بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلقَنا من نفسٍ واحدة، وخلَق (^١) منها زوجَها، وبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وكان في ذلك وفي كلِّ شيء عليمًا حكيمًا، الرحمن الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم وكان فضل اللَّه عليه (^٢) عظيمًا، الرحيم الذي قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥].
وسورة النساء مدنيةٌ، وهي مئةٌ وسبعٌ وسبعون آيةً، وعند بعضهم: ستٌّ وسبعون، وهو على قولِ مَن لا يجعل قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] آيةً، وعند بعضهم: خمس وسبعون، وهو على قولِ مَن لا يَعُدُّ هذه (^٣) آيةً ولا يَعدُّ أيضًا قولَه: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣] في آخر هذه السورة آيةً.
وهي ثلاثةُ آلافٍ وسبعُ مئة وستٌّ وخمسون كلمةً، وخمسَة عشر ألفًا وتسعُ مئة وثمانيةٌ وسبعون حرفًا، ولقارئها ثواب عظيم.
_________________
(١) في (أ): "وجعل".
(٢) في (ر): "عليك".
(٣) في (أ): "هذا".
[ ٤ / ٤١٥ ]
روى أُبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة النساء أُعطي من الأجر كأنما تصدَّق على كل (^١) مَن ورث ميراثًا وحرَّر محرَّرًا وبرئ من الشرك، وكان في مشيئة اللَّه تعالى من الذين يتجاوز عنهم" (^٢).
وانتظام أول هذه السورة بآخر سورة آل عمران: أنه ختم تلك السورةَ بالأمر بالتقوى، ووعد عليه، وكان ذلك أمرًا للمؤمنين على الخصوص، وأمر الناس بالتقوى في أول هذه السورة على العموم فقال:
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: وهذا نداء، والنداء في القرآن على نيِّفٍ وعشرين وجهًا:
نداء التسمية: قال تعالى: ﴿يَاآدَمُ﴾ ﴿يَانُوحُ﴾ ﴿يَالُوطُ﴾.
ونداء النسبة: قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
ونداء الخلقة: قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (^٣) [الأنبياء: ٦٩].
ونداء الجنس: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الانفطار: ٦].
ونداء الصفة: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩].
ونداء الإضافة: قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾.
_________________
(١) "كل" ليس من (أ) و(ف).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩) (ط: دار التفسير)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٣)، وإسناده ضعيف جدًا، فيه سلام بن سليم المدائني وهو متروك كما في "التقريب". وفيه أيضًا هارون بن كثير، وهو مجهول.
(٣) "بَرْدًا وَسَلَامًا" ليس من (أ).
[ ٤ / ٤١٦ ]
ونداء المذمَّة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦].
ونداء الإهانة: قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١].
ونداء الكرامة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ونداء الرفعة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾.
ونداء الخصوصية: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾.
ونداء الحالة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
ونداء العظمة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١].
ونداء الكناية: قال تعالى: ﴿يس﴾؛ أي: يا سيد المرسلين (^١).
ونداء الإشارة: قال تعالى: ﴿طه﴾؛ أي: يا بدرُ، على وجه الحساب (^٢).
ونداء اللطافة: قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ﴾.
ونداء الشفقة: قال عز وعلا: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢] (^٣).
ونداء الخاصة: قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾.
ونداء الحاجة (^٤): ﴿يَارَبِّ﴾.
_________________
(١) في (أ): "يا أيها المرسلين"، وهو خطأ. انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ١٢٠)، و"لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢١١)، و"تفسير البغوي" (٧/ ٧)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (٤/ ١٩). وعزاه الثعلبي والبغوي لأبي بكر الوراق بلفظ: (يا سيد البشر).
(٢) أي: حساب الجمل، فالطاء في حساب الجمل تسع، والهاء خمس، فيكون أربعة عشر، وهو إشارة إلى مرتبة البدرية لأن البدر يتم فيها، فكأنه قيل: يا بدر. انظر: "غرائب التفسير وعجائب التأويل" للكرماني (٢/ ٧٠٩)، و"الإتقان" للسيوطي (٣/ ٣٣)، و"روح المعاني" للآلوسي (١٦/ ٣٣٩).
(٣) " ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ " ليس في (أ)، وفي (ف): " ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾ ".
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "قال تعالى".
[ ٤ / ٤١٧ ]
ونداء الحسرة: قال تعالى ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ (^١) [الزمر: ٥٦].
ونداء الاستغاثة: قال تعالى: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ (^٢) ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾.
قال (^٣): وقد مر الكلام في اشتقاق (الناس) (^٤) في سورة البقرة؛ أنه من الإيناس الذي هو الإبصار، أو من الاستئناس الذي هو الاستبشار، أو من النسيان الذي هو ضدُّ الادِّكار.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في كلِّ ذلك: يا مَن أظهرتُكم عن كتم العدم بحكم تكليفي، ثم خصَصْتُ مَن شئتُ منكم بتشريفي، وحرَمت مَن شئتُ منكم هدايتي وتعريفي، ونقلتُكم إلى ما شئتُ بحكم تصريفي.
وقال من الأنس: يا من أَنِسْتَ بحبِّي، واستَرْوحْتَ بنسيم قُرْبي، واعتَزَزْتَ بجلال قَدْري، أنت أجلُّ عبادي عندي.
وقال من النسيان: سميتُك إنسانًا لنسيانك، فإنْ نَسِيْتَني فلا أخسَّ منك، وإن نسيتَ غيري لذكري فلا أخصَّ منك.
وهذا الخطاب يتفاوت، فهو إذا كان للمذنب فمعناه: يا مَن نسيتَ عهدي، ورفَضْتَ ودِّي، وتجاوَزْتَ حَدِّي، آن لك أن ترجع إلى بابي لتَستحِقَّ لطفي وإيجابي.
وهو إذا كان للعارف فمعناه: يا مَن نسيتَ فينا حظَّك، وصُنتَ عن غيرنا لَحْظَك ولفظك، لقد عظُم علينا حقُّك، ووجب لدينا نصرُك، وجَلَّ لدينا قَدْرُك (^٥).
_________________
(١) "على ما فرطت" من (أ).
(٢) في (ف): "ويلتا".
(٣) "قال" من (أ)، وواضح أن القائل هو المؤلف.
(٤) في (ر) و(ف): "اشتقاقه".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣١١ - ٣١٢).
[ ٤ / ٤١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ مرَّ تفسيره والكلامُ في وجوهه وفوائده.
وقال الإمام القشيري ﵀: التقوى أولُها تركُ الشرك، وآخرُها الاتِّقاء (^١) عن كلِّ غيرٍ، وأولُ أغيارِك نفسُك، فمَن اتَّقى نفسَه وقف بلا مقامٍ ولا شهودِ حال، منفردًا (^٢) للَّه ذي الجلال والإكرام (^٣).
وقال الواسطيُّ ﵀: تقوى العامَّة من الشرك، وتقوى الخاصَّة من المعاصي، وتقوى خاصَّة الخاصَّة من التوصُّل بالأفعال.
وقال الضحاك: أي: وحِّدوا ربَّكم.
وقال الكلبي: أي: أطيعوا خالقكم.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾: أي: قدَّر خَلْقَكم حالًا بعد حالٍ على اختلافِ صوركم وألوانكم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾:
قال الإمام القشيري ﵀: تَعرَّفَ إلى العقلاء بكمال القدرة وتمامِ الحكمة، حيث خلَق جميع هذا الخلقِ من نسلِ شخصٍ واحد، على اختلافِ همَمهم، وتبايُن أخلاقهم، وتفاوُت صورهم، فإن (^٤) اثنين منهم لا يتشابهان بكلِّ وجهٍ من (^٥) الصورة والخُلق والهمَّة والحالة، فسبحان مَن لا حدَّ (^٦) لمقدوراته ولا غايةَ لمعلوماته.
_________________
(١) في (ف): "الإنقاء".
(٢) في (أ): "متفردًا".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣١٢).
(٤) في (ف) و(أ): "وإن".
(٥) في (أ): "في".
(٦) في (ف) و(ر): "مدا"، وفي (أ): "مدى"، والمثبت من "اللطائف".
[ ٤ / ٤١٩ ]
وقال في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: حكَم الحقُّ سبحانه بمساكنةِ الخَلْق مع الخَلْقِ لبقاء النسل، ولردِّ المِثْلِ إلى المِثْل، ولرَبْط الشَّكْل بالشَّكْل (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: في كلِّ ما كان الخطابُ للكفرة ذكر على أثره حُججَ وحدانيته ودلائلَ ربوبيته؛ لأنَّهم لم يَعرفوا ربهم، مِن نحو (^٢) ما ذكر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر: ٥]، ذكر الحجج التي يُتوصَّل بها إلى معرفته، وفي كلِّ ما كان الخطاب للمؤمنين لم يذكر هذه الحجج؛ لأنَّهم قد عرَفوا ربهم، ولكن ذكَر نعمه التي أنعمها عليهم، وثوابَه الذي وعده لهم، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] الآيات، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] الآيات (^٣)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ الآية [الحديد: ٢٨]، على هذا يخرج الخطاب في الأغلب (^٤).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: وهو (^٥) آدم صلوات اللَّه عليه، وأنث الواحدة لأن النفْس مؤنَّثةٌ سماعًا، ولو ذكَّر جاز ذهابًا به إلى تذكير آدم ﵇، وقد قال الشاعر:
أبوك خليفةٌ ولدَتْه أخرى وأنت خليفةٌ ذاك الكمال (^٦)
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣١٢)، وفيه: (فربط الشكل. .).
(٢) في (أ): "حيث".
(٣) في (أ): "الآية".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٣).
(٥) في (ف) و(أ): "هي".
(٦) البيت دون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٠٨)، و"الزاهر" لابن الأنباري (٢/ ٢٣٠)، =
[ ٤ / ٤٢٠ ]
فجمع بين تذكيرِ المعنى وتأنيثِ اللفظ.
وإنما قال: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ مع أنَّا خُلقنا من ذكرٍ وأنثى؛ لأن حواء من آدم، فمَرجِعُ الجميع إلى آدم، والمعنى: خلَقكم من نفسٍ كانت واحدة وهو آدم، ثم خلق منها زوجها، ثم خلقكم منها جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾؛ أي: امرأتَه حواءَ، وقد بيَّنَّا كيفية ذلك في سورة البقرة.
ومعنى الإنعام في الخَلق من نفسٍ واحدة: أنه أقرب إلى أن يتعاطفوا، ويأنَس بعضهم ببعض، ويحامي بعضهم على بعض بما (^١) بينهم من القرابة والأخوة بالرجوع إلى نفس واحدة.
وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾: أي: نشر من جهة التناسُل والتوالُد من النفسين (^٢) أولادًا كثيرًا ذكورًا وإناثًا.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ قرأ عاصم وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بالتخفيف بحذف إحدى التاءين، وقرأ الباقون بالتشديد بإدغام إحدى التاءين في السين (^٣).
ومعناه ما قال ابن عباس ﵄: واتقوا اللَّه الذي تَسأل الناس به بعضُهم بعضًا الحوائجَ والحقوق، يقول الرجل: أسألك باللَّه وأَنشُدك باللَّه.
_________________
(١) = و"العمدة" لابن رشيق (٢/ ٢٨٠).
(٢) في (ر) و(ف): "فيما".
(٣) في (ر): "النسل"، وفي (ف): "النفس".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٢٦)، و"التيسير" (ص: ٩٣).
[ ٤ / ٤٢١ ]
وتكرار ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ للتقرير والتأكيد، وذكرُ هذه الصفة بعده (^١) تنبيه أنه اللَّه تعالى الذي لا تنكرون أنه خالقُكم والمستحِقُّ للعبادة عليكم.
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ قرأ حمزة: ﴿والأرحامِ﴾ (^٢) خفضًا، وله ثلاثة أوجه: أحدها: القسَم، فكأنه (^٣) أمرهم بالتقوى وحلَّفهم عليها (^٤) بالأرحام.
والثاني: بإضمار الخافض، كأنه قال: به وبالأرحام؛ أي: تقولون (^٥): أسألك باللَّه وبالرَّحِم أن تفعل كذا.
والثالث: أنه مخفوض عطفًا على الهاء في قوله: ﴿بِهِ﴾، وهذا ضعيف لأنه لا يعطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض (^٦)، لا يقال: مررتُ به وزيدٍ،
_________________
(١) "بعده" ليس من (أ).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٢٦)، و"التيسير" (ص: ٩٣).
(٣) في (ف): "كأنه".
(٤) في (أ): "عليه".
(٥) في (أ): "أي أتقولون".
(٦) كذا جزم المؤلف باقتضاء إعادة الخافض في العطف على الضمير المجرور، وهذه مسألة تكلم فيها العلماء في قراءة حمزة هذه، وهي قراءة متواترة قد أجمعت عليها الأمة، إلا أن جمهور نحويي البصرة قد تكلموا فيها للعلة التي ذكرها المؤلف، وأولهم -كما قال الآلوسي- المبرد حيث ذكر في "الكامل" (٣/ ٣٠) أن من يقول بالعطف على المجرور دون إعادة الجار مخطئ في قول البصريين، قال: (لأنهم لا يعطفون الظاهر على المضمر المخفوض، ومَن أجازه من غيرهم فعلى قبح، كالضرورة، والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب، وقرأ حمزة: (وَالْأَرْحَامِ)، وهذا مما لا يجوز عدنا إلا أن يضطر إليه شاعر). وتبعه في هذا الزمخشري وابن عطية. وقد انبرى للرد عليهم جمع من العلماء من أئمة النحو كابن مالك في ألفيته كما سيرد، وأبي حيان ﵀ الذي كان من أشد المدافعين عن تلك القراءة، والمشنعين على الزمخشري وابن عطية في كلامهما عليها، وساق =
[ ٤ / ٤٢٢ ]
ولكن يقال: مررتُ (^١) به وبزيد، وقد جاء في ضرورة الشعر كما قال الشاعر:
فاليومَ قرَّبْتَ تهجونا وتَشْتِمُنا فاذْهَبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَب (^٢)
وقرأ الباقون بالنصب عطفًا على قوله: ﴿اللَّهَ﴾؛ أي: واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها وتهمِلوا حقَّها، وجمع بين الحقَّين تعظيمًا لحقِّ الرَّحِم، وهو كجمعه بين حقِّه وحقِّ الأبوين بقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: أي: حفيظًا، وفعيل بمعنى الفاعل، وقد رَقَب يَرْقُب من حدِّ دخَل، رَقْبًا ورُقوبًا ورِقبةً، يقول: هو حافظٌ لأعمالكم وأقوالكم وأحوالكم يسألكم (^٣) عمَّا أمركم به من طاعته وصلة الرحم.
* * *
_________________
(١) = الكثير من الشواهد الي تثبت جواز العطف على الضمير المجرور دون إعادة، ولخص المسألة ابن كمال باشا فقال: وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة، ولا اعتداد لزعمه الفاسد. قلت: وهو يعرِّض بالزمخشري الذي ردها، والبيضاوي الذي تابعه في ذلك. انظر كلامهم في تفاسيرهم عند تفسير الآية الأولى من سورة النساء. أما ابن مالك فقال في ألفيته: وعَوْدُ خافضٍ لَدَى عطفٍ على ضميرِ خفضٍ لازمًا قد جُعِلا وليس عندي لازمًا إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مُثْبَتا ويعني بالنثر الصحيح قراءة حمزة. انظر: "شرح الأشموني لألفية ابن مالك" (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٦).
(٢) "مررت" ليست في (أ).
(٣) انظر: "الكتاب" (٢/ ٣٨٣)، و"الكامل" للمبرد (٣/ ٣٠)، و"معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٧). وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل.
(٤) في (ف): "ويسألكم".
[ ٤ / ٤٢٣ ]
(٢) - ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾: وهو من التقوى الذي أمر به (^١) في أول السورة مرتين.
قال الكلبي: نزلت الآية في رجل من بني غطفان وكان معه مالٌ كثيرٌ لابن أخٍ له يتيمٍ، فلما بلغ اليتيم الحُلُم طلب ماله فمنعه عمُّه، فرفعوا إلى النبي -ﷺ- فنزلت الآية (^٢).
وقال مقاتل: خاصمه إلى النبيِّ -ﷺ-، فأمره أن يردَّ عليه مالَه، وقرأ عليه هذه الآية، فلما سمعها قال: أطعنا اللَّه وأطعنا الرسول، ونعوذ باللَّه من الحُوب الكبير، فدفع إليه ماله، فقال النبي -ﷺ-: "هكذا مَن يُوقَ شحَّ نفسه وُيطِعْ ربَّه فإنه يَحُلُّ داره" يعني: جَنَّتَه، فلمَّا قَبَض الفتى مالَه أنفقه في سبيل اللَّه، فقال النبي -ﷺ-: "ثبَت الأجرُ وبقي الوِزرُ"، فقالوا: قد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل اللَّه؟! فقال: "ثبت الأجرُ للغلام وبقي الوزر على والده" (^٣).
ومعنى الآية: أنه يقول للأولياء أو الأوصياء: أعطوا اليتامى -أي: الذين كانوا يتامى- أموالهم التي عندكم إذا بلغوا النكاح ورأيتُم منهم رشدًا؛ أي: صلاحًا في دينهم وحفظًا لأموالهم، وهو أمر بحفظ أموالهم للحال، وتسليمِها إليهم بعد البلوغ، وتسميتُهم يتامى باعتبارِ ما كان.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بها".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٥٤) عن سعيد بن جبير، وانظر التعليق الآتي.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٤٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٤٢) عن مقاتل والكلبي. وهو في "تفسير مقاتل" (١/ ٣٥٦). ولم أجده من طريق يحتج به.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: احفظوا لتؤتُوا بعد البلوغ.
والثاني: أنفِقوا عليهم من أموالهم ووسِّعوا عليهم النفقةَ، ولا تضيِّقوها (^١) لينظروا إلى أموال غيرهم (^٢).
وقال عمر ﵁: مَن وَلي منكم يتيمًا له مالٌ فليوسِّعْ (^٣) عليه، ولا يُضيِّقْ عليه ولا يُقتِّرْ (^٤).
وقال ابن عمر ﵄: أَسبغْ (^٥) على اليتيم، فإنْ هو مات فقد أحسنْتُم إليه، وإن بقي فسيغنيهِ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: التبدُّل والاستبدال: أخذُ الشيء بدلًا عن الشيء، وله وجوه:
قال الكلبي ﵀: لا تذَروا أموالكم التي هي حلالٌ لكم وتأكلوا الحرامَ (^٦) من أموال اليتامى. وهو قول ابن عباس ﵄ وأبي صالح ومجاهد وسعيد بن جبير (^٧).
_________________
(١) بعدها في (ر): "عليهم".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٥).
(٣) في (ف) و(أ): "فليسبغ".
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٢٨٠) عن الشعبي.
(٥) في (ر): "وسع".
(٦) "الحرام" ليست في (أ).
(٧) رواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٥١)، وعن أبي صالح وسعيد بن جبير ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٥٥).
[ ٤ / ٤٢٥ ]
وقال سعيد بن المسيِّب والشعبيُّ والسدِّيُّ والضحَّاك: لا تأخذوا الجيد والرفيع (^١) من مال اليتيم وتضعوا مكانه الرديء، لا تأخذوا الشاة السمينة وتجعلوا مكانها المهزولة وتقولوا: شاةٌ بشاةٍ، وتأخذوا (^٢) الدرهم الجيد وتجعلوا مكانه الزيفَ وتقولوا: درهمٌ بدرهم (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀ في وجوهه هذين الوجهين وزاد عليهما: أي (^٤): لا تأخذوا الخبيثَ من مال اليتيم وتتركوا ما وُعد لكم في الآخرة بحفظ أموالهم.
وقال (^٥) أيضًا: لا تأخذوا مال اليتيم وهو خبيثٌ لكم فيؤخذ منكم بالضمان المال الذي لكم (^٦) وهو طيب (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾: أي: مع أموالكم؛ كقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]؛ أي: مع اللَّه.
وقيل: أي: مضمومةً إلى أموالكم، ففيه إضمار.
نَهَى أولًا عن أكل أموالهم وحدَها، ثم نَهَى عن أكلها مع مال نفسه خلطًا على
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الجيد الرفيع".
(٢) في (ر) و(ف): "ولا تأخذوا".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٥٢) عن ابن المسيب والزهري والضحاك والنخعي والسدي، واللفظ للأخير.
(٤) في (ف): "أن".
(٥) "قال" ليست في (أ).
(٦) في (أ): "لا تأخذ مال اليتيم وهو خبيث لك فيؤخذ منك بالضمان المال الذي لك".
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٥ - ٦).
[ ٤ / ٤٢٦ ]
وجهٍ لا يريد به الإصلاحَ، فقد قال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] لكن قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقد فسَّرنا تلك الآية في موضعها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: أي: إن الأكل، ودلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾.
﴿كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾؛ أي: إثمًا عظيمًا، وكذلك الحابُ والحَوْبُ والحَوْبةُ، وقد حاب يَحُوبُ؛ أي: أَثِمَ، وتَحَوَّبَ؛ أي: تحرَّز عن الإثم، ونظيرُه: تَأثَّم وتَحرَّج وتَحنَّث، هو التحرُّز عن الإثم والحَرَج والحِنْث.
وقيل في نزولها: إن امرأة توفِّي عنها زوجُها وترك بناتٍ صغارًا (^١) ومالًا، واستولى ابن عمِّهنَّ على المال، فجاءت المرأة إلى النبيِّ -ﷺ- وقالت: إنما يُرغب في البنات للمال أو للجمال (^٢)، ولا جمال لبناتي وقد أخذ مالَهن ابنُ عمِّهن فإما أن يردَّ مالهن أو يضمَّهنَّ إلى نفسه فيَعُولَهنَّ، فنزلت هذه الآية.
* * *
(٣) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ أي: ألَّا تعدلوا.
والقسطُ: العدلُ، وقد أقسط إقساطًا: إذا عدل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقسط قسوطًا؛ أي: جار، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥].
_________________
(١) في (أ): "صغائر".
(٢) في (أ): "للجمال أو المال".
[ ٤ / ٤٢٧ ]
قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي: مَن طاب لكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣].
وقيل: (ما) مع الفعل مصدر، معناه: فانكحوا الطَّيِّبَ؛ أي: النِّكاحَ الطَّيِّبَ؛ أي: الحلال.
وقال أبو العبَّاس (^١): (ما) للجنس، كما يقال: ما عندك (^٢)؟ فتقول: رجل، أو: امرأة.
وقيل (مَن) و(ما) متناوبان (^٣)؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠]؛ أي: وما لستم، فقد قال مجاهدٌ: هو الدَّوابُّ والبهائم (^٤)، وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]؛ أي: ما يمشي.
وللجمع بين حكم اليتيم وحكم النِّكاح وجوهٌ مِن التَّأويل:
قيل: معناه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ أي: في يتامى النِّساء اللَّاتي أنتم أولياؤهن إذا نكحتموهن، وذلك بأن لا تبلُغوا بصَداقهنَّ مبلغ مهور أمثالهنَّ، فاعدلوا عنهنَّ إلى نكاح غيرهنَّ مِن النِّساء، وانكحوا ما طاب لكم منهنَّ (^٥) ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ
_________________
(١) في (ف): "ابن عباس"، وهو تحريف، وأبو العباس هو محمد بن يزيد، وقوله في "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٨)، و"إعراب القرآن" لأبي القاسم الأصفهاني (ص: ٨٧)، و"البحر المحيط" (٦/ ٤١١).
(٢) في (ر) و(ف): "عندكم".
(٣) في (ف): "يتناوبان".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٧).
(٥) بعدها في (ف): "قوله تعالى".
[ ٤ / ٤٢٨ ]
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ أي: أن لا تعدلوا في الأربع من (^١) الأجنبيات فما دونهنَّ إلى أن تقتصروا على الواحدة، فإن خفتم أن لا تعدلوا في (^٢) الواحدة المنكوحة فاعدلوا عن النِّكاح إلى تسري الإماء.
وسبب ذلك: أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يقصدون إلى ظلم مَن يَلُونهنَّ مِن يتامى النِّساء، ويتزوَّجونهنَّ من غير طيب أنفسهنَّ بما يريدون مِن الصَّداق، فلا يمكنهنَّ الامتناعُ منهم (^٣) لضعفهنَّ، إذ كان (^٤) ناصرهنَّ على الظَّالم هذا الظَّالم، فلمَّا جاء الإسلام، ونزلَ التَّشديد في أمر اليتامى، اشتدَّ خوفُهم بما كانوا يفعلونَه، فأَخبر اللَّه تعالى أنَّهم إنْ خافوا الإثم في نكاحهنَّ فليتركوا ذلك، وليتزوَّجوا الأجنبيات؛ فإنَّ اليتامى من قراباتهنَّ قد يُظهرْنَ الرِّضا حياءً منهنَّ، ويُضمرْنَ (^٥) الكراهةَ، ولا ناصر لهنَّ إذا لحقهُنَّ ظلمٌ، والأجنبيَّات يمكنهنَّ التَّصريحُ بما يضمرْنَ (^٦)، والانتصارُ بأوليائهنَّ، فكان ذلك أطيبَ وأبعدَ عن الظُّلم.
