بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّهِ الَّذي جعلَ أحسنَ القَصص قصَّةَ يوسف، الرَّحمنِ الَّذي جعل المُلْكَ بعدَ السِّجنِ حصَّةَ يوسف، الرَّحيمِ الَّذي كشفَ بالتَّقوى والصَّبر غَصَّةَ يوسف.
وروى أُبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "علِّموا أرقاءَكم سورةَ يوسفَ، فإنَّه أيُّ امرئٍ مسلمٍ تعلَّم سورةَ يوسفَ وعلَّمَها مِلكَ يمينِه وأهلَه هوَّن اللَّه عليه سكراتِ الموتِ، وأعطاه اللَّهُ تعالى القوَّةَ ألَّا يحسدَ مسلمًا" (^١).
وسورة يوسف مكِّيَّةٌ، وهي مئةٌ وإحدى عشرة آية، وألفٌ وسبع مئةٍ وسبعٌ وسبعون كلمةً، وسبعة آلاف ومئة واثنان وستُّون حرفًا.
وانتظام أوَّل هذه السُّورة بآخر السُّورة الَّتي قبلَها: أنَّه افتتحَ هذه السُّورة بقوله: ﴿الر﴾ معناه: أنا اللَّه أرى من العرش إلى الثَّرى، فلي غيب السَّماوات العُلى والأراضي السُّفلى، ولسْتُ بغافلٍ عمَّا يعمل الورى.
ووجهٌ آخر: أنَّه قال في أواخر تلك: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [هود: ١٢٠]، وقال في أوائل هذه السُّورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وهذه إحدى القَصص، وقد قُصَّتْ أحسن القصص.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٤/ ٤٨٠)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٥٩٩). قال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ٨ / ٢٩٧ ]
وانتظامُ كلِّ هذه السُّورة بتلك السُّورة: أنَّ السُّورتَيْن في تسليةِ النَّبيِّ -ﷺ- على ما أصابَه مِن الأذى والنَّوائب، وفي تلك السُّورة ذكرُ ما لقيَ الأنبياءُ مِن الأجانب، وفي هذه السُّورة ما لقي يوسف ﵇ مِن الأقارب.
* * *
(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الر﴾ ذكرنا فيها أقاويل المفسِّرين في أوَّل (سورة يونس).
وقيل: معناه: أنا اللَّه أرى مِن العرش إلى الثَّرى.
وقيل: أنا اللَّه أرى ما نزل بيوسفَ مِن البلوى، من الجبِّ والسِّجن والشَّكوى، ثمَّ جعلتُه ملك الدُّنيا، وجمعتُه مع شيخِه المبتلَى.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: أي: تلك الآياتُ أو السُّور (^١) المنزَلة قبلَ هذه السُّورة، وهي آيات الكتاب.
وقيل: أي: تلك الآياتُ المكتوبةُ في اللَّوح المحفوظ الموعودة لك.
أو: تلك الآيات الَّتي أخبرَتِ الأنبياءُ بإنزالها عليك هي آيات الكتاب.
وقيل: ﴿تِلْكَ﴾ بمعنى: هذه؛ كما مرَّ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وأوردنا دليلَه؛ أي: هذه السُّورة، أو: هذه الآيات.
أو: ﴿الر﴾ هذه الحروف الَّتي هي اسمُ هذه السُّورة ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾؛ أي: فيه بيانُ ما بالنَّاس من حاجةٍ إليه في دينِهم.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يعني: فيه بيانُ الحلالِ والحرامِ (^٢).
_________________
(١) في (ر): "والسورة".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥) عن مجاهد.
[ ٨ / ٢٩٨ ]
وقال قتادةُ: فيه بيان الرُّشد والضَّلال (^١).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: فيه بيانُ الحقِّ والباطلِ، والعدلِ والجَورِ (^٢).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: في إنزالِ الكتاب عليه وإرسالِ الرَّسول إليه تحقيقٌ لأحكام المحبَّة، وتأكيدٌ لأسباب الوُصلةِ؛ فإنَّ مَن عُدمَ حقيقة الوصولِ استأنسَ بالرَّسول، ومَن بقي (^٣) عن شُهودِ الأحبابِ تسلَّى بورود الكتاب (^٤).
