بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي تَعالَى عمَّا يشركون، الرحمنِ الَّذي جعلَ لعبادِه السَّمع والأبصار والأفئدةَ لعلَّهم يشكرون، الرحيمِ الذي هو مع الذين اتَّقَوا والذين هم محسنون.
وسورة النَّحل مكيَّة إلَّا ثلاثَ آياتٍ نزلَتْ بالمدينة بعدَ قتل حمزة بن عبد المطَّلب عمِّ رسول اللَّه -ﷺ-، وهي قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ إلى آخر السُّورة.
وهي مئةٌ وثمانٍ وعشرون آية، وألفٌ وثماني مئةٍ وأربعون كلمة، وسبعة آلاف وستُّ مئة وتسعة وثلاثون حرفًا.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "مَن قرأَ سورةَ النَّحل لم يحاسبْهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ بما أنعمَ عليه في دار الدُّنيا، وإنْ ماتَ مِن يومِ تَلاها أو ليلةِ تلاها كانَ له مِن الأجرِ كالَّذي ماتَ فأحسنَ الوصيَّة" (^١).
وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بآخرِ سورة الحجر: أنَّه ختمَ تلكَ السُّورة بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، ثمَّ قرَّب ذلك الآتي فقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾.
وانتظامُ السُّورتَيْن: أنَّه ذكَرَ في تلك السُّورة دلائلَ التَّوحيد، ووعيدَ الكافرين، ووَعْدَ المؤمنين، وذلك كلُّه دعاءٌ إلى التَّوحيد، وذكرَ في هذه السُّورة نِعمَه على
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٥)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٥). قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ٩ / ٢٣٧ ]
عبادِه، وهو استدعاءٌ للشُّكر (^١) مِن العبيد، وهو الإيمان والطَّاعة (^٢) على التَّأبيد، استبقاءً للنِّعمة (^٣) واستجلابًا للمزيدِ.
* * *
(١) - ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾: أي: أتى عذاب اللَّه وعيدًا فلا تستعجلوه وقوعًا.
قال النَّضرُ بن الحارث بن علقمة: اللَّهمَّ إنْ كانَ ما يقوُله محمَّدٌ حقًّا فأمطرْ علينا حجارةً مِن السَّماء. فنزلَتْ هذه الآيةُ جوابًا له (^٤).
وهذا مِن الجواب المفصول، وكذا قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١].
وقيل (^٥): ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: دنا مجيءُ عذاب اللَّه، كقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤]؛ أي: عذابنا.
وقيل: أي: أمرنا بالعذاب.
وقيل أي: عذابنا المأمور به.
وقيل: هو عذاب السَّاعة.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لَمَّا نزلَتْ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية،
_________________
(١) في (أ): "استبداء للشكر"، وفي (ف): "استبداد الشكر".
(٢) في (أ): "بالإيمان والطاعات".
(٣) في (أ): "للنعيم".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٦)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ٧).
(٥) في (ر) و(ف): "وقوله تعالى".
[ ٩ / ٢٣٨ ]
أشفقَ المشركون، فانتظروا قربَ السَّاعة، فلمَّا امتدَّت الأيَّامُ قالوا: يا محمَّد، ما نرى شيئًا ممَّا تخوِّفنا به، فنزلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، فقالوا: يا محمَّد، أينَ ما تعدُنا به مِن نزول (^١) العذاب؟ فنزلَتْ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، فوثَبَ النَّبيُّ -ﷺ- حذرًا مِن وقوعِ السَّاعة، فنزلَ: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- (^٢).
وقال مقاتل بن حيَّان: لَمَّا أخبرَ النَّبيُّ -ﷺ- المشركين بالسَّاعة كذَّبوا بها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فقال النَّبيُّ -ﷺ- عندَ ذلك: "بُعِثْتُ أنا والسَّاعة كهاتَيْن، إنْ (^٣) كادَتْ لتسبقني"، وأشار بأصبعيه (^٤).
وقال ابنُ جريجٍ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: السَّيف والأمر بالقتال (^٥).
وقال الضَّحَّاك: يعني ما كانوا يستعجلون به من الفرائض والشَّرائع (^٦).
_________________
(١) "نزول" ليس في (أ) و(ف).
(٢) ذكر نحوه السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٦٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٥)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٢٢١).
(٣) في (ف): "أو".
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٤٤٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٦) تتمة لحديث ابن عباس ﵄ السابق. وقوله -ﷺ-: "بعثت أنا والساعة كهاتين" رواه البخاري (٦٥٠٣)، ومسلم (٢٩٥٠) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٥) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ١٧٨).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٧٦). قال ابن كثير عند هذه الآية: وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: فرائضه وحدوده، وقد ردَّه ابن جرير فقال: لا نعلم أحدًا استعجل الفرائض والشرائع قبل وجودها، بخلاف العذاب فإنهم استعجلوه قبل كونه استبعادًا وتكذيبًا.
[ ٩ / ٢٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا للَّه عمَّا يقول المشركون.
وقيل: أي: هو مُسبَّح مُقدَّس على ألسنة الملائكة والمؤمنين من الجنِّ والإنس، وفي شهادات الخليقة له بالفطرة مِن أهل السَّماوات والأرضين، كما قال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١]، وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: قرأ الكسائيُّ بتاء الخطاب بناءً على قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقرأ الباقون بياء المغايبة (^١).
ومعناه: تباعدَ عن شِرْكِ المشركين، فلا يجوز وصفُه بالشُّركاء والأنداد.
* * *
(٢) - ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو بياء المغايبة والتَّخفيف ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: يُنْزِلُ اللَّهُ الملائكةَ، وقرأ الباقون بالتَّشديد مِن التَّنزيل (^٢)، وهو كالإنزال.
وروى أبو بكر عن عاصم: ﴿يُنَزَّلُ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعلُه بالياء والتَّشديد ورفع ﴿الملائكةُ﴾ (^٣).
﴿بِالرُّوحِ﴾؛ أي: بالكتاب الَّذي فيه حياةُ القلوب مِن موتِ الضَّلالة.
_________________
(١) وقرأ بالتاء أيضًا حمزة. انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢١).
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٥).
(٣) ذكرها ابن مجاهد في "السبعة في القراءات" (ص: ٣٧٠). والفارسي في "الحجة" (٥/ ٥٣)، وهي خلاف المشهور عنه.
[ ٩ / ٢٤٠ ]
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الرُّوحُ: الوحيُ (^١).
وقال عطاء: النُّبوَّة (^٢).
وقال قتادة: الرَّحمة (^٣).
وقيل: جبريلُ ﵇.
قال أبو عبيدة: ﴿بِالرُّوحِ﴾؛ أي: مع جبريل، قال اللَّه تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (^٤).
﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: شرائعه وأحكامه.
﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يختاره للرِّسالة.
﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ قيل: بأنْ أنذروا؛ أي: يُنزِّل بهذا، أو يأمره بهذا.
﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾: الهاء في ﴿أَنَّهُ﴾ عماد؛ أي: إنَّ اللَّهَ ينزِّل على أنبيائه (^٥) ويوحي إليهم ويأمرُهم أنْ خوِّفوا عبادي عذابي وغضبي على شركِهم بي، فإنِّي لا إلهَ إلَّا أنا فاخشَوني ولا تخالفوني، ولا تجعلوا معي إلهًا آخر (^٦) غيري.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٦٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٧٦).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٦٤)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٦٣).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٦)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ١٠).
(٥) في (ر) و(ف): "على عباده الأنبياء".
(٦) "آخر" من (أ).
[ ٩ / ٢٤١ ]
وقيل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: نزلَ كتابُ اللَّهِ، ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾: لا تقولوا لمحمَّد: لولا (^١) اجتبيتَها، ثمَّ قال على مشاكلته: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾.
* * *
(٣) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: فسَّرنا (الحق) في قولِه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] قبلَ هذا بأوراق.
﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: فسَّرناه الآن، وهو إقامةُ دلالة التَّوحيد، وتقبيحُ الشِّرك والضَّلالِ البعيد.
وقال القشيريُّ: خلقَ السَّماوات والأرض بقولِه الحقِّ، وبحُكْمِهِ الحقِّ، وله الحقُّ، وخلَقَهما للأمرِ بالحقِّ (^٢)، مِن تكليف الخلق، وما يَعقب التَّكليف مِن الحشرِ والنَّشْرِ، والثَّواب والعقاب، تقديسًا وتنزيهًا له عن أن يكون له شريكٌ، أو معه مليكٌ (^٣).
* * *
(٤) - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ أي: مما يخرجُ مِن صُلْبِ الرَّجل وترائبِ المرأة.
_________________
(١) في (أ): "لو".
(٢) في (ف): "الحق".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٨٥).
[ ٩ / ٢٤٢ ]
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾: أي: فنقلَه أطوارًا إلى أنْ وُلِدَ ونشأ، فصار بحيث يَدفعُ عن نفسه ويخاصم عنها، وبيَّن ذلك بالنسق الذي أقدره اللَّه (^١).
وقيل: أرادَ به مخاصمته في أمر السَّاعة ومحاجَّته بقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].
نزلَتْ في أميَّة بن خلفٍ الجمحيِّ، حيث (^٢) جاءَ بالعظمِ الرَّميم إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فقال: يا محمَّدُ، أترى أنَّ اللَّه تعالى يحيي هذا بعدَما رَمَّ، ويعيدُه خلقًا جديدًا بعدَ البِلَى؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] الآيات (^٣).
وقال أبو حاتم: الخَصْمُ: مَن يخاصِمُ بالحقِّ، والخصيم بالباطل؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].
وقيل: الخصمُ الاسم، والخصيم النَّعت.
* * *
(٥) - ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾: الأنعامُ: الإبلُ والبقرُ والغنم.
وقال الحسنُ: سُمِّيَتْ نَعَمًا للِيْنِ مشيِها. وخرج من ذلك الحافر لصلابة وقعها.
_________________
(١) في (ر): "ويبيِّن ذلك بالنَّصِّ الذي أقدره اللَّه عليه"، وسقطت من (ف).
(٢) "حيث" من (أ).
(٣) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٠١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٨٧) عن الزهري، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٩٨)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٤٨٧) عن قتادة، وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣٦١ - ٣٦٢).
[ ٩ / ٢٤٣ ]
﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾: قال ابن عبَّاس: اللِّباس (^١).
وقال أيضًا: هو القُطُفُ والأَكْسيَة وبيوت الشَّعر والوبر (^٢).
وقال الكلبيُّ: الدِّفء: حواشي الإبل؛ يعني: صغارها (^٣).
وقيل: هو ما يُستدفأ به مِن أوبارها وأصوافها وأشعارها.
وعن الحسن: الدِّفء مِن السُّخونة (^٤). وقد دَفُوَتْ ليلتُنا مِن باب شرُف؛ أي: سخُنَتْ، ودَفِئ الرَّجلُ بالثَّوب من حد علم، واستدفأ بالثَّوب، وأدفأه الثَّوب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ﴾؛ أي: من الألبان والسَّمن والرّكوب والولد.
وقيل: هو ما ذُكِر في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ الآية [النحل: ٨٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢١].
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: أي: من لحومِها وشحومِها.
وخصَّ الأكلَ بالذِّكْرِ لأنَّه معظم المقصود.
* * *
(٦) - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾.
قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾: أي: تَردُّونها (^٥) إلى منازلها باللَّيل،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٦٦).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٦٦) دون نسبة. وكذا ذكر نحوه الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ٩٦).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ١٧٩).
(٤) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٥) في (أ): "تردون".
[ ٩ / ٢٤٤ ]
وقد راحَتْ هي رَواحًا، وأراحَها صاحبُها إراحة، مِن الرَّواح، وهو العشيُّ، وهو نقيضُ الصَّباح.
﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: أي: ترسلونها إلى (^١) المرعى، وقد سرحَتْ سُرُوحًا لازم، وأسرَحَها صاحبُها سَرْحًا متعدٍّ، وهو كالرُّجوع والرَّجْع.
يعني (^٢): أنَّها إذا راحَتْ إلى المنازل راجعةً من مسارحِها بالعشيِّ، ممتلئةً ضروعُها، منتصبةً أسنمتُها، رافعةً رؤوسَها، ففيها جَمالٌ؛ لأنَّ الإنسانَ يتجمَّل بمالِه؛ قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وفي الخروج إلى المرعى كذلك.
ووقع الابتداء بالإراحة لزيادة الجَمال في حينها (^٣) على حين السَّرح (^٤).
وقيل: هو جمالٌ يظهرُ في الوجهِ مِن السُّرور بها.
وقيل: هو جمالُ قِرى الأضياف.
وقيل: هو جمال غناهم عن النَّاس وحاجتِهم إليهم.
* * *
(٧) - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾:
_________________
(١) في (أ): "في".
(٢) في (أ): "بمعنى".
(٣) في (ر) و(ف): "حسنها".
(٤) في (أ): "التسريح".
[ ٩ / ٢٤٥ ]
أي: تحمل أحمالكم وما يَثقلُ عليكم حملُه مِن المتاع إلى البلدان البعيدة التي لا تبلغونها إلَّا ﴿بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾؛ أي: الأبدان (^١). والشِّقُّ: المشقَّةُ.
وقيل: هو النُّكرة الَّتي (^٢) تكاد تنشقُّ منه النَّفس.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: خلقَ لكم هذه الأشياء وسخَّرها لكم.
وقيل: ذكرَ هذا لتَرحموا هذه الأنعامَ بالإنفاق عليها والإحسانِ إليها.
* * *
(٨) - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾: عطفٌ على قوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾.
﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ هو حُجَّةُ أبي حنيفة ﵀ في حرمةِ أكلِ لحم الخيلِ.
وبه استدلَّ عبدُ اللَّه بنُ عبَّاس ﵄ أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ هذه الأشياء بطريق عدِّ النِّعم والامتنان بها، ولو كانَ يحلُّ أكلُها لم يكن مِن الحكمةِ تركُ ذِكْرِه وذكرُ ما دونَه في كونِه نعمةً وغرضًا مقصودًا (^٣).
_________________
(١) في (أ): "لا تبلغونها إلا بمشقة الأبدان".
(٢) في (ف): "الذي" بدل من "النكرة التي". والنكرة لعلها: الأمر الشديد، كذا في المعاجم لكن فيها: النُّكر، بدون هاء.
(٣) انظر: "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (٧/ ٢٨٩)، و"المبسوط" للسرخسي (١١/ ٢٣٤). وأثر ابن عباس ﵄ رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٧٣ - ١٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٧٧). وقوله: "لم يكن مِن الحكمةِ تركُ ذِكْرِه وذكرُ ما دونَه" معناه واللَّه أعلم: لم من الحكمة ترك ذكر الأكل وذكر ما دونه من الركوب، ولعل شرح هذا الكلام هو ما قاله الماتريدي في "تأويلات أهل =
[ ٩ / ٢٤٦ ]
ودلَّتِ الآيةُ على حِلِّ اتِّخاذِ البِغال؛ إذ لو حرمَ ذلك لم تكن مِن النِّعم الَّتي يُمْتَنُّ (^١) بها.
وقوله تعالى: ﴿وَزِينَةً﴾: يحتملُ أن يكون تقديره: ولِزِينةٍ؛ أي: لركوبٍ وزينةٍ، أو يكون تقديره: لتركبوها ولتكون زينةً لكم، كما ذكر في الأنعام أنَّها (^٢) جَمال لكم، وتُحْمَل إحدى الكلمَتَين على موافقةِ الأخرى.
وقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: يخلقُ سوى هذه البهائم أشياءَ لا تعلمونها، مِن أنواع الحشراتِ في المفاوز، والهوامِّ تحتَ الأرض، وفي البرِّ والبحر ما لم يرَهُ البشر ولم يسمعوا به.
وقيل: هو ما يخلُقُ في الجنَّةِ مِن ذلك لأهلِها، وفي النَّارِ لأهلِها، ما لم ترَوْه ولم تسمعوا به.
وقال قتادةُ: هو السُّوس في الثِّياب، والدُّود في الفواكه (^٣).
_________________
(١) = السنة" (٦/ ٤٧٨)، حيث قال: وسئل ابن عَبَّاسٍ عن لحوم الخيل؟ فقرأ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك. وتمام هذا: أن اللَّه ذكر الأنعام وما ذُكر من النَّعم والانتفاعِ بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنَّه قال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ الآية، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾. . . فذكَر جميع ما يُنتفع به من أنواع المنافع ذكرًا شافيًا مبالغًا غير مَكْفي، فدل ما ذَكَر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكَر على ما ذكَر في غيره. واللَّه أعلم.
(٢) في (أ): "يمن".
(٣) في (أ): "أيضًا".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٩).
[ ٩ / ٢٤٧ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليسَ لنا أنْ نتكلَّفَ علمَ ذلك (^١).
* * *
(٩) - ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أي: في خَلْقِ ما ذكرنا عبرةٌ ودلالةٌ على الهدى، وعلى اللَّهِ بيانُ قصدِ السَّبيل؛ أي: الطَّريقِ القاصد، وهو المستقيمُ، وهو طريقُ الحقِّ، وهو كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩].
وليس ذلك للوجوب؛ فإنَّه لا يجبُ على اللَّهِ شيءٌ، ولكن يقول: مِن الحكمةِ البيانُ منَّا للصَّواب من الخطأ، والرَّشادِ مِن الضَّلال؛ لتتَّبعوا الرَّشاد، وتجتنبوا الضَّلال، وقد فعلْنا ذلك.
﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: أي: ومن الطُّرقِ طريقٌ مائلٌ عن السَّداد، وقد بيَّناه كما بيَّنا الطَّريق المستقيم.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: أعطاكم الاهتداءَ لو علِمَ منكم اختيار ذلك.
وقيل: معنى ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: وللَّه، كما قال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾؛ أي: للنُّصُب.
وقيل: أي: إلى رضوانِ اللَّهِ وصولُ قاصدي هذا السَّبيل، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾؛ أي: مِن هذا السَّبيل جائرون مائلون، لا يقصدون رضا اللَّهِ، ولا يتوجَّهون إلى اللَّه، فممرُّهم على الشَّيطان.
وقيل: أي: ممرُّ القاصدِ والجائرِ على اللَّهِ، كقولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]؛ أي: لا يخرج أحدٌ عن قبضتِه أيَّ طريقٍ سَلَكَ.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٨٠).
[ ٩ / ٢٤٨ ]
وقال قتادة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾؛ أي: بيان الحلال والحرام (^١).
وقال السُّدِّيُّ: بيان الهدى، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾؛ أي: طريق الشيطان (^٢).
وقال مجاهد: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: طريق الحقِّ، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾؛ أي: زائغ (^٣).
وقال ابنُ المبارك ﵀: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: السُّنَّة، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: البدعة (^٤).
وقال سهل بن عبد اللَّه: هو كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (^٥).
وقال القشيريُّ: قومٌ هداهُم اللَّهُ السَّبيل، وعرَّفهم الدَّليل، وصرفَ عن قلوبِهم خواطَر الشَّك، وعصمَهم عن الجَحْد والشِّرك، وأطلعَ على قلوبِهم شموسَ العرفان، وأفردهم بنور البيان، وآخرون أضلَّهم وأغواهم، وعن شهود الحقِّ أعماهم، وفي سابق حكمه أذلَّهم وأخزاهم، ولو شاء لعرَّفَهم وهداهم (^٦).
* * *
(١٠) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٧٨).
(٢) ذكره شطره الأول مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٤٦٠)، وروى شطره الثاني الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٧٩) عن قتادة.
(٣) روى شطره الأول الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٧٨).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٩)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ٢٤).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٨٠) عن ابن زيد.
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٨٧).
[ ٩ / ٢٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾: وهذا أيضًا مِن آثارِ قدرته، وأنواعِ نعمته.
﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا منه تشربون، ومنه يَنْبُتُ الشَّجرُ والنَّباتُ والغَرْس.
﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾: أي: ترعَون مواشيَكم، وقد سامَتْ هي تسومُ سومًا؛ أي: رعَتْ، وأَسَمْتُها أنا إسامةً.
* * *
(١١) - ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾: أي: ينبتُ اللَّهُ بالمطر الزَّروعَ المختلفة من الحبوب التي تقتاتونها.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: أي: إنَّ فيما خلقَ اللَّهُ لعلامَةً على ألوهيَّته وقدرته وإنعامِه ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في الدَّلائل.
* * *
(١٢) - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾: قال الإمامُ أبو منصور ﵀: ووجهُ تسخيرِها: أنَّ اللَّهَ تعالى خلقَها، وجعلَ فيها منافع للخلْقِ يصلُ إليهم شِئْنَ أو أبيْنَ، أحبَبْنَ أو كرهْنَ (^١).
_________________
(١) في (ر): "شاءوا أو أبوا، أحبوا أو كرهوا". والمثبت موافق لما في "التأويلات". انظر: "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٤٨٣).
[ ٩ / ٢٥٠ ]
وقوله تعالى ﴿بِأَمْرِهِ﴾ ليس هو أمرَ تكليفٍ، بل هو أمرُ تكوينٍ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾؛ أي: دلائل واضحة على قدرته.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم في التَّأمُّل فيها.
* * *
(١٣) - ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾: أي: سخَّرَ لكم ما ذرأ لكم (^١).
﴿فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: مِن الملابسِ والمطاعمِ والمشاربِ والمراكبِ والمناكحِ والخدمِ وآلاتِ الارتفاقِ وغيره (^٢).
﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: نصب على الحال، ووحَّدَ ذلك لتقدُّمه على المنعوت، فصار كتقديم الفعل على الفاعل، وهو في تقدير الفعل أيضًا، ولذلك رفع ﴿أَلْوَانُهُ﴾، وتقديره: تختلف ألوانه، واختلاف ألوانها: أنَّه لا يشبِهُ بعضُها بعضًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: أصلُه: يتذكَّرون؛ أي: يتَّعظون بمواعظ اللَّه. والآياتُ للكلِّ، لكنَّ الانتفاعَ لهؤلاء، فخُصُّوا بالذِّكْرِ.
وبدأ بقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ ثم بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ثم بقوله: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ ثم بقوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾، وكذا التَّرتيب في الوجود، فإنَّه يتفكَّر أوَّلًا فيها، فيعقِلُ ويتذكَّر، فيشكر اللَّهَ على نعمِه.
* * *
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "أي: خلق لكم".
(٢) في (ر) و(ف): "والخدم والآلات والأرزاق والارتفاق وغيرها".
[ ٩ / ٢٥١ ]
(١٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾: هو للجنس، فيقع على كلِّ البحار.
﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾: أي: السَّمكَ بالاصطياد ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ﴾؛ أي: ولتستخرجوا منه بالغَوص ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾؛ أي: اللَّآلئَ والمرجان، تجعلونها في حليِّ الذَّهب والفضَّة، فتتزيَّنون بها.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾: أي: السُّفن ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: جمع ماخرة، يقال: مَخَرَ مخرًا، مِن حدِّ دخل وصنع؛ أي: جرى بشقِّ الماء مع صوت.
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: تركبونها في الأسفار للتِّجارات.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: ولتشكروا اللَّهَ على هذه النِّعم.