ثم التَّبليغُ إلى الأربع توسعةٌ في الملاذِّ، والأمرُ بالاقتصار (^٧) على الواحدة حفظٌ عن الجَورِ، والأمرُ بالتَّسرِّي تخفيفٌ، فإنَّ الإماء في الإعفاف كالحرائر، وحقوقهنَّ (^٨) أقلُّ.
_________________
(١) "من" ليس في (ف).
(٢) "الأربع من الأجنبيات فما دونهنَّ إلى أن تقتصروا على الواحدة، فإن خفتم أن لا تعدلوا في" ليس في (أ).
(٣) في (ف) و(أ): "منهن"، والمثبت من (ر) وهو الصواب.
(٤) بعدها في هامش (ف): "قل" وعليها علامة التصحيح، ولا وجه لها.
(٥) في (أ) و(ر): "ويضمرون".
(٦) في (أ): "الصريح بما يردن".
(٧) في (ر): "في الاقتصار".
(٨) في (أ): "وعقوقهن".
[ ٤ / ٤٢٩ ]
وهذا كلُّه تنبيهٌ على الاحتراز مِن مكائد الشيطان في الإيقاع فيما لا يحلُّ، وهي (^١) رحمةٌ مِن اللَّه تعالى لنا، ورأفةٌ بنا، وله الحمد.
ويَروي معنى هذا الزُّهريُّ عن عروةَ عن عائشةَ رضي اللَّه تعالى عنها (^٢).
والثَّاني: أنَّ قريشًا كان يتزوَّجُ الرَّجلُ منهم العشرَ مِن النِّساء والأكثر، فإذا لم يكن معه مالٌ (^٣) صرفَ مالَ اليتيم الذي في حِجره إلى صداقهنَّ، فنُهوا عن ذلك، وقُصِروا على الأربع، وعند الخوف على الواحدة، ثم التَّسرِّي.
ومعنى الآية على هذا: فإن خفتم ألَّا تقسطوا في أموال اليتامى فاقتصروا على نكاح الأربع، فإن عجزتم عن ذلك فواحدة، أو الأمة بالتَّسري. وهذا يرويه طاوسٌ عن ابن عبَّاس ﵄ (^٤).
والثالث: أنهم كانوا يتوسَّعون في عدد المنكوحات بما يقعون به في الجَور، ويتحرَّزون عن الجَور في أموال اليتامى، فقيل لهم: كما تخافون في ذلك فخافوا في هذا. وهذا قولُ كثيرٍ مِن المفسِّرين؛ قتادة وسعيد بن جبير والضَّحَّاك والسُّدي وغيرهم (^٥).
والرابع: كما خفتم في اليتامى إذا وُلِّيتم أموالهم وتحرَّزتم عن أكل أموالهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتحرَّزوا عن الزِّنى، وانكحوا ما أحلَّ اللَّه لكم. وهذا قول مجاهد (^٦).
_________________
(١) في (أ): "وهو".
(٢) رواه البخاري (٢٤٩٤)، ومسلم (٣٠١٨).
(٣) في (أ): "فإذا كان عدمًا" وفي (ف): "فإذا كان معدمًا".
(٤) رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٤/ ٢٢٩)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٦٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٣٢٧).
(٥) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٥).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٦٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٣٢٥).
[ ٤ / ٤٣٠ ]
والخامس: أنَّ الرَّجل كان يلي اليتيمةَ من قرابته، ولعلها شريكةٌ له بمالها، فلا تطيبُ نفسُه بتزويجها مِن غيره خشيةَ مزاحمتِه إيَّاه في المال المشترَك بينهما، ويرغب أن ينكحها (^١) بنفسه لدمامتها أو غير ذلك، فأُمروا إن خافوا أن لا يعدلوا فيهنَّ إذا تزوجوهنَّ أن ينكحوا من الأجنبيات ما أحلَّ اللَّه لهم، ولا يعضلوهنَّ فيتزوجَهُنَّ غيرهم. وهذا يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ (^٢).
والسادس: قولُ الضَّحَّاك، قال: سألوا عن أمر (^٣) اليتامى، وتركوا ذكر النساء، فنزلت الآية (^٤): فإن خفتم في أمر اليتامى فما لكم لا تسألون عن أمر النِّساء (^٥).
قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ منصوبات بالترجمة عن ﴿مَا﴾، ولا تنوينَ فيهنَّ لأنَّها غيرُ منصرفة، فإنَّها معدولة عن اثنين وثلاثٍ وأربعٍ، ومعناه: اثنين اثنين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا، ومع العدل فيها معنًى آخرُ، وهو وهم الألف واللَّام؛ لأنَّها كالمعارف، ولهذا لا إضافة فيها، فامتنع صرفُها لذلك.
وتعلَّقت الروافض -لعنهم اللَّه- بظاهرها لإباحة الجمع بين تسع نسوة، فإنَّه ذُكر بالواو لا بـ (أو)، وذلك للجمع.
لكنَّا نقول: هذا على البدل دون الجمع في حالةٍ واحدة؛ أي: فانكحوا مثنى، وانكحوا ثلاث، بدل: مثنى، وانكحوا رباع، بدل مثنى وثلاث.
_________________
(١) "أن ينكحها" مصدر مؤول مجرور بحرف الجر المقدر: (عن)؛ أي: ويرغب عن أن ينكحها؛ أي: عن نكاحها.
(٢) رواه البخاري (٥١٢٨)، ومسلم (٣٠١٨/ ٨).
(٣) في (ر): "عن أموال".
(٤) "الآية" ليس في (ف).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٦٥)، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٢٩١).
[ ٤ / ٤٣١ ]
والدَّليل على أنَّ المراد هذا لا غيره: أنَّه لو قيل هذا في الأمر بشيء آخر لم يكن إلَّا على هذا الوجه، فإنَّه إذا قيل لقوم: ادخلوا الدَّار مثنى وثلاث ورباع، لم يكن أمرًا بدخول تسعة منهم جملةً في حالة، بل هو أمر لهم أن يدخلوا (^١) اثنين اثنين، ولهم أن يدخلوها بدل ذلك ثلاثة ثلاثة، ولهم أن يدخلوا بدل ذلك أربعة أربعة، وكذا في كلِّ موضع، هذا هو قضيَّة اللُّغة، ولا معنى لهذيان الرَّافضة.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾: فيه إضمار؛ أي: فانكحوا واحدةً.
وقرأ الحسنُ وأبو جعفرٍ والجحدري: ﴿فواحدةٌ﴾ بالرَّفع (^٢)، وهذا (^٣) ابتداءٌ، وخبرُه محذوفٌ، وتقديرُه: تكفيكُم، ونحوُ ذلك.
قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: قيل: هذا (^٤) مرفوعٌ بالابتداء، مع قراءة الأولى بالنَّصب؛ لأنَّه لا يقع النِّكاح عليها، فلا تُعطَف على المنكوحات.
وقيل: يجوز فيه النَّصب، على إضمار فعل يقع عليها، وتُنصب في الظَّاهر بناءً على المذكور أولًا (^٥)؛ كما في قولِ القائلِ:
ورأيْتُ زَوْجَكِ في الوغى متقلِّدًا سيفًا ورمحا (^٦)
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يدخلوها".
(٢) قرأ بها أبو جعفر كما في "النشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، ونسبت أيضًا للحسن، والأعمش، وحميد، وشيبة. انظر: "الكامل في القراءات" لأبي القاسم اليشكري (ص: ٥٤٢).
(٣) في (أ): "وهو".
(٤) في (ف): "هو".
(٥) في (ف) و(أ): "أولا".
(٦) البيت لعبد اللَّه بن الزِّبَعْرى، وهو في ديوانه (ص: ٣٢)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٦٨)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ١٢١)، و"الخصائص" لابن جني (٢/ ٤٣١) و"تفسير الطبري" =
[ ٤ / ٤٣٢ ]
أي: متقلِّدًا سيفًا ومعتقلًا رمحًا، وهنا يُضمَر: فاقصدوا، أو اختاروا.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: أي: ذلك أقربُ إلى أنْ لا تجوروا، قال الشاعر:
بميزانِ قسطٍ وزنُه غيرُ عائلِ (^١)
وأصلُ العَوْل: الخروجُ عن الحدِّ.
والعَوْلُ في الفرائض: الخروجُ عن حد السِّهام المسمَّاة.
والعَويلُ: الخروجُ عن حدِّ البكاء المعتاد.
* * *
(٤) - ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾: أي: مهورَهنَّ، والواحدة: صَدُقة.
والإيتاءُ: الإعطاءُ، وله وجهان ها هنا: الالتزامُ (^٢) والتَّسليم، ويجوز أن يكونا جميعًا مرادَيْن؛ أي: سَمُّوا لهنَّ ذلك إذا عقدتم، وسلِّموا ذلك لهنَّ (^٣) إذا الْتَزمتم.
_________________
(١) = (١/ ١٣٧). ويروى: يا ليت بعلك قد غدا
(٢) قطعة من بيت لأبي طالب. انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٣٧٧)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٣/ ٨٦٠)، و"سيرة ابن هشام" (١/ ٢٧٧). وللبيت روايات في المصادر، منها: بميزان قسط لا يخس شعيرة ووازن صدق وزنه غير عائل ومنها: بميزان صدق لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل
(٣) في (ر): "الإلزام".
(٤) في (ف) و(أ): "إليهن".
[ ٤ / ٤٣٣ ]
قوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾: أي: عطيَّةً، وقد نَحَل نِحلَةً؛ أي: أعطى، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى الفاعل، ويجوز أن يكون تفسيرًا، ويجوز أن يكون مصدرًا على غير لفظه، فإنَّ الإيتاء والنِّحلة بمعنًى واحد.
وقيل: معناه ﴿نِحْلَةً﴾؛ أي: عطيَّة من اللَّه لهنَّ.
وقال ابن عرفة: ﴿نِحْلَةً﴾؛ أي: دَينًا، أي (^١)؛ تَدينوا بذلك، فقد شرعَه اللَّه لكم كذلك (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾: أي: مِن المهر والصَّداق أو المال، فالكناية ترجع إلى المعنى، لا إلى المذكور؛ فإنَّ المذكور (صدقات)، وهي مؤنَّثة، ويجوز أن تكون راجعة إلى المُؤْتَى (^٣) الَّذي دلَّ عليه: ﴿وَآتُوا﴾.
و﴿مِنْهُ﴾ هو ليس للتَّبعيض، بل للتَّجنيس.
و﴿نَفْسًا﴾ نصبٌ على التَّفسير عند الكوفيِّين، وعلى التَّمييز عند البصريِّين، وهما قريبان.
وأصل الفعل: للنَّفس، فلمَّا حُوِّلَ الفعلُ إليهنَّ ذُكِرَت النَّفس بيانًا للمراد، وهو كقولك: قرَّ فلانٌ عينًا، وضاق ذرعًا (^٤).
ولم يقل: (أنفسًا) -على الجمع- لأنَّه جنسٌ فصلح للجمع، وقال تعالى: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] على الجمع.
_________________
(١) "أي" من (أ).
(٢) في (أ): "فقد شرع اللَّه كذلك".
(٣) في (ر): "المعنى".
(٤) يريد: أن هذا من التمييز المنقول عن الفاعل.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
والفرق بينهما: أنَّ في قوله تعالى: ﴿طِبْنَ﴾ دلالةً على معنى الجمع فاكتفى بقوله: ﴿نَفْسًا﴾ كما في قولهم: عشرون درهمًا.
وأمَّا في قوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ إنَّما ذُكِرَ على الجمع لئلَّا يوهِم أنَّه عملٌ واحدٌ (^١) أضيف إلى الجمع لرضاهم بوجوده من واحد، كما يضاف القتل إلى الجمع لأنَّهم (^٢) رضُوا به ومالؤوا (^٣) عليه.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾: أي: طيِّبًا سائغًا، وقد هَنُؤَ الطَّعام يَهْنُؤُ فهو هنيءٌ، ومَرُؤَ يَمْرُؤُ فهو مريءٌ، مِن حدِّ شَرُفَ؛ أي: صار كذلك.
وهَنَأني الطَّعامُ ومَرَأني مِن حدِّ ضَرَبَ؛ أي: ساغ لي.
فإذا أفردوا قالوا: أمرأني بالألف، فأمَّا على الإتباع فيُقال: مرأني، كما يقال (^٤): هنأني.
و﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ نصبهما على الحال، ويجوز على الدُّعاء، كما يُقال: سقيًا ورعيًا.
ومعناه: فإن وهبَت المرأةُ للزَّوج مهرَها أو شيئًا منه عن طيبِ نفسٍ، بلا إكراهٍ ولا رهبةٍ ولا افتداءٍ مِن سوء عِشرةٍ = فليأكلْهُ الزَّوجُ هنيئًا مأمونَ التَّبِعة في الآخرة.
والمراد بالأكل: هو الانتفاع به؛ أكلًا كان ذلك أو غيرَه، وخصَّ الأكل بالذِّكرِ لأنَّه مُعْظَم (^٥) المقصود بالمال، كما ذَكر ذلك في مال اليتيم ومال الغير والرِّبا.
_________________
(١) "عملٌ واحدٌ" كذا ضبطت الكلمتان في النسخة الخطية، ويصح أن يكون التركيب إضافيًا؛ أي: (عملُ واحدٍ)، ويمثل له بقولهم: بنو فلان قتلوا فلانًا، والقاتل واحد منهم.
(٢) في (ف) و(أ): "جماعة"، بدل: "الجمع لأنهم".
(٣) في (ر): "وتمالوا".
(٤) "كما يقال" ليس في (أ).
(٥) في (أ): "هو المعظم" وفي (ف): "هو معظم".
[ ٤ / ٤٣٥ ]
وقال الكلبيُّ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ خطاب للأولياء، وكان وليُّ المرأة إذا زوَّجها؛ فإنْ كانت معهم في العشيرة لم يعطها من المهر شيئًا، وإنْ كانت غريبةً حملوها على بعيرٍ إلى زوجها، فلم يكنْ لها إلَّا ذلك، فأمر اللَّه تعالى الأولياء فقال: وأعطوا النِّساء صدقاتهنَّ، فإن طبْنَ لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا لا إثم فيه مريئًا لا داءَ فيه (^١).
وقيل: مَن اعتلَّ علَّةً فأعيى (^٢) علاجَها الأطبَّاء، فليُعطِ امرأتَه مِن مهرِها درهمًا (^٣)، وليستَوْهِبها ذلك، فإذا وهبَتْهُ له عن رضًا فليشترِ به عسلًا، وليأكلْهُ مع ماء السَّماء؛ فإذا اجتمع له الهنيءُ المريءُ والمبارك والطَّهور والشِّفاء، حصلَتْ له العافيةُ وزال الدَّاء (^٤). ذكرَه الإمام أبو منصورٍ ﵀ عن عليٍّ ﵁ (^٥).
وقال: وفي الآية: أنَّ النَّفقة وإن كانت عليه فهي إذا قامَتْ بها بطِيب نفسها لم يُحرَجْ هو؛ لأنَّ نفقتها عليه ليسَتْ بأعظم من نفقتِه من مالها إذا أعطتْهُ، ووُصف بالهنيء المريء لأنَّه ربَّما يَستثقلُ الطَّبعُ أكلَ مالها كراهةَ الامتنان، أو بما كان عليه كفايتها، أو بما جرى من الوعيد الشَّديد في منع مهرها، أو بما قد تحتشمه (^٦) فتبذل له، أو بما يُوهِم الطَّمعَ في مالها والرَّغبةَ في النِّكاح لذلك؛ فطيَّبه اللَّهُ تعالى حتى وصفه بغاية ما يحتمِل المالُ من الطِّيب.
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٣٦٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٤٩).
(٢) في (ف) و(أ): "أعيى".
(٣) في مصادر التخريج: "ثلاثة دراهم".
(٤) في هامش (ف): "هذه نكتة شريفة ساقها فيمن أعيى داؤه الأطباء منوطة بالصحة".
(٥) ورواه عن علي ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٣٦٨٧)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٣٤٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٦٢).
(٦) في (أ): "تعشمه".
[ ٤ / ٤٣٦ ]
وفيه: بيانُ جواز معروفها، وترغيبٌ في حسن المعاشرة بينهما، حتَّى أبقى ذلك بعد الفراق بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذلك ممَّا يُورث المحبَّة، أو يديمها؛ إذ جعلها اللَّه تعالى بينهما بقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] (^١).
* * *
(٥) - ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: قال السُّديُّ: لا تعطِ امرأتكَ وولدَكَ مالَكَ، فيكونوا هم الَّذين يقومون عليك، وأطعمْهم مِن مالِكَ واكسُهم (^٢).
وقيل: لَمَّا قال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ بيَّن بهذه الآية أنَّه إنَّما يجب الإيتاء إذا كانوا مِن أهل ولاية أخذ المال، فأمَّا إذا كانوا سفهاءَ غيرَ بالغين مصلِحين فلا يُدفع إليهم، ويُمسَك إلى أن يزولَ السَّفه.
وقال عكرمة ومجاهد: لا يُدفع صَداقُها إليها إذا كانت سفيهةً، ويُدفع إلى أبيها (^٣).
ورُوي أن رجلًا دفع مالًا إلى امرأته فدفعته في غير الحقِّ فنزلَت الآيةُ (^٤).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٩٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٩٣)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٣٥٠) عن مجاهد.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٩٣) من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن رجلًا عمد فدفع ماله. . .، الخبر. وهو مرسل وحضرمي مجهول، قال ابن المديني: حضرمي شيخ =
[ ٤ / ٤٣٧ ]
وعلى هذا قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؛ أي: الأموالَ التي تَلُونها وتمسكونها وهي مملوكةٌ لليتامى والنِّساء.
أو على معنى: أنَّ الأموال في الجملة مجعولةٌ للنَّاس كلِّهم قوامًا لهم، وهذه الإضافة كالإضافة في قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والبيوت للأزواج، لكنَّها في أيدي النِّساء وتصرُّفهنَّ وسُكْناهنَّ.
وقال الكلبيُّ: السُّفهاءُ: الجهَّال بمواضع الحقِّ، إذا علم أنَّ امرأتَه مُفسِدةٌ وولدَه مفسدٌ لم ينبغ له أن يسلِّطهم على ماله (^١).
وعلى هذا قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ هو إضافةُ الملك إلى مالكه على الحقيقة.
قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: جعَل المال.
وفيه تنبيهٌ على عظم خطر المال وعظم نفعه؛ أي: جعله اللَّه تعالى قوامًا لمعاشكم في دنياكم الَّتي جعلها اللَّه تعالى دارَ أعمالكم التي بها تتوصَّلون إلى نعيم الآخرة.
والقيامُ: اسمٌ، وليس بمصدر، وهو الذي تقوم به حياتُه، وتستقيم به أمورُه.
والقِوام بالكسر والفتح كذلك.
وقال معاويةُ بن قُرَّة: عوِّدوا النِّساء (لا)، لَئِنْ (^٢) أطعْتَ المرأةَ أهلكَتْكَ (^٣).
_________________
(١) = بالبصرة روى عنه التيمي، مجهول وكان قاصًا، وقال أحمد: لا أعلم يروي عنه غير سليمان التيمي. قاله في "التهذيب".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٥٢).
(٣) في (ر): "لأنك إن".
(٤) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٥٦٢)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٥١)، وابن حزم في "المحلى" (٨/ ٢٨٨).
[ ٤ / ٤٣٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾: أي: أَجْروا (^١) على السُّفهاء من (^٢) أموالهم ما يقيمهم من (^٣) حوائجهم، واكسوهم قَدْرَ ما يحتاجون إليه، وأمسكوا الباقي.
قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: أي: حسنًا في العقول؛ أي: عرِّفوهم أنَّكم إنَّما تَلُونَ أموالهم حفظًا عليهم وصيانةً عن الضَّياع، إلى أن يزول السَّفه عنهم، ويصيروا أحقَّ بأموالهم، فتدفعونها (^٤) إليهم.
وعلى القول الآخَر: أي: قولوا للنِّساء والأولاد: إنِّي لو مِتُّ فهذا المال يكون لكم، وعلى هذا القول قيل (^٥): أي: قولوا: في المال قلَّة، وفي العيال كثرة، ولولا ذلك لأعطيتُكم أكثر من هذا، فإنْ وسَّع اللَّه عليَّ وسَّعْتُ عليكم، فإنَّ مع العسر يسرًا.
وقال الزَّجَّاجُ: أي: علِّموهم أمرَ دينِهم مع الإطعام والكسوة (^٦).
* * *
(٦) - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾: أي: اختبروا اليتامى وامتحنوهم بدفع بعض
_________________
(١) في (أ): "أجزوهم".
(٢) في (ر) و(ف): "في".
(٣) في (ر): "في".
(٤) في (ف): "فتدفعوها".
(٥) في (أ): "وقيل"، بدل: "وعلى هذا القول قيل".
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٤).
[ ٤ / ٤٣٩ ]
أموالهم ليتصرَّفوا فيها، فيظهرَ رشدُهم ومعرفتُهم، وفيه دليلٌ على جوازِ إذنِ الصَّبيِّ العاقل بالتِّجارةِ (^١).
قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾: أي: الوطءَ؛ أي: قدروا على ذلك، وهو حالة الإنزال، وهو كنايةٌ عن البلوغ، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩].
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ أي: أبصرتم، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠].
و﴿رُشْدًا﴾؛ أي: هداية في التَّصرُّفات، وصلاحًا في المعاملات.
قوله تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾: أي: سلِّموا وردُّوا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ يحتمِل وجهين:
أحدهما: الاختبار بالتَّصرُّف في المال على ما بيَّنَّا.
والثَّاني: أنْ يُبتلَى الأيتامُ قبلَ بلوغِهم بأنواع العبادات والآداب؛ ليعتادوا بها، ويتأدَّبوا بها؛ ليعرفوا حقوقَ الأموال وقَدْرها ويحفظوها إذا بلغوا؛ لأنَّهم إذا ابتُلوا بعد البلوغ لم يعرفوا ما عليهم، فكانَ في ذلك تضييعُ حقوقِ اللَّهِ (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ اختلفَ العلماءُ فيمَنْ بلغَ مبذِّرًا سفيهًا؛ هل يُحجَر عليه؟
فأبو حنيفة ﵀ لا يرى الحجرَ عليه في تصرُّفاته، وأبو يوسف ﵀ يقول: لا يَنحجِر بذلك، لكن يستحقُّ حجرَ القاضي عليه، وقال محمَّد ﵀:
_________________
(١) في (ر): "وفيه دليل أن الصبي العاقل يجوز إذنه للتجارة".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٢).
[ ٤ / ٤٤٠ ]
يَنحجِر (^١) بسفهه، ويُعرف ذلك في الفقهيَّات، وقد أوضحناه في "حصائل المسائل".
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يخلو منعُ المال منهم (^٢) من أوجهٍ ثلاثةٍ:
إمَّا أن يُمنَع لفرط (^٣) البذل والإنفاق جودًا وسخاوةً وحسنَ ظنٍّ باللَّه تعالى أنَّه يرزقُه ويُخلفه، وهذا لا يحتملُ (^٤)؛ لأنَّه مِن أخلاق الأنبياء وسيرهم (^٥)، فلا معنى للنَّهي عن ذلك.
أو يُمنعَ لغلبة شهوتهم، وقضاء وطرهم (^٦)؛ فإنَّهم إنْ (^٧) مُنعوا عن ذلك في أموالهم تناولوا من أموال غيرهم وتعاطَوا ما لا يحلُّ، فلا يحتمل (^٨) أنْ يُمنعوا لذلك.
أو يُمنعَ عنهم مالهم لآفةٍ في عقولهم ونقصٍ في تدبيرهم؛ فإنْ كان (^٩) لهذا يمنع (^١٠) عنهم أموالهم، فيجب أن يُمنعَ أبدًا، لا مدَّةَ في ذلك، إلَّا بعد ارتفاعه وزواله عنهم (^١١).
_________________
(١) في (ر): "ينحجر عليه".
(٢) في (ف) و(أ): "منه"، وفي (ر): "عنه"، والمثبت من "التأويلات".
(٣) في (أ): "بفرط"، والمثبت من باقي النسخ و"التأويلات".
(٤) في (ر): "يحل"، وفي (ف): "يحتمل الحجر"، والمثبت من (١) و"التأويلات".
(٥) في (ف): "وسيرتهم"، ومثله في "التأويلات".
(٦) في (ر): "وطرهم فلا يحل أيضًا"، والمثبت من باقي النسخ و"التأويلات".
(٧) في (أ): "فإن هم".
(٨) في (ر): "يحل"، والمثبت من باقي النسخ و"التأويلات".
(٩) في (أ): "كانوا".
(١٠) في (ف) و(أ): "منع". والعبارة في "التأويلات": (فإن كان لهذا ما يمنع).
(١١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٣)، وقال في الاحتمال الثالث: "وهو الوجه، يمنع منه حتى يؤنس منه الرشد".
[ ٤ / ٤٤١ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾: أي: مجاوزةً عن الحدِّ، وليس فيه إباحةُ القليل وتحريمُ الإسراف، بل هو بيان أنَّه إسرافٌ.
وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إباحةٌ للأكل من مال اليتيم لوصيِّه عند الحاجة، وهذا نهيٌ عن مجاوزة قَدْر الحاجة.
