(٣٢) - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: وأكثر ما ينشأ قصدُ أخذِ مال الغير بالباطل، وقتلُ النفس بغير حقٍّ، وإهلاكُ نفسه في الخوض في المخاوف، يكون بتمنِّي مال الغير وحالِ الغير، فنهاهم اللَّه تعالى عن ذلك قطعًا لِمَا يَبتني عليه، فقال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾؛ أي: ولا تشتهو ﴿مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ﴾؛ أي: الشيءَ الذي فضل اللَّه به (^١) ﴿بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: الأغنياءَ على الفقراء والرجالَ على النساء.
قال عكرمةُ ومجاهد: نزلت في قولِ أم سلمة: يغزو الرجال ولا نغزو (^٢)، ولنا نصف الميراث، فنزلت: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣) بالذكورة
_________________
(١) في (أ): "بذلك".
(٢) في (أ): "تغزو" وفي (ف): "تغزو النساء".
(٣) رواه عنهما مختصرًا الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٦٥)، ورواه بنحوه عن عكرمة ابن المنذر في "تفسيره" (١٦٧٩)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٥٠). ورواه بنحوه أيضًا الترمذي (٣٠٢٢)، والإمام أحمد في "المسند" (٢٦٧٣٦)، من طريق مجاهد عن أم سلمة ﵂، وفيه انقطاع بينهما، نبه عليه الترمذي.
[ ٥ / ٥ ]
والجهاد ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ من الخير ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أيضًا من الخير، فلا حرمان لهنَّ من الثواب بأنوثتهن ومنعِهن عن الجهاد، ولهن خيراتٌ أُخَرُ يُجازَينَ عليها.
وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون المرأة ولا الصبيَّ شيئًا، ويجعلون الميراث لمن يَحترِف، فجعل اللَّه تعالى الميراثَ للمرأة والصبيِّ، وجعل للذكَر مثلَ حظ الأنثيين، فقالت النساء: لو جُعل نصيبنا كنصيب الرجال، وقالت (^١) الرجال: إنا لنرجو أن يحاسبنا اللَّه في الآخرة كما فضَّلنا في الدنيا في الميراث (^٢)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣)؛ أي: الرجالَ بالميراث، وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ يجزي الرجلَ بالحسنة عشرًا ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ويجزي المرأة بالحسنة عشرًا، وليس ذلك على حسب (^٤) الميراث.
وقال السدِّي: تمنَّى الرجال أن لا يكونَ عليهم جهادٌ، وتمنَّى النساء أن يكنَّ مثلَ الرجال في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فنُهوا جميعًا عن تمنِّي ذلك (^٥).
وقال مقاتل بن حيان: تمنى النساء أن يكنَّ مثلَ الرجال في المواريث (^٦)، فنُهين
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فقال".
(٢) في (ر) و(ف): "بالميراث". ولفظ الطبري: (وقال الرجالُ: إنَّا لنرجو أنْ نُفضَّل على النساء بحسناتنا الآخرة، كما فضِّلْنا عليهنَّ في الميراثِ).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٦٧).
(٤) في (ف): "حساب".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٦٧).
(٦) في (أ): "الميراث".
[ ٥ / ٦ ]
عن ذلك، فقلن عند ذلك: فلهم (^١) من الوِزر على قَدْرِ ما فضِّلوا به من (^٢) الميراث، فنزل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (^٣).
وقال قتادةُ: لمَّا جُعل حظُّ الذكر مثلَ حظِّ الأنثيين في الميراث قال الرجال: نرجو أن تكون حسناتُنا مثلَي حسناتهنَّ، وقالت النساء: نرجو أن تكون سيئاتُنا على النصف من سيئاتهم، فنُهوا جميعًا عن ذلك، فنزلت الآية (^٤).
وقيل: هذا لطفٌ في النهي، وتنبيهٌ أنه لا يضرُّهم تفضيل بعضهم على بعضٍ في الأموال إذا كانوا متساوينَ في ثواب الأعمال.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل أن يكون هذا التمنِّي في الدِّيانة، ويحتمِل أن يكون في النِّعم الدنيوية:
أمَّا في الديانة: فأنْ يتمنَّى أحد أن يكون قَدْره مِثْلَ قَدْرِ آخَرَ عند الناس من العلم والزهد (^٥) وغيرِ ذلك، فنهي أن يتمنَّى ذلك؛ إذ لم يبلغ هو ذلك المبلَغَ إلا لاحتمال المكاره والمشاقِّ والجهد (^٦).
وفي الدنيوية: هو أن يتمنَّى مالَ أخيه وزوجتَه وخدَمه، وهو كفرانٌ بما أنعم اللَّه تعالى عليه من سائر النعم.
ويحتمِل أن يكون هذا على ما خاطَب به رسولَ اللَّه -ﷺ- بقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
_________________
(١) في (أ) و(ف): "لهم".
(٢) في (أ): "بعض"، بدل: "به من".
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٣٦)، وانظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٦٩).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩٩).
(٥) في (ر) و(ف): "من الدين والعلم".
(٦) في (ر) و(ف): "والمشاق وغير ذلك من الجهد" والمثبت من (أ) و"التأويلات".
[ ٥ / ٧ ]
إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] فأَخبر أنه لم يعطِ للكرامة لكن للفتنة، والعقل (^١) يأبى الرغبة فيما يُفتَن (^٢) به دون ما يُكرم به.
ثم بيَّن الذي هو أولى بالتمنِّي، وهو قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (^٣).
ثم أمر بالسؤال من فضله لتوفيق ذلك، وهو قوله تعالى:
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: فإنه هو الموفِّق، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١].
وقيل: واسألوا من أفضاله مثل (^٤) ما أعطى فلانًا الذي تتمنَّونه.
ثم إذا تمنى الرجل أن تزول نعمة الغير إليه فقد حسده، وإذا تمنى أن يبقى للغير ذلك ويكونَ له مثلُه فقد غبطه، والأول حرام، والثاني ضارٌّ لو لم يدفعه عن نفسه، ودفعُه: أن يرى فضل اللَّه على فلان، وأنه لا يَشُقُّ عليه ولا يَنْقُص من ملكه لو أعطى للمتمنِّي، فيرغب إلى اللَّه في سؤاله أن يعطيه مثله.
قال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلا ليعطيَ (^٥).
وقال الحسن: قال النبيُّ -ﷺ-: "إن اللَّه تعالى لَيُمْسِكُ الخيرَ الكثيرَ عن عبده، ويقول: لا أعطي عبدي حتى يسألَني" (^٦).
_________________
(١) في (ر): "والعاقل"، والمثبت من (أ) و(ف) و"التأويلات".
(٢) في (ر): "يفتتن".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ١٤٨ - ١٥٠).
(٤) "مثل" من (أ).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٠٠).
(٦) أورده الديلمي في "الفردوس" (٦٣٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٥ / ٨ ]
وقرأ ابن كثير والكسائي: ﴿وسلوا﴾ بغير همزٍ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، والباقون بالهمز على الأصل (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: أي: بمواضع الاستحقاق لفضل النعم والأرزاق.
وقال الإمام القشيري ﵀: على لسان أهل المعاملة أن الأمر بالتَّعنِّي لا بالتمنِّي، وعلى لسان أهل التوحيد أن الأمر بالقضاء والتقدير لا بالتمنِّي في الضمير (^٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: لا تتمنَّ نيلَ العطاء، واسأل اللَّه من فضله الرضا بفقد العطاء، وذلك أتمُّ العطاء، فإن التحرُّر عن رقِّ (^٣) الأشياء أتمُّ مِن تملُّك الأشياء (^٤).
* * *
(٣٣) - ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ووجه الانتظام: ولا تتمنوا كثرة الأموال فإنها تصير بعدكم (^٥) لغيركم بالميراث.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٢)، و"التيسير" (ص: ٩٥).
(٢) في "اللطائف": (أن الأمر بالحكم والقضاء لا بالإرادة والمنى).
(٣) في (ر): "فإن التحرز عن فقد".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
(٥) في (أ): "عنكم"، وفي (ف): "عليكم".
[ ٥ / ٩ ]
قوله (^١): ﴿وَلِكُلٍّ﴾ منوَّن على تقدير المضاف؛ أي: ولكلِّ ميت، وقيل: لكلِّ مورِّث ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾؛ أي: ورثةً يَلُونه؛ أي: يَقربون منه، جمعُ مولًى.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (مِن) في ﴿مِمَّا﴾ صلة، و(ما ترك) اسم للترِكة الموروثة، و﴿مَوَالِيَ﴾ بمعنى الورثة، وتقع وراثتهم على ما ترك.
وقيل: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ داخل في المال؛ أي: ولكلِّ مالٍ مما تركه الأبوان وسائرُ القرابات جعلنا (^٢) لذلك المال ورثةً.
وقيل على الوجه الأول: ولكلِّ ميت جعلنا ورثةً، ثم يضمر هاهنا: يُعطون مما ترك.
وقيل: أو (^٣) الكلام يتمُّ بـ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، ثم قوله: ﴿الْوَلِدَانِ وَالْأَقربوُنَ﴾ ابتداءٌ على وجه التفسير للموالي؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٤) قرأ ابن كثير وأهلُ المدينة وأبو عمرٍو و[ابن] عامر (^٥): ﴿عاقَدَتْ﴾ بالألف لأنها بين اثنين، والباقون: ﴿عَقَدَتْ﴾ (^٦) وهو أصل الفعل (^٧).
_________________
(١) "قوله" من (أ).
(٢) في (ر): "جعلت"، وسقطت الجملة من (ف).
(٣) في (أ): "أول".
(٤) في (أ): " ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ "، وهما قراءتان سبعيتان كما سيأتي.
(٥) كلمة: "وعامر" سقطت من (أ)، وكلمة "ابن" سقطت من النسخ.
(٦) هي قراءة حمزة والكسائي وعاصم. انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٣)، و"التيسير" (ص: ٩٦).
(٧) في (ر): "العقد".
[ ٥ / ١٠ ]
وقرأت أمُّ سعدٍ بنتُ سعدِ بن الرَّبيع: (عَقَّدت) بالتشديد (^١)، وهو للتوثيق والتأكيد (^٢).
﴿أَيْمَانُكُمْ﴾: جمع يمين، وهي اليد التي أُضيفت المعاقَدةُ إليها كما تضاف سائر الأفعال إلى اليد (^٣)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢].
وقيل: كانوا يصفِّقون بالأيدي عند العقود والعهود؛ أي: يأخذون الأيدي بالأيدي، فلذلك أضيفت إليها.
وقيل: هذه الأيمان هي الأقسام، وكانوا يؤكِّدون العهود بالأيمان، ولذلك سمِّيت محالفةً وحِلفًا، وتقديره: والذين عقَدَت لكم أيمانكم، وهو (^٤) عقدُ الموالاة، وهي مشروعةٌ، والوراثةُ بها ثابتةٌ عند عامة الصحابة والعلماء، وهو قولنا (^٥)، وتفسيره: إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له، فيقول لآخر: والَيْتُك على أن تَعْقِلني وتَرِثَني، ويقول الآخر: قبلتُ، انعقد ذلك (^٦)، ويرث به الأعلى من الأسفل، ولا يرث به الأسفل من الأعلى (^٧)، وله أن ينتقل بولائه عنه إلى غيره ويفسخَه بحضرته ما لم يَعقل عنه جنايتَه، فإذا عَقَل فلا فسخ ولا انتقال،
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٢)، وزاد نسبتها لمبشر بن عبيد، ورويت عن حمزة في غير المشهور عنه. انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٦).
(٢) في (أ): "والتوكيد".
(٣) "إلى اليد" ليس في (أ) و(ف).
(٤) في (ر) و(ف): "وهي".
(٥) عند أبي حنيفة: إذا تعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، خلافًا للشافعي.
(٦) في (ر) و(ف): "قبلت العقد لذلك".
(٧) "ولا يرث به الأسفل من الأعلى" من (أ)، ووقع في (ف) بدلًا منه: "والأسفل من الأعلى".
[ ٥ / ١١ ]
وهذا المولى في الوراثة (^١) مؤخَّرٌ (^٢) عن ذوي الأرحام؛ لضعف حاله لاختلاف الناس فيه، ومِن شرط صحة هذا العقد أن لا يكون للأسفل نسبٌ، ولا يكونَ له معتَقٌ، ولا يكونَ عربيًّا لأن العرب لا يُسترقُّون فلا يكون عليهم ولاءُ عتاقة، فكذا ولاء الموالاة وقد بيَّنَّا (^٣) هذا كلَّه (^٤) في "حصائل المسائل".
وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: أعطُوا المواليَ بالقرابة والمواليَ بالولاء قسمتَهم (^٥) من الميراث.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: أي: هو عالم الغيب والشهادة، وهو أبلغ وعد ووعيد.
* * *
(٣٤) - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (^٦) انتظامُها بالآيةِ التي قبلها أنَّ النساءَ تمنَّينَ حالَ الرِّجال، فنُهينَ عن ذلك، وذكرَ في هذه الآيةِ تفضيلَ الرِّجالِ
_________________
(١) في (ف): "الورثة".
(٢) في (ر): "يؤخر".
(٣) في (ر) و(ف): "ذكرنا".
(٤) "كله" من (أ).
(٥) في (ر) و(ف): "قسمهم".
(٦) بعدها في (ف): "بما فضل اللَّه".
[ ٥ / ١٢ ]
عليهنَّ، واتصالُها بأوَّل السُّورة أنَّ اللَّهَ تعالى أمرَ بالعدلِ بينَ النِّساء، وبيَّن هاهنا أنَّ الأمرَ بالإحسان إليهنَّ لا يوجِبُ تركَ تقويمهنَّ.
وقولُه تعالى: ﴿قَوَّامُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: أمراء (^١).
وقيل: مسلَّطون.
وقيل أي: قائمون بتأديبهنَّ وتَدبيرهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: بتفضيلِ اللَّه الرِّجالَ على النِّساءِ بالعقلِ، والقُوَّةِ، والجماعات، والجُمُعات، والولايات، والشَّهادات، والجهادِ وملكِ النِّكاح، وملكِ الطَّلاق، وتضعيفِ الميراث، وكونِ الأنبياء منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: وبأن نفقتهنَّ عليهم (^٢)، ودلَّ على وجوب نفقاتِ الزَّوجاتِ على الأزواج.
وقال الشافعيُّ ﵀: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؛ أي: الأولياءُ هم الذين يَلونَ تزويجهنَّ دونهنَّ (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ولا يَستقيمُ حملُها على الأولياء بدليل قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وذاك في حقِّ الأزواجِ دون الأولياء (^٤).
ثمَّ بيَّن أنَّ النِّساءَ نوعان:
وذلك قولُه تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: النِّساءُ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٨٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٣٩) (٥٢٤٥).
(٢) قوله: "أي: وبأن نفقتهن عليهم" ليس في (ف).
(٣) انظر: "الأم" للشافعي (٦/ ٣١ - ٣٣).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٥٦).
[ ٥ / ١٣ ]
الموصوفاتُ بالصَّلاح هنَّ المطيعاتُ للَّه تعالى، والرَّاعياتُ حقوق الأزواج في غيبتِهم، فيحفظنَ أنفسهنَّ عن الغيرِ، ويَحفظنَ أموالَ الأزواجِ أيضًا، ودلَّ على أنَّ الصَّلاحَ هو أداءُ حقِّ اللَّه تعالى وحقِّ الخلق.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: ذلك بحفظِ اللَّهِ وعونِه، كما في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّي﴾ [يس: ٢٧]؛ أي: بمغفرتِه، فإنَّ "ما" مع الفعل بمعنى المصدرِ، ودلَّ على صحَّة مذهب أهلِ السُّنَّة والجماعة في إثباتِ الفعلِ مِن العبدِ والمعونةِ من اللَّه.
وقيل: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: بما ألزمهنَّ اللَّهُ مِن حفظِ ذلك بأمرِه، وهو إضافةُ فعلِ الفاعلِ إلى الآمرِ به، وأضمر هاهنا: فأحسنوا إليهنَّ، وكذا هو في مصحفِ عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (^١).
والنوع الثاني: وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ أي: تَخشون ترفعهنَّ بالمخالفة؛ لعلمكم بالأعمال (^٢) المؤدِّيةِ إليه. قاله محمد بن كعب القرظيّ.
وقوله تعالى (^٣): ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: عظوهنَّ (^٤) بالكتابِ والسُّنَّة (^٥).
_________________
(١) روى الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٩٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٤١) (٥٢٥٨) عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ: "فأصلحوا إليهن". قال أبو حيان في "البحر المحيط" (٧/ ٣٨): وينبغي حملُها على التفسير؛ لأنَّها مخالفةٌ لسواد الإمام، وفيها زيادة، وقد صحَّ عنه بالنقل الذي لا شك فيه أنه قرأ وأقرأ على رسم السواد، فلذلك ينبغي أن تُحمَل هذه القراءة على التفسير.
(٢) في (أ): "بالأحوال".
(٣) بعدها في (ف): "واللاتي تخافون نشوزهن".
(٤) لفظ: "عظوهن" من (ف).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٩٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٤١، ٩٤٢) (٥٢٦١)، (٥٢٦٤)، واقتصر فيهما على ذكر الكتاب دون ذكر السنة.
[ ٥ / ١٤ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: العظةُ كلامُ يُلَيِّنُ القلوبَ القاسيةَ، ويُرَغِّبُ الطبائعَ النَّافرة، وهي بتذكيرِ العواقِب.
وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: إذا لم يَنفعِ الوعظُ فأدِّبوهنَّ بالهَجرِ، وهو القطعُ، ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾ جمعُ مضجع، وهو موضعُ وضعِ الجَنْبِ للنَّوم، وأصلُ التضجيع والإضجاع (^١): الإمالة.
قيل: هو ألَّا يضاجعَها في مضجعٍ.
وقيل (^٢): لم يُرِد به ليُبعِدها (^٣) مِن مضجعِه؛ فإنَّه لم يقل: عن المضاجع، بل أرادَ أنَّهما يَجتمِعان في مضجعٍ، لكن يولِّيها ظهرَه، ولا يلازِمُها، ولا يَنبسِطُ إليها كما كان يفعلُهُ؛ إعلامًا بالعَتبِ والمؤاخذة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾؛ أي: إذا لم تقع الكفايةُ بالهجران، فأدبوهنَّ بالضَّرب، وهو ضرب غيرُ خادشٍ ولا جارِحٍ ولا شائن.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾؛ أي: في الإجابةِ إلى الفِراش (^٥)، ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾؛ أي: لا تَطلُبوا العِلَلَ، ولا تَذكروا ما قد كان.
وقيل: أي (^٦): لا تُكلِّفوهنَّ محبَّةَ القلب (^٧)، فليس ذلك بأيديهنَّ، واكتفوا منهنَّ بالطَّاعة، فللنَّاس مِن النَّاس ما يظهرون، وللَّه مِن النَّاسِ ما يُضمِرون.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والاضطجاع".
(٢) لفظ: "وقيل" من (أ).
(٣) في (أ): "تبعيدها" بدل: "ليبعدها".
(٤) في (ف): "والوجدة".
(٥) بعدها في (ف): "قوله تعالى".
(٦) لفظ: "أي" من (أ).
(٧) في (أ): "القلوب".
[ ٥ / ١٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾؛ أي: إنَّ اللَّهَ مع عُلُوِّه وكبريائِه لا يؤاخِذُ بأوَّل الحال، ويدعو (^١) إلى التَّوبة، ويَقبلُ إذا تابَ (^٢)، ولا يؤاخِذُ بما قد كان، فالعبدُ أحقُّ بذلك.
وقيل: ذكر (^٣) علوِّه وكبرياءِه في آخرِ هذه الآية تنبيهٌ للعبدِ، ومنعٌ له عن مجاوزةِ الحدِّ فيما يُقيمُه عليها على وجهِ التَّأديب.
وقال مقاتل: نزلَت الآيةُ في سعدِ بن الرَّبيعِ بنِ عمرو، وهو مِن النُّقباء، وفي امرأته حبيبة بنتِ زيد بن أبي زُهير، وهما من الأنصار -وقال الكلبيُّ: بل امرأتَه بنتُ محمَّد بنِ مسلمة (^٤) - وذلك أنَّه لطمَها، فانطلقَ أبوها معها إلى النبيِّ -ﷺ-، فقال: أنكحتُه كريمَتي، فلطمها، فأمرَها النبيُّ -ﷺ- بالاقتصاصِ، فلمَّا همَّت بالاقتصاص، أبصر (^٥) النبيُّ -ﷺ- جبريلَ يَنزل، فقال لها: كُفِّي، حتَّى انظرَ ما جاءَ به جبريلُ في أمرِك، فنزلَ بهذه الآية، فقال النبيُّ -ﷺ-: "أردنا أمرًا، وأراد اللَّهُ أمرًا، والذي أرادَ اللَّهُ خيرٌ ممَّا أردناه" (^٦).
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ (^٧) الخطابُ لولاة الأمرِ، ولقُضاة العصر.
_________________
(١) في (ف): "يؤاخذنا. . . ويدعونا".
(٢) في (ف): "تبنا".
(٣) في (ر) و(ف): "ذكره".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٠٢).
(٥) في (أ): "أخبر".
(٦) في (أ): "أردنا". وانظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٧٠).
(٧) بعدها في (ف): "شقاق بينهما".
[ ٥ / ١٦ ]
وقيل: لعشائرِ الزَّوجينِ، أو لجيرانِهما، يقول: إنْ لم يَصلح الأمرُ بالوعظِ والهِجرانِ والضرب حالَ نشوزِها، أو اشتبهَ الأمر أن الإساءةَ منها أو منه، وخفتُم، أي: خشيتُم، أو علمتُم الخلافَ والنِّفارَ (^١) بين الزَّوجين (^٢)، وذلك قولُه تعالى:
﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، وأصلُ الشِّقاقِ: أنْ يصيرَ أحدُهما في شِقٍّ والآخرُ في شقٍّ (^٣)، بالمخالفة والمباعدة والمعاداة. و﴿بَيْنِهِمَا﴾ خفضَ بالإضافة، ومعناه الوصل، كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، وقال اللَّه تعالى: ﴿لقد تقطع بينُكم﴾ [الأنعام: ٩٤﴾ على قراءة الرفع (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ أي: أرسِلوا متوسِّطًا مِن عشيرة الزَّوج (^٥)، ومتوسِّطًا مِن عشيرةِ المرأة (^٦)، لينظرا مَن الظَّالم منهما فيؤمرَ بترك الظلم، فيخلو حكمُ الرَّجل بالرَّجل ويتفحَّصُ عن رأيه في إمساكِها ومفارقتِها، ويخلو حكمُ المرأة بالمرأة، ويفعل كذلك، ثمَّ يلتقيان، فيقبلان على الظَّالمِ منهما، فيحملانِه على العدل.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ (^٧) قيل (^٨): أرادَ به الحكمين.
_________________
(١) في (أ): "والبعاد".
(٢) بعدها في (ف): "يقول: إن لم يصطلح الأمرُ بالوعظ".
(٣) بعدها في (ر): "آخر".
(٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة. انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٣)، و"التيسير" (ص: ١٠٥).
(٥) في (ف): "الرجل".
(٦) في (ر): "متوسطان من عشيرة المرأة والرجل" بدل: "متوسطًا من عشيرة الزوج ومتوسطًا من عشيرة المرأة".
(٧) بعدها في (ف): "يوفق اللَّه بينهما".
(٨) لفظ: "قيل" ليس في (ف).
[ ٥ / ١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: يؤلِّفْ ببركةِ ذلك بين الزَّوجين، والتَّوفيقُ مِن الموافقة.
ولمَّا أثَّرَتْ إرادةُ الصَّلاحِ منهما في غيرهما، فإرادةُ الإنسانِ الصَّلاح في نفسِه أولى أن تُؤثِّرَ فيه.
وقيل: أرادَ به (^١) أن يوفِّقهما ويسدِّدهما للخيرِ في باب الزَّوجين (^٢).
وقيل: أرادَ به إرادةَ الصَّلاح مِن الزَّوجين، ووعدَ عليها (^٣) التَّأليفَ بينهما، والتَّسديدَ إيَّاهما.
وفيه حجَّةُ أهل السُّنَّةِ والجماعة في إثبات الفعلِ من العبد، والتوفيقِ مِن اللَّه تعالى.
ورويَ أنَّ عمرَ ﵁ بعثَ الحكمين بين الزَّوجين، فلم يتَّفق لهما الإصلاحُ بينهما، فعلاهما بالدِّرَّة وقال: إنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ وإنَّكما لم تريدا إصلاحًا (^٤).
وروي أنَّهما تابا، وعادا إلى الزَّوجين، فوجداهما قد اصطلحا، وأغلقا البابَ على أنفسهما (^٥).
وقال عَبيدة السلماني: شَهِدت عليًّا ﵁، إذ جاءت (^٦) امرأةٌ وزوجُها، مع كلِّ واحد منهما جماعةٌ مِن النَّاس، فأخرجَ هؤلاءِ حكمًا، وهؤلاءِ حكمًا، فقال
_________________
(١) بعدها في (ف): "إرادة الصلاح".
(٢) من قوله: "وقيل أراد به أن يوفقهما" إلى هنا ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "عليه".
(٤) في (أ): "الإصلاح".
(٥) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٦/ ٤٩٧ - ٤٩٨).
(٦) في (أ): "فجاءت "بدل من "إذ جاءت".
[ ٥ / ١٨ ]
عليٌّ ﵁: أتدريان (^١) ما عليكما؟ (^٢) عليكُما إنْ رأيتُما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتُما أنْ تُفَرِّقا أن تُفَرِّقا، فقالت المرأةُ: رضيت بما في كتاب اللَّه عليَّ ولي، وقال الرَّجل: أمَّا الفرقةُ فلا، فقال علي ﵁: كذبتَ، حتَّى تُقِرَّ بمثل الذي أقرَّت به (^٣).
تَعلَّقَ بعضُ العلماء بظاهرِه، وقال: للحكمَين الجمعُ والتَّفريق.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليس لهما التَّفريق، وهذا الحديثُ دليلُنا؛ لأنَّ الزَّوجَ لمَّا لم يَرضَ به، لم يقل عليٌّ: هو لازمٌ عليك؛ رضيتَ به أو لم ترض، بل قال: لا، حتَّى تُقِرَّ به. فدلَّ أنَّه لا يلزمُ (^٤) إلا بأمره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾؛ أي: بإرادة الحكَمين، ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: بمعاملة الزوجين.
وقيل: أي: يَعلمُ، ويُخبِرُ بما يَعلم.
* * *
(٣٦) - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
ثمَّ ذكرَ بعد حقوقِ الزَّوجين حقوقَ عامَّةِ الخلق، فبدأ بحقِّ نفسِه، وذلك قوله
_________________
(١) في (أ): "تدريان".
(٢) بعدها في (ف): "أي".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٥٧٧)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٧١٨)، وابن أبي حاتم (٣/ ٩٤٥) (٥٢٨٢).
(٤) في (ر) و(ف): "يلزمه".
[ ٥ / ١٩ ]
تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (^١) قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: وحدوا اللَّه (^٢).
وقيل: أطيعوا اللَّه.
﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ أي: الشِّركَ الجليَّ، وهو الكفرُ، والشِّركَ الخفيَّ، وهو الرِّياء، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قيل: ﴿إِحْسَانًا﴾ (^٣) نصب على الإغراء، وتقديرُه: وإحسانًا بالوالدين، ولا إضمار.
وقيل: في أوَّلِه إضمار: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، ومعناه: إلى الوالدين، والباءُ بمعنى: إلى، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠].
وبدأ بهما؛ لأنَّ حقَّهما أعظمُ حقوق البشر.
وقوله تعالى: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (^٤) أي: بصاحب القَرابة، وهو أمرٌ بصلةِ الأرحامِ المتَّصلين بك بالوالدين. ووحَّد ذا القربى؛ لأنَّه جنسٌ، فيَصلُحُ للجمعِ، أو هو أمرٌ لكلِّ فردٍ منهم بصلة الرَّحم (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ قد فسَّرناهما في سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قيل: الأوَّلُ هو الجارُ النَّسيب، والثاني هو الجارُ الأجنبيُّ.
_________________
(١) بعدها في (ف): "ولا تشركوا به شيئًا".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٤٧) (٥٢٨٩).
(٣) قوله: "قيل إحسانًا" من (أ).
(٤) "واليتامى والمساكين" زيادة من (ف).
(٥) في (أ): "رحمه".
[ ٥ / ٢٠ ]
وقيل: الأوَّل: هو الجارُ المسلِمُ، والثاني: هو الجارُ المشرِكُ المباعِد في الدِّين.
وقيل: الأول: هو الجارُ الملاصِق، والثاني: هو الجارُ الذي لا يُلاصق.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قال ابنُ عباسٍ وجماعةٌ رضوان اللَّه عليهم: هو الرَّفيق في السَّفر (^١).
وقال عليٌّ وابنُ مسعودٍ ﵄: هي الزَّوجةُ التي تكون معك، إلى جنبك (^٢).
وقيل: هو الجليسُ، وهو مرويٌّ عن ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ قال: إني لأستحيي أنْ يَطأ الرَّجلُ بساطي ثلاثَ مرَّات، ولا يَرى عليه أثرَ بِرِّي عليه (^٣).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "الجيرانُ ثلاثةٌ، جارٌ له حَقٌّ واحدٌ، وهو حَقُّ الجوار، وهو الجارُ المشركُ، وجارٌ له حقَّان، حَقُّ الجوارِ، وحَقُّ الإسلام، وهو الجارُ المسلم، وجارٌ له ثلاثةُ حقوق؛ حَقُّ الجوار، وحَقُّ الإسلام، وحَقُّ القرابة، وهو الجارُ المسلمُ القريب" (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١١ - ١٣) عن ابن عباس ومجاهد والسدي وسعيد بن جبير والضحاك.
(٣) رواه الطبراني في "مكارم الأخلاق" (١٩٠).
(٤) رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٢٤٧)، والطبراني في "مسند الشاميين" (٢٤٣٠)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٩٢)، ومن طريق ابن عديٍّ البيهقيُّ في "شعب الإيمان" (٩١١٣) من حديث عبد اللَّه بن عمرو. وفي إسناده سويد بن عبد العزيز وعثمان بن عطاء وأبوه، قال البيهقي: ضعفاء، غير أنهم غير متهمين بالوضع. ورواه البزار كما في "كشف الأستار" (١٨٩٦) من حديث جابر ﵁، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٦٤): رواه البزار عن شيخه عبد اللَّه بن محمد الحارثي، وهو وضاع. لكن رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٢٤٥٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٢٠٧) من غير طريق الحارثي، وهو عندهم من طريق عبد الرحمن بن فضيل، عن عطاء الخراساني، عن الحسن البصري عن جابر، وعبد الرحمن بن فضيل لم أقف على ترجمته.
[ ٥ / ٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو الغريبُ، وقال قتادةُ والضَّحَّاكُ: هو الضَّيفُ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: العبيدُ والإماء.
وقيل: يدخلُ فيه (^٢) الحيواناتُ المملوكة؛ لعمومِ كلمة "ما"، ولا يجوزُ الإساءةُ إليها بمنع علفِها، وكثرةِ حملها، وعنفِ استعمالها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾؛ أي: متبخترًا في مشيته (^٣)، عظيمًا في نفسِه، لا يقومُ بحقوق اللَّه تعالى التي عليه، فخورًا يفخرُ على عبادِ اللَّه بما خوَّلهُ اللَّه تعالى مِن نعمتِه (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: العبوديَّةُ: معانقة (^٥) لأمرِ، ومفارقةُ الزَّجرِ.
والشِّرك جليُّهُ: اعتقادُ معبودٍ سواهُ، وخفيُّه: ملاحظةُ موجودٍ سواه.
وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ قال: من جيرانِك: ملكاك (^٦)، فلا تؤذِهما بعصيانِك، وراعِ حقَّهما بما تُملي عليهما مِن إحسانِك، وإذا كان جارُ دارِك مستوجبًا للإحسان إليه، فجارُ نفسِك -وهو قلبك- أولى بألَّا تُضيِّعَهُ، ولا تغفلَ عن حلولِ الخواطرِ المرديةِ فيه، ثمَّ جارُ قلبك -وهو معرفتك (^٧) - أولى أنْ تحاميَ على حقِّها،
_________________
(١) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٨).
(٢) في (أ): "ويدخل فيه أيضًا" بدل: "وقيل يدخل فيه".
(٣) في (أ): "مشيه".
(٤) في (ف): "نعمه".
(٥) في (ف): "موافقة".
(٦) قوله: "ملكاك" وقع مكانها في "لطائف الإشارات" بياض، وعلق محققه أنها مشتبهة، فتثبت من هنا.
(٧) في (ر) و(ف): "معرفته"، وتحرفت في "لطائف الإشارات" إلى: "روحك".
[ ٥ / ٢٢ ]
فلا تُمَكِّنَ ما (^١) يخالفُها مِن مساكنَتها، ثمَّ جارُ روحِك- وهو سرُّكَ أولى أنْ تراعيَ حقَّه، فلا تمكِّنهُ مِن الغَيبةِ عن أوطان الشُّهود، ثمَّ الأولى من ذلك كلِّه أن لا تَغفُل عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] (^٢).
* * *
(٣٧) - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ نعتٌ لقوله: ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾؛ لأنَّه جنسٌ، فكان بمعنى الجمع، والبُخلُ: منعُ الفَضلِ عن ذي الحاجَّة، وأصلهُ: مشقَّةُ الإعطاء.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هو على لسان أهل الحقيقة: تركُ الإيثارِ في زمان الاضطرار.
وقال: بخلُ الأغنياءِ بمنع النِّعمة، وبخلُ الفقراءِ بمنع الهمَّة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ بفتح الباء والخاء، والباقون بضمِّ الباء وتسكين الخاء (^٤)، وهما لغتان كالرُّشْدِ والرَّشَد والصَّرْف، من باب (^٥) علم.
قال ابنُ عباسٍ ﵄: نزلَت الآيةُ في رؤساء أهلِ الكتاب، قالوا لرجالٍ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أن".
(٢) "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٣١).
(٣) "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٣١، ٣٣٢).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٣)، و"التيسير" (ص: ٩٦).
(٥) في (أ): "حد".
[ ٥ / ٢٣ ]
مِن الأنصار: لا تُنفِقوا أموالَكم، فإنَّا نَخشى الفقرَ عليكم، وما (^١) تَدرون ما يكون، فنزلَت هذهِ الآيةُ (^٢): ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بأنفسهم، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ بقولهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: يُخفونَ ما أنعمَ اللَّهُ عليهم به مِن المالِ وسَعَةِ الحال، وهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم (^٣): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، ولمَّا نزلَتْ آيةُ الاستقراض ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، فهم في غاية البُخلِ بالمال.
وقيل: هو مرويٌّ عن ابن عباسٍ ﵄ أيضًا أنَّ المرادَ به البخلُ بما علموا به في التَّوراة مِن نعت محمَّد ﵊، وحقِّيَّة (^٤) الإسلام، وأمرُهم أصحابَهم بأن لا يُظهروه للمسلمين، وكتمانُهم ذلك (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: هم كافرون، وقد اعتدنا لهم عذابًا يُهانون به في الآخرة.
وقال طاوس: البُخلُ: هو أن يبخلَ الإنسانُ بما في يدِه، والشُّحُّ: أنْ يَشِحَّ بما في أيدي النَّاس (^٦).
وقيل: البخلُ: هو أنْ يأكلَ بنفسِه، ولا يُؤكِلَ غيرَه، والشُّحُّ: ألَّا يأكلَ بنفسِه، ولا غيره (^٧)، والسَّخاء: هو أن يأكلَ ويُؤكِلَ، والجودُ: أن يُؤكِلَ ولا يَأكُل.
_________________
(١) في (أ): "حد".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٤).
(٣) في (ف): "في حقهم".
(٤) في (ر) و(ف): "وحقيقة".
(٥) انظر: "تفسير الطبري" (٧/ ٢٤).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢١).
(٧) قوله: "والشح أن لا يأكل بنفسه ولا غيره" ليس في (ف)، وقوله: "ولا غيره" ليس في (أ).
[ ٥ / ٢٤ ]
(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ذمَّ قومًا منهم بالبُخل، وذمَّ قومًا بالإنفاق في غير الحقِّ.
والرِّياءُ مصدرٌ كالمراءاة، يقال: راءاه يُرائيه رياءً ومراءاةً، كما يُقال: ماراهُ يُماريهِ مراءً ومماراةً؛ أي: يَبذلون أموالَهم لوجوهِ النَّاس، لا لرضاءِ اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ونفقةُ مَن لا يُؤمِنُ لا تكونُ لرضى اللَّهِ، بل تكون بتزيين الشيطان، ولذلك ختمَ الآيةَ به، وذلك قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ القرينُ: المقارِنُ، كالشَّريكِ هو المشارك، وقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾؛ أي: بئس القرين (^١) هو، وما أسوأهُ قرينًا له، وهو يكون في الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت: ٢٥]، وفي الآخرة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]. وقال السُّدِّيُّ: نزلت (^٢) في المنافقين.
* * *
(٣٩) - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ عليهم، استفهامٌ بمعنى الاستنكار (^٣)، يقول: أيُّ مضرَّةٍ ومشقَّةٍ عليهم في الإيمان والإنفاق.
_________________
(١) قوله: "أي: بئس القرين" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "الآية" وفي (ر): "نزل" بدل: "نزلت".
(٣) في (ر) و(ف): "الإنكار".
[ ٥ / ٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ (^١) أخبرَ أنَّهم ممتنعون عنه اختيارًا (^٢)، لا ممنوعون عنه إجبارًا، فدلَّ على مذهب أهلِ السُّنَّة والجماعة (^٣)، وهذا قطْعٌ للعُذر؛ لأنَّ تركَهم الإيمانَ وإنفاقَهم للرِّياء، كان لإبقاء الرياسة، فأخبرَ أنَّ إيمانَهم وإنفاقَهم (^٤) لا يزيلُ ذلك، بل يزيدُها، كما كان لعبد اللَّه بن سلام وأصحابه، وغيرُهم ماتوا وانقطعَ ذِكْرُهم أصلًا.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ قال الإمامُ أبو منصور ﵀؛ أي: أنشأَهُم على علمِه بأنَّهم لا يؤمنون؛ ليعلمَ الخلائقُ أنَّ مخالفتَهم إيَّاه لا تَضرُّهُ (^٥).
وقيل: قال ذلك تحذيرًا لهم.
وقيل: أي: كان بهم عليمًا أنَّهم لا يؤمنون، عنادًا ومكابرةً، لا لقصور الدليل.
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: مقدارَ ذرَّةٍ في الثِّقل، والذَّرَّةُ عند ابنِ عبَّاس ﵄: النَّملةُ الصَّغيرةُ الحمراء (^٦) التي لا تَكادُ تُرى مِن صغَرِها،
_________________
(١) قوله: "وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ " ليس في (أ).
(٢) لفظ: "اختيارًا" ليس في (أ).
(٣) لفظ: "والجماعة" ليس في (أ).
(٤) في (ف): "نفاقهم"، ووقع بعدها في (ر) و(ف): "للَّه".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٨٤).
(٦) روى الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٩) عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها: رأس نملة حمراء.
[ ٥ / ٢٦ ]
وفي روايةٍ عنه أنَّه أدخلَ يدَهُ في التُّراب، ثمَّ رفعَها، ثمَّ نفخَ (^١) فيها، وقال: كلُّ واحدةٍ من هذا ذرَّة (^٢).
وقيل: الذَّرَّة: الواحدةُ مِن الأجزاء التي تَظهرُ في شُعاع الشمس، إذا وقعَت في الكوَّة.
واتِّصالُها بما قبلَها أنَّ قوله (^٣): وماذا عليهم لو آمنوا باللَّه، وأنفقوا، واللَّهُ لا يَظلِمُ مثقالَ ذرَّةٍ (^٤)؛ أي: لا ينقصُ مِن أعمال العباد شيئًا.
وقيل: أي: لا يضعُ ذنبَ أحدٍ على أحدٍ وإنْ قلَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قرأ أهلُ المدينة: ﴿وإن تك حسنةٌ﴾ بالرفع (^٥)؛ لأنَّها اسمُ كان، وقرأ أهلُ مكَّة بياء التذكير ورفعِ الاسم، لتقديم الفعل على الفاعل (^٦)، وقرأ الباقون بتاء التأنيث ونصب الاسم، ومعناه: وإن تكُ زِنَةُ الذَّرَةِ حسنةً وقرأ ابنُ كثير ونافعٌ وابنُ عامر (^٧): ﴿يضعِّفْها﴾ بالتشديد (^٨)، والباقون ﴿يُضَاعِفْهَا﴾.
_________________
(١) في (أ): "ونفخ".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٠ - ٣٢١) (١١٢٠) (طبعة دار التفسير).
(٣) قوله: "أن قوله" ليس في (أ).
(٤) قوله: "مثقال ذرة" ليس في (أ).
(٥) هي قراءة نافع من أهل المدينة، وقرأ بها أيضًا ابن كثير المكي. انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٣)، و"التيسير" (ص: ٩٦).
(٦) لم أقف على من قرأ: "يك" بالياء، لا من أهل مكة ولا من غيرهم، وقراءة ابن كثير المكي: "وإن تك حسنةٌ" يعني بتاء التأنيث، كما ذكرت قريبًا.
(٧) قوله: "ونافع وابن عامر" ليس في (أ).
(٨) هي قراءة ابن كثير وابن عامر، ولم أر من نسبها لنافع، والصواب أن قراءته المتواترة عنه كقراءة الجمهور، يعني: "يضاعفها". انظر: "السبعة" (ص: ١٨٥)، و"التيسير" (ص: ٨١).
[ ٥ / ٢٧ ]
وقرأ الحسنُ: "نُضاعفها" بالنون (^١) الخفيفة؛ إخبارًا (^٢) مِن اللَّه تعالى عن نفسِه بكلام الملوك على الجمع.
وقيل: الإضعافُ: إعطاءُ المثلَين، والتَّضعيفُ والمضاعفةُ: إعطاءُ الأمثالِ (^٣)، يقول: وإنْ تكُ قدر الذَّرَّة حسنةً، فاللَّهُ تعالى يُعطِي ثوابَها أضعافًا، لا على قدرِ العمل، وهذا جزاءُ العمل، ثمَّ وراءَه زيادةٌ مِن عنده، وهو قوله تعالى:
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: يعطِ مِن عنده ثوابًا كثيرًا كبيرًا (^٤)، وما وصفَهُ اللَّهُ تعالى بالعظيمِ (^٥)، فمن يَعرِفُ مقدارَهُ مع أنَّه سَمَّى الدُّنيا وما فيها قليلًا، وسمَّى هذا الفضل (^٦) عظيمًا.
وقال عطاءٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن منافقٍ إلَّا جازاهُ بها، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ مِن مؤمنٍ ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ الآية (^٧).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ذكرَ هذا ونحوَه؛ لئلَّا يَظُنَّ جاهل إذا رأى ألمَ الأطفالِ، وما يَحُلُّ بهم أنَّ ذلك ظلمٌ منه لهم، لكن ذلك ليُعلَمَ أنَّ الصَّحَّةَ والسَّلامة إفضالٌ مِن اللَّه تعالى عليهم، لا لحقِّهم عليه؛ إذ
_________________
(١) انظر قراءة الحسن في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٠٩). ونسبها ابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن": (ص: ٣٣) لابن هرمز.
(٢) في (أ): "يضاعفها خبرًا" بدل: "نضاعفها بالنون الخفيفة إخبارًا" ولفظ: "إخبارًا" ليس في (ف).
(٣) قوله: "والتضعيف والمضاعفة إعطاء الأمثال" من (أ).
(٤) لفظ: "كبيرًا" من (ف).
(٥) في (أ): "بالعظم".
(٦) في (ر): "الأجر".
(٧) لفظ: "الآية" من (أ). والأثر ذكره الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٥٣) و"البسيط" (٦/ ٥١٥) من رواية عطاء عن ابن عباس ﵄.
[ ٥ / ٢٨ ]
له أنْ يَخلُقَ كيف شاء صحيحًا وسقيمًا، ثمَّ مَن ظلمَ آخر (^١) في الشَّاهدِ، فإنَّما يَظلِمُ لإحدى خَلَّتين؛ إمَّا لجهل بالعدل والحقِّ، وإما لحاجةٍ تَمسُّه يدفع ذلك به عن نفسِه، واللَّه تعالى غنيٌّ بذاتِه، عالمٌ لم يزل، يتعالى عن أن تمسَّهُ حاجةٌ، أو يَخفي عليه شيءٌ، مع ما أنَّ الظُّلمَ في الشَّاهد هو تناولُ ما ليس له بغير إذنِ مَن هو له (^٢)، وكلُّ الخلائقِ مِن كلِّ الوجوه له، فلا معنى للظُّلم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهذا يُبطِلُ قولَ المعتزلةِ: إنَّ مَن ارتكبَ كبيرةً يَخلُدُ في النَّار ومعه حسنات كثيرةٌ، واللَّهُ تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (^٣) الآية (^٤).
* * *
(٤١) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾؛ أي: فكيف حالُهم؟ وهذا استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ لأنَّه يقتضي إقرارَ العبد على نفسه بما كان من قبيحِ عملِه.
وقوله ﷻ: ﴿بِشَهِيدٍ﴾؛ أي: شاهدٍ عليهم، وهو نبيُّهم.
وقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾؛ أي: أحضرناكَ، وقوله (^٥):
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أحدًا"، والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة".
(٢) بعدها في (ر): "ذلك".
(٣) قوله: "الآية" وقع مكانه في (أ): "ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا"، ووقع بعدها في (ر): "هذا يبطل قول المعتزلة".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٥) "وقوله" ليس في (أ).
[ ٥ / ٢٩ ]
﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: هذه الأمَّة (^١) ﴿شَهِيدًا﴾؛ أي: شاهدًا على مَن آمنَ بالإيمان، وعلى من كفرَ بالكُفْر، وعلى مَن نافقَ بالنِّفاقِ؛ أي: بماذا (^٢) يعتذرون، وبأيِّ شيءٍ يَحتجُّون، وإلى شفاعةِ مَن يَلتجئون، إذا أُمِرَ بهم إلى النَّار؟
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إذا كان الرَّسولُ هو الشهيدُ على أمَّتِه، وهو الشَّفيعُ لهم، فإنَّما يَشهدُ بما يُبقِي للشَّفاعة موضعًا (^٣).
ورويَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- أمرَ ابنَ مسعودٍ ﵁ بقراءة (^٤) هذه السورة، فلمَّا انتهى إلى هذه الآية، فاضَتْ عينا رسولِ اللَّه -ﷺ-، وسكتَ ابنُ مسعودٍ ﵁، ثمَّ أمرَهُ حتَّى أعادَ القراءةَ مِن أوَّلِ السُّورةِ إلى هاهنا، ففاضت عيناه، حتَّى فعل ذلك ثلاثًا (^٥).
ورويَ أنَّه ما قرأ رسولُ اللَّه -ﷺ- هذه الآيةَ قطُّ إلَّا بَكى.
وعن جابرِ بن عبد اللَّه قال: بينا نحن جلوسٌ في مسجد رسولِ اللَّه -ﷺ- وحذيفةُ يَقُصُّ عليهم ويقرأ، فدخلَ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فسكتَ حذيفةُ فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "عُد يا حذيفة"، قال (^٦): وأنت حاضرٌ؟ قال: "وأنا حاضرٌ، والذي نفسي بيدهِ، ما خرجتُ
_________________
(١) بعدها في (ر): "وقوله".
(٢) في (ف): "بما كانوا".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٣٤).
(٤) في (ر) و(ف): "يقرأ".
(٥) لم أقف عليه بهذا السياق، وأخرج البخاري في "صحيحه" (٥٠٥٠)، ومسلم (٨٠٠) عن ابن مسعود قال: قال لي النبي -ﷺ-: "اقرأ عليَّ"، قلت: يا رسول اللَّه، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: "نعم"، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: "حسبك الآن"، فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان.
(٦) في (أ): "قال قال" وفي (ر): "فقال".
[ ٥ / ٣٠ ]
إليكم حتَّى رأيتُ أبوابَ السَّماء فُتِحَت، ورأيتُ الرَّحمةَ تَنزِلُ عليكم، والذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، ما خرجَ رجلٌ مِن بيتهِ يؤمُّ بقعةً يُذكَر اللَّهُ تعالى فيها إلَّا بوَّأهُ اللَّه بها بقعةً في الجنَّة، اقرأ يا حُذيفة سورة النِّساء"، فقرأها (^١) حتَّى إذا بلغَ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية، ففاضَت عينا رسولِ اللَّه -ﷺ- حتَّى أخضلَ دمعُه لحيتَه، ثمَّ قال: "عُد"، فعاد، حتى قرأ سبعَ مرَّات (^٢).
* * *
(٤٢) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نُصبَ على الظرف، وأضيف إلى "إذ"، وهي أداةٌ للظَّرف، واتِّصالُها بما قبلَها: إذا جئنا من كلِّ أمَّةٍ بشهيدٍ يومئذٍ. و﴿يَوَدُّ﴾؛ أي: يتمنَّى.
وقوله تعالى: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ أي: خالفوا أمرَ المصطفى ونهيَه، وضُمَّتِ الواو من "عصوا" عند التقاء السَّاكنين؛ لأنَّه واوُ جمعٍ، وهي أختُ الضمَّة، فسُكِّنَت للاعتلال، فإذا احتيجَ إلى تحريكها، حُركت إلى أصلها، بخلاف قوله تعالى: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: ٤٢]، حيثُ كُسِرت لالتقاء الساكنين؛ لأنَّه سكونُ بناءٍ، واضطُرُّوا إلى تحريكِها، والساكنُ الأصليُّ يُحَرَّك إلى الكسرِ عند الضَّرورة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ قرأ نافعٌ وابن عامر بفتح التاء وتشديد السين، وأصلُه: تتسوَّى، أُدْغِمَت إحدى التَّاءين -وهي الأخيرة- في السِّين.
_________________
(١) في (ف): "فقرأ"، وليست في (ر).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) من قوله: "أي خالفوا أمر المصطفى" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٥ / ٣١ ]
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بفتح التَّاء، وتخفيف السِّين، على حذفِ التَّاء الثَّانية، كما في قوله تعالى: ﴿تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨].
وقرأ الباقون: ﴿تُسَوَّى﴾ برفع التَّاء وتخفيفِ السِّين، وهو فعلُ ما لم يسمَّ فاعلُه، من التَّسوية.
و"لو" كلمةُ تمنٍّ؛ أي: يتمنَّون لو سُوُّوا بالأرضِ، وسُوِّيَت بهم؛ أي: كانوا مِن جملةِ الأرض، ترابًا غيرَ مكلَّفين، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وهذا لأنَّ الأرضَ إنَّما تُسوَّى بشيءٍ منها، فكأنَّهم تمنَّوا أن يكونوا منها (^١).
وقيل (^٢): تسويتُهم بالأرض أنْ يُجعَلوا مثلَها، فكأنَّهم (^٣) تمنَّوا أنْ يجعلَهُم اللَّهُ ترابًا.
وفي قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ هذان الوجهان أيضًا (^٤): يا ليتني كنتُ ترابًا في الأصلِ فلم أكلَّف، ويا ليتني صرتُ ترابًا اليوم (^٥) كما تصيرُ البهائمُ المحشورةُ بعد القصاصِ تُرابًا، فلم أعذَّب.
وقيل: يودُّون لو لم يُبعَثوا مِن قبورِهم، أو أعيدوا فيها، فتستوي (^٦) الأرضُ بهم، كما كانت قبلَ البَعثِ.
وقيل: يَودُّون لو أخذَتْهُم الأرضُ فوَارَتهم بما لحقَهم مِن الخزيِ يومئذٍ،
_________________
(١) في (أ): "فيها"
(٢) في (أ): "وصفة" بدل: "وقيل".
(٣) من قوله: "تمنوا أن يكونوا" إلى هنا ليس من (ف).
(٤) لفظ: "أيضًا" ليس في (أ).
(٥) "اليوم" ليس في (أ).
(٦) في (ر) و(ف): "فتسوى".
[ ٥ / ٣٢ ]
وهو كقول الرجل إذا افتَضَحَ مِن الشَّيء: ليتَ الأرضَ أخذَتني وخُسِف بي فيها، ولم تَنلْني هذه الفضيحةُ، وقد أخبَرَ اللَّهُ عن خزيِهم يومئذٍ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥].
وقيل: يَودُّون ما يعدلُ بهم ما في الأرضِ من شيءٍ فديةً، وهو كما قال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قيل: هو متَّصِلٌ بقوله: ﴿لَوْ تُسَوَّى﴾، والتَّمنِّي واقعٌ عليهما.
قال عطاء: لو تنطبقُ عليهم الأرضُ ولم (^١) يكونوا كَتموا أمرَ محمَّدٍ، ولا كفروا به (^٢)، ولا نافقوا.
وقيل: هذا وصفُ حالهم يومئذٍ على الابتداء: أنَّهم لا يكتمون اللَّهَ شيئًا مِن حديثِهم الذي كانوا عليه، بل يُصدِّقونَ أنبياءَهم فيما شَهدوا عليهم مِن الكُفر والمعاصي، قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: ١١]، فأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد قيل: معناه: ما كنَّا عند أنفسِنا مشركين، بل توهَّمنا بإضلال الشيطانِ أيَّانا أنَّا مِن الموحِّدين، وكذا قوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]؛ أي: كنَّا نَظن أنَّا محسنون.
وقيل: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾؛ أي: عَلِمَ اللَّهُ ما كان منهم في الدُّنيا، فلا يَسألُهم ليكتموه، وهو كقوله ﷻ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]؛ أي: لا يُسألون: ما عملتم؟ لعلمِ اللَّه تعالى به.
_________________
(١) في (ف): "ولا".
(٢) لفظ: "به" من (أ).
[ ٥ / ٣٣ ]
وقيل: يجحدون في الآخرة أوَّلًا، كما أخبرَ اللَّهُ تعالى عنهم، فإذا جَحدوا وشهِدَت جوارحُهم عليهم؛ افتَضَحوا، وودُّوا لو سُوِّيَت بهم الأرضُ، وألَّا يكونوا كتموا ذلك بجحودِهم.
وقال الحسنُ: إنَّها (^١) مواطن، ففي موضعٍ لا يَتكلَّمون، ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وفي موضعٍ يتكلَّمون فيكذبون، ويقولون: ما كنا نفعل (^٢)، وفي مواطن (^٣) يَعترفون وفي موضعٍ يسألون الرَّجعة إلى الدُّنيا، وإنَّ آخرَ تلك المواطن أنَّ أفواهَهم تُختَمُ (^٤)، وتَتكلَّم أيديهم وأرجلهم (^٥).
وقيل: هذا وصفُ أهلِ الكتاب، كتموا أمرَ محمَّدٍ، وقد علموا به في التَّوراة، قال تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، وكتابُ اللَّه فضلُه وحديثُه، قال تعالى (^٦): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، يقول: يَودُّون يومئذٍ لو تُسوَّى بهم الأرضُ، ولم يَكتموا في الدُّنيا ما أنزلَ اللَّهُ مِن حديثِه، ومن كتمَ شيئًا من كتاب اللَّهِ، جازَ أن يُقالَ له (^٧): كتمَ اللَّه؛ أي: كتم عباده (^٨)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، وكتمتُ فلانًا، وكتمتُ منه؛ بمعنى.
_________________
(١) بعدها في (ر): "م".
(٢) رسمها في (أ): "نعقل"، ولعل صوابه: "ما كنا نعمل" كما في "تفسير الثعلبي".
(٣) في (ر) و(ف): "موضع".
(٤) في (ف): "خرست".
(٥) "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣١١).
(٦) في (ر): "وقوله"، وفي (ف): "وقول".
(٧) لفظ: "له" من (ف).
(٨) في (ف): "كتم اللَّه عباده"، وبعدها فيها: "أي: منهم".
[ ٥ / ٣٤ ]
(٤٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وانتظامُها بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والصَّلاةُ رأسُ العبادات بعدَ الإيمان.
ومعناه: لا تدنوا إلى مواضعِ الصَّلاة -وهي المساجدُ- حالةَ السُّكرِ، فذكرَ الصَّلاةَ، وأرادَ بها مواضعَها، كما في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾، وهو قولُ عمر وابن مسعود (^١)، ودليلُ هذا الإضمار أنَّه عطفَ عليه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهو نهيُ الجُنب عن قُربان المساجدِ، فإنَّه استثنى ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وذلكَ في حقِّ المساجدِ دون أعيان الصلوات (^٢)، ثمَّ النَّهيُ عن قربانِ المساجدِ حالةَ السُّكرِ نهيٌ عن الصَّلاة في تلك الحالة أيضًا؛ لأنَّ النهيَ عن قُربان المساجدِ لحرمة الصَّلاة، فكان النهيُ عن هذا نهيًا عن ذلك، ثمَّ النَّهيُ ليس عن عين الصَّلاة، فإنَّها عبادةٌ، فلا (^٣) ينهى عنها، بل هو نهيٌ عن اكتساب السُّكْرِ الذي يَعجزُ به عن الصلاة على الوجهِ. قاله الإمام أبو منصور ﵀.
قال: وكذلك قولُ رسول اللَّه -ﷺ-: "لا صلاة للعبدِ الآبقِ، ولا للمرأة الناشزةِ" (^٤)،
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ١٨٧) عن ابن مسعود ﵁.
(٢) في (أ): "الصلاة".
(٣) في (أ): "لا".
(٤) كذا أورده أبو منصور الماتريدي بهذا اللفظ، وروى الترمذي في "سننه" من حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم؛ العبد الآبق حتى =
[ ٥ / ٣٥ ]
ليس فيه النَّهيُ عن الصَّلاة، لكنَّ النهيَ عن الإباق والنُّشوز، وهذا لأنَّ الإباقَ والنُّشوزَ والسُّكْرَ ليست بالتي تَعملُ في إسقاط الفرض.
قال: وفي الآية دلالةٌ (^١) أنَّ السَّكرانَ مخاطَبٌ؛ فإنَّه قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وإذا كان مخاطبًا، عَمِلَ طلاقُه، ونَفذتْ عقودُه (^٢).
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الواو للحال، والسُّكارى جمعُ السَّكران، كالكُسالى جمع الكسلان، والسُّكر من باب عَلِمَ، وهو انسدادُ طرقِ المعرفة مِن الشُّرب وغيره، مأخوذٌ من سَكْرِ الماء، وهو سدُّ مجراه، من باب دخل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]؛ أي: سُدَّت ومُنِعَتِ النَّظر، وسكراتُ الموت أُخِذَت منه، وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] هو تشبيهٌ بحالِ السُّكرِ مِن الشَّراب.
وأكثرُ المفسِّرين على أنَّ هذا مِن سُكْرِ الشَّراب.
وقال الضَّحَّاك: معناه: وأنتم سُكارى مِن النَّوم (^٣)، وهو كقول النَّبيِّ -ﷺ-: "إذا نَعَسَ أحدُكم في صلاتِه فلينصرف وليرقد، فإنَّه لا يَدري لعلَّه يستغفرُ (^٤)، فيسبُّ نفسه" (^٥).
_________________
(١) = يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون" قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "على".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٨٨ - ١٨٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٥٩) (٥٣٥٦).
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "ربه".
(٦) رواه البخاري في "صحيحه" (٢١٢)، ومسلم في "صحيحه" (٧٨٦) من حديث عائشة ﵂.
[ ٥ / ٣٦ ]
والأظهرُ الأشهرُ هو الأوَّل، ونزولُها في شأن عبدِ الرَّحمن بنِ عوف، صنعَ طعامًا فدعا إليه أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا وسعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنهم (^١) أجمعين، فأكَلوا، وسقاهم خمرًا، وذلك قبل تحريمِها، فحضرَتْ صلاةُ المغربِ، فأمَّهم عبدُ الرَّحمن (^٢). وفي روايةٍ: فأمَّهم رجلٌ مِن خيارِهم (^٣)، وفي روايةٍ: فأمَّهم عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ (^٤)، فقرأ: "قل يا أيها الكافرون"، فطرح اللاءات، فنزلَت هذه الآيةُ.
وقد ذكرنا في سورة البقرةِ (^٥) ترتيبَ الآياتِ في شأن (^٦) الخمر، وأنَّها كيف حُرِّمَت قطعًا، وأنَّ هذه الحادثةَ كانت في وقتٍ لم يكن شربُها في غير أوقات الصَّلاةِ حرامًا، وذكرنا معنى هذا النهي.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: السُّكر: ذهابُ العقلِ، ولا تَصلحُ معه المناجاة مع الحقِّ، والمُصلِّي يُناجي (^٧) ربَّه، فكلُّ ما أوجبَ للقلب الذُّهولَ عن اللَّه تعالى، فهو ملتحقٌ به، ومِن أجلِ هذه الجملةِ حصل السُّكرُ على أقسام؛ فسُكرٌ مِن الخمرِ، وسكرٌ مِن الغفلةِ لاستيلاءِ حبِّ الدُّنيا، وأصعبُ السُّكرِ سكرُك مِن نفسِك، فإنَّ مَن سَكِر مِن الخمرِ، فإن لم يُغفَر له، فقُصاراهُ الحرقةُ (^٨)، ومَن سَكِرَ مِن نفسِه ففي الوقتِ على الحقيقةِ له القطيعةُ والفُرقةُ.
_________________
(١) وقع تفصيل أسمائهم في "تفسير مقاتل" (١/ ٣٧٣).
(٢) رواها الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٥).
(٣) قوله: "وفي رواية فأمهم رجل من خيارهم" من (أ).
(٤) رواها الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٦).
(٥) عند تفسير الآية (٢١٩) منها.
(٦) في (ر) و(ف): "شارب".
(٧) في (أ): "مناج".
(٨) في (أ): "الحرمة".
[ ٥ / ٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ بيَّنَ أنَّ السُّكرَ هو أنْ يصيرَ بحالٍ لا يَعلمُ ما يَقول، وحدُّ السُّكرِ عند أبي حنيفة ﵀: هو ألَّا يَعرف (^١) الأرضَ مِن السَّماء، والرِّجالَ مِن النِّساء، وعند أبي يوسف ومحمد (^٢) والشافعيِّ ﵏: هو أنْ يَختلِطَ كلامُه (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: في الآية دلالةٌ أنَّ في الصَّلاة قولًا فرضًا، نهى عن قربانها في حالةِ السُّكر مخافةَ تركه، أو خوفًا (^٤) أن يُدْخِلَ فيها قولًا ليس منها. وفيه دليلُ فساد الصَّلاة بالكلام عمدًا أو خطأ؛ لأنَّ السَّكرانَ غير عامد (^٥).
وفيه دليلٌ على أنَّ الخطأ الفاحشَ في القراءةِ مفسدٌ للصَّلاة.
وفيه دليلٌ على أنَّ رِدَّةَ السَّكران ليست بِردَّةٍ، وهي حجَّةٌ على أبي يوسف ﵀، فإنَّه يصحِّحُها كما يُصحِّحُ سائرَ تصرُّفاته، لكنَّ حديثَ قراءةِ بعضِهم سورةَ الكافرون بطرحِ اللاءات، مع أنَّ اعتقادها كفرٌ، ولم يكن كفرًا مِن ذلك القارئ، حيث كان سكران: دليلٌ على ما قلنا.