وتسخيرُ البحر: تذليلُه على ما هو عليه مِن كثرة الماء المحتمِل للسُّفن الثِّقال التي كأنَّها الجبال، تُشحَن بأنواعِ الأحمال، فتجري فيه بالرِّياح وبالآلات التي ألهمنا اللَّهُ اتخاذَها، وعلمنا وجوه إجرائِها، وفيه قطعُ المسافات البعيدة في المدَّة اليسيرة، فتقطع المسافات، وتحمل الحمولات في الماء بالسُّفن، وفي البرِّ بالدَّواب، ومنَّ بهذه كما منَّ (^١) بتلك فيما تقدَّم: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.
وفي الآيةِ دلالةُ إباحةِ التِّجارة، وطلبِ الفضل بركوب الأخطار واحتمالِ الشَّدائد.
* * *
_________________
(١) في (أ): "ومن بهذا كما مر".
[ ٩ / ٢٥٢ ]
(١٥) - ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابتَ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ أي: لئلَّا تضلُّوا.
والمَيدُ: الانقلاب، وقيل: الاضطراب، وقيل: الدَّوران، وقيل: التَّحرُّك يمينًا وشمالًا.
وقال كعب الأحبار: لمَّا خلق اللَّهُ الأرضَ جعلَتْ تَكَفَّأ، فخلق اللَّهُ ملكًا يقال له: صاعديائيل، فوضع رجله عليها فاستقرَّت، ثم أرساها اللَّه تعالى بالجبال (^١).
وقال وهبٌ: لمَّا خلق اللَّهُ الأرض جعلَتْ تمور وتضطرب، فقالت الملائكة: إنَّ هذه غير مُقِرَّةٍ أحدًا على ظهرها، فأصبحَتْ وقد أُرسيَتْ بالجبال، لا تدري كيف أُرْسيَتْ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارًا﴾: عطفٌ على الأوَّل؛ أي: وأَلقى أنهارًا؛ أو يُضمَرُ فعلٌ آخر: وجعل فيها أنهارًا، كما يقال: تقلَّد سيفًا ورمحًا؛ أي: واعتقل رمحًا.
وقوله تعالى: ﴿وَسُبُلًا﴾: أي: وجعل فيها طُرُقًا تَصِلون بها إلى مقاصدكم، فلكلِّ (^٣) مقصدٍ طريقٌ به توصِلُ إليه في الحجِّ والغزو والتِّجارات وسائر الحاجات.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: أي: لتهتدوا إلى المقاصد.
وقيل: أي: لتهتدوا إلى المراشد بالنَّظر في الأدلَّة والشَّواهد.
وقيل: إنَّما قال: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأنَّه لا بدَّ من الاستدلال في بعض المواضع للاهتداء إلى المقاصد.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١١).
(٣) في (ر): "كل"، وفي (ف): "قد جعل لكل".
[ ٩ / ٢٥٣ ]
(١٦) - ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾: أي: وجعل للطُّرقِ علامات، وهي معالم وُضعَتْ لها.
وقيل: هي الجبال والرِّياح ونحوُها.
وقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أي: وبالنُّجوم، وهو اسم جنسٍ فصلح (^١) للجمع، كما (^٢) يقال: فلانٌ كثيرُ الدِّرهم والدِّينار (^٣).
و﴿هُمْ يَهْتَدُونَ﴾: رجوعٌ إلى المغايبة بعدَ الابتداءِ بالمخاطبة، وهو أحدُ أنواع البلاغة والتَّوسُّع في الكلام.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾: إلى الطُّرق (^٤).
وقال السُّديُّ: أي بالثُّريا والفرقدَيْن وبنات النَّعش والجدي يهتدون إلى الطُّرق (^٥).
وقال محمَّد بن كعب: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾؛ أي: الجبال بالنَّهار، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ باللَّيل (^٦).
_________________
(١) في (أ): "فصح".
(٢) "كما" ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "الدراهم والدنانير"، وهو تحريف ظاهر.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٩٢)، ولفظه: " ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني بالعلامات: معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٢).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٢).
[ ٩ / ٢٥٤ ]
وقال قتادة: إنَّما جعل اللَّهُ النُّجوم لثلاثةٍ: لتكون زينةً للسماء، ومعالمَ للطُّرق، ورجومًا للشياطين، فمَن قال غير هذا فقد أخطأ رأيه (^١).
* * *
(١٧) - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار.
ومعناه: أيستوي مَن يَخلق ومَن لا يَخلق؟
وأرادَ به الأصنام، وإنَّما قال: ﴿كَمَنْ﴾، ولم يقلْ: (كما) وهي جماد؛ لأنَّه ذكرَ فعْلَ الخلْقِ، وهو ممَّن يَعلَم، ولأنَّ (مَن) بمعنى (ما) موجودٌ في القرآن: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ بعقولِكم أنَّه لا يجوز أنْ يُسَوَّى بين القادر والعاجز والخالقِ والمخلوق في العبادة.
* * *
(١٨) - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: أي: لا تُطيقوا عدَّها، وأداءَ حقِّها.
ذكر ما مضى من الآيات في بيان قدرته ونعمته، ثم أنكر على الكفَّار إشراكَهم باللَّهِ العاجزَ، وبيَّنَ بهذه الآية عجزَهم عن شكرِ نعمتِه، بل عن عدِّ نعمه.
وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾: ساترٌ للذُّنوب، يمهلُكم ولا يعاجلكم ﴿رَحِيمٌ﴾ يكتفي منكم من الشُّكر بقَدْر وُسعكم، ويرضى بيسير الشُّكر على كثير النِّعم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٩٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩١٣).
[ ٩ / ٢٥٥ ]
(١٩ - ٢٠) - ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿يسرون﴾ و﴿يعلنون﴾ ﴿والذين يدعون﴾ كلهنَّ بياء المغايبة، وكذلك الكسائيُّ (^١)، وروي عن عاصم: ﴿يَدْعُونَ﴾ خاصَّة بياء المغايبة، والباقون كلُّهم بتاء المخاطبة (^٢).
أي: لا يخفى على اللَّه شيء من عبادِه، أسرُّوا أو أعلنوا.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: من الأصنام ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: لا يقدرون على خلق شيء ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: وهم مخلوقون للَّه.
* * *
(٢١) - ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿أَمْوَاتٌ﴾: أي: هم أموات ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾؛ أي: هي جمادٌ لا حياةَ لها، جاهلةٌ لا علمَ لها.
وهو قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: أي: وما تدري هذه الأصنام متى يُحشرون.
_________________
(١) ما ذكره المصنف عن حفص هي رواية هبيرة عن حفص عن عاصم، والرواية المشهورة عن حفص عن عاصم: ﴿تُسِرُّونَ﴾ و﴿تَدْعُونَ﴾ بالتاء، ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء، وكذا قرأ أبو بكر عن عاصم أيضًا. انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٣٧١). أما الرواية المشهورة عن الكسائي فهي أنه قرأ الثلاثة بالحاء، فالقراء السبعة إذًا اتفقوا على قراءة: ﴿تُسِرُّونَ﴾ و﴿يَدْعُونَ﴾ بالتاء، أما ﴿يَدْعُونَ﴾ فالجمهور قرأها بالتاء، وقرأها عاصم بياء المغايبة. انظر: "السبعة" (ص: ٣٧١) و"التيسير" (ص: ١٣٧).
(٢) انظر التعليق السابق.
[ ٩ / ٢٥٦ ]
ومعناه: أنَّ هذه الآلهة تحضر يوم القيامة، فتُجْعَلُ مع عُبَّادها في نار جهنَّم، كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] (^١).
وقيل: ﴿أَمْوَاتٌ﴾: صفة المشركين؛ أي: أمواتٌ بالكُفْر، ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ بالإسلام، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وهو كقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]، وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]؛ أي: لا يؤمنون بالبعث، ولا يتعرَّفون وقته، ولا يعتقدون قربَه، ولا يستعدُّون له.
* * *
(٢٢) - ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أي: المستَحِقُّ لعبادتِكم وتعظيمِكم إلهٌ واحدٌ.
﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: أي: لا يصدِّقون (^٢) ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾؛ أي: للتَّوحيد ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: متعظِّمون (^٣) عن الإيمانِ.
* * *
(٢٣) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.
﴿لَا جَرَمَ﴾: قال الخليل (^٤): هي كلمةُ تحقيقٍ، ولا تكون إلَّا جوابًا، يقال: فعلوا
_________________
(١) "كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ " ليس في (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "أي لا يؤمنون بالبعث".
(٣) في (أ): "متعظون"، وفي (ر) و(ف): "معظمون"، والصواب المثبت.
(٤) "الخليل" ليس في (أ).
[ ٩ / ٢٥٧ ]
كذا، فيقال: لا جرمَ أنَّهم سيندمون، فالمعنى على هذا: حقًّا إنَّ لهم النَّار (^١).
وقيل: ﴿لَا﴾ ردّ لكلامِهم، ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى: حقَّ ووجبَ.
وقيل: ﴿جَرَمَ﴾؛ أي: كَسَبَ، كقولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٢]؛ أي: كَسَبَ فعلُهم لهم ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: أي: علِمَها منهم، فأعدَّ لهم جزاءَها.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾: أي: المتعظِّمين عن الانقياد للرُّسل.
* * *
(٢٤) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: أي: من الوعيد؛ أي: إذا ذكِرَ لهم أنَّ ربَّكم أنزل فيكم الوعيد، فكيف تصنعون إذا حلَّ ذلك (^٢) بكم؟
﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: هي أساطير الأوَّلين، هم سطروها، لا أنَّ اللَّهَ أنزلها، ولهذا رفع قولَه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ لأنَّهم لم يقرُّوا بإنزالها، فلم يكن فعلُ الإنزال واقعًا عليها على زعمِهم، بل ابتدؤوا بذلك وصفَه.
* * *
(٢٥) - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ١٥٨)، وابن سيده في "المحكم" (٧/ ٤١٣) (مادة: جرم). وفي "العين" المنسوب للخليل (٦/ ١١٩) الكلام فيه مختصر، ولفظه: لا جَرَمَ يَجري مَجرَى لا بدَّ، ويُفسَّر: حقًا.
(٢) "ذلك" ليس في (أ).
[ ٩ / ٢٥٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هي لام العاقبة؛ أي: فعلوا ذلك ويصيرُ جزاؤهم في العاقبة أنَّهم يعاقبون على ما حملوه من آثامهم كلِّها.
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾: أي: وآثام الذين اتَّبعوهم وضلُّوا بإضلالهم، وإنَّما قال: (مِن) لأنَّه للتَّبعيض، وفي حقِّ أنفسِهم يُعاقَبون بكلِّ ذنوبِهم، وفي حقِّ الذين ضلُّوا بإضلالهم يُعاقَبون بالذُّنوب التي أذنبوها بإضلالهم دونَ سائر الذُّنوب.
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ليس بعذرٍ، بل هو عيبٌ لهم بالجهل والسَّفاهة، ومعنى نفي العلمِ؛ أي: لم يعلموا أنَّهم يَضلُّون بإضلالهم، أو (^١) لم يعلموا ماذا يلحقُهم بهذا الإضلال، أو لم يعلموا أنَّ آثامَ الذين ضلُّوا عليهم.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾: أي: بئسَ ما يحملون من الأوزار.
وقيل: الآية نزلَتْ في المقتسمين الذين قعدوا على الطُّرق يمنعون النَّاس عن اتِّباع رسول اللَّه -ﷺ-، ويقرُّونهم على الشِّرك والضَّلال.
وهو عامٌّ في حقِّ كلِّ مُضلٍّ، وقد قال النَّبيُّ -ﷺ-: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ مَنْ عملَ بها إلى يوم القيامةِ، ومَنْ سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً فعليه وِزرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ" (^٢).
* * *
(٢٦) - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "أي".
(٢) رواه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁.
[ ٩ / ٢٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مكرَ الكفَّارُ الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين بأنبيائهم كما مكرَ بك هؤلاء، فلم يضرَّ ذلك بالأنبياء.
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: أي: أبطلَ اللَّهُ مكرَهم، ونقضَ حجَّتَهم، وهو مجازٌ، كقولك لرجل إذا انكسَرَتْ حجَّتُه: قد بطلَ ما بنيْتَ، وانهدمَ ما أسَّسْتَ.
﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: أي: انقلبَ عليهم مكرُهم.
﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أي: مِن الوجه الذين لا يشعرون أنَّه يأتيهم من جهته، وفي الوقت الذي لا يعلمون أنَّه يأتيهم فيه.
وقيل: هو على حقيقة البناء، ومعنى قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾؛ أي: الأساس ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: سقط عليهم ﴿السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، فالخرور لا يكون إلَّا من فوق، وذكرَه للتَّأكيد، كما في قوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
ومعنى التَّأكيد: أنَّه للتَّحقيق، لا للمجاز، فقد يقولُ الرَّجلُ: خَرَّ عليَّ منزلي، ولا يريدُ سقوطَه عليه، فأما إذا (^١) أراد ذلك قال: خَرَّ عليَّ مِن فوقي.
فهاهنا أراد: أنَّه (^٢) سقطَ عليهم وهم تحتَه، فأهلكَهم اللَّهُ.
وفي التَّفسير: أنَّ هذا البناء كان لبختنصَّر.
وقال ابن عبَّاس ﵄ وزيد بن أسلم: وهو صرح نمرود (^٣).
_________________
(١) في (ر): "فإذا"، وليست في (ف).
(٢) في (أ): "أنه أراد به أنه" بدل من "أراد أنه".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٠٤).
[ ٩ / ٢٦٠ ]
وقال ابن عباس: كان طول البناء في السَّماء خمسةَ آلاف ذراع (^١).
وقال كعب: كان طولُه في السَّماء فرسخين. وبه قال مقاتل؛ قال: فهبَّتْ ريحٌ فألقَتْ رأسَه في البحر، وخرَّ عليهم الباقي من فوقِهم (^٢).
وهذا الإتيان بإجماع أهل القبلة ليس بإتيان انتقال، وكذا في قوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] في حقِّ بني قريظة والنَّضير، وهو حجَّتنا على المجسِّمة في تأويل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، و﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠].
* * *
(٢٧) - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾: أي: يفضحهم ويُذِلُّهم، بعد (^٣) ما أهلكهم في الدُّنيا، وأبطل مكرَهم بالأنبياء، وهو تلبيسُهم في تصوير حقِّهم بالباطل عند الضَّعفة، وسعيُهم في هلاك الأنبياء.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾: أي: يوبِّخهم فيقول: أين الآلهة التي كنْتُم تجعلونها شركاء لي (^٤)، وتعادُون الأنبياءَ بسببها؟ أين هم فيدفعوا عنكم ما نزل بكم؟
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٣).
(٢) ذكره عن كعب ومقاتل الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٤). وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٦٥).
(٣) في (ر) و(ف): "مع".
(٤) في (ر): "التي كنتم تجعلونها آلهة"، و(ف): "التي كنتم تعبدونها".
[ ٩ / ٢٦١ ]
﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: المؤمنون الذي أُعطوا العلمَ باللَّهِ وبدينِه في الدُّنيا:
﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾: أي: الفضيحة والمذلَّة ﴿وَالسُّوءَ﴾؛ أي: المكاره التي تسوؤهم ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: المشركين باللَّه.
وهم يومئذ أنزلهم اللَّه منازل الأنبياء والأولياء، فنعَّمهم وسرَّهم، فشكروا ذلك، وذكروا حال الكفَّار.
* * *
(٢٨) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: نعتٌ للكافرين ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: نصبٌ على الحال.
﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: أي: الاستسلام؛ أي: انقادوا، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل، وأُلحقَ بالماضي لأنَّه كائنٌ لا محالة.
قوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: أي: يقولون، وهذا مُضمَرٌ لدلالة الحال عليه، وقوله تعالى: ﴿مِنْ سُوءٍ﴾؛ أي: كفرٍ، يتبرَّؤون منه.
وقيل: معناه: ما كان ذلك عندنا سوءًا.
فيُقال لهم: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: كنتم لا تعملون إلا سوءًا، واللَّه عليم بما كنتم تعملون، فلم ينفعْكم إنكارُكم، ولا جهلُكم بالسُّوء؛ إذ كانت الأدلَّةُ واضحة، والبراهينُ لائحة.
* * *
[ ٩ / ٢٦٢ ]
(٢٩) - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا خروجَ لكم عنها، ولا خلاصَ منها.
﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: على أنبياء اللَّه وعلى أوليائه.
وقد سبقَ ذكرُ تكبُّرِهِم بقوله: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ فإنْ كان هذا القولُ لهم عند الموت فمعناه: فادخلوا أبواب جهنَّم إذا بُعِثْتُم.
وأبوابُها: طبقاتُها ودَركاتُها، وهي بعضُها فوقَ بعضٍ، ولعلَّ هؤلاء يستحقُّون العذاب في الدَّرك الأسفل، أو في الدَّرك الرَّابع، فلا يصلون إليه إلَّا بمجاوزةِ الأبواب أجمع.
ويجوز أن يكون لكلِّ طبقةٍ بيوتٌ، ولكلِّ بيتٍ بابٌ.
ويجوز أن يكون هذا إخبارًا لهم عندَ الموتِ بعذاب القبر؛ لأنَّه بابٌ من أبواب جهنَّم للكافر.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾: ثم أخبر -بعد (^١) الإخبار عن الكافرين- عن المؤمنين الذين اتَّقوا الشِّرك؛ أنَّهم إذا سُئلوا عن كتاب اللَّه: ماذا أنزل اللَّه فيه؟ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾؛ أي: أنزل خيرًا؛ لأنَّ القرآن خيرٌ وهدًى ونفعٌ وشفاءٌ لِمَا في الصُّدور، يُستَدلُّ به على اللَّه وعلى أنبيائه وشرائعِ دينه، فخيراتُه لا تُحصى.
_________________
(١) في (ف): "بعد هذا".
[ ٩ / ٢٦٣ ]
وقيل: أي: أنزل (^١) الشَّرائع ومكارم الأخلاق.
ونُصب ﴿خَيْرًا﴾ لو قوع فعل الإنزال عليه، وفي الأوَّل ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالرَّفع؛ لأنَّهم لم يقرُّوا بالإنزال، بل قالوا: هي أساطيرُ الأوَّلين.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: اختلفوا: أنَّه قول هؤلاء، أو ابتداءُ كلامٍ مِن اللَّه؟ فأجاز الحسنُ فيه الوجهين، وكذلك الزَّجاج (^٢).
والأظهرُ أنَّه كلامُ اللَّه تعالى؛ لأنَّه أبلغُ في الدُّعاء إلى الإحسان، ولأنَّه إذا لم يقم الدَّليل القاطع أنَّه حكايةٌ عنهم فهو من كلام اللَّه تعالى.
ثم معناه: للمحسنين حسنةٌ في الدُّنيا، وهي التَّوفيق والعصمة، والنَّجاة من العذاب المعجَّل النَّازل بالمشركين.
قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أي: ولدار الحياة الآخرة أو النَّشأة الآخرة خيرٌ لهم ممَّا أصابوه في الدُّنيا.
﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾: اللَّام للقسم، و(نِعْمَ) كلمة مدح، فنِعْمَ الدَّارُ الجنَّةُ؛ إذ لا خوفَ فيها ولا حزن، ونعيمُها مقيمٌ، ومُلكها دائمٌ، وصاحبُها فيها خالدٌ.
* * *
(٣١ - ٣٢) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "إنزال".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٩٦).
[ ٩ / ٢٦٤ ]
قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: هي صفهَ تلك الدَّار ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ثم وصف المتقين فقال:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾: أي: طيبي الأعمالِ والقلوب مِن دنَس الشِّرك.
﴿طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: إذا بُعِثْتم.
* * *
(٣٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: أي: ما ينتظر مشركو قريش ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبض أرواحِهم، وهم ظالمون لأنفسِهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بعذاب ينزلُ بهم في الدُّنيا مثلَ ما نزل بمَنْ قبلَهم مِن الخسْفِ والقذْفِ ونحو ذلك، أو في الآخرة بما أُوْعدوا به.
قال مجاهد وقتادة: ﴿أَمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أي: القيامة (^١).
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: استعجلوا العذاب ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ما عذَّبهم بغير ذنب ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: يوردون أنفسَهم موارد الهلكة بالشِّرك، وينقصون حظوظها من الجنَّة.
* * *
(٣٤) - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: أي: الأجزيَةُ السَّيئة بأعمالهم السَّيئة.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢١٥).
[ ٩ / ٢٦٥ ]
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: نزلَ بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: العذابُ الذي كانوا لا يصدِّقون به ويجحدونه هزوًا.
* * *
(٣٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
إنَّما أنكر اللَّهُ هذا القول على المشركين وهو حقٌّ في نفسه إذ الكائنات كلُّها بمشيئة اللَّه تعالى؛ لأنَّ بعض المشركين من العربِ كانوا يقولون هذا القول وقصدُهم أن ينفوا عن أنفسِهم الملامةَ والمذمَّة بارتكابهم الشِّرك والمعاصي، وكانوا يقولون: لا لومَ على عاصٍ ما لهذا المعنى (^١)، فأكذَبهم اللَّهُ تعالى، وبيَّنَ لهم أنْ لا عذرَ لهم، ولا يَسقطُ اللَّوم عنهم؛ لأنَّ مشيئةَ المعاصي من اللَّهِ معناها: أنَّه أرادَ أن تكون معصيةً قبيحة منهيًّا عنها، ملومًا عليها مرتكبُها، معاقَبًا بها، ولا إكراه منه لهم على ذلك (^٢)، فلم يسقط عنهم اللَّوم. وقد شرحنا ذلك في (سورة الأنعام) بأتمَّ من هذا.
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: ما على الرُّسل إلَّا الَّتبليغ الظَّاهر، وقد بلَّغوا أنَّ مشيئةَ اللَّهِ ﷿ ليسَتْ بعذرٍ لهم.
* * *
_________________
(١) قوله: "ما لهذا المعنى" ليس في (ر).
(٢) في (أ): "عليها" بدل: "على ذلك".
[ ٩ / ٢٦٦ ]
(٣٦) - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: وحِّدُوه وأطيعوه ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾؛ أي: الشَّيطان والصَّنم وكلَّ ما يدعوا إلى الشِّرك والضَّلالة.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾: أي: اختلفَتِ الأمم: فمنهم مَن (^١) اختاروا تصديقَهم واتِّباعهم فأرشدهم اللَّه لذلك، ومنهم مَن اختاروا تكذيبَهم ومخالفتَهم، فخذلهم اللَّهُ بسبَب كفرهم، وتحقَّقَتْ لهم الضَّلالة.
قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ معاشر المؤمنين ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ الذين (^٢) أهلكَهم اللَّه، وأخلى ديارَهم عنهم، وجعلها معتبَرًا لمن بعدهم، وكذلك يفعلُ بمن فعل (^٣) فعلَهم.
* * *
(٣٧) - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾: أي: يا محمَّد، إنْ جهدْتَ على هدايتِهم فليسَ الأمرُ إليك.
_________________
(١) في (ر): "من هدى اللَّه".
(٢) "الذين" من (أ).
(٣) في (أ): "فعل مثل".
[ ٩ / ٢٦٧ ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ بفتح الياء؛ أي: إنَّ اللَّه لا يهدي مَن أضلَّه، لعلمه اختيار الضَّلالة منه.