قوله تعالى: ﴿وَبِدَارًا﴾: أي: مبادرةً، وهي المسارعة.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾: أي: أن يبلغوا؛ أي: لا تأكلوا وأنتم تبادرون بلوغَهم، وهو كقولك: بادرْتُ مجيءَ زيدٍ؛ أي: فعلتُه قبلَ مجيئِه، ومعناه: تأكلون قبل بلوغِهم واستردادِهم مالهم منكم.
ثم ليس هذا قصرُ التَّحريم على الإسراف وعلى مبادرة البلوغ دون غيرهما، بل هو ذكرُ غالب الحال، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ليس هو تحريم الإكراه على الزِّنى مقصورًا على حالِ إرادتهنَّ التَّعفُّف، بل هو ذكرُ غالب الحال، وهو في غير هذه (^١) الحال كذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: أي: مَن كان مِن الأوصياء غيرَ محتاجٍ فليتحرَّز عن أكل مال اليتيم.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: قال الشَّعبيُّ ومجاهدٌ ومقاتلٌ والضَّحَّاكُ وسعيدُ بن جبيرٍ: فليأكل منه قرضًا على نفسه يؤدِّيه (^٢) إليه إذا بلغ (^٣).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "ذلك".
(٢) في (أ): "فليؤديه".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤١٢ - ٤١٦) عن عمر وابن عباس -﵃- وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيدة السلماني والحكم وأبي العالية وأبي وائل.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: إذا قضيتُم ذلك الدَّين فأشهدوا على القضاء؛ لأنَّه لا يُصدَّق في دعوى سقوطه عن ذمَّته إلَّا ببيِّنةٍ، بخلافِ دعواه ردَّ مالِه عليه بعينه أنَّه يُصدَّق فيه؛ لأنَّه مُؤتَمَنٌ في ذلك.
وقال أبو العالية وقتادة وجماعة: للوصيِّ التَّناولُ مِن نماء مال اليتيم، كشرب ألبان مواشيه، واستخدامِ عبيده، وركوبِ دوابِّه (^١)، غيرَ مضرٍّ بمالِه، وليس له أخذُ أصول أموالِه؛ فإنَّه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، فحكمَ في أعيان أموالهم بدفعِها إليهم (^٢).
وقال جماعةٌ منهم الكلبيُّ والذين نذكرهم في تفسير (المعروف): له أنْ يأكلَ مِن عين ماله بقَدْر حاجتِه مِن غيرِ عوضٍ (^٣).
قال عمرُ ﵁: إنِّي أنزلْتُ نفسي مِن مالِ اللَّهِ منزلةَ الوليِّ مِن مالِ اليتيمِ، وتلا هذه الآية (^٤).
_________________
(١) في (أ): "وركوبه ودوابه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٢٠ - ٤٢٣) عن أبي العالية وقتادة وابن عباس والحسن والشعبي والضحاك.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٢٣ - ٦٢٦) عن عمر وعطاء وإبراهيم والحسن وعكرمة وعائشة والنخعي وابن زيد.
(٤) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٢٧٦)، وسعيد بن منصور في "سننه - التفسير" (٧٨٨)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٢٩١٤)، وابن شبة في "أخبار المدينة" (١١٤١)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٤١٢)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٨٣) (ط: دار التفسير). ولا يصلح هذا شاهدًا على جواز الأكل من عين المال على الإطلاق، بل فيه تقييد ذلك بالتعويض حين اليسار؛ أي: أنه على سبيل القرض، فقد جاء في تتمة الخبر: (فإذا أيسرت قضيت). وهذا القول من كون الأكل على سبيل القرض روي عن ابن عباس وجمع من أئمة التابعين قد تقدم ذكرهم قريبًا، وهو لا يتعارض مع القول الآخر بأن للوصيِّ التَّناولَ مِن نماء مال اليتيم، كشرب ألبان مواشيه، واستخدامِ عبيده ونحو =
[ ٤ / ٤٤٣ ]
ثم اختلفوا في قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾:
قال عكرمةُ والسُّديُّ: هو أن يأكل بأطراف أصابعِه، وليس له أن يجعل لباسه من ماله (^١).
وقال قتادة في نزول هذه الآية: إن عمَّ ثابت بن وديعة -وفي رواية: ثابت بن رِفاعة (^٢) - كان من الأنصار، وكان ثابتٌ يتيمًا في حِجره، فجاء إلى النبيِّ -ﷺ- وقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّ ابنَ أخي يتيمٌ، فماذا يحلُّ لي من ماله؟ فقال: "أنْ تأكلَ مِن مالِه بالمعروفِ مِن غير أن تقيَ مالَك بماله، ولا أنْ تتَّخذَ مِن مالِه وفرًا" (^٣).
وقال إبراهيمُ النَّخعيُّ: له أن يأكلَ منه ما يسدُّ به جوعته، ويلبسَ ما يواري عورته (^٤).
وكذا قال مكحول (^٥).
وقال إبراهيم في رواية: هو أن يعمل في مال اليتيم بنفسه بقَدْرِ (^٦) ما يأكل (^٧).
_________________
(١) = ذلك، لأن ذلك قد لا يكفيه ويضطر للأخذ، فيأخذ حينئذ على سبيل القرض، ويدل على هذا الجمع أن بعض الأئمة ممن ذكرناهم قد روي عنهم القولان جميعًا كما تقدم، واللَّه أعلم.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤١٧ - ٤١٨) عن السدي وعكرمة وعطاء، وعن ابن عباس من رواية السدي.
(٣) وهي رواية الطبري، وفي "الدر المنثور": "عم ثابت بن وداعة".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٢٢).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٥١٢)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٤١٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٣٨٩).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤١٩).
(٧) في (ر): "قدر".
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٢٤).
[ ٤ / ٤٤٤ ]
وهو قول الشَّعبي وسعيدِ بن المسيِّب (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ليس هو أمرًا بالأكل من مال اليتيم، بل معناه: فليأكل الوصيُّ من مال نفسه بقَدْر الحاجة، حتى لا يُضطر إلى أكل مال اليتيم (^٢)، قال النبيُّ -ﷺ-: "ما عالَ امرؤٌ اقتصدَ" (^٣).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾: أي: إذا رددْتُم أموالَ اليتامى إليهم فأشهدوا على ذلك النَّاسَ؛ تحرُّزًا عن الظُّنون الكاذبة والقالةِ (^٤) السَّيئة، وعن توجُّه اليمين عليكم عند التَّناكُر.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: أي: محاسبًا يوم القيامة، فاتَّقوا أن تمنعوا
_________________
(١) وروي نحو هذا في الصحيح عن عائشة ﵂، رواه البخاري (٤٧٥٧)، ومسلم (٣٠١٩)، وفيه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنَّها نزلت في والي اليتيم إذا كان فقيرًا، أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٦٩).
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤٢٦٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠١١٨)، و"المعجم الأوسط" (٥٠٩٤)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٥٢): رواه أحمد، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وفي أسانيدهم إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٦٥٦)، و"المعجم الأوسط" (٨٢٤١) من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٥٢): رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، ورجاله وثقوا، وفي بعضهم خلاف. قلت: لكن في إسناده انقطاع، وله شاهد من حديث طلحة بن عبيد اللَّه رواه البزار في "مسنده" (٣٦٠٥) بلفظ: "من اقتصد أغناه اللَّه"، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٥٢): وفيه ممن أعرفه اثنان.
(٤) في (ر): "والمقالة".
[ ٤ / ٤٤٥ ]
من مال اليتامى شيئًا معتمدين (^١) على أنَّ القولَ قولُ الأمين في حكم الدُّنيا، وهذا وعيدٌ شديدٌ.
وقيل: هذا يرجع إلى قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولا يُسرفْ، فإنَّ اللَّه تعالى يحاسبه عليه ويجازيه به.
* * *
(٧) - ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾:
قال مقاتل بن حيَّان: إنَّ رجلًا توفِّي يُقال له: أوس بن ثابت، وتركَ امرأته أمَّ كُجَّة وثلاث بناتٍ لها، فمنع ميراثهنَّ عرفجةُ وسويدٌ، وهما ابنا عمِّ الميت، وكان أهل الجاهلية لا يورِّثون النِّساء ولا الولدان الصِّغار، ويورِّثون ذوي الأسنان منهم، ويحبسون (^٢) اليتيمة ولا يتزوَّجونها لدمامتها، فانطلقت أم كُجَّة إلى النبيِّ -ﷺ- فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّ بناتي أبوهنَّ توفِّي وترك مالًا، وإنَّ عرفجةَ وسويدًا منعاهنَّ ميراثهنَّ، فأنزل اللَّه تعالى ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية (^٣).
وقال الكلبيُّ كذلك، لكنَّه سمَّى الرَّجلَيْن قتادة وعُرْفطة، ولم يبيِّن كم لهم، فأرسل رسول اللَّه -ﷺ- إليهما: أن لا يقربا من مال أوسٍ شيئًا، فإنَّه ترك لبناته نصيبًا،
_________________
(١) في (أ): "متعمدين".
(٢) في (أ): "ويحتبسون".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٥٩)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١).
[ ٤ / ٤٤٦ ]
ولم يبيِّن كم هو حتى انظر كم هو، ولم ينزل في امرأته شيءٌ، فنزل عليه بعد ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (^١).
وفي رواية عكرمة وقتادة: قالا: إنَّ البنت لا تركب فرسًا، ولا تحمل كلًّا، ولا تنكأُ عدوًّا. فنزلَتِ الآية (^٢).
قال مقاتلُ بن سليمان: فأخذت المرأةُ الثُّمن، والبنتان الثُّلثين، وابنا (^٣) العمِّ الباقي (^٤).
قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: أي: حظًّا مقدَّرًا.
ونصبُه على الحال عند الزَّجَّاج للنَّصيب المذكور قبله (^٥).
وقال علي بن عيسى: هو في موضع المصدر.
وقيل: هو مفعول بإضمار: (جعلْتُه) ونحو ذلك.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١)، وذكره ابن الأثير في "أسد الغابة" (٤/ ٢٣)، (٧/ ٣٧١) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وعزاه ابن حجر في "الإصابة" (١/ ٢٩٣) إلى أبي الشيخ في "تفسيره" عن الكلبي، وعزاه (٨/ ٤٥٦) إلى الواقدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. وروى نحو هذه القصة مختصرة الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٣٠) عن عكرمة، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٧٢) من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وإسناده منقطع فإن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٣٠) عن عكرمة.
(٣) في (أ) و(ر): "وأبناء".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٥٩).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٥).
[ ٤ / ٤٤٧ ]
(٨) - ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: بيَّنَ حكم الذين يرثون في الآية الأولى، وقال في هذه الآية: وإذا حضر قسمة الميراث الأقرباءُ الذين لا يرثون واليتامى من الأجانب والمساكين منهم فأعطُوهم شيئًا ممَّا يُقسَم، وقولوا لهم قولًا جميلًا: كنتم أحقَّ لأكثر من هذا، لكنْ أَمكَنَ هذا القَدْر، ولا تؤذوهم بالمنِّ وسوء الرَّدِّ، وهذا نَدْبٌ واستحباب، وهو باقٍ لم يُنسخ على هذا التأويل.
وقال ابن المسيِّب: كان هذا واجبًا في الابتداء، ثم نسختها آية (^١) المواريث والوصايا (^٢).
وقال مجاهد: هو حقٌّ ثابتٌ ما طابت الأنفس (^٣).
وقال (^٤) عكرمة: إذا أُتي بمالِ أيتام؛ فإنْ كان فيه فضلٌ رضِخ (^٥) منه لذوي قرابته ممَّن لا يرث، وإذا لم يكن فيه فضل اعتُذر إليهم (^٦).
وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: هو الرَّضخ إذا كان فيه فضل ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: هو الاعتذار إليهم إذا لم يكن فيه فضلٌ.
_________________
(١) "آية" ليس في (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٣٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٤٢١).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٥٢٦)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٣٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٧٥).
(٤) في (أ): "وكان".
(٥) الرضخ: العطاء ليس بالكثير. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: رضخ).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٤٣) من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
وقيل (^١): إذا كان فيه منقولٌ رَزقوا هؤلاء منه، وإن كان عقارًا اعتذروا إليهم.
وقيل: إذا كان الورثة بالغين رضَخوا، وإن كان فيهم صغيرٌ اعتذروا، فيقول الوصيُّ: حقُّكم واجب وقرابتكم قريبة (^٢)، ولو كان لي في المال نصيب لأعطيتكم، وإذا بلَّغْتُ (^٣) الورثة فسيعرفون حقَّكم.
وقال جماعةٌ: ليس هذا في (^٤) قسمة الميراث، بل هذا في قسمة المريضِ مالَه في ذوي قرابته بالوصيَّة، على ما كان الأمر عليه قبل نزول آية المواريث، فكان الرَّجل إذا حضره الموت أوصى بماله على ما يراه؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]، فأمر المريضَ في هذه الآية بما ذكر فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾؛ أي: من المقسوم الَّذي دلَّ عليه قولُه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾.
* * *
(٩) - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: يعني به عند قسمةِ المريضِ مالَه بالوصيَّة، ينبغي للَّذي
_________________
(١) في (أ): "فيه".
(٢) في (ف): "قربته".
(٣) في (أ): "وإذا بلغ" وفي (ف): "فإذا بلغ".
(٤) في (ف) و(أ): "من".
[ ٤ / ٤٤٩ ]
حضره إذا أرادَ أنْ يوصيَ بثلثه في حجٍّ أو جهاد أو عِتاق أو صدقة أن يقول (^١) للموصي: اتَّقِ اللَّهَ؛ فإنَّ لك ورثة عجَزةً عن أنفسهم، فيَبْقَون عيالًا على النَّاس، فرُدَّ ذلك عليهم، فإنَّها أعظمُ لأجرك (^٢).
وتقدير الآية: وليَخفْ على عيال هذا الميت الذين يأمرونَه بالجُود في قسمتِه (^٣) مالَه كما كانوا خائفين على عيال أنفسهم الصِّغار والضِّعاف مِن بعد موتِهم، فليتَّقوا اللَّهَ، وليأمروا بالعدل، ولينهَوه عن الجَور، وليقولوا للمريض قولًا سديدًا صوابًا.
وعن أنسٍ ﵁: أنَّ الخلفاء الرَّاشدين أبا بكر وعمرَ وعثمان وعليًّا رضوان اللَّه عليهم أجمعين اتَّفق رأيهم في الوصيَّة على الخمس، وقالوا: الخمس في الوصيَّة اقتصادٌ، والرُّبع جهدٌ (^٤) بالورثة، والثُّلث جَنَف؛ لأنَّ اللَّه تعالى رضي الخمس لنفسه من مال الكافرين (^٥).
_________________
(١) في (ف): "يقولوا".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٤٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٧٧).
(٣) في (ف): "قسمة".
(٤) في (ف): "جيد".
(٥) لم أجده. لكن روي في معناه أخبار كثيرة، منها ما رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٦٣٦١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٩٢٥)، عن علي ﵁ قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، وأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك شيئا. وروى البيهقي في "السنن الكبرى" (١٢٥٧٤) عن قتادة قال: ذكر لنا أن أبا بكر ﵁ أوصى بخمس ماله وقال: (لا أرضى من مالي إلا بما رضي اللَّه به من غنائم المسلمين)، وقال قتادة: وكان يقال: الخمس معروف، والربع، جهد، والثلث يجيزه القضاة.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
وقيل: معنى الآية: وليخشَ مَن وَلِي مال اليتيم الَّذي يليه ما يخشاه في ولده الضِّعاف لو مات عنهم، فكما يحبُّ أن يُفعلَ بولده بعدَه فليفعلْ بولدِ غيره الَّذي يليه.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي: ولْيخاطبوا اليتيم مخاطبةً جميلة لا انتهار فيها.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّ اللَّه تعالى لم (^١) يأمر مَن خلَّف أولادًا صغارًا وخافَ عليهم الضَّيعة والفقر أن يستكثر لهم الأموالَ، ويخلِّفَ لهم الأملاك، ولكنَّه أمرَهم أن يتَّقوا اللَّه، فإنَّه يتولَّى الصَّالحين (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾: أي الذين يتلفون أموال اليتامى بالأكل وغيره من وجوه الإتلاف وخص الأكل بالذكر لما مر أنه المقصود المعظم بأكل المال إنما يأكلون في بطونهم نارًا يصيرون به إلى التعذيب بنار جهنم وقوله ﴿ظُلْمًا﴾ نصب للحال وقيل هو على وجه المصدر بغير لفظه وإنما قيد به لأنه إذا أكل منه بالمعروف عند الحاجة أو بما قدر له القاضي بقدر عمله فيه لم يعاقب عليه.
_________________
(١) في (ف): "لا".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣١٦).
[ ٤ / ٤٥١ ]
أي: إن الذين يُتلفون أموال اليتامى بالأكل وغيره من وجوه الإتلافِ -وخصَّ الأكل بالذِّكر لِمَا مرَّ أنَّه المقصود المعظَم بأخذ المال- إنَّما يأكلون في بطونهم ما (^١) يصيرون به إلى التَّعذيب بنار جهنَّم.
وقوله: ﴿ظُلْمًا﴾ نصب للحال، وقيل: هو على وجه المصدر بغير لفظِه، وإنَّما قيَّد به لأنَّه إذا أكل منه بالمعروف عند الحاجة أو بما قدَّره له القاضي بقَدْر عمله فيه لم يعاقَب عليه.
قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾: أي: سوف يدخلون النَّار المسعورة؛ أي: الملتهِبة، ويقاسون حرَّها.
وقد صَلِيَ النَّارَ يَصْلاها من حدِّ علمَ؛ أي: دخلها وقاسى حرَّها.
وأصلاه غيره إصلاءً وصلَّاه تصلية للتَّعدية، وصَلَيْتُ اللَّحم أَصْلِيهِ من حدِّ ضَرَب: شوَيتُه، واصْطَلى بالنَّار؛ أي: استَدْفأ بها (^٢).
قال مقاتل بن حيَّان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾؛ أي: يستحلُّون، نزلت في مَرثد بن زيد الغطفانيِّ، ولي مال ابن أخيه فأكله، فنزلت هذه الآية (^٣).
وقال السُّديُّ: يُبعثُ آكل مال اليتيم يوم القيامة والدُّخان يخرج من دبره، ومن فيهِ وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرفُه النَّاس أنَّه كان يأكل مال اليتيم في الدُّنيا (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ف): "نارًا".
(٢) في (ر): "استدفأها".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٦٣)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٧١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٥٤).
[ ٤ / ٤٥٢ ]
(١١) - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾: ذكرنا سببَ نزول هذه الآية (^١) عند قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ في حديث أم كُجَّة.
وسببٌ آخر: أن سعد بن الرَّبيع النَّقيبَ استُشهد يوم أحد وترك ابنتين وامرأةً وأخا (^٢) الرَّبيع، فأتَتْ امرأتُه النبيَّ -ﷺ- وقالت: يا رسول اللَّه، إنَّ الرَّبيع أخذ كلَّ شيء لسعد، وترك ولده (^٣) عالة لا مال لهم، فقال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ اللَّه يرى مكانهما، إن يشأ يُنزل فيهما"، فرجعَتْ فمكثَتْ (^٤) أيَّامًا، ثم عادَتْ فأعادَتْ ما قالَتْ، ثم قالَتْ (^٥): إنَّهما لا يتزوَّجان إذا لم يكن لهما مال. وبكَتْ، فنزل الوحي على رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فدعاهم رسول اللَّه -ﷺ-، وأقرأهم الذي أُنزل عليه، وقال للعمِّ: أعطِ الابنتين الثُّلثين، والمرأة الثُّمن، ولك ما بقي، فكان ذلك أوَّلَ ميراث قُسم بين المسلمين (^٦).
_________________
(١) في (أ): "سبب نزولها".
(٢) في (أ) و(ف): "وأخاه".
(٣) في (ر): "أولاده".
(٤) في (ف): "فرجعت ومكثت"، وفي (ر): "ورجعت ومكثت".
(٥) في (أ): "وقال"، وفي (ف): "وقالت"، بدل: "ثم قالت".
(٦) رواه أبو داود (٢٨٩١، ٢٨٩٢)، والترمذي (٢٠٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠)، من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄. قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ أي: يقول لكم قولًا يوصلُكم إلى إيفاء حقوق الأولاد بعد موتكم. هذا حقيقةُ هذه الكلمة، ومَن قال: أوصني (^١)، فمعناه: أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه.
والدليل على أنه بمعنى القول: أنَّه أتى بعده بخبر مستأنَف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: فدلَّ أنَّ تقديرَه: يقول اللَّه لكم: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]؛ لأن الوعدَ قولٌ، فصار تقديره: قال اللَّه تعالى، فارتفع لذلك ﴿مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وكذا كلُّ ما جرى مجراه؛ قال الشاعر:
إني سأبدي لك فيما أبدي
لي شَجَنان شجنٌ بنجد
وشجنٌ لي ببلاد الهند (^٢)
(شجنان) رُفع لأنَّ الإبداء قول.
وقيل: أُضمر في هذا كلِّه (^٣) (أنْ) الخفيفةُ، وتقديره: يوصيكم اللَّه أنْ للذَّكر مثلُ حظ الأنثيين، فيقع الفعل على (أنْ) فينتصب (^٤) هو، وكذلك قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾. قاله الكسائيُّ (^٥).
_________________
(١) في (ر): "وأوصى".
(٢) الرجز بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٨٠)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٥٨٢)، و"الظرف والظرفاء" للوشاء (ص: ١٠٠). قال الفراء: أنشدني الكسائي. . .، وذكره.
(٣) في (ف): "كلمة".
(٤) في (ف) و(أ): "فينتصب".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٨٠).
[ ٤ / ٤٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾: قيل: أي: في أولاد الموتى. وقيل (^١): في أولاد موتاكم. وقيل: أي: في أولادكم بعد موتكم.
قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي: إنْ ترك ابنًا وابنتين، فللابن سهمان ولكلِّ بنتٍ منهما سهم، وعلى هذا لو ترك ابنًا وبنتًا، أو ابنًا وابنتين، أو ابنين وبنتًا، أو ابنين وابنتين، أو ابنًا وبنات (^٢)، أو بنتًا وبنين، أو بنين وبنات، فلكلِّ ابنٍ سهمان، ولكلِّ بنتٍ سهمٌ.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾: ﴿كُنَّ﴾ لجمع الإناث، واسم ﴿كُنَّ﴾ للإناث على الإضمار، فقد سبق ذكر الأنثيين، و﴿نِسَاءً﴾ خبرُ قوله: ﴿كُنَّ﴾، فنُصب لذلك.
قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: ﴿فَوْقَ﴾ نصب؛ لأنَّه كالنَّعت أو التَّرجمة عن عددهنَّ؛ أي: إنْ كنَّ البنات ثلاثًا أو أكثر من ذلك فلهنَّ الثُّلثان فرضًا، والباقي للعَصَبة إن كان.
فأمَّا البنتان: فعند ابن عبَّاس ﵄ لهما النِّصف؛ لأنَّ اللَّه تعالى جعل الثُّلثين لما فوق الابنتين، ولم يبيِّن فرض الابنتين (^٣)، فيكون لهما النِّصف الَّذي ذُكر للواحدة (^٤).
_________________
(١) "في أولاد الموتى وقيل" من (ف).
(٢) في (ف): "أو ابنتين أو ابنين وبنتًا أو ابنًا وبنات أو بنتًا وابنين أو بنينًا" بدل: "ابنًا وابنتين أو ابنين وبنتًا أو ابنين وبنتين أو أبناءً وبنات".
(٣) في (ر): "اثنتين"، وفي (ف): "الاثنين". كلاهما في الموضعين.
(٤) ذكره ابن عبد البر في "التمهيد" (٥/ ٣٢٣) وقال: هذه الروايةُ مُنكَرةٌ عندَ أهلِ العلمِ قاطبةً، كلُّهم =
[ ٤ / ٤٥٥ ]
وقال عامَّة الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم -وهو قول عامَّة العلماء-: لهما الثُّلثان أيضًا.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: بيانُ الحقِّ للثَّلاث بيانٌ للاثنتين؛ لأن اللَّه تعالى جعل ميراث الواحدة من الأخوات النِّصف بقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، كما جعل حقَّ البنت النِّصفَ إذا لم يكن معها ذكرٌ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، ثم جعل للأختين الثُّلثين بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، فإذا نزلت الأخوات منزلة البنات في استحقاق النِّصف إذا كانت واحدةً، واستحقاقِ الثُّلثين إذا كانتا اثنتين فصاعدًا، فعلى ذلك نزل بيان الحكم في الأختين منزلةَ بيان الحكم في البنتين (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾: أي: كانت البنتُ واحدة ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾؛ أي: فرضًا، والباقي للعصَبة إن كان.
ودلَّ هذا على أنَّ الابن (^٢) إذا انفردَ فله كلُّ المال؛ فإنَّه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، والأنثى المنفردةُ لها نصفُ واحد، فالذَّكر المنفرد له نصفان، وهو كلُّ المال.
قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾: أي: فرضُ
_________________
(١) = ينكرها ويدفعها بما رواه ابن شهابٍ عن عُبَيدِ اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن ابن عباسٍ: أنه جَعَل للبنتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وعلى هذا جماعةُ الناسِ، وقد رُوِي عن النبيِّ -ﷺ- من أخبارِ الآحادِ العُدُولِ مِثْلُ ما عليه الجماعةُ في ذلك.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٠).
(٣) في (ر): "ودل هذا أنه".
[ ٤ / ٤٥٦ ]
كلِّ واحدٍ من الوالدَين سدسُ المال إذا (^١) كان للميِّت ولدٌ، فإنْ كان الولد ذكرًا فهو العصَبة، وليس للأب إلَّا السُّدس بالفرض.
فإن كان الولد أنثى فليس لها إلَّا النِّصف فرضًا، وللأب سدسُ المال فرضًا، وله باقيه بالتعصيب؛ لقول النبيِّ -ﷺ-: "ألحِقوا الفرائضَ بأهلِها، فما أبقَتْ فلأولى رجلٍ ذَكَرٍ" (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾: أي: فإنْ لم يكن للميِّت ولدٌ ذكرٌ أو أنثى وكان له أبوان ورثاه، وكان للأم الثُّلث، وهو بيانٌ أنَّ (^٣) الباقي للأب، فإنَّه (^٤) عصبة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، فجعلهما وارثَين، وبيَّنَ نصيبَ أحدهما وهو الأم، فكان بيانًا أنَّ الباقيَ نصيبُ الآخر، وهو الأب.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾: هذا يقع على الثَّلاثة من الذُّكور والإناث، من الإخوة لأب وأم، أو لأب، أو لأم، أو مختلفَين؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١٧٦].
قوله تعالى: ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾: فأمَّا الاثنان منهم -أي: أخوان، أو أختان، أو أخ وأخت- فعند عامَّة الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وهو قول عامَّة العلماء كذلك.
_________________
(١) في (ف): "إن".
(٢) رواه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) "أن" من (ف)، وفي (أ): "لأن".
(٤) في (ف): "وأنه".
[ ٤ / ٤٥٧ ]
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: للأمِّ الثُّلث في هذه الحالة (^١)، كما إذا كان للميِّت أخٌ واحدٌ أو أختٌ واحدةٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما حجبَ الأمَّ عن (^٢) الثُّلث ونقلَ حقَّها إلى السُّدسِ إذا كان للميِّت إخوةٌ، وهو اسمُ جمعٍ.
وقلنا: ألحق اللَّه تعالى الأختين بالأخوات في حقِّ الاستحقاق، حتى جعل لهما الثُّلثين، فكان ذلك إلحاقًا لهما بهنَّ في حقِّ حجب الأمِّ؛ لأنَّ الحجب دون الاستحقاق.
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: قرأ ابنُ كثير وابنُ عامر وعاصمٌ في رواية أبي بكر بفتح الصَّاد على ما لم يُسمَّ فاعله (^٣)؛ لأنَّ الموصي غيرُ مذكور، وقرأ الباقون بكسرها؛ لأنَّ الميت مذكورٌ كنايةً في قوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ يعني: هذه السِّهام للورثة بعد تنفيذ وصيَّته على وجهها، وبعد قضاء دينه.
وعن عليٍّ ﵁ أنَّه قال: إنَّكم تقرؤون في كتاب اللَّه تعالى الوصيَّة قبل الدَّين، وإنِّي سمعْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقولُ: "الدَّينُ قبلَ الوصيَّة" (^٤).
وليس هذا بتغييرٍ لظاهر النَّظم، بل هو تفسيرٌ لحاصل الحكم؛ يعني: أنَّ الورثة لا يرثون إلَّا بعد هذين.
ثم الدَّينُ أهمُّ، وهو من جميع المال، ولا تنفَّذُ الوصيَّة إلَّا بعد قضاء الدَّين، والوصيَّة نفاذُها من الثُّلث ولا تنفَّذ في أكثر من ذلك.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٦٤).
(٢) في (أ): "من".
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٢٢٨)، و"التيسير" (ص: ٩٤).
(٤) رواه الترمذي (٢٠٩٤)، وابن ماجه (٢٧١٥)، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم.
[ ٤ / ٤٥٨ ]
ولَمَّا كان المراد أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يمنع من (^١) الميراث كانَ البَدء بهذا أو ذاك (^٢) سواءً ثَمَّ، أو يكون لأحدهما فبان أنَّ أحدهما إذا انفرد مَنَعَ، وإذا اجتمعا وكلُّ واحد منهما مانعٌ مَنَعا أيضًا (^٣).
قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ رفعٌ بالابتداء، و﴿أَبْنَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ عليه، وما بعده من الجملة خبرٌ لهما.
و﴿لَا تَدْرُونَ﴾ فعلٌ متعدٍّ، لكن لم ينصب كلمة (أيّ) لأن كلمة (أيّ) ابتداءٌ، و﴿أَقْرَبُ﴾ خبرٌ له، والفعل لا يعمل في الجملة التَّامَّة صورةً.
و﴿نَفْعًا﴾ نصبٌ على التَّفسير، ومعناه: أنَّ اللَّهَ تعالى قد (^٤) تولَّى قسمة المواريث ولم يَكِلْها (^٥) إلى اجتهادكم، والتَّفاوتُ في السِّهام بتفاوت (^٦) المنافع، وأنتم لا تدرون تفاوتها، والانتفاع ثابتٌ في الدُّنيا والآخرة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ (^٧) الآية (^٨) [الطور: ٢١]، فإذا أسلمَ أحدُ الأبوَيْن تبعَه الولد الصَّغير في الإسلام، ثم بينهم التَّحامي والتَّناصُرُ والخدمة والبِرُّ والصِّلة واستحقاقُ العِتق والصَّدقة (^٩) والنَّفقة، وفي الآخرة يشفعُ بعضُهم لبعضٍ، ويلحق المقصِّر
_________________
(١) "من" من (أ) و(ف).
(٢) في (أ): "كان البداية بها وذاك"، وفي (ف): "كان البداية بهذا وذاك".
(٣) في (ر): "منع أيضًا" وسقطت العبارة من (ف).
(٤) "قد" ليست في (أ) و(ف).
(٥) في (ر): "قسمة الميراث ولم يكله".
(٦) في (أ): "وبالتفاوت في السهام بتفاوت"، وفي (ر): "والتفاوت السهام يتفاوت".
(٧) في (ف) و(أ): "وأتبعنا هم ذرياتهم" بدل: " ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ ".
(٨) في (أ): " ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ".
(٩) "والصدقة" ليس في (أ) و(ف).
[ ٤ / ٤٥٩ ]
بدرجة الموفِّر، ولا سبيل للعباد على الوقوف على حقيقة ذلك، فتولَّى اللَّه تعالى ذلك فضلًا منه.
وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: أي: أنفعُ وأرجى في الدَّارين.
قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أي: مقدَّرةً موجَبة منه، ونصبُه على الوجه الَّذي قلنا في قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: أي: عليمًا بمصالحكم وبعجزكم عن موافقة الصَّواب لو وكَل الأمر في التَّقدير إليكم، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما قدَّر وحكَم وبيَّن.
* * *
(١٢) - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾: أي: زوجاتُكم، فالمرأة تسمَّى زوجةً، ويجمع على الزَّوجات، وزوجًا يجمع على الأزواج؛ قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: أي: ابن أو بنت، ويقع على الواحد (^١) والجمع، وعلى ولد الصُّلب وولد الابن وولدِ ابن الابن وإن سَفُلوا.
_________________
(١) في (أ): "الواحدة".
[ ٤ / ٤٦٠ ]
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾: فينتقِصُ بسبب الولد، وهو ما فسَّرنا في حقِّ الزَّوج، فيصير النِّصفُ ربعًا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: وتفسيرُه ما مرَّ في الآية الأولى.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾: أي: للزوجات ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: وهو ما فسَّرناه.
قوله تعالى (^١): ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: مرَّ تفسيرُه.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾: الرَّجل هاهنا هو الميت.
وقوله تعالى: ﴿يُورَثُ﴾: أي: يُنالُ ميراثُه، فعلُ ما لم يُسمَّ فاعلُه من قولك: وَرِثَ، لا من قولك: أورَثَ، ويصح فعلُ ما لم يُسمَّ فاعله منه لأنَّه فعلٌ متعدٍّ، تقول: ورثْتُ فلانًا، ولا تقول: ورثْتُ من فلان؛ قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦].
قوله تعالى: ﴿كَلَالَةً﴾: أي: يُنال إرثُه على كونه ميتًا لا ولدَ له ولا والد.
والكلالةُ (^٢): مصدرُ الكَلِّ، قال صاحب "ديوان الأدب": والكَلُّ: هو الَّذي لا ولدَ له ولا والد (^٣)، بل له إخوة وأخوات، من قولِكَ: تكلَّله (^٤) الشَّيء؛ أي: أحاطَ به.
_________________
(١) "قوله تعالى" من (ف).
(٢) في (ف): "والكلال" وهما بمعنى.
(٣) انظر: "معجم ديوان الأدب" لإسحاق الفارابي (٣/ ١٠).
(٤) في (أ): "تكلل".
[ ٤ / ٤٦١ ]
قوله تعالى: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾: عطف على قوله: ﴿رَجُلٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: ولم يقل: (لهما)؛ لأنَّه (^١) أدخلَ بينهما: (أو) فثبَّت أحدهما، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وكان يجوز التَّثنية كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].
وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾؛ أي: لأمٍّ، على هذا إجماع الصَّحابة والعلماء.
وفي مصحف سعد بن أبي وقَّاص: (وله أخٌ أو أختٌ من أمٍّ) (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾: أي: لا يُفضَّل الذَّكر على الأنثى.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾: أي: الاثنان والأكثر ذكورًا كانوا (^٣) أو إناثًا أو مختلِطين يستوون في الثُّلث، لا يفضَّل الذَّكر منهم على الأنثى؛ لأنَّ الشِّركة تقتضي التَّسوية (^٤).
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: قد مرَّ تفسيرُه.
قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: نصبٌ على الحال؛ أي: لا يكون هذا الموصي بما أوصَى قاصدًا الإضرار بالورثة بما فعَل.
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ موقوفًا عليه ومرفوعًا: "الضِّرار في الوصيَّة (^٥)
_________________
(١) في (ف): "لما".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٨٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٨٧).
(٣) "كانوا" ليس في (أ).
(٤) في هامش (ر): "لأنهم يستحقون بقرابة الأم والأم ترث أكثر من الثلث بالفرضية" وبجانبها علامة لعلها للتصحيح.
(٥) في (أ): "بالوصية".
[ ٤ / ٤٦٢ ]
من الكبائر"، وهو أن يوصي بأكثرَ من الثُّلث، أو يقرَّ لأحدٍ بدينٍ كاذبًا، أو يبيعَ أو يشتري بغُبْن (^١).
قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: كما قال في الآية الأولى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ولنصبه وجوهٌ كثيرةٌ، أوجَهُها: أنَّه مصدر لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيةَ الأولى.
وقيل: هو على التَّفسير.
وقيل: هو على القطع.
وقيل: هو على الإغراء.
وقيل: هو مفعول لقوله ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.
وقال الفرَّاء: لكلِّ واحدٍ منهما السُّدس وهم شركاء في الثُّلث وصيةً من اللَّه، كما يُقال: هذا الدِّرهم لك معونةً على كذا، أو هبةً منِّي لك (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمطيع من العباد والعاصي، ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل عاصيهم بالعقوبة، بل يُمهل؛ إذ لا يعجزُه شيءٌ ولا يفوتُه أمرٌ.
_________________
(١) رواه مرفوعًا الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٨٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٩٣٩)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٨٩٤٧)، والدارقطني في "سننه" (٤٢٩٣). ورواه موقوفًا عبد الرزاق في "المصنف" (١٦٤٥٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٩٣٦)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٠٦٢)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٨٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٤٥٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٨٨). وقال الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٥٩): (رواه النسائي ورجاله ثقات). وروى المرفوع البيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٧١)، ثم أتبعه الموقوف وقال: هذا هو الصحيح موقوف. . ورفعه ضعيف.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٥٨).
[ ٤ / ٤٦٣ ]
(١٣) - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: معالمُ دِينه بيَّن فيها حلالَه (^١) وحرامَه، وطاعتَه ومعصيته.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: شرطٌ وجزاءٌ في وعد المطيعين.
* * *
(١٤) - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: شرطٌ وجزاءٌ في وعيد الكافرين.
ولا حجَّة فيه للخوارج والمعتزلة في تخليد صاحب الكبيرة في النَّار؛ فإنَّ الآية في حقِّ الكفَّار؛ لأنَّ الكافر هو الَّذي يتعدَّى الحدود كلَّها، ويكون عاصيًا في كلِّ شيء، فأمَّا المؤمن العاصي فهو مطيع بالإيمان، غيرُ متعدٍّ حدَّ التَّوحيد.
وقال الضَّحَّاك: المعصية هاهنا هي الشِّرك (^٢).
وقال الكلبيُّ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: يَكفرْ بقسمة المواريث، ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ استحلالًا (^٣).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "معالم بيَّن حلاله".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٦/ ٣٧٥).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٦/ ٣٧٦). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٩١) عن ابن عباس ﵄. وابن أبي حاتم في =
[ ٤ / ٤٦٤ ]
وروى صفوانُ بن سليمٍ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قطعَ ميراثًا فرضَه اللَّهُ تعالى قطعَ اللَّهُ ميراثَه مِن الجنَّةِ" (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يدلُّ على هوانه على اللَّه، وسقوطِ قَدْره عنده، وهو نقيض حال أهل الجنَّة فإنَّهم في جنَّات مُكرَمون.
وقال في حقِّ الكافر: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ وأضافَ الإهانة إلى العذاب لأنَّ الهوان يقع به، والمُهين في الحقيقة هو اللَّه تعالى؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨].
* * *
(١٥) - ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: (اللَّاتي): جمع الَّتي، وكذا اللَّواتي واللَّائي (^٢).
_________________
(١) = "تفسيره" (٣/ ٨٩٢) عن سعيد بن جبير ومجاهد.
(٢) هذا مرسل، وروي فيه أحاديث مرفوعة ومرسلة، فمن المرفوع: ما رواه ابن ماجه (٢٧٠٣) عن أنس بن مالك ﵁. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٣/ ١٤١): هذا إسناد ضعيف لضعف زيد العمي وابنه عبد الرحيم. ومنه: ما رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧٥٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁. وفيه أبو أيوب مولى عثمان بن عفان، قال عنه الذهبي في "الميزان": لا يعرف. أما المرسل؛ فرواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٨٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣١٠٤١) عن سليمان بن موسى عن النبي -ﷺ-. ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٨٦) عن عمران بن سليمان عن النبي -ﷺ-. وكلاهما مرسل.
(٣) في (أ): "واللاء".
[ ٤ / ٤٦٥ ]
والفاحشة: الفعلةُ القبيحةُ، وهي الزِّنا هاهنا.
واتصالها بما قبلَها: أنَّه أمر بالإحسان إليهنَّ في أوَّل آيات السُّورة، وأمر هاهنا بالتَّغليظ عليهنَّ إذا زنَين، وهو إحسانٌ إليهنَّ في الحقيقة، ونظرٌ لهنَّ في الآخرة، وإصلاحٌ لهنَّ (^١)، وبيانٌ أنَّه ليس من الإحسان تعطيل الحدود الواجبة عليهنَّ، بل فيه إفسادُهنَّ.
وفيه أيضًا تعريف أنَّ اللَّه تعالى كما يستوفي لعباده، كذلك (^٢) يستوفي عليهم؛ إذ ليسَ في حُكمه محاباةٌ.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾: أي: اسألوا أيُّها الأئمة الَّذين إليكم إقامةُ الحدود شهادةَ أربعة من الشُّهود على زناهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾: أي: شهد (^٣) الأربعة على ذلك ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾؛ أي: احبسوهنَّ، وكان هذا حدَّ الزِّنا في الابتداء.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾: أي: إلى أنْ يستوفيَ مدَّةَ حياتهنَّ الموتُ.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: أي: مَخْلَصًا عن الحبسِ بشيءٍ آخر، وقد جعل ذلك، وهو فيما (^٤) روى عبادةُ بنُ الصَّامت ﵁ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "خذوا عنِّي، قد جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلًا: البكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبُ جلدُ مئةٍ ورجمٌ بالحجارة" (^٥).
_________________
(١) في (ر): "إليهن" في الموضعين.
(٢) في (ر) و(ف): "كذا".
(٣) في (أ): "أي شهداء" وفي (ر): "الشهداء".
(٤) في (أ): "وآخر ما"، بدل: "وهو فيما".
(٥) رواه مسلم (١٦٩٠).
[ ٤ / ٤٦٦ ]
فأمَّا الجمع بين الجلد والرَّجم فقد قال به بعضُ النَّاس بهذا الحديث، وعند عامَّة العلماء يرجَم المحصَن ولا يجلَد؛ لحديثِ ماعزٍ فإنَّ النبيَّ -ﷺ- رجمَه من غير جلدٍ، ولحديث العَسيفِ؛ فإنَّ النبيَّ -ﷺ- قال لأُنيس: "اغدُ على (^١) امرأةِ هذا، فإنِ (^٢) اعترفَتْ بالزِّنى فارجمْها" (^٣)، ولم يقلْ: فاجلدها ثم ارجمها.
فانتسخَ هذا الحديثُ بذلك في حقِّ الجلدِ، أو هو محمولٌ على حالَتَيْن (^٤)، وهو أنَّ الثَّيِّبَ الَّذي لم يجتمعْ فيه شرائطُ الإحصان يُجلَد، وإذا (^٥) كان محصَنًا يُرجم.
فأمَّا الجمعُ بين الجلد والنَّفي في غير المحصَن فقد قال (^٦) به الشَّافعي لهذا الخبر.
ونحن قلنا: لا يُنفى؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، جعل الجلدات كلَّ الحدِّ، وفي ضمِّ النَّفي إليها جعلُ الجلداتِ بعضَ الحدِّ، وهو نسخٌ، وهذا الحديث انتسخَ بهذه الآيةِ، وعندَ مَن لا يرى نسخَ القرآنِ بالسُّنَّة: آيةُ الحبسِ نُسخَتْ بآية الجلدِ، لا بهذا الحديث.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه لا تنافيَ بينَ الجلد والحبس، فكيف يُنسَخ هذا بذاك، بل انتسخَتْ هذه الآيةُ بهذا الخبر، وهو جائزٌ؛ لأنَّ النبيَّ -ﷺ- ما يقولُ فهو وحيٌ من اللَّه تعالى، فهو نسخٌ لِمَا ثبتَ بالوحي (^٧).
_________________
(١) في (ف): "إلى".
(٢) في (أ): "فإذا".
(٣) رواه البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم (١٦٩٧) من حديث زيد بن خالد وأبي هريرة ﵄.
(٤) في (أ): "الحالتين".
(٥) في (ف): "وإن".
(٦) في (أ): "فقال" بدل: "فقد قال".
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٦٧).
[ ٤ / ٤٦٧ ]
(١٦) - ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قال الحسن وعطاء: هما الرَّجل والمرأة يجتمعان على الزِّنا (^١)، وأصل الكلمة في الذَّكرين (^٢)، لكن إذا اجتمع الذَّكرُ والأنثى وُصِفا بما يُوْصَفُ به الذَّكران؛ تغليبًا للذَّكر على الأنثى.
يقول: والرَّجل والمرأة اللَّذان يأتيان الفاحشة -وهي الزِّنا- فآذوهما، وهذا حدُّهما، وهو الإيذاءُ باللِّسان في قول قتادة وجماعةٍ (^٣)، يقال لهما: بئس ما فعلتُما، أمَا استحيَيْتُما؟! أما خفتُما اللَّهَ ورسولَه (^٤)؟! تعرَّضْتُما لعقوبةِ اللَّهِ ومقتِه، واستوجَبْتُما التَّفسيقَ وبطلانَ الشَّهادة، وفضَحْتُما أنفسكما وعشيرتَكما، ونحو ذلك.
وعن ابن (^٥) أبي طلحة قال: إيذاؤهما التَّعييرُ باللِّسان والضَّرب بالنِّعال ونحو ذلك (^٦).
وكذا قال ابن عبَّاس ﵄: هو الأذى باللِّسان واليد (^٧).
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٠٠) ورواه أيضًا عن عكرمة وعبد اللَّه بن كثير.
(٢) في (ر): "الرجلين".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٠٢) عن قتادة والسدي ومجاهد.
(٤) "ورسوله" ليس في (أ).
(٥) "ابن" من (أ). وهو علي بن أبي طلحة الذي روى عن ابن عباس ﵁ قسمًا كبيرًا من التفسير.
(٦) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٢٣٩)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٩٥)، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٣١٠)، جميعهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄.
(٧) انظر التعليق السابق.
[ ٤ / ٤٦٨ ]
وقال السُّديُّ وابن زيد: آية الأذى في غير المحصَنين، وآية الحبس في المحصَنين (^١)؛ لأنَّه قال: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ على الإضافة، وظاهرُ آيةِ الحبس وإن كان في المرأة وحدها فقد ثبتَ في الرَّجل استدلالًا بها.
وقيل: بل الحبس كان في المرأة خاصَّة (^٢)، والأذى في الرَّجل والمرأة جميعًا.
وقال قتادة: يؤذيان جميعًا وتُحبس المرأة (^٣).
والمعنى: أنَّ الرَّجلَ يحتاجُ إلى البروز للاكتساب، وفي حبسِه تضييعٌ له ولعيالِه، والمرأةُ لا تحتاج إلى ذلك، وحقُّها لزومُ منزلِها؛ قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ولعلها وقعَتْ في الزِّنا لبروزها، واشتركا في الإيذاء (^٤)؛ لأنَّ كلَّ عاصٍ مذمومٌ ملومٌ.
وقال الحسنُ: أوَّلُ ما نزلَ مِن حدِّ الزِّنا الأذى، ثم الحبس، ثم الجلد، فكان ترتيبُ النُّزول على خلاف ترتيب التِّلاوة (^٥).
وقال الضحَّاكُ: كان الرَّجل إذا زنى بامرأة (^٦) وكانا بكرين حُبسَ كلُّ واحد منهما في بيت، ثم لا يمرُّ بهما مارٌّ إلَّا آذاهما بالتَّعيير: يا فلان، أما استحيَيت حتى زنيْتَ؟!
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٩٩)، ورواه أيضًا (٢٣/ ٣٣) عن ابن زيد.
(٢) "خاصة" ليس في (أ).
(٣) رواه المروزي في "السنة" (٣٣٧).
(٤) في (أ): "في الآية".
(٥) ذكره عن الحسن الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٤٦٤)، والرازي في "تفسيره" (٩/ ٥٣١). لكن الرازي استبعده فقال: وهذا القولُ عندي في غايةِ البُعْدِ، لأنه يُوجبُ فسادَ التَّرتِيبِ في هذه الآياتِ.
(٦) في (ر): "بالمرأة".
[ ٤ / ٤٦٩ ]
وهذا دليلٌ على أنَّ قولَه في هذا أنَّ الأذى مع الحبس كانا مشروعَيْن في وقتٍ واحدٍ في حقِّ الرَّجل والمرأة جميعًا.
وقال مجاهدٌ: آية الأذى في الرَّجلين (^١)؛ أي: في الذَّكر يفعلُ ذلك بالذَّكر، وهو اللِّواطة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا يكون حجَّةً لأبي حنيفة ﵀ أنَّه يُعزَّرُ ولا يُحدُّ بالجلد ولا (^٢) بالرَّجم، وعلى هذا الوجه حكمُ هذه الآية لم يُنسخ، وعلى قول الآخرين قد نُسخ ذلك (^٣).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: أي: فإنْ ظهرَ ندمُهما وأصلحا العملَ بعد ذلك بارتكاب الطَّريقة المحمودة في الصَّلاح والعفَّة -وذلك لا يكون إلَّا بعد مُضيِّ مدَّة بعد إظهار التَّوبة- فأمسكوا عن إيذائهما وأحسِنوا لهما القَول، فيزولُ الإيذاء والتَّفسيق، ولا يزولُ الحبس؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾، وذلك تأبيدٌ، ويكون ذلك الحبس (^٤) قبل التَّوبة تنكيلًا، وبعد التَّوبة تكفيرًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: يقبلُ توبةَ التَّائب إذا أصلحَ بعد توبتِه، ويرحمُه فلا يردُّ عليه توبته ولا يعذِّبه.
والحاصلُ: أنَّ الرَّجلَ إذا زنى بامرأةٍ وهما محصنان فحدُّهما الرَّجم لا غير، وإذا كانا غيرَ محصنَين فحدُّهما الجلد لا غير، وإذا كان أحدهما محصَنًا
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٩٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٤٧٢).
(٢) في (ف) و(أ): "أو".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٧٦).
(٤) في (ف): "ويكون إن حبس".
[ ٤ / ٤٧٠ ]
والآخر غير محصن فعلى المحصَن منهما الرَّجم وعلى الآخر الجلد.
والمحصَنُ: هو أن يكون عاقلًا بالغًا حرًّا مسلمًا دخل بامرأةٍ بالغةٍ عاقلةٍ حرَّةٍ مسلمةٍ بنكاحٍ صحيحٍ.
