بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلَق الأرضَ والسماوات العُلى، الرحمنِ الذي لا إلهَ إلا هو له الأسماء الحسنى، الرحيمِ الذي هو غفارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدَى.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة طه أُعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين" (^١).
وسورة طه مكيةٌ، وهي مئة واثنتان وثلاثون آيةً، وقيل: أربع وثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون، وقيل: أربعون (^٢).
والاختلاف في إحدى وعشرين آية: ﴿طه﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿مَحَبَّةً مِنِّي﴾ ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ﴿مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ ﴿وَعْدًا حَسَنًا﴾ ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ﴿وَإِلَهُ مُوسَى﴾ ﴿فَنَسِيَ﴾ ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ﴿إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿مِنِّي هُدًى﴾ ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
_________________
(١) موضوع. انظر: "الفتح السماوي" (٢/ ٨٢٥).
(٢) مئة وثلاثون وآيتان بصري، وأربع مدنيان ومكي، وخمس كوفي، وأربعون شامي. انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٨٣).
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
وهي ألفٌ وثلاثُ مئة وخمسٌ وثلاثون كلمةً (^١)، وخمسةُ آلافٍ ومئتان وثلاثةٌ وثمانون حرفًا (^٢).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه ختم تلك السورة بذكر القرآن وتيسيرِه وافتتح هذه بذكر القرآن وإنزاله.
وانتظام السورتين: أنه ذكر في تلك السورة قصصَ الأنبياء وذكر (^٣) فيهم موسى، وذكر أنه من ذرية آدم، وختمها بذكر الموافقين والمخالفين، وذكر في هذه السورة قصة موسى وختمها بقصة آدم ثم بذكر الموافقين والمخالفين.
* * *
(١) - ﴿طه﴾.
وقوله تعالى: ﴿طه﴾: قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع في رواية بتفخيم الطاء والهاء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية عباس الدوري بإمالتهما، وقرأ أبو عمرو في رواية بتفخيم الطاء وإمالةِ الهاء، ونافع في رواية بين الإمالة والتفخيم (^٤).
وأما تفسيره: فقد قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة: معناه: يا رجل، وهي بالسُّريانية، وقيل: بالنَّبَطية (^٥)، وقيل: بلغةِ عَكٍّ (^٦)، قال شاعرهم:
_________________
(١) في المصدر السابق: ألف وثلاث مئة وإحدى وأربعون كلمة.
(٢) في المصدر السابق: خمسة آلاف ومئتان واثنان وأربعون حرفًا.
(٣) "ذكر" ليست في (أ).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٤١٦)، و"التيسير" (ص: ١٥٠).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥ - ٧) عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والحسن. وقوله: بالسريانية، جاء في خبر سعيد بن جبير وقتادة، وقوله: بالنبطية، جاء في خبر ابن عباس وعكرمة والضحاك.
(٦) ممن قال بذلك الكلبي كما نفل عنه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٣٦)، وقاله أيضًا الطبري في =
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
إن السَّفاهة طه من خلائقكم لا قدَّس اللَّهُ أخلاقَ الملاعين (^١)
وقال مقاتل بن حيان: ﴿طه﴾؛ أي: طأ الأرضَ بقدميك، يريد به التهجُّد؛ قالوا: كان النبي -ﷺ- يقوم في الصلاة على أطراف أصابعه، فأُمر أن يطأَها بأخمص قدميه (^٢)، وعلى هذا يكون قوله: (طا) أمرٌ من وَطِئ يطأ، وليِّنت همزته (^٣)، و(ها) كنايةٌ عن الأرض.
وقال القرظيُّ: أقسم اللَّه تعالى بطَوله وهدايته.
وقال جعفرٌ الصادق: أقسم اللَّه تعالى بطهارة أهل بيت رسول اللَّه -ﷺ- كما قال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
_________________
(١) = "تفسيره" (١٦/ ٧) وقد اختار القول السابق ورجحه فقال: والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال: معناه: يا رجل، لأنها كلمة معروفة في عكّ فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل. ثم استدل عليه بالبيت الآتي. والزمخشري أيضًا نسبها لعك مع تعليل لطيف، فقال في "الكشاف" (٣/ ٤٩): إن (طاها) في لغة عكٍّ في معنى: يا رجل، ولعل عكًّا تصرفوا في (يا هذا) كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في (يا): (طا)، واختصروا (هذا) فاقتصروا على (ها).
