بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي وهبَ لزكريا يحيى على وَهْنِ العظمِ واشتعالِ الرأس من الشيب، الرحمنِ الذي وعد جناتِ عدنٍ عبادَه بالغيب، الرحيمِ الذي أحبَّ عباده (^١) الذين آمنوا وعملوا الصالحات وحبَّبهم إلى خِيَارِ خلقه مع ما بهم من العيب.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورةَ مريم أُعطي عشرَ حسناتٍ بعددِ مَن كذَّب بزكريا وصدَّق به، وبيحيى ومريم وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس عشرَ حسنات، وبعددِ مَن دعا للَّه ولدًا، وبعددِ مَن لم يَدْعُ للَّه ولدًا" (^٢).
وهذه السورةُ مكيةٌ، وهي تسعٌ وتسعون آيةً، وقيل: ثمان وتسعون آية، وقيل: سبع وتسعون آية (^٣).
والاختلافُ في ثلاث آيات: ﴿كهيعص﴾ ﴿فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (^٤).
_________________
(١) "عباده" من (ر).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٠٥)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور.
(٣) تسع وتسعون في المدني الأخير والمكي وثمان في عدد الباقين. انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٨١). ولم يذكر القول الأخير.
(٤) ﴿كهيعص﴾ عدهَا الكوفي ولم يعدَّها الباقون ﴿فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ عدها المدني الأخير والمكي =
[ ١٠ / ١٦١ ]
وكلماتُها تسعُ مئةِ كلمة وستون (^١)، وحروفُها ثلاثة آلاف وثماني مئةٍ وإحدى وستُّون (^٢).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة (^٣): أنه ختم تلك السورةَ بقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ثم بيَّن في أول هذه السورة أنه الكافي على الكمال فلا معنى للإشراك في عبادته وقصدِ غيره لمعونته أو كرامته.
وانتظامُ السورتين في المعنى: أن تلك السورة في ذمِّ المشركين ووعد المؤمنين وإلزامِ الحجة عليهم بقصص الأولين، وختم تلك السورة بوعيد المشركين ووعد المؤمنين، وهذه السورة كذلك.
* * *
(١) - ﴿كهيعص﴾.
وقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾: قال قتادة هي اسم للقرآن (^٤).
وقال جماعة: هي اسمٌ لهذه السورة.
وقال السدي: هي اسم اللَّه الأعظم (^٥).
_________________
(١) = ولم يعدَّها الباقون ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ لم يعدها الكوفي وعدها الباقون. المصدر السابق.
(٢) في (ر) و(ف): "وتسعون"، وفي المصدر السابق: (واثنتان وستون)، ومثله في "تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٠٥).
(٣) كلمة: "وإحدى" من (أ). وفي المصدرين السابقين: (ثلاثة آلاف وثماني مئة وحرفان).
(٤) في (ر) و(ف): "أول هذه السورة بسورة الكهف".
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٢٩)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٥٢).
(٦) ذكره عن السدي القرطبي في "تفسيره" (٤٠٥/ ١٣). وعزاه في "الدر المنثور" (٥/ ٤٧٨) لعثمان ابن سعيد الدَّارمِيّ وابن ماجه وابن جرير عن ابن عباس. وانظر: "تفسير الطبري" (١/ ٢٠٦).
[ ١٠ / ١٦٢ ]
وقال محمد بن كعب: أقسم اللَّه تعالى بكفايته وهدايته ويُمنه وعلوِّه وصدقه (^١).
وقال ابن عباس ﵄ والكلبي ومقاتل والضحاك: هي أسماء اللَّه تعالى: كافٍ هادٍ عالمٌ صادق. وقال سعيد بن جبير: كريمٌ هادٍ، يده مبسوطةٌ بالعدل والفضل، عليمٌ صَمَدٌ (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: في هذه الحروف تعريفُ الأحباب أسرارَ معاني الخطاب، بحروفٍ خصَّ الحقُّ سبحانه المخاطَبَ بها بفَهْم معانيها، فللأغيار سماعُها وذكرُها، وللرسول فهمُها وسرُّها.
قال: وقيل: في الكاف إشارةٌ إلى كتابته الرحمةَ على نفسه قبل كتابة الملائكة الزلَّةَ على عباده.
والهاء تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه، وتعريفِ هويَّته لاستحقاقِ جلال سلطانه، وتعريف هيبته للمؤمن (^٣) وما له عليه من الحق بحكم إحسانه.
والياءُ إشارة إلى يسر نعمه بعد عُسر محنه، وإلى يده المبسوطة بالرحمة للمؤمنين من عباده.
والعين تشير إلى علمه بأحوال خلقه، سرِّه وجهره، قليلِه وكثيره، حالِه ومآله. والصاد إلى أنه الصادق في وعده (^٤).
_________________
(١) لم أقف عليه، وروى الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٥٢) عن ابن عباس ﵄ قال: فإنه قسم أقسم اللَّه به، وهو من أسماء اللَّه.
(٢) انظر هذه الأقوال في "تفسير عبد الرزاق" (١٧٣٠) و(١٧٣١)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٤٤٣ - ٤٥٢)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٠٦)، و"الدر المنثور" (٥/ ٤٧٧ - ٤٧٨).
(٣) في (أ): "وتعريف هيبته للمؤمنين"، وفي (ف): "وتعريف ألوهيته للمؤمن"، وفي (ر): "وتعريف هيئته للمؤمن". ولم ترد هذه الجملة في "اللطائف".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤١٨).
[ ١٠ / ١٦٣ ]
(٢) - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾: قيل: ﴿كهيعص﴾ مبتدأ، وهذا خبره.
وقيل: ﴿كهيعص﴾ كلام تامٌّ، ثم معناه: هذا ذكر رحمة ربك، كقولك: هذا ذكر سرِّ (^١) فلان بن فلان، وهذا بيان ذكر رحمة اللَّه زكريا.
وهو نبي اللَّه زكريا بن ماثان، قاله ابن عباس ﵄ (^٢)، وزكريا بن يوحنا قاله مقاتل.
* * *
(٣) - ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.
ثم بيَّن ذلك بقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: أي: دعا وناجى، وكان ذلك في الصلاة كما قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] وهو أبلغُ في التضرع.
وقوله تعالى: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ عن الخلق، وهو أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء.
وقيل: أخفى ذلك حياءً من الناس وتوقِّيًا أن يلامَ على سؤال (^٣) الولد وهو ابنُ خمس وثمانين سنة.
* * *
(٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
_________________
(١) في (أ): "شراء"، وفي (ر): "سرا".
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (٢/ ٣٦٧).
(٣) في (أ): "سؤاله".
[ ١٠ / ١٦٤ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾: أي: ضعُف، وهو نهاية الضعف فإن العظم أشدُّ ما في البدن، وإذا انتهى الضعفُ إليه فهو غاية الضعف.
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾: أي: الْتَهبَ، يعني: عمَّ الشيبُ رأسي كالنار تشتعلُ في الحطب فتنتشر فيه، وهو مجاز.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾: أي: قد عوَّدْتَني الإجابة أبدًا، فلم تكن تُشقيني قط بالردِّ إذا دعوتُك، وتقول العرب: سَعِد فلانٌ بحاجته: إذا ظَفِر بها، وشَقِي: إذا خاب ولم ينَلْها، ولأن الشقاء هو التعب؛ قال تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]، ومَن سعى لشيء فلم يدركه ظهر له التعبُ، وإذا أدركه زال تعبُه.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾: لقيتُ بضعفي عن خدمتِك ما لا أحبُّه (^١)، ولا قوة بعد الشيب، فهب لي ولدًا ينوب عني في عبادتك (^٢).
* * *
(٥) - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾: المولى: ابن العم والعصَبة، وجمعه: الموالي.
_________________
(١) في (أ): "لقيت لضعفي عن خدمتك على ما أحبه"، وفي (ف): "بقيت بضعفي عن خدمتك عليّ ما لي حيلة"، وفي (ر): "تفتت لضعفي عن خدمتك علي ما لي جنة". والمثبت من "اللطائف"، وزاد: (فطعنت فى السنّ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤١٩).
[ ١٠ / ١٦٥ ]
و﴿مِنْ وَرَائِي﴾ قال أبو عبيدة: أي: من جهة الموت الذي هو قدَّامي؛ قال الشاعر:
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميمٌ والفَلاةُ ورائيا (^١)
أي: خِفْتُ عصَبتي الذين هم موجودون الآن ألَّا يقوموا مقامي في الدِّين بعد موتي، كأنه لم ير فيهم من الخِلال ما يَصلحون لذلك، فسأل من اللَّه تعالى ولدًا صالحًا لذلك.
وقيل: أي: خفتُ بني عمي على الدِّين (^٢) من بعدي، وهم شرارُ بني إسرائيل.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: قيل: أي: ولدًا.
وقيل: أي: من الموالي مَن يصلح لذلك، فإن هؤلاء الموجودين لا يصلحون له.
قال هؤلاء: ولم يسأل ولدًا، فقد قال: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾؛ أي: عقيمًا لا تلد، و(كانت) عبارةٌ عن تقادُم العهد وهو مما لا يزول غالبًا، فكان وصفًا منه لها بذلك للحال أيضًا، فكان لا يطمع في الولد منها، وإنما سأل عصَبةً تصلُح له.
واستدلوا بقوله لمَّا بُشِّر به: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ وهو تعجُّبٌ منه، ولو كان استوهَبَ الولدَ ثم بشِّر بذلك لم يستعظِمْه.
قالوا: فدل على (^٣) أن معنى قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾؛ أي: مولًى، فإن المولى والوليَّ واحد.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢)، ونسب البيت فيه لمساور بن حمئان من بني ربيعة، ونسب في "الكامل" للمبرد (٢/ ٢٦٨)، و"الأضداد" للأصمعي (ص: ٢٠)، لسوار بن المضرَّب.
(٢) في (ف): "الذين" بدل: "على الدين".
(٣) "على" ليست في (ف).
[ ١٠ / ١٦٦ ]
والأكثر على أنه سأل الولد، وقوله تعالى: ﴿وَلِيًّا﴾؛ أي: ولدًا هو وليٌّ من أوليائك.
* * *
(٦) - ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾: قال ابن عباس والحسن والضحاك: يرث المال (^١).
وقال أبو صالح: يرث النبوةَ (^٢).
وقال السدي ومجاهد والشعبي: يرثُني المال ويرثُ من آل يعقوب النبوة.
وقد روي: "إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمَن أخذه فقد أخذ حظًا وافرًا" (^٣)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] إلى أن قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، ويدلُّ عليه أنه وهب له يحيى وهو لم يرثِ المال وإنما ورث العلم.
ومعنى وراثة النبوة: أنه يصلُح لها بأن يوحَى إليه، ولم يُرِدْ أن نفس النبوة تورثُ بغير وحي.
_________________
(١) لم أقف عليه، وانظر التعليق الآتي.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٥٨) بلفظ: (يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة). وبهذا اللفظ رواه الفريابي عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٤٨٠)، وهكذا أيضًا رواه داود بن أبي هند عن الحسن كما في "معاني القرآن" للنحاس (٤/ ٣١١). لكن هذا كله يعارض ما رواه البخاري (٦٧٢٨)، ومسلم (١٧٥٧) من حديث أبي بكر ﵁: "لا نورث، ما تركنا صدقة"، وانظر كلام ابن كثير عند هذه الآية، وكذلك ما سيأتي من كلام المؤلف.
(٣) رواه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، من حديث أبي الدرداء ﵁.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قيل: هو والد يوسف ﵉، لأن زكريا كان تزوج أخت مريم بنت عمران، وهي ترجع بنسبها إلى يعقوب، لأنها من ولد سليمان بن داود، وداود من ولد يهوذا بن يعقوب، ثم زكريا نفسه من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوة في سبط يعقوب.
وقيل: هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان، وكان آل يعقوب أخوالَ يحيى بن زكريا، وهذا قول الكلبي ومقاتل (^١).
وقال الكلبي: كان بنو ماثان رؤوسَ بني إسرائيل وملوكَهم، وكان زكريا رأسَ الأحبار يومئذ، فأراد أن يرث ولدُه حبورتَه، ويرثَ هو أيضًا من بني ماثان مُلكَهم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾: قيل: هو بمعنى فاعلٍ؛ أي: راضيًا عنك وراضيًا بتقديرك.
وقيل: هو بمعنى مفعول؛ أي: مرضيًّا عندك.
وقيل: أي: مرضيًّا في أمَّته لا يُتلقى بتكذيبٍ ولا تسخُّطٍ لِمَا يأتي به.
وقيل: مرضيًّا عندهم لا يُعاب بشيء، ولا يُنسَب إلى عيب.
وقال القَفَّال: فيه بيانُ أنَّ مَن أراد أن يَسأل اللَّه تعالى حاجةً ما توجَّب (^٣) أن يبلغ ما أَمكن بلوغه من إخلاص المسألة والانقطاعِ بالرغبة إليه، وتأكيدِ أسباب التضرع
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٢٣)، وقول الكلبي في "تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٠٦). وذكره عنهما أيضًا الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٥٦).
(٢) ذكره بتمامه الفخر الرازي في "تفسيره" (٢١/ ٥١١). وذكر أوله الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٥٦)، والواحدي في "البسيط" (١٤/ ١٩٧).
(٣) "ما توجب" من (أ).
[ ١٠ / ١٦٨ ]
بإظهار الفاقة والعجز عن نيل ما يريد إلَّا بفضل اللَّه تعالى، ألا ترى أن اللَّه تعالى أخبر عنه أنه دعاه دعاءً خفيًّا في صلاته، وهي أقربُ أحوال العبد إلى ربه، ثم أظهر العجز عن نيل الوليِّ بكِبَر سنه ووَهْن عظمه وعُقْر امرأته، وما يخاف من ردِّ اللَّه تعالى إياه من مصير ميراث النبوة ورئاسةِ العلم في الأباعد منه، ثم توسَّل إلى اللَّه تعالى بما عوَّده من الإجابة في كلِّ ما كان يدعوه به، وفي ذلك طرف (^١) من الشكر؛ لأنه اعترافٌ بتقدم المنَّة، فينبغي لمن أراد الدعاء أن يقدِّم أمام دعائه هذه المعانيَ وأشباهَها.
* * *
(٧) - ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا﴾: وفيه (^٢) إضمار: فقلنا: يا زكريا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾: وكانت البشارة على لسان جبريل ﵇ كما في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾: أي: قد سميناه يحيى.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾: قال ابن عباس وقتادة والحسن ونوفٌ البِكَاليُّ وابن زيد والسدِّي: لم يسمَّ أحد قبله يحيى (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "طرق".
(٢) "وفيه" زيادة من (أ).
(٣) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٤٠٧) وصححه، وابنُ أبي شيبة في "المصنف" (٣١٩٠١)، كلاهما من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٦٢ - ٤٦٣) عن قتادة والسدي وابن زيد وابن جريج. وعن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٣٧).
[ ١٠ / ١٦٩ ]
وقيل: أي: سميناه يحيى قبل أن نخلقه، وسائر الأنبياء إنما سماهم آباؤهم وأمهاتهم بعد ولادتهم، فخصَصْناه (^١) بتسميته إياه وبتسميته قبل خلقه.
وقال قطرب: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾؛ أي: نظيرًا ومثْلًا.
وقال ابن عباس ﵄: لم تلد قبله العواقرُ ولدًا (^٢).
وقيل: سمي يحيى لأنه به حَيِي به عُقرُ أمه.
وقيل: لأن اللَّه تعالى أحيَى قلبه باليقين.
* * *
(٨) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: أي: كيف؟ وقيل: أي: من أين؟ فليس هذا باستعظامٍ ولا تعجيزٍ، بل هو استكشافٌ أنه بأيِّ طريق؟ كما مر في سورة آل عمران.
وقال الحسن: سأل: كيف يُوهب له؟ أيُوهب (^٣) وهو وامرأته على هيئتهما أم يحوَّلان شابين (^٤)؟
_________________
(١) في (ر): "فتخصصنا"، وفي (ف): "فتخصيصًا".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٦١ - ٤٦٢) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وفيه: (مثله) بدل: "قبله". وكذا رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٨١).
(٣) "أيوهب" من (أ).
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٣٩١). وذكره مختصرًا يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٢١٥).
[ ١٠ / ١٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: قرأ حمزة والكسائي وحفصٌ عن عاصم بكسر العين، والباقون بضمِّها (^١).
والعُتِيُّ: هو بلوغ نهاية الكبر، وقد عتَا يَعْتُو عُتُوًّا وعِتِيًّا وعُتِيًّا، فهو عاتٍ، وهو الذي غيَّره طول الزمان إلى حال اليبس والجفاف.
وقال أبو عبيدة: كلُّ متناهٍ في كفرٍ أو فسادٍ أو كِبرٍ فهو عاتٍ (^٢).
وقال نفطويه: أراد به بلوغَ العمر الطويل، يقال: ليلٌ عاتٍ؛ أي: طويلٌ.
وقيل: أراد زكريا بهذا: إني مع شدة حاجتي إلى الولد كبيرٌ لا يولد لمثلي، وامرأتي عاقرٌ لا يولد لمثلها، وأنت القادر على ما تشاء، فالْطُفْ لي بالولد كيف شئتَ، وأنت قادر على أن تحوِّلنا شابَّين، وأن تهبَ لنا الولد مع ما بنا، وكان هذا استخبارًا أنه: يولد لهما على هذه الحالة أو بعد الإحالة؟
* * *
(٩) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾: أي: أنت وامرأتُك كما قلتَ.
﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾: خلقُ هذا الولد عليَّ سهل ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: أبدعتُك من قبلِ إخباري إياك عن خَلْق يحيى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾: أي: بشرًا كما أنت الآن، أو هو نفيُ الخَلق عن شيء في الابتداء، فإنَّ ما خَلَق اللَّهُ في الابتداء خلَقه لا من شيءٍ، ثم الآن وإن كان يتراءى خلقُ الولد من نطفةٍ وخلق النبات من حبةٍ (^٣)، لكنَّ الأصل ما قلنا.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٠٧)، و"التيسير" (ص: ١٤٨).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٢).