والإسلامُ شرطٌ من شرائط الإحصان عندنا خلافًا للشَّافعي ﵀.
وإسلام المرأة شرطٌ لإحصان الدَّاخل بها عند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما اللَّه، خلافًا لأبي يوسف ﵀.
وما رواه الشَّافعيُّ عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ النبيَّ -ﷺ- رجمَ يهوديين وكانا قد أُحصنا (^١)، فإنَّا نقول: إنَّما رجَمهما بحكم التَّوراة حين لم ينزلْ حكمٌ في ذلك عليه، فقد رُوي أنَّه مرَّ بيهوديٍّ ويهوديَّة مُحمَّمَي الوجه، فقال: "ما شأنُهما؟ "، فقيل: إنَّهما زنيا، فقال -ﷺ-: "حدُّ الزِّنى في كتابكم هذا؟ "، فقيل: نعم. فقال عبد اللَّه بن سلام: كذبوا يا رسول اللَّه، بل حدُّ الزِّنى في كتابهم (^٢) الرَّجم. فقال -ﷺ-: "مَن أَعْلمُكم؟ "، قالوا (^٣): فتًى بخيبر يقُال له: ابن صوريا الأعور، فدعا به، فأُتي به، وأمرَ (^٤) رسولُ اللَّه -ﷺ- بأنْ يُؤتى بالتَّوراة، وأمره بالقراءة، فلمَّا بلغ آية الرَّجم وضع يدَه عليها، فرفع عبد اللَّه بن سلام يدَه فظهرَتْ آيةُ الرَّجم، فقال ﵊: "لمِ تَركتمُ (^٥) العملَ بكتاب اللَّه؟ "،
_________________
(١) رواه الشافعي في "مسنده" (١٥٧٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٤٤٣١)، ولفظ الشافعي: (رجم يهوديين زنيا) دون ذكر الإحصان، وكذا الرواية في البخاري (١٣٢٩) وأطرافه، ومسلم (١٦٩٩)، وفيهما قصة ستأتي.
(٢) في (أ): "كتابكم".
(٣) في (ف): "فقالوا".
(٤) في (ف): "فأمر".
(٥) في (ر): "تكتم".
[ ٤ / ٤٧١ ]
فقال ابن صوريا: فشا الزِّنى فينا، فكان الوضيع منَّا إذا زنى رجمناه، والشريف إذا زنى تركناه، فأجمعنا على شيء يستوي فيه الوضيع والشَّريف وهو التَّحميم. فقال ﵊: "أنا أحقُّ بإحياء سُنَّةٍ قد أماتوها"، فأمر برجمهما (^١).
فكان هذا حكمًا بالتَّوراة، ولم يكن الإحصان يومئذ شرطًا، ثم صار الرَّجم المشروع في التَّوراة منسوخًا بآية الإيذاء من القرآن، ثم صار الإيذاء منسوخًا بآية الحبس، ثم صار الحبس منسوخًا بحديث عبادة بن الصَّامت عن النبيِّ -ﷺ-: "البكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جلدُ مئةٍ ورجمٌ بالحجارة" (^٢)، ثم صار (^٣) هذا كلُّه منسوخًا بآية الجلد في الزَّاني والزَّانية جميعًا، وصار الحدُّ هو الجلد في كلِّ زانٍ وزانيةٍ، ثم صار هذا منسوخًا بالرَّجم في حقِّ المحصَن بحديث ماعزٍ ﵁، وبقي غيرُ المحصَن في حكم الجلد بهذه الآية (^٤)، هذا هو التَّرتيب في الآيات والأحاديث، وعليه استقرَّ الحكم عندنا، واللَّه أعلم.
* * *
(١٧) - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾:
_________________
(١) رواه بنحوه مسلم (١٧٠٠) من حديث البراء بن عازب ﵁. والبخاري (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩)، وابن حبان (٤٤٣٥)، من حديث ابن عمر ﵄. ولم يرد في الصحيحين تسمية ابن صوريا.
(٢) رواه مسلم (١٦٩٠).
(٣) في (ف): "و"، بدل: "ثم صار".
(٤) "بهذه الآية" ليس في (ف).
[ ٤ / ٤٧٢ ]
لَمَّا ذكر في الآية الأولى توبةَ الزَّانينَ وأنَّه توَّاب رحيم، أبان في هذه الآية وقتَ التَّوبة.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ ليسَ على الوجوب؛ فإنَّه لا يجبُ للعبد على ربِّه شيءٌ، لكنَّه تأكيدٌ للوعد، على معنى: أنَّه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يهمل.
وقد ذكر اللَّه تعالى لفظة (على) (^١) في ستَّة أشياء:
١ - في الرِّزق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
٢ - والنَّجاة: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣].
٣ - والنَّصر (^٢): ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
٤ - والهدى (^٣): ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢].
٥ - والرَّحمة: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
٦ - والحساب: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (^٤) [الغاشية: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ ليست هذه (^٥) جهالةَ عدم العلم بأنَّه ذنب؛ لأنَّ ذلك عذر، لكنَّها (^٦) التَّغافلُ والتَّجاهلُ وتركُ التَفكُّر في العاقبة، كفعل مَن يجهله ولا يعلمه.
وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
_________________
(١) في (ف) و(أ): "ذلك"، بدل: "لفظة على".
(٢) في (ف): "والنصرة".
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "قال تعالى"، وكذا في الموضعين التاليين.
(٤) "ثم" من (ف).
(٥) في (أ): "هي".
(٦) في (أ): "لكن".
[ ٤ / ٤٧٣ ]
[هود: ٤٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وقولُه تعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩]، وقولُه تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: العمل بالجهالة يخرَّج على وجوه:
١ - يكون عن غلبةِ شهوةٍ (^١) عليه، فيعمل ذلك العملَ على طمعٍ منه أنَّه سيتوب من بعدُ، ويصير رجلًا صالحًا، على ما فعل إخوةُ يوسفَ بيوسفَ (^٢)، حيث قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]، ثم سمَّاهم بذلك جاهلين في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩].
٢ - ويحتمِل أن يعمل على طمع المغفرةِ، ويتَّكل على رحمة اللَّه تعالى وكرمه (^٣).
٣ - ويحتمِل الجهالةَ بعقوبة عملِه وقَدْرِ ذلك (^٤).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]؛ أي: لا يؤخِّرونها حتى (^٥) يفوت وقتُها، وهو حضور الموت.
وقال ابن عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾: ما لم يغرغِرْ بالموت، وينكسِرْ (^٦) منه العقل واللِّسان (^٧).
_________________
(١) في (ر): "شهوته".
(٢) "بيوسف" ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (أ): "ومغفرته".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٧٩).
(٥) بعدها في (ر): "لا".
(٦) في (ر): "ويتكسر".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥١٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٩٨).
[ ٤ / ٤٧٤ ]
وعن عبادة بن الصَّامت قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "مَن تابَ قبلَ موتِه بسنةٍ تابَ اللَّهُ عليه"، ثم قال: "إنَّ السنةَ لكثيرٌ (^١) "، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ موتِه بشهرٍ تابَ اللَّهُ عليه"، ثم قال: "إنَّ الشَّهرَ لكثيرٌ"، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ موتِه بجُمُعةٍ تابَ اللَّهُ عليه"، ثم قال: "إنَّ الجمعةَ لكثيرٌ"، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ موتِه بيومٍ تابَ اللَّهُ عليه"، ثم قال: "إنَّ اليومَ لكثيرٌ"، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ موتِه بساعةٍ تابَ اللَّه عليه"، ثم قال: "إنَّ السَّاعة لكثيرٌ"، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ أنْ يُغرغِرَ بها تابَ اللَّهُ عليه" (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ على لسان أهل العلمِ قبل الموت، وعلى لسان أهل المعاملة قبل أن تتعوَّد النَّفس على ذلك فيصيرَ له كالطَّبيعة؛ قال قائلهم:
قلْتُ للنَّفسِ إنْ أردْتِ رجوعًا فارجعي قبلَ أنْ يُسَدَّ الطَّريق (^٣)
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: يقبل توبتهم.
_________________
(١) في (أ): "لكثيرة".
(٢) رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣١٧)، وفيه محمد بن مروان السدي الصغير، وهو متهم بالكذب كما في "التقريب". وله شاهد من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ رواه الطيالسي في "مسنده" (٢٢٨٤)، والإمام أحمد في "المسند" (٦٩٢٠)، وإسناده ضعيف لإبهام أحد رواته وجهالة آخر. ورواه من طريق آخر الحاكم في "المستدرك" (٧٦٦٤)، وسكت عنه هو والذهبي، وإسناده ضعيف لضعف هشام بن سعد، وعبد الرحمن بن البيلماني. ولآخر قطعة منه شاهد رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٠٦٨) من حديث رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، وآخر رواه الترمذي (٣٥٣٧) وحسنه من حديث ابن عمر ﵄، وثالث رواه ابن ماجه (٤٢٥٣) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٢١).
[ ٤ / ٤٧٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بضمائر عباده وعزمِهم على التَّوبة، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يفعل بعباده، قابلًا توبةَ مَن هو أهلٌ لقبولها.
* * *
(١٨) - ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾: أي: ولا توبةَ للَّذين يُذنبون منهمِكين مصرِّين، وللتَّوبةِ مسوِّفين، إلى أن يزول حال التَّكليف بحضور أسباب الموت ومعاينةِ ملك الموت، وما يُضطرون فيه إلى العلم بالحقائق (^١)، فإنَّ هؤلاء لا تُقبل توبتُهم؛ لأنَّه حالةُ اضطرار لا حالةُ اختيار، وقَبولُ التَّوبة ثوابٌ، ولا وعدَ به إلَّا لمختارٍ؛ قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤].
قوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: أي: لا يُقبلُ إيمانُ هؤلاءِ إذا صاروا إلى حالةِ الاضطرار، كما لا يُقبلُ إيمانُه بعدَ البعث أو في القبر.
وقيل: إنَّما لا تُقبل توبةُ هؤلاء لأنَّها كانت باللِّسان لا غير، وهو كقوله تعالى (^٢): ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
وقال الربيع بن أنس: ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾: هو المنافق (^٣).
_________________
(١) "وما يضطرون فيه إلى العلم بالحقائق" من (أ).
(٢) "كقوله تعالى" من (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥١٨) عن الربيع بن أنس.
[ ٤ / ٤٧٦ ]
وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية الأولى في المؤمنين، والوسطى في المنافقين: ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، والأخرى في الكافرين: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (^١).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: الفريق الثَّاني والثَّالث هيَّأنا لهم في الآخرة عذابًا وجيعًا.
* * *
(١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: أي: إكراهًا، ونصبه على الحال، وتقديره: مكرِهين (^٢).
وعاد الكلامُ إلى الوصيَّة في أمر النِّساء والنَّهيِ عن ظلمهنَّ، والمعنى: يا معشرَ المؤمنين لا يحلُّ لكم أن ترثوا النِّساء كما ترثون الأموال.
وكان أهل الجاهليَّة إذا مات الرَّجل منهم ألقى ابنه أو أخوه أو وارثٌ له آخرُ (^٣) ثوبَه على امرأته، فلا يمكنها أن تتزوَّج غيرَه، ويكون أمرُ نكاحها إليه،
_________________
(١) = ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٤٨٨، ١٤٩٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٠٠) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، بنحو لفظ الأثر الآتي عن سعيد بن جبير.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٦/ ٣٩١).
(٣) وعلى هذا هو حال من الواو في ﴿تَرِثُوا﴾، وجعله أبو حيان في موضع الحال من النساء، قال: فيقدر باسم فاعل؛ أي: كارهات، أو باسم مفعول؛ أي: مكرَهات. انظر: "البحر" (٦/ ٥٢٥).
(٤) "آخر" من (أ) و(ف).
[ ٤ / ٤٧٧ ]
إن شاء صيَّرها لنفسِه، وإن شاء زوَّجها لغيره (^١)، وهو أحقُّ بها من أوليائِها (^٢).
وقال السُّديُّ: كان إذا سبقَ الوارث فألقى عليها ثوبًا فهو أحقُّ بها ينكحها ويأخذ مهرها، وإن سبقت المرأة فذهبَتْ إلى أهلها فهم أحقُّ بها (^٣).
وقال الكلبيُّ: كانوا في الجاهليَّة وفي أوَّل الإسلام إذا ماتَ أحدُهم (^٤) وترك امرأتَه، وله ولد لم يكن منها، أو وارثٌ آخرُ، ألقى ثوبَه عليها وورث نكاحها بصَداق الميت وإنْ كرهت المرأة، فإنْ ذهبَت المرأةُ إلى أهلِها قبل أن يلقيَ عليها ثوبًا فهي أحقُّ بنفسِها، حتَّى توفي أبو قيس بنُ الأسلت، وتركَ امرأته كُبَيشةَ بنت معنٍ، فقام ابن له مِن غيرها يقال له: حصنٌ، وطرح ثوبَه عليها، فورث نكاحها، ثم تركها فلم يَقْرَبها ولم يُنفقْ عليها يضارُّها (^٥) بذلك لتفتديَ منه بمالها، وكذلك كانوا يفعلون، فأتت كُبيشةُ رسولَ اللَّه -ﷺ- فأخبرته بذلك (^٦)، فقال لها رسولُ اللَّه -ﷺ-: "اقعدي (^٧) في بيتك حتى يأتيَ فيك أمرٌ"، وسمع النِّساء بالمدينة، فقلْنَ: ما نحن إلَّا مثل كبيشةَ (^٨)، فأتيْنَ رسولَ اللَّه -ﷺ- فأخبرنه، فأنزل اللَّه تعالى قوله:
_________________
(١) في (ف) و(أ): "غيره".
(٢) رواه بنحوه البخاري (٤٥٧٩)، وأبو داود (٢٠٨٩)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٢١ و٥٢٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٠٢). وفي آخره عندهم: فنزلت هذه الآية في ذلك.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٢٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٠٢).
(٤) في (ف): "أحد".
(٥) في (ر): "ليضارها".
(٦) في (أ): "الخبر".
(٧) في (أ): "اتعدي".
(٨) في (ر): "كبشة"، في المواضع كلها، ويقال لها: كبشة وكبيشة. انظر: "الإصابة" لابن حجر (٨/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
[ ٤ / ٤٧٨ ]
﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^١)؛ أي: جبرًا (^٢) لهنَّ، فما كان من امرأة أبٍ وابنٍ فلا (^٣) يحلُّ له نكاحُها، وما كان سوى ذلك فله أن ينكحها بطِيبِ (^٤) نفسِها بعد انقضاء العِدَّة بالمهرِ والشُّهود (^٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: هو (^٦) عند بعضهم على هذا التَّأويل معناه: ولا تضيِّقوا عليهنَّ بمنع التَّزويج والحبسِ عندكم لتأخذوا منهنَّ بعضَ ما آتاهنَّ الأزواج من الصَّداق. ولكنَّ هذا الوصل لا يصحُّ؛ لأنَّه لا يتَّصل باعتبارِ ما بعده. وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
وقيل: كان حدُّ زناها يومئذ (^٧) استردادَ ما أَخذت من المهر.
والصَّحيح أنَّه حكمٌ مبتدأ، و(هنَّ) راجعة إلى ﴿النِّسَاءَ﴾، وتقديرُه: ولا تعضلوا النِّساء؛ أي: منكوحاتكم إذا تزوَّجْتُموهنَّ ثم كرهتُموهنَّ، فلا تضيِّقوا عليهنَّ بسوء الخلق ومنعِ الحقِّ ليفتديْنَ بالمهر.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: قال السُّديُّ وأبو قِلَابة: هي الزِّنى؛
_________________
(١) ذكره بتمامه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٥) عن مقاتل بن حيان والمفسرين. ورواه مختصرًا النسائي في "الكبرى" (١١٠٢٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٠٢)، من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف ﵁. ورواه مختصرًا أيضًا الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٢٣)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٤٩٥)، عن عكرمة.
(٢) في (ف) و(أ): "جزاء".
(٣) في (ف): "لا".
(٤) في (أ): "بطيبة".
(٥) في (ر): "بالطهر والشهور".
(٦) "هو" من (أ).
(٧) "يومئذ" ليس في (أ).
[ ٤ / ٤٧٩ ]
أي: إذا لم تكتفِ بك وطاوعْتَ غيرَكَ فلكَ العضل إلى أن تفتدي منك بالمهر (^١).
وقال عكرمة ومقسم والضَّحَّاك: الفاحشةُ: المعاملة السَّيِّئة والنُّشوز (^٢)، فللزَّوج في هذه الحالة أن يأخذ منها الفدية، وما جاء ذلك إلَّا من جهتها.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ تقييده بالكره لا يدلُّ على أنه يجوز إذا كان طوعًا؛ لأوجُهٍ:
أحدها: أن تخصيص الشَّيء بالذِّكر لا يدلُّ على نفي ما عدَاه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] ليس فيه أنه يَحل عند عدم الخشية، وقولهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ليس فيه أنَّه لا يحلُّ إذا لم يؤتهنَّ أجورهنَّ، وقولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
والثَّاني: أنَّ الوراثة لا تكون إلَّا كرهًا؛ فإنَّها تَثبتُ شاء الوارث والمورِّث أو أبى.
والثالث: أنَّ الموروث يكون مشتركًا بين الورثة، والنِّكاح لا يحتمل الاشتراك.
والرَّابع: أن المرأة من الورثة أيضًا، فإذا ورثَتْ بعض نفسها لم يَسلم للوارث الآخر.
ثم مِلكُ الأبضاع (^٣) أدومُ من مِلك المنافع في الإجارات، فإذا انقطع ملك البضع بالموت فملك المنافع أولى (^٤).
_________________
(١) رواه عنهما وعن الحسن وعطاء الخراساني الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣).
(٢) رواه عنهم وعن ابن عباس وعطاء ابن أبي رباح الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
(٣) في (ر): "البعض"، وفي (ف): "البضع".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٨١ - ٨٢).
[ ٤ / ٤٨٠ ]
وقيل في ابتداء هذه الآية وجهٌ (^١) آخر؛ روى معمرٌ عن الزُّهريِّ (^٢)، وعليُّ بنُ أبي طلحة عن ابن عبَّاس ﵄: أنَّه كان من عاداتهم أن يعضلوا أيَاماهم (^٣) وهنَّ كارهاتٌ للعضل؛ حتَّى يمتْنَ فيرثوهنَّ أموالهنَّ، فنُهوا عن ذلك (^٤).
ووجهٌ آخر أقربُ إلى الوصل: ما رُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه في الرَّجل يبغضُ امرأته فيَضرُّ بها ولا يطلِّقها؛ لتفتديَ منه، أو تموتَ عنده فيرثَها (^٥)، فقال: لا يحلُّ لكم أن تمسكوهنَّ على هذا الوجه لترثوا أموالهنَّ، ولا أن تضارُّوهنَّ ليفتديْنَ بما أعطيتموهنَّ من المهور، إلَّا أن يَزنيْنَ أو ينشزْنَ، فلكم أخذ المهور منهنَّ إذا أُعطيْنَ.
قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: قيل: هو مقدَّمٌ في المعنى، وتقديرُه: ولا تعضلوهنَّ وعاشروهنَّ بالمعروف إلَّا أنْ يأتيْنَ بفاحشةٍ مبيِّنة (^٦).
ويجوز أن تكون مقدَّرة في موضعها، ويكونَ هذا في غير مَن زَنَتْ، أو ابتداءَ أمرٍ في حقِّ النِّساءِ في غير تلك الحادثة.
والمعاشرة بالمعروف: هي المعاملة على المجاملة خُلُقًا وقولًا ومالًا (^٧).
وقيل: هو الإمساكُ بالمعروفِ أو التَّسريح بالإحسان.
_________________
(١) في (أ): "بوجه" وفي (ف): "توجه".
(٢) رواه عبد الرزاق في "التفسير" (٥٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٢٦).
(٣) في النسخ: "أياماهن"، والصواب المثبت.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٢٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٠٢).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٢٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٠٣).
(٦) "مبينة" ليس في (أ).
(٧) في (ف): "وحالًا".
[ ٤ / ٤٨١ ]
وقيل: هو أن يعاملَها بما لو عاملته به رضيَ بذلك.
وقيل: هو أمرٌ بالمعاشرة بالمعروف في حال سوء خُلقها ونشوزها.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بتعليم الدِّين والتَّأدُّب (^١) بأخلاق المسلمين، وحسنِ الصُّحبة على كراهة النَّفس، وأنْ تحتمِل أذاهنَّ ولا تحمِّلهُنَّ كُلف خدمتك، وتتعامى عن مواضع خَجْلتهنَّ (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾:
قال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنْ كرهتُم صحبتهنَّ لقبحهنَّ أو لسوء خلقهنَّ فصبرتُم على ذلك فعسى أن يهبَ اللَّه لكم منهنَّ أولادًا تَقَرُّ بهم أعينكم، أو يعطيَ لكم في الآخرة ثوابًا جزيلًا بصبركم وحسنِ معاشرتكم، أو عسى أن تموتَ فيرث منها مالًا كثيرًا يقيم به مصالحه (^٣).
وقيل: فإن كرهتم فراقهنَّ فعسى أن يجعل اللَّه في الفراق خيرًا كثيرًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] (^٤).
* * *
(٢٠) - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: أي: في غير حال
_________________
(١) في (أ): "والتأديب"، وفي "اللطائف": (بتعاليم الدين والتأدب).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٢٢).
(٣) في (ر): "مصلحتك".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٨٤).
[ ٤ / ٤٨٢ ]
نشوزها أو زناها ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾؛ أي: وقد كنتم أعطيتم المرأة مالًا كثيرًا، وقد ذكرنا الأقاويلَ في مقداره في سورة آل عمران.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾: أي: من القنطار المقنطَر (^١)، لا قليلًا ولا كثيرًا.
قوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: الألف أصله للاستفهام، وهو على معنى الاستنكار والاستعظام؛ أي: أتفعلون هذا وهو قبيحٌ.
و﴿بُهْتَانًا﴾؛ أي: ببهتان، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: بإثم مبين.
والبُهتانُ: الكذبُ على الغير مواجهةً ومكابرةً (^٢) على وجهٍ يحيِّره، من قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ أي: تحيَّر.
ووجهُه: أنَّه إذا أخذ ولا (^٣) ذنب منها ولا إطلاق للشرع فيه؛ فإمَّا أن يكذب عليها بقوله: فعلَتْ هي كذا استحقَّت به هذا، أو يقول: أباح (^٤) الشَّرع هذا، فيكذب (^٥) عليها أو على الشَّرع، ويأثم (^٦) بهذا الأخذ، وبهذا القول.
وقال القشيريُّ ﵀: يعلِّمُهم حسنَ العهد ونعتَ الكرم في العِشرة، ويقول: لا تجمع بين الفُرقة منها واستردادِ المال عنها؛ فإنَّ ذلك تركُ الكرم، وإن
_________________
(١) في (ف): "المعطى".
(٢) في (أ) و(ف): "مكابرة".
(٣) في (ر): "بلا".
(٤) في (ر) و(ف): "أبى".
(٥) في (ر) و(ف): "فيكون".
(٦) في (ف): "فيأثم".
[ ٤ / ٤٨٣ ]
أعطيْتَ واحدةً مالًا كثيرًا تم جفوتها بالفراق، فما آتيتَها يسيرٌ في جنب ما آذيتَها بالافتراق (^١).
* * *
(٢١) - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: (كيف) كلمة تعجُّب (^٢)، يقول: عجبًا منكم من أيِّ وجهٍ ولأيِّ وجهٍ (^٣) تأخذون ذلك، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: أي: وصلَ الزَّوجُ إلى المرأةِ، والمرأةُ إلى الزَّوج.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هو كنايةٌ عن الجماعِ، واللَّه تعالى نزَّه كتابه عن ذكر ما يُستشنَع سماعًا، فسمَّاه سرًّا في آية، وإفضاءً في آية، ومسًّا في آية (^٤).
وقيل: الإفضاءُ هو الخلوة، من الفضاء، وهي المفازة الخالية. كذا فسَّره الكلبيُّ ﵀ (^٥).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "أذقتها من الاحتراق"، وفي "اللطائف": "أذقتها من الفراق". انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٢٣).
(٢) في (ر): "تعجيب".
(٣) في (ف): "معنى".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٤١)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٥١٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥٠٦٦).
(٥) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٣١٦) عن الفراء، وذكر عن الكلبي أن الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها.
[ ٤ / ٤٨٤ ]
وبيَّنَ اشتقاقَه أئمَّةُ أهل اللُّغة، وهو حجَّة أصحابنا ﵏ في أنَّ المهر يتأكَّد بالخلوة الصَّحيحة من غير وطءٍ.
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: هو قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أضاف ذلك إلى أخذهنَّ لأنَّ اللَّه تعالى أخذ هذا الميثاق على عباده لأجلهنَّ، فهو كأخذهنَّ.
وقيل: كان المعتاد في أنكحة السَّلف: اللَّهَ عليك لتُمْسِكَنَّ بمعروفٍ أو لتسرِّحَنَّ بإحسان.
والميثاقُ: العهدُ الوثيقُ، والغليظُ للمبالغة (^١).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "اتَّقوا اللَّهَ في النِّساءِ؛ فإنَّهنَّ عَوانٍ عندكُمْ، أخذتموهُنَّ بأمانةِ اللَّهِ، واستحللْتُمْ فروجَهُنَّ بكلمَةِ اللَّهِ" (^٢).