وقرأ الباقون: ﴿لا يُهْدَى﴾ بضمِّ الياء على ما لم يُسمَّ فاعلُه (^١)، والهاء العائدة مقدَّرةٌ في آخره؛ أي: مَن يضله؛ أي: مَن أضلَّه اللَّه لا يُهدَى أبدًا؛ أي: لا يهديه أحد.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: جُمع لأنَّ (مَن) تصلح للجمع؛ لأنَّه جنس، يعني. (^٢): وما للضَّالين ناصرون يمنعونهم من حريان حكم اللَّه عليهم، ويدفعون العذاب عنهم، الذي أعدَّه (^٣) لهم وينزلُه بهم.
* * *
(٣٨) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أي: وحلفوا باللَّه مجتهِدِين في أيمانِهم مظهرين من أنفسِهم أنَّهم بارُّون فيها:
﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ وهو وصفٌ منهم للَّه بالعجزِ عن بعث الموتى.
﴿بَلَى﴾: وهو ردٌّ عليهم قولَهم ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ هو قادرٌ عليه، وقد أخبر به، وهو يحقِّق هذا الوعد ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كمالَ قدرته، وبالغَ (^٤) حكمتِه، في بعثِه بعدَ إماتتِه.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧).
(٢) "يعني" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "العذاب عنهم الذي أعده"، وفي (ف): "ويدفعون عنهم هذا الذي أعد"، وفي (ر): "ويدفعون عنهم عذابه الذي أعد".
(٤) في (ر) و(ف): "وبلاغ".
[ ٩ / ٢٦٨ ]
(٣٩) - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.
قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: أي: يبعثُهم ليبيِّن لمنكريه ما يختلفون فيه؛ فمنهم مَن كان يقطع القولَ بكونه، ومنهم مَن كان يشكُّ فيه، ومنهم مَن كان يقطع القول بنفيه.
ويحتمل الاختلاف في أمورٍ أُخَر (^١) من أمور الدِّين، فيُبيَّن لهم ليظهرَ الحقُّ من الباطل.
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في تكذيب الرُّسل، وجحود البعث، وهذا إثبات الجهل للكلِّ، وليس هذا عذرًا بالجهل؛ لأنَّهم كانوا متمكِّنين من النَّظر في الدَّلائل ليعلموا.
وقيل: معنى الآية: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: الأتباع ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: الرُّؤساءَ المعاندين (^٢) بعد العلم ﴿كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ فيما ادَّعوا، والأتباعَ إلى ذلك دعَوا، وفي تنفيذه وإقامته سعَوا.
وقيل: بعد بيان الاختلاف معنًى مضمَر، وهو (^٣): ثم يجزي المحقَّ والمبطِلَ في الاختلاف كلًّا على وَفق عملِه وقولِه وعَقْده.
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي: بعثُ الموتى
_________________
(١) في (أ) و(ر): "في أمر آخر".
(٢) في النسخ: "المعاندون"، والمثبت هو الصواب.
(٣) بعدها في (أ) و(ر): "قوله". ولا وجه لها.
[ ٩ / ٢٦٩ ]
علينا يسير، لا يَلحقُنا فيه نصبٌ، إنما هو أن نقول له: كن؛ فإذا هو كائنٌ، وهو عبارةٌ عن سرعة الإيجاد.
ثم معنى قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ وتسميتِه شيئًا: أنَّه شيء (^١) بعد وجوده، وسُمِّي به لقربِه من حالة الوجود.
* * *
(٤١) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: وهذا مدح للمؤمنين بعدَ ذمِّ الكافرين؛ أي: والذين هجروا أهاليَهم وأوطانهم في إحياء دين اللَّه ونصرةِ رسول اللَّه من بعدما ظلمَهم هؤلاء المشركون وعذَّبوهم وراودوهم بالعود إلى الكفر:
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أي: لنمكنَنَّ لهم في الدُّنيا منازل حسنةً يرضونها بدلًا عن دورهم التي هجروها، وقد فعل ذلك حيث آواهم بالمدينة، وجعل لهم أنصارًا وأعوانًا على أعدائهم، وآنَسوهم بالنُّفوس والأموال، وآثروهم على أنفسِهم بكلِّ شيء.
قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾؛ أي: ولأجر الدَّار الآخرة -وهو الثَّواب الذي يؤتيهم (^٢) فيها- أكبرُ وأعظم قَدْرًا من الذي عُجِّل لهم في الدُّنيا من حِسَان الأوطان والأمنِ على الدِّين والأبدان.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لو كان هؤلاء الظَّالمون يعلمون ما أعدَّ اللَّهُ للمهاجرين
_________________
(١) في (ف): "ينجز".
(٢) "الذي يؤتيهم" ليس في (أ).
[ ٩ / ٢٧٠ ]
في الآخرة من النَّعيم، لكنْ بجهلهم يظلمونهم، فلو علموا لم يفعلوا، بل وافقوهم لينالوا في الآخرة ما يناله هؤلاء.
وقول القائل: هو خيرٌ لك لو علمْتَ، ليس على معنى أنَّه لو لم يَعلم لم يكن خيرًا له، لكنَّه ترغيبٌ؛ أي: لو علمْتَ لاشتدَّتْ رغبتُكَ فيه.
* * *
(٤٢) - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: هو نعت المهاجرين؛ أي: صبروا على دينهم، وعلى إيذاء عدوِّهم في اللَّه ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: في أمورِهم، ويرجون الظَّفر بعدوِّهم.
وقيل: نزلَتْ الآيةُ في أبي جندلِ بن سهيلِ بن عمرو.
وقيل: نزلَتْ في ستَّة نفرٍ: بلالِ بن رباح، وصهيبِ بن سنانٍ مولى عبد اللَّه بن جدعان، وخبَّابِ بن الأرتِّ مولى [أمِّ] أنمارٍ، وعمَّارِ بن ياسر مولى أبي حذيفة، وعابسٍ، وجبيرٍ، أخذهم المشركون فعذَّبوهم، ثم تخلَّصوا فهاجروا، فنزلَتْ هذه الآية في شأنهم (^١).
* * *
(٤٣) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قيل: نزلَتْ في أبي
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٧). وما بين معكوفتين من المصادر. انظر: "تهذيب الكمال" (٨/ ٢٢٠)، و"الإصابة" (٢/ ٢٥٨).
[ ٩ / ٢٧١ ]
جهل والوليد بن المغيرة وعبد اللَّه بن أبي أميَّة المخزوميِّ، قالوا للنَّبيِّ -ﷺ-: هلَّا بعثَ اللَّه إلينا ملكًا يصدِّقك (^١) بما تقول، فنزلَتْ.
ومعناه: ما أرسلنا قبلَك ملائكة، إنَّما أرسلنا رجالًا آدميِّين يُوحَى إليهم على لسان ملَك.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أي: أهل الكتب المتقدِّمة؛ لأنَّهم أهلُ المعرفة بما ذكَرَ اللَّه لهم من فرائضه وشرائعه وأقاصيص أنبيائه.
﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنتم.
* * *
(٤٤) - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾: قيل: متَّصل بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾.
وقيل: تقديره: إلَّا رجالًا أرسلناهم بالبيِّنات والزُّبر.
والبيِّناتُ: المعجزات، وقيل: الشَّرائعُ الواضحات.
والزُّبرُ: الكُتبُ، جمع زَبور بمعنى مزبور؛ أي: مكتوب.
وإنَّما أمرَ المشركين بسؤال أهل الكتاب لأنَّهم كانوا يرجعون إليهم ويقبلون قولهم، فأثبتَ الحجَّة عليهم بجنسِ ما يركَنون إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾: أي: الكتاب الذي فيه ذكرُ ما يُحتاج إليه،
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فنصدقك".
[ ٩ / ٢٧٢ ]
كما أنزلنا على مَن قبلَك ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: لتوضِّح لهم معاني ما شرح لهم.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: وليتفكَّروا فيك وفيما أُنزِل عليك، فيستدلُّوا بذلك على صدقِك، وهو معنى كلمة (لعلَّ) لأنَّها في الأصل للتَّرجي، وهو ممَّا يكون ولا يكون، وكذا ما يقع بالاستدلال.
* * *
(٤٥) - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾: استفهامٌ بمعنى إثبات الذَّمِّ لهم بذلك، ويجوز أن يكون استفهامًا بمعنى النَّهي؛ أي: لا تأمَنوا ذلك، فإنَّهم قد استحقُّوه.
و﴿مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ له معنيان:
أحدهما: أنهم أخفَوا الأعمال السَّيئة عن العباد، واللَّه تعالى مُطَّلِع منهم عليها.
والآخر: مكروا بالنَّبيِّ ﵊ بأشياءَ سيِّئة، وبما يسوء النَّبيَّ -ﷺ- ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾: كما خسفَ بقارون.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: من السَّماء بغتةً كما كان لقوم لوطٍ ونحوهم.
* * *
[ ٩ / ٢٧٣ ]
(٤٦) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: أي: في أسفارِهم وتصرُّفاتهم في أمورهم.
﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين، وقد أعجزني الشَّيء؛ أي: فاتني فعجزْتُ عن أخذه.
والتَّقلُّب يحتمِل هنا ثلاثةَ معانٍ:
السَّيرَ في البلاد، كما قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦].
والتَّصرُّفَ باللَّيل والنَّهار بالإقبال والإدبار والذَّهاب والمجيء، في الأمور المعهودة، كما قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩].
والتَّدبيرَ في وجوه المكر والكيد، كما قال: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُور﴾ [التوبة: ٤٨].
يخوِّفُهم الأخذ في بعض هذه الأحوال.
* * *
(٤٧) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: قال سعيد بن المسيِّب: بينما عمرُ بن الخطَّاب ﵁ على منبر قال: يا أيُّها النَّاس، ما تقولون في قول اللَّه تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، فسكتَ النَّاسُ، فقام شيخٌ فقال: يا أمير المؤمنين، هذه لغتُنا بني هذيل، التَّخوُّفُ التَّنقُّصُ، فقال عمرُ: فهل تعرف العرب (^١) ذلك في أشعارِها، قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير (^٢) الهذليُّ:
_________________
(١) "العرب" من (أ).
(٢) في النسخ: "أبو بكر" وهو خطأ، والمثبت من المصادر، وأبو كبير اسمه: عامر بن الحُلَيس، وهو أحد بني سعد بن هُذَيل ثم أحد بني جُرَيْب، وهو شاعر هذلي معروف. انظر: "ديوان الهذليين" (٢/ ٨٨).
[ ٩ / ٢٧٤ ]
تخوَّفَ الرَّحلُ منها تامِكًا قَرِدًا (^١) كما تخوَّفَ عودَ النَّبعةِ السَّفَنُ (^٢)
أي: تنقَّص (^٣).
_________________
(١) في النسخ: "صلبًا" وهو خطأ، والمثبت من المصادر.
(٢) نسبه لأبي كبير الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٩)، والواحدي في "البسيط" (١/ ٤٠١)، وأبو القاسم النيسابوي في "إيجاز البيان عن معاني القرآن" (٢/ ٤٨٢)، والقرطبي في "تفسيره" (١٢/ ٢٣٢)، والبيضاوي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٨). ولم أجده في "ديوان الهذليين"، لكن قال الشهاب الخفاجي في "حاشيته على البيضاوي" (٥/ ٣٣٤): والبيت من قصيدة له مذكورة في شعر هذيل. ونسب لابن مقبل في "القلب والإبدال" لابن السكيت (ص: ٩)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (٧/ ٢٤٢). وهو في "ديوانه" (ص: ٤٠٥). ونسب لزهير في "أساس البلاغة" للزمخشري (١/ ٢٧٠)، و"الكشاف" له (٢/ ٦٠٨)، وفيه نظر؛ فقد قال الشهاب في "حاشيته على البيضاوي" (٥/ ٣٣٤): وفي كلام المصنف رحمه اللَّه تعالى (يعني: البيضاوي، حيث نسبه لأبي كبير) إصلاح لما في "الكشاف" من نسبة البيت لزهير مع أنه ليس له، وهو مناقض لما نقله من قول الهذلي: شاعرنا، فإن زهيرًا ليس بهذلي. ونسب لذي الرُّمة في "الصحاح" للجوهري (مادة: خوف وسفن)، وهو في ملحق "ديوانه" (٣/ ١٩١٧). قال الزبيدي في "تاج العروس" (مادة: سفن): هكذا في نسخ "الصحاح" لذي الرمة، وقيل: لابن مقبل، وأورده أبو عدنان في كتاب "النبل"، لابن المزاحم الثمالي، وقال: لم أجده في شعر ذي الرمة، وقال غيره: هو لعبد اللَّه بن عجلان النهدي جاهلي. يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تمكه واكتنازه، والتامك: السنام المرتفع المشرف، والقَرِد بفتح القاف، وكسر الراء، يقال: صوف قرد؛ أي: متلبد، وسحاب قرد؛ أي: ركب بعضه بعضًا، والنبع شجر يتخذ منه القسيُّ، والسَّفَن بفتح السين والفاء، هو المِبرد، يصف ناقة أثر الرحل في سنامها بعد تمكه واكتنازه، فأكله وانتقصه كما ينتقص المبرد العود. قاله الشهاب الخفاجي في "حاشيته على البيضاوي" (٥/ ٣٣٤).
(٣) "أي تنقص" من (أ).
[ ٩ / ٢٧٥ ]
فقال عمرُ ﵁: يا أيُّها النَّاس، عليكم بديوانكم لا تضلُّوا، قالوا: وما ديوانُنا؟ قال: شعر الجاهليَّة، فإنَّ فيه تفسيرَ كتابِكم ومعاني كلامِكم (^١).
وذكر أبان بن تغلب عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كنْتُ أقرؤها ولا أعرفها، حتَّى شكا أعرابيٌّ أخًا له فقال: إنَّ أباه هلكَ وترك إبلًا، فما زال يتخوَّفها بعيرًا بعيرًا حتَّى أذهبها. فعلمْتُ أنَّه التَّنقُّص (^٢).
وهو قولُ مجاهد وقتادة والضَّحاك وابن زيد، أنَّ معناه: على تنقُّصٍ، ومعناه: أنَّه يأخذ الأوَّل فالأوَّل حتَّى لا يبقى منهم أحد، ولأنَّه حالةٌ يُخاف منها الهلاك والفناء (^٣).
وقال الحسنُ: يُهلكُ القريةَ، فتخافُ قريةٌ أخرى (^٤).
وقيل: هو كقوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]، فمعنى قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾؛ أي: تنقُّصٍ من نواحيهم وأطرافهم حتَّى يعمَّ الهلاكُ جميعَهم بعضَهم على إثرِ بعض، ومعناه: أنَّه لا يعاجلهم، بل يأخذ القُرى التي حولَهم، حَّتى يَخْلصَ الأمرُ إليهم فيهلكَهم.
وقيل: معناه: يأخذهم بتنقُّص (^٥) أموالهم وأنفسهم، دونَ العذاب المستأصل.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٩)، والواحدي في "البسيط" (١/ ٤٠١)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٦٠٨)، وذكره القسطلاني في "إرشاد الساري" (٧/ ١٩٦) وقال: (إسناد فيه مجهول). وقد رواه الطبري بنحوه دون الشعر في "تفسيره" (١٤/ ٢٣٦) من طريق رجل عن عمر.
(٢) لم أقف عليه. لكن روى الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٣٧) عن ابن عباس قوله: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: التنقص والتقريع.
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٤) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ١٩٠).
(٥) في (أ): "بنقص"، وفي (ف): "بتنقيص".
[ ٩ / ٢٧٦ ]
وقيل: معناه: يهلك بعضَ ما يجاورهم من البلاد، ويدَعهم على خوفٍ أن يأخذهم، ثمَّ يأخذهم، فيكون أخذًا بعد تنغيصِ العيش عليهم زمانًا بتخوُّفهم كلَّ وقتٍ أن ينزلَ عليهم.
* * *
(٤٨) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: تتميَّل (^١).
والفيءُ: الظِّلُّ الذي بعدَ الزَّوال؛ لأنَّه يفيء؛ أي: يميل عن الجانب الذي كان إلى الجانب الآخر.
ووصَلَ الرُّؤية بكلمة (إلى) لأنَّها بالنَّظر تحصلُ، فصار كذِكْرِ النَّظر، كأنَّه قال: أو لم ينظروا إلى كلِّ ما خلقَه اللَّهُ مِن شيءٌ صغيرٍ أو كبير (^٢) تتفيأُ ظلاله؛ أي: يرجع ظلُّ كلِّ شيءٌ من موضعٍ إلى موضعٍ يمينًا وشمالًا على حسب تحوُّل الشَّمس، مشرِّقةً ومُغرِّبة، يختلف ذلك بأوَّل النَّهار وآخره وبالبلدان؛ بتصريف اللَّه إيَّاه.
وقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ على الواحدِ ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾ لوجوهٍ:
أحدها: أنَّه بدأ بقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾، ولفظُه لفظ واحد فوحَّد (اليمين)، ومعناه جمعٌ فجمَع (الشَّمائل)، كما قال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ على الواحد ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] على الجمع.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في (أ): "صغر أو كبر" بدل من "صغير أو كبير".
[ ٩ / ٢٧٧ ]
وقيل (^١): تقديره: عن يمين كلِّ واحدٍ من ذلك، وعن شمائل الجميع.
وقيل: اكتفى في الأوَّل بالواحد لأنَّه جنس يصلح (^٢) لإرادة الجمع به، كما قال تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، وجمع في (الشمَّائل) لتحقيق الجمع المراد بالآية.
﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾: حالُ قوله (^٣): ﴿ظِلَالُهُ﴾.
والسُّجودُ: الخضوعُ للَّهِ بالخلقة، والدَّلالة على وحدانيَّة اللَّه تعالى بالصَّنعة، وأنشد أهل اللُّغة:
ترى الأُكْمَ فيها سُجَّدًا للحوافِرِ (^٤)
جعل الأُكم إذا لم يتهيَّأ لها الامتناعُ من وطئ الحوافر إيَّاها سُجَّدًا لها، فكذلك ظلال الأشياء لَمَّا لم يكن فيها الامتناع (^٥) من التَّصرُّف على ما يصرِّفُه اللَّه تعالى إليه جُعلَتْ ساجدةً للَّه تعالى.
﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: أي: صاغرون.
* * *
_________________
(١) "قيل" من (أ).
(٢) في (أ): "فصلح".
(٣) في (ر) و(ف): "متعلق بقوله".
(٤) عجز بيت لزيد الخيل، وهو في "ديوانه" (ص: ١١٠)، و"تفسير الطبري" (٢/ ١٣٧)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (٢/ ٨٩٠)، و"الكامل" للمبرد (٢/ ١٤٩)، وصدره: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاته
(٥) في (أ): "امتناع".
[ ٩ / ٢٧٨ ]
(٤٩) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أمَّا مَن كان منهم عاقلًا مؤمنًا فطاعتُه بالأمر، وما كان لا يعقل فبالتَّسخير بدلالة الخلقة، وأمَّا الكافر العاقل (^١): فما كان فيه مِن آثار الصَّنعة ودلائل الحدوث (^٢) يشهدُ للَّه باستحقاق العبادةِ له، فكلُّهم يسجدُ للَّه من هذا الوجه، وهو معنى قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]
وقولُه تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: الملائكة.
* * *
(٥٠) - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: أي: الذي هو قاهرٌ لهم على السُّلطان (^٣) عليهم إنْ خالفوه.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: خوفًا (^٤) له، وعلمًا بعظمته، ونفاذِ سلطانه وقدرته.
وقيل: يخافون عقاب ربِّهم من فوقهم؛ لأنَّه يأتي من فوق.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الغافل".
(٢) في (ف): "الربوبية".
(٣) "على السلطان" من (أ).
(٤) في (ف): "طاعة".
[ ٩ / ٢٧٩ ]
(٥١) - ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: أي: بهذا أمرَ اللَّهُ تعالى؛ لا تتَّخذوا اثنين إلهين.
وقيل: هو على نظمِه (^١)، وهو توكيدٌ، لا تتخذوا إلهين اثنين (^٢)؛ أي: لا تجعلوا للَّه ثانيًا وهو واحد، وذلك قوله:
﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أي: خافوني ولا تخافوا غيري، وهو رجوعٌ عن المغايبة إلى الإخبار عن نفسِه، وهو من التَّوسُّع في الكلام.
* * *
(٥٢) - ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: خَلْقًا ومُلْكًا.
﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾: قال ابن عبَّاس والحسنُ ومجاهد والضَّحاك وقتادة وابن زيد: أي: دائمًا (^٣).
وقد وَصَبَ يَصِبُ وُصوبًا من باب ضرب، قال الدُّؤلي:
لا أبتغي الحمدَ القليلَ بقاؤُه يومًا بذمِّ الدَّهرِ أجمعَ وَاصِبا (^٤)
_________________
(١) في (أ): "تكلمه".
(٢) "اثنين" من (أ).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٤٧ - ٢٤٩) عن ابن عباس ﵄ وعكرمة والحسن ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٣٦١)، و"تفسير الطبري" (١٩/ ٥٠٧)، و"الأغاني" (١٢/ ٣٦٠)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٢).
[ ٩ / ٢٨٠ ]
والوصَبُ: الألمُ عن الإعياء بدوام العمل، وقد وَصِبَ يَوْصَبُ وَصَبًا (^١)، فهو وَصِبٌ، من باب علم.
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: ما ينبغي لكم أن تتَّقوا غيرَه وتعبدوا غيرَه وتطيعوا غيرَه وله الدِّين واصبًا، فهو الباقي الدَّائم الذي لا يزول ولا يحول، فلا تنقطعُ الطَّاعة له، فأديموها له.
* * *
(٥٣) - ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾: أي: والذي بكم من نعمتِه مِن سعةٍ ورزقٍ (^٢)، وصحَّةِ جسمٍ، وانبساطِ حياةٍ (^٣)، وكثرةِ مالٍ، ووفورِ أنصارٍ وأعوانٍ، وسائرِ حسناتِ الدُّنيا، فذلك كلُّه من اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾: أي: السَّقم والضِّيق والبلاء ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾: تَضِجُّون بالدُّعاء والمسألة.
والجؤارُ: رفعُ الصَّوت بالتَّضرُّع، فالنِّعمُ كلُّها منه، والفرحُ كلُّه به، والقدرةُ بكمالها له، فما ينبغي أن يُتَّقى غيره ويُعبدَ غيره.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وصوبًا"، والمثبت من (أ)، وهو الصواب. انظر: "التاج" (مادة: وصب).
(٢) في (ف): "سعة رزق".
(٣) في (أ) و(ف): "جاه".
[ ٩ / ٢٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾: أي: الأصنامَ التي لا تنفع ولا تَدفع، فلا ترجون إدرار النِّعمة ولا كشف الضُّرِّ إلَّا منه، ثم تشركون به غيره ممَّا لا يكون منه شيءٌ من ذلك! وهذا كفرانٌ لنعمةِ اللَّه تعالى منهم، وذلك قوله:
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: من النِّعَم، وقيل: أي: ليجحدوا ما آتيناهم من الآيات.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: أي: عيشوا في دنياكم وتلذَّذوا بها قليلًا، ثم تنقضي.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أي: خطأَ فعلِكم في الكفر والكفران.
وقيل: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينزلُ بكم من الخزي والهوان.