(٣) في (ر) و(ف): "الحب".
[ ١٠ / ١٧١ ]
ودلت الآية أن المعدوم ليس بشيء، وهو حجةٌ على المعتزلة.
* * *
(١٠) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: أي: علامةً أعلم بها أنه عَلِق؛ لأزيدَ في الشكر ودعاءِ السلامة.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: أي: لا تطيقَ أن تكلِّمَ الناس ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾؛ أي: بأيامها ﴿سَوِيًّا﴾؛ أي: حال كونك سويَّ الأعضاء واللسان لا خرس به (^١) ولا آفةَ ولا ضعفَ ولا سُقم، قاله قتادة (^٢).
وجاء: أنه كان يقدر على القراءة والذِّكر، ويعجز عن كلام الناس.
* * *
(١١) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾: أي: من موضع صلاته.
وقيل: كانت له غرفةٌ يصعد إليها بسلَّم.
وقد بينَّا الأقاويل فيه في سورة آل عمران وبينَّا القصة.
وقيل: كان موضعًا لا يدخلونه إلا بإذنٍ، فاجتمعوا ينظرونه، فخرج إليهم وهو لا يتكلم.
_________________
(١) "به" ليس من (أ).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٤٠)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٦٨)، ورواه الطبري أيضًا عن ابن عباس ومجاهد.
[ ١٠ / ١٧٢ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾: أي: أشار ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾؛ أي: صلُّوا ﴿بُكْرَةً﴾؛ أي: صلاة الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾؛ أي: صلاة العصر، قاله أبو العالية، فيحتمِل أنهم كانوا يصلون معه في محرابه هاتين الصلاتين، وكان يخرج إليهم فيأذَن لهم بالدخول بلسانه، فلما اعتُقل أذن لهم بإشارته.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: كتب على الأرض (^١).
وقال مجاهد: أشار إليهم (^٢). وهو الأشبهُ؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ فإن ذلك لا يكون كتابةً.
* * *
(١٢) - ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾: وأضمَر هاهنا: فوهبنا له يحيى وقلنا له بعد ولادته (^٣) في حال طفوليَّته (^٤): ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ قيل: أي: التوراة.
وقيل: آتاه كتابًا خصَّه به.
﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجدٍّ ومُواظَبة، وأخذُه: قبولُه والعمل به.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾: أي: أعطيناه الذكاء وشدةَ الفهم حال صباه.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٨٣) بلفظ: (كتب لهم)، وبلفظ المؤلف رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٧٢) عن مجاهد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٧١)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٨٣).
(٣) في (ر) و(ف): "ولايته".
(٤) في (أ): "طفولته".
[ ١٠ / ١٧٣ ]
قال معمر: إن الصبيان قالوا ليحيى وهو ابن ثلاث سنين: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للَّعبِ خُلقنا (^١)! فذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾؛ أي: الحكمة (^٢) ﴿صَبِيًّا﴾.
وقيل: ﴿الْحُكْمَ﴾: النبوة.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾: أي: رحمة وشفقة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: لا أدري ما الحنان والرقيم والغسلين (^٣)، ثم روي عنه أنه قال: أُراه التعطُّفَ والرحمة (^٤).
وهذا معطوف على قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ ﴿وَحَنَانًا﴾؛ أي: وعطفًا على العباد وشفقةً.
﴿وَزَكَاةً﴾: أي: طهارةً، وقيل: وتزكية، فإنه من زكاة الزرع وهو نماؤه.
وقيل: ﴿وَحَنَانًا﴾؛ أي: ورحمةً منا له ﴿وَزَكَاةً﴾؛ أي: تزكيةً منا إياه (^٥)؛ أي:
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٤٣)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٧٤).
(٢) "أي: الحكمة" ليس من (أ) و(ف).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٥٥) وزاد: والأواه، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٧٧)، مقتصرًا على لفظ الحنان.
(٤) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٤١٠) وصححه، وعنه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١٤١)، كلاهما بلفظ: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: "التَّعطُّفُ بالرحمةِ".
(٥) في (ر) و(ف): "إليه".
[ ١٠ / ١٧٤ ]
تشريفًا ورفعًا (^١)؛ كتزكيَةِ المزكِّي الشهودَ، وعلى هذا تكون الواو في أوله زائدةً، أو يضمرُ بعده فعلٌ؛ أي: ولرحمةٍ منا عليه وتزكيةٍ منا إياه فضَّلناه بإيتاء الحكم والكتاب في صباه على كثير من الأنبياء.
وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: تعظيمًا (^٢).
وفي حديث ورقةَ بن نوفل حين رأى بلالًا يعذَّب وهو يقول: أحدٌ أحد، أنه قال: واللَّه لئن قتلتُموه لأتّخِذَنَّهُ حنانًا (^٣)؛ أي: لأتمسَّحنَّ به ولأجعلنَّه ممن يعظَّم ويُشهر أمرُه ويجعلُ قبرُه مزارًا.
وقيل -وهو قول قتادة-: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: رحمةً على زكريا استجبنا له وأعطيناه هذا الولد (^٤)، ويتصل بقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾: أي: يحيى ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ وهو أحد وجوه التقوى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾: أي: متكبِّرًا متعظِّمًا على عباد اللَّه.
وقيل: أي: متمرِّدًا على اللَّه.
وقيل: الجبار: الذي لا يرى لأحد على نفسه حقًّا ولا طاعة.
وقال سفيان: الجبار: الذي يَقتلُ على الغضب (^٥)، ومَن قتل اثنين فهو جبَّارٌ
_________________
(١) في (ر): "وترفيعًا"، وفي (ف): "وترفعًا".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٧٧).
(٣) رواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣١٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائده على "الزهد" (٨٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٤٨)، عن عروة بن الزبير.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٧٦) بلفظ: ورحمة من عندنا رحم اللَّه بها زكريا.
(٥) ذكره الثعلبي في "البسيط" (١٤/ ٢١٠) عن الكلبي.
[ ١٠ / ١٧٥ ]
في الأرض؛ قال اللَّه تعالى خبرًا: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ١٩].
وقيل: الجبار الذي يعاقب على غضب نفسه لا على استحقاق الجاني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠].
والعَصِيُّ: المُبالغ في العصيان، وهو مخالفة الأمر.
* * *
(١٥) - ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾: هي كلمة مدح وثناء؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١]، وهو إخبارٌ بطِيب مولد يحيى وحُسن خاتمته وفوزه يومَ القيامة، والمعنى: إن السلامة والطهارةَ والبراءةَ من خلاف الجميل (^١) مقرونةٌ به في أحواله هذه، لم يَجْرِ عليه ما يَدخله عيبٌ ونقصٌ وذم.
وقيل: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أمانٌ له من اللَّه يومَ ولد من أن ينالَه الشيطان ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾؛ أي: وأمانٌ له من فتَّاني القبر ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾؛ أي: وأمان له من العذاب (^٢) يوم القيامة؛ قاله ابن جريرٍ (^٣).
وقال ابن عيينةَ: أوحشُ ما يكون الخلقُ في ثلاثة مواطنَ: يوم وُلد فيَرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيَرى قومًا لم يكن عايَنهم، ويوم يُبعث فيرى نفسه في محشَرٍ عظيم، فأكرمه اللَّه تعالى بالسلامة فيها (^٤).
_________________
(١) في (ف): "والطهارة والبر من الأخلاق الجميلة".
(٢) في (ف): "عذاب".
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٤٨١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٨٢).
[ ١٠ / ١٧٦ ]
قال نفطويه: فهذه فُجاءاتٌ ثلاثٌ لا فُجاءةَ أعظمُ منها فسلَّمه فيها.
* * *
(١٦) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾: وانتظامُ هذه القصة بقصة زكريا ﵇: أن سؤال زكريا الولدَ كان عند مشاهدته حالَ مريم، على ما قال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ الآيةَ ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: في القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾؛ أي: اقرأ عليهم في القرآن قصةَ مريم؛ ليقفوا عليها، ويعلموا ما جرى عليها من ولادة عيسى، فيَعتقدوا ذلك فيَسلموا من شرك النصارى، ويعرفوا قَدْرَ الصلاح والتقوى عند اللَّه ممن كان ذكرًا أو أنثى.
وقوله تعالى: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾: أي: تباعدت.
وقال قتادة: أي: انفردتْ (^١)، وقعدتُ نبذةً؛ أي: ناحيةً.
﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾: أي: قومها الذين هي فيهم (^٢) ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: موضعًا يلي مشرق الشمس.
قال ابن عباس ﵄: إنما اتَّخذت النصارى المشرقَ قبلة وزعموا أنه لو كان شيء من الأرض خيرًا من المشرق لوضعت مريم عيسى به (^٣).
وإنما انتبذت عند بعضهم لأنها عطشت فخرجت إلى المفازة تستقي (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٨٣) بلفظ: انفردت من أهلها.
(٢) في (ف): "منهم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٨٤).
(٤) في (ف): "تستسقي".
[ ١٠ / ١٧٧ ]
وقيل: حاضت وطهُرت، فخرجت من بيتها لتتطهَّر وتمتشِط (^١).
وقيل (^٢): اعتزلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيِّه لتخلوَ للعبادة.
* * *
(١٧) - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾: قال السدي: من الجدران.
وقال ابن عباس ﵄: حجابًا يسترها من الشمس (^٣).
وقيل: حجابًا تستتر به عن الناس في الاغتسال (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾: أي: جبرائيل، قاله الحسن وقتادة والسدي وابن جريج ووهب بن منبه (^٥)، والإضافة للتشريف.
وقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾: أي: تصوَّر لمريم ﴿بَشَرًا﴾؛ أي: آدميًا ﴿سَوِيًّا﴾؛ أي: صحيحَ الأعضاء لتُطيق مريمُ النظر إليه.
وفي القصة: أنها رأت شابًّا صبيحًا عليه ثيابٌ بيض ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ خافت منه وظنَّت أنه رجل يريدها بسوء، وعلمت أنها لا تقدر على دفع ذلك بنفسها فاستعاذت باللَّه.
_________________
(١) في (ف): "لتطهر وتغتسل وتمتشط".
(٢) في (ر) و(ف): "وقد".
(٣) روى القولين الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٨٥).
(٤) في (أ): "للاغتسال".
(٥) ذكره عنهم الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٦٢)، ورواه عنهم -عدا الحسن- الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٨٥ - ٤٨٦).
[ ١٠ / ١٧٨ ]
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾: والتقيُّ يعيذ مَن استعاذ باللَّه، وغيرُ التقي لا ينفع ذلك عنده، وهو كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
* * *
(١٩) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾: أمَّنها مما خافت، وأخبر أنه ليس بآدميٍّ يُخافُ منه، بل هو رسول من اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾: قرأ أبو عمرو ونافع: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ (^١)؛ أي: ليَهَب اللَّه لك؛ أي: أنا مبشِّر لك بذلك، وقرأ الباقون: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾؛ أي: أتسبَّبَ بهبة (^٢) اللَّه لك ذلك، وهو ما كان من نفخه في جيبها بأمر اللَّه ﷿.
وقيل: أضمر القول هاهنا: إنما أنا رسول ربِّك بقولِ اللَّه تعالى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾؛ أي: ابنًا صالحًا طيِّبًا طاهرًا.
وقال عكرمة: كانت مريم تكون في المسجد ما دامت في الطهر، فإذا حاضت تحوَّلت (^٣) إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسحد، فبينا هى تتطهَّر من الحيض عَرَض لها جبريل في صورةِ غلامٍ أمردَ وضيءِ الوجه، فلما رأته مريم قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ الآية (^٤).
_________________
(١) هي قراءة أبي عمرو، وورش عن نافع، والحلواني عن قالون عن نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٨)، و"النشر" (٢/ ٣١٧).
(٢) في (أ): "السبب لهبة"، وفي (ر): "بسبب هبة".
(٣) في (ر): "خرجت".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٠٩)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٢٢٣).
[ ١٠ / ١٧٩ ]
وقال ابن عباس ﵄: ونفخ جبريلُ في جيب درعها فحملت (^١).
وقيل: نفخ من بعيد فوصل أصل (^٢) الريح إلى جسدها.
* * *
(٢٠) - ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾: أي: بالحلال ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾؛ أي: زانية، ولا يكون الولد في العادة إلا من أحدِ هذين الوجهين، فأنَّى يكون لي ولد؛ أي: كيف ومن أين؟ وهو استعظامٌ واستبعاد.
وقيل: هو سؤال وجهُه: أنى يكون: بزوجٍ أتزوَّجه (^٣)، أو يخلق اللَّه تعالى فيَّ ذلك بغير زوج؟
* * *
(٢١) - ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ﴾: أي: قال جبريل: بل هو (^٤) كما قلتِ.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾: أي: خلقُه من غير أبٍ يسيرٌ عليَّ.
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤١٥٦)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٠/ ٨٦)، ورواه ابن عساكر من طريق آخر (٧٠/ ٨١ - ٨٣).
(٢) في (أ): "فوصلت" بدل: "فوصل أصل".
(٣) في (أ): "زوج أتزوجه"، وفي (ف): "أتزوج بزوج".
(٤) "بل هو" ليس في (أ).
[ ١٠ / ١٨٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً﴾: أي: نَهَبُه لك من غير أبٍ لنجعله معجزةً له (^١).
وقيل: أي: نجعل هذا الولدَ اَيةً للناس دالةً على قدرة اللَّه تعالى ووحدانيته.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾: نرحمُ به عبادنا ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾؛ أي: شأنًا كائنًا قضى اللَّه به.
* * *
(٢٢) - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾.
قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾: أي: حملت الولد في البطن بالنفخ ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾؛ أي: تنحَّت بالحمل ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾؛ أي: بعيدًا عن الناس، وقد قصا يَقْصو قَصْوًا فهو قاصٍ وقصيٌّ؛ أي: تباعَدَ، وأقصى (^٢) غيرَه؛ أي: أبعده.
وقيل: أي: انتبذت خوفًا على نفسها من القتل.
وقيل: خوفًا على ولدها لو ولدته فيما بين أظهُرهم.
وقيل: كما حملت أخذها المخاض، ففكَّرت فيما يقول لها الناس فانتبذت.
وقيل (^٣): مكثَتْ بعد الحمل مدةً، واستبان بها الحمل، وقالوا فيها ما قالوا، فتنحَّت (^٤) حينئذ فأخذها المخاض في طريقها.
* * *
_________________
(١) "له" من (أ).
(٢) في (أ): "وأقصاه".
(٣) في (أ): "وقد".
(٤) في (أ): "فانتبذت".
[ ١٠ / ١٨١ ]
(٢٣) - ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾: تعديةُ جاء، وقيل (^١): أي: ألجأها؛ قاله الحسن وقتادة ومجاهد وعكرمةُ (^٢).
والمخاض: وجع الولادة، وحقيقتُه: اضطراب الولد للخروج، وقد تمخَّض؛ أي: تحرَّك.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: أي: أصلِها، وكان يابسًا، وتعريفُ النخلة دليلٌ أنها كانت نخلةً معروفة مشهورة.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾: قيل: لمَّا ضربها (^٣) الطَّلْقُ عِيْلَ صبرُها فتمنَّت الموت، وهذا كلام يستعمله الصالحون عند الشدائد طبعًا -لا تسخُّطًا (^٤) لقضاء اللَّه تعالى ولا تشكِّيًا- فيُعذرون.
وقيل: كرهت مقالة (^٥) الناس وطعنَهم فيها.
وقيل: قالت ذلك شفقةً على قومها أنهم يأثَمون بما يقولون فيها ويعاقَبون عليه.
وقيل: إنما قالت ذلك: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ حتى لا تسمع ما يقولون (^٦): مريم زوجة اللَّه وعيسى ابن اللَّه.
_________________
(١) "تعدية جاء وقيل" ليست في (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٩٣ - ٤٩٤) عن ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة.
(٣) في (أ): "أضربها".
(٤) في (ر) و(ف): "سخطًا".
(٥) في (أ): "قالة".
(٦) بعدها في (أ): "في".
[ ١٠ / ١٨٢ ]
وقال القشيري ﵀: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ قالت: كنت منفردةً للَّه فأخاف أن يتعلق بعضُ قلبي بالولد (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿نَسْيًا﴾ بفتح النون، والباقون بكسرها (^٢)، وهما لغتان، وهو الشيء المتروك كأنه منسيٌّ، قال الشاعر:
كأنَّ لها في الأرض نِسْيًا تَقُصُّه إذا ما غَدَتْ وإنْ تكلِّمْك تَبْلَتِ (^٣)
وقال قُطربٌ: هو الشيءُ ينساه القوم من حَبْلٍ أو إداوةٍ.
وقال يونس: كانوا إذا أرادوا الرحيل عن منزلٍ قالوا: احفظوا أنساءَكم.
وقال بعضهم: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾؛ أي: حيضةً ملقاةً (^٤)؛ أي: خرقةَ حائضٍ لأنها تُلقى فتُنسى ولا تُذكر.
وقيل: النَّسْي بالفتح: مصدر، وبالكسر: اسمٌ للمنسيِّ المتروك، وهو كالقَشْر والقِشْر، والقَطْف والقِطْف ونحو ذلك.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٢٥).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٠٨)، و"التيسير" (ص: ١٤٨).
(٣) البيت للشنفرى، وهو في "المفضليات" (ص: ١٠٩)، و"مجاز القرآن" (٢/ ٣)، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة (ص: ٤٩٣)، و"تفسير الطبري" (١٥/ ٤٩٨)، وعجزه في أكثر المصادر: على أَمِّها وإن تكلِّمْك تَبْلَتِ يقول: كأنها من شدة حيائها إذا مشت تطلب شيئًا ضاع لا ترفع رأسها، و(تَبْلت)؛ أي: تقطِّع كلامها ولا تطيله من فرط حيائها أو من نعمتها، وأَمُّها: قصدُها الذي تريده، وموضع (على أَمِّها) نصب على الحال؛ أي: تقصُّه آمَّةً.
(٤) روي عن عكرمة ومجاهد والضحاك. انظر تخريج أقوالهم في "الدر المنثور" (٥/ ٥٠١).
