الأربع آيات"، وكان رسولُ اللَّه -ﷺ- مُتَّكئًا، فاستوى قاعدًا (^١)، ثمَّ قال: "كلَّا والذي نفسي بيدِه، حتَّى تأخذوا على يدي الظَّالم، فتأطروهُ على الحقِّ أطرًا" (^٢)؛ أي: تَعطِفوه.
* * *
(٨٠) - ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ قيل: أي: مِن كلِّ أهلِ الكتاب، وقيل: مِن اليهودِ خاصَّةً، وهو أظهر.
وقوله تعالى: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: عَبدةَ الأوثان، وهذا لليهودِ خاصَّةً، وكان منهم منافقون يتولَّونَ أصنافَ المشركين لتَذبذبِهم.
وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: لبئس ما قدَّموا لأنفسِهم ذُخرًا لآخرتِهم.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ "أن" مع الفعل مصدرٌ، ومحلُّه رفعٌ، تقديرُه: لبئس ما قَدَّمت لهم أنفسُهم سَخَطُ اللَّه، وهو كقولك: بئس رجلًا زيدٌ (^٣).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "جالسًا".
(٢) رواه أبو داود (٤٣٣٦)، والترمذي (٣٠٤٨) من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وهو ضعيف لانقطاع في إسناده، فقد جاء الخبر من طريق أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه.
(٣) في (ف): "ارتد".
[ ٥ / ٤٥٤ ]
وقيل: هو نصب بفعلِ التَّقديم؛ أي: قدَّمَت لهم أنفسُهم سخطَ اللَّه.
وقيل: حُذِفت منه اللام، وتقديرُه: لأنْ سخِطَ اللَّهُ عليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾؛ أي: في جهنَّم، وهو ما قدمت لهم أنفسُهم.
* * *
(٨١) - ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: ولو كان هؤلاء اليهودُ يؤمنون باللَّه، وبموسى، وما أنزل إليه، وهو التوراة، ما اتَّخذوا المشركين أولياء؛ لاختلاف أديانهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ أي: كثيرٌ منهم مع كفرِهم متمرِّدون، منهمِكُون في المعاصي.
وقيل: معنى الآية: لو كان المنافقون يؤمنونَ باللَّه، وبمحمَّدٍ، وبما أنزل إليه؛ أي: القرآن، ما اتَّخذوا المشركين أولياء في السِّرِّ، وهم يدَّعون الإسلامَ في العلانية، ولكنَّ كثيرًا من المنافقين لا يُبالون بارتكابِ المعاصي.
وقيل: ولو كان هؤلاء المشركون يؤمنون باللَّهِ، وبمحمَّدٍ، ما اتَّخذوا هؤلاء المنافقين مِن اليهود أولياء.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: شرُّ خصال اللِّئامِ مطابقةُ مَنْ يُضادُّ الصَّديقَ مِن الأنام، فإذا كان سَخَطُ اللَّه في موالاة أعدائِه، فرحمتُه في معاداةِ أعدائه (^١).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٢).
[ ٥ / ٤٥٥ ]
(٨٢) - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾؛ أي: قَسَمًا إنَّك يا محمَّدُ تَجِدُ اليهودَ أشدَّ النَّاسِ عداوةً للمؤمنين على الإيمان؛ لأنَّ الغالبَ على اليهود قساوةُ القلوب، والإفراطُ في الحسَد، حتَّى خرجوا بذلك إلى تكذيبِ الأنبياءِ وقتلِهم، وقد قال النبيُّ -ﷺ-: "ما خلا يهوديٌّ بمسلم إلَّا همَّ بقتله" (^١)، وكذلك المشركون، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وهو تعجيبٌ مِن اليهود وبلوغِ تمرُّدِهم المبلغَ الذين ألِفوا البعداءَ، وتولَّوا الكفَّارَ أهلَ الأوثان، وبَعُدوا عن القُرباء إليهم، وهم النَّصارى، مع أنَّ الأصلَ أنَّ ذوي الأديان المختلفةِ يتَّحابون على الأديان، ويُعادونَ مَن لا يَرجِعُ إلى دينٍ، ألا ترى أنَّ المسلمين في ابتداء الإسلام كانوا يَتعصَّبون لأهلِ الكتاب من الرُّوم، والمشركون يَتعصَّبون للمجوس مِن فارس، إذ كان الرُّوم أهل كتابٍ، ولم يكن المجوسُ أهلَ كتابٍ كالمشركين، وكان يجبُ على هذا الأصل أنْ يكونَ أهلُ الكتابِ يَسمعون قولَ مُحمَّدٍ، ويَتديَّنون بما أمرَ به، وإنْ كان المشركون يُعرِضونَ عنه، فلمَّا وافقَ اليهودُ المشركين، عجَّب اللَّه المسلمين مِنهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ قيل: هو في عامَّة النَّصارى، ومعناه أنَّ الغالبَ مِن حال اليهود القساوةُ
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في "المجروحين": (٣/ ١٢٢) في ترجمة يحيى بن عبيد اللَّه بن موهب، قال ابن حبان: وكان من خيار عباد اللَّه، يروي عن أبيه ما لا أصل له. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": متروك.
[ ٥ / ٤٥٦ ]
والإصرارُ على ما هم عليه؛ إشفاقًا مِن زوالِ الرِّئاسةِ والمأكلة (^١)، فأيأسَ اللَّهُ المؤمنين من إيمانِهم والإجابةِ لدَعوتِهم، وكذلك المشركون فيهم الحسدُ والأَنَفَةُ وحَميَّةُ الجاهليَّةِ والنُّفوسُ الأبيَّة، فهم في الإجابة كاليهود، وحرَّضَهم على دعوة النَّصارى وبيَّن أنَّ الأغلبَ عليهم التَّرهُّبُ، ورفضُ الدُّنيا، وميلُهم إلى التَّخلِّي عنها، فقلوبُهم رقيقةٌ، وطبعُهم التَّواضُعُ، فالطمعُ في (^٢) انقيادِهم للإسلامِ أقوى.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قال ابنُ زيدٍ: القِسيسُ: العابدُ (^٣)، وكذلك القَسُّ، وتَعارفوا إطلاقَه على رؤوسِ العُبَّاد مِنهم، والرُّهبان جمعُ راهب، وهو الخائفُ مِن اللَّه، وهو كالرُّكبان؛ جمع راكب، والفرسان؛ جمع فارس، وقد يُطلَقُ على الواحد، ويُجمَعُ: على: رهابين، كالقُربان والقرابين، قال الشَّاعر:
لو عايَنَتْ رُهبانَ ديْرٍ في القُلَل لانْحدَرَ الرُّهبان يَمشي ونَزَلْ (^٤)
وقيل: القَسُ والقِسِّيس، كالشَّرِّ والشِّرير (^٥): العالمُ الواقفُ على الحقِّ، المُخبِرُ به النَّاس، من قولك: قسَّ الحديثَ؛ أي: نَشَرَهُ بين النَّاس، والرُّهبانُ أصحابُ الصَّوامع، فالأوَّلون أهلُ العِلم، والآخرون أهلُ العمل.
_________________
(١) في (ر): "والمكايدة".
(٢) في (أ) و(ف): "إلى".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٩٨).
(٤) وقع في هامش (ف): "يسعى ويصل". والرجز في "تفسير الطبري" (٨/ ٥٩٨ - ٥٩٩)، و"تهذيب اللغة" (٦/ ٢٩٠)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ١٠٠) دون نسبة.
(٥) بعدها في (ر): "وهو".
[ ٥ / ٤٥٧ ]
وعن سلمان ﵁ أنَّه قال: قرأتُ على النبيِّ -ﷺ-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾، فقال: (ذلك بأنَّ منهم صديقين) (^١).
وقال قتادة: الآيةُ في حقِّ مَن آمنَ منهم دون الجميع، قال: وكان أناسٌ مِن أهل الكتاب على شريعةِ ما جاء به عيسى، يُؤمِنون به، ويَنتمون (^٢) إليه، فلمَّا بعثَ اللَّهُ محمَّدًا صدَّقوهُ، وآمنوا به (^٣)، وكذلك القصَّةُ تَدلُّ على أنَّها للمؤمنين مِنهم على الخُصوص.
وقال مقاتلٌ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ متعبِّدين، ﴿وَرُهْبَانًا﴾ أصحاب الصَّوامع، ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان، نزلت الآيةُ في أربعين رجلًا من مُسلِمي أهلِ (^٤) الإنجيل، منهم اثنان وثلاثون (^٥) قَدِموا مِن أرض الحبشة مع جعفر، وثمانيةٌ مِن أهل الشَّام، منهم بَحيرى الرَّاهب، وأبرهة، وأشرف (^٦)، وإدريس، وتمَّام، وقسيم، ودريد، وأيمن، والقِسِّيسون الذين حلَقوا أوساطَ رؤوسهم؛ فإنَّهم لمَّا سَمِعوا القرآن من النبيِّ -ﷺ- قالوا: ما أشبهَ هذا بالذي (^٧) كنَّا نُحَدَّث مِن حديث عيسى،
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٩٨)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٨/ ١١٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٨٣) (٦٦٧٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦١٧٥)، وفي إسناده نصير (ويقال: نضير) بن زياد، قال الأزدي: منكر الحديث. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي (٥/ ٢٧).
(٢) في "تفسير الطبري"، و"الدر المنثور" (٥/ ٤٠٩): "وينتهون".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٩٧).
(٤) بعدها في (ر): "الكتاب وهو".
(٥) في (ر): "الاثنان وثلاثين الذين" بدل: "اثنان وثلاثون".
(٦) في (أ): "الأشرف"، وفي (ف): "والأشرف".
(٧) في (ف): "بالحديث الذي".
[ ٥ / ٤٥٨ ]
فبكوا، وصدَّقوا، فنزلَ فيهم قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ يعني: المهاجرين والأنصار (^١).
وقال سعيدُ بنُ جُبير: بعثَ النَّجاشيُّ وفدًا (^٢) من أصحابِه، فقرأ عليهم رسولُ اللَّه -ﷺ- القرآن، فأقرُّوا وأسلموا، وفيهم نزلَ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ثمَّ رجعوا إلى النَّجاشيِّ فأسلم (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا التأويلُ لا يصح؛ لأنَّه يَصيرُ حاصلُ الكلام أنَّ المؤمنَ أقربُ مودَّة للمؤمنين مِن الكفَّار، وذلك كلامٌ لا يُفيد معنًى (^٤)، لكنَّه على كلِّ اليهود، وكلِّ (^٥) النَّصارى، وقد مرَّ بيانُ حالِ كلِّ واحدٍ مِن الفريقين في الأصل.
أو على أهل عصر النَّبيِّ -ﷺ-، وكان يهودُ قريظةَ والنَّضير يُعلنون العداوةَ، ويُظاهِرون المشركين على قتال النَّبي -ﷺ-، حتَّى قاتلَهم رسول اللَّه -ﷺ- وأجلاهم، ويهودُ المدينة بايعوا أهلَ مكَّة على قتال رسول اللَّه -ﷺ-، ولم يذكر من النصارى شيء من ذلك، فلذلك كانوا كذلك.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- بمكَّة، فخاف على أصحابِه مِن المشركين، فبعث جعفرَ بنَ أبي طالب، وعثمانَ بن مظعون، وابنَ مسعودٍ في رهْطٍ مِن أصحابِه إلى النَّجاشيِّ ملك الحبشة، فلمَّا بلغَ ذلك المشركين،
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٣٩).
(٢) في (ف): "نفرًا".
(٣) رواه الطبرى في "تفسيره" (٨/ ٥٩٤).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٥٧٣).
(٥) في (ر): "وعلى كل".
[ ٥ / ٤٥٩ ]
بعثوا عمرَو بنَ العاص في رهْطٍ مِنهم، فسَبقوا إلى النَّجاشيِّ، وأتوهُ بهديَّةٍ مِن مكَّة، وقالوا له (^١): إنَّه قد خرجَ فينا رجلٌ سَفَّه عقولَ قريش وأحلامَها، زعمَ أنَّه نبيٌّ، وإنَّه بعثَ إليك رهطًا ليُفسِدوا قومَك عليك، فأحْبَبنا أنْ نأتيَك ونُخبرَك من هم (^٢)، فقال: إن جاؤوني نظرتُ فيما يَقولون.
فقدمَ أصحابُ النَّبيِّ -ﷺ-، فأتوا باب النَّجاشيَّ، فقالوا: يستأذِنُ عليك حزبُ اللَّه، فقال: ائذنوا لهم، فمرحبًا بحزب اللَّه، فلمَّا دخلوا عليه قال جعفر: السَّلامُ على مَن اتَّبعَ الهُدى، وخشي عواقبَ الرَّدى، فقال له رهْطُ المشركين: أيُّها الملِكُ، إنَّا قد صدَقناك، وإنَّهم لم يُحيُّوك بتحيَّةِ الملك، فقال لهم: ما منعَكم أنْ تُحيُّوني بتَحيَّتي، فقالوا: إنا قد حييناك بتحيَّةِ أهل الجنَّة وتحيَّةِ الملائكة، فقال لهم: ما يَقولُ صاحبُكم في عيسى وأمِّه، قالوا: إنَّه يَقولُ: عبدُ اللَّه، وكلمةٌ مِن اللَّه ألقاها إلى مريم، ويقولُ في مريمَ: إنَّها العذراءُ الطَّيِّبةُ البَتول، فأخذَ عُودًا مِن الأرض، فقال: ما زادَ عيسى وأمُّه على ما قال صاحِبُكم فوق هذا العود، فكرهَ المشركون قولَه، وتَغيَّرت وجوهُهم، ثمَّ قال لأصحابِ رسول اللَّه -ﷺ-: هل تَعرفون شيئًا ممَّا أُنزِل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرؤوا فقرؤوا (^٣).
وفي بعض الروايات: قرأ جعفرُ من أوَّل سورة طه إلى قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]، فانحدَرت دموعُهم ممَّا عرفوا من الحقِّ، فذلك قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، يعنون: محمدًا وأمته (^٤).
_________________
(١) في (أ): "قالوا" بدل: "وقالوا له".
(٢) في (ف): "بأمرهم"، وفي "تفسير الطبري": "خبرهم" بدل "من هم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٩٥ - ٥٩٦).
(٤) ذكره بنحوه الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٦٦٩).
[ ٥ / ٤٦٠ ]
ورويَ أنَّ النَّجاشيَّ قال لهم: فهل في كتابِكم ذكرُ مريم؟ قالوا: إنَّ في كتابنا سورةً تُنسَبُ إلى مريم، قال: فاقرؤوها، فقرؤوا: ﴿كهيعص﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، فبكى النجاشيُّ، ثم قال: ما تقولون في إبراهيم؟ فقالوا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ فقال: صدقتُم، ما كانت اليهوديَّة والنَّصرانيَّةُ إلَّا بعد إبراهيم.
وفي حديث أمِّ سلمة: أنَّ أهلَ مكة بَعثوا عمرَو بن العاص وعبدَ اللَّه بنَ أبي ربيعة مع هدايا لكلِّ البطارقة، ولمَّا قدِموا قالوا للنجاشي: إن فتيةً (^١) منَّا سفهاءَ، فارقوا دينَ قومِهم، ولم يَدخلوا في دينِك، ودخلوا بلادَك، فرُدَّهم علينا (^٢)، فغضب وقال: لا لعَمر اللَّه (^٣)، لا أردُّهم إليهم حتَّى أدعوَهم فأكلِّمَهم (^٤)، قومٌ لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جِواري على جوارِ غيري؛ فإنْ كانوا كما يقولون، رددتُهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلكَ منعتُهم، فدَعاهم، فلما دَخلوا عليه، تكلَّم جعفرٌ، فقال له النَّجاشيُّ: ما هذا الدِّينُ الذي أنتم عليه؟ فارقتُم دينَ قومِكم، ولم تَدخلوا في يهوديَّة ولا نصرانيَّةٍ، فما هذا الدِّين؟ قال جعفر: أيُّها الملِك، كنَّا قومًا على الشِّركِ، نعبدُ الأوثانَ، ونأكلُ الميتةَ، ونسيءُ الجوارَ، ونَستحِلُّ المحارِمَ مِن سفكِ الدِّماءِ وغيرِها، فبعثَ اللَّهُ تعالى إلينا نبيًّا مِن أنفُسنا، نَعرِفُ وفاءَه وصدقَهُ وأمانتَهُ، فدعانا إلى أن نعبدَ اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، ونَصِلَ الرَّحِم، ونُحسِنَ الجوارَ، ونُصلِّي للَّه، ونصومَ له، ولا نعبدَ غيرَه، قال: فهل معك شيءٌ ممَّا جاء به؟ وقد دعا أساقفَتَهُ، فأمرَهُم
_________________
(١) في (أ) و(ر): "فئة".
(٢) في (ف): "إلينا".
(٣) في (ف): "واللَّه" بدل: "لعمرو اللَّه".
(٤) في (أ): "فأحكمهم".
[ ٥ / ٤٦١ ]
فنشروا المصاحفَ حولَه، فقال له جعفر: نعم، فقال: هلمَّ فاتْلُ عليَّ ما جاءَ به، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، فبكى واللَّه النَّجاشيُّ حتَّى اخضلَّتْ لحيتُه، وبكى أساقفَتُه حتَّى أخْضَلوا مصاحفَهم، ثمَّ قال: إنَّ هذا الكلامَ ليَخرجُ مِن المشكاةِ التي جاء بها عيسى (^١)، انْطلِقوا راشِدينَ، لا واللَّه، لا أردُّهم عليكم، ولا أنعمُكم عينًا، فخَرجوا من عنده.
وكان أتقى الرَّجلين (^٢) عبد اللَّه بن أبي ربيعة، فقال عمرو بن العاص: واللَّه لآتينَّهُ غدًا بما استأصِلُ به خضراءَهم، فلأُخبِرنَّه أنَّهم يَزعُمون أنَّ إلهه (^٣) الذي يعبدُ عيسى بنَ مريم عبدٌ، فقال له عبد اللَّه بن أبي ربيعة: لا تفعل؛ لأنَّهم وإنْ كانوا خالَفونا فإنَّ لهم رَحِمًا، ولهم حقًّا، فقال: واللَّه لأفعلنَّ.
فلمَّا كان الغدُ دخلَ عليه فقال: أيُّها الملك، إنَّهم يَقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسِلْ إليهم فسَلهُم عنه، فبعث إليهم، فدخلوا عليه وعنده بطارقتُه، فقال: ما تَقولون في عيسى بنِ مريم؟ فقال له جعفر: نقول: هو عبدُ اللَّه، ورسولُه، وكلمتُه، وروحُه ألقاها إلى مريم العذراء البَتول، فدلَّى النَّجاشيُّ يدَه إلى الأرض، فأخذ عويدًا بين أصبعيه، فقال: ما عدا عيسى بنُ مريم ما قلت هذا العويد (^٤)، فتناخرَت بطارقتُه، فقال: وإن تَناخرتُم واللَّه، اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي؛ مَن سَبَّكُم غَرِمَ، ثمَّ مَن سبَّكم غَرِمَ، ثمَّ مَن سبَّكم غَرِم، ما أحبُّ أنَّ لي ذهبًا [وأنِّي آذيتُ رجلًا منكم]،
_________________
(١) في (ف): "موسى وعيسى".
(٢) في (ف): "القوم".
(٣) في النسخ الخطية: "اللَّه"، والمثبت من "السير والمغازي" لابن إسحاق، و"دلائل النبوة" للبيهقي.
(٤) في (ف): "العود".
[ ٥ / ٤٦٢ ]
وواللَّه ما أخذَ اللَّهُ منَّي الرِّشوةَ حين (^١) ردَّ عليَّ ملكي، فآخذَ الرِّشوةَ فيه، ولا أطاعَ النَّاسَ فيّ، فأطيعَ النَّاسَ فيه، رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجةَ لي بها، واخرجا من بلادي، فخرجا وقد ردَّ عليهما ما جاءا به.
فأقمنا مع خير جارٍ، وفي خير دارٍ، فلم نَلبث أنْ خرجَ عليه رجلٌ مِن الحبشة يُنازِعُه في مُلكِه، فواللَّه ما علِمنا حَزنًا قطُّ كان أشدَّ منه؛ فَرقًا مِن أنْ يَظهرَ ذلك الملكُ عليه، فيأتيَ ملكٌ لا يَعرِفُ مِن حقِّنا ما كان يَعرِف، فجعَلنا نَدعو اللَّهَ تعالى، ونَستنصِرُه للنَّجاشيِّ، فخرجَ إليه سائرًا، فقال أصحابُ رسولِ اللَّه -ﷺ-: مَنْ رجلٌ يَخرُجُ فيَحضُرُ الوقعةَ حتَّى يَنظرَ على مَنْ تكون، فقال الزُّبير -وكان مِن أحدثِهم سنًا-: أنا، فنَفخوا له قِرْبةً، فجعلَها في صدرِه، ثمَّ خرجَ يَسبحُ عليها في النِّيل، حتَّى خرجَ مِن شِقِّه الآخرِ إلى حيث التقى النَّاس، فحضرَ الوقعةَ، فهزمَ اللَّهُ تعالى ذلك الملكَ، وقتلَهُ، وظهرَ النَّجاشيُّ عليه، فجاءنا الزُّبير، فقال: أبشِروا، فقد أظهرَ اللَّهُ النَّجاشيَّ، فواللَّه ما علمنا فرحنا (^٢) بشيءٍ قطُّ فرحَنا بظهورِ النَّجاشيِّ، ثمَّ خرجَ مَن خرجَ راجعًا إلى مكَّة، وأقامَ من أقام (^٣).
وقالت عائشةُ ﵂ في قول النَّجاشيِّ: ما أخذَ اللَّهُ منِّي الرِّشوةَ: إنَّ والدَ النَّجاشيِّ كان له أخٌ، وله مِن ولدِه من صُلبِه اثني عشر رجلًا، ولم يكن لوالدِ النَّجاشيِّ ولدٌ غيرُ النَّجاشيِّ، فأدارت الحبشةُ رأيَها بينها، فقالوا: لو أنَّا قتلنا أبا
_________________
(١) في (أ): "حتى".
(٢) في (ر) و(ف): "فرحًا" بدل: "فرحنا"، والمثبت من (أ)، وهو موافق لما في المصادر.
(٣) رواه ابن إسحاق في "السير والمغازي" (ص: ٢١٣ - ٢١٦)، وعنه ابن هشام في "السيرة النبوية" (١/ ٣٣٨ - ٣٣٤)، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أيضًا البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٣٠١ - ٣٠٤)، وما بين حاصرتين منها.
[ ٥ / ٤٦٣ ]
النَّجاشيِّ، وملَّكْنا أخاهُ؛ فإن له اثنَي عشر رجلًا (^١) مِن صُلبِه، [فيَتوارثوا المُلك، لبقيَتِ الحبشةُ عليهم دهرًا طويلًا] لا يكون بينها اختلاف، فعَدَوا عليه فقتلوه، وملَّكوا أخاه.