* * *
(٢) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: الكتابَ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي: كلامًا مجموعًا بلسانِ العرب ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لتعقلوا عن اللَّه خطابَه، فتتدبَّروه وتعملوا بما فيه.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا تدري بأيِّ لسانٍ كانَ في اللَّوح المحفوظ، غير أنَّه أخبرَ أنَّه أنزله بلسان العرب، وهكذا كلُّ كتابٍ أُنزِل بلسان المنزَلِ عليهم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما لكم وما عليكم، وما تأتون وما تذرون.
أو ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هذه الأنباء التي يخبرُكم بها محمَّدٌ من اللَّه تعالى؛ لأنَّها كانت في كتبِهم بغير لسانه، فأخبرَ على معنى ما كان في كتبِهم، فدلَّ أنَّه عرفَ ذلك باللَّهِ تعالى.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٦٩)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦).
(٢) في (ر): "والعذاب والثواب". انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٠٤).
(٣) في (ر) و(ف): "نفي".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٦).
[ ٨ / ٢٩٩ ]
أو ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ فيه شرفَكم؛ لأنَّكم تصيرون متبوعين لمَّا يحتاجُ النَّاس إلى معرفة ما فيه، والنَّاسُ أتباعٌ لكم؛ وهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]؛ أي: شرفكم (^١).
* * *
(٣) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: أي: نخبرُك أحسنَ الإخبار.
و﴿الْقَصَصِ﴾ مصدرٌ، وهو إتباعُ الخبرِ بعضِه بعضًا على سياقِه على وجهه.
يقال: فلانٌ حسن الاقتصاص للحديث؛ إذا كان جيِّدَ السِّياق للحديث، لا يقطعُ المعانيَ المرتبطة بعضَها ببعضٍ، فيَفسُدَ نظمُه، وتَستبهِمَ معانيهِ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]؛ أي: اتَّبعي (^٢) أثره، وقال: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]؛ أي: اتِّباعًا.
ويجوز أن تكون القصص اسمًا (^٣) كالخبر (^٤).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾: أي: بوحينا، و﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ؛ كقولك: أكرمُكَ بما أكرمْتَني؛ أي: بإكرامِكَ إيَّاي، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢]؛ أي: بصبرهم.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٠٥).
(٢) في (ر): "ابتغي".
(٣) في (ر) و(ف): "سماعًا".
(٤) في (ف): "للخبر".
[ ٨ / ٣٠٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾: أي: وقد كنْتَ من قبل هذا الوحي من الغافلين عن هذه القصَّة ونحوها؛ أي: وما كنْتَ من قبلِه إلَّا من الغافلين، فإنَّ كلمة (إنْ) المخفَّفة مع اللَّام بعدها لها طريقان، على ما مرَّ مرارًا.
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان بجملة الأنبياء والرُّسل إيمانٌ وإن لم تُعرَف أنفسهم وأسماؤهم وقصصهم (^١).
والغفلةُ ثلاثة أنواعٍ: مذمومةٌ، ومحمودةٌ، وغيرُ مذمومةٍ ولا محمودة.
فالمذمومة: الغفلةُ عن اللَّه تعالى، وعن ذكرِه، وعن الآخرة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
والمحمودةُ: هي الغفلة عن الشَّرِّ (^٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٣].
وغيرُ المحمودةِ والمذمومةِ في هذه الآية.
والغفلةُ عن الشَّيء هي ألَّا يخطر ذلك بباله.
وروي أنَّ الصَّحابة ﵃ قالوا: يا رسولَ اللَّه، لو قصصْتَ علينا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فقالوا: يا رسول اللَّه؛ لو وعظْتَنا وذكَّرتنا؛ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] (^٣).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٠٦).
(٢) في (ف): "البشر".