[ ١٠ / ١٨٣ ]
(٢٤) - ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾: قرأ حمزة والكسائي ونافع وعاصم في رواية حفص: ﴿مِنْ﴾ بكسر الميم، والباقون: ﴿مِنْ﴾ بفتحها، بمعنى: الذي ﴿تَحْتِهَا﴾ (^١)، وأُضمر قبل هذه الآية: فوَلدت فناداها، قيل: ناداها جبريل ﵇، وقيل: ناداها عيسى.
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال نوفٌ البِكاليُّ: من أقصى الوادي (^٢).
وقال عكرمة: كانت على رابيةٍ حين ولدت (^٣).
وقيل: من تحت النخلة، وكانت المناداةُ مخاطَبةً لها لا رفعًا للصوت؛ كما قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.
وقيل: مَن تحتَ مريمَ عيسى، وقد وضعَتْه على الأرض بلا قابلةٍ.
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾: أي: لا تهتمِّي بالوحدة وعدمِ الطعام والشراب وقالةِ الناس.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾: قال البراء بن عازب: جدولًا (^٤).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٠٨ - ٤٠٩)، و"التيسير" (ص: ١٤٨). ومن قرأ بكسر الميم كسَر التاء من ﴿تَحْتِهَا﴾، ومن فتح الميم فتح التاء.
(٢) رواه مطولًا أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٥١).
(٣) ذكره عن عكرمة الرازي في "تفسيره" (٢١/ ٥٢٧) بلفظ: (. . . على مثل رابية. . .). وقاله مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٦٢٤).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٥٨)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٠٦) والحاكم في "المستدرك" (٢٤١٣) وصححه. وزاد عبد الرزاق والحاكم: (النهر الصغير).
[ ١٠ / ١٨٤ ]
وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ﵃: نهرًا (^١).
وقال إبراهيم: نهرًا صغيرًا (^٢)، وهو الحاصل والصحيح (^٣).
وقال الحسن: ﴿سَرِيًّا﴾؛ أي: ولدًا سريًّا (^٤)؛ أي: فاضلًا.
وحُكي: أنه قرأ هذه الآية وعنده حميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري فقال: إن كان عيسى لسريًّا كريمًا، فقال حميد: إنما هو الجدول، فقال له الحسن: مِن ثَمَّ (^٥) تُعجبنا مجالستك، ولكن غلبتْنا عليك الأمراء (^٦).
وفي رواية: قال له خالد بن صفوان: إن العرب تسمي الجدول سريًّا، فقال الحسن: صدقتَ (^٧)، هو كما قلتَ، ورجع إلى قوله.
* * *
(٢٥) - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾: أي: حرِّكي ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الباءُ زائدة كما في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٠٦ - ٥٠٨). وجاء عنده عن سعيد بن جبير في رواية: (هو الجدول النهر الصغير، وهو بالنبطية سري).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٠٨).
(٣) "والصحيح" من (أ).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥٠٢) بلفظ: ﴿جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: نبيًّا وهو عيسى.
(٥) في (أ): "ثمة".
(٦) رواه عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥٠٣)، وبنحوه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٠٧).
(٧) رواه ابن عساكر في "تاريخه" (١٦/ ١٠٤).
[ ١٠ / ١٨٥ ]
وقوله تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْك﴾: قرأ ابن كثير ونافعٌ وأبو عمرٍو وابن عامر (^١) والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿تَسَّاقطْ﴾ بالتاء المفتوحة وتشديدِ السين، وأصلها: تتساقط، فأدغمت الأولى في الثانية، وقرأ حمزة بتخفيف السين مع فتح التاء على حذف أحدهما، قال امرؤ القيس:
فلو أنها نفسٌ تموت سريعةً ولكنها نفسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسا (^٢)
وقرأ حفصٌ عن عاصم: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف مخفَّفة السين من المساقَطة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾: أي: طريًّا يُجتَنَى؛ أي: يُقتطف، فحوَّل اللَّه تعالى جذعَ النخلة اليابسة مثمرةً كرامة لها، وكان ذلك في الشتاء.
ودلت الآية على جواز الكسب، فإن اللَّه تعالى أمرها بهزِّ جذع النخلة (^٤) ليكون ذلك لها بكسبها.
* * *
(٢٦) - ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
_________________
(١) "وأبو عمرو وابن عامر" ليس من (ف).
(٢) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ١١٢).
(٣) وثمة قراءة رابعة في المتواتر، وهي قراءة أبي بكر -بخلف عنه- ويعقوب: (يَسَّاقط) بالياء وإدغام التاء، والوجه الآخر لأبي بكر كقراءة جمهور السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٨)، و"النشر" (٢/ ٣١٨).
(٤) في (ف): "الجذع".
[ ١٠ / ١٨٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَكُلِي﴾: أي: من الرُّطَبِ الجنيِّ ﴿وَاشْرَبِي﴾ من ماء السَّرِيِّ ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾؛ أي: بالولد الرَّضي، وهذا كلُّه لإزالة حزنها كما قال: ﴿وَلَا تَحْزَنِىَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾: (إمَّا) أصله: (إنْ ما) كلمةُ شرطٍ مؤكَّدةٌ بـ (ما)، ﴿تَرَيِنَّ﴾ النون المشدَّدة للتأكيد.
وقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ﴾: أي: التزمْتُ ﴿لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾؛ أي: صمتًا وإمساكًا عن الكلام.
وقيل: أي: حقيقةَ صوم، وكان صومهم فيه الصمتَ، فكان ذكرُه والتزامُه (^١) التزامَه.
ثم قيل: لمَّا التزمت الصمتَ فلمَ قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ وهذا كلام منها (^٢)، وتركُ الصمت الذي نذرته؟
وجوابه: أن بعضهم قال: قالت ذلك إشارةً لا نطقًا، وقد تسمى الإشارة على الشيء كلامًا وقولًا، قال الشاعر في وصف القبور:
وتكلمتْ عن أوجهٍ تَبْلَى. . . . . (^٣)
وقال آخر في وصف الناقة:
تقولُ إذا دَرَأْتُ لها وَضِيني أهذا دِينُه أبدًا ودِيني
أكلَّ الدَّهرِ حِلٌّ وارتحالٌ أمَا يُبْقِي عَلَيَّ ولا يَقِينَي (^٤)
_________________
(١) "والتزامه" ليست في (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "كلامها".
(٣) وتمامه: وعن صور شُتُتْ، والبيت لأبي العتاهية. انظر: "ديوانه" (ص: ٩٢)، و"الشعر والشعراء" (٢/ ٧٨٢).
(٤) البيت للمثقب العبدي. انظر: "المفضليات" (ص: ٢٩٢)، و"مجاز القرآن" (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، =
[ ١٠ / ١٨٧ ]
وقيل: كانت مأمورة بذلك: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فكان وجوبُ الصمت بعد هذا الكلام.
وكان جواز ذلك في تلك الشريعة، وقد نسخ ذلك فينا، روى زيد بن وهب عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه دخل على امرأة وقد نذرت ألَّا (^١) تتكلَّم، فقال أبو بكر ﵁: إن الإسلام هدم هذا فتكلَّمي (^٢).
* * *
(٢٧) - ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾: أي: بعيسى ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قيل: عجيبًا، وقال مجاهد وقتادة والسدِّي: عظيمًا (^٣).
ويجوز أن يكون الفريُّ بمعنى المفترَى؛ أي: في زعمك أنه ليس بزنًا ولا نكاحٍ.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾: قال قتادة: أي: يا أختَ هارونَ بنِ عمران في الصلاح (^٤).
_________________
(١) = و"طبقات الفحول" (١/ ٢٦٣)، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٧١)، و"غريب القرآن" لابن عزيز (ص: ٢٢٦)، و"إعراب ثلاثين سورة" لابن خالويه (ص: ٢٥). الوضين: حزام الرحل، ودرأْتُ وَضِينَ البعيرِ: إذا بَسَطْتَه على الأَرض ثم أَبْرَكْته عليه لتَشُّدَّه به. وأراد: لو قدرتْ ناقتي أن تتكلم لقالت هذا الكلام، وأشار بقوله: (هذا) إلى ما استمرت به عادته معها.
(٢) في (ف): "على امرأة لا".
(٣) رواه البخاري (٣٨٣٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٧٦) واللفظ له.
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٢٢).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٦٤)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٢٣). ولفظه: كان رجلًا =
[ ١٠ / ١٨٨ ]
وقيل: كان أخوها من أبيها يسمَّى هارون (^١).
وقيل: كان هارون في زمانها رجلَ سوءٍ رمَوها به.
وقيل: كان رجلًا صالحًا فشبَّهوها به (^٢).
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾: أي: زانيةً، والبغاء: الزنا -بكسر الباء- قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]؛ أي: فكيف أتيتِ بهذا الولد وأنت معروفةٌ بالصلاح وولدُ الأبوين الصالحين.
* * *
(٢٩) - ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾: أي: إلى عيسى أنْ كلِّموه (^٣).
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾: ﴿كَانَ﴾ زائدة، ومعناه: مَن هو في المهد صبيٌّ.
وقيل: ﴿كَانَ﴾؛ أي: حدث ووقع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
والمهد: الحِجْر هاهنا، لأنها كانت حملتْه في خرقةٍ.
والمهد: المَقَرُّ، كما (^٤) قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦]، ومهَّدْتُ عذري تمهيدًا (^٥)؛ أي: قرَّرته.
_________________
(١) = صالحًا في بني إسرائيل يسمى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح.
(٢) في (ف): "كان هارون أخوها من أبيها".
(٣) انظر قول قتادة المتقدم.
(٤) في (ر) و(ف): "يكلموه".
(٥) "كما" من (أ).
(٦) "تمهيدًا" من (أ).
[ ١٠ / ١٨٩ ]
ومعنى ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾: [كيف نتكلَّم] نحن معه (^١) وهو لا يفهم ولا يجيب.
وقيل: هو على القلب؛ أي: كيف يكلِّمنا مَن هو في المهد صبيًّا (^٢).
وقيل: هو مهدُ الصبي، ومعناه: أنه من أهل المهد وإن لم يكن في تلك الحالة موضوعًا في المهد؛ كما يقال: صبي يرتضع (^٣)؛ أي: هو من أهله وإن كان لا يرتضع حالَ الإخبار عنه.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.
ولما أسكتَتْ بأمر اللَّه تعالى لسانها الناطقَ أنطق اللَّه تعالى لها لسانها (^٤) الساكت:
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾: بدأ بالإقرار بالعبودية للَّه ﷻ، وهو قطعٌ لكلام النصارى وإبطالٌ لمقالهم.
وقوله تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾: أي: يؤتيني الكتاب، وهو الإنجيل.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾: أي: يرسلني إلى خلقه رسولًا ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾: أي: وجعلني نفَّاعًا للخلق.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾: أي: يوصيني بذلك؛ أي:
_________________
(١) "نحن معه" ليست في (ف)، و"نحن" ليست في (ر). وما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) "صبيًا" زيادة من (أ).
(٣) في (ف): "يرضع".
(٤) في (أ): "اللسان".
[ ١٠ / ١٩٠ ]
يأمرني. تكلَّم بهذا (^١) إلى قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (^٢) ثم لم يتكلَّم بعد ذلك إلى أن بلغ مبلغ كلام الصبيان، فكان ذلك آيةً أظهرها اللَّه تعالى كراهةً لمريم لبراءتها، وكان ذلك إخبارًا منه بكونها في وقت احتمالها (^٣).
وقيل: بل هو إثباتُ هذه الصفات للحال، وكان اللَّه تعالى أعطاه في تلك الحال العقل الكامل والفهمَ النافذ.
وفي الخبر: أن خمسةً تكلموا قبل أوانِ الكلام: عيسى بنَ مريم، وشاهدَ يوسف، وولدَ ماشطةِ بنتِ فرعون، وولدَ المرأة التي أحرقت في الأخدود، وصاحب جُريجٍ (^٤).
وروى الحسن عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: أسلمتْ أمُّ عيسى عيسى إلى الكتَّاب، فقال له المعلم: اكتب، فقال عيسى: أيَّ شيء (^٥) أكتب؟ قال: اكتب أبجد (^٦)، قال عيسى: لا
_________________
(١) في (ف): "أن أتكلم بهذا"، وفي (ر): "أن أتكلم لهذا"، بدل: "تكلم بهذا".
(٢) في (ف): "قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي يوصيني بذلك" بدل: "إلى قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ".
(٣) أي: إخبارًا بأن الصفات المذكورة في هذه ا لآية لعيسى ﵇ ستكون وتقع في وقتها المناسب لها.
(٤) روى البخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (٢٥٥٠)، من حديث أبي هريرة ﵁: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة. . . " فذكر عيسى، وصاحب جريج، وابن المرأة التي مر عليها الراكب ذو الشارة، وروى مسلم (٣٠٠٥) من حديث صهيب قصة أصحاب الأخدود، وفيه ذكر تكلُّم ولد المرأة التي أحرقت في الأخدود. وروى الإمام أحمد في "المسند" (٢٨٢١) عن ابن عباس: تكَلَّمَ أربعةٌ صغارٌ: عِيسى ابنُ مريم ﵇، وصاحبُ جريجٍ، وشاهدُ يوسف، وابنُ ماشطة ابنةِ فرعون. فزاد على ما في الصحيحين اثنين، وهما: شاهد يوسف وابن الماشطة. فصاروا ستة.
(٥) في (ر) و(ف): "أيش".
(٦) في (أ): "أبو جاد".
[ ١٠ / ١٩١ ]
أكتب شيئًا لا أدري ما هو، قال: اكتب كما تؤمر، قال: إن كنت لا تعلم فأنا أعلِّمك، قال المعلم (^١): أيُّ شيء أبجد؟ قال عيسى: الألف آلاء اللَّه، والباء من بهاء اللَّه، والجيم من جمال اللَّه، والدال أدُّوا الحق إلى أهله (^٢).
وعلى هذا قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: أوحَى إليَّ الإنجيل.
وقيل: أي: علَّمني في بطن أمي التوراةَ والزبور.
وروي أنه كان يقرأ وهو في بطن أمه وهي تسمعُه وتأنَس (^٣) به.
﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ بما أوحى إليَّ.
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قيل: مؤدَّبًا معلَّمًا. وقيل: هاديًا مهديًّا. وقيل: نفَّاعًا.
وقيل: البركة: الزيادة في منافع الدِّين؛ من الدعاء إلى اللَّه، والعملِ بأمره وحكمه، والدلالةِ على سبيل النجاة.
قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ﴾: أمرني بأدائها إذا قدرتُ عليها ﴿وَالزَّكَاةِ﴾؛ أي: بأدائها إذا ملكتُ النصاب وحالَ عليه الحول.
وقيل: ﴿بِالصَّلَاةِ﴾؛ أي: بالدعاء والثناء على اللَّه تعالى للحال ﴿وَالزَّكَاةِ﴾؛ أي: تطهيرِ (^٤) النفس عن الأدناس؛ أي: إبقائها على الطهارة.
* * *
_________________
(١) "المعلم" زيادة من (ف).
(٢) رواه بنحوه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١٤٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال: حديث موضوع. ورواه بنحوه أيضًا ابن عساكر في "تاريخه" (٤٧/ ٣٧٥) من طريق إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس. وليس بأحسن حالًا مما قبله.
(٣) في (أ): "وتستأنس".
(٤) في (ر): "بطهر"، وفي (ف): "مطهر".
[ ١٠ / ١٩٢ ]
(٣٢) - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾: أي: وجعلني عاطفًا عليها مؤدِّيًا حقَّها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: أي: متعظِّمًا على عباد اللَّه، لا أرى لأحدٍ منهم عليَّ حقًا.
وقيل: ﴿جَبَّارًا﴾؛ أي: عاقًّا والدتي متكبِّرًا عن أداءِ (^١) حقها ﴿شَقِيًّا﴾ لأن الجبار يكون كذلك؛ قال النبي -ﷺ-: "لا تُنزَعُ الرحمةُ إلا مِن شقيٍّ" (^٢).
وقيل: ﴿جَبَّارًا﴾؛ أي: متعظِّمًا عن عبادة اللَّه تعالى وطاعته، ومَن استكبر عن ذلك شَقِيَ كما شَقِيَ إبليس بإبائه واستكباره.
وقال قتادة: قالت امرأة لعيسى حين رأته يُحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلى غير ذلك: طوبَى لبطنٍ حملك، وطوبى لثديٍ أرضعك، فقال: طوبى لمن تَلَا كتابَ اللَّه تعالى واتَّبع ما فيه (^٣).
* * *
(٣٣) - ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾: أَخبر أن اللَّه تعالى حكَم له بالسعادة والسلامة (^٤) في هذه الأحوال عن كلِّ آفةٍ وعيب.
_________________
(١) في (أ): "قضاء".
(٢) رواه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣) وحسنه، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه الإمام أحمد في الزهد (٣١٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨٧٨)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١١٩) عن خيثمة بن عبد الرحمن. ورواه الإمام أحمد في الزهد (٣١٨) عن يزيد الضبي. والبيهقي في "الشعب" (٢٠٣٤) عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود.
(٤) في (أ): "بالسلامة" بدل: "بالسعادة والسلامة".
[ ١٠ / ١٩٣ ]
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ من الهَمْزة واللَّمْزة من الشيطان ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ من ضغطة القبر ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ في الآخرة من العناء (^١).
* * *
(٣٢) - ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: أي: ذلك الموصوفُ بأنه عبد اللَّه وكذا وكذا هو عيسى بن مريم، هو بهذه الصفة لا كما قال النصارى: إنه ابن اللَّه، أو هو اللَّه، أو هو ثالث ثلاثة، ولا كما يقوله اليهود: إنه لغير رِشْدةٍ، وإنه ابن يوسف النجار.
وقوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿قَوْلَ الْحَقّ﴾ بنصب اللام على المصدر؛ أي: أقول قولَ الحق، وقرأ الباقون برفعها (^٢)؛ أي: هو قولُ الحق.
﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: يجوز أن يكون ﴿الَّذِي﴾ خفضًا نعتًا لـ ﴿الْحَقّ﴾، ونصبًا نعتًا للقول على قراءة مَن ينصبُه، ورفعًا نعتًا للقول على قراءة مَن يرفعُه، أو نعتًا لعيسى.
و﴿يَمْتَرُونَ﴾؛ أي: يختلفون ويختصمون.
وقيل: يشكُّون، والمرية: الشك، والمراء: الجدال، فاليهود مع النصارى يختلفون فيه فيما بينهم، ثم النصارى يختلفون فيه فيما بينهم أيضًا.
قال قتادة: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا (^٣) أربعةَ نفرٍ، فأخرج (^٤) كلُّ قوم
_________________
(١) ذكره بنحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٧١) عن الكلبي.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٠٩)، و"التيسير" (ص: ١٤٩).
(٣) في (ر) و(ف): "فخرجوا"، والمثبت من (أ) والمصادر.
(٤) في (أ): "فأخرج منهم"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
[ ١٠ / ١٩٤ ]
عالِمَهم، فامترَوا في عيسى حين رُفع (^١)، فقال أحدهم: هو اللَّه هبط إلى الأرض فأحيَى مَن أحيَى وأماتَ مَن أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، وقالت الثلاثة: كذبتَ، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، فقال: هو ابن اللَّه، وهم النَّسطورية، فقال الاثنان منهم: كذبتَ، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة؛ اللَّه إلهٌ وهو إلهٌ وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوكُ النصارى، قال الرابع: كذبتَ، هو عبدُ اللَّه ورُوحه وكلمتُه، وهم المسلمون، فكان لكل رجلٍ منهم أتباع -على ما قال- فاقتتلوا فظهروا على المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٢١].
قال قتادة: وهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ فاختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (^٢).
وروينا (^٣) فيه طريقًا آخر عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾.
وروينا هذا في سورة المائدة في حديث طويل: أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ سورة مريم على النجاشي بحضرة أساقفته، فقال النجاشي وأخذ عودًا من الأرض: ما عدا عيسى ما جاء به محمد مقدارَ هذا، أو كما قال.
* * *
(٣٥) - ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
_________________
(١) بعدها في (أ): "إلى السماء"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
(٢) رواه بتمامه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٦٥)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٣٧)، والنحاس في "معاني القرآن" (٤/ ٣٣٠).
(٣) في (ر): "وأوردنا".
[ ١٠ / ١٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾: أي: ليس من صفة اللَّه اتِّخاذُ الولد ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: هو منزَّهٌ عن ذلك.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي: أن كون عيسى من غيرِ أبٍ (^١) لا يوجِب أن يكون إلهًا أو ابنَ اللَّه، لأن اللَّه تعالى لا يتعذَّر عليه خلقُ ما يريده من غير أصلٍ، بل إذا أراد شيئًا خلَقه كما يريد.
وقيل -وهو ا لأوجهُ-: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقّ﴾: الذي قال (^٢) هو هذا القولَ الحقَّ، وهو ما ذكر في الآية، ويكون هذا من كلامه، ويدل عليه آخرَه:
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم﴾.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: لا يجوز أن يُحمل هذا إلا على كلامه وإخباره، فكذا أوله.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بفتح الهمزة، وله وجوهٌ:
قال أبو عمرو: وقضى أن اللَّه ربِّي وربُّكم.
وقيل: وأوصاني أن اللَّه ربي.
وقيل: ذلك عيسى بن مريم وأنَّ اللَّه، قاله الفرَّاء (^٣).
وقيل: أي: ولأن اللَّه ربِّي.
_________________
(١) في (ف): "والد".
(٢) في (ر): "أي"، وفي (ف): "الذي"، بدل: "الذي قال".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٦٨).
[ ١٠ / ١٩٦ ]
وقرأ الباقون: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي: فاقصُروا عبادتكم عليه ولا تُشركوا به شيئًا، وهو الطريق السويُّ المفضِي بسالكيه (^٢) إلى الجنة.
* * *
(٣٧) - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: أي: من بين أصحابِ عيسى، وهو ما ذكرنا. وقيل: من بين قومه.
وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، وهكذا في مصحف ابن مسعود ﵁ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي من الأحزاب، فقد كان واحدٌ من الفرق على الحق.
﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيم﴾: يجوز أن يكون المشهد موضعًا ومصدرًا؛ أي: فويل لهم إذا شهدوا يوم القيامة وتبرأ عيسى منهم وقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ الآية [المائدة: ١١٧].
وقيل: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: هو اجتماعهم للتشاور فيه، فاجتمعوا على الشرك، وجعَله عظيمًا لفظاعة ما جرى فيه، وهو كقوله تعالى: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وقولهِ: ﴿ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ أي: فظيعًا منكَرًا.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤١٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٩).
(٢) في (ف): "المقتضي إن شاء اللَّه" بدل: "المفضي بسالكيه".
(٣) لم أجده.
[ ١٠ / ١٩٧ ]
(٣٨) - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾: أي: ما أبصرهم وأسمعهم ذلك اليوم، وهو كلمةُ تعجُّب، ومعناه: أنهم حلُّوا في هذا محلَّ مَن يُتعجَّبُ منه (^١)؛ أي: سيسمعون (^٢) يومئذٍ ما يصدِّعُ قلوبهم، ويرون ما يُهلكهم.
وقيل: أي (^٣): كانوا صمًّا عن استماع الحق وعُميًا عن رؤية الحق في الدنيا، فيصيرون بخلاف ذلك فيسمعون صفتَهم ويبصرون عاقبتَهم.
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسَهم ووضعِهم العبادةَ في غير موضعِها في ضلالٍ مبينٍ عن الحق، ظاهر بيِّن (^٤) عن نفسه لوضوحه، وهو اعتقادهم عيسى إلهًا معبودًا مع ظهور أحواله.
* * *
(٣٩) - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: قيل: هو يومُ الموت.
وقيل: هو يومُ القيامة.
وقيل: هو يومَ (^٥) يُذبح الموت.
وقيل: هو يومَ يُخرج آخرُ فريق من المسلمين من النار ثم تسدُّ طبقاتها.
_________________
(١) في (أ): "تعجب فيه"، وفي (ف): "يعجب منه".
(٢) في (ف): "يستمعون".
(٣) في (ف): "إن".
(٤) في (ف): "يقين". والعبارة في (أ): "في ضلال عن الحق مبين".
(٥) في (ف): "حين".
[ ١٠ / ١٩٨ ]
والحسرة: أشدُّ الندامة، وهي التي تقطع الأمل.
وقيل: تقطع نياطةَ القلب لصعوبتها.
يقول: وخوِّفهم يا محمد يومَ الندامة حين قُضي الأمر؛ أي: أُتم وأُمضيَ (^١) وفُرغ منه، فإن كان عند الموت فقد صار بحيث لا يُتدارك، وإن كان في القيامة فهو حين يدخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ، فلا إخراج بعده، وإن كان حين ذَبحِ الموت فلا أملَ في النجاة وفي الخروج للكفار، وإن كان حين أُخرج آخر المؤمنين فكذلك.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبشٌ أملحُ، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون (^٢) هذا؟ فيشرئبُّون (^٣) فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون؟ فيشرئبُّون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح فيقال: يا أهل الجنة خلودٌ فلا (^٤) موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"، ثم قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (^٥).
﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: غافلون عما يَنال الكافرين يوم القيامة وهم لا يؤمنون، وهذا وصفُهم في الحال؛ أي: أنذرهم اليومَ في هذه الحالة قبل أن يصيروا إلى الآخرة فيُقضى الأمرُ ولا تنفعهم الندامة.
* * *
_________________
(١) "أي أتم وأمضي" من (أ).
(٢) بعدها في (أ): "ما"، والمثبت من باقي النسخ والصحيحين.
(٣) في (ف): "فيشرفون"، والمثبت من باقي النسخ والصحيحين.
(٤) في (ف): "بلا"، والمثبت من باقي النسخ والصحيحين.
(٥) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩).
[ ١٠ / ١٩٩ ]
(٤٠) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: أَخبر أن يوم القيامة كائنٌ لا محالةَ، وأن اللَّه تعالى ينزعُ الملك من كلِّ مَن آتاه مُلكًا (^١) في الدنيا، وكلِّ مَن يَغلبُ على شيء منه، وأنهم إلى اللَّه يحشرون (^٢) فلا يكونُ لأحدٍ منهم (^٣) يومئذ مُلكٌ ولا رئاسةٌ ولا حكم، ولا أمرٌ ولا نهي، وفي هذا تحذير لهم عن الاغترارِ بما ينالونه من الرئاسة في الدنيا، وتنبيهٌ لهم على التدبُّر في خطأ ما هم فيه (^٤).
* * *
(٤١) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: واتصالها بما قبلها: أن قصة مريم وعيسى في ردِّ قول اليهود والنصارى، وفي (^٥) هذه القصة كذلك، فإنهم يدَّعون أن دينهم دينُ إبراهيم، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] وبيَّن في هذه القصة حالَ إبراهيم ودينه (^٦)، يقول: واذكر يا محمد فيما تقرأ عليهم من القرآن أمرَ إبراهيم أنه كان نبيًّا للَّه عادتُه الصدقُ والتصديقُ بكلِّ ما جاءه من عند ربه، فهو أهل للاقتداء به.
* * *
_________________
(١) في (أ): "الملك".
(٢) في (ر) و(ف): "يرجعون".
(٣) في (ر): "فلا يكون لهم"، وفي (ف): "فلا يكون منهم".
(٤) في (أ): "على تدبرهم في خطاياهم فيه".
(٥) في (أ): "و". وفي (ر): "في".
(٦) في (أ): "في دينه"، وفي (ر): "ذريته".
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
(٤٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾.
﴿إِذْ قَالَ﴾: إبراهيم ﴿لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ﴾: التاء فيه للمبالغة كما في العلَّامة والنسَّابة، وكسرت طلبًا لياء الإضافة، والوقفُ بالتاء لهذه العلة، وأجاز الزجَّاج الوقف بالهاء (^١).
وقيل: التاء عوضٌ عن ياء الإضافة، وفي قراءة ابن عامر: ﴿يا أبتَ﴾ بالفتح (^٢)، على إرادةِ: يا أبتاه، على النُّدبة.
وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ﴾ من اللَّه ﴿شَيْئًا﴾: وهذه صفاتُ نقصٍ وعجز، فلا يَستحقُّ صاحبُها العبادة، ولو أن إنسانًا خدم مثلَه (^٣) في الدنيا مع علمه بعجزه عن أن يَدفع عن خادمه ضرًّا، أو يجلبَ له نفعًا، أو يعلمَ بخدمةِ مَن يخدمه، لكان هذا الإنسان سفيهَ الرأي عند العقلاء، فكيف حالُ مَن هو أدنى من هذه الأحوال؛ من حجرٍ نحتَه بيده، أو خشبٍ اتَّخذه معبودًا له؟
* * *
(٤٣) - ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾: أي: أنا في (^٤) العلم والمعرفة فوقك بما خصَّني اللَّه تعالى به من النبوة، فأنا على يقين من ضلال ما أنت فيه من عبادة الأصنام.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾: أي: فاقتدِ في العبادة بي، واعبدْ مَن أعبدُ أنا، وهو
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٨٩).
(٢) في جميع القرآن. انظر: "السبعة" (ص: ٣٤٤)، و"التيسير" (ص: ١٢٧).
(٣) أي: لو أن إنسانًا خدم إنسانًا آخر له مثل هذه الصفات من عدم السمع والبصر والإغناء.
(٤) في (ر) و(ف): "أي أتاني".
[ ١٠ / ٢٠١ ]
الذي لا يخفى عليه شيء ولا يُعجزه (^١) شيء، فإنك إذا فعلتَ هذا كنتَ على الصراط المستقيم المستوي، وهو قوله تعالى: ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.
* * *
(٤٤) - ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: أي: لا تُطِعْه ولا تعظِّمْه بالائتمار له وقبولِ وساوسه ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾؛ أي: هو متقادِمُ العصيان للَّه الذي خلَقه، فهو لا يريد لك خيرًا، ومَن هذا صفتُه فحقيقٌ أن لا تقبل إشارته (^٢) لسوء اختياره لنفسه.
* * *
(٤٥) - ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾: أي: أخشى أن يصيبك من اللَّه عذاب في الآخرة إن دمتَ على طاعتك للشيطان فتكون للشيطان (^٣) قرينًا في جهنم، لأن الوليَّين لا يكادان يفترقان في محبوبٍ أو مكروه، فجعلُه وليًّا له في هذه الحالة لِمَا قلنا وإن كانا متباغضَين يومئذ؛ كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال خبرًا عن الشيطان: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقيل: أن يمسكَ عذاب في الدنيا وهو خذلاُنه، فتكونَ حينئذٍ مواليًا للشيطان،
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يعجز عن".
(٢) "إشارته" من (أ).
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "وليًا أي".
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
فيَكِلكَ اللَّه إليه ويتبرأَ منك ولا يتولَّاك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]، ومَن كان الشيطان وليًّا له فهو وليُّ الشيطان؛ لأن الموالاة تقوم بالطرفين.
وفي هذا الخطاب كلُّ ما يحتاج إليه من أسباب التنبيه، فإن إبراهيم ﵇ افتَتح بمعاتبته على عبادة الأوثان وبيَّن نقائصَها، ثم ثنَّى بالدعاء إلى تأمُّل (^١) ما جاء به من العلم، وهو أمر بالنظر وتركِ التقليد، ثم ثلَّث بأن التقليد وتركَ النظر مِن عمل الشيطان، وطاعةُ الشيطان (^٢) غيرُ جائزة في العقول، ثم ختم بالوعيد الزاجر عن المعصية الباعثِ على الانقياد للحق.
وفيه دليل على أن العالم يلزمُه الدعاءُ إلى الحق القريب والبعيد، والمبالغةُ في النصح والإيضاحِ (^٣) للبرهان.
وفيه دليلُ وجوبِ احترام الأب وإن كان كافرًا، فإنه خاطبه مرات بقوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ الآيةَ.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: أي: أزاهدٌ أنت من عبادةِ آلهتي وتعظيمِها، وذاكر لها بسوءٍ، ولم يتأمَّلْ فيما دلَّه عليه، وأصرَّ على تماديه في ضلالته وجهالته، وأنكر عليه اتِّباعَ الحق والدعاءَ إليه.
_________________
(١) "تأمل" من (أ).
(٢) في (أ): "أو طاعة" بدل: "وطاعة الشيطان".
(٣) في (ر) و(ف): "والإفصاح".
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
وقد رغب في الشيء؛ أي (^١): أراده وأقبل عليه، ورغب عن الشيء؛ أي: أباه وأعرَضَ عنه، وزَهِد في الشيء؛ أي: أباه وأَعرض عنه، وزَهِد عن الشيء؛ أي: أراده وأَقبل عليه.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾: أي: لئن لم تمتنع (^٢) عن هذا ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قال السديُّ وابن جريجٍ والضحاك: لأرمينَّك بالعيب والذم (^٣)، وبمعناه في قول بعضهم: لأشتمنَّك (^٤).
وقال الحسن: لأرمينك بالحجارة حتى تتباعَد عني (^٥).
وقيل: لأرجمنَّك بالحجارة عقوبةً لك على فعلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾: أي: اجتنِبْني دهرًا طويلًا فلا تكلِّمْني، وهو قولُ الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والسدِّي (^٦).
﴿مَلِيًّا﴾؛ أي: دهرًا طويلًا.
_________________
(١) في (أ): "إذا".
(٢) في (ف): "أي: لئن لم تنته"، ولسِت في (أ).
(٣) ذكره عنهم الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٧٤) بلفظ: (لأرجمنك بالذم باللسان والعيب بالقول). والواحدي في "البسيط" (١٤/ ٢٥٥) بلفظ: (لأرمينك بالقول القبيح وأشتمك)، ولعل الكل نقل بالمعنى، انظر التعليق الآتي.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٥٢) عن ابن جريج بلفظ: (﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالقول، لأشتمنك)، وعن السدي: (﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالشتيمة والقول)، وعن الضحاك: (﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ يعني: رجم القول).
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٧٤).
(٦) ذكره عنهم الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٧٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٥٣) عن الحسن، وروى عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة: (دهرًا)، وفي رواية عن مجاهد: (حينًا)، وعن السدي: (أبدًا) وهذا الأخير سيأتي قريبًا.
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
وقيل: أراد به أنه إذا ذاق (^١) مرارة هجره مدةً عاد (^٢) إلى موافقته في عبادة آلهته.
وقيل: بل أراد هجره أبدًا؛ لأن الدهر الطويل هو العمر أو الأبد.
وقال ابن عباس ﵄ وقتادةُ وعطيةُ والضحاك: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾؛ أي: سليمًا عن عقوبتي (^٣)، من قولهم: فلان تملَّى عمرَه؛ أي (^٤): عاش سالمًا.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾: أي: ﴿قَالَ﴾ إبراهيم مصاحبًا له بالمعروف، ومحسِنًا في المعاشرة، ومظهِرًا لما وُصف به من الحِلْم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾؛ أي: أمانٌ مني لك أن أكافئكَ على إيذائك، ولو حقَّقْتَ بفعلك ما ذكرتَه بقولك: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.
وقيل: هو خطابُ وداعٍ؛ أي: هجرتُك كما أمَرْتَني به.
وقيل: هو على معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]؛ أي: لا أخاطبُك بمثلِ ما خاطبْتَني (^٥) به من الخشونة، وهو قوله تعالى (^٦):
_________________
(١) في (ف): "أنه أدبه أي أذاقه" وفي (ر): "أنه أدبه أنه أذاقه".
(٢) في (ر): "كي يعود"، وهذا ينسجم مع ما جاء في (ف). انظر التعليق السابق.
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٥٤ - ٥٥٥).
(٤) في (ر) و(ف): "فلان يملني عمره ما".
(٥) في (أ): "تخاطبني".
(٦) في (ف): "ولكن" بدل: "وهو قوله تعالى".
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾: أي: أسألُ اللَّه تعالى أن يجعلك من أهل المغفرة بأنْ يهديك للإسلام (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾: أي: لطيفًا، وقيل: أي: بارًّا، وقيل: رحيمًا.