(٢) البيت في "تفسير الطبري" (١٦/ ٧)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٤٠٤)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٣٦)، و"النكت والعيون" (٣/ ٣٩٢)، و"البسيط" (١٤/ ٣٤٨). وعزاه الماوردي ليزيد بن مهلهل. ورواية عجزه عند الطبري: لا باركَ اللَّهُ في القومِ المَلاعِينِ
(٣) رواه عبد بن حميد كما في "الكاف الشاف" (ص: ١٠٨) عن الربيع بن أنس مرسلًا، ورواه البزار في "مسنده" (٩٢٦) من حديث عليٍّ ﵁، وفي إسناده ضعف. انظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ٥٦)، وفيه: رواه البزار وفيه يزيد بن بلال، قال البخاري: فيه نظر. وكيسان أبو عمر، وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) في (ف): "ولو كان كذلك لثبتت همزته" بدل من "ولينت همزته".
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
وقيل: هو كناية عن: طاهر، وهو اسم اللَّه تعالى.
وقيل: (طا) طوبى و(ها) هاوية، وهو قسَم بالجنة والنار.
وقال سعيد بن جبير ﵁: الطاء افتتاحُ اسمه طاهر وطيِّب، والهاء افتتاح اسمه هادي.
وقيل: هو خطاب النبي -ﷺ- يا طالب الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى اللَّه (^١).
وقيل: الطاء طينتُه، والهاء همتُه، والطينةُ طيبةٌ والهمةُ عاليةٌ.
وقيل: الطاء طاعتُه، والهاء هيبتُه.
وقيل: الطاء تسعةٌ والهاء خمسة، وجملتُها أربعةَ عشر، وهو إشارة إلى تسميته بدرًا، كأنه قال: يا بدرُ ليلة أربع عشرة (^٢).
وقال مجاهد: هو اسم هذه السورة (^٣).
وقال بعضهم: هو اسم القرآن.
وقال الإمام القشيري ﵀: الطاء إشارة إلى طهارة قلبه ﵇ عن غير اللَّه (^٤)، والهاء إلى اهتداء قلبه إلى اللَّه تعالى.
وقال أيضًا (^٥): معناه: طوينا عن سرِّك ذكرَ غيرنا، وهديناك بنا إلينا.
_________________
(١) ذكر هذه الأقوال من قول مقاتل إلى هنا الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
(٢) ذكره الثعلبي أيضًا في "تفسيره" (٦/ ٢٣٧)، وذكر أن ذلك في حساب الجمَّل، وليس فيه: "ليلة أربعة عشرة".
(٣) ذكره البغوي في "تفسيره" (١/ ٥٩).
(٤) في (ف): "إشارة إلى طاعة اللَّه تعالى".
(٥) "أيضًا" ليست في (أ).
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
وقال أيضًا: طاب عيش مَن اهتدى بك (^١).
وقيل: الطاء طلَب الموحِّدين، والهاء هرب الجاحدين، فمَن طلبه وجده، ومَن هرب منه أدركه.
وقيل: الطاء طربُ أهل الجنة بعشرة أشياء، ينادي منادٍ: لكم حياةٌ لا موت بعدها، وصحةٌ لا سقَم بعدها، وشبابٌ لا هرم بعده، وعزٌّ لا ذلَّ بعده، ونعمةٌ لا محنة بعدها، وأمنٌ لا خوف بعده، وفرخ لا حزن بعده، وكرامةٌ لا هوان بعدها، وغَناءٌ لا فقر بعده، وملكٌ لا عزل بعده، وسعادةٌ لا شقاء (^٢) بعدها، والهاء هوانُ أهل النار بعشرة أشياء ينادي بها المنادي، وهي عشرة على قلب هذا (^٣).
* * *
(٢) - ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال ابن عباس ﵄: كان النبي -ﷺ- إذا قام من الليل ربط صدره بحبلٍ كي لا ينام، فأنزلط اللَّه تعالى هذه الآية (^٤).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٤٥).
(٢) في (أ): "شقاوة".
(٣) كل ما ذكر في هذا الموضع من الأقوال التي لا تحتملها اللغة لا تصلح تفسيرًا للآية، وإنما هي أقرب لأقوال أهل الإشارة منها لأهل التفسير، وهي طريقةٌ يعدُّها مَن قَبِلها من العلماء على أنها من بابِ الشيءِ بالشىِءِ يُذْكر، وإلا فللتَّفسير ضوابطُه التي لا يجوز الحيدُ عنها، ولو فُتح هذا البابُ لساغ للباطنيَّة تسويغُ افتراءاتهم الباطلةِ في الآيات القرآنيَّة.