(٣) رواه البزار في "مسنده" (١١٥٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٧٤٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٢٠٩)، والضياء في "المختارة" (١٠٦٩)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وحسنه الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣٦٣٤).
[ ٨ / ٣٠١ ]
ثمَّ في تسميته أحسنَ القصص وجوهٌ:
قيل: لأنَّه ليست قصَّةٌ مِن قِصص القرآن (^١) تتضمَّن من النُّكت والفوائد ما تتضمَّن هذه القصَّة.
وقيل: لامتداد الأوقات فيما بينَ أوَّلها وآخرها.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: كان بين رؤيا يوسف ﵇ ومسيرِ أبيه إليه وإخوته أربعون سنة (^٢). عليه أكثر المفسِّرين إلَّا الحسن فإنَّه يقول: كان بين رؤياه ومصيرِ أبيه إليه ثمانون سنة (^٣).
وقيل: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾؛ أي: أعجب القصص.
وقيل: لأنَّها مجموعةٌ في سورةٍ، وسائر القَصص متفرِّقةٌ في آياتٍ وسورٍ.
وقيل: لأنَّها في أبوَيْن وأولاد، ليس فيهم أجنبيٌّ وعدو.
وقال محمَّد بن يحيى البشاغري (^٤): هي أحسنُ القصص لِمَا أنَّ فيها ثلاثة أحوال:
- مراعاة طاعة اللَّه تعالى في الرَّخاء والشِّدَّة.
- وتحسين الأخلاق في المعاملة.
_________________
(١) في (ر): "القصص إلَّا والقرآن".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٥٩).
(٤) سيأتي في هذه السورة أن المؤلف ينقل عنه من كتابه "عصمة الأنبياء"، وقد جاء في "هدية العارفين" (٢/ ١٨٩): محمد بن يحيى أبو الحسن البشاغري صنف "كشف الغوامض في أحوال الأنبياء". لكن جاء فيه أنه ألفه سنة (٨٣٨) ثمان وثلاثين وثمان مئة. فإن صحَّ التَّاريخ فلا يُعقل أن يكون هو.
[ ٨ / ٣٠٢ ]
- وإقامة المروءة ببذل السَّعة عند القحط (^١) والسَّنَة.
فمراعاة الطَّاعة عند الشِّدَّة بحدودِها وشروطِها وصفوتها (^٢) وحلاوتها في صفة ضعف العبد من أعجوبات اللُّطف والتَّوفيق.
وتحسين الأخلاق عند الجفاء والأذيَّة -وخصوصًا بين القرابة- من أشرف مقامات (^٣) الاختصاص بالكرامة.
وبذل الثَّروة والسَّعة وقتَ المحنة والحاجةِ مِن أعلى منازل العبوديَّة، وأصفى درجات السَّخاء.
وقيل: سمَّاها أحسنَ القَصصِ لحُسن مجاوزة يوسف إخوتَه، وصبره على أذاهم وإغضائه.
وقيل: إنَّما كانت (^٤) أحسنَ القَصصِ لأنَّا نحن نقصُّ، وعليك نقصُّ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّما كانت أحسن القصص (^٥) لخلوِّها عن الأمر والنَّهي الذي سماعه يوجب اشتغالَ القلبِ؛ لِمَا فيه من الخوف من التَّقصير الواقع فيه.
وقيل: أحسن القصص؛ لأنَّ فيه ذكر الأحباب.
وقيل: لِمَا فيه من ذِكرِ تركِ يوسف هواه بإعراضه عن زليخا عند مراودتها إيَّاه عن نفسه.
_________________
(١) في (ر): "العجز".
(٢) في (أ) و(ف): "وصورتها".
(٣) في (ف): "مقام".
(٤) "إنَّما كانت" ليس في (أ) و(ف).
(٥) في (ف) و(أ): "أيضًا" بدل من "إنَّما كانت أحسن القصص".