* * *
(٤٨) - ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: أهجرُك وأهجرُ مَن على دينك، ولا أعبدُ ما تعبدون (^٢) من الأصنام؛ أي: تَدْعون وتعبدون.
وقوله: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾: أي: أعبدُ ربي ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾؛ أي: راجيًا أن تقع عبادتي متقبَّلةً (^٣) فلا أشقَى بردِّها، لسلامتها من (^٤) الآفات.
ويحتمِل: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾؛ أي: أسأل اللَّه أن يهديك راجيًا أن لا يردَّ دعوتي فيك.
وقيل: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أن يرزقني ولدًا وأهلًا أتكثَّر وأتقوَّى بهم بعد مفارقتِك، وقد دعا بذلك في ذريته واستُجيب له، يدل عليه ما بعده، وهو قوله تعالى (^٥):
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بأن يرزقك الإسلام".
(٢) في (أ): "ولا أدعو ما تدعون".
(٣) في (أ) و(ف): "مقبولة".
(٤) في (أ): "عن".
(٥) "وهو قوله تعالى" ليس في (ف).
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
(٤٩) - ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: قيل: اعتزلهم بخروجه من أرض بابل إلى أرض الشام؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩].
وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾: مَن تَكثَّر بهم من القلة واستأنَس بهم من الوحشة ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ولدًا ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ نافلةً.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾: أي: كلَّ واحد منهما نبيًّا (^١) إمامًا للناس.
* * *
(٥٠) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾: أي: من نعمتنا، قيل: هي المال والولد؛ أي: كثَّرناهم وباركنا فيهم ووسَّعنا عليهم.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾: أي: ثناءً حسنًا، وهو الصلوات على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في الصلوات إلى قيام الساعة، ووصفَه بالصدق لأنه ثناء حسنٌ لا كذب فيه.
﴿عَلِيًّا﴾: أي: عاليًا، هو نعت ﴿لِسَانَ﴾.
وقيل: ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ هو دعاؤهم الناسَ إلى اللَّه تعالى، والرسالةُ في أولاده والدعاء إليهم.
* * *
_________________
(١) "نبيًا" من (أ).
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
(٥١) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾: وفي ذكر قصته ردٌّ على (^١) قول اليهود أيضًا، لأنهم على غير ما كان عليه موسى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتح اللام (^٢)؛ أي: أَخْلَصه اللَّه تعالى، وقرأ الباقون بكسرها؛ أي: أخلَص هو العبادة للَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾: أي: جمعنا له الوصفين.
* * *
(٥٢) - ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾: أي: ليلةَ خرج لاقتباسِ النار ناديناه بالنبوة والرسالة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَن﴾: الطور: الجبل، وليس للجبل أيمنُ وأيسرُ لكنه راجع إلى يمين الذي يأتيه؛ أي: الجانبِ الذي كان (^٣) على يمين موسى وهو متوجِّه إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾: أي: أَدْنيناه بتقريب المنزلة عندنا ﴿نَجِيًّا﴾؛ أي: مناجيًا، أي: كلَّمناه بما نكلِّم به غيره (^٤).
* * *
_________________
(١) "على" من (أ).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤١٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٩) عن حمزة والكسائي وعاصم، والإطلاق عن عاصم يدل أن قراءته هكذا من رواية حفص وأبي بكر، لا حفص وحده.
(٣) "كان" ليست في (ف).
(٤) "بما نكلم به غيره" ليس في (ف).
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
(٥٣) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾: أي: برحمتنا بعبادنا، وهو كما تقول: أعطيتُك هذا من كرمي وجودي؛ أي: لكرمي وجودي.
وقيل: ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: من نعمتنا؛ أي: من جملة ما أنعمنا به عليه.
وقوله تعالى: ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ إجابةً (^١) لدعوته: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢].
وقال القشيري ﵀: وفَّقه الحقُّ وناداه، ثم قربه وناجاه، وفي الحالين تولَّاه (^٢).
* * *
(٥٤) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ قال مجاهد: إن إسماعيل لم يَعِدْ ربه بوعدٍ إلا وَفَّى به (^٣)، وهو كلام جامع للقيام بالفرائض كلِّها؛ لأن اللَّه تعالى أخذ على عباده العهدَ (^٤) بها، والأنبياءُ وعدوا من أنفسهم الوفاءَ بها، وهذا وصفُ جميع الأنبياء، لكن هذا لا يمنع اختصاص بعضهم بالمدح به (^٥).
وقيل: كان وعَد من نفسه الصبرَ على ذبح أبيه إياه للَّه تعالى (^٦)، فوَفَّى به وصبر إلى أن ظهر له الفداء.
_________________
(١) "إجابة" ليست في (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٣٣).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٣٧٧)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٦١) عن ابن جريج.
(٤) في (أ): "العهود".
(٥) "به" من (أ).
(٦) "للَّه تعالى" ليس في (أ).
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
وقيل (^١): يحتمل أنه كان نذر بشيء ووَفَّى به، فكان ذلك صدقَ وعده.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: واعَد إسماعيلُ قومًا في موضعٍ أن يلقَوه فيه، فأتى ذلك الموضع وأخلف القومُ، وأقام إسماعيل ﵇ ثلاثًا في ذلك الموضع وما له طعام إلا لحاء الشجر وورقُه حتى تشقَّقت شفتاه، ثم جاء القوم، فأثنى اللَّه تعالى عليه بصدق الوعد (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾: أي رسولًا إلى قومه يخبر من اللَّه تعالى.
* * *
(٥٥) - ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾: أي: أمَّته، وقيل: أي: أهل بيته ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ وهذا يشتمِل على أمره إياهم بالعبادات البدنية والمالية جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾: وهذا أجلُّ صفاته (^٣).
وفي قراءة ابن مسعود رضي اللَّه عثه: (وكان يأمر قومه) (^٤)، فإن حُمل على أهل بيته فهو أهم (^٥)، وقد قال اللَّه تعالى لنبيه ﵇: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِر
_________________
(١) في (ف): "وقد".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٦١) عن سهل بن عقيل بنحوه.
(٣) في (أ): "أوصافه".
(٤) ذكرها مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٦٣١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٢١).
(٥) لعله يريد التوفيق بين القراءتين بأن البدء بأهله قبل قومه أولى، ثم ينتقل لدعوة قومه وأمرهم بذلك، قال الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٢٣): (كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى من سائر الناس: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾، ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، ألا ترى أنهم أحق بالتصدّق عليهم، فالإحسان الديني أولى).
[ ١٠ / ٢١٠ ]
عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وقال لكلِّ المؤمنين: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: روى أنس بن مالك ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه رفعه إلى السماء الرابعة (^١)، وكذلك رُوي عن كعب ومجاهد وأبي سعيد الخدري (^٢).
وعن ابن عباس والضحاك: أنه رُفع إلى السماء السادسة (^٣).
وإدريس هو أخنوخ بن بدد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇، وسمي إدريس لكثرة دَرْسِه ذكرَ اللَّه تعالى.
وروي أنه كان خياطًا، فكان لا يغرزُ إبرته (^٤) في الثوب إلا قال: بسم اللَّه، ولا يخرجها إلا قال: الحمد للَّه.
وقيل: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾؛ أي: إلى الجنة.
وقيل: رفعناه بالنبوة في المنزلة والفضيلة.
وقال وهب: كان يُرفع لإدريس كلَّ ليلة من العمل ما يفي بعمل أهل الأرض،
_________________
(١) ورد هذا في حديث الإسراء الطويل في "صحيح مسلم" (١٦٢).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨٨٤) و(٣١٨٨٥)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٦٤) عن مجاهد وأبي سعيد.
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٦٤).
(٤) في (ر) و(ف): "إبرة".
[ ١٠ / ٢١١ ]
فاشتاق إليه ملَك الموت، فاستأذن ربَّه في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة ابن (^١) آدم، وكان إدريس ﵇ سائحًا (^٢) يصوم الدهر كلَّه، فلما كان وقتُ إفطاره دعاه إلى طعامه، فقال: لستُ أشتهيه (^٣)، ففعل ذلك ثلاث ليال، فأنكره إدريس، فقال له الليلةَ الثالثة: إني أريد أن أعلم مَن أنت، قال: أنا ملك الموت، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تَقبض روحي، فأوحَى اللَّه تعالى إليه: اقبضْ روحَه وردَّها إليه بعد ساعة، فقال له ملك الموت: ما الفائدة في (^٤) سؤالك قبضَ روحك؟ فقال: لأذوق كَرْبَ الموت وغمَّته فأكونَ له أشدَّ استعدادًا. ففَعل (^٥).
ثم قال إدريس له: لي حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظرَ إليها، فأذن اللَّه تعالى له في رفعه إلى السماء، فلما قرُب من النار قال: لي حاجة أخرى (^٦)، قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكًا حتى يفتحَ لي أبوابها فأراها، ففعل، ثم قال: فكما أرَيْتني النار فأرِني الجنة، فذهب به إلى الجنة، فاستفتح ففَتح له رضوان فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرِّك، فتعلَّق بشجرةٍ وقال: لا أخرج منها، فبعث اللَّه ملكًا ينظر في قولهما، فقال له الملَك: ما لَكَ لا تخرج؟ قال: لأن اللَّه تعالى قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقد ذقتُه، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وقد وردتها، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] فلستُ أخرج، فأوحى اللَّه تعالى إلى ملك الموت: بإذني
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بني".
(٢) في (أ): "صالحًا"، وفي (ر): "سابحًا".
(٣) في (ر): "أسيغه"، وفي (ف): "استمعيه".
(٤) في (ف): "من".
(٥) "ففعل" من (ف).
(٦) "أخرى" ليست في (أ) و(ف).
[ ١٠ / ٢١٢ ]
دخل وبأمري يخرج، فجاء به ملك الموت إلى السماء السادسة، وقال آخرون: إلى السماء (^١) الرابعة، وهو حيٌّ هنالك، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (^٢).
* * *
(٥٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: أي: هؤلاء المذكورون في هذه السورة الذين تفضَّل اللَّه عليهم من النبيين ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾؛ أي: من ولد آدم.
قال ابن جريجٍ: زعموا أن هذه لإدريس خاصة.
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾؛ أي: في السفينة مع نوح، هو إبراهيم ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: هم إسماعيل وإسحاق ويعقوب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾: أي: ومن ذرية إسرائيل -وهو يعقوبُ- وهم موسى وهارونُ وزكريا ويحيى وعيسى؛ لأن أمَّه مريمَ من ذريته، وكلُّهم من ذرية آدم، ولكن جُعل مَن قَرُب من آدم من ذريته، وجُعل مَن بَعُدَ منه من ذريةِ مَن قرُب منه تشريفًا لكلِّ واحدٍ بأبٍ يَقرب منه، ثم كلُّهم يرجعون إلى آدم فيشتركون في هذه الفضيلة ويتفاضلون فيما خُصُّوا به.
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾: أي: وهم ممن هديناهم واصطفيناهم، وهو جمعٌ بين فضيلتين، كقولك: زيد من نسل فلانٍ ومن قومٍ صالحين.
وهذا كلُّه في محل المبتدأ، ثم خبرُه في قوله:
_________________
(١) "إلى السماء" من (أ).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٢٠).
[ ١٠ / ٢١٣ ]
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا﴾: أي: سقطوا على وجوههم ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: ساجدين للَّه ﴿وَبُكِيًّا﴾؛ أي: باكين من خشيته، ولرقَّة قلوبهم عند تلاوته.
و(بُكِيّ) على وزن فُعول، وهو وصف لهم بالخشوع والوجَل والعبادةِ للَّه تعالى.
* * *
(٥٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: أي: فجاء بعد (^١) هؤلاء المفضَّلين أقوامٌ أردياءُ.
والخَلْف بتسكين اللام: البدل السيِّئ، والخَلَف بفتح اللام: البدل الصالح (^٢)، قال الشاعر:
خلَّفْتَ خَلْفًا ولم تَدَعْ خَلَفًا ليتَ بهم كان لا بكَ التَّلَفا (^٣)
﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال القُرظيُّ: تركوها (^٤).
وقال عمر بن عبد العزيز: أخَّروها عن وقتها (^٥).
والصحيحُ الأول فإنه في حق الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ فاستثنى المؤمنين منهم، فدل أن المستثنَى منهم هم الكفار.
_________________
(١) في (ف): "فخلف بعد" وفي (ر): "فخلف من بعدهم".
(٢) في (ف): "والخلف بتسكين اللام بدل الشيء والخلف الولد الصالح".
(٣) البيت في "درة الغواص" (ص: ٢١٥)، و"النكت والعيون" (٢/ ٢٧٤)، و"البحر المحيط" (١٠/ ٣٧٧).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٦٩).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٦٨).
[ ١٠ / ٢١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: أي: المشتهَيات، فلم ينظروا بعقولهم إلى العواقب، ولم يتحملوا مشاقَّ العبادات، ومالوا إلى ما يَخِفُّ على الطباع من طلب الراحات.
والصلاة أريد بها الجنس وهي الصلوات، ولعل السورة سيقت في هذا (^١) المقصد، فإن المشركين كانوا يأنفون من السجود، حتى كان بعضهم يشترط عند إرادة الإسلام ألَّا يجبِّيَ؛ أي: لا ينحنيَ للركوع والسجود، فذكر اللَّه تعالى أن جميع الأنبياء والأولياء كانوا خاشعين خاضعين للَّه ساجدين راكعين:
فذكر زكريا أولًا، ودعاءه في صلاته، وخروجَه من المحراب وهو موضع الصلاة، والإشارةَ ﴿سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ وهو الصلاة.
وقال في ولده يحيى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾؛ أي: متكبرًا عن العبادة للَّه والصلاةِ له.
وقال في مريم: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وكان ذلك للاغتسال للصلاة، ومن خطابه لمريم: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] وهو موضع الصلاة.
وقال في حق عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾.
وقال في حق (^٢) إبراهيم صلوات اللَّه تعالى عليه: إنه نهى أباه عن عبادة الأوثان وأمره بعبادة الرحمن.
وقال في حق (^٣) موسى ﵇: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَن﴾ وكان في
_________________
(١) في (ف): "سيقت لهذا"، وفي (ر): "سبقت وهذا".
(٢) "حق" من (ف).
(٣) "حق" من (ف).
[ ١٠ / ٢١٥ ]
ذلك النداء: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وقال في حق إسماعيل ﵇: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾.
وإدريس كان دائم الصلاة والذكر.
وختم ذكرهم -صلواتُ اللَّه عليهم- بقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ فذكر في كلِّهم هذا، ثم ذَمَّ مَن جاء بعدهم وخالفهم بترك الصلاة (^١) واتِّباع الشهوات.
وهذا كلُّه تحريكٌ لهؤلاء على اتِّباعهم، ومخالفةِ الجهل (^٢) من آبائهم.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: اختلف أهل العربية وأهل الآثار في الغَيِّ:
قال بعض أهل اللغة: هو الهلاك، وقال جرير:
قُتل الزبيرُ وأنتمُ جيرانُه غيًّا لمن قَتَل الزبيرَ طويلًا (^٣)
وقال بعضهم: هو الشر (^٤)، قال الشاعر:
فمَن يَلْقَ خيرًا يَحمدِ الناسُ أمرَه ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائما (^٥)
وقال نفطويه: هو الجهل.
وقال بعضهم: هو الضلال.
_________________
(١) في (أ): "الصلوات".
(٢) في (ر) و(ف): "الجماعة".
(٣) انظر: "ديوان جرير" بشرح محمد بن حبيب (١/ ١٠٩).
(٤) في (أ): "الخيبة". وفي (ف): "المحنة".
(٥) البيت للمرقش الأصغر. انظر: "المفضليات" (ص: ٢٤٧).
[ ١٠ / ٢١٦ ]
وعلى هذين معناه (^١): فسوف يلقون جزاءَ الجهالة والضلالة، وعلى هذا قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ أي: جزاء الإثم.
وأما أهل الآثار فقد قال ابن مسعود وابن عباس ﵃: هو وادٍ في جهنم (^٢).
وقال بعضهم: هو الخسران.
وقال بعضهم: هو العذاب.
وقال حميد بن هلال (^٣): إن في جهنم بئرًا ضِيقُها كضيقِ الزُّج (^٤) تسيل قيحًا ودمًا تسمَّى غيًّا.
وعن أبي (^٥) عبيدة عن أبيه قال: الغيُّ بئر (^٦) في النار (^٧).
_________________
(١) في (ف): "هذا" بدل: "هذين معناه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٧٢) عن ابن مسعود وعبد اللَّه بن عمرو ﵃. وذكره عن ابن عباس الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ٢٢١).
(٣) العدوي، أبو نصر البصري تابعي ثقة، من رجال "التهذيب". ولم أجد الخبر الآتي عنه، لكن روى نحوه نعيم بن حماد في زياداته على "الزهد" لابن المبارك (٣٣٦) عن شفي الأصبحي.
(٤) في (أ): "ضيق الزج". والزُّج: الحديدة التي في أسفل الرمح.
(٥) في (ف): "وقال أبو".
(٦) في (ف): "عقر"، وفي (ر): "عقد".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٧٢) بلفظ: (نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر). وفي رواية: (نهر جهنم في النار، يعذّب فيه الذين اتبعوا الشهوات). ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩١١١) بلفظ: (وادٍ في جهنم بعيدُ القَعرِ خبيثُ المَطْعَم)، و(٩١١٠) بلفظ: (نهرٌ في جهنم ووَادٍ في جهنم). وثمة روايات أخر عن ابن مسعود من طريق أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود ﵁ ومن غير طريقه تنظر في المصدرين المذكورين وغيرهما.
[ ١٠ / ٢١٧ ]
وقال وهب: الغيُّ نهر (^١) في النار بعيدٌ قعره خبيثٌ طعمه (^٢).
وقال مقاتل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ يعني: اليهود ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: استحلُّوا نكاح الأخت من الأب (^٣).
وقال مجاهد: هم النصارى (^٤).
وقيل: هم مشركو العرب، وهم من أولاد إسماعيل.