وفيه دليلٌ على أنَّه إذا جرى الكفرُ على لسانهِ خطأً مِن غير عمْدٍ، لم يكفر به، لأنَّ ما يَجري على لسان السَّكران خطأٌ، فعلى ذلك غيرُ السكران، وهذا لأنَّ الكفرَ بالقلبِ، واللِّسانُ معبِّرٌ عنه، وفي هذه الحالةِ لا يكونُ دليلًا على اعتقادِ القلب، فلم يُجعَل كفرًا (^٦).
_________________
(١) في (أ): "يعلم".
(٢) لفظ: "ومحمد" من (أ).
(٣) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٢٤/ ٣٠)، و"نهاية المطلب" للجويني (١٤/ ١٦٩).
(٤) في (ر): "وخوفًا".
(٥) في (ر) و(ف): "عاقل".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٨٩ - ١٩٠).
[ ٥ / ٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ الجُنُب: الذي خالطَ أهلَه، أو خرجَ منه منيُّه بشهوةٍ واحتلام، ويَستوي فيه الذَّكرُ والأُنثى، والواحدُ والتَّثنيةُ والجمع، لأنَّه على صيغة المصدر، كالنُّكْر والنَّذْر (^١) بمعنى الإنكار والإنذار، وقد أجنبَ إجنابًا، أي: صار جُنُبًا، سُمِّيَ به؛ لأنَّه يُجَنَّبُ عن المسجدِ والقراءةِ والصَّلاة ونحو ذلك، وهو نصبٌ على الحال؛ أي: لا تَقربوا المساجدَ وأنتم مجنبون، والجُنُبُ للجمع هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ العبورُ: المرور، وقد عبرَ النَّهرَ عبورًا، وهو جمعٌ، وحذف النون للإضافة، وإعرابُه النَّصبُ بالاستثناء من الحال، أي: إلَّا أن تدخلوا المساجدَ للعبور (^٢) لا للجلوس.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: إنَّما كُرِه للجُنُب أنْ يَستوطِنَ المسجدَ، فمروره في المسجد إذا لم يجلس فيه كقراءتِه بعضَ الآية إذا لم يُتِمَّها (^٣).
وقيل في نزوله: إنَّ رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبُهم جنابةٌ، ولا ماءَ عندَهم، فيريدون الماءَ، فلا يَجدون ممرًّا إلَّا في المسجد، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٤).
وقال عليٌّ وابنُ عبَّاس ﵃ في تأويل هذه الآية: أي (^٥): لا تصلوا
_________________
(١) قال الفيروزآبادي في "القاموس" (مادة: نذر): أنذره ينذره إنذارًا ونَذْرًا ويُضم (يعني: نُذرًا)، وبضمتين (يعني: نُذُرًا).
(٢) في (أ): "للمرور".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٩١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٧) عن يزيد بن أبي حبيب.
(٥) في (أ): "أن".
[ ٥ / ٣٩ ]
﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: في حال السكر من الشرب، ﴿وَلَا جُنُبًا﴾؛ أي (^١): في حالة الجنابة، ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أي (^٢): مسافرينَ غيرَ واجدين للماء، ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فتزولَ الجنابةُ، وحتَّى تعلموا ما تَقولون فيزولَ السُّكرُ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ جمعُ مريضٍ، كالجرحى جمعُ جريح، والمراد منه (^٤): مرضٌ يُخافُ معه إذا استُعمِلَ الماءُ اشتدادُ المرض، أو امتدادُه، وهذا عندنا (^٥).
وقال (^٦) الشافعيُّ ﵀: إذا كان يخافُ تلفَ النَّفسِ أو طرفٍ منها (^٧).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، وهو أن يكون ببُعدٍ مِن العمران ومواضعِ الماء، ولا يُرادُ به كمالُ مدَّةِ السَّفر في هذا الحكم، ولا مسافرٌ يَجِدُ الماءَ، ولمَّا ثبتَ أنَّ الحكمَ لم يَتعلَّق بعينِ المرض والسَّفر، بل بمعنًى فيهما، وهو العجزُ عن استعمالِ الماء (^٨)؛ ثبتَ أنَّ الحكمَ كذلك في كلِّ موضعٍ تَحقَّقَ العجزُ.
وثبت به صحَّةُ قول أبي حنيفة ﵀ في إجازةِ التَّيمُّم للجنابة في المصر إذا
_________________
(١) بعدها في (ر): "ولا".
(٢) في (أ): "أو".
(٣) أخرج قوليهما الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٠ - ٥١).
(٤) في (أ): "به".
(٥) انظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ١١٣).
(٦) في (ف): "وعند".
(٧) قال النووي في "المنهاج" (ص: ٨٣) عند ذكر أسباب التيمم: مرض يخاف معه من استعمال الماء على منفعة عضو، وكذا بطءُ البرء، أو الشَّينُ الفاحشُ في عضوٍ ظاهرٍ في الأظهر.
(٨) من قوله: "ثبت أن الحكم" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٥ / ٤٠ ]
عَدِمَ الماءَ الحارَّ، أشارَ إليه الإمام أبو منصورٍ ﵀ (^١)، وإنَّما علَّق ذلك بالمرضِ والسَّفر ظاهرًا؛ لأنَّ العجزَ عن استعمالِ الماء يقعُ فيهما غالبًا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: وجاء، كما في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾؛ أي: ويحدِثَ.
والغائط: المكانُ المطمئنُّ مِن الأرض، وكانوا يأتونَه لقضاء الحاجة قبل اتِّخاذِ الكُنُف في البيوت، وهو كناية عن الحدث.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قرأ حمزةُ والكسائي والمفضل عن عاصم (^٢): ﴿لَامَسْتُمُ﴾، والباقون (^٣): ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٤)؛ أي: جامعتُم، فأجنبتم.
قال ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنه: الملامسةُ واللَّمسُ والمسُّ والمباشرةُ والإفضاءُ والرَّفث كناياتٌ عن الوطء (^٥).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ أي: لم تَقدروا على استعمالِه؛ لعدمِه، أو بُعده، أو لفقد (^٦) آلةِ الوصولِ إليه، مِن الدَّلو والرِّشاء (^٧)، أو لمانعٍ عنه، مِن حيَّةٍ أو سَبُعٍ أو عدوٍّ.
_________________
(١) في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ١٩٢).
(٢) قوله: "والمفضل عن عاصم" ليس في (أ)، وفي (ف): "والمفضل وعاصم". وقراءة عاصم المتواترة عنه كقراءة الجمهور.
(٣) في (أ): "وقرأ الباقون أو" بدل: "والباقون".
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٤)، ولم يذكر فيه: الملامسة والإفضاء والرفث.
(٦) في (أ): "فقد".
(٧) الرشاء: الحبل. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: رشا).
[ ٥ / ٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ الأَمُّ واليَّمُ والتَّيمُّم والتأمُّمُ: القصد.
وقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الصَّعيدُ: وجهُ الأرض؛ لأنَّه تصاعدَ عنها، أو لأنَّه يصعدُ عليها، والطَّيِّبُ: الطَّاهرُ.
ويجوز التَّيمُّم بكلِّ ما كان مِن أجزاء الأرض عندَ أبي حنيفة ﵁، لزقَ بالكفِّ أو لم يَلزق، وعند محمد كذلك، لكن إذا لزقَ بالكفِّ، وعند أبي يوسف ﵀ الصعيد: هو التُّرابُ والرَّمل (^١).
وعند الشافعيِّ ﵀ هو الترابُ لا غير (^٢)، والطَّيِّبُ المنبت عنده كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨].
والصَّحيحُ ما قال أبو حنيفة ﵀، وعليه أهلُ التَّفسير وأهلُ اللُّغة ﵏، ويؤيِّدُه النُّصوص، قال اللَّه تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، وقال النبيُّ -ﷺ-: "يُحشَرُ النَّاسُ في صعيدٍ واحد" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ قيل: أي: فامسَحوا الصَّعيدَ بها.
وقيل: الباءُ زائدةٌ، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وتقديره: فامسحوا وجوهَكم وأيديكم.
وهذا تفسيرٌ للتيمُّم وبيانٌ له، وهو مشروعٌ في الجنابةِ والحدثِ جميعًا على قدرٍ واحدٍ.
_________________
(١) انظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٢) في (ر) و(ف): "الأغبر".
(٣) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٩٧٤) من حديث أسماء بنت يزيد. وإسناده ضعيف.
[ ٥ / ٤٢ ]
والأيدي عند الزُّهريِّ إلى الآباط (^١)؛ لأنَّ الاسمَ لكلِّها لغةً (^٢)، وفي الوضوءِ اقتصرَ على المرافق؛ لأنَّ النَّصَّ مدَّه (^٣) إليها.
وقال الأوزاعيُّ: إلى الأرساغ، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وعندنا إلى المرافق معها (^٤)؛ لأنَّ التَّيمُّمَ بدلٌ عن الوضوء، فيتقدَّرُ بتقدير الأصل، وفي قطع السَّرقةِ وردَ التَّقديرُ بذلك نصًّا.
وقال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾: نزلت في رجلٍ مِن الأنصار كان مريضًا، فلم يَستطع أنْ يقومَ فيتوضَّأ، ولم يكن له خادمٌ فيناولَه (^٥) الماء، فأتيَ به (^٦) رسولُ اللَّه -ﷺ-، فذَكرَ ذلك له (^٧)، فنزلَت الآيةُ (^٨).
وقال مقاتل: نزلَت في عبد الرحمن بن عوف، أصابَته جنابةٌ وهو جريحٌ، فشَقَّ عليه الغُسلُ، وخافَ منه، فنزلت الآية (^٩).
وتقدير (^١٠) الآيةِ على قوله: وإن كنتم جُنبًا مَرضى، وتركَ ذكرَ الجنابة؛ اكتفاءً بما
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٩٠).
(٢) في (ف): "لفظًا".
(٣) كذا في (أ) و(ر)، ولعلها: "وحَدُّه"، ورسمها في (ف) محتمل.
(٤) في (ر): "بعدها"، وليست في (ف).
(٥) في (ف): "يناوله".
(٦) في (ر) و(ف): "فأخبر بذلك" بدل: "فأتى به".
(٧) قوله: "فذكر ذلك له" من (أ).
(٨) رواه ابن المنذر (١٨١٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٦١) (٥٣٦٥).
(٩) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٧٤).
(١٠) في (ف): "وقال مقاتل: تقدير" بدل: "وتقدير".
[ ٥ / ٤٣ ]
ذكرَ قبلَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وعلى هذا التَّأويل يكون قوله ﷻ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ على حقيقة "أو"، مِن غير أنْ تُجعَل بمنزلة الواو، ومعناهُ: وإنْ كنتم جُنُبًا، أو مُحْدِثين مرضى أو مسافرين، فتيمَّموا لهما (^١) جميعًا على صفةٍ واحدةٍ. وكذا رُويَ عن ابن عباسٍ ﵄ وابنِ مسعود وأبي مالكٍ والسُّدِّيِّ ﵃ أنَّهم حَملوا الآيةَ على الجُنبِ الجريح (^٢)، وأوَّلوها على هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ العفوُّ: الكثيرُ العفوِ، وله معنيان:
أحدهما: التَّسهيلُ والتَّخفيف، قال النبيُّ -ﷺ-: "عفوتُ لكم عن صدقةِ الخيلِ والرَّقيق" (^٣)، ومعناه أنَّه خفَّف عليكم بإقامةِ الصَّعيدِ الطَّيِّبِ مقامَ الماءِ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ بيانُ أنَّ سنَّتهُ كذلك في كلِّ عباده، وقوله تعالى: ﴿غَفُورًا﴾ أي: كثيرَ المغفرة للذُّنوب.
والمعنى الثاني: أنَّه الصَّفح والتَّجاوزُ، ويَرجِعُ إلى أوَّل الآية (^٤): ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: مَن فعلَ ذلك، ثمَّ رجعَ عنه، عفى اللَّه عنه، وغفرَ له، ولم تزل سنته في عباده كذلك.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جعلَ اللَّهُ التيمُّمَ بدلًا عن الطَّهارةِ بالماء عند
_________________
(١) في (ف): "لها".
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٩ - ٦٠) عن أبي مالك والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٦٠) (٥٣٦٢) عن ابن عباس ﵄.
(٣) رواه أبو داود (١٥٧٤)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي في "الكبرى" (٢٢٦٨)، وابن ماجه (١٧٩٠)، (١٨١٣) من حديث علي ﵁.
(٤) بعدها في (ر): "وهو قوله"، وفي (ف): "قوله تعالى".
[ ٥ / ٤٤ ]
إعوازِ الماء، كذلك النُّزولُ إلى ساحاتِ التَّفرقةِ عن (^١) ارتقاءِ ذروةِ الجمع، بقدر ما يحصل من الضَّعف: بدلٌ لأهل الحقائقِ في الشَّرع.
ثمَّ التَّيمُّمُ الذي هو بدلُ الماءِ أعمُّ وجودًا مِن الماء، وأقلُّ استعمالًا، فكلُّ مَن كان أقربَ كانت المطالباتُ عليه أصعبَ.
ثمَّ في التَّيمُّم سقطَ استعمالُه في الرَّأسِ والقدم؛ صيانةً لك عن الهوانِ، وذلك لعزِّ الإيمانِ مع الإفلاس عن (^٢) الإحسان، ولئِن كان الإفلاسُ يُوجِبُ التَّذلُّل، فعرفانهُ بجلال سيِّدِه يوجبُ التَّعزُّزَ (^٣).
* * *
(٤٤) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كلمةُ تعجيبٍ (^٤)؛ عن أمرٍ قد بلغَهُ، فيَخرجُ مخرجَ التَّذكير، أو لم يبلغه، فيَخرُجُ مخرجَ التَّعليم (^٥)، وقد مرَّ تفسيرُه وإيضاحُه مرَّاتٍ، يقول: ألم تَنْتَهِ (^٦) رؤيةُ قلبك يا محمَّد إلى اليهود الذين أُعطوا حظًّا مِن التَّوراة، وهم الذين مرَّ ذكرُهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾؟
_________________
(١) في (ر) و(ف): "عند"، والمثبت من (أ)، وهو موافق لما في "لطائف الإشارات" (١/ ٣٣٦).
(٢) في (ف): "إلى".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٣٦).
(٤) في (ف): "تعجب".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ١٩٧).
(٦) في (أ): "تنته".
[ ٥ / ٤٥ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ مكروا مكرًا (^١)، فغفلوا وما شعروا، أُعطوا الكتابَ، ثمَّ حُرِموا بركاتِ الفهم، فحرَّفوا، وخالفوا، ولم يَعملوا بالعلم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾؛ أي: بالهُدى، هذا مضمَر، ومعناه: يختارون الغيَّ (^٣) على الرُّشد، أو يستبدلونه (^٤)، وقد مرَّ شرحُه في سورة البقرةِ مرَّات.
وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: ويحبون أنْ تَضلُّوا أنتم سبيلَ الحقِّ كضلالِهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّما أرادوا ذلك؛ ليكونَ النَّاسُ كلُّهم على دينِهم، فتكونَ لهم الرياسةُ على الكلِّ، وأخذُ المرافقِ مِن (^٥) الكل.
وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩].
وقال الكلبيُّ: هم اليهودُ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾؛ أي (^٦): اليهوديَّة. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ كانوا يأتون عبدَ اللَّه بنَ أُبيٍّ (^٧) ومالكَ بن الدُّخْشم (^٨)، فيثبِّطونَهم عن
_________________
(١) في (أ): "مكروا فمكروا"، وفي (ف): "فمكروا" بدل: "مكروا مكرًا".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٣٧).
(٣) في (ر): "الضلال" وفي (ف): "الهدى".
(٤) في (أ): "ويستبدلونه".
(٥) في (أ): "عن".
(٦) في (أ): "يعني".
(٧) بعدها في (ر) و(ف): "أوفى".
(٨) مالك بن الدخشم صحابي أنصاري أوسي، شهد بدرًا وما بعدها، وهو الذي أسر سهيل بن عمرو، وأرسله النبي -ﷺ- مع معن بن عدي فأحرقا مسجد الضِّرار، اتُهم بالنفاق، وقال ابن عبد البر: لا يصح عنه النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع اتهامه. انظر: "الاستيعاب" =
[ ٥ / ٤٦ ]
الإسلام. يقول: ألم تتعجَّب مِن اليهود مع ادِّعائهم العلمَ، وتفضيلِهم أنفسَهم على غيرهم؛ يَختارون الضَّلالةَ على الهُدى، ولا يَرضون بالاقتصارِ على أنفُسهم في هذا الجهلِ حتَّى يريدوا منكم تركَ دينِكُم.
* * *
(٤٥) - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ قيل: أي: عالمٌ، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هين.
وقيل: أي: هو أعلمُ بهم منكم؛ لأنَّه يَعلمُ مِن باطنِهم ما لا تَعلمونه؛ أي: هؤلاء اليهودُ أعداؤكم، فلا تَثقوا بهم، ولا تَستعينوا بهم في شيءٍ.
أو معناه: فلا يَهولنَّكم أمرُهُم؛ فاللَّهُ أعلمُ بهم، وهو منتقم مِنهم، ومجازيهم وناصركم.
وقال الكلبيُّ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ مالك بن الدُّخشم وعبد اللَّه بن أُبَيٍّ.
وقال الحسن: ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾ اليهود، قال اللَّه تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢].
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ قال الزَّجَّاج: الباءُ صلةُ الاكتفاء (^١)؛ أي: وكفى باللَّه وليًّا، فاكتفوا به وليًّا؛ أي: مُحِبًّا. وقيل: متكفِّلًا.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: معينًا، وقيل: مانعًا.
* * *
_________________
(١) = (٣/ ١٣٥٠ - ١٣٥١)، "الإصابة" (٩/ ٤٥ - ٤٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٥٧).
[ ٥ / ٤٧ ]
(٤٦) - ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ قيل: أي: الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا.
وقيل: واللَّه أعلم بأعدائِكم مِن الذين هادوا (^١).
وقيل: وكفى باللَّه نصيرًا مِن الذين هادوا؛ أي: لكم على الذين هادوا (^٢)، كما قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أي: على القوم.
وعلى هذه الوجوه الثلاثةِ قولُه تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ لا يُضمَرُ فيه شيءٌ، ويَستقيمُ على ظاهره، ويكونُ هذا صفةً لهم.
وفي قراءة عبد اللَّه: (ومِن الذين هادوا) (^٣)، وعلى هذا لا يَستقيم الوجوهُ الثلاثة، ويكون ابتداءً، وكذا مَن جعلهُ ابتداءً مِن غير واو الاستئناف، فإنَّه يقول: هاهنا مضمرٌ، وتقديره: مِن الذين هادوا مَن يحرِّفون الكَلِمَ. و"مِن" يكون للجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، وفي مصحف حفصة ﵂: (من الذين هادوا من يحرف الكلم (^٤) عن مواضعه) (^٥)، ونظيرُه في القرآن قوله
_________________
(١) قوله: "وقيل واللَّه أعلم بأعدائكم من الذين هادوا" من (أ).
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "وقيل وكفى باللَّه نصيرًا".
(٣) ذكرها الماتريدي في "تأويلات أهل السنة"، لكن سقطت الواو من مطبوع دار الكتب العلمية (٣/ ١٩٨)! وهي مثبتة في طبعة الرسالة ناشرون (١/ ٤٣٠)، وطبعة دار الميزان التركية (٣/ ٢٥٢).
(٤) في (ر) و(ف): "الكلم".
(٥) ذكرها الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ١٩٨).
[ ٥ / ٤٨ ]
تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: إلَّا مَن، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]؛ أي: إلا من، وهو كقول الشاعر:
فظلُّوا ومنهمْ دَمعُهُ سابقٌ له وآخرُ يَثني دمعةَ العين بالمَهْلِ (^١)
وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يحولون (^٢)، و"الكلم" جمعُ كلمة، ولذلك قال تعالى: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، والتَّحريفُ نوعان:
أحدهما (^٣): صرفُ الكلامِ إلى غير المراد به بضربٍ من التَّأويلِ الباطل.
والثاني: تبديلُهم الكلمةَ بأُخرى، وكانوا يفعلون ذلك، قال تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ أي: قولَك، ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: أمرَك (^٤)، يُظهِرون الأوَّل، ويُضمرون الثاني خوفًا.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ﴾ أي: قولنا، ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: لا أسمعَك اللَّهُ، وهذا كانوا يضمرونَهُ في أنفسهم.
وقيل: معناه: غير مسمَعٍ؛ أي: غيرَ مجابٍ، قاله الحسن (^٥)، وتحقيقُه على وفق اللُّغة؛ أي: لا نُسمِعُكَ إجابتَنا، وهذا كانوا يضمرونَه أيضًا.
_________________
(١) البيت لذي الرمة، وهو في "ديوانه" (١/ ١٤١)، وسلف عند تفسير الآية (٩٦) من سورة البقرة.
(٢) في (ر) و(ف): "يحرفون".
(٣) لفظ: "أحدهما" ليس في (أ).
(٤) نص العبارة في (ر) و(ف): " ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: سمعنا قولك، وعصينا أمرك".
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٥٩٤)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٠٦)، وابن أبي حاتم (٣/ ٩٦٦) (٥٣٩٦).
[ ٥ / ٤٩ ]
وقيل: كانوا يُظهرونَ قولهم: غير مسمعٍ، وتأويلُه: غير مسبوب، يقال: أسمعتُ فلانًا؛ أي: سببته.
وقوله تعالى: ﴿وَرَاعِنَا﴾ يوهمون بظاهره أنَّهم يطلبون مراعاتَه عند كلامِهم، وهو إمهالهم حتى يُتِمُّوا كلامَهم.
وقوله تعالى: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أي: تقليبًا، وقد لَوى يَلوي ليًّا (^١)؛ أي: يُظهِرون هذا، ويُريدونَ به السَّبَّ بالرُّعونة، وقد مرَّ شرحُه في سورة البقرة.
وقيل: ليُّهم بألسنتِهم إشباعُهم كسرةَ العين في ﴿وَرَاعِنَا﴾، يريدون: راعينا؛ أي: أنت راعينا (^٢)، يريدون وصفَهُ براعي (^٣) الغنم.
وقوله تعالى: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يقولون: هو لا يَصلحُ للنُّبوَّة.
وقيل: كانوا يقولون له: السَّامُ عليك، فيقول: "وعليكم" (^٤) فيخرجون ويقولون لولا يعذبنا اللَّه بما نقول؛ أي: لو كان هو على الدِّين الحقِّ، فلماذا لا يُعذِّبُنا اللَّهُ بهذا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا﴾؛ أي: قولَك، ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: أمرَك، ولا يقولون: وعصَينا في أنفسِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ﴾ (^٥)؛ أي: قولَنا، ولا يُلحِقونَ به: غيرَ مُسمَع.
﴿وَانْظُرْنَا﴾ مكان: راعنا، من غير تلبيس؛ أي: انتَظِرنا حتَّى نفرغَ من كلامِنا.
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "حتى يتموا كلامهم".
(٢) قوله: "يريدون راعينا أي: أنت راعينا" ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "برعي".
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (٢٩٣٥)، ومسلم في "صحيحه" (٢١٦٥) من حديث عائشة ﵂.
(٥) بعدها في (ف): "وانظرنا واسمع".
[ ٥ / ٥٠ ]
وقيل: أي: راعنا: خطابُ الأعلى للأدنى، وانظرنا: خطابُ الأدنى للأعلى، فوُبِّخوا على تركِ الاحترام، ودُعوا إلى الاحترام.
وقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ قالوا: لما لم يكن في الذي اختاروه خيرٌ أصلًا، لم جعلَ هذا خيرًا من ذلك؟ وجوابه أنَّه كذلك على زعمِهم، فخُوطِبوا على ذلك، وهو كقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه (^١): لكان خيرًا لهم في الدُّنيا والآخرة؛ أمَّا في الدُّنيا فدوامُ الرياسةِ التي خافوا فوتَها لو أطاعوهُ واتَّبعوه؛ إذ قد أطاعَ منهم قومٌ، فلم تذهب رياستُهم، بل ازدادَ شرفُهم وذكرهُم في الحياة وبعدَ الوفاة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمَ﴾؛ أي: أعدلَ، مِن القَيِّم، وهو (^٣) المستقيم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ (^٤)؛ أي: طردَهم وأبعدَهم عن رحمتِه بسبب اختيارِهم الكفرَ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال الكلبيُّ: أي: إلا قليلًا (^٥)، منهم عبدُ اللَّه ابنُ سلام وأصحابُه.
_________________
(١) لفظ: "معناه" من (أ).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ١٩٩).
(٣) في (ف): "أي" بدل: "وهو".
(٤) بعدها في (ف): "فلا يؤمنون إلا قليلًا".
(٥) قوله: "قال الكلبي أي إلا قليلًا" ليس في (ف).
[ ٥ / ٥١ ]
وعن الكلبيِّ في رواية معمرٍ عنه: إلَّا بقليلٍ (^١) ممَّا في أيديهم (^٢)؛ أي: ببعضِ الكتب والأنبياء، كما قال خبرًا عنهم: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠].
وقيل: أي: إلَّا إيمانًا قليلًا لا يَتِمُّ به الإيمان، وهو كإقرارهم بأنَّ خالقَهم اللَّهُ تعالى، ورازقَهم اللَّهُ تعالى، وتصديقِهم ببعض الكتب وببعض (^٣) الأنبياء.
* * *
(٤٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ وهو القرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: موافقًا للكتاب الذي أنزلَ على نبيِّكم، وهو التَّوراة.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: كان موافقًا لما معهم بالمعاني المدرجةِ (^٤) فيه والأحكام، لا بالنَّظمِ واللِّسان. وفيه دليلٌ لقول أبي حنيفة ﵀، حيث أجازَ الصَّلاة بالقراءة بالفارسيَّة؛ لأن تغيُّرَ النَّظم (^٥) واختلافَ اللِّسان، لا يُوجِبُ تَغيُّر المعاني واختلافَ الأحكام (^٦).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ الطَّمسُ: محوُ الأثر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨].
_________________
(١) في (ر): "قليل"، وفي (ف): "قليلًا".
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" عقب الأثر: (٥٩٨).
(٣) في (أ): "وبعض".
(٤) في (ر): "المذكورة"، وفي (ف): "المدركة".
(٥) في (ر) و(ف): "اللفظ".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٠٠)، وانظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ٢٧).
[ ٥ / ٥٢ ]
وقيل: هو التغيير (^١)، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، رويَ أنَّ ذهبَهم وفضَّتهم صارت حجارةً.
وقيل: هو الإغماء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦].
وقوله (^٢): ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾؛ أي: نمحو ما على الوجهِ من العينين والأنفِ والفم، وسائر أجزاء الوجه، فيصيرَ الوجهُ كالقفا، وهو معنى قول ابن عباس ﵄: نجعلها كخفِّ البعيرِ وحافر الدَّابَّة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ أي: نردَّ الأشياءَ المصوَّرة في الوجوه ﴿عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ جمع دُبُر، وهو الخلفُ؛ لأنَّ الدُّبر ما أدبرَ مِن بدنِ الإنسان، والقُبُل: ما أقبلَ منه؛ أي: نَجعلَ ذلك في الأقفيةِ، وهو مسخُ الرَّأس والوجه، فتكونَ الأيدي والبطون والأرجل في مواضعها، والوجهُ بما فيه في القفا، وفيه مِن الخزيِ والقُبحِ ما لا يخفى.
وقوله: ﴿عَلَى أَدْبَارِهَا﴾؛ أي: في أدبارِها، كما يقال: على وجه فلانٍ أنفٌ طويلٌ، وفمٌ واسعٌ؛ أي: في وجهه، و"نردَّها" بمعنى: نجعلَها ونخلقَها. ومعنى هذه الجملة عن قتادة ﵀ (^٤) وغيره من المفسِّرين.
وقيل: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾؛ أي: نغيِّرَ الوجوهَ (^٥) على هيئة أدبارها؛ أي:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "التغيير".
(٢) في (أ): "فقوله".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٢٤).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٥٩٦)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١١٢).
(٥) في (ر) و(ف): "نعيد الوجه" بدل: "نغير الوجوه".
[ ٥ / ٥٣ ]
أقفائها، لا عينَ فيها ولا أنفَ ولا فم، لا أن يجعلَ ذلك في الأقفية، بل يبعثَهم (^١) عميًا وبكمًا، ليس لهم عينٌ وأنفٌ وفم.
وقيل: أي: نجعل وجوهَهم بعد الطَّمس كأقفيتهم منابتَ للشَّعر (^٢)، كوجوهِ القردة.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾؛ أي: نمسخهم بالكلية كما جعلنا أصحاب السبت قردةً.
قال الكلبيُّ: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ قَدِم عبدُ اللَّه بن سلام مِن الشَّام، وبلغَه ذلك، فأتى النبيَّ -ﷺ-، فأسلمَ قبل أن يأتيَ أهلهُ، وقال: يا رسولَ اللَّه، ما كنتُ أرى أنْ أصلَ إليك حتَّى يتحوَّل وجهي في قفاي (^٣). وذكرنا القصَّة بطولها في أوَّل سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣].
فإن (^٤) قالوا: خوَّفهم اللَّهُ تعالى إنْ لم يبادِروا إلى الإسلامِ بالطَّمسِ والمسخ، ولم يسلموا، ولم يفعل!
قلنا: لأنَّه أسلمَ بعضُهم، وهو ابنُ سلام وأصحابُه، أو هو (^٥) مطلقٌ، فيكونُ الوعيدُ باقيًا إلى قيام السَّاعة؛ لأنَّه قال: ﴿وُجُوهًا﴾ على التَّنكير، لا على التَّعريف والتَّعميم.
_________________
(١) في (ف): "نبعثهم".
(٢) في (ر) و(ف): "الشعر".
(٣) هذا القول ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٢٠١)، وأبو الليث في "تفسيره" (٢/ ٦٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٤)، دون نسبة.
(٤) في (ف): "فلما إن".
(٥) في (أ): "وهو".
[ ٥ / ٥٤ ]
وقيل: قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ في الآخرة، وهو محوُ محاسنِ الوجوه، وإدخالُ الأيدي في الصُّدور، والإخراجُ إلى الظُّهور، وإعطاءُ الكتبِ بالشَّمائل ووراءَ الظُّهور، وأمَّا اللَّعن فهو المسخُ في الدُّنيا، ولعلَّه كان في بعضِهم ولم يُنقَل إلينا، أو هو إلى قيامِ السَّاعة.
وقيل: الوعيدان على التَّمثيل لا على (^١) التَّحقيق، أشار إلى ذلك الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ (^٢) وغيره، ومعنى قوله تعالى: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فيبصرون الحقَّ بغير صورته، والباطلَ بغير صورته، بعد أن كانوا يَرون كلَّ شيءٍ على ما هو به بالنَّظرِ في كتبِهم، رُويَ عن الحسن وابنِ أبي نَجيح والسُّدِّيِّ (^٣) أنَّ معناه: نجعلَهم منصرفين عن الحقِّ، مُقبلينَ على الباطل.
وقيل: أي: نطمسَ وجوهَهم؛ أي: جاهَهم عند أتباعِهم الذين لأجلهم غيَّروا بما يُطلِعهُم على خيانتهم (^٤)، وقد فعل ذلك.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد به الوعيد بالجلاء (^٥) عن أوطانِهم (^٦)، ويقال: لفلانٍ وجهٌ في بلدِه، وهو وجيهٌ عند النَّاس، ويَزولُ ذلك بالغربة، والرَّدُّ إلى الأدبار مجازٌ عن الرَّدِّ مِن الإقبال إلى الإدبار.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ الأمرُ هو المأمور به، والمصدرُ يُطلَقُ على
_________________
(١) في (أ): "دون" بدل: "لا على".
(٢) في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٢٠١).
(٣) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٧/ ١١٣)، وابن أبي نجيح يرويه عن مجاهد.
(٤) في (ف): "جنايتهم".
(٥) في (ف): "بالإجلاء".
(٦) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٦٩) (٥٤١٨).
[ ٥ / ٥٥ ]
المفعولِ به، كما يُقال: هذا الدِّرهمُ ضربُ الأمير؛ أي: مضروبُه؛ أي: عذابُ اللَّهِ الذي أمرَ بإنزالِهِ مُنزَلٌ بهم لا محالة.
* * *
(٤٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أي: هؤلاء اليهود مشركون، واللَّهُ تعالى لا يغفر الشِّركَ لمن ماتَ عليه، فأمَّا إذا أسلمَ فقد قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهو يَعُمُّ الكبائرَ والصَّغائر؛ أي: هي في جوازِ المغفرة، لكنَّه معلَّق بالمشيئة، وإنْ ماتَ مُصِرًّا عليها (^١) مِن غير توبةٍ. وهو ردٌّ على الخوارج والمعتزلة.
وذكر الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ الآيةَ نزلتْ في وحشيّ، والقصَّةُ معروفةٌ، أنَّ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآيات [الفرقان: ٦٨]، نزلَت أوَّلًا، ثمَّ هذه الآيةُ، ثمَّ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾؛ أي: اختلقَ أعظمَ الأكاذيب.
وقال القشيريُّ ﵀: مَن توسَّل إلى اللَّه بأعمالِه وصفاتِه، أو توهَّم أنَّ
_________________
(١) في (أ): "عليهما".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٢٤). والكلبي متهم بالكذب، وأبو صالح باذام مولى أم هانئ ضعيف يرسل، كما ذكرناه قبل.
[ ٥ / ٥٦ ]
أحكامَ اللَّه معلولةٌ بحركاتِه وسكناتِه أو رأى (^١) خلقًا، أو لاحظَ نفسًا، فوطنُه الشِّركُ عند أهل الحقائق (^٢)، واللَّهُ تعالى لا يَغفرُ أنْ يُشرَكَ به، وكذا مَن توهم (^٣) أنَّ مخالفاتِه حصلَتْ مِن غير تقديرِه، فهو ملتحِقٌ بهم (^٤).
* * *
(٤٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: اليهودُ يَمدحون أنفسهم فيقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، و﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، و﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وإنَّا نُعلِّمُ أبناءَنا الصِّغارَ التَّوراة، فنكفِّر بذلك ذنوبَنا، فنصيرُ كأنَّنا لا ذنبَ لنا.
وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: ليس كذلك، وليس لهم أنْ يُزكُّوا أنفسَهم، واللَّهُ تعالى هو الذي يُزَكِّي مَن يَشاء، وهم الموحِّدون.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ أي: لا يُنقِصُ اللَّهُ أحدًا مِن عبادِه شيئًا يَستحِقُّه بعملِه، وإنْ قلَّ، ولو كنتُم مستَحِقِّين للتَّزكية، لما منعَكم ذلك.
وقال أهل اللُّغة -وهو قولُ الكلبيِّ أيضًا-: الفتيلُ ما يَحدثُ بفتل الأصابعِ مِن الوسخ.
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": "راعى" بدل: "رأى".
(٢) في (ف): "الحقيقة".
(٣) في (ف): "رأى" وفي (ر): "رأى توهم".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٣٨).
[ ٥ / ٥٧ ]
وقال الحسنُ: الفتيلُ: ما يكونُ في شَقِّ النَّواةِ طُولًا، والنَّقيرُ: ما يكون في النُّقْرةِ التي في ظهرِ النَّواة، والقطميرُ: قشرها (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ رجالًا مِن اليهودِ أتوا بأطفالِهم إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فيهم بحريُّ بنُ عمرو، ونعمانُ بن أوفى، ومرحب بن زيد، فقالوا: يا محمَّد، هل على هؤلاءِ من ذنبٍ؟ فقال: لا، فقالوا: واللَّه ما نحنُ إلَّا كهيئتِهم، ما عملناهُ بالليل كُفِّرَ عنَّا بالنَّهار، وما عملناه بالنَّهار، كُفِّرَ عنَّا بالليل، فكذبهم اللَّهُ تعالى بهذهِ الآية (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقولُ الرَّجل: أنا مؤمنٌ، ليس بتزكيةٍ لنفسه، بل هو إخبارٌ عن شيءٍ أُكرِمَ به، والتَّزكيةُ هي أنْ يَرى كونَه برًّا تقِيًّا صالحًا من نفسه، ولأن الإيمان له حدٌّ معلومٌ لا يَتفاوتُ، وكلُّ عبادةٍ ذات حدٍّ فلا امتداحَ ممَّن قد أدَّاها، وأخبرَ بأدائِها، كقوله: صلَّيتُ الظُّهرَ، وأدَّيتُ الزَّكاة، وصُمتُ الشَّهرَ، وحَججتُ البيتَ، فأمَّا قوله: هو بَرٌّ، أو تقيٌّ، أو حبيبُ اللَّه، ممَّا (^٣) لا يُعرَفُ حدُّه؛ فهو بذلك يترفَّع على الأشكالِ، ويَفتخرُ عليهم، فإن كان صادقًا، فهو غفلةٌ عن رؤيةِ (^٤) منَّةِ اللَّه تعالى، وإن كان كاذبًا، فهو مستَحِقٌّ لمقت اللَّه تعالى ولعنته، وباللَّهِ العصمة (^٥).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن ركنَ إلى تزكيةِ النَّاس له، واستحلى
_________________
(١) علقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٧٣) عقب الأثر (٥٤٣٦) عن الحسن وغيره، وهو قول ابن عباس أيضًا، رواه عنه سعيد بن منصور (٦٥٠ - تفسير)، وابن المنذر (١٨٦١).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦) عن الكلبي.
(٣) في (ر) و(ف): "فمما".
(٤) في (ر): "غافل عن" بدل: "غفلة عن رؤية".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ٥ / ٥٨ ]
قَبولَ (^١) الخاصِّ له، فهو من زكَّى (^٢) نفسَه، ورؤيةُ النَّفسِ أعظمُ حجابٍ، ومَن توهَّم أنَّه بتكلُّفِه يُزكِّي نفسه؛ بأورادِه، أو باجتهادِه أو حركاته (^٣) أو سكناته، فهو في غطاءِ حجابِه (^٤).
* * *
(٥٠) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ "كيف" كلمةُ تعجيبٍ، وافتراؤهم على اللَّه تعالى ما ذَكرنا مِن كلماتِهم في تزكيةِ أنفُسِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: ظاهرًا.
وقيل: أي: مُظهَرًا فحشُه ووبالُه، و"أبان" لازمٌ ومتعدٍّ، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾ يُقصدُ بهذه الكلمة تعظيمُ الإثم، ويستعمل في المدح والذَّمِّ، وفي الحديث: "كفى بالموت واعظًا، وكفى بالعبادة شغلًا" (^٥)، يعني: لو لم يكن لهم من الذُّنوب إلَّا هذا الافتراء، لكان إثمًا عظيمًا، لا يجوزُ أن يزكُّوا أنفسَهم معه، فكيف ولهم آثامٌ عظامٌ غيرُها؟!
* * *
_________________
(١) في (أ): "قبوله".
(٢) في (ر) و(ف): "مزك".
(٣) في (أ): "أو ببركاته". وفي "لطائف الإشارات": "بحركاته" (دون "أو").
(٤) في (ف): "فهو غطاء" بدل: "فهو في غطاء حجابه"، وفي "لطائف الإشارات" (١/ ٣٣٨): "فهو في غطاء جهله".
(٥) رواه أحمد في "الزهد" (٩٨٤) عن رجل عن عمار، فهو ضعيف لجهالة الراوي عن عمار، ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" (١٤١٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٠٧٢) من طريق الحسن عن عمار، وفي إسناده الربيع بن بدر، وهو متروك. انظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٣٧)، و"تقريب التهذيب". والحسن لم يسمع من عمار. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٦/ ٩٨).
[ ٥ / ٥٩ ]
(٥١) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ قال الكلبيُّ: انطلقَ كعبُ بن الأشرفِ اليهوديُّ (^١) وحييُّ بنُ أخطبَ في ثلاثين مِن اليهود إلى مكَّة بعد بدرٍ، فبكيا على قتلى بدرٍ، ورَثياهم؛ يريدون بذلك إغراءَ المشركين وتأليبَهم (^٢) على رسولِ اللَّه -ﷺ-، فقال كعبٌ: جئناكم لنعينكم على قتالِ محمَّدٍ، فأعجبهم ذلك، فقال له أبو سفيان: أنتم أهلُ كتابٍ وعلمٍ، ونحن أمَّة أمِّيَّةٌ، وأحبُّ الناس إلينا مَن يُعينُنا على قتالِ هذا الرَّجل، فنزلَ كعبٌ على أبي سفيان، فأحسنَ مثواه، ونَزلتِ اليَهودُ في دورِ قريش، فقال كعبٌ لأبي سفيان: ليجئ منكم ثلاثون، ونحن ثلاثون، فنلزقَ أكبادَنا بالكعبة، فنعاهدَ ربَّ البيتِ لنجهدنَّ (^٣) على قتالِ محمَّدٍ، ففعلوا ذلك.
فقال أبو سفيان لكعبٍ: إنَّك امرؤٌ تَقرأ الكُتُبَ، فأيُّنا أهدى طريقًا، أنحن أم محمَّد؟ فقال كعب: إلى ما يدعوكم محمَّد؟ قالوا: إلى أن نعبدَ اللَّه، ولا نشركَ به شيئًا، قال: فأخبروني، فما أمركم؟ قالوا: نحن ننحرُ الكُومَ، ونَقْرِي الضَّيفَ، ونَفكُّ العاني، ونَسقي الحاجَّ، ونَعمرُ بيتَ ربِّنا، ونَصِلُ أرحامَنا، ونحن أهلُ الحرم (^٤).
وزاد في حديث عكرمة هاهنا: ومحمد صُنبورٌ (^٥)، قطعَ أرحامَنا، واتَّبعَهُ سُرَّاقُ
_________________
(١) "اليهودي" زيادة من (ف).
(٢) في (أ): "وتحريضهم".
(٣) في (ف): "لنجتهدن".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٧٩)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨) دون نسبة الخبر للكلبي.
(٥) صنبور أي: أبتر لا عقب له. انظر: "النهاية" لابن الأثير (مادة: صنبر).
[ ٥ / ٦٠ ]
الحجيج، فقال كعب: أنتم واللَّه أهدى سبيلًا ممَّا عليه محمَّدٌ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (^١)، الجبتُ: حُيَيُّ بن أخطب، والطَّاغوتُ: كعبُ بن الأشرف (^٢)، فكانت اليهودُ تخاصِمُ إليهما، ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾؛ يعني: دينًا.
وقال عمرُ ﵁: الجِبتُ: السحر، والطَّاغوتُ: الشَّيطان (^٣).
وقال أبو العالية: الجِبتُ: السَّاحر، والطَّاغوت: الكاهن (^٤).
وقال عكرمة: هما (^٥) صنمان (^٦)، كانوا يتحاكمون إليهما (^٧).
وقال أبو عبيدة: الجِبتُ والطَّاغوت: كلُّ معبودٍ دون (^٨) اللَّه تعالى؛ مِن حجرٍ أو مَدَرٍ أو صورةٍ أو شيطانٍ (^٩).
وقيل: الجِبتُ: إبليس، والطَّاغوتُ: أولياؤه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقد فسَّرنا الطَّاغوتَ في تلك الآيةِ على الوجه.
_________________
(١) رواه عن عكرمة ابنُ المنذر في "تفسيره" (١٨٨٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٧٤) (٥٤٤١).
(٢) وقع تفسير الجبت والطاغوت بكعب وحيي في قول ابن عباس ﵄ والضحاك. رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٣٩ - ١٤٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٣٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٧٤، ٩٧٥) (٤٥٥٣)، (٥٤٤٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٣٧).
(٥) في (أ): "كانا".
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٠٤)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٣٤).
(٧) قوله: "كانوا يتحاكمون إليهما" ليس في (ف).
(٨) في (ر) و(ف): "سوى".
(٩) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ١٢٩).
[ ٥ / ٦١ ]
وقالوا: الجِبتُ ليس بعربيَّة محضة.
وقال سعيد بن جبير: هو السَّاحر بلغة الحبشة (^١).
وقال عكرمةُ: إنَّ كعبَ بن الأشرف انطلقَ إلى المشركين (^٢) مِن قريشٍ، فاستجاشهم على النبيِّ -ﷺ-، وقال لهم: إنَّا معكم نقاتلُه، فقالوا (^٣): إنَّكم أهلُ كتابٍ، وهو صاحبُ كتابٍ، ولا نَأمنُ أن يكونَ هذا مكرًا منكم، فإن أردتَ أنْ نخرجَ معك، فاسجُدْ لهذين الصَّنمين، وآمِن بهما، ففعلَ، ثمَّ قالوا: أنحنُ أهدى أم محمَّد؟ نحنُ نصِلُ الرِّحم، ونَقري الضَّيفَ، ونَطوفُ بالبيتِ، ومحمَّد قطعَ رَحِمَهُ، وخرجَ مِن بلدِه، قال: بل أنتم خيرٌ وأهدى، فنزلت الآية (^٤).
* * *
(٥٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ (^٥)؛ أي: هؤلاء اليهودُ طردَهمُ اللَّهُ تعالى وأبعدَهم مِن (^٦) رحمته.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أي: معينًا، ومانعًا عنه عذابَ يوم القيامة.
وقال القشيريُّ ﵀: طاغوتُ كلِّ أحدٍ نفسُه، وصنمُه مقصودُه، فمن
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٣٧).
(٢) وقع في (ف) مكان قوله: "وقال عكرمة أن كعب. . . إلى المشركين": "فلما فرغ كعب كلامه".
(٣) في (ف): "فقال له أبو سفيان" بدل: "فقالوا".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٠٣)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٤٣ - ١٤٤).
(٥) بعدها في (ف): "ومن يلعن اللَّه فلن تجد له نصيرًا".
(٦) في (ف): "عن".
[ ٥ / ٦٢ ]
لاحظَ شخصًا، أو طالعَ سببًا، أو عَرَّجَ على علَّةٍ، أو تابعَ هوى، فذلك جِبتُه وطاغوتُه، وأصحابُ الجِبْتِ والطَّاغوتِ مستوجبون اللَّعنةَ، وهو الطَّردُ عن بساطِ العبوديَّة والحجاب عن شهودِ الربوبيَّة (^١).
* * *
(٥٣) - ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ قيل: أي: ألهم؟ لأنَّه لم يسبقها ألفُ الاستفهام ليعطفَ عليها بـ "أم".
وقيل: يُقَدَّمُ عليها ألفُ الاستفهام ويقرَّرُ (^٢) هذا على حقيقتِه، وتقديرُه: أهم أولى بالنبوَّة، أم لهم حظٌّ مِن المُلك والسَّلطنةِ، فتلزمَ النَّاسَ طاعتُهم، ويسوغَ لهم تفضيلُ أنفسِهم بالتَّزكِّي (^٣)، وتفضيلِ المشركين على المسلمين، ولا يَتهيَّأ الرَّدُّ عليهم، وليس لهم ذلك، بل الملكُ للَّه تعالى، وله قسمةُ الفضائلِ (^٤)، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٣٢].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾؛ أي: ولو كان لهم هذا الملكُ والسُّلطان، لم يُعطوا أحدًا مِن النَّاس شيئًا من الفضل، لا قليلًا ولا كثيرًا؛ لبُخلِهم، وهو كقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]؛ أي: لو كان معه إلهٌ غيرُه، لذهبَ كلُّ إلهٍ بما خلقَ (^٥)، و"إذًا" بمعنى: إن كان
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٣٩).
(٢) في (ر) و(ف): "وتقدير".
(٣) في (ر) و(ف): "بالتزكية".
(٤) بعدها في (ف): "بل".
(٥) من قوله: "أي: ولو كان معه إله" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٥ / ٦٣ ]
ذلك، يقول الرجل: زيدٌ يأتيك (^١) فتقول: إذًا أكرمُه (^٢)؛ أي: إن كان ذلك أكرمتُه.
و"إذًا" لها ثلاثةُ أحوال:
إن ابتدأتَ بها مع المستقبل نصبتَه بها، تقول: إذًا أُكرِمَك.
وإذا توسَّطت لم تنصب، تقول: أنا إذًا أكرمُكَ، بالرَّفع لأن تقديره: أنا أكرِمُكَ إذًا.
وإذا أدخلت الفاءَ أو الواو فيها، ووصلتَ بها المستقبلَ، نصبتَ ورفعتَ، تقول: فإذًا (^٣) أكرمك، وإذًا أكرمك (^٤) بالنَّصب والرَّفع جميعًا، فالنَّصبُ على ظاهرِها أنَّها وليَتِ الفعلَ فعَمِلَت فيه، والرفعُ على المعنى؛ لأنَّ الفاءَ داخلٌ في الفعل، فيصيرُ في التَّقدير: فأكرمك إذًا، وأكرمك إذًا، فتتأخرُ "إذًا" فلا تعمل.
هذا معنى كلام الزجاج (^٥)، وعلى هذا قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ﴾ تقديرُه: فلا يؤتون إذًا فلم ينصب.
والنَّقيرُ فسَّرناهُ عند قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩].
* * *
(٥٤) - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
_________________
(١) في (ر): "نريد نأتيك"، وفي (ف): "يريد يأتيك" بدل: "زيد يأتيك".
(٢) في (ر): "نكرمه".
(٣) في (أ): "إذًا".
(٤) "وإذا أكرمك" من (ر).
(٥) في "معاني القرآن" له (٢/ ٦٣) ونقله الزجاج عن سيبويه.
[ ٥ / ٦٤ ]
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ "أم" بمعنى "بل"، أو يضمَرُ فيه ألفُ الاستفهام، ثمَّ يُعطَفُ عليه بـ "أم" كما مرَّ.
والحسدُ: تمني زوالِ النِّعمة؛ أي (^١) نعمةِ الغير إليه، وهو استفهامٌ بمعنى الإنكار، ومعناه: إن كانوا يَحسُدون المؤمنين، فيُفضِّلون عليهم المشركين بقولهم: هم أهدى منهم سبيلًا.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ يعني: مِن الدِّينِ الحقِّ، والكتابِ الصِّدق، فلا معنى لحسَدِهم؛ لأنَّ الحسدَ إنَّما ينبغي أنْ يقعَ في الشَّيء (^٢) الموضوعِ في غير موضع استحقاقِه، وليس كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: بيانَ الكتابِ، وآلُ إبراهيمَ (^٣): أولادُه، وهم مُقِرُّون بذلك (^٤)، وقائلون باستحقاقِهم ذلك، ومحمَّدٌ -ﷺ- مِن أولادِه، فلِم يُنكِرون ذلك فيه، ولا يُنكِرون في بني إسرائيل، وهم مِن ولدِه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿النَّاسَ﴾: محمَّدٌ -ﷺ- وحدَه (^٥)، وذلك أنَّ اليهودَ قالوا: ما شأنُ محمَّدٍ، أُعطي النُّبوَّةَ بزعمِه وهو جائعٌ عارٍ، لا همَّ له إلَّا نكاحُ النِّساء، فحسدوه بنكاحِ النِّساء، وأحلَّ اللَّهُ له منهنَّ ما شاء أنْ ينكحَ، فذلك قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فالحكمةُ: النُّبوَّة.
_________________
(١) قوله: "النعمة أي" من (ف).
(٢) في (أ): "المعنى".
(٣) بعدها في (أ): "هو".
(٤) بعدها في (أ): "هم".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٥٤).
[ ٥ / ٦٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ السَّلطنةُ لإبراهيم وداود وسليمان والملك: النبوَّةُ، عند مجاهد (^١)، واليهودُ لا يَحسُدونَهُم بهذا كلِّه، فلم يَحسُدون محمَّدًا به (^٢)، وهو من آله.
وقال مقاتل: إنَّ اليهودَ قالوا: انظروا إلى هذا الذي لا يَشبعُ مِن الطَّعام، مالَهُ هَمٌّ إلَّا النِّساء، ولو كان نبيًّا لشُغِلَ عن النِّساء، فقال تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يوسفَ وداودَ وسليمان، وكان لداودَ تسعٌ وتسعون امرأة مهريَّة، وثلاثَ مئة سرية، ولسليمان ثلاث مئة حرة، وسبعُ مئةِ سُرِّيَّة، فكيف يَحسدون محمَّدًا في تسع نسوة، ولا يَذكرون ما كان لأولئك (^٣).
وقال همَّامُ بنُ الحارث: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أُيِّدوا (^٤) بالملائكة والجنود (^٥).
وقال الإمامُ القشيري ﵀: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ هو معرفةُ الملكِ، ويقال: هو المُلكُ على النَّفس. ويقال: هو الإشرافُ على أسرارِ المملكة (^٦).
وقيل: ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو محمَّدٌ ﵊. ومعنى الآية: أتحسُدون العربَ على ما آتاهمُ اللَّهُ من فضله (^٧)، فقد آتينا محمَّدًا الكتابَ والحكمةَ وملكًا عظيمًا إلى قيامِ السَّاعةِ، فلتَحسِدوه، وهذا على وجه (^٨) الوعيد، وهو مضمر.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٥٩).
(٢) لفظ: "به" من (أ).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
(٤) في (أ): "أمدوا".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٦٠).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
(٧) قوله: "من فضله" ليس في (أ).
(٨) في (أ): "جهة".
[ ٥ / ٦٦ ]
(٥٥) - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ قال مجاهد: أي: مِن اليهودِ مَن آمنَ بمحمَّدٍ ﵊ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾؛ أي: أعرضَ عنه.
وقيل: أي: منعَ الناسَ عن الإيمانِ به، وقد صدَّ صدودًا، وهو لازم، وصدَّ صدًّا، وهو متعدٍّ، ومثله الوَقفُ والوقوف، والرَّجع والرُّجوع.
وقيل: أي: ومِن أسلافهم مَن آمنَ بإبراهيم، ومنهم مَن أعرضَ عنه (^٢).
وقال مقاتل: يعني: مِن آلِ إبراهيمَ مَن آمنَ؛ صدَّقَ بالكتب التي جاؤوا بها، ومِنهم مَن أعرضَ عن الإيمانِ بها (^٣).
وقال السُّدِّيُّ: زرعَ إبراهيمُ سنةً، وزرعَ النَّاسُ فيها، فهَلَكَت زروعُ النَّاس، وزكا زرع إبراهيم، فاحتاجَ النَّاسُ إليه، فكانوا يأتونَهُ ويسألونَه، فكان يقولُ لهم: من آمن بي أعطيتُه، ومَن أبى منعتُه، فمِنهم مَن آمنَ به فأعطاه، ومِنهم مَن أبى فلم يُعطِه، فذلك قولُه تعالى في هذه الآية (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾؛ أي: أعددتُ للصَّادِّين جهنَّمَ، وكفى بها نارًا مسعورةً؛ أي: موقَدة (^٥)؛ أي: بها الكفايةُ في تعذيبِهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٦١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٨١) (٥٤٨٤).
(٢) في (ر): "عن الإيمان بها" بدل: "عنه".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٨٠).
(٤) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٩٠٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٩٨١) (٥٤٨٦).
(٥) في (ر) و(ف): "موقودة".
[ ٥ / ٦٧ ]
(٥٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ وهم هؤلاء (^١)، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: نُدخلُهم جهنَّم، ومعنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: احترقت.
وقوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ أي: أعدنا (^٢) تلك الجلودَ غيرَ محترقةٍ، فالغيريَّةُ (^٣) على تغاير (^٤) الهيئتين، لا تغاير الأصلين، كما تقول (^٥) في خاتم انكسر: صُغ لي خاتمًا غيرَهُ، وإنَّما هي فضَّةٌ واحدةٌ، وقد يقولُ الرَّجلُ لآخر إذا رآه متغيِّرًا عما (^٦) كان يراه: جئتني بغير ذلك الوجه الذي فارقتني عليه.
وقيل: "غير" في كلام العرب على وجهين؛ "غير" تضادٍ وتنافٍ، و"غير" تغيُّرٍ واختلافٍ، كقولك لآخر (^٧): كيف أنت؟ فيقول: أنا غيرُ الذي عهدتَ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]: إنَّ الأرض (^٨) تلك الأرض،. . . . . . .
_________________
(١) بعد ها في (ر) و(ف): "قوله تعالى".
(٢) في (أ) و(ر): "أعددنا".
(٣) في (ر): "فالتغيير به"، وفي (ف): "فالتغييرية".
(٤) في (أ): "نظائر".
(٥) في (ف): "يقال".
(٦) في (أ): "متغيرًا عما" بدل من "صغيرًا كما".
(٧) من قوله: "إذا رآه متغيرًا" إلى هنا ليس في (ف).
(٨) بعدها في (ف): "ليس غير".
[ ٥ / ٦٨ ]
لكن بُدِّلَت آكامُها وجبالُها وأنهارُها وأشجارُها (^١)، وأنشد (^٢):
فما الناسُ بالنَّاسِ الذين عَهدتَهُم ولا الدَّار بالدَّار التي كنتَ تَعرِفُ (^٣)
وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لأنَّ الإنسانَ هو المعاقبُ المعذَّب على المخالفةِ، والمثابُ (^٤) المنعَّمُ على الموافقة، والإنسانُ هو هذا (^٥) الذي يُشاهد (^٦)، فلا يَقعُ العذابُ على جلدٍ لم يُعصَ اللَّهُ فيه.
وما روي عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا ومرفوعًا: أنَّ جلدَ الكافرِ أربعون ذراعًا، وضرسَه مثلُ أحد (^٧)، وشفته العليا تضرب سُرَّته (^٨)، وبين جلدِه ولحمِه
_________________
(١) هو في رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، كما ذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ٣٧٦)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٥٧٧) للبيهقي في "البعث"، ولم أقف عليه في مطبوعه.
(٢) بعدها في (أ): "شعر".
(٣) نسبه الجرجاني في "الوساطة بين المتنبي وخصومه" (ص: ١٩٩)، والعسكري في "ديوان المعاني" (١/ ٧٨)، وابن حمدون في "التذكرة الحمدونية" (٩/ ٢٩٦)، والقزويني في "الإيضاح" (ص: ٤١٤) للفرزدق، وذكروا أن الفرزدق أخذه من قول العباس بن عبد المطلب ﵁: وما الناس. . . تعلم (فاختلفت قافيته). وهو دون نسبة في "مجالس ثعلب" (ص: ٤٩)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٣١).
(٤) في (ف) و(أ): "على المخالفة والمثاب".
(٥) لفظ: "هذا" ليس في (ف).
(٦) في (أ): "نشاهد".
(٧) رواه الترمذي في "سننه" (٢٥٧٧) مرفوعًا، وفيه أن غلظ جلده اثنان وأربعون ذراعًا.
(٨) روى الترمذي في "سننه" (٢٥٨٧) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قال: "تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته".
[ ٥ / ٦٩ ]
ديدان كحُمر الوحش تركضُ بين لحمِه وجلدِه، وحيَّاتٌ كأعناقِ البُخْتِ، وعقاربُ كالبِغال (^١)، فليس ذلك بزيادة تُخلَق وتُعذَّبُ مِن غيرِ معصيتِه (^٢)، لكن إذا زيدَ ذلك في صورتِه، كان ذلك زيادةَ ثقلٍ على العبد، ويكونُ نفسُ الثِّقل عقوبةً عليه، كسائرِ عقوبات جهنَّم مِن السَّلاسلِ والأغلال، والعقارب والحيَّات.
وقيل: معنى قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ أي: سرابيلَ مِن قطِران، سُمِّيَت جلودًا؛ للزومِها جلودَهم، على المجاورة، فكلَّما احترقَت، أُعيدَت أمثالَها.
وقال الحسن: أُعيدَت جلودُهم على (^٣) حالها الأول كل يوم سبعين مرة (^٤)، وفي روايةٍ سبعين ألف مرةٍ (^٥)، وعن النبيِّ -ﷺ- (^٦): كلَّ يومٍ سبعَ مرَّاتٍ (^٧).
وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: ليَخلُصَ ألمُه (^٨) إليهم على نهاية ما يكونُ فيه، كما قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ولم يُرِد به أقلَّ ما يَقعُ به الذَّوقُ، إنَّما أُريدَ به التَّناهي، وذكر الذَّوقَ؛ لأنَّ إحساسَهم
_________________
(١) روى أحمد في "مسنده" (١٧٧١٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٤٧١) من حديث عبد اللَّه بن الحارث بن جزء قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن في النار حيات كأمثال أعناق البُخت، تلسع إحداهن اللسعةَ فيجد حَموتها أربعين خريفًا، وإنَّ في النار عقارب كأمثال البغال الموكَفة، تلسعُ إحداهنَّ اللَّسعة، فيجد حموتها أربعين سنة".
(٢) في (ر): "معصية".
(٣) في (أ): "إلى".
(٤) ذكرها الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٥٢٢).
(٥) رواها الطبري (٧/ ١٦٤)، وابن المنذر (١٩١٤)، وابن أبي حاتم (٣/ ٩٨٣) (٥٤٩٦).
(٦) بعدها في (ر): "في".
(٧) قال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ٤٥): لم أجده.
(٨) في (أ): "ألمًا".
[ ٥ / ٧٠ ]
به في كلِّ حالٍ كإحساسِ الذَّائقِ في تجديد الوجدانِ مِن غير نقصان.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا﴾ (^١) أي: لا يُمنَعُ (^٢) عمَّا يوقِعُه بالكفَّارِ مِن العذاب، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يفعلُه بالعباد.
وقيل: ﴿عَزِيزًا﴾ منتقمًا ممَّن عصاه، ﴿حَكِيمًا﴾ في تعذيبِ مَن عاداهُ.
وقيل: ﴿عَزِيزًا﴾ لا يُغَالبُ، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يُسَوِّي بين الوليِّ والعدوِّ.
* * *
(٥٧) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ بيَّنَ جزاءَ الأولياء بعد جزاءِ الأعداء، وقد مرَّ تفسيرُ هذه الكلمات مرَّاتٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قال الكلبيُّ: أي: كنًّا كنينًا.
وقال الضَّحَّاك: أي: ظلًّا دائمًا.
وقال الحسن: أي: لا تؤذيهِ الحَرورُ فيه (^٣) ولا السَّموم، والحَرورُ باللَّيلِ، والسَّمومُ بالنَّهار.
وقال ابنُ كيسان: ظليلًا من الرِّياح، وكم (^٤) ظِلٍّ لا يكونُ ظليلًا.
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "حكيمًا".
(٢) في (ر): "يمتنع".
(٣) لفظ: "فيه" من (أ).
(٤) بعدها في (ر): "من".
[ ٥ / ٧١ ]
وقيل: هو كقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، وهو بخلافِ ظلِّ أهل النَّار، قال تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١]، وهو يَرجعُ إلى قوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣].
وقال البحَّاث (^١): ﴿ظَلِيلًا﴾ تأكيدٌ لظلّ (^٢)، كما يقال: شعرٌ شاعرٌ، وموتٌ مائتٌ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾: مُظِلًّا عن جميعِ المؤذيات، مِن حرِّ الشمس، وأذى الظُّلمةِ، وبردِ الزَّمان، ونحوِها (^٣).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: همُ اليومَ في ظلِّ الرِّعايةِ، وغدًا في ظلِّ الكفاية، بل هم في الدُّنيا والآخرة في ظلِّ العناية (^٤).
* * *
(٥٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
_________________
(١) في (ر): "الحارث البحاث"، وفي (ف): "الحارث". وهو -واللَّه أعلم- أبو جعفر محمد بن الحسن بن سليمان الزوزني الحاكم البحاث، أحد الفقهاء المبرزين، الأعيان المتفننين، تقلد القضاء في كور كثيرة بخراسان وبما وراء النهر، ذُكر أن تصنيفاته في التفسير، والحديث، والفقه، وأنواع الأدب، تربي على المئة، توفي سنة ٣٧٠ هـ). انظر: "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن الصلاح (١/ ١٣١)، و"طبقات الشافعية الكبرى" (٣/ ١٤٣ - ١٤٥)، و"طبقات المفسرين" للداودي (٢/ ١٢٧ - ١٢٩).