[ ٨ / ٣٠٣ ]
وقال: في قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أي: لم تصلْ هذا بكدِّك وجهدك، ولا بطلبك وجدِّك، وبعطائنا وجدْتَه لا بعنائك، وبتفضُّلنا لا بتعلُّمك (^١)، وبتلطُّفنا لا بتكلُّفك، وبنا لا بك (^٢).
* * *
(٤) - ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾: قال الزَّجَّاج: أي: نحن نقصُّ عليك إذ قالَ يوسف.
وقيل: أي: واذكر يا محمَّد إذ قال يوسف (^٣).
﴿لِأَبِيهِ﴾: أي: يعقوبَ بنِ إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈.
﴿يَاأَبَتِ﴾: قرأ ابن عامرٍ بفتح التَّاء على إرادة: يا أبتاه، على نداء النُّدبة، وقرأ بعضهم بالضمِّ؛ لأَنَّه نداءٌ مفردٌ معرفةٌ (^٤)، وقرأ العامَّة بالجرِّ على الإضافة بالياء، وحذف الياء تخفيفًا (^٥)؛ كما في قولهم: يا نفسِ، يا قومِ، وقرأ ابنُ كثيرٍ: ﴿يا أبهْ﴾ بهاءٍ ساكنةٍ عند الوقف (^٦)،. . . . .
_________________
(١) في (ف): "بعملك".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٧).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٨٨).
(٤) أجازه الفراء وقال: لم يقرأ به أحد نعلمه. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٢)، و"إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ١٩٠). وقرأ بها ابن أبي عبلة. انظر: "الكامل في القراءات" (ص: ٥٧٥).
(٥) "تخفيفًا" ليس في (أ).
(٦) وقف ابن كثير وابن عامر بالهاء، والباقون بالتاء. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (١/ ٣٤٤)، و"التيسير" للداني (١/ ١٢٧).
[ ٨ / ٣٠٤ ]
وزيادةُ الهاء في الاسم على الأب للتَّرقيق (^١) والعطف والتَّحنُّن.
وقيل: للتَّعويض من الواو الَّتي من أصل الكلمة.
وقيل: للتَّعويض من ياء الإضافة.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾: أي: في النَّوم، وقد رأى بالعين يرى رؤيةً، ورأى بقلبه يرى رأيًا، ويرى في المنام يرى رُؤيا.
وقوله تعالى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، فبُنِيا على الفتح.
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾: كرَّر قوله: (رأيت) تأكيدًا لَمَّا طالَ الكلام.
وقيل: معناه: أنَّه رآهم في النُّوم، ورآهم يسجدون له، فالأوَّل لرؤية (^٢) أعيانهم، والثَّاني لرؤية فعلهم.
وقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ ولم يقل: (رأيتها) لأنَّه وصفَهم بالسُّجود الَّذي هو فعل العقلاء، فألحقَ كنايتهم بكناية العقلاء؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨].
وفي سجودِهم له وجهان:
أحدهما: أنَّه السُّجود المعهود على الحقيقة، وكان تكرمةً لا عبادةً.
والثاني: أنَّه بمعنى الخضوع (^٣)؛ كما قال الشاعر:
_________________
(١) في (ر): "للترفيق".
(٢) في (ر) و(ف): "لرؤية العين؛ يعني".
(٣) في (ر): "الخشوع".
[ ٨ / ٣٠٥ ]
ترى الأُكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ (^١)
وكانت الكواكبُ الأحدَ عشرَ مُثُلًا لإخوته الأحدَ عشرَ، والشَّمسُ والقمرُ مثالَيْن لأبيه وخالته، وكانت تحتَ أبيه، وكانت (^٢) أمُّه ماتَت، واسمها راحيل، واسم خالته لايا، وهما بنتا لايان بن ناهر، وناهر أخو إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليه، ولايان بن ناهر كان خالَ يعقوب ﵇.