وقيل: هي في حقِّ المسلمين الذين يؤخِّرون الصلاة عن أوقاتها، وقد مر عن عمر بن عبد العزيز ذلك، وقال قُرَّةُ بن خالد: أبطأ أميرٌ من الأمراء صلاة العصر فقال الضحاك: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ الآية، واللَّه لئن أتركها أحبُّ إليَّ مِن أن أضيِّعها (^٥).
وقال إبراهيم: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: لم يصلُّوها لوقتها (^٦).
_________________
(١) في (أ): "بئر". والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٢٢)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٢٤١).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٣٢).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٦) عن السدي قال: هم اليهود والنصارى. ورواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٣٥) لكن في تفسير قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] قال: النَّصارى.
(٥) ذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ٢٢١). وقرة بن خالد هو السدوسي البصري، روى عن أبي رجاء العطاردي وابن سيرين والحسن، وروى عنه شعبة ويحيى بن سعيد القطان وأبو داود الطيالسي وغيرهم. من رجال "التهذيب".
(٦) ذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ٢٢١) عن ابن مسعود وإبراهيم والقاسم بن مخيمرة قالوا: أخَّروها عن مواقيتها وصلَّوها بغير وقتها.
[ ١٠ / ٢١٨ ]
وقال الزهري: المنافقون شاربون للقهوات (^١)، لعَّانون للكعبات (^٢)، التابعون للشهوات، التاركون للجمعات، الراقدون عن (^٣) العتمات، المفرِّطون في الصلوات، ثم تلا هذه الآية (^٤).
وروى ابن جريجٍ عن مجاهد قال هذا عند قيام الساعة وذهابِ صالحي هذه الأمة، ينزو بعضُهم على بعضٍ في الأزقَّة نزوًا (^٥).
* * *
(٦٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: رجع عن كفره ﴿وَآمَنَ﴾ على شرطه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بعد إيمانه.
وعلى قولِ مَن حمل الآية على المسلمين: ﴿وَآمَنَ﴾؛ أي: دام على إيمانه وتاب من ذنوبه.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: ولا يدخلون الغَيَّ ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: لا يُنقصون من ثواب عملهم (^٦) في المستقبل بما عملوا من الذنوب في الماضي.
_________________
(١) في (ف): "يسابقون للقهوات". والقهوة عند العرب: الخمر.
(٢) في (أ): "لعابون باللعاب"، وفي (ر) و(ف): "لعابون بالكعاب". والمثبت من "الدر المنثور".
(٣) في (ف): "في"، وفي (ر): "عند". والمثبت من (أ) و"الدر".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٦) عن كعب قال: (واللَّه إني لأجد صفة المنافقين في التوراة. . .) وذكره بنحوه. وهكذا ذكره عن كعب أيضًا ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وفيه: (. . . شرابين للقهوات، تراكين للصلوات، لعابين بالكعبات، رقَّادين عن العتمات، مفرِّطين في الغدوات، تراكين للجمعات. . .).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٧٠) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) في (أ): "أعمالهم".
[ ١٠ / ٢١٩ ]
(٦١) - ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: ترجمة عن قوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وهي في محلِّ النصب، وإنما ترجَم عن الجنة بالجنات لأنها جنسٌ وهي بمعنى الجمع؛ أي: هي جنةٌ واحدة مشتمِلة على الجنات.
﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾: أي: العبادَ التائبين المؤمنين العاملين الصالحاتِ، فقد سبق ذكر هذه الصفات، ولأنه أضافهم إليه وهو اختصاصٌ، وأهلُ الاختصاص هؤلاء.
﴿بِالْغَيْبِ﴾: بالوحي إلى نبيِّه وتلك الجنةُ غائبة عنهم فصدَّقوه، وهو ثناء عليهم بالتصديق.
﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾: أي: موعودُه ﴿مَأْتِيًّا﴾؛ أي: يأتيه الموعودُ له ويبلغه.
ومَن جعله بمعنى الآتي فهو خلافُ الوضع، وما قلناه أحسن؛ لأنَّه مراعاةُ الوضع، وما أتاك فقد أتيتَه.
* * *
(٦٢) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾: أي: في الجنة ﴿لَغْوًا﴾؛ أي: هدرًا من الكلام وما حقُّه أن يُلغَى؛ أي: يُبطل ويُطرح (^١) ولا يُصغى إليه، وقد ذكر اللَّه تعالى كلامهم في آيات؛ فقال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الآيتين [يونس: ١٠]، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]، ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ الآية [الطور: ٢٦]، وكلام الملائكة لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ الآية.
_________________
(١) في (ف): "وينطرح".
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾: استثناءٌ منقطع؛ أي: لكنْ سلامًا؛ أي: سالمًا من اللغو، أو (^١) سلامًا عليهم بالتحية.
وقيل: أي: لا يسمعون من غيرهم إلا سلامَ الملائكة بالتحية التي بيننا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: أي: مطاعمُهم ومشاربهم على ما يحبُّونه في الدنيا من الأكل والشرب في هذين الوقتين، فيؤتَون به بمقدارِ هذين الوقتين، ولا بكرة فيها ولا عشيَّ.
وقال قتادة: كانت العرب إذا أصاب أحدُهم الغداءَ والعشاءَ عُجب له، فأَخبر أن لهم في الجنة ذلك (^٣).
وقيل: لما كان أعدلَ أحوالِ المطاعم وأبعدَها من الضرر الغداءُ والعشاءُ عرَّفهم ﷻ اعتدالَ أحوال أهل الجنة في مأكلهم، وضرَب لهم البكرة والعشيَّ مثلًا لذلك.
وقيل: لهم ذلك غيرَ منقطعٍ في أوقات حاجتهم، ويقول الرجل: أنا أصبح وأمسي في ذكرك، و: بِرُّ (^٤) فلانٌ يغدو إليَّ ويروح؛ أي: لا ينقطع.
* * *
(٦٣) - ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾.
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾: أي: نجعلها للأتقياء دون الذين (^٥)
_________________
(١) في (ر) و(ف): "و".
(٢) في (أ): "بينا".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٧١)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٧٧).
(٤) في (ر): "وبني"، وفي (ف): "وابن"
(٥) في (أ): "من".
[ ١٠ / ٢٢١ ]
أضاعوا الصلوات واتَّبعوا الشهوات، وإيراثها: مصيرُها لهم وإنزالُهم فيها؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُم﴾ [الأحزاب: ٢٧].
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾: أي: ويقولُ لك جبريل حين استبطأتَ نزوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ نحن معاشرَ الملائكة ﴿إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وإضمارُ القول في القرآن كثير، منها: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]؛ أي: قل ذلك.
وقد بينَّا في سورة الكهف أنه تأخَّر نزولُ جبريل أيامًا حين سُئل رسول اللَّه -ﷺ- عن الروح وأصحابِ الكهف وذي القرنين.
ويحتمِل أن يكون تأخُّر نزوله بعد هذه الآيات التي فرَغنا من تفسيرها أيامًا، فلما نزل سأله النبيُّ -ﷺ- عن سبب التأخير، فنزلت الآية في ذلك، فانتَظَمت بها لنزولها بعدها.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: أي: قبل أن يخلقنا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾؛ أي: من الدنيا بعد أن يُفنيَنا (^١) ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: حالَ حياتنا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾: أي: ناسيًا ينسى الوقتَ الذي فيه الصلاحُ في إنزالنا.
وحقيقته: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ من الأزمان (^٢) والأوقات،
_________________
(١) في (ر): "بعد بعثتنا".
(٢) في (أ): "الأيام".
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
فهي كلُّها للَّه تعالى، هو خلقَها وهو يدبِّرها ويدبِّر أمرنا فيها بما شاء (^١) من تقديم إنزالٍ وتأخيره.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾؛ أي: الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الآخرة ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: النفختين.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الدنيا.
وكلُّ واحد منهما له وجه في الاستعمال؛ يقال: الشتاء بين أيدينا، على معنى: أنَّا متوجهون إليه، و: الشتاء خلفنا؛ أي: يجيءُ بعد هذا، وكذا ما يقابله.
وقيل: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾؛ أي: ما مضَى من أمورنا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: ما يكون منَّا بعدها (^٢)، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما نحن فيه الآن؛ أي: هو المالك لأمورنا كلِّها والمصرِّف لها كيف شاء.
وقال الأخفش: اللام (^٣) في قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ لبيان العلم، وهو في (^٤) معنى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو للعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بين ذينك، وقد أوضحناه في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
وقيل في قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾؛ أي: ناسيًا لك، وذلك حين قالوا: لعل ربَّك نسيَك.
_________________
(١) في (أ): "على ما يشاء"، بدل: "بما شاء".
(٢) في (ر) و(ف): "بعد هذا".
(٣) في (ف): "الكلام".
(٤) "في" ليست في (أ).
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
(٦٥) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: هو ربُّ السماوات والأرض.
وقيل: هو ترجمة قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
﴿فَاعْبُدْهُ﴾: بالصلاة وغيرها (^١) ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾؛ أي: اثبُت عليها ولا تجزع لتأخُّرِ (^٢) الوحي عنك.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: أي: هل تعلم أحدًا يستحقُّ أن يسمَّى بأسمائه ويوصفَ بصفاته، فيكونَ خالقًا ورازقًا، ومحيِيًا ومميتًا (^٣)، عالمًا بكلِّ شيء، قادرًا على كلِّ شيء؛ أي: قد علمتَ أن أحدًا ليس كذلك غيرُه فالْزَمْ عبادته.
وقيل: هل تعلمُ أحدًا هو ربُّ السماوات والأرض وما بينهما غيرَه.
وقال مجاهد: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾؛ أي: مِثْلًا (^٤).
وقال القشيريُّ ﵀: هو ربُّ الأكابر، وهو أيضًا ربُّ الأصاغر، وقيمةُ العبد بمالكه وقَدْرِه، لا بثمنه في نفسه وخطره (^٥).
* * *
(٦٦) - ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ونحوها".
(٢) في (ر): "لتأخير".
(٣) في (أ): "خالقًا رازقًا محييًا مميتًا".
(٤) في (ر) و(ف): "مثيلًا". والمثبت من (أ)، وكذا رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٨٦).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٣٦)، ولفظه: (إذا كان ربَّ الأكابر من الأقوياء فهو أيضًا ربّ الأصاغر من الضعفاء، وقيمة العبد. . .).
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾: استفهام بمعنى التحجُّب والإنكار، وقوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾؛ أي: من القبر.
وقيل: هو أبيُّ بن خلف الجُمَحي؛ أي: يقول هذا الإنسان المنكِر للبعث، وهو الذي يترفَّع عن الصلاة والخدمة للَّه تعالى، مخالفًا للأنبياء الذين ثبتوا (^١)، وموافقًا للَّذين أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهوات؛ لإنكاره البعث ولولاه ما فعَل كذلك: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ لأُبْعَث وأُخرج من القبر، مستعظِمًا له منكِرًا لكونه.
* * *
(٦٧) - ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ بتشديد الذال والكاف، وأصله: يَتذكَّر، فأدغمت التاء في الذال؛ أي: أفلا يتذكَّر ويَحضره قلبه، وقرأ الباقون مخفَّفًا من الذكر الحاضر في القلب (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾: وهذا حجَّتُنا على المعتزلة في أن المعدوم ليس بشيء حالَ عدمه؛ أي (^٣): أوجَدْناه، والإعادةُ كذلك، وهو كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩].
* * *
(٦٨) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾: أَقْسَم بنفسه وأضاف نفسَه إلى نبيِّه، وهذا تعظيم لقَدْره، وهو تأكيدُ الخبر عن البعث بعد إقامةِ الحجة عليهم.
_________________
(١) في (أ): "ثبتنا"، وفي (ف): "بينا".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤١٠)، و"التيسير" (ص: ١٤٩).
(٣) في (ف): "يعني".
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾: أي: لنبعثنَّهم ولنجمعنَّهم يوم القيامة ﴿وَ﴾ لنحشرنَّ ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ معهم وهم أولياؤهم، فنَقرُنهم في السلاسل في جهنم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾: قال الكلبي: أي: جماعات (^١)، قال الأعشى:
وهي جملاءُ كبدرٍ طالعٍ بزَّتِ الخلقَ جثيًّا بالجمالِ (^٢)
أي: جميعًا.
وقيل: أي: جاثِين على ركبهم، وذلك يكون للاختصام كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١].
وقال قطرب: يجوز أن يكون مصدرًا، ويجوز أن يكون جمعًا للجاثي.
* * *
(٦٩) - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾: قال الخليل: رفع ﴿أَيُّهُمْ﴾ على الحكاية بتقدير: فيقال (^٣): أيُّهم أشدُّ عتيًّا فليَخرج.
وقال سيبويه: أي: الذي هو أشدُّ، ولما حُذف (هو) أُعرب ﴿أَيُّهُمْ﴾ بإعرابه (^٤).
_________________
(١) ذكره عن الكلبي الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٨٣)، وذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ٢٢٤) والواحدي في "البسيط" (١٤/ ٢٨٧)، عن ابن عباس، فلعله مما روي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) لم أجده.
(٣) بعدها في (ر): "لهم".
(٤) انظر: "الكتاب" (٢/ ٣٩٨ - ٤٠٠)، وفيه قول الخليل المذكور. وقول المؤلف: "أعرب "أيهم" =
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
ومعنى الآية: ثم لنُخرجن للنار من كلِّ فرقةٍ متشايعةٍ -أي: متعاونةٍ على الكفر- أشدَّهم على اللَّه عتوًّا؛ أي: تمرُّدًا.
وقال ابن عباس ﵄: جراءةً (^١).
وقال مجاهد: فجورًا (^٢).
وقال مقاتل: علوًّا (^٣)؛ أي: نبدأ بالأعتى فالأعتى بإدخالهم النار، فتدخل الرؤساء أولًا ثم الأتْباع؛ كما قال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [هود: ٩٨].
_________________
(١) = بإعرابه" يريد واللَّه أعلم: أنه أخذ محله من الإعراب؛ لأن "أيهم" عند سيبويه مبنية على الضم؛ لأنَّها خالفت أخواتها في حذف صدر صلتها مع عدم جواز ذلك فيهن؛ لأنك لو قلت: رأيت الذي أفضل منك، ومَن أفضل، كان قبيحًا، حتى تقول: من هو أفضل. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، و"إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ١٧)، و"البسيط" (١٤/ ٢٩٠)، و"الكشاف" (٣/ ٣٤). هذا وقد اختار الزجاج قول الخليل واستحسنه فقال: (والذي أعتقده أن القولَ في هذا قولُ الخليل، وهو موافق للتفسير. .)، كما أنه غلَّط سيبويه فيما ذهب إليه، فقد نقل عنه تلميذه أبو جعفر النحاس قوله: (ما يَبِين لي أنّ سيبويه غلط في كتابه إلّا في موضعين هذا أحدهما)، قال: (وقد علمنا سيبويه أنه أعرب "أيًّا" وهي منفردة لأنها تضاف، فكيف يبنيها وهي مضافة؟)، وقال النحاس: (وما علمت أن أحدًا من النحويين إلّا وقد خطّأ سيبويه في هذا).
(٢) ذكره بهذا اللفظ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ٢٢٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٨٨ - ٥٨٩) بلفظ: كفرًا. وبهذا اللفظ جاء في "تفسير مجاهد" (ص: ٤٥٧)، و"تفسير يحيى بن سلام" (١/ ٢٣٥)، و"معاني القرآن" للنحاس (٤/ ٣٤٧)، وكذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٣) لأبي عبيد وعبد بن حميد وابن المُنذر وابن أبي حاتِم والبَيهقيّ.
(٣) ذكره بهذا اللفظ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ٢٢٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٨٨) بلفظ: (عصيًّا)، وفي رواية: (أيهم أشد للرحمن معصية، وهي معصيته في الشرك)، وفي "البسيط" (١٤/ ٢٨٩): قال ابن عباس في رواية الوالبي: (أيهم أشد عصيانًا)، وقال في رواية عطاء: (أيهم أعظم فرية).
(٤) ذكره بهذا اللفظ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ٢٢٤)، وفي" تفسير مقاتل" (٢/ ٦٣٤): (عتوًّا) بالتاء، وهو المناسب لما سيأتي من كلام المؤلف.
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
(٧٠) - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لترتيب الإخبار لا لترتيب العلم؛ أي: نحن أعلم بمن هو أشدُّ استحقاقًا لدخول النار من سائر الناس، وأحقُّ بالبداية (^١) به.
وقيل: ﴿لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾؛ أي: بمن هو أولى بزيادة العقوبة، من قولهم: صُلِيتُ بالحرب؛ أي: قاسيتُ شدَّتها، فالآية الأولى في بيان الأحقِّ بالبداءة (^٢)، وهذه في بيان الأحق بزيادة التشديد.
* * *
(٧١) - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: أي (^٣): وليس منكم أيها الناس من المؤمنين والكافرين إلا وهو واردٌ جهنم.
وقال ابن عباس ﵄: إلا (^٤) داخِلُها.
وروي أن نافعَ بن الأزرق قال لعبد اللَّه بن عباس: ما الورود؟ قال: الدخول، قال: لا، إنما الورود الوقوف على شفيرها، قال (^٥) ابن عباس ﵁: واللَّه
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بالندامة".
(٢) في (أ) و(ف): "بالبداية".
(٣) في (ف): "قال نافع".
(٤) في (أ): "أي".
(٥) من قوله: "وقال ابن عباس. . . " إلى هنا وقع في (ف) بدلًا منه: "وسأل ابن الأزرق ابن عباس عن هذه الآية فقال".
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
لأَرِدَنَّها ولتَرِدَنَّها (^١)، وإني لأرجو أن أكون من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وتكونَ أنت من الذين قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ويحك (^٢) يا ابن الأزرق! أمَا تقرأُ كتاب اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٧ - ٩٨] أفتراه (^٣) -ويحك- إنما أقامهم على شفيرها واللَّه تعالى يقول: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؟ قال: فسكت نافع (^٤).