* * *
(٥٦) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: ومن جهالاتهم أنَّهم يُسمُّون لأصنامهم أشياءَ من أنعامهم وزروعهم التي جعلناها رزقًا لهم، وهم لا يعلمون لها هذا النَّصيب، وهو ما ذكر في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٦].
ويحتمل: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: الأصنامِ لا تعلم أنَّه جُعِلَ لها نصيب، وجمَعَ فعلَها بالواو والنُّون وهي جماد لأنَّ الكفَّار أحلُّوها محلَّ مَن يعقل.
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾: وصرفَ الكلام عن المغايبة إلى المخاطبة، وهو من وجوهِ الكلام.
وإذا سُئلوا عن ذلك لم يكن لهم حجَّة على ذلك، فعُوقبوا به.
[ ٩ / ٢٨٢ ]
(٥٧) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾؛ أي: ويضيفون له ذلك، فيقولون: الملائكة بناتُ اللَّه ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا للَّه عن ذلك؛ أي: هو مُنزَّه عنه.
﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من البنين، يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ رفعًا على أنَّه خبرُ اللَّام، ويجوز أن تكون نصبًا عطفًا على ﴿الْبَنَاتِ﴾ بوقوع ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ عليها؛ أي: إذا حملَتْ امرأةُ أحدهم تمنَّى واشتهى أن يكون ولدُها ذكرًا، وهو كقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩].
* * *
(٥٨) - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم﴾.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾: الظُّلول بالنَّهار كالبيتوتة باللَّيل.
وقوله: ﴿مُسْوَدًّا﴾؛ أي: متغيِّرًا مِن الغمِّ.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: قال ابن عبَّاسٍ: أي: حزين (^١).
وقيل: هو المغموم الَّذي يُطْبِقُ فمَه لا يتكلَّم؛ للغمِّ (^٢) الذي به، مأخوذٌ من الكِظامَة.
يقول: إذا أُخبِر أحدُهم بولادةِ بنتٍ له اسودَّ وجهُه وتغيَّر واغبرَّ من الأنَفة والذُّلِّ، وبقي ممتلئ القلب عن الغيظ، ساكت اللِّسان عن الغمِّ، لا فرجَ له ممَّا أصابَه.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٥٦).
(٢) في (ر) و(ف): "للهم".
[ ٩ / ٢٨٣ ]
(٥٩) - ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾: أي: يستخفي حياءً منهم وكراهةَ أنْ يُهنَّأ بها، ويفكِّرُ في نفسِه:
﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾: أي: يمسكُ ما بُشِّرَ به على هوان؛ لسقوطِ قَدْرِه عندَه.
﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾: أي: يخفيه، وهو الوأدُ، وهو دفنُها حيَّة.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: أي: ما أسوأ حكمَهم، يختارون لأنفسهم البنين، ويصفون للَّه البنات، ويرضَون له بما لا يرضَون به لأنفسهم.
* * *
(٦٠) - ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾: أي: صفةُ السَّوء، وهو ما ذَكرَ عنهم ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: الصِّفةُ العليا في الملك والسُّلطان، والعزَّة والقدرة، والتَّنزُّهِ عن الشُّركاء والأنداد.
وهذا لا يخالف قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] -فنهى عن ذلك مطلقًا، وذكر له المثل الأعلى هاهنا- لأنَّ (^١) ذلك نهيٌ عن الوصف بالأشباه، وهذا إثباتٌ للصِّفة العليا.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: أي: الممتنِعُ على مَن رام مغالبَته في تعذيبِ مَن أراد تعذيبَه.
﴿الْحَكِيمُ﴾: في إمهال العباد إلى أن يحقَّ بهم القول.
* * *
_________________
(١) في (أ): "إلا أن".
[ ٩ / ٢٨٤ ]
(٦١) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾: أي: ولو يعاقبُ اللَّهُ الكفَّار بظلمِهم أنفسَهم وعقولَهم، وعبادَ اللَّه بصدِّهم عن الحقِّ.
﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾: أي: على الأرض، كنايةٌ عن مَكنيٍّ لم يَسبِقْ ذِكرُه، لكنَّه معلومٌ فصحَّ، كما في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وهو كقول لَبِيدٍ:
حتَّى إذا ألقَتْ يَدًا في كافرٍ وأَجَنَّ عوراتِ الثُّغورِ ظلامُها (^١)
يعني: الشَّمس.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: أي: لأدَّى ذلك إلى أن لا يبقَى على الأرض مَن يدبُّ؛ أي: لخلَت الأرضُ عن سكَّانها.
وهذا يدلُّ على أنَّ للَّه تعالى أن (^٢) يعاجلَهم بالعقوبة، وإنْ كان في المعلوم أنَّه لو أخَّرهم لتابوا عن المعاصي، خلافًا للمعتزلة القائلين بالأصلح.
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾: أي: برحمتِه، لا يعاجلهم بها، ولكن يمهلُهم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عندَه، إمَّا في الدُّنيا إذا شاءَ أن يهلكَهم أهلكَهم، وإمَّا في الآخرة، وهو وقت الحساب، وهو الأجل المسمَّى لحساب الخلائق أجمعين، وأيُّ هذين الأجلَيْن حلَّ لم يتأخَّر العذابُ عنهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
* * *
_________________
(١) انظر: "ديوان لبيد" (ص: ١١٤).
(٢) في (ر): "أن اللَّه تعالى لن".
[ ٩ / ٢٨٥ ]
(٦٢) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ لأنفسِهم من البنات.
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾: ﴿أَنَّ﴾ ترجمةٌ عن ﴿الْكَذِبَ﴾، و﴿الْحُسْنَى﴾ نصب بـ ﴿أَنَّ﴾.
قال الزَّجَّاجُ: وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى من اللَّه تعالى؛ أي: القضيَّةَ الحسنى (^١)، وهي بالبنين (^٢)؛ أي: قضى لهم بالبنين، وجعل لنفسه البنات.
وقيل: أراد بـ ﴿الْحُسْنَى﴾: الأحوالَ الحسنة في الآخرة، وهو كقوله خبرًا: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦].
وقرأ ابنُ عبَّاس: (ألسنتُهم الكُذُبُ) بضم الكاف والذَّال والباء (^٣)، نعتًا للألسنة، وهي جمع كذوب، كالرُّسُل جمع رسول.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٠٧)، وفيه: (الجزاء الحسن) بدل القضية الحسنى.
(٢) قوله: "وهي بالبنين" يوهم أن هذا من قول الزجاج أو شرح له، في حين أن غيره من العلماء قد فرقوا بين القولين، قال الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ١٩٦): (﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن لهم البنين مع جعلهم للَّه ما يكرهون من البنات. قاله مجاهد. الثاني: معناه أن لهم من اللَّه الجزاء الحسن. قاله الزجاج). ومثله قول ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٦٠). وكذا قول الواحدي في "البسيط" (١٣/ ١٠١ - ١٠٢)، وزاد تفسير (الجزاء الحسن) في قول الزجاج بالجنة.
(٣) نسبت لمسلمة بن محارب في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٧٧)، وله ولمعاذ في "المحتسب" لابن جني (٢/ ١١ - ١٢).
[ ٩ / ٢٨٦ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾: ﴿لَا﴾ هي ردٌّ لكلامهم، ﴿جَرَمَ﴾؛ أي: كسب قولهم هذا أنَّ لهم النَّار، فإنَّهم كفروا وكذَّبوا.
﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال سعيدُ بن جبير وقتادة ومجاهد والضَّحَّاك: متروكون في النَّار، منسيُّون فيها (^١). من قول العرب: ما أفرطْتُ ورائي أحدًا؛ أي: ما خلَّفْتُ وما تركْتُ.
وقال الحسنُ وقتادةُ في رواية: مقدَّمون إلى النَّار معجَّلون إليها (^٢).
وهو من قول العرب: أفرطْنا فلانًا في طلبِ الماء، فهو مُفْرِطٌ؛ أي: قدَّمناه لطلبِه، وفَرَطَ هو فهو فارِطٌ، من حد دخل؛ أي: تقدَّم، وجمعه الفُرَّاط، وقال القَطامِيُّ:
واستعجَلُونا وكانوا مِن صحابَتِنا كما تعجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ (^٣)
ومنه قولُ النِّبيِّ -ﷺ-: "أنا فَرَطُكُم على الحوضِ" (^٤).
وقرأ أبو جعفر: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بكسر الرَّاء وتشديدها (^٥)؛ أي: مقصِّرون في الواجب.
وقرأ نافع في رواية ورش: ﴿مُفْرِطُونَ﴾ بإسكان الفاء وكسر الرَّاء (^٦)؛ أي: المجاوزون حدودَ الشَّرع، المسرفون في الذُّنوب.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٦٣ - ٢٦٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٦٦) عن قتادة، وذكره عن الحسن يحيى بن آدم في "تفسيره" (١/ ٧١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٨٨).
(٣) انظر: "ديوان القطامي" (ص: ٩٠)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٢٦٥)، و"النكت والعيون" (٣/ ١٩٦).
(٤) رواه البخاري (٦٥٧٦)، ومسلم (٢٢٩٧)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٥) انظر: "النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤).
(٦) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" (ص: ١٣٨). ذكراها عن نافع، ولم يفرقا بين ورش وقالون.
[ ٩ / ٢٨٧ ]
(٦٣) - ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: الرُّسل ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمَّد، وهو تسليةٌ له في تكذيب قومِه إيَّاه.
قوله تعالى: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: الشِّرك والمعاصيَ ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾: فالشَّيطانُ وليُّ المشركين اليومَ، كما كان وليَّ المشركين المتقدِّمين.
وقيل: أي: فهو وليُّ أولئك اليومَ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: ولهؤلاء -وقيل: لأولئك- عذابٌ أليمٌ في الآخرة لا يدفعُه عنهم هو بولايته، وكيف وهو لا يمكنه الدَّفع عن نفسِه، فكيف عن غيره؟!
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: أي: من أمر الآخرة والبعث، ومن أمور الدِّين.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: نصب بالنَّسق على موضع اللَّام من قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾؛ لأنَّ معناه: لإرادةِ تبيينِه.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: هم الذين ينتفعون به، وينالون الهدى والرَّحمة.
* * *
(٦٥) - ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
[ ٩ / ٢٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: وهو من النِّعم التي عدَّها عليهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ القولَ فيتدَّبرونه بقلوبهم، وهو كما قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
* * *
(٦٦) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾: تعتبِرون بها في قدرة اللَّه تعالى على إحياء الموتى.
والعِبرةُ: تمثيلُ الشَّيء بالشَّيء لتُعرفَ حقيقته من طريق المشاكلة، ثم بيَّن هذه العبرة بقوله:
﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: أي: نعطيكم شرابًا من بطونِ ذوات الألبان من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم.
﴿لَبَنًا خَالِصًا﴾: يخرجُ مِن بين فرثٍ ودمٍ، فلا يتعلَّق به منها شيءٌ يؤثِّرُ في لونِه وطعمِه، بل يكون سائغًا هنيئًا، سهلَ الجري لمن شربَه، لا يغصُّ به، فكذلك يقدر على إخراجِ ما تبدَّد من أبدان الموتى مِن حيثُ تبدَّد وممَّا اختلط به، حتَّى يخلِّصه من جميع ذلك بدنًا كما كان في الدُّنيا، لا يختلط به من غيره شيءٌ.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿نَسْقِيْكُمْ﴾ بفتح النُّون، وقرأ الباقون بضمِّها (^١).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨).
[ ٩ / ٢٨٩ ]
وبالفتح من سَقَى، وبالضَّم من أَسْقَى، وهما لغتان في معنًى واحد، قال لَبِيْدٌ:
سَقَى قومِي بني مجدٍ وأَسْقَى نُمَيْرًا والقبائِلَ مِنْ هِلالِ (^١)
وقيل: سقاه؛ أي: أشربَه، وأسقاه؛ أي: جعل له سِقْيًا؛ أي: شرابًا دائمًا مِن نهرٍ أو لبنٍ أو غيرهما.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِه﴾ ولم يقل: (من بطونها)، وهي جمعٌ؛ لأنَّ الأنعام والنَّعم في المعنى واحد، فصار ذكرُها ذكرَه، فجاز توحيده، وهو كقول الشَّاعر:
وطابَ ألبانُ اللِّقاحِ وبَرَدْ (^٢)
ردًّا إلى اللَّبن؛ لأنَّه بمعناه.
أو يجعل كنايةً عن (ما)؛ يعني: بطونِ ما ذكرنا، أو عن (أيّ)، تقديرُه: من بطون أيِّها كان فيه اللَّبن.
والفَرْثُ: الثُّفْلُ الذي ينزل إلى الكرش.
* * *
(٦٧) - ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾: عطف على قوله: (ما في بطونه)؛ أي: ونسقيكم من ثمرات النَّخيل والأعناب سكرًا ونحوَ ذلك.
_________________
(١) انظر: "ديوان لبيد" (ص: ٧١).
(٢) الرجز بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٢٩)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (٢/ ٦٤٢)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٢٧٢)، وقبله: بَال سُهَيْل فِي الفضيح ففسد
[ ٩ / ٢٩٠ ]
وقيل: تتَّصل (مِن) بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، ثمَّ أعاد (مِن) مع الهاء حين قُدِّمَتِ الأولى؛ إشعارًا بأنَّها اتَّصلَتْ بهذا الفعل.
وقيل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ عبرة.
وقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: ﴿مِنْهُ﴾ توحيده كتوحيد ﴿بُطُونِهِ﴾ بوجوهِه.
والسَّكَرُ: هو خمرُ التَّمر.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄ وسعيد بن جبير وإبراهيم والشَّعبي وأبو رزين والحسن ومجاهد وقتادة: السَّكَرُ: ما حُرِّمَ من الشَّراب، والرِّزق الحسنُ: ما أُحِلَّ منه (^١).
وقيل: السَّكَر: الطُّعم؛ قال الشَّاعر:
جعلْتُ عيْبَ الأكرمِيْنَ سَكَرَا (^٢)
أي: طُعمًا.
وقيل: هو العصير الذي لو تُرِكَ أيَّامًا يُسْكِرُ، فأُبيْحَ شربُه قبل أنْ يبلغَ حدَّ السُّكْر، ومَنَّ اللَّهُ تعالى به، والرِّزقُ الحسنُ هو الزَّبيبُ والرُّبُّ (^٣) والخلُّ، وما يُتَّخذُ من العنب والتَّمر وراء هذا.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٧٥ - ٢٨١). وعن ابن عباس وقتادة رواه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٩٥) و(١٤٩٦).
(٢) بلا نسبة في "تفسير الطبري" (١٤/ ٢٨٤)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٨). ونسب في "مجاز القرآن" (١/ ٣٦٣) لجندل، ولعله جندل بن المثنى الطهوي الذي له ترجمة في "سمط اللآلي" (ص: ٦٤٤).
(٣) في هامش (أ): "الرب: الخالص من كل شيء". وفي "المصباح المنير" (مادة: ربب): الرُّبُّ بالضَّم: دبسُ الرُّطَب إذا طبخ.
[ ٩ / ٢٩١ ]
وقيل: هو خلُّ التَّمر (^١)، كما قلنا، وكان هذا قبل قرار تحريم الخمر، وهو أوَّل الآيات نزولًا فيها.
ولَمَّا ميّزَ السَّكَرَ مِن الرِّزقِ الحسَنِ قال كبراء الصَّحابة: لو كان فيها خيرٌ لم تُميَّز عن الرِّزق الحسن. فامتنعوا عن شربِها.
ثم نزلَ سائر الآيات فيها على التَّرتيب الذي ذكرناه في (سورة البقرة).
ثم اتِّصال هذا بالأوَّل (^٢) أنَّه قال: ومن ثمرات النخيل والأعناب تستخرجون منه عصيرًا يخرجُ مِن قشرٍ قد اختلط به، وكذلك استخلاصُ ما يتبدَّد من الميت ممَّا هو مختلطٌ به، فإنَّكم إذا استخلصتُم العصير من العنب والرُّطبِ بتعليم اللَّه إيَّاكم لم ينبغِ أنْ تُنكروا مثلَه من اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: يستعملون عقولهم في التَّدبُّر فيها.
* * *
(٦٨) - ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾: أي: ألهمَها ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: قيل: يبنون.
وقيل: يتَّخذون عرائش الكروم، ألهمَها اللَّهُ أنْ تتَّخذ بيوتًا في هذه المواضع.
* * *
_________________
(١) في (أ): "التين".
(٢) في (ر) و(ف): "بأول الآية".
[ ٩ / ٢٩٢ ]
(٦٩) - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: قيل: هي للتَّكثير، كما في قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾: أي: السُّبلَ (^١) التي ذلَّلها اللَّهُ لك، والطَّريق الذَّلولُ: التي لا تتوعَّر على سالِكها، وهذا عن مجاهد (^٢). والذُّلُل عليّ هذا صفةُ السُّبل.
وقال قتادة: ﴿ذُلُلًا﴾؛ أي: مُطيعة (^٣). جمع ذَلُول، وهي على هذا صفة النَّحل.
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾: هو رجوع من (^٤) المخاطبة إلى المغايبة توسُّعًا في الكلام؛ أي: من بطون النَّحل، وهي جمع نحلة.
﴿شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾: أي: عسل يُشرَبُ وتختلفُ ألوانُه، فمنها أبيض وأصفر وأحمر.
﴿فِيهِ﴾: أي: في الشَّراب، وهو العسل ﴿شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾؛ أي: مِن أدوائِهم.
وعامَّة الأدوية المعجونةِ لا تخلو منه، وإنْ زعم زاعمٌ أنَّه قد (^٥) يَهيج الصَّفراء، فليس مِن شيءٌ إلَّا وقد يضرُّ وينفعُ، وإنَّما المقصد ما فيه من غالب الشِّفاء.
وروي أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ -ﷺ- فقال: إنَّ أخي قد اشتكى بطنَه، فقال: "اسقهِ
_________________
(١) في (أ): "الذلل".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٨٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٩٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٨٨).
(٤) في (أ): "عن".
(٥) "قد" ليس في (أ).
[ ٩ / ٢٩٣ ]
عسلًا"، فسقاه عسلًا، فما زاده إلَّا استطلاقًا، فعاد إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فذكر له ذلك، فقال: "اسقهِ عسلًا"، فسقاه ثانيًا، فما زادَه إلَّا استطلاقًا، إلى أن سقاه ثالثًا فاستمسَك، فذكر ذلك للنَّبيِّ -ﷺ-، فقال: "صدقَ اللَّهُ وكذَبَ بطنُ أخيْكَ" (^١).
وقال الحارثُ بن [عبد اللَّه] (^٢) الأعور: جاء رجلٌ إلى عليِّ بن أبي طالب ﵁، فشكا إليه سوءَ الحفظ، فقال: أترجع إلى أهلٍ؟ قال: نعم، فقال: قل لها تعطيك من مهرِها درهمين عن طيب نفسٍ، فاشترِ بهما لبنًا وعسلًا، واشربهما مع شربةٍ من ماء المطر على الرِّيق = تُرْزَقْ حفظًا (^٣).
فسُئِلَ الحسين بن الفضل عن هذا، فقال: أخذه من قول اللَّه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، وفي اللَّبن: ﴿خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، وفي العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وفي المهر: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]،
_________________
(١) رواه البخاري (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، إلا أن قول النبي -ﷺ- فيهما: "صدق اللَّه وكذب بطن أخيك" كان قبل الثالثة.
(٢) ما بين معكوفتين من "التقريب"، وفيه: الحارث بن عبد اللَّه الأعور الهمداني الكوفي أبو زهير صاحب علي، كذبه الشعبي في رأيه، وفي حديثه ضعف.
(٣) ذكره الألوسي في "روح المعاني" (٥/ ٣٠٢) نقلًا عن كتاب العياشي من الإمامية. والعياشي هو محمد بن مسعود، من أهل سمرقند، له ما يزيد على مئتي كتاب، توفي نحو سنة (٣٢٠ هـ). انظر: "الفهرست" لابن النديم (ص: ٢٤٤). وروى نحوه ابن المنذر في "تفسيره" (٢/ ٥٦٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٦٢)، عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها، فليشترِ بها عسلًا، وليأخذ من ماء السماء، فيجمع هنيئًا مريئًا، وشفاءً مباركًا. قال ابن حجر في "فتح الباري" (١٠/ ١٧٠): رواه ابن أبي حاتم بسند حسن.
[ ٩ / ٢٩٤ ]
فإذا اجتمعَتِ البركة والشِّفاء والهنيء والمريء والخالص والسَّائغ فلا عجبَ أنْ ينفعَ (^١).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: للذين تفكَّروا، فعلموا أنَّ النَّحلة على صغر جسمها وضعف خِلْقتِها لا تهتدي لصنعة العسل بنفسها، وأنَّ ذلك بصانع (^٢) صنعَها، وخالف لينها ولين غيرها من الحشرات الطَّائرة، فاستُدِلَّ لذلك على خالق واحد قادر لا شريك له ولا شبيه.
وقال القشيريُّ: إنَّ اللَّه تعالى عرَّفَ عبادَه في هذه الآية أنَّ التَّفضيل ليس من جهة القياس، فإنَّ النَّحل مع خساستِه وقلَّة قيمته وصِغَر جثَّته جعل ما وراءَه عسلًا هو شفاءٌ للنَّاس، والإنسان في كمال صورته وتمام عقله وفطنته وعلوِّ رتبته وأنَّ منهم الأنبياء والأولياء في خصائص كثيرة سواها، ثم جعل فيما وراءهم من الوحشة ما لا يخفى، فأيُّ علَّةٍ أوجبَتْ للنَّحل هذه الفضيلة؟ وأيُّ ذنبٍ للإنسان أوجبَ هذه الوحشة؟ ليس ذلك إلَّا مَحْضَ الاختيار.
وقال: إنَّ اللَّه تعالى أجرى سنَّته أنْ يُخفي كلَّ شيءٍ عزيزٍ في شيءٍ حقيرٍ، جعل الإبريسم في الدُّود وهو أصغر الحيوانات وأضعفها، والعسلَ في النَّحل وهو أضعف الطُّيور، وجعل الدُّرَّ في الصَّدفِ وهو أوحش حيوانٍ من حيوانات البحر، وأوح الذَّهب والفضَّة والفيروزج في الحجر، كذلك أودع المعرفة والمحبَّة له في قلوب المؤمنين، وفيهم مَن يخطئ، وفيهم مَن يَعصي (^٣).
* * *
_________________
(١) ورد هذا عند الألوسي من ضمن كلام علي بن أبي طالب ﵁ عند العياشي.
(٢) في (أ): "لصانع".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
[ ٩ / ٢٩٥ ]
(٧٠) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أي: أردئِه، وقد رَذُلَ رَذَالَةً، من حدِّ (شرُف).
وقال عليٌّ ﵁: هو إذا بلغ خمسًا وسبعين سنة (^١).
وقال قتادة: إذا بلغ تسعين سنة (^٢).
فيتعطَّل عن العمل والتَّصرف والاكتساب والحجِّ والغزو ونحوها، فيخرف، فينكر عقله، وذلك قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ممَّا كان يعلمه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بالعباد ﴿قَدِيرٌ﴾ على إبقائهم وإفنائهم ونقلهم (^٣) من حالٍ إلى حالٍ، من الصِّبا إلى الشَّباب، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشَّيب، ثم إلى الخرف.