وقال وهبُ بن منبِّه: كان يوسفُ صلوات اللَّه عليه رأى قبل هذه الرُّؤيا -وهو ابن سبع سنين- في نومه أنَّ إحدى عشرة عصًا (^٣) طوالًا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدَّائرة، وإذا عصًا صغيرةٌ وثبَتْ (^٤) عليها حتَّى اقتلعَتْها وغلبَتْها، فوصفَ ذلك لأبيه، فقال له: إيَّاك أن تذكرَ هذا لإخوتِك، ثمَّ رأى وهو ابن اثنتي عشرة سنةً أنَّ أحدَ عشرَ كوكبًا والشَّمس والقمر سجدْنَ له، فقصَّها على أبيه، فقال له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ الآية (^٥).
وذكر أبو القاسم بن حبيبٍ في "تفسيره" بإسناده عن جابرِ بن عبد اللَّه: أنَّ يهوديًّا أتى النَّبيَّ -ﷺ- فقال: يا محمَّد؛ أخبرني عن أسماء الكواكب اللاتي سجدْنَ ليوسف، فقال له النَّبيُّ -ﷺ-: "إنْ أخبرْتُكَ أتؤمنُ (^٦) بي؟ " قال: نعم، فأتاه جبريلُ
_________________
(١) عجز بيت لزيد الخيل، انظر: "ديوانه" (ص: ٦٦)، و"تفسير الطبري" (٢/ ١٣٧). وصدره: بِجيشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِه
(٢) "تحت أبيه وكانت" من (أ).
(٣) في (ف): "غصنًا".
(٤) في (أ): "تثب".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٨).
(٦) في (ف) و(أ): "لتؤمنن".
[ ٨ / ٣٠٦ ]
صلوات اللَّه عليه فعلَّمه أسماءها، وهي: الحَرَثان والطَّارق والقابِس والصَّرُوح (^١) والفُلَيْق والمُصبح (^٢) والوثَّاب والذَّيَّال والعَمُودان والفَرْع وذو الكنفات (^٣)، رآهنَّ
_________________
(١) في (ف) و(أ): "الضروج".
(٢) المصْبِح: هو ما يطلع قبل الفجر كما قال الشهاب. حاشية الشهاب على البيضاوي (٥/ ١٥٥).
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه - التفسير" (١١١١)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٥٠ - ٢٥١)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٠١)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٩٧)، من طريق الحكم بن ظهير عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر به. قال ابن حبان: هذا لا أَصْلَ له مِن حديثِ رسول اللَّه -ﷺ-، والحكم بن ظهير الفزاريّ الكوفِي كان يشتم أصحاب محمد -ﷺ-، يَروِي عن الثِّقات الأشياء الموضوعات. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول اللَّه -ﷺ-، وكأن واضعه قصد شين الإسلام بمثل هذا، وفيه جماعة ليسوا بشيء، قال يحيى بن معين: الحكم بن ظهير ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الجوزجاني كما في "التهذيب": ساقط؛ لميله وأعاجيب حديثه، وهو صاحب حديث نجوم يوسف. وقال ابن كثير في "تفسيره": تفرد به الحكم بن ظهير الفزاري وقد ضعفه الأئمة، وتركه الأكثرون. وله طريق آخر ليس فيه الحكم بن ظهير، رواه الحاكم في "المستدرك" (٨١٩٦) من طريق أسباط بن نصر عن السدي به، وصححه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي. وجعله السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٨٣) متابعةً لرواية الحكم بن ظهير، وتابع السيوطي في ذلك الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٤٦٤)، لكن الشيخ عبد الرحمن المعلمي في تعليقه على "الفوائد" رد ذلك فقال: وقف الذهبي في "تلخيصه" فلم يتعقبه، ولا كتب علامة الصحة كعادته فيما يقر الحاكم على تصحيحه، وقد جزم الجوزجاني ثم العقيلي بأن الحكم بن ظهير تفرد به عن السدي، ومن طريق الحكم، ذكره المفسرون، مع أن تفسير أسباط عن السدي عندهم جميعًا، فكيف فاتهم منه هذا الخبر، ووقع للحاكم بذاك السند؟ هذا يشعر بأن بعض الرواة وهم، وقع له الخبر من طريق الحكم، ثم التبس عليه فظنه من طريق أسباط، كالجادة، واللَّه أعلم.