وعن عمر ﵁ قال على المنبر: لا تُغالوا بصَدُقات النِّساء، فقالت امرأةٌ: أنتَّبعُ قولَكَ أم قولَ اللَّه تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾؟ فقال عمرُ ﵁: كلُّ النَّاسِ أفقهُ من عمرَ حتَّى النِّساء (^٣)، تزوَّجوا على ما شئتم (^٤).
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "والغليظ المبالغة فيه".
(٢) رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ في حديث خطبة حجة الوداع.
(٣) "حتى النساء" ليس في (أ).
(٤) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٠٤٢٠)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٥٩٨)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٥١١).
[ ٤ / ٤٨٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: قيل: لمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قالوا: تركنا هذا، لا نرثهنَّ كرهًا، لكنَّ نخطبهُنَّ فننكحهُنَّ برضاهنَّ، فنزلَتْ هذه الآية، فنُهوا عن ذلك أيضًا، فقالوا (^١): كنَّا نفعلُ ذلكَ، فكيفَ حالُ ما كان منَّا؟ فبيَّنَ أنَّه رفعَ إثمَ ذلك عنهم لِمَا أنَّهم لم يعلموا ذلك، أو كان قبل ورودِ الشَّرع بالتَّحريم، وذلك قوله تعالى:
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: فإثمُ ذلك مرفوعٌ عنكم (^٢).
ثم بيَّنَ صفةَ هذا العقد في الحال، وذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: أي: فعلةً قبيحةً ﴿وَمَقْتًا﴾؛ أي: أشدَّ البغض عندَ اللَّهِ.
وقوله تعالى: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: هو نصب على التَّمييز؛ أي: بئس السَّبيلُ هذا؛ فإنَّه يؤدِّي بصاحبه إلى النَّار، والاستثناءُ منقطع، ومعناه: لكن ما قد سلف فقد عُفي عن ذلك.
وقال محمَّد بن جرير: لم يُرِدْ به منكوحةَ الأب؛ فإنَّه لم يقل: (مَن نكح)، بل قال: ﴿مَا نَكَحَ﴾، ويرجع إلى الفعل، وتقديرُه: ولا تنكحوا من النِّساء مثلَ ما كان ينكحُ آباؤكم من المناكح المحرَّمة في الدِّين، فإنْ فعلْتُم ذلك فهو مفسوخٌ عليكم، إلَّا ما قد سلفَ مِن نكاحِ مَن يجوزُ نكاحُ مثله في الإسلام ابتداءً، فإنَّه غيرُ مفسوخٍ عليكم (^٣).
وقيل: المرادُ بالنِّكاح هو الوطء، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]؛ أي: لا تطؤوا ما وطئ آباؤكم، وفيه تحريم وطء موطوءة الأب؛ بنكاحٍ
_________________
(١) في (ف): "قالوا".
(٢) في (أ): "منه".
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٥٥٢).
[ ٤ / ٤٨٦ ]
كان، أو بمِلك (^١) يمينٍ، أو زنًى، وهو مذهب أصحابنا ﵏، وعليه كثيرٌ من المفسِّرين منهم عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم.
وسببُ نزولِ هذه الآيةِ ما قال الأشعثُ (^٢) بنُ سوَّارٍ: توفِّي أبو قيسٍ، وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنُه قيسٌ امرأةَ أبيه، فقالَتْ: إنِّي أَعُدُّكَ ولدًا، وأنت من صالحي (^٣) قومك، ولكني آتي رسول اللَّه -ﷺ- فأستأمرُه. فأتتْهُ (^٤) فأخبرتْهُ، فقال لها رسول اللَّه -ﷺ-: "ارجعي إلى بيتِك"، فنزلَتْ هذه الآية (^٥).
وقال عطاءٌ: كان أبو عمرِو بنُ أميَّة بنِ عبد شمسٍ تزوَّج امرأة أبيه، فولدَتْ من أبي عمرٍو أبا مُعَيط (^٦)، وكان نكاحًا في العرب جائزًا، فنهى اللَّهُ تعالى عنه وحرَّمه، وقال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: تجاوزَ اللَّه عمَّا مضى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ في الإسلام ﴿وَمَقْتًا﴾ لمن فعله ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ مؤدِّيًا (^٧) إلى النَّار.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه: أنَّكم إذا انتهيتُم عن ذلك في المؤتنَف، يُغفر لكم ما قد سلف، وإنْ كانَ فاحشةً.
_________________
(١) في (أ): "ملك".
(٢) في (أ): "أشعث".
(٣) في (ف) و(أ): "صالح".
(٤) في (أ): "فأستأمر فأتت".
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٠٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٥٢٥)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٩٣)، من طريق أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار.
(٦) وولدت منه أيضًا مسافرًا، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما. انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٢٦). واسم أبي عمرو: ذكوان، واسم أبي معيط: أبان. انظر: "طبقات ابن خياط" (ص: ٤١).
(٧) في (أ): "مرديًا".
[ ٤ / ٤٨٧ ]
وقيل: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: قبل التَّحريم ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾؛ أي: صار فاحشةً في الإسلام (^١)؛ كقوله تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
* * *
(٢٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾: أمرَ في أوَّل السُّورة بنكاح ما طاب من النِّساء؛ أي: حلَّ، وذكر قبل هذه الآية بعضَ ما لا يطيب، وهو نساء الآباء، وذكر المحرَّمات الباقيات في هذه الآية، وبدأ بالأمهات، وهي جمع الأم، وهي الوالدة.
وقيل: أصلها: الأُمَّهة، ولذلك جمعت: أمَّهات، وقد تُجمع: أُمَّات.
وقيل: الأمَّهات يستعمل في الآدميَّات، والأُمَّات في البهائم.
والمراد بهذا بيانُ (^٢) تحريم محليَّة (^٣) النِّكاح في حقِّ مَن أُضفن إليهم، وهنَّ سبعٌ بالنسب:
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٨٧ - ٨٨).
(٢) "بيان" ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (أ): "تحلية".
[ ٤ / ٤٨٨ ]
الأمَّهات (^١)، واسم الأمِّ يقع على الأمِّ بالرِّشدة والزَّنيَّة، وعلى الجدَّة القُربى والبُعدى من قِبَل الأب والأمِّ.
قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾: جمع البنت، ويقع على بنت الإنسان (^٢)، وبنت الابن، وبنت البنت، وإنْ سفلَتْ.
والبنت المخلوقة من ماء الزِّنا تحرُم على الزَّاني عندنا بظاهر الآية، خلافًا للشَّافعيِّ.
قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾: جمع الأخت، ويقع الاسم على الأخت لأبٍ وأمٍّ، ولأبٍ، ولأمٍّ.
قوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾: جمع العمَّة، وهي أختُ الأب: لأبٍ وأمٍّ، ولأبٍ، ولأمٍّ، وعمَّات الأبِ والجدِّ والأمِّ والجدَّة من الوجوه الثَّلاثة، وكذلك:
قوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾: جمع الخالة، وهي أخت الأمِّ: لأبٍ وأمٍّ، ولأبٍ، ولأمٍّ، وخالات الأب والجدِّ والأمِّ والجدَّة من الوجوه (^٣) الثَّلاثة كذلك.
قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾: ونوافلُهما وإن بَعُدنَ داخلاتٌ في الحكم بالذُّكور يُدْلِينَ أو بالإناث، والأُخوَّة بأيِّ وجهٍ كانَت (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾: هذا تحريم الأمِّ من الرَّضاعة.
_________________
(١) في (ر): "وهن تبع بالسبب للأمهات"، وله وجه بأن يراد بالسبب العطف بالواو؛ أي: ما سيأتي معطوفًا على الأمهات يتبعهن في حكم التحريم. والمراد بالمثبت: أن المحرمات بالنسب سبعة، وما بعدهن حرمن بسبب آخر كالرضاعة وغيرها.
(٢) في (أ): "الأنساب".
(٣) في (ر): "هو للوجوه".
(٤) في (أ): "كان".
[ ٤ / ٤٨٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾: هذا تحريم الأختِ من الرَّضاعة؛ لأبٍ وأمٍّ كانت، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، عند عامَّة العلماء.
ويحرم أيضًا بالرَّضاع ما يحرم بالنَّسب (^١)، فتحرم البنتُ من الرَّضاع، وبنت الأخ من الرَّضاع، وبنت الأخت من الرَّضاع، والعمَّة من الرَّضاع، والخالة من الرَّضاع، عند عامَّة العلماء.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ: قال بشرٌ: لا تحرُم البنت من الرَّضاعة؛ لأنَّها لم تُذكر في الآية، ولا تكون بنته برضاعٍ، وهي مسألة لبن الفحل أنَّه لا يحرِّم عندَه.
قال: وذكر اللَّه التَّحريم في المحرَّمات بنسبٍ، وبيَّن بيانَ إحاطةٍ، وذكر المحرَّمات برضاعٍ، وبيَّن بيان كفايةٍ، لا بيانَ إحاطةٍ.
فإمَّا أنَّ تَرْكَ ذلك للاجتهاد والاستنباط من المذكور، وقد أجمعوا أن بنات الإخوة والأخوات من الرَّضاع محرَّمات وإن لم يذكرْنَ فيها، وكان ذكر الحرمة في الأخوات من الرَّضاع كالذِّكر في أولادهنَّ، فكذا يكون ذكر الحرمة في الأمَّهات من الرَّضاع ذِكرًا في بناتهنَّ، أو تُركَ بيان ذلك للسُّنَّة:
وقد قال -ﷺ-: "يحرمُ مِن الرَّضاعِ ما يحرمُ من النَّسبِ" (^٢).
وقال لعائشةَ ﵂ حين استأذنَ عليها أَفلح بن أبي قعيس بعد نزول آية الحجاب: "ليَلِجْ عليكِ فإنَّه عمُّكِ"، وكان عمَّها من الرَّضاع (^٣).
_________________
(١) في (أ): "من النسب".
(٢) رواه البخاري (٦١٥٦)، ومسلم (١٤٤٥) من حديث عائشة ﵂، ورواه البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) رواه البخاري (٥٢٣٩)، ومسلم (١٤٤٥)، من حديث عائشة ﵂.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّه سُئل عن رجلٍ له امرأتان، أو جاريةٌ وامرأةٌ، فأرضعَتْ هذه جاريةً وهذه غلامًا، هل يَصلحُ للغلام أن يتزوَّجَ الجاريةَ، فقال: لا، اللِّقاحُ واحدٌ (^١).
ثم إطلاق قوله تعالى: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يقتضي ثبوتَ الحرمة بقليلِ الإرضاعِ (^٢).
وهو حجَّة لنا على الشَّافعي ﵀؛ فإنَّه يَشترط خمسَ رضعات، ويحتجُّ بقول عائشة ﵂: كان فيما نزلَ: (عشرُ رضعاتٍ يحرِّمْنَ)، ثم نُسخَ ذلك بـ (خمس رضعات يحرِّمْنَ)، فتوفِّيَ النبيُّ -ﷺ- وهو فيما يُقرأ (^٣).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: لسنا نجدُ في القرآن آيةَ النَّاسخ ولا آية المنسوخ، ولا يجوز أن يُقالَ: ضاع من القرآن شيءٌ، فلا نتركُ ما نجدُه ثابتًا في القرآن، محفوظَ النَّقل، ولعلها غلطَتْ فيها (^٤).
والرَّضاعُ في الكبر لا يحرِّم عندنا؛ لقوله ﵇: "الرضاعُ ما أنبتَ اللَّحمَ، وأنشزَ العظمَ" (^٥).
وذلك (^٦) في الصَّغير، وذاك في سنتين عند أبي يوسف ومحمَّد رحمهما اللَّه، وسنتين ونصفٍ عند أبي حنيفة ﵁، وثلاثِ سنين عند زُفَرَ ﵀، ويُعرف ذلك في الفقهيَّات.
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٦٠٢)، والترمذي (١١٤٩).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٨٩ - ٩١).
(٣) رواه مسلم (١٤٥٢).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٩١)
(٥) رواه أبو داود (٢٠٥٩) و(٢٠٦٠) من حديث ابن مسعود ﵁. قوله: أنشز العظم؛ أي: رفعه وأعلاه وأكبر حجمه، ويروى بالراء؛ أي: شده وقواه.
(٦) في (ف): "وذاك".
[ ٤ / ٤٩١ ]
قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾: وجدَّة المرأة (^١) القُربى والبُعدى من قِبل أبيها وأمِّها كذلك بالنَّسب والرَّضاع؛ لشمول الاسم، والدُّخولُ بالمنكوحة ليس بشرطٍ للحرمة عند عامَّة العلماء.
وقال مالك وداود وبشرٌ: هو شرطٌ، وقالوا: إن اللَّه تعالى قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ذكر الدُّخول في الثَّانية، وهي معطوفة على الأولى، فكان شرطًا فيهما.
وقلنا: الأولى مطلَقة، وعن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال في هذه الآية: أبهِموا ما أبهمَ اللَّهُ (^٢)؛ أي: أطلقوا.
وقوله تعالى: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وصفٌ للأخيرة (^٣) وحدها؛ لأنَّ الثَّانية مخفوضة بـ (من)، والأولى مخفوضة بالإضافة، والمخفوضات بخافضين لا يُنعتان بنعتٍ واحد، لا يُقال: مررْتُ بزيدٍ، ونظرت إلى عَمرٍو العاقلَين، ولو كانا مخفوضَين بخافضٍ واحدٍ جاز (^٤) ذلك، يُقال: مررْتُ بزيدٍ وعَمرٍو العاقلَيْن.
قولُه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾: الرَّبائب: جمع الرَّبيبة،
_________________
(١) "المرأة" ليس في (أ).
(٢) ذكره بهذا اللفظ البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١٠/ ٩٧)، والسرخسي في "المبسوط" (٤/ ١٩٩)، وابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" (مادة: بهم)، وغيرها من المراجع. ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (٩٣٧) بلفظ: "هي مبهمة فأرسلوا ما أرسل اللَّه واتبعوا ما بيَّن اللَّه ﷿"، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٦٢٧٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٥٣٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٩١١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٣٠٩٨) مقتصرين على لفظ: "هي مبهمة".
(٣) في (ر): "الأخيرة".
(٤) في (أ): "صار".
[ ٤ / ٤٩٢ ]
وهي بنت الزَّوجة، والرَّبيب ابنُها، والرَّابُّ زوج الأمِّ؛ لأنَّه يَرُبُّ أولادَها.
ونوافلُ الزَّوجة داخلات في الحرمة لشمول الاسم.
والحجورُ: جمع الحِجْر، وهو كناية عن كونهنَّ في ولايتهم وحمايتهم.
ثم كونُ (^١) الرَّبيبة في حجر الرَّابِّ شرطٌ للحرمة (^٢) عند بعض النَّاس؛ لظاهر الآية، حتَّى لو كانت في حِجر غيره بأن تكون بالغةً تلي أمرَ (^٣) نفسِها لم تحرمْ عليه.
وقال عامَّة الصحابة والعلماء رضوان اللَّه عليهم: ليس بشرطٍ، وهذا خرجَ على الأغلب؛ لأنَّهنَّ كُنَّ لا يتزوَّجْنَ غالبًا إذا كان لهنَّ أولاد كبار، ويتزوجْنَ مع الأولاد الصِّغار، ويستعنَّ بالأزواج على تربية الأولاد (^٤)، فخرج الكلام مخرجَ الغالب لا على الاشتراط، كقوله (^٥) تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمباشرة في غير المساجد حالةَ الاعتكاف حرامٌ أيضًا لهذا.
قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾: وهذا الدُّخول شرطٌ بالإجماع.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: في نكاح الرَّبائب.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قال بعضُهم: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ كنايةٌ عن الجماع، لكنه عندنا: هو أخذه بيدها في إدخالها في موضع الخلوة والجماع، لا
_________________
(١) في (ر): "ثم تكون"، وفي (ف): "لأن كون".
(٢) في (ر) و(ف): "الحرمة".
(٣) في (أ): "بالغة على أمر".
(٤) في (ر): "الصغار".
(٥) في (أ) و(ف): "كما في قوله".
[ ٤ / ٤٩٣ ]
نفسُ الجماع، يُقال: فلان دخل بفلانٍ موضعَ كذا، لا يُراد به غيرَ الإدخال لذلك (^١).
قلنا: إذا أدخلها في موضع الخلوة (^٢) وخلا بها، وجبَ كمال المهر، وتثبُتُ (^٣) الحرمة.
وإنْ جعل هذا كنايةً عن الجماع فلأنَّ الجماعَ لا يكون إلَّا بالدُّخول بها مكانًا يسترهما، وإلَّا فحقيقة الدُّخول بها ليس بجماع، ولا بُدَّ مِن أخذه بيدها أو بشيء منها ليكون بذلك هو الدَّاخل بها، لا هي به.
قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾: أي: منكوحاتُ أولادكم، ويقع على النَّوافل وإن بعدوا من ذكور كانوا أو إناث، وتثبتُ الحرمة ها هنا بنفسِ العقد؛ لإطلاق النَّص.
والحلائلُ: جمع الحليلة، وهي الزَّوجةُ، والحليلُ: الزَّوجُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحلُّ للآخر، أو لأنَّ كلَّ واحد منهما يحلِّ في الموضع الذي (^٤) يحلُّ فيه الآخرُ، فالأوَّل من الحلِّ، والثَّاني من الحلول.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن عن الرَّضاع، بل عن حليلة ابن التَّبنِّي؛ لأنَّهم كانوا يجعلونه كولد الصُّلب في هذا، فأبطلَه الشَّرع.
قال الكلبيُّ وعطاءٌ: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- تبنَّى زيد بن حارثة ثم تزوَّج امرأته بعدما أبانها، فتكلَّم المنافقون والمشركون في ذلك، فنزلَتْ هذه الآية، ونزل قوله تعالى:
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٠٢).
(٢) "الخلوة" ليست في (أ)، وفي (ر): "الجماع".
(٣) في (أ): "وثبت"، وفي (ف): "وثبتت".
(٤) في (ر): "موضع".
[ ٤ / ٤٩٤ ]
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (^١).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾: أي: وحرِّم عليكم الجمعُ بين الأختين في النِّكاح.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: قال السُّديُّ وعطاءٌ: إلا ما كان من يعقوب جمع بين ليَّا وراحيل، وهما أختان، أو راحيل وتامان أمِّ يهوذا (^٢). وكان ذلك حلالًا، وحرَّمه اللَّه تعالى على هذه الأمَّة.
وروى هشامٌ عن محمَّد بن الحسن أنَّه قال: كان أهل الجاهليَّة يعرفون هذه المحرَّمات إلَّا ثنتين، نكاح امرأة الأبِ، ونكاح الأختين، فلذلك قال هناك: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقال ها هنا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: رُفع عنكم إثمُ ما قد سلف (^٣).
وقيل: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من نكاح إحدى الأختين، وماتت أو طلِّقت فتَحلُّ الأخرى بأن يتزوجها.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتمل: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قبلَ التَّحريم
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٦١)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٥٥٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩١٣)، عن عطاء. وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٤١) عن الكلبي في آية الأحزاب.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٨٤). وتعقبه الآلوسي في "روح المعاني" (٥/ ٤٣٧) بقوله: (ولا يساعده التذييل؛ لما أن ما فعله يعقوب ﵇ إن صح كان حلالًا في شريعته).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٣١٨).
[ ٤ / ٤٩٥ ]
في الجاهليَّة، ويحتمل: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وإن كان محرَّمًا في ذلك الوقت، فإنهم إذا انتهوا عن ذلك بعد الإسلام غُفرَ ذلك لهم (^١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كاَنَ غَفُورًا﴾؛ أي: لِمَا كان في الجاهليَّة ﴿رَحِيمًا﴾: لِمَنْ فعل ذلك (^٢) في الإسلام إذا تابَ.
* * *
(٢٤) - ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: أي: وحرِّم عليكم نكاحُ المنكوحات؛ أي (^٣): اللَّاتي لهنَّ أزواجٌ، إلَّا ما ملَكْتُموهنَّ ملكَ يمينٍ بسبيهنَّ وإخراجهنَّ بدون أزواجهنَّ بعد الاستبراء، وتقع الفُرقة بتباين الدَّارَيْن لا بالسَّبيِّ، ولا تجب العِدَّة، وتحلُّ للغانم بملك اليمين.
قال أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁: وقعَتْ في سهمي يومَ أوطاسٍ جاريةٌ، فبينا أنا أسوقُها إذ رفعَتْ رأسَها إلى الجبل فقالَتْ: ذاك زوجي، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، قال أبو سعيد (^٤): فاستحللْنا فروجهنَّ بها (^٥).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٠٥).
(٢) "ذلك" ليس في (أ).
(٣) "أي" من (ف).
(٤) في (أ): "قالت"، وفي (ف): "قال" بدل: "قال: أبو سعيد".
(٥) روى نحوه مسلم (١٤٥٦).
[ ٤ / ٤٩٦ ]
وكانت صفيَّةُ بنت حُييٍّ ذاتَ زوجٍ، فسُبيَتْ يومَ خيبر، واصطفاها رسولُ اللَّه -ﷺ- لنفسه، فأعتقَها وتزوَّجها، فدلَّ على وقوع البينونةِ، وعدم وجوب العدَّة.
والإحصانُ أصلُه: المنع، والحصنُ: مانغ يصدُّ العدو، والدِّرع الحصينة مانعةٌ من شرِّ القاصد، والحِصان بكسر الحاء: الفرسُ الفحلُ المانع من الوقوعِ في يد العدو، والحَصان بفتح الحاء: المرأة العفيفة المانعة فرجَها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، وأحصنَها الزَّوج فهي محصَنةٌ.
والإحصان في القرآن جاء لمعانٍ:
للنِّكاح: كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]؛ أي: تزوجْنَ، وكما في هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
وللحرية: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
وللعفَّة: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣].
وللإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، على قول بعض العلماء.
وقوله تعالى: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾: جمع يمينٍ، وهي اليد اليمنى، وأضاف المِلك إليها لأنَّها هي المتصرِّفة في عامة التَّصرُّفات (^١) غالبًا، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، ولأنَّ المملوك كالمقبوض باليد؛ للقدرة عليه.
_________________
(١) "في عامة التصرفات" ليس في (ف).
[ ٤ / ٤٩٧ ]
وعن جماعة من الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم: أنَّ قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يقعُ أيضًا على الشِّراء وغيره (^١)، فإنَّهم قالوا: إذا بيعت المنكوحة طلقَتْ وحلَّتْ لمشتريها.
وقالوا: بيع الأَمَة طلاقُها.
وعامَّة الصَّحابة والعلماء بعدهم على أن النِّكاح لا يبطل بالشِّراء، ويدلُّ عليه الحديث المشهور: أنَّ بريرة كان لها زوج، فاشترتها عائشةُ ﵂ فأعتقتها، فخيَّرها رسولُ اللَّه -ﷺ- (^٢)، فدلَّ أنَّ النِّكاح لا يبطلُ بالشِّراء.
وقال ابن سيرين في تفسير هذه الآية قولًا آخر، قال: أحلَّ اللَّه لك في أوَّل السُّورة أربعًا، وحرَّم نكاح كلِّ محصنةٍ -أي: عفيفةٍ- بعد الأربع إلَّا ما ملكَتْ يمينُك (^٣).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وقيل: معناه: والمحصناتُ من النِّساء حرام عليكم إلَّا ما ملكتموهنَّ بالنِّكاح.
قال: وهذا خلاف الظَّاهر؛ لأنَّ ملكَ اليمين غيرُ ملكِ النِّكاح، لأن اللَّه تعالى فصَل بينهما بقوله (^٤): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] (^٥).
_________________
(١) في (أ): "ونحوه".
(٢) رواه البخاري (٢٥٣٦)، ومسلم (١٥٠٤)، من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٥٤٨)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٦٩)، من طريق ابن سيرين عن عَبيدة السلماني.
(٤) في (ر): "قال تعالى يفصل بينهما".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١١٠).
[ ٤ / ٤٩٨ ]
قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال الكسائيُّ: حُرِّمَتْ عليكم أمهاتكم وكذا وكذا كتابًا من عند اللَّه عليكم؛ أي: فريضةً منه (^١)، وهو كقوله تعالى: ﴿فَريضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، و: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]، و: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، و: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وقد بيَّنَّا هناك وجوهَ نصبه.
وقيل: هو على الإغراء على التَّقديم والتَّأخير، وتقديره: عليكم كتابَ اللَّه، كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
وقيل: هو على إضمار: احفظوا، أو: اتَّبعوا، أو: الْزَموا (^٢)، ما كَتب اللَّه عليكم (^٣).
وقيل: هو نصب بحذف الباء، وتقديره: بكتاب اللَّه عليكم، وكتابُ اللَّه هو حكمُه.
وقيل: أي: ثبت هذا التَّحريم بكتابِ اللَّه الَّذي أنزلَه، أو قد قصَّ ذلك لكم في كتابه.
قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعلُهُ، عطفًا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، وقرأَ الباقون على الفعل الظَّاهر (^٤)، صرفًا إلى اسم اللَّه المذكور في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، قال ابن عبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما؛ أي: ما سوى
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١١١).