(٢) في (أ): "للظل" وفي (ف): "ظليلًا تأكيدًا لظل" بدل من "البحاث ظليلًا تأكيد لظل".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٢٠).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٤٠).
[ ٥ / ٧٢ ]
تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وانتظامُها بما قبلها: أنَّ اليهودَ خانوا الأمانةَ التي كانت عندَهم مِن نعتِ (^١) الرَّسول -ﷺ-، وحكموا بالجورِ، حيث جعلوا المشركين أهدى سبيلًا مِن المؤمنين، فأمرَ اللَّهُ المؤمنين بخلافِ ذلك، وهو أداءُ الأماناتِ إلى أهلِها، والحكمِ بالعدلِ.
وهو عامٌّ في حقوقِ اللَّه تعالى مِن العبادات، وحقوق (^٢) النَّاسِ مِن المعاملات، وفي حقِّ النبيِّ -ﷺ- في تبليغِ الوحي، وفي حقِّ الصَّحابةِ والتَّابعين (^٣) وعلماءِ الدِّين وعامَّة المسلمين في تبليغِ ما عندَهم مِن العلم والدِّين إلى سائرِ المؤمنين، وكذلك العدل في الحكم، قال النبيُّ -ﷺ-: "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه" (^٤)، وقال ابنُ مسعود ﵁: الأمانةُ في كلِّ شيءٍ؛ في الوضوء، والصَّلاة، والصَّوم، والزَّكاةِ، والجنابة، وفي الكيلِ والوزن (^٥)، وأعظمُ مِن ذلك الودائع (^٦).
وقيل: قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ في الأمناء، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ في الأمراء.
وقيل: كلُّه في الأمراء، وهي أمانةُ الفيء والخَراجِ والصَّدَقات وأموالِ بيت المال.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾؛ أي: نِعمَ الوعظُ مِن اللَّه تعالى هذان الأمران، ﴿نِعِمَّا﴾ مرَّ تفسيرُه في سورة البقرة بو جوههِ ومعانيه (^٧).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بعث".
(٢) في (ر): "وفي حقوق".
(٣) "والتابعين" زيا دة من (أ).
(٤) أخرجه البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) في (أ): "والموزون".
(٦) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٢٠١).
(٧) عند تفسير الآية (٢٧١) منها.
[ ٥ / ٧٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ (^١)؛ أي: لما تقوله القضاة (^٢) ﴿بَصِيرًا﴾ بما يعملُه (^٣) الأمناء.
وقال محمَّد بنُ إسحاق ﵀: لمَّا افتتح النبيُّ -ﷺ- مكَّة، طلبَ المفتاحَ مِن عثمان بن طلحة بن عبد اللَّه القُرشيِّ مِن بني عبد الدَّار، وكان يلي البيتَ، فقال: "هاكَ بأمانةِ اللَّه تعالى"، فقال العبَّاس (^٤): يا رسولَ اللَّه، اجمَعهُ لي مع السِّقاية، فنزلَت هذه الايةُ (^٥)، ثمَّ إنَّ عثمانَ بن طلحةَ هاجرَ ودفع إلى أخيه شيبة فهو في ولده إلى اليوم.
وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: طلب رسولُ اللَّه -ﷺ- المفتاحَ يوم دخلَ مكَّة، فقيل له (^٦): إنَّه مع عثمان، فوجَّه إليه عليًّا، فأبى دفعَه إليه، وقال: لو علمتُ أنه رسول اللَّه لدفعتُ المفتاح إليه، فأخذَ عليٌّ المفتاحَ منه قسرًا، حتَّى دخلَ رسولُ اللَّه -ﷺ- البيتَ، وصلَّى فيه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فأمرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- عليًّا بردِّه إليه، فردَّهُ إليه وألطف له (^٧)، فقال لعلي ﵁: أخذتهُ منِّي قهرًا ورددتَهُ عليَّ باللُّطف، فقال: إنَّ اللَّهَ أمرنا بردِّه عليك، وقرأ هذه الآية، فأتى النبيَّ -ﷺ-، وأسلمَ (^٨).
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "بصيرًا".
(٢) في (ف): "الخونة" بدل: "القضاة".
(٣) في (ر): "تغله".
(٤) في سيرة ابن هشام (٢/ ٤١٢) أن القائل علي بن أبي طالب ﵁.
(٥) "سيرة ابن هشام" (٢/ ٤١١ - ٤١٢).
(٦) لفظ: "له" ليس في (أ).
(٧) في (ر) و(ف): "وألطفه".
(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣) دون نسبته لابن المسيب. قال الحافظ ابن حجر في "العجاب" (٢/ ٨٩٣): كذا أورده الثعلبي بغير سند جازمًا به، وتلقاه عنه غير واحد منهم الواحدي [في "أسباب النزول" ص ١٥٠ - ١٥١)]، وفيه زيادات منكرة، منها: أن المحفوظ أن إسلام =
[ ٥ / ٧٤ ]
(٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولمَّا أمرَ ولاةَ الأمورِ أنْ يَحكموا بين النَّاسِ بالعدل، وكان رأسُ الولاةِ رسولَ اللَّه -ﷺ-، أمرَ عبادَهُ بطاعتِه أوَّلًا، ثمَّ بطاعةِ رسولِه فيما يَأمرُ به عن ربِّه؛ فإنَّه لا يَنطِقُ عن الهوى، إنْ هو إلَّا وحيٌ يُوحَى، وطاعتُه طاعةُ اللَّه، ثمَّ بطاعةِ أولي الأمرِ، وهم الذين يقومون في الخلقِ بأمرِ اللَّه تعالى وأمرِ رسولِه، مِن الأُمراءِ والعلماء (^١)، على ما اختُلِفَ فيه على ما نُبيِّنُ؛ لأنَّهم يَأمرون بذلك (^٢) بأمرِ اللَّه وأمر رسوله.
وقال أبو هريرة والكلبيُّ ومقاتلٌ ﵃ أجمعين: أولي الأمر: أمراءُ السَّرايا (^٣).
قال ابن عباس ﵄: بعثَ النبيُّ -ﷺ- خالدَ بن الوليدِ في سَريَّةٍ إلى حيٍّ مِن أحياء العرب، وكان معه عمارُ بن ياسر، فسار خالدٌ، حتَّى إذا دنا من القومِ، ونزلَ ليُصبِّحَهم، فأتاهم النَّذيرُ، فهربوا غيرَ رجلٍ كان قد أسلمَ، فأمرَ أهلَه أن يتهيَّؤوا (^٤)
_________________
(١) = عثمان بن طلحة كان قبل الفتح بمدة، قدم هو وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فأسلموا جميعًا، بين الحديبية والفتح.
(٢) في (أ): "أو العلماء".
(٣) في (ر) و(ف): "فذلك".
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٧٦) عن أبي هريرة، ونسبه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٤) لميمون بن مهران ومقاتل والسدي والكلبي، وتحرف الأخير في مطبوعه إلى: "والشعبي" والتصويب من الطبعة المحققة في دار التفسير (١٠/ ٤٣٨)، وهو في "تفسير مقاتل" (١/ ٣٨٣).
(٥) في (ر) و(ف): "يتأهبوا".
[ ٥ / ٧٥ ]
للمسير، ثمَّ انطلقَ حتَّى (^١) أتى عسكرَ خالد بن الوليد، فدخلَ على عمَّار، فقال: يا أبا اليقظان، إنِّي مسلمٌ، وإنَّ قومي لمَّا سَمعوا بكم هَربوا، وأقمتُ لإسلامي، أفنافعي ذلك، أو أهربُ كما هرب قومي؟ فقال: أقم، فإن ذلك نافعُك، وانصرفَ الرَّجلُ إلى أهلِه، وأمرَهم بالمقام.
فأصبحَ خالدٌ، فأغارَ على القومِ، فلم يجِد إلَّا ذلك الرَّجلَ، فأخذَهُ وأخذَ مالَهُ، فأتاهُ عمَّار، فقال: خلِّ سبيلَ الرَّجل؛ إنه مسلمٌ، وقد كنتُ أمَّنتُه، وأمرتُه بالمقام، فقال خالد: وفيم أنت تجيرُ عليَّ، وأنا الأمير؟! فقال: نعم، وأنا أجير عليك، وأنت الأمير (^٢)، وكان في ذلك بينهما كلامٌ، فانصرفوا إلى النبيِّ -ﷺ-، فأخبروهُ خبرَ الرَّجل، فأمَّنهُ النَّبيُّ -ﷺ-، وأجازَ أمان (^٣) عمَّار، ونهاهُ (^٤) أنْ يُجيرَ على أميرٍ (^٥) بغير إذنهِ.
فاستبَّ عمَّار وخالدٌ بين يدي النبيِّ -ﷺ-، فأغلظَ عمارٌ لخالدٍ، فغضبَ خالدٌ، وقال: يا رسولَ اللَّه، أتدع هذا العبدَ يشتمني، فواللَّه لو لا أنت ما شتَمني عمَّار، وكان عمَّارٌ مولًى لهاشم بن المغيرة، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "يا خالد، كفَّ عن عمَّار، فإنَّه مَن يَسبُّ عمَّارًا يسبُّه اللَّه، ومَن يُبغِض عمَّارًا يبغضهُ اللَّه"، فقام عمَّار، وتبعَهُ خالدٌ، فأخذَ بثوبِه، وسألَه أن يَرضى عنه، فرضيَ عنه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (^٦).
_________________
(١) بعدها في (أ): "إذا".
(٢) قوله: "وأنت الأمير" ليس من (أ).
(٣) في (ر): "وأجاز ما أجاز"، وفي (ف): "وأجار ما أجار" بدل: "وأجاز أمان".
(٤) بعدها في (أ): "عن".
(٥) في (ر) و(ف): "أميره".
(٦) علقه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠) (طبعة دار التفسير) عن زاذان عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٧٨ - ١٧٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٨٨، ٩٨٩ - ٩٩٠) (٥٥٣١)، (٥٥٤٠) من قول السدي. ورواه ابن مردويه -كما في "تفسير ابن كثير"-، وابن =
[ ٥ / ٧٦ ]
وروى أبو هريرة ﵁، عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "من أطاعَني فقد أطاعَ اللَّه، ومَن عصاني فقد عَصى اللَّه، ومَن أطاعَ أميري فقد أطاعَني، ومَن عصى أميري فقد عصاني" (^١).
وقال ابنُ عباسٍ ﵁في رواية- ومجاهدٌ وجابرُ بن عبد اللَّه والحسنُ والضَّحَّاكُ والمباركُ بن فضالة ﵃: أولي (^٢) الأمر: أهلُ الفقه والدِّين (^٣).
وقال أبو بكر الورَّاق: هم الخلفاء الراشدون؛ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ رضوان اللَّه عليهم.
وقال بكرُ بنُ عبد اللَّه المزنيّ: هم أصحابُ رسولِ اللَّه -ﷺ- (^٤)؛ لقوله: "أصحابي كالنُّجوم، بأيِّهم (^٥) اقتديتُم اهتديتم" (^٦).
_________________
(١) = عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٣/ ٤٠٠) من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) رواه البخاري (٧١٣٧)، ومسلم (١٨٣٥).
(٣) في (أ): "أولو".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٨٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٨٩) (٥٥٣٤) عن ابن عباس. وانظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٣٤). ورواه الطبري (٧/ ١٧٩ - ١٨٠) وابن أبي حاتم (٣/ ٩٨٩) (٥٥٣٥) عن مجاهد. ورواه الطبري (٧/ ١٧٩) عن جابر بن عبد اللَّه. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٠٨) عن معمر عن الحسن، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبري (٧/ ١٨١). ورواه ابن أبي حاتم (٣/ ٩٨٩) (٥٥٣٦) من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن.
(٥) قول أبي بكر الوراق وبكر بن عبد اللَّه في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٦) في (ف): "فبأيهم".
(٧) ذكر الحافظ ابن حجر طرقه في "الكافي الشاف" (ص: ٩٤ - ٩٥)، وفي "تلخيص الحبير" (٤/ ٣٥١)، وبين عللها وما فيها، ثم نقل في الأخير عن أبي بكر البزار قوله: هذا الكلام لم =
[ ٥ / ٧٧ ]
وقال عطاء: هم الولاةُ مِن المهاجرين والأنصار والتَّابعين لهم بإحسان؛ وهذا لأنَّ طاعةَ اللَّه ﷻ إنَّما تَصِحُّ ببيانِ الرسولِ ﵊، وبيانُ الرَّسول ثبتَ بنقلِ (^١) الوسائطِ، وهم الصَّحابةُ والخلفاءُ ومِن بعدِهم (^٢) العلماء، فكانت طاعتُهم طاعة اللَّه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مقاتلٌ ﵀: أي: إن اختلفتُم أنتم والأمراءُ في شيءٍ مِن الحلال والحرام (^٤). ومعنى (^٥) قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: القرآن، وقوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾ أي: ارجعوا إليه في حياتِه، وإلى أحاديثه بعد وفاتِه.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: إنَّ الإيمانَ يُوجِبُ الطَّاعةَ دون العصيان، ودلَّتِ الآيةُ أنَّ طاعةَ الأمراءِ واجبةٌ إذا وافقوا الحقَّ، فإذا خالفوه فلا طاعةَ لهم، قال النبيُّ -ﷺ-: "لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق" (^٦).
وحكيَ أنَّ مسلمةَ بنَ عبدِ الملك بن مروان قال لأبي حازم: ألستُم أمِرتُم بطاعَتِنا
_________________
(١) = يصح عن النبي -ﷺ-. وعن ابن حزم قوله: هذا خبر مكذوب موضوع باطل.
(٢) في (ر): "بتنفيذ".
(٣) بعدها في (أ): "من".
(٤) في (أ): "للَّه".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٨٣).
(٦) لفظ: "ومعنى" ليس من (أ).
(٧) رواه بهذا اللفظ الطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/ ١٧٠) (٣٨١) من حديث عمران بن حصين، ورواه بنحوه البخاري في "صحيحه" (٤٣٤٠)، ومسلم في "صحيحه" (١٨٤٠) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
[ ٥ / ٧٨ ]
بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال أبو حازم: أليس قد نُزِعت عنكم إذا خالفتم الحقَّ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^١).
ودلَّتِ الآيةُ على (^٢) أنَّ إجماعَ الأمَّةِ حجَّةٌ لا يَجوزُ خلافُها؛ لأنَّه إنَّما أمرَ بالاجتهادِ عند التَّنازع، فإذا أجمعوا فلا وجهَ لخلافه.
وتعلَّقَ أصحابُ الظَّواهر بظاهرِ هذه الآية أنَّ (^٣) الاجتهادَ والقياس لا يجوزُ؛ لأن اللَّهَ عزَّ وعلا أمرَ بالرُّجوع إلى الكتابِ والسُّنَّة، فلا يجوزُ غيرُ ذلك.
وقلنا: بل هو دليلُ جواز القياس؛ فإنَّ الرَّدَّ إلى اللَّه والرَّسول هو العملُ بمعنى (^٤) القرآن والسُّنَّة، فإنَّه أوجبَ في كلِّ متَنازَعٍ (^٥) ردَّه (^٦) إلى الكتاب والسُّنَّةِ، ولا يوجدُ في كلِّ حادثةٍ نصٌّ ظاهرٌ، فعُلِمَ أنَّه أمرٌ بالنَّظرِ في مودعاتِه، والعملِ على مدلولاتِه ومقتضياته.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قال الكلبيُّ: أي: خيرٌ مِن الاختلافِ، وأحسنُ عاقبة، قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي: عاقبتَهُ، وقد آلَ إليه الأمرُ يَؤُول أوْلًا؛ أي: عاد، وأوَّله؛ أي: غيَّره تأويلًا حسنًا.
وقيل: أحسنُ جزاءً، هو مِن ذلك أيضًا؛ لأنَّه عاقبةُ العملِ، ومآلُ الأمرِ.
_________________
(١) انظر: "التفسير الوسيط" للواحدي (٢/ ٧٢).
(٢) لفظ: "على" من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "لأن".
(٤) في (أ): "بمعاني".
(٥) في (ف): "منازع".
(٦) في (ر): "فيه أن يرد" بدل: "رده".
[ ٥ / ٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (^١)؛ أي: لا تتعجَّب (^٢) مِن المنافقين الذين يَزعُمون أنَّهم آمنوا (^٣) بالقرآن وبالكتبِ المُنزلةِ قبله.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ أي: إذا وَقعَت لهم خصومة تحاكموا إلى الطَّاغوت، كاليَهود الذين ذُكروا قبل هذه الآيات؛ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١].
قال الزَّجَّاج: الطَّاغوت: الشيطان هاهنا (^٤)، بدليل أنَّه قال في آخره: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا﴾ (^٥).
ورويَ عن مجاهدٍ والضَّحَّاك: الطَّاغوت هاهنا كعب بن الأشرف، فإنَّ يهوديًّا نازعَ منافقًا في أمرٍ، فدعا اليهوديُّ إلى النبيِّ -ﷺ-، ودعا المنافقُ إلى كعب بن الأشرف (^٦) وهذا كان أعجبَ عجبٍ؛ إذ صار المنافقُ يَدعو إلى حاكم اليهود، واليهوديُّ يَدعو إلى حاكم المسلمين.
وقال الكلبيُّ: هذا رجلٌ مِن المنافقين، يقال له بشر، كان بينه وبين رجلٍ مِن اليهود خصومةٌ، فقال اليهوديُّ: انطلق بنا إلى محمَّدٍ -ﷺ-، وقال المنافقُ لعنه اللَّه: بل نأتي كعبَ بن الأشرف -وهو الطاغوت-، فأبى اليهوديُّ أنْ يُخاصَمَهُ إلَّا إلى
_________________
(١) بعدها في (ف): "يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت".
(٢) في (ف): "تعجب".
(٣) بعدها في (ر): "بما أنزل إليك".
(٤) فسر الزجاج الطاغوت في هذه الآية في "معاني القرآن" له: (٢/ ٦٨) بالكاهن والشيطان.
(٥) لفظ: "ضلالًا" من (أ).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٩٣ - ١٩٥).
[ ٥ / ٨٠ ]
رسول اللَّه -ﷺ-، فلمّا رأى المنافقُ ذلك، أتى معه رسولَ اللَّه -ﷺ-، واختصما، فقضى رسولُ اللَّه -ﷺ- لليهوديِّ، فلمَّا خرجا من عندهِ لزمَهُ المنافقُ، فقال: انطلق بنا إلى عمرَ -﵁-، فقال اليهوديُّ: اختصمنا إلى محمَّد، فقضى لي عليه، فلم يرض بقضائه! فقال عمر ﵁ للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدَكما حتَّى أخرجَ إليكما، فدخل البيتَ، ثمَّ خرجَ ومعه السيف، فضرب به المنافقَ، فقتلَهُ، وهرب اليهوديُّ، فنزلت الآية (^١).
وقال عطاء: الطاغوتُ: هو حيي بن أخطب (^٢).
وقال الحسن: هو وثنٌ كانوا يَتحاكمون إليه وعندهُ رجلٌ يقول للخصمين: قضى بينكما بكذا.
وقال السُّدِّيُّ ﵀: نزلت في أناسٍ مِن بني قريظةَ والنَّضير، كانوا قد آمنوا، ونافقَ بعضُهم، فكانت النضير، وهم [حلفاء] الأوس، أشرفَ مِن بني قريظة، وهم [حلفاء] (^٣) الخزرج في الجاهلية، فكان الرَّجلُ مِن بني قريظةَ إذا قَتلَ رجلًا مِن بني النَّضير، قُتِل وأُخِذَ منهم الدِّيةُ مئةَ وَسَقٍ من تمر، وإذا قَتلَ الرَّجلُ من بني النضيرِ رجلًا من بني قريظة، لم يُقتَل به، وأُخِذَ الدِّيةُ ستين وسقًا مِن تمر.
فلمَّا جاءَ اللَّهُ بالإسلام، قَتلَ رجلٌ مِن بني النَّضيرِ رجلًا من بني قريظةَ في الإسلام (^٤)،
_________________
(١) أورده الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٥٥) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متروك، وأبو صالح ضعيف يرسل، كما سلف غير مرة.
(٢) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٦/ ٥٥٠).
(٣) ما بين حاصرتين من "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٣٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٥).
(٤) "في الإسلام" ليس في (ف).
[ ٥ / ٨١ ]
فاختَصموا إلى النبيِّ -ﷺ-، فقالت بنو النَّضير: قد كنَّا وأنتم (^١) في الجاهليَّة اصطلحنا على أنْ نقتلَ منكم ولا تقتلوا منا، وعلى أنَّ دِيَتكُم ستُّون وَسْقًا (^٢) -والوَسْق: ستُّون صاعًا- وديتَنا مئةَ وسْقٍ، نحن نعطيكُم ذلك، فقالت بنو قريظة (^٣): هذا شيءٌ كنتم فعلتموهُ في الجاهليَّةِ؛ لأنَّكم (^٤) كثرتم وقللنا، فقهرتُمونا، فصنعتُم ذلك، ونحن وأنتمُ اليوم (^٥) إخوءٌ، ليس لكم علينا فضلٌ، وقد جاء اللَّهُ تعالى بالإسلام، فنحن وأنتم سواءٌ، وقالت الخزرج (^٦): نحن على ما كنَّا عليه. وقالوا: حتى (^٧) يجيء أبو بردة الكاهن، فيحكمَ بيننا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وأنزل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية [المائدة: ٥٠].
فأقبل أبو بردة إلى المدينة -واسمه هلال بن عويمر- وتفاخرَتْ قريظةُ وبنو النَّضير، أيُّهم أفضل؟ فقال المنافقون مِن (^٨) الفريقين: نحاكمكم إلى أبي بردة، وقال المؤمنون: بل نحاكمُ (^٩) إلى رسولِ اللَّه -ﷺ-.
فانطلقوا إلى أبي بردة، فقالوا: احكم بيننا، فقال: عظِّموا (^١٠) اللُّقمةَ
_________________
(١) لفظ: "وأنتم" من (أ).
(٢) بعدها في (ر): "من تمرٍ".
(٣) القائل هنا في "تفسير الثعلبي" و"أسباب النزول": الخزرج.
(٤) بعدها في (ر): "كنتم".
(٥) في (أ): "ونحن وأنتم"، وفي (ر) و(ف): "وأنتم اليوم"، والمثبت من "تفسير الثعلبي".
(٦) القائل هنا في "تفسير الثعلبي": بنو النضير. وهو الأصح.
(٧) "حتى" زيادة من (أ).
(٨) في (ف): "في".
(٩) في (ر): "نحاكمكم"، وفي (ف): "تحاكموا".
(١٠) (في (ر) و(ف): "أطعموا".
[ ٥ / ٨٢ ]
-يعني (^١) العطيَّةَ- فإنِّى أخاف إنْ نَفَّرْتُ (^٢) بنى قريظة أن يَقتُلنى بنو النَّضير، وإنْ نَفَّرْتُ بني النضير أن يقتلني بنو قريظة؛ فإنِّي في دارهم، فأعطوهُ عشرةَ أوسقٍ من تمرٍ فأبى، وسألهم مئةَ وَسْقٍ، فأبوا عليه، فلم يَحكُم بينهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ الآية [النساء: ٦٠]، فدعا النبيُّ -ﷺ- كاهنَ بني أسلم (^٣) أبا بردةَ إلى الإسلام، فأبى وانصرفَ، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ- لابْنَيْه: "أدرِكا أباكما فرُدَّاه، فإنَّه إن جاز عقبة كذا؛ لم يسلم أبدًا"، فأدركاهُ، فلم يزالا به حتَّى انصرف وأسلم، وأمرَ النبيُّ -ﷺ- مناديًا: "ألَا إنَّ كاهن أسلمَ (^٤) قد أسلم" (^٥).
فالطَّاغوتُ هاهنا هو الكاهن.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: يَتبَرَّؤوا مِن الطَّاغوت، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ (^٦) [البقرة: ٢٥٦].
وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ (^٧)؛ أي: يدعوهم إلى الضَّلال، ويسبِّبَ لهم الضَّلالَ بالوَسوسة.
_________________
(١) في (أ): "أي".
(٢) في (ر): "نصرت" في هذا الموضع والذي يليه، وهو تحريف، وكذا تحرفت في مطبوع "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٣٨)، وهي على الصواب في طبعة (دار التفسير) (١٠/ ٤٥٥). قال الجوهري في "الصحاح" (مادة: نفر): نَفَّره عليه تنفيرًا؛ أي: قضى له عليه بالغلبة، وكذلك: أنفره.
(٣) في (أ): "إسرائيل".
(٤) في (ر) و(ف): "بني سليم" بدل: "أسلم".
(٥) أورده الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٩٢ - ١٩٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٩١ - ٩٩٢) (٥٥٤٩).
(٦) قوله: "قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ " وقع في (ف) بعد قوله السالف: "فالطاغوت هاهنا هو الكاهن".
(٧) بعدها في (ف): "ضلالًا بعيدًا".
[ ٥ / ٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي (^١): على وجهٍ لا يَعودون إلى الهُدى أبدًا.
* * *
(٦١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؛ أي: وإذا دُعيَ هؤلاء المنافقون إلى حكمِ اللَّه تعالى وحكمِ رسوله ﵊، رأيتَهم يُعرِضون عنك إلى غيرك؛ ليُغروهُ بالرِّشوةِ، فيقضي لهم.
* * *
(٦٢) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: فكيف يصنعُ هؤلاء المنافقون إذا نالتهم عقوبةٌ، وكانوا متوعدين (^٢) بالعقوبات، من نحو قولِه تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (^٣) [الأحزاب: ٦٠ - ٦١]، ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (^٤) الآية [التوبة: ١٠١].
_________________
(١) قوله: "وقوله تعالى: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي" ليس في (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "موعدين".
(٣) بعدها في (ر) "وقوله تعالى".
(٤) قوله: " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ ": من (أ).
[ ٥ / ٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بما أسلفوا من الجنايات.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ يقول: إنَّهم تحاكموا إلى الطاغوت ردًّا لحكم الإسلام، وأنفةً عن الانقياد للنبيِّ -ﷺ-، فكيف يفعلون إذا نالَتْهُم عقوبةٌ مِن اللَّه تعالى بماضي جناياتِهم، ومصيبةٌ في أنفسهم أو أموالهم (^١)؟ ثمَّ أتوك يا محمَّدُ خاضعين خاشعين، يتشفَّعون إليك في الكفِّ عنهم، والصَّفح عن جُرمهم، ويَدفعون ذلك عن أنفسِهم بالمعاذير الكاذبةِ، مؤكَّدةً بالأيمان الفاجرة، يقولون: ما أرَدْنا بالتَّحاكم إلى غير النبيِّ -ﷺ- إلَّا الإحسانَ إلى خصومنا، وإدامةَ الائتلاف فيما بيننا، والتَّوفيقَ -مِن إثبات الوفاق في هذه الآية-، وآثرنا التخفيفَ (^٢) عن النبيِّ -ﷺ-، والتسهيلَ على الخصوم؛ بمرافعتِهم إلى مَن لا يُحتشم مِن رفعِ الصَّوتِ بين يديه، عسى أن يتوسَّط بيننا، ولا يَحمِلَنا على الحكم المرِّ؛ فيكون (^٣) ذلك تأليفًا بيننا، ودفعًا لوقوع الضَّغائن، وما أشبهَ هذا من المَلَق.
وإذا كان هذا مآلَ أمرهم (^٤)، فالتَّحاكمُ إليه ابتداءً والانقيادُ لحكمه أولى، مع ما فيه مِن وقوعِ ما يُخافُ وقوعُه مِن المصائب، وهي قِصَّة المنافق واليهوديِّ، فالمصيبةُ قتلُ عمر ﵁ ذلك المنافق، وأضيف الاعتذارُ إلى جملة (^٥) المنافقين، والمراد: أولياء ذلك المنافق (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وأموالهم".
(٢) في (ر) و(ف): "بالتخفيف".
(٣) في (أ): "ليكون".
(٤) في (أ): "أحدهم".
(٥) في (ر): "جميع".
(٦) من قوله: "وأضيف الاعتذار" إلى هنا ليس في (ف).
[ ٥ / ٨٥ ]
وقال الحسنُ البصريُّ ﵀: فيه اعتراضُ كلامٍ، وتقديره: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (^١)؛ أي: كيف يفعلونَ في هذه الحالةِ؟ وإلى ماذا يلتجؤون؟ إلى الطَّاغوت، أم إلى اللَّه ورسوله؟ وهو كقولِه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، ونحوها من الآيات (^٢).
وقيل: هي قصَّةُ مسجدِ الضِّرار، وهذا الحَلِفُ عينُ ما ذُكر هناك: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧]؛ ومعنى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (^٣)؛ أي: ما أردنا ببناءِ هذا المسجد إلَّا خيرًا وصوابًا.
وقال الكلبيُّ في هذه الآية وفيما قبلها: إنَّ الزُّبيرَ بنَ العوَّام وحاطبَ بنَ أبي بَلتعةَ اختصما إلى رسولِ اللَّه ﵊ في أمرٍ كان بينهما، فقضى رسولُ اللَّه -ﷺ- للزُّبير، فمرَّا على المقداد بن الأسود، فقال: لمن كان القضاء يا أبا بلتعة؟ فقال: قضى لابنِ عمَّتِه، ولوى شِدقَه، ففطنَ له يهوديٌّ كان مع المقداد، فقال: قاتلَ اللَّه هؤلاء! يشهدونَ أنَّه رسولُ اللَّه، ثمَّ يتَّهمونَهُ في قضاءٍ يَقضي به (^٤) بينهم، وايمُ اللَّه، لقد أذنبْنا ذنبًا مرَّةً في حياة موسى ﵊، فدعانا موسى ﵇ إلى التَّوبة، فقال: اقتلوا أنفسَكم، ففعلنا، فبلغَ قتلانا سبعين ألفًا في طاعةِ ربِّنا حتَّى رضيَ عنَّا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما واللَّه إنَّ اللَّهَ ليَعلمُ منِّي الصِّدقَ، لو أمرني أنْ أقتلَ نفسي لفعلت، فأنزل اللَّه تعالى في شأن حاطب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا
_________________
(١) انظر: قول الحسن في "تفسير ابن أبي زمينين" (١/ ٣٨٣).
(٢) في (أ): "الضرار".
(٣) قوله: "ومعنى قوله: إن أردنا إلا إحسانًا" ليس في (ف).
(٤) "به" ليس في (ف).
[ ٥ / ٨٦ ]
إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآيات [النساء: ٦١] (^١)، فأقبل حاطبٌ إلى النبيِّ ﵊ يعتذرُ عليه ويحلف إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا.
وهذا زلَّةٌ من الكلبيِّ؛ لأنَّ حاطبًا مِن أهل بدرٍ، وهو من المخلصين، وفي الآية نصٌّ على ذِكر المنافقين، وهو قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، فالصَّحيح أنَّها في اليهوديِّ والمنافقِ على ما مرَّ (^٢).
* * *
(٦٣) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: من النِّفاق.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: تولَّى عن معاقبتهم إلى وقتِ الأمر بالقتال.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾؛ أي: اقتصر على تخويفِهم سوءَ العاقبةِ للحال، وقل لهم فيما يَحِلُّ بهم مِن العذاب إن (^٣) لم يَرجعوا قولًا (^٤) يَبلغُ (^٥) الإقناعَ، ورجلُ بليغٌ: يَبلغ بكلامه كنهَ ما في قلبِه، والبلاغةُ: إيجازُ اللَّفظِ، وحسنُ التَّرتيب، وبلوغُ المرادِ، والقولُ البليغُ: ما يَبلغُ تمامَ المقصود.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠) عن الصالحي.
(٢) من قوله: "فكيف إذا أصابتهم" أثناء قول الحسن البصري في تفسير الآية السالفة إلى هنا ليس في (ر)، ووقع مكانه فيها: "وسألوا اللَّه مغفرةَ ما كان منهم من الشقاق"، وستأتي في موضعها.
(٣) في (ف): "إذا".
(٤) بعدها في (ف): "بليغًا".
(٥) في (أ) و(ر): "يبلغوا".
[ ٥ / ٨٧ ]
وقال الضَّحَّاك: ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بلسانِك في الملأ، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ في السرِّ والخلاء.
وقال الحسن: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾: إن أظهرتُم (^١) نفاقَكم قَتلتكم، فهذا هو القولُ البليغ.
وقيل: القولُ البليغُ: إفرادُ كلِّ واحدٍ بالتَّحذير (^٢)، والوعظُ على الجملة أنْ يقولَ: يا قوم، اتَّقوا اللَّهَ، ولا شكَّ أنَّ إفرادَ كلِّ واحدٍ به أبلغُ في الرَّدعِ.
فإن قيل: كيف يتَّفق: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾، والوعظُ لا يتأتَّى مع الإعراض؟
قلنا: قد بيَّنَّا أنَّ هذا الإعراضَ عن المعاتبةِ دون المخاطبة.
وقيل: هو الإعراضُ بالمعاداة.
وقيل: هو الإعراضُ عن قَبول العُذر (^٣)، وقد رُوِيَ أنَّه لمَّا وَعظَهُم وحذَّرهُم، أخلص كثيرٌ منهم، والأمرُ بالإعراضِ عن قَبول الأعذار (^٤)؛ كقوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، وكانوا يَميلون إلى موضعِ النَّفعِ، فإن كان الظَّفرُ للمؤمنين، جاؤوهم، وأظهروا وِفاقهم، وإذا (^٥) كانت الغَلبةُ للكفَّار وافقوهم وحققوا نفاقَهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٤١].
_________________
(١) في (ر): "شهرتم".
(٢) في (ف): "بالتحدث".
(٣) في (أ): "الأعذار".
(٤) من قوله: "وقد روي أنَّه لما وعظهم" إلى هنا ليس في (أ).
(٥) في (ف): "وإن".
[ ٥ / ٨٨ ]
(٦٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لمَّا أمرَ النبيَّ -ﷺ- بوعظِهم وإبلاع القولِ فيهم؛ أمرَهم بطاعتِه فيما أَمَرَ، واتِّعاظِهم (^١) بما وعظ، وأخبرَ أنَّ كلَّ رسولٍ أُرسِل كان على الأمَّةِ طاعتُه.
وتعلَّقتِ المعتزلةُ بظاهرِ هذه الآية، وادَّعوا أنَّ اللَّهَ تعالى أرادَ من عبادِه الطَّاعة؛ فإنَّه أرسلَ الرَّسول للطَّاعة (^٢)، وهم عصَوا على خلاف إرادته.
والآيةُ حجَّةٌ عليهم؛ فإنَّه قال: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أخبر أنَّه إنما يُطَاعُ بإذنه؛ أي: بمشيئته. وقيل: بعلمه، فإنَّما يُطيعُ مَن علمَ اللَّهُ أنَّه يُطيعُ، وشاءَ اللَّه أن يطيع (^٣).
وجوابٌ آخر: أنَّ المراد به لزومُ الطَّاعة؛ أي: ليَلزَمَهُم أنْ يُطيعوهُ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: إلَّا ليلزمهم (^٤) عبادتي؛ أي: توحيدي وطاعتي.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: وَضعوها غير مَوضِعها بالتَّحاكمِ إلى الطَّاغوت.
قوله تعالى: ﴿جَاءُوكَ﴾؛ أي: أتوكَ يا محمَّد، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: رجعوا عن النِّفاقِ، وأخلصوا على الإطلاق، وسألوا اللَّهَ مغفرةَ ما كان منهم مِن الشِّقاق.
_________________
(١) في (ف): "وإيقاظهم".
(٢) في (ر): "لإطاعته".
(٣) قوله: "وشاء اللَّه أن يطيع" ليس في (ف).
(٤) في (ف): "لالتزامهم".
[ ٥ / ٨٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: شفعَ لهم إلى ربِّهم.
وقوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ يَتوبُ عليهم ويَرحمُهم، فلا يُعذِّبهم.
ولمَّا كان الوعدُ هذا للمنافق إذا أخلصَ؛ فكيف بالمؤمنِ المخلصِ (^١) العاصِي إذا تابَ وأصلحَ؟
وفيه بيان أنَّ المنافقين إنَّما يأتيهم ما يأتيهم بإصرارِهم وسوء اختيارِهم.
* * *
(٦٥) - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ رفعَ قدرَ رسولِه ﵊ بإضافة نفسِه إليه في القسَم، و"لا" ردُّ لكلامِهم؛ أي: يَزعُمون أنَّهم مخلصون، ولا صدق في ذلك، وهذا الوجهُ أحسنُ مِن قولِ مَن يجعلُها زائدةً لا معنى لها، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١].
وقيل: ذُكِرَتْ "لا" في صدر الكلام؛ لأنَّ هذا القسمَ على أمرٍ منفيٍّ، ولمَّا بعدت عن الفعلِ؛ أُعيدَت في (^٢) موضعها؛ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾؛ أي: لا يكونون مؤمنين حتى يرضَوا بحكمِك.
_________________
(١) في (أ): "بالمخلص" وفي (ف): "بالمؤمن من المخلص و" بدل من "بالمؤمن المخلص".
(٢) في (ر) و(ف): "عن".
[ ٥ / ٩٠ ]
وقوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: اختلف، وقد اشتجرَ القومُ وتَشاجروا؛ إذا اختلفوا في الأمر، وتداخلَ بعض كلامِهم في البعض، كتداخل أغصان (^١) الشجرة بالتفافها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في قلوبِهم ﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: ضيقًا.
وقال مجاهد: شكًّا (^٢) في أنَّ القضاءَ حَقٌّ. وقيل: إثمًا.
وقوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾؛ أي: يَنقادوا لقضائِكَ لهم (^٣) وعليهم، ﴿تَسْلِيمًا﴾؛ أي: انقيادًا، وذَكَرَ المصدرَ للتَّأكيد؛ أي: يَنقادون حقَّ الانقيادِ، بلا كراهةٍ في الفؤاد.
وقال عروة بن الزبير: خاصم رجلٌ من الأنصارِ الزبيرَ في شراجٍ مِن الحَرَّةِ (^٤)، يَسقي بها النَّخلَ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "اسقِ يا زُبير؛ ثمَّ أرسِل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاريُّ: أن (^٥) كان ابن عمتِه؟ ولوى شِدْقَهُ (^٦)، فتلوَّن وجهُ النبيِّ -ﷺ-، فقال:
_________________
(١) لفظ: "أغصان" من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٠١)، وابن أبي حاتم (٣/ ٩٩٥) (٥٥٦٢).
(٣) في (ف): "وهو لهم".
(٤) الشراج: جمع شَرْجة، وهو مسيل الماء من الحرة إلى السهل. والحرة أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة. "النهاية" (مادة: شرج، حرر).
(٥) في (أ): "أأن".
(٦) قوله: "ولوى شدقه" لم يرد في رواية "الصحيحين"، ووقعت هذه العبارة في رواية الكلبي، وسلفت قريبًا عند تفسير قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، وهي رواية منكرة، وإقحامها في هذه الرواية قبيح.
[ ٥ / ٩١ ]
"يا زُبير، اسقِ أرضَك، واحبِس الماءَ حتَّى يَبلُغَ الجَدْرَ (^١) "، فقال الزُّبير: واللَّه إنَّ هذه الآية نزلَت في ذلك؛ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (^٢).
وكان النبيُّ -ﷺ- أمرَهُ في الابتداءِ بالاقتصار على أدْنى حقِّه (^٣)، فلمَّا قال خَصمُه ما قال؛ أمرَهُ باستيفاء حقِّه.
وقال أبو روق: كان ليهوديٍّ على رجلٍ مسلمٍ مالٌ (^٤)، فخاصمَهُ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقضى رسولُ اللَّه -ﷺ- على المسلم، وفرض (^٥) عليه أن يؤدِّي إلى اليهوديِّ يوم كذا وكذا من ماله، فخرجا من عندِه، فقال اليهوديُّ: أرضيتَ بما قضى به رسولُ اللَّه -ﷺ-؟ قال: لا، قال: فبمن ترضى؟ قال: بأبي بكرٍ، فانطلقا إلى أبي بكرٍ فقصَّا عليه القصَّة، فأمرَهُ أبو بكرٍ أن: ارضَ بما أمرَ به رسول اللَّه -ﷺ-، فخرجا، فلم يرضَ، فقال اليهوديُّ: فبمن ترضى؟ قال: بعمر، فانطلقا إلى عمر ﵁، فقصَّا عليه القصَّة من أمرِ رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكرٍ، فقال عمر ﵁: أفتَرضى بما أقضي أنا (^٦)؟
_________________
(١) المراد بالجدر أصل الحائط. وقيل: أصول الشجر. قال النووي: والصحيح الأول، وقدره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبتل كعب رجل الإنسان. "شرح صحيح مسلم" للنووي (١٥/ ١٠٨).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" (٢٣٥٩)، (٢٣٦٠)، ومسلم في "صحيحه" (٢٣٥٧).
(٣) وقع بعدها في (ر): "والشراح: مسيل الماء، والحرة: موضع الحصى، والجدر: الجدار، والجدر بالكسر والفتح" وفي (ف): "وشراج: مسيل الماء، والحرة: موضع الحصى".
(٤) بعدها في (ر): "قال".
(٥) في (أ): "فرضي" بدل: "وفرض".
(٦) في (ف): "لك" بدل: "أنا".
[ ٥ / ٩٢ ]
قال: نعم، قال: امكثا ساعةً حتَّى أخرج فدخل (^١) البيتَ، ثمَّ خرج مشتملًا على السَّيفِ صلتًا، فضرب به المسلمَ حتَّى قتله، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه -ﷺ- فرضي؛ فلذلك سمِّي عمرُ الفاروقَ؛ لأنَّه فرَّق بين الحقِّ والباطل، ففيه أنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية (^٢).
* * *
(٦٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثير ونافعٌ وابن عامرٍ (^٣) والكسائيُّ بضمِّ النون مِن ﴿أَنِ﴾، وضمِّ الواو من ﴿أَوِ﴾؛ لأنَّ الألف في هذين الأمرين في الأصل مضمومةٌ، فنُقلت تلك الضمَّة إلى هذا عند الضَّرورة إلى التحريك؛ لالتقاء الساكنين، وقرأ عاصمٌ وحمزةُ بالكسر فيهما، وقرأ أبو عمرو بكسر الأوَّل وضمِّ الثاني (^٤).
فأمَّا كسرُهما فلأنَّ (^٥) السَّاكِن إذا حُرِّك حُرِّك بالكسر (^٦)، وأمَّا كسرُ أبي عمرٍو
_________________
(١) في (ر) و(ف): "من" بدل: "فدخل".
(٢) سلف نحوها عن الكلبي عند تفسير قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ السالف قريبًا، ولم يذكر الذهاب إلى أبي بكر ﵁. وأخرج نحوه الحافظ دحيم، كما في "الدر المنثور" (٤/ ٥٢٤) عن عتبة بن ضمرة عن أبيه.
(٣) "وابن عامرٍ" ليس من (ف).
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٨).
(٥) في (ر) و(ف): "ولأنَّ" بدل: "فأما كسرهما فلأن".
(٦) في (أ): "إلى الكسر".
[ ٥ / ٩٣ ]
الأوَّل فلهذا، وأمَّا ضمُّه الثاني؛ فلاجتماع سببيِ الضمِّح وهما الواو وضمُّ ألف الأمر، بخلاف: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: ٤٢]؛ لأنَّه لم يجتمع سببان.
وقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (^١) قرأ ابن عامر: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، وكذا هو في مصاحف أهل الشَّام (^٢)، وقيل: هو قراءة أُبَيٍّ (^٣).
ووجهه أنَّه استثناءٌ بعدَ تمام الكلام، ومعناه: لكن، والقراءةُ الظَّاهرةُ بالرَّفع بالفعل، وتقديره: ما فَعَلَه إلَّا قليلٌ منهم، وإنَّما جمع مع تقدُّم الفعل على الفاعل على لغةِ بعض العرب، وهو كقولِ قائلهم (^٤):
يَلُومونَني في اشتراءِ النَّخيـ ل قَومي وكلُّهمُ ألوَمُ (^٥)
وعلى هذا قول اللَّه تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].
ومعنى الآية: ولو أنَّا فرضنا على هؤلاء المنافقين قتلَ أنفسِهم بطريقِ التَّوبةِ،
_________________
(١) في (ف): "قليلًا".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٥)، و"التيسير" (ص: ٩٦).
(٣) نسبها الثعلبي في "تفسيره" (ص: ٣٤١) لأبيِّ بن كعب وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وابن عامر.
(٤) بعدها في (ر): "شعر".
(٥) أنشده الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٣١٦)، وابن جني في "سر صناعة الإعراب" (٢/ ٦٢٩)، وابن الشجري في "الأمالي" (١/ ٢٠١) دون نسبة، ونسبه أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" كما نقله عنه عبد القادر البغدادي في "شرح أبيات المغني" (٦/ ١٣٣)، والراغب في "محاضرات الأدباء" (٢/ ٦١٦) لأحيحة بن الجلاح، وقافيته فيهما: "يعذل" بدل: "ألوم"، ولم يرد في "ديوان أحيحة". وينسب أيضًا لأمية بن أبي الصلت، وذكره محقق "ديوانه" في: ما أنشد لأمية وليس له (ص: ٥٥٤)، وانظر تتمة تخريجه فيه.
[ ٥ / ٩٤ ]
كما كان لبني إسرائيل، ويَحتمل أنَّه قتلُ بعضِهم بعضًا، ويَحتمل أنَّه مجاهدةُ الأعداء وقَتلُهم، أو فرضنا عليهم الخروجَ مِن ديارهم مهاجرين عنها، ما فعلوه إلَّا قليلٌ (^١) منهم، لغلظ الأمرين أخبر (^٢) بعلمه فيهم.
قال الكلبيُّ: نزلت في ثابت بن قيس بن شمَّاس، وقد ذكرناه (^٣) في قصَّة الزُّبير وخصمِه، وكلام اليهوديِّ، وجواب ثابت: لو أمرني محمدٌ أن أقتلَ نفسي لقتلت (^٤)، فهو القليل المستثنى.
وقيل: هو المقدادُ بن الأسود، وهو مذكورٌ في هذه القصة أيضًا.
وقال مقاتل: فكان (^٥) من القليل؛ عمَّارُ بن ياسر وثابت بن قيس وعبد اللَّه بن مسعود. وقال عمر وجماعةٌ: واللَّه لو فعلَ ربُّنا لفعلنا، والحمدُ للَّه الذي لم يفعل ذلك بنا (^٦)، وقال النبيُّ -ﷺ-: "والذي نفسي بيده، الإيمانُ أثبتُ في قلوب المؤمنين مِن الجبال الرَّواسي في الأرض" (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾؛ أي: وإذ لم نُشدِّد عليهم، وأمَرناهُم بالإخلاص وتركِ النِّفاق، فلو اتَّعظوا بهذا الوعظِ.
_________________
(١) في (ف): "قليلًا".
(٢) في (ر) و(ف): "لفظ. . . أخبره".
(٣) في (أ): "ذكرنا".
(٤) في (ر): "لفعلت".
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "المراد"، والمثبت موافق لما في "تفسير مقاتل".
(٦) في (ر) و(ف): "ربنا".
(٧) "تفسير مقاتل" (١/ ٣٨٧). والحديث رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٠٧) عن أبي إسحاق السبيعي، ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٩٦٦) من طريق أبي إسحاق عن زيد عن الحسن، وابن أبي حاتم (٣/ ٩٩٥) (٥٥٦٥) من طريق أخرى عن الحسن. فالحديث مرسل.
[ ٥ / ٩٥ ]
وقيل: لو أمرناهم بقتلِ أنفسهم وخروجِهم من ديارهم، ففَعلوا.
وقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أي: أحمدَ عاقبةً في الدَّارين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾؛ أي: وآكدَ لعزائمِهم على الثَّبات على الدِّين وتركِ التَّذبذب (^١).
* * *
(٦٧) - ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: ولأعطَيناهُم إذا فعلوا ذلك من عندِنا ثوابًا كثيرًا (^٢) في الآخرة لا يَنقطع.
* * *
(٦٨) - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ يعني: ولثبَّتناهم على الدِّين الحقِّ؛ وهو وعدٌ ببقاءِ الإيمان للمطيعِ المخلِص.
وقال الإمام القشيريُّ في قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾؛ أي: ابسُط لهم لسانَ الوعظِ بمقتضى الشَّفقةِ عليهم، ولكن انْقبِض بقلبِك عن المبالاة بهم، والسُّكون إليهم، واعلم أنَّ مَن لا نكون نحن له، لا يغني عنه تعنِّيه (^٣) شيئًا.
وقال في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾: سدَّ اللَّهُ الطَّريقَ إلى
_________________
(١) في (ر) و(ف): "التكذيب".
(٢) في (ف): "كبيرًا".
(٣) في (ر): "نفسه". وفي (ف): "تعبه"، وكلاهما تحريف، وفي "الطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٢٤٣): "أن تعينه"، وهو تحريف أيضًا، واللَّه أعلم.
[ ٥ / ٩٦ ]
نفسِه على الكافَّة، إلَّا بعد الإيمان بمحمَّدٍ ﵊، فمَن لم يمشِ تحت رايتِه، فليس مِن اللَّه في شيءٍ، ثمَّ جعل من شرطِ الإيمانِ به زوالَ المعارِضاتِ بالكليَّة؛ بقوله (^١) تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، فلا بدَّ لك مِن تَلقِّي المهالكِ بقلبٍ ضاحك، كما قال قائلُهم:
وحبيبٍ إنْ لم يكُن منصفًا كنتُ مُنْصِفا أتحسَّى لهُ الأمرَّ وأسقيه ما صفا
إن يقل ليَ اشتَوِ (^٢) احترقتُ رِضًا لا تكلُّفا (^٣)
* * *
(٦٩) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ وهذا أعمُّ من الأوَّل؛ أي: ومَن أطاعَ اللَّهَ تعالى ورسولَه مِنهم ومِن غيرهم، فعملَ بالشَّرائعِ، وانقادَ للأحكام.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: فهم في الآخرة مع الذين أتمَّ اللَّهُ عليهم النِّعمةَ.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ التَّشديدُ للمبالغة في الصِّدقِ، كما في: الفِجِّير والفِسِّيق والشِّرِّيب، وهو الذي لم يَدعْ شيئًا أظهرَه بلسانه إلا حقَّقه بقلبِه وعملِه، وهذه صفةُ السَّابقين إلى متابعةِ الأنبياء، وهم أفاضلُ أصحابهم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لقوله".
(٢) تحرفت في "لطائف الإشارات" إلى: "انشق".
(٣) "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٤٤).
[ ٥ / ٩٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ جمع شهيدٍ؛ وهو الذي قام بشهادةِ الحقِّ حتَّى قُتِلَ في سبيل اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ جمع صالحٍ؛ وهو الذي خَلَصَ (^١) عن كلِّ فسادٍ، يعني: هم في الجنَّة معهم، يُجزَونَ الجنَّة، ويُؤتونَ نعيمَها، وليس معناه أنَّهم يُساوُونَهم في الدَّرجات، بل درجاتُهم متفاوتةٌ؛ إذ لا شكَّ في فض ملةِ درجةِ (^٢) الأنبياءِ على غيرهم، ثمَّ الصدِّيقون السَّابقونَ إلى تصديقِهم، والكاملونَ في تحقيقِهم، ثمَّ الشُّهداءُ في سبيلِه، ثمَّ الصَّالحون مِن الأُمَّة.
وروى الضحَّاك عن ابنِ عبَّاسٍ ﵃ أنَّ أبا بكرٍ الصِّديقَ ﵁ قال: يا رسولَ اللَّه؛ واللَّه لأفقِدُكَ ساعةً فأكادُ (^٣) أموتُ شوقًا إليك، فكيف إن متَّ أنت وبقيتُ بعدَك؟ قال: "إِنِّك معي (^٤) في الجنَّة"، ونزلَت هذه الآيةُ (^٥).
وروي أنَّها نزلَت في ثوبان مولى رسولِ اللَّه -ﷺ-، وكان بلغَ من حبِّه له أنْ قال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي لا أكادُ أصبِرُ عنك، وأذكرُ الآخرةَ، وأنَّك تُرفَعُ في درجةِ الأنبياء، وأنا مع العبيد، فلا ألقاك، فنزلت الآية (^٦).
وقال الشَّعبيُّ: جاء رجلٌ مِن الأنصار إلى رسولِ اللَّه -ﷺ- فقال: لأنتَ أحبُّ إليَّ
_________________
(١) في (ف): "أخلص".
(٢) في (أ): "درجات".
(٣) في (ر): "لا أفقدك ساعةً إلَّا أكاد" بدل: "إني لأفقدك ساعة فأكاد".
(٤) في (ر) و(ف): "إني معك".
(٥) لم أقف عليه.
(٦) ذكر نحوه أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٣٦٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٥٨) من رواية الكلبي.
[ ٥ / ٩٨ ]
مِن نفسي وأهلي ومالي وولدي، ولولا أنِّي (^١) آتيك فأراك؛ لظننتُ أنِّي سأموت، وبكى، فقال النبيُّ -ﷺ-: "ما يبكيك؟ " قال: ذكرتُ أنَّك ستموتُ ونموت، فترفعُ مع الأنبياء، ونحنُ إن (^٢) دخلنا الجنَّة؛ كنَّا دونك، فلم يخبرهُ النَّبيُّ -ﷺ- بشيءٍ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، فقال له النبيُّ - ﷺ: "أبْشِر" (^٣).
وقال مقاتلٌ في هذه القصة: فلمَّا توفِّي النبي -ﷺ-؛ أتاه ابنُه وهو في حديقةٍ له، فأخبرَهُ بموتِ النَّبيِّ -ﷺ-، فقال: اللهمَّ أعمني، فلا أرى شيئًا أبدًا بعد حبيبي، حتَّى ألقى حبيبي، فعميَ مكانَهُ (^٤).
وزعم السُّدِّيُّ: أنَّ ناسًا مِن الأنصار قالوا: يا رسول اللَّه، إنَّك تسكنُ الجنَّة في أعلاها، ونحن نَشتاقُ إليك، فكيف نصنع؟ فنَزلَت الآية (^٥).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ -﵀- بعد ما ذكر حديثَ ثوبان وحديثَ جماعةٍ مِن الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين: ويَحتمل أنَّها ليست في واحدٍ بعينه، ولكن لها وجوهٌ:
أحدها: أنَّ اليهود وغيرَهم مِن الكفرة الذين آذَوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، وتمرَّدوا في تركِ
_________________
(١) في (أ): "أنني".
(٢) "إن" ليس من (أ).
(٣) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (٦٦١)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٩٧٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٣١٧). وإسناده ضعيف، فهو من رواية خلف بن خليفة عن عطاء بن السائب عن الشعبي، وخلف وعطاء اختلطا بأخرة. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي (١/ ٦٠٧ - ٦٠٨)، (٣/ ٧٨).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٨٨)، واسم الأنصاري عنده: عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢١٥).
[ ٥ / ٩٩ ]
إجابتِه؛ ظنُّوا أنَّهم وإن أسلَموا وأطاعوا الرسولَ، لم يُقبَل ذلك منهم، ولم يَنزِلوا منزلةَ مَن لم يؤذِه، فأخبرَ أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ ورسولَه، كان مع هؤلاء كأنْ لم يَترك طاعتَهُ أبدًا، وهو كما قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
ويَحتمل أنْ يكون ذلك لمَّا سَمعوا أنَّ لكلِّ واحدٍ من الجنَّة مثلَ الدُّنيا، فظَنُّوا ألَّا يكون لهم الاجتماع؛ لبُعْدِ بعضِهم عن بعض، فأخبرَ أنَّهم يجتمعون؛ لأنَّه كان في الدُّنيا مِن أعظمِ النِّعم، ثمَّ إذا ما (^١) تفرَّقوا كان كلُّ واحدٍ منهم في درجته.
ويَحتملُ أن يكون هذا على الابتداء؛ أنَّ مَن أطاعَ اللَّه والرَّسول؛ كان مع هؤلاء في دارٍ واحدةٍ لا يكونون (^٢) في غيرها (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾؛ أي: رفقاء، وقال الفراء: إنَّما وحَّد الرَّفيقَ، وهو صفةُ جمع؛ لأنَّ الرَّفيق والبريدَ والرَّسولَ تَذهبُ به العربُ إلى الواحدِ والجمع، ولا يجوزُ مثله في الكلام: حسن أولئك رجلًا، إنَّما يجوز أن يوحِّدَ صفةَ الجمعِ إذا كان اسمًا مأخوذًا مِن فِعل، ولم يكن اسمًا صريحًا، ويجوز الجمع أيضًا، وأنشد:
وإذا (^٤) همُ شَبعوا (^٥) فالأم طاعم وإذا همُ جاعوا فشرُّ جياع (^٦)
_________________
(١) لفظ: "ما" من (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "يكون".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٤٧).
(٤) في (أ) و(ف): "فإذا".
(٥) في المصادر: "طعموا" بدل: "شبعوا".
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٦٨)، والبيت ذكره أيضًا أبو زيد في "النوادر" (ص: ١٥٢) في قطعة من ثلاثة أبيات، ونسبها لرجل جاهلي.
[ ٥ / ١٠٠ ]
(٧٠) - ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: ذلك الوعدُ، وقيل: ذلك الإنعامُ، ﴿ذَلِكَ﴾ يجوزُ أن يكون مبتدأ، و﴿الْفَضْلُ﴾ خبرًا له، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةً، و﴿الْفَضْلُ﴾ مبتدأ، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبرًا له.
ودلَّت الآية أنَّ العبدَ لا يجب له الأصلح على اللَّه تعالى، وأنَّ ما يفعلُه اللَّهُ تعالى بعبدِه، فهو فضلٌ منه، فبَطَلَ مذهبُ المعتزلة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا بأعمالِ عباده، وبمن هو أهل الفضل.
وقيل: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بمقادير مراتِبهم وجزاءِ أعمالهم.
* * *
(٧١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ انتظامُها بما قبلَها؛ أي (^١): قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هذا في المؤمنين المخلِصين، والآياتُ التي قبلَها في المنافقين، وهؤلاء في المشركين المجاهرِين؛ أمرَ المؤمنين بجهاد الكافرين.
وقوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تحرَّزوا من إيقاع العدوِّ بكم، وذلك قد يكون بأخذ العدَّة (^٢)، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، قيل: هي الرَّمي،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أن".
(٢) بعدها في (ر): "قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، يقول: لا تتَّكلوا على ما ضمنتُ لكم، وذاك يكون بأخذِ العدَّة".
[ ٥ / ١٠١ ]
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، يقول: لا تتَّكلوا على ما ضمنتُ لكم مِن النَّصر، فتتركوا الاستعدادَ؛ لأنَّ النصرَ موعودٌ بالقتال، ولا قتالَ إلَّا بسلاحٍ، ولو كان النصرُ أبدًا بغير قتالٍ ولا سلاحٍ؛ لبَطلت المحنة.
وقيل: أخذُ الحذر: هو أخذُ السِّلاح، وليس كذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فغايرَ بينهما بالعطف، فصحَّ أنَّ أخذَ الحذر ليس أخذَ السِّلاح على اليقين (^١)، بل هو التيقُّظ والتحفُّظ عنهم بأيِّ شيءٍ كان.
وقيل: معناه ههنا: تحرَّزوا منهم، فانفِروا إليهم قبلَ أن يَنفِروا إليكم، قال النبيُّ -ﷺ-: "ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلَّا ذلُّوا" (^٢).
وقيل: أمرَ اللَّهُ تعالى بالتحرُّز (^٣)، مع علمِه أنَّ الحذرَ لا يُغني (^٤) من القَدر؛ لما أنَّ الاستسلام للهلاكِ معصيةٌ، وقال النبيُّ -ﷺ- للأعرابيِّ: "اعقِلْها وتوكَّل (^٥) "،
_________________
(١) في (أ): "التعين" بدل: "اليقين".
(٢) لم أقف عليه مرفوعًا، وورد من كلام علي بن أبي طالب ﵁. انظر: "البيان والتبيين" للجاحظ (٢/ ٥٣).
(٣) في (ر): "بأخذ الحذر" بدل: "بالتحرز".
(٤) في (ر): "يمنع".
(٥) بعدها في (أ): "على اللَّه". والحديث رواه الترمذي في "سننه" (٢٥١٧)، وفي "العلل الصغير" (٥/ ٧٦٢ - في آخر كتاب "السنن") من حديث أنس بن مالك ﵁، وقال: قال عمرو بن علي: قال يحيى بن سعيد: هذا عندي حديث منكر، قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث أنس بن مالك إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أمية الضمري عن النبي -ﷺ- نحو هذا. اهـ. قلت: وحديث عمرو بن أمية رواه ابن حبان في "صحيحه" (٧٣١)، والحاكم في "المستدرك" (٦٦١٦).
[ ٥ / ١٠٢ ]
وكان النبيُّ -ﷺ- إذا مرَّ بهدفٍ مائلٍ أسرعَ المشيَ (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا﴾ النَّفيرُ: الخروجُ إلى العدوِّ غزوًا، والنُّفور: النُّدود (^٢)، والنَّفْرُ: رجوعُ الحاجِّ، وصرفُ كلِّه من باب: ضرب.
وقوله تعالى: ﴿ثُبَاتٍ﴾؛ أي: جماعاتٍ في تفرِقةٍ (^٣)، واحدتها: ثُبَة، وأصلُها: ثبية؛ بزيادة ياءٍ في آخرها، حُذِفت تخفيفًا، وتعاد في التَّصغير، فيمال: ثُبَيَّة، والفعل منه: ثَبيتُ؛ أي: جمعت.
وقوله تعالى: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين (^٤)، ومعنى الآية: اخرجوا إلى قتالِ العدوِّ فرقةً بعد فرقةٍ، أي (^٥): اخرجوا إنْ شئتُم مجتَمِعين.
وقيل: أي: اخرجوا سرايا في جهاتٍ شتَّى، أو عسكرًا واحدًا في جهةٍ واحدةٍ، على حسب الحالةِ الدَّاعيةِ إليه.
وقيل: انفروا ثباتٍ إذا لم يَعمَّ النفير، أو انفروا جميعًا إذا عمَّ النفير.
وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيدِ بنِ أسلم: انفروا سرايا، إذا لم يَخرج النبيُّ -ﷺ-، أو انفروا جميعًا إذا خرجَ النبيُّ -ﷺ-، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهذا إذا خرجَ بنفسِه، ثمَّ قال: ﴿وَمَا
_________________
(١) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٢٩٩) عن يحيى بن أبي كثير قال: بلغني عن النبي -ﷺ-. . . وهو مرسل. والهدف كل شيء مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل. انظر: "الصحاح" (مادة: هدف).
(٢) يقال: ند البعير، إذا شرد ونفر. انظر: "الصحاح" (مادة: نفر).
(٣) في (ر): "متفرقة".
(٤) قوله: "أي مجتمعين" من (أ).
(٥) في (ر) و(ف): "أو".
[ ٥ / ١٠٣ ]
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، وهذا إذا لم ينفر رسول اللَّه -ﷺ- (^١).
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: ما تَحذَرون به عَدوَّكم، وما يحذر به وجوهٌ، منها: الأسلحة، ومنها: البُنيان، ومنها: التَّكثُّر (^٢) عند التَّلقِّي بالثَّبات وذكر اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]. وفيه الأمر (^٣) بالإعداد قبل اللقاء، وأيَّد ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]، وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وفي الأمر بالإعداد قبل وقتِ الحاجة إليه دليلُ جوازِ الكسبِ لحاجاتٍ تحدُث (^٤)، وأنَّ الاستعدادَ للحاجاتِ ليس برغبةٍ في الدُّنيا، إذا لم يكن الإعداد لفشلٍ ولا ترك توكُّلٍ (^٥).