[ ٨ / ٣٠٧ ]
يوسف والشَّمسَ والقمر، نزلَتْ من السَّماء فسجدْنَ له، فأخبر والدَه فقال: يا بنيَّ؛ هذا أمرٌ مشتَّت (^١) وسيجمعُه اللَّه تعالى بعدُ.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: الشَّمسُ أمُّه، والقمرُ أبوه (^٢).
وقال مقاتل: الشَّمسُ أبوه، والقمرُ أمُّه (^٣).
وقال السُّدِّيُّ: الشَّمسُ أبوه والقمرُ خالته، واسمها راحيل، وكانت أمُّه ماتَتْ واسمُها لايا (^٤).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: بلغَنَا أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه كان نائمًا في حجر أبيه ذات ليلةٍ، فانتبه مرعوبًا، فقال له يعقوب ﵇: حبيبي؛ ما الَّذي ذَعَرَكَ؟ قال: يا أباه؛ رأيت رؤيا عجبًا، قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيْتُ كأنِّي على رأس جبلٍ شامخٍ، وحوله أشجارٌ وأنهارٌ ورياضٌ، فبينا أنا كذلك إذ رأيْتُ كواكبَ نزلَتْ من السَّماء والشَّمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (^٥).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت هذه الآية أنَّ إخوة يوسف كانوا علماءَ؛ فإنَّه شبَّههم بالكواكب وبها يُهتدَى، فدلَّ أنَّهم كانوا علماء يُقتدَى بهم، وشبَّه الأبوَيْن بالشَّمس والقمر، وبهما جميع منافع الخلق؛ إذ بهما صلاحُ جميع الأغذية في الأرض، ونضجُ جميع الفواكه والأنزال (^٦).
_________________
(١) في (أ): "متشتت".
(٢) في (أ): "أبوه والقمر أخوه". والخبر رواه ابن المنذر في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٤٩٩)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٢) من قول ابن جريج.
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ١٨).
(٤) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٠٦).
[ ٨ / ٣٠٨ ]
ودلَّت الآية على أنَّ الرُّؤيا قد تَخرج على غير ما رأى، وقد تخرج على عين ما رأى، فقد رأى سجودَ الكواكب، وخرجت الكواكبُ على الإخوة والسُّجودُ على عينه، وهو كرؤية إبراهيم صلوات اللَّه عليه في المنام ذبحَ الولد، فخرجَ الولد على الكبش، والذَّبحُ على عينه، فهذا أصلٌ لنا أنَّ الخطاب قد يخرج والمراد به عينه، وقد يخرج والمراد به غيره.
وفيه جواز الاجتهاد، وطلب المعنى في المخاطبات، وما ظهر للنَّاس من تعبير الرُّؤيا على الاجتهاد يدلُّ أيضًا على جواز العمل بالاجتهاد.
ودلَّتِ الآيةُ أيضًا على أنَّ إخوة يوسف كانوا علماء حكماء وعارفين بتعبير الرُّؤيا؛ فإنَّ يعقوبَ قالَ ليوسفَ ﵉: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ وذلك لعلمِهم بالتَّعبير.
* * *
(٥) - ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾: يعني: فقالَ يعقوبُ: يا بنيَّ لا تخبرْ إخوتَكَ برؤياكَ، وهم رُوبيلُ ويهوذا وشمعونُ ولاوي، أمُّهم لايا امرأة يعقوب، ودان وآشر ويشجر (^١)، أمُّهم دلفا جارية يعقوب، ونفثالي وجاد وزبالون، أمُّهم زلفا جارية يعقوب، وبنيامين أمُّه راحيل وهي أمُّ يوسف أيضًا مع أخوات، وكانت راحيل أختَ لايا، وهما بنتا لايان بن ناهر خال يعقوب، والجاريتان كانتا هدية لايان لختنه يعقوب.
_________________
(١) في (أ): "ودار وأشير وشحو" بدل: "ودان وآشر ويشجر".