* * *
(٧١) - ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾: فجعل منهم الغنيَّ والفقير، والمستكثِر والمقِلَّ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٩٢).
(٢) في (ر) و(ف): "سبعين سنة"، والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير الثعلبي" (١٦/ ٧٨) ط: دار التفسير، و"البسيط" (١٣/ ١٢٨)، و"تفسير البغوي" (٥/ ٣٠).
(٣) في (ر) و(ف): "ويقلبهم".
[ ٩ / ٢٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: أي: فليس الأغنياء المُفضَّلون في المال على غيرهم رادِّين ما رزقَهم اللَّهُ على مماليكهم؛ أي: جاعلين لهم في أموالهم شركاء حتى يكون المالكون والمملوكون سواءً في التَّبسُّط فيه والإنفاق منه، وحتى يشركوهم في نسائهم وإمائهم (^١)؛ أي: وإذا كنْتُم لا ترضون بهذا من أنفسكم في أملاككم فكيف تحكمون به في أملاكي وهم خلقي وعبيدي فتجعلوهم لي شركاء؟!
وقوله تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أي: إذا أشركْتُم معي غيري فقد جحدْتُم نعمتي؛ لأنَّ النِّعمَ كلَّها منِّي، والعبادة والشُّكر والطَّاعة لا تحقُّ إلَّا لي.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿تجحدون﴾ بتاء المخاطبة، كما قال في أوَّله: ﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾، والباقون بياء المغايبة كما قال: ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾ (^٢).
قال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتْ في نصارى بني نجران حين قالوا: إنَّ عيسى ابنُ اللَّه، فقال: هل أنتم تشركون عبيدكم معكم في أملاككم (^٣)، فإذا لم ترضوه لأنفسكم فكيف رضيْتُم به لي (^٤)؟!
وقيل: نزلَتْ في قول المشركين في التَّلبية، فإنَّهم كانوا يقولون: لبَّيك لا شريك لك إلَّا شريكًا هو لك، تملكُه وما ملك.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بساتينهم وأماكنهم".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨).
(٣) في (ف): "أموالكم".
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٦٨).
[ ٩ / ٢٩٧ ]
(٧٢) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: وهذا ذِكْرُ نعمةٍ أخرى؛ أي: أمُّهُنَّ حوَّاء خُلقَتْ مِن آدم.
وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بشرًا مثلَكم، كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ ليتمَّ لكم من أنفسكم التآلفُ والسُّكون (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: قال عبد اللَّه وأبو الضُّحى (^٢) وإبراهيم وسعيد بن جبير: أي: أختانًا (^٣).
وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وطاوس: أي: خدمًا (^٤). وعلى هذا قوله: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ هم (^٥) واحدٌ، والخدم (^٦) من البنين.
وقيل: هم ولد الولد، وهم (^٧) النَّوافل.
وقيل: هم الأعوان، وقال جميل:
_________________
(١) في (أ): "ليتم لكم التآلف والسكون"، وفي (ف): "ليتم لكم البينات ويزيل عنكم الشكوك".
(٢) في (ف): "قال عبيدة"، وفي (أ) و(ر): "قال أبو عبد اللَّه وأبو الضحى"، والصواب المثبت. انظر التعليق الآتي.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٧) عن عبد اللَّه بن مسعود وابن عباس ﵃ وأبي الضحى وإبراهيم وسعيد بن جبير.
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٩٨).
(٥) "هم" ليس في (أ).
(٦) في (أ): "الخدمة".
(٧) في (ر) و(ف): "وقيل هم".
[ ٩ / ٢٩٨ ]
حَفَدَ الولائِدُ حولَها واستسلَمَتْ بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأجمالِ (^١)
وأصلُ الحَفْدِ: الإسراعُ في العمل، ومرَّ البعيرُ يَحفِدُ حَفَدانًا، ومنه قول الدَّاعي في القُنوت: "وإليك نسعى ونحفِدُ" (^٢).
_________________
(١) نسب لجميل في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٦٤)، و"الغريبين" للهروي (٢/ ٤٦٣)، و"النكت والعيون" (٣/ ٢٠٢). وجميل: هو ابن عبد اللَّه بن معمر العذري، من شعراء الدولة الأموية. ونسب للأخطل في "غريب الحديث" لأبي عبيد (٤/ ٢٦٥). ونسب لحميد في "تفسير الطبري" (١٤/ ٣٠٢). ونسب لأمية بن أبي الصلت كما ورد في حديث ابن عباس ﵄ في "المعجم الكبير" للطبراني (١٠٥٩٧). ونسب لكثير عزة كما في "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي (١/ ٤٣٠). وقوله: "حولها واستسلمت" كذا وقع في النسخ الثلاث، وفي المصادر: "حولهن وأُسلمت".
(٢) قطعة من دعاء القنوت روي عن عدد من الصحابة منهم: علي ﵁؛ رواه عنه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤٩٧٨)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧٠٢٩). وعبد اللَّه بن مسعود ﵁. رواه عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦٨٩٣). ورواه أبو داود في "المراسيل" (٨٩)، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (٣٨٢)، من طريق خالد بن أبي عمران عن النبي -ﷺ- مرسلًا. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤٩٦٩)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧٠٢٧) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٤٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٩٨)، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير: (أن عمر بن الخطاب قنت. .)، فذكره مطولًا. وللحديث طرق كثيرة، بعضها مرفوع وبعضها مرسل، واختار هذه الطريق البيهقي ورجحها. وانظر: "البدر المنير" (٤/ ٣٧٠ - ٣٧٢)، و"نصب الراية" (٢/ ١٣٦).
[ ٩ / ٢٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي: الأطعمة الشَّهية، وقيل: الحلال (^١).
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: فيما جعل لكم الشَّيطان من تحريم بعض الطَّيِّبات في الزُّروع والأنعام تؤمنون، فتجعلونه دينًا وهو باطل.
﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾: التي أنعم اللَّه عليهم في إحلالها ﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ فهذا منكر عجيب.
* * *
(٧٣) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: جمادًا لا يملك ﴿لَهُمْ رِزْقًا﴾؛ أي: ترزيقًا ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ مفعول بوقوع فعل الرِّزق عليه؛ أي: لا يقدرون أن يرزقوهم (^٢) من السَّماء مطرًا، ولا من الأرض نباتًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: أي: بأنفسِهم، والأوَّل: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: لا يملكون الأمر به (^٣)، نفى السُّلطان والقدرة عنهم جميعًا، وقد يملك الإنسان مالًا فلا يعطي، لكنه يستطيع أن يعطي إذا أراد، فيقول: الأصنام لا ملك ولا قدرة لها.
ثم وحَّد ﴿يَمْلِكُ﴾ للَفظ ﴿مَا﴾، وجمع ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ لمعنى ﴿مَا﴾؛ لأنه أُريد به الجمع.
* * *
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الحلالات".
(٢) في (أ): "لا يقدر أن يرزقهم".
(٣) "به" ليس في (أ).
[ ٩ / ٣٠٠ ]
(٧٤) - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: أي: لا تصفوا للَّه الأشباه (^١) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ صوابَ الأمثال من خطئِها ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
وقيل: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ من الشَّياطين تقبلون (^٢) تحريمهم وتحليلهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ المصالحَ والحِكَمَ فيما يُحِلُّ ويُحرِّم، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فتُحلُّوا وتحرِّموا.
وقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ وعيدٌ؛ أي: يعلم ما تصنعون قولًا وفعلًا وعَقْدًا، فيجازيكم على ذلك كلِّه.
قال القشيريُّ: تعليق القلبِ بشخصٍ أو سببٍ مُضاهٍ لعبادة الأصنام، من حيثُ إنَّه يضيِّع الوقت فيما لا يعنيه، ويمحقُ الزَّمانَ فيما لا يُجدي على صاحبه بشيء ولا يُغنيه، ومَن ضيَّع فيما لا يعنيه وقته، استجلب من اللَّه في التَّحقيق مقته (^٣).
* * *
(٧٥) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾: روى ابن جريج عن عطاء: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾: هو أبو جهل بن هشام ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ لا يملك لنفسه في
_________________
(١) في (ف): "لا تصف اللَّه بالأشباه".
(٢) في (ر): "من الشياطين ما يفعلون من".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣٠٩)، وسقط أكثر الكلام من مطبوعه.
[ ٩ / ٣٠١ ]
الكون تصرفًا (^١)، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾: هو أبو بكر الصِّديق ﵁ ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ (^٢).
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾؛ يعني: أبيَّ بن خلف الجمحيَّ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾؛ يعني: حمزة وعثمان بن مظعون (^٣).
وقيل: عثمان بن عفان (^٤).
وقال مقاتل: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ هو هشام بن عَمرو بن الحارث بن ربيعة القرشيُّ، كان رجلًا قليل الخير، يعادي رسول اللَّه -ﷺ-، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ يعني:
_________________
(١) قوله: " ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ لا يملك لنفسه في الكون تصرفًا" من (ف)، ولم يرد في باقي النسخ والمصادر.
(٢) قوله: " ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ " من (ف)، ولم يرد في باقي النسخ والمصادر. والخبر ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٢)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ١٤٣)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٣٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٧٢).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ١٤٣) من رواية عطاء عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٣)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٣٤)، من قول عطاء، وفيهما: (حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون).
(٤) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٦٠)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٠٣٩)، والبخاريّ في "تاريخه" (١/ ٣٠٦)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣١٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٩٣)، والثعلبي في "تفسره" (٦/ ٣٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٧٩ - ٢٨٠)، والضياء في "المختارة" (٩/ ٤٨٥)، عن ابن عباس ﵄. وزاد بعضهم: (والأبكم الذي أينما يُوَجَّهُ لا يأت بخير، ذاك مولى عثمان بن عفَّان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما). لفظ الطبري، وجاء في رواية الواحدي أن المولى المذكور هو أسيد بن أبي العيص.
[ ٩ / ٣٠٢ ]
المؤمن، وقوله: ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هو أبو العاص بن أميَّة بن عبد شمس (^١).
قوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾؛ أي: ثقيل على وليِّه وعيال عليه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وهذا مثلٌ ضربَه اللَّهُ لنفسِه سبحانَه وللأصنام.
ويقال: هو مثلٌ للمؤمن والكافر:
أمَّا الأوَّل: فقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ يقول: إنَّ مَن يعبدُ الوثن (^٣) أو شيئًا مِن دون اللَّه فإنَّما يعبد عبدًا من عباد اللَّهِ وخَلقًا من خلقِه، لا يقدر لعابده (^٤) على جزاءٍ ولا ثواب، ومَن يعبد اللَّه فإنَّما يعبدُ مَن يقدر على كلِّ شيءٍ، ومَن بيده كلُّ رزقٍ حسنٍ، فهو يجازي به العابد له. هذا معنى قول الحسن (^٥).
والتَّمثيل مطَّردٌ في كلِّ معبود من دون اللَّه من جمادٍ وذي روحٍ؛ لأنَّ الجميعَ خلقُ اللَّه تعالى، كالعبد للآدميين، ولا يملك شيء منه ما يملكه اللَّه تعالى، ولا يقوم بتدبير العالم في أرزاقهم.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩).
(٢) في (ر) و(ف): "مقل وله عيال عليه".
(٣) في (أ): "الصنم".
(٤) في (أ): "لعباده".
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٩٣) عنه في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: الصنم.
[ ٩ / ٣٠٣ ]
يقول: إن كنتم معاشرَ عبادي لا تسوُّون بين المملوكِ منكم الفقير المعدَم وبين الحرِّ الغنيِّ الموسر، فكيف تسوُّون بيني وبين غيري في العبادة، وأنا الغنيُّ القادرُ ومَن دوني فقير عاجز؟!
وأمَّا الثَّاني: فهو أنَّ المَثل للكافر الذي قد حَرَمَه اللَّهُ التَّوفيق، فهو لا يحصل منه عملٌ صالحٌ، ولا يوفَّقُ لبابٍ من أبواب الطَّاعة، فهو كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيءٍ ينفِقُ (^١) منه في باب تكرمةٍ أو قضاءِ حقٍّ، ومَثل المؤمنِ الموفَّق للطَّاعات التي (^٢) تحصل منه من الخيرات والأعمال الصَّالحة مِن حيثُ يعلم النَّاس ومن حيث لا يعلمون.
والإنفاقُ (^٣) يُعبَّر به عن العمل، وقد ذهب بعضُ المفسِّرين في قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ أي: حتى تعملوا الطَّاعات، ويقال لمن أكثر الكلام: أمسكْ عليك نفقتَك.
والسِّرُّ والجهرُ مثلان للأعمال التي يُجهَر بها، كالصَّلوات المفروضة، والإعلانِ بالشَّهادة للَّه في التَّوحيد (^٤)، والأذكارِ التي أُمِرَ النَّاس بالجهر بها، ومنها الحجُّ والجهادُ والأعمالُ التي تظهر للنَّاس.
والسِّرُّ: النَّوافل التي يخلو بها المرءُ في بيتِه وحيثُ لا يُعلَم به كدعاءِ السِّرِّ.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: المستَحِقُّ للشُّكر والثَّناء والمدح كلِّه هو اللَّه؛ لأنَّ النِّعم في الدِّين والدُّنيا كلَّها منه.
_________________
(١) في (ر): "يؤت".
(٢) في (ر) و(ف): "الذي".
(٣) في (ر) و(ف): "وفي الإنفاق قد".
(٤) في (أ): "وبالتوحيد" بدل: "في التوحيد".
[ ٩ / ٣٠٤ ]
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾: ردٌّ لِمَا قالوا من استحقاق الأصنامِ العبادةَ والشُّكرَ أنَّها ليس منها إنعام عليهم فتستحقَّ ذلك منهم، وأكثرُهم لا علمَ عندهم إنَّما هم مقلِّدون جُهَّال، استحسنوا عبادةَ غيرِ اللَّه على غير بصيرةٍ اتِّباعًا للآباء.
* * *
(٧٦) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾:
الأبكمُ: الأخرس، والكَلُّ: العيال، ومولاه: ابنُ عمِّه وقريبُه.
وهذا المثل الثَّاني ضربَه اللَّهُ لنفسِه وللأوثان، فالذي كالأبكم الذي لا يقدر على شيء؛ أي: لا يقوم بإمساكِ نفسِه وتدبير أمرِه، فهو كَلٌّ؛ أي: عيالٌ على مولاه؛ أي: على قريبِه وابن عمِّه الذي يدبِّر أمرَه، أو على مَن يتولَّى من الأجانب أمرَه ويقومُ بأسبابه، أينما يوجِّهه مولاه في أمرٍ يَعْرِضُ أو حاجةٍ تقعُ أو رسالةٍ تؤدَّى فإنَّه لا يأتيه بخير؛ لأنَّه لا يُعربُ (^١) عن نفسِه، ولا ينطق فيترجِمَ نطقُه عمَّا في ضميره، فالمستعين به خائبٌ من نفعه؛ لأنَّه لا يأمر ولا ينهى، ولا يُفصح عن حقٍّ ولا باطل، فكذا الوثن إنَّما يقوم بأمرِه غيرُه، فيُحمَل ويُنقَل مِن موضعٍ إلى موضعٍ، ويُصلَح ما يتشعَّث (^٢)
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يعبر".
(٢) في (ر): "يتشعب".
[ ٩ / ٣٠٥ ]
منه، ويُماطُ عنه ما يَعلقُ به مِن قذًى أو أذًى، وكلُّ ما يسألُه عابدُه ويدعوه له ويرجوه من عبادته فإنه لا يجدُه عندَه؛ لأنَّه لا يعقِلُ ولا يتكلَّمُ، فهو كَلٌّ على عابدِه، يتكلَّفُ مُؤْنَتَهُ، ولا يرجو معونتَه.
وقال الكلبيُّ: ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: مثَلُ الوثنِ، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: هو اللَّه تعالى، يأمر بشهادةِ أنْ لا إله إلَّا اللَّه، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ يعني: يدلُّكم (^١) على طريق مستقيم (^٢).
وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ فيه إثباتُ جميعِ ما نفاه عن الأوَّل:
فإنَّ قولَه تعالى: ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ فيه نفي الكلام، وفي الأمر بالعدل إثبات الكلام.
وقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، والآمر بالعدل قادرٌ على كلِّ شيء.
وقوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، ومَن يأمرُ بالعدل فغيرُه يكون كَلًّا عليه، وهو يَمُونهم ويقضي حوائجهم.
وقوله: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾، والآمرُ بالعدل يأتي بكلِّ خيرٍ.
* * *
(٧٧) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بذلك".
(٢) ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٢) عن الكلبي قوله: "يعني وهو يدلكم على صراط مستقيم".
[ ٩ / ٣٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يجوز أن (^١) يتصل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقيل: إنَّ المشركين كانوا ينكرون البدث، ويقولون: متى السَّاعة؟ فإذا قيل لهم: هو مكتوم، قالوا: لو كان لكان له وقتٌ معلومٌ، فقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: اللَّه مالك ما غابَ عن العباد في السَّماوات والأرض، ويملك إظهار ما غابَ من ذلك كلِّه، فيملك إظهار السَّاعة، كما قال: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: أي: كنظرِ البصر؛ أي: إنَّها تأتي بغتة في أسرع وقتٍ، كما قال: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ليس هذا للشَّكِّ، بل معناه: مَثِّلوها بأيِّهما شئْتُم فهو صوابٌ، كما يُقال: جالسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين.
وقيل: هو لشكِّ المخاطَب؛ أي: كونوا (^٢) في كونها على هذين الوسمين (^٣).
وقال ابن عبَّاس: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: بل هو أقربُ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هذا ظاهر.
* * *
(٧٨) - ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
_________________
(١) "يجوز أن" ليس في (أ).
(٢) في (ف): "كونه شاك" بدل: "أي كونوا".
(٣) في (أ): "الوجهين".
(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس ﵄، وذكره مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٤٧٩).
[ ٩ / ٣٠٧ ]
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: ومن النِّعمِ التي عدَّها هذا، وقوله: ﴿أَخْرَجَكُمْ﴾ إثبات عجزنا في الابتداء؛ يعني: لم تكونوا قادرين بأنفسكم على الخروج فأنا أخرجتُكم.
﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾: فأنا علَّمتكم، وقولُه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، قيل: هو الهداية إلى رضاع الثَّديين.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: راجعٌ إلى هذا؛ أي: جعل لكم آلات العلم والفهم.
وفي إثباتِ السَّمع إثباتُ النُّطق؛ لأنَّ مَن لم يسمَع لا يقدر على أن يتكلَّم.
يقول: خلقَكم وأعطاكم هذه الأعضاء السَّليمة، وأودعَها هذه المعانيَ؛ ليكلِّفَكم شكرَه بما أعطاكم، ويتعبَّدكم بشرائِعِه لتشكروا له على صنائعه.
وقال القشيريُّ ﵀: جعلْتُ لكم السَّمع لتسمعوا خطابي، والأبصار لتعتبروا بأفعالي، والأفئدة لتعرفوا حقِّي، ثم تشكروا عظيم إنعامي بما أُنعمُ عليكم مِن هذه الحواسِّ (^١).
* * *
(٧٩) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾: وهذا تنبيهٌ على الاعتبارِ بما يرونَه من الطَّير، وهو جمع طائرٍ.
_________________
(١) في (أ): "الخواص". انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣١٠).
[ ٩ / ٣٠٨ ]
﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾؛ أي: مذلَّلاتٍ في الهواء المرتفعِ من الأرض، وأضاف الجوَّ إلى السَّماء لأنَّ المراد: ما ارتفعَ من الهواء إلى جهة السَّماء.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾: أي: ما يمسِكُ هذه الطُّيور في الهواء إلَّا اللَّه بما أنبتَ لها من الأجنحة، وسخَّرها للطَّيران.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: أي: في تسخير الطَّير للطَّيران ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّها تدلُّ على خالقٍ خلقَها لا يشبِهُ خلقَه، وسخَّرها بقدرته، فإنَّها ما صارَتْ كذلك بأنفسِها، بل بمسخِّرٍ سخَّرها، وخصَّ المؤمنين بها لأنهم هم المنتفِعون بالتَّفكُّر فيها.
* * *
(٨٠) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾: أي: من بيوت الحجر والمدَر والخشب موضعَ سُكْنى في الحضر.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: وهي الفساطيطُ والأخبيةُ وقِبابُ الأَدَمِ والأنطاع، يخفُّ عليكم حملُها ونقلُها (^١) في الأسفارِ وما دونها خارجَ القُرى والأمصار يومَ ارتحالِكم.
والظَّعنُ بفتح العين وتسكينها: الارتحالُ.
قوله: ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: قرارِكم في منازلكم.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "وثقلها".
[ ٩ / ٣٠٩ ]
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾: أي: وجعل لكم من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها ﴿أَثَاثًا﴾؛ أي: أمتعة وثيابًا تصلح للحضر والسَّفر، منها ثيابٌ تُلْبَس، ومنها ما يُفرَش (^١)، ومنها ما يُنْصبُ (^٢) كأخبية الشَّعر واللُّبُود، والأصواف للضَّان، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز.
﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: أي: يجعلون منها أثاثًا ينتفعون (^٣) به أيَّام الحياة.
والأثاثُ: متاعُ البيتِ الكبير، من قولهم: شَعْرٌ أثيثٌ؛ أي: كثير، وأثَّ النَّبْتُ يأَثُّ (^٤) أثاثًا: إذا كَثُر والتفَّ، وكذلك الشَّعر، ولا واحدَ للأثاث.
* * *
(٨١) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾: كالشَّجر وما يُستَظلُّ به.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾: جمع كِنٍّ، وهو السَّتر؛ أي: ستورًا من الأنداء (^٥) ونحوها، وهي الكهوف يُتوقَّى بها من المطر والحرِّ والبرد.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾: قال قتادة: السِّربالُ: القميصُ من القطنِ والكتَّان والصُّوف (^٦).
_________________
(١) في (ر): "ومنها ثياب تفرش"، وفي (ف): "ومنها تفرش".
(٢) في (ف): "ومنها تنصب".
(٣) في (أ) و(ف): "يتمتعون".
(٤) "يأث" مثلثة العين. انظر: "القاموس" (مادة: أثث).
(٥) الأنداء: جمع الندى، وهو المطر والبلل. انظر: "الصحاح" (مادة: ندا).
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٥٠٨)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٢١).
[ ٩ / ٣١٠ ]
وقال الزَّجَّاجُ: كل ما لبسْتَه فهو سِربال (^١).
وإنَّما قال: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد، وإن كان ما يقي البرد أعظمَ في المنَّة؛ لأنَّ الذين خُوطبوا بهذا أهل حَرٍّ (^٢) في بلادهم، فحاجتُهم إلى ما يقي الحرَّ أشدُّ. قاله عطاء (^٣).
ولأنَّ ذِكْرَ أحدهما ذِكْر الآخر بتفاهم النَّاس (^٤)، وهو كقول الشَّاعر:
وما أدري إذا يمَّمْتُ أرضًا أريدُ الخيرَ أيَّهما يليني (^٥)
ذكر الخير (^٦) وكنَى عن اثنين، وهما الخيرُ والشَّر.
وقوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾: أي: ودروعًا من الحديد تردُّ عنكم سلاحَ عدوِّكم في قتالِكم. والبأسُ: شدَّةُ الحرب.
﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾: فلا يدعُ شيئًا ممَّا بكم الحاجةُ إليه في دينِكم ودنياكم إلَّا أعطاكموه تامًّا، تقع به الكفاية.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢١٥).
(٢) في (أ): "الحر".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٢٣).
(٤) في (ر): "تبعا للناس".
(٥) البيت للمثقب العبدي من قصيدة له في "المفضليات" للضبي (ص: ٢٩٢)، وانظر: "ديوانه" (ص: ٢١٢)، و"معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٧٩). ودون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١١٢). وبعده: أألخيرُ الذي أنا أبتغيه أمِ الشَّرُّ الذي هو يبتغيني
(٦) في (أ): "ذكر اثنين".
[ ٩ / ٣١١ ]
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: أي: لتُسْلموا وتُخْلِصوا للَّه، وتجعلوا أنفسكم سالمةً له مُسْلمةً إليه.
* * *
(٨٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي: فإنْ أعرضوا عن تدبُّر ما عدَّدْتُ من النِّعم والآيات، وختمْتُ ذلك بالدُّعاء إلى الإسلام بقولي: تُسلمون (^١)، وعن قَبولِه والإيمان بك فيما أتيتَهم به (^٢)، فلا تبعةَ عليك في ذلك ولا لوم (^٣)؛ ولأنَّ الذي عليك هو التَّبليغ الظَّاهر، وقد فعلْتَ.
* * *
(٨٣) - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: أي: يعرفون بقلوبِهم نعمةَ اللَّهِ عليهم بك يا محمَّد، ثم ينكرونها بألسنتهم فيجحدون نبوَّتك، وأكثرُ هؤلاء المشركين هم الكافرون النِّعمةَ التي نالوها (^٤) بك.
وهو وصفٌ للمعاندين (^٥) منهم، كما قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤]، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
_________________
(١) في (أ): "تقول لكم يسلمون"، وفي (ف): "بقول مسلمون" بدل من "لقولي مسلمون".
(٢) في (ر) و(ف): "به منه".
(٣) في (ر) و(ف): "لزوم".
(٤) في (ر): "أوتوها"، وفي (ف): "ولوها".
(٥) في (ف): "وهو صفة للكافرين المعاندين".
[ ٩ / ٣١٢ ]
وقال الحسن: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ أي: وجميعُهم (^١)، وهو كقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]؛ أي: فلا يؤمنون شيئًا.
وهو كقول العرب: هذه الأرض قلَّما تنبت الكلأ؛ أي: لا تُنبت شيئًا.
وقيل: بل هو على حقيقته؛ لأنَّه كان فيهم مَن لم تَقُم عليه الحجَّة به ممَّن لم يبلغ حدَّ التكليف، أو هو مَؤُوفٌ (^٢).
وقال بعض المفسِّرين: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: هي محمَّدٌ -ﷺ-.
وقيل: هو جميع ما سبق تقريرُه في هذه السُّورة.
وإنكارُهم هذه النِّعمة مثلُ ما حُكِي أنَّ بعضَهم ذكرَ هذه النِّعم فقال: ورَّثنيها آبائي؛ أي: الأنعامَ والأثاثَ والبيوت (^٣)، وكان بعضهم يقول: نلناها بشفاعةِ آلهتنا.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: هو قولهم حين سألهم: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [العنكبوت: ٦٣]، قالوا: اللَّه، ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بقولهم للأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه (^٤).
وقال عون بن عبد اللَّه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ هو قول الرَّجل: لولا فلانٌ ما أَصبْتُ كذا (^٥).
* * *
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٢٠٧)، والواحدي في "البسيط" (١٣/ ١٦٤).
(٢) مؤوف من الآفة وهي: العاهة، أو عرض مفسد لما أصابه. انظر: "القاموس" (مادة: أوف). ولعل المراد هنا فساد العقل الذي يرتفع معه التكليف.
(٣) "والبيوت" من (أ).
(٤) بمعناه في "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ٢٢٨).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٢٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٩٦).
[ ٩ / ٣١٣ ]
(٨٤) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: أي: واذكرْ يا محمَّد يومَ نبعثُ من كلِّ أمَّة شهيدًا، وهو النَّبيُّ يشهد على أمَّته بما كان (^١) مِن إجابةِ مَن أجابَ وردِّ مَن ردَّ.
ومعنى الشَّهادة مع أنَّ اللَّهَ تعالى عالمٌ بجميعِ ذلك: أنَّ هذا أهولُ (^٢) في النُّفوس، وأشدُّ في الفضيحة، وأردعُ إذا تأمَّلها المخوَّف بها.
وقيل: اتِّصالها بما قبلها: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ اليومَ ويوم نبعثهم ينكرون ذلك أيضًا.
وقيل: هو موصولٌ بقولِه: ﴿يَعْرِفُونَ﴾؛ أي: يعترفون بذلك (^٣) يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: في الاعتذار عمَّا كان منهم في الدُّنيا من الإنكار، كما قال: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، ومعنى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾؛ أي: لا يُسمَع عذرُهم ولا يُقبَل.
وقيل: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾؛ أي: يُحجبون عن ربِّهم، كما قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، ومجازه قولهم: أذنَ السُّلطانُ لفلانٍ، وخرج له الإذن؛ أي: بالدُّخول عليه ولقائه.
_________________
(١) في (أ): "يشهد على الأمة مما كان"، وفي (ر): "يشهد على أن الأمَّة ممن كان".
(٢) في (ف): "القول فحش".
(٣) في (أ): "ذلك" بدل من "أي: يعترفون بذلك".
[ ٩ / ٣١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾؛ أي: ولا يؤمرون بالكفِّ في معصيةٍ (^١) كانوا يرتكبونها؛ لأنَّه ليس بيومِ تكليفٍ.
والاستعتابُ في الدُّنيا كذلك، فإنَّه يُقال: أساء إليَّ فلانٌ فعتبتُ عليه (^٢)؛ أي: أظهرْتُ الموجدة فعاتبْتُه بذلك؛ أي: ذاكرْتُه به (^٣)، واستعتبْتُه؛ أي: سألتُه وطلبْتُ منه أنْ يمتنِعَ عن ذلك ليرضيَني، فأعتبني؛ أي: أرضاني بترك ذلك، والعودِ إلى ما أحبُّه.
* * *
(٨٥) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: ﴿ظَلَمُوا﴾؛ أي: أشركوا، فوضعوا العبادةَ في غير موضعها، وضرُّوا بذلك أنفسَهم، ونقَصوها حظَّها، ورأوا العذابَ الذي أُعِدَّ لهم في الآخرة، وذلك إذا دخلوا إلى جهنَّم، فلا يهوَّن عليهم، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يُمهَلون للإيمان.
وقيل: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ ساعةً فيستريحوا، ولا يمهَلون للدُّخول إذا انتهوا إليها.
* * *
(٨٦) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بالكف عن معصيته التي".
(٢) في (ر) و(ف): "فإنه يقال أتينا إلى فلان نعتب عليه".
(٣) في (ف): "أي ذاكرته" بدل من "إذا ذاكرته به".
[ ٩ / ٣١٥ ]
قوله: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾: أي: إذا رأوا أصنامَهم التي أشركوها في عبادتهم إيَّاها مع اللَّهِ وقد حُشِرَتْ معهم ليوبَّخوا بها.
﴿قَالُوا رَبَّنَا﴾؛ أي: يا ربَّنا ﴿هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾؛ أي: هم أضلُّونا، فافعل بهم كذا.
﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾: أي: فقال الشُّركاء في جوابهم:
﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولكم: إنَّا آلهةٌ وفي إضافتكم الإضلالَ إلينا.
* * *
(٨٧) - ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾: أي: واستسلمَ هؤلاء المشركون لحكم اللَّه، وذلُّوا، وسقط تكبُّرهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من قولهم: هم شفعاؤنا، بطلَ ذلك القولُ، فلا شفاعةَ ولا نصرةَ.
* * *
(٨٨) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: هم كبراء المشركين، كفروا نعمةَ اللَّهِ، وصدُّوا النَّاس بالتَّمويه عن دين اللَّه.
﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾: أي: ضاعفنا لهم العذاب ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ النَّاس بالصَّدِّ عن سبيل اللَّه، فلهم عذابُ ضلالهم (^١) وعذابُ إضلالهم النَّاسَ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أليم".
[ ٩ / ٣١٦ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾؛ يعني: خمسةَ أنهار من صُفْرٍ مُذابٍ، تسيل من تحت العرش (^١)، يُعذَّبون بثلاثةٍ منها على مقدار اللَّيل في الدُّنيا، وباثنين منها على مقدار النَّهار (^٢).
وقال سعيد بن جبير: يزادون حيَّاتٍ أمثالَ البُخْتِ، وعقاربَ أمثالَ البِغال، تلسَعُ أحدَهم اللَّسْعَةَ، فيجدُ صاحبُها حمَّتَها أربعين خريفًا (^٣).
وقيل: هو الجرب.
* * *
(٨٩) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: نبيَّهم.
﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: وهو تخصيصٌ بعد التَّعميم، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: ممَّا هم فيه الآن، أو ما (^٤) يَؤُول إليه أمرهم في الآخرة، وكشفْنا ذلك كلَّه، وأودعْنا كلَّ ما يحتاجون إليه من أمور الدِّين والدُّنيا.
_________________
(١) في (ف): "من تحتهم"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.
(٢) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٦)، ورواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٩٧).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٦).
(٤) في (ف): "ومما"، وفي (أ): "وما" بدل من "أو ما".
[ ٩ / ٣١٧ ]
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: أي: دلالة إلى الحقِّ، ورحمة لهم حتى لا يهلكوا، وبشارة بالجنَّة لمن أسلم (^١).
* * *
(٩٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الآية: هو متَّصل بقولِه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وقد بيَّن ذلك كلَّه في هذه الآية، فإنَّه أمرَ بثلاثةِ أشياءَ هي جامعةٌ جميعَ ما أمر اللَّه به في القرآن، ونهى عن ثلاثة أشياء هي جامعة جميعَ ما نهى اللَّه عنه في القرآن، ولذلك يقرأ كلُّ خطيبٍ على المنبر في آخر كلِّ خطبةٍ هذه الآية لإتيانها على كلِّ مأمور ومنهيٍّ؛ لتكونَ عِظةً جامعةً للنَّاس كلِّهم.
وعن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: أجمع آية في القرآن هذه الآية (^٢).
وعن عليٍّ ﵁ قال: جِماع التَّقوى في قول اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الآية (^٣).
وقال عثمان بن مظعون: كنْتُ أسلمْتُ استحياءً من رسول اللَّه -ﷺ- لكثرة ما كان يَعْرض عليَّ الإسلام، ولم يَقرَّ الإسلام في قلبي، فكنْتُ ذاتَ يومٍ عندَ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- جالسًا أتأمَّله، فشَخَصَ بصرَه نحو السَّماء، ورأيته (^٤) كأنَّه يستفهم شيئًا، فلمَّا سُرِّيَ
_________________
(١) في (أ): "يسلم".
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٦٠٠٢)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٣٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٦٥٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٥٨).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٤٢)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٦٠) مرفوعًا دون راو أو سند.
(٤) في (ف): "واللَّه"، وليست في (ر).
[ ٩ / ٣١٨ ]
عنه سألْتُه عن حالِه، فقال: "نعم، بينا أنا أحدِّثكُم رأيْتُ في الهواء جبريل، فأتاني بهذه الآية"، وقرأها عليَّ، فقرَّ الإسلامُ في قلبي، فأتيْتُ عمَّه أبا طالبٍ فأخبرْتُه، فقال: يا آلَ قريشٍ، اتَّبعِوا محمَّدًا تَرشُدوا، فإنَّه لا يأمركم إلَّا بمكارم الأخلاق، فإنْ كان ابنُ أخي صادقًا أوكاذبًا فإنَّ إلهَه لا يأمرُه إلَّا بخير، فأتيْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فأخبرْتُه بقولِه، ففرح بذلك، فقال له: "يا عم، تأمر النَّاسَ باتِّباعي ولا تتَّبعُني"، فأبى، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، فأتيْتُ الوليدَ بنَ المغيرة، وقرأْتُ عليه الآية، فقال: إنْ كان محمَّدٌ قاله فنِعْمَ ما قال (^١)، وإنْ كان قالَه ربُّه فنِعْمَ ما قال، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ الآيات [النجم: ٣٣] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾؛ أي: بالتَّسوية في الحقوق فيما بينكم، وتركِ التَّظالم، وإيصالِ كلِّ ذي حقِّ إلى (^٣) حقِّه، والإحسانِ إلى مَن أساءَ إليكم.
وقيل: هو التَّفضُّل الزَّائد على العدل.
﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: إعطاءِ ذي القربى (^٤)، وهو صلةُ الرَّحم وبرُّ الأقارب.
_________________
(١) في (ف): "فنعما" بدل: "فنعم ما قال".
(٢) رواه دون قصة أبي طالب وما بعدها الإمام أحمد في "المسند" (٢٩١٩)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٨٩٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٣٢٢)، من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄. وذكره كما عند المصنف لكن دون قصة الوليد بن المغيرة: السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٧).
(٣) في (أ): "كل حق إلى ذي حقه".
(٤) في (أ): "القراب به".
[ ٩ / ٣١٩ ]
﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: أي: عن الذُّنوب المفرِطة في القُبح.
﴿وَالْمُنْكَرِ﴾: وهو كلُّ ما تنكرِهُ العُقول السَّليمة، ولا يُعرَف في سُنَّةٍ ولا عقلٍ.
وقيل: الفاحشةُ: كلُّ ما يعظُمُ قبحُه فيما يفعلُه الإنسان في نفسِه ولا يظهرُه، والمنكرُ: ما يظهَرُ للنَّاسِ ممَّا يجبُ (^١) عليهم إنكارُه.
﴿وَالْبَغْيِ﴾: أي: وينهى عن الاستطالة على النَّاس بفضل القوَّة.
وحقيقتُه: طلبُ ما ليسَ له طلبُه، ولا يكون البغيُ إلَّا من الفاعلِ في غيره، فأمَّا الظُّلم فقد يكون في نفسه.
قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ﴾: أي: يحذِّركم مكروهَ العواقب في مخالفةِ أمرِه ونهيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لتتذكَّروا بعقولِكم فتتَّعظوا بمواعظ اللَّه.
وقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ فيما بينكم وبينَ ربِّكم أوَّلًا، وليس من العدل أنْ يُعدَل بالشُّكر عن المنعِم إلى غير المنعِم، ولا أنْ يُشركَ في الشُّكر غيرُ المنعِم، وهذا يوجب تركَ عبادة الأوثان، فالتَّوحيد عدلٌ لأنَّ الشِّركَ ظلمٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وقيل: إنَّ الإحسانَ أن يأتيَ بما أُمِرَ به من الأعمال حسنًا على التَّمام.
وقيل: الإحسانُ إشارةٌ إلى الإخلاص فيه (^٢).
فأمَّا ما رُوي في تفسيرها عن السَّلف:
_________________
(١) في (ر): "ويجب"، وفي (ف): "ما يجب".
(٢) "فيه" ليس في (أ) و(ف).
[ ٩ / ٣٢٠ ]
فقد قال ابنُ عبَّاس ﵄: العدلُ: شهادةُ أن لا إله إلَّا اللَّه، والإحسانُ: الإخلاصُ فيه (^١).
وعنه في رواية: العدلُ: التَّوحيدُ، والإحسانُ: أداءُ الفرائض (^٢).
وقال عليٌّ ﵁: العدلُ: الإنصاف، والإحسانُ: التَّفضُّل (^٣). يعني: المروءة.
وقال مقاتل: العدلُ: التَّوحيدُ، والإحسانُ: العفو عن النَّاس (^٤).
وقال عطاء عن ابن عبَّاس ﵄: العدلُ: خلعُ الأنداد، والإحسانُ: أن تعبدَ اللَّه كأنَّك تراه (^٥).
وقيل: العدلُ: في الأفعال، والإحسانُ: في الأقوال، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
وقيل: العدلُ: في الأفعال والأقوال (^٦)، والإحسانُ: أن تحبَّ للنَّاس ما تحبُّ لنفسك.
وقال أبو بكر الورَّاق: العدلُ: أن ينصِفَ وينتصِفَ، والإحسانُ: أن ينصِفَ ولا ينتصِفَ.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٧)، وروى الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٣٥) الشطر الأول منه.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٩٩)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٧).
(٣) رواه ابن النجار في "تاريخه" كما في "الدر المنثور" (٥/ ١٦٠).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٨٣).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٧).
(٦) "والأقوال" ليس في (أ).
[ ٩ / ٣٢١ ]
وقال سفيانُ بن عيينة: الفحشاءُ: مخالفةُ القولِ الفعلَ، والمنكرُ: الشِّركُ، والبغيُ: التَّكبُّر.
وعنه في رواية: العدلُ: استواءُ السَّريرة والعلانية، والإحسانُ: أن تكون السَّريرة أحسن من العلانية، والفحشاء والمنكر: أن تكون العلانية أحسن من السَّريرة (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أُمِرَ العبدُ بالعدلِ فيما بينَه وبينَ اللَّه، وفيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الخلق.
فالذي بينَه وبين نفسِه: منعُها ممَّا فيه هلاكها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠].
والعدلُ بينَه وبين ربِّه: إيثارُ حقِّ اللَّهِ على حظِّ نفسِه، وتقديمُ رضاه على هواها، والتَّجرُّد عن جميع الزَّواجر، والتَّفرُّد بملازمة جميع الأوامر.
والعدلُ الذي (^٢) بينه وبين الخلق: بذلُ النَّصيحة، وتركُ الخيانة فيما قلَّ وكثر، والإنصاف لهم بكل وجهٍ، وأن لا يسيء إلى أحد لا بالقول ولا بالفعل ولا بالعزم.
وصفةُ العوام منه: بذلُ الإنصاف، وكفُّ الأذى.
وصفةُ الخواصِّ: بذلُ الإنصاف، وترك الانتصاف، وإسداء الإنعام، وترك الانتقام، وكفُّ الأذى عن النَّاس، والصَّبر على ما يصيبك منهم من البلوى.
فأمَّا الإحسان فيكون بمعنى العلم، قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يحسنُه (^٣).
_________________
(١) ذكره الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٣٦)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٧).
(٢) "الذي" ليس في (أ).
(٣) رواه الشجري، كما في "ترتيب الأمالي الخميسية" (٦٦١).
[ ٩ / ٣٢٢ ]
والعلمُ مأمورٌ به في كلِّ المَواطن (^١)، وهو علمُ الإنسانِ بحدوث نفسِه، وقِدَمِ محدِثِه، بصفات جلاله، ثم العلومُ الدينيَّة على حسب مراتبها.
وأما الإحسان في الفعل، فالحسنُ من أفعالنا ما أمرَ اللَّهُ به، وأذنَ لنا فيه، وحكم بمدح فاعله، وجعل في كلِّ عقلٍ حُسنَه.
والإحسانُ أيضًا: أن تقومَ بكلِّ حقٍّ وجبَ عليك، حتى لو كان طيرٌ في ملكك لا تقصِّر في تعهُّده (^٢).
* * *
(٩١) - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾: أي: اثْبُتوا على ما عاهدْتُم اللَّهَ عليه وبايعْتُم به رسولَه بالأيمان التي تحلفون بها.
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾: أي: لا (^٣) تنكثوها بالحِنْثِ ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ أي: بعد إحكامِ عقدِها على أنفسكم.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾: فإنَّ مَن حلفَ باللَّه ليفعلَنَّ كذا، أو لا يفعلُ كذا؛ فقد منعَ نفسَه عن الخلافِ بذكرِ اسمِ اللَّه تعالى؛ مهابةَ أن يهتكَه، فكأنَّه جعلَ تعليقه ذلك بحقِّه كفيلًا إقامةً على نفسه بإلزامِه البِرَّ فيه (^٤)، كالذي أقامَ على نفسِه
_________________
(١) "في كل المواطن" ليس في (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣١٤ - ٣١٥)، وليس فيه قول علي بن أبي طالب ﵁.
(٣) "لا" من (ف).
(٤) في (ر) و(ف): "بإلزامه التوفية".
[ ٩ / ٣٢٣ ]
كفيلًا يطالبُه بأداء ما عليه، فإذا لم يؤدِّ ما عليه فقد استخفَّ بكفيله، فكذا مَن ترك البرَّ وحنثَ في يمينه فقد استهان باسم اللَّه تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾: من البرِّ والحنْثِ، فيجازيكم به.
* * *
(٩٢) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾: جمع نِكْثٍ بالكسر، وهو ما نُقِضَ من الغزلِ، والنَّكْثُ بالفتح مصدر، وهما كالنَّقض والنِّقض، والقَطف والقِطف، والذَّبح والذِّبح؛ أي: ولا تنقضوا ما عاهدْتُم اللَّهَ عليه، فيكونَ مَثَلُكم كمثلِ امرأةٍ تُبْرِمُ غزلَها، حتى إذا قَوِيَ (^١) عادَتْ عليه فنقضته (^٢)، وهذا قبيحٌ لا يخفى عليكم قبحُه.
قال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتْ في امرأة حمقاء من قريش، يقال لها: رائطة (^٣).
وقال مقاتلٌ: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد بن مناة بن تيم، وكانت تُلقَّب بجعدة (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فرغ".
(٢) في (ر) و(ف): "عادت إليه فتنقضه فيكون مثلكم".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٣/ ١٧٨) عن الكلبي. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٨)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٣٩ - ٤٠)، عن الكلبي ومقاتل لكن اسمها فيهما: (ريطة).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٨٤). وفيه: (ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة)، وما ذكره =
[ ٩ / ٣٢٤ ]
وكانت اتَّخذَتْ مغزلًا بمقدار ذراع، وفلكةً على قَدْرها، وكانت لها جوارٍ تأمرهُنَّ من الغداة إلى نصف النَّهار بغزل الصُّوف، فإذا انتصفَ النَّهار أمرتهنَّ بنقض ما غزلْنَ، فهذا كان دأبَها، فضربَ اللَّهُ تعالى بها مَثَل ناقض العهد (^١).
وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: الدَّخَلُ: ما أُدخِلَ على الشَّيء للفساد.
والمعنى واللَّه أعلم: تَدخلون في الأيمان للغرور، وهو إفساد، ومن نيَّتكُم الغدرُ بمن حلفتُم لهم.
وقيل: الدَّخَل: الدَّغَلُ والخديعة.
وقيل: الغِلُّ والغِشُّ.
وقيل: هو أن يكون داخلُ القلب على الجفاء، والظَّاهرُ على الوفاء.
وقيل: معناه: أن تحلفوا غيرَ معتقدين للوفاء بما حلفْتُم.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: أخبر بالسَّببِ الذي يفعلون هذا لأجلِه، فقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: من أجلِ أنَّ طائفةً من النَّاس يكونون أكثرَ عددًا من طائفةٍ أخرى، ويكونون أكثرَ أموالًا، وأزيدَ أسبابًا في القوَّة والمال، فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسَّعة في الدُّنيا في أعدائكم من المشركين. وهذا لمن دخل في الإسلام ونافقَ أهلَه ليستعين بهم ويتَّسع (^٢) في
_________________
(١) = المؤلف من زيادة (زيد مناة) هو رواية الثعلبي والبغوي عن الكلبي ومقاتل. انظر التعليق السابق.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٨)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٣٩ - ٤٠)، عن الكلبي ومقاتل. وفيهما: (. . . وكانت اتخذت مغزلًا بقدر ذراع وصنارةً مثلَ الإصبع وفلكةً عظيمة على قدرها. . .)، وكذا ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٦٣١). والصنارة: رأس المغزل.