(٢) في (أ): "احفظوا وابتغوا والزموا" وفي (ر): "احفظوا أو الزموا واتبعوا".
(٣) في (أ) و(ف): "عليكم".
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٢٣١)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥).
[ ٤ / ٤٩٩ ]
هؤلاء المحرَّمات (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]؛ أي: بما سواهُ.
وقيل: أي: ما قبل ذلكم، كَما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]؛ أي: أمامَهم، وينصرِفُ إلى قوله تعالى: ﴿فَاَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكْمُ﴾ الآية.
وقيل: معناه: ما بعد ذلكم؛ فإنَّ وراء (^٢) يستعمل في الخلف في الأغلب، ومعناه: ما بعدَ الأصناف المحرَّمة بالنَّسب والرَّضاع والمصاهرة.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الكاف والميم خطاب للرِّجال، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، والذَّال إشارة إلى المذكور قبله من المحرَّمات، ولو أشار (^٣) إلى المحرَّمات لقال: (وراء تلكم) لكنْ صَرَفَه إلى المذكور، ويقع ذلك عليهنَّ.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ترجمةٌ عن قوله: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وتقديره: وأُحلَّ لكم أن تبتغوا، وقيل: أي: لِأَنْ تبتَغُوا (^٤) على إضمار اللَّام، ومعناه: لتبتغوا؛ أي: لتَطلبوا.
قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾: قيل: أي: المملوكاتِ بالثَّمن، والمنكوحاتِ بالمهر.
وقيل: هو على المنكوحات لا غير، ودلَّ على أنَّه لا نكاحَ إلَّا بمهرٍ، وأنَّه يجبُ؛ سُمِّي أو لم يُسمَّ.
وذِكْرُ الأموالِ يدلُّ على أنَّ غيرَ المال لا يصلح مهرًا، وأنَّ القليل لا يكفي مهرًا،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ١١١). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩١٧) عن أبي مالك.
(٢) في (ر): "الوراء".
(٣) في (ف): "ولو شاء أشار".
(٤) بعدها في (أ): "أي".
[ ٤ / ٥٠٠ ]
فإنَّ الدِّرهم ونحوه لا يُسمَّى مالًا، ثم هو عندنا لا يكون أقلَّ من عشرة دراهم (^١)، وتسمية ما دون العشرة يوجبُ تكميلَ العشرةِ (^٢)، وقد قال النَّبيُّ -ﷺ-: "لا مهرَ أقلُّ مِنْ عشرةٍ" (^٣).
قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أي: أعفَّاءَ، وهو نصبٌ على الحال؛ أي: مرِيدينَ التَّعفُّف.
قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾؛ أي: غيرَ زانِين.
والسِّفاحُ: الزِّنى، والسَّفحُ: الصَّبُّ، وسفحُ الجبل: أسفله؛ لأنَّه مصبُّ الماء، وقد سافحَ؛ أي: زَنَى وصبَّ الماءَ باطلًا، وهذا المعنى موجودٌ في الصبِّ (^٤) بالنِّكَاح، لكن في معانٍ أُخر: مِن إقامة السُّنَّة، وتكثير عباد اللَّه الصَّالحين، وغيرهما، فلمْ يُسمَّ سفاحًا، أما هاهنا فليس فيه إلَّا قضاءُ الشَّهوة وصبُّ الماء، فسُمِّيَ به (^٥).
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾: أي: فأيَّ تمتعٍ وجدتم منهنَّ بالنِّكاح.
_________________
(١) "دراهم" من (ف).
(٢) في (ر): "تكملًا للعشرة"، وفي (ف): "تكملًا لعشرة".
(٣) رواه أبو يعلى في "مسنده" (٢٠٩٤)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٣)، والدارقطني في "سننه" (٣٦٠١) و(٣٦٠٢)، من حديث جابر ﵁. وفيه مبشر بن عبيد، قال عنه الدارقطني: مُبشِّرُ بنُ عُبيدٍ متروكُ الحديثِ أحاديثُه لا يُتابَعُ عليها. ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٠٤١٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٦٣٧٤)، والدارقطني في "سننه" (٣٤٥٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٤٠ - ٢٤١)، عن علي ﵁ موقوفًا عليه. وفي إسناده داود الأودي، قال عنه ابن معين كما نقل البيهقي: داود الأودي ليس بشيء. وانظر: "نصب الراية" للزيلعي (٣/ ١٩٩).
(٤) في (أ): "الوصي"، وسقطت العبارة من باقي النسخ، ولعل المثبت هو الصواب.
(٥) من قوله: "وهذا المعنى موجود. . " إلى هنا من (أ).
[ ٤ / ٥٠١ ]
قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورهنَّ، وهو كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: لآإِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
والأجرُ بدلُ منافع العين في الإجارر، وبدلُ منافعِ البُضع في النِّكاح.
قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: مقدَّرًا، وهو نصبٌ على الحال لقوله ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤].
قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: أي: منَ الزِّيادة في المهرِ على المسمَّى بعد التَّسمية عند العقد، ودلَّ ذلك على جواز الزِّيادة في المهر في النِّكاح والثَّمن في المبيع (^١).
وهو حجَّةٌ لنا على الشَّافعيِّ ﵀، وهو يحمل هذا على الحَطِّ والإبراءِ والهِبةِ.
لكنَّا نقول: ذلك يصحُّ برضاها وحدها، فلا معنى لاشتراط التَّراضي وهو من الجانبَيْن؛ لأنَّ التَّفاعلَ بين اثنين، ولَمَّا ذكر التَّراضيَ عُلِمَ أنَّه أرادَ به الزِّيادة في المهر التي (^٢) تصحُّ بتراضيهما جميعًا.
وحُكي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه كان يحمِل هذا على المتعة، وكان (^٣) يقرؤها: (فما استمتعتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمَّى) ويقولُ: هكذا نزلَتْ (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "البيع".
(٢) في (أ) و(ف): "الذي".
(٣) في (أ): "فكان".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٨٧ - ٥٨٨)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٥٨٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣١٩٢). وقال الطبري عن هذه القراءة: قراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف =
[ ٤ / ٥٠٢ ]
قال: وقوله ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: ما سمَّيْتُم لهنَّ عند المتعة، أوجبَ أداءَ المال بعد الاستمتاعِ، وفي النِّكاح يؤدَّى أوَّلًا ثم يُستمتَع، وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾؛ أي: إن زدتم في المدة أو في البدل (^١) بعد المواضَعة الأولى على أقلَّ من ذلك فلا إثمَ عليكم فيهِ.
_________________
(١) = المسلمين، وغير جائز لأحد أن يُلحق في كتاب اللَّه تعالى شيئًا لم يأت به الخبر القاطع العذرَ عمن لا يجوز خلافه. قلت: وقد روى الطبري نفسه (٦/ ٥٨٥) عن ابن عباس خلاف هذا القول، وأن المراد بالآية النكاح المعروف، ولفظه: الاستمتاع هو النِّكاحُ، وهو قولُه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. وروى عنه الترمذي (١١٢٢) أنه قال: إنما كانت المتعةُ في أَوَّل الإسلام، كان الرجل يَقْدَمُ البلدةَ ليس له بها معرفةٌ فيَتَزوَّج المرأةَ بقَدْرِ ما يَرى أنه يُقيم، فتَحفظُ له متاعَه، وتُصْلحُ له شَيْئَه، حتى إذا نزلت الآيةُ: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، قال ابن عباسٍ: فكلُّ فرجٍ سوى هذين فهو حرامٌ. قال ابن العربي في "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس" (٢/ ٧١٤): وقد كان ابن عباس يقولها ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها. وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته، فقد صح عن علي أنها نسخت. قلت: بل صح ذلك أيضًا عن غير علي من أئمة أهل البيت فقد روى البيهقيُّ في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٠٧) عن جعفرِ بن محمدٍ: أنَّه سئل عن المتعةِ، فقد روى: هي الزِّنا بعينِه. وانظر: "معالم السنن" للخطابي (٣/ ١٩٠)، و"فتح الباري" (٩/ ١٧٣)، وانظر: "التمهيد" (١٠/ ١٢١)، فقد نقل الإجماع على تحريمها أيضًا.
(٢) في (أ): " ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي إن أردتم في المدة أو في البدل" وفي (ف): " ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي إن زدتم في المدة أو في المدا" وفي (ر): ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: ما سميتم الزائد؛ أي: أن زدتم في المدا أو البدل".
[ ٤ / ٥٠٣ ]
لكنَّا نقول: هذا في النِّكاح المطلق، ويدلُّ عليه ما قبلَه وما بعدَه؛ فأمَّا قولُه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: أردتم الاستمتاع به، كما في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، و: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، و: ﴿إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨].
وقال بعضُهم: كانت الآية في المتعةِ، لكنَّها (^١) أُحلَّتْ ثلاثةَ أيَّامٍ ثمَّ نُسخَتْ، ورويَ أنَّ الصَّحابة ﵃ اشتدَّتْ بهم العزوبةُ في غزوةٍ، فاشتكوا ذلك إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأباحَ لهم المتعةَ، ثم نهاهم عنها بعد أيَّامٍ (^٢).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه قال عند موته: اللَّهمَّ إنِّي أتوُب إليك من قولي في المتعةِ والصَّرف (^٣).
وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: لَمَّا كان يوم حنين وهزمَ اللَّهُ تعالى فيه (^٤) المشركين اجتمعَ جمعُهم بأوطاسٍ، وطلبهم خيلُ رسول اللَّه -ﷺ- فأدركوهم بأوطاسٍ، فقاتلوهم فهزموهم (^٥)، وسبَوا نساء العرب، فقالوا: ما تحلُّ لنا هذه النِّساء، ما فارقوا أزواجَهم بطلاقٍ ولا قُتلوا في المعركة، فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (^٦).
_________________
(١) في (أ): "لكنا نقول".
(٢) روى نحوه مسلم (١٨/ ١٤٠٥) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁، و(١٤٠٦) من حديث سبرة الجهني، و(١٤٠٧) من حديث علي ﵃ جميعًا.
(٣) روى نحوه الفاكهي في "أخبار مكة" (١٧١٤).
(٤) "فيه" من (ف).
(٥) في (أ): "فهزموا"، وفي (ف): "وهزموهم".
(٦) لم أجده من حديث ابن مسعود، وقد تقدم قريبًا نحوه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٤ / ٥٠٤ ]
قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ فيما حرَّم وأحلَّ، ﴿حَكِيمًا﴾ وضَعَ كلَّ شيءٍ موضعُه (^١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: مرَّ تفسيرُه (^٢).
* * *
(٢٥) - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: أي: ومَن لم يقدرْ منكم على فضلِ مالٍ.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: الحرائرَ المسلمات، و﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾ ترجمة عن ﴿طَوْلًا﴾، أو معناه: لِأَنْ ينكح.
ومعناه: فمَن لم يجد ما يتزوَّج به الحرَّة المسلمة، كما يقولُ الرَّجلُ: لا أستطيع أن أحجَ؛ أي: لا أجد ما أحجُّ به.
وقيل: هو من قول الرَّجل: يدي تطول لي هذا (^٣) الشَّيء؛ أي: تناله، و: يدي مبسوطة على كذا، في معناه.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٢٠).
(٢) "قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مر تفسيره" من (ف).
(٣) في (ف): "تطول لهذا".
[ ٤ / ٥٠٥ ]
قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: فلْيَنكِحْ (^١) مملوكةً من الإماء المسلمات.
والفتاةُ (^٢) أصلُها: الشَّابَّة، والفتاء بالمد: الشَّباب، والفتى: الشَّابُّ.
والأَمَةُ تُسمَّى فتاة، والعبدُ يُسمَّى فتًى، وإنْ كانا كبيرين في السِّنِّ؛ لأنَّهما لا يوقَّران لرقِّهما (^٣) توقيرَ الكبار الأحرار (^٤)، ويعاملان معاملة الصِّغار.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾: شَرَطَ إيمانَها، ثم أعلمَ أنَّ الحكمَ مبنيٌّ على ظاهر حالها دون باطن أمرها؛ فإنَّه لا يعلمُه إلَّا اللَّه تعالى، وهو كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠].
قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: أي: إذا جمعكم الإيمان لم تختلفوا في أحكامه، فيكون ذلك أدعَى إلى تأكيد الأُلفة بينهما، والتَّعاونِ منهما على (^٥) أمور الدِّين.
وقيل: إنَّ النِّكاح يراد به الألفةُ والسَّكن، فإذا اتَّفقا في الدِّين كان أقربَ إلى أن يتآلَفا.
وقيل: أي: الاتِّفاق في الدِّين كالاتِّفاق في النَّسب، فلا يُزْري بالحرِّ رقُّ منكوحتِه.
قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: أي: مواليهنَّ (^٦)، ودلَّ أنَّ النِّكاح ينعقد بعبارة الأَمَة العاقلة، وينفذ (^٧) إذا كان بإذنِ مَولَاها.
_________________
(١) في (ر): "فينكح".
(٢) في (أ): "والفتيات".
(٣) في (ر): "لرق"، وفي (ف): "للرق".
(٤) "الأحرار" ليس في (أ) و(ف).
(٥) في (ف): "في".
(٦) في (ف): "مولاهن".
(٧) في (ر): "وينعقد".
[ ٤ / ٥٠٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي: أعطوهنَّ مهورهنَّ على وفقِ الشَّرع، ولهنَّ قبضُ ذلك بإذن مواليهِنَّ، وقد ذكر الإذنَ في الأوَّلِ، فكان ذكرًا في الثَّاني؛ لأنَّ الحادثة واحدة، كما في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، أي: اللَّهَ كثيرًا، ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]؛ أي: فروجهُنَّ.
أو معناه: فالتزموا لهنَّ ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: أي: عفائفَ، نصب على الحال من قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾.
قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: أي: زانياتٍ ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: الخدَنُ: الصَّديقُ، والخدين كذلك، وذلك كالخلِّ والخليلِ، والمخادنةُ: المصادقةُ، ويقع الاسم على الذَّكر والأنثى، قال تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]؛ أي: خدينات.
وكان زناهنَّ في الجاهليَّة من وجهَيْن:
السِّفاحُ: وهو بالأجر لكلِّ مَن (^١) يرغبُ فيها.
والمخادَنةُ: وهي مع صديقٍ لها على الخصوص.
وكان الأوَّل يقع إعلانًا، والثَّاني سرًّا، وقيل: كانا يُعلنان جميعًا.
فأمرَه (^٢) اللَّهُ أن يتزوَّج أمةً عفيفةً لإقامة مصالح الدِّين، لا زانيةً مكتسِبةً بزناها، ولا متَّخذةً خليلًا على الفجور صافاها.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: قيل: أي: أسلمْنَ، وقيل: أي: نكحْنَ.
_________________
(١) في (ف): "بكل ما".
(٢) في (أ): "فأمر".
[ ٤ / ٥٠٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: أي: زنَيْنَ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: ما على الحرائر من الحدِّ (^١)، وهو الجلدُ، فتُجلَد الحرَّة مئةَ جلدةٍ، والأمةُ خمسينَ.
و﴿الْعَذَابِ﴾: الحدُّ؛ قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨].
ثم قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس لنفي الحدِّ عنها إذا لم تُنكح، بل معناه: أنَّها بالنِّكاح لا يزداد حدُّها.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾: أي: الزِّنى؛ أي: إباحة نكاح الأَمَةِ لمن خشي الزِّنا لو لم يتزوَّجْ بها.
وأصل العنتِ: المشقَّةُ والمضرَّةُ. وله وجوهٌ بيَّناها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وفي الزِّنى ذلك كلُّه في الدُّنيا والآخرة.
ثم الشَّافعيُّ ﵀ أخذَ بظاهر الآية، وقال: لا يجوز نكاحُ الأمَةِ إلَّا بثلاثة شرائط؛ اثنان في النَّاكح: عدم طولِ الحرَّة، وخشيةُ العنت. والثَّالث في المنكوحة، وهي أن تكون أَمَةً (^٢) مؤمنةً.
وعندنا شيء من ذلك ليس بشرط: أمَّا أوَّل الآية فقد قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ليس في (^٣). . . . . . . .
_________________
(١) في (ف): "الحدود".
(٢) "أمة" ليس في (أ).
(٣) "في" ليس في (ف).
[ ٤ / ٥٠٨ ]
إباحة الشَّيء في حالةٍ دلالةُ حظره ومنعه في حالةٍ (^١) أخرى، دليلُه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛ ليس فيه أنَّها لا تحلُّ له إذا لم يؤتها أجرَها (^٢).
وأمَّا قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ففيه إباحةُ المؤمنات، وليس فيه تحريم الكتابيَّات، وقد أباح ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهنَّ العفائفُ عندنا، وهو يحملها على الحرائر، لكنَّ أكثر أهل التَّفسير على ما قلنا، وهذه الأشياء عندنا للاختيار، لا للاشتراط.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: (أنْ) مع الفعل مصدرٌ؛ أي: وصبرُكم عن نكاح الأمَة (^٣) خيرٌ لكم؛ لأن فيه إرقاقَ الولد.
قال عمر ﵁: أيُّما حرٍّ تزوَّجَ أمةً فقد أرقَّ نصفَه، وأيُّما عبدٍ تزوَّج حرَّة فقد أعتقَ نصفَه (^٤).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "الحرائرُ صلاحُ البيوت، والإماءُ هلاكُ البيوتِ"، أو قال: "فسادُ البيوت" (^٥).
_________________
(١) في (ر): "حال" في الموضعين.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٢٥).
(٣) في (أ) و(ف): "الإماء".
(٤) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٣١٠٣)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٧٣٩)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٦٠٦٥)، والدرامي في "سننه" (٣١٧٧).
(٥) رواه باللفظين الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٣٢) (ط: دار التفسير)، من حديث أبي هريرة، وفي إسناده أحمد بن محمد اليمامي وهو متروك وكذبه أبو حاتم، ويونس بن مرداس قال الحافظ: لا أعرفه. انظر: "الكاف الشاف" لابن حجر (ص: ٤٢)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٣٠٦)، و"المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص: ٣٠٤).
[ ٤ / ٥٠٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: ﴿غَفُورٌ﴾ لكم إن لم تصبروا، ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم إذ أباح لكم نكاح الإماء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿غَفُورٌ﴾ للزِّنى بإقامة الحدِّ (^١) إذا احتسبَ ذلك، ﴿رَحِيمٌ﴾ إذ جعل العذاب عليه الحدَّ في الدُّنيا، لا العقوبةَ في الآخرة.
ويحتمل: أَنَّه رحيمٌ جعلَ الحدود في الدُّنيا زواجرَ عن العَود إلى ارتكاب مثلها (^٢).
* * *
(٢٦) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: قال أبو منصور (^٣): يحتملُ: يريدُ اللَّهُ أن يبيِّنَ لكم ما تأتون وما تذرون، وما لكم وما عليكم، وما به صلاحُكم وفسادكم في أمور (^٤) دينكم ودنياكم، لكنَّ حقيقة المراد بالآية إمَّا أن يكون أرادَ جميع ما ذكرنا، أو معنًى خاصًّا ممَّا احتمله الكلامُ، وليس لنا القطع على ما أرادَ به (^٥).
ثم قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ له وجوهٌ:
قال الكسائيُّ والفرَّاء: معناه: أن يبيَّنَ، وكذا قولُه تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]؛ أي: أن نسلمَ (^٦)؛ قال كثيِّر:
_________________
(١) في (ر): "الحدود ".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٣٢).
(٣) "قال أبو منصور" من (أ)، وفي (ف): "قال هو ﵁" فضمير (هو) لأبي منصور.
(٤) في (ف): "أمر".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٣٢).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٦٢)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١١/ ٢٠٩)، و"إعراب =
[ ٤ / ٥١٠ ]
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تَمثَّلُ لي ليلي بكلِّ طريق (^١)
أي: أن أنسى.
وقال سيبويه وأصحابه: اللَّام دخلت على تقدير المصدر؛ أي: الإرادة للبيان، وهو كقوله تعالى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] (^٢).
وقيل: المفعول مضمَر هاهنا، واللَّام للتَّعليل، وتقديرُه: يريد اللَّه ما يريد ليبين لكم، وأمرنا بما أمرنا لنسلم (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أي: ويريد أن يدلَّكم على السُّنن التي سنَّها لمن كان قبلكم من أهل الكتاب؛ لتكونوا علماءَ كما كان الذين جاءتهم الرُّسل، ويزولَ عنكم سمةُ الجهالة (^٤) التي كانت للأميين.
قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: يوفِّقَكم للتَّوبة عمَّا كنتم عليه من الخلاف.
وذكر هذا بعد ذكر أحكام اليتامى والمواريث والمناكح، وكانوا في الجاهليَّة على غيرِ سُنن الأوَّلين، فردَّهم إليها.
_________________
(١) = القرآن" للأصبهاني (ص: ٨٩). وتعقب الزجاج هذا القول في "معاني القرآن" (٢/ ٤٢) بقوله: وهذا غلط أن تكون لامُ الجر تقومُ مقام (أن) وتؤدي معناها.
(٢) انظر: "ديوان كثير عزة" (ص: ١٠٨).
(٣) انظر: "إعراب القرآن" للأصبهاني (ص: ٨٩). وصوب الزجاج هذا القول لكن لم ينسبه لسيبويه. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٢ - ٤٣)
(٤) وهذا القول هو الذي نسبه ابن عطية لسيبويه. انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٠)، و"البحر المحيط" (٦/ ٥٨٤). وذكره الأخفش في "معاني القرآن" (١/ ١٦٩ و٢٥٢) ولم يعزه لسيبويه.
(٥) في (أ) و(ف): "الجاهلية".
[ ٤ / ٥١١ ]
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرَع لهم.
وقال الكلبيُّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أنَّ الصَّبر (^١) عن نكاح الإماء خيرٌ، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: يبيِّنَ لكم أن شرائع أهل سائر الكتب في الأنكحة ونحوها (^٢) كان كذلك، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ويتجاوزَ عنكم ما أصبتُم قبل البيان (^٣).
وقال عطاءٌ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ما يقرِّبكم منه (^٤)، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: يرشدَكم إلى دين إبراهيم وإسماعيل وأولادهما، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ حتَّى لا تَدْعوا معه إلهًا آخر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يستودعُكم (^٥) من فرائضه، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما رخَّص لكم.
* * *
(٢٧) - ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: التَّكرير للتَّأكيد والتَّقرير، ومعنى التَّوبة علينا ما بَيَّنَّا.
وقيل فيه معنًى آخر:
_________________
(١) في (ف): "أن تصبروا".
(٢) في (ر): "وغيرها".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٠)، والواحدي في "البسيط" (٦/ ٤٦٣).
(٤) إلى هنا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٠) عن عطاء.
(٥) في (أ) و(ف): "استودعكم".
[ ٤ / ٥١٢ ]
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: الأولين (^١)؛ أي: يبيِّنَ لكم أنَّ سُننهم (^٢) كانت في الأنكحة على الضِّيق والشِّدَّة، فكان لا يحلُّ للرَّجل إلَّا امرأةٌ واحدة، وإذا ماتَتْ لم يتزوَّج غيرها، وكان لا يجوز لهم الطَّلاق، ولا يحلُّ نكاح الإماء.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يرفعَ عنكم هذا الضِّيق، وهو كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠].
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد (^٣) ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حَكم.
وقيل: أي: يهديَكم كيف فعلوا، وكيف فعل هو بهم؛ لتَّتعظوا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ هو في حقِّ قومٍ علم اللَّه منهم التَّوبة.
قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: أي: ويريد أعداؤكم من الكفَّار الَّذين إنَّما يتَّبعون ما تميل إليه أهواؤهم أن تميلوا عن طاعة اللَّه وعن دينه ميلًا عظيمًا؛ أي: فاحشًا مُفْرِطًا في الجهل والخطأ.
ثم المراد (^٤) بهؤلاء عند بعضهم كُلُّ مبطِلٍ في طريقه على العموم.
وقيل: هم الزُّناة.
وقيل: هم اليهود والنصارى (^٥).
وقيل: هم اليهود خاصةً في إحلالهم الأخوات لأبٍ.
_________________
(١) "الأولين" من (أ)، وليس فيها: " ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ".
(٢) في (ف): "سنتهم".
(٣) في (ف): "بمصالحكم"، وفي الهامش كالمثبت.
(٤) في (ر): "وهم النصارى وقيل اليهود والمراد".
(٥) قوله: "وقيل هم اليهود والنصارى" من (أ)، وفي (ف): "قيل هم النصارى وقيل هم اليهود".
[ ٤ / ٥١٣ ]
وقيل: إن بعض اليهود قالوا لرسول اللَّه -ﷺ-: في التوراة إحلالُ الأخت لأبٍ، وأرادوا أن يجرُّوه إلى هذا، فحذَّره اللَّه تعالى قصدَهم.
وقال مجاهد: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾: الزنا ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾؛ أي: تَزْنوا (^١).
وقال السُّدِّيُّ: هم اليهود [والنصارى.
وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم] ينكحون بناتِ الأخِ وبناتِ الأخت، فلما حرَّمهما اللَّه تعالى قالوا: كيف تنكحون ابنةَ الخالة وابنةَ العمة والخالةُ والعمةُ حرامٌ عليكم، فكيف تستحلُّون البناتِ وتحرِّمون الأمهات؟ فنكِحوا ابنة الأخت كما تَنكِحون ابنة الخالة وابنة العمة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٢).
* * *
(٢٨) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: أي: يسهِّلَ في أمور المناكح.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٢٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٢٦).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩٠)، وما بين معكوفتين منه، وقول السدي في هذه الآية: (هم اليهود والنصارى) هو الذي ورد في المصادر عنه. انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٦٢٣)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٣/ ٩٢٥)، و"أحكام القرآن" للجصاص (٣/ ١٢٦)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩٠)، و"النكت والعيون" (١/ ٤٧٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٩٩)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٠). ملاحظة: عبارة: (وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بناتِ الأخِ. . .)، جاءت في طبعة دار التفسير من "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٢٣٥) هكذا: (وقال بعضهم: هم المجوس، وذلك أنهم يحلون نكاح الأخوات من الأب وبناتِ الأخِ. . .)، وهكذا جاءت العبارة في "تفسير البغوي" (٢/ ١٩٩)، و"الكشاف" (١/ ٥٠١)، و"تفسير الخازن" (١/ ٥١٢)، و"روح المعاني" (٥/ ٤٦٤).
[ ٤ / ٥١٤ ]
والإمام (^١) أبو منصور ﵀ جعَله في العبادات والتوبة عن الجنايات، وتَرْكِ الاستئصال بالعقوبات، بخلاف أحوال الماضين من الطبقات (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ قال الكلبيُّ: أي: لا يصبر عن النساء.
وقال طاوسٌ: ضعيفًا في أمر النساء.
وقال سعيد بن المسيِّب: ما أَيِس الشيطان من ابن آدم قط إلا أتاه من قِبَلِ النساء، وقد أتى عليَّ ثمانون سنة، وذهبت إحدى عينيَّ وأنا أعشو بالأخرى، وإنَّ أَخْوَفُ ما أخاف ما أخاف على نفسي فتنةَ النساء (^٣).
وقال أبو هريرة ﵁: اللهم إني أعوذ بك من (^٤) أن أزنيَ أو أسرقَ، فقيل له: قد كبرتْ (^٥) سنُّك، وأنت صاحبُ رسول اللَّه -ﷺ-، أتخافُ على نفسك من الزنا والسرقة؟! فقال: كيف آمَنُ وإبليسُ حيٌّ (^٦).
وقال الحسن: خُلق من ماء مهين (^٧).
وقيل: ضعيفًا في اليقين.
وقيل: أي: فقيرًا؛ قال اللَّه ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥].
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقال الإمام"، والمثبت من (أ)، وهو الصواب.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٣٨).
(٣) انظر هذه الأقوال في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩١).
(٤) "من" من (ف).
(٥) في (ر) و(ف): "كبر"، بدل: "قد كبرت".
(٦) ذكره إسماعيل حقي في "روح البيان" (٢/ ١٩٣)، ولعله نقله من المؤلف.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩١).
[ ٤ / ٥١٥ ]
وقيل: أي: ضعيفًا لا يطيق العقوبة.
وقيل: أي: لا يصبر على الحرِّ والبرد والجوع والعطش.
وقيل: تجرحُه بعوضةٌ وتُؤْلمه بَقَّةٌ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يَضيق صدرُه وتَملُّ عن طول التنعُّم نفسُه.
قال: وقيل: خُلق ضعيفًا في الابتداء، قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ الآية [الروم: ٥٤].
قال: ويحتمِل ضعفَه في نفسه في حقِّ مَلالته عن العبادات، بخلاف الملائكة فإنهم لا يَفْتُرون ولا يَسْتحِسرون (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: يريد اللَّه أن يخفِّف عنكم مقاساةَ المجاهدات بما يَلج (^٢) لقلوبكم من أنوار المشاهدات.
قال: ويقال: يريد اللَّه أن يخفِّف عنكم تعبَ الخدمة بحلاوة الطاعة.
قال: ويقال: أن يخفِّف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم (^٣).
قال: ويقال: أن يخفِّف عنكم تعب الطلب بروح الوصول.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾: وصَف بهذا فقرَهم وضرَّهم ليبسط به عذرَهم (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٣٨).
(٢) في (ر) و(ف): "يليح". والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٣) في (ر): "كلف الإمامة بجعلها بينكم فتأمل"، وسقطت العبارة من (ف)، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧).
[ ٤ / ٥١٦ ]
(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾:
قرأ عاصم وحمزة والكسائي؛ ﴿تِجَارَةً﴾ نصبٌ، على أن الأموال اسمُ (كان) و﴿تِجَارَةً﴾ خبرٌ له، وهي مصدز بمعنى المفعول به، وقرأ الباقون بالرفع (^١) على أن قوله: ﴿تِجَارَةً﴾ مرفوعةٌ بـ (كان)، ومعناه: إلا أن تقع تجارةٌ، كما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وهذه الآيةُ متَّصلةٌ بما قبلها من آيات (^٢) حفظِ أموال اليتامى والنساء والسفهاء عليهم، وإيصالِ المواريث إلى مستحِقِّها (^٣)، وتركِ استردادِ مهورِ النساء، وفي هذه نهيٌ عن أخذ أموال الناس بالباطل؛ أي: لا يأكلْ بعضُكم مال بعضٍ على الوجه الذي لم يأمر اللَّه تعالى به ولا أباحه، فإنه باطلٌ ليس بحقٍّ، وهو كالغصب والسرقة والقمار والربا والعقود الفاسدة والرشوة ونحوها.
والمراد من الأكل: الأخذ؛ لِمَا مر في سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هذا استثناءٌ منقطِع بمعنى: لكن؛ أي: لكن إذا كانت تجارة عن تراضي العاقدين بها فكلوا، ويلتحق بها أسبابُ الملك المشروعة كالهبة والصدقة والإرث والعقود الجائزة؛ لخروجها عن الباطل.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣١)، و"التيسير" (ص: ٩٥).
(٢) في (أ) و(ف): "متصلة بآيات".
(٣) في (أ): "مستحقيها".
[ ٤ / ٥١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: لا يأكلْ بعضُكم مال بعضٍ؛ كما في قوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
وكذا (^١) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: لا يَقتلْ بعضُكم بعضًا، ذَكر حرمةَ المال والنفس بعد ذِكر حرمةِ الفرج؛ لأن انتهاكها من الموبِقات فنهى عنها كلّها.
وقيل: معناه: ولا تقتلوا إخوانَكم الذين (^٢) هم كأنفسكم، وهو إِشارة إلى صدر السورة: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية، ولأن المؤمنين كنفس واحدة والحديثُ فيه مشهور (^٣)، ولأنه إذا قَتل غيره قُتل به قصاصًا فصار كأنه قَتل نفسه.
وقيل (^٤): أي: ولا تهلكوا أنفسكم بإتلاف أموالكم؛ لأنَّه ذكر في أول السورة أن المال قيامُ الناس، فيكون في هلاك المال هلاكُ البدن.
وقيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: لا تعجزوا عن الحيلة والتصرُّف.
وقال الإمام القشيري ﵀: لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب الذنوب.
وقيل: أي: بتعريضها لمساخط اللَّه.
وقيل: أي: بنظركم إليها.
وقيل: أي: باستحسانكم شيئًا منها.
وقيل: أي: بإيثارها غيرَ رضى الحق (^٥).
_________________
(١) في (أ): "وكذلك".
(٢) في (ر): "إخوانكم في الدين".
(٣) رواه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦)، من حديث النعمان بن بشير ﵄، ولفظه: "مَثَلُ المؤمِنِين في تَوادِّهم وتَراحُمِهم كمَثَلِ الجسدِ، إذا اشتكَى عُضوًا تَداعَى له سائرُ جسدِه بالسَّهرِ والحُمَّى".
(٤) في (ف): "قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسِكُمْ﴾ ".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٢٧).
[ ٤ / ٥١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمً﴾: ولرحمته بكم نبَّهكم على ما فيه صيانةُ أموالكم وبقاءُ أبدانكم.
وقال عكرمةُ والحسن (^١): كان الرجل يتحرَّج أن يأكل عند أحدٍ من الناس شيئًا إلا بالشراء لنزول هذه الآية، حتى نزل قولُه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ إلى قوله: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] (^٢).
* * *
(٣٠) - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾: أي: ومن يرتكب النهي عن أكل المال وقتلِ النفس، فلذلك وحَّد.
والعدوان: مجاوزةُ حدِّ الأمر، والظلم: الجَوْر، ومعناه: عالمًا به غيرَ مخطئ ولا متأوِّلٍ (^٣)، يشير بذلك إلى أنه إذا كان عن جهلٍ أو خطأ أو شبهةٍ لم يستحِقَّ هذا الوعيدَ الشديد.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾: أي: ندخلُه نارَ جهنم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أي: وكان إصلاؤه النارَ سهلًا لا يَعْسُر عليه شيء، وهذا الوعيد في حق المستحِلِّ للتخليد على القطع، وفي حقِّ غير المستحِلِّ لبيان استحقاقه دخولَ النار والعقوبةَ فيها مدةً، مع وعد اللَّه تعالى بمغفرةِ (^٤) ما دون الشرك لمن يشاء.
_________________
(١) "والحسن" ليس في (ت).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٢٧).
(٣) في (أ): "ولا مأول"، وليست في (ف).
(٤) في (أ): "مغفرة".
[ ٤ / ٥١٩ ]
(٣١) - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾:
الاجتناب: التباعُد، والكبائر: جمعُ كبيرةٍ، وهي الفعلةُ العظيمة الإثم، وقد أضافها إلى جميع المنهيَّات.
والتكفير: السَّتر، والسيئات: جمعُ السيئة، وهي خلافُ الحسنة.
والمَدخل بفتح الميم: الدخول، وموضعُ الدخول أيضًا.
والمُدخَل بضم الميم: موضع الإدخال، ومصدرٌ أيضًا كالإدخال.
والكريم: الحسَن، وهو على (^١) وجوهٍ تسعة:
الكريم: العفو الجواد، قال تعالى خبرًا عن سليمان: ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنيٌّ كَريمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
والكريم: الفاضل: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
والكريم: البَرُّ الصالح: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١].
والكريم: المكرَّم عند اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠].
والكريم: الجامع للمكارم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧].
والكريم: المطيع: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١].
والكريم: الكتاب المختوم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩].
والكريم: المتكرِّم بنفسه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وعلى هذا"، بدل: "وهو على".
[ ٤ / ٥٢٠ ]
والكريم: الحسَن: ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]، وقال تعالى: ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾؛ أي: حسنًا، وهو الجنة.
وقرأ عاصم في رواية المفضَّل عنه: (يُكفِّر) بالياء، و(يدخلْكم) كذلك (^١)، ويرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، والباقون بالنون على الاستئناف خبرًا من اللَّه تعالى عن نفسه على خطاب الملوك بصيغة الجمع.
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿مُدْخَلًا﴾ بالفتح والباقون بالضم (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: اختُلف في الكبائر؛ قيل: هي كبائر الشرك؛ لأنها أنواع: منها الإشراكُ باللَّه، ومنها الجحودُ بالأنبياء (^٣)، ومنها نقصُ الأنبياء (^٤)، ومنها الجحود ببعض الأنبياء، ومنها جحود العبادات، ومنها استحلال المحرمات وتحريم المحللات وغيرُ ذلك، وكلُّ ذلك شركٌ باللَّه تعالى، فإذا اجتنب (^٥) كبائر الشرك صار ما دونها موعودًا له المغفرةُ (^٦) بالمشيئة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهو في مشيئة اللَّه تعالى إن شاء عذَّبه وإن شاء عفَى عنه.
قال (^٧): وقيل: أراد بالكبائر كبائرَ الإسلام، ثم يحتمِل وجهين بعد هذا:
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٢)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٣)، وقراءة عاصم في المشهور عنه كقراءة الجمهور بالنون فيهما.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٢)، و"التيسير" (ص: ٩٥). ولم يذكرها في "التيسير" عن أبي بكر، والمشهور عنه ضم الميم كباقي السبعة.
(٣) في (ر): "للأنبياء".
(٤) "ومنها نقص الأنبياء" ليس في (أ) و(ف)، ولم يرد في "التأويلات".
(٥) في (ف): "اجتنبت".
(٦) في (ر) و(ف): "بالمغفرة". والمثبت من (أ) و"التأويلات".
(٧) بعدها في (ر): "أبو منصور ﵀".
[ ٤ / ٥٢١ ]
يحتمِل أن تكون الصغائرُ مغفورةً باجتناب الكبائر.
ويحتمِل أن تكون الصغائر مغفورةً بالحسنات، لأنه تعالى قال: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وتكفير السيئات بالحسنات؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
ويحتمِل أن يكون التكفير لهما وإنْ لم تُجتنب، ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] رفعًا بالاستئناف، وقال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] يعني: لم يَصِلْ بالفاء فكان في حكم الابتداء، ألَا ترى إلى ما روى أنس عن النبيِّ -ﷺ- أنه (^١) قال: "شفاعتي نائلةٌ لأهل الكبائر من أمَّتي" (^٢).
ورُوي عن علي ﵁ أنه سمع امرأة تدعو: اللهمَّ اجعلني من أهل شفاعةِ محمد، فقال: مَهْ، قولي: اللهم اجعلني من الفائزين، فإن شفاعة محمد لأهل الكبائر، ثم قرأ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.
ثم إنَّ اللَّه تعالى ذكر تكفير السيئات إذا اجتُنبت (^٣) الكبائر، ولم يذكر الحكم إذا لم يجتنبها، فليس فيه أنه إذا لم تُجتنَب لم (^٤) يكفِّر، فهو في مشيئة اللَّه تعالى إن شاء كفَّره (^٥) وإن شاء عذَّبه، على ما ذكرنا: أن وجوب الحكم في حالٍ لا يوجِب خلاف ذلك الحكم في حالٍ أخرى حظرًا كان أو حلًّا.
_________________
(١) "أنه" ليس في (أ).
(٢) رواه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، من حديث أنس ﵁ دون كلمة: "نائلة". قال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(٣) في (أ): "إن اجتنب" بدل: "إذا اجتنبت".
(٤) في (أ): "لا".
(٥) أي: كفَّر الذنب.
[ ٤ / ٥٢٢ ]
وقرئ في بعض القراءات: (إنْ تَجتنِبوا كبيرَ ما تُنْهَون عنه) (^١) فإنْ ثبت هذا فهو يدلُّ على التأويل الذي قلنا: إن المراد به الشرك (^٢).
قال: واختلف في كيفية الكبائر وماهيتها (^٣):
قال بعضهم: ما أوجب الحد فهو كبيرةٌ، كالزنا والسرقة والقذف ونحوها.
وقال آخرون: هي الشركُ باللَّه تعالى، وقتلُ النفس التي حرَّم اللَّه بغيرِ حقِّها، وأكلُ مال اليتيم، والبهتانُ، والفِرار من الزحف.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه سئل عن ذلك، فقال: ما ذكر من أول هذه السورة (^٤) إلى هذه الآية، وهي ثلاثون آية (^٥).
وقيل لابن عباس ﵄: إن عبد اللَّه بن عمر يقول: الكبائر سبعٌ، فقال ابن عباس ﵄: هن (^٦) إلى السبعين أقربُ، ولكن (^٧) لا كبيرةَ بعد (^٨) توبة ولا صغيرةَ مع إصرار (^٩).
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٢) عن سعيد بن جبير ومجاهد.
(٢) لأن كبير الإثم هو الشرك. انظر: "تفسير القرطبي" (٦/ ٢٦٣).
(٣) في (أ): "ومائيتها"، وفي (ر): "وما يثبتها" وليست في (ف). والمثبت من"التأويلات".
(٤) في (أ): "من أول سورة النساء" وعبارة "التأويلات": "من أول السورة إلى هنا من المحرمات فهو من الكبائر".
(٥) رواه البزار في "مسنده" (١٥٣٢)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٤١ - ٦٤٢)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٢/ ٣٥٤).
(٦) في (ر): "هي".
(٧) في (ف): "وذلك".
(٨) في (أ): "مع".
(٩) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٥٥٥)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٥١). وفي رواية للطبري: (إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار). =
[ ٤ / ٥٢٣ ]
وعن الحسن قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما تقولون في الزنا والسرقة وشرب الخمر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "هن (^١) فواحشُ وفيهنَّ عقوبةٌ"، ثم قال النبيُّ -ﷺ-: "ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: "الإشراك باللَّه وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس ثم قال: "ألَا وقولُ الزور ألَا وقولُ الزور ألَا وقولُ الزور (^٢) " (^٣) إلى هاهنا كلُّه كلامُ (^٤) الإمام أبي منصور ﵀ (^٥).
قال نجم الدِّين ﵀: وما ذَكَر من بعض القراءات: (إنْ تَجتنِبوا كبيرَ ما تُنهَون عنه) على الوحدان فهو عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (^٦).
وما ذكَر أن الكبيرة ما أَوجب الحدَّ، فعن ابن عباس والضحاك: أن الكبيرة ما أَوْعَد اللَّه عليه حدًّا في الدنيا أو عذابًا في الآخرة (^٧).
_________________
(١) = وفي أخرى من طريق سليمان التيمي عن طاوس قال: ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع؟ قال: (هي أكثر من سبع وسبع)، قال سليمان: فلا أدري كم قالها من مرّة.
(٢) في (أ): "هي".
(٣) في (أ): "ثلاثًا" بدل: "ألا وقول الزور ألا وقول الزور".
(٤) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٣٠)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ١٤٠)، من طريق الحسن عن عمران بن حصين ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٠٣): رواه الطَّبرانيُّ في "الكبير"، ورجالُه ثقاتٌ إلا أنَّ الحسن مدلِّسٌ وعنعنه. ورواه من قوله: "ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ " إلى آخر الحديث البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧)، من حديث أبي بكرة ﵁.
(٥) في (ف): "قول".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٤٤ - ١٤٨).
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩٨)، وتقدم قريبًا تخريجها عن غير ابن مسعود.
(٨) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩٦) و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٣) عن الضحاك. ورواه عن ابن عباس ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٣٤) بلفظ: (كل ما وعد اللَّه عليه النار فهو كبيرة). وروى الطبري =
[ ٤ / ٥٢٤ ]
وروَى أبو صالح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما نزل حدُّه فمِن الفواحش، وما لم ينزل حدُّه فمن (^١) الكبائر.
وعن ابن عباس ﵄ أيضًا (^٢) في رواية أخرى: كلُّ ذنبٍ أصرَّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبيرة ما تاب عنه العبد (^٣).
وقال مالك بن مِغْوَلٍ: الكبائرُ ذنوب أهل البدع، والسيئات (^٤) ذنوب أهل السنة (^٥).
وقال الحارث المُحاسِبُّي: الكبائر ذنوبُ المستحِلِّين، والصغائر ذنوب المستغفرين.
وقال سفيان الثوري: الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين اللَّه لأن اللَّه تعالى كريم يغفر (^٦)؛ قال النبي -ﷺ-: "ينادي منادٍ من بُطْنان العرش يوم القيامة: يا أمةَ محمدٍ، إن اللَّه تعالى يقول: أمَّا ما كان لي قِبَلكم فقد وهبتُها لكم، وبقيتِ التَّبِعات فتواهَبوها وادخُلوا الجنة برحمتي" (^٧).
_________________
(١) = في "تفسيره" (٦/ ٦٥٠) عنه قال: (كل ما نهى اللَّه عنه فهو كبيرة)، و(٦/ ٦٥٢) عنه قال: (الكبائرُ: كلُّ ذنبٍ خَتْمَهُ اللَّهُ بنارٍ، أو غضبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ).
(٢) في (ر) و(ف): "فهو من".
(٣) "أيضًا" ليس في (أ) و(ف).
(٤) رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في "أحكام القرآن" (٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٥١)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٦٧٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٣٤)، بلفظ: (لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار).
(٥) في (ر): "والصغائر"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٣)، و"مدارج السالكين" (١/ ٣٢٢).
(٧) في (ر) و(ف): "يعفو"، والمثبت من (أ) والمصادر.
(٨) رواه البغوي في "شرح السنة" (٤٣٦٥) من حديث أنس ﵁. وفي إسناده الحسين بن داود البلخي، قال عنه الخطيب: ليس بثقة كان وضاعًا. انظر: "ميزان الاعتدال" (١/ ٤٨٧).
[ ٤ / ٥٢٥ ]
وقال الحسين بن الفضل البَجَلي ﵀: الكبائر: ما سماه اللَّه تعالى كبيرًا في القرآن وعظيمًا: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقال أنس بن مالك ﵁: إنكم تعملون اليوم أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشعر كنَّا نَعُدُّها على عهد رسول اللَّه -ﷺ- من الكبائر (^١).
وقال فرقدٌ السَّبخيُّ ﵀: قرأتُ في التوراة: أمَّهاتُ الخطايا ثلاث وهي (^٢): أولُ ذنب عُصي اللَّهُ به الكِبْرُ وكان ذلك لإبليس، والحرصُ وكان ذلك لآدم، وقتلُ النفس وكان ذلك لقابيل حين قَتل هابيل (^٣).
وعن النبيِّ -ﷺ- قال: "أكبرُ الكبائر ثلاثةٌ: القنوطُ من رحمة اللَّه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، والأمنُ من مكر اللَّه، قال تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، والإيَاسُ من رَوح اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] " (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤). والحديث رواه البخاري (٦٤٩٢).
(٢) في (أ): "وهن".
(٣) انظر كل ما تقدم من أقوال في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" (١٣٠٢٣) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا، وفيه بدل القنوط من رحمة اللَّه: الإشراك باللَّه، مع الاستدلال له بقوله تعالى ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١١٦): (إسناده حسن). وروي مثله من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا لكن دون ذكر الآيات، رواه البزار (١٠٦ - كشف الأستار)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٣١). وحسن إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٥٠٢)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٠٤): (رجاله موثقون). لكن الحافظ ابن كثير =
[ ٤ / ٥٢٦ ]
وروي عن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "أتاني جبريل ﵇ فأخبرني عن اللَّه ﷿ قال (^١): وعزَّتي وجلالي إنه ليس من الكبائر كبيرةٌ هي أعظم عندي من حبِّ الدنيا" (^٢).
وقال القشيري الإمام ﵀: الكبائر على لسان أهل العلم هاهنا الشركُ، وعلى لسان أهل الإشارة أيضًا الشركُ الخفيُّ، ومن جملة ذلك: ملاحظةُ الخَلْق، واستحلاءُ (^٣) قبولهم، والتودُّدُ إليهم، والإغماضُ عن حق اللَّه بسببهم.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: أي: يُدخلْكم في أموركم وأحوالكم مُدخلًا حسنًا، لا تَرون منكم دخولَكم ولا خروجَكم، وإنما تَرون المصرِّفَ لكم ربَّكم ﷾ (^٤).
وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: ثماني (^٥) آيات في سورة النساء كلُّ
_________________
(١) = ﵀ قال عند تفسير الآية (٣١) من سورة النساء: (في إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا، فقد روي عن ابن مسعود نحو ذلك، وهو صحيح إليه بلا شك). قلت: رواه من قول ابن مسعود عبد الرزاق في "المصنف" (١٩٧٠١) وفي "التفسير" (٥٥٦)، والطبري في "التفسير" (٦/ ٦٤٨ - ٦٤٩)، وابن المنذر في "التفسير" (١٦٦١)، والطبراني في "الكبير" (٨٧٨٣)، فذكر فيه الأربعة: الشرك والقنوط والأمن واليأس، وفي لفظ للطبري: (الكبائر أربع. . .). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٠٤): (إسناده صحيح).
(٢) في (أ): "وروى ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- أنَّه قال عن جبريل ﵇ إن اللَّه تعالى قال".
(٣) ذكره إسماعيل حقي في "روح البيان" (٢/ ١٩٧)، ولعله نقله من المؤلف.
(٤) في (ر): "واستحلال".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٦) في (أ): "ثمان".
[ ٤ / ٥٢٧ ]
واحدةٍ منهنَّ خيرٌ لهذه الأمة مما طَلعت عليه الشمس والقمر: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٧]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٨]، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٤٠]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية [النساء: ١١٠]، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٧] (^١).
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكبائر عشرون، وبسَطها واستدلَّ فيها بالآيات والأخبار، وهذا اختصارها: الإشراكُ باللَّه، والإيَاسُ (^٢) من رَوح اللَّه، والقنوطُ من رحمة اللَّه، والأمنُ من مكر اللَّه، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النفس بغير حقٍّ، وقذفُ المحصَنة، وأكلُ مال اليتيم ظلمًا، والفرارُ من الزحف، وأكلُ الربا، والسحرُ، والزنا، واليمينُ الكاذبة، ومنعُ الزكاة، والغلولُ، وشهادة الزُّور، وشربُ الخمر، وتركُ الصلاة متعمِّدًا، وقطيعة الرَّحِم، والجنَف في الوصية (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٦٠ - ٦٦١)، وفيه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢] بدل: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾.
(٢) في (ف): "واليأس".
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" (١٣٠٢٣)، باختلاف يسير، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١١٦): إسناده حسن.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق فادي المغربي
المجلد الخامس
دار اللباب
[ ٥ / ١ ]