وعن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: لمَّا نزلت هذه الآية ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى، فجاءت المرأة فبكت، فجاءت الخادم فبكت، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون، فلما انقطعت عبرتُه قال: يا أهل البيت! ما يُبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكنَّا رأيناك تبكي فبَكَينا لبكائك، فقال: آيةٌ أنزلت على رسول اللَّه -ﷺ- يُنبئني ربِّي فيها أنِّي واردُ النار، ولم يُنْبئني أني أصدُر (^٥) عنها، فذلك الذي أبكاني (^٦).
وقال الحسن: قال رجل لأخيه: أي أخي! هل أتاك أنك واردُ النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك خارجٌ منها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحكُ إذن؟ قال: فما رُؤي ضاحكًا حتى مات (^٧).
_________________
(١) في (ف): "واللَّه لأردنها"، وفي (ر): "واللَّه لأرد بابها".
(٢) في (ف): "ويلك".
(٣) في (ر): "اقرأ"، وفي (ف): "أو يقول".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٧٨٠)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٩١ و٥٩٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٨٥) واللفظ له.
(٥) في (ر): "صادر".
(٦) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٠٩).
(٧) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣١١)، وبنحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥١٩٦).
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
وقيل: هو مرور الكلِّ على الصراط، وسلامةُ المؤمنين وسقوط الكافرين.
روي عن كعب أنه قال: إن جهنم يُجاء بها يوم القيامة كأنها متنُ إهَالةٍ يعلوها البَرُّ والفاجر، فيقول اللَّه تعالى: خذي أولياءك ودعي أوليائي لي، فلهيَ (^١) أَعرَفُ بهم من الأم بولدها، فتأخذهم وينجو المؤمنون منها نديَّةً ثيابهم، وهو قولُ اللَّه ﷿ (^٢): ﴿عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٣).
وعن خالد بن مَعْدَانَ أنه قال: إن المؤمنين يقولون: ألمْ يَعدْنا ربُّنا أنَّا نردُ النار، فقيل لهم: بلى ولكنكم مررتُم بها وهي خامدةٌ (^٤).
وسُئل السدي عن هذه الآية فقال: حدثني مرةُ الهمداني عن ابن مسعود ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "ليس أحدٌ من الناس إلا سيَرِدُ النار (^٥)، ثم يَصْدُرون منها بأعمالهم، فيكون أولُ صادر كلمح البصر، ثم يكون الصادر كالريح
_________________
(١) في (ر) و(ف): "قالت إني"، بدل: "لي فلهي".
(٢) في (أ): "كقوله" بدل: "وهو قول اللَّه ﷿".
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٤٠٥ - زوائد نعيم)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤١٧٢)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٩٣)، وابن قتيبة في "غريب الحديث" (٢/ ٤٩٩)، ومن طريقه الدينوري في "المجالسة" (٧٠٢). وقال ابن المبارك في "شرح متن الإهَالة" كما في "الغريبين" للهروي و"مجمع الغرائب" لعبد الغافر الفارسي (مادة: أهب): أمَا تَرَى الدَّسَم إذا جَمَدَ على رأس المَرَقة. وقال غيره: مَتْنُ الإهالة: ظهرُها إذا سكنتْ في الإناء، شَبَّهَ كعبٌ سكونَ جهنم بالنار قبل أنْ يَصِيرَ الكافرُ فيها بسكون ظهرِ الإهالةِ. والإهالة: الدهن مما يؤتدم به، أو الدسم الجامد، أو ما أذيب من الألية.
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٤٠٧ - زوائد نعيم)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥٤٢٩)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٩٢)، وأبو عبيد في "غريب الحديث" (٤/ ٣٤٧)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" عقب الخبر (٣٧٣).
(٥) في (ر) و(ف): "سيردها".
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
المارة بهم، ثم يكون الصادر كالبرق (^١)، ثم يكون الصادر كالطير، ثم يكون الصادر كشدِّ (^٢) الفرس، ثم يكون الصادر كشدِّ الراحلة (^٣)، ثم يكون الصادر كأشد الرجال، ثم يكون الصادر كالماشي، فآخِرُ (^٤) مَن ينجو أن يحبوَ حبوًا" (^٥).
وعن سعيد بن أبي هلال قال: بلغَنا أن الصراط يكون على بعض الناس أدقَّ من الشعر، وعلى بعض الناس مثلَ الوادي الواسع (^٦).
ثم فائدةُ إدخال المؤمنين النارَ مع أن اللَّه تعالى يَقيهم حرَّ النار: تشديدُ الحسرة على الكفار بدخولهم فيها وتعذيبِهم بها وبقائهم فيها.
وعن جابر ﵁ قال: سألتُ النبيَّ -ﷺ- عن هذه الآية فقال: "لا يبقى بَرٌّ ولا فاجر إلا دخلها، ثم تبردُ على المؤمنين كما كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم" (^٧).
وبعض الناس جعل هذا الورود حضورًا، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ
_________________
(١) "بهم ثم يكون الصادر كالبرق" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ر) و(ف): "كأشد".
(٣) في (ر) و(ف): "ثم يكون كأشد الراحلة".
(٤) في (أ): "كمشي الرجل وآخر"، بدل: "كأشد الرجال ثم يكون الصادر كالماشي فآخر".
(٥) رواه بنحوه الترمذي (٣١٥٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٢١) (٨٧٤١) وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه شعبة عن السدي فلم يرفعه. ثم رواه الترمذي (٣١٦٠)، والحاكم في "المستدرك" (٨٧٤٢) (٨٧٤٣) من طريق شعبة موقوفًا على ابن مسعود وعقَّباه بقول شعبة: سمعته من السدي مرفوعًا ولكني عمدًا أدعه.
(٦) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٤٠٦ - زوائد نعيم).
(٧) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٤٥٢٠) من حديث جابر ﵁، وإسناده ضعيف؛ لجهالة أحد رجال الإسناد.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ الآية، وقال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أي: نسلِّم ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: نُدخل ونتركُ.
وهو خلاف الأحاديث المشهورة، وعلى الأول جمهورُ أهل السنة والجماعة.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: أي: كائنًا لا محالة محكومًا به.
* * *
(٧٢) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: قرأ الكسائي بالتخفيف من الإنجاء، والباقون بالتشديد من التَّنجية (^١)، وهما لغتان؛ أي: يخرِج منها الذين اتَّقوا الذنوب كلَّها قبل أن يعذِّب، والذين اتقوا الكفر ووقعوا في المعاصي إمَّا قبل التعذيب وإمَّا بعده (^٢)، فمصيرهم إلى الجنة في العاقبة.
﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ندَع المشركين ﴿فِيهَا﴾ أبدًا ﴿جِثِيًّا﴾؛ أي: جماعاتٍ كما مر.
وقيل: جاثين على الرُّكب للتخاصم، كما قال: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤].
* * *
(٧٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤١١)، و"التيسير" (ص: ١٤٩).
(٢) في (ر) و(ف): "بعد التعذيب".
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: على هؤلاء (^١) المنكرين للبعث ﴿آيَاتُنَا﴾؛ أي: القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ مهم نصبٌ على الحال؛ أي: حجَجًا واضحاتٍ.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾: قرأ ابن كثير بضم الميم وهو موضع الإقامة، والباقون بفتحها، وهو موضع القيام (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: أي: مجلسًا ومجتمَعًا، وندَوْتُ القوم أَنْدُوْهم نَدْوًا (^٣)؛ أي: جمعتُهم في مجلس، والنادي: المجلس، قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]، والأندية: المجالس، جمعُ نَدِيٍّ؛ كالأَقفِزة جمع قَفِيز، ويُجمع (^٤) جمعَ نادٍ؛ كالأودية جمع وادٍ.
يقول: عجزوا عن المعارضة والاعتراض فعدَلوا عن المحاجَّة إلى المعانَدة بإدخال الشُّبَه على الضَّعَفة، فقالوا: أيُّ الفريقين منَّا ومنكم أيها المؤمنون خيرٌ منازلَ وأحسنُ مجالس؟ أي: أيُّنا أكثرُ مالًا وأحسنُ في أسباب الدنيا حالًا؟ يُوهمون (^٥) بذلك أنَّ مَن كثُر ماله وحسُنت حاله وانبَسطت يدُه وكثُرت أعوانه فذاك دليلٌ على أنه محقٌّ في دينه، ومَن خالفه في هذه الصفة -من سوءِ الحالة ورثاثةِ الهيئة وقلةِ الخدم والحشم- فهو مبطِلٌ في دينه.
* * *
(٧٤) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
_________________
(١) في (ف): "المشركين".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤١١)، و"التيسير" (ص: ١٤٩).
(٣) في (ف): "نديت القوم أنديهم نديًا".
(٤) في (أ) و(ف): "ويجوز".
(٥) في (ر): "توهموا".
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾: الأثاث: المتاع.
وقيل: هو ما يزيَّنُ به المنزل من أنواع الأمتعة.
والرِّئْي بالهمزة: المنظر، من الرؤية (^١)، وقرأ نافع وابن عامر من غير همز (^٢)، وقرأ غيرُهما بالهمز على الأصل، ومَن ترك الهمز فله وجهان:
أحدهما: تليين الهمزة على إرادتها؛ تخفيفًا، أو لموافقةِ فواصل الآي.
والثاني: أنه من رَوِي يَرْوَى رِيًّا (^٣)، من حدِّ عَلِم؛ أي: رَوِيَتْ ألوانُهم وجلودُهم وارْتَوَتْ من النعمة والخِصْب.
ذكَر هذين الوجهين الكسائيُّ والأخفش وقطربٌ.
يقول: ليس حُسن هؤلاء في الدنيا لِمَا قالوا، فكم أهلكْنا بالعذاب قبل هؤلاء من قرون المخالِفين المكذِّبين هم كانوا أكثرَ من هؤلاء مالًا وأبسطَ يدًا وأبعدَ سوطًا وأبهى منظرًا وأنعم عيشًا وأكثرَ أنصارًا، وكان هذا معلومًا عندهم من هلاكِ عادٍ وثمودَ وغيرهم.
وقيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث وذوِيه.
قال مقاتل: كانوا يرجِّلون شعورهم ويَدهُنون رؤوسهم ويلبسون جياد ثيابهم مفتخِرِين بشارتهم (^٤) وهيأتهم على فقراء الصحابة، فنزلت الآية (^٥).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "المروة".
(٢) هي قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر، وقالون عن نافع. انظر: "السبعة" (ص: ٤١١)، و"التيسير" (ص: ١٤٩).
(٣) (ريًّا) بفتح الراء وكسرها، كما "مختار الصحاح". وكلمة: "ريًّا" ليست في (أ).
(٤) في (ر) و(ف): "بشأنهم".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٣٦)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٢٨)، و"تفسير البغوي" (٥/ ٢٥٢).
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
(٧٥) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾: أي: قل لهم يا محمد: مَن كان في الشرك والجحود فلْيَعِش ما شاء من المدة الطويلة، وأضاف المَدَّ إلى نفسه لأنه هو الذي يُعَمِّر ويُبقي في الدنيا أهلَها، فإن طول عمره لا يمنع اللَّه تعالى مما يريد به عاجلًا أو آجلًا (^١).
وقيل: أراد به المدَّ في الضلالة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وقولهِ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وهذا صيغته صيغةُ أمر ومعناه الخبر؛ كقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠]، وقالوا: من عادة العرب تأكيدُ الخبر بصيغة الأمر، قال تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾: أي: على شركهم من أحد هذين: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾؛ أي: العاجلَ ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾؛ أي: القيامةَ.
وقوله تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾: أي: فسوف يعلمون في القيامة ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: أهُم أم المؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾: أي: أقلُّ ناصرًا؛ أي: لا يبقَى لهم ناصرٌ ولا مقامٌ ولا نديٌّ، وكانوا يقولون: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ والمقام هاهنا هو ذلك المقام؛ أي: يعلمون أن ما أُوتوه من المقام والنَّديِّ لم يكن لعزِّهم وشرف محلِّهم (^٢) عند اللَّه، بل المؤمنون هم أشرفُ عند اللَّه محلًّا.
_________________
(١) في (أ): "مما يريده عاجلًا وآجلًا".
(٢) في (ر) و(ف): "وشرفهم".
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
(٧٦) - ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾: أي: ثباتًا على الاهتداء كما يمدُّ الضالِّين المصرِّين على ذلك في الضلال.
وقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: أي: الأعمال الحسنة التي يبقى ثوابها ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾؛ أي: أحسنُ عاقبةً من الأعمال السيئة كعبادة الأوثان والمعاصي والافتخارِ بالدنيا والأثاثِ والزِّي (^١)، والمقام والنَّدِيِّ.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾؛ أي: مرجعًا ومنقلَبًا.
* * *
(٧٧) - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿وَوَلَدًا﴾ بضمِّ الواو، وهو لغةٌ في الوَلَد كالحَزَن والحُزْن، والعَدَم والعُدْم (^٢)، والبَخَل والبُخْل.
وقيل: هو جمع الولد؛ كالأُسْد بالضم: جمع الأَسَد.
والباقون: ﴿ووُلْدًا﴾ بفتح الواو واللام، وهو واحد (^٣).
وروي عن خبَّاب بن الأرتِّ أنه قال: كنت قَيْنًا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل حقٌّ، فأتيتُه في الإسلام أتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتى (^٤) تكفرَ
_________________
(١) في (ف): "والراي"، ولعل المراد بها: (والرئي).
(٢) في (أ): "والقدم والقدم".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤١٢)، و"التيسير" (ص: ١٥٠).
(٤) في (ف): "لا أعطيك أو".
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
بمحمدٍ، فقلت: واللَّه لا أكفرُ بمحمد حتى يميتَك اللَّه ثم يبعثَك، فقال: دعني حتى أموتَ وأُبعثَ فأُوتَى مالًا وولدًا فأقضيَك، فنزلت الآية (^١). وهذا دليل على (^٢) أنه قال ذلك استهزاءً.
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقيل: في أبيِّ بن خلف.
وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾؛ أي: أرأيت يا محمد هذا العجَب من هذا الكافر الذي يقول: لأعطين مالًا وولدًا.
* * *
(٧٨) - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾: ألف الاستفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ.
قال ابن عباس ﵄: أَنَظرَ في اللوح المحفوظ.
وقال مجاهد: أَعَلِمَ علمَ الغيب (^٣).
والاطِّلاع في اللغة: هو الإشراف على الشيء والنظرُ إليه.
وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي: ميثاقًا أنه يُدخله الجنة ويؤتيهِ المال والولد.
وقيل: ﴿عَهْدًا﴾؛ أي: توحيدًا؛ قاله ابن عباس ﵄ (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٩١)، ومسلم (٢٧٩٥).
(٢) في (أ) و(ف): "وهذا بيان".
(٣) ذكرهما الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ٢٢٩)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٢٥٣). أما الواحدي فقد نسب في "البسيط" (١٤/ ٣١٢) القول الأول للكلبي، والثاني لابن عباس ومجاهد.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٦) بلفظ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ =
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
وقيل: أي: عملًا صالحًا، قاله قتادة (^١).
* * *
(٧٩) - ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾.
﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما توَهَّم، وما اطَّلع الغيب وما اتَّخذ عند الرحمن عهدًا.
وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾: أي: ستكتب ملائكتُنا بأمرنا كتابًا فيُخرَجُ له يوم القيامة فيقرؤه (^٢) فيجازى به. وقيل: أي: سنُثبت. وقيل: أي: سنحفظ.
وقوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾: أي: نزيد ونَصِل بحيث لا ينقطع.
* * *
(٨٠) - ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾: أي: نُميته ونرث ماله وولده (^٣)، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ [مريم: ٤٠].
قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾: أي: من المال والولد.
* * *
(٨١) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾: أي: اتخذ هؤلاء المشركون
_________________
(١) = قال: لا إله إلا اللَّه يَرْجُو بها. وذكره ابن كثير عند هذه الآية بلفظ: العهد: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، ويبرأ إلى اللَّه من الحول والقوة، ولا يرجو إلا اللَّه ﷿.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦٢١).
(٣) "فيقرؤه" من (أ).
(٤) أي: قوله: ﴿مَا يَقُولُ﴾ بدل اشتمال من الهاء في (نرثه).
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
أصنامًا يعبدونها ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾؛ أي: ليتعزَّزوا بها في الآخرة عند اللَّه بما ذَكروا من رجاء الشفاعة وتقريبِهم إلى اللَّه زُلفى.
* * *
(٨٢) - ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما ظنوا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾؛ أي: تتبرَّأ الآلهة عنهم، كما قال تعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾: قيل: أي: أضدادًا؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، قالوا: وإنما وحَّد لأنه أراد كلَّ واحد منهم (^١) يكون ضدًّا.
وقيل: ذكره بمقابلةِ قوله: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾، وذاك مصدرٌ فصلح (^٢) للجمع، فهذا أيضًا في مقابَلته (^٣)، ومعناه: يكونون خلاف ما توهَّموا (^٤) أنهم يشفعون وينفعون.
وإنْ حُمل الآلهةُ على الملائكة وعيسى وعزير، فكونهم ضدًّا قولُه (^٥): ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ وبراءتُهم منهم.
* * *
(٨٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾: أي: خلَّيناهم، وهو كإرسال البعير.
_________________
(١) بعدها في (ف): "أن" ولو كانت بعد "أراد" لكان أنسب.
(٢) في (ف): "فيصلح" بدل: "وذاك مصدر فصلح".
(٣) بعدها في (أ): "ومعناه: ويكونون عليهم خلافًا فيصلح للجمع".
(٤) في (أ): "توهموه"، وفي (ف): "توهمون".
(٥) في (أ) و(ر): "قولهم".
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي: على هؤلاء المشركين الذين اتخذوا آلهةً بتحريض الشيطان؛ أي: خذَلناهم فلم نمنع تزيينَ الشيطان عنهم.
وقوله تعالى: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾: قال الفراء: تزعجُهم وتُغْريهم بالمعاصي (^١).
وقال أبو عبيدة: تَهيجهم (^٢).
وقال قطرب: هو من قولك: أُزَّ قِدْرَك؛ أي: أوقِدْ تحتها؛ كأنه قال: تحرِّكهم على الكفر والمعصية بالدعوة والتزيين، يقول: خلَّيناهم ولم نمنعهم النعمةَ لتَتِمَّ المحنة، فيستحِقَّ المتحرِّز عنه الثواب، وقد نهيناهم عن اتِّباع الشيطان، وأكملنا عقولَهم التي يمكن بها التمييزُ بين الحق والباطل.