* * *
(٧٢) - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أمرَ بالجهاد، وأخبرَ أنَّ في المنافقين مَن يُثَقِّلُ المخلصين عن ذلك.
_________________
(١) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٦/ ٥٨٤).
(٢) كذا في النسخ، ووقع في "تأويلات أهل السنة": "النكر"، وذكر محققه أنه وقع في إحدى النسخ: "النكار"، وهي كذلك في طبعة دار الميزان التركية (٣/ ٣٢٠)، وفسرها محققها بما في "لسان العرب" لابن منظور (مادة: نكر) قال: المناكرة: المحاربة، وناكره؛ أي: قاتله؛ لأن كل واحد من المتحاربين يناكر الآخر؛ أي: يداهيه ويخادعه.
(٣) في (أ): "أمر".
(٤) في (ر): "للحاجات التي تحدث".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٥٠).
[ ٥ / ١٠٤ ]
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: مِن جنسِكم.
وقيل: أي: منكم في الظَّاهر دون الباطن، فقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٤].
وقيل: أي: منكم في الحُكم.
وقيل: منكم في الدَّعوى.
و﴿لَمَن﴾ لام الابتداء، واللامُ الثَّانية لامُ القسم، وكذا (^١) النون دلالةُ القسم.
وقرأ مجاهدٌ والكلبيُّ: (ليبطِئن) بتخفيفٍ (^٢)، وهو من الإبطاء، وهو خلافُ الإسراع، وقد (^٣) بَطُؤ يَبطُؤ بُطْءًا، فهو بطيءٌ؛ أي صار: بطيئًا (^٤)، وهو خلاف السَّريع، وأبطأ؛ أي: تثاقل، وتَباطأ (^٥): أَرى من نفسِه ذلك، وبطَّأ غيرَه بالتشديد للتعدية؛ أي: حَمَلَه على الإبطاء، يقول: إنَّ مِن (^٦) المنافقين المختلِطين بكم مَن يَمنعُكم عن الجهاد، ويُظهِر من نفسِه الإشفاقَ عليكم وعلى أموالكم وأولادكم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: نالتكم نكبةٌ مِن الأعداء.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾؛ أي: منَّ اللَّه عليَّ.
_________________
(١) في (أ): "وكذلك".
(٢) ذكرها عنهما المهدوي في "التحصيل" (٢/ ٢٩٧)، وزاد نسبتها للنخعي، وذكرها ابن خالويه في "مختصره" (ص: ٣٣)، والنحاس في "إعراب القرآن" (١/ ٤٧٠) عن مجاهد فقط.
(٣) في (ر) و(ف): "وقيل".
(٤) في (ف): "بطاء".
(٥) في (ف): "وتبطا".
(٦) لفظ: "من" من (أ).
[ ٥ / ١٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: مع المؤمنين حاضرًا قتالَ العدوّ، فينالَني مِن النَّكبة (^١) ما نالهم.
قال مقاتل: نزلت في عبد اللَّه بن أُبيٍّ وأصحابه (^٢).
* * *
(٧٣) - ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: غنيمةٌ، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا المنافق المبطِّئ (^٣): ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ يتمنَّى (^٤) أن يكون شهيدَ (^٥) القتال معهم، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فأنالَ مالًا كثيرًا، ونَصبه لأنَّه جوابُ التَّمنِّي بالفاء.
وقرأ الحسن بالرَّفع (^٦) على تقدير: فإنِّي أفوز، على الاستئناف.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ قرأ أهلُ المدينة وأبو عبد الرَّحمن ابنُ زيد وأبو رجاء وقتادة والأعمش: ﴿يكن﴾ بياء التذكير (^٧).
_________________
(١) في (ف): "البلية".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٨٨).
(٣) بعدها في (ر): "كأن لم يكن بينكم وبينه مودة".
(٤) لفظ: "يتمنى" من (أ).
(٥) في (ف): "أي: يكون شهد" بدل: "أن يكون شهيد".
(٦) ذكرها ابن جني في "المحتسب" (١/ ١٩٢)، وزاد نسبتها ليزيد النحوي.
(٧) هي قراءة نافع المدني وأبي عمرو البصري وابن عامر الشامي وأبي بكر وحمزة والكسائي الكوفيين. نظر: "السبعة" (ص: ٢٣٥)، و"التيسير" (ص: ٩٦). وانظر: "الكامل" للهذلي (ص: ٥٢٨).
[ ٥ / ١٠٦ ]
وقرأ الحسن: بالتَّاء؛ لأنَّ المودَّة مؤنَّثةٌ لفظًا، وقرأ عاصم (^١) وأبو عمرو (^٢) بالوجهين.
ووجهُ التَّذكير تقدُّم الفعلِ ودخولُ الحائل، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّ المودَّة بمعنى الودِّ، وفي هذه الكلماتِ ثلاثةُ أوجه:
قيل: هي ملحقةٌ بالحادثة الأولى، ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ (^٣)، وفرحَ بسلامتِه ونكبتكم (^٤)، ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾.
وقيل: هي (^٥) مؤخَّرةٌ عن الحادثة الثَّانية، وتقديره: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، يَحسُدُكم بالاختصاص (^٦) بالغنيمة، و﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾.
وقيل: هي مُقرَّرة (^٧) على نظمها، واعتراضُه لمعنى الحال، لا (^٨) لأنَّه من كلامه، تقديره: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، وهو بحالٍ يَظهرُ منه أنَّه يعامِلُكم معاملةَ مَن لا مودَّة بينه وبين من يعامِلُه: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾.
* * *
_________________
(١) هي بالتاء قراءة حفص عن عاصم (وهي أيضًا قراءة ابن كثير)، وبالياء قراءة أبي بكر. انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٥)، و"التيسير" (ص: ٩٦).
(٢) ذكر الروايتين عنه الهذلي في "الكامل" (ص: ٥٢٨). والمتواتر عنه: "يكن" بالياء.
(٣) في (ر): "وأنعم اللَّه"، وفي (ف): "فأنعم اللَّه" بدل: "قال قد أنعم اللَّه علي".
(٤) في (ر): "وبليتكم".
(٥) بعدها في (ف): "قد تكون".
(٦) في (ر): "على الاختصاص".
(٧) في (ر) و(ف): "مقدَّرة" بدل: "مقررة".
(٨) لفظ: "لا" من (أ).
[ ٥ / ١٠٧ ]
(٧٤) - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أكثرُ المفسِّرين على أنَّه أمرُ مغايبةٍ بالقتال للمؤمنين، و﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى (^١): يبيعون؛ أي: الذين يؤثرون الآخرةَ على الدُّنيا، أمرَهُم أنْ يقاتِلوا لطلبِ رضا اللَّه، دون الغنيمة كما يقاتل المنافقون.
وقال الكلبيُّ: هذا أمرُ مغايبةٍ للمنافقين الذين تخلَّفوا عن أُحُد، و﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى: يشترون؛ أي: يختارونَ الحياةَ الدُّنيا على الآخرة، وتقديرُه أنَّه يقول للمنافقين: فليكونوا من الذين يقاتلون في سبيل اللَّه، قاله الزَّجَّاج (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ رويَ أنَّ الصحابة ﵃ قالوا للنبيِّ -ﷺ-: إنَّا نقاتل، فنَقْتُل ولا نُقْتَل في سبيل اللَّه؛ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، وأشركَهم جميعًا في الأجر (^٣).
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: في الآية دليلٌ أنَّ المرأةَ إذا سلَّمت (^٤) نفسَها إلى زوجِها، وجبَ لها كمالُ المهر، وإنْ لم يقبضها الزَّوج، وكذلك البائعُ إذا أسلم (^٥)
_________________
(١) في (أ): "بمعنى".
(٢) لم أقف عليه في "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٧٧)، وفيه أنه فسر ﴿يَشْرُونَ﴾ بيبيعون. ثم قال: يقال: شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت.
(٣) في (ف): "الآخرة". وانظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٨٩).
(٤) في (ف) و(ر): "أسلمت".
(٥) في (أ) و(ر): "سلم".
[ ٥ / ١٠٨ ]
المبيعَ تأكَّدَ الثَّمنُ على المشتري، وإن لم يَقبض؛ لأنَّ اللَّه تعالى جعل الغازي بتسليم النَّفس -وإن غلب ولم يقتلْه أحدٌ- بمنزلة مَن قتلَه المشركون (^١).
* * *
(٧٥) - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يُقَالُ ذلك إلَّا عند سبقِ التَّفريط، ثمَّ لم يَزُل اسمُ الإيمان عنهم، ولم يَسقُط فرضُ الجهاد عنهم، فبطَلَ بذلك قولُ الخوارجِ في مرتكب الكبيرةِ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومعناه: في تخليص العَجَزة مِن الرِّجال البالغين، والنِّساءِ، وصغار الأولادِ المقهورين في أيدي الكفَّار.
وقال الإمام القشَيريُّ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ يَمنعُكم عن القتالِ في سبيلِ اللَّه؟ وما الذي لا يُرَغِّبكم في بذلِ المهجةِ للَّه؟ وماذا عليكم لو بَذلتُم أرواحَكُم في اللَّه تعالى؟ أتخافون أنْ تخسروا على اللَّه؟ أم لا تعلمون أنَّكم تحشرون إلى اللَّه؟ أم لا تَكتفونَ ببقائِه بعد فنائِكم في اللَّه تعالى؟ (^٣)
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٥٦).
(٣) "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٤٦).
[ ٥ / ١٠٩ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دليلٌ أنَّ إسلامَ الصَّبيِّ العاقلِ صحيحٌ، فإنَّ ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ اسمٌ للصغار، وقد حثَّ المسلمين على استنقاذِهم من أيدي الكُفَّار، فدَلَّ على حكم إسلامِهم، ودلَّ على (^١) أنَّ استنقاذَ الأسارى من المسلمين عن أيدي الكفَّار واجبٌ بما قدِروا عليه من القتالِ وإعطاءِ المال (^٢).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾؛ أي: لا حيلةَ لهؤلاء المستضعفين ولا ملجأ إلَّا اللَّه، فيقولون: يا ربَّنا، أخرجنا من مكَّة التي أهلُها ظالمون بالشِّرك، وبظُلمنا بالمنعِ عن الخروج، وبحملِنا على الكفرِ بالدَّعوة إليه والتَّعذيبِ عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾؛ أي: وهيِّئ لنا مِن عندكَ مَن يتولَّى كفايتَنا.
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾؛ أي: وهيِّئ لنا مِن عندك مَن ينصرُنا، ويمنعُنا مِن عدوِّنا، فاستجابَ اللَّهُ تعالى دعاءَهم، وجعلَ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- وليَّهم، وعتَّابَ بن أسيد ناصرهم؛ قاله عطاء، فكان يَستنقِذُ واحدًا واحدًا منهم، ويَبعثه على يد مرثد بن مرثد (^٣) إلى المدينة، ولمَّا فتح اللَّهُ تعالى مكَّة على رسول اللَّه -ﷺ-؛ استخلفَ عليها عتَّاب بنَ أسيد؛ فكان يَنصرُ الضَّعيفَ مِن القويِّ، والمظلومَ من الظالم (^٤).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كان من المستضعَفين من الرِّجال: سلمةُ بن
_________________
(١) لفظ: "على" من (أ).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٥٧).
(٣) "بن مرثد" ليس من (أ).
(٤) خبر استخلاف عتاب بن أسيد على المدينة ذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٣٦٨) من قول الكلبي.
[ ٥ / ١١٠ ]
هشام، والوليدُ بنُ الوليد، وعيَّاش بن أبي ربيعة، وأبو جندل بنُ سهيل وغيرُهم، ومن النساء أُمِّي، ومن الوِلدان أنا (^١).
وقوله تعالى: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ معناه: البلدةُ التي ظلمَ أهلُها، وذكَّر؛ لأنَّه نعت الأهلَ دون القرية، وخَفَض؛ لأنَّه ذكر معها؛ وهو كقوله (^٢): مررت برجلٍ حسنةٍ امرأتُه، وبامرأةٍ حسنٍ زوجُها.
* * *
(٧٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في رضا اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾؛ أي: الشيطان، وقيل: أي: الأصنام، والطَّاغوتُ: هو ما عُبِدَ من دون اللَّه تعالى.
وهذا تحريضٌ للمؤمنين على الجهادِ من وجهٍ آخر (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ هم الكفَّار.
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا السياق، وأخرج البخاري في "صحيحه" (٤٥٨٧) عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. وأخرج البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: "سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد" ثم يقول: "اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين".
(٢) في (أ): "كقولك".
(٣) لفظ: "آخر" من (أ).
[ ٥ / ١١١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ لا يدَ لَهُ على أنفُسِكم، ولا على أموالِكم، ولا على دينِكم، جبرًا ولا قهرًا، وإنَّما يكون منه تزيينٌ ووسوسةٌ، ثم يُسلِمُ متابعَهُ إلى الهَلَكة، ويرجع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤٨].
* * *
(٧٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ ناسًا أتوا النبيَّ -ﷺ- بمكَّة قبل أنْ يُهاجِرَ إلى المدينة، وشَكَوا إليه ما يَلقَونَ مِن أذى المشركين، وقالوا: كنَّا في عِزٍّ في حالة (^١) الجاهليَّة، والآن صرنا أذلَّةً، فلو أذِنْتَ لنا نقتل هؤلاء المشركين على فرشهم، فقال ﵇: "إنِّي أُمِرْتُ بالصبر، فكفُّوا أيديكم"؛ أي: أمسِكوا، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فلمَّا هاجروا (^٢) إلى المدينة، وأمرَهم اللَّهُ بالقتال؛ كرهَ بعضُ المؤمنين ذلك؛ فنزلت الآية (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ أي: فُرِضَ عليهم الجهاد، ﴿إِذَا فَرِيقٌ
_________________
(١) في (أ): "حال".
(٢) في (أ): "هاجر".
(٣) روى النسائي في "سننه" (٣٠٨٦)، والطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٣١)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٠٥) (٥٦٣٠) نحوه مختصرًا.
[ ٥ / ١١٢ ]
مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي: خشيةَ طبع، كما قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥]؛ أي: كراهة (^١) طبع.
وقوله تعالى: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ (^٢) إدخالُ ﴿أَوْ﴾ لمعنيين:
أحدهما: الإبهام (^٣) على المخاطب؛ أي: هم على إحدى هاتين الصفتين.
والثاني: أنَّه للتخيير؛ أي: إن قلتَ: إنَّهم يَخشون النَّاس كخشية اللَّه؛ فأنت مصيبٌ، وإن قلت (^٤): يخشونهم أشدَّ مِن ذلك؛ فأنت مصيبٌ؛ لأنَّه حصلَ لهم ذلك وزيادةٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: هلَّا أمهلتنا إلى الموتِ، فنموتَ على الفُرُش؟ وهو سؤال طلب حكمةٍ، لا لاعتراضٍ ومعارضةٍ، بدليل أنَّهم لم يوبَّخوا على إسداء السُّؤال، بل أجيبوا (^٥)، وذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: التَّمتُّع بالحياةِ في الدُّنيا قليلٌ، وسيَنقضي عن قريب، ولو استُشهِدتم في القتال صِرتُم أحياءً، فتتَّصِلُ الحياةُ الفانيةُ بالحياةِ الباقيةِ في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: خيرٌ لمن اتَّقى (^٦) اللَّه؛ فأطاعَه ولم يَعصِه.
_________________
(١) في (ف): "كراهية".
(٢) قوله: "كخشية اللَّه" من (أ).
(٣) في (ف): "للإبهام".
(٤) بعدها في (ر): "إنَّهم".
(٥) في (ر) و(ف): "ما وبخوا" بدل: "لم يوبخوا على إسداء السؤال بل أجيبوا".
(٦) قوله: "أي: خيرٌ لمن اتَّقى" من (ر).
[ ٥ / ١١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قرأ أهلُ المدينة (^١) وعاصمٌ وأبو عمرٍو بتاء المخاطبة (^٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]، وقرأ أهلُ الكوفة بياء المغايبة (^٣)، كما في أول هذه الآية.
والفتيلُ قد فسَّرناه في هذه السورة بتفسيرين، يقول: مَن اتَّقى اللَّه (^٤) لم يُظلَم شيئًا، وإن قلَّ عمله، بل يُضاعَفُ ثوابُه، فأنتم إذا اتَّقيتم اللَّه، وجاهدتُم عدوَّه بأمرِه، لم يَبطُلْ سعيُكم.
وقوله: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: كخشيتهم للَّه، كقوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ أي: كحبِّهم للَّه.
وقال الكلبيُّ: نزلت هذه الآيةُ في عبد الرحمن بنِ عَوْف، والمقدادِ بن الأسود، وقدامةَ بنِ مظعون، وسعدِ بن أبي وقَّاص، كانوا مع النبيِّ -ﷺ- قبل أنْ يُهاجروا إلى المدينة يَلقون مِن المشركين الأذى، فيَشتَكون إلى رسولِ اللَّه -ﷺ- ذلك، ويقولون: ائذن لنا في قتالِهم؛ فإنَّهم آذونا، فقال لهم رسولُ اللَّه -ﷺ-: "كفُّوا أيديكم؛ فإنِّي لم أؤمر بقتالهم"، فلمَّا أُمِروا أنْ يسيروا إلى بدرٍ؛ كره ذلك طلحة بن عبيد اللَّه وجماعةٌ وقالوا: ربَّنا لم كتبتَ علينا القتالَ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٥).
_________________
(١) منهم نافع المدني.
(٢) وهي قراءة ابن عامر أيضًا.
(٣) هي قراءة حمزة والكسائي من أهل الكوفة، وقرأ بها أيضًا ابن كثير المكي. انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٥)، و"التيسير" (ص: ٩٦).
(٤) لفظ الجلالة "اللَّه" من (١).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٥).
[ ٥ / ١١٤ ]
وقيل: الآيةُ في حقِّ بني إسرائيل؛ كما قال في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ الآيات على ما بيَّنا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مكَّنك من الدُّنيا، ثمَّ قلَّلها، فلم يَعُدَّها لك شيئًا، ثمَّ لو تصدَّقتَ منها بشِقِّ تمرةٍ، استكثَره منك، وهذا غايةُ الكرم وشرط المحبَّة؛ وهو استقلالُ الكثيرِ مِن نفسِه، واستكثارُ القليلِ مِن حبيبه.
قال: وإذا كانت قيمةُ الدُّنيا قليلةً، فأخسُّ مِن الخسيس مَن رضيَ بالخسيس بدلًا عن النَّفيس.
وقال: إنَّ اللَّه تعالى اختطفَ (^١) المؤمنَ مِن الكون بالتَّدريج، فقال أوَّلًا: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ فاختطفهم (^٢) عن (^٣) الدُّنيا بالعُقبى، ثمَّ استلبَهم عن الكونين بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣] (^٤).
* * *
(٧٨) - ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ تكتب ﴿أَيْنَمَا﴾ موصولةً ههنا، ومفصولةً في قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٧]؛ لأنَّ (ما) في الأولى صلةٌ زيدت للشَّرط، فاتَّصلت به؛ كما في "حيثما" و"كيفما" و"مهما"،
_________________
(١) كذا في النسخ، ووقع في "لطائف الإشارات": "اختلع" بدل: "اختطف".
(٢) في مطبوع "لطائف الإشارات": "فأحفظهم".
(٣) في (أ): "من".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٤٨).
[ ٥ / ١١٥ ]
وفي الثانية اسمٌ بمعنى: الذي، تقديرُه: أين الذي كنتُم تَدعون؟ فكان اسمًا مستقلًّا بنفسِه، فلم يوصَل بغيرِه.
و﴿تَكُونُوا﴾ جُزِمَ بالشَّرط، و﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جُزِمَ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، يقول: حيثُما كنتُم أدركَكمُ الموتُ، وهو تحريضٌ على الجهاد أيضًا؛ أي: ليس التَّخلُّف عن الجهاد بدافعٍ للموت، وإذا أدرككم الموتُ (^١) لا محالة، فالموتُ في الجهاد (^٢) أنفعُ وأرفع.
وقال الكلبيُّ: لمَّا قال المنافقون في شهداء أُحُد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، أنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٣).
وقيل: هو جوابُ قولهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ البرجُ: الحصنُ، وقيل: القصرُ، وقيل: البناءُ العالي، وقيل: هنَّ بروجُ السَّماء الاثني عشر. وهذا قول الرَّبيع بن أنس والسُّدِّيِّ (^٤)، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١].
وقوله: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ قرأ مجاهدٌ بفتح الميم وتخفيف الياء (^٥)؛ كما في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، وقراءةُ العامَّة: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ بضمِّ الميم وتشديد الياء (^٦)،
_________________
(١) بعدها في (ر): "أدرككم".
(٢) من قوله: "أيضًا أي ليس التخلف" إلى هنا ليس في (ف).
(٣) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٦٠) من طريق أبي صالح عن ابن عباس ﵁.
(٤) نص قول الربيع: ولو كنتم في قصور في السماء، ونص قول السدي: وهي قصور بيض في السماء الدنيا مبنية. انظر: "تفسير الطبري" (٧/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
(٥) ذكرها الكرماني في "شواذ القرآن" له (ص: ١٣٨) عن زيد بن علي.
(٦) من قوله: "كما في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ " إلى هنا ليس في (أ).
[ ٥ / ١١٦ ]
والمخفَّف مِن: شادَ البناءَ يَشيده شيدًا؛ أي: رفعَهُ وطوَّلَه، والمشدَّد من: شيَّدَهُ يُشيِّدُه تشييدًا؛ أي: زيَّنهُ وطلاهُ بالشِّيد؛ أي: الجصُّ.
وقيل: على عكسه.
وقال الفرَّاء والكسائيُّ: هما واحدٌ للرَّفع والتَّطويل، إلَّا أنَّ التخفيفَ لأصل الفعل، والتَّشديدَ لتكثيره وتكريره (^١)؛ كما في الفَتح والتَّفتيح، والقتلِ والتَّقتيل (^٢).
وفي التَّفسير أنَّها الحصون الحصينة.
وقيل: هي القصورُ المرتفعةُ إلى عَنانِ السَّماء.
وقيل: هي منازلُ القمرِ التي في السَّماء.
وقال مجاهدٌ في هذه الآية: كان فيمن كان قبلكم امرأةٌ، وكان لها أجيرٌ، فوَلدَتْ جاريةً، فقالت لأجيرِها: اقتبسْ لنا نارًا، فخرجَ، فوجد بالباب رجلًا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأةُ؟ قال: جاريةً، قال: أما إنَّ هذه الجاريةَ لا تموتُ حتَّى تزنيَ بمئةٍ، ويتزوَّجها أجيرُها، ويكون موتُها بالعنكبوت. فقال الأجير في نفسه: فأنا أريدُ هذه بعد أنْ تَفجُر بمئةٍ؟ لأقتلنَّها، فأخذ شفرةً، فدخلَ، فشقَّ بطن الصبيَّة (^٣)، وخرجَ على وجهِه، وركبَ البحرَ، وخيطَ بطنُ الصبيَّة، فعولِجَت وبَرِئت، وشبَّت، فكانت تَزني، فأتت ساحلًا مِن سواحل (^٤) البحر، فأقامَت عليه تَزني.
ولبِثَ الرَّجلُ ما شاء اللَّه، ثمَّ قَدِمَ ذلك السَّاحل، ومعه مالٌ كثيرٌ، فقال لامرأةٍ
_________________
(١) في (أ): "ولتكريره".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٧٧).
(٣) في (ف): "الصغيرة".
(٤) في (ر) و(ف): "ساحل".
[ ٥ / ١١٧ ]
من أهل السَّاحل: اطلُبي لي امرأةً (^١) مِن أجملِ امرأةٍ في القريةِ (^٢) أتزوَّجها، فقالت: هاهنا امرأةٌ مِن أجمل النِّساء، ولكنَّها تفجر، فقال: ائتيني بها، فأتتها فقالت (^٣): قَدِمَ رجلٌ له مالٌ كثيرٌ، وقال لي كذا، فقلت كذا، فقالت: إنِّي تركتُ الفجورَ، ولكن إنْ أراد تزوَّجتُه.
قال: فتزوَّجَها، فوقعَتْ منه موقعًا، فبينا (^٤) هو يومًا عندها، إذ أخبرَها بأمرِه، فقالت: أنا تلكَ الجارية -وأرتهُ الشقَّ في بطنها- وقد كنتُ أفجرُ، فما أدري بمئةٍ أو أقلَّ أو أكثر، قال: فإنَّه قال لي (^٥): يكون موتها بالعنكبوت (^٦)، قال: فبَنى لها بُرجًا في الصَّحراء وشيَّده، فبينما هما (^٧) يومًا في ذلك البرج، إذا عنكبوتٌ في السَّقف، فقالت: هذا يقتلُني (^٨)، لا يقتله أحدٌ غيري، فحرَّكتهُ، فسقطَ، فأتتهُ فوضعَت إبهامَ رجلِها عليه، فشَدَختهُ، وساحَ (^٩) سمُّه بين ظُفرِها واللَّحم (^١٠)، فاسودَّت رجلُها،
_________________
(١) بعدها في (أ): "جميلة".
(٢) في (ف): "النساء"، بدل: "امرأةٍ في القرية".
(٣) بعدها في (ف): "قد".
(٤) في (ر) و(ف): "فبينما".
(٥) قوله: "قال فإنه قال لي" وقع مكانه في (ر): "قال: أي: الأجير فإنه قال أي: قال الرجل الذي خارج الباب". ووقع مكانه في (ف): "فقال زوجها في نفسه: إن الرجل الذي كان خارج الباب قال"، والمثبت من (أ)، وهو موافق لما في "تفسير الطبري".
(٦) بعدها في (ف): "ثم أخبرها بذلك".
(٧) في (ر) و(ف): "هي".
(٨) بعدها في (ر) و(ف): "لأقتلنَّه؛ أي".
(٩) في النسخ الخطية: "فساخ"، والمثبت من "تفسير الطبري".
(١٠) في (أ): "ولحمها".
[ ٥ / ١١٨ ]
فماتت، وفي ذلك نزلت هذه الآية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقول: إنْ أصابَت هؤلاء المنافقين حالةٌ حسَنةٌ؛ نصرٌ وغنيمةٌ، أو خِصْبٌ وسَعةٌ، أو أمنٌ وعافيةٌ (^٢)، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعطاء اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: وإن أصابتهُم حالةٌ سيِّئةٌ؛ قتلٌ أو هزيمةٌ، أو جدبٌ أو بليَّةٌ، وبلاءٌ وشِدَّةٌ، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بسببِك يا محمَّد؛ يتطيَّرون بك؛ كما قال ذلك قوم موسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وكما قال قوم صالح ﵇: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧]، وآخرون قالوا: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: قل يا محمَّدُ: كلُّ ذلك بتقديرِ اللَّه، وهو سنَّة اللَّهِ تعالى في خلقه، قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤].
وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، والقومُ هم المنافقون، والفقهُ: الفَهمُ، و﴿حَدِيثًا﴾ نكرةٌ في موضع (^٣) النَّفي فتعمُّ؛ أي: يقولون ذلك عن قلَّة معرفةٍ، وغَلَبةِ جهلٍ، لا يَفهمون شيئًا ممَّا قيل لهم على وجهه.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦) ومن طريقه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٨٨)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٠٠٧ - ١٠٠٨) (٥٦٤٠).
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "وقوله".
(٣) لفظ: "موضع": من (أ).
[ ٥ / ١١٩ ]
(٧٩) - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
وقال الكلبيُّ: هي في المنافقين ويهود المدينة، هم قالوا ذلك، والردُّ عليهم جميعًا قولُه تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: ما نالَك يا محمَّدُ مِن حالةٍ حسنةٍ، فهي من فضلِ اللَّه عليك، لا باستحقاقِك (^١) بنفسك.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: ما أصابَك من ظَفَرٍ أو سرورٍ؛ فمِن اللَّه، لا بحيلتِك (^٢) ومَقدرتكَ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؛ أي: وما نالكَ مِن حالةٍ سيِّئةٍ فبسبب زَلَّةٍ منك، خاطبَ النبيَّ -ﷺ-، وأرادَ به (^٤) أُمَّته.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: وما أصابَك وأصحابَك من مكروهٍ مِن العدوِّ وغيره فمِن نفسِك؛ أي: بذنوبِكم، وأنا قضيتُ ذلك عليكم (^٥).
وفي قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (فمن نفسك وأنا قَدَّرتُها عليك) (^٦)،
_________________
(١) في (ف): "فضل من اللَّه لا استحقاق" بدل: "من فضل اللَّه عليك، لا باستحقاقك".
(٢) في (أ): "بجبلتك".
(٣) في (ر): "وقوَّتك". والأثر رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠١٠) (٥٦٥٥)، (٥٦٥٦).
(٤) في (ف): "وأدبه وأدب" بدل: "وأراد به".
(٥) رواه بنحوه ابن أبي حاتم (٣/ ١٠١٠) (٥٦٥٧).
(٦) انظر القراءة في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٦٦)، وذكرها ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٢/ ٨٢) ونسبها لأبيّ وابن مسعود، وذكرها الكرماني في "شواذ القراءات" (ص: ١٣٩)، وزاد نسبتها لابن عباس وأبيّ وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد وزيد بن علي. وانظر: "البحر المحيط" (٧/ ٢٠٩).
[ ٥ / ١٢٠ ]
وهو ثابتٌ بالكتاب (^١) أيضًا بما تقدَّم؛ وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
وقال عطيَّة العوفيُّ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ يوم بدرٍ ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ يوم أحدٍ؛ فمِن نفسك (^٢)؛ أي: بذنبِ أصحابِك، حيث تَركوا أمرَك، وأخلُّوا بالمركز؛ نظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ (^٣) [الحج: ١٠]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾.
وتعلَّقت المعتزلةُ بظاهرِ هذه الآية، وحمَلت الحسناتِ على الطَّاعات، والسيِّئاتِ على المعاصي، وقالوا: أخبرَ اللَّهُ تعالى أنَّ الحسناتِ مِن اللَّه، والسَّيِّئات مِن نفسِه، ولا متعلَّق لهم، فإنَّهم لا يقولون: الحسناتُ مِن اللَّه خلقًا وإيجادًا، فلا حجَّة لهم (^٤) في ذلك (^٥).
وعندنا: الحسنةُ والسيِّئةُ في هذه الآية كالحسنة والسِّيئة المذكورتين في قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقد جاء عن الصَّحابة والتَّابعين في تفسير هذه الآيةِ والآية التي قبلها أنَّ ذلكَ على الغنيمةِ والهزيمة، والخِصبِ والجَدْبِ، والنِّعمةِ والمحنة، ودلَّ ظاهرُ النظم عليه؛ فإنَّه قال: ﴿مَا
_________________
(١) لفظ: "بالكتاب" ليس في (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠١٠) (٥٦٥٣)، (٤٦٥٤)، (٥٦٥٨) لكن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وروى ابن أبي حاتم (٥٦٥٧) من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ﵄.
(٣) في (ف): "أَيْدِيكُمْ"، وهي في آل عمران الآية (١٨٢)، وفي الأنفال الآية (٥١).
(٤) بعدها في (ر): "فيه".
(٥) في (ف): "فيه لهم" بدل: "لهم في ذلك".
[ ٥ / ١٢١ ]
أَصَابَكَ﴾، ولَمْ يقلْ: ما أصبتَهُ، وفي العمل يُذكر كذلك، وهو احتجاجُ الحسين بن الفضل البجليِّ (^١) ﵀، فإنَّه احتجَّ على المعتزلةِ بهذا الوجه.
وجوابٌ آخرُ أشار إليه الإمام أبو منصورٍ ﵀: أنَّه يجوز أنْ يكون أراد به الحسنةَ التي هي الطَّاعة، والسيِّئة التي هي المعصية، ويجوز أنْ يُقال في ذلك: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾؛ لأنَّ ما أصابك فقد أصبتَه، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، ويكونُ هذا تعليمًا للنبيِّ -ﷺ- وأُمَّته أنَّهم في حقِّ الطاعة يَنبغي لهم أن يُضيفوا ذلك إلى اللَّه تعالى؛ ليروا منه الفضلَ والمنَّة، ويتضرَّعوا إليه، ولا يُضيفوهُ إلى أنفسِهم؛ كيلا يُبطِلوهُ بالعُجب والرِّياء والسُّمعة، ولا يَعتمدوا عليه، وفي حقِّ المعصية يُضيفون ذلك إلى أنفُسِهم؛ حياءً وندمًا مِن ذنوبهم (^٢)، ولا يُضيفون ذلك إلى اللَّه؛ تمهيدًا لعذر أنفسهم (^٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فضلًا، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ كَسْبًا، وكلاهما من اللَّه تعالى خَلْقًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فمنكَ الدَّعوةُ وتبليغُ الرِّسالة، وليس إليك الحسنةُ والسيِّئة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: عليك وعليهم، يجزي كلًّا بما شَهِدَ عليه.
وقيل: أي: شاهدًا بأنَّك رسولُه.
_________________
(١) هو العلامة المفسر اللغوي المحدث، أبو علي البَجَليُّ الكوفي النيسابوري، إمام عصره في معاني القرآن، توفي سنة (٢٨٢ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٤١٤ - ٤١٦).
(٢) في (ف): "أنفسهم".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٤٩).
[ ٥ / ١٢٢ ]
(٨٠) - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ في الدُّعاء إلى القتال وغيرِه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ (^١) أي: أعرضَ عن طاعتِك يا محمَّد. رجع الكلامُ إلى المخاطبة بعد المغايبة، وهو متعارفُ أهلِ الفصاحة، وأحدُ أنواع البلاغة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أي: رقيبًا عليهم، تُجبِرهُم على الإخلاص، وتعاقِبُ (^٢) في تركِ ذلك.
وقيل: أي: ومَن أعرض، فلا حرجَ (^٣) عليك؛ لأنَّك لم تُرسَلْ حفيظًا عليهم تحفظُهم عن المعاصي فلا يَعصوا.
وقيل: فما أرسلناكَ حفيظًا تَطَّلع على سرائرهم، إنَّما عليك أنْ تُعامِلهم على ظواهرِهم.
وقال مقاتل: قال النبيُّ -ﷺ-: "من أحبَّني فقد أحبَّ اللَّه، ومَن أطاعني فقد أطاع اللَّه"، فقال المنافقون: أما ترون هذا الرجل يَنهانا أنْ نعبد غيرَ اللَّه، ويريدُ أنْ نتَّخذه حنانًا، كما اتَّخذت النَّصارى عيسى بن مريم حنانًا؟! فنزلَت هذه الآية (^٤).
* * *
(٨١) - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
_________________
(١) بعدها في (ف): " ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ومن تولى".
(٢) في (أ): "ويعاتب".
(٣) في (ف): "جناح".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٩٢).
[ ٥ / ١٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾؛ أي: يقول المنافقون: هذه طاعةٌ، أو: مِنَّا طاعةٌ، أو: لأمرك طاعةٌ، يقولون هذا بحضرتِك.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خَرجوا وغابوا.
وقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قال أبو عبيدة: ﴿بَيَّتَ﴾ أي: غيَّر، لغة طيِّئ (^١).
وقيل: دبَّر ليلًا، من: بات يبيت بيتوتةً للازم، وبيَّتَ تبييتًا للمتعدِّي.
وقيل: أي: ألَّف وزخرفَ وغيَّر الذي تقول (^٢)؛ أي: قولًا غير الذي تقول يا محمَّد.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾؛ أي: يأمرُ الملائكة بانتساخِه، ويُحاسِبُهم به (^٣) يومَ القيامة، ويُجازيهم عليه.
وقيل: أي: يُنزِل بذلك كتابًا على نبيِّه -ﷺ-، فيَهتِك أستارَهم بما أخفوهُ باللَّيل.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن مكافأتهم للحال، ونُسِخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقيل: أي: لا تتكلَّف لإظهارِ سرِّهم والتطلُّع عليه، فأنا أُطلِعُك عليه؛ إظهارًا لصدق دعواك.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: اعتمِد عليه، وثِقْ به؛ فإنَّه يكفيكَهُم (^٤).
_________________
(١) كذا قال، والذي في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ١٣٢) أنه فسر ﴿بَيَّتَ﴾ بـ: قدَّر. وانظر رواية تفسير التبيت بالتغيير عن لغة طيئ في "تفسير الطبري" (٧/ ٤٧٢).
(٢) من قوله: "قال أبو عبيدة" إلى هنا ليس في (ف).
(٣) في (ف): "عليه".
(٤) في (ف): "يكفيك".
[ ٥ / ١٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كافيًا ومتولِّيًا وناصرًا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ إذا حضروك استسلموا في مشاهدَتِك، فإذا خرجوا انقطعَ عنهم نورُ إقبالِك، فعادوا إلى ظلماتِ نفاقِهم في مخالفتِكَ، قال قائلهم:
إذا ارْعَوى (^١) عادَ إلى جَهلِه كذي (^٢) الضَّنى عادَ (^٣) إلى نُكْسِهِ (^٤)
* * *
(٨٢) - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ استفهامٌ بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧٤].
والتَّدبُّر: النَّظر في دُبُر الأمر؛ أي: عاقبته، وهو قريبٌ من التَّفكُّر، غير أنَّ (^٥) التَّفكُّر تصرُّف القلب بالنَّظر في (^٦) الدَّلائل، والتَّدبُّر تصرُّفه بالنَّظر في العواقب، والتَّدبُّر في القرآن: التأمُّلُ في معانيه بعد تلاوته أو سماعه، أو طلبُ ما يَؤول إليه ظاهرُه مِن المعنى المرادِ به.
ودلَّ هذا على بطلانِ التَّقليد، ووجوبِ طلبِ الدَّليل، وأنَّه حظُّ أهلِ العلم،
_________________
(١) في (ف): "الغوى".
(٢) في النسخ الخطية: "كذا"، والمثبت من المصادر.
(٣) في (أ) و(ر): "رد".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٤٩). والبيت لصالح بن عبد القدوس، انظر: "البيان والتبيين" للجاحظ (١/ ١٢٠)، و"طبقات الشعراء" لابن المعتز (ص: ٨٩).
(٥) من قوله: "وقوله تعالى: أفلا يتدبرون" إلى هنا ليس في (أ).
(٦) في (ر): "إلى".
[ ٥ / ١٢٥ ]
وهم الخاصَّة، وعلى العامَّة اتِّباعُهم فيما فهموهُ منه (^١)، وأخبروهم (^٢) به.
وقال القشيريُّ ﵀: التدبُّر: إثارةُ المعاني بغوصِ الأفكار، واستخراجُ جواهرِ المعاني بدقائقِ الاعتبار (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾؛ أي: ولو لم يكن كلامُ اللَّه الحكيم منزَّلًا من عنده، وكان مِن كلام البَشر، لم يخلُ مِن أنْ يَلحقَهُ اختلالٌ في نظمِه أو معناه، وتناقضٌ فيما ذُكِر فيه؛ لأنَّ المتعارَفَ في الخطيبِ الفصيح البليغ منَّا أنَّه إذا كثُرَ كلامُه، اختلَّ نظامُه، واختلفَتْ أقسامُه، خصوصًا إذا تَطاولت في تفاريقِ كلامِه أَيَّامُه (^٤).
وقيل: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فيما أخبرَ النبيُّ -ﷺ- عن أَشياءَ تكونُ وتَظهرُ بخلافِه، كما كان يَقعُ ذلك في كلامِ كهنتِهم، ولمَّا ظهرَ جميعُ ما أخبرَ عنه كما أخبر عنه؛ ثبتَ أنَّه مِن عند اللَّهِ الصَّادقِ الحكيم، الخبير العليم.
فأمَّا اختلافُ القراءات (^٥)؛ فكلُّها منزَّلة، وأمَّا اختلافُ الآيات الناسخة والمنسوخة؛ فإنَّ كلَّ حُكمٍ كان في غير زمانِ الحكمِ الآخر، فلم يكن اختلافًا، وأمَّا اختلافُ المفسِّرين في التَّفسير والتَّأويل، فهو الكلام (^٦) في محتملاتِ الظَّواهر ومدلولاتِها، ويَحتملُ أنْ تكونَ كلُّها مرادةً بها، وأمَّا اختلافُ العلماءِ في أحكام منها،
_________________
(١) في (ف): "منهم".
(٢) في (أ): "وأخبروه".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٥٠).
(٤) لفظ: "أيَّامه" ليس في (أ).
(٥) في (أ): "القراءة".
(٦) في (ف): "للكلام".
[ ٥ / ١٢٦ ]
مع رجوعهم جميعًا إلى التعلُّق بها؛ فذاك اختلافُهم لا اختلافُه؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠]، وذاك لا يُوجِب اختلافَ التَّوراة، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ولم يوجبْ ذلك اختلافَ الدِّين، وما يَتعلَّقُ المُلحِدةُ (^١) به من آياتٍ (^٢) يدَّعون فيها الاختلاف، فقد تفصَّى (^٣) عنه أهلُ الحقِّ، وستجدُها مشروحةً في كتابنا هذا في مواضعها إنْ شاء اللَّه تعالى.
* * *
(٨٣) - ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ هذه الآيةُ والتي قبلها في المنافقين أيضًا، يقول: إذا أتى المنافقين خبرُ أمنٍ للسَّرايا التي بعثَها النبيُّ -ﷺ-، أو خبرُ خوفٍ لهم، أفشَوه.
وقد ذاعَ ذُيوعًا، وأذاعَهُ غيرُه إذاعةً، وأذاعَ به أيضًا، وشاعَ كذلك، وأشاعه للتعدية، وهو انتشارُ الأمرِ وظهورُه بين النَّاس، وإنَّما ذمَّهم بذلك؛ لأنَّهم كانوا يَتسارعون إلى نشرِه قبلَ تحقُّقه والعلمِ بتَفصيلِه؛ لتَختلفَ التَّأويلات مِن سامعِيه، وفيه وقوعُ الفتنة، نحو أن يقعَ (^٤) الخبر أنهم غلبوا العدوَّ، فإذا نشروا أنَّ الأمرَ قد تمَّ،
_________________
(١) في (أ): "الملاحدة".
(٢) في (ف): "الآيات".
(٣) تفصى: تخلص من المضيق والبلية. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: فصا).
(٤) في (أ): "نفع".
[ ٥ / ١٢٧ ]
يتخلَّفُ المَدَدُ، وربَّما يُحتاج إليه، أو يقعُ نوعُ وهنٍ، فإذا نشروا أنَّ الدَّبَرةَ وقعَت على المؤمنين بالكلِّيَّة، جَبُنَ الباقون عن الخروج.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: ترَكوهُ حتَّى يُخبِرهم الرَّسولُ وهو حقيقةٌ؛ لأنَّه يُخبِرُ عن اللَّه بإخبارِه (^١) الصِّدقَ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: أمراءِ السَّرايا؛ ليُخبِروهم عن عَيانٍ، وهو على وجهِه وتمامِه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: لوصلَ إلى حقيقةِ علمِه الذين يَستخرجونَ الخبرَ من أمراء السَّرايا والرَّسول.
والاستِنْباطُ: الاستخراج، والنَّبَط: الماء الذي يُخرَجُ مِن البئرِ أوَّلَ ما تُحفَرُ، وأنبطَ فلانٌ واستنبط؛ أي: استخرجَ هذا الماءَ، والنَّبَطُ: جيلٌ من الناس، سمُّوا به لاختصاصهم باستخراج العيونِ والآبار. وقيل: لأَنَّهم استُخرِجوا من أرضِهم إلى غيرِها.
وقيل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: رجَعوا إليه في الاستخبار، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: إلى الذين يَدخلون على النبيِّ -ﷺ-، ويَلوْنَ أمرَهُ؛ كالخلفاء الرَّاشدين الأربعة، وكبارِ الصَّحابة ﵃، لعلِمَه المستنبطون؛ أي: الباحثون بالسُّؤال عن النبيِّ -ﷺ-. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض؛ أي: بعضُ كبارِ الصحابة علموا ذلك بالبحث، ثمَّ أخبروا الناسَ عن حقيقتِه.
وقوله تعالى: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ هذا وصفٌ للمنافقين بالإرجاف؛ وهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٦٠].
_________________
(١) في (ف): "بأخبار".
[ ٥ / ١٢٨ ]
وقيل: معنى الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، فالمذكورُ في آخرِ الآية مُلحَق بهذا الموضع معنًى، وقوله تعالى: ﴿أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي: نشروا به؛ أي: نشروا (^١) كلَّه؛ يعني: إذا كان الخبرُ سارًّا للمؤمنين، ذكروا بعضَهُ نفيًا للتُّهَمةِ، ولم يبيِّنوا تمامَه؛ كراهةَ الخيرِ لأهلِ الإيمان والمعرفة، وإذا كان الخبرُ محزنًا (^٢)، نشروا كلَّه؛ تحزينًا للمؤمنين بالشِّدَّة والنكبة (^٣)؛ وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيُّها المخلِصون.
وقوله تعالى: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: في إذاعة الخبر.
وقيل: هو على العموم، وهو متابعةُ الشَّيطان في الكفر والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ قيل: هو متَّصلٌ بقوله ﷿: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾؛ أي: أفشوه إلَّا قليلًا منهم.
وقيل: هو متَّصلٌ بقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٤).
وقيل: هو مقرَّرٌ في موضعه ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهذا مشكلٌ لو حُمِلَ على مطلقِ الفضلِ والرَّحمةِ؛ لأنَّه يصيرُ تقديرُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لا يتِّبعونَه بدون فضلِ اللَّه ورحمتِه. وهذا لا يستقيم؛ لأنَّه لا عصمةَ إلَّا باللَّه، لكن تأويلُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ بإرسال محمَّدٍ
_________________
(١) قوله: "به أي نشروا" من (ف).
(٢) في (أ): "مجزيًا" بدل من "الخبر محزنًا".
(٣) في (أ): "والبلية".
(٤) ما بين معكوفتين زيادة من (أ). وفي (ف): "لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلًا".
[ ٥ / ١٢٩ ]
﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بإنزال القرآن، ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لا يتَّبعونه بالعقل؛ كزيدِ ابن عمرو بن نُفَيل، وقَسِّ بنِ ساعدة، وبَحيرا الرَّاهب، وورقةَ بنِ نوفل، وسيف بن ذي يزن، وآخرين.
وقيل: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هم الأطفالُ ومَن لم تبلغْهُ (^١) الدَّعوة.
* * *
(٨٤) - ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الفاء للوصلِ بقولِه: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]، وقيل: للوصلِ بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]؛ ذكرهما الزَّجَّاج (^٢).
وقيل: للوصل بقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا تَلتفِت إلى صنيعِهم.
وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾؛ أي: لا تُلزَمُ الكلفةَ في الجهاد يا محمَّدُ إلَّا في نفسِك، فاخرجْ وإن لمْ يُساعِدك أحدٌ، ولا شيءَ عليك بتخلُّفهم؛ وهو كقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]، ولا تُعذَرُ أنت ببقائِك وحدَك.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: استقِم معنا بتسليمِ الكُلِّ منك إلى أمرِنا،
_________________
(١) في (ف): "تبلغهم".
(٢) في "معاني القرآن" له (٢/ ٨٤ - ٨٥).
[ ٥ / ١٣٠ ]
فإنَّك كما لا يُقارِبكَ (^١) أحدٌ في رتبتكَ؛ لعلوِّك على الكلِّ، لا نكلِّفُ (^٢) غيرَك (^٣) بمثل ما تُكلَّف (^٤)، ولا نصرِّفُ (^٥) سواكَ فيما تُصرَّف؛ لانفرادِكَ عن أشكالِك، وتوحُّدِكَ عن أمثالِك (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حُثَّهم على الجهادِ بذكرِ الثَّوابِ والعقاب، أو (^٧) بما فيه من إعزازِ الدِّين وذبِّ الأعداء عن حوزةِ المسلمين، أو بوعدِ النُّصْرة والغنيمةِ والتَّمكين (^٨)، أو بما ذُكِر بعدَه، وهو قولُه (^٩) تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، و﴿عَسَى﴾ مِن اللَّه واجبٌ؛ لأنَّه إطماعٌ، والكريمُ إذا أطمَعَ أنجزَ، والكَفُّ: المنع، والبأسُ في الأصل: المكروه، ثمَّ يُوضَع موضعَ الحرب، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وكان جُبنهُم لشِدَّة بأسِ الكفَّار، فأمرَه بالتَّحريضِ بهذا الإطماع.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾؛ أي: بأسُ اللَّهِ الذي يوقِعُه بالمخالفين أمرَهُ أشدُّ، وتنكيلُه -أي: تعذيبُه- كذلك، وهو الإبلاغ في العقوبةِ على وجهٍ يَقعُ به نكولُ الغيرِ عن مثل تلك الجناية، ويجوز أن يكونا جميعًا في الدُّنيا،
_________________
(١) في (ر) ومطبوع "لطائف الإشارات": "يقارنك".
(٢) في (أ): "يكلف".
(٣) بعدها في (أ) و(ر): "به".
(٤) في (ف): "تكلفك" بدل "ما تُكلَّف".
(٥) في (أ): "يصرف".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٥١).
(٧) في (أ): "أي".
(٨) في (ف): "والتمكن".
(٩) في (ر) و(ف): "وقوله" بدل: "وهو قوله".
[ ٥ / ١٣١ ]
ويجوزُ أن يكون أحدُهما في الدُّنيا، والآخرُ في الآخرة (^١)، ثمَّ له ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّ معناه أنَّ عذابَ اللَّهِ أشَدُّ مِن جميعِ ما يَنالُكم بقتالِهم؛ لأنَّ مكروهَهم يَنقطعُ، ثمَّ يَصيرون إلى الجنَّة، وما يَصِلُ إلى المنافقينَ والكفَّار مِن عذابِ اللَّه تعالى يَدومُ ولا يَنقطِع.
والثَّاني: ولمَّا كان عذابُ اللَّه أشدَّ، فهو أولَى أنْ يُخَاف، فلا (^٢) يجري في أمرِه بالقتال منكم خلافٌ، وهذا وعيدٌ.
والثَّالثُ: ولمَّا كان عذابُ اللَّه أشدَّ؛ فهو يَدفعُهم عنكم، ويَكفيكُم أمرَهم، وهذا وعدٌ (^٣).
وقال الكلبيُّ: لمَّا (^٤) التقى النبيُّ -ﷺ- وأبو سفيانَ يومَ أُحُدٍ، وكان منهم ما كان؛ رجعَ أبو سفيان إلى مكَّةَ، وواعدَهُ النبيُّ -ﷺ- موسمَ بدرٍ الصُّغرى؛ وهو سوقٌ يقوم في ذي القعدة، فلمَّا جاء الميعادُ؛ قال النبيُّ -ﷺ- للناس: "اخرجوا إلى العدوِّ"، فكرهوا ذلك؛ فنزلت هذه الآية، فقامَ النبيُّ -ﷺ- على المنبرِ خطيبًا، وقال في خطبته: "لا أبالي مَن نصرني ومن خَذلني بعد ما قال اللَّهُ تعالى لي: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، ثمَّ نزلَ ولَبِسَ السِّلاحَ، وخرجَ واتَّبعَهُ سبعون راكبًا، حتَّى أتى موسمَ بدرٍ، وكفَّ اللَّه بأس الذين كفروا، ولم يوافِ أبو سفيان، ولو لم يتبعْ رسولَ اللَّه -ﷺ- أحدٌ؛ لمضى بنفسِه، حين قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، وقد بَيَّنَّا تلك القصَّة عند قوله ﷿: ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢].
_________________
(١) في (ر): "العقبى".
(٢) في (ر) و(ف): "ولا".
(٣) في (ف): "وعيد".
(٤) في (ف): "فلما".
[ ٥ / ١٣٢ ]
(٨٥) - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (^١)؛ أي: في تحريضِ المؤمنين على الجهاد ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾؛ لأنَّ الدالَّ على الخيرِ كفاعله.
وقيل: أي: يشفع إلى الأغنياء في تجهيزِ الغُزاةِ الفقراء، يكن له حظٌّ من ثوابِ ذلك، قال النبيُّ -ﷺ-: "مَن جهَّز غازيًا فقد غزا" (^٢).
وقيل: مَن يَشفع إلى غيره في عفوٍ عمَّا يَصِحُّ العفوُ عنه، أو في صُلْحٍ (^٣)، أو في قضاء حاجةٍ فله فيها ثوابٌ، قال النبيُّ -ﷺ- "إنَّ مِن أفضلِ الشَّفاعات أن يشفع بين اثنين في نكاح" (^٤)، وقال النبيُّ -ﷺ-: "اشفعوا تؤجروا، ويَقضي اللَّهُ على لسانِ نبيِّه ما يشاء" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وهي في تَجبين المؤمنين عن الجهاد على مقابلة القول الأوَّل، فيقول له: أولادُك صِغارٌ فارحمهم، ونفسُكَ ضعيفةٌ، والطَّريقُ بعيدٌ، وفي العدوِّ كثرةٌ، وفي المالِ قلَّةٌ، ونحو ذلك؛ يكن له حظٌّ من الوبال.
والكِفْلُ: الحظُّ (^٦)؛ كالنصيب، وغايرَ بينهما للبلاغة. وقيل: الكِفْلُ: المِثلُ.
_________________
(١) "يكن له نصيب منها" ليس في (أ).
(٢) رواه البخاري (٢٨٤٣)، ومسلم (١٨٩٥) من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁.
(٣) قوله: "أو في صلح" ليس في (أ).
(٤) رواه ابن ماجه في "سننه" (١٩٧٥) من حديث أبي رُهم. وضعف إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط ﵀ في تحقيقه "سنن ابن ماجه".
(٥) رواه البخاري (١٤٣٢)، ومسلم (٢٦٢٧) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٦) في (ف): "الخطيئة" بدل: "الحظ".
[ ٥ / ١٣٣ ]
وقيل: هو الجزاءُ المضموم إلى العمل، مِن الكفالة؛ وهي ضمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ في الضمان بالمال، وضمُّ التزامٍ إلى التزامٍ في الضمان بالنَّفس.
وقيل: الشَّفاعةُ السَّيِّئةُ: شفاعةُ بعض المنافقين إلى النبيِّ -ﷺ- في بعض في الاستئذان بالتخلُّف عن الجهاد.
وقيل: هي الشَّفاعةُ إلى ظالمٍ في معونةٍ على ظلمٍ، أو إبطالِ حقٍّ، أو تركِ إقامةِ حدٍّ، وأصلُ الشفاعة: هو ضمُّ نفسِه إلى صاحبِ الحقِّ؛ ليجتمعا على مسألة الحاجة مِن المشفوع إليه، وهي مأخوذةٌ من الشَّفع، والشُّفْعَة سمِّيت بها؛ لأنَّها شَفْع ملكٍ إلى ملك.
وقال مقاتل: هو الشَّفاعةُ إلى اللَّه تعالى بدعاء الخير وبدعاءِ الشَّرِّ.
وروى أبو الدَّرداء عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب؛ قالت الملائكة: آمين ولك بمثله" (^١)، وفي حقِّ الدُّعاء بالشرِّ هو كاللعنة إذا لم تُصادف محلَّها؛ رجعَت على (^٢) صاحبها (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ أي: مقتدرًا، قال الزُّبيرُ بنُ (^٤) عبد المطَّلب:
_________________
(١) رواه مسلم في "صحيحه" (٢٧٣٢).
(٢) في (ر): "إلى".
(٣) يشير إلى ما أخرجه أبو داود في "سننه" عن أبي الدرداء قال: قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن العبد إذا لعن شيئًا صعدت اللعنةُ إلى السماء، فتغلقُ أبواب السماءِ دونها، ثمَّ تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا، فإذا لم تجد مساغًا رجعَت إلى الذي لُعن، فإن كان لذلك أهلًا، وإلا رجعت إلى قائلها".
(٤) "بن" ليس من (أ).
[ ٥ / ١٣٤ ]
وذي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفسَ عنه وكنتُ على مساءَتِهِ مُقِيتَا (^١)
وقيل: أي: حافظًا، وقيل: أي: شاهدًا؛ أي: يَعلمُ مَن يشفع في حقٍّ ومَن يشفع في باطلٍ، ويحفظُ عليه عملَه ويُجازيه على وفقِه.
* * *
(٨٦) - ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الموافق للنَّظم قولُ بعضِ أهل العلم: إذا سُلِّمَ عليكم في أسفارِكم للجهادِ، وهو تحيَّة الإسلام، فأجيبوا بأحسنَ منها؛ أي: بالزِّيادة على السَّلام، بذكرِ الرَّحمةِ والبَرَكات، أو ردُّوها بمثلِها، واحملوا صاحبها على ظاهر الحال مِن الإسلام، ولا تَقتُلوه؛ وهو كما قال في هذه السُّورة بعد هذا بآياتٍ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [الآية: ٩٤].
وقيل: هي عامَّةٌ في السَّلام.
ولمَّا أَمَر بمعاملة المنافقين بما أَمَر، أَمَرَ (^٢) بمعاملةِ المخلِصين بالشَّفاعةِ الحسنةِ إلى غيره، وبتحيَّةِ السَّلام (^٣) مِن نفسه، ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ أي: سُلِّم عليكم، فإنَّ التحيَّة في ديننا بالسَّلام في الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١]، وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، والتَّحيَّة
_________________
(١) نسبه للزبير الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٧٢)، وابن المنذر في "تفسيره" (٢/ ٨١٥)، والماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٥١٣)، ونسب لغيره، فنسب لأبي قيس بن رفاعة، ولأحيحة بن الجُلاح الأنصاري. وانظر التوسع في تخريجه في التعليق على "البحر المحيط" (٧/ ٢١٨).
(٢) لفظ: "أمر" من (أ).
(٣) في (ف): "الإسلام".
[ ٥ / ١٣٥ ]
تَفْعِلةٌ، مِن حيَّا يُحَيِّي تحيَّةً، وكانت تحيَّة العرب عند اللقاء: حيَّاك اللَّه؛ أي: أطالَ اللَّهُ حياتَك، ونقل ذلك في الإسلامِ إلى السَّلام، وبقيَ الاسمُ كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾؛ أي: بالزِّيادة؛ عليكم السَّلام ورحمة اللَّه وبركاته، وقوله (^١): ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: أجيبوها بقدرها؛ عليكم السَّلام، هذا القدرُ فَرْضٌ، والأوَّل فضلٌ (^٢)، وبيَّن النبيُّ -ﷺ- أنَّ في السَّلام عشرَ حسناتٍ، وفي ضمِّ الرَّحمةِ إليه عشرين حسنة، وفي ضمِّ البركات إليها ثلاثينَ حسنةً (^٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: علَّمهم حُسْنَ العِشْرة وآدابَ الصُّحبة، وأنَّ مَنْ حمَّلَك فضلًا؛ صار ذلك في ذِمِّتك (^٤) له قَرْضًا (^٥)، فإنْ زدت على فعله، وإلَّا فلا تَنقُص عن مِثله.
وقال الحسن: أتى رجلٌ، فسلَّم على النبيِّ -ﷺ-، فقال: السَّلامُ عليكم، فقال النبيُّ -ﷺ-: "وعليكم السَّلام ورحمةُ اللَّه"، ثمَّ جاء آخر وقال: السَّلام عليكم ورحمةُ اللَّه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "وعليكم السَّلام ورحمةُ اللَّه وبركاته"، ثمَّ جاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمةُ اللَّه وبركاتُه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "وعليكم"، فقيل: يا رسول اللَّه؛ زدتَ الأوَّل والثَّاني، وقلت للثَّالث: "وعليكم"، فقال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ
_________________
(١) "وقوله" ليس من (أ).
(٢) في (ف): "أفضل".
(٣) رواه أبو داود في "سننه" (٥١٩٥)، والترمذي في "سننه" (٢٦٨٩)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٠٩٧) من حديث عمران بن حصين ﵁، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٩٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁، وروي عن غيرهما.
(٤) في (أ): "كان كمن ملك" وبعدها بياض بمقدار كلمة بدل قوله: "صار ذلك في ذمتك".
(٥) في (أ): "ملك فضلًا كان كمن ملك له قرصًا" بدل من "حملك فضلًا؛ صار ذلك في ذمِّتك له فرضًا".
[ ٥ / ١٣٦ ]
الأوَّل سلَّم وأبقى من التَّحيَّة شيئًا، فردَدتُ عليه بأحسنَ منها، وكذلك الثَّاني، وإنَّ الثَّالث جاءَ بالتَّحيَّة كلِّها، فردَدتُ عليه مثلَها" (^١).
وعن جابرٍ ﵁ في تأويل هذه الآية: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾: على أهل الإسلام (^٢)، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ بمثلِها على أهلِ الشرك (^٣).
وكذا قال الكلبيُّ وعطاءٌ والحسنُ والضَّحَّاك: إنَّ المثلَ في حقِّ أهل الذِّمَّة لا يُزادُ عليه (^٤).
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام، فإنْ بَدؤوكم؛ فقولوا: وعليكم" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾؛ أي: محاسبًا، والفعيلُ في معنى (^٦) الفاعِل؛ كالشَّريك والخَليطِ والنَّديم والقَرين والجليس؛ يحاسبكم (^٧) على أعمالكم، ويجازيكم عليها.
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٥١٣).
(٢) بعدها في (أ) و(ر): "أو ردوها بمثلها على أهل الإسلام" ليس من (ف).
(٣) لم أقف عليه عن جابر، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١٥٣١)، وابن المنذر في "تفسيرِه" (٢٠٧٥) عن الحسن البصري.
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٧/ ١٩) عن الكلبي، وتخريج قول الحسن في التعليق السابق.
(٥) رواه ابن ماجه في "سننه" (٣٦٩٩) عن أبي عبد الرحمن الجهني ﵁، ولم أقف عليه بهذا السياق عن أبي هريرة، وأخرج مسلم في "صحيحه" (٢١٦٧) من حديثه مرفوعًا: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم فاضطروه إلى أضيقه".
(٦) في (ف): "بمعنى".
(٧) لفظ: "يحاسبكم" ليس في (أ).
[ ٥ / ١٣٧ ]
وقال مجاهدٌ: أي: رقيبًا (^١).
وقال أبو العالية: أي: حفيظًا.
وقيل: أي: كافيًا، وقد (^٢) أحسبَني الشيء؛ أي: كفاني، وقال تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦].
* * *
(٨٧) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهو الحسيبُ وحده، والمقيتُ وحده؛ لا حسيبَ غيرُه، ولا مُقيتَ غيرُه.
ووجهٌ آخر: أنَّه ذكر في الآيات المتقدِّمة مقالاتِ اليهود والمنافقين، وهي كفرٌ، فذكر (^٣) عقيبَها هذه الكلمات، وهي شهادةُ التَّوحيد؛ كما في مواضع من القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآية [البقرة: ١٦١]، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٤ - ٢٥٥]، ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]، ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣].
_________________
(١) لم أقف عليه، وأخرج الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٧٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠٢١) (٥٧٣٢) عن مجاهد أنه قال في تفسير "حسيبًا": حفيظًا.
(٢) في (ف): "وقيل".
(٣) في (ر): "فقد ذكر" بدل: "فذكر".
[ ٥ / ١٣٨ ]
وقيل: هي أساسٌ لما بعده: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ لأنَّ الفاءَ للوصل؛ يَعني: هُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وهو الذي يَجمعُكم (^١) يومَ القيامة، فإيَّاه فاخشَوا دون المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللام في أوَّله والنونُ في آخره للقسَم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: في يوم القيامة، وقال (^٢) النابغة:
فلا تَتْرُكَنِّي بالوعيدِ كأنَّني إلى النَّاس مَطْلِيٌّ به القارُ أجربُ (^٣)
أي: في النَّاس.