(٣) في (أ): "ونافع أهله لسيتغني بهم ويتسع بهم" بدل: "ونافق أهله ليستعين بهم ويتسع".
[ ٩ / ٣٢٥ ]
أسباب الدُّنيا، ويظفر على أعدائه، وإذا لم يحصل ذلك عاجلًا نقضَ العهدَ وارتدَّ إلى الكفَّار؛ لِمَا يرى من كثرة عددِهم وأموالِهم، فنهاهم أن يكون دخولهم في الإسلام على هذا القصد، فيكونوا قد اتَّخذوا إسلامهم دَخلًا خديعةً للمسلمين، لا إخلاصًا في الدِّين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾: أي: يُجري أحوالَ المؤمنين في بعض الأوقات على الضَّعف والقِلَّة والنُّقصان ليختبرهم؛ أي: يعاملَهم معاملةَ المختبِر ليظهَرَ صبرُهم فيجازيَهم عليه أحسنَ الجزاء، وهو لا محالة ينصرهم ويُظفِرهم بعدوِّهم ويُطيِّب لهم عيشهم، وله ذلك في عباده (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: أي: ليميزَنَّ المحِقَّ من المبطِل يوم القيامة، فيثيبَ المحقَّ ويعاقب المبطل، وهذا وعدٌ لهم على حفظ العهد واليمين، وعلى الصَّبر على الشِّدة، وعلى الثَّبات على الدِّين.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ لكلِّ قومٍ عهدٌ مخصوصٌ عاهدوا اللَّه عليه، وهم مطالبون بالوفاء بعهدِه؛ فالزَّاهدُ عاهدَه ألَّا يرجعَ إلى الدُّنيا، فإذا رجع إلى ما تركَه منها فقد نقضَ عهدَه ولم يفِ به، والعابدُ عاهدَه في ترك الهوى، والمريدُ عاهدَه في ترك العادة، والعارفُ عاهدَه في التَّجرُّدِ له وإنكارِ ما سواه، والمحبُّ عاهدَه في القول بتركِ نفسِه معه بكلِّ وجهٍ.
فكلٌّ منهم مأمورٌ بالوفاء بعهدِه، منهيٌّ عن نقضِه، ومَن نقضَ عهدَه فقد هدمَ بفعلِه ما أسَّسَه لنفسه (^٢)، وقلعَ بيده ما غرسَه، وكان كما قال أوَّلًا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ الآية.
_________________
(١) في (أ): "عادة".
(٢) "لنفسه" ليس في (أ).
[ ٩ / ٣٢٦ ]
وإنَّ السالكَ إذا وقعَتْ له فترةٌ، والمريدَ إذا حصلَتْ له في الطَّريق وقفةٌ، والعارفَ إذا حصلَتْ له حجبةٌ، والمحبَّ إذا استقبلَتْه فُرقةٌ = فهي محنٌ عظيمة، ومصائبُ فجيعة (^١).
* * *
(٩٣) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: على ملَّة واحدة، وهي الإسلام.
﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: مَن علمَ منه اختيارَ الضَّلال أضلَّه، ومَن علمَ منه اختيارَ الهداية هداه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: يوم القيامة، فتُجزَون به.
وقال القشيريُّ ﵀: لو شاء اللَّه سعادتهم لرحمهم، وعن المعاصي عصمهم، ودوامَ ذكرِه ألهمهم، ولكن سبقَتِ القسمةُ فجاءت القسوة والغيبة (^٢).
وما أحسنَ ما قالوا:
شكا إليكَ ما وَجَدْ مَنْ خانَهُ فيك الجَلَدْ
حيرانُ لو شِئْتَ اهتَدَى ظمآنُ لو شِئْتَ وَرَدْ (^٣)
_________________
(١) في (ر): "لحقته شديدة"، وفي (ف): "لحقته". انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣١٥ - ٣١٦).
(٢) في (ر): "فجاءت العسرة"، وفي (ف): "فجاءت العسرة والغيبة". وليست العبارة في مطبوع "اللطائف".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣١٧). والبيتان نسبا لهبة اللَّه بن المنجم، كما في "يتيمة الدهر" (٣/ ٤٥٤)، و"الإعجاز والإيجاز" (ص: ٢٠٣)، و"خاص الخاص" (ص: ١٧٨) ثلاثتها للثعلبي. =
[ ٩ / ٣٢٧ ]
(٩٤) - ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: أي: لا تَعْقِدوا الإيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزل قدم، كما قال (^١):
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾: مجازٌ عن الصيرورة من الأمن إلى الخوف، ومن الرُّشد إلى (^٢) الغيِّ، ومن الصَّواب إلى الخطأ، ومن الحقِّ إلى الباطل.
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: بما ينالكم في الدُّنيا من السُّوء على أيدي المؤمنين.
﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: أعرضْتُم عنه، من الصُّدود، ومنعْتُم عنه غيركم، من الصَّدِّ.
﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: في الآخرة، مع ما ينالكم من السُّوء في الدنيا.
* * *
(٩٥) - ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أي: ولا تستبدلوا بنقض العهد واليمين عوضًا يسيرًا، وهو عرَض الدُّنيا، فإنَّه يسيرٌ خسيسٌ فانٍ، والثَّوابُ بحفظ العهود واليمين باقٍ، وهو قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: تنتفعون بالعلم.
_________________
(١) = ونسبا لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي كما في "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (٣/ ٤٣٠)، "المنتظم" لابن الجوزي (١٤/ ٦٩).
(٢) "فتزل قدم كما قال" من (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "إلى اعتقاد".
[ ٩ / ٣٢٨ ]
(٩٦) - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾: أي: يفنى ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾: لا يفنى، فلا تنقضوا العهد واليمين طمعًا في المال الذي عندكم وهو ممَّا يفنى، فيفوتَكم الثَّوابُ الذي عند اللَّه تعالى وهو باقٍ.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: على حفظ العهد واليمين، وتَحَمُّلِ المشقَّة والفاقة.
﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: بأحسنِ أعمالِهم التي كانوا يعملونها في الدُّنيا، وهي ما عملوه في حال إسلامِهم، فإذا جزاهم بها (^١) الجنَّة، فلا شكَّ أنَّه قد غفر لهم ما كان منهم من الشِّرك، ومن الذُّنوب في الإسلام.
وقيل: نزلَتْ الآيةُ في عَيدان بن الأشوع (^٢) الحضرمي، وامرئ القيس الكندي (^٣)، وقد ذكرنا ذلك في (سورة آل عمران) (^٤).
وقال القشيريُّ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾: ما كان عندكم أو منكم أو بكم فأفعالٌ معلولة، وأحوالٌ مدخولة، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فثوابٌ مقيم، ونعيمٌ عظيم، ما منكم من
_________________
(١) في (ف): "فإذا جازاهم به" وفي (ر): "فإذا جازاهم به في".
(٢) في (ر) و(ف): "عبدان بن الأسود"، والصواب المثبت، وقد تقدمت قصته وتحقيق اسمه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧].
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٨٩) عن الكلبي، وذكره الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ١٩٣ - ١٩٤) عن ابن عباس ﵄، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٨٧) من طريق أبي صالح عن ابن عباس، فهو مما روي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ضعيف جدًّا لا يحتج بمثله.
(٤) انظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧].
[ ٩ / ٣٢٩ ]
معارفكم ومحابِّكم آثار متعاقبة، وصفات متناوبة، أعيانُها غير باقية، وإن كانت أحكامها غير باطلة، والذي هو وصف الحقِّ من رحمته بكم ومحبَّته لكم وثنائه عليكم فصفات أزليَّة، ونعوت سرمديَّة (^١).
وقال في قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: جزاء الصَّبر الفوزُ بالطلبة (^٢) والظَّفر بالبُغية، والطَّلبات مختلفة (^٣).
* * *
(٩٧) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: يتَّصلُ بقوله: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾.
نبَّههم على أنَّ التَّوسُّع في الدُّنيا ليس يحصل به في الحقيقة طيبُ عيشٍ إلَّا للمؤمنين؛ لئلا يدعوهم الطَّمعُ في المال إلى نقض العهد، ثم العملُ الصَّالح لا يكون من غير المؤمن، وإنَّما أراد بقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: بيانًا أنَّ معناه: مَن عمل صالحًا في الحال وهو مؤمن في المآل؛ لأنَّ اعتبار (^٤) صفاء الحال بوفاء المآل، والأمور بخواتيمها.
قال القشيريُّ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: مصدِّق بأنَّ عملَه الصَّالح بتوفيق اللَّه تعالى (^٥).
_________________
(١) في (ف): "فصفات أزليته ونعوت سرمديته".
(٢) في (أ): "بالطيبة".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٤) في (ف): "الاعتبار".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣١٩).
[ ٩ / ٣٣٠ ]
وقيل: أي: مصدِّقٌ بأنَّ نجاته بفضل اللَّه لا بفعله.
وقوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾؛ أي: فلنُطيِّبنَّ عيشَه، وذلك بوجوهٍ:
قد يكون بالقناعة. وهو معنى قول الحسن (^١).
وقد يكون بفتح بلاد الكفر وتوسُّعهم بالغنائم.
وقد يكون بتعريفه وجوه طيب الكسب واكتسابه من ذلك الوجه، خلاف كسب المشركين الحرام. وهذا معنى قول ابن عبَّاس ﵄ (^٢).
وقيل: هو أن يَعملَ بطاعةِ اللَّه، فتكون حياتُه طيِّبةً في الحقيقة؛ لأنَّها تُؤَدِّيه إلى رضوان اللَّه، بخلاف عيش الكافر.
وقال القشيريُّ: الطَّيِّبُ لا يُعرَف بالنُّطق بل بالذَّوق، فقومٌ قالوا: هو حلاوة الطَّاعة، وقوم قالوا: هو صدق القناعة، وقال قوم: هو الرِّضى، وقال آخرون: هو لَذاذةُ النَّجوى، وقيل: هو نسيم القُرب، والكلُّ صحيحٌ، ولكلِّ واحدٍ أهلٌ.
وقيل: الحياة الطَّيِّبةُ ما يكون مع المحبوب، وفي معناه أنشدوا:
نحن في أكمل السُّرور ولكن ليس إلَّا بكم يتمُّ السُّرور
عيبُ ما نحنُ فيه يا أهلَ ودِّي أنكم غُيَّبٌ ونحنُ حضورُ
وقيل: الحياة الطَّيِّبة للأولياء ألَّا يتركَ لهم سؤالًا إلَّا حقَّقه، ولا مأمولًا إلَّا صدَّقه، وأمَّا الخواصُّ فالحياة الطَّيِّبة لهم ألَّا يكون لهم سؤال ولا حاجة ولا إرب
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٤٠).
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٧٧)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٥٠ - ٣٥١).
[ ٩ / ٣٣١ ]
ولا مطالبة، وكم بينَ مَن له مرادٌ فيرتفعُ، وبين مَن لا إرادة له، الأوَّلون قائمون بشرط العبوديَّة، والآخرون معتَقون بشرط الحريَّة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾: جَمَع بعد التَّوحيد صرفًا إلى المعنى؛ لأنه جنس.
﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: قد فسَّرناه الآن، وليس بتكرارٍ؛ لأنَّ الأوَّل في حقِّ الذين عاهدوا رسولَ اللَّه فحفظوا عهودهم، وهذا في كلِّ مؤمنٍ عمل صالحًا.
* * *
(٩٨) - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: وانتظامها بالأولى أنَّه قال: ﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهو العملُ بما في أحسنِ الحديث، وهو القرآن.
وقيل: هو متَّصل بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: فإذا أردْتَ قراءة القرآن، كما في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: إذا أردتم القيام إليها، وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: إذا أردتم تطليق النِّساء.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: أي: فامتنِعْ به واعتصِمْ، وقد فسَّرنا العياذ ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ هو في أوَّل الكتاب.
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣٢٠).
[ ٩ / ٣٣٢ ]
(٩٩) - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صدقوا اللَّهَ في وعدِه ووعيدِه.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: في دفعِ وساوسِ الشَّيطان، وتفويض الأمور كلِّها إلى اللَّه، والتَّبرُّؤ عن الشِّرك.
* * *
(١٠٠) - ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: إنَّما تعملُ وسوستُه وتنفذُ دعوتُه إلى الضَّلال على الذين يتولَّون الشَّيطان، فيجعلونه عمدةً لهم، ويرجون نصره وعونه، ويتوقَّعون كفايته، وينقطعون إليه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: أي: بسبب الشَّيطان مشركون باللَّه، والهاء على هذا راجعٌ إلى الشَّيطان. وهو قول الرَّبيع بن أنس (^١).
وقال الضَّحَّاك: ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: باللَّه مشركون (^٢).
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢١]، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ. . . وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وفي جملتها: أنَّه يتسلَّطَ على كلِّ مَن أقبل إليه، لا على مَن أدبرَ عنه.
وقال القشيريُّ: شيطانُ كلِّ أحدٍ ما شغلَه عن ربِّه، فمَن تسلَّط عليه نفسه حتى
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٥٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٣٠٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٦١).
[ ٩ / ٣٣٣ ]
شغلَتْه عن ربِّه، ولو بشهود طاعته، أو استحلاء طاعته، أو ملاحظةِ حاله، فذلك شيطانه، والواجب عليه أن يستعيذَ باللَّهِ من شرِّ نفسِه، وشرِّ كلِّ ذي شرٍّ (^١).
* * *
(١٠١) - ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: ناسخةً بآيةٍ منسوخة.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾: هو اعتراض الكلامِ قبلَ التَّمام، وهو من محاسن الكلام؛ أي: واللَّه أعلم بمصالح العباد، وبما ينزلُ من النَّاسخ والمنسوخ.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: أي: متقوِّلٌ من نفسك، تكذبُ على اللَّه.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنَّ النَّاسخ والمنسوخَ كلاهما من اللَّه.
وقيل: لا يعلمون حسنَ النَّسخ وجوازَه، بما فيه من الحكمة والمصلحة.
* * *
(١٠٢) - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: أي: قلْ لهم يا محمَّد: إنَّما أنزلَ القرآنَ كلَّه ناسخَه ومنسوخه ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾، وهو جبريل ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: من عند اللَّه ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصَّواب ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ليتدبَّره الذين آمنوا باللَّه،
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣٢٠).
[ ٩ / ٣٣٤ ]
فيصدِّقوا بالنَّاسخ كتصديقهم بالمنسوخ، ويعتقدوا أنَّ الكلَّ حقٌّ في وقته، فيوفِّقَهم اللَّهُ للثَّبات على الإيمان، وليكونَ ما ينزِّله هدًى للمؤمنين إلى طريق الحقِّ، وبشارةً بالجنَّة إذ عملوا بالطَّاعة في الحالين.
* * *
(١٠٣) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: يقول اللَّه تعالى: لا يخفى علينا قولهم: إنَّما يعلِّم محمَّدًا هذا المتلوَّ بشرٌ.
قيل: أرادوا به جَبْرًا، وقيل: يسارًا (^١)، وكانا غلامين لابن الحضرميِّ يهوديَّين.
قال أبو رَوْق عن الضَّحاك: نزلَتْ في عبيدٍ لأهل مكَّة، منهم يعيش وسلمان وجبر ويسار. (^٢)
وقال السُّدِّيُّ: كان بمكَّة رجلٌ نصرانيٌّ يقال له: أبو ميسرة، يتكلَّم بالروميَّة، فربَّما يقعد إليه رسولُ اللَّه -ﷺ- (^٣).
وقيل: هو نصرانيٌّ حدَّاد بمكَّة يُسمَّى: بلعام؛ روى مجاهدٌ عن ابن عبَّاس
_________________
(١) عبدان نصرانيان كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرأان الإنجيل. روى القصة بذلك الطبري في "التفسير" (١٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، والبيهقي في "الشعب" (١٣٨)، عن عبد اللَّه بن مسلم الحضرمي: (أنه كان لهم عبدان من أهل عين التمر، وكانا صيقلين، وكان يُقال لأحدهما يسار، والآخر جبر. . .).
(٢) لم أقف عليه هكذا، لكن روى الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٦٨) عن الضحاك في قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾: كانوا يقولون: إنما يعلمه سلمان الفارسي.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٤٤).
[ ٩ / ٣٣٥ ]
قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يعلِّم قينًا بمكَّة يُسمَّى بلعام، وكان أعجمي اللِّسان، فكان المشركون يرون رسول اللَّه -ﷺ- حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ أي (^١): بلعام، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾: أي: يُميلون إليه القرآنَ ليس بعربيٍّ.
﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: أي: وهذا القرآن منظومٌ بالعربيَّة.
* * *
(١٠٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: بالقرآن ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ ما داموا مختارين للكفر ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على شركهم في الآخرة.
* * *
(١٠٥) - ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾: أي: على اللَّه ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: الكافرين؛ يعني (^٣): أنَّ المستَحقَّ لاسم المفتري هم لا أنت.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ كذلك.
* * *
_________________
(١) "بشر أي" من (أ)، ولم يرد في باقي النسخ والمصدر.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٦٥).
(٣) "الكافرين يعني" ليس في (أ)، وصوابه: (الكافرون) بالرفع.
[ ٩ / ٣٣٦ ]
(١٠٦) - ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾: قيل: هو متَّصل بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، والصَّحيح أنَّه مبتدأ، ومعناه: الذين كفروا باللَّه بعد إيمانهم.
و﴿مَنْ﴾ هاهنا للجمع؛ لأنَّه جنسٌ، فيصلح للجمع.
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾: هو استثناء منهم؛ يعني: إلَّا مَن أُجبِرَ على الكفر ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: ساكن به، معتقِد له، فإنَّه ليس في حكمِهم.
﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وتقدير الآية على التَّقديم والتَّأخير: الكافرون باللَّه بعد إيمانهم به الشَّارحون لقَبول الكفر واعتقاده صدورًا فعليهم غضب من اللَّه ولهم عذاب عظيم إلَّا مَن أُكِرَه على الكفر؛ فإنَّه لا يستحقُّ غضبَ اللَّه والعذابَ العظيم.
وقيل: هذان ابتداءان ولهما جواب واحد:
أحدهما: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾.
والثَّاني: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾.
وجوابُهما: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾، وهو كقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ. . . لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ [الفتح: ٢٥] جوابهما (^١).
وقيل: نزلت الآية في عمَّار بن ياسر، خرج مهاجرًا إلى رسول اللَّه -ﷺ- مع جماعة، فأخذهم كفَّار مكَّة، وقالوا: إنكم تريدون محمَّدًا، وعذَّبوهم، وأكرهوهم
_________________
(١) "وقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ جوابهما" ليس في (أ).
[ ٩ / ٣٣٧ ]
على الكفر، فصبر بعضهم حتى قُتِلَ، وتكلَّم عمَّار بما أكرهوه عليه وقلبُه مطمئن بالإيمان، فخلَّوا عنه، فلمَّا قدم على رسول اللَّه -ﷺ- أخبره بذلك، فنزلت الآية، وقال له النَّبيُّ -ﷺ-: "إن عادوا فعد" (^١).
وقيل: في قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]: هو أن يُكرَه عليه، فهو عذرُه وبرهانُه.
وقيل: نزلَتْ في عيَّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرَّضاعة، وأبي جندل بن سهيل بن عَمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعبد اللَّه بن أسيد الثَّقفي، وهم المستضعَفون بمكَّة، وهم الذين كان النَّبيُّ -ﷺ- يقنُتُ لأجلهم في الفجر: "اللَّهم اشددْ وطأتَك على مضر، واجعلها عليهم سنينَ كَسِنِي يوسفَ" (^٢)، وفيهم نزل بعد هذا: ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فتَنهم (^٣) الكفَّار عن دينهم، فأبوا وصبروا، فأثنى اللَّه عليهم (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٩٢)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٣٠٤) عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١٢/ ٣١٢): وهو مرسل ورجاله ثقات. ورواه الحاكم في "المستدرك" (٣٣٦٢) عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه، وصححه، وقال الحافظ: (وهو مرسل أيضًا، وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن بن عباس نحوه مطولًا وفي سنده ضعف). قلت: وليس في شيء من رواياته أن أخذ المشركين له كان عند الهجرة، ولعله وهم من المؤلف ﵀.
(٢) هذا الدعاء رواه البخاري (٢٩٣٢)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في (ر) و(ف): "فنهاهم".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٤٧) دون نسبة.
[ ٩ / ٣٣٨ ]
(١٠٧) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ﴾: أي: ذلك الغضب والعذاب بأنَّهم ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: آثروا الحياة الدنيا ﴿عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ما داموا مختارين للكفر.
* * *
(١٠٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: فلا يتدبَّرون ولا يتفكَّرون، وهذا عقوبةٌ لهم على إصرارهم، وخذلانٌ لهم لميلِهم إلى الكفر واختيارهم.
﴿وَسَمْعِهِمْ﴾: فلا تصغي إلى المواعظ.
﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾: فلا تبصر طريق الرَّشاد، ولا تَعتبر بما تشاهد من عجائب الخليقة.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: أي: المتغافلون عن آيات اللَّه، كأنَّهم لم يأتهم شيءٌ من هذا.
* * *
(١٠٩) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أي: حقًّا، أو كلمةُ ﴿لَا﴾ نفيٌ لقولهم، و﴿جَرَمَ﴾ بمعنى كسَبَ فعلُهم لهم خسرانَ الآخرة، ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]؛ أي: أهلكوها وباعوها بعرض الدُّنيا فغبَنوها.
* * *
[ ٩ / ٣٣٩ ]
(١١٠) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا﴾: من مكَّة إلى المدينة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾؛ أي: عُذِّبوا بمكَّة وأُكرِهوا على الكفر ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ المشركين بعد الهجرة ﴿وَصَبَرُوا﴾ على الجهاد.
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: أعاد كلمة ﴿إِنَّ﴾ بعد ما ذكرها مرَّة لطول الكلام.
﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾: أي: من بعد هذه الفعلة، أو بعدِ هذه الأفعال.
﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفرَ لهم ما كان منهم في حالة الفتنة (^١) من التَّكلُّم بكلمة الكفر، ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يعذِّبُهم على ما قالوه حالةَ الإكراه.
* * *
(١١١) - ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾: قيل: معناه: اذكروا (^٢) يوم تأتي.
وقيل: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ﴾.
﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾: أي: تحتجُّ وتخاصِمُ عن نفسِها فيما كانت تعتقده من دين، كما قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ الآية [الأحزاب: ٦٧]، وقال: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] يقول: تجادل، ولا ينفع الكافرَ جدالُه.
_________________
(١) في (أ): "التقية".
(٢) في (ف): "اذكر".
[ ٩ / ٣٤٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: بل يتمُّ (^١) لها جزاء ما كسبَتْ، وهم لا يُعاقَبون بغير ذنبٍ.
وقيل: معنى قوله: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾؛ أي: لا تتفرَّغ للجدال عن غيرها، ولا للشَّفاعة له، ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١] من خيرٍ وشرٍّ، وهم لا ينقصون من جزائِهم شيئًا.