وقيل: في آخره (^٣) مضمَر: فعلنا ذلك ليجاهدوا ويتحرَّزوا (^٤) فلم يفعلوا.
* * *
(٨٤) - ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾: بطَلَب عذابهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾؛ أي: نَعدُّ مدَّتهم، وهو عبارةٌ عن القلة (^٥)، يقال: أيام معدودةٌ، وأقوام معدودون.
وقيل: ما دخله العددُ فسريعًا يَنفذ.
وقيل: معناه: لا تعجل عليهم فإنما نؤخِّرهم لا لخيرٍ نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثمًا.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٧٢).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١١).
(٣) في (ر): "فيه"، بدل: "في آخره".
(٤) في (ر): "وليحذروا".
(٥) في (ر) و(ف): "العدة".
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
(٨٥) - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾: قيل: يتصل بقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ﴾؛ أي: نبعث ﴿الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: إلى جنات الرحمن، ويُطلق على البعث إلى دار الملِك اسمُ: البعث إلى الملك.
وبدأ الكلامَ بالإخبار عن نفسه بصيغة الجمع، ثم (^١) المغايبةِ، وهو من أقسام البلاغة، وطريقُه طريقُ قول الأمير: نُنزلكم دارَ الأمير، يعني: دار (^٢) نفسه، وهو كقوله تعالى: ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
وقيل: ﴿إِلَى الرَّحْمَن﴾؛ أي: إلى موقف الحساب، وفيه تيسير الحساب وتوفير الثواب.
﴿وَفْدًا﴾؛ أي: وافدِين، مصدرٌ يراد به نعتُ الجمع كالضيف والزَّور.
وقيل: الوفد جمع وافد؛ كالرَّكب جمع راكب.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَفْدًا﴾؛ أي: ركبانًا (^٣)؛ فإنه من خصائص الوفود، قال: يؤتَون بنوقٍ لم يُر مثلُها عليها رحائلُ الذهب، وأزمَّتُها الزَّبَرْجدُ، فيركبون عليها حتى يضربوا أبوابَ الجنة (^٤).
_________________
(١) بعدها في (أ): "ذكر".
(٢) "دار" من (أ).
(٣) في (ر): "ركبًا".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦٣٠) عن ابن عباس مختصرًا بلفظ: (ركبانًا). ورواه بتمامه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على "المسند" (١٣٣٣)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦٢٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٢٥)، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن عليّ ﵁. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم! وتعقبه الذهبي بقوله: بل عبد الرحمن لم يرو له مسلم ولا لخاله النعمان، وضعفوه.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
وفي تسميتِهم وفدًا بيانٌ (^١) أنهم يتوجَّهون إلى الجنة مسرورين، ويجدون الأهلَ والخدم بقدومهم مسرورين؛ كالوفد يتوجهون إلى السلطان مسرورين، ويكون السلطان وحشمُه بورودهم مسرورين.
* * *
(٨٦) - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾: قال أهل التفسير: أي: عطاشًا، وهو في اللغة: ورودُ الماء، ولكن لا يكون ذلك إلا عن عطشٍ، فجُعل مجازًا عنه ودليلًا عليه، ودلَّ ذكر ورود جهنم ها هنا أن ما يقابله من ذكر الوفود (^٢) هو دخول الجنة.
* * *
(٨٧) - ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي: لا يملك أحد من أهل المحشر أن ينفع أحدًا بشفاعته إلا أن يكون الشافعُ ممن ﴿اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؛ أي: وثيقةً بعملٍ صالحٍ قدَّمه يستحقُّ به رتبةَ الشفعاء.
ويحتمِل: إلا لمن اتخذ عند اللَّه هذا العهد؛ أي: لا تكون الشفاعة إلا في حق المؤمن.
وقيل: العهد: الإيمان. وقيل: الطاعة. وقيل (^٣): أي: الصلاة. وقيل: الذكر.
والعهد جامعٌ لذلك كلِّه.
_________________
(١) في (ر): "إشارة".
(٢) في (ر) و(ف): "الوفد".
(٣) "وقيل" من (أ).
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
وروى ابن مسعود ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قال كلَّ صباحٍ ومساءٍ: اللهم فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، إني أعهدُ إليك في هذه الحياة الدنيا أني أشهد أنك أنت اللَّه الذي (^١) لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك (^٢)، وإنك إنْ تَكِلْني إلى نفسي تقرِّبْني من الشر وتباعِدْني من الخير، فإني لا أثقُ إلا برحمتك، فاجعل لي عندك بها عهدًا تؤدِّيه (^٣) إليَّ يوم القيامة إنك لا تُخلف الميعاد، طُبع عليه طابعٌ، ووضع تحت العرش، فإذا كان يومُ القيامة نادى منادٍ: أين الذين لهم عند اللَّه عهد؟ فيدخلون الجنة" (^٤).
_________________
(١) "الذي" ليست في (أ).
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين"، وليس في (أ) والمصادر.
(٣) في (ر) و(ف): "ترده".
(٤) رواه بتمامه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٣١) فقال: (وروى أبو وائل عن عبد اللَّه بن مسعود قال: سمعت رسول اللَّه علائم يقول لأصحابه ذات يوم. . .) فذكره. ولم أجده من هذا الطريق بهذا التمام مسندًا، لكن رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣٩١٦) من طريق عون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعًا، وفيه بدل عبارة: "طُبع عليه طابعٌ، ووضع تحت العرش، فإذا كان يومُ القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند اللَّه عهد؟ فيُدخِلُون الجنَّة"، قوله: "إلَّا قال اللَّهُ لملائكته يومَ القيامة: إنَّ عبدي قد عَهِدَ إليَّ عهدًا، فأَوْفُوه إياه، فيُدخِلُه اللَّه الجنَّةَ". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٧٤): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن عون بن عبد اللَّه لم يسمع من ابن مسعود. ورواه دون هاتين العبارتين الطبراني في "الكبير" (٨٩١٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٢٦) وصححه، عن الأَسْوَد بن يَزيدَ، عن عبدِ اللَّه بن مسعودٍ ﵁، أنه قرأ ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدً﴾ فقال: (اتَّخِذوا عند الرحمن عهدًا، فإنَّ اللَّه يقولُ يومَ القيامة: مَن كان له عندي عَهْدٌ فلْتقُم. قال: فقُلْنا: فعَلِّمْنا يا أبا عبدِ الرحمن، قال: قولوا: اللهمَّ فاطرَ السَّماواتِ والأرضِ. . .) الحديث. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٨٤): رواه الطبراني، وفيه المسعودي، وهو ثقة ولكنه قد اختلط، وبقية رجاله ثقات.
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
(٨٨ - ٨٩) ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾: قال أكثر العرب: الملائكة بناتُ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾: قال ابن عباس ﵄ ومجاهدٌ وقتادة وابن زيد: أي: منكرًا عظيمًا (^١).
ويحتمِلُ أن تكون الآية عامَّةً فيهم وفي النصارى (^٢) وزعمِهم المسيحَ ابنَ اللَّه.
* * *
(٩٠) - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾: قرأ نافع والكسائي: ﴿يكاد﴾ بياء التذكير؛ لتقدُّم الفعل، والباقون بتاء التأنيث (^٣).
و﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ قرأ ابنُ عامر وأبو عمرٍو، وحمزةُ في رواية، وعاصمٌ في رواية أبي بكر: بالنون بالتخفيف (^٤) من الانفطار، وقرأ الباقون بالتشديد من التفطُّر (^٥)؛ أي: قاربت (^٦) السماوات أن يتشقَّقْن من هذا الشيء الإدِّ (^٧).
﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾: لذلك ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ﴾؛ أي تسقط ﴿هَدًّا﴾ قال القتبيُّ:
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦٣٥ - ٦٣٦).
(٢) بل هذا هو الأولى أن تكون الآية عامة، ولا أدري لم التخصيص في مثل هذا، علما أن المشهور بنسبة الولد للَّه سبحانه هم النصارى، فالأصل شمول الآية لهم ولليهود وللعرب ولكل من نسب للَّه الولد.
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤١٢ - ٤١٣)، و"التيسير" (ص: ١٥٠).
(٤) "بالتخفيف" من (أ)، وليس فيها: "أبي بكر بالنون".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٤١٢ - ٤١٣)، و"التيسير" (ص: ١٥٠).
(٦) في (أ): "كادت".
(٧) "الإد" من (أ).
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
سقوطًا (^١)، وقال الفراء: كسرًا (^٢)، وقال قطرب: زلزلةً وكسرًا، وقال الكسائي: رضًّا.
وقال الخليل: هدمًا مع صوتٍ شديد، والهدَّة: صوت شديد يُسمع من سقوطِ ركنٍ أو ناحيةِ جبل (^٣).
وهذه الأشياء تكون عند قيام الساعة وزوالِ بناء العالم؛ قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقال ﷻ: ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٤ - ٥]، فكأنه قال: كاد العالم ينتقِضُ لفظاعةِ ما قالوا.
* * *
(٩١ - ٩٢) - ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدً﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾: أي: لِأَنْ سمَّوا له ولدًا وأضافوه إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾: أي: وما يصلُح هذا.
* * *
(٩٣) - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.
قوله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾: أي: ليس أحدٌ من أصناف الخلق من الأنبياء والملائكة والجنِّ والإنس والشياطين وغيرهم إلا وهو يأتي عبدًا يوم القيامة، وإذا كانوا عبيدَه وقد خلقهم فكيف يكون أحدٌ مثهم ولدًا له.
وبهذه الآية نقول: إذا ملك الأب ولده عتَق عليه؛ لأنه لا يجتمع البنوة والعبودية.
* * *
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٧٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٧٣).
(٣) انظر: "العين" (٣/ ٣٤٧).
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
(٩٤) - ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾: أي: قَدَر عليهم وعلِم مبلغَ عددهم.
* * *
(٩٥) - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
﴿وَكُلُّهُمْ﴾: أي: كلُّ واحد منهم، ولذلك وحد قوله: ﴿آتِيهِ﴾، فأما قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] فمعناه: جميعهم، فلذلك جمع الخبر.
﴿آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾: أي: مفردًا (^١) عن الأنصار والأموال، فلا يحجزه عما يستحقُّه من عذاب اللَّه تعالى (^٢) حاجزٌ، ولا ينفعه إلا ما قدَّمه من عملٍ صالح.
وروى ابن المبارك ﵀ عن عوف عن غالب بن عجردٍ قال: حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منًى قال: إن اللَّه تعالى لمَّا خلق الأرضَ وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرةٌ يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعةً -أو كان (^٣) لهم فيها منفعةٌ-، فلم تزَل الأرض والشجر كذلك حتى تكلَّم فجَرةُ بني آدم تلك الكلمةَ العظيمة قولَهم: اتخذ اللَّه ولدًا، فلما قالوها اقشعرَّت الأرضُ وشاكَ الشجر (^٤).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: إن الجبل يقول للجبل: يا فلانٌ! هل مرَّ بك اليوم ذاكرٌ للَّه تعالى؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به، ثم قرأ عبد اللَّه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ حتى إذا بلغ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال: فتراهن يسمعن الزُّور ولا يسمعن الخير (^٥)؟
_________________
(١) في (أ): "متفردًا".
(٢) في (ف): "من العذاب".
(٣) في (ر) و(ف): "وبان".
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٣٧).
(٥) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٣٣)، والطبراني في "الكبير" (٨٥٤٢)، والبيهقي في "الشعب" (٦٩١).
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
وهذا إذا وضع اللَّه تعالى فيها الحياة والعلم، وذلك جائز عندنا، وعلى ذلك تصدُّع الجبل من خشية اللَّه تعالى، وهبوطها من هيبة (^١) اللَّه تعالى.
وقال قطرب: الإد: الداهية والأمرُ الفاحش، وجمعه: الإداد، وقد أَدَّ يَئِدُّ وَيؤُدُّ، وأنشد:
يا أيها الرَّائمُ أمرًا إدَّا إن كنتَ ترجونا فناطِحْ حدَّا (^٢)
وقال رؤبةُ (^٣):
ويتَّقي الفحشاءَ والأباطِلا والإدَّ ذا الإدادِ والعضائلا (^٤)
* * *
(٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ذكر المؤمنين بعد ذكر الكافرين.
﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: أي: محبةً في صدور عباده المؤمنين، فيحبُّهم ويحبِّبُهم إلى خلقه، وكان نزول هذا بمكة قبل هجرة الحبشة والمدينة (^٥)، وحقق اللَّه
_________________
(١) في (ر) و(ف): "خشية".
(٢) في (أ): "ترجو فناطح أحدا"، وفي (ف): "ترجونا فامنح أحدًا" وفي (ر): "ترجونا فباطح حدا". ولم أجده.
(٣) في (أ): "العجاج".
(٤) في (ر): "والأدد الإداد والعضابلا". والبيت ذكره صاحب "العين" عن رؤبة برواية: ويتَّقي الفَحْشاءَ والنَّياطِلا والِادَّ والإِدادَ والعَضائلا
(٥) في (ف): "قبل الهجرة".
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
لهم هذا الوعد فجعل في قلب النجاشي هذا الودَّ (^١)، وَدَّ المؤمنين حتى أمِنوا في بلاده، ووصلوا إلى بِرِّه، على ما مضى ذكرُه في حديث جعفر بن أبي طالب وهجرةِ الصحابة إليه، وقراءتِه هذه السورةَ عليه، ودفعِه قصدَ المشركين عنهم، ثم بعد ذلك جعل لهم الودَّ في قلوب أهل المدينة حتى آوَوْهم ونصروهم، وأسلموا بالقرآن ثم بالسيف، ثم ألَّف اللَّه تعالى بين قلوب الأوس والخزرج فجعل لهم الودَّ حتى اتَّفق الفريقان على نصرة الحق، ثم تتابع هذا حتى دخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، وجاء نصر اللَّه والفتح، وأورث اللَّه تعالى المسلمين مقام الكفار ونديَّهم، فظهر دين اللَّه ولو كره المشركون، وفي ذلك أوضح دليل على صدق دعوى النبي -ﷺ- الرسالةَ.
وقيل: معناه: سيجعل للمؤمنين مودَّةً لبعضهم من بعضهم، فيتوادُّون ويتآلَفون، فيتعاضدون ويتناصَرون، فينقمِع بذلك أعداؤهم بالسيف أو بالحجة.
* * *
(٩٧) - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾: أي: يسَّرنا القرآن، كنايةٌ لم يسبقها صريحٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
وقيل: يسَّرنا ما قصَصْنا عليك في هذه السورة ﴿بِلِسَانِكَ﴾؛ أي: بلسانك (^٢) الذي هو لسانُ العرب، حتى فهموه وعقَلوه ووقفوا على إعجازه.
وقوله تعالى: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: المؤمنين (^٣) الذين يتَّقون الشركَ والمعاصيَ بما قلنا: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ونحوِ ذلك.
_________________
(١) "هذا الود" من (أ).
(٢) "أي: بلسانك" من (أ).
(٣) "المؤمنين" من (أ).
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾: هؤلاء المشركين المذكورين في هذه الآيات، واللُّدُّ: جمع الأَلدِّ، وهو شديدُ الخصومة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] والمصدر: اللَّدَد.
وقال أبو عبيدة: هو الذي لا يقبل الحقَّ ويدَّعي الباطل (^١).
وقال الخليل: وهو الشديدُ الخصومة العسيرُ الانقياد (^٢)، وكان مشركو قريش كذلك، قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
* * *
(٩٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾: ثم (^٣) هوَّن اللَّه على النبيِّ -ﷺ- خصامهم وعنادهم، وقال: وكثيرًا أهلكنا قبل هؤلاء من قرونٍ كثيرة مثلَ قوم نوحٍ وقوم صالحٍ وقوم لوطٍ وقوم شعيبٍ وغيرِهم؛ لمخالفتهم أنبياءهم.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾: أي: هل تُبصر.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾: هو الصوتُ الخفيُّ في (^٤) الحركة؛ أي: قد ذهبوا وبادُوا فلا عينَ لهم ولا أثر، فكذلك هؤلاء أيضًا إن (^٥) أعرضوا عن تدبُّر ما يسَّرناه بلسانهم من القرآن، الذي لهم فيه الشفاء والبيان، فعاقبَتُهم الهلاكُ فليَهُنْ عليك أمرهم.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٣).
(٢) انظر: "العين" (٨/ ٩).
(٣) "ثم" زيادة من (أ).
(٤) في (أ): "و".
(٥) في (ف): "إذا".
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: أوجدَهم وأحياهم، وعلى ما شاء فطرهم وأبقاهم، ثم بعد ذلك بما شاء أماتهم وأفناهم، فبادُوا بأجمعهم، وهلكوا عن آخرهم، فلا كبيرَ منهم ولا صغير، ولا جليل ولا حقير، وسيطالبون يومَ النُّشور (^١) بالنقيرِ والقِطمير، وإلى جزاء اللَّه المصير (^٢).
والحمد للَّه العليِّ الكبير، السميعِ البصير (^٣)، اللطيفِ الخبير، حمدًا لا يحصَى عددُه، ولا يُعرف أمدُه، وأشكره على ما وفَّقني في إتمام هذه السورة، وصوَّرني بقدرته في أحسن الصورة، وصلى اللَّه على سيدنا محمدٍ سيدِ الأنبياء وخيرته، والرضوانُ على أهله وعترته (^٤)، وعلى الصالحين من أئمة أمته وسلم تسليمًا كثيرًا (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ر): "النشر".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٤٤).
(٣) بعدها في (ر): "وعلى الصالحين من أئمة أمته".
(٤) من قوله: "والحمد للَّه العلي الكبير. . . " إلى هنا وقع في (أ) بدلًا منه: "والحمد للَّه رب العالمين".
(٥) "وعلى الصالحين من أئمة أمته وسلم تسليمًا كثيرًا" من (ف).
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
سورة طه
[ ١٠ / ٢٥١ ]