وقيل: أي: ليَجمعنَّكُم في القبور إلى يومِ القيامة، وهي غايةٌ، ويومُ القيامة: يومُ القيامِ من القبورِ إلى أرض المحشر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
وقيل: هو يومُ القيامِ في موقفِ الحساب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].
وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شكَّ (^٤) في كونه، وفيه كلامٌ ذكرناه في أوَّل سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ وهو كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]؛ أي: لا أصدقَ مِن اللَّه فيما قال وأخبر وحدَّث، فثِقوا بما قال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ وغير ذلك.
_________________
(١) بعدها في (ف): "إلى".
(٢) في (ف): "كما قال".
(٣) انظر: "ديوان النابغة" (ص: ٧٣).
(٤) بعدها في (ف): "فيه".
[ ٥ / ١٣٩ ]
(٨٨) - ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نزلَت الآية في أربعين أو خمسين رجلًا من أهل مكَّة، وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- لمَّا هاجرَ إلى المدينة مع طائفةٍ، وتخلَّفت طائفةٌ بسبب المال والولد؛ أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فأراد المتخلِّفون أنْ يُهاجِروا، فمنعَهم مشركو مكَّة بالسَّيف؛ فمنهم مَن افتدى بمالِه وهاجرَ، ومنهم مَن خافَ على نفسِه ومالِه ولم يهاجر، حتَّى أنزل اللَّه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، فهاجرَ الباقون إلَّا أربعين أو خمسين (^١) لم يهاجروا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، فبعثَ النبيُّ -ﷺ- هذه الآيةَ إلى أهل (^٢) مكَّة، فلم يُهاجِروا حتَّى كانت وقعةُ بدرٍ، فأخرجَ المشركون هؤلاء الأربعين أو الخمسين مع أنفسِهم؛ ليقاتلوا المسلمين؛ إمَّا لأنَّهم لم يَعلموا بإسلامهم، أو علِموا وأكرَهوهُم على موافقتهم، فلمَّا رأوا شوكَة الكفَّار وضعفَ المسلمين، ارتابوا، فقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم، فارتدُّوا، وقاتلوا أصحابَ النبيِّ -ﷺ-، وأنزلَ اللَّهُ تعالى الملائكةَ مددًا للمسلمين، فقَتلوا هؤلاء القوم؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، ولمَّا انتهى الأمرُ ومرَّ المسلمون بهؤلاءِ وعرَفوهُم؛ اختلفوا فيهم، فقال بعضُهم: كانوا مؤمنين أُكرِهوا على الخروج، وقال بعضُهم: كانوا منافقين، فنزلت الآية: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
_________________
(١) في (أ): "الباقون الأربعون"، وفي (ف): "الباقون إلا أربعون أو خمسون"، وفي (ر): "المنافقون إلَّا خمسين أو أربعين". ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) لفظ: "أهل" من (ف).
[ ٥ / ١٤٠ ]
وقال زيدُ بن ثابت: رجع قومٌ خرجوا مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى أُحد، فاختلفَ النَّاس فيهم فرقتين، فنزلَت هذه الآيةُ (^١).
وقال مجاهدٌ ﵀: هم نفرٌ خرجوا من مكَّة حتَّى قدموا المدينة، فزعموا أنَّهم مهاجرون، ثمَّ ارتدُّوا بعد ذلك، فاستأذَنوا النبيَّ -ﷺ- إلى مكَّة؛ ليَأتوا ببضائعَ لهم؛ ليتَّجِروا فيها، فاختلفَ فيهم المؤمنون؛ فقائلٌ: هم المنافقون، وقائلٌ: هم المؤمنون، فبَيَّن اللَّهُ تعالى نفاقَهم، وأمرَ بقتلِهم، فجاؤوا ببضائعهم يريدون هلالَ بن عويمرٍ الأسلميَّ، وبينَه وبينَ رسولِ اللَّه -ﷺ- حِلْفٌ (^٢)؛ وهو الذي حَصِرَ صدرُه أنْ يقاتلَ المؤمنين أو يقاتلَ قومَهُ، فدفعَ اللَّهُ تعالى عنهم بأنَّهم يَؤمُّون (^٣) هلالًا، وبينَه وبين رسولِ اللَّه -ﷺ- عهدٌ (^٤).
وقال سعدُ بن معاذ: خطبَ رسولُ اللَّه -ﷺ- النَّاسَ فقال: "مَن لي بمن يؤذيني"، فقام سعدُ بنُ معاذ، فقال: إنْ كان منَّا؛ أي (^٥) مِن الأوس؛ قتلناه، وإنْ كان من الخزرج؛ أمرتنا فأطعناك، فقام سعدُ بن عبادة فقال: ما بكَ يا ابن معاذٍ طاعةُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، ولقد تكلَّمت بما هو منكرٌ (^٦)، فقام محمَّدُ بنُ مسلَمة فقال: اسكتوا أيُّها الناس ما (^٧)
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" (١٨٨٤)، ومسلم في "صحيحه" (٢٧٧٦).
(٢) وقع في هامش (ف) ما نصه: "الحلف بالكسر: العهد".
(٣) في (أ): "يؤمنون".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠٢٤) (٥٧٤٤).
(٥) قوله: "منَّا أي" ليس في (أ)، ولفظ: "أي" ليس في (ر).
(٦) كذا في النسخ، وفي "سنن سعيد بن منصور": "تكلمت ما هو منك"، وفي "تفسير ابن المنذر" و"تفسير ابن أبي حاتم": "عرفت ما هو منك".
(٧) بعدها في (ف): "به".
[ ٥ / ١٤١ ]
كان فينا رسولُ اللَّه -ﷺ-، وهو يأمرنا (^١)؛ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٢).
وقال الكلبيُّ: هاجر ناسٌ من قريشٍ، فقَدموا المدينةَ، فأسلَموا، ثمَّ ندموا، وأرادوا الرَّجعةَ (^٣) إلى مكَّة، فاجتووا المدينة فخرجوا، فقال لهم المسلمون: ما تريدون؟ قالوا: اجتَوينا المدينةَ، فخرجنا نَتنزَّه، فصدَّقوهم، فجعلوا يتحوَّلون منقلةً منقلة (^٤)، حتَّى تَباعدوا من المدينة، ثمَّ أدلجوا وقد قطعوا أرضًا بعيدةً من المدينة، فلَحِقوا بمكَّة، وكتبوا كتابًا إلى رسول اللَّه -ﷺ-: إنَّا على الذي فارقناك (^٥) عليه من التَّصديق باللَّه ورسولِه، ولكنَّا اشتقنا إلى أرضِنا، واجتوينا المدينة، ثمَّ إنَّهم أرادوا أن يَخرجوا في تجارةٍ نحو الشَّام، فاستبضعَهُم أهلُ مكَّة، فقالوا: أنتم على دِين محمَّد وأصحابهِ، وإنْ لقوكم فلا بأس عليكم منهم، فبلغَ ذلك المسلمين، فقال بعضُهم: ما يمنعُنا أنْ نخرجَ إلى هؤلاء فنَقتلَهم، ونأخذَ ما معهم؟ فقال بعضهم: سبحان اللَّه! تقتلون قومًا على دينِكم (^٦)، إن لم يذروا ديارَهم وأموالَهم وقرارَهم فقد حلَّت دماؤهم؟! ورسولُ اللَّه -ﷺ- ساكتٌ، لا ينهى واحدًا من الفريقين (^٧)، حتَّى نزلت هذه الآية (^٨)؛ وهي قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ
_________________
(١) في (ف): "يأمر".
(٢) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٦٦٣ - تفسير)، وابن المنذر في "تفسيره" (٢٠٨٢)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٢٣) (٥٧٤٠).
(٣) في (ف): "المراجعة".
(٤) المنقلة: المرحلة من مراحل السفر. انظر: "الصحاح" (مادة: نقل).
(٥) في (ر): "فارقتنا".
(٦) بعدها في (ف): "فقالوا".
(٧) بعدها في (ف): "جميعًا".
(٨) هذه الرواية ذكرها الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٥)، دون نسبتها للكلبي.
[ ٥ / ١٤٢ ]
لكم؟ استفهامٌ بمعنى الاستنكار ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أي: فرقتين (^١)؛ نصبٌ على الحال، أو هو نصبٌ على التَّمام، وقيل: على القطع، وقيل: هو على إضمار: كنتم أو صرتم. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ كلامٌ تامٌّ، فكان ما بعد ذلك على الوجوه التي قلنا؛ وهو كقولك: مالك واقفًا؟ ونظيرُه في القرآن: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦]، وسمَّاهم منافقين بعد إظهارهم الكفرَ بمكَّة؛ لنفاقِهم بالمدينة، وخفاءِ حالِهم على المسلمين.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: ردَّهم (^٢).
وقال الزَّجَّاج: أي (^٣): نكسَهم (^٤).
وقال قتادة: أهلكهم (^٥).
وفي اللغة: ركسه وأركسه؛ أي: ردَّه إلى الحالة الأولى، وقال أميَّةُ بن أبي الصلت:
فأُرْكِسوا في حميمِ النَّار إِنَّهُمُ كانوا عصاةً وقالوا الإفكَ والزُّورَا (^٦)
ومعنى الآية: واللَّه ردَّهم إلى الكفر.
_________________
(١) في (ر): "فريقين".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٨٨)، وابن المنذر في "تفسيره" (٢٠٨٧).
(٣) لفظ: "أي" من (أ).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٨٨).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٨٨)، وابن المنذر في "تفسيره" (٢٠٨٩).
(٦) في (أ): "والوزرا". وهو تحريف، والبيت في "تفسير الطبري" (٧/ ٢٨١)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٢٨)، وانظر: "ديوان أمية بن أبي الصلت" (ص: ٤٠٨).
[ ٥ / ١٤٣ ]
وقيل: ردَّهم إلى أحكام الشِّرك في إباحةِ أموالهم ودمائِهم، والنَّهي عن موالاتِهم، وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا يسلكُه غيرَ الطريقِ الذي قضى اللَّهُ تعالى له (^١) به.
وقيل: أي: دينًا يجوز أنْ يُعتقَد.
وقيل: أي: طريقًا إلى الهدى؛ قاله (^٢) السُّدِّيُّ (^٣).
وقيل: أي: طريقًا إلى الجنَّة.
وقال الزَّجَّاج: أي: طريقًا إلى الحُجَّة (^٤).
وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ وفي قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ حُجَّةُ أهلِ السُّنَّة في مسألةِ خلق الأفعال أنَّه مِن اللَّه تعالى، وحقيقةُ الفعلِ مِن العباد.
* * *
(٨٩) - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: تمنَّوا، وكلمة "لو" تمني، وإنَّما لم يُنْصَب ﴿فَتَكُونُونَ﴾ لأنَّه عطفٌ لا جوابٌ؛ وهو كقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ
_________________
(١) قوله: "اللَّه تعالى له" من (ف).
(٢) في (ف): "وقال".
(٣) نسب ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ١٥٥) هذا القول لأبي سليمان الدمشقي.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٨٨).
[ ٥ / ١٤٤ ]
كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: تمنَّى هؤلاء أنْ تكفروا أنتم (^١)، فتستووا في الكفرِ المبيحِ للقَتل والسَّبي.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: لا توالوهم ما داموا على الكفرِ الموجبِ للمُعاداة.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: حتَّى يُسلِموا ويُهاجروا (^٢)، فيعودوا إلى سبب الموالاة؛ لأنَّهم يصيرون أولياءَ اللَّه، فتَصلحُ موالاتُكم إيَّاهم، ودليلُ إضمارِ الإسلام قولُه: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وذاك لا يكونُ إلَّا بالإسلام، وهذا لأنَّه ذكر كفرَهم بقوله: ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾، فلا يَزولُ ذلك إلَّا بالإسلام، وبعد الإسلامِ شَرَط الهجرةَ أيضًا، وكانت فرضًا يومئذٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: أَعرضوا عن الإسلامِ والهجرة.
وقوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ الأخذُ: الأسر.
وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: في الحِلِّ والحَرَم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ أي: لا تتولَّوهم، ولا تَستنصِروا بهم على عدوِّكم.
* * *
(٩٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
_________________
(١) لفظ: "أنتم" ليس في (أ).
(٢) بعدها في (ر): "في سبيل اللَّه".
[ ٥ / ١٤٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؛ أي: يَتَّصلون ويَلتجئون إلى قومٍ مِن أهل عهدكم بعهدٍ وأمانٍ؛ أي: إذا قَصدوا حضرةَ النبيِّ -ﷺ-، وتعذَّر الوصولُ إليه؛ فالتجؤوا إلى قومٍ معهم للمسلمين عهدٌ، فأمَّنوهم، فأنْفِذُوا أمانَهم، ولا تَقتلوهم. وما قاله أبو عبيدة: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي: ينتسبون (^١)؛ فليس بسديدٍ؛ لأنَّ أكثرَ أهلِ مكَّةَ أنسباءُ رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه، ولم يثبت لهم به أمانٌ، والصَّحيحُ ما قلنا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ هذا استثناءُ حالةٍ أُخرى يَأمنون بها، وجاؤوا ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه عطفٌ على ﴿يَصِلُونَ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ أي: يأتي، يعني: وإلَّا الذين يجيئون مستأمِنين منكم. وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾؛ أي: ضاقت.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ وضيقُ صدورِهم عن قتال المؤمنين بإلقاءِ اللَّه تعالى الرُّعبَ في قلوبِهم، وضيقُ صدورِهم عن قتالهم (^٢) قومَهم أنَّهم على دينِهم، فكانوا لا يصلون إلى نهب الأموال.
وقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ في معنى الحال؛ كما يقال: جاءني فلانٌ ذهبَ عقلُه؛ أي: ذاهبًا عقله.
وقال سيبويه والمبرِّد: لا يجوز الحال بالماضي؛ لأنَّ الحال اسمٌ، والماضي بعيدٌ عن شبه الاسم، بخلاف المستقبل، لكنَّه على طريق الدُّعاء؛ كقوله: ﴿لُعِنُوْا﴾ [النور: ٢٣]، ﴿وَقُتِّلُوا﴾ [الأحزاب: ٦١] (^٣).
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ١٣٦).
(٢) في (ر) و(ف): "قتال".
(٣) انظر: "المقتضب" للمبرد (٤/ ١٢٤)، ونقله الجوهري في "الصحاح" (مادة: حصر) عن سيبويه.
[ ٥ / ١٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ بأن يقوِّيهم بعد ضعفِهم، أو ينزعَ الرُّعبَ عن قلوبهم، يقول: اذكروا مِنَّتي، ولا تُعجَبوا بأحوالكم، فإنَّ عجزهم عنكم بإعجازي، لا بكم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ عطفٌ على: سلَّطهم، وتكرار اللَّام للتَّأكيد، ولو قال: فقاتلوكم، لاستقام، وقرأ مجاهد: (فَلَقَتلوكم) (^١) مِن القتل، وقرأ الحسن: (فلقتَّلوكم) بالتَّشديد للتَّكثير (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أي: ترَكوا مخالطةَ المسلمين؛ لأنَّهم إذا كان (^٣) بهم (^٤) قوَّةٌ، فالاحتياطُ في تركِ الاختلاط.
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ قيل: هو (^٥) تفسيرُ الاعتزال، فإن اعتَزلوا عن قتالِكم.
وقيل: في الاختلاط؛ خوفَ اطِّلاعهم على بواطنِ أحوال المسلمين، ووقوعِ ما يُخاف؛ فلذلك شرط الاعتزال (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أي: الانقيادَ؛ أي: استسلَموا لكم بطلبِ الأمان، وقيل: أي: بالإيمان.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا إلى القِتال واستباحةِ الأرواحِ والأموال.
_________________
(١) في (ر): "فقتلوكم". والقراءة نسبها ابن خالويه في "مختصره" (ص: ٣٤) للحسن ومجاهد.
(٢) انظر: "شواذ القراءات" للكرماني (ص: ١٤٠)، ونسبها الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٩٠) للجحدري والحسن.
(٣) في (ف): "كانت".
(٤) في (ر) و(ف): "لهم".
(٥) في (ف): "وهو" بدل: "قيل هو".
(٦) من قوله: "قوله تعالى: فلم يقاتلوكم" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٥ / ١٤٧ ]
قال مقاتلُ بنُ حيَّان: الآية (^١) في المرتدِّين الذين لحقوا بمكَّة، والقومِ الذين بين (^٢) النبيِّ -ﷺ- وبينهم ميثاق؛ خزاعة وخزيمة وبنو مدلج، كان لهم عهدٌ، ثمَّ نُسِخَ هذا الحكمُ بسورةِ براءة، ونُبِذَ إلى كلِّ ذي عهدٍ عهدُه بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
وقال الكلبيُّ ﵀: هم (^٣) الأسلميُّون، وكان النبيُّ -ﷺ- وادعَ هلالَ بنَ عويمر عند خروجه إلى مكَّة على ألَّا نعينَك ولا نعينَ عليك، حتَّى ترى ونرى، فمَن وصل إلى هلالٍ من قومه وغيرهم؛ فلهمُ الأمان. والذين جاؤوا حصرت صدورهم بنو مدلج، قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ هو يومُ فتح مكَّة (^٤).
وقال سراقةُ بن مالك بن جعشم (^٥): أتيتُ النَّبيَّ -ﷺ- فقلت: بلَغني أنَّك تريدُ أنْ تبعثَ إلى قومي جيشًا، قال ﵊: "ما تريد؟ " قال: أريدُ أن توادعَهُم، فإنْ أسلمَ قومُهم؛ دخلوا معهم، وإلَّا لم تَخشُن (^٦) صدورُ قومِهم عليهم، فقال: "اصنع"، فذهب معه خالدٌ، فوادعهم؛ إنْ أسلمَ قومُهم؛ دخلوا معهم، ومَن وصلَ إليهم مِن النَّاس؛ كانوا على مثل عهدِهم، وفيهم نزل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ الآية (^٧).
_________________
(١) بعدها في (ر): "نزلت".
(٢) بعدها في (ف): "يدي".
(٣) في (أ): "هو".
(٤) انظر الكلام في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٥٧) دون نسبته للكلبي.
(٥) قوله: "بن جعشم" من (ف).
(٦) في (أ) و(ر): "يخش"، وفي (ف): "تخش"، والمثبت من المصادر.
(٧) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٦١٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠٢٦) (٥٧٥٠) عن الحسن.
[ ٥ / ١٤٨ ]
(٩١) - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾؛ أي: قومًا آخرين من المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ قال الحسن: أي: إذا لقُوا المؤمنين قالوا: آمنَّا، وإذا خلوا إلى شياطينِهم؛ قالوا: إنَّا معكم؛ ليَأمنوا قتلَ الفريقَين إيَّاهم.
وقال الكلبيُّ ﵀: هم أسدٌ وغَطَفان، كانوا حاضري المدينة، وكانوا تكلَّموا بالإسلام، وهم غير مسلمين (^١).
وقال السُّدِّيُّ: نَزلت في نُعَيم بن مسعود الأشجعيِّ، كان يَأتي النَّبيَّ -ﷺ- بخبر المشركين، ويأتي المشركين بخبر النبيِّ -ﷺ- فيأمنُهم جميعًا (^٢)، فأمرَ اللَّه تعالى نبيَّه ﵇ بطردِه، وألَّا (^٣) يتركَهُ يدخلُ عليه، ففعل.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: كلَّما دُعوا إلى الشِّرك؛ عادوا فيه وأجابوا إليه، و﴿الْفِتْنَةِ﴾: الشِّرك، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، والإركاسُ: الرَّدُّ إلى الحالة الأولى، والفاعلون للإركاس قومُهم بالدَّعوة، ويجوز أنْ يكونَ معنى ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾: وقعوا فيها من غير أنْ يكونَ لهم موقعٌ؛ كما يقال: فلانٌ معجَبٌ بنفسِه.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٨) من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متهم بالكذب. كما سلف غير مرة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٠٢)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٢٩) (٥٧٦٧).
(٣) في (ف): "وأنه لا".
[ ٥ / ١٤٩ ]
وقيل: ﴿الْفِتْنَةِ﴾ ههنا: هي قتالُهم المؤمِنين، ونصرتُهم الكافرين.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾؛ أي: لم يُجانِبوا قتالَكم على التَّأويلِ الأخير، وعلى تأويل الشِّرك: فإن لم يَتركوا مخالطَتكم، بل خالَطوكم في وقتٍ، وخالَطوا قومَهم في وقتٍ؛ عملًا بالنِّفاق، ولذلك قال الكلبيُّ: فإن لم يعتزلوا المسلمين فيَسيروا إلى مكَّة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ عطفٌ على "لم يعتزلوا"؛ أي: ولم يَنقادوا لكم بطلبِ الصُّلح.
وقوله تعالى: ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عطفٌ أيضًا عليه؛ أي: ولم يُمسِكوا عن محاربتِكم.
وقوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: في أيِّ موضعٍ أخذتُموهم مِن الحلِّ والحرَم والأشهرِ الحُرُم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾؛ أي: فقد أبحنا لكم دماءَهم وأموالَهم، وجعلنا حجَّتكم عليهم قائمةً؛ لدوامِهم على النِّفاق.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ "أولاء" اسمُ إشارةٍ إلى جمعٍ، و"كم" خطابُ جمعٍ، وهي في محلِّ الإضافة (^٢)، وعند بعضهم: "أولئكم" كلمةٌ واحدةٌ مبنيَّةٌ مع الكاف، وكلُّها في موضع الرَّفع بالابتداء، ولذلك لا تُزايلُ الكاف، ولا تُوصَل بالهاء بحالٍ، فلا يقال: وأولائه وأولائهم، ولا بالياء والنَّون: أولائي وأولائينا، ويجوز
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٥١٢) (طبعة دار التفسير).
(٢) المعروف عند النحاة أن هذه الكاف حرف للخطاب لا محل لها من الإعراب. قال المرادي في "الجنى الداني"، "لا خلاف في حرفية كاف الخطاب المتصلة باسم الإشارة"، انتهى. وعلى ذلك فلا يجوز إضافة اسم الإشارة إليها لأنها معروفة أولًا، ولأن الكاف حرفٌ ثانيًا، واللَّه أعلم.
[ ٥ / ١٥٠ ]
فيه الإفرادُ والجمعُ في خطاب الجمع، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد: ١٠]، وقال هاهنا: ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾.
* * *
(٩٢) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾؛ أي: وما كان لمؤمنٍ في حكم اللَّه أنْ يتعمَّد قتلَ مؤمنٍ، وليس المؤمنُ كالكافر الذي تقدَّم ذكرُه في إباحةِ دمِه، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾؛ أي: إلَّا أنْ (^١) يقعَ عندهُ أنَّه كافرٌ، فيقتلُه بناءً (^٢) على ذلك، وكان عرفه كافرًا قبله؛ قاله الإمام أبو منصور ﵀، قال (^٣): وقد رُوِيَ الإذن في البيات، وقتلِ (^٤) عيونِ الكَفَرة بما سبقَ مِن ظهور كفرهم، وإن احتملَ إيمانُهم فيما بين الوقتين؛ فيكون معناه: أنَّه حرامٌ عليكم إلَّا مَن هذا وَصْفُه.
قال: وقيل: معناه: ما كان لمؤمنٍ أن يَقتلَ مؤمنًا البتَّة، لكن من قَتلَ خطأً فحكمُه كذا (^٥).
_________________
(١) في (ف): "لا" بدل من "إلَّا أنْ".
(٢) لفظ: "بناءً" ليس في (ف).
(٣) لفظ: "قال" من (ف).
(٤) قوله: "البيات وقتل" ليس في (ف).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٣٠٠).
[ ٥ / ١٥١ ]
وهذا استثناءٌ منقطعٌ بمعنى: لكن؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، وقد مرَّ تقريرُه عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠].
وقيل: معناه: وما كان لمؤمنٍ أنْ يقتلَ مؤمنًا فلا يقتصَّ به، إلَّا أنْ يكونَ خطأً، فلا قصاص فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فعليه إعتاقُ رقيقٍ مسلمٍ (^١) ذكرًا كان (^٢) أو أنثى؛ كفارةً لذلك حقًّا للَّه تعالى.
وقوله: ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀ في اشتراط الإيمان: اختلف في معناه؛ قيل (^٣): لأنَّه أتلفَ نفسًا خلقها اللَّهُ تعالى لعبادته؛ فأوجبَ مكانها نفسًا مؤمنةً؛ لتعبد اللَّه على ما عبدت تلك.
لكن لو كان التأويلُ هذا؛ لكان يجبُ في العمدِ ما وجبَ في الخطأ؛ لوجود ذلك المعنى، لكن أُوجِب لا لذلك، لكن تغليظًا وتشديدًا عليه لمَّا أتلفَ نفسًا لم يؤذن له في ذلك؛ لئلَّا يُقدِمَ على مثله، وللَّه تعالى أنْ يوجِبَ على مَن شاءَ ما شاء لما (^٤) شاء، مِن غير أنْ يُقال له (^٥): لِمَ وكيف.
والثاني: أنَّه أوْجَبَ عليه ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى أبقى للقاتلِ نفسًا مؤمنةً لم يجب عليها القصاص، فأوجبَ عليها مثلها رقبةً مؤمنةً (^٦).
_________________
(١) في (ر): "رقبةٍ مسلمةٍ" بدل: "رقيق مسلم".
(٢) لفظ: "كان" من (ف).
(٣) في (أ): "اختلف في معنى اشتراط إيمان هذه الرقبة وقيل" وفي (ف): "اختلف في معنى اشتراط إيمان هذه الرقبة قيل" بدل من "في اشتراط الإيمان: اختلف في معناه؛ قيل".
(٤) في (ف): "لمن".
(٥) لفظ: "له" من (أ).
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٢٩٩).
[ ٥ / ١٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الدِّيَةُ: بدل النفس، وأصلُها الوِدية؛ كالعِدَةِ أصلها الوعدة، وقد وَداهُ يَديه دِيةً؛ أي: أدَّى ديَتَه، فالدِّيةُ اسمٌ للمال، واسمٌ للمصدر أيضًا، وهي عشرةُ آلاف درهم، أو ألفُ دينار، أو مئةٌ مِن الإبل، وأصلُها على القاتلِ، وتَتحمَّلها العاقلةُ تخفيفًا عليه، وهي في ثلاث سنين، وتفسيرُها في الفقهيات، وقد أوضحناها في "حصائل المسائل". وقوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: أولياءِ المقتول؛ وهم ورثتُه.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصلُه: يَتصدَّقوا، أدغمت التَّاء في الصَّاد، ومعناه: إلَّا أنْ يُبرِئ الأولياءُ القاتلَ والعاقلةَ عنها؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] في آية الربا، وهو الإبراءُ عن أصل المال والعفوُ؛ وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] أي: عفا عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: فإن كان المقتولُ مِن قومٍ أعداءٍ لكم، فالعَدوُّ جمعٌ؛ كما في قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]؛ لأنَّه في صيغةِ المصدر، كالقبول، فيصلحُ للواحد والجمع، كالعَدل والضَّيف.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: المقتولُ مؤمنٌ؛ يعني (^١): إذا أسلمَ الحربيُّ في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا فقَتَلَه مسلمٌ؛ فلا قصاصَ فيه ولا دِيةَ، وفيه الكفَّارةُ لا غير، وهو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والشافعيُّ ﵀ حملَ (^٢) الآيةَ على مؤمنٍ اختلطَ بأهل الحرب، فرمى المسلمُ أهلَ الحربِ فأصابَهُ؛ لم يضمَنه؛ لأنَّه بالاختلاطِ بأهلِ الحرب أسقطَ حقَّ نفسِه (^٣).
_________________
(١) في (ف): "أي".
(٢) بعدها في (ف): "هذه".
(٣) انظر: "نهاية المطلب" للجويني (١٧/ ٨٨).
[ ٥ / ١٥٣ ]
وقلنا: هذا لا يستقيم؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾، وذاك لا يكونُ منهم، بل يكون فيهم، فالمحمَل الصَّحيح ما قلنا، وهو قول المفسِّرين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول ذمِّيًّا مِن أهل ذِمَّة أو موادعةٍ؛ فله عِصمةٌ بالإحراز بالدَّار.
قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ دلَّ أنَّ دية الذِّمِّيِّ كديةِ المسلم؛ وهو قولنا.
وقوله تعالى: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: وفيه الكفَّارة أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الرقبةَ المؤمنةَ.
وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ أي: فعليه ذلك بدلًا عن التَّحريرِ.
وقوله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: تخفيفًا منه؛ كما قال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وأصلُ التَّوبة: الرُّجوع، فالمذنبُ يَتوبُ إلى اللَّه؛ أي: يَرجعُ إليه بالنَّدامة، والتَّوبةُ مِن اللَّه: إعادتُه إلى الحالة الأولى، والتَّخفيفُ عليه كذلك.
وقيل: إنَّ الكفَّارةَ توبةٌ للعبد، وهي مشروعةٌ مِن اللَّه تعالى للعبد (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا بالقاتل أنَّه عامدٌ أو مخطئٌ، وعالمٌ بتكفيرِه أنَّه يَنوي به التَّوبةَ أو الإصرار، ﴿حَكِيمًا﴾ في شَرْعِ هذه الأحكام.
قال الكلبيُّ ﵀: إنَّ عياش بن أبي ربيعةَ المخزوميَّ أتى النبيَّ -ﷺ- بمكَّة قبل أنْ يهاجرَ، فأسلمَ، ثمَّ خاف أنْ يُظهِرَ إسلامَهُ، فخرجَ هاربًا إلى المدينة، فتحصَّن في دارٍ، فجَزِعَت أمُّه جزعًا شديدًا -وهي أسماءُ بنت مخرمة (^٢) - وقالت لابنيها؛ أبي
_________________
(١) في (ر): "على العبد".
(٢) اسمها في "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم (ص: ٢٣٠): أسماء بنت مخرِّبة.
[ ٥ / ١٥٤ ]
جهل والحارث بن هشام (^١): واللَّه لا يُظِلُّني سقفٌ ولا أذوق طعامًا حتَّى تأتوني به، فخرجا في طلبِه مع الحارث بن يزيد (^٢)، حتَّى أتوا المدينةَ، وقالوا لعيَّاش: إنَّ أمَّك لم يؤوها سقفٌ بعد بُعْدِك، وحلفَت ألَّا تأكلَ ولا تشربَ حتَّى ترجعَ إليها، ولك علينا ألَّا نُكرهَكَ على شيءٍ، ولا نحولَ بينك وبين دينِك، فلمَّا ذكروا له جزع أمِّه؛ نزل إليهم، فأوثقوه بنِسعَةٍ، وجلدَهُ كلُّ واحدٍ منهم مئة جلدةٍ، ثمَّ قدِموا به على أمِّه، فقالت: واللَّه؛ لا أحُلُّك مِن وَثاقِك حتَّى تَكفرَ بالذي آمنتَ به، ثمَّ تركوه مطروحًا موثَقًا في الشَّمس ما شاء اللَّه، ثمَّ إنَّه أعطاهُم الذي أرادوه منه، فأتاهُ الحارث بن يزيد، فقال له: يا عياش؛ هذا (^٣) الذي كنت عليه لئن كان هدًى، لقد تركتَ الهدى، ولئن كان ضلالةً؛ لقد كنت عليها، فغضِبَ عيَّاش، وقال: واللَّه، لا ألقاكَ خاليًا إلَّا قتلتُك، ثمَّ إنَّ عيَّاشًا أسلمَ بعد ذلك، وهاجرَ إلى النبيِّ -ﷺ- بالمدينة، ثمَّ إنَّ الحارث أسلم بعد ذلك وهاجر (^٤)، ولم يشعر عيَّاشٌ بإسلامه، فبينا عيَّاشٌ يَسيرُ بظَهر قُباء، إذ لقيَ الحارث، فحملَ عليه فقتلَه، فنزلت الآيةُ (^٥).
* * *
(٩٣) - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
_________________
(١) وهما أخوا عياش لأمه.
(٢) وقيل في اسمه: الحارث بن زيد بن أبي أنيسة. انظر: "الإصابة" لابن حجر (٢/ ١٥٦، ١٨٤).
(٣) في (ف): "إن".
(٤) من قوله: "وهاجر إلى النبيِّ -ﷺ-" إلى هنا وقع مكانه في (ف): "فهاجر وأسلم الحارث بعد ذلك".
(٥) ذكره عن الكلبي الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٦٢ - ١٦٣)، وهو في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٥٩) دون نسبته للكلبي. وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٠٦ - ٣٠٨) عن مجاهد وعكرمة والسدي.
[ ٥ / ١٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾؛ أي: قاصدًا قتلَه لإيمانه وهو كفرٌ، وقيل: أي: قتلَهُ مستحلًّا لقتلِه، وهو كفرٌ أيضًا.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: وقوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ هو جزاؤُه لو جازاه، لكنَّه يتفضَّل ولا يُخلِّده فيها لإيمانه (^١).
وقيل: التَّخليدُ ليس هو التَّأبيد، بل هو تطويلُ إبقائه فيها؛ فإنَّه لم يقل: فيها أبدًا، وفي كلِّ موضعٍ ذُكر الخلودُ مع الأبد، فهو للتَّأبيد.
وقيل: نزلت الآية في مَن قتلَ وارتدَّ مع ذلك.
قال أبو روق: نزلت الآيةُ في مِقْيَس بن صُبابة (^٢)؛ وذلك أنَّ (^٣) أخًا له يقال له: هشام، أسلمَ، وهاجرَ إلى المدينة، فقتلَهُ بنو النَّجَّار خطأً، فجاء مِقْيَس وطلبَ ديَته، وتكلَّم بالإسلام، فبعث النبيُّ -ﷺ- رجلًا من فهرٍ إلى بني النجَّار، يأمرُهم أن (^٤) يؤدُّوا دِية القتيل إلى أخيه، أو قاتلَه، فقالوا: سمعًا وطاعةً للَّه ورسولِه، ما نَعلمُ له قاتلًا، لكنَّا نؤدِّي دِيتَه، فدَفعوا إلى مِقْيَس مئةً مِن الإبل ديةَ أخيه، فانصرفَ مِقْيَسٌ والفِهْريُّ، حتَّى إذا قَرُبوا مِن المدينة أتاهُ الشَّيطانُ، فوسوسَ إليه (^٥): أيَّ شيءٍ صنعتَ؟ تَقبلُ ديةَ أخيك، فتكون عليك مسبَّة؟! اقتل الفهريَّ نفسًا بنفسٍ، ولك الدِّيةُ، فرماهُ بصخرةٍ فقتلَه، وركبَ بعيرًا، واستاقَ الإبلَ، فارتدَّ راجعًا إلى مكَّة، وقال في ذلك أبياتًا:
_________________
(١) رواه بنحوه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٤/ ٦٠٢)، وانظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٣٢٩).
(٢) في (أ): "ضبابة". وهما قولان، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (١٠/ ٢٤٥ - ٢٤٦): بضم المهملة وموحدتين عند أكثر أهل اللغة، وقال ابن دريد: بالضاد المعجمة. اهـ.
(٣) في (ف): "وجد".
(٤) في (ف): "بأن".
(٥) في (ف): "له".
[ ٥ / ١٥٦ ]
قَتَلتُ بهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَراةَ بني النَّجارِ أربابِ فارعِ (^١)
وأدركت ثأري واضطجعت موسَّدًا وكنتُ إلى الأوثانِ أوَّلَ راجعِ
فذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ بقتله، ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ بكفره، وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾؛ أي: انتقم منه، وطردَهُ مِن رحمتِه، فقتلَهُ النبيُّ -ﷺ- يوم فتح مكَّة (^٢).
وقيل: وغضبَ اللَّهُ عليه لقتلِه بعد أخذِ الدِّيةِ، ولعنَه بقتلِه غيرَ قاتلِ أخيه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ لاجترائِه على اللَّه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كما يَحْرُم قتلُ غيرِكَ عليك (^٣)؛ يَحرُمُ قتلُ نفسِكَ عليكَ، ومن اتَّبع هواهُ، سَعى في دمِ نفسِه، ومَن لم يَنصح مُريدًا بحسنِ وعظِه، ولم يعنه بهمةٍ؛ فقد سَعى في دمه (^٤)، فهو مأخوذٌ بحالِه، وحقيقٌ بأن تكونَ عقوبتُه الأبديَّةُ ألَّا يستمتعَ بما ضنَّ به على المريدين من أحواله، ولقد قال اللَّه تعالى: "يا داود، إذا رأيت لي طالبًا فكن له جسرًا" (^٥).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بارع"، والمثبت من المصادر.
(٢) من قوله: "وقال في ذلك أبياتًا" إلى هنا ليس في (أ). والخبر لم أقف عليه عن أبي روق، ورواه ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٣٧ - ١٠٣٨) (٥٨١٦) عن سعيد بن جبير، ورواه أيضًا البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٩٢) من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، (وهي سلسلة الكذب)، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٣ - ١٦٤) فقد أورده من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وروى الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٤١) نحوه مختصرًا من طريق ابن جريج عن عكرمة وغيره، وذكر فيه البيت الأول فقط.
(٣) بعدها في (ر): "كما".
(٤) في (ر): "دم نفسه" بدل: "دمه".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
[ ٥ / ١٥٧ ]
(٩٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: سرتُم في طريقِ الغزوِ فتأنَّوا في قتلِ من تقتلونَهُ، وهو في قراءة حمزةَ والكسائيِّ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ مِن الثبات، وفي قراءة الباقين: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (^١) مِن البيان؛ وهو العلم؛ أي: لا تَعجلوا، وتأمَّلوا لِتَعلموا.
وانتظامُها بما قبلَها أنَّه أمر بالتثبُّت؛ لئلَّا يقع قتلٌ، عمدًا ولا (^٢) خطأً فيما لا يجوز، وذكر ممَّن وقع له ذلك قصَّة واحدٍ (^٣) في هذه الآية، واختلفَت الرواياتُ فيه:
قال محمَّدُ بنُ إسحاق: نزلت (^٤) في مُحَلِّم (^٥) بنِ جَثَّامة، كان (^٦) خارجًا في غزاةٍ، فمرَّ به عامر بن الأضبط الأشعريُّ (^٧) على قَعودٍ له، فحيَّاهم بتحيَّة الإسلام، وكانت بينهما إحنةٌ في الجاهليَّة، فقتله مُحَلِّمٌ، وأخذ مالَه، فلمَّا قَدِمَ على النبيِّ -ﷺ- وَدى عامرًا، وقال: "اللهمَّ لا تغفرْ لمُحَلِّم بنِ جثَّامة" (^٨)، فواللَّه ما استكملَ سبعًا حتَّى
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٦)، و"التيسير" (ص: ٩٧).
(٢) في (ر) و(ف): "أو".
(٣) في (ف): "واحدة".
(٤) بعدها في (ف) "الآية".
(٥) في (أ): "محلم".
(٦) بعدها في (أ): "رجلًا".
(٧) كذا في النسخ، والصواب: "الأشجعي".
(٨) رواه أبو داود في "سننه" (٤٥٠٣) من طريق ابن إسحاق ومحمد بن جعفر عن زياد بن ضميرة عن =
[ ٥ / ١٥٨ ]
مات ودُفِنَ، فلفظَتهُ الأرض، حتَّى أُضجع بين حجرين ورَضَموهُ بالحجارة، ثمَّ دُفن، فلفظتهُ الأرضُ ثلاثَ (^١) مرَّاتٍ، فقال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ الأرض لتقبل مَن هو شرٌّ منه، ولكنَّ اللَّه تعالى أراد أن يريَكم فيه العبرة" ونزلت الآية (^٢).
وقال مقاتل: إنَّ النبيَّ -ﷺ- بعث سَريَّةً، وأمَّر عليهم غالبَ بنَ عبد اللَّه اللَّيثيَّ، فلمَّا أصبحوا؛ رأوا رجلًا يقال له: مرداس بن عمرو بن نَهيك العبسي (^٣) من بني تيم (^٤) بن مرَّة من أهل فدك، ومعه غُنيمةٌ له، فلمَّا رأى الخيلَ ساق غنمَه حتى أحرزَها في الجبل، وكان قد أسلمَ مِن اللَّيل، وأخبر أهله بذلك، فلمَّا دنوا منه كبَّروا، فسمعَ التَّكبيرَ منهم (^٥)، فعرَفَهم، فنزلَ إليهم وقال: سلامٌ عليكم، إنِّي مؤمنٌ، فحملَ عليه
_________________
(١) = عروة بن الزبير عن أبيه وجده. وهو ضعيف لجهالة زياد بن ضميرة. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي (٢/ ٨٣). ورواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (٢/ ٦٢٦) ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٥٤)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٤٠) (٥٨٢٦) عن يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، عن القعقاع بن عبد اللَّه بن أبي حدرد، عن أبيه، وليس فيه دعاء النبي -ﷺ- عليه.
(٢) "ثلاث" ليس من (ف).
(٣) خبر موت محلِّم ولفظ الأرض له رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٥٣) عن ابن وكيع عن جرير عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وسفيان بن وكيع ضعيف، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن. وفيه أنه ما مضت به ساعة حتى مات. وروى ابن ماجه في "سننه" (٣٩٣٠) نحوه من طريق السميط بن السمير عن عمران بن حصين، وهو معضل كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه عليه. وليس فيه ذكر اسم الرجل الذي لفظته الأرض.
(٤) في "تفسير مقاتل": "العنسي".
(٥) في (ر) و(ف): "تميم"، والمثبت موافق لما في "تفسير مقاتل".
(٦) في (ف): "كبر فعرف التكبير" بدل: "كبَّروا، فسمع التكبير منهم".
[ ٥ / ١٥٩ ]
أسامةُ بنُ زيد بن حارثةَ الكلبيُّ، فقال مرداس: إنِّي معكم، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له (^١)، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، فطعنَهُ أسامةُ برمحِه، وقتلَه، وأخذَ سلبَهُ وساقَ غنمَهُ، فلمَّا قدمَ المدينةَ أخبرَ رسولَ اللَّه -ﷺ- بذلك، فلامَهُ وقال: "أقتلتَهُ وهو يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللَّه؟ " فقال: إنَّما قالها تَعوُّذًا، فقال النبيُّ -ﷺ-: "هلَّا شققت عن قلبه؟ " فقال: يا رسول اللَّه؛ لو شققتُ عن قلبه (^٢) هل وجدتُ إلا دمًا عبيطًا (^٣)؟ فقال النبيُّ -ﷺ-: "عبَّر بلسانه عمَّا في قلبه"، فقال: يا رسول اللَّه؛ استغفر لي، فقال: "وكيف لك بلا إله إلَّا اللَّه؟! " قالها ثلاثًا، واستغفرَ له في الرَّابعة، وقال أسامةُ في نفسِه: لودِدتُ أنِّي لم أولد إلَّا ذلك اليوم (^٤)، وفي روايةٍ: وددت (^٥) أنِّي لم أُسلِم إلَّا ذلك اليوم (^٦)؛ أي: وَدِدتُ أنَّ هذه الحادثة وقعَت لي في الجاهليَّة لا في الإسلام، وأمرَهُ بردِّ الأغنام، وتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، ونزلت الآية.
وقال سعيدُ بن المسيب: خرجَ المقدادُ في سريَّةٍ فمرُّوا برجلٍ في غنيمةٍ له، فقال: إنِّي مسلمٌ، فقتله المقدادُ، وأخذ غُنيمتَه، فذكرَ ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "قتلَهُ وهو مسلمٌ"، فقال له المقداد: ودَّ لو فرَّ بأهله وماله، فنزلت الآية (^٧).
_________________
(١) قوله: "وحده لا شريك له" من (ر).
(٢) "عن قلبه": زيادة من (أ).
(٣) في (أ): "غليظًا". والعبيط من الدم: الخالص الطري. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: عبط).
(٤) لم أقف عليها، والرواية التالية في "تفسير مقاتل".
(٥) في (ف): "لوددت".
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩). وأصل قصة أسامة رواها مختصرة البخاري في "صحيحه" (٤٢٦٩)، (٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦).
(٧) رواها ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٨٩٤٠)، (٣٣١٠٤)، والطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٦٠)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٦٥) لكن من حديث سعيد بن جبير.
[ ٥ / ١٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قرأ نافعٌ وابن عامر (^١) وحمزة: ﴿السَّلم﴾ (^٢) بغير ألفٍ، وهو الاستسلامُ، والباقون بالألف (^٣)، وهو تحيَّة الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ (^٤)؛ أي: تَطلبون متاعَ الحياةِ الدُّنيا، وعند اللَّه أجورٌ عظيمةٌ، وقيل: أي: عند اللَّه غنائم كثيرةٌ (^٥)، فاطلبوها مِن حيث أذنَ لكم، وأباحَ لكم.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: إنَّ أسامة قال: إنْ كان هذا مُسلِمًا، فلِمَ أقامَ بين الكفَّار؟ فقال تعالى: إنَّكم كنتم تفعلون كذلك.
وقيل: أي: كذلك كنتم كفَّارًا مِن قبل هذا.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كذلك كنتُم مِن قبلُ كفَّارًا تقاتلون على عرض الدُّنيا (^٦).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أنعمَ عليكم بالإسلام (^٧).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وأبو عمرو".
(٢) " ﴿السَّلَم﴾ " ليس من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٦)، و"التيسير" (ص: ٩٧)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٤٧٧). ووقع في "التيسير" نسبة القراءة بغير ألف للكسائي، وهو خطأ، واللَّه أعلم.
(٤) "فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ" ليس في (أ) و(ف).
(٥) في (أ) و(ف): " ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ " بدل: "وعند اللَّه أجورٌ عظيمةٌ، وقيل: أي: عند اللَّه غنائم كثيرةٌ".
(٦) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠٤١) (٥٨٣١).
(٧) بعدها في (ر): "حتى أظهرتم الإيمان".
[ ٥ / ١٦١ ]
وقال سعيدُ بن جبير: كذلك كنتم تخفون إيمانكم من قومكم بمكَّة، فمنَّ اللَّه عليكم بالهجرة حتَّى أظهرتم الإيمان (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ كرَّر (^٢) الأمرَ به تأكيدًا في الوعظ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: لا يَخفى عليه إضمارُكم وإظهاركُم، وهو يجزيكم على ذلك (^٣).
* * *
(٩٥ - ٩٦) - ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ولمَّا أُمِروا بالتَّثبُّت في الجهاد؛ خافَ بعضُهم ما يَقعُ في الجهاد مِن ذلك، فكأنَّه عزمَ على ألَّا يخرجَ، فنزلَت هذه الآيةُ حثًّا لهم على الجهاد.
وقال زيدُ بن ثابت كاتبُ الوحي: كنت أكتبُ لرسولِ اللَّه -ﷺ-، فقال: "اكتب: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، فجاء عبد اللَّه بن أمِّ مكتوم، فقال: يا رسولَ اللَّه؛ إنِّي أحبُّ الجهادَ في سبيل اللَّه، ولكن بي من الزمانةِ ما قد ترى وذهاب بصري، قال زيد: فثَقُلَت فخذُ رسولِ اللَّه -ﷺ- على فخذي، حتَّى خشيتُ أنْ تَرُضَّها، فقال: "اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٦٣، ٣٦٤)، ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠٤١، ١٠٤٢) (٥٨٣٤)، (٥٨٣٨).
(٢) في (ف): "أكد".
(٣) في (أ): "كله". وفي (ر): "مثله".
[ ٥ / ١٦٢ ]
فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ " (^١) قال زيد: أنزلَها اللَّهُ تعالى وحدَها فألحقتها، والذي نفس محمد بيده؛ لكأنِّي انظر إلى ملحقها عند صدعٍ في الكتف الذي كنت أكتب فيه (^٢).
و﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قراءةُ نافعٍ وابن عامر والكسائيِّ نصبًا على الاستثناء أو على (^٣) الحال، وقرأهُ الباقون رفعًا على النَّعت (^٤)، و﴿الضَّرَرِ﴾ الزَّمانة، والضَّريرُ: الزَّمِن؛ وهو الأعمى والأشلُّ ونحوهما.
ثمَّ في الآيةِ نفيُ المساواةِ بين القاعد وهو (^٥) المتخلِّفُ عن الجهاد، وبين الخارجِ للجهاد في الدَّرجة والثَّواب، ثمَّ استثناءُ (^٦) أولي الضَّررِ مِن القاعدين ليس لإلحاقهم في الدَّرجة والثَّواب بالمجاهدين، فإنَّ العُذرَ لإسقاطِ الحرج والتَّكليف لا غير، لكن معناه: أنَّه تحريضٌ على الجهاد، والاستثناءُ لبيانِ أنَّهم غيرُ مرادين بالتَّحريض، لا أنَّهم كالمجاهدين في الإثابة والتفضيل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [النور: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾؛ أي: بعذرٍ (^٧)
_________________
(١) رواه بهذه الألفاظ عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٢٣)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٤٣) (٥٨٤٦). وأخرجه بنحوه البخاري في "صحيحه" (٢٨٣٢)، (٤٥٩٢).
(٢) قول زيد هذا رواه أبو داود في "سننه" (٢٥٠٧).
(٣) في (ر) و(ف): "وعلى".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٧)، و"التيسير" (ص: ٩٧).
(٥) "هو" ليس من (أ).
(٦) في (ف): "استثنى".
(٧) قوله: "أي بعذر" من (أ).
[ ٥ / ١٦٣ ]
﴿دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (^١)؛ أي: وعد اللَّهُ الجنَّة كلَّ المؤمنين؛ المجاهدين، والقاعدين بعذرٍ، والقاعدين بغير عذرٍ، وهذا لأنَّ الجهادَ فرضُ كفايةٍ، فإذا قامَ به البعضُ؛ سقط عن الباقين.
وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾؛ أي: بغيرِ عذرٍ، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثمَّ فسَّره بما بعده وهو قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قال النبيُّ -ﷺ-: "هي سبعون درجةً، مِن الدرجة إلى الدرجة جريُ (^٢) الفرسِ الجوادِ المضمرِ سبعين سنةً" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ عطفٌ على ﴿دَرَجَاتٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقيل في قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ الآية: استثنى القاعدَ بعُذرٍ، وألحقَهُ بالمجاهدِ في الثَّواب؛ لتحسُّره على ما فات، وعلى ذلك قولُ رسول اللَّه -ﷺ-: "الجمعة حجُّ المساكين" (^٤)، وقولُه: "الصَّلاة قربان كل تقيٍّ" (^٥).
_________________
(١) بعدها في (ف): "على القاعدين بعذر".
(٢) في (ف): "عدو".
(٣) لم أقف عليه مرفوعًا، ورواه الطبري (٧/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٤٥) (٥٨٥٧) عن ابن محيريز قوله. ووقع في هامش (أ) ما نصه: "تضمير الفرس: أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت، وذلك في أربعين يومًا".
(٤) رواه ابن الأعرابي في "معجمه" (٢٣٧٨)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٧٨) من حديث ابن عباس ﵄، وفيه عيسى بن إبراهيم الهاشمي، وهو متروك، ومقاتل بن قيس، وهو ضعيف. انظر: "ميزان الاعتدال" (٣/ ٣١٠)، (٤/ ٣٧٧).
(٥) رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٢٦٥) من حديث علي ﵁، وفيه ابن لهيعة، لكن يشهد له ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (١٤٤٤١) من حديث جابر ﵁، وفيه: "والصلاة قربان".
[ ٥ / ١٦٤ ]
ثمَّ ذكرَ في الآية مرَّةً: ﴿دَرَجَةً﴾، ومرَّةً: ﴿دَرَجَاتٍ﴾، وحاصلُه أنَّ اللَّهَ تعالى فضَّل المجاهد على القاعد (^١) بعذرٍ بدرجةٍ، والمجاهدَ على القاعد بغير عذرٍ بدرجاتٍ (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الحقُّ (^٣) ﷾ جمعَ أولياءَه في الكرامات، لكنَّه غايرَ بينهم في الدَّرجات؛ فمِنْ غنيٍّ وغيرُه أغنى منه، ومِن كبيرٍ وغيرُه (^٤) أكبرُ منه، هذه الكواكبُ منيرةٌ، لكنَّ القمرَ فوقها، وإذا طلعَت الشَّمسُ بهرَت -أي: غلبت (^٥) - جميعَها بنورِها (^٦).
* * *
(٩٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال الفرَّاء ومحمَّدُ بنُ يزيد: هو مستقبلٌ، وأصله: تتوفَّاهم، أسقطت (^٧) إحدى التاءَين تخفيفًا (^٨).
وقيل: هو ماض، والتوفِّي: قبض الروح (^٩).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "المجاهدين على القاعدين" بدل: "المجاهد على القاعد".
(٢) في (ر): "بدرجة. . . درجات"، وفي (ف): "درجة. . . درجات"، والمثبت من (أ).
(٣) في (ف): "إن اللَّه" بدل: "الحق".
(٤) في (أ): "وَآخر".
(٥) قوله: "أي غلبت" من (ف).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٥٦).
(٧) في (ف): "سقطت".
(٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٨٤).
(٩) في (ف): "الأرواح".
[ ٥ / ١٦٥ ]
و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ هم ملكُ الموتِ وأعوانُه، أو هو وحدَهُ، وذُكِرَ باسم الجمعِ تعظيمًا له (^١)؛ كما سمِّي جبريلُ بذلك وحده في قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ﴾ [آل عمران: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هو حالُ المقبوضين، والنُّون سقطَت للإضافة، وظلمُهم أنفسَهم: هو تركُ الهجرةِ، ثمَّ الرِّدَّة.
قولُه تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾؛ أي: قالت الملائكةُ لهؤلاءِ الأربعين أو الخمسين الذين تخلَّفوا بمكَّة، ولم يهاجروا ثمَّ قُتِلوا ببدر -وقد مرَّت قصَّتهم في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [الآية: ٨٨] -: في ماذا كنتم؟ أي: في أيِّ أمرٍ كنتُم فشغلَكم عن الهجرة والجهاد؟
قوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مكَّة؛ أي: كان أهلُ مكَّةَ يقهروننا، ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؛ أي: قالت لهم الملائكةُ: ألم تكن أرضُ المدينةِ آمِنةً واسعةَ الرِّزق فتهاجروا إليها؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الإثبات، وهو ردّ (^٢) عليهم عذرَهم، ثمَّ هذا الخطابُ والجواب في حالِ سَكَراتِ الموت، وإنْ كان لا يجري بين المحتضِر وسائر البشر، فإنَّه جائزٌ بينه وبين الملائكة؛ لأنَّه لهيبتِهم شُغِل عن غيرهم، فيَجوزُ شغلُه بهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يقولون لهم هذا في الآخرةِ، ويجوزُ أن يكون في القبرِ، فقد ذُكِرَ هذا بعد التوفِّي، ودلَّ ذلك على سؤال القبر (^٣).
_________________
(١) لفظ: "له" ليس في (أ).
(٢) في (ف): "ورد" بدل: "وهو رد".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٣٣٥).
[ ٥ / ١٦٦ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الإشارةُ منه إلى (^١) مَن أدركه الأجل وهو في أسرِ نفسِه، وفي رقِّ شهواتِه، ليس له عذرٌ، حيث لم يهاجرْ إلى ظِلِّ قربته ليتخلَّص من هوى نفسِه (^٢)؛ إذ لا حجابَ بينك وبين هذا الحديث إلَّا هواك (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قال مقاتل: هم نفرٌ أسلموا بمكَّة مع النبيِّ -ﷺ-؛ منهم الوليدُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة، وقيسُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة، والوليد بن عتبة (^٤) بن ربيعة، وأبو قيس بن الفاكهِ بنِ المغيرة، وعمرو بنُ أمية بنِ سفيانَ بنِ أميَّة بنِ عبد شمس، والعلاءُ بنُ أميَّة بن خلف، ثمَّ إِنَّهم أقاموا فلم يُهاجِروا، وخَرجوا مع المشركينَ إلى قتالِ بدر، فلمَّا رأوا قلَّة المؤمنين؛ شكُّوا في النبيِّ -ﷺ-، فقالوا: غرَّ هؤلاء دينُهم، فلمَّا قُتِل هؤلاء ببدر؛ قالت لهم الملائكةُ -وهو مَلَكُ الموتِ وحدَه- فيم كنتم؛ أي: في أيِّ شيءٍ كنتم؟ قالوا: كنَّا مستضعفينَ مقهورين بأرضِ مكَّةَ، لا نُطيقُ أن نُظهِرَ الإيمانَ (^٥)، قالت الملائكة: ألم تكن أرضُ اللَّه -أي: أرضُ المدينة- واسعةً من الضيق فتهاجروا إليها؟ (^٦)
* * *
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ر): "أن".
(٢) وقع في هامش (ف) ما نصه: "صوابه: ليتخلص من رق نفسه". وما في الأصول موافق لما في "لطائف الإشارات".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٥٦).
(٤) في "تفسير مقاتل": "بن عقبة"، وهو تحريف واللَّه أعلم، انظر خبر قتل الوليد بن عتبة بن ربيعة في "سيرة ابن هشام" (١/ ٧٠٩) قتله علي بن أبي طالب ﵁ يوم بدر. لكن ليس فيها إشارة إلى أنه كان مسلمًا فارتد أو نافق.
(٥) في (ف): "في الأرض" بدل قوله: "مقهورين بأرض مكَّة لا نطيق أن نُظهِرَ الإيمان".
(٦) انظر: "تفسيرِ مقاتل": (١/ ٤٠١ - ٤٠٢).
[ ٥ / ١٦٧ ]
(٩٨) - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.
وقال عمر بن عطاء المديني: ولمَّا نزلَ هذا الوعيد، قال المسلمون: هلكَ إخوانُنا الذين بمكَّة، فنزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ (^١)، إمَّا لضعفٍ في البدن، أو عُدْمٍ من الزَّادِ والمركب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يَعرفون طريقًا ولا يَجدون مَن يَهديهِم.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لمَّا نزلَت هذه الآية؛ بعث رسولُ اللَّه -ﷺ- بها إلى مسلمي مكَّة، فقال جندب (^٢) بن ضمرة الليثيُّ الجندعيُّ لبنيه: احملوني فإنِّي لست من المستضعفين، وإنِّي لا أهتدي (^٣) الطَّريقَ، وكان شيخًا كبيرًا، فحملوه بنوهُ على سريرٍ متوجِّهًا إلى المدينة، فمات بالتَّنعيم، فبلغ أصحابَ النبيِّ -ﷺ- موتُه، فقالوا: لو لحقَ بنا؛ لأتمَّ اللَّه أجرَهُ، فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنَّه لا يَخيبُ مَن التمسَ رضاهُ؛ فأنزلَ اللَّه فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٤).
* * *
(٩٩) - ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ و"عسى" مِن اللَّه واجبٌ؛ لأنَّه إطماعٌ، والكريمُ إذا أطمعَ أنجزَ.
_________________
(١) بعدها في (ف) "وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا".
(٢) اسمه في "أسباب النزول" للواحدي: "حبيب".
(٣) في (أ) و(ر): "لأهتدي"، والمثبت من (ف)، وهو موافق لما في "أسباب النزول" للواحدي.
(٤) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧٠).
[ ٥ / ١٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ قال الحسنُ: أي: كان عفوًّا غفورًا لعباده قبل أنْ يخلقَهم (^١).
وقيل: أي (^٢): كذلك أجرى اللَّهُ العادةَ في الأوَّلين؛ وهو العفوُ والمغفرةُ للمعذورين، وكذلك يفعلُ بالآخِرين.
وقيل: العفوُ: هو التَّخفيفُ برفعِ الإثم عنهم، وكان له أن يُغلِّظَ المحنةَ في التعبُّد عليهم.
* * *
(١٠٠) - ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ قال الضحَّاك: أي: متحوَّلًا (^٣).
وقال أبو رَوْق: أي: مخرجًا عمَّا يَكرهُ.
وقال ابنُ كيسان: أي: مُنقلَبًا.
وقال يمانُ بن رئاب: أي (^٤): ملجأً.
وقال السُّدِّيُّ: أي: مبتغَى معيشةٍ (^٥).
_________________
(١) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" له (٢/ ٩٥).
(٢) لفظ: "أي" من (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٠٠).
(٤) "أي" ليس من (ف).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٠١).
[ ٥ / ١٦٩ ]
وقال المبرِّدُ: أي: مضطربًا متحوَّلًا من الكُفر إلى الإيمان.
وأصله من الرَّغام؛ وهو التُّراب؛ يعني: تربةً غير تربةٍ (^١).
وقال أبو عبيدة: أي: مهاجرًا (^٢)؛ وكذا قال القتبيُّ (^٣)، وهو حقيقتُه، فإنَّ المُراغَمَ موضعُ المراغمةِ؛ وهي المهاجرةُ على رغم مَن كان فيهم.
وقوله تعالى: ﴿وَسَعَةً﴾ أي: اتِّساعَ رزقٍ.
وقيل: أي: توسُّعًا مِن تضييق الكفَّار عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: إلى حيث أمرَ اللَّهُ ورسولُه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ عطفٌ على الأوَّل.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: فقد (^٤) حصلَ له الأجرُ بوعدِ اللَّه، وهذا (^٥) تأكيدٌ للوعدِ، فلا شيءَ يجبُ على اللَّه لأحدٍ من خلقِه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ يَغفرُ له ما كان منه من القُعود إلى أنْ خرج، ﴿رَحِيمًا﴾ يرحمُه بإكمال أجر المهاجرين (^٦) له.
وقد ذكرنا أنَّها نزلت في جُندبِ بنِ ضَمْرة، وقيل: هو ضمرةُ بن جُندب (^٧)، وقيل:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "تربته".
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ١٣٨).
(٣) في "تفسير غريب القرآن" (ص: ١٣٤).
(٤) لفظ: "فقد" من (ف).
(٥) في (ف): "وهو".
(٦) في (ف): "المجاهدين".
(٧) هو اسمه في قول السدي، رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٩٦).
[ ٥ / ١٧٠ ]
هو جُندع بن ضَمرة اللَّيثيُّ (^١)، وقيل: هو ضَمْرةُ بنُ العِيص بنِ زِنباع الخزاعيُّ (^٢)، وقيل: هو أكثمُ بنُ صيفي (^٣)، وقيل: هو ضمضمُ بنُ عمرٍو الخزاعي (^٤)، وفي رواية الكلبيِّ: هو جُندَع بن ضَمْرة، قال: واللَّه ما أنا ممَّن استثنى اللَّهُ تعالى، وإنِّي لأجدُ حيلةً، واللَّه لا أبيتُ اللَّيلةَ بمكَّة، فخرجوا به يحملونَهُ على سريرٍ إلى التَّنعيم، فأشرفَ على الموت، فصفق يمينَه على شِماله، فقال: اللهمَّ هذه لك وهذه لرسولك، أبايعُكَ على ما بايعَكَ به رسولُك (^٥)، ومات حميدًا، فنزلَت هذه الآية (^٦).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن هاجر في اللَّه ما (^٧) سوى اللَّه، وصحَّ (^٨) قصدُهُ إلى اللَّه تعالى، وجدَ فسْحةً في عِفْوَةِ (^٩) الكَرَمِ، ومقيلًا في ذُرى القَبول، وسَعةً في كنفِ القُرب، والمهاجر (^١٠) في الحقيقةِ مَن هجرَ نفسَهُ وهواه، ولا يَصِحُّ ذلك إلَّا بانسلاخِه مِن جميعِ مراداته، ومَن قَصدَهُ ثمَّ أدركَهُ الأجلُ قبلَ وصولِه؛ فلا يَنزل إلَّا بساحاتِ وصلِه، ولا يكونُ محطُّ رحلِه إلَّا (^١١) أوطان قربِه.
_________________
(١) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٣٨٢).