وفي "تفسير أبي القاسم بن حبيب": أنَّ إحدى النَّفسَين في هذه الآية الرُّوح، قال: إنَّ النَّفس والرُّوح يجيئان يوم القيامة بين يدي اللَّه تعالى فيختصمان، فتقول النَّفسُ للرُّوح: كنْتُ كالثَّوب المُلْقَى ما لم تدخل فيَّ، لم اقترف ذنبًا. وتقول الرُّوح للنَّفس: كنْتُ مخلوقةً قبلَكِ بدهورٍ، لم أدرِ ما الذَّنب إلى أن دخلْتُ فيك.
فتورَّكُ كلُّ واحدةٍ منهما على صاحبتها (^٢)، فيمثِّلُ اللَّهُ لهما أعمى ومقعدًا، وكَرْمًا على جداره عنب، والنَّاس ينظرون، فيقولون لهما: مُرَّا فاقتطفا من هذا العنب، فيقول الأعمى: أنا لا أبصره، ويقول المقعد: لا رِجلَ لي فأمشيَ إليه، فيقال للمقعد: اركبْ على عاتق الأعمى، فيحملُه الأعمى حتى يقتطفَ المقعدُ العنبَ.
فيقول اللَّه لهما: هذا مَثَلكما جميعًا (^٣)، فكما صار العنب مقطوفًا بهما جميعًا، فكذلك الذَّنب صار موجودًا منكما جميعًا. وقد روي معنى هذا الخبر (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ر): "يتمم".
(٢) في (ر) و(ف): "فيرد كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه".
(٣) "جميعًا" ليس في (أ).
(٤) رواه ابن أبي عمر العدني في "الإيمان" (٧١) عن ابن عباس ﵄ بنحوه موقوفًا.
[ ٩ / ٣٤١ ]
(١١٢) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾: لَمَّا عذَّبَ أهلُ مكَّة المسلمين، وأكرهوهم على الكفر على ما ذكرنا، دعا النَّبيُّ -ﷺ- في قنوت الفجر عليهم فقال: "اللَّهمَّ اشدُدْ وطأتك على مضر، وخذهم بسنين كسني يوسف" (^١).
فابتلاهم اللَّه بالسِّنين حتى أكلوا العِلْهِز، وهو الوبرُ يُخلَط بالدَّم والقُرَاد ثمَّ يُؤكَل، فذكر اللَّه تعالى ذلك فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾؛ أي: بيَّنَ اللَّهُ شبَهًا لمكَّةَ وأهلِها ﴿قَرْيَةً﴾ بدلًا عن ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: وصفَ وبيَّن قريةً، وهي مكَّة.
﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾: لا يخافُ أهلُها ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾: ساكنة، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها.
﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: أي: تُحمَل إليها الأطعمةُ والثِّمار من كلِّ مكان بالبلاد (^٢).
﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾: أي: كفرَ أهلُها نعمَ اللَّه.
قيل: الأنْعُمُ: جمع نُعْمى بالضَّم، كالبُؤْسى والأبؤس.
وقيل: جمع نِعمة، كالأَشُدِّ جمع الشِّدة.
وقيل: جمع النَّعماء، كالأَبْؤُس جمع البأساء.
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) في (أ) و(ف): "من البلاد".
[ ٩ / ٣٤٢ ]
فأزال اللَّهُ عنهم النِّعم بالكفر (^١).
قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: أي: ابتلاهم اللَّهُ بالجوع والخوف بصنيعهم.
والذَّوقُ: مجازٌ عن الإصابة كالنَّيل، قال اللَّه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]، وقال: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] (^٢)، وقال: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨].
وقال الشَّاعر:
وإنَّ اللَّهَ ذاقَ حُلُومَ قيسٍ فلمَّا راءَ خفَّتها قلاها (^٣)
وهو في معنى: وَجَدَ.
ويقال: قد ذُقْتُ حُلوًا، وذُقْتُ مُرًّا.
وكان الحسنُ يذهب بالإذاقة إلى تقديم بعض العذاب قبل الاستئصال، كما قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١].
وكذلك ذوق المطاعم (^٤)، وأمَّا اللِّباس فعلى مجازِ قولهم: ألبسَكَ اللَّهُ العافية، وقد تُستعمَل في الاختلاط، كما قال النَّابغةُ الجَعْديُّ:
_________________
(١) في (أ): "بالكفران".
(٢) "وقال ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ " ليس في (أ).
(٣) البيت ليزيد بن الصعق. كما في "الحيوان" للجاحظ (٥/ ٣٠)، و"الإبانة" للعوتبي (١/ ١٩٣)، ودون نسبة في "تأويل مشكل القرآن" (ص: ١٠٥)، و"جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ٢٤). قال العسكري: راء بمعنى رأى.
(٤) في (أ): "ذق الطاعم".
[ ٩ / ٣٤٣ ]
لبسْتُ أناسًا فأفنيْتُهُمْ وأفنيْتُ بعدَ أناسٍ أناسًا (^١)
وعلى هذا قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقيل: معنى اللِّباس في الجوع: أنَّه ظهر عليهم من الهزال وتغيُّر الَّلون وسوء الحال ما هو كاللِّباس، وفي حقِّ الخوف كذلك.
ويحتمل أن يكون اللِّباس هاهنا مصدرًا في معنى الملابسة؛ أي: أذاقَها اللَّه ملابسةَ الجوع والخوف.
* * *
(١١٣) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ وهو مِن أجلِّ النِّعم؛ لأنَّهم قد عرفوا مَولِدَهُ ومنشأَه وهديَه وأمانتَه، فيكون أقربَ لهم إلى تصديقِه والاهتداءِ به، فلم يعرفوا حقَّ هذه النعمة ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ في الدُّنيا ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أنفسَهم، جائرون عليها.
وقيل: في ضرب المثل بمكَّة عبرةٌ لغيرها من البلاد التي يسلكُ أهلُها طريقَهم في الكفر وتكذيب النَّبيِّ -ﷺ-.
يقول: لَمَّا تلقَّى أهلُ مكَّةَ نعمَ اللَّه تعالى بالكفر امتُحِنوا بالجوع والخوف، مع محلِّهم من المجاورة ببيت اللَّه وعمارة مسجده وغير ذلك، فغيرُهم ممَّن لا حرمةَ لهم كحرمة أهلِ مكَّة أولى بذلك.
* * *
_________________
(١) انظر: "ديوان النابغة" (ص: ٧٧)، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١/ ٧٥)، و"الأغاني" للأصفهاني (٥/ ١٠).
[ ٩ / ٣٤٤ ]
(١١٤) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: قيل: ﴿فَكُلُوا﴾ معاشر المشركين من غير أهل مكَّة ممَّا رزقكم اللَّه حلالًا طيبًا ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وذلك أنَّهم مع عبادة الأصنام كانوا يدَّعون أنَّهم يعبدون اللَّه تعالى، فقيل: إن كان هذا (^١) كما تدَّعون فلا تحرِّموا طيِّبات ما أحلَّ اللَّهُ لكم؛ أي: بجعلِ بعضِ زروعِكم وأنعامِكم لأصنامكم؛ لأنَّه ممَّا (^٢) لم يَشْرعْه اللَّه تعالى، والتزِموا ما شرعَه اللَّه تعالى دون ما شرعَه الشَّيطان.
وقيل: أي: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ على ما يؤديه محمَّدٌ -ﷺ- إليكم عن اللَّه ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فلا تكذِّبوه.
وقيل: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- وجَّهَ إلى أهل مكَّةَ في سِنِي القَحطِ بطعامٍ، ففُرِّقَ فيهم، فقال اللَّهُ لهم بعدَ أن وصفَ أنَّه أذاقَهم الجوع: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ على يدي محمَّد -ﷺ-، ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ بدلًا عمَّا كنْتُم تأكلونه محرَّمًا خبيثًا من الأموال الخبيثة (^٣) المأخوذة بالغارات والغصوب (^٤) وخبائث الكسوب.
* * *
_________________
(١) "هذا" ليس في (أ) و(ف).
(٢) "مما" ليس في (أ).
(٣) "الخبيثة" ليس في (أ) و(ف).
(٤) في (ر) و(ف): "من الغارات والمغصوب".
[ ٩ / ٣٤٥ ]
(١١٥ - ١١٧) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فسَّرناها في (سورة البقرة) و(سورة المائدة)، أخبرَ أن المحرَّم هذه الأشياء دون ما حرَّموه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: قرأ ابن عبَّاس: (تصفُ ألسنتكُمُ الكُذُبُ) بضم الكاف والذَّال ورفع الباء: جمع كذوب، نعتًا للألسنة (^١).
وقراءة العامَّة بالنَّصب لوقوع الوصف عليه.
وقرئ: (الكذبِ) بخفض الباء (^٢)، بدلًا عن قوله: ﴿لِمَا تَصِفُ﴾.
يقول: لا تصفوا بعضَ الأنعام بأنَّه حلالٌ وبعضَها بأنَّه حرام كذبًا على اللَّه؛ فإنَّ الكاذِبَ على اللَّه لا يفوزُ أبدًا، وما أنتم فيه من النِّعم قليلٌ متاعُه في الدُّنيا، ويَعقبُه في الآخرة عذابٌ وجيعٌ.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٦/ ٤٩)، ونسبها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٧) إلى مسلمة بن محارب.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٧٧) عن الحسن.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
(١١٨) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾: هو ما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، وقد فسَّرناها هنالك.
وكان ذلك التَّحريمُ تغليظًا عليهم لظلمِهم وبغيهم، كما قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقال هاهنا:
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بكفران النِّعم.
* * *
(١١٩) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: أعرِّفك يا محمَّد بعدَ بيان حكم المشركين أنِّي لكلِّ مَن عمل ذنبًا بكونه جاهلًا، ثمَّ تاب عنه، وندمَ عليه، وعزم على (^١) ألَّا يعود إليه، وأصلح العمل في المستأنف، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعد العمل -وما قال في الآية المتقدمة (^٢): ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾؛ أي: بعد الجهالة، وقيل: بعد
_________________
(١) "على" من (أ).
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "وفي هذه الآية أيضًا".
[ ٩ / ٣٤٧ ]
الغفلة- فإنِّي غفورٌ له أسترُ ما مضى من معاصيه، ورحيمٌ أرحمُه (^١) فلا أعذِّبه؛ أي: فتوبوا أيَّها المشركون؛ أي: المفترون، فتُقبَلَ توبتكُم ويُغفَرَ لكم.
و﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ أُعِيدَ لطولِ الكلام ووقع الفصل.
وقال مقاتل بن سليمان: نزلَتْ الآية في جبر مولى عامر بن الحضرميِّ، أكرهَه سيِّدُه على الكفر بعد الإسلام (^٢)، ثمَّ ندم وتاب (^٣).
وقال مجاهدٌ: نزلَتْ في أناسٍ ارتدُّوا عن الإسلام، ثمَّ تابوا وآمنوا، فقبلَ اللَّهُ توبتَهم وإيمانَهم (^٤).
* * *
(١٢٠) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾: أمرَ بالشُّكر في الآية الأولى، ومدح إبراهيم بالشُّكر في هذه الآية.
ونظمٌ آخر: أنَّ اللَّه رغَّب المشركين في اتِّباع أبيهم إبراهيم، الذي به فخرُهم، وببيت (^٥) اللَّه الذي بناه عندهم، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾؛ أي: إمامًا يُقتدَى به.
وقيل: أي: كان بنفسه وحده يأتي بالخيرات التي تكون من أمَّة تامَّة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وأرحمه".
(٢) "بعد الإسلام" من (ف).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٩٢).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٧٨).
(٥) قوله: "وببيت" معطوف على الهاء في "به"؛ أي: فخرهم واقع بإبراهيم وببيت اللَّه. ووقع في (أ): "وبيت".
[ ٩ / ٣٤٨ ]
﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾؛ أي: مطيعًا مواظبًا على طاعته.
﴿حَنِيفًا﴾: عادلًا عن الباطل، مستقيمًا على منهاج الحقِّ.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: لم يكن دينه ما تَدينون به أيُّها المشركون.
* * *
(١٢١) - ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾: بإخلاصِ العبادة له.
﴿اجْتَبَاهُ﴾: أي: اختارَه واختصَّة لنفسه واصطفاه.
﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أرشدَه إلى طريق الحقِّ المفضي إلى الجنَّة.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: قال الحسنُ: أي: النُّبوَّة (^١).
وقال مقاتلُ بن حيَّان: أي: الصَّلاة عليه على لسان هذه الأمَّة في صلواتهم (^٢).
وقيل: الخُلَّة.
وقيل: هو أنْ جعلَ محمَّدًا -ﷺ- من ذرِّيَّته وعلى ملَّته.
وقال قتادة: ليس من أهل دين إلَّا وهو يتولَّاه ويرضاه مقتديًا به (^٣).
وقيل: هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ حالة جميلة، فيتناول كلَّ خصائصه المذكورة في النُّصوص.
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٢١٩).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٥٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٤٤)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٩٨).
[ ٩ / ٣٤٩ ]
وقال القشيريُّ ﵀: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ حتى كان لنا بالكليَّة، ولم يكن فيه لغيرنا بقيَّة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: في عداد مَن يأتي وقد انتفى عنه وعن أعماله الفساد، فاستحقَّ كلَّ منزلة رفيعة ودرجة عالية، وقد فسَّرناه في (سورة البقرة) بأتمَّ من هذا.
وقيل: سمَّاه أمَّةً تسليةً للنَّبيِّ -ﷺ- في كثرة المكذِّبين به من قومِه؛ إذ كان إبراهيمُ أمَّة وحده (^٢) في الإيمان، لم يكن معه غيره، ثم كثَّرَ اللَّهُ ذرِّيَّتَه، وكان منهم الأنبياء إلى قيام السَّاعة، فكذا يفعل اللَّهُ بك في تكثير أمَّتك ونشر دعوتك.
* * *
(١٢٣) - ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: مدحَه اللَّه بخمسةِ أشياء: سمَّاه أمَّة، قانتًا للَّه، حنيفًا، غيرَ مشركٍ، شاكرًا.
وأكرمه بخمس كرامات: اجتباه، وهداه، وآتاه حسنة الدُّنيا، وكرامة الآخرة، وأمر محمَّدًا -ﷺ- باتِّباع ملَّته.
ثم الأمرُ بالاتِّباع لا يدلُّ على أنَّه دون إبراهيم في الفضيلة، بل هو -ﷺ- أفضلُ الأنبياء، وإنَّما أُمر باتِّباع إبراهيم في هذه الآية، وباتِّباع كلِّ الأنبياء المتقدِّمين في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]؛ لأنَّهم سبقوه، والاتِّباع هو سلوكُ سبيل المتبوع، فكان اتِّباعُه لهم لمجيئِه بعدَهم، لا لكونه دونهم.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣٢٨).
(٢) في (ر) و(ف): "واحدة".
[ ٩ / ٣٥٠ ]
(١٢٤) - ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: ونظمُها بالأولى: أنَّ اللَّه تعالى أمر محمَّدًا -ﷺ- باتِّباع إبراهيم، وأمر أمَّته بذلك أيضًا بقوله: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥]، وفي متابعة الأنبياء رحمةٌ وراحة، وفي مخالفتهم والاختلافِ عليهم محنةٌ وفتنة، كما كان لأصحاب السَّبت.
وفي الآية وجوهٌ أصحُّها (^١) وأوضحها ما حكاه الإمام أبو منصور ﵀ فقال: قال بعضُهم: إنَّ موسى أمرَ بني إسرائيل أن يتفرَّغوا في كلِّ سبعة أكَلام يومًا للعبادة، وهو يوم الجمعة، ويتركوا فيه عمل دنياهم، فقالوا: نتفرَّغ يوم السَّبت؛ فإنَّ اللَّه تعالى لم يخلق يوم السَّبت شيئًا، فقال فريق منهم: انظروا إلى ما يأمركم به نبيُّكم فخذوا به، فذلك اختلافهم فيه، فجُعل لهم يوم السَّبت على ما سألوا، فاستحلُّوا فيه المعاصي (^٢).
فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فتنة ومحنة (^٣)، ولو اتَّبعوا نبيَّهم ولم يختلفوا عليه لم يُشدَّد عليهم هذا التَّشديد، ولم يقعوا فيما وقعوا فيه.
وقال الحسن وقتادة: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾؛ أي: إنما لُعِنوا في السَّبت
_________________
(١) "أصحها" ليس في (أ).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٥٩٣).
(٣) في (أ): "فذلك اختلافهم فيه أي فتنة ومحنة على الذين اختلفوا فيه" بدل: "فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فتنة ومحنة".
[ ٩ / ٣٥١ ]
ومُسِخوا قردة وخنازير ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وكان اختلافُهم أنَّه حرَّمَه بعضُهم واستحلَّه بعضُهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: يميِّزُ المحقَّ من المبطِل بالثَّواب والعقاب.
* * *
(١٢٥) - ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: ادع يا محمَّد النَّاس إلى سلوك الطَّريق الذي هو يؤدِّي إلى طاعة ربِّك، وكلُّ ما أضافه اللَّه إلى نفسه فذلك دليلُ تشريفه وتفضيله، كبيت اللَّه، وشهر اللَّه، فكذلك سبيل اللَّه، ومعناه: تفضيلُه والحثُّ على سلوكه.
وقوله: ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾؛ أي: باستعمال الصِّدق والصَّواب، وبوضع كلِّ شيءٍ موضعَه، ودعاءِ كلِّ أحدٍ بما يحتملُه حالُه، ويقبلُه عقلُه، وتُرجَى به إجابتُه.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: وأحسِنْ وعظَ مَن تدعُوه بالتَّرغيب الجميل والتَّنبيهِ البليغ.
وقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: بالخصلة التي هي أجمل؛ أي: بالمحاجَّة التي ليس فيها مماراةٌ أو لجاجٌ ومكافأةٌ على قبيحٍ يقولُه الخصم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ في
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٥٩٣).
[ ٩ / ٣٥٢ ]
المجادلة لا يخفى عليه مقاصدهما فيها، فإذا أَلزَمْتَ (^١) فاكتفِ به، واضبط نفسك عن المقابلة بالمخاشنة.
وقيل: نزلَتْ هذه الآية قبل نزول الأمر بالقتال، ونُسخَتْ بآية السَّيف.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾: قيل: الأوَّل خطابٌ للنَّبيِّ -ﷺ- على الخصوص، وهذا خطاب لأمَّته، وإباحةٌ لهم بالمكافأة على المساواة، والأول أمرٌ بالتَّفضُّل المحضِ.
ومعناه: إذا قال لكم الخصم: دينُكُم باطلٌ، فقولوا: بل دينُكُم باطل.
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ فلم تجيبوا ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من المكافأة بالمثل.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: هذا خطاب للنَّبيِّ -ﷺ- على الإفراد، وهو تأكيدُ الأمر الأوَّل بالمجادلة بالتي هي أحسن.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بتوفيق اللَّه، ويحتمِل أن يكون قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ خطابًا له ولهم جميعًا، والإفراد في قوله: ﴿ادْعُ﴾ ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾ لِمَا أنَّه هو المخصوصُ بالأمر بالدَّعوة إلى الدِّين والجدال عليه.
_________________
(١) أي: حججت الخصم وألزمته الحق. ووقع في (أ): "أكرمت".
[ ٩ / ٣٥٣ ]
ثم قد يجري بين المؤمنين والمشركين كلامٌ يؤذيهم في غير الدَّعوة إلى الدِّين، فأطلق لهم المعاقبة بالمثل، وقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.
ثم خصَّ النَّبيَّ -ﷺ- فقال: ﴿وَاصْبِرْ﴾؛ أي: على الدُّعاء إلى اللَّه ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بتوفيقِه، فاسأل التَّوفيق منه، ولا يكون هذا (^١) نهيًا للنَّبي -ﷺ- عن المعاقبة بالمثل، بل يكون قوله: ﴿وَاصْبِرْ﴾ إرشادًا إلى الأفضل.
وقيل: إنها نزلَتْ في قصَّة حمزة ﵁ حين مُثِّلَ به، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "لأمثِّلنَّ بثلاثينَ منهم"، فأُمر بالاقتصار على المُثْلَة بواحد منهم (^٢) (^٣)، ثم نُسخَت المُثْلَة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصَّبر، ودلَّ عليه قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾.
_________________
(١) في (أ): "عنه وهذا لا يكون" بدل: "منه ولا يكون هذا".
(٢) "منهم" ليس في (أ).
(٣) رواه بنحوه البزار في "مسنده" (٩٥٣٠)، وابن المنذر في "تفسيره" (٢/ ٤٤٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٩٣٧)، والحاكم في "المستدرك" (٤٨٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: صالح المري واه. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١٠٥١)، والدارقطني في "سننه" (٤٢٠٢) من حديث ابن عباس ﵄. وقال الدارقطني: فيه عبد العزيز بن عمران ضعيف. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ١٢٠): رواه الطبراني، وفيه أحمد بن أيوب بن راشد وهو ضعيف. ورواه الدارقطني (٤٢٠٩) من طريق آخر من حديث ابن عباس ﵄، وقال: لم يروه غير إسماعيل بن عياش وهو مضطرب الحديث عن غير الشاميين.
(٤) رواه البخاري (٢٤٧٤) من حديث عبد اللَّه بن يزيد الأنصاري ﵁. وأبو داود (٤٣٦٨) من حديث أنس ﵁.
[ ٩ / ٣٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: على المشركين بتركهم الإيمان واستحقاقهم سخط اللَّه وعقوبته بذلك، وكان كذلك لكمال شفقته، وهو كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣].
وقيل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: على قتلى أحد، فإنَّهم وصلوا إلى رضوان اللَّه تعالى وجنَّته.
﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: ضيق صدر، وهو في معنى الضِّيق، كالشَّفِّ والشِّف، والرَّطل والرِّطل، بالفتح والكسر لغتان، وقرأ ابن كثير بالكسر (^١).
وقيل: الضِّيق بالكسر مصدر، والضَّيق (^٢) بالفتح نعت، كالهَيْنِ واللَّيْنِ، ومعناه: في أمر ضيقٍ من مكرهم؛ أي: لا يضيقنَّ بك الأمرُ لمكرهم.
وعلى الأوَّل: لا يضيقنَّ صدرُك لمكرهم، فإنَّه لا ينفذ عليك.
* * *
(١٢٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾: أي: حافظُهم وناصرُهم، وأنت متَّقٍ محسنٌ فيحفظُك وينصرُك.
وقيل: هو على العموم، و﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (^٣)؛ أي: توقَّوا عن السَّيِّئات، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾؛ أي: عاملون بالطَّاعات.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩).
(٢) "الضيق" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "وهم الذين اتقوا".
[ ٩ / ٣٥٥ ]
وقال القشيريُّ ﵀: اتَّقوا رؤية النُّصرة من غيره، وأحسِنوا العبادة كأنَّكم ترونَه (^١).
والحمد للَّه ربِّ العالمين
ربِّ أعنْ على التَّمام يا كريم، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣٣٠).
(٢) "ربِّ أعنْ على التَّمام يا كريم. وصلَّى اللَّه على سيدنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين" من (ف).
[ ٩ / ٣٥٦ ]
سورة الإسراء
[ ٩ / ٣٥٧ ]