[ ٨ / ٣٠٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾: نصب بالفاء لأنَّه جواب النَّهي، وعلامة نصبه حذفُ النُّون.
يقول: إنَّ تأويل رؤياك ظاهرٌ لا يخفى عليهم، فلا يؤمَنُ أن يحملَهم ذلك على أن يبغوا لك الغوائل ويُخفوا لك الحيل، ويدعوهم إلى ذلك الشَّيطانُ، وذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: أي: ظاهرُ العداوةِ ومُظهرُها، وهذا يدلُّ على أنَّ يعقوب كان قد علم من الإخوة حسدًا ليوسفَ، فقال له هذا.
وقال القتبيُّ: الكيدُ: هو الاحتيال للاغتيال (^١).
وقيل: هو طلب اتِّصال الشَّرِّ به على غير علمٍ منه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: بدءُ كلِّ شرٍّ يكون من الشَّيطان، يقذفه في القلوب، ويُخطره في الصُّدور، ثمَّ تكون العزيمة على ذلك والفعل من العبد، وهو ما قال ﷿: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٠] (^٢).
وفي الآية أنَّ الرُّؤيا حقٌّ، وهي من المبشِّرات، وهي جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة؛ كما رُوي عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "الرُّؤيا الصَّادقة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة" (^٣).
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢١٢).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٠٨).
(٣) رواه البخاري (٦٩٨٨)، ومسلم (٢٢٦٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨ / ٣١٠ ]
وذلك أنَّ أعوامَ الوحي اثنان وعشرون ونصف؛ ستَّة أشهر في ابتداء (^١) الرُّؤيا الصَّادقة، فكانت جزءًا من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة (^٢).
وفيها: أنَّ شفقةَ الآباءِ وافرةٌ، وحسدَ الإخوةِ ظاهرٌ، ولهذا قال أصحابُنا ﵏: تُقبَلُ شهادةُ الأخِ للأخِ؛ لأنَّه لا تُهمةَ فيه، ولا تُقبلُ شهادةُ الأبِ للابنِ، ولا شهادةُ الابن للأبِ؛ للتُّهمةِ.
وفيها: أنَّ عداوةَ إبليس -لعنه اللَّه- لنا قديمةٌ، وللَّه تعالى في إبقائه لطفٌ عظيمٌ، فإنَّه يحيلُ لمعاصينا عليه، وذلك مذكورٌ في قصَّة كثيرٍ من الأنبياء: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦]، ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥]، ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
* * *
(٦) - ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: أي: كما دلَّ رؤياك على إكرامِ اللَّه تعالى إيَّاك بتفضيلِك على إخوتِك، كذلك يختارُكَ فيستخلِصُكَ بالنُّبوَّة.
_________________
(١) في (أ): "الابتداء".
(٢) كذا قال، ولا يستقيم كون الرؤيا جزءًا من ستة وأربعين على هذا، وقد جاء في "شرح السنة" للبغوي (١٢/ ٢٠٤): أنَّ جُملةَ أيَّامِ الوَحي ثلاثةٌ وعشرونَ سنةً، كان ستَّةُ أشهرٍ في المَنام، وبهذا فُسِّر قولُه -ﷺ-: "رؤيا المؤمن جزءٌ مِن ستَّةٍ وأربعينَ. . . ".
[ ٨ / ٣١١ ]
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ أي: ويلهمُكَ عمَّا تَؤولُ إليه عاقبة ما يراه النَّاس في مناماتِهم.
وقيل: ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: أنْ يلهمَكَ (^١) العلمَ بعواقبِ الأمرِ بوحيٍ من اللَّه تعالى.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: أي: ويكملُ ما ابتدأَكَ به من الإنعام، والابتداءُ هو إخراجُه مِن أصلاب الأنبياء، والإتمامُ بالنُّبوَّة والإنجاء (^٢).
﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾: أي: أولادِ يعقوب، ودلَّ على نبوَّة أولادِه.
﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