(٢) هو اسمه في قول سعيد بن جبير، رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٩٣).
(٣) رواه أبو حاتم السجستاني كما في "الدر المنثور" (٤/ ٦٤٥).
(٤) رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٣/ ١٥٤٩) (٣٩٢٥)، وذكره الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ٦٢٨).
(٥) في (أ): "رسول اللَّه"، وفي (ر): "رسولك رسول اللَّه".
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٧٣) دون نسبته للكلبي.
(٧) في (ر) و(ف): "مما"، وفي "لطائف الإشارات": "عما".
(٨) في (أ): "وصبح".
(٩) في (أ): "عقوة". وفي (ف): "ساحة". وعِفوةُ الشيء: صفوته. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: عفا).
(١٠) في (أ): "والهاجر".
(١١) بعدها في (ف): "في".
[ ٥ / ١٧١ ]
(١٠١) - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ وهذا من الأمور (^١) التي يحتاجون إليها في جهادهم، يقول: إذا سرتُم في الأرض مسافرين؛ فلا مأثمَ (^٢) عليكم في أنْ تنقصوا من أعداد ركعاتِ الصَّلاة، فتُصلُّوا الفرائضَ التي هي أربعٌ ركعتَين.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: إنْ خشيتم أنْ يَقصدَكُم الكفَّارُ بقتلٍ أو جرحٍ أو أخذٍ.
ثمَّ الخوف شرطٌ لجوازِ القصر عند الخوارج بظاهر هذه الآية، وعند الجمهور ليس بشرطٍ، قال يَعلى بنُ أميَّة لعمرَ بنِ الخطَّاب رضي اللَّه تعالى عنه: ما بالُنا (^٣) نقصُر وقد أمِنَّا؟ قال: عجبتُ ممَّا تعجَّبتَ منه، فسألتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن ذلك، فقال: "صدقةٌ تَصدَّق اللَّهُ بها عليكم، فاقبلوا صدقتَهُ" (^٤).
وقالت عائشةُ ﵂: فُرِضَت الصَّلاةُ ركعتين، ثمَّ أُقِرَّت صلاةُ السَّفر، وزيدَت صلاةُ الحضر (^٥).
فأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾؛ فليس للاشتراط، لكن لأنَّ حالَهم حين نزلَت الآيةُ كانت كذلك، فنزلَت على وفقِ الحال؛ وهو كقولِه تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ
_________________
(١) في (ف): "الأوامر".
(٢) في (ف): "إثم".
(٣) في (أ): "لنا".
(٤) رواه مسلم في "صحيحه" (٦٨٦).
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" (٣٥٠)، ومسلم في "صحيحه" (٦٨٥).
[ ٥ / ١٧٢ ]
أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، وقولِه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣].
وقيل: هذه الآيةُ في نهاية القَصْر، وهو تركُ الشَّطرِ وتركُ الرُّكوع والسُّجودِ والقيام بالإيماء على الراحلة، وذلك مقصورٌ على حالةِ الخوف، ثمَّ القصرُ رخْصةٌ عند الشافعيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (^١)، وذاك في الرُّخصة لا في العزيمة (^٢).
وقلنا: في الآية بيانُ حكم (^٣) حالة الخوف، فتوقَّف حكمُ حالةِ الأمن على قيام الدَّليل، وقد ورد ذلك بلفظة الصَّدقة (^٤)، ولو بقي فرضُ الأربعة، فأين الصدقة؟ (^٥)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾؛ أي: أعداءً، وقد بيَّنَّا أَنَّه يَصلح للجمع (^٦)، وإنَّما قال: ﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾ على اللفظ، فإنَّه في الوضع للفرد؛ أي: لعداوتهم يَنتهزون الفرصةَ، فتحرَّزوا (^٧) عنهم.
* * *
(١٠٢) - ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ
_________________
(١) في (أ): "فلا جناح عليكم" وفي (ف): "فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ولا جناح عليكم" بدل من "فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ".
(٢) انظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٣٥٦).
(٣) في (ف): "الحكم".
(٤) يعني: في حديث عائشة السالف قريبًا.
(٥) فالقصر عزيمة في مذهب أبي حنيفة ﵀. انظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ٢٣٩).
(٦) عند تفسير الآية (٩٢) من هذه السورة.
(٧) في (ر): "فتتحرزوا"، وفي (ف): "فيتحرزوا".
[ ٥ / ١٧٣ ]
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: وإذا كنت يا محمَّدُ في أصحابِك الضَّاربين في الأرض، فأردتَ أن تقيمَ بهم الصَّلاة.
وقوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾؛ أي: فاجعلهُم طائفتين، ولتَقُم إحدى الطَّائفتين معك؛ يَفتتحون معك الصَّلاةَ، ويُصَلُّون معك ركعةً تامَّةً، ولتَقم الطَّائفةُ الأخرى بإزاء العدوِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾؛ أي: قَطْعًا لطَمعِ العدوِّ فيهم، وهذا استحباب لا إيجابٌ عندنا، خلافًا للشافعيِّ ﵀ (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ أي: إذا صلَّت هذه الطائفةُ التي معك ركعةً تامَّةً، فليَرجعوا ليَقفوا بإزاءِ العدوِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾؛ أي: ولتحضر الطَّائفةُ الواقفةُ بإزاءِ العدوِّ، فليَفتتحوا معك الصَّلاة، وليُصلُّوا معك الرَّكعة الثَّانية.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾؛ أي: ما يَتحرَّزون به من العدوِّ، وأمر (^٢) به الطَّائفة الثَّانية كما أمرَ به الطَّائفةَ الأولى، وهذا استحبابٌ أيضًا عندنا؛ لأنَّ أخذَ السِّلاحِ ليس مِن أفعال الصَّلاة، فلا يكونُ مِن شرطِها.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أَخْذُ الحذرِ: هو أخْذُ ما يدفعون به سلاحَ العدوِّ مِن التِّرسِ والدِّرع والبنيان (^٣).
_________________
(١) انظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٤٥٦)، و"المجموع" للنووي (١/ ٤٢٣).
(٢) في (أ): "وأمر".
(٣) "والبنيان" ليس من (ف). وانظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٣٤٥).
[ ٥ / ١٧٤ ]
وأَخْذُ السلاحِ: هو أَخْذُ ما يُقاتلون به العدوَّ مِن السُّيوفِ والرِّماح والقِسِيِّ ونحو ذلك.
والمذكورُ في الآية هو صلاةُ طائفةٍ (^١) ركعةً مع النبيِّ -ﷺ-، ثمَّ صلاةُ طائفةٍ أخرى ركعةً أخرى معه، ولم يبيِّن كيفيَّة إتمامِ الطَّائفتين، واختلف الأخبارُ في ذلك، واختلفَ باختلافِها العلماء؛ فقال أبو يوسف ﵀: هذا كان في زمنِ النبيِّ -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، وهذا خطابٌ له على الخصوص (^٢)، والمعنى: أنَّهم كانوا يتحرَّون فضلَ الصَّلاةِ خلفَ رسول اللَّه -ﷺ-، فزال ذلك حين قُبِضَ النبيُّ -ﷺ-، فانتسخَ.
وقلنا: هذا خطابٌ له، ولكلِّ قائمٍ بعدَه لسياسة الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، ويدلُّ عليه أنَّ الصحابةَ فعلوا ذلك بعدَ وفاته -ﷺ-، حتَّى صلَّى حذيفة بهم حين لقوا العدوَّ بطبرستان (^٣).
وقال الحسن: صلَّى بنا أبو موسى الأشعريُّ كذلك (^٤).
ثمَّ عندما يُصلِّي (^٥) الإمامُ بالطَّائفة الأولى ركعةً، فينصرف هؤلاء إلى العدوِّ، وتجيءُ الطَّائفة الأخرى الواقفةُ بإزاء العدوِّ، فيصلِّي بهم الإمام الرَّكعةَ الثّانية، ويَقعدُ بهم، فإذا سلَّم؛ رجعوا ووقَفوا بإزاء العدوِّ، وتجيءُ الطَّائفة الأولى، فيُصلُّون الرَّكعة
_________________
(١) في (أ): "الطائفة".
(٢) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٢/ ٤٥)، وفيه أن أبا يوسف رجع عن هذا القول.
(٣) رواه أبو داود في "سننه" (١٢٤٦) من حديث ثعلبة بن زهدم، والنسائي في "سننه" (١٥٢٩).
(٤) خبر صلاة أبي موسى بالناس صلاة الخوف رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٨٢٧٤)، والطبراني في "الأوسط" (٧٤٧٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٦٠٠٨) لكن عن أبي العالية، وفي إسناده محمد بن مقاتل الرازي، وهو ضعيف.
(٥) في (أ): "صلى".
[ ٥ / ١٧٥ ]
الثانية بغير قراءةٍ؛ لأنَّهم لاحقون، ويُسلِّمون وينصرفون فيقفون بإزاء العدوِّ، ويجيء أولئك (^١) فيصلُّون الرَّكعةَ الأولى (^٢) بقراءةٍ؛ لأنَّهم مسبوقون، كذلك رواهُ ابنُ مسعود وابنُ عمرَ ﵃ (^٣).
وقال جابرُ بنُ عبد اللَّه ﵁: غزونا مع رسول اللَّه -ﷺ- قومًا من جهينة، فقاتلوا قتالًا شديدًا، فلمَّا صلَّينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنَا ميلةً واحدةً؛ لاختطفناهم (^٤)، ونحن تركناهم حتَّى صلَّوا، وندِمُوا على تركِهم، فقال بعضُهم (^٥): دعوهُم، فإنَّ لهم بعدَها صلاةً هي أحبُّ إليهم مِن آبائِهم وأبنائهم؛ يعنون: العصر، فلمَّا أرادَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أنْ يصلِّيَ العصر؛ أنزلَ اللَّهُ هذه الآية، فصلَّى بهم صلاةَ الخوف على ما قلنا (^٦).
وللشافعيِّ ﵀ مذهبٌ يتفرَّدُ به، ولما لكٍ كذلك، وفيه أقاويلُ أُخَر، شرحنا ذلك في كتاب الصلاة من "حصائل المسائل" (^٧).
_________________
(١) في (ر): "الطائفة الثانية" بدل: "أولئك".
(٢) قوله: "الركعة الأولى" ليس في (ف).
(٣) رواه عن ابن مسعود أبو داود في "سننه" (١٢٤٤)، وعن ابن عمر البخاريُّ في "صحيحه" (٤١٣٣)، ومسلم في "صحيحه" (٨٣٩). وانظر: "المبسوط" للسرخسي (٢/ ٤٦).
(٤) في "صحيح مسلم": "لاقتطعناهم".
(٥) بعدها في (ر): "لبعضٍ".
(٦) خبر جابر ﵁ رواه مسلم في "صحيحه" (٨٤٠): (٣٠٨) بنحوه وليس فيه قولهم: دعوهم لإن لهم صلاة هي أحب. . .، وهي في "سنن الترمذي" (٣٠٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁. وروى الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٠٦ - ٤٠٧) نحوه من حديث علي ﵁، وفي إسناده سيف بن عمر التميمي، وهو متروك. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي (٢/ ٢٣٦).
(٧) في (ر): "شرحناها في الفقهيات" بدل: "شرحنا ذلك في كتاب الصلاة من حصائل المسائل".
[ ٥ / ١٧٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾؛ أي: تمنَّى الكفَّار غفلتكم، و﴿لَوْ﴾ كلمةُ تمنٍّ، والأسلحةُ: جمع السِّلاح؛ وهو كلُّ شيءٍ يُقاتَلُ به، والأمتعةُ: جمعُ متاعٍ؛ وهي (^١) الثِّيابُ ونحوها.
وقولُه تعالى: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: فيحملونَ عليكم حملةً واحدةً، ولم يَقُل: فيميلوا؛ لأنَّه لَمْ يُرِدْ به جوابَ التَّمنِّي، بل أرادَ به العطفَ على قوله: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ بخلاف قولِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى﴾؛ أي: تعبٌ، ﴿مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾؛ أي: لئلَّا يَثْقُلَ عليكم حملُها، ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تحرَّزوا عنهم بسائرِ الوجوه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؛ أي: إذا أخذتُم حِذركم؛ لَمْ يُنْفِذِ اللَّهُ تعالى للكفَّار عليكم كيدًا؛ إذ هم أعداءُ اللَّه تعالى، وقد أعدَّ لهم في الدَّارينِ عذابًا مذِلًّا.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: غزا رسولُ اللَّه -ﷺ- بني أنمار، وهم ببطن نخلة، فهز مَهمُ اللَّه، واحرزوا ذراريهم (^٢) وأمو الَهم، ونزلَ رسولُ اللَّه -ﷺ- والمسلمون ولا يرون أحدًا من العدوِّ، فوضعَ النَّاسُ أسلحتَهم، وخرجَ النبيُّ -ﷺ- لحاجةٍ وقد وضعَ سلاحَه حتَّى قطع الوادي والسماءُ تَرشُّ، فحالَ الوادي بينَه وبين أصحابِه، فجلسَ في ظلِّ سمُرَةٍ (^٣)، فبصُر به حويرثُ بن حارثة المحاربيُّ الحضرميُّ، فقال له أصحابه:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وهو".
(٢) في (ف): "ديارهم".
(٣) في (ر): "شجرة".
[ ٥ / ١٧٧ ]
هذا محمَّدٌ قد انقطعَ عن أصحابه، فقال: قتلَني اللَّهُ إنْ لَمْ أقتله، ثمَّ انحدرَ مِنْ الجبل ومعه السَّيفُ، فلم يشعر به النبيُّ -ﷺ- إلَّا وهو قائمٌ على رأسِه قد سلَّ سيفه، فقال: يا محمد، مَنْ يمنعك منِّي اليوم؟ فقال ﵊: "اللَّهُ ﷿" ثمَّ قال: "اللهمَّ اكفنيه بما شئت"، ثمَّ أهوى بالسَّيف إلى رسول اللَّه -ﷺ- ليضربَهُ، فانكبَّ لوجهه لزُلَّخةٍ زُلِّخَها -بضمِّ الزاي وتشديد اللام (^١) -، وندرَ السَّيفُ، فقام النبيُّ -ﷺ-، فأخذه وقال: "يا حويرث؛ مَن يمنعك منِّي الآن؟ " قال: لا أحد، قال: "فتشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وأنِّي عبدُ اللَّه (^٢) ورسوله، وأعطيكَ سيفَك" قال: لا، ولكن أشهد ألَّا أقاتلك أبدًا، ولا أُعِيْنُ عليك عدوًّا، فأعطاه النبيُّ -ﷺ- سيفَه، فقال: واللَّه لأنت خيرٌ منِّي، فقال النبيُّ -ﷺ-: "أجل، أنا أحقُّ بذلك منك"، فرجعَ إلى أصحابه، فقالوا له: ويلك لقد رأيناك قائمًا على رأسِه بالسَّيف، فما منعك منه؟ قال: واللَّه؛ لقد أهويتُ إليه بالسَّيفِ لأضرِبَهُ؛ فواللَّه لا أدري مَن زلَّخني بين كتفَي؟! فخررتُ لوجهي، وخرَّ سيفي من يدي، فأخذَه، وذكر ما كان منه، ثمَّ قطع النبيُّ -ﷺ- الوادي وأتى إلى أصحابه (^٣)، وإذا (^٤) هم جميعٌ، فقرأ عليهم هذه الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: مِن عدوِّكم (^٥).
* * *
_________________
(١) قوله: "بضمِّ الزاي وتشديد اللام" من (ر). والزلخة: وهو وجع يأخذ في الظهر، لا يتحرك الإنسان من شدته. "النهاية" لابن الأثير (مادة: زلخ).
(٢) في (أ) و(ف): "عبده" بدل من "عبد اللَّه".
(٣) نص العبارة في (ر): "ثم رجع النبي -ﷺ- لأصحابه" وفي (ف): "ثم رجع النبي -ﷺ- إلى أصحابه".
(٤) في (أ): "وإذ"، وفي (ر): "فإذا".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متهم بالكذب وأبو صالح ضعيف كما سلف غير مرة.
[ ٥ / ١٧٨ ]
(١٠٣) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ قيل: فإذا فرغتُم منها، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾؛ أي: بكلِّ حالٍ، وهو الذِّكرُ باللسانِ، والدُّعاءُ بالنَّصر (^١)، فإنَّه حال ملاقاة العدوِّ، وهو كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقيل: أي: إذا أردتُّم أداءَ الصَّلاة؛ فصلُّوا قيامًا إنْ قدَرتُم عليه، وقُعودًا إنْ عجَزتم عن القيام، ومضطجعين إنْ عجَزتم عن القعود.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قيل: إذا سكنتُم بزوالِ الخوف، فأتِمُّوا الصَّلاة بطائفةٍ واحدةٍ.
وقيل: إذا اطمأننتُم بالصِّحَّة، فأتمُّوا بالقيام والقعودِ، والرُّكوع والسُّجود.
وقيل: إذا أقمتم فأتِمُّوا، ولا تَقصروا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ الكتاب (^٢): الفرض، وهذا مصدرٌ بمعنى المفعول، والموقوتُ: المؤقَّت، وقد وَقَتَهُ يَقِتهُ وقتًا، ووقَّته بالتَّشديدِ يوقِّته توقيتًا؛ يعني: إنَّ الصلاة فريضةٌ مِن اللَّه تعالى، مفروضةٌ لأوقاتٍ معلومةٍ، كلَّما مضى وقتُ صلاةٍ واحدةٍ؛ جاء وقت صلاةٍ (^٣) أخرى، ليست كالصَّومِ الذي هو مفروضٌ
_________________
(١) في (ف): "بالنصرة".
(٢) في (أ): "الكتابة".
(٣) لفظ: "صلاةٍ" ليس في (ف)، في الموضعين.
[ ٥ / ١٧٩ ]
في السَّنةِ مرَّةً، والحجِّ الذي هو في العُمرِ مرَّةً (^١)، وذلك لتأكيد (^٢) أمرها، وجلالة قدرها، وقوله: ﴿كاَنَتْ﴾ دليلٌ على أنَّ الصلاة كانت مفروضةً على الأمم السَّالفةِ كلِّها، وقوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليلٌ على أنَّ الكفَّارَ غيرُ مخاطبين بالشَّرائع.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: الوظائفُ الظَّاهرةُ مؤقَّتة، ومشاهداتُ القلوب مؤبَّدةٌ، والرسومُ في وقتٍ دون وقتٍ، وأمَّا القلوب؛ فإيَّاكم والغَيبةَ عن الحقيقةِ لحظةً كيفما اختلفَتْ بكم الأحوال، وأمَّا الذِّكر؛ فكيف كنتم وكما كنتم، وأمَّا إقامة الصلاة؛ فإذا اطمأننتُم (^٣).
* * *
(١٠٤) - ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ أي: لا تَضعُفوا في طلبِ العدوِّ في مكامنهم، نَزلَت في أهل أُحُدٍ، وقد بيَّنَّا ذلك في قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾؛ أي: تُوجَعون.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ أي: تأمَلون الحياةَ الباقيةَ بالشَّهادةِ والرِّزقِ الدَّائمِ في الآخرة، والظَّفَرِ والنُّصرةِ في الدُّنيا، وهم لا يَأملون ذلك.
_________________
(١) بعدها في (ر): "واحدةً".
(٢) في (أ): "لتأكد".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
[ ٥ / ١٨٠ ]
وقيل: معناه: وتخافون مِن اللَّه ما لا يخافون؛ مِن قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون للَّه عَظَمَةً، وإنَّما قامَ الرَّجاءُ مقامَ الخوف؛ لأنَّ ما يُرجَى كونُه يُخافُ فوتُه.
وقيل: لا يُستَعْمَل الرجاء في معنى الخوف إلَّا على النفي، فأمَّا على الإثبات فلا.
وقيل: يجوز ذلك، قال قائلهم:
توكَّل على الربِّ الكريمِ وَثِقْ بهِ إذا نابَ أمرٌ مُفظِعٌ لك رائِعُ
فلا كلُّ ما تَرجو من الخيرِ كائنٌ ولا كلُّ ما تَرجو (^١) من الشَّرِّ واقعُ (^٢)
وقيل: معنى قوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: يحصلُ لكم برجائكم مِن اللَّه ما لا يحصلُ لهم، يقال: لا رجاءَ لك عند فلانٍ؛ أي: لا تحقيقَ لما تَرجُوه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ قيل (^٣): ﴿عَلِيمًا﴾ بمصالحِ العباد حين دعاهُم إلى الجهاد، ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبيرِ أمورهم.
وقيل: عَلِيمًا بما ينالُ المؤمنين من الألمِ في سبيله، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يُسوِّي بينَهم وبين الكفَّار في جزائِه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: القومُ شارَكوكم في آلام النُّفوس، ولكن خالفتُموهم في مشاهداتِ القلوب، أنتم تَشهدونَ ما لا يَشهدون، وتَجدُون بقلوبِكم ما لا يَجدون، فلا ينبغي أن تستأخروا عنهم في الجدِّ واحتمال الكدِّ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "تخشى".
(٢) ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٠٣)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٢١٣) البيت الثاني دون نسبة.
(٣) في (ر): "أي".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٥٩).
[ ٥ / ١٨١ ]
(١٠٥) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمِ الحقِّ، وقيل: بحقِّ اللَّه عليكم، وقيل: بحقِّ بعضهم (^١) على بعضٍ، وقيل: أي: بالامتحان؛ إذ (^٢) لا حكمةَ في الإهمال.
وقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾؛ أي: أعلمَك، كما قال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦]؛ أي: يَعلمُ، وهي مِن رؤيةِ القلب، ودل ذلك على جوازِ الاجتهاد فيما لا نصَّ فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي: لقوم طُعمة بن أُبَيرق السَّارقِ المنافقِ معينًا في (^٣) الخصومة.
وقيل: الخصمُ في الحقِّ، والخصيمُ في الباطل.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نزلت الآيةُ في طعمةَ بن أُبَيرق الأوسيِّ، وكان سرقَ دِرعًا مِن جار لهُ يقال له: قتادة بن النُّعمان الأنصاريُّ، وكان الدِّرعُ في جِرابٍ فيه دقيقٌ، وفي روايةٍ: كان يذهب بها في السطوح، فرأى في الجراب خرقًا يَخرجُ منه الدَّقيقُ ويَظهر في السُّطوح، فخاف ظهورَ الحال، فرمى ذلك في دار يهوديٍّ اسمُه زيدُ بن السَّمين، وعلم به زيدٌ، فصعدَ السَّطح واتَّبعه حتَّى رآهُ دخلَ دارَهُ، ثمَّ إنَّ قتادة لمَّا أصبحَ ولم يجدِ الدِّرع؛ اتَّبع الأثرَ إلى دار زيدٍ، فطالبه بها للأثر، فقال: إنَّه عمل
_________________
(١) في (ر): "بعضكم".
(٢) في (ف): "أي".
(٣) في (ر): "على".
[ ٥ / ١٨٢ ]
طُعمة، وأتياهُ (^١) فجحدَ، وحلفَ على ذلك، واختصموا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وجاء اليهودُ، فشهِدوا على براءة اليهوديِّ، وجاء بنو (^٢) ظفر -وهم قوم طعمة- وجادلوا عن طعمة، ورُوِيَ أنَّهم عَلِموا أنَّه عَمَل طعمة فقد كان سارقًا في الجاهليَّة، لكن بيَّتوا طول ليلهم (^٣)، واتَّفقوا على أنْ يشهدوا بالسَّرقة على اليهوديِّ؛ دفعًا عن طُعمة، ففعلوا ذلك، وهمَّ النبيُّ -ﷺ- أنْ يعاقِبَ اليهوديَّ، فنزلت الآية (^٤).
وذكر مقاتل أنَّ صاحبَ الدِّرع زيدُ بن السَّمين اليهوديُّ، وكان استودَعها عند طُعمةَ، وطلبَها فجحدَها، ورمى بها في دار أبي مُلَيك بن عبد اللَّه الأنصاريِّ (^٥).
وذكر عاصم بن عمر (^٦) بن قتادة أنَّ السَّارقَ بُشيرُ بنُ أُبيرق (^٧)، والمسروقَ منه رفاعةُ بن النعمان أخو قتادةَ بن النعمان (^٨).
_________________
(١) في (ف): "فأتياه".
(٢) في (ف): "قوم".
(٣) في (ف): "ليلتهم".
(٤) ذكر الثعلبي نحوه في "تفسيره" (٣/ ٣٨٠ - ٣٨١) من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وأورده الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٧٣) عن جماعة من المفسرين، وانظر: "الكافي الشاف" لابن حجر (ص: ٤٩).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٠٤).
(٦) في (أ) (ر): "عمرو"، وفي (ف): "عروة"، والمثبت من المصادر.
(٧) ذكره عنه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٢٤).
(٨) قوله: "أخو قتادة بن النعمان" ليس في (أ). والذي في مصادر التخريج أن المسروق منه رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان. والخبر رواه مطولًا الترمذي في "سننه" (٣٠٣٦)، والطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٥٨ - ٤٦٢) وابن أبي حاتم (٤/ ١٠٥٩، ١٠٦٠) (٥٩٣٣)، (٥٩٣٤)، (٥٩٣٦) من طريق محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن =
[ ٥ / ١٨٣ ]
ولمَّا ظهر حال طُعمة؛ ارتدَّ ولَحِقَ بمكَّة.
وقيل: اليهوديُّ الذي رمى بالدِّرع في دارِه لبيد بن سهل (^١).
وقيل: إنَّ طعمةَ حين ظهر حالُه ارتدَّ ومات بحرَّةِ بني سليمٍ كافرًا (^٢).
وقيل: سرقَ بعد ذلك في مواضع (^٣)، وسرقَ في سفينةٍ كيسًا، فأحسُّوا به ورموهُ في البحر (^٤).
وقيل: سرقَ من خزانة الكعبة بمكَّة، فوقع عليه حجرٌ فقتله.
وقيل في انتظامِها بما قبلَها: إنَّ الآيةَ الأولى في الصَّلاة، وهي أمانةٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وهذه القصَّة في الخيانة.
_________________
(١) = النعمان. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. وروى يونس بن بكير، وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا، لم يذكروا فيه: عن أبيه، عن جده. اهـ. قلت: ورواه الحاكم في "المستدرك" (٨١٦٤) من طريق يونس بن بكير، وفيه: عن أبيه عن جده. وعمر بن قتادة هذا مجهول، لا يعرف إلا من رواية ولده عنه. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي (٣/ ٢٢٧).
(٢) في رواية الترمذي ومن ذكر معه أن لبيد بن سهل رجل له صلاح وإسلام. وذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٩/ ١٠ - ١١) في القسم الأول فهو عنده من الصحابة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٦٦ - ٤٦٧) وابن أبي حاتم (٤/ ١٠٦٦) (٥٩٦٧) عن السدي، وفيه أنه نزل على الحجاج بن علاط السلمي فنقب بيته يريد سرقته، فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو بطعمة، فقال: ضيفي وابن عمي وأردت أن تسرقني! فأخرجه.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٦٨ - ٤٦٩) عن عكرمة، وفيه أنه في آخر سرقاته سرق من ركب من بهراء بن قضاعة، وأنهم لما أدركوه قذفوه بالحجارة حتى مات.
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٨٥).
[ ٥ / ١٨٤ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ أي: لا تناضِل عن أرباب الحظوظ، وكنْ مع أبناءِ (^١) الحقوق، ومَن جنح إلى الهوى، خان فيما أودع نفسَهُ مِن التَّقوى، ومَن ركنَ إلى نوازعِ المنى، خانَ فيما طولِب به مِن الحياء لاطِّلاع المولى (^٢).
* * *
(١٠٦) - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ أي: مِن قصدك قطعَ اليهوديِّ بغير سرقةٍ، والذَّبَّ عن طعمة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: لمن استغفر.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: عن طبقة طعمة، وهم إن خانوا غيرهم، فقد أضرُّوا بأنفسِهم، فكان ذلك خيانةً في حقِّ أنفسهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا﴾؛ أي: كثيرَ الخيانة، سمَّاه به لسرقتِه مرَّاتٍ. ﴿أَثِيمًا﴾ أي: كثير الإثم، والأثيمُ أبلغُ من الآثم؛ كالشَّهيد أبلغُ مِن الشَّاهد، والرَّحيم أبلغُ من الرَّاحم، وإثمُه كان بيمينِه الكاذبة، ورميِهِ اليهوديَّ البريءَ (^٣) بالسرقة.
_________________
(١) في (ف): "أرباب".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٦٠).
(٣) لفظ: "البريء" ليس في (أ).
[ ٥ / ١٨٥ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: لأُمَّتك، فإنَّا قد كفيناك حديثَك (^١) بقولنا: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ هم المؤثِرون حظوظَهم على حقوقه، والرَّاضون بالتَّعريجِ في أوطان الهوى، دون النُّقلةِ إلى منازل الرِّضى (^٢).
* * *
(١٠٨) - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: يَستترون بمعاصيهِم في أخذ الأموالِ وجحد الحقوق، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾؛ أي: لا يُمكنُهم الاختفاءُ عن اللَّه تعالى، فإنَّه مطَّلعٌ على سرائرهم.
وقال ابن عبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ أي: يستحيون، كنى به عنه؛ لأَنَّه من أسبابه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾؛ أي: يدبِّرون بالليل، وقوله تعالى: ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: مِن تبرئة طُعمة، واتِّهامِ اليهوديِّ البريء، واستزلال النبيِّ -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾؛ أي: عالمًا بكلِّ وجوهِه.
* * *
_________________
(١) بعدها في (ف): "وقديمك".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٣) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٧/ ٧٦).
[ ٥ / ١٨٦ ]
(١٠٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ "ها" تنبيهٌ، و﴿وأَنتُمْ﴾ خطابٌ لرهطِ طُعمة، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى: يا هؤلاء، وقيل: بمعنى: الذين.
وقوله تعالى: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: خاصمتُم عن الخائنين، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ عطفٌ على "من" (^١) وظاهرُه استفهامٌ، و﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: حافظًا؛ كالموكَّل على الشيء يَحفظُهُ.
* * *
(١١٠) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: ما يسوءُ غيرَهُ مِن سرقةٍ وخيانةٍ (^٢) وتهمةٍ بباطلٍ، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ أي (^٣): يَعملْ ما يَضُرُّ به نفسَه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ جزمٌ؛ لأنَّه عطفٌ على: "مَنْ يَعمَل".
وقوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ جزمٌ؛ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، دعاهم إلى التَّوبة والاستغفارِ ليغفرَ لهم ما كان مِنهم مِن الأوزار.
وقيل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: ما تَسوءُ عاقبتُه، ﴿أَوْ يَظْلِمْ﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، ويَظْلِمْ بذلك نَفْسَهُ.
_________________
(١) في (ف): "ما مر".
(٢) في (ف): "أو خيانة".
(٣) في (ف): "أو".
[ ٥ / ١٨٧ ]
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: السُّوء هاهنا: السَّرقةُ، والظُّلم: الشِّركُ.
وقيل على عكسِه.
وقيل: الآيةُ عامَّةٌ في كلِّ الذُّنوب، وهي أرجى آيةٍ في القرآن، والاستغفارُ هو سؤالُ المغفرة مع النَّدمِ على المعصية.
* * *
(١١١) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ أي: مَن فعلَ ما يَأثمُ به؛ فهو على نفسِه، لا يُعاقَب به غيرُه، وإن أراد تحميلَه غيرَه كما (^١) أرادهُ طعمةُ وقومه، ولا يَخفى ذلك على اللَّه تعالى؛ لأنَّه عليمٌ، وهو حكيمٌ لا يَضعُ الشَّيءَ غير موضعِه، ولا يُعاقِب بالذَّنبِ غيرَ فاعلِه.
* * *
(١١٢) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾؛ أي: بغير عمدٍ، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ أي (^٢): بعمدٍ.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾؛ أي: يتَّهم بالإثم مَن كان بريئًا عنه، و﴿يَرْمِ﴾ جزم؛ لأنَّه (^٣) معطوفٌ على ﴿يَكْسِبْ﴾، وذاك جُزِم بالشَّرط؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤].
_________________
(١) بعدها في (أ): "إذا".
(٢) بعدها في (ف): "تعمد".
(٣) بعدها في (ف): "كان".
[ ٥ / ١٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾؛ أي: كَذِبًا محيِّرًا (^١) مَنْ كَذبَ عليه، لغايةِ استحالته.
وقوله تعالى: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: وِزْرًا (^٢) ظاهرًا؛ أي: يُظهِرُهُ اللَّهُ تعالى، فيُعرَفُ بالبُهتان في الدُّنيا، ويعاقَبُ بإثمه في العُقبى.
وقال الكلبيُّ: ولمَّا نزل: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨] عَرَفَ قومُ طعمة أنَّه الظَّالم، فقالوا له: بؤ بالذَّنبِ، واتَّق (^٣) اللَّه، فقال: لا واللَّه الذي يُحلَف به، ما سرقَها إلَّا اليهوديُّ، فأنزلَ اللَّه ﷻ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يمينًا كاذبةً، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقة الدِّرعِ، ورميَ اليهوديِّ به (^٤)، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ كذبًا على غيرِه بما لم يفعل، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ذنبًا بيِّنًا بينه وبين ربِّه.
ثمَّ قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ إنَّما قال: ﴿بِهِ﴾ ولم يقل: بهما، مع سبق ذِكْرِ اثنين؛ لأنَّه صرفَهُ إلى أحدِهما، وهو أقربُهما إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، لم يَصرِفْهُ إلى أقربِهما؛ لأنَّ التجارةَ هي المقصودةُ، واللَّهوُ بسببها، فكان صرفُه (^٥) إلى المقصودِ أولى، وفي الآيتين اللَّتين (^٦) قبلَهما كلُّ واحدٍ منهما في المراد مثلُ الآخر، وأحدُهما أقربُ، فكان (^٧) أولى.
_________________
(١) في (ف): "محرًّا".
(٢) في (ر): "وزورًا".
(٣) في (ر): "واستغفر".
(٤) انظر: "التفسير الوسيط" (٢/ ١١٤)، و"البسيط" للواحدي (٧/ ٨٢).
(٥) في (أ): "وكان الصرف" بدل من "فكان صرفه".
(٦) بعدها في (ف): "أي ما".
(٧) في (ف): "وإحداهما أقرب من الأخرى فكانت" بدل: "وأحدهما أقرب فكان".
[ ٥ / ١٨٩ ]
(١١٣) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾؛ أي: ولولا توفيقُ اللَّهِ وعصمتُه لك يا محمَّد.
وقوله تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾؛ أي (^١): لقَصَدت جماعةٌ مِن قوم طُعمةَ أن يزلوك (^٢) بتبرئة (^٣) طُعمةَ وقطعِ اليهوديِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: وما يكون وبالُ ذلك إلَّا عليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: شيئًا، و﴿وَمِنْ﴾ للتأكيد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: القرآنَ وبيانَ القرآنِ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾؛ أي: مِن أمورِ الدِّين، وقيل: مِن أنباءِ الأوَّلين.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾؛ أي: مِن وقتِ خلقك إلى الآن بكلِّ شيء، فلم يكن ليترُكَ عصمتَك عن إزلالِ المنافقين، مع ما لهُ عليكَ مِن الفضلِ المبين.
* * *
_________________
(١) بعدها في (أ): "لقد".
(٢) في (ف): "يريبوك".
(٣) في (أ): "بتنزيه".
[ ٥ / ١٩٠ ]
(١١٤) - ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ النَّجوى: الاسمُ مِن المناجاةِ؛ وهي المسارَّة، ولمَّا بيَّت طائفةٌ مِن قومِ طُعمة ما لا يَرضى (^١) مِن القول، أخبرَ اللَّهُ أنَّه لا خيرَ في مثل تلك المسارَّة (^٢) ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾.
قيل: النَّجوى هاهنا: اسمُ المتناجين؛ كما في قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]، و﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناءُ بعضِهم، ومحلُّه خفضٌ، كقولِك: لا خيرَ في قومٍ (^٣) إلَّا نفرٌ منهم.
وقيل: النَّجوى: المناجاة، وفيه إضمارٌ، وتقديره: إلَّا نجوى مَن أمرَ بصدقةٍ.
وقيل: الاستثناءُ منقطعٌ بمعنى: لكن؛ أي: لكن مَن فعلَ كذا، ومحلُّه رفعٌ بـ: لكن الخفيفة، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ (^٤)؛ يعني: بتَصَدُّقٍ (^٥) بمالٍ على محتاج.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ قيل: أي: قرضٍ، وقيل: أي: قولٍ حسن.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ أي: عند فسادٍ وقعَ بينهم، قال النبيُّ -ﷺ- لأبي أيوب الأنصاري: "ألَا أدلُّك على صدقةٍ هي خير لك من حُمْرِ النَّعم: تُصلِحُ بين الناس إذا تَفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا" (^٦).
_________________
(١) بعدها في (ر): "اللَّه".
(٢) من قوله: "ولما بيت طائفة" إلى هنا ليس في (ف).
(٣) في (أ): "القوم".
(٤) في (ف): "تلك الحقيقة قوله تعالى" بدل من "بـ (لكن) الخفيفة، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾.
(٥) في (ف): "يتصدق".
(٦) رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٥٩٩)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٥٨٣) =
[ ٥ / ١٩١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ﴾؛ أي: شيئًا من هذه الثَّلاثة، وقيل: أي: التَّناجي في شيءٍ منها، ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: لطلبِ رضا اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هذا ظاهرٌ، وقد مرَّ تفسيرُه (^١).
* * *
(١١٥) - ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾؛ أي: ومن يُعادِهِ ويخالفهُ، ويكونُ في شِقٍّ (^٢) غير شقِّه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾؛ أي: ظهرَ له الرُّشدُ فأسلمَ.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: يَكفُرْ، ويَسلُك غيرَ سبيل المؤمنين، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾؛ أي: نَكِلْهُ إلى ما اختارَهُ مِن الكفر.
وقوله تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ هذا ظاهرٌ، وهذا في شأن طُعمةَ؛ ارتدَّ وهلكَ في الكُفر، وقد روينا ذلك من وجوهٍ في أوَّلِ هذه القِصَّة، ثمَّ إنَّ الآيةَ بصيغتِها عامَّةٌ في حقِّ مَن اتَّصف بهذه الصِّفات، وفيها دليلٌ على أنَّ الإجماع حُجَّةٌ، ومُتَّبعُ غيرِ سبيلِ المؤمنين ضالٌّ.
* * *
_________________
(١) = بلفظ: "ألا أدلك على صدقة يرضى اللَّه ورسوله موضعها"، وفي إسناده أبو الصباح الشامي وعبد العزيز الشامي، ولم أقف على ترجمتهما.
(٢) قوله: "وقد مر تفسيره" من (ف). ومر تفسيره عند الآية (٧٤) منها.
(٣) بعدها في (ر): "جانب".
[ ٥ / ١٩٢ ]
(١١٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فسَّرناهُ في هذه السُّورةِ مرَّةً (^١).
واتِّصالها بقصَّة طُعمةَ أنَّه أشركَ بعد الإيمان، وليس للمشركِ غفران.
وقال مقاتل: فخرج طعمة من مكَّة، ولحق بحرَّةِ بني سُلَيم، فعبدَ صنمَهم حتَّى ماتَ على الشِّركِ، فنزلَ فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢)، فبيَّن أنَّ طُعمةَ لو لم (^٣) يُشرِك، لكان في سَعَةِ رحمةِ اللَّه أن يَغفِر له.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي: تَناهى تماديهِ في الضَّلال؛ إذ لا جهلَ أفحشُ مِن الجهلِ باللَّه (^٤).
* * *
(١١٧) - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ أي: ما يَعبدون من دون اللَّه إلَّا أوثانًا، وهذا تعجيبٌ مِن بعضِ جهالات أهل الشِّرك، والدُّعاء: (^٥) العبادة؛ لأنَّ من عبدَ شيئًا دعاهُ لحوائجِه ومصالحِه، يقول: إنَّهم مع إقرارهم بأنَّ اللَّهَ ﷻ خالقُهم
_________________
(١) لفظ: "مرة" ليس في (ف). ومر تفسيره عند الآية (٤٨) منها.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٠٧).
(٣) بعدها في (ر): "يكن".
(٤) في (ف): "الشرك" بدل: "الجهل باللَّه".
(٥) بعدها في (ف): "إلى" وهي مقحمة أو محرفة عن "أي".
[ ٥ / ١٩٣ ]
ورازقُهم، يَعبدون معه أوثانًا يسمُّونها إناثًا؛ كاللَّات والعُزَّى ومَناة، وعَبَدَ بعضُهم الملائكةَ، وهم قالوا: هم بناتُ اللَّه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧]، مع اعترافِهم أنَّ إناثَ كلِّ جنسٍ أَخَسُّهُ وأَرذلُهُ، وتقديره: إلَّا إناثًا على زعمهم؛ كما قال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت: ٤٧]؛ أي: على زعمِكم، وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ (^١) [طه: ٩٧]؛ أي: على زعمِك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: وما يعبدون إلَّا شيطانًا (^٢) عاتيًا خبيثًا، خارجًا عن طاعة اللَّه، ظاهرًا شرُّه، كالغلام الأمردِ؛ ظهرَ ذقنه، والشجرةِ المرداء؛ سقطت أوراقُها فظهرت عيدانُها.
وعبادتهم الشَّيطان أنَّ بعضهم كانوا يَعبدون الجنَّ؛ وهم من الشَّياطين، ولأنَّهم عبدوا الأوثانَ طاعةً للشيطان، فأُضِيفت العبادةُ إليه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤]؛ أي: لا تَعبدِ الصَّنمَ (^٣) بدعاءِ الشَّيطان، فقد قال قبله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وهو الصَّنم، ولأنَّ الشَّيطانَ كان يَدخلُ في الصَّنمِ ويكلِّمُهم، وهم يَعبدون الصَّنم، وفيه الشيطان، فكان ذلك عبادةً للشَّيطان، ولانهم أطاعوه في كلِّ ما سوَّل لهم، فكأنَّهم أنزلوهُ منزلةَ المعبودِ، وهو كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١]؛ لإنزالهم إيَّاهم منزلةَ الربِّ فيما شرعوا لهم.
_________________
(١) بعدها في (ر): "الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا".
(٢) بعدها في (ر): "مريدًا أي".
(٣) في (ف): "الأصنام".
[ ٥ / ١٩٤ ]
(١١٨) - ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طردَهُ (^١) وأبعدَه مِن رحمتِه.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أي: لأجتهدنَّ في إضلالِ عبادِك حتَّى يصيرَ لي (^٢) سهمٌ مقدَّرٌ (^٣) معلومٌ، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى كان (^٤) قال له: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ [ص: ٨٥].
قال الحسنُ والكلبيُّ: مِن كلِّ ألفٍ تسعُ مئة وتسعة وتسعون للنَّار (^٥)، وهم أتباعُه، وذلك قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
* * *
(١١٩) - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: لأصرِفَنَّهم من الهُدى إلى الضَّلال بالدُّعاء والتزيين والاستزلال، قال تعالى خبرًا عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾؛ أي: ولأُلقِيَنَّ في قلوبِهم الأمانيَّ، قال تعالى: ﴿فَزَيَّنَ
_________________
(١) بعدها في (ر) لفظ الجلالة: "اللَّه".
(٢) بعدها في (ر): "منهم".
(٣) في (ف): "بينهم مقدار" بدل: "سهم مقدَّر".
(٤) لفظ "كان" من (أ).
(٥) وهو قول مقاتل في "تفسيره" (١/ ٤٠٨).
[ ٥ / ١٩٥ ]
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (^١) [النحل: ٦٣]، وقال خبرًا عن أمانيهم: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية [فصلت: ٥٠]، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية (^٢) [الكهف: ٣٦]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ الآية [البقرة: ١١١]، ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
وقيل: معناهُ: لأشغلنَّهم بالأمانيِّ عن الإيمانِ والطَّاعات.
وقيل: يُمَنِّيهم طولَ البقاءِ في الدُّنيا؛ ليؤثروها على الآخرةِ.
وقيل: يُمَنِّمِهم على اللَّه (^٣) مع كفرِهم باللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ والبتْكُ: القطعُ، من باب: دخل، والتَّبتيكُ: للتَّكْثير والتكرير (^٤)، و﴿الْأَنْعَامِ﴾: الإبلُ والبقرُ والغنم؛ أي: لأحملنَّهم على أنْ يَقطعوا آذانَ هذه الأشياء ويحرِّموها على أنفسِهم بجعلِها للأصنام، وتسميتِها بحيرةً وسائبةً ووصيلةً وحاميًا، ونفسِّرها (^٥) في تلك الآية إن شاء اللَّهُ تعالى (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾؛ أي: لَأُزَيِّنَنَّ لهم تغييرَ دينِ اللَّه تعالى الذي فطرَ النَّاسَ عليه، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] [الروم: ٣٠].
_________________
(١) في (أ): "وزين".
(٢) قوله: "الآية ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية" من (ف).
(٣) في (ف): "الآخرة" وهو تحريف.
(٤) في (ر): "والتكبير".
(٥) في (ر): "وتفسيرها"، وفي (ف): "ويأتي تفسيرها".
(٦) يعني في الآية (١٠٣) من سورة المائدة.
[ ٥ / ١٩٦ ]
وقيل: أي: فليغيِّرُنَّ الأشياءَ عمَّا خُلِقت له، فيَجعلون للحجارةِ والخشبِ والطِّين منازلَ مَن يستحقُّ العبادةَ، واللَّهُ تعالى لم يَخلقها لهذا، ويُحرِّمون الأنعامَ والحرثَ، فلا يأكلونَها، ولا يَنتفعون بها، وإنَّما خَلقَها اللَّهُ تعالى للمنافع.
وقال أنسٌ والحسنُ وإبراهيمُ وعكرمةُ: هو الخِصاء (^١).
وقال ابنُ مسعود ﵁: لعن اللَّه الواشِراتِ -أي: محدِّدات الأسنان-، والواشماتِ -أي: على ظهور الأكفِّ-، والمتنمِّصاتِ -أي: ناتفات شعور الجبين-، والمتفلِّجاتِ للحُسن (^٢)، المغيراتِ لخلق اللَّه (^٣).
وقيل: هو نتف الشيب.
وقيل: هو نتف اللِّحية.
وقيل: هو التَّخنُّثُ؛ وهو قول عبد الرحمن بن زيد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يتولَّى مصالحَه، ويَكفيه مُهِمَّهُ، حتَّى انقادَ لأمرِه، وأطاعَه، وحرَّمَ ما أحلَّهُ اللَّه بقوله (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾؛ أي: في الدُّنيا والآخرةِ؛ بفوت الطيِّبات، والوقوع في العقوبات.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٩٤ - ٤٩٦) عن أنس وعكرمة ورواه أيضًا عن ابن عباس ﵄ وشهر بن حوشب وأبي صالح وسفيان.
(٢) بعدها في (ف): "أي".
(٣) رواه البخاري (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥) عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا دون قوله: "الواشرات"، ووقعت هذه اللفظة في رواية الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٠٢).
(٤) لفظ: "بقوله" ليس في (ر).
[ ٥ / ١٩٧ ]
(١٢٠) - ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾؛ أي: يعدهُم البقاءَ في الدُّنيا، ويُمَنِّيهم ذلك بالوسوسة.
وقيل: يعدهم الفقر.
وقيل: هو قوله: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، كما مر في قصَّةِ بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ أي: خداعًا.
* * *
(١٢١) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: هؤلاء الذين اتَّبعوه مصيرُهُم (^١) النَّار، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾؛ أي: معدلًا.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولم يتَّبعوا الشيطانَ في الأمرِ بالكفر والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مرَّ تفسيرُها مرَّات.
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ أي: صدقًا، لا كوعد الشيطان.
_________________
(١) بعدها في (ر): "إلى".
[ ٥ / ١٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾؛ أي: قولًا، استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا أصدقَ مِن اللَّه قولًا.
* * *
(١٢٣) - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: ليس الأمرُ على شهواتِكم وأمانيَكم أيُّها المشركون، تقولون في آلهتكم: هم (^١) شفعاؤنا عندَ اللَّه، ولا على شهواتِ اليهودِ والنَّصارى (^٢)؛ يقولون: نحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه، ولن تمسَّنا النَّارُ إلَّا أيَّامًا معدودات.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ أي: مِن المشركين وأهلِ الكتاب وغيرِهم.
وقال الحسنُ البصريُّ ﵀: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: شركًا، بدليل أنَّه قال: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (^٣)، وهذا وعيد الكفَّار؛ ولأنَّه قال بعدَه (^٤): ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
والصَّحيحُ أنَّه مطلقٌ في حَقِّ كلِّ سوءٍ مِن مؤمنٍ أو كافر، بدليل ما رُوِيَ أنَّه لمَّا
_________________
(١) في (ف): "هؤلاء".
(٢) بعدها في (ر): "أي".
(٣) رواه عن الحسن ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٠٧٢) (٥٩٩٧) لكن فيه أنه استدل بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧].
(٤) "بعده" ليس من (أ).
[ ٥ / ١٩٩ ]
نزلت هذه الآيةُ بكى أبو بكرٍ الصِّديق ﵁، وقال: كيف الفلاحُ (^١) بعد هذه الآيةِ يا رسولَ اللَّه وهي قاصمةُ الظَّهر؟ كلُّ شيءٍ عملناهُ جُزينا به؟ فقال -ﷺ-: "غفرَ اللَّه تعالى لك يا أبا بكر، ألستَ تمرضُ؟ ألستَ تحزنُ؟ ألستَ تصيبك الأدواء (^٢)؟ " قال: بلى، قال: "ذاك ما تجزون به" (^٣).
وفي روايةٍ قال له: "أمَّا أنت وأصحابُك المؤمنون؛ فتُجزونَ بذلك في الدُّنيا حتَّى تَلْقَوا اللَّهَ تعالى ولا ذنبَ لكم، وأمَّا الآخرون؛ فيَجمعُ اللَّهُ ذلك لهم، ويُجزَونَ به يوم القيامة" (^٤).
فأمَّا قوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ في حقِّ الكافرِ على الإطلاق؛ أنَّه لا يجدُ مَن يَتولَّى حفظَه عن العذاب أصلًا، ولا مَن يَنصرُه فيُعينه، أو يمنعُه عمَّا يُرَادُ به من العقاب فعلًا، وفي حقِّ المؤمن أنَّ العاصيَ الذي يُعذِّبُه اللَّهُ مدَّةً، ثمَّ يُخرِجُه مِن النَّار، ويدخِلُهُ الجنَّة؛ ليس له وليٌّ ولا نصيرٌ يَدفع عنه هذا العذابَ المؤقَّتَ.
* * *
(١٢٤) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ
_________________
(١) في مصادر التخريج: "الصلاح".
(٢) في (أ): "اللواء"، ولعلها: "اللأواء" كما في مصادر التخريج.
(٣) رواه أحمد في "مسنده" (٦٨ - ٧٠)، والطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٢١ - ٥٢٣).
(٤) رواه الترمذي في "سننه" (٣٠٣٩) وذكر أن في إسناده مقالًا بينه. قلت: والحديث صحيح بطرقه وشواهده. كما قال محققو "مسند أحمد".
[ ٥ / ٢٠٠ ]
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ كلمة "مَنْ" للجنس، وتَصلحُ للواحد؛ فلذلك قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾، ويصلح للجمع، ولذلك قال: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ صرفًا إلى المعنى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ فسَّرناه مرَّةً في هذه السُّورة (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: مَنْ زرعَ الحنظلَ، لم يَجْتنِ العبهر (^٢)، ومن شارَ (^٣) السُّمَّ الزعاف (^٤)، لم يَجِد طعمَ العسل، كذا من ضَيَّع حقَّ الخدمة، لم يستمكن (^٥) على بساطِ القُربة، ومن وُسِمَ بالشِّقوةِ، لم يُرزقِ الصَّفوة، ومن نَفتهُ القضيَّةُ، فلا ناصرَ له من البريَّة.
وقال في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: ومن تَعنَّى في خِدمتِنا، لم يبقَ ضائعًا عن نيلِ نعمتِنا، ومن عنَّيناهُ في طلبِنا، أكرمناهُ بوجودنا، بل مَن جرَّعناهُ كأسَ (^٦) اشتياقِنا، نوَّلناهُ أنسَ لقائِنا (^٧).
* * *
(١٢٥) - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
_________________
(١) عند تفسير الآية (٤٩) منها.
(٢) في (ف): "يجن". والعبهر: النرجس واليا سمين ونبت آخر. انظر: "القاموس المحيط": (عبهر).
(٣) شار بمعنى: اجتنى. انظر: "مختار الصحاح": (شور).
(٤) في (ف): "النقاع".
(٥) في (ر): "يتمكن".
(٦) في (ف): "كاسات".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
[ ٥ / ٢٠١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ استفهامٌ بمعنى الجَحد، ولما نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]؛ قالت اليهودُ والنَّصارى: لقد استوينا كلُّنا، فنزلَت هذه الآيةُ في إبطالِ دينِهم وتفضيلِ دين الإسلام (^١).
وقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلصَ دينَه للَّه.
وقيل: أي: عملَه.
وقيل: أي: سلَّمَ نفسَه.
والوجهُ أشرفُ أعضاءِ الإنسان (^٢)؛ فخُصَّ بالذِّكر، ولأنَّ الانقيادَ يَظهرُ في الوجه، وكذلك قولُه تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ قيل: الأول في الاعتقاد، وهذا في العمل.
وقيل: الإحسان ما قال النبيُّ -ﷺ-: "هو أن تعبدَ اللَّه كأنَّك تراه، فإنَّك إن لم تكن تراه فإنَّه يراك" (^٣).
وقيل: أي: أسلمَ وجهَه وهو محسِنٌ في حقِّ عبادِ اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ خصَّه بالذِّكر؛ إذ هو أجلُّ الأنبياء المفتَخرِ بهم لأهل الكتاب، ثمَّ هم (^٤) خالفوهُ في دينِه، فأبطَلوا فضائلَهم، وهو أيضًا
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٠٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٠٧٢) (٦٥٥٠).
(٢) في (ف): "الأعضاء" بدل: "أعضاء الإنسان".
(٣) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم (٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٤) في (أ): "ثم"، وفي (ف): "وهم" بدل: "ثم هم".
[ ٥ / ٢٠٢ ]
للعرب بهذا المحلِّ؛ إذ هو أبو إسماعيل، الذي هو أبو العرب، وهم قد خالفوهُ، فأبطلوا فضائلهم.
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مستقيمًا على منهاجِه في الخِتان، والحجِّ، والجهادِ، ومحاجَّةِ الأعداء، وإقامة الشَّرائع.
وقال الإمام القشيريُّ رحمه اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾؛ أي: لا أحدَ (^١) أحسنُ دينًا ممَّن أسلمَ وجهَه للَّه تعالى؛ يعني: أفردَ قصدَه إلى اللَّه تعالى، وأخلصَ عقدَه للَّه عمَّا سوى اللَّه، ثمَّ استسلمَ في عمومِ أحواله للَّه باللَّه، ولم (^٢) يدَّخر شيئًا عن اللَّه، لا مِنْ مالِه، ولا مِنْ جسدِه، ولا مِنْ روحِه، ولا مِنْ خلده (^٣)، ولا مِنْ أهله، ولا مِنْ ولدِه، وكذلك كان الخليلُ صلواتُ اللَّه عليه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أثنى عليه بذلك، وهو أنَّه جعله مختصًّا بالانقطاع إليه؛ بصبرِه وتَحمُّلِ المكارهِ في إقامة دينِه، حتَّى هجرَ أهلَه وولدَهُ، وفارقَ وطنَه وبلده، وبذلَ نفسَه ومالَه وولدَه.
قال أبو العبَّاس المبرد: اختلَّ فلانٌ بالرُّمح قلبَ فلانٍ؛ أي: اختصَّه، وخلَّلَ العطاءَ في بني فلان؛ أي: خصَّهم به.
وقيل: الخُلَّةُ: المودَّة التي توجِب الاختصاصَ بتخلُّل الأسرار.
وقيل: هي من الخَلَّة، التي هي الحاجة، قال زهيرٌ:
_________________
(١) في (ف): "أجد".
(٢) في (أ) و(ر): "ومن لم". والمثبت من (ف)، وهو موافق لما في "لطائف الإشارات".
(٣) في "لطائف الإشارات": "جلده".
(٤) "لطائف الاشارات" (١/ ٣٦٧).
[ ٥ / ٢٠٣ ]
وإن أتاه خليلٌ يومَ مَسْغَبةٍ يَقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (^١)
فإبراهيمُ خليلُ اللَّه؛ أي: المحتاجُ إليه، المنقطعُ إليه بحاجتِه وإظهارِ فاقتِه.
وروى جابرُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاريُّ عن النبيِّ -ﷺ- أَنَّه قال: "اتَّخذ اللَّه إبراهيم خليلًا؛ لإطعامِه الطَّعامَ، وإفشائِه السَّلام، وصلاتِه باللَّيل والنَّاسُ نيام" (^٢).
وروى أبو أمامة الباهليُّ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "أتدرون لِمَ اتَّخذ اللَّه إبراهيمَ خليلًا؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "كان إذا ذَكرَ اللَّه بطريقِ الحَلِف لم يَحنث" (^٣).
وقال عبيد (^٤) بن عمير: كان إبراهيمُ ﵇ يضيفُ النَّاس، فخرجَ يومًا يَلتمِسُ ضيفًا، فلم يجد، فرجعَ إلى دارِه، فوجدَ فيها رجلًا قائمًا، فقال: يا عبدَ اللَّه، مَن أدخلك داري بغير إذني؟ فقال: دخلتُها بإذنِ ربِّها، فقال: من أنت؟ قال: أنا مَلَك الموت، فقال: بمَ جئتني؟ قابضًا أم زائرًا؟ قال: لا، بل أرسلني ربِّي إلى عبدٍ مِن عبادِه أبشِّرهُ بأنَّ اللَّهَ قد اتَّخذه خليلًا، قال: من هو؛ فواللَّه لئن أخبرتَني به، ثمَّ كان بأقصى البلادِ لآتيَنَّه، ثمَّ لا أبرحُ له خادمًا حتَّى يُفرِّق بيننا الموتُ، قال: ذلك العبدُ هو أنت، قال: أنا؟! قال: نعم، قال: فبِمَ اتَّخذني ربِّي خليلًا؟ قال: لأنَّك تُعطي النَّاسَ ولا تَسألُهم (^٥).
وقال محمَّدُ بنُ المنكدر: كان إبراهيمُ ﵊ مِن أغْيَرِ النَّاس، فكان لا يَدخُلُ دارَه أحدٌ، فبينا هو يومًا في دارِه إذ دخلَ عليه كهيئةِ الإنسان (^٦)، فقال
_________________
(١) انظر: "شرح ديوان زهير" (ص: ١٥٣). قال شارحه: والحَرِم: المنع، يقول: ليس لمالي منعٌ عنك.
(٢) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٣٩٢) دون إسناد.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في (ر): "عبيد اللَّه"، والمثبت هو الصواب.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٠٧٥) (٦٠١٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٧٤).
(٦) في (أ) و(ر): "إنسان".
[ ٥ / ٢٠٤ ]
له إبراهيم: من أدخلَكَ داري؟ قال: أدخلَني ربُّها، قال: ولَها (^١) ربٌّ غيري؟ قال: نعم، فعرفَ إبراهيمُ أنَّه مَلكُ الموت، فقال له: يا إبراهيم؛ إنَّ ربِّي أرسلَني إليك، ويقول: إنَّ الخليلَ يُحِبُّ أنْ يَلقى خليلَه، وأمرَني أن أقبضَ روحَك بأيسرِ ما قبضتُ به روحَ مؤمنٍ، قال: فإنِّي أسألُك بالذي أرسلك أن تراجعه (^٢)، فصعد فقال: يا رب؛ إنَّ خليلَك سألَني أنْ أُراجِعَك فيه، قال: فائته وقل له: وهل يكرهُ الخليلُ لقاءَ خليلِه؟! فعاد وقال له ذلك، فقال: امضِ لما أُمِرت به، قال: يا إبراهيم؛ أشربتَ الخمر؟ قال: ما شربتُها قط، قال له: فاستنكه (^٣)، فقبض نفسه على ذلك (^٤).
وقال الكلبيُّ ﵀: بعث إبراهيمُ ﵇ غلمانَهُ إلى خليلٍ له بمصرَ، يَمتارون له سنةَ الجدب، فقال خليلُه: لو كان إبراهيمُ إنما يريدُه لنفسِه، احتملنا ذلك، لكنَّه يريدُهُ للنَّاس، وقد دخلَ علينا ما دخلَ على النَّاس، فرَجعوا، ومرُّوا ببطحاء، وحملوا من رملِها؛ ليُروا النَّاس أنهم جاؤوا بشيء، ثمَّ قدِموا وإبراهيمُ نائمٌ، وحطُّوا الأحمالَ، وفتحتها سارة، فإذا هو أجودُ حُوَّارَى، فخبَزَت وأطعمَتِ النَّاسَ، وانتبهَ إبراهيمُ فوجدَ ريحَ الطَّعام، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلِك المصريِّ، فقال: هو من عند اللَّه، فاتخذه اللَّه خليلًا لذلك (^٥).
_________________
(١) في (ر): "أولها". وفي (ف): "ألها".
(٢) في (ف): "قال له: فراجع ربي" بدل: "قال: فإني أسألك بالذي أرسلك أن تراجعه".
(٣) في "العظمة" لأبي الشيخ: "فاستنكهه" ومعناه: شم رائحة فمه، هل شرب الخمر أم لا؟ انظر: "النهاية" لابن الأثير (مادة: نكه).
(٤) رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤٤٨)، وفيه إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر، وهو ضعيف. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي (١/ ٦٥). والغالب أنه من الإسرائيليات.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٩٢) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهو إسناد تالف.
[ ٥ / ٢٠٥ ]
وقيل: لمَّا أُلقيَ في النَّار قال له جبريل ﵇: هل لك مِن حاجةٍ؟ قال (^١): أمَّا إليك فلا، حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فاتَّخذَهُ اللَّهُ خليلًا لذلك (^٢).
وقيل: لمَّا أُمِر بذبحِ الولد (^٣)؛ قال: مَن لي بخليلٍ بعده؛ فقال اللَّهُ تعالى: أنا خليلُك، فاتَّخذَهُ اللَّه خليلًا (^٤).
وقال بكرُ بنُ عبدِ اللَّه المزنيُّ: كان إبراهيم ﵇ يربِّي يتيمًا سيِّئ الخلق، ويُكابِدُ فيه (^٥) الشِّدَّةَ، فماتَ اليتيمُ، فأكثَرَ الجزعَ عليه، وقال: كنت أحتسِبُ الأجرَ في سوءِ خلقِه، فسمَّاه اللَّه لذلك خليلًا.
وقال شهرُ بن حوشب: قال اللَّهُ تعالى للملائكة: إنَّ لي في الأرضِ عبدًا اسمُه إبراهيم، وإنِّي أريدُ أنْ أتَّخذَهُ خليلًا، فقالوا: نحن نسبِّحُ بحمدِك ونقدِّسُ لك، فلا تتَّخذُنا خليلًا، وتَتَّخِذُهُ خليلًا! قال: فاختاروا منكم مَلَكًا، فاختاروا، فقال اللَّهُ تعالى له: اهبط إلى الأرضِ، واذكرني بين يدي (^٦) عبدي إبراهيم، فهبطَ في صورة مَلك، ومثلَ بين يديه، وقال: اللَّه، بصوتٍ رخيمٍ شجيٍّ، فقال إبراهيم: اذكرهُ مرَّةً أخرى، قال: لا أذكر مجَّانًا، قال: لك مالي كلُّه، فقال بصوتٍ أشجى منه: اللَّه، فقال إبراهيم: اذكرهُ مرَّةً ثالثةً ولك أولادي (^٧)، فقال له الملكُ: أبشِر، فإنِّي ملَكٌ، لا أحتاجُ إلى
_________________
(١) في (أ): "فقال".