فدخلَ النَّجاشيُّ على عمِّه، حتَّى غلبَ عليه، فلم يُدبِّر أمرَهُ غيرُه، وكان لبيبًا، فلمَّا رأت الحبشةُ مكانَهُ مِن عمِّه قالوا: لقد غلبَ هذا الغلامُ على عمِّه، فلا نأمنُ أنْ يُمَلِّكَهُ علينا، وقد عرفَ أنَّا قد قتلنا أباهُ، فإنْ فعلَ لم يَدَع منَّا شريفًا إلَّا قتلَهُ، فكلَّموهُ فيه، فقالوا: لنَقتُلنَّه، أو لنُخرِجنَّه مِن بلادِنا، فمشَوا إلى عمِّه، وقالوا: لقد رأينا مكانَ هذا الفتى مِنك، وقد عرفتَ أنَّا قتلنا أباهُ، وجعلناك مكانَه، وإنَّا لا نأمنُ أنْ تُملِّكَهُ علينا، فيقتلَنا، فإمَّا أنْ تَقتلَه، وإمَّا أنْ تُخرِجَهُ مِن بلادِنا، فقال: ويحكم! قتلتُم أباهُ بالأمس، وأقتلُه اليوم؟! بل أخرجوهُ مِن بلادِكم، فخَرجوا به، فوقفوه (^٢) بالسُّوق، فباعوهُ مِن تاجرٍ مِن التُّجارِ يَقذِفُهُ في سفينةٍ (^٣) بستِّ مئةِ درهم أو سبع (^٤) مئة (^٥)، فانطلَقَ به، فلمّا كانت العشيُّ هاجَتْ سحابةٌ مِن سحابِ الخريف، فخرجَ عمُّه يَتمطَّرُ تحتَها، فأصابَتهُ صاعِقةٌ فقتَلتهُ، ففَزِعوا إلى ولدِه، فإذا هم مُحمِقون، ليس في أحدٍ منهم خيرٌ، فمرِجَ (^٦) على الحبشةِ أمرُهم، فقال بعضُهم لبعض: تَعلمون واللَّهِ أنَّ ملِككُم الذي لا يُصلِحُ أمرَكُم غيرُه للَّذي بعتموهُ، فإن كان لكم بأمرِ الحبشة حاجةٌ فأدركوهُ قبلَ أن يَذهبَ.
_________________
(١) في (ف): "ولدًا".
(٢) في (ف): "فاخرجوا به فأوقفوه".
(٣) في (ر) و(ف): "سفينته".
(٤) في (أ) و(ف): "تسع".
(٥) بعدها في (ر): "درهم".
(٦) يعني: اختلط. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: مرج).
[ ٥ / ٤٦٤ ]
فخَرجوا في طلبِه حتَّى أدركوه، فرَدُّوه، فعَقدوا عليه تاجَه، وأجلسوهُ على سريرِه، وملَّكوه، فقال التاجر: رُدُّوا عليَّ مالي كما أخذتُم منِّي غلامي، فقالوا: لا نُعطيكَ، فقال: إذًا واللَّه أكلِّمُه، فقالوا: وإنْ، فمَشى إليه فكلَّمَه (^١)، فقال: أيُّها الملِكُ، إنِّي ابتعتُ غلامًا، وقبضَ منِّي الذين باعوهُ ثمنَه، ثمَّ عدوا على غلامي، فنَزعوهُ مِن يدي، ولم يَردُّوا عليَّ مالي، فكان أوَّلَ ما خُبِرَ (^٢) مِن صلابةِ حكمِه (^٣) وعدلِه أن قال: لتَرُدُنَّ عليه مالَهُ، أو لتَجعلنَّ يدَ غلامِه في يدِه، فليَذهبنَّ به حيث يشاء، فقالوا: بل نُعطيهِ مالَهُ، فأعطَوهُ إيَّاه، فلذلك قال: ما أخذَ اللَّهُ منِّي الرِّشوةَ فآخذَ الرِّشوةَ منه حين ردَّ عليَّ ملكي، وما أطاعَ الناسَ فيَّ فأطيعَهم فيه (^٤).
* * *
(٨٣) - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال إسماعيل بن عبد الرحمن (^٥): بعثَ النَّجاشيُّ اثنَي عشر رجلًا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقرأ عليهم القرآنَ، فبكوا، وكان فيهم سبعةُ رهبانٍ وخمسةُ قسَّيسين، أو
_________________
(١) في (ف): "وإن كلمته لا نعطيك الثمن" بدل من "وإن، فمشى إليه فكلمه".
(٢) في (أ): "خير".
(٣) في (ر): "ملكه وحكمه".
(٤) رواه ابن إسحاق في "السير والمغازي" (ص: ٢١٦ - ٢١٧)، وعنه ابن هشام في "السيرة النبوية" (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أيضًا البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٦)، وما بين حاصرتين منها.
(٥) هو السدي.
[ ٥ / ٤٦٥ ]
خمسةُ رهبانٍ وسبعةُ قِسِّيسين، ففيهم نزلَت هذه الآيةُ (^١).
وقوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ﴾ خطابٌ للنَّبيِّ -ﷺ-، وقوله: ﴿تَفِيضُ﴾؛ أي: تَسيلُ، والدَّمعُ: ماءُ العين، والمدامِع: مجاري ماءِ العين، وقد رَوينا أنَّ هذا في النَّجاشيِّ وأصحابِه حيث (^٢) سمعوا بالحبشة قراءةَ جعفرٍ فبكوا، فعلى هذا يكونُ قوله: ﴿تَرَى﴾ خطابًا لرسول اللَّه -ﷺ-، على تقدير: لو أنَّك كنتَ معهم لرأيتَ ذلك، أو يكون ﴿تَرَى﴾ بمعنى: تعلمُ وتتيقَّنُ بذلك بإخبارِ اللَّه تعالى إيَّاك به.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ بكوا حين عرفوا الحقَّ لمعنيين؛ إمَّا فرحًا بنَيلِ الإيمان، وإمَّا خوفًا مِن اللَّهِ تعالى بتأخيرِ الإيمان إلى الآن.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾؛ أي: آمنَّا يا ربَّنا بك وبرسولِك وبكتابِك.
وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: اكتبنا مع محمَّدٍ وأمَّته؛ الذين جعلتَهُم يومَ القيامة شُهداءَ على النَّاس، نَشهدُ بمثل ما يَشهدون به يوم القيامة؛ أنَّه قد بلَّغَ وأنَّ الأنبياءَ قد بلَّغوا (^٣).
وقيل: أي (^٤): شهِدنا بأنَّه الحقُّ، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ بهذه الشَّهادةِ؛ أي: ألحِقنا بهم، واجعلْ أسماءَنا في صحفِ ملائكتكَ مع أسمائِهم.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٩٦، ٦٠١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٨٤) (٦٦٧٥).
(٢) في (ف): "حين".
(٣) وقع بعده في (أ): "وقيل: أي نشهد"، والأثر رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٠٣ - ٦٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٨٥) (٦٦٨٢).
(٤) بعدها في (ف): "قد".
[ ٥ / ٤٦٦ ]
(٨٤) - ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾.
وقيل: معناه: ألحقنا بالأنبياءِ الذين يَشهدون عندكَ بإيمانِ مَن آمنَ بهم، وكفرِ مَن كفر بهم، ثمَّ أظهروا مِن أنفسِهم الاستبصارَ في دينهم، قطعًا لأطماعِ الكفَّار في رجوعِهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أي: وبما جاءَنا؛ أي: أيُّ عذرٍ لنا في تركِ الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: مع أنَّا نرجو أنْ يُدخِلَنا اللَّهُ جنَّته مع (^١) الصَّالحين لذلك، وقيل: أي: الصَّالحين في أنفسِهم، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم أمَّةُ محمَّدٍ -ﷺ- في هذه الآية، وعلى هذا ذكر الجنَّةِ مضمَرٌ.
وقيل: لا إضمار، ومعنى قوله: ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: يُدخِلَنا في جملتهم.
* * *
(٨٥) - ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: جزاؤهم بما قالوا من كلمةِ التَّوحيد، مع ما كان لهم مِن الاعتقاد، وذلك مذكورٌ في قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، ولا مُتَعلَّق للكرَّامية بظاهرِ قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ في (^٢) أنَّ الإيمانَ بمجرَّد القولِ، فقد قلنا: إنَّه كان مع المعرفة
_________________
(١) في (ر): "الجنة أي مع" بدل: "جنته مع القوم".
(٢) في (ر): "من".
[ ٥ / ٤٦٧ ]
والاعتقاد، ويَدُلُّ عليه أنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، نفى الإيمان عنهم مع قولهم: ﴿آمَنَّا﴾؛ لعدم الاعتقادِ منهم.
* * *
(٨٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ هذا وعيدٌ للكافرين بعدما ذَكَرَ وعدَ المؤمنين.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هذا أثرُ الإعراضِ عن الأعداء، والأوَّلُ أثرُ الإقبالِ على الأولياء (^١).
* * *
(٨٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال الكلبيُّ: إنَّ أبا بكرٍ وعمر، وعليًّا، والمقدادَ بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وأبا ذر الغفاريَّ، وعبدَ اللَّه بنَ مسعود، وعبدَ اللَّه بن عمر، وسلمانَ الفارسيَّ، وعمَّار بن ياسر، وجماعةً ﵃ أجمعين، اجتمعوا في دار عثمان بنِ مظعون الجمحي، فذكروا القيامةَ، فرَقُّوا وبكوا، وحرَّموا على أنفسِهم الطيَّبات (^٢).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٤).
(٢) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٠١)، و"أسباب النزول" (ص: ١٩٨ - ١٩٩) من قول المفسرين مطولًا، ولم يذكر فيهما عمر ﵁، وذُكر معقل بن مقرن.
[ ٥ / ٤٦٨ ]
وفي روايةِ ابن عباسٍ ﵄: همَّت طائفة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: نَقطعُ مذاكيرنا، ونَتركُ شهواتِ الدُّنيا، ونَسيحُ في الأرضِ كما يَفعلُ الرُّهبان (^١).
وفي حديث عكرمة: تَبتَّلُوا وجَلسوا في بيوتِهم (^٢)، واعتَزلوا النِّساءَ، ولَبِسوا المسوحَ، وحرَّموا طيِّباتِ الطَّعام واللِّباس، وهمُّوا بالخصاء، وأجمَعوا على قيامِ اللَّيل وصيام النهار (^٣).
فبلغ (^٤) ذلك إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأتى عثمانَ في منزلِه، فلم يجدهم، فقال لامرأةِ عثمان -أم حكيم بنت أمية السُّلَميَّة-: "أحقٌّ ما بَلغني عن زوجكِ وأصحابِه"، قالت: ما هو؟ فأخبرَها به، فكَرِهت أنْ تَكذِبَ رسولَ اللَّه -ﷺ- حين سألَها، وكرهَتْ أن تُبديَ على زوجِها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إن كان أخبرك به عثمانُ فقد صَدَقك، فقال لها رسولُ اللَّه -ﷺ-: "قولي لزوجِك وأصحابِه: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- يَقولُ لكم: إنِّي آكلُ وأشربُ، وآكلُ اللَّحمَ والدَسم، وأنامُ وأُصلِّي، وآتي النِّساءَ، وأصومُ وأُفطِر، فمَن رغبَ عن سُنَّتي فليس مني" (^٥).
وفي رواية: جاء عثمانُ وأصحابُه، فقرأ عليهم هذه الآية، وقال: "إنَّ لأنفسِكم عليكم حقًّا، ولأهاليكم (^٦) عليكم حقًا؛ فصوموا وأفطروا، وقوموا وارقدوا"، ثمَّ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٦١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٨٧) (٦٦٨٩).
(٢) في (أ): "واجلسوا في بيوتكم" بدل: "وجلسوا في بيوتهم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٦١٢).
(٤) هنا رجع إلى تتمة الرواية الأولى.
(٥) انظر: "الهداية إلى بلوغ النهاية" لمكي (٣/ ١٨٤٦ - ١٨٤٧).
(٦) في (ف): "وإن لأهاليكم".
[ ٥ / ٤٦٩ ]
جمعَ النَّاس وخطبَهم وقال: "ما بالُ أقوامٍ حرَّموا النِّساء، والطِّيب، والطَّعام، والنَّوم، وشهواتِ الدُّنيا، أمَا إنِّي لست آمرُكم أنْ تكونوا رهبانًا وقسِّيسين، وليس في ديني تركُ اللَّحمِ والنِّساء، ولا اتِّخاذُ الصَّوامعِ، وإنَّ سياحةَ أمَّتي الصَّومُ، ورهبانيتَهم الجهادُ، اعبدوا اللَّهَ، ولا تُشرِكوا به شيئًا، وحُجُّوا واعتَمِروا، وأقيموا الصَّلاةَ، وآتوا الزَّكاةَ، وصوموا رمضان، واستقيموا، ولا تُشَدِّدوا على أنفسِكم؛ فإنَّما هلكَ مَن كان قبلَكم بالتَّشديد؛ شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّد اللَّهُ عليهم" (^١).
وقيل: لمَّا نزلَ ذِكرُ الرُّهبان والقِسِّيسين، ومَن صفتُهم التَّبتُّل وتركُ الشَّهوات، أحبُّوا أن يَقتدوا بهم، فنزلت الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: لا تَجاوزوا حدَّ الشَّرع؛ فإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن اعتدى حدودَه ونقضَ عهودَه.
وقيل: الآيةُ نزلَت في النَّهي عمَّا كان عليه بعضُ العرب مِن تحريم (^٢) البحيرة والسَّائبةِ والوصيلةِ والحامي وبعضِ الزُّروع.
* * *
(٨٨) - ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: اتَّقوا مخالفةَ أمرِه ونهيِه.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٠١)، ويشهد له ما في "صحيح البخاري" (٥٠٦٣) و"صحيح مسلم" (١٤٠١) من حديث أنس ﵁ من خبر الرهط الذين جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي -ﷺ- يسألون عن عبادته.
(٢) في (ف): "تعظيم".
[ ٥ / ٤٧٠ ]
وفيه دليلٌ أنَّ الإيمانَ لا يَزولُ بزوال التَّقوى، فقد أثبتَهُ اللَّه مع ذلك.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: من أمارات السَّعادةِ الوقوفُ على حدِّ الأمرِ؛ إن أباحَ الحقُّ شيئًا، قَبِلَ ذلك، وإنْ حظرَ وقفَ، ثمَّ أكلُ الحلالِ الطَّيِّبِ أنْ يَأكلَ ما يأكلُ على شهودِه؛ فإن نزلَت الحالةُ عن هذا، فعلى ذِكْرِه، فأمَّا الأكلُ على الغفلةِ، فليس بطيِّبٍ عند أهلِ الحقيقة (^١).
* * *
(٨٩) - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ولمَّا نزلت الآيةُ في حقِّ عثمانَ بنِ مظعون وأصحابِه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقد كانوا حلفوا؛ لا يَتنعَّمون، ولا يأتون الأهالي (^٢)، ولا يَلبَسون اللَّيِّن مِن الثياب ونحو ذلك، قالوا: يا رسولَ اللَّه، كيف بأيمانِنا التي حلفنا عليها؟ فنزلَت هذه الآية (^٣).
ووجهُ آخرُ للانتظام: أنَّ السُّورة في الوفاءِ بالعقود، والأيمانُ مِن العقود، واللَّغوُ اختُلِفَ فيه، وقد تكلَّمنا فيه في سورة البقرة (^٤).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٤).
(٢) في (ر): "النساء".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره (٨/ ٦١٦) عن ابن عباس ﵄.
(٤) عند تفسير الآية (٢٢٥).
[ ٥ / ٤٧١ ]
وقيل: المرادُ هاهنا إلغاءُ تلك الأيمانِ بالحنث (^١) فيها، عملًا بقول النبيِّ -ﷺ-: "من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ (^٢) ثم ليكفر يمينه" (^٣)، فأخبرَ بهذه الآيةِ أنَّهم إذا ألغَوها، وحنَثوا فيها، لم يُؤاخذوا بالإثمِ، وعليهم الكفارة.
وقالت عائشةُ ﵂: اللَّغو: هو ما يَجري في كلام الناس: لا واللَّه، وبلى واللَّه (^٤)، ولا كفارةَ فيه. وبه أخذ الشافعيُّ ﵀ (^٥).
وقال أبو هريرة وابنُ عبَّاس ويحيى بنُ سعيد الأنصاري ومكحولٌ وجماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين رضوان اللَّه عليهم أجمعين: هو أنْ يَحلف على الشَّيء يَراهُ من بعيد، فيَظنُّ أنَّه كذا، فيقول: واللَّه إنَّه كذا، فإذا هو خلافه (^٦)، فلا مؤاخذةَ في هذا بإثمٍ ولا كفارةٍ، وبه أخذ أصحابُنا ﵏ (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ قرأ ابنُ كثير، ونافعٌ، وأبو عمرو، وعاصمٌ في رواية حفص؛ بالتَّشديد: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾.
وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (^٨)، وعاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد (^٩) بالتخفيف.
_________________
(١) في (أ): "في الحنث".
(٢) بعدها في (أ): "له".
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" (١٦٥٠): (١٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (٦٦٦٣).
(٥) انظر: "الأم" للشافعي (٨/ ١٥٥).
(٦) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٩ - ٢٠، ٢٥)، ووقع في (أ): "ليس هو كذا" بدل: "هو خلافه".
(٧) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٨/ ١٢٩).
(٨) قوله: "وخلف" من (ف).
(٩) قوله: "وحماد" من (ف).
[ ٥ / ٤٧٢ ]
وقرأ ابنُ عامر في رواية ابن ذكوان (^١): ﴿عاقدتم﴾ بالألف (^٢).
و"ما" مع الفعل مصدرٌ، وتقديره: بعقدِكمُ الأيمان، وهو اليمينُ على أمرٍ في المستقبل، نفيًا أو إثباتًا: ليفعلنَّ كذا، أو لا يفعلُ كذا؛ لأنَّ العقدَ ضِدُّ الحَلِّ، واليمينُ في المستقبل هي التي تَقبلُ الحلَّ، فهي التي يَتحقَّقُ فيها العقدُ. وعلى هذا: لا كفارةَ في اليمينِ الغموس عندنا، وهي اليمينُ الكاذبة في الماضي؛ لأنَّها غير معقودة (^٣)، وعند الشافعيِّ ﵀: العقدُ: هو القَصدُ بالقلبِ، واليمينُ الغَموس مقصودةٌ بالقلب، فكانت معقودةً، فكانت الكفَّارة فيها مشروعةً (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ الهاءُ كنايةٌ عن قوله: "ما" في قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ هو أنْ يُغَدِّيَهم ويعشِّيهم، ويجوزُ أنْ يُعطيَهُم بطريقِ التَّمليك، وهو لكلِّ واحدٍ منهم نصفُ صاعٍ مِن حنطة، أو صاعٌ مِن شعيرٍ (^٥)، أو صاعٌ من تمر، وعند الشافعيِّ ﵀: مدٌّ مِن حنطة (^٦).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ هم مَن في عياله مِن الزَّوجةِ والأولاد والخَدَم، والأوسَطُ: بين الجيِّد والرَّديء، وبين الإسرافِ والتَّقتير، وبين
_________________
(١) قوله: "في رواية ابن زكوان" من (ف).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٠٠)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٤٨٥) و"النشر" للجزري (٢/ ٢٥٥).
(٣) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٨/ ١٢٧).
(٤) انظر: "نهاية المطلب" للجويني (١٨/ ٣٠٤).
(٥) انظر: "اللباب في شرح الكتاب" للغنيمي (ص: ٦٠٣).
(٦) انظر: "منهاج الطالبين" (ص: ٥٤٥).
[ ٥ / ٤٧٣ ]
المرَّة والثلاث؛ يعني: المرتين، والأوسَطُ: الأعدل، قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]؛ أي: أعدلُهم، وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: عدولًا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ هو مصدرٌ، ومعناها الإلباس، و﴿أَوْ﴾ للتَّخيير، وكذلك قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فيختار أيَّ الثلاثةِ شاء؛ مِن إطعامِ عشرةِ مساكين، أو إلباسُ عشرة مساكين كلَّ واحدٍ كسوةً تامَّةً، يجوز له فيها الصَّلاةُ، مِن إزارٍ ورداءٍ، أو قميصٍ وسراويل، وللمرأة ذلك مع خمار، أو اعتاقُ رقبةٍ كاملةٍ ليس بها نقصانُ عمى، أو قطعِ يدين أو رجلين ونحوهما، صغيرةً كانت أو كبيرةً، مسلمةً كانت أو كافرة.
وعند الشافعيِّ ﵀: لا يجوزُ إلَّا المؤمنة (^١)؛ استدلالًا بالرَّقَبةِ في قتل (^٢) الخطأ، وعندنا: هذا مطلقٌ، فيَجري على إطلاقه (^٣).
والمراد من الرَّقبة تمامُ البدن، ولكنَّ التَّحريرَ في معنى فكِّ الأسيرِ المغلولِ العنقِ، فلذلك ذكرَ الرَّقبة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: فمَن لم يَجِد أحدَ هذه الأشياء، فكفَّارتُه صيامُ ثلاثةِ أيَّام، وهي مطلقةٌ عند الشَّافعيِّ ﵀؛ إنْ شاءَ تابعَها، وإنْ شاءَ فرَّقَها؛ لإطلاق النَّص، وهي عندنا متتابعةٌ؛ لقراءة عبد اللَّه بن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (^٤)، وقراءَتُه بمنزلةِ روايتِه عن النبيِّ -ﷺ-، فقيَّدنا به المطلقَ.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي: ذلك المذكور.
_________________
(١) انظر: "الأم" للشافعي (٨/ ١٦٠).
(٢) في (ف): "قتيل".
(٣) انظر: "اللباب" للغنيمي (ص: ٦٠٢).
(٤) رواها الطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٥٢)، ورواها أيضًا عن أبي بن كعب ﵄.
[ ٥ / ٤٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وأضمر فيه: وحنثتم، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أضمر فيه: فأفطر، وأجمعوا أنَّه لا يَجِبُ التَّكفيرُ بنفس اليمين ما لم يَحنَث فيها، واختلفوا في جوازه، فأجازه الشافعيُّ بالمال (^١)، وأصحابُنا لم يجيزوا ذلك لا بالمال ولا بالصوم.
وقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قيل: أي: فلا تنسوها.
وقيل: أي: فلا تَحْنَثوا فيها.
وقيل: أي: فأقِلُّوا منها، واحفظوا أنفسَكم عنها، قال كثير عزة:
قليلُ الألايا حافِظٌ ليَمينه وإن بدرت منه الأليَّةُ برَّتِ (^٢)
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: كما بيَّنَ حكمَ اليمين، بيَّن سائرِ الأحكام؛ لتَشكروا نعمَهُ ببيانِ ما بكم إليه حاجةٌ.
وقيل: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ رفعِ الإثم بيمين اللَّغو، وكان الأوَّلون مأخوذين بها، وكذلك شرَعَ لكم التَّحليل بالكفَّارةِ في اليمين على ما يكونُ الخيرُ في غيرِه، وكذلك رفعَ إثمَ الحنثِ بالكفَّارة، ولم يكن ذلك للأوَّلين.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: اللَّغوُ عند أهل المعرفةِ: ما يَجري على ألسنتِهم في حال غلباتِ الوجد، مِن تجديد العهدِ، وتأكيدِ العقد، فيقول: وحقِّك، لا نظرتُ إلى سواك، ولا قلتُ بغيرِك، ولا حُلْتُ عن عهدِك، وهذا كلُّه عندَهم لغوٌ،
_________________
(١) انظر: "منهاج الطالبين" (ص: ٥٤٥).
(٢) البيت لكثير عزَّة، وهو في "نقائض جرير والأخطل" (ص: ٤٩)، و"ديوان كثير" (ص: ٣٢٥)، وفيهما: "سبقت" بدل: "بدرت". وسلف البيت عند تفسير الآية (٢٢٤) من سورة البقرة.
[ ٥ / ٤٧٥ ]
وعن (^١) شهودِ الأحدِيَّةِ سهوٌ، ومَن أنت في الرِّفعَة حتَّى تعدمن (^٢) نفسَك؟ وأين في الدِّيار ديَّار حتَّى تَقولَ بتركِه ووصله (^٣) أو هجره، كلَّا، بل هو اللَّه الواحدُ القهَّار.
وكما أنَّ الكفَّارة الشَّرعيَّةَ؛ إمَّا عتقٌ، وإمَّا إطعامٌ وإمَّا كسوةٌ؛ فإنْ لم تَستطِع فصيامُ ثلاثةِ أيَّام؛ فكفَّارتهم على موجبِ الإشارةِ؛ إمَّا بذلُ الرُّوح بحكمِ الوَجْدِ، أو بذلُ القلبِ بصحَّةِ القصدِ، أو بذلُ النَّفسِ بدوامِ الجهدِ؛ فإنْ عجزتَ فإمساكٌ وصيامٌ عن المناهي والآثام (^٤).