(٤) رواه عن ابن عباس ﵄ ابن عساكر في "تاريخه" (٤/ ١٣٤) من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس، وعبد الوهاب بن مجاهد متروك. وروي نحوه عن مجاهد. انظر: "تفسير مجاهد" (ص: ٤٦٠)، و"تفسير الطبري" (١٦/ ٩)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٧/ ٢٤١٥)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٣٧)، و"الدر المنثور" (٥/ ٥٤٩) عن عبد بن حميد، ولفظه عند الطبري: =
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
وقيل: قام حتى تورَّمت قدَماه، فنزلت (^١).
وقيل: زاد في اجتهاده، فقيل له في ذلك، فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (^٢).
وقال القشيري ﵀: يقول: ليس المراد من وحينا إليك تعبَك، إنما هذا استفتاح طلب (^٣) الوصلة، وتمهيد بساط القُربة (^٤).
وقال ابن عباس ﵄ في رواية: قال له قومه: لقد شقيَ هذا الرجل بربِّه فنزلت الآية (^٥): ﴿لِتَشْقَى﴾؛ أي: لتتعَبَ، كما قال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]؛ أي: تتعبَ بالكسب، وظاهره أنه نزل أمر بالتخفيف (^٦) على نفسه.
ويَحتمِل وجهًا آخر: وهو أن الكفار لمَّا عيَّروه بذلك -أن اللَّه تعالى ألزمه اجتهادًا يشقَى به في دنياه بالتعب والسهر أو أرادوا أن ينفِّروه- أنزل اللَّه تعالى هذا يبين له أنه ليس بشقاءٍ بل هو يَسعدُ (^٧) به، ويقتدي به غيره فيكونُ له مثلُ أجورهم، فيكون هذا أمرًا بالثبات عليه والازدياد منه.
_________________
(١) = ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال: في الصلاة، كقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] فكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.
(٢) ذكره بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٣٧) عن الكلبي. وروى البخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٢٨١٩)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قام النَّبيُّ -ﷺ- حتى تَورَّمَتْ قدماه، فقيل له: غَفَر اللَّهُ لك ما تَقدَّم مِن ذنبكَ وما تأخَّرَ، قال: "أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا".
(٣) انظر التعليق السابق.
(٤) في (أ): "باب"، ولم ترد الكلمة في "اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٤٥).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥).
(٧) في (أ): "أمر بالتخفيف منه"، وفي (ر): "أمرنا بالتخفيف".
(٨) في (ف): "ليس أشقى بل سعد" وفي (ر): "ليس إشقاءً بل إسعاد".
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
وقيل (^١): ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾؛ أي: لتبقى هكذا قليلَ الأصحاب كثيرَ الأعداء، بل ننصرُك، ونقهر أعداءَك، ونُكثر غنائم أصحابك، ونُحْسِن عاقبةَ الكل، ولذلك وصل بهذا قصةَ موسى ﵇: أنه قاسى من فرعون وقومه ما قاسى، ثم كانت له ولقومه النصرةُ والغلبة والفرج والسعادة الكبرى.
وقيل: هذا من الاختصار العجيب (^٢) وجوامع الكلم التي أُوتيَها رسول اللَّه -ﷺ-، فإنه إذا قال: ﴿لِتَشْقَى﴾ -فنفى أن يكون إنزال القرآن عليه للشقاوة- فقد بيَّن أنه كان للسعادة، وهي جامعة لكل مراد، فكأنه قال: أنزلناه عليك لنُسعدك بكلِّ ما تريده وتَرُومُه في الدنيا والآخرة.
* * *
(٣) - ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: أي: ما أنزلناه إلا ليتَّعظ مَن يخشى عقاب اللَّه، فيُقبلَ على اللَّه ويؤمنَ به ويؤدِّيَ ما يلزمه له، وخصَّ الخاشي بذلك وإن كان الإنذار للكلِّ لأنه هو المنتفِع به، وهو كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١].
وقيل: معناه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾؛ أي: لتدوم في العبادة فلا تتفرَّغَ للتبليغ والتذكير، بل أنزلناه لتعمل به (^٣) على وجهٍ لا يمنعك من التبليغ، وعلى هذا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ويحتمل".
(٢) في (ر) و(ف): "اختصار العجب".
(٣) في (ف): "لتدل به"، وفي (ر): "على وجه لتدل به".
[ ١٠ / ٢٥٩ ]