(٢) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٤٥) من قول بشر بن الحارث الحافي، دون قوله: فاتخذه اللَّه خليلًا.
(٣) في (ف): "ولده".
(٤) قوله: "فاتخذه اللَّه خليلًا" من (ر).
(٥) في (ف): "منه".
(٦) في (ف): "عند" بدل: "بين يدي".
(٧) في (ف): "ذا وأشار إلى ولده" بدل: "ولك أولادي".
[ ٥ / ٢٠٦ ]
مالِكَ وولدِكَ، وعرجَ إلى السَّماء، فقالوا: حقٌّ له أن يتَّخذهُ خليلًا (^١)، ونزلَ جبريلُ ﵇ بالبشارة، فقال: وما أمارةُ ذلك؟ قال: أنَّ اللَّه يُحيي الموتى بدعائِك، فعند ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] على الخلَّةِ، لا شكًّا في قدرةِ اللَّه تعالى.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: إنَّ اللَّه تعالى جرَّدَ الحديثَ عن كلِّ سعيٍ وكدٍّ وطلبٍ وجهد، حين قال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، فعُلِمَ أنَّ الخُلَّة كسوةٌ يَكسوها الحقُّ، لا صفةٌ يَكتسِبُها العبد (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: نحن نعلمُ أنَّ اللَّهَ تعالى لا يُسمِّيه بالذي ذُكِرَ عبثًا باطلًا، لكن سمَّاهُ به تعظيمًا لقدره، وإظهارًا لكرامتِه، وبيانًا لمنزلتِه عندَهُ بما شاءَ مِن الوجوه التي لعلَّها لم يُطلِعِ اللَّهُ (^٣) عليها الخلقَ، ولا يَحتمِلُ أنْ يُدركَ ذلك إلَّا بالوحي، فحقٌّ علينا تعظيمُه ومعرفتُه بالذي اختصَّهُ به، دون تكلُّفِ المعنى الذي كان له ذلك، مع ما لا وجهَ ولا معنى صار به حقيقَ ذلك وأُكْرِمَ به، إلا لمعنًى أكرمَهُ اللَّهُ تعالى به، وللَّه أنْ يَبتدِئه بالخلَّة، ثمَّ يُكرِمَهُ بأنواع الكرامات التي هي آثارُ الخلَّة، وأن يكرِمَهُ بأنواع الكرامات التي بها تقعُ كرامةُ الخلَّةِ، وللَّه تعالى المنُّ في ذلك والفضلُ، وعلينا الحمدُ للَّه والشُّكرُ بما أكرمَنا مِن معرفةِ كرام خلقِه، وجعل في قلوبِنا مودَّتَهم، حتَّى صاروا أحبَّ (^٤) إلينا من أمسِّ الخلقِ بنا، بل مِن أنفُسِنا.
ثمَّ ليس للنَّصارى دعوةُ البنوَّة للَّه تعالى من حيث الكرامة على الاعتبار
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٧/ ١١٦).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٦٧).
(٣) لفظ الجلالة "اللَّه" ليس في (ف).
(٤) بعدها في (ر): "الناس".
[ ٥ / ٢٠٧ ]
بالخلة؛ لأنَّه تعالى عظَّمَ أمرَ الأولادِ حتَّى جعلَهُ كالشِّركِ، ولا كذلك أمرُ الخلَّةِ، ولأنَّ أمرَ الأولادِ حقُّه المجانسةُ، والخُلَّةُ حقُّها الموافقة، ثمَّ أصلُ الأولادِ الشَّهوةُ والحاجةُ، والخُلَّةُ أصلُها الخضوعُ والطَّاعة، ولأنَّ الخُلَّةَ قريبةٌ مِن المحبَّة، والمعنى الذي يقتضي ذلك قد يكون بفعلِ العبد، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ومحالٌ أن يجيء معنى البنوَّة والولادة بشيءٍ مِن الطَّاعة، فلذلك اختلفَ الأمران (^١).
* * *
(١٢٦) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: مُلكًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾؛ أي: عِلمًا، بيَّن أنَّه وإنْ رفعَ منزلتَهُ، وأعلى درجتَهُ، فهو عبده، ويحيطُ بكلِّ مِن (^٢) موافقِيه ومخالفيه علمُه.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ ومن الإحسان المجاملةُ في حقِّ اليتامى والنِّسوان.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٣٧٢).
(٢) لفظ: "من" ليس في (ف).
[ ٥ / ٢٠٨ ]
نزلت الآية في شأن بنتِ محمَّد بن مَسْلَمة، قاتلِ كعب بن الأشرف، واسمُها خويلة -وقيل: عميرة- وزوجها رافع بن خديج، كان له منها أولاد، وقد كَبِرتْ وأيسَت من الحيض، فأرادَ أنْ يُطلِّقَها ويتزوَّجَ غيرها، فقالت: لا تُطلِّقني، ودعني أقومُ على ولدي، وتَزوَّج مَن شئتَ، واجعَلْ قسمي كلَّ عشرة أيَّام، أو ما شئتَ، فقال رافع: إن كان هذا يَصلُحُ فهو أحبُّ إلي، فجاء إلى رسولِ اللَّه -ﷺ-، وذكرَ له ذلك، فقال -ﷺ-: "لقد سمعَ اللَّهُ ما تقول، فإنْ شاءَ أجابَك"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ (^١)، وهذا مختصرٌ، وظهرَ بالجواب أنَّ الاستفتاء عمَّاذا كان؟ وتقديرُه: ويسألونك في النساء (^٢)؛ ما الواجبُ لهنَّ وعليهنَّ؟
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾؛ أي: يجيبكم عن (^٣) سؤالكم (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ مِنهم مَن جعلَهُ عطفًا على ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أي: ويفتيكم فيما يتلى عليكم، لكن قال المحققون من أهل النَّحو: إنَّ عطفَ الظَّاهرِ على المكنيِّ المخفوضِ غيرُ جيِّد إلَّا بإعادةِ الخافض (^٥).
_________________
(١) ذكر مقاتل في "تفسيره" (١/ ٤١٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٩٤) نحو هذا الخبر سببًا لنزول الآية التالية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾.
(٢) قوله: "في النساء" من (ر).
(٣) في (ف): "على".
(٤) بعدها في (ر): "عليهم".
(٥) انظر: "الكتاب" لسيبويه (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣). وهذا الذي ذكره المؤلف هو مذهب جمهور النحاة، والحق أنه جائز ورد في كلام اللَّه سبحانه في قراءة ﴿تساءلون به الأرحام﴾، في قراءة من قرأ بالخفض، وهو حمزة. وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿وكفر به المسجد الحرام﴾ وعلى ذلك الكسائي وابن مالك وغيرهما. قال ابن مالك: وليس عندي لازمًا إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتًا؛ أي: إعادة الجار، واللَّه أعلم.
[ ٥ / ٢٠٩ ]
والصَّحيحُ أنَّه مرفوعٌ معطوفٌ على قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أي: اللَّهُ يفتيكم، والكتابُ المتلوُّ عليكم يُفتيكم؛ أي: يُبيِّنُ (^١) لكم، وهو كقولك: بيَّن اللَّهُ لنا كذا، وبيَّن القرآنُ كذا، على معنى أنَّ البيانَ فيه، وعلى هذا قولُه: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ [الروم: ٣٥]، يريدُ به أنَّ اللَّهَ تعالى (^٢) يجيبُكم في أمر النِّساء، والذي يُتلى عليكم (^٣) في الكتاب يُبيِّن لكم جوابَ سؤالٍ آخر، وهو نكاحُ اليتيمات.
﴿وَمَا يُتْلَى﴾ هو ما ذُكر في أوَّلِ هذه (^٤) السُّورة، وكانت بناتٌ استُشْهِدَ آباؤهنَّ، ولهنَّ أموالٌ، وأولياءُ لا غِنى لهم، فسألوا: أيجوزُ لنا أنْ نتزوجهنَّ مع قلَّةِ أموالِنا، فأجيبوا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ أي: غيرَهن، فأعادوا السُّؤال بناءً على أنَّ لهم حقَّ التَّربية، فعسى أن (^٥) يُطلَق لهم ذلك (^٦)، فأُجيبوا هاهنا أنَّ الجوابَ ما مرَّ في تلك (^٧) الآية.
وقوله تعالى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾؛ اي: اليتيماتِ مِن النِّساء، واليَتامى يَصلحُ للذُّكور والإناث جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾؛ أي: لا تُعطونهنَّ ما فُرِضَ لهنَّ من المهورِ؛ لعدم المال لكم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ أي: تُحِبُّونَ نكاحهنَّ، وتَرغبون في ذلك.
_________________
(١) في (ف): "يتبين".
(٢) في (أ): "يريد اللَّه أن" بدل من "به أن اللَّه تعالى".
(٣) "عليكم" ليس في (أ).
(٤) لفظ: "هذه" من (أ).
(٥) "أن" ليس في (ف).
(٦) "ذلك" ليس في (ف).
(٧) من قوله: "فانكحوا ما طاب لكم" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٥ / ٢١٠ ]
وقيل: أي: لا تفرضونَ لهنَّ صداقَ أمثالِهنَّ، بل تحطُّون عن ذلك ظلمًا.
وقيل: أي: لا تُعطونهنَّ ميراثهنَّ، فتَظلمون مِن هذا الوجه، وتظلمونهنَّ أيضًا بنكاحهنَّ بما دون مهورهنَّ.
وقيل: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ أي: عن أن تنكحوهنَّ (^١)، ولعدمِ الرغبةِ فيهنَّ لا تنكحونهنَّ، ولرغبتكم في أموالهن تَعضلونهنَّ؛ لتَرثوهنَّ إذا متنَ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: وما يُتلَى عليكم في أوَّل السُّورة يُفتيكُم في هؤلاء أيضًا، وهو قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]، ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ (^٢) [النساء: ٩]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (^٣) [النساء: ١٠]، ونظائرها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ﴿وَمَا﴾ شرطٌ، ولذلك جزم فحذفت النُّون، وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: مِن اتِّباعِ أمرٍ، واجتنابِ نهيٍ، فقد سبقَ علمُ اللَّه بكونه منكم، وهو جازيكم عليه.
* * *
(١٢٨) - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
_________________
(١) "أي: عن أن تنكحوهن" ليس في (ف).
(٢) بعدها في (ر): "من خلفهم".
(٣) بعدها في (ر): "ظلمًا".
[ ٥ / ٢١١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ (^١) هو جوابُ سؤالهم عن أمورِ النِّساء، وتحقيقُ وعدِه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، وهو في خويلةَ (^٢) بنتِ محمَّدِ بن مسلمة وقوله: ﴿خَافَتْ﴾؛ أي: علمت ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾؛ أي (^٣): زوجِها.
وقوله تعالى: ﴿نُشُوزًا﴾؛ أي: ترفُّعًا وكراهةَ صحبةٍ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي: تولِّيًا بوجهِه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ على أن تكونَ القديمةُ هي القيِّمةَ في البيت، وفي يدها الرَّفعُ والوضع، والقَسْمُ للحديثة، فيكون للشَّابَّةِ لذَّةُ الصُّحبَة، وللعجوزِ مراعاةُ الحرمة.
وإنَّما نفى الجُناح عنهما؛ لأنَّها أسقطَتْ حقَّ نفسِها، والزَّوجُ فعلَ ذلك برضاها، وهما يملكان التَّصرُّفَ في حقوقهما، وهو بخلاف الزِّنى والرِّبا؛ لأنَّهما (^٥) لا يَحِلَّان برضا الفاعلين والعاقدين؛ لأنَّ هذه الحرمةَ حقُّ اللَّه تعالى، وهما لا يملكان إسقاطَها.
وقرأ أهلُ المدينة وابنُ كثير وابنُ عامر (^٦) وأبو عمرو: ﴿أنْ يَصَّالحا﴾ بتشديدِ الصَّاد وزيادةِ الألف، وأصلُه: يَتصالحا، فأُدغِمَت التَّاءُ في الصَّاد، وقرأ الباقون: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ بضمِّ الياء وتخفيف الصَّادِ وكسر اللام (^٧)، مِن الإصلاح.
_________________
(١) بعدها في (ف): "نشوزًا أو إعراضًا".
(٢) لفظ: "خويلة" من (أ).
(٣) بعدها في (ر): "من".
(٤) "صحبة" ليس من (ف).
(٥) في (أ): "أنهما".
(٦) قوله: "وابن كثير وابن عامر" من (ف).
(٧) انظر: "السبعة " (ص: ٢٣٨)، و"التيسير" (ص: ٩٧).
[ ٥ / ٢١٢ ]
و﴿صُلْحًا﴾ نصبَ على وجهِ المصدر، وليس على بناءِ الفعل، لكن على اعتبارِ الأصْل، وقد أوضحناهُ في قوله تعالى: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾؛ أي: الصُّلحُ منهما على هذا الوجهِ أحسنُ من الدَّوامِ على المخالفةِ والنُّشوزِ والإعراض؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى الفِراق.
وقال عبدُ الرَّحمن بن أبي الزناد: نزلَت في سَوْدَةَ بنتِ زَمعة، وكانت مُسِنَّةً، فكَرِهَتْ أن يُفارِقَها النبيُّ -ﷺ-، وضنَّت بمكانِها منه، وعرفَتْ حبَّهُ لعائشةَ رضي اللَّه تعالى عنها، ومنزلتَها منه، فوهَبَت يومها لعائشة، وقبِلَ ذلك رسولُ اللَّه -ﷺ- (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ أي: وطُبِعت الأنفسُ على الشُّحِّ، وهو البخلُ وصر فُه مِن حدِّ: ضربَ، والنَّعتُ: الشَّحيح، وجمعُه: الأشحَّة، وإحضارُ النَّفسِ (^٣) الشحَّ: إلزامُها خلقَهُ حتَّى لا يفارقها، فالمرأةُ تَشِحُّ، فلا تتركُ قَسمها ونفقتَها، والزَّوجُ يَشِحُّ بحظِّهِ مِن الشَّابَّةِ الجميلة، فلا يتركُها لأجل العجوزِ القبيحة، فأمرَهُما بمخالفةِ الطَّبعِ، ومتابعةِ الشَّرعِ؛ بالصُّلحِ، أو إيفاء الحقِّ (^٤)، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قيل: أي: إنْ تُحسِنوا أيُّها الأزواجُ بالإجابةِ إلى الصُّلح.
وقيل: أي: بإيفاءِ حقِّ المسنَّةِ.
_________________
(١) قبلها في (ف): "من ذا الذي".
(٢) رواه أبو داود في "سننه" (٢١٣٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂.
(٣) في (ر): "الأنفس".
(٤) قوله: "أو إيفاء الحق" ليس في (ف).
[ ٥ / ٢١٣ ]
وقيل: يُحسِنُ كلُّ واحدٍ مِن الزَّوجين بمراعاةِ رضا الآخر.
وقوله: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ قيل: أي: تتَّقوا الميلَ. وقيل: وتتَّقوا الفِراقَ، فاللَّهُ تعالى يَعلمُ ذلك، ويُجازي عليه، وهذا كما قال: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، وهذا بيانُ الطَّبع، ثمَّ قال: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وهذا نهيٌ عن متابعةِ الطَّبع، وأمرٌ بموافقةِ الشَّرع.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀ (^١): صحبةُ الخلقِ بعضِهم مع بعض (^٢) إذا تجرَّدَت عنْ حديثِ الحقِّ، فإنَّها تعرض (^٣) الوحشةَ وممازجةَ النُّفرة، فمَن أعرضَ عن اللَّه تعالى بقلبِهِ، أعرضَ الخلقُ عن مراعاةِ حقِّه، وخرجَ الكافَّةُ عليه باستصغارِ أمرِه، واستحقارِ قدرِه، ومَن رجعَ إلى اللَّه تعالى بقلبِه استوى له أمرُه، واتَّسعَ لاحتمالِ سوءِ خُلُقِ الخَلْقِ صدرُه، ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، واتِّضاعُك في نفسِكَ أحرى بك مِنْ تطاولكَ على خصمِك بإيثارِ الانتقام، وشهود مالَك من مزيَّة المقام، وأكثرُ النَّاس في أسرِ هذه المحنة.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ وشحُّ النَّفسِ: قيامُ العبدِ بحظِّه، ومَن حُجِبَ عن شهودِ ربِّه، رُدَّ إلى شهود نفسه.
﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ عبادةَ ربِّكم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ شهودَ قدرِكم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: إذا فنيتُم عنكم وعن عملِكم (^٤)، فكفى باللَّه جازيًا لكم (^٥).
_________________
(١) بعدها في (ر): "على".
(٢) في (ر): "مع الخلق" بدل "بعضهم مع بعض".
(٣) في (أ): "بعرض"، وفي "لطائف الإشارات": "تتعرض للوحشة".
(٤) في (ف): "أعمالكم".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
[ ٥ / ٢١٤ ]
(١٢٩) - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أي: ولن تَقدِروا أن تُسوُّوا بين نسائكم في العدلِ في الحبِّ وإنْ جهِدتُم؛ لأنَّ الحُبَّ عملُ القلبِ الذي لا يملِكُه الإنسان.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾؛ أي: لا تَجمعوا بين ميلِ القلوب وميلِ (^١) الأفعال في القَسمِ والنَّفقة.
وقوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ الفاءُ لجواب النهي، وبها نُصِبت "تذروها"، فحُذِفَت النُّون. والمعلَّقةُ: ألَّا تكونَ ذاتَ زوجٍ ولا مطلَّقة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: كالمسجونة (^٢)؛ فإنَّها منكوحةٌ، لا يَصِلُ إليها منافعُ الزَّوج، وليست بأيمٍ يمكنُها أنْ تتزوَّج، أو تعلمُ بأنَّها لا قائم (^٣) بحقِّها، فتتكلَّفُ لإصلاحِ أمورِها.
وروي أنَّ النبيَّ -ﷺ- كان يُطافُ به في مرضِ موتِه على نسائه (^٤)، ويقول: "اللهمَّ،
_________________
(١) في (ف) "وبين ميل".
(٢) لم أقف عليه من قول ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٥١)، ومن طريقه الطبريُّ في "تفسيره" (٧/ ٥٧٤) من قول قتادة. وأخرج الطبري (٧/ ٥٧٣ - ٥٧٤) عن ابن عباس: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ قال: تذروها لا هي أيم ولا ذات زوج.
(٣) بعدها في (ر): "عليها".
(٤) روى البخاري (١٣٨٩)، ومسلم (٢٤٤٣) عن عائشة، قالت: إن كان رسولُ اللَّه -ﷺ- ليتفقَّدُ، يقول: "أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا؟ "؛ استبطاءً ليوم عائشة، قالت: فلمَّا كان يومي قبضَهُ اللَّه بين سَحْري ونَحْري، ودفن في بيتي.
[ ٥ / ٢١٥ ]
هذا قَسمي فيما أملكُ، فلا تؤاخذني فيما (^١) لا أملك" (^٢)؛ يعني: من حبِّ عائشةَ ﵂، وقال النبيُّ -ﷺ-: "من كانت له امرأتان، فمالَ إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحدُ شقَّيهِ مائلٌ" (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا منعتموهنَّ عن صحبةِ أغيارِكم، ثمَّ قطعتم عنهنَّ ما هو حظُّهنَّ منكم، أضررتم بهنَّ مِن وجهين؛ لا منكم نصيبٌ، ولا إلى غيرِكم سبيل، وإن هذا الحيف (^٤) عظيم.
والإشارة فيه أنَّه إذا سُدَّ عليك طريقُ حظوظِك منك، فُتِح عليك شهودُ الحقِّ، ووجودُ اللُّطف؛ فإنَّ مَن كان في اللَّه تعالى تلفُهُ فالحقُّ سبحانه خَلَفُه (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قيل: إن تُصلِحوا ذاتَ بينِكم في حسنِ الصُّحبة.
وقيل: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ أعمالَكم بتركِ كلِّ الميل، وتتَّقوا الجَورَ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾؛ أي: فيما بينكم وبين الخلق، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ أي: فيما بَيْنَكُم وبين الحقِّ، غفرَ اللَّهُ لكم ما سلفَ مِن الجورِ (^٦).
وقيل: غفرَ اللَّهُ لكم ميلَ القلب بالحبِّ، ورحمَكُم فلم يعاقبكم.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "بما".
(٢) رواه أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٣٩٤٣)، وابن ماجه (١٩٧١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه أبو داود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٣٩٤٢)، وابن ماجه (١٩٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (أ) و(ر): "لحيف"، والمثبت موافق لما في "لطائف الإشارات".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٧٠).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٧٠).
[ ٥ / ٢١٦ ]
(١٣٠) - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾؛ أي: وإنْ لم يصطلحِ الزَّوجان على شيءٍ، وتفرَّقا بالخلعِ، أو بتطليقِه إيَّاها، وإيفائِه مهرَها ونفقةَ عدَّتها؛ أغنى اللَّهُ كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبِه، وكفاهُ أمرَهُ بغيرِه.
وقوله: ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾؛ أي: مِن غِناه، وقيل: أي: مِن كمال قدرتِه (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي: غنيًّا. وقيل: أي: قادرًا، يسع قدرتُه إغناءَهما وغيرَ ذلك، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يأمرُ عبادَهُ إلَّا بما هو مصلحةٌ وحكمة.
والواسعُ في صِفةِ اللَّه تعالى يُذكَرُ مِن غير إضافة؛ لأنَّه أبلغ، فإنَّه واسعُ الرِّزق، واسعُ الفضل، واسعُ الرَّحمة، واسعُ القُدرةِ، واسعُ الغِنى، فيَسعُ (^٢) إطلاقه على كلِّ ذلك.
* * *
(١٣١) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وهو بيانُ السَّعةِ المذكورةِ في الآية الأولى، وبيانُ أنَّه قادرٌ على إغنائهما، فلهُ ما في السَّماوات وما في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: أمرنا الكلَّ بتقوى اللَّه، وهو: أنْ تَعبدوه وتُطيعوه، هذه وصيَّةُ اللَّه في الأوَّلين والآخرين، لم يلحقها نسخٌ ولا تَبديل.
_________________
(١) بعدها في (ف): "أغناهما".
(٢) في (أ): "فيقع"، وفي (ر): "فيصح".
[ ٥ / ٢١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾؛ أي: مستغنيًا عن إيمانِ الخلق، وعن كلِّ شيءٍ، ﴿حَمِيدًا﴾ مستَحِقًّا للحمدِ بذاتهِ وصفاتِه وأفعالِه، لا بحَمدِ خلقِه.
* * *
(١٣٢) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: حفيظًا، وقيل: قائمًا بالتَّدبير.
وإنَّما كرَّر ذِكر ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ثلاثًا؛ للبيانِ عن عللٍ ثلاث، يقول: وجَبَتْ طاعةُ اللَّه فيما وصى (^١) به؛ لأنَّ له ملكَ السَّماوات والأرض، وهو غنيٌّ عن كلِّ شيءٍ، حميدٌ بذاتِه، مستَحِقٌّ للحمد؛ لأنَّ له ملكَ السَّماوات والأرض، حفيظٌ لكلِّ شيءٍ، قائمٌ بتدبيرِ كلِّ شيءٍ؛ لأنَّ له ملكَ السَّماوات والأرض، وهو كتكرير قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (^٤).
* * *
(١٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يهلككم.
_________________
(١) في (ف): "أوصى".
(٢) تكررت في سورة المرسلات عشر مرات.
(٣) تكررت في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة.
(٤) بعدها في (ر): "فهل من مدكر". وهذه الآية تكررت في سورة القمر أربع مرات.
[ ٥ / ٢١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾؛ أي: ويخلق قومًا آخرين أطوعَ منكم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أي: على الاستبدالِ، ويجوزُ أنْ يكونَ خطابًا للكفَّارِ، وتخويفًا لهم، ويجوز أن يكون لكلِّ العصاة، وهو كقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].
وقيل: لمَّا نزلت هذه الآية ضربَ النبيُّ -ﷺ- يدَهُ على ظهر سلمان، وقال: "هم قومُ هذا" (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: لا نهايةَ للمقدورات، فإنْ لم يكن عمروٌ فزيدٌ، وإن لم يكن عبدٌ فعبيد، والذي لا بدلَ عنه ولا خلفَ هو اللَّه الواحدُ (^٢) الأحد (^٣).
* * *
(١٣٤) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: من طلبَ بعمله ثوابَ الدُّنيا، لم يَنلْه بإرادتِه وعملِه؛ فإنَّ ثوابَ الدُّنيا والآخرة بيدِ اللَّه تعالى، وهو المعطي، فليَطلب بعَملِه وجهَ اللَّه الذي يملكهُما؛ ليعطيَه إيَّاهما.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ للأقوال، ﴿بَصِيرًا﴾ بالأفعال، وهو وعدٌ ووعيدٌ أنَّه يَجزي كلًّا على وفق عمله.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٨٢).
(٢) بعدها في (أ): "القهار".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٧٢).
[ ٥ / ٢١٩ ]
(١٣٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أكثرُ هذه السُّورةِ في الأمر بالقِسطِ في المعاملات، وهذه الآيةُ في الأمر بالقسطِ في الشَّهادات، ولأنَّه ذكرَ مَن أرادَ بعملِه الدُّنيا، وقد يَمنعُ الشَّاهِدُ شهادةَ الحقِّ لطمعِ الدُّنيا، فوصل لذلك ذلك بهذا.
و﴿قَوَّامِينَ﴾ مبالغةٌ في (^١) قائمين، والقِسْطُ: العدل.
وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ نصبُه مِن ثلاثة أوجه: نعتٌ للقوَّامين، وحالٌ لهم في فعلِ القيام بالقسط، وخبرٌ آخر لـ ﴿كُونُوا﴾؛ أي: قوموا بالعدل، فاشهدوا للنَّاس على النَّاس بما لكم فيه شهادةٌ؛ لوجهِ اللَّه تعالى وتقرُّبًا إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ هذه كلمةُ تأكيدٍ؛ أي: وإن كان ضررُ تلك الشهادةِ عائدًا إليكم.
وقيل: المرادُ مِن الشَّهادة على نفسِه: هو الإقرارُ بما عليه من الحقِّ لخصمِه؛ فإنَّ الشَّهادةَ إخبارٌ محقَّقٌ، والإقرارُ على نفسِه بما عليه من الحقِّ (^٢) إخبارٌ.
وقوله تعالى: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾؛ أي: وإنْ كانت شهادتُكم على آبائِكم وأمَّهاتِكم (^٣) وأقاربكم (^٤)، ولا يَسعكم منعُها حقًّا لهم (^٥).
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) "بما عليه من الحق" من (أ).
(٣) "وأمهاتكم" ليس في (ف).
(٤) في (أ): "وأقربائكم".
(٥) في (ف): "لكم".
[ ٥ / ٢٢٠ ]
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أصلُ الدِّينِ إيثارُ حقِّ الحقِّ على حقِّ الخلقِ، فمَن آثرَ على اللَّه أحدًا؛ والدًا أو ولدًا، أو قريبًا أو نسيبًا، أو ادَّخرَ عنه نصيبًا، فهو عديمُ القِسطِ عن القيام بالقِسط (^١).
قال أبو العالية: نزلَت الآيةُ في رجلٍ مِن الأنصار قال: يا رسولَ اللَّه، إن لي والدًا، وعليه حقٌّ، وأنا مِن الشُّهود، وما يَمنعُني مِن الشَّهادةِ عليه إلَّا أنَّه معسِرٌ، فنزلَت الآيةُ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ قال الأخفشُ: أي: إن يكنْ مَن يُخاصِمُ غنيًّا أو فقيرًا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: أحقُّ بهما فيما اختار لهما من غنًى أو فقرٍ، فلا يحملنَّكم غنى خصمٍ على أنْ تَمنعوا الشَّهادةَ عليه لاحترامه، أو تَشهدوا لهُ بالباطلِ لاحتشامِه، ولا فقرُ فقيرٍ ألَّا تشهدوا له استهانةً به، أو لا تَشهدوا عليه مرحمةً له، أو تَشهدوا له بالباطلِ معونةً له.
وإنَّما قال: ﴿بِهِمَا﴾ على التَّثنية؛ مع إدخال ﴿أَوْ﴾ بين الغنيِّ والفقير؛ لأنَّه قد ذكرَهُما في الجملة، وذكرَ أنَّ اللَّهَ أولى بكلِّ واحدٍ منهما، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ له ثلاثةُ أوجه:
أحدها -وهو قول الفرَّاء-: لِأَن تَعدلوا؛ أي: لا تَتَّبعوا الهوى لتكونوا عدولًا (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٧٢).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٢٦٨).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٩١). قال السمين الحلبي في "الدر المصون" (٤/ ١١٨): وهو ضعيف في المعنى.
[ ٥ / ٢٢١ ]
والثاني: في ألَّا تعدلوا؛ أي: لا تَتَّبعوا الهوى في تركِ العدل، و"لا" مضمرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]؛ أي: لئلَّا تَضِلُّوا (^١).
والثالث: في أنْ تَعدِلوا عن الحقِّ؛ أي (^٢): تَميلوا عنه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾؛ أي: تُحرِّفوا الشَّهادةَ، فتَشهدوا على وجهٍ لا يَصِحُّ وتتعطَّل.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾؛ أي: تتولَّوا عن أدائِها.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: مِن تحريفِ الشَّهادةِ وكتمانِها وأدائها على وجهِها، وهو (^٣) وعدٌ ووعيدٌ بالجزاءِ على وفق العمل.
وقرأ حمزةُ وابنُ عامر: ﴿وإن تَلُوا﴾ بواوٍ واحدةٍ (^٤)، من الوِلايةِ، وهو خطابٌ للقُضاة؛ أي: إنْ (^٥) وليتُم القضاءَ فعدلتُم (^٦) أو أعرضتُم عن العدلِ وملتُم.
وقيل: هو من قولك: وليتُ الشيءَ بنفسي؛ أي: باشرتُه؛ أي: إنْ فَعلتُم شيئًا مِن ذلك، أو تركتم؛ فلا يَخفى على اللَّه قَصدُكم في ذلك.
وقال السُّدِّيُّ: اختصمَ إلى رسول اللَّه -ﷺ- غنيٌّ وفقير، فكان ضِلعُهُ (^٧) مع
_________________
(١) "أي: لئلا تضلوا" ليس من (ف).
(٢) في (أ): "أي". وفي (ف): "أو".
(٣) بعدها في (ر): "من".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٩)، و"التيسير" (ص: ٩٧).
(٥) بعدها في (ف): "كنتم".
(٦) بعدها في (أ): "أي".
(٧) وقع في هامش (أ) ما نصه: "الضلع: الميل".
[ ٥ / ٢٢٢ ]
الفقير، فرأى أنَّ الفقيرَ لا يَظلِمُ الغنيَّ، فأبى اللَّهُ إلَّا أن يَقومَ بالقسط في الغنيِّ والفقير، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (^١).
* * *
(١٣٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ اعترضَ بعضُ الملحِدين على هذه الآية فقال: كيف أمرَ اللَّهُ تعالى أهلَ الإيمانِ بالإيمان؟ وعنه أجوبةٌ:
أحدها: قولُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ نزولَها في مؤمني أهل الكتاب؛ عبدِ اللَّه بن سلام وأصحابه، قالوا: يا رسول اللَّه، إنَّا نؤمنُ بك وبكتابِك، وبموسى وهارون وعزير، ونَكفرُ بما سواهُ (^٢)، وظنُّوا أنَّ ذلكَ القَدْرَ يكفيهم في كمال إيمانِهم، فنزلَت (^٣) الآية، وبيَّنَ اللَّهُ تعالى أنَّ الكفرَ بالبعضِ محبِطٌ للإيمان ببعض، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١].
وجوابٌ آخرُ: قولُ أبي العالية: إنَّ نزولَها في اليهود، كانوا آمنوا بالنبيِّ -ﷺ- قبلَ خروجِه، وكانوا يَستفتحون به، فلمَّا خرجَ كفروا به، فأُمِروا بالإيمان به.
وجوابٌ آخر: قولُ الحسن: إنَّ اللَّهَ تعالى أخبرَ عن اليهود، فقال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ
_________________
(١) انظر: "النكت والعيون" للماوري (١/ ٥٣٥).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٠١) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وهو إسناد تالف.
(٣) بعدها في (ر): "هذه".
[ ٥ / ٢٢٣ ]
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا﴾ الآية [آل عمران: ٧٢]، فتقديرُ الآية على قوله: يا أيُّها الذين آمنوا وجهَ النَّهار، آمِنوا به آخرَ النَّهار.
وجوابٌ آخر: قول مجاهدٍ: إنَّ نزولَها في المنافقين، آمَنوا في الظَّاهر، فأُمِروا بالإيمانِ في الباطنِ مع الإيمان بالظاهر، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
وجوابٌ آخر: قولُ بعض المتأخِّرين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يومَ الميثاق، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآن.
وجوابٌ آخر: قولُ أبي بكر الورَّاق وغيره -وهو الأصحُّ-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الكمالِ والصَّحَّة، اثبتوا على إيمانِكم، ودُوموا عليه (^١)، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، هذا كلُّه أريدَ به الثباتُ على ما كان.
وقريبٌ من هذا القولِ قولُ بعضهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما مضى من الوقتِ، ﴿آمَنُوا﴾ في حادثِ الوقت.
وجوابٌ آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عند رؤيةِ العذاب ﴿آمَنُوا﴾ في حالِ ارتفاعِه؛ فإنَّ الكفَّارَ كانوا إذا وقَعوا في حالةٍ مَخوفةٍ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من حيث البرهانُ ومن حيث البيانُ، ﴿آمَنُوا﴾ من حيث الكشْفُ والعيان.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٧/ ١٤٦).
[ ٥ / ٢٢٤ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تصديقًا، ﴿آمَنُوا﴾ تحقيقًا.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بأنَّ نجاتَكُم بفضلِه لا بإيمانكم.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بأدلَّةِ العقول، ﴿آمَنُوا﴾ إذا أنختُم بساحةِ الوصول، واستمكنَ منكم الحيرةُ وغَلَباتُ الذُّهول، ثمَّ أفقتُم، فآمِنوا أنَّ الذي كان غالبًا عليكم كان شاهدَ الحقِّ، لا صفة (^١) النَّفس؛ فإنَّ الصَّمديَّة ممتنِعةٌ متَقدِّسةٌ عن كل قربٍ وبعدٍ، ووصلٍ وفصل (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: آمِنوا بالقرآن.
قرأ ابنُ كثير وابنُ عامر وأبو عمرو: ﴿نَزَّلَ﴾ على ما لم يُسَمَّ فاعله، والباقون: ﴿نَزَّلَ﴾ (^٣)؛ أي: نَزَّلهُ اللَّهُ تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ فيه قراءتان أيضًا على هذا (^٤)، والمرادُ مِن الكتاب الجنس، وهو جميع الكتب المتقدمة، والإنزالُ: هو بعثُ جبريلَ ﵇ معه مِن السَّماء، والتَّنزيلُ: تفصيلُ الإنزالِ، والقرآنُ كذلك؛ لأنَّه نزلَ مفصَّلًا؛ فلذلك قال في الأوَّل: ﴿نَزَّلَ﴾، وفي الثاني: ﴿أَنْزَلَ﴾ لأنَّ إنزالَ الكتبِ المتقدِّمةِ كان جملةً.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي: مِن الهُدى، وقيل: أي: مِن النَّجاة. ثمَّ إنَّما علَّقَ الضَّلالَ بذلك كلِّه بالواو
_________________
(١) في (ف): "شاهدًا للحق لا لصفة" بدل: "شاهد الحق لا صفة"، والمثبت موافق للمصدر.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٩)، و"التيسير" (ص: ٩٨).
(٤) أي: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: ﴿أَنْزِلَ﴾ على ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: ﴿أَنْزَلَ﴾.
[ ٥ / ٢٢٥ ]
لا (^١) لأنَّ الجمع شرطٌ؛ لأنَّ الكفرَ بكلِّ واحدٍ على الانفراد كفرٌ وضلالٌ، لكن هذه صفةُ قومٍ في زمن النَّبيِّ -ﷺ- كانوا كافرين بذلك كلِّه، فوَصفَهُم اللَّهُ بذلك؛ لأنَّهم كذلك.
* * *
(١٣٧ - ١٣٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال مجاهد: هم المنافقون (^٢)، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، ويتكرَّرَ (^٣) ذلك منهم.
وازديادُ الكفرِ منهم ثباتُهم على الكفرِ (^٤) إلى الموت، وهذا القولُ يؤيِّدُه ما بعدَه: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾.
وقال الكلبيُّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالتَّوراةِ وبموسى، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ مِن بعدِ موسى، ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بعُزير، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعد عزيرٍ بالمسيح، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمَّد ﵊ (^٥).
وقيل: ﴿آمَنُوا﴾ بموسى، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ من بعدِه، ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ مِن بعدِه، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمَّدٍ ﵊ (^٦).
_________________
(١) لفظ: "لا" ليس في (ف). والمثبت هو الصواب.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٩٧).
(٣) في (ر): "وإنما تكرر" بدل: "ويتكرر".
(٤) في (أ): "عليه" بدل: "على الكفر".
(٥) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٣٩٧).
(٦) من قوله: "وقيل آمنوا بموسى" إلى هنا من (أ).
[ ٥ / ٢٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: ليس مِن صفةِ اللَّهِ ﷿ مغفرةُ الكفرِ؛ فقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾؛ أي: سبيلَ الرُّشدِ ما كانوا مختارينَ للكفر.
وقيل: أي: لا يغفرُ لهم إذا ماتوا على الكفرِ، ولا يَهديهم (^١) طريقَ الجنَّة، قال تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
ودلَّت الآيةُ على أنَّ اللَّهَ تعالى قد يَحْرِمُ بعضَ عبادِه الهدايةَ، وهو ردٌّ على المعتزلة في قولِهم: إنَّ اللَّهَ قد هدى الكلَّ.
وقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: ضعْ إخبارَهُم بالعذابِ الأليمِ موضعَ البشارةِ لهم، وهو كقول الشاعر:
وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيلٍ تحيَّة بينِهم ضربٌ وَجيعُ (^٢)
أي: الضربُ بينهم مكان التَّحيَّة.
وقيل: لمَّا نزلَت آيةُ المغفرة للنبيِّ -ﷺ- والمؤمنين، قال عبدُ اللَّه بنُ أبيّ: فما لنا؟! فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية يقول: بَشِّر عبدَ اللَّه بنَ أبيٍّ ومالكَ بن الدُّخْشُم (^٣) وجدَّ بن قيس بأن لهم عذابًا وجيعًا (^٤).
_________________
(١) في (ف): "ليهديهم".
(٢) البيت نسبه سيبويه في "الكتاب": (٣/ ٥٠) لعمرو بن معدي كرب، وهو في "شعر عمرو بن معدي كرب" المجموع (ص ١٤٩)، وقد أورده الأستاذ مطاع الطرابيشي -جامع الديوان- في المختلط من شعر عمرو المنسوب له ولغيره. وقال البغدادي في "خزانة الأدب" (٩/ ٢٦٥): وهذا البيتُ نسبه شراح أبيات "الكتاب" وغيرهم إلى عمرو بن معدي كرب الصحابي، ولم أره في شعره. انتهى.
(٣) في ذكر مالك بن الدخشم هنا نظر، فمالك صحابي أنصاري أوسي، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، قال ابن عبد البر: لا يصح عنه النَّفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه مَا يمنع من اتهامه. واللَّه أعلم. انظر: "الاستيعاب" (٣/ ١٣٥٠)، و"الإصابة" لابن حجر (٩/ ٤٥ - ٤٦).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤١٥).
[ ٥ / ٢٢٧ ]
(١٣٩) - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه صفةُ المنافقين؛ أي: يتولَّون الكفَّار (^١) لا المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾؛ أي: أيطلبون (^٢) عند الكفَّارِ المنَعةَ (^٣)، استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، وكان المنافقون يَقولون: لا يَتِمُّ أمرُ محمَّدٍ، فتولَّوا اليهودَ يطلبون منهم المنَعةَ والنُّصرة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: المنعةُ مِن جميعِ وجوهها (^٤) للَّه، لا يَمنعُ مِن عذابِهِ الذي يُنزِلُهُ بالمنافقين مانعٌ مِن هؤلاء الكفَّار الذين يتولَّونهم، ولأنَّ العزَّة والمنعةَ والغلبةَ إذا كانت له، فهو يُعِزُّ أولياءَه لا أعداءه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: العزَّةُ الأزليَّةُ للَّه تعالى وصفًا، والعزَّةُ الحادثة لأوليائه منه لطفًا (^٥).
وقال في أوَّل هذه الآية (^٦): إنَّ الذين قاموا و(^٧) سقطوا، ثمَّ انتعشوا، ثمَّ عثَروا، ثمَّ ختم بالسوء أحوالهم، أولئك الذين قصَمَتهم سَطَواتُ العِزَّة، وأدركَتْهم شقاوةُ
_________________
(١) في (ف): "الذين يتولون الكافرين".
(٢) في (ر) و(ف): "يطلبون".
(٣) بعدها في (ر): "والنصرة".
(٤) في (ف): "الوجوه".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٧٦).
(٦) في (ف): "الآيات ما معناه" بدل: "الآية".
(٧) في (ف): "ثم".
[ ٥ / ٢٢٨ ]
القسمة، والحقُّ ﷾ لا يَهديهِم لقَصْدٍ، ولا يَدلُّهم على رُشْدٍ، فبَشِّرهُم بالفُرقة الأبديَّة، وأخبِرهُم بالعقوبةِ السَّرمديَّة (^١).
* * *
(١٤٠) - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ قرأ عاصمٌ بفتحِ النُّون والتَّشديد (^٢)؛ أي: نَزَّلَ اللَّهُ تعالى، وقرأ (^٣) الباقون: ﴿نَزَّلَ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعلُه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾؛ أي: إذا جلستُم أيُّها المخلِصون مع المنافقين، وسمعتموهم يَكفرون بالقُرآن ويَستهزؤون به.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾؛ أي: لا تَمكثو على القعود عندهم حتَّى يشرعوا في كلامٍ غيرِ الكفرِ والاستهزاء بالقرآن.
والخوضُ: هو الشُّروعُ، وأصلُه الخوضُ في الماء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾؛ أي: إذا مكثتُم معهم فأنتم مثلُهم في الوزرِ، ولم يُرِد به التَّمثيلَ مِن كل وجهٍ؛ فإنَّ خوضَ المنافقين فيه كفرٌ، ومكثُ هؤلاء معهم معصيةٌ، وأرادَ به أنَّهم يَأثمون به إثمَ المعصية.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٧٥).
(٢) في (ر): "وتشديد الزاي" بدل: "والتشديد".
(٣) "قرأ" ليس من (أ).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٩)، و"التيسير" (ص: ٩٨).
[ ٥ / ٢٢٩ ]
والمرادُ بقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو ما نزلَ بمكَّة في سورةِ الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وكان ذلك في ابتداءِ الأمر حين لم يكنِ الأمرُ بالقتالِ واردًا، ولمَّا نزلَت هذه الآيةُ وكانوا إذا خاضوا في ذلك قامَ المُخلِصون، فعَلِم المنافقون بذلك، فكانوا يُكثِرون الخوضَ فيه قصدًا إلى تفريقِهم، فنزلَ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩]؛ أي: ما على المخلِصين المؤاخذةُ والمحاسبةُ في القيامةِ بخوض المنافقين، ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ (^١)؛ أي: ذكِّروهم وعِظُوهم، ولا تقوموا عنهم، وكان ذلك ناسخًا للأوَّل، ثمَّ نسخَ هذا بآية القتال؛ أنَّهم إذا سمِعوا مِن ذلك شيئًا قتَلوهم، ولم يتركوهم.
ووجهُ اتِّصالِ هذا بالأوَّل أنَّ العزَّةَ للَّه، وهو المعِزُّ دينَهُ وأولياءَه، وقد أعزَّكُم، فكنتم بحيث لا يمكِنْكم أنْ تمنَعوهم عن خوضِهم، ثمَّ صِرتُم تقتلونَهم وتستأصلونَهم، وهو بالعزَّةِ التي أعطاكُم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ سوَّى بين المنافقين وبين الكافرين (^٢) المجاهرين أنَّهم مخلَّدون في العذابِ (^٣) أجمعين.
* * *
(١٤١) - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
_________________
(١) بعده في (ر): "لعلهم يتقون".
(٢) وقع في هامش (أ): "نسخة: الكفار".
(٣) في (ف): "النار".
[ ٥ / ٢٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ يجوزُ نعتًا للمنافقين المذكورين في قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾، ويجوزُ مبتدأ، وخبره: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ (^١).
و﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾؛ أي: يرتقبون بكم، ويَنتظرون عاقبةَ أمركم إذا غزوتُم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: فتحُ بلادِ الأعداء وغنيمةٌ.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: قد خَرَجْنا معكم لغزوِ (^٢) الأعداءِ. فطَلبوا سهائم الغنيمة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظٌّ مِن الغلبةِ على المسلمين.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ الاستحواذُ: الاستيلاء، قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩].
وقيل: أي (^٤) الغلبةُ، وأصلُه من: حاذَ يَحوذُ حوذًا؛ أي: حاطَ يحوطُ حوطًا.
وقيل: أي ضمَّ يَضُمُّ ضمًّا.
واستحوذ بناءٌ خرجَ على الأصل، ولم يُغَيَّر، كقولهم: استعان واستبان، ومعناه: قال المنافقون للكفَّار: ألم نستَوْلِ عليكم؟ أي: أحطنا بكم؛ يعني (^٥): لحياطتكم وتقويتِكم.
قوله تعالى: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جزمٌ بالعطف على: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ﴾؛ أي:
_________________
(١) بعدها في (ر): "يوم القيامة".
(٢) في (ف): "إلى غزو".
(٣) في (ر): "سهائم الغنائم" بدل: "سهام الغنيمة".
(٤) لفظ: "أي" من (ف).
(٥) في (أ) و(ف): "معنى".
[ ٥ / ٢٣١ ]
ألم نجعلْكُم ممنوعِين من (^١) المؤمنين؛ أي: محفوظين (^٢)؛ أي: ذببنا عنكم بالأسباب من تثبيطِ المؤمنين عن الجهاد وتعويقِهم بأشياء.
قال الكلبيُّ ﵀ (^٣): أي: ألم نخبرْكُم بعورةِ محمَّدٍ وأصحابه -ﷺ ورضيَ عنهم- ونطلِعْكُم على سرائرِهم.
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يقضي بينكم أيُّها الفريقان، فيُدخِلُ المنافقينَ النَّارَ، ويُدخِلُ المؤمنين الجنَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قيل: لن يجعلَ اللَّهُ لليهودِ على أصحاب محمَّدٍ يدًا، وكان كذلك.
وقال ابنُ عبّاسٍ ﵄: لن يجعلَ اللَّهُ للكافرين على المؤمنين حُجَّةً أبدًا (^٤).
وقال الأعمشُ: جاء رجلٌ إلى علي ﵁ فقال: أرأيتَ قولَ اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؟ وهم يقتلونهم في الدُّنيا! فقال: ادْنُ (^٥)، فدنا، فقال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ يوم القيامة ﴿لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (^٦).
_________________
(١) في (أ): "عن".
(٢) في (أ) و(ر): "المحفوظين".
(٣) بعدها في (ر): "أي".
(٤) أورده الواحدي في "البسيط" (٧/ ١٥٩)، ونسبه لابن عباس والسدي، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٠٩٥) (٦١٣٦) عن السدي.
(٥) في (ر): "ادنه".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٠٩ - ٦١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٠٩٥) (٦١٣٥) من طريق الأعمش عن ذر عن يُسيع الكندي.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
وبنحوه قال الحسن، قال: ليس (^١) للكفَّار أن يقولوا للمؤمنين: ما نفعَكم إيمانُكم وطاعاتُكم وقد اشتركنا واستوينا في الحال.
وقيل: أي: لا سبيلَ للكفَّار يومَ القيامة على المؤمنين بدفع شهادتِهم عليهم للأنبياء.
* * *
(١٤٢) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾؛ أي: يُخادعونَ أولياءَ اللَّه وهم المؤمنون، فأضافَ خداعَهم إلى نفسِه؛ تشريفًا لهم، وهو مجازيهم (^٢) على ذلك، وقد كشفنا عن حقيقتِه، وبيَّنَّا الأقاويلَ فيه في سورةِ البقرة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ جمع كسلان، كالسُّكارى جمعُ سكران، والكسلُ: هو التَّثاقلُ عن الشَّيء؛ لمشقَّتهِ على النَّفسِ (^٤) وضعف الدواعي إليه، وهو خلاف (^٥) النشاط: وهو الإسراعُ إلى الشَّيءِ لخفَّته على النَّفس وقوَّةِ الدَّواعي إليه، وكسلُهم لأنَّهم لا يَعتقدون وجوبَها، ولا يَعرفون فضلَها.
وقوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾؛ أي: إنَّما يقومون إليها إراءَةً للمسلمين (^٦).
_________________
(١) في (أ): "أليس"، وليس في (ف).
(٢) في (ف): "مخادعهم".
(٣) عند تفسير الآية (٩) منها.
(٤) في (ف): "نفسه".
(٥) في (أ): "بخلاف".
(٦) في (ف): "للناس".
[ ٥ / ٢٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: باللِّسانِ دون الاعتقاد.
وقيل: أي: بما يُجهَر في الصَّلاة دون ما يُخَافَتُ بها.
وقال الحسن: أمَا واللَّه، لو كان ذلك القليلُ لوجه اللَّه لكان كثيرًا، يقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، ويقول: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠].
* * *
(١٤٣) - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يقال: ذَبذبَهُ فتَذبذَبَ؛ أي: جعلَه مُضطربًا فاضطرب، قال النابغةُ:
ألم ترَ أنَّ اللَّهَ أعطاكَ سُوْرَةً تَرى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتذبذبُ (^١)
والذَّبذبُ: الذُّؤابةُ، سُمِّيَت به لتحرُّكِها، والذَّباذِب: أسافلُ الثوب لذلك (^٢).
وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين ذينك (^٣)، كما مرَّ في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ هو تفسيرُ المذبذبين؛ أي: متردِّدين متحيِّرينَ، لا إلى المسلمين بالكُلِّيَّةِ ظاهرًا وباطنًا، ولا إلى الكفَّار كذلك.
_________________
(١) انظر: "ديوان النابغة الذبياني" (ص: ٧٣). قال شارحه: السَّوْرَةُ: المنزلةُ الرفيعة. وقوله: يتذبذب، أي: يتعلَّقُ ويضطربُ. وهذا مثَلٌ، وإنما يريدُ أنَّ منازلَ الملوك دون منزلته، فكأنَّهم متعلِّقون دونه.
(٢) "لذلك": زيادة من (أ).
(٣) في (ق): "الفئتين".
[ ٥ / ٢٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: ومن يخذله اللَّهُ، فلن تَجِدَ له سبيلًا؛ أي: يا محمَّد، فلن تجد له طريقًا (^١) إلى الهدى؛ بما أضلَّهُ اللَّهُ باختيارِهِ الضَّلال (^٢).
* * *
(١٤٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الحسين (^٣) بن الفضل ﵀: أي: لا تَصنعوا أيُّها المخلصونَ ما يَصنعُ المنافقون، فقد قال في صفتهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩].
وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: لم تريدون أنْ تجعلوا للَّه عليكم حجَّةً بيِّنةً على أنفسكم بتعذيبِكم والانتقامِ منكم في الدُّنيا والآخرة؟ فقد أخبرَ أنَّه لا يُعذِّبُ إلَّا مَن عصاهُ، وللَّه الحجَّةُ البالغةُ على خلقِه في عمومِ الأحوال مِن غير جعلِ جاعل، غير أنَّه لمَّا نهى عن أمرٍ، وأوعَدَ عليه، فإذا فعله (^٤) فكأنَّه ألزمَ نفسَهُ حجَّةَ اللَّهِ عليه في ذلك (^٥).
* * *
(١٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.
_________________
(١) من قوله: "ومن يخذله اللَّه" إلى هنا من (ف).
(٢) من قوله: "وقوله تعالى ومن يضلل اللَّه" إلى هنا ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "الحسن". والمثبت من (أ)، هو الصواب.
(٤) في (ف): "فعل".
(٥) في (أ): "وذلك" بدل من "في ذلك".
[ ٥ / ٢٣٥ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ الدَّرَكاتُ إلى أسفل، كالدَّرجاتِ إلى أعلى، والواحدُ درَكٌ ودَرْك بالفتح والسكون.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ (^١) بالسكون، والباقون بالفتح (^٢).
أخبر أنَّهم ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾؛ أي: الطبقِ الأسفلِ من النَّار، وهو أشدُّ عذابًا، ولذلك قال ﷾ خبرًا عمَّا يقول الكافرون في النار: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩].
وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: المنافقون في الدَّرك الأسفل من النَّار، في توابيتَ مِن حديدٍ مطبقةٍ عليهم (^٣)، وهذا لأنَّ كفرَهم أفحشُ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾؛ أي: مانعًا من عذابِ اللَّه.
* * *
(١٤٦) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ استثنى التَّائبين منهم، ترغيبًا لهم في الرُّجوع، قوله: ﴿تَابُوا﴾؛ أي: رجَعوا عن النِّفاق بالإخلاص، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسَدوا مِن الأعمال، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ اعتقدوا أنَّ العاصمَ هو اللَّهُ تعالى مِن المكاره، فلا يَعتصِمون بالخلق بعد هذا، كما كانوا يفعلونه قبل هذا، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ عن (^٤)
_________________
(١) في (ف): "قراءة عاصم غير حمزة والكسائي" بدل: "وقرأ حمزة والكسائي وعاصم".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٣٩)، و"التيسير" (ص: ٩٨).
(٣) رواه الطبري: (٧/ ٦٢٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٠٩٨) (٦١٥٣).
(٤) في (أ): "من".
[ ٥ / ٢٣٦ ]
الرِّياء ونحوه، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: في الثَّواب والدرجات، لا في العقابِ والدَّرَكات.
وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ جمعَ الكلَّ في الوعدِ بإيتاءِ العظيم مِن الأجر.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ (^١): ﴿تَابُوا﴾ ورجَعوا عن نفاقِهم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ فاسدَ أحوالِهم وأخلاقِهم، ﴿وَاعْتَصَمُوا﴾ باللَّه وتبرَّؤوا مِن حولِهم وقوَّتِهم، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ شاهدوا المنَّةَ للَّه عليهم، حيث هدَاهم، وعن نفاقِهم نجَّاهم.
وقيل: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ باستدامة التوفيق، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ رأوا نجاتَهم بفضلِ اللَّه تعالى، لا بفعلِ (^٢) أنفسهم على التحقيق.
قال: لم يَشترِط كلَّ هذه الشرائط في غيرهم، ثمَّ قال: ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولم يقل: هم المؤمنون، وقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٣) ولم يقل: يؤتيهم (^٤)، مع صلاحِهم بعدَ فسادِهم؛ لفحش ما كان مِنهم، وقد (^٥) أنشدوا:
العذرُ مبسوطٌ ولكنه شتَّانَ بين العُذْرِ والشُّكْرِ (^٦)
وقيل: إنَّ فُحشَ كفرِهم مِن ثلاثةِ أوجه: سعيهِم في إفسادِ ضعفَةِ المسلمين بالتَّشكيك، وكونِهم طلائعَ الكفَّار في إطلاعِهم على سرائرِ أهلِ الإخلاص والتَّوحيد، وتردُّدِهم بين الحالين مِن غير ثباتٍ على شيءٍ ولا تحقيق.
_________________
(١) بعدها في (ف): "إن الذين".
(٢) في (أ): "بفضل".
(٣) "أجرًا عظيمًا": زيادة من (أ).
(٤) في (ف): "يذكر توبتهم" بدل: "يقل: يؤتيهم".
(٥) في (ف): "قال و".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
[ ٥ / ٢٣٧ ]
(١٤٧) - ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى الجحود؛ أي: لا يعذِّبُكم، ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾؛ أي: آمنتم باللَّه تعالى وشكرتُم له بالطَّاعة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾؛ أي: يَجزيكُم على شكرِكم.
وقيل: الشُّكر مِن اللَّه تعالى: قَبولُ اليَسير مِن العمل، وإعطاءُ الكثيرِ من الثَّواب، وقوله: ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا بصنيعِكم، وبقدرِ جزائِكُم على أعمالِكُم.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ نعمَهُ (^١)، ﴿وَآمَنْتُمْ﴾؛ أي: صدَّقتُم بأنَّ نجاتَكم باللَّه لا بشكركم، والشُّكرُ مِن العبد: شهودُ النِّعمةِ مِن اللَّه، والإيمانُ: رؤيةُ اللَّهِ في إعطاءِ النِّعمة، فكأنَّه قال: إنْ شاهدتُم النِّعمةَ مِن اللَّه، ثمَّ لم يَقطعْكُم شهودُ النِّعمةِ عن شهودِ المنعمِ.
قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ حقيقةُ الشكر: هو الثَّناءُ على المحسنِ بذكرِ إحسانِه، فالعبدُ يَشكرُ اللَّهَ؛ أي: يُثني عليهِ بذكرِ إحسانِه الذي هو نعمتُه عليه، واللَّهُ يَشكُرُ للعبد (^٢)؛ أي: يُثني عليه بذكرِ إحسانِه الذي هو طاعتُه له، وقوله: ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: يُثني عليه بطاعتِه، مع علمِه بالكثيرِ مِن أنواعِ معصيتِه (^٣).
* * *
(١٤٨) - ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.
_________________
(١) في (ف): "نعمته".
(٢) في (ف): "العبد".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٨٠).
[ ٥ / ٢٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ ذكرَ في الآياتِ المتقدِّمة إيذاءَ المنافقين للمؤمنين، وذكرَ في هذه الآية إباحةَ التَّظلُّمِ مِن المؤذِين، قال الزَّجاج ﵀: تقديره: لا يحبُّ اللَّهُ أنْ يَجهرَ بالسُّوء إلَّا مَن صارَ مظلومًا، فـ "من" رُفِعَ بفعلِه (^١).
و﴿الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ عند ابن عباسٍ وقتادةَ ﵃: أنْ يدعوَ على ظالمه (^٢).
وعند مجاهد: أنْ يُخبِرَ بظُلم ظالِمِه إيَّاه (^٣).
وعند الحسنِ والسُّدِّيِّ: أن يَنتصِرَ مِن ظالمِه (^٤).
وقال عبدُ الرَّحمن بن زيد: نزلَت الآيةُ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، شتمَهُ رجلٌ بمكَّةَ، فسكتَ عنه مرارًا، ثمَّ ردَّ عليه، فقامَ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فنزلَت هذه الآية (^٥).
وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: نزلَتْ في رجلٍ ضافَ رجلًا بفلاةٍ مِن الأرضِ فلم يضفه.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٢٦).
(٢) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٢٥ - ٦٢٦)، ورواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١٠٠٠) (٦١٦٩) عن ابن عباس.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٢٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٣٠) عن السدي، ورواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١٠١) (٦١٧١) عن الحسن.
(٥) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٠٠)، و"تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٠٣)، والخبر عندهما بنحوه دون نسبة. وأخرج أبو داود في "سننه" (٤٨٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁ نحو هذه القصة دون ذكر نزول الآية.
[ ٥ / ٢٣٩ ]
وقالوا: هذا فيمن نزلَ في موضعٍ لا (^١) يجد مأوًى غيرَهُ، ولا طعامًا يشتريه، أو لا ثمنَ عنده، فإذا نزلَ على قومٍ فلم يُضيِّفوهُ فقد ظلموهُ، فله أن يَشْكُوَ منهم.
وقرأ الضَّحَّاكُ وزيدُ بنُ أسلم وابنُ أبي إسحاق وسعيدُ بنُ جُبير ويَعلى بنُ حكيم: (إلا من ظَلَم) بفتح الظَّاء واللام على الفعل الظاهر (^٢)، وعلى هذا معنى: ﴿إِلَّا﴾: لكن؛ أي: لكن (^٣) مَن جهر بالسُّوء فقد ظلم، وفيه أنَّ ﴿الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ (^٤) لا يكونُ مباحًا، وعلى الإطلاق يكونُ حرامًا، ومن فعلَهُ فهو ظالمٌ.
وقال الضَّحَّاكُ: هو مردودٌ على قوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فإنَّه يُعَذِّبهُ ثم قال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: على كلِّ حال (^٥).
وأمَّا قراءةُ العامة: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ على (^٦) ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فالاستثناءُ على الحقيقة، وفيه إباحةُ التَّظلُّمِ والدُّعاء على الظَّالم، وسُمِّيَ جهرًا بالسُّوء مع أنَّه مباحٌ؛ لأنَّه جزاءُ السُّوء، فسُمِّيَ به، وهو كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال الحسن: لا يَدعو على ظالِمِه بالهلاك والعقوبة، لكن يقول: اللهمَّ استخرِجْ حقِّي منه، اللهمَّ حُل بينَه وبينَ ما يريدُ بي مِن السُّوء (^٧).
_________________
(١) في (ف): "لم".
(٢) انظر القراءة في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ٣٦) و"المحتسب" لابن جني (١/ ٢٠٣)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٢/ ١٢٩).
(٣) بعدها في (ف): "كل".
(٤) "فقد ظلم، وفيه أن: ﴿الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ " ليس من (ف).
(٥) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٥/ ٩٢).
(٦) بعدها في (ف): "فعل".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٢٦).
[ ٥ / ٢٤٠ ]
وقال ابنُ كيسان: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ يعني: المشركَ الظالم؛ فإنَّه يَستحِقُّ الشَّتمَ والجهرَ به.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾؛ أي: يَسمعُ ما يُجهَرُ مِن بالسُّوء مِن القول (^١)، ويَعلم ما يُقصَد به؛ أنَّه للتَّعصُّب في الدِّينِ، أو للتَّشفِّي، أو للانتقامِ بالباطل.
وقيل: أي: ﴿سَمِيعًا﴾ لدعاءِ المظلوم، ﴿عَلِيمًا﴾ (^٢) بفعل الظَّالم.
* * *
(١٤٩) - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قيل: هو إحسانُ القول فيمن جفاه (^٣)، والإخفاء: هو إحسان النية في حق من آذاه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ هو التَّجاوزُ عمَّن ظلمَهُ في دنياه وعُقباه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾؛ أي: اقتدِ بفعل اللَّه؛ فإنَّه كثيرُ العفوِ عن عباده، مع قدرته على عقوبتِهم.
وقيل: هو وعدٌ للعافي عن ظالِمه بعفوِ اللَّه عنه.
وقال الكلبيُّ ﵀: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أي: إن تبدوا حسنةً، كُتِبت عشرًا، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أي: تهمُّوا بها، كُتبت واحدةً كما روي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾؛ أي: طاعةً؛ لتكونوا للنَّاسِ
_________________
(١) في (ر): "من السوء بالقول"، وفي (ف): "سوء القول". بدل: "بالسوء من القول".
(٢) في (ف): "سمعنا دعاء المظلوم وعلمنا" بدل: " ﴿سَمِيعًا﴾ لدعاء المظلوم ﴿عَلِيمًا﴾ ".
(٣) في (أ): "أحفاه"، وفي (ف): "خفاه".
(٤) في (ف): "أراده".