* * *
(٩٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ذكرَ أوَّلًا النَّهيَ عن تحريمِ الطيِّبات، ثمَّ نَهى في هذه الآية عن تناول غيرِ الطيِّبات (^٥)، ومنها الخمرُ، وقد ذكرنا تفسيرَها ومأخذَها والاختلافَ فيها في سورة البقرة (^٦).
وقال سعد بن أبي وقاص: نزلت فيَّ أربع آيات:
إحداها: أنِّي وجدتُ سيفًا يوم بدرٍ، فأخذتُه وأتيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- وقلتُ: نفِّلنيهِ
_________________
(١) في (ر): "وعند".
(٢) في "لطائف الإشارات": "تعدم" بدل: "تعدمن".
(٣) بعدها في (ف): "أو قربه".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٥).
(٥) قوله: "عن تناول غير الطيبات" ليس في (أ)، ومن قوله: "ثم نهى في هذه الآية" إلى هنا ليس في (ف).
(٦) عند تفسير الآية (٢١٩) منها.
[ ٥ / ٤٧٦ ]
يا رسول اللَّه، فقال: "ضعهُ حيث وجدتَه"، فأعدتُ السُّؤال، حتَّى فَعلتُ ذلك ثلاثًا، فنزل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١].
والثانية: كنت مريضًا، فعادَني رسولُ اللَّه -ﷺ-، فقلت: يا رسولَ اللَّه، أأوصي بجميع مالي؟ فقال: "لا"، فقلت: أأوصي بثلُثَي مالي؟ فقال: "لا"، فقلت: أأوصي بثلُثِ مالي؟ فسكتَ، فنزلَ قولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وهو الثُّلث.
والثالثة: قالتُ أمِّي: أليسَ قد أمرَ اللَّهُ تعالى ببِرِّ الوالدين، فواللَّه لا أَطعمُ طعامًا، ولا أشربُ شرابًا حتَّى أموتَ أو تكفر، فكنَّا إذا أردنا أن نُطعِمها أو نسقيها، شَجَرنا (^١) فاها بعصا، فأوجَرناها الطَّعامَ والشَّراب، فنزلت الآية قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ الآية (^٢) [لقمان: ١٤].
والرابعة: صنع رجلٌ مِن الأنصارِ طعامًا، فدعانا، فأتيناهُ فأكلناهُ، وشربنا الخمرَ حتَّى سَكِرنا، وأخذنا في الحديثِ، وتفاخرنا بالأحساب، فقالت الأنصارُ: نحن أفضلُ منكم، وقالت قريشٌ: نحن أفضلُ منكم، فأخذ رجلٌ مِن الأنصار بلَحْيِ جزورٍ، فضربَ أنفي ففَزَرَهُ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٣).
وقد ذكرنا ترتيبَ نزولِ آياتِ الخمرِ في سورة البقرة (^٤).
_________________
(١) في النسخ: "شجونا"، والمثبت هو الصوب، شجروا فاها؛ أي: أدخلوا في شَجْره عودًا حتى يفتحوه به. انظر: "النهاية" لابن الأثير (مادة: شجر).
(٢) في (ر) و(ف): ﴿حسنًا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ بدل قوله: "وهنا على وهن الآية".
(٣) رواه أحمد في "مسنده" (١٥٦٧)، ومسلم في "صحيحه" (٤/ ١٨٧٧ - ١٨٧٨) (١٧٤٨): (٤٣).
(٤) عند تفسير الآية (٢١٩) منها.
[ ٥ / ٤٧٧ ]
وقال أنس ﵁: كنت مع جماعةٍ؛ منهم أبو عبيدة بنُ الجرَّاح، وأبيُّ بنُ كعب، وسهيلُ بن بيضاء (^١)، وأبو دجانة، وغيرهم، في دار أبي طلحةَ الأنصاريِّ ﵃، وكنت أنا ساقيهم، وهم يَشربون الخمرَ، فمرَّ علينا رجلٌ، فقال: إنَّ الخمر قد حُرِّمت، فواللَّه ما توقَّفوا (^٢) حتَّى قالوا: أهْرِق ما في إنائكَ يا أنس، فأهرقتُه، ثمَّ ما عادوا فيها حتَّى لقوا اللَّه ﷿ (^٣).
ولمَّا نَزلت الآيةُ، وفي آخرها: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، قالوا: قد انتهينا، فقال النبيُّ -ﷺ- عند ذلك: "أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ قد حرَّمَ الخمرَ، فمَن كان عنده منها شيءٌ فلا يَبعْها ولا يَشربْها" (^٤).
وقال أنس ﵁: فأراقوها حتى كانت أنهار المدينة تجري بالخمر (^٥).
وقال أنس ﵁: قَدِمَت لحمزة روايا خمرٍ مِن الشَّام، فقيل له: أشعرتَ أنَّ اللَّهَ تعالى أنزلَ تحريمَ الخمرِ، قال: سمعًا وطاعةً، فقال النَّبيُّ -ﷺ- لأصحابه: "قوموا"، فقام أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ﵃، فدخلوا على حمزةَ، ومع رسول اللَّه -ﷺ- عَنَزَةٌ (^٦)، فقال النبيُّ -ﷺ-: "يا حمزةُ، أين الرَّوايا؟ " قال: هذه يا رسولَ اللَّه، قال: "خلِّني حتَّى أشقَّها"، قال حمزة: لا تَشقَّها، ودَعني أردها إلى الشَّام، فقال:
_________________
(١) في (أ) و(ر): "وسهيل البيضاء"، و(ف): "وسهل البيضاء"، والمثبت من المصادر، انظر ترجمة سهيل في "الاستيعاب" (٢/ ٦٦٧ - ٦٦٨).
(٢) في (أ): "توافقوا".
(٣) رواه أحمد في "المسند" (١٢٨٦٩)، وأصله عند البخاري (٤٦٢٠)، ومسلم (١٩٨٠).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٠١) (٦٧٧٠).
(٥) رواه البخاري (٤٦٢٠)، ومسلم (١٩٨٠) بلفظ: "فجرت في سكك المدينة".
(٦) العنزة: أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيه زجٌّ (يعني: حديدة) كزجِّ الرمح. "الصحاح": (عنز).
[ ٥ / ٤٧٨ ]
"لا، إنَّ اللَّهَ تعالى لعنَ حاملَ الخمرِ، وغارِسَها لا يَغرِسُها إلَّا للخمرِ، ولعنَ مُجتَنيها، وحاملَها إلى المعصرةِ، وعاصرَها، وشاربَها، وبائعَها، ومديرَها، وآكلَ ثمنِها" (^١).
وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾؛ أي: القِمار، وأصلُه الجَزور، وقد يَسَرَ الجزورَ (^٢)؛ أي: جزَّأَهُ أجزاءً، ثمَّ يُقالُ للضَّاربين بالقِداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون؛ لأنَّهم جازرون، ثمَّ يُقال للنرد: ميسِر؛ على التَّشبيه، أو لأنَّه قمارٌ كذلك.
وقال ابنُ عباس ﵄: الميسرُ: القِمارُ كلُّه، حتَّى لعبُ الصِّبيانِ بالجوزِ والكِعاب (^٣).
وفي "التأويلات": قال النَّبيُّ -ﷺ-: "اجتنبوا هذا الكِعابَ (^٤) الموسومةَ التي يُزجَرُ بها زَجْرًا؛ فإنَّها مِن الميسِر" (^٥).
_________________
(١) روى نحوه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢٠٦٩)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥١٨١) لكن من حديث ابن عمر ﵄، ولم يصرح فيه باسم حمزة ﵁. وفي إسناده محمد بن أبي حميد الأنصاري، وهو ضعيف، كما في "ميزان الاعتدال" (١/ ٥٤٢)، (٤/ ١٠٣)، وأبو توبة المصري، وهو مجهول، قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (٩/ ٣٤): وفي حديثه، عن ابن عمر في لعن شارب الخمر زيادةٌ منكرةٌ، فقال فيه: "ولعن غارسها"، والراوي عنه ضعيف. انتهى كلام الحافظ ﵀.
(٢) "وقد يسر الجزور": سقط من (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٧٤) من قول مجاهد وسعيد بن جبير. وأخرج عن ابن عباس ﵄ قال: الميسر: القمار، كان الرجلُ في الجاهليَّة يُخاطِر على أهله وماله، فأيُّهما قمرَ صاحبَه، ذهبَ بأهلِه ومالِه.
(٤) في (ف): "الكعبان".
(٥) أخرجه أحمد في "مسنده" (٤٢٦٣)، والطبراني كما في "مجمع الزوائد": (٨/ ١١٣)، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح. اهـ. وأخرجه موقوفًا على ابن =
[ ٥ / ٤٧٩ ]
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "مَن لعبَ بالنَّرد فقد عصى اللَّهَ ورسولَه" (^١).
وقال عليٌّ ﵁: لأنْ آخذَ جمرتَين مِن نارٍ، فأقلبَهما في يدي؛ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أقَلِّبَ كَعبتين (^٢).
وقال عليٌّ ﵁: الشَّطرنجُ مَيسِرُ الأعاجم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾؛ أي: الأصنام؛ لأنَّها كانت تُنصَبُ، فتُعبَدُ مِن دونِ اللَّه، وقد بيَّنَّا أصلَه في أوَّل هذه السُّورة (^٤).
وقولُه تعالى: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ جمع زلَم، وزلم بضمِّ الزَّاي وفتحِها.
قال صاحب "الغريبين": هي قِداحٌ كانت زُلِمَتْ؛ أي: سُوِّيَت، وأُخِذَ من حُروفِها، وكانت لقريشٍ وغيرِها، مكتوبٌ عليها الأمْرُ والنَّهيُ، وكانت تُجعَلُ في وعاءٍ، فإذا أرادَ الرَّجلُ سفرًا أو حاجةً، أدخلَ يدَهُ، فأخرجَ منها زلمًا؛ فإنْ خرج الآمِرُ مضى لطِيَّتِه (^٥)، وإن خرجَ النَّاهي كفَّ وانصرف (^٦).
_________________
(١) = مسعود عبدُ الرزاق في "تفسيره": (٢٥٧)، والطبري: (٣/ ٦٧١)، وابن أبي حاتم: (٤/ ١١٩٦) (٦٧٤٦) وغيرهم، وصحح الدارقطني في "العلل": (٥/ ٣١٥) الموقوف.
(٢) رواه أبو داود في "سننه" (٤٩٣٨)، وابن ماجه (٣٧٦٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) في (ر): "كعبين"، وفي (ف): "الكعبين" والأثر رواه ابن أبي شيبة (٢٦١٥٦).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٦٠٢)، والخبر رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٧٤).
(٥) عند تفسير الآية (٣).
(٦) أي: لنيته. انظر: "الصحاح" (مادة: طوى).
(٧) انظر: "الغريبين" للهروي (٣/ ٨٢٩) (مادة: زلم).
[ ٥ / ٤٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: نَجَسٌ.
وقيل: أي: مستقذَرٌ، ووحّدَ، وهو صفةُ الجمعِ؛ لأنَّه على صيغةِ المصدر.
وقيل: أي: قبيحٌ.
وقيل: أي: إثم.
وقيل: أي سببُ عذابٍ، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، قيل: هو اللَّعنةُ في الدُّنيا، والعذابُ في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: مما (^١) يزيِّنُه ويُحسِّنُه، مع قبحِ عاقبتِه، كما قال في قصة موسى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥]، يقول: هذه الأشياءُ ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: ممَّا ينبغي أن يُستقذَرَ ويُجتَنبَ، وهو ممَّا يَدعو إليه الشَّيطانُ ويُحسِّنُه في الحال، ويُخفي قبحَه في المآل.
وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾؛ أي: كونوا مِن هذا الرِّجسِ بجانب، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: على الرَّجاءِ للفوز والفلاح.
* * *
(٩١) - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ فـ ﴿الْعَدَاوَةَ﴾: ما يُفضي إلى التَّعدِّي بالفعل، و﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾: ما يَتمكَّن (^٢) مِن البُغض في القلبِ.
وقوله تعال: ﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ أي: في استعمالِهما.
_________________
(١) في (أ): "ما".
(٢) في (أ): "يمكن".
[ ٥ / ٤٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: يَمنعَكُم عن ذلك، فمِن إيقاع العداوةِ والبغضاء ما رَوينا في حديث سعد بن أبي وقَّاص وضَرْبِ الأنصاريِّ أنفَه (^١).
ورويَ أنَّ قبيلتين مِن الأنصارِ شَرِبوا حتَّى ثَمِلوا، فعبثَ بعضُهم ببعضٍ، فلمَّا أفاقوا رأوا الآثارَ في وجوهِهم ولحاهُم، فقال بعضُهم: لو لم يَكن لفلانٍ عليَّ ضغنٌ، لما فعل بي هذا، وقال آخرون: مثلَ ذلك، حتى كادَ يَهيجُ بينهم هَيْجٌ، فنَزلت الآيةُ (^٢).
وقال قتادة: كان الرَّجلُ في الجاهليَّةِ يُقامر على أهلِه وماله، فيبقى حزينًا (^٣) سليبًا، يَنظرُ إلى مالِهِ في يد غيرِه، فكان يَقعُ بينهم عداوةٌ وبغضاءُ، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: انتهوا، دلَّتِ الآية على تحريم الخمرِ قطعًا من عشرة أوجه:
أحدُها: أنَّه قرنَها بالميسِر، وذاك حرامٌ، فكذا ما قرنَ به.
والثَّاني: أنَّه قرنَها بالأنْصابِ، وهي كذلك.
والثَّالث: أنَّه قرنَها بالأزلام، وهي كذلك.
_________________
(١) سلف قريبًا عند تفسير الآية (٩٠) من هذه السورة.
(٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (١١٠٨٦)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٦٠ - ٦٦١) عن ابن عباس ﵄.
(٣) في (ف) و"ذم الملاهي" لابن أبي الدنيا، "تفسير الطبري"، و"الدر المنثور" (٥/ ٤٧٧): "حزينًا"، والمثبت من (أ) و(ر)، وهو الذي رجحه العلامة محمود شاكر -﵀- في تعليقه على "تفسير الطبري" (١٠/ ٥٧٣)، فقال: حرب الرجل ماله، فهو محروب وحريب: إذا أخذ حريبته، وهو ماله الذي يعيش به، وتركه بلا شيء.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (١١٣)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٦٢).
[ ٥ / ٤٨٢ ]
والرَّابع: أنَّه قال: ﴿رِجْسٌ﴾.
والخامس: أنَّه قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.
والسَّادس: أنَّه قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أمرٌ به وهو للإيجاب.
والسَّابع: أنَّه وعدَ الفلاحَ على ذلك، وإنَّما يُدرَكُ الفلاحُ باجتناب الحرام.
والثَّامن: أنَّه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ وما يُؤدِّي إلى ذلك فهو حرامٌ.
والتَّاسع: أنَّه يَصُدُّ عن ذكرِ اللَّه تعالى وعن الصَّلاة، وذلك حرامٌ.
والعاشر: أنَّه أمرَ بالانتهاء عن ذلك، وإنَّما يَجبُ الانتهاءُ عمَّا هو حرامٌ، ونظيرُ قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (^١) [الأنبياء: ٨٠]، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الخمرُ حرامٌ؛ لأنَّها تُزيلُ العقلَ، وتُورِدُ السُّكْرَ، ومَنْ سَكِرَ مِن خمرِ الغفلةِ فسُكرُه أصعبُ مِن سُكْرِ مَن شَرِبَ الخمرَ، وشربُ الخمرِ يُوجِبُ الحدَّ، وخمرُ الغفلةِ يُوجِبُ البُعدَ، ومَن سَكِرَ مِن الخمرِ فهو ممنوعٌ عن الصَّلاة، ومن سَكِرَ مِن الغفلةِ فهو محرومٌ عن الصِّلَات، وكما أنَّ السَّكرانَ لا يُقامُ عليه الحدُّ ما لم يفق، فالغافلُ لا يَنجعُ فيه الوَعْظُ ما لم يَنتبِه، وكما أنَّ الخمرَ سببُ كلِّ صغرٍ وذِلَّةٍ، فالغَفلةُ سببُ كلِّ بُعد وحَجْبةٍ (^٢).
* * *
_________________
(١) "قوله فهل أنتم": زيادة من (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٦).
[ ٥ / ٤٨٣ ]
(٩٢) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ أي: في تحريمِ الخَمْرِ والميسرِ ونحوِهما (^١)، ولا تُطيعوا الشَّيطانَ في شيءٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَاحْذَرُوا﴾؛ أي: عقابَهُ في مخالفتِه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كلَّما كان العبدُ أعْرَفَ بربَّه، كان أخْوَفَ مِن ربِّه، وإنَّما يَنتفي الحذرُ عن العبدِ عند تَحقُّقِ الوعدِ بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وذلك عند دخولِ الجنَّةِ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: قال: فإنْ أعرضتُم فقد قامَت عليكم الحُجَّةُ بإبلاع الرَّسولِ ذلك، وبَرئ الرَّسولُ عمَّا كان عليه، ولا يَملِكُ هو مِن أمرِكم (^٣) إلَّا التبليغُ الظَّاهر، ثمَّ الحكمُ للَّه في إثابة المطيعين ومعاقبة العاصين، فاحذَروا نزولَ عِقابه، وحلولَ عذابِه، وهو أبلغُ وعيدٍ وتهديد.
* * *
(٩٣) - ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾؛ أي: ذاقوا مِن الخمر، كما في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].
_________________
(١) في (ف): "وغيرهما"، وليست في (ر).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٧).
(٣) في (ف): "من أموركم" بدل من "هو من أمركم".
[ ٥ / ٤٨٤ ]
قال مقاتل: لمَّا نَزلَت الآيةُ في تحريمِ الخمر، قال حُيَيُّ بنُ أخطب: فما حالُ مَن ماتَ مِنكم وهم يَشربونها، فذكر المسلمون ذلك لرسولِ اللَّه -ﷺ-، وقالوا: إخواننا ماتوا وقتلوا وهم يشربونَها، فأنزل اللَّهُ هذه الآية (^١).
وقال ابنُ كيسان: لمَّا نزلَ تحريمُ الخمر، قال أبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁: يا رسول اللَّه، كيف بإخوانِنا الذين ماتوا وقد شَربوا الخمرَ، وأكلوا القمار؟ وكيف بالغائبين عنَّا في البلدان، لا يَشعرون أنَّ اللَّهَ تعالى حرَّم الخمرَ، وهم يَطعَمونها؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مِن الأموات والأحياء في البلدان إثمٌ ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ من الخمرِ والقِمار (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (^٣) ما حرَّم اللَّه عليهم سواهما، وقيل: اتَّقوا الشِّركَ، ﴿وَآمَنُوا﴾ باللَّه ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في إيمانهم، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ يعني: الأحياءَ في البلدان الخمرَ والقِمار إذا جاءَهم تحريمُها، ﴿وَآمَنُوا﴾ صدَّقوا بتحريمها، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما يُحرَّمُ عليهم بعد هذا بنصٍّ يَرِدُ في التحريم لبعض ما أُحِلَّ لهم، ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ فيما تعبَّدهم اللَّه به، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا معنى الأمر بالتَّقوى ثلاثًا في هذه الآية.
وقال بعضُ أهل المعرفة: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾؛ أي: الشِّركَ، ﴿آمَنُوا﴾ باللَّه وحدَهُ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ في أعمالِهم الصَّالحة عن شهودِ الخَلْق، ﴿وَآمَنُوا﴾ بأنَّ اللَّهَ يَعلمُ السِّرَّ والعلانيةَ، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ إعجابَ النَّفسِ؛ ليتحقق بذلك منهم الإحسان، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٠٢ - ٥٠٣).
(٢) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٥١٥).
(٣) بعدها في (ف): "وآمنوا أي اتقوا ".
[ ٥ / ٤٨٥ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: اتَّقى الشِّركَ فعرفَ، ثمَّ اتَّقى الحرامَ فانصرف، ثمَّ اتَّقى الشُّحَّ فآثرَ وما أسرفَ.
وقال: الأوَّلُ للعوامِّ؛ ﴿اتَّقَوْا﴾ الشِّركَ والمعاصي، ﴿وَآمَنُوا﴾ بأنَّ الأمرَ (^١) والنَّهي للَّه، والثاني للخواصِّ؛ ﴿اتَّقَوْا﴾ المنعَ، ﴿وَآمَنُوا﴾ بالخلف؛ أي: اللَّه يُخلِف (^٢)، والثَّالثُ: لأشرافِ الخواصِّ، ﴿اتَّقَوْا﴾ شهودَ الخلق، ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ العملَ للَّه، فالإحسانُ أنْ تَعبدَ اللَّه كأنَّك تَراه (^٣)، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أعمالًا، والمحسنين أحوالًا، والمحسنين آمالًا (^٤).
قال ابنُ جريج: إنَّ أبا عبيدة كان بالشام، فوجدَ أبا جندل بنَ سُهيل بنِ عمرو، وضرارَ بنَ الخطَّابِ المحاربيَّ، وأبا الأزور، وهم مِن أصحابِ رسولِ اللَّه -ﷺ- قد شَرِبوا الخمرَ، فقال أبو جندل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، فكتب أبو عبيدة إلى عمرَ: إنَّ أبا جندلٍ خاصَمني بهذه الآية، فكتب عمرُ: إنَّ الذي زَيَّن لأبي جندلٍ الخَطيئةَ هو الذي زيَّنَ له الخصومةَ، فاحددهم، فقال أبو الأزور: أتَحدُّنا؟! قال: نعم، قال: فدعْنا نَلقى العدوَّ غدًا، فإنْ قُتلنا فذاك، وإن رَجعنا إليك تَحدُّنا (^٥)، فلقوا العدوَّ، فاستُشهِدَ أبو الأزور، وحُدَّ الآخران، وكتب عمرُ إلى أبي جندل: إنَّ الذي زَّين لكَ الخطيئةَ، حظرَ عليك التَّوبةَ: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ
_________________
(١) في (ف): "بالأمر" بدل من "بأن الأمر".
(٢) قوله: "أي اللَّه يخلف" من (ف).
(٣) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم (٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧).
(٥) بعدها في (ر): "قال: نعم".
[ ٥ / ٤٨٦ ]
الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢] (^١).
* * *
(٩٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ لمَّا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ فقد أمرَهُم أنْ يَقتصِروا فيما يأكلونَه، أو لا يأكلونَهُ (^٢) على ما حَرَّمَ اللَّه تعالى وأحلَّ، ثمَّ بيَّن أنَّ مِن المحرَّماتِ: الخمرُ، والميسِرُ، وصيدُ البرِّ على المحرِم.
وقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾؛ أي: بالنَّهيِ عن الاصطياد، والبلوى والابتلاء: الاختبارُ، وهو مِن اللَّه تعالى لإظهار ما علمَ مِن العبدِ على ما علم، لا ليَعلمَ ما لم يَعلم، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ وهو للتبعيض فإنَّ المُحَرَّم هو صيْدُ البرِّ دون صيْدِ البحر، وصيْدُ الإحرامِ دون الإحلال، وصيْدُ الحرمِ دونَ الحِلِّ.
وقال الزَّجَّاج: ويجوزُ أن يكون للتَّجنيس، كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾؛ أي: تُصِيبُه.
وقال الكلبيُّ وغيرُه: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ البيضُ والفِراخُ وصغارُ الطَّير بغير سلاح،
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٧٠٧٨).
(٢) في (ف): "بكونه" بدل: "يأكلونه".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٠٦).
[ ٥ / ٤٨٧ ]
﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ جمع رُمْحِ، وكذا غيره من السِّلاح، وهو كبارُ الطَّيرِ التي لا تُؤخذُ إلا بحيلةٍ، ولا تُصابُ إلَّا بسلاح.
وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: ليعلمَ اللَّهُ خوفَ الخائف منه بالامتناعِ عن الاصطياد موجودًا، كما كان يَعلمُ قبل وجودِه أنَّه يُوجَد؛ ليُثيبَهُ على عملِه، لا على علمه فيه، وهو أيضًا يَقتضي ضدَّهُ؛ أي: وليظهرَ إقدامُ مَن لا يَخافُه على الاصطيادِ، فيعاقبَهُ على عملِه، لا على علمِهِ فيه.
وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: بالاستدلال، دونَ العلمِ الضَّروري الواقعِ بالعِيان ونحوِه، كما ذكر ذلك في الإيمانِ بالغيب، إذ لا خطرَ للإيمان ولا للخوفِ حالةَ العِيان.
وقيل: معناه: في حالة الغيبةِ عن النَّاس، وهو الخوفُ الحقيقيُّ دون ما يَظهرُ مِنه عند رؤيةِ النَّاس؛ فإنَّه يكون مُرَاءاةً لا حقيقة لها، كعمل المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: اصطادَ بعد هذا الابتلاء؛ وهو النهيُ والبيان.
وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: يُضْرَبُ على ظهرِه وبطنِه وتُنزَعُ ثيابُه (^١).
واسمُ العذابِ يَقع على الضَّرب في الدُّنيا، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وقال تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١].
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٠٤) (٦٧٩١).
[ ٥ / ٤٨٨ ]
وقيل: هو العذابُ في الآخرة مع الكفَّارةِ في الدُّنيا إذا لم يتب منه؛ لأنَّ الكفَّارةَ لا تَرفعُ الذَّنْبَ عن المُصِرِّ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ والكلبيُّ ومقاتلُ بنُ حيَّان: كان ذلك عام الحُديبية حين انطلقَ رسولُ اللَّه -ﷺ- معتمرًا، فكانَت الوحشُ والطَّيرُ والصَّيدُ تَغشاهُم في رِحالِهم، لم يَروها قطُّ كذلك فيما خلا، فنَهاهُم عن أخذِها وهم مُحرِمون (^١).
* * *
(٩٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ هو جمعُ حَرام، وهو الذي أحرمَ بحِجَّةٍ أو عمرةٍ، وهو أيضًا الذي دَخل الحرمَ، والنَّهيُ يَتناولُهما جميعًا، ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو للحال، نَهى عن قتل الصَّيدِ في هذه الحالة، وهو في الحقيقةِ نهيٌ عن التَّعرُّض للصَّيدِ بكلِّ وجهٍ.
وخصَّ القتلَ بالذِّكر؛ لأنَّه هو معظمُ المقصود في الاصطياد، وسمَّاهُ قتلًا لا ذبحًا؛ لبيان أنَّه وإنْ ذبحَهُ لم يَحِلَّ، كما لو قتَلَهُ، والصَّيدُ أصلُه مصدرٌ، والمرادُ به هاهنا المَصِيد؛ لأنَّ القتلَ إنَّما يكونُ فيه، والمرادُ مِن الصيدِ ما يُقصدُ اصطيادُه، فهو اسمٌ له قبلَ وقوعه فيه باعتبارِ العاقبة، ثمَّ هو اسمٌ للوحشيِّ الممتنعِ بقوائمِه أو جناحَيه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أوجبَ الجزاءَ في
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٠٤) (٦٧٨٩) عن مقاتل بن حيان.
[ ٥ / ٤٨٩ ]
قتلِ كلِّ صيدٍ، فيَدخلُ فيه عندنا ما يُؤكلُ لحمُه وما لا يُؤكَلُ لحمُه، إلَّا الخمسَ الفواسِقَ المستثناةَ في الخبر، وهو قوله -ﷺ-: "خمسٌ فواسقُ يُقتلن في الحلِّ والحَرَم؛ الحيَّةُ، والعقربُ، والفأرةُ، والحدأةُ، والكلبُ العقور" (^١)، ويُلْحَقُ بها ما ابتدَأ فعَدا على الآدميِّ، فقتلَهُ ذابًّا عن نفسِه.
وعند الشافعيِّ ﵀ عنه: إذا قتلَ صيدًا غير مأكول اللحمِ لم تَلزمهُ كفَّارتُه (^٢)، وحُجَّتُنا فيه: قوله -ﷺ-: "الضّبع صيدٌ، وفيه كبشٌ إذا قتلَهُ المحرِم" (^٣).
وإذا قتل الصيدَ متعمِّدًا، فعليهِ الجزاءُ بالنَّصِّ، فأمَّا إذا قتلَهُ مخطِئًا، فقد قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وعطاءٌ وسالمٌ والقاسمُ -وهو مذهب داودَ بنِ عليٍّ-: لا شيء عليه؛ لأنَّ النَّصَّ في المتعمِّدِ (^٤)، وقلنا: التَّنصيصُ لا يَدلُّ على التَّخصيص.
وقال الحسنُ ومجاهد: إنَّما يَجِبُ على مَنْ كان مُتعمِّدًا لقتلِ الصَّيدِ، ناسيًا لإحرامه (^٥)، ولو كان ذاكرًا لإحرامِه، فلا جزاءَ عليه في الدُّنيا، بل جزاؤهُ الانتقامُ في الآخرةِ؛ لآخرِ هذه الآية.
وقلنا: النَّصُّ مطلَقٌ، فإنْ كان في ناسي الإحرام فإنَّه في العمدِ يَدلُّ على الوجوبِ
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) من حديث عائشة ﵁.
(٢) انظر: "الأم" للشافعي (٣/ ٤٩٦).
(٣) رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٦٤٨)، والدارقطني في "سننه" (٢٥٤١)، والحاكم في "المستدرك" (١٦٦٣) من حديث جابر ﵁.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٥٢٩٥) عن ابن عباس. وذكره عنه وعن عطاء وسالم والقاسم الجصاصُ في "أحكام القرآن" له (٤/ ١٣٣)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٦١٨). وانظر: "المحلى" لابن حزم (٥/ ٢٣٤).
(٥) روى قولهما الطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٧٤ - ٦٧٦).
[ ٥ / ٤٩٠ ]
بالطَّريق الأَوْلى؛ لأنَّ الكفارةَ لرفعِ الإثم، والإثمُ في العمْدِ أكثرُ، ولا يَرِدُ عليه قتلُ العمدِ أنَّه لا كفَّارة فيه؛ لأنَّ الشَّرعَ أوجبَ القِصاص، وهو أغلظُ مِن الكفَّارة، ولا شيء هاهنا، فلا معنى لمنعِ (^١) وجوب الكفارة مع تَغلُّظِ الإثم.
وعن إبراهيم النَّخَعيِّ ومجاهدٍ وعطاء أنَّهم قالوا: عمده وخطؤه سواء (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرأ عاصمٌ والكسائيُّ وحمزةُ بالتَّنوين، و﴿مِثْلُ﴾ بالرَّفع. وقرأ الباقونَ على الإضافة؛ بحذف التَّنوين وخفض ﴿مثل﴾ (^٣).
واختلف الفقهاءُ في حكم هذه الآية، ويَختلفُ لذلك تفسيرُ الآية:
قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه: إذا قتلَ صيدًا مأكولَ اللحم قوَّمهُ عدلان لهما بصرٌ في المكان الذي أصابَهُ، ثمَّ الخِيارُ بعد ذلك إلى القاتل، فإنْ بلغَتْ قيمتُه هَديًا؛ فإنْ شاءَ اشترى بها هديًا، فذبحَهُ في الحَرَمِ، فتَصدَّقَ به على الفقراء، وإنْ شاءَ اشترى بها طعامًا فتصدق به على كل فقير بنصف صاع، وإن شاء صامَ مكان كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا، إن شاء متتابعًا وإن شاء متفرقًا (^٤).
وقال محمَّدٌ والشَّافعيُّ رحمهما اللَّه: الخيارُ فيه إلى الحكمَين؛ فإنْ شاءا حَكما عليه بالهَديِ، وإنْ شاءا بالطَّعام، وإنْ شاءا بالصِّيام (^٥)، فإنْ حَكما بالهَدي أوْجَبا مثلهُ
_________________
(١) في (أ): "لنفي".
(٢) هو قول الجمهور، ونسبه الجصاص في "أحكام القرآن" (٤/ ١٣٣) لعمر وعثمان، ورواية عن الحسن، وإبراهيم، وفقهاء الأمصار، ورواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٧٧) عن عطاء والزهري وسعيد بن جبير.
(٣) انظر: "السبعة" لابن المجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠).
(٤) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٤/ ٨٢ - ٨٤).
(٥) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٤/ ٨٤)، والصواب أن الشافعي قال: إن التخيير للمكفِّر. انظر: =
[ ٥ / ٤٩١ ]
خلقةً مِن النَّعم الأهليِّ، فيجبُ في حمارِ الوحشِ بقرةٌ، وفي النَّعامةِ جملٌ، وفي الظَّبي شاةٌ، وفي الأرنب عناقٌ أو جَدْيٌ، وفي اليَرْبوع جَفْرة (^١)، فإن لم يكن له مثلٌ صورةً، كالحمامةِ والطَّيرِ الآخرِ يُشترى بقيمتِه هديٌ، وإن حكما بالطَّعام أو الصَّوم -كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه- فصار الاختلافُ في موضعَين، فيمن له الخِيار، وفي معنى المثل، وعن عمر: أنه أوجبَ المثلَ صورةً، وجعل الخيارَ للحكمين.
وروي عن قَبيصةُ بنُ جابر: أنَّه أصاب ظبيًا وهو مُحْرِمٌ، فسألَ عمرَ ﵁، فشاورَ عبدَ الرَّحمن بنَ عوف، ثمَّ أمرَهُ أنْ يَذبحَ شاةً، فقال قَبيصةُ بنُ جابرٍ لصاحبِه: واللَّهِ ما عَلِمَ أميرُ المؤمنين حتَّى سألَ غيرَهُ، فأقبلَ عمرُ ﵁ يَضرِبُه بالدِّرَّةِ، ويقول: أتغْمَصُ (^٢) الفُتيا، وتَقتلُ الصَّيدَ وأنت محرم؟! قال اللَّه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فأنا عمرُ وهذا عبدُ الرَّحمن بنُ عوف (^٣).
ومذهبُ أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة اللَّه عليهما مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (^٤) وجماعةٍ مِن الصَّحابة والتَّابعين، وهو أوفقُ للأصول والمعقول؛ لأنَّ النَّصَّ أوجبَ المِثلَ، والمِثلُ المطلَقُ في الكتاب والسُّنَّة وإطلاقِ الأمَّة مقيَّدٌ بالصُّورة والمعنى، أو المعنى بلا صورة، فأمَّا الصُّورةُ بلا معنى، فلا، ولأنَّ التَّحكيمَ مع شرطِ العدالةِ لا يَليقُ بمعرفةِ الصُّورة التي لا تحتمِلُ الكذبَ، وإنَّما يَليقُ بمعرفةِ القيمة التي تَتفاوتُ، ولأنَّ القيمةَ مرادةٌ هاهنا في الذي لا مثلَ له صورةً بالإجماع، فلا يبقى غيرُها مرادًا؛ لأنَّ الاسمَ المشتركَ لا عمومَ له.
_________________
(١) = "الأم" (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠).
(٢) الجفرة من أولاد المعز. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: جفر).
(٣) الغمص: الاستصغار. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: غمص).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٩٠ - ٦٩١).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٦٨٣).
[ ٥ / ٤٩٢ ]
فإذا عُرِف هذا، فالتَّفسيرُ الصَّحيحُ على وَفْقِ هذا أن نقول: قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ بالتَّنوين؛ أي: فعليه جزاءٌ، وقوله تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ هو تفسيرُ الجزاء.
وأمَّا قِراءةُ الإضافة: فمعناه: فعليه جزاءُ مثلِ المقتول، وجزاءُ مثلِهِ وجزاءُ عينِه سواءٌ، والجزاءُ ما يعادلُ الشَّيء ويُقاوِمُه، وقوله تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾؛ أي: المقتول مِن النَّعم؛ فإنَّ الصُّيودَ نعمٌ وَحشيَّةٌ، كالنَّعم الأهلية، ولم يُرِد به أنَّ الواجبَ في الجزاءِ مِن النَّعم، كما قال محمَّد والشَّافعيُّ رحمهما اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أي: بالتَّقويم.
وقوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ نُصب بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾: أي: يُجزى هديًا، أو حُذف باؤه؛ أي: يُجزَى بهديٍ.
وقوله تعالى: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾؛ أي: الحرم، كما قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]؛ لأنَّ عينَ الكعبةِ ليس بمرادٍ (^١) بالإجماع؛ لأنَّها تُصانُ عن إراقةِ الدَّمِ فيها، فأُريدَ بها ما حولَها مِن الحَرَمِ الذي له حرمتُها.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ على الإضافة، وقرأ الباقون بالتَّنوين فيهما (^٢)، وهو عطفٌ على قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾؛ أي: فعليه كفَّارةٌ، وهو إطعامُ المساكينِ إنْ شاءَ على (^٣) ما فسَّرناه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ و﴿أَوْ﴾ للتَّخيير في هذه الأشياء الثَّلاثةِ، فيَختارُ أيَّها شاءَ.
والعَدلُ: المِثل.
_________________
(١) في (أ): "غير مرادة".
(٢) انظر: "السبعة" لابن المجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠).
(٣) بعدها في (ف): "غير".
[ ٥ / ٤٩٣ ]
وقال الفرَّاء: العَدْلُ بالفتح: ما عادلَ الشَّيءَ مِن غيرِ جنسِه، فيَدخلُ فيه الفداءُ والقيمةُ، وعدل الشيء بالكسر: مِثلُه مِن جنسِه، تقول: عندي غلامٌ عِدْلُ غلامِك، فإنْ أردْتَ قيمتَهُ مِن غيرِ جنسِه، فَتَحتَ العين (^١).
وقال أبو حاتم: العَدلُ بالفتحِ مصدرٌ، والعِدلُ بالكسرِ اسمٌ.
وقال الكسائيُّ: هما واحدٌ (^٢)، وقد قُرِئ بهما (^٣).
وقوله تعالى: ﴿صِيَامًا﴾ نصب على التَّفسير.
قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾؛ أي: تقَلَ ما جُوزيَ به في بدنِه أو مالِه، وأصلُ الوبال: هو ثقلُ الشَّيء المكروه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]؛ أي: شاقًّا ثقيلًا، ويقال: اسْتَوبَلتُ الطَّعامَ؛ أي: استثقلته، والوبيل: خشبةُ القَصَّار، والعصا الثقيلة.
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾؛ أي: في الجاهلية قبل النَّهي، وقيل: بالكفَّارة وقع العفو.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؛ أي: فاللَّهُ يَنتقمُ منه، ولذلك رفعَ ولم يجزم، مع أنَّه جزاء الشَّرط، ومعنى هذا الكلام عند سعيدِ بن جبير وعطاء: أي: مَن عادَ إلى قتلِ الصَّيد بعد ورودِ النَّهي، فاللَّهُ تعالى يُوجِبُ عليه الجزاءَ بهذه الأشياء (^٤)، ولا يَعفو عنه (^٥)، وسمَّاهُ انتقامًا كما سمَّاه وبالًا؛ لأنَّه شاقٌّ.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٢٠).
(٢) انظر قول الكسائي في "معاني القرآن" للنحاس (٢/ ٣٦٢).
(٣) نسبها ابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ٤١) للنبي -ﷺ- وابن عباس ﵁.
(٤) انظر قولهما في "تفسير الطبري" (٨/ ٧١٥).
(٥) بعدها في (ر): "شيئًا".
[ ٥ / ٤٩٤ ]
وقال داودُ بنُ علي: لا جزاءَ عليه في الثَّانية والثَّالثة؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أوعدَ عليها الانتقامَ، وهو عقوبةُ الآخرةِ لا غير.
وعند عامَّةِ العلماء: يجبُ فيه الجزاءُ؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾؛ فأمَّا الانتقامُ فقد بيَّنَّا أنَّه يَجوزُ أن يكون عبارةً عن الكفَّارة.
وتأويلٌ آخرُ ذكرَهُ عطاءٌ قال: كانوا يَستحِلُّونَ في الجاهليَّةِ قتلَ الصُّيود في حالةِ الإحرام، فقال اللَّه تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ في الجاهليَّة بالإسلام، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد الإسلام مستحلًّا، فاللَّهُ ﷿ يَنتقِمُ مِنه في الآخرة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾؛ أي: منيعٌ لا يُغالَبُ، منتقِمٌ ممَّن خالفَه لا يُعارَضُ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: حرَّمَ اللَّهُ تعالى الصَّيدَ على المُحرمِ الذي قصدَ زيارةَ البيتِ، والإشارةُ فيه أنَّ مَنْ قصد بيتَنا فيَنبغي أن يكونَ للصَّيدِ منه أمانٌ، ولا يَتأذَّى به حيوانٌ؛ فإنَّ البَرَّ مَن لا يُؤذي الذَّرَّ، ولا يُضمِرُ الشَّرَّ، وكما أنَّ الصَّيدَ حرامٌ على المحرمِ إلى أن يَتحلَّلَ، فكذلك الطَّلبُ والطَّمعُ والاختيارُ حرامٌ على العارفِ ما دام مُحْرِمًا بقلبِه، فإذا قَتلَ الصَّيدَ فعليه الكفَّارةُ، وإذا لاحظَ العارِفُ الأغيارَ، أو طمعَ في شيءٍ، أو اختار، لزمَتْهُ الكفَّارةُ، لكن لا يُكْتَفى منه بجزاءِ المثلِ، ولا بأضعافِ ما تَصرَّف فيه، لكنَّ كفَّارتَه تَجرُّدُه عن كلِّ خيرٍ؛ قلَّ أو كثُرَ، صغَر أو كبُر (^٢).
* * *
(٩٦) - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وهو ما يُولَد ويَنشأ في الماء، والبَطُّ والنُّحام (^٣)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٧١٣ - ٧١٤).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
(٣) في (ر) و(ف): "اللحام"، وهو تحريف. والنُّحام بضم النون طائر كالإوز. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: نحم).
[ ٥ / ٤٩٥ ]
لا يَدخلان فيه؛ لأنَّهما يُولدان في البرِّ، والبَحرُ لهما مرعى، كما هو للنَّاس متجر (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ﴾ رويَ عن أبي بكرٍ وعمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمر وقتادة رضي اللَّه عليهم: أنَّ الطَّعامَ ما قذفَهُ البحرُ (^٢).
ومِنهم مَنْ أحلَّ الطَّافي لظاهرِ هذا التَّفسير، ولا يَستقيمُ ذلك؛ فإنَّ الأحاديثَ وردَت في تَحريمِه، وهذا فيما قذفَ فماتَ بآفةٍ (^٣).
وعن ابن عباسٍ في روايةٍ أُخرى: الصَّيدُ هو الطَّريُّ منه (^٤)، والطَّعامُ هو المملَّحُ منه، ويَدلُّ عليه ما بعدَهُ، وهو قولُه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾؛ أي: للعيرِ وهم القومُ المسافرون، وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾؛ أي: متعةً ومنفعةً، والطَّري منه منفعةٌ للحاضرين، والمملَّحُ مِنه للمسافرين، ثمَّ هذا يَقعُ على السَّمك (^٥) خاصَّة.
وعند الشَّافعيِّ ﵀: كلُّ حيوانٍ في البحرِ فهو حلالٌ (^٦) لإطلاقِ هذا النصّ، ولما روى جابرُ بنُ عبد اللَّه قال: بعثَنا رسولُ اللَّه -ﷺ- في سريَّةٍ، وأمَّرَ علينا أبا عبيدة بنَ الجرَّاح، نَتلقَّى عِيرًا لقُريش، وزوَّدنا جِرابًا مِن تمرٍ، وكان أبو عبيدة ﵁ يُعطينا تمرةً تمرة، فكنَّا نَمَصُّها كما يَمَصُّ الصَّبيُّ، ثمَّ نشربُ عليها الماءَ، فيَكفينا يومًا إلى اللَّيل، فأصَبنا على ساحلِ البحرِ كهيئةِ الكثيبِ الضَّخم دابَّةً ميتةً تُدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: نحن رُسُل رسولِ اللَّه -ﷺ-، وفي سبيلِ اللَّه، وقد اضْطُررِتُم فكُلوا، فأَقمنا عليها شهرًا، ونحن ثلاث مئةٍ، حتَّى سمِنَّا، ولقد رأيتُنا نَغترِفُ مِنْ وَقبِ عينِها
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعل صوابها: "متجر".
(٢) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٨/ ٧٢٦ - ٧٣٠).
(٣) مذهب أبي حنيفة تحريم السمك الطافي. وانظر الخلاف حول ذلك في "تفسير القرطبي" (٨/ ٢١٠ - ٢١٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٧٢٣، ٧٣١).
(٥) في (ف): "المسافرين".
(٦) انظر: "روضة الطالبين" للنووي (٣/ ١٤٧).
[ ٥ / ٤٩٦ ]
بالقِلال الدُّهنَ، ونَقطعُ مِنها الفِدَرَ كالثَّور، ولقد أخذَ أبو عبيدة منَّا ثلاثةَ عشرَ رجلًا، فأقعدَهُم في وَقْبِ عينها، وأخذ ضِلْعًا من أضلاعِها، فأقامها، ثمَّ رَحَّل أعظمَ بعيرٍ لنا، فمرَّ تحتَها، فتَزوَّدنا مِن لحمها وشائق، فلمَّا قَدِمنا المدينةَ، أتينا رسولَ اللَّه -ﷺ-، فذكَرنا ذلك له، فقال: "هو رِزقٌ أخرجهُ اللَّهُ لكم، فهل معكم مِن لحمِها شيءٌ"، فأرسَلنا إلى رسولِ اللَّه -ﷺ- شيئًا مِنهُ، فأكله (^١).
وقلنا: هذا نوعٌ مِن السَّمك، وهو أنواع.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: حكمُ البحر بخلافِ حكم البرِّ، وإذا غَرِقَ العبدُ في بحارِ الحقائق، سقطَ حكمُه، فصيدُ البحرِ مباحٌ له؛ لأنَّه إذا غرقَ صار محوًا، فما دفع إليه ليس منه ولا به؛ إذ هو محوٌ في نفسه، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فمنهم مَن حملَهُ على لحمِ صيدِ البَرِّ مطلقًا حالةَ الإحرام، وإن لم يكن صادَهُ محرِمٌ، وعندنا هذا على الاصطياد والنَّهي عنه، فأمَّا ما صاده حلالٌ فلا بأسَ بأكلِه للمحرِم، وحديثُ أبي قتادة فيه مشهورٌ: قال جابرٌ ﵁: عقرَ أبو قتادةَ حمارَ وحشٍ، ونحن محرمون وهو حلال، فأكلنا معه، ومعنا رسولُ اللَّه -ﷺ- (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: إنَّ بني مدلج أتوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نَتكلَّفُ الصَّيدَ،
_________________
(١) رواه مسلم في "صحيحه" (١٩٣٥). والوقب: داخل عين الحوت. والقلال جمع قُلة، وهي الجرة الكبيرة التي يُقِلُّها الرجلُ بين يديه؛ أي: يَحملُها، والفِدَرُ: القطع. والوشائق: هو اللحم يؤخذ فيغلى إغلاء ولا ينضج، ويحمل في الأسفار. انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (١٣/ ٨٧ - ٨٨).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٤٩).
(٣) رواه من حديث جابر أبو عوانة في "مستخرجه" (٧٦٣٥)، وروى نحوه البخاري في "صحيحه" (١٨٢٢)، ومسلم (١١٩٦) من حديث أبي قتادة ﵁.
[ ٥ / ٤٩٧ ]
فنصطادُ مِن صيد البحر، وربَّما مدَّ البحرُ حتَّى يعلوَ الماءُ كلَّ شيءٍ، ثمَّ يَرجعُ، ويَبقى السَّمكُ بالأرضِ، ويذهبُ الماء عنه، فنصيبُه ميتًا فنأكلُه، فحلالٌ لنا أكله؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ما حسرَ عنهُ الماءُ وألقاه (^١).
ولفظة ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ يقول: منفعة لكم ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ المسافرين، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في الاصطياد في الحرم والإحرام، ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تُبعَثون فيَجزيكم بأعمالِكم.
* * *
(٩٧) - ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ لمَّا حرَّمَ الاصطيادَ في الحرم والإحرام، وكان ذلك لحرمةِ البيتِ الحرامِ، عقَّبهُ ذكرَه.
والكعبة سُمِّيَت بها لتكعُّبها؛ أي: لتربُّعِها، قاله مجاهدٌ وعكرمة رحمة اللَّه عليهما (^٢).
وقيل: لكُعوبها؛ أي: لنتوئها، من قولهم: جاريةٌ كاعِبٌ، إذا نتأَ ثدياها.
وقيل: لشرفها، مِن قولهم: أعلا اللَّهُ تعالى كعبَه؛ أي: شَرَفَهُ، وهو مِن كعب القناة، وهو أنبوبُها، وتكعُّبها (^٣): علوُّها وارتفاعُها.
وقوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ ترجمةٌ وبدلٌ عنها، والقِيامُ: العِماد والمِلَاكُ، وكذلك القِوام، وهو ما يَستقيمُ به الشَّيء.
_________________
(١) لم أقف عليه عن ابن عباس، وأورده القدوري في "التجريد" (١٢/ ٦٣٦٣) (٣١٣٧٤) من قول أبي السائب.
(٢) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥ - ٦).
(٣) في (أ) و(ر): "وبكعوبها".
[ ٥ / ٤٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ هذا جنسٌ أريدَ به الجمعُ، وهو الأربعةُ الأشهر الحُرُم؛ رجب، وذو القَعدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم.
وقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ فسَّرناهُما في أوَّلِ هذه السورة (^١)، يقول: ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾ في حكمِه وشرعِه على ألسنةِ أنبيائه ﴿الْكَعْبَةَ﴾ قِوامًا لأمورِ النَّاس، ونِظامًا لها، وكذلك جعل الأشهرَ الحُرُمَ والهديَ والقلائدَ التي تُوجَّه (^٢) إلى الكعبة، يأمنون بقصدِ الكعبةِ، ودخولِ هذه الأشهُر، وتوجيهِ الهدايا إلى مكَّة شرَّ كلِّ ذي شرٍّ.
ويَحتمِلُ قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾؛ أي: جَبَلَ القلوبَ على ذلك، وجمعَهُم عليه.
وقال مجاهد (^٣): جعلَها اللَّهُ ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ حين لا يَرجون جنَّةً، ولا يَخافون نارًا، وشدَّدَ اللَّهُ تعالى ذلك بالإسلام (^٤).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: قد عَلِمَ اللَّهُ تعالى في الأزلِ أنَّ العربَ يكونُ بينَهم سفكُ الدِّماء والتَّباغي، فجعلَ الكعبةَ مأمنًا؛ ليتوصَّلوا بها إلى إقامةِ معايشِهم ولا يَتفانوا (^٥).
* * *
(٩٨) - ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: لمَنْ كفرَ وعصى، وأزالَ
_________________
(١) عند تفسير الآية الثانية منها.
(٢) في (ر): "يوجه بها" بدل: "توجه".
(٣) في (ر): "مقاتل".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٨).
(٥) قوله: "ولا يتفانوا": ليس في (ف)، وفي (أ) مكانها: "ويتفانوا".
[ ٥ / ٤٩٩ ]
الأمْنَ عن النَّاس مع هذه المعاني الأربعةِ، واعتدى، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لمَن آمنَ واتَّقى، وحفِظ الحقوقَ وراعى.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ للخواصِّ إنْ زاغوا عن الشُّهودِ لحظةً، ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للعوامِّ إنْ رجَعوا إليه بتوبَةٍ وحسرة.
* * *
(٩٩) - ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؛ أي: تبليغُ الأمرِ والنَّهي، والوعدِ والوعيدِ، وليس عليه الحملُ على الطَّاعة جبرًا، والمنعُ عن المعصية كُرهًا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾؛ أي: بالألسنة، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: بالأفئدة.
وقيل: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ مِن الطَّاعة، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ من المعصية.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا ضررَ عليه في تركِ القومِ إجابتَه، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤].
قال: والآيةُ ردٌّ على مَن يقول: لا ينجع قول الواعظِ إذا لم يَعمَل بعلمِه، فإذا كان يَعملُ به ينجع قوله؛ فإنَّه ليس أحدٌ مِن الخلقِ أشدَّ استعمالًا للعلمِ مِن الأنبياء، ولم ينفع مواعظُهم في (^١) قومهم؛ لشؤمِهم ولشِدَّةِ تعنُّتِهم.
وقال في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: من المكر له (^٢)، والقصدِ إلى قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]، كلَّما همُّوا به،
_________________
(١) بعدها في (ر): "بعض".
(٢) في (ر) و(ف): "به".
[ ٥ / ٥٠٠ ]
أطلعَ اللَّهُ رسولَهُ عليه، وعصمَهُ، وردَّ كيدهم، وقال اللَّه تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] (^١).
* * *
(١٠٠) - ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ قال السُّدِّيُّ ﵀: أي: لا يَستوي المشرك والمؤمن (^٢).
ولمَّا أخبرَ أنَّه ﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، ذكرَ أنَّه لا يُسوِّي بين خبيثِهم وطيِّبِهم، بل يُميِّزُ بينهما، فيُعاقِبُ الخبيثَ، ويُثيبُ الطَّيِّبَ، وإن قلَّ الطَّيِّبُ، وكَثُر الخبيث، وذلك (^٣) قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾، وهو خطابٌ لكلِّ واحدٍ مِن المخاطَبين، ونهيٌ له عن أنْ يُعجَبَ بكثرةِ هؤلاء.
وقال الكلبيُّ وعطاء: أي: لا يَستوي الحرامُ والحلال (^٤).
وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾؛ يريد أنَّ أهلَ الدُّنيا يُعجِبُهم كثرةُ المال وزينةُ الدنيا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: العقولِ الخالصة.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: على رجاءِ الفوزِ بكلِّ مطلوبٍ، والأمنِ مِن كلِّ مرهوبٍ، والإطماعُ مِن اللَّه تحقيقٌ.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٦٣٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٢ - ١٣)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢١٦) (٦٨٧٠).
(٣) لفظ: "وذلك" ليس في (أ).
(٤) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٥٤١).
[ ٥ / ٥٠١ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿الْخَبِيثُ﴾: ما اكتسَبَهُ العبدُ حالةَ الغفلةِ عن الحقِّ، ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: ما اكتسبَهُ على شهودِ الحقِّ.
قال: ويُقال: ﴿الْخَبِيثِ﴾: ما لَم يُخرَج منه حقُّ اللَّهِ تعالى، ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: ما أُخرِج منه حقُّه.
قال: ويقال: ﴿الْخَبِيثِ﴾: ما ادَّخرتَهُ لنفسِكَ، ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: ما قدَّمته بأمرِ ربِّك (^١).
* * *
(١٠١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إنَّما لم يَصرِف (^٢) ﴿أَشْيَاءَ﴾، وإن صرَفْتَ: أحياء، وأكفاء، وأسماء؛ لأنَّ أصلَه أشْيياء، على وزن: أفعلاء.
وقالوا: كان أصلُ الواحدِ: شَيِيْء (^٣) على وزن فَعِيل، وجمعه أفعلاء، كالنَّصيب والأنصباء، ثمَّ حُذِفت الهمزةُ تخفيفًا، وبَقيَت غيرَ منصرفةٍ لأجلها، فأمَّا الأحياء ونحوها فهي على وزن (^٤): أفعال، وهي منصرفةٌ.
وفي نزول هذه الآية أقاويل، منها ما روى أبو هريرة وأنسُ بنُ مالكٍ ﵄ أنَّهم (^٥) سألوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، فأكثروا المسألةَ، فقامَ على المنبر فقال: "سلوني، فواللَّه لا تسألونني عن شيءٍ في مقامي هذا إلَّا لأحُدِّثنَكم (^٦) "، فأشفقَ أصحابُه أن يكون حدثَ أمر، فبكوا، فقام عبدُ اللَّه بنُ حذافةَ السَّهميُّ، وكان يُطعَنُ في نسبِه،
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٥٠).
(٢) بعدها في (ف): "عن".
(٣) في (ف): "أصلًا لواحد لشيء" بدل من "أصل الواحد شيء".
(٤) قوله: "على وزن" من (ف).
(٥) في النسخ الخطية: "أنهما"، والمثبت هو الصواب.
(٦) في (ف): "حدثتكم".
[ ٥ / ٥٠٢ ]
ويُدعَى إلى غيرِ أبيه، فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافةُ بنُ قيسٍ السَّهمي"، فأخبرَ أمَّه بذلك، فقالت: لقد عققتَني بسؤالِك هذا، فواللَّهِ ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك، أكنتَ تأمنُ أنْ تكونَ أمُّك قارفَت ما قارفَت بعض نساء الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس (^١)، فقال: ما كان يَطمئنُّ قلبي، فواللَّه لو ألحقَني رسولُ اللَّه -ﷺ- بعبدٍ حبشيٍّ للَحِقتُ به، وقام آخرُ فقال: أين والدي؟ فقال ﵊: "مع والدي في النار"، ولم يَزل يُسألُ حتَّى اشتدَّ غضبُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، وقام عمرُ فقال: رضينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ نبِيًّا، نعوذُ باللَّه مِن غضب اللَّه، وغضبِ رسول اللَّه. ثمَّ قال: يا رسولَ اللَّه، إنَّا قريب العهد بالجاهليَّةِ والشِّركِ، فاعفُ عنَّا، عفا اللَّه عنك، فلم يَزل يَقولُه حتَّى سُرِّيَ عن رسولِ اللَّه -ﷺ-، وسكنَ غضبُه، ونزلت هذه الآية (^٢).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وجماعةٌ: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان يَخطبُ ويُخبِر النَّاس بفرضية (^٣) الحجِّ، ويقرأ قولَهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقامَ رجلٌ مِن بني أسدٍ -وقيل: هو الأقرع بن حابس- وقال: يا رسولَ اللَّه أفي كلِّ عامٍ؟ فأعرضَ النَّبيُّ -ﷺ- بوجهِه، فأعادَ السُّؤالَ، فأعرضَ عنه بوجهِه، فأعادَ السُّؤال، فقال: "لو قلتُ: لكلِّ عامٍ، لوجبَ عليكم، ولو وجبَ عليكم ثمَّ تركتموهُ لضللتُم".
_________________
(١) في (ر): "الخلائق".
(٢) لم أقف على هذه الرواية بهذا السياق، وذكر مقاتل نحوها في "تفسيره" (١/ ٥٠٨) دون نسبتها لأبي هريرة وأنس، وحديث أبي هريرة رواه أحمد (١٠٥٣١) مختصرًا، وفيه سؤال عبد اللَّه بن حذافة وكلامه مع والدته، وأخرجه من طريق آخر الطبري (٩/ ١٧) وفيه سؤال عبد اللَّه، وكلام عمر بن الخطاب ﵁. وحديث أنس رواه مختصرًا ومطولًا البخاري في "صحيحه" (٩٣)، (٥٤٠)، (٧٠٨٩)، (٧٢٩٤)، ومسلم في "صحيحه" (٢٣٥٩). ولم أقف على سؤال الرجل: أين والدي؟ وفي "تفسير مقاتل" أن رجلًا سأل: أين أنا؟
(٣) في (ف): "بفريضة".
[ ٥ / ٥٠٣ ]
ثم إنه (^١) قال: "اتركوني ما تركتُكم، فإذا أمرتُكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتُم، وإذا نَهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه" (^٢).
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنَّه قال: "اتركوني ما تركتُكم، فإذا حدَّثتُكم فخذوا عنِّي فإنَّما هلكَ مَن كان قبلَكم بكثرةِ سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم" (^٣).
وقال القفَّالُ ﵀: إنَّ المؤمنين كانوا يَسألون رسولَ اللَّه -ﷺ- أشياءَ مِن الغيب ومن (^٤) المعجزات بإشارة اليهود، كما قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]، فنُهوا عن ذلك، وهو السُّؤال عن أمورٍ لا حاجةَ لهم بها، وعن اقتراح آياتٍ بعد وقوعِ الكفاية بمعجزاتٍ ظهَرَت لهم مِن غير سؤال.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي: إنْ تَظهَر لكم تُحزِنكُم، كما ظهرَ لذلكَ السَّائِلِ أنَّ أباهُ في النَّار، وفي ظهور الآياتِ المقترحة أيضًا ما يَسوؤهم؛ فإنَّهم لو خالفوا بعدَ ذلك أُهلِكوا، كما قال في آخرِ هذه السُّورة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ الآية.
وعلى هذا التفسير يكون قولُه: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؛ أي: ليس عليه إيرادُ الآياتِ على جهة الاقتراح.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: وإنْ تَسألوا (^٥) عن أشياء بعد نزولِ القرآن بها وفيها إشْكالٌ، ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: تَظهَر لكم، وهذا إطلاقٌ للسُّؤالِ عند الإنزالِ لحلِّ الإشكال، وتوبيخٌ لهم على السُّؤال فيما لا حاجةَ إليه في الحال.
_________________
(١) لفظ: "إنه" من (ف).
(٢) روإه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٠ - ٢١) من حديث ابن عباس ﵄ دون ذكر الأقرع بن حابس، ورواه مع تعيينه النسائي في "سننه" (٢٦٢٠) مختصرًا.
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" (١٣٣٧).
(٤) في (ف): "وعن".
(٥) في (ف): "واسألوا" بدل: "أي وإن تسألوا".
[ ٥ / ٥٠٤ ]
وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: وإن تسألوا عنها وهي مهمَّةٌ، تُبْدَ لكم حين يُنزَّل القرآنُ؛ أي: يظهرْ ذلك لكم في القرآنِ المنزلِ فيه بعد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾؛ أي: عفا اللَّهُ عنكم هذه السُّؤالاتِ التي سألْتُموها مِن غيرِ حاجة.
وقيل: بل هي صفةٌ لِتلك الأسئلةِ؛ أي: لا تَسألوا عن أشياءَ قد (^١) عفا اللَّه عنكم فيها؛ أي: خُفِّفت (^٢) عليكم (^٣)، فلم يُلزِمكم ذلك، وهو كقوله -ﷺ-: "عفوتُ لكم عن صدقة الخيلِ والرَّقيق" (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ أي: لا يعاقِبُكم إلَّا بعد الإنذار.
وروى أبو ثعلبةَ الخشنيُّ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ اللَّهَ تعالى فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعوها، ونهى عن أشياءَ فلا تَنتهِكوها، وحَدَّ حدودًا فلا تَعتدوها، وعفا عن أشياءَ مِن غيرِ نسيانٍ رحمةً لكم، فلا تبحثوها" (^٥).
* * *
(١٠٢) - ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾.
_________________
(١) في (ر): "فقد"، وليست من (أ).
(٢) في (أ): "خفف اللَّه" بدل: "خففت".
(٣) في (ف): "عنكم".
(٤) رواه أبو داود (١٥٧٤)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي في "الكبرى" (٢٢٦٨)، وابن ماجه (١٧٩٠)، (١٨١٣) من حديث علي ﵁.
(٥) رواه الحاكم في "المستدرك" (٧١١٤)، ورواه موقوفًا على أبي ثعلبة ﵁ الطبريُّ (٩/ ٢٤). وهذا الحديث حسنه النووي في "الأربعين"، وذكر ابن رجب في "جامع العلوم والحكم": (٢/ ١٥٠) أن للحديث علتين؛ إحداهما أن مكحولًا لم يصح له السماع من أبي ثعلبة. والثانية أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع. قال: وهو أشهر. انتهى. وانظر: "علل الدارقطني": (٦/ ٣٢٤).
[ ٥ / ٥٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾؛ أي: سألوا آياتِ الاقتراح، كقوم صالحٍ سألوا النَّاقةَ، ثمَّ كفروا بها وعقروها، وقومِ طالوت قالوا لنبيهم: ابْعث لنا ملِكًا نقاتلْ في سبيلِ اللَّه، فلمَّا كُتِبَ عليهم القتالُ تولَّوا إلَّا قليلًا منهم، وقومِ عيسى سألوا المائدةَ فقال لهم: اتَّقوا اللَّهَ إن كنتُم مؤمنين، ثمَّ كفروا بها.
وقيل: أي: سألوا، فلمَّا أُخبِروا بما كرِهوا، كذَّبوا الرُّسل.
وقيل: سألوا البيانَ، فلمَّا بيَّن لهم لم يَعملوا به، وكانوا شدَّدوا على أنفسِهم، كأصحابِ البقرةِ، فلمَّا شدَّد عليهم تَركوا.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي: إذا أسبل عليكم سترَ اللُّطفِ، فلا تَتعرَّضوا لعلمِ ما أخفي عنكم، فيَتنغَّصَ بالتَّحسُّر عليكم عيشُكم.
ويقال: لا تَتعرَّضوا للوقوفِ على محلِّ الأكابر، ولا تستوجبون ذلك، فيَسوؤكُم تقاصرُ رُتبتِكُم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ توهَّم قومٌ أنَّهم مُحرَزون عن التَّأثُّر (^١) فيما يُصادِفُهم مِن فجأة المقادير، وذلك منهم ظَنٌّ، كما قال بعضهم:
تَبيَّن يومَ البينِ أنَّ اعْتِزامَه على الصَّبر مِن إحدى الظُّنونِ الكواذبِ (^٢)
* * *
_________________
(١) في (ف): "التقاصر".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٥١). والبيت لعبد اللَّه بن طاهر كما في "الأغاني" (٥/ ٤١٣) (مصورة الهيئة المصرية للكتاب)، و"تاريخ دمشق" (٢٩/ ٢١٧ - ٢١٨).
[ ٥ / ٥٠٦ ]
(١٠٣) - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾؛ أي: ما شرعَ اللَّهُ تعالى ذلك، وما جعلَهُ مِن أمورِ الدِّين.
والبَحيرةُ: النَّاقةُ التي تُشَقُّ أذنُها، بَحرتُ أذنَ النَّاقةِ أَبْحَرُها بَحْرًا؛ أي: شققتُها شقًّا واسعًا، ومنه البحرُ، وهو اسمٌ لا صفة، ولذلك دخلَتْ فيها الهاءُ، كما في النَّطيحةِ والذَّبيحة والنَّسِيكة، وكانت النَّاقةُ إذا نَتَجَتْ خمسةَ أبطُنٍ، فكان آخرُها ذكرًا، بَحروا أُذنَها، وامتنعوا مِن ركوبِها وذبحِها، ولم تُطْرَد عن ماءٍ، ولم تُمنَع عن مرعى، وإذا لقيَها المُعيى لم يَركبها.
وقيل: كانوا يَفعلون ذلك بها إذا ولَدَت سبعةَ أبطُن.
وقال مقاتل ﵀: إن كان ولدُها الخامسُ ذكرًا ذبَحوه للآلهة، وكان لحمُه للرِّجال لا للنِّساء، وإنْ كانت أُنثى شقُّوا أُذنها، لا يُجَزُّ لها وبرٌ، ولبنُها للرِّجال دون النِّساء (^١).
وقيل: إذا ماتَت اشتركَ فيها (^٢) النِّساءُ والرَّجال.
وقوله: ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ لتأكيدِ النَّفي على العموم؛ إذ لو قال: ما جعلَ اللَّهُ بحيرةً، وقعَ عند السَّامعِ أنَّه ما جعلَ بحيرةً واحدةً، بل جعل بحائرَ، فنفى بكلمةِ ﴿مِنْ﴾ كلَّ بحيرةٍ.
والسَّائبةُ: المخلَّاةُ تَذهبُ حيث شاءَت، مِن قولِهم: سابَ الماءُ؛ أي: جَرى على وجهِه، وانسابَتِ الحيَّةُ كذلك.
وكان الرَّجلُ في الجاهليَّة إذا نذرَ لقدومٍ مِن سفرٍ، أو بَرئ مِن مرضٍ ونحوه، قال: ناقتي سائبةٌ، فكانت كالبحيرةِ، وكذلك كان من كثُرَ مالُه سيَّبَ واحدةً منها
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٠٩ - ٥١٠).
(٢) في (ر): "في لحمها" بدل: "فيها".
[ ٥ / ٥٠٧ ]
شُكرًا، وكانت لا يَنتفعُ بشيءٍ منها، ولا تُمنَعُ مِن ماءٍ ولا (^١) مرعى إلى أنْ تَموت، فيَشترِكُ في أكلِها الرِّجال والنِّساءُ، وكان الرَّجل إذا أعتقَ عبدًا سائبةً، لم يكن بينهما عقلٌ ولا ولاءٌ ولا إرثٌ.
والوصيلةُ: هي الأُنثى مِن الغنم. قال قتادة: هي في البطن السابع (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: الشاة إذا ولدَتْ ثلاثةَ أبطُنٍ أو خمسة، وكان آخرُ ذلك جديًا، ذَبحوه، وأهدَوْهُ للآلهة، وإن كانَت عَناقًا استَحْيَوها، وإن كان جَدْيًا وعَناقًا استحيوهما (^٣) جميعًا، وقالوا: إنَّها وَصَلَتْ أخاها (^٤)، فهي فعيلة بمعنى فاعلة.
والحامي: قال مسروق: كان البعيرُ إذا وُلد وَلَدُ ولدِه قالوا: قد قَضى ما عليه، فلَم يَنتفعوا بظهرِه، وقالوا قد حماهُ (^٥).
وقال قتادةُ وأبو الأحوص: إذا أدركَ مِن ولدِه عشرةَ فحولٍ قالوا: هذا قد حَمى ظهرَهُ، فلم يُزَمَّ ولم يُركَب، ولم يُمنَع من ماءٍ ولا مَرْعى (^٦).
يقول: إنَّ الكفَّار قد التزَموا هذه الأشياءَ في أموالِهم، وليس ذلك بشرعٍ مِن اللَّه تعالى يَلزمُهم الوفاءُ به كما يَلزمُهم الوفاءُ بالعقود، بل هي طيِّباتٌ حرَّموها على أنفُسِهم، وقد نَهى اللَّهُ عنها بقولِه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].
_________________
(١) لفظ: "لا" من (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٥).
(٣) في (أ): "استحبوهما".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٥ - ٣٦).
(٥) رواه الطبري (٩/ ٣٢).
(٦) رواه الطبري (٩/ ٣٥) عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٥٧ - ٥٥٨) عن أبي الأحوص مطولًا، وعزاه لأحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الأسماء والصفات". ورأيت طرفه دون ذكر القطعة التي ذكرها المصنف عند أحمد (١٧٢٢٨)، والطبري (٩/ ٢٩ - ٣٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٢٠) (٦٨٨٥)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٧٤٢).
[ ٥ / ٥٠٨ ]
وقيل: أوَّلُ مَن فعل كل ذلك عمرو بن لحي.
وقال مقاتل ﵀: هو عمرو بن رَبيعةَ بن لُحَيّ بن قمعة بن خندف الخزاعيّ (^١).
وروى زيدُ بنُ أسلم عن النَّبيِّ -ﷺ- قال (^٢): "إنِّي لأعلمُ أوَّلَ مَن سيَّبَ السَّوائبَ، وأوَّلَ مَن غيَّرَ عهدَ إبراهيم"، قالوا: مَن هو يا رسولَ اللَّه؟ قال: "عمرو بنُ لُحَيّ، لقد رأيتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النَّار، يُؤذي ريحُه أهلَ النَّار، وإنِّي لأعرف أوَّلَ مَن بحرَ البحائر" قالوا: مَن هو يا رسولَ اللَّه؟ قال: "رجلٌ مِن بني مُدْلِج، كانت له ناقتانِ، فجدعَ آذانَهما، وحَرَّم ألبانَهما، ثمَّ شربَ ألبانَهما بعدُ، فلقد رأيتُه في النَّار وهما يَعضَّانِه بأفواههما، ويَخبِطانه بأخفافِهما" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يَختلقون بقولِهم: إنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَنا بتحريمِها ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ تعالى لم يُحرِّمها، وهم عوامُّهم المقلِّدون رؤساءَهم.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: قيل لأتباعِهم: هلمُّوا إلى حكمِ اللَّه تعالى ورسولِه بأنَّ هذه الأشياءَ غيرُ محرَّمةٍ.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ أي: كافينا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ الألفُ ألفُ الاستفهام بمعنى الاستنكار، والواوُ للعطفِ، وفي آخرِه مضمرٌ: يتبعونهم؛ أي: كيف يَجوزُ
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٠٩).
(٢) في (ف): "إني" بدل من "أنه قال".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٥١)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٨). وهو مرسل.
[ ٥ / ٥٠٩ ]
تقليدُ قومٍ بما لا عِلم لهم به ولا اهتداءَ لهم فيه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: إذا هتفَ بهم (^١) داعي الحقِّ بالجُنوحِ إلى الصِّدقِ، صدَّهُم عن الإجابةِ ما مَرَنوا عليه من سُهولة التَّقليد، وإنَّ أسلافَهم لم يكونوا إلَّا في ضلالٍ بعيد (^٢).
* * *
(١٠٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نصب على الإغراء، بمنزلة قوله: احفظوا أنفسكم، بيَّن اللَّهُ تعالى في هذه السُّورة الحلالَ والحرامَ، وما يَلزمُ الوفاءُ به مِن عقودِ الدِّين، وما لا يَلزم، وأخبرَ أنَّه ليس على رسولِه إلَّا البلاع، فإذا بلَّغَ فقد أدَّى ما عليه (^٣)، وإذا قيل لهم تعالوا (^٤) إلى حكمِ اللَّه ورسولِه، فلم يَأتوا، لم يَضرَّهُ إصرارُ أولئك، وكذا لا يَضرُّ المؤمنين ضلالُ الكافرين؛ إذا كانوا في أنفسِهم مهتدين، وهو أن يكونوا مؤمنين بكلِّ الطَّاعات، مطيعين، وعن كلِّ المعاصي مُمتنعين؛ فإنَّ الهدايةَ تكونُ بالإيمان والطَّاعات، والاهتداءُ التام كذلك، وبه يَبطلُ قولُ مَن تَعلَّقَ بظاهرِ الآيةِ في أنَّه لا بأسَ بتركِ الأمر بالمعروف؛ فإنَّه (^٥) لا يَضرُّ المطيعَ معصيةُ غيرِه؛ لما قلنا: إنَّ الاهتداءَ المطلقَ: هو العملُ بكلِّ الطَّاعات، ومن ذلك الأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر.
_________________
(١) في (أ): "فيهم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٤٥٢).
(٣) بعدها في (ر): "وقوله".
(٤) بعدها في (ر): "ما أنزل اللَّه أي إلى".
(٥) في (ف): "وأنه".
[ ٥ / ٥١٠ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال حذيفةُ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ أي: إذا أمرتُم ونهيتُم (^١).
وقال أبو بكر الصِّدِّيق ﵁: أيُّها النَّاسُ، لا تَغرَّنَّكم هذه الآية، فيقولَ أحدُكم: عليَّ نفسي؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "لتَأمُرُنَّ بالمعروفِ، ولتَنهَونَّ عن المنكر، أو ليَستَعمِلنَّ عليكم شرارَكُم، ثمَّ لتَدعونَّ اللَّهَ فلا يَستجيبُ لكم" (^٢).
وفي روايةٍ قال في آخر هذا الحديث: سمعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يَقول: "ما مِن قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ولم يُغيِّروا، إلَّا أوشكَ أن يعمهم اللَّه بعقابه" (^٣).
وقال عبدُ اللَّه بنُ المبارك ﵀: هذه الآيةُ أدلُّ دليلٍ على وجوبِ الأمر بالمعروف؛ فإنَّ قولَه تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ معناه: عليكم أهلَ دينكم (^٤).
وسُئِل ابنُ مسعودٍ ﵁ عن هذه الآية، فقال: ما دامَ يُقبَلُ مِنكم فقولوها، فإذا رُدَّت عليكم، فعليكم أنفسَكم (^٥).
وذكر قتادةُ عن واحدٍ مِن الصحابة أنه في آخر الزمان (^٦).
وقال أبو أميَّة: سألت أبا ثعلبةَ الخشنيَّ فقال: سألتَ عنها خبيرًا، قال: سألتُ عنها رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقال: "بل ائتَمِروا بالمعروف، وتَناهوا عن المنكر، حتَّى إذا
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٠ - ٥١).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٢٣)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ٥١ - ٥٢).
(٣) رواه أبو داود في "سننه" (٤٣٣٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥).
(٤) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٥٦١).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٥٨)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٥).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٥ - ٤٦).
[ ٥ / ٥١١ ]
رأيتَ شُحًّا مطاعًا، وهوًى متَّبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيِه، فعليكَ نفسُك، ودعْ أمرَ العوامِّ، فإنَّ مِن ورائِكم أيَّامًا الصَّبرُ فيهنَّ كمثل قبضٍ على الجمر، للعاملِ فيه مثلُ أجرِ خمسين رجلًا يَعملون مثل عمله"، قالوا: يا رسولَ اللَّه، أجرُ خمسين مِنهم؟ قال: "بل أجرُ خمسينَ مِنكم" (^١).
وقيل: هذه الآيةُ تتَّصِلُ بما قبلها؛ أي: إذا دعَوتُموهم إلى حكمِ اللَّهِ، فلم يُجيبوا، وقلَّدوا آباءَهم، لم يضرَّكم ذلك إذا اهتديتُم أنتم.
وقال الكلبيُّ: إنَّ المنذر بن ساوَى -وقيل (^٢): المنذر بن عمرو التميميّ (^٣) - كتبَ مِن هجرَ إلى رسول اللَّه -ﷺ-: إنَّ اليهودَ والنَّصارى والمجوسَ قَبِلوا الجزيةَ، فرضيَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بذلك، فطعنَ في ذلك المنافقون وقالوا: عجبًا مِن محمَّدٍ، يَزعُمُ أنَّ اللَّهَ بعثَهُ ليُقاتِلَ النَّاس حتَّى يقولوا (^٤): لا إله إلا اللَّه، وزعمَ أنَّه رُخِّص له في أنْ يُقاتِلَهم حتَّى يُعطوا الجزيةَ، فلا نرى محمَّدًا إلَّا وقد قبِلَ مِن مشركي هجر ما ردَّ على إخوانِنا مِن العرب، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٥) دعوتم إلى الإسلام فقد أبلغتُم وأعذَرْتُم (^٦).
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ فيَجزي مَن ضلَّ ومَن اهْتدى؛ كلًّا على وفقِ حاله.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤).
(٢) بعدها في (أ): "أن".
(٣) في (ر): "الليثي"، وفي (ف): "اليمني".
(٤) في (ف): "يشهدوا أن".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١١٧ - ١١٨)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٠٦) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهو إسناد تالف.
(٦) في (ف): "عذرتم وأنذرتم" بدل: "أبلغتم وأعذرتم".
[ ٥ / ٥١٢ ]
وقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُعْلِمُهم بما عَمِلوا، ثمَّ يَجزيهِم على ما عمِلوا.
* * *
(١٠٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ اختلفَت الرِّواياتُ في قصَّة نزولِ هذهِ الآية وتأويلاتُ أهل العلم فيها:
قال ابنُ عبَّاسٍ وأبو موسى الأشعريُّ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ وسعيدُ بنُ جُبَير وشُرَيح وإبراهيم وعَبيدةُ ومحمَّدُ بنُ سيرين ومجاهدٌ وابنُ زيد رضوان اللَّه عليهم أجمعين: الآيةُ في المسلمِ يَحضرُه الموتُ في السَّفر، فيريدُ أنْ يُوصِيَ ويدفع مالَهُ إلى وصيٍّ، فإنْ حضرَهُ مسلمان، أشهدَهما على ذلك، وإنْ لم يَجِد مسلمَينِ أشهدَ كافرَين (^١)، وشهادةُ الكافرِ على المسلمِ في مثل هذه الحالةِ جائزةٌ.
وقال بعضُهم: كان كذلك تمَّ نُسِخ، وبقيَ شهادتُهم على جنسِهم بهذه الآية.
وقال الحسنُ وعكرمةُ وعَبيدةُ السَّلمانيُّ والزُّهريُّ: بل الآيةُ في شهادةِ المسلمين، وقولُه تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: مِن قبيلتِكم وعشيرتكم، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ أي: مِن غيرِ قبيلتِكم وعشيرتِكم (^٢).
ومنهم من حمل الشَّهادة فيها على الإيمان، واتِّصالُها بما قبلَها أنَّ اللَّهَ تعالى بيَّنَ في هذه السُّورةِ المحرَّماتِ والمحلَّلات، ومنها: الجنايات في الأمانات (^٣)، والآيةُ فيها.
_________________
(١) انظر: في "تفسير الطبري" (٩/ ٥٦ - ٥٧، ٦١ - ٦٧، ٧٢ - ٧٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٧ - ٦٩).
(٣) في (ر): "الخيانات والأمانات"، وفي (ف): "الخيانات في الأمانات".
[ ٥ / ٥١٣ ]
قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلتِ الآيةُ في ثلاثةِ نفرٍ خَرجوا تجَّارًا مِن المدينة إلى الشَّام، وهم عَدِيُّ بن بداء، وتميمُ بنُ أوسِ الدَّاريِّ، وهُما نصرانيَّان، وبديلُ بنُ ورقاءَ ابنِ حارثة مولى عمرِو بن العاص السُّلميّ، وبُديل كان مسلمًا مهاجرًا، فلمَّا قدِموا الشَّامَ مرضَ بُدَيل بنُ ورقاء، فكتبَ كتابًا (^١)، وأثبتَ فيه جميعَ ما معَهُ مِن الأمتعة والأموال، ودسَّه في رحلِهِ، ولم يُخبِر صاحبَيه بذلك، فلمَّا اشتدَّ وجعُه، أوصى إلى تميم، وأشهدَهُما على وصيَّتِهِ، وأمرَهُما بأنْ يَدفعا متاعَهُ إلى أهلِه إذا رجعَا، ومات، فلمَّا دفناهُ فتَّشا متاعَه، فأخذا منه إناءً مِن فضَّة منقوشًا بالذَّهب، وهو ثلاثُ مئةِ مثقالٍ مِن فضَّةٍ، فغيَّباهُ، فلما قضيا حاجتَهما، رجَعا إلى المدينةِ، ودفعا المتاعَ إلى أهلِه، فلمَّا فتحَ أهلُه متاعَه، وجدوا الصَّحيفةَ فيها تَسميةُ ما معه، وفيها الإناءُ فجاءهما المطَّلِب بن وداعة وعمرو بن العاص، وهما مسلمان مِن قرابةِ الميِّت، فسألاهما الإناء، فقالا: هذا الذي قبضناهُ ودفعَهُ إلينا، فقال المطَّلب وعمرو: هل باعَ بُدَيل شيئًا من متاعِه؟ قالا: لا، قال: فهل طالَ مرضُه، فأنفقَ على نفسِه شيئًا؟ قالا: لا، إنَّما مرضَ (^٢) حين قدمَ البلدَ، فلم يَلبَث أنْ ماتَ، قالا: فإنَّا قد وجدنا في متاعِه صحيفةً فيها تسميةُ متاعِه، وإنَّا قد فقدنا إناءً مِن فضَّة كذا صفتُه، قالا: لا ندري، ما دفعَ إلينا دفعناهُ إليكم، ومالنا بالإناءِ مِن علمٍ، فتخاصما إلى رسولِ اللَّه -ﷺ-، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٣).
وفي رواية معمرٍ عن قتادة وابنِ سيرين، وحجَّاج عن ابن جريج عن عكرمة في هذه القصَّة ذكر ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص: أنَّه هو الذي مرضَ وأوصى ومات، دون بُديل بن ورقاء، قال: فأمرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أن يَستحلِفوهُما بعد صلاة العصر باللَّهِ الذي لا إله إلَّا هو، ما قبضنا لهُ غيرَ هذا، ولا كتَمنا، قال: فمكثا ما شاءَ اللَّهُ
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ر): "فيه".
(٢) بعدها في (ف): "من".
(٣) أوردها الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١١٨ - ١١٩) عن الكلبي. وأصل القصة في "صحيح البخاري" (٢٧٨٠).
[ ٥ / ٥١٤ ]
أنْ يَمكُثا، ثمَّ ظهرَ عليهما على إناءٍ مِن فضَّةٍ منقوشٍ، مموَّه بالذَّهب، فقال أهلُه: هذا مِن متاعِه، قالا: نعم، ولكنَّا اشتريناهُ منه، ونَسينا أن نذكرَهُ حين حلَفنا، وكرِهنا أنْ نُكذِّبَ أنفسَنا، فترافعوا إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فنزلَت الآيةُ الأخرى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ الآية، فأمرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- رجلين مِن أهل الميِّتِ أن يَحلِفا أنَّهما كتما، ثمَّ إنَّ تميم الدَّاريَّ أسلمَ، وبايعَ النَّبيَّ -ﷺ-، وكان يقول: صدقَ اللَّه ورسوله، إنَّا أخذنا الإناء (^١).
وفي رواية: اعترف تميمٌ بالخيانة قبلَ الإسلام، فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: أسلِم يتجاوزِ اللَّهُ عنك ما صنَعتَ في شِركك، فأسلمَ وحسُن إسلامُه، وماتَ عديٌّ نصرانيًّا (^٢).
والشيخُ الإمام أبو بكر الشَّاشيُّ القفالُ -﵀- يَحمِلُ الآيةَ على استحلافِهما، ويقولُ في هذه الرواية: إنَّه استحلفَهما، وكذلك في سياقِ هذه الآية: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، وقوله: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قال: والشهادة في القرآن جاءت لثلاثةِ معانٍ:
للبيِّنة على دعوى المدَّعي، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ونحوها.
وللحَلِف، قال تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢].
وللحضورِ، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾.
وتخرَّجُ (^٣) الآية وتفسيرُها على قوله هذا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: حَلِفُ ما بينكم، وإذا حذَفَ ﴿مَا﴾، خفَضَ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ على الإضافةِ، كقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٨٩ - ٩٠).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥١٤).
(٣) في (ف): "وتخريج".
[ ٥ / ٥١٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ وهو المرض؛ لأنَّه مُقدِّمةُ الموتِ، ويُفضي إليه.
وقوله تعالى: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾؛ أي: وقتَ الإيصاء، وقتٌ ضُمَّ إلى وقت، كما في قولك: ائتني إذا زَالَتِ الشَّمسُ حين صلاةِ الظهر.
وقوله تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يَحلِفُ اثنانِ عدلانِ مِن أهلِ مِلَّتِكُم أيُّها المسلمون، إذا كانا هما الموصى إليهما والمدفوعُ إليهما مالُ المريض.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ أي: مِن غير مِلَّتِكم (^١)، إذا كانا هما المدفوع إليهما المالُ؛ لأنَّ الإنسانَ يَأتمن على مالِه مَنْ شاء؛ كافرًا كان، أو مسلمًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سِرتُم وسافرتم، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: اتَّصلَ الموتُ بالمرض.
وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾؛ أي: تَقِفونَهما للتَّحليف، أمرٌ خرجَ على صيغةِ الخبر.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قيل: هي صلاةُ العصرِ، وأهلُ الأديان كلِّها يُعظِّمون ذلك الوقت.
وقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يَحلفان به.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شكَكتُم في أمانتِهما، اعتراضُ شرطٍ هو (^٢) في تقديرِ التَّقديم.
وقوله تعالى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (^٣) فهذا كلامٌ يَتكلَّمُ به الحالِف قبل حَلِفه تأكيدًا لحالِه، فقد يقول له القاضي: اتَّقِ اللَّهَ، ولا تَحلِف باللَّه كاذبًا، تشتري
_________________
(١) بعدها في (ف): "أيها المسلمون".
(٢) لفظ: "هو" من (أ).
(٣) بعدها في (ر): "قليلًا".
[ ٥ / ٥١٦ ]
به ثمنًا قليلًا، فيقولُ: معاذ اللَّه أنْ أكونَ كذلك، لا أستبدِلُ بالحَلِفِ أو باسم اللَّه عوضًا يسيرًا من الدُّنيا، وإنْ كان هذا الميِّتُ قريبًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا نَكتمُ شيئًا بالحلِفِ باللَّه، والإضافةُ إلى اللَّه تعالى لما أنَّه ثبت بشرعِه، وهو كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾ [نوح: ٤]؛ أي: الأجلُ الذي أثبتَهُ اللَّهُ تعالى. و﴿شَهَادَةُ﴾ نُصِبَ بنزعِ الباء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾؛ أي: نَأثمُ لو حلَفنا على الكذِبِ.
* * *
(١٠٧) - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾؛ أي: اطُّلِعَ على خيانتهما، وقد عَثَرَ على الشَّيءِ عُثُورًا؛ أي: اطَّلعَ عليه، وأعثرَهُ غيرُه عليه؛ أي: أطلعَهُ، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١]، وأصلُه: الوقوعُ على الشَّيءِ، مِن العثرةِ بالرِّجلِ، ويُستعمَلُ في الزَّلَّة أيضًا كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾؛ أي: فإنْ ظهَرَت خيانةُ المدَّعى عليهما؛ كما (^١) ظهرَ الإناءُ في أيدي هذين، وادَّعيا أنَّهما كانا اشترياهُ مِن هذا المريضِ قبلَ موتِهِ، وصارا مدعيين على الوارثين وهما منكران، فقد قاما مقام هذين في أنَّهما صارا مدعًا عليهما، وصارتِ البيِّنةُ على المدعيين، واليمين على هذين الوارثين، فقد قاما مقامَهما فيَصيرُ الحلفُ عليهِما.
_________________
(١) في (ر): "أي" بدل: "كما".
[ ٥ / ٥١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ قرأ ابنُ كثير في رواية قُرَّة (^١)، وعاصم في رواية حفص: ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بفتح التاء والحاء، ومعناه: استحقَّ عليهِمُ الأوْليان ردَّ الأيمان، والباقون: ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بضمِّ التَّاء وكسر الحاء، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة (^٢): ﴿الأوَّلِين﴾ على الجمع، والباقون: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (^٣) على التثنية بالألف التي هي علامةُ الرَّفع.
وقال الزَّجَّاج: رُفِعَ لأنَّه بدلٌ عن الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾، على معنى: فليَقُمِ الأوْليان مِن الذين استحقَّ عليهم (^٤).
وقيل: هو نعتٌ لقوله: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾، وتقديره: آخران أولَيان، وإنَّما صحَّ النَّعتُ بالألف واللَّام، مع أنَّ المنعوتَ بغير الألف واللَّام (^٥)؛ لأنَّهما غيرُ معَيَّنين، فأخرجَ الكلام على النَّكرة، ووُصِفا بالقِيام باليمين، فصارا كالمُعرَّفَين، فنُعِتا بالمعرفة.
والأولى هي الأحقّ.
وقال سعيدُ بنُ جبير وابنُ زيد معناه: الأحقَّان بالوراثةِ مِن (^٦) سائرِ أقرباءِ الميِّت (^٧).
وقيل: أي: الأحقَّان باليمين.
وأما قراءةُ: ﴿الأوَّلِين﴾ على الجمع، فتقديرُه: فآخران مِن الأوَّلين الذين
_________________
(١) المتواتر من قراءة ابن كثير: "استُحِقَّ".
(٢) في (ف): "غير حفص وحمزة وخلف وسهل ويعقوب".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٩)، و"التيسير" (ص: ١٠٠).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢١٦).
(٥) في (أ): "ألف ولام" بدل من "الألف واللام".
(٦) في (أ): "بين".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٠٣) عن ابن زيد، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٧٧).
[ ٥ / ٥١٨ ]
استحقَّ عليهم يقومان مقام الوصيَّينِ في اليمين، وإنَّما كانوا أوَّلين؛ لأنَّ مِلْكَ الإناءِ كان للورثةِ في الظَّاهرِ، فكانوا هم المتقدِّمين في مِلك الإناء.
وقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾؛ أي: الآخرانِ الوارثانِ يَحلفان ما نعلمُ أنَّ مورِّثنا كان باعَ هذا الإناءَ منهما.
وقوله تعالى: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾؛ أي: ليَمينُنا أحقُّ بالقَبولِ مِن يمين هذين الوصيَّينِ الخائنين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾؛ أي: ما تَجاوزْنا الحقَّ في يمينِنا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: إن حلَفنا كاذبين.
* * *
(١٠٨) - ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ أي: شرْعُ هذا الحكم أقربُ إلى أنْ يأتيَ الأوصياءُ بالأيمانِ على وجهِها؛ أي: بالحقِّ دون الباطل، وجمعَ ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ مع أنَّهما كانا وصيَّين اثنين؛ لأنَّه ابتداءً ذُكِرَ في حقِّ (^١) الأوصياء.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: وأن يخافوا إن حلِفوا كاذِبين، وظهرَ ذلك أنْ تردَّ الأيمانُ على الورثةِ بعد أيمانِ الأوصياء.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في الخيانةِ أو اليمينِ الكاذبة.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: وعظَ اللَّهِ واعمَلوا به.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لا يُرشِدُ الخارجين عن طاعتِه.
_________________
(١) بعدها في (ف): "كل".
[ ٥ / ٥١٩ ]
والذين حمَلوها على الشَّهادةِ المعروفةِ، فتفسيرُ الآية على ذلك أنْ يُقال:
قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ هذا المصدرُ في معنى النَّعت، وأضمر في أوَّله العددَ، وتقديرُه: عددُ الشهود فيما بينكم إذا حضرَ أحدَكم الموتُ وقتَ الوصية اثنان عدلان من أهل دينِكم، أو آخران مِن غيرِ أهل دينكم، فقد كان يومئذٍ مَن كان خارج المدينةَ كلُّهم كفَّارًا، فلا يوجدُ المسلمُ فيهم إلَّا على السَّفر، يقول: فإن لم (^١) يوجد المسلمان يُستشهَدُ الكافران.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا﴾؛ أي: هذين الشَّاهِدين الكافرين، ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: صلاة (^٢) العصر، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شكَكتُم في صدقِ شهادتهما، فهو شرطُ التَّحليف: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾؛ أي: يحلفان أنَّا لا نَستبدِلُ باسمِ اللَّه عرضًا يسيرًا من الدُّنيا، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾؛ أي: الشَّهادةُ الكاذبةُ تَقعُ إمَّا للرَّغبةِ في الرِّشوةِ، أو للميلِ إلى ذي القرابة، فيَنفيان هذين المعنيين؛ لإثبات صدقِهما في الشَّهادة، وتحلِيفُ الشَّاهدِ كان في الابتداءِ ثمَّ نُسِخَ.
وقد رويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه كان يرى ذلك عند الارتياب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: الشَّهادةَ الحقَّ (^٣) التي شرَعَها اللَّهُ تعالى.
وقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِين﴾؛ أي: بكتمان الشَّهادةِ وتغييرها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
* * *
_________________
(١) بعدها في (أ): "يكن".
(٢) قوله: "الصلاة أي صلاة" من (ر).
(٣) لفظ: "الحق" ليس في (أ).
[ ٥ / ٥٢٠ ]
(١٠٧) - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾؛ أي: فإنْ وُقِفَ على كذبِهما في شهادتِهما.
وقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾؛ أي: في الشَّهادة، وتقديرُه: فشاهدانِ آخرانِ يَقومانِ مقامَ الذين استَحَقَّ عليهمُ الإثم، و﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ نعتُهما؛ أي: هما الأحقَّان بالشَّهادةِ والقَبول.
وقراءة ﴿الأوَّلِين﴾ على هذا التفسير نعتُ ﴿الَّذِينَ﴾ أيضًا؛ أي: يقومان مقامَ الأوَّلِين الذينَ استحقَّ عليهم الإثمُ، وإنَّما جمع ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ وهما اثنان، وهما الوصيَّان؛ لأنَّه قال: ﴿مِنْ﴾ (^١)؛ أي: هما من الذين استحقَّ عليهم الإثمُ.
وقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾؛ أي: إنْ شهِدا، ووقعَ الارتيابُ في صدقِهما يَحلفانِ أيضًا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ وما اعتدينا في شهادتِنا، ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: إنْ شهِدنا (^٢) بباطلٍ، ذلك أقربُ إلى أنْ يأتيَ الأوَّلون بالشَّهادةِ على وجهِها، فلا يَكتمون شيئًا، ولا يُخالِفون، ولا يُغيِّرون، وأن يخافوا أنْ تُرَدَّ أيمانُهم بأيمانِ الآخَرين وشهادتهِم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّه﴾ ولا تخالِفوا أمرَه ونهيَه، ﴿وَاسْمَعُوا﴾ وعْظَهُ، واللَّه لا يُرشِدُ إلى الإسلامِ القومَ الفاسِقين؛ أي: الخارجينَ عن طاعتِه المختارِين للكفرِ ما داموا على اختيارِ الكُفرِ.
* * *
_________________
(١) لفظ: "من" ليس في (ف)، ووقع مكانها في (أ): "آخرين"، والمثبت من (ر).
(٢) في (أ): "شهدا".
[ ٥ / ٥٢١ ]
(١٠٩) - ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ ذَكرَ مِن أوَّل السُّورةِ إلى هاهنا الأعمالَ، وذكرَ هاهنا يومَ جزاءِ الأعمال.
و﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرفِ لما قبله، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾؛ أي: لا يَهدي إلى الجنَّةِ ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ في ذلك اليوم.
وقيل: أضمر فيه: واتَّقوا يومَ يَجمعُ؛ عطفًا على قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّه﴾، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
وقيل: أضمر فيه: واذكروا يوم يَجمعُ اللَّه الرسل.
وقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾؛ أي: ماذا أجابتكُم أُممُكم، وهذا للاستشهاد، فإنَّهم شهداءُ على الأمم، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولا يقول في الابتداء للأمم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ إهانةً لهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]، وقال لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾؛ أي: يقولون، وذكر بصيغة الماضي؛ لأنَّه كائنٌ لا محالةَ، فهو كالموجود الآن، وإنما قالوا: لا علم لنا، عند بعضهم؛ لغلبةِ الهيبة؛ لما ذكرَ من الأهوال ومَخوْفِ الأحوال.
وقال الإمام أبو منصور ﵀ (^١): لو كان كذلك لم يتهيَّأ لهم الإجابةُ
_________________
(١) في (ف): "القشيري" بدل: "أبو منصور ﵀"، وهو سبق قلم.
[ ٥ / ٥٢٢ ]
بقولهم: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، ولأنَّهم شهداء (^١)، ولا تَصِحُّ الشَّهادةُ إذا زالَ العقلُ وخفيَ الحال، ولكن لهذا وجهان:
أحدهما: أنَّهم سُئلوا عن حقيقةِ إجابتِهم لهم بالضمائر، فقالوا: إنَّك لم تُطلِعنا على الضَّمائر والغيوب (^٢)، فأنت أعلمُ بذلك.
والثاني: أنَّهم كانوا أحدثوا أمورًا مِن أنفُسهم وابتدَعوها، ونَسبوا ذلك إلى الرُّسل، كما قال: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، فيقولون: لا علم لنا بذلك الذي ابتدَعُوه، ولم نأمرهُم بذلك (^٣)، فيُقطع به احتجاجُهم، وإنْ لم يكن لهم الحِجاج.
وقيل: يجوزُ ذلك في أوَّلِ الوهلة؛ لأنَّ طبعَ الإنسان على أنَّه إذا رأى أمرًا مخوفًا دَهِشَ، وعلى ذلك خَرَّ (^٤) موسى صَعِقًا حين دُكَّ الجبلُ، ويوم القيامة يُجاءُ بجهنَّم ولها زفير وتَغيُّظ، فلا يَبقى مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسلٌ إلَّا جثا بركبتيه، فلا يَبعُدُ أنْ يَلحقَهم دهشة حينئذٍ، ثمَّ تَزولُ، فيجيبون بما علموا (^٥)، ويَشهدون على ما شاهدوا.
وقال الإمام القشيري ﵀: يُكاشفهُم بنعتِ الجلال، فتَنْخَنِسُ (^٦) فهومُهم وعلومُهم، حتَّى يَنطقوا بالبراءةِ عن تحقُّق العلمِ في الحال، وكذا يكون الحالُ غدًا، مَنْ قال بشيءٍ أو صال (^٧) بشيءٍ ممَّا يكونُ نعتًا لمخلوق، فعند ظهور أوائل التَّعزُّر (^٨)
_________________
(١) في (ف): "شهدوا".
(٢) بعدها في (ف): "فلهذا قالوا إنك أنت علام الغيوب أي".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٦٤٥).
(٤) في (أ): "خرور".
(٥) في (ر) و(ف): "عملوا".
(٦) في (أ): "فتنخس" وفي (ر): "فتنحبس"، والمثبت موافق للمصدر.
(٧) في "لطائف الإشارات": "مال".
(٨) في (ف): "التعذر"، وفي "لطائف الإشارات": "وابل التعزز".
[ ٥ / ٥٢٣ ]
تتلاشى الجملةُ؛ فالملائكة يقولون: (ما عبدناك حق عبادتك)، والأنبياء يقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (^١).
* * *
(١١٠) - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾؛ أي: يُعدِّدُ اللَّهُ على عيسى يومئذٍ نِعَمَه، فيمِرُّ بذلك كلِّه، ويَتبيَّنُ بذلك بُطلانُ قولِ النَّصارى في اتِّخاذِه واتخاذِ أمِّه إلهين.
والنِّعمةُ اسمُ جنسٍ أُريدَ بها الجمعُ؛ فإنَّه ذكرَ بعده أعدادَ نعمِ اللَّه تعالى، والنِّعمةُ عليه ما ذَكرَ في أوَّل (^٢) هذه الآية وفي غيرها، وفي حقِّ والدتِه ما ذَكرَ في سورة آل عمران: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ الآيات [آل عمران: ٣٧].
ودلَّت الآيةُ على أنَّ الشُّكر يَجِبُ على الولد بنِعَم الوالدَين؛ لأنَّ النعمةَ عليهما نعمةٌ عليه.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾؛ أي: قوَّيتُك بجبريلَ ﵇.
وقيل: أي بالاسم الأعظم، وقد فسَّرناه في سورة البقرة على الكشف.
وقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ وهو ما قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الآية [مريم: ٣٠].
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
(٢) لفظ: "أول" ليس في (أ).
[ ٥ / ٥٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾؛ أي: بعد ثلاثين سنةً، حين أوْحى إليكَ بالرِّسالة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ قيل: الكتابُ والحكمةُ هما التَّوراةُ والإنجيل، وفي كلِّ اسمٍ معنًى آخرُ لمسمَّى واحدٍ.
وقيل: ﴿الْكِتَابَ﴾: كُتُب الأوَّلين؛ قيل (^١): التَّوراة والإنجيل.
وقيل: هو الكتابةُ بالقلم، والحكمةُ: فهمُ الكُتب.
وقيل: العملُ بها مع علمِها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾؛ أي: تُصوِّرُ وتُقدِّر ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾؛ أي: على صورةِ الطَّير.
وقوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾؛ أي: بتَخليقي، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ أي: بتخليق اللَّه موتَها.
وقوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾؛ أي: تُصِحُّ المولودَ أعمى، والذي به برصٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾؛ أي: تُخرِجُهم مِن قبورِهم أحياءَ، وقد عددناهم في سورة آل عمران (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: وإذ منعتُ اليهودَ عن قتلِك حين همُّوا به؛ إذ أتيتُهم بالعلاماتِ الدالَّة على نُبوَّتِك.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: فقال الجاحدون مِن بني إسرائيل: ما هذا الذي أتيت به إلَّا سحرٌ (^٣) ظاهر.
_________________
(١) في (ر): "قبل".
(٢) عند الآيات (٤٨ - ٥٠) منها.
(٣) بعدها في (ر): "ظاهر".
[ ٥ / ٥٢٥ ]
وقرأ حمزة والكسائي وخلف (^١): ﴿ساحِرٌ﴾ وهو إشارةٌ إلى عيسى ﵇، وقرأ الباقون: ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾ (^٢)، وهو إشارةٌ إلى ما أتى به. وكيفيَّةُ كفِّ بني إسرائيلَ عنه ما حكيناه في سورة آل عمران.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: تذكيرُ وجوهِ النِّعم يَستخرِجُ خلاصةَ الحبِّ والهيمان في حديثِ المذكور، وكل وقتٍ للأحباب يمضي، صار لهم حديثًا يُتلى مِن بعدهم؛ إمَّا عليهم وإمَّا عنهم (^٣).
* * *
(١١١) - ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ فسَّرنا الحواريين في سورة آل عمران (^٤)، وهذا الوحيُ إلهامٌ، أو وحيٌ إلى نبيِّهم وبَلَّغهم، فصار كقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]؛ أي: إلى نبيِّكُم، فبَلَّغكُم.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾؛ أي: عيسى.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: واشهد (^٥) يا عيسى ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: مؤمنونَ مخلِصون.
وقيل: أي: واشهد؛ أي (^٦): يا ربَّنا، وكان هذا دعاءً منهم، وهذا من جملةِ ما عدَّدَ اللَّهُ على عيسى من النِّعم.
_________________
(١) لفظ: "وخلف" من (ف).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٤٩)، و"التيسير" (ص: ١٠١)، و"النشر" (٢/ ٢٥٦).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٥٤).
(٤) عند تفسير الآية (٥٢).
(٥) لفظ: "واشهد" من (ف).
(٦) لفظ: "أي" ليس في (ف).
[ ٥ / ٥٢٦ ]
قال عبيدُ بن عمير: كان قولُه: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى آخره في الدُّنيا، ولمَّا خاطبَه بهذهِ النِّعم، لبسَ مِن الشَّعر، وأكلَ مِن الشَّجر، وباتَ حيثُ أمسى، ولم يَرفع غداءً لعشاء، ولا عشاءً لغداء، وكان يقولُ: مع كلِّ يومٍ رزقُه (^١).
* * *
(١١٢ - ١١٣) - ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِين﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قرأ الكسائيُّ والأعشى في اختياره (^٢): ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ بتاء المخاطبة لعيسى (^٣)، ومعناه: هلْ تَقدِرُ أنْ تسألَ ربَّك، على الإضمار. وقيل: هل تَستدعي إجابةَ ربِّك، والسينُ للسُّؤال، وسؤالُ الطَّوعِ هو سؤالُ الإجابة، فإنَّ قولك: سألتُه كذا فطاعَ لي؛ أي: أجابَني وفعلَه طائعًا غيرَ كارهٍ.
وقرأ الباقون: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ (^٤) بياء المغايبة، و﴿رَبُّكَ﴾ بالرَّفع؛ أي: هل يُجيبُ ربُّك، وقد طاع (^٥) له طبعُه؛ أي: أجابَهُ، ولم يَكُن هذا شكًّا مِنهم في (^٦) قدرةِ
_________________
(١) رواه ابنُ أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨٧٧) بنحوه.
(٢) "والأعشى في اختياره": زيادة من (ف)، وهي قراءة الأعشى في اختيار أبي بكر كما في "جامع البيان" للداني (ص: ٤٨٧).
(٣) قراءة الكسائي في "السبعة" (ص: ٢٤٩)، و"التيسير" (ص: ١٠١).
(٤) بعدها في (ف): "ربك".
(٥) في (ف): "أطاع".
(٦) في (أ): "على".
[ ٥ / ٥٢٧ ]
عيسى على السُّؤال، أو شكًّا في قدرةِ اللَّه تعالى على الإعطاء، ولكنَّه تلطُّف في السُّؤالِ والرَّجاء، كقولك لآخر: أتستطيعُ أنْ تَقضيَ حاجتي، أو يَستطيعُ فلانٌ أنْ يَقضي حاجَتي بشفاعتِك، ويُفهَمُ منه أنَّك تَكرهُ هذا السُّؤال، أو لا تكرهه؟ وفلانٌ يَكرهُ الإجابةَ أو لا يكرهها، وعلى هذا قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠]؛ أي: يكرهونه.
وقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قراءة التخفيف (^١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وسهل ويعقوب (^٢) على أصل الإنزال (^٣)، وقراءةُ التَّشديد -وهي قراءة الباقين- على إنزالِها مرَّةً بعد مرَّةٍ، على ما رويَ، أو على إنزالِها من سماءٍ إلى سماء.
والمائدة: الخوانُ عليها الطَّعام، ويقال معناها: المعطية، وقد ماده؛ أي: أعطاه، قال رؤبة:
نُهدي (^٤) رؤوسَ المترفين الأنداد إلى أميرِ المؤمنين الممتاد (^٥)
أي: المستعطي، يُقال: امتادَ فلانٌ سيِّدَه، فمادَهُ؛ أي: استعطاهُ فأعطاه (^٦).
وقيل: ماد؛ أي: تحرَّك، قال تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، ومعنى المائدة: المُميَّدة، فاعلةٌ بمعنى مفعولة (^٧)؛. . . . . . .
_________________
(١) في (ف): "بالتخفيف" بدل من "قراءة التخفيف".
(٢) "وسهل ويعقوب": زيادة من (ف).
(٣) انظر قراءة ابن كثير وأبي عمرو في "السبعة" (ص: ١٦٤ - ١٦٥)، و"التيسير" (ص: ٧٥)، وهي عنهما وعن يعقوب في "النشر" (٢/ ٢١٨).
(٤) في (ر) و(ف): "تهدي"، ولم ينقط حرف المضارعة في (أ)، والمثبت من المصادر.
(٥) انظر: "ديوان رؤبة" (ص: ٤٠)، و"معاني القرآن" للأخفش (١/ ٢٩٢). وفي الديوان: "الصُّدَّاد" بدل: "الأنداد".
(٦) في (ف): "ما أعطاه".
(٧) في (ر): "مفعلة".
[ ٥ / ٥٢٨ ]
أي: المحرَّكة، أو التي تميدُ (^١) النَّاسَ حولَها، أو هي (^٢) على حقيقتِها؛ أي: متحرِّكةٌ (^٣) قابلةٌ للتَّحريك والنَّقل.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: احذروا أنْ يكونَ سؤالُكم سؤالَ شكٍّ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إذْ كنتُم مؤمِنين.
وقيل: هو على ظاهرِه، ومعناه: أنَّ الإيمانَ يوجِبُ التَّقوى، وقالوا: الحكمةُ في هذا الجواب مِن عيسى لهم كي يَقولوا ما يَدلُّ على إخلاصِهم وتَصديقِهم، وأنَّ سؤالَهم لم يكن عن ارتيابٍ، فلا يقعَ عند السَّامعين أنَّهم شاكُّون أو متعنِّتون، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ كما قال إبراهيمُ ﵇ حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ أي: تَزولَ الخطَرَاتُ والوَساوِسُ والشُّبهات.
قوله: ﴿أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾؛ أي: نكونَ مخصوصين بهذه النِّعمة.
وقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾؛ أي: نَعلمَ صِدْقَك عِلْمَ عِيان، كما كنَّا علمناها علمَ استدلال.
وقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: على المائدةِ ونزولها شاهدين على الجاحدين، بوقوع العلم بالمشاهدة.
* * *
(١١٤) - ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
_________________
(١) كذا في (ر)، ولم ينقط حرف المضارعة في (ر).
(٢) في (أ): "أي هو" بدل من "أو هي".
(٣) من قوله: "أو التي تميد" إلى هنا ليس في (ف).
[ ٥ / ٥٢٩ ]
ولمَّا كان السُّؤالُ سؤالَ زيادةِ العلم، لا سؤالَ التَّعنُّتِ، أجابَهم إلى ذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قال عيسى لبني إسرائيل: هل لكم أنْ تَصوموا للَّه ثلاثين يومًا، ثمَّ تَسألونَه، فيُعطيَكم ما سألتُم، فصاموا (^١).
ثمَّ إنَّ عيسى ﵇ لبسَ الشَّعر وقام وصلَّى، ونُبيِّنُ كيفيَّةَ ذلك بعد هذا في القصَّةِ إنْ شاءَ اللَّه تعالى.
ثم دعا عيسى، فقال: ﴿اللَّهُمَّ﴾؛ أي: يا اللَّه ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يا ربَّنا، ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.
﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ﴿تَكُونُ﴾ رُفِع لأنَّه مستقبلٌ ذُكِر بطريقِ الصِّفةِ لا الجزاء، ولو كان جزاءً لجُزِم، وفي قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ [مريم: ٥ - ٦] قرئ بقراءتَين؛ بالجزم للجزاء، وبالرَّفع للصَّفة (^٢)، وتقديرُه: مائدةً كائنةً لنا عيدًا.
وقوله: ﴿عِيدًا﴾؛ أي: طعامًا يُعادُ إليه مرَّةً بعد مرَّةٍ.
وقيل: أي: يكونُ ذلك اليومُ الذي تَنزِل فيه المائدةُ عيدًا باقيًا، كالأعيادِ لأهل كلِّ شريعةٍ، تعظيمًا لذلك اليوم، وأضافَهُ إلى المائدة، فقال: ﴿وَنَكُونَ﴾، لثبوت ذلك اليوم بسببها (^٣).
وقيل: إنَّها نَزلَت في يوم الأحد، وهو عيدُ النَّصارى.
وقوله تعالى: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ على القولِ الأوَّل (^٤)؛ أي: يأكلُ منها
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٢١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٤٤) (٧٠١٦).
(٢) "يرثْني ويرثْ" بالجزم هي قراءة أبي عمرو والكسائي، وقرأ الباقون بالرفع فيهما. انظر: "السبعة" (ص: ٤٠٧)، و"التيسير" (ص: ١٤٨).
(٣) في (ر) و(ف): "تشبيها" بدل: "بسببها".
(٤) يعني: على القول بأنها طعام يعاد إليه مرة بعد مرة.
[ ٥ / ٥٣٠ ]
الأوَّلون، وهم الحاضرون، والآخِرون؛ أي: الذين يَأتون مِن بعد.
وقيل: أي: تكونُ المائدةُ طعامًا دائمًا لنا.
وقيل: أي: يَجتمعُ أهلُ مِلَّتِنا عليه قومًا بعد قومٍ، كما في الولائمِ العظيمة.
وقوله تعالى: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾؛ أي: علامةً شاهدةً على صِدقي، وإزالةً للشُّبهةِ والوَسواسِ.
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾؛ أي: أعطِنا ما سألناكَ، وأنت خيرُ المعطِين، تَبتدِئ بالعطيَّة قبل الاستحقاق.
ختمَ الدُّعاءَ بالثَّناءِ، كما بدأَ به (^١) توسُّلًا إلى اللَّه تعالى بطلبِ الإجابة.
* * *
(١١٥) - ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وعدَ الإنزالَ، وشرط عليهم شرطًا وهو قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا وعيدٌ بالعذابِ بأبلغِ ما يكون، ثم قيل: أرادَ به عالمي زمانِهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٢].
وقيل: أرادَ به كلَّ العالم؛ فإنَّه مسخهَم خنازير، ولم يمسخ قومًا كذلك قبلَهم ولا بعدَهم.
وقال الحسنُ البصريُّ وقتادةُ ومجاهدٌ ﵏: لمَّا سَمِعوا الشَّرْطَ خافوا فاستَعفَوا وقالوا: لا نُريدُها، فلم تَنزِل (^٢).
وقال الحسن: لو نزلَت لكانت باقيةً إلى يوم القيامة؛ لأنهم قالوا: ﴿تَكُونُ لَنَا
_________________
(١) في (ف): "بدأه" بدل من "بدأ به".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٣٠) عن الحسن ومجاهد.
[ ٥ / ٥٣١ ]
عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ (^١). وأكثرُ النَّاسِ على أنَّها نَزلَتْ، وعليه الأخبارُ المشهورة.
رويَ عن سلمان الفارسيِّ ﵁ أنَّه قال: إنَّ الحواريين سألوا عيسى ﵇ أنْ يَسألَ اللَّه أنْ يُنَزِّلَ لهم مائدةً، فقام عيسى ابنُ مريمَ، وألقى الصُّوفَ عنه، ولبسَ جبَّةً مِن شعر، ولحافًا مِن شعر، ثمَّ وضعَ يمينَهُ على شِماله، وصفَّ بين قدميه وألزق (^٢) كعبَ إحدى قدميه مع الأخرى، وسوَّى الإبهامَ مع الإبهام، وطأطأَ رأسَهُ خاشعًا للَّه تعالى، وأرسلَ عينيه بالبكاءِ حتَّى سالَت الدُّموعُ على لِحيتِه وصدرِه، وهو يَدعو ويتضرَّعُ إلى ربِّه، ثمَّ قال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
فنزلَتْ سفرةٌ حمراءُ بين غمامَتين؛ غمامةٍ فوقَها، والأُخرى تحتَها، منقضَّةٌ في الهواءِ، والنَّاسُ يَنظرون إليها، وعيسى ﵇ يَبكي، ويقولُ: إلهي، اجعلْها رحمةً، ولا تَجعلها عذابًا، إلهي، كم أسألُك من العجائبِ فتُعطيني، إلهي، أعوذُ بك أنْ يكونَ نزولُها غضَبًا ورِجْزًا، وأسألُك أنْ تَجعلَها عافيةً وسلامة، ولا تَجعلْها مُثلةً أو فتنة.
فما زال يَدعو ويَتضرَّعُ حتَّى استقرَّت بين يدي عيسى ﵇، والنَّاسُ حولَهُ يَجِدونَ طيبَ ريحِها، لم يَجدوا قطُّ ريحًا أطيبَ منها، فخرَّ عيسى ساجِدًا، وخرَّ (^٣) الحواريُّون معَه.
وبلغَ ذلك اليهود، فأقبلوا مَغمومين مَكروبين، ونَظروا إلى أمرٍ معجِبٍ، فإذا سُفرةٌ مغطَّاةٌ بمنديلٍ، فرفعَ عيسى رأسَه، واستوى قاعدًا، فقال: لينظر مَن كان خيرَنا، وأحسنَنا عملًا عند ربِّه وأوثَقَنا بنفسِه؛ فليَكشِفَ عن هذه الآيةِ حتَّى نَنظرَ إليها، ونحمدَ إلهَنا عليها، ونأكلَ مِنها، فقال الحواريون: فأنتَ أوْلانا بذلك، وأحقُّنا يا روحَ اللَّه وكلمتَه،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٦٥١).
(٢) في (أ): "وألقى".
(٣) في (أ) و(ف): "وسجد".
[ ٥ / ٥٣٢ ]
فقام عيسى وتوضَّأ وضوءًا حَسَنًا وصلَّى صلاةً حسنةً، وبكى بُكاءً طويلًا، ثمَّ أقبلَ حتَّى جلسَ عند السُّفرةِ، ثمَّ قال: بسمِ اللَّهِ خيرِ الرَّازقين، وكشفَ المنديل، فإذا سمكةٌ مشويَّةٌ، ليس لها فلوسٌ، ولا فيها شوكٌ، يَسيلُ السَّمنُ مِنها سيلانًا، وقد وُضِع (^١) حولها من ألوانِ البُقول إلَّا الكرَّاث، وخلٌّ عندَ رأسِها، ومِلْحٌ عند ذنبِها، و[حول البُقول] خمسةُ (^٢) أرغفةٍ، على كلِّ رغيفٍ زيتونٌ وخمسُ رمانات وتميرات (^٣).
فقال شمعون وهو رأسُ الحواريين: يا روحَ اللَّه وكلمتَهُ، أمِنْ طعامِ الدُّنيا هذا، أم مِن طعامِ الجنَّة؟ فقال عيسى: ما أخوَفني عليكم أن تُعاقبوا، فقال شمعون: لا وإلهِ بني إسرائيلَ، ما أردتُ بما سألتُك عنه سوءًا، فقال عيسى: نزلَتْ وما عليها مِن السَّماءِ شيءٌ، وليس شيءٌ مِنها مِن طعام الدُّنيا، ولا مِن طعامِ الآخرة، وهو ممَّا ابتدعَهُ اللَّهُ تعالى بالقُدرةِ البالغة، فقال له: كن، فكان، فكُلوا ممَّا سألتُم، واذكروا اسمَ اللَّهِ عليه، واحمَدوا إلهَكم، واشكروهُ يَزِدكُم؛ فإنَّه القادرُ على ما يَشاء.
فقال الحواريُّون: يا روحَ اللَّه، كُن أنت أوَّلَ مَن يأكلُ مِنها، ثمَّ نأكلُ نحن، فقال عيسى: معاذَ اللَّه، بل يَأكلُ مِنها الذي سألَها وطلبَها، وفَرِقَ الحواريُّون أن يكون نزولُها سُخْطةُ، وفيها مُثْلَة، فلم يأكلوا منها، فدعا عيسى ﵇ أهلَ الفاقةِ والزَّمانةِ، مِن العميانِ والمجذومِين والمختَلِّين والمجانين، ونحوِ ذلك مِن أنواعِ أهل البلاء مِن النَّاس، فقال: كُلوا مِن رزقِ ربِّكم، ودعوةِ نبيِّكم، وآيةً (^٤) مِن ربِّكم، وليَكن مَهنؤها لكم، وبلاؤها لغيركِم، فأكَلوا، فصدرَ عن تلك السَّمكةِ والطَّعامِ ألفٌ وثلاثُ مئةٍ؛ ما بين رجلٍ وامرأةٍ شباعًا، مِن بين فقيرٍ جائع، وذي فاقَةٍ وعيب، فنظرَ عيسى إلى السُّفْرةِ، فإذا هي كهيئتِها حين نزلَت مِن السَّماء، ثمَّ رُفِعَت إلى السَّماء،
_________________
(١) بعدها في (ر): "خوانًا".
(٢) لفظ: "خمسة" ليس في (ف)، وما بين حاصرتين من المصادر.
(٣) في المصادر: "على واحد منها زيتون وعلى الآخر ثمرات وعلى الآخر خمس رمانات".
(٤) في (ف): "وإنه".
[ ٥ / ٥٣٣ ]
وهم ينظرون إليها صاعدةً، ويَنظرون إلى ظلِّها حتَّى توارَتْ، فاستَغنى كلُّ فقيرٍ (^١) أكلَ مِنها يومئذٍ حتَّى مات، وبَرِئ كلُّ مبتلًى، فلم يَزل صحيحًا عتيًّا حتَّى مات.
وندمَ الحوارُّيون وسائرُ الناس ندامةً شابَت منها (^٢) حواجبُهم وأشفارُ أعينِهم (^٣)، فكانت إذا نزلت بعد ذلك، أقبلوا إليها مِن كلِّ مكانٍ يَسعون، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا؛ الأغنياءُ والفقراء، والنِّساء والرِّجال، والصِّغارُ والكبار، وكلُّ صحيحٍ ومريضٍ، يَركبُ بعضُهم بعضًا، فلمَّا رأى ذلك عيسى، جعلها نوائب بينهم، ثم كانَت بعد ذلك تَنْزِلُ غِبًّا (^٤)؛ تَنزِلُ يومًا، ولا تنزل يومًا، كناقة صالح (^٥) ثمود، ترعى يومًا وتَرِدُ يومًا، فلَبثوا بعد ذلك أربعين يومًا، تَنزِلُ ضحًى، فلا تَزالُ موضوعةً يُؤكلُ منها، فإذا فاء الفيء (^٦)، ارتفعَت صاعدةً في (^٧) السَّماء يَنظرون إليها وإلى ظلِّها في الأرض، حتَّى تَتوارى عنهم.
ثمَّ أوحى اللَّهُ تعالى إلى عيسى ﵇: أن اجْعَل مائدتي ورزقِي لليَتامى والزَّمْنى والفُقراء، دون الأغنياءِ مِن النَّاس، فتَعاظَم ذلك عند الأغنياء، وأذاعوا القبيحَ، وارتابوا، وشكَّكوا النَّاسَ فيها، حتَّى وقعَت الفتنةُ في قلوبِ المرتابين، وحتَّى قال قائِلُهم: يا روحَ اللَّه وكلمتَه، إنَّ المائدةَ لحقٌّ أنَّها تَنزِلُ مِن عند ربنا؟ فقال عيسى ﵇: ويْلَكُم هَلَكتُم، العذابُ نازِلٌ بكم، إلَّا أنْ يَعفو اللَّهُ عنكم (^٨) ويرحم.
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) لفظ: "منها" من (ف).
(٣) وقع في "تفسير ابن أبي حاتم" (٧٠٤٠): "سألت منها أشفاءهم" كذا وهو تحريف، ونص العبارة في "العظمة" و"الدر المنثور" (٥/ ٥٩٦): "سالت منها أشفارهم".
(٤) قوله: "تنزل غبًا" ليس في (ف).
(٥) قوله: "صالح" من (أ).
(٦) في (ف): "اكتفوا"، بدل: "فاء الفيء". وفي "تفسير ابن أبي حاتم" و"العظمة": "إذا قاموا"، وفي "الدر المنثور": "إذا قالوا"، والمثبت موافق لما في "فوائد" أبي بكر الشافعي.
(٧) في (ف): "إلى".
(٨) لفظ: "عنكم" من (ف).
[ ٥ / ٥٣٤ ]
فأوحى اللَّهُ تعالى إلى عيسى أنِّي آخِذُهُم بشَرطي الذي اشترطتُ عليهم، وأنِّي معذِّبٌ مِنهم مَن كفرَ بعد نزولِها عليهم بعذابٍ لا أعذِّبُه أحدًا من العالمين.
فقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فأخبرَهم بنزولِ العذابِ عليهم، فمسخَ اللَّه تعالى منهم ثلاثةً وثلاثين رجلًا -وفي روايةٍ: ثلاثَ مئة وثلاثة وثلاثين رجلًا- خنازيرَ فأصبحوا يَأكلون العَذِرة في الحُشوش ويتبعون الزِّبلَ في الطُّرق.
وكانوا باتوا أوَّل اللَّيلِ على فُرُشِهم مع نسائِهم في دورِهم آمِنين، في أحسنِ صورةٍ وأحسن رزقٍ، فأصبَحوا خنازيرَ، فأصبحَ النَّاس ومَنْ بقيَ منهم فَزِعين خائفين مِن عقوبةِ اللَّه تعالى، وعيسى ﵇ يَبكي ويَتضرَّعُ، وأهلوهم يَبكون معه عليهم، وكانت الخنازيرُ تَسعى إلى عيسى ﵇ إذا أبصرَتْهُ، ويَطيفون حولَه (^١)، ويَنظرون إليه، ويَشمُّون ريحَهُ، ويَسجدون له، وأعيُنُهم تَسيلُ دموعًا، لا يَستطيعون كلامًا، ويَقومُ عيسى عليهم، فيناديهم بأسمائِهم (^٢): يا فلان ويا فلان، فيقول برأسه: نعم، فيقول: ألمْ أُنذِركم عقوبةَ اللَّه وأُحذِّركُم؛ فيقولون برؤوسهم: نعم، وذلك قولُه تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٧٨]، وأنزلَ اللَّهُ تعالى على نبيِّه محمَّدٍ ﵊: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦].
ثمَّ إنَّ عيسى ﵇ سألَ ربَّه أنْ يُميتَهُم، فأماتَهُم اللَّهُ بعد ثلاثةِ أيَّام، فما رأى أحدٌ مِن النَّاس لهم جِيفةً في الأرض، غير أنَّ العقوبةَ إذا نَزلَت مِن السَّماء استأْصَلَت (^٣).
_________________
(١) في (ف): "به".
(٢) بعدها في (ر): "فيقول".
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٤٤ - ١٢٤٥، ١٢٤٦ - ١٢٤٧، ١٢٤٩ - ١٢٥٠، ١٢٥١) (٧٠١٩) (٧٠٢٠) (٧٠٢٩) (٧٠٤٠) (٧٠٤٢) (٧٠٤٤)، وأبو بكر الشافعي في "فوائده" (١٠٩٧)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٩٩٩)، وذكره أبن كثير في "تفسيره" عن ابن أبي حاتم، وقال: هذا أثر غريب =
[ ٥ / ٥٣٥ ]
واختلفَت الرِّواياتُ في قدرِ الطَّعام الذي كان فيها وفي نوعه:
رويَ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "نَزلَت وعليها حيتانٌ وأرغفة" (^١).
ورويَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: خبزٌ وسمكة (^٢).
وقال وهبٌ: أقرصةٌ مِن شعيرٍ وحيتان (^٣).
وقال عمارٌ وكعبُ الأحبار: نزلَت وعليها ثمرٌ مِن ثمارِ الجنَّة (^٤).
وقال عطيَّةُ العوفيُّ: نَزلت وعليها سمكةٌ فيها طعمُ كلِّ شيء.
وقيل: كان عليها كلُّ شيءٍ إلَّا اللحم (^٥).
وقيل: إلَّا اللَّحمُ والخبز.
وفي رواية: خمسةُ أرغفة على أحدِها زيتونٌ، وعلى الثَّاني عسل، وعلى الثَّالث سمنٌ، وعلى الرابع جبنٌ، وعلى الخامس قَدِيد، فقالوا: لو أريتنا في هذه الآيةِ آية أخرى، فدعا اللَّه تعالى، فأحيا الحوتَ، وعادَ فيها فلوسُها وشوكُها، ثمَّ قال: عودي بإذنِ اللَّه كما كنتِ، فعادت (^٦).
وفي رواية: أكل منها ألفُ رجلٍ، وفي روايةٍ: خمسةُ آلافِ رجل.
وروي أنَّها نزلت يومًا، ورويَ أنَّها نَزلت ثلاثةَ أيَّام، وروي: سبعة أيام، وروي: أربعين صباحًا.
_________________
(١) = جدًّا، وذكره أيضًا الشيخ محمد أبو شهبة في "الإسرائيليات" (ص: ١٩٢ - ١٩٤)، وطعن فيها.
(٢) روى نحوه الترمذي في "سننه" (٣٠٦١) من حديث عمار مرفوعًا وموقوفًا، وذكر أن الموقوف أصح.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٢٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٤٥) (٧٠٢٥).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٦٤)، ومن طريقه الطبري (٩/ ١٢٦)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٦) (٧٠٢٧).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٢٨) وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٥) (٧٠٢٣) عن عمار ﵁.
(٦) رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٦) (٧٠٢٦).
(٧) هذه الرواية قطعة من رواية سلمان التي سلفت قريبًا.
[ ٥ / ٥٣٦ ]
وفي حديث الكلبي: فلمَّا أكلوا منها، ورَجعوا إلى قُراهُم ومنازلِهم، ونَشروا هذا الحديثَ، ضحكَ الذين لم يشهدوها، وقالوا: ويحكم، إنَّما سحرَ أعينُكم. فمَن أرادَ اللَّه به (^١) الخيرَ يُثبِّتهُ على بصيرتِه، ومَن أرادَ فتنتَهُ، رجعَ إلى كفرِه، فمُسِخوا خنازيرَ، ومكثوا ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ هلكوا (^٢).
وقال ابنُ عمر (^٣) ﵄: أشدُّ النَّاس عذابًا يومَ القيامة ثلاثة: آلُ فرعون، ومِن كفر من أصحاب المائدة والمنافقون.
ومن أهل النَّظم (^٤) مَن قال: لمَّا قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، قال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية، وله وجهٌ آخرُ نَذكرُه في موضعِه إنْ شاءَ اللَّه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنَّ قومًا مِن غيرِ الحواريين سَألوا الحوارييِّن أنْ يَسألوا عيسى أنْ يسألَ ربَّه ذلك؛ لأنَّهم خواصُّه، وهو كمَن كان له إلى السُّلطان حاجةٌ، فيَرجِعُ إلى خواصِّهِ ليَرفعوه إليه.
وقيل: إنَّ الحواريِّين سألوا ذلك، ولكن له وجوهٌ:
أحدها: ما ذكرنا أنَّهم أرادوا الطُّمأنينةَ.
والثاني: أنَّ عيسى ﵇ أخبرَهم أنَّ لهم منزلةً عند اللَّه تعالى، فأحبُّوا أنْ يَعرِفوا ذلك بالإجابة.
والثالث: أنَّهم أحبُّوا أنْ يَعلموا به منزلةَ عيسى ﵇ عند اللَّه (^٥).
_________________
(١) في (ف): "له".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٢٨).
(٣) كذا في النسخ الخطية، والصواب أنه قول عبد اللَّه بن عمرو، أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" (٨/ ١٣٢)، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٦٠٤ - ٦٠٥).
(٤) في (ف): "النظر".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٦٤٩ - ٦٥٠).
[ ٥ / ٥٣٧ ]
وقال القشيريُّ: طَلبوا المائدةَ لِتسكُنَ قلوبُهم، وكلٌّ يَطلُب على قدرِ حالتِه، فمِنهم مَن كان سكونُه في مائدةٍ مِن المطاعمِ يَجِدُها، ومنهم مَن كان سكونُه في مائدةٍ مِن المواردِ يَرِدُها، ومنهم عزيز، مَنْ يَجِدُ الغِنى عن برهانٍ يتأمَّلُه، أو بيانٍ يَتطلَّبُه.
وقال: شتَّانَ بين أمَّةٍ طلبَ نبيُّهم لهم سُكونًا بإنزال المائدةِ عليهم، وبين قومٍ بَدأهم اللَّهُ تعالى بإنزالِ السَّكينةِ عليهم مِن غير سؤالِ أحدٍ في حقِّهم.
وقال: لمَّا وعدَهم الإنزالَ حذَّرَهم العذابَ، ليَعلمَ العالِمون أنَّ المرادَ إذا حصلَ، فالخطرُ أشدُّ، والحالُ مِن الآفة أقربُ، ومهما كانت الرُّتبة أعلى كانت الآفةُ أخْفى (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قيل: انتظامُها بقوله: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، ويقول لعيسى هذا يومَ القيامة، وما بينهُما بيانُ شرفِ عيسى، وأنَّه مع منزلتِه هذه يُخاطَب يوم القيامةِ بهذه الهيئة.
وقال السُّدِّيُّ وقطرب: قال اللَّه تعالى له ذلك حين رفعَهُ إلى السَّماء (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا ثلاثةَ أوجه:
أحدُها: أنَّه كان وهو في الأرضِ بين أظهرِهم؛ ليكون ذلك حجَّةً لمن اتَّبعَه على مَنْ زاغَ عن طريقته؛ لأنَّه تبرَّأ أنْ يكونَ قال لهم ذلك.
ويَحتملُ أنَّه قال له ذلك حين رفعَهُ إلى السَّماء، وقرَّرَ عندَه أنَّ قومَه يقولون ذلك بعد مفارقتِه.
ويَحتمل أنَّه يقول ذلك يوم القيامةِ، ويكونُ ﴿قَالَ﴾ بمعنى: يقول، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ [غافر: ٤٩] (^٣).
وأكثرُهم على هذا؛ لأنَّ ما قبلَهُ، وهو قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾، وما
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٥٥ - ٤٥٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٣٣) عن السدي.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٦٥٢ - ٦٥٣).
[ ٥ / ٥٣٨ ]
بعدَه وهو قوله ﷻ: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، وهو في يوم القيامة.
وعن ابن عبَّاسٍ وعطاءِ بن السَّائب كذلك، قال عطاء: فأرعدَ عيسى حتَّى سقطَ إلى الأرض، وهو يقولُ: سبحانك.
وروي أنَّه تَتخلَّعُ مفاصِلُه، وتَسقطُ مِن كلِّ شعرةٍ منه قطرة دمٍ.
وهذا حالُ مَن لم يُذنِب، ويَعلمُ أنَّ اللَّه تعالى يَعلَمُ منه أنَّه لم يُذنِب، فكيف حالُ مَن غرِقَ في الذُّنوب إذا خاطَبه بالعِتاب علَّامُ الغيوب؟!
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما خاطبَ بذلكَ عيسى دون النَّصارى؛ لأنَّهم في غاية البغضِ عند اللَّه؛ لغاية فحشِ ما تَكلَّموا به، قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]، وهذا كقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]، ولأنَّ عيسى ﵇ أصدقُ النَّاسِ كلِّهم عند النَّصارى، فألزمَهم كذبَهم بقولهم، ثمَّ عذَّبَهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ نزَّهَ اللَّه تعالى عن كلِّ سوءٍ أوَّلًا، ثمَّ قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ﴾؛ أي: ما يَنبغي لي أنْ أقولَ ذلك، وهو ظاهرُ البطلان، وقد قلتُ في الصِّغرِ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، فكيف أقول بخلافه في الكِبَر؟
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وهذا اعتذارٌ حسنٌ واضح.
وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾؛ أي: في ذاتي، ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ أي: في ذاتك (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: تَعلمُ ما في غيبي، ولا أعلمُ ما في غيبِك (^٢).
_________________
(١) قوله: "أي في ذاتك": من (ر).
(٢) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ١٢٢).
[ ٥ / ٥٣٩ ]
وقال المبرِّدُ: أي: تَعلمُ ما أعلم، ولا أعلمُ ما تَعلم (^١)، وتعلم ما أُخفي ولا أعلمُ ما تُخفي (^٢)؛ أي: لا أطَّلِعُ على معنى خطابك هذا.
وقيل: تَعلمُ ما عندي، ولا أعلمُ ما عندك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وهو اسمٌ للمبالغة.
* * *
(١١٧) - ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾؛ أي: وحِّدوهُ وأطيعوهُ، وكذلك أخبرَ اللَّه تعالى عنه بقوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال في سورة الزخرف: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦]، ونحوُه في سورة مريم.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ أي: شاهدًا على ما يفعلون ويقولون ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ مدَّةَ كوني فيهم، آمرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾؛ أي: قبضتَني ورفعتَني إلى السَّماء.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: الحفيظَ والمطَّلِعَ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مِن قولي وفِعلي، وقولِهم وفعلهم.
* * *
(١١٨) - ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ إن حُمِل هذا على خطابِه حين رُفِعَ إلى
_________________
(١) "ولا أعلم ما تعلم": ليس من (أ).
(٢) هو قول الزجاج في "معاني القرآن" (٢/ ٢٢٣).
[ ٥ / ٥٤٠ ]
السَّماء، فالكنايةُ راجعةٌ إلى الكلِّ، ومعناه: إنْ تُمِتهُم (^١) على الكفرِ، وتُعذِّبهم بالنَّار لذلك، فلك الحكمُ في مَلكِكَ (^٢) ومِلكك.
ووجهٌ آخر: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ للحال (^٣) ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: وإنْ تُؤخِّر العذابَ عنهم في الحال إلى الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: المنتقمُ مِنهم في الآخرة، وتأخيرُ العذابِ يُسمَّى مغفرةً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، قيل: على كفرهم، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] على ذلك.
وقيل: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: وإن تَهدِهم وتغفرْ لهم بذلك، فإنَّك أنت المنيعُ في سُلطانِك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمرك، لا مانعَ لك عن مغفرتِهم، ولا شيءَ منك إلَّا وفيه الحكمةُ البالغة.
وإن حمل هذا على خطابه يوم القيامة، فمعناه الخصوص مِن العموم، فإن قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ هذا عامٌّ، وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ كذلك، ثمَّ مِنهم مَن ثبتَ على مقالتِه الشَّنيعة، ومنهم من أسلمَ ورجعَ عن ذلك، وحضرَ الفريقان جميعًا يوم القيامة، فيكون قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ إشارةً إلى الكفَّارِ منهم، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إشارةً إلى المؤمنين منهم، ثمَّ في قراءة ابن مسعود ﵁: (وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم) (^٤)، وهو ظاهرُ المعنى في نظم الآية.
_________________
(١) في (أ): "تميتهم".
(٢) في (أ): "ملك".
(٣) من قوله: "لذلك فلك الحكم" إلى هنا ليس في (ف).
(٤) انظر القراءة في "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٦٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢٣).
[ ٥ / ٥٤١ ]
فأمَّا قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: مع مغفرتك أنت العزيزُ الحكيم، و﴿الْعَزِيزُ﴾ في صفة الخَلق: المنتقمُ، وظهورُ العزِّ في الانتقام، فيقول هاهنا: عِزُّك ظاهرٌ، وسلطانُكَ قاهرٌ، وبرهانُك باهرٌ، مع عفوِك عن عبادِك، ومغفرتِك ذنوبَ خلقِك، وعفوُ ملوكِ الدُّنيا قد يكونُ لضعفٍ وعجزٍ، وعفوك لا يكونُ إلَّا لفضلِك وإحسانِك (^١)، وكمالِ قدرتِك وسلطانِك، فأنت حكيمٌ في كلِّ أمورِك.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ المعِزُّ لهم بمغفرتِك لهم.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يضرُّك ذنوبُهم.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ القادرُ على الانتقامِ منهم، والعفوُ عن (^٢) القدرة سِمَةُ الكرم.
وقيل: ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: أعزُّ مِن أنْ يَتجمَّل بطاعةِ مطيعٍ، أو يتضرَّر بزلَّة عاصٍ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ تَضعُ كلَّ شيءٍ موضعَهُ (^٣).
* * *
(١١٩) - ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قرأ نافع (^٤): ﴿يَوْمُ﴾ بالنَّصب على الظَّرف؛ أي: يقولُ اللَّه للأنبياء: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، ولعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ في يوم القيامة.
_________________
(١) من قوله: "وعفو ملوك الدنيا" ليس في (أ).
(٢) في (ف): "عند".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٥٨).
(٤) في (ف): "عاصم".
[ ٥ / ٥٤٢ ]
وقرأ الباقون بالرَّفع على الابتداء (^١)؛ أي يقول اللَّه: إنَّ هذا اليومَ يوم ينفعُ الصَّادِقين فيه صدقُهم في الدُّنيا.
وقال مقاتل ﵀: الصادقون: النَّبيُّون يَنفعُهم صدقُهم، وكان عيسى صادقًا في الدَّنيا فيما قال، فيَنفعُه ذلك، فكذلك يَنفعُ النَّبيِّين فيما شَهِدوا به على أممِهم يومئذٍ (^٢).
وقال الكلبيُّ: أي: يَنفعُ المؤمنين إيمانُهم، والصَّادقون مِن أسماءِ المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
وقيل: الصادقون: هم الموفُّون بالعقودِ التي أمرَ اللَّهُ تعالى بها في أوَّل هذه السورة.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: ﵃ (^٣) بالسَّعي المشكور، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: بالجزاءِ الموفور.
وقيل: أي: بتوفيقِه إيَّاهم على السَّعي المشكور.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فإنَّه في الآخرة، وهو باقٍ، والفوزُ في الدُّنيا غيرُ باقٍ.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" (ص: ١٠١).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٢٢).
(٣) قوله: "﵃" من (ف).
[ ٥ / ٥٤٣ ]
(١٢٠) - ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: عيسى وأمُّه مِن جملةِ ذلك، فهما مملوكانِ له، فكيف يَكونان إلهين، وهو قادرٌ عليهما، فهما مقدوران له، فكيف يكونان ربَّين.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: تَمدَّحَ اللَّهُ تعالى بقدرته القديمةِ، الشَّاملةِ لجميع المقدوراتِ، الصَّالحةِ لإيجادِ المصنوعات، فهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ؛ مِن التَّقرُّبِ والإبعاد، والإشقاء والإسعاد، والقَبول والرَّدِّ، والإقبال والصَّدِّ (^١).
وروي عن عليُّ بن أبي طالب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ المائدةِ شَفِعَ له عيسى ﵇، وأُعطيَ مثلَ أجور (^٢) حواريي عيسى، وكُتِبَ لهُ بِكُلِّ آيةٍ قرأَها مثلُ ثوابِ عُمَّار بيتِ المقدس" (^٣).
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين (^٤)، وصلَّى اللَّهُ على سيدنا محمَّدٍ وآله وصحبِه وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٥٩).
(٢) في (ر) و(ف): "أجر".
(٣) لم أقف عليه مسندًا، وأورده الفيروزأبادي في "بصائر ذوي التمييز" (١/ ١٨٥).
(٤) بعدها في (ف): "ربنا آمنا من خوف المشركين".
[ ٥ / ٥٤٤ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش
المجلد السادس
دار اللباب
[ ٦ / ١ ]
سورة الأنعام
[ ٦ / ٥ ]