[ ٥ / ٢٤١ ]
قدوةً، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ اكتفاءً بعلمِ اللَّه ﷻ، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ مِن غيركم قهرًا لأنفُسِكم؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ (^١) يعفو عنكم، وهو قادرٌ على أن يبتليكم بما ابتلى به ظالِمَكُم من وبال ظلمكم.
وقال: مَن أحسنَ إليك، فأبدِ إحسانَك إليه جهرًا، ومن كفاك شرَّه، فأخلص له الولاءَ والدُّعاءَ سِرًّا، ومَن أساءَ إليك، فاعفُ عنه كرمًا وفضلًا، فاللَّهُ عافٍ عنك ذنوبَك العِظام، قادرٌ على أن يعطيكَ مِن الفضل والإنعام ما لا تصلُ إليه بالانتصافِ والانتقام (^٢).
* * *
(١٥٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ذكرَ أولًا المجاهرين بالكُفر، ثمَّ المنافقين، ثمَّ ذكر اليهودَ والنَّصارى، كذا قال الكلبيُّ ومقاتل: إنَّها فيهم (^٣)، ووصفَهم بالكفرِ باللَّه تعالى؛ لأنَّ كفرَهُم ببعضِ أنبيائه وكتبِه كفرٌ به؛ لأنَّه ردٌّ لقولِه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لمَّا أضافهم اللَّه تعالى إلى نفسِه بأنَّهم رسلُه، وهم أنكروا رسالةَ بعضِهم، فقد فرَّقوا بقطعِ هذه الإضافة بينَهم وبينَ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ هم لا يقولون بهذه
_________________
(١) في (أ): "فإنه"، وفي (ف): "فاللَّه" بدل: " ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
(٣) في "تفسير مقاتل" (١/ ٤١٨) أنها في اليهود؛ لأنَّهم كفروا بعيسى وبمحمد صلى اللَّه عليهما.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
اللَّفظة، لكنَّ اليهودَ يُصدِّقون بموسى وهارون وعزير، ويُؤمنونَ بالتَّوراةِ، ويَكفرونَ بعيسى والإنجيل، وبمحمدٍ والقرآن، والنَّصارى يَكفرون بمحمَّدٍ والقرآن، فرجعَ ذلك إلى هذا القولِ معنى.
وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أي: دِينًا بينَ الإيمانِ بالكُلِّ والكفرِ بالكلِّ، وهو الإيمانُ بالبعضِ والكفرُ بالبعض، ثمَّ الجمعُ بين هذا كلِّه ليس بشرطٍ لثُبوتِ الكفر، والواو ليس للشركة، بل هو بمعنى "أو".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: يَجحدون اللَّه أصلًا، كالدَّهريَّةِ، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ يعني: أو رسلَه، كالذين يُقِرُّون باللَّه، ولا يَرون إرسالَ الرُّسل، كالبراهمة، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ هو تفسير هذا، قوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أو يقولون هذا، وهو قولُ اليهودِ والنَّصارى.
* * *
(١٥١) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
ثمَّ هذه الآية مبتدأةٌ، وخبرُها مضمَرٌ عند بعضهم في آخرها، وتقديرها: جمعوا المخازي، وعند بعضِهم جوابُه الآيةُ التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾؛ أي: الإيمانُ بالبعض والكفرُ بالبعض لا يجعلُهم مؤمنين مِن وجهٍ، بل هم كفَّار على الإطلاق.
و﴿حَقًّا﴾ نصبُه مِن خمسة أوجه:
أحدها: الذين كفروا أمرًا (^١) ﴿حَقًّا﴾ وهو الإيمان، فيكون مفعولًا بفعل الكُفر.
والثاني: الذين كفروا كفرًا ﴿حَقًّا﴾، وهو على المصدر.
_________________
(١) في (ف): "كفرًا" بدل "أمرًا".
[ ٥ / ٢٤٣ ]
والثالث: الذين كفروا حاقِّين فيه؛ أي: قاصدين له، جادِّين فيه، وهو على الحال.
والرابع: الكافرون بحقٍّ، نُصب بحذفِ الباء.
والخامس: ﴿حَقًّا﴾ قسم بمنزلةِ (^١): وحقِّ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؛ أي: أعددنا، والعتادُ: العُدَّةُ.
* * *
(١٥٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ فسَّرنا ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ في آخر سورة البقرة (^٢)، ثمَّ ذكرَ المؤمنين ومدحَهم (^٣): ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾؛ أي: الثوابَ الموعودَ لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يغفرُ لهم ما تَقدَّمَ مِنهم مِن الكفرِ قبل مجيء محمَّدٍ -ﷺ-، ويَرحمُهم، فلا يؤاخذُهم بذلك.
* * *
(١٥٣) - ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
_________________
(١) بعدها في (ر): "قوله".
(٢) عند تفسير الآية (٢٨٥) منها.
(٣) بعدها في (ف): "قوله تعالى".
[ ٥ / ٢٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ قال مقاتل: أي: كعبُ بنُ الأشرف وفنحاصُ بن عازوراء وأصحابُهما (^١).
وقال عطاء: يعني: بني قريظة والنضير.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: كتابًا مكتوبًا مثلَ الألواحِ المنزَلةِ على موسى صلوات اللَّه عليه.
وقيل: أي: جملةً واحدة، كما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢].
وقيل: أي على كلِّ واحدٍ منهم باسمه، كما قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: هؤلاء خَلَفُ سلفٍ اقترحوا وتحكَّموا على نبيِّهم موسى ﵊ مع ما جاءهم بالألواح المكتوبة ما هو أكبرُ مِن هذا التَّحكُّمِ عليك، وهذا تسليةٌ للنبيِّ -ﷺ-، وذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: عيانًا، وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير، فقالوا جهرةً من القولِ: أرنا اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾؛ أي: العذابُ الهائلُ، وقيل: النَّارُ المحرِقةُ، وقيل: النَّارُ فيها الصَّوت.
وقوله تعالى: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: على أنفسهم بالتَّحكُّمِ على نبيِّهم في الآيات.
وقيل: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: بكفرِهم بموسى بتكذيبه.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤١٩).
[ ٥ / ٢٤٥ ]
ثمَّ لم يكفِهم هذا حتَّى جاؤوا بظلمٍ آخر، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ أي: إلهًا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ قيل: هي الصاعقةُ، سمَّاها اللَّهُ مع توحُّدها (^١): بيِّنات؛ لما فيها من دلائل الوحدانيةِ للَّه تعالى، وصدقِ موسى، وتنبيهِهم على جهلهم، وغير ذلك.
وقيل: كان فيها إماتتُهم وإحياؤهم وأشياءُ أخر، فكانت بيِّنات.
وقال الكلبيُّ وعطاء: هي الآياتُ التسع.
وقوله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: بالتَّوبةِ، ولم نستأصل الكلَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال مجاهدٌ وعطاء: حجَّةً بيِّنةً قويَ بها على أعدائِه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يعني أنَّ الآياتِ التي أتاهُم بها؛ من اليدِ البيضاء، وتقليب العصا حيةً، وفلقِ البحر، كانت آياتٍ ظاهرةً يَعقِلُها كلُّ أحدٍ إن لم يعاند، وأنَّه بيَّن (^٢) أنَّ سؤالَهم الرؤيةَ كان سؤالَ تعنُّتٍ، لا سؤالَ استرشادٍ؛ فإنَّه كان أتى بآياتٍ على رسالتِه، فلم يقبلوها.
وفيه دليلٌ على أن المسؤولَ لا يَلزمُهُ الدَّليل على شهوةِ السَّائل، لكن يَلزمُه أن يأتيَ بما هو دليلٌ في نفسه، ولذلك عاقبَهمُ اللَّهُ تعالى بالصَّاعقة (^٣).
* * *
_________________
(١) بعدها في (ف): "وجمع".
(٢) في (ر): "تبين".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي (٣/ ٤٠٧).
[ ٥ / ٢٤٦ ]
(١٥٤) - ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾؛ أي: ورفعنا الجبل (^١) فوق رؤوسِهم؛ لأخذِ الميثاق عليهم بأخذِ الكتاب والعمل به، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾؛ أي: باب (^٢) إيلياء مطأطئين عند الدُّخولِ رؤوسَكم، ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا﴾ بأخذِ السَّمك يومَ السَّبت، ﴿وَأَخَذْنَا﴾ عليهم بذلك كله عهدًا مؤكَّدًا غاية التأكيد، وقد شرحنا هذه الحوادثَ الثَّلاث في سورة البقرة (^٣).
* * *
(١٥٥) - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾؛ أي: فبنقضهم، و"ما" زائدةٌ، كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد شرحناه.
ثم نقول: فبسببِ نقضِهم هذا الميثاقَ المأخوذَ عليهم، وبكفرِهم بآياتِ التَّوراة، وهو (^٤) تحريفها، أو بكفرهم بالمعجزات التي أوردَها موسى ﵇ عليهم،
_________________
(١) في (ر): "الطور".
(٢) في (أ): "يأت".
(٣) عند تفسير الآيات (٥٨)، (٦٣ - ٦٥).
(٤) في (ف): "وتحريفها" بدل: "وهو تحريفها".
[ ٥ / ٢٤٧ ]
وبقتلهم زكريا ويحيى ﵉، وغيرهما من الأنبياء، مِن غير أنْ يُتصوَّر منهم سببُ استحقاق القتل، وبقولهم: قلوبنا غلف؛ أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجة لنا إلى قول موسى، أو هي في غلافٍ، فلا نفهم ما يُقال = لعنَّاهم، وسخطْنا عليهم، هذا مضمَرٌ فيه، قاله قتادة؛ لدلالة الكلام عليه؛ لأنَّه قال في سورة المائدة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، وكذلك اعتراضُ قولِه تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ دليلٌ على ذلك.
وقال الزَّجَّاج: يتَّصِلُ بهذا قوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾؛ أي: بسبب هذه الأشياء عاقبناهم بذلك، وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بدلًا عن قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ (^١) وترجمةً عنه.
والأول أوجه؛ لتباعدٍ بين الكلامين في هذا الوجه الثاني.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ هو ردٌّ لقولِهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وقد بيَّنَّا وجوهَ ذلك في سورة البقرة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ذكرنا وجوهَه أيضًا في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨].
* * *
(١٥٦) - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قيل: وبكفرِهم بعيسى، والأوَّلُ كفرُهم بالتَّوراة وبمعجزاتِ موسى، فلم يكن تكرارًا.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٢٧).
(٢) عند تفسير الآية (٨٨) منها.
[ ٥ / ٢٤٨ ]
وقيل: معناه أنَّهم كفروا كفرًا بعد كفرٍ، وكفرًا على كفر، فهو تفحيشٌ لحالهم وقولِهم على مريم بهتانًا عظيمًا.
قال الكلبيُّ ﵀: إنَّ عيسى ﵇ استقبلَ رهطًا مِن اليهود، فقالوا: قد جاءَكُم السَّاحر ابنُ السَّاحرة (^١)، فقال عيسى صلوات اللَّه عليه: اللهمَّ العنْ مَن سبَّني وسبَّ والدتي، فمُسِخوا خنازير (^٢).
ورموا أمَّه برجلٍ من الصالحين وهو يوسف بن يعقوب بن ماثان (^٣).
ثمَّ في هذه الآية وجهان:
أحدهما: أنَّه عطفٌ على قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾، ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾، ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾.
والثاني: أنَّه عطفٌ على قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وبما (^٤) ذكر في هذه الآية.
* * *
(١٥٧) - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ أي: وبقولهم، وفي عطفِه وجهان كما قُلنا الآن، ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ معنى الجمع بين الاسمين ما مرَّ في سورة آل عمران (^٥).
_________________
(١) في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٤٠٩) أنهم شتموه وأمه بألفاظ القذف.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٤٠٩)، والخبر فيه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٣) اسمه في "تفسير مقاتل" (١/ ٤٢٠)، و"تفسير أبي الليث" (١/ ٤٠٢): يوسف بن ماثان.
(٤) في (ف): "ومما".
(٥) عند تفسير الآية (٤٥) منها.
[ ٥ / ٢٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وهم لم يعتقدوهُ رسولَ اللَّه، وله وجهان:
أحدهما: أنَّهم قالوه استهزاءً به، كما قالوا لرسولنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦].
والثاني: أنَّهم لم يقولوا: إنَّه رسولُ اللَّه، ولكنَّ اللَّهَ تعالى وصفَه به، وهو كقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ الآية (^١)، هم لم يقولوا ذلك كلَّه، لكنَّ اللَّهَ تعالى وصفَ نفسَهُ بكمالِ القُدرةِ، ثمَّ إنَّهم لم يقتلوه، ولكن ادَّعوا ذلك كذبًا، فاستحقُّوا بذلك عقابَ قاتلِه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ قال الحسينُ بن الفضل ﵀: ما ألقى اللَّه تعالى شبهَهُ على أحدٍ؛ لأنَّ أحدًا لم يستحقَّ ذلك، ولم يصلح لذلك، ولكن معنى: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: خُيِّلَ لهم، فوقعَ عندهم أنَّ ذلك شبيةٌ به، فقتلوه، أو رأوا (^٢) مقتولًا، وكانوا قصَدوا قتلَ عيسى ﵇، فظنوا أنَّ المقتول عيسى (^٣)، فادَّعوه.
وقد بيَّنَّا الأحاديثَ في ذلك، واختلافَ الطُّرق فيها في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
ونذكرُ خبرًا آخر فيه (^٤) لم نذكرهُ ثَمَّ؛ قال عطاء: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أي: ابنُ العجوز، وذلك أنَّ عيسى ﵇ نزلَ على عجوزٍ، فاستضافَها، فقالت: إنَّ
_________________
(١) بعدها في (ر): " ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ ".
(٢) في (أ): "رأوه".
(٣) في (ف): "هو".
(٤) في (ف): "ونحن نذكر خبرًا آخر" بدل: "ونذكر خبرا آخر فيه".
[ ٥ / ٢٥٠ ]
الملكَ يَطلبُ رجلًا مِن قصَّتِه (^١) كذا وكذا، وأنا أُضَيِّفُك على ألَّا أعصيَ الملك، قال عيسى: اكتمي أمري، وأنا أدْعو ربِّي أنْ يَرزُقَك ما تَمنَّين (^٢)، قالت: إنَّ ابني غائبٌ (^٣)، فادعُ ربَّك أنْ يَرُدَّه، فدعا ربَّه، فإذا بالغلام، فقال عيسى: لا تُخبري ابنَك بي، فقالت لابنِها: نزلَ بي ضيفٌ على أنْ أؤمِّنَهُ مِن الملك، قال ابنُها: أين هو؟ قالت: هو (^٤) في الخزانة، فدخلَ، فرأى عيسى ﵇، فقال: قُم إلى الملك، قال عيسى: أحسِن ضِيافتي، وأنا أُعطيكَ ما تُريد (^٥)، قال بسخرية (^٦): إنِّي أريدُ أنْ يُزَوِّجَني الملكُ ابنتَه، فقال: أنا (^٧) لك بذلك، فلمَّا أصبحَ طالبه (^٨) ابنُ العجوزِ بالشَّرط، فقال له: البسْ ثوبَك، وائتِ الملِكَ، وقل له: جئتُك خاطبًا ابنتَك، فأتى الملِكَ خاطبًا، فأمر به فجُلِدَ، فرَجعَ فقال لعيسى ﵇: قُم إلى الملك، فقد عرَّضتني للضَّربِ، فمسَح عيسى الجراحات، فالتأَمَت، واعتبرَ الغلامُ بذلك، فرجعَ إلى الملك، فرأى جراحاتِه ملتئمةً، فهالَهُ ذلك، وقال: أتريدُ ابنتي؟ قال: نعم، قال على أنْ تملأَ هذا البيتَ ذهبًا، فأخبرَ عيسى، فقال: قم، فإنَّه مملوءٌ ذهبًا، وخرج عيسى فتبعَهُ الغلامُ، فلمَّا لحِقَ بعيسى قال: ما جاء بك، قال: لا أوثر على صحبتِك شيئًا، قال عيسى: إنَّ هذا الملكَ قد لحِقَنا، فمَن تشبَّه بي فله الجنَّة، فقال: أنا، فألقى اللَّهُ تعالى عليه شبهَ
_________________
(١) في (ف): "قضيته".
(٢) في (ف): "بما تتمنين".
(٣) بعدها في (ر): "عني".
(٤) لفظ: "هو" من (ف).
(٥) في (ف): "تريده".
(٦) في (أ): "فقال الابن يستخبر به" وفي (ف): "قال فجعل يستسخر به" بدل: "قال بسخرية".
(٧) بعدها في (ف): "أقوم".
(٨) في (أ): "طالب".
[ ٥ / ٢٥١ ]
عيسى، ورفعَ عيسى، فوُجِدَت الصِّفةُ فيه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] الآية.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تَعلَّقَ بعضُ النَّاسِ بهذهِ الآيةِ مِن وجهَين:
أحدهما: في احتمال الغلطِ والخطأ في المشاهدات والمعاينات.
والثاني: في احتمالِ المتواتر مِن الأخبارِ الغلطَ والكذبَ.
وقالوا لمَّا قُتِل ذلك الرَّجلُ - وعندهم أنَّه عيسى، لمَّا كان به (^١) شبهُه، ثمَّ لم يكن عيسى: ما يمنعُ أيضًا أنَّ ما يُشاهَدُ ويُعاينُ هو في الحقيقةِ على غير ذلك.
ثمَّ الخبرُ أيضًا قد تواترَ فيهم بقتل عيسى، وكان (^٢) كذبًا، فما يَمنعُ أيضًا أنَّ الخبرَ المتواترَ يجوزُ أن يَخرجَ (^٣) كذبًا وغلطًا.
قلنا: أمَّا الخبرُ بقتله فإنَّما انتشرَ عن ستَّةٍ أو سبعةٍ، كذا ذُكِرَ في القصَّة، وهذا من أخبار الآحاد عندنا.
وأما التَّشبيهُ فهو تشبيهُ الدَّاخلين على الآخرين؛ لأنَّهم دَخلوا بيتًا هو فيه، فلم يَجدوهُ؛ لأنَّه رُفِعَ، وكان ذلك مِن أعظمِ آياتِه، فلمَّا خرجوا لم يُحِبُّوا أن يخبروا الناسَ بذلك، فقالوا (^٤): قتلناه، فذلك تشبيهٌ منهم لهؤلاء، فلم يكن حجَّةً في دعوى وقوعِ الخطأ في المشاهدات (^٥).
_________________
(١) بعدها في (ف): "من".
(٢) في (ف): "فكان ذلك".
(٣) في (ر): "يكون".
(٤) في (أ) و(ر): "بل قالوا" بدل: "فقالوا".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٠٩ - ٤١١).
[ ٥ / ٢٥٢ ]
فإن قالوا وهو على من حقَّق (^١) إلقاء الشَّبه على غيره: كيف (^٢) يجوزُ هذا والإيمانُ (^٣) بعيسى واجب؟ وإذا وقعَ عندهم أنَّ هذا عيسى، وجبَ عليهم الإيمانُ به، وهذا تخليطٌ وتلبيس.
قلنا: لا يكون هذا عند الدَّعوةِ ورجاءِ الإيمان، فأمَّا حال همِّهم بقتلِه وعلمِ اللَّه منهم أنَّهم لا يؤمنون، فإنَّه يكونُ تأييدًا لرسولِه، وإعجازًا لعدوِّه، فجاز (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال مقاتلٌ وجماعة: أي: اختلفوا في قتله (^٥).
وقوله تعالى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي: مِن قتلِه.
وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ فإنَّهم يَدَّعون قتلَه، وهم شاكُّون فيه؛ فإنَّه بعد قتلِهم ذلك الرَّجلَ كانوا يقولون: إنْ كان هذا عيسى، فأين صاحبُنا؟! وإن كان هذا صاحبَنا، فأين عيسى؟!
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ له وجوه:
أحدها: لم يَتيقَّنوا بقتِله فإنَّهم ادَّعوه، وهم على شكٍّ.
والثاني: ما قتلوه، وهذا نفيٌ مطلقٌ، قوله تعالى: ﴿يَقِينًا﴾؛ أي: هذا النَّفي متيقَّنٌ، ليس فيه شبهةُ القتل.
وقيل: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾؛ أي: وما علموهُ؛ فإنَّه يُستعمَل في العلم لغةً، يقال: قتلتُ
_________________
(١) في (ف): "وهو على ذلك من حقوق".
(٢) في (ف): "فكيف".
(٣) في (ف): "فالإيمان".
(٤) لفظ: "فجاز" ليس في (أ).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٢٠).
[ ٥ / ٢٥٣ ]
هذا الأمرَ يقينًا؛ أي: علمتُ به على (^١) التيقُّن (^٢)، وغلبتُ على معرفتِه، ووَصلتُ إلى غايتِه، بحيث لم يبق فيه اضطرابٌ، كالمقتولِ لا اضطرابَ به (^٣)، قال ذلك الفرَّاءُ (^٤) وجماعةٌ مِن أهلِ الأدب.
وقيل في قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: أي: في صفة عيسى، فإنَّ النَّصارى مختلفون عل مقالاتٍ باطلة؛ أنَّه ابنُ اللَّه، أو اللَّه، أو اللَّاهوت (^٥)، أو النَّاسوت واللَّاهوت، وقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ في هذه المقالات، وما علموا ذلك يقينًا، أو ما قتلوه يقينًا.
* * *
(١٥٨) - ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى السَّماء، وقد فسَّرناهُ، وذكرنا وجوهَه في سورة آل عمران (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ حالَ بينهم وبين عيسى أنْ يَقتلوهُ.
وقيل: أي: منتقمًا مِن اليهود، وقد فعلَ بتسليط استبسيانوس (^٧) الرُّوميِّ عليهم، حتَّى
_________________
(١) في (أ): "عن".
(٢) في (ف): "اليقين".
(٣) لفظ: "به" ليس في (ر). وفي (ف): "فيه".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٩٤).
(٥) قوله: "أو اللاهوت" من (ف).
(٦) عند تفسير الآية (٥٥) منها.
(٧) في (ف): "اشبشيانوس". وسلف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، واسمه ثمة: "ططوس بن اسبسيانوس"، واسمه في "البدء والتاريخ" للمطهر المقدسي (٤/ ١٢٩): "ططوس بن استيانوس".
[ ٥ / ٢٥٤ ]
قَتَل منهم كثيرًا، وقد بيَّنَّاه في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿حَكِيمًا﴾؛ أي: في رفعِه إلى السَّماء حيًّا، وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: تركَ عيسى ﵇ حين رُفِع إلى السماء خُفَّينِ ومِدْرَعةً ووِسادة، وتركَ النبيُّ -ﷺ- إزارًا غليظًا وكساءً ووسادةً مِن أدم (^١).
* * *
(١٥٩) - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: وما مِن أهلِ الكتابِ أحدٌ، وهذا مضمرٌ، إلَّا ليُصَدِّقنَّ به، أو إلا من ليؤمننَّ (^٢) به قبل موته، وهو كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، قاله الزَّجَّاج (^٣).
و﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ في الكنايتين وجوه:
قيل: هما يرجعان إلى عيسى ﵇؛ أي: يؤمنُ بعيسى بعدَ نزولِ عيسى إلى الأرض قبلَ موت عيسى. قاله ابنُ عبَّاس وسعيدُ بن جُبير ومقاتلٌ وعكرمةُ وأبو مالك والكلبي والحسن (^٤).
_________________
(١) ذكره مقاتل في "تفسيره" (١/ ٤٢١)، ونسب لعائشة القطعة الثانية منه، يعني المتعلقة بنبينا محمد -ﷺ-.
(٢) في (ر): "إلا ليؤمنن"، وفي (ف): "ليؤمنن" بدل: "إلا من ليؤمنن".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٢٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٦٤ - ٦٦٧) عن ابن عباس وأبي مالك والحسن، وقول مقاتل في "تفسيره" (١/ ٤٢١).
[ ٥ / ٢٥٥ ]
قال ابنُ عباس ﵄: إذا بُعِثَ عيسى ﵇ إلى الدُّنيا، آمنَ (^١) به بقيَّةُ اليهود والنَّصارى (^٢).
وقيل: الأولى ترجعُ إلى عيسى، والثَّانية إلى الكتابيِّ، قال محمدُ بنُ الحنفيَّة: تأتي (^٣) لملائكة اليهوديَّ، فيضربون وجهَه ودُبرَه، ويقولون: يا عدوَّ اللَّه، جاءك عيسى نبيًّا مِن عند اللَّه، فكذَّبتَهُ، فيقول: أشهدُ أنَّ عيسى نبيُّ اللَّه وعبدُه، ويأتون النَّصرانيَّ فيَضربون وجهَهُ ودُبُرَه، ويقولون: يا عدوَّ اللَّه، أتاك عيسى نبيًّا، فقلت: إنَّه ابنُ اللَّه، فيقول: أشهدُ أنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولُه (^٤).
وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ ﵄، وقيل له: إنَّا نرى الكتابيَّ يموتُ ولا (^٥) يتكلَّمُ به، فقال: إنْ (^٦) ضُرِبَ عنقُه، أو خرَّ من فوق بيتٍ، أو غرقَ، أو أُحرِقَ بالنَّار، أو أكلَهُ سبُعٌ، لا تَخرجُ روحُه حتَّى يؤمنَ بعيسى (^٧)، لكنَّه لا يَنفعُه (^٨)، ولا يُقبَل منه؛ لأنَّه حالة اليأس.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: يكون عيسى عليهم شهيدًا بتكذيبِ مَن كذَّبهُ وتَصديقِ مَن صدَّقه.
_________________
(١) في (ف): "آمنت".
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٦٦).
(٣) في (ر): "لتأتي".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤١٢) من رواية الكلبي عن شهر بن حوشب عن ابن الحنفية، والكلبي متهم.
(٥) في (أ): "لا" دون واو العطف.
(٦) بعدها في (ف): "من".
(٧) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٦٨)، وانظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٤١٢).
(٨) بعدها في (ر): "إيمان".
[ ٥ / ٢٥٦ ]
وذكر الإمام أبو منصورٍ ﵀ هذين القولين، وقال أيضًا: وقيل (^١): ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: باللَّه، وقيل: بمحمَّدٍ ﵊؛ لأنَّ عيسى ﵇ إذا نزلَ دعا النَّاسَ إلى الإيمان بمحمَّدٍ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ بأنَّه بلَّغَ الرِّسالةَ، وأقرَّ على نفسِه بالعبوديَّة.
وقيل شهيدًا؛ أي: حافظًا.
وقيل: يكونُ محمَّدٌ عليهم شهيدًا.
قال: وهذا كلُّه محتمِلٌ، واللَّهُ أعلم بما أراد (^٢).
* * *
(١٦٠) - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾؛ أي: كانت أُحِلَّت لهم، وكذا هو في حرف ابن مسعود وابن عباس ﵃ (^٣)؛ أي: بسببِ ظلمِهم أنفسَهم بارتكابِ ما نُهوا عنه، ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾، وهو ما ذُكِرَ في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
_________________
(١) "وقيل" ليس من (أ).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٤١٢ - ٤١٣).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٤١٤)، وحرف ابن عباس ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٢/ ١٣٥).
[ ٥ / ٢٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾؛ أي: بصرفِهم ومنعِهم، وهو بطريقين: بالقِتالِ، واستغواءِ الضَّعفَةِ والجُهَّال.
* * *
(١٦١) - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾؛ أي: وبأخذهم، ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: في التَّوراة، ودلَّ على حُرمةِ الرِّبا في كلِّ الأمم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هو أخذُ الرِّشا في الأحكام واستئكالُ أموالِ الأشرافِ بتَحريفِ الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: دون مَن آمن. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الآخرة، مع تحريم الطيِّباتِ وغير ذلك في الدُّنيا.
ومن استدلَّ بالآيةِ على أنَّ الكفَّار مخاطبون بالشَّرائع؛ فإنَّه ذكرَ التَّحريم والنَّهي، فلا حجَّة له فيه؛ لأنَّ الخلاف في العباداتِ، فأمَّا حقوقُ العباد (^١)؛ من أخذِ أموالِهم بالغَصب والسَّرقة والعقود الفاسدةِ، فهم مؤاخذون بأحكامِنا بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
* * *
(١٦٢) - ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "الناس".
[ ٥ / ٢٥٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؛ أي: الثابتون (^١) ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن أهل الكتاب، وهم عبدُ اللَّه بنُ سلام وأصحابُه. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: أصحاب النبيِّ -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: بالقرآنِ والتَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبور.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ يُذكَرُ عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: هذا خطأٌ مِن الكاتب (^٢)، والصحيح: والمقيمون الصلاة، عطفًا على قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾. وهذا لا يجوز؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، فلم يجز وقوعُ الخطأ فيه (^٣) مع حفظ اللَّه تعالى، ولأَنَّه لم يغيِّرهُ الصحابة، ولو وقع الخطأ لم يُظَنَّ بهم تقريرُه وهم القدوة للأمَّة. ولنصبِه وخفضِه وجوه:
أحدها: أنه نصبٌ على المدح، كما في قول الشَّاعر:
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ سُمُّ العداةِ وآفةُ الجُزْرِ
النَّازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيبينَ معاقدَ الأُزْرِ (^٤)
_________________
(١) بعدها في (ف): "وقوله".
(٢) رواه عنها الفراء في "معاني القرآن" (١/ ١٠٦)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ٢٨٧)، وسعيد بن منصور (٧٦٩ - تفسير)، والطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٨٠ - ٦٨١).
(٣) لفظ: "فيه" ليس في (أ).
(٤) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفان، كما في "الكتاب" (٢/ ٦٤)، وهما في "ديوانها" (ص: ٢٩)، ولفظه فيه: "النازلون. . . والطيبين". قال شارح الديوان: ويروى: النازلين والطيبين. ويروى: النازلون والطيبون. قال شارح الديوان في البيت الأول: أي: هم لأعدائها كالسُّمِّ، وهم آفةُ الجزر؛ لأنَّهم ينحرونها للأضياف. وقال: "الطيبين معاقد الأزر" تريد أنهم أعفاء الفروج، والأزر جمع إزار.
[ ٥ / ٢٥٩ ]
والثاني: أنَّه مخفوضٌ، معطوفٌ على قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾، وتقديره: ومن المقيمين الصَّلاة.
والثالث: أنَّه مخفوضٌ، معطوفٌ على الكاف التي في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وتقديرُه: وإلى المقيمين الصلاة، وهم الأنبياء.
وقيل: هو معطوفٌ على "ما"، وهو قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وتقديرُه: وبالمقيمين، وهم الأنبياءُ أيضًا.
وقيل: هم (^١) الملائكة، والصَّلاةُ كانت مشروعةً في كلِّ زمان، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ (^٢) [الأنبياء: ٧٣]، وهي من صفاتِ الملائكة، قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١]، وقال تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] وقال: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ عطفًا على قوله: ﴿الرَّاسِخُونَ﴾.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: المصدِّقونَ بوحدانية اللَّه تعالى، وبكون القيامةِ، وهم مخالفون للمذكورين قبلها أنَّهم كافرون.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ والأوَّلون أعتدنا لهم (^٣) عذابًا أليمًا.
وقال مقاتل: إنَّ عبدَ اللَّه بنَ سلام وأصحابَهُ قالوا للنَّبيِّ -ﷺ-: إنَّ اليهودَ لتَعلمُ أنَّ الذي جئتَ به حقٌّ، وإنَّك مكتوب عندهم في التَّوراة، فقالت اليهودُ للنَّبيِّ -ﷺ-: ليس
_________________
(١) في (ف): "تعم".
(٢) بعدها في (ر): "وإيتاء الزكاة وقيل: هم الملائكة"، وهي مقحمة.
(٣) في (ف): "للكافرين منهم".
[ ٥ / ٢٦٠ ]
كما يقولون، وإنَّهم لا يعلمون شيئًا، وإنهم يُغرونَك ويُحدِّثونَك بالباطل، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (^١).
* * *
(١٦٣) - ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: لمَّا فضح اللَّهُ تعالى اليهودَ بذكرِ ذُنوبهم وعيوبِهم، غضبوا وقالوا: ليس هذا كلام اللَّه، وما أنزلَ اللَّهُ على بشرٍ مِن شيءٍ، فنزلَت هذه الآية.
وبدأ بمحمَّدٍ تشريفًا له؛ لأنَّه أفضلُ الأنبياء وأعظمُهم وإن كان خاتمًا لهم، ثمَّ جعلَ نوحًا ثانيَهُ في الوحي في هذه الآية، وفي أخذ الميثاق في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وإنَّما قدَّمه على سائر الأنبياء؛ لأنَّه أبو البشر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، ولأنَّه أول نذير على الشِّرك، وأوَّل من عُذِّبَ أمَّتُه بردِّهم (^٢) دعوته، ولأنَّه أطولُ الأنبياءِ عمرًا، وأكبرُهم سِنًّا، وجُعِلَت معجزتُه في نفسِه؛ لم تنقُص قوَّتُه، ولم تَسقط سِنُّه، ولم يَبيضَّ شعرُه، مع أنّه عمِّرَ (^٣) ألف سنة ومئتي سنة، ولم يُؤذَ أحدٌ في اللَّهِ إيذاءَهُ، وهو أوَّلُ مَن شُرِعَت له الشَّرائعُ، وسُنَّت له السُّنن.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٢٢).
(٢) في (ف): "برد".
(٣) في (ف): "أن عمره" بدل: "أنه عمر".
[ ٥ / ٢٦١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ ذكرنا (^١) في سورة البقرة (^٢) أنَّ الأسباطَ أولادُ يعقوب.
وقوله تعالى: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ قدَّمَ ذكرَ عيسى ﵇ على أيوب ومَن ذكرَ ﵈ (^٣)، وزمانُه متأخِّرٌ عنهم (^٤)؛ لأنَّ الواوَ ليس للتَّرتيب، ولأنَّ البدايةَ تكونُ بالأهمِّ، وهذه الآيةُ في الإنكار على اليهودِ، وطعنِهم على عيسى؛ فلذلك قدَّم ذكرَهُ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ أخَّره عن ذكرِ سليمان مع وجوده قبله؛ لما قلنا: إنَّ الواوَ ليس للترتيب، ولأنَّه أوفقُ لخواتم الآي.
* * *
(١٦٤) - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا﴾ نصبه من وجوه:
أحدها: بإضمار: أرسلنا؛ لأنَّه بمعنى الوحي، وقد ذُكِرَ ذلك، فدلَّ على هذا المضمر.
والثاني: بحذف "إلى"؛ أي: وأوحينا إلى رُسُل.
والثالث: بالفعل المذكور بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾، وهو كقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].
_________________
(١) في (ر): "قد ذكرنا".
(٢) عند تفسير الآية (١٣٦) منها.
(٣) قوله: "على أيوب ومن ذكر ﵈" من (ف).
(٤) في (أ): "منهم".
[ ٥ / ٢٦٢ ]
والرابع: بالعطف على داود؛ أي: وآتينا رسلًا كُتبًا أُخر.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال الكلبيُّ: أي: سمَّيناهم لك في القرآن، وعرفناكَهم إلى مَن بُعِثوا (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْك﴾؛ أي: لم نسمِّهم لك، فالمسمَّون المذكورون في سورة الأنعام وغيرها، وهي مقدَّمةٌ في النُّزول، وإنْ كانت مؤخَّرةً في الكتابة.
قال ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: لمَّا نزلَت الآيةُ الأولى قالت اليهود: ذكرَ محمَّدٌ الأنبياءَ، ولم يَذكر موسى، فنزلَت هذه الآية: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْك﴾ الآية (^٢).
وسأل أبو ذَرٍّ رسولَ اللَّه -ﷺ-: كم الأنبياء؟ قال: "مئةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفًا" قال: كم الرُّسلُ منهم؟ قال: "ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشر؛ أوَّلُ الرُّسل آدم، وآخرُهم نبيُّكم محمَّدٌ -ﷺ-، وأوَّلُ رسلِ بني إسرائيل موسى، وآخرُهم عيسى، وبينهما ألفُ نبيٍّ؛ أربعةٌ منهم سريانيون، وأربعةٌ مِن العرب؛ هودٌ، وصالح، وشعيبٌ (^٣)، ومحمَّدٌ عليهم الصَّلاة والسَّلام" (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾؛ أي: بلا واسطةٍ، وهو ردٌّ على المعتزلة الذين لا يُثبتون للَّه تعالى كلامًا أزليًّا على الحقيقة صفةً قائمةً بذاته؛ لأنَّه
_________________
(١) انظر: "الوسيط" للواحدي (٢/ ١٤٠).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٧/ ١٩٥).
(٣) في (أ): "شيث".
(٤) رواه ابن حبان في "صحيحه" (٣٦١) مطولًا، والحاكم في "المستدرك": (٤١٦٦)، قال محقق "صحيح ابن حبان": إسناده ضعيفٌ جدًّا. وانظر تتمة تخريجه ثمة.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
أكَّدهُ بالمصدر، وهو لتحقيق الاسم والصِّفة؛ فإنَّ الفعلَ المذكورَ على المجاز لا يؤكَّدُ بالمصدر.
ودلَّت الآيةُ على أنَّ معرفةَ الرُّسلِ واحدًا بعد واحدٍ بأساميهم ليست بشرطٍ لصحَّةِ الإيمان، لكن مِن شرطِه أن يُؤمن بهم جميعًا، ولو كان معرفةُ كلِّ واحدٍ منهم شرطًا لقَصَّ علينا كلَّ ذلك.
* * *
(١٦٥) - ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ﴿رُسُلًا﴾ بدلٌ عن الأوَّل، ﴿مُبَشِّرِينَ﴾؛ أي: بالجنَّة لمن أطاعَ، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بالنَّارِ لمن عصاه.
وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أي: لئلَّا يكونَ لهم الاحتجاجُ، فيقولوا ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ الآية [طه: ١٣٤].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيلُ معرفتِها السَّمعُ لا العقل، وأمَّا الاعتقادات، فإنَّ لزومَها بالعقل، فلا يكونُ لهم الاحتجاجُ؛ إذ في كلِّ شيءٍ مِن خلقه دليلٌ على وجودِه ووحدانيتِه وربوبيَّته (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾؛ أي: منيعًا قادرًا على إعزازِ من أعزَّه، وإذلال من أذلَّه، ﴿حَكِيمًا﴾ بوضعِ كلِّ شيءٍ موضعَهُ.
وقيل: أي: قادرًا على إثابةِ مَن صدَّقَهم وعقابِ من كذَّبَهم.
وقيل: ﴿حَكِيمًا﴾ في إرسالهم وكلِّ (^٢) شيء.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٣/ ٤٢١).
(٢) في (ر): "وفي كل".
[ ٥ / ٢٦٤ ]
(١٦٦) - ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ قال الكلبيُّ ﵀: إنَّ رؤساءَ مكَّة قالوا: يا محمَّد، إنَّا قد سألنا عنك اليهودَ وعن صفتِك، فزعَموا أنَّهم لا يعرفونَك في كتابِهم، فائتنا بمَن يشهدُ لك أنَّ اللَّهَ بعثَك إلينا رسولًا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ إلى قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]، قالوا: نعم يا محمَّد، نحن نشهدُ على ذلك، ولا نجدُ أحدًا يَشهد أنَّك رسولُ اللَّه، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ الآية (^١).
وشهادةُ اللَّه لرسوله (^٢): بما أظهرَ على يدِه مِن المعجزات، وهي شهادةٌ قاطعةٌ، وشهادةُ الملائكة: إقرارُهم بنُبوَّتِه، وفي شهادةِ اللَّه كفايةٌ، وإنَّما قرنَ بها شهادةَ الملائكة؛ تشريفًا لهم، أو على مقابلةِ شهادتِهم بتكذيب الكفَّار، وقد عرفَ النبيُّ -ﷺ- كثرتَهم وشرفَهم عند اللَّه تعالى، فإذا علمَ شهادتَهم له بذلك، كان ذلك تسليةً له وغُنيةً عن شهادةِ الكفَّار.
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قال الزَّجَّاج: أي: أنزلَ القرآنَ الذي فيه علمُه (^٣).
وقيل: أي: أنزلهُ مِن علمِه (^٤).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٧٩) عن الكلبي مختصرًا، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤١٧) عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (ف): "للرسول هي".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٣٤).
(٤) قوله: "وقيل: أي أنزله من علمه" ليس في (أ).
[ ٥ / ٢٦٥ ]
وقيل: أي: أنزلَهُ عالمًا باستحقاقِك الإنزالَ عليك، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقيل: أي: أنزله بما عَلِمَ مِن مصالحِ الخلقِ ومنافعِهم فيه.
وفيه ردُّ قولِ المعتزلة في نفيهم الصفات؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى أثبتَ العلمَ لنفسِه بهذه الآية، وبقولِه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ فسَّرناهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ أي: شاهدًا.
* * *
(١٦٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ هم اليهودُ كفروا بتكذيب محمَّدٍ -ﷺ-، ومَنعوا النَّاسَ عن سبيلِ الحقِّ بقولِهم للعرب: إنَّا أهلُ العلم، وفي كتابنا أن شريعةَ موسى لا تُنسخُ أبدًا، والأنبياءَ لا يكونون إلَّا من ولدِ هارون، وضلُّوا بهذا ضلالًا بعيدًا عن الرُّشدِ وعن كلِّ خيرٍ.
* * *
(١٦٨ - ١٦٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾؛ أي: أنفسَهم بإيرادِها مواردَ الهَلَكة، وظلموا غيرَهم بصدِّهم عن سبيل اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: ليس مِن صفةِ اللَّهِ المغفرةُ لهم ما داموا على الكفر.
[ ٥ / ٢٦٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ بخلاف ما قال في حقِّ المؤمنين: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
وقال عطاء: أي: إلَّا طريق اليهوديَّة الذي هو طريقُ أهلِ جهنَّم.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾؛ أي: في جهنم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أي: كان تخليدُهم في جهنَّم عليه هيِّنًا، فهو قادرٌ على الكمال، لا يَتعذَّرُ عليه شيءٌ، ولا يَخرجُ عن قدرته مقدورٌ، ثمَّ ليس هذا بإجبارٍ على الكفرِ، ولا منعٍ عن الإيمان، لكنَّه خذلانٌ لهم بسبب اختيارِهم ذلك.
* * *
(١٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الباءُ للتَّعديةِ، و"الحق" مفعولٌ به.
وقال الكلبيُّ ﵀: الحقُّ: شهادة أن لا إله إلا اللَّه. وقيل: هو القرآن.
وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا﴾ أي: صدِّقوا.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ قيل: أي: لخيرٍ (^١) لكم، ولأجل خيرٍ لكم.
وقيل: هو نصبٌ على الدُّعاء؛ أي: أصبتُم خيرًا لكم.
وقال قطرب: أي: فآمِنوا يَكُن خيرًا لكم (^٢).
_________________
(١) في (أ): "بخير"، وقوله: "قيل: أي: لخير لكم" ليس في (ف).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٧/ ٢٠٣).
[ ٥ / ٢٦٧ ]
وقال الأخفش: تقديره: اعملوا خيرًا لكم (^١).
وقيل (^٢): فآمنوا إيمانًا خيرًا لكم؛ أي: هو أحمدُ عاقبةً مِن الكفر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: فإن اللَّه غنيٌّ عن إيمانِكم؛ فإنَّ له ما في السَّماوات والأرض وما بينهما.
وقيل: أي: هو قادرٌ على أن يَخسِفَ بكم الأرض، وأنْ يُنزِلَ عليكم من السَّماء العذابَ فإنهما له.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾؛ أي: بمَن يؤمنُ وبمَن يكفر، ﴿حَكِيمًا﴾؛ أي: لا يُسَوِّي بينهما في الجزاء.
وقيل: ﴿عَلِيمًا﴾ بأعمال العبادِ كلِّهم؛ مؤمِنهم وكافرِهم، وعليمًا بجزائِهم، ﴿حَكِيمًا﴾ في جميعِ ما يَحكُمُ به.
* * *
(١٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تَجاوزوا حدَّ الحقِّ، وهو خطابٌ لليهود والنَّصارى جميعًا، وغُلُوُّ اليهودِ في إساءةِ القول في عيسى، بتسميته ولدَ الزِّنى، وغُلُوُّ النَّصارى في مدحِ عيسى، وهو قول اليعقوبيَّة
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٢٦٩).
(٢) بعدها في (ر): "أي".
[ ٥ / ٢٦٨ ]
منهم: عيسى هو اللَّه، وقول النُّسْطُوريَّة منهم: هو ابنُ اللَّه، وقول الملكانية منهم: هو ثالثُ ثلاثةٍ، وهذا كلُّه كفرٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾؛ أي: الصِّدق؛ أي: لا (^١) تُضيفوا إليه الولدَ، ولا تَجعلوا عيسى متَّحدًا بخالقِه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا ابنُ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾؛ أي: بشارتُه التي بشَّر بها مريم أنَّها تَلِدُ غلامًا زكيًّا مِن غير زوج، قال اللَّه تعالى خبرًا عن جبريل ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]، وإلقاءُ الكلام: تبليغُه وإسماعُه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ (^٢) [القصص: ٨٦].
وقيل: كلمته؛ أي: كان وجودُه بكلمتِه (^٣): كن، فكان، وهو قول الحسن وقتادة (^٤).
وقيل: أي: كان يُهتدَى به كما يُهتدَى بكلامِ اللَّه، وهو قولُ الحسينِ بن الفضل ﵀.
وقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ أي: كان (^٥) حياةَ الخلقِ، والكفرُ موتٌ، والإيمانُ حياةٌ، وكان تصديقُه (^٦) واتِّباعه موصولًا إلى هذه الحياة، فكان كالرُّوح التي بها حياةُ
_________________
(١) في (ف): "ولا" بدل: "أي: لا".
(٢) بعدها في (ر): "إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّك".
(٣) في (ف): "بكلمة".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٥٨)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٠٧)، (٧/ ٧٠٣) عن قتادة.
(٥) بعدها في (ر): "به".
(٦) بعدها في (ر): "بعيسى".
[ ٥ / ٢٦٩ ]
النَّفسِ، وسُمِّيَ الوحيُ روحًا، والقرآنُ روحًا؛ لهذا المعنى، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: هذا الإنعامُ على الخلق كان مِن اللَّه ﷿.
وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: بعيسى وسائرِ رسل اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾؛ أي: هم (^١) ثلاثة، ومن قولهم: عيسى ثلاثةُ أقانيم، وهو جوهرٌ واحد، ويقولون: الثلاثة: الأبُ، والابنُ، وروحُ القُدُس.
وقوله تعالى: ﴿انْتَهُوا﴾؛ أي: عن هذه المقالاتِ.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ أي (^٢): يكن خيرًا لكم، أو: اعملوا خيرًا لكم، أو الخيرُ لكم، كما مرَّ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ هذا ظاهرٌ، وقد مرَّ تفسيرُ ذلك مرَّات.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلقًا، وعيسى منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: حافظًا ومدبِّرًا لهما ولما فيهما.
* * *
(١٧٢) - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾؛ أي: لن يأنفَ ولن يَمتنِعَ عن الإقرارِ به، يُعرِّفُهم براءةَ عيسى عمَّا وصفوهُ به، وذلك أنَّ وفدَ (^٤) نجران
_________________
(١) في (ف): "هو".
(٢) بعدها في (أ): "إن".
(٣) مر في الآية السابقة.
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "بني"، والمثبت موافق للمصادر.
[ ٥ / ٢٧٠ ]
قالوا: يا محمَّد لم تَعيبُ صاحبَنا؟ قال: "ومَن صاحبُكم؟ " قالوا: عيسى، قال: "وأيَّ شيءٍ أقول؟ " قالوا: تقولُ: إنَّه عبدُ اللَّهِ ورسولُه، قال: "ليس بعارٍ أنْ يكون عبدًا للَّه"، قالوا: بل هو عارٌ، فنزلَت هذه الآية: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ (^١) الآية (^٢).
وتعلَّقَ المعتزلةُ القائلون بتفضيلِ الملائكة على البشرِ بهذه الآية، وقالوا: إنَّ هذا بمنزلة قول القائل: لا يستنكفُ فلانٌ عن خِدمتي ولا أبوه، ولو قال: ولا عبدُه لم يحسن.
وجوابنا عن ذلك: أنَّ هذا ليس لتفضيل الملائكةِ على البشر، لكنَّه للردِّ على النَّصارى والمشركين؛ فإنَّ النَّصارى قالوا: المسيحُ ابنُ اللَّه، ومشركو العربِ قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّه، فردَّ اللَّهُ على الفريقين، فقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾، وهذا ردٌّ على النَّصارى، ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وهذا ردٌّ على مشركي العرب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ رُفِعَ لأنَّ الفاءَ دخلَتْ (^٣)، فلم يُجزَم على الجزاء، وصار كالابتداء، وقرأ الحسنُ البصريُّ: (فسنحشرهم)، (فنُوفِّيهم)، (ونزيدُهم)، (فنُعذِّبهم) هذه الأربعة بالنُّون (^٤)؛ إخبارًا من اللَّهِ عن نفسه بخطابِ الملوك، وقراءةُ العامَّة بالياء، وهو أحسن؛ لأنَّه قال: ﴿إِلَيْهِ﴾، وقال قبله: ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾، والجمعُ في قولِه: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يرجعُ إلى المعنى، وقولُه: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ توحيدُه لظاهرِ اللفظ، ثمَّ معناه: فإنَّ اللَّهَ سيجمَعُهم يومَ القيامة إلى حكمه؛ فيجازيهِم على استنكافِهِم واستكبارِهم.
_________________
(١) بعدها في (ر): "أَنْ يَكُونَ عَبْدًا للَّهِ".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٤٢٠)، ونسبه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٨٠) للكلبي.
(٣) بعدها في (ف): "على الجزاء".
(٤) انظر: "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ٢١٠)، و"التحصيل" للمهدوي (٢/ ٣٨٤).
[ ٥ / ٢٧١ ]
(١٧٣) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: إذا حشرَهُم ميَّزَ بينهم وبين مخالفيهم، فيوفِّرُ ثوابَ المؤمنين المطيعين في جنَّةِ الخلد، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يُعطيهم زيادةً على الموعود.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾؛ أي: عن عبادته، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تعظَّموا (^١) عن الاعتراف بعبودته (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: وجيعًا في النَّار.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾؛ أي: لأنفسهم، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: سوى اللَّه ﴿وَلِيًّا﴾؛ أي: من يتولَّى كفايتَهم (^٣)، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: مانعًا عقوبتَهم.
* * *
(١٧٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو خطابٌ للكلِّ والبرهانُ: الحُجَّةُ، وهو النبيُّ -ﷺ-؛ أي: جاءَكم حجَّةٌ مِن اللَّه في اعتقادِ ما تَعتقدونهُ، وبطلانِ ما لا يجوزُ أنْ تَعتقدوه من مِلَلِ الكفر.
_________________
(١) في (ف): "تعاظموا".
(٢) في (ر) و(ف): "بعبوديته".
(٣) بعدها في (ف): "من تعذيبهم".
[ ٥ / ٢٧٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾؛ أي: مضيئًا يُبيِّنُ الحقَّ مِن الضَّلال، وهو القرآن.
* * *
(١٧٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ قال ابنُ جُرَيج: أي: تَمسَّكوا بالقرآن (^١). وقيل: أي: امتنعوا باللَّه.
وقوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ قال الكلبيُّ: أي: في الجنَّةِ ونعيمِها، سمَّاها رحمةً؛ لأنَّها تُنالُ برحمته، كما يُسمَّى المطرُ رحمةً، وسمَّى نعيمَها فضلًا؛ لأنَّه بفضلِهِ يُنال.
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: إلى طلبِ رضوانِه طريقًا قيِّمًا.
وقال الإمامُ القشيريُّ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البرهانُ: ما لاحَ في سرائرِهم مِن شواهد الحقِّ، والنُّورُ المبينُ: هو خطابُه الذي في تأمُّلِهم معانيَهُ حصولُ الاستبصار، قوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾ السِّينُ للاستقبال؛ أي: يحفظُ عليهم إيمانَهم في المآلِ، كما أكرمَهم بالعرفانِ في الحال، وقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: يُكرِمُهم بأنْ يَعرِفوا بأنَّ الهدايةَ مِن اللَّه لهم فضلٌ، لا باستحقاقِهم ذلك بطلبِهم وجهدِهم فعلًا (^٢).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٧١٢).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٣٩٥).
[ ٥ / ٢٧٣ ]
(١٧٦) - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أي: يسألونَك، وهذا خطابٌ للنَّبيِّ -ﷺ-، وقد عاد الكلامُ إلى ما يَقتضيهِ أوَّلُ السُّورة؛ ليكون آخرُها مقتضيًا ما اقتضاه أوَّلُها، ويكونَ ما تخلَّلها توكيدًا للكلام بما لا بدَّ منه مِن ترغيبٍ وترهيبٍ وتنبيهٍ.
وقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ إخبارٌ عن سؤاِل مطلقٍ، وتبيَّن (^١) بالجواب أنَّ السؤال عمَّاذا كان، كما قلنا في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ في آياتٍ (^٢) مِن سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وقد فسَّرنا في أول السُّورة (^٣) أنَّ الكلالة في من ماتَ لا والدَ له ولا ولد.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾؛ أي: إنْ هلكَ امرؤٌ؛ أي: مات، وكلمةُ الشَّرط (^٤) تلاقي الفعلَ غالبًا، ويجوزُ أنْ يُذكَرَ الاسمُ معها والفعلُ بعده، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ أي: ابن، ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾؛ أي: للهالكِ وهو الميِّتُ
_________________
(١) في (ف): "ويتبين".
(٢) في (ف): "الآيات".
(٣) عند تفسير الآية (١٢) منها.
(٤) في (ف): "إن الشرطية" بدل: "الشرط".
[ ٥ / ٢٧٤ ]
أختٌ؛ أي: لأبٍ وأمٍّ، أو لأبٍ؛ فإنَّ الأختَ لأمٍّ حكمُها غيرُ هذا، وقد ذكرنا ذلك في آية الميراث في أول السُّورة.
قوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ أي: فرضُها نصفُ تركَةِ (^١) أخيها.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾؛ أي: الأخُ، لو بقيَ وهلكَت الأختُ، فالأخُ يرثُها، ولمَّا أُطْلِقَ عُلِمَ أنَّه يَستحقُّ كلَّ تركتِها بالعصوبة.
والآية نزلَت في طريقِ مكَّة، ورسولُ اللَّه -ﷺ- خرجَ في حجَّة الوداع، فأتاهُ جابرُ بن عبد اللَّه الأنصاري وقال: إنَّ لي أختًا، فكم آخذُ مِن ميراثِها إنْ ماتَت، فنزلَت الآيةُ، وابتدأ بموت الرَّجل (^٢).
ويقال: إنَّ جابرًا قد مات قبلَ أختِه، فورِثَتهُ، وفيه عظةٌ، فرُبَّ متربِّصٍ موتَ غيره وهو يموت قبله.
وقد رويَ خلافُ ذلك، قال مقاتل: مرضَ جابرُ بنُ عبدِ اللَّه بالمدينة، فأتاهُ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- عائدًا، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي كلالةٌ؛ لا والدَ لي ولا ولد، فكيف أصنعُ في مالي؟ فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ الآية (^٣).
ورويَ عنه أنَّه قال: مرضتُ، فأتاني رسولُ اللَّه -ﷺ- يعودُني وأبو بكرٍ الصدِّيقُ ﵁ معه، فوجدني قد أغميَ عليَّ، فتوضَّأ فصبَّ وَضوءَهُ عليَّ، فأفقتُ
_________________
(١) في (ر): "ما ترك" بدل: "تركة".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٢١) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وهو إسناد تالف.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٢٦).
[ ٥ / ٢٧٥ ]
فقلت: يا رسولَ اللَّه، كيف أصنعُ في مالي؟ فكان لي تسع (^١) أخوات، فلم يُجبني حتَّى نَزلَت هذه الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾؛ أي: فإن كانت الأختان اثنتين، ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؛ أي: مِن تركةِ الأخ.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾؛ أي: جمعًا، ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ ترجمةٌ عن الإخوة، ودلَّ على أنَّ الاسمَ يَتناولُ الذُّكورَ والإناث جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: فللأخ منهم مثلُ نصيبِ الأختينِ بالعصوبة، كما في الأولاد.
وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ "أن" مع الفعل مصدرٌ، وتقديرُه: يُبيِّن اللَّهُ لكم الضَّلال، وإذا بيَّنَ الضَّلال فقد بيَّنَ الهُدى؛ إذ هو ضدُّه، وإذا عُرِفَ أحدُهما عُرِفَ الآخرُ بمعرفتِه، فيُجتَنبُ المنهيُّ عنه، ويُقصَدُ المأمورُ به.
وقال عطاءٌ ومقاتلٌ وجماعةٌ: معناه: لئلَّا تَضِلُّوا؛ أي: لا تُخطِئوا (^٣)، و"لا" مضمرٌ، وهو كقول القطاميِّ:
رأينا ما يَرى البُصراءُ فيها فآلينا عليها أن تُباعا (^٤)
أي: ألَّا تباعَ هذه النَّاقةُ، ونظيرُه في القرآن: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
_________________
(١) في (ر): "سبع".
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" (٦٧٢٣)، ومسلم في "صحيحه" (١٦١٦)، لكن ليس فيه ذكر أخوات جابر، وهو مع ذكر الأخوات في "تفسير الطبري" (٧/ ٧١٦).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٤٢٦).
(٤) انظر: "ديوان القطامي" (ص: ٤٠).
[ ٥ / ٢٧٦ ]
[الأعراف: ١٧٢]؛ أي: لئلَّا يقولوا، ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]؛ أي: لئلَّا تميدَ بكم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: واللَّه عالمٌ بكلِّ شيءٍ من مصالحِ عبادِه، فهو تنبيهٌ لهم، ولا يتركُهم سدى، وبيَّن في هذه الآيةِ حكمَ الأختين، ولم يُبيِّن حكمَ الأخوات، وذكرَ في آيةِ أوَّلِ السُّورة حكم البنات (^١)، ولم يُبيِّن حكمَ الابنتين تسويغًا (^٢) للاجتهاد، وتجويزًا للقياس، فاستدلَّ العلماءُ باستحقاقِ الأختين الثُّلثين أنَّ الابنتينِ كذلك، واستدلُّوا باستحقاق البناتِ الثُّلُثين أنَّ الأخواتِ كذلك، وروي (^٣) عن عمر ﵁ أنَّه قال: ما سألتُ النبيَّ -ﷺ- عن شيءٍ (^٤) أكثرَ ممَّا سألتُه عن الكلالة، ثمَّ طعن في صدري بإصبعه، فقال: "لا (^٥) يكفيكَ آيةُ الصَّيف التي في آخر سورة النساء؟ " (^٦).
قال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه دلالةٌ أنْ (^٧) قد يُترَكُ بيانُ ما يُدرَكُ بالاجتهادِ والنَّظر، فيُجتَهدُ فيدرَك؛ لأنَّ عمرَ ﵁ سألَه غيرَ مرَّةٍ عن ذلك، ولم يُبيِّنهُ، وأشارَ إلى الآية التي فيها ذكرُ ما سألَ عنه، ليَنظُرَ ويَجتهِد؛ ليدرك.
وفيه دليلُ جوازِ تأخرِ البيان؛ لأنَّ عمرَ ﵁ سألهُ غيرَ مرَّةٍ، ولم يُبيِّنه، حتَّى أمرَ بالنَّظر في الآية.
_________________
(١) في الآية (١١) منها.
(٢) في (أ) و(ر): "تسويفًا".
(٣) في (ر): "وقد روي".
(٤) قوله: "عن شيء" ليس في (أ).
(٥) في (ف): "ألا".
(٦) رواه مسلم في "صحيحه" (١٦١٧).
(٧) في (ف): "أنه".
[ ٥ / ٢٧٧ ]
وعن أبي بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه أنَّه قال: الكلالةُ: مَن ليس له ولدٌ ولا والدٌ، وكذلك قال عمرُ ﵁، وقال: إنِّي لأستحيي مِن اللَّه أن أردَّ شيئًا قالَه أبو بكرٍ الصِّديقُ ﵁ (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قطعَ اللَّهُ وتعالى الخصومةَ بينهم في قسمةِ المواريث بما أظهر لهم مِن النَّصِّ على الحكم؛ فإنَّ المالَ محبَّبٌ إلى الإنسان، وجُبلتِ النُّفوسُ على الشُّحِّ، فلو لم ينصَّ على مقاديرِ الاستحقاق تقابلت (^٢) الاجتهادات، وأدَّى ذلك إلى التجاذبِ والخصومات، فقطَعَ الخِصامَ ببيانِ الأقسام، ثمَّ في توريث النِّساء، وإنْ لم يوجدْ منهنَّ الذَّبُّ عن العشيرة؛ دلالةً على (^٣) النَّظرِ لهنَّ لضعفهنَّ، وتفضيلُ الذُّكور عليهن؛ لما عليهم مِن تَحمُّل المؤن، وكذا السَّعيُ والقيامُ عليهنَّ.
وعن البراءِ بن عازبٍ ﵁ أنَّه قال: آخرُ سورةٍ نزلَت كاملةً سورةُ براءة، وآخرُ آيةٍ نزلَتْ خاتمةُ سورةِ النساء ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ (^٤).
وقال السُّدِّيُّ: آخرُ ما نزلَ مِن القرآنِ ثلاثُ آياتٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ (^٥) [التوبة: ١٢٩]، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية (^٦).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٤٣٢). والخبر رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٩١٩١)، وسعيد ابن منصور (٥٩١ - تفسير)، والدارمي في "سننه" (٣٠١٥)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٧٥ - ٤٧٦).
(٢) في (أ): "فقابلت".
(٣) بعدها في (ر): "أن".
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (٦٧٤٤)، ومسلم في "صحيحه" (١٦١٨).
(٥) بعدها في (ر): "لا إله إلا هو".
(٦) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١١/ ١٠٥) (طبعة دار التفسير).
[ ٥ / ٢٧٨ ]
وروى زيدٌ العمِّيُّ عن أبي نَضرة عن ابن عباسٍ ﵄، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ النِّساء أُعطِيَ مِن الأجرِ كأنَّما تَصدَّق على كلِّ مَن ورث ميراثًا، وكان له مِن الأجرِ بقدرِ مَن اشترى محرَّمًا (^١)، وبَرئ مِن الشِّركِ، وكان في مشيئةِ اللَّه تعالى مِن الذين يتجاوزُ عنهم" (^٢).
* * *
_________________
(١) وقع في هامش (أ) ما نصه: "المراد من المحرم العرب الذي يحرم استرقاقه".
(٢) لم أقف عليه من الطريق التي ذكرها المصنف، وزيد العمي هو ابن الحواري، وهو ضعيف، كما في "التقريب". وروى نحوه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩) (طبعة دار التفسير)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٣)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٤٧١) من حديث أبي بن كعب، وفيه ذكر فضائل سور القرآن سورةً سورة، وقد فرقها الثعلبي والواحدي على مواضعها في مطالع السور. قال ابن الجوزي: هذا حديث مصنوع بلا شك. ثم قال بعد الكلام عن طرقه: وبعد هذا فنفسُ الحديث يدلُّ على أنَّه مصنوع فإنه قد استقرأ السور، وذكر في كل واحدة ما يُناسبها من الثواب بكلامٍ ركيكٍ في نهاية البرودة، لا يُناسِبُ كلام رسول اللَّه -ﷺ-. ووقع بعدها في (ر): "واللَّه أعلم"، وفي (ف): "وقد تمت السورة".
[ ٥ / ٢٧٩ ]
سورة المائدة
[ ٥ / ٢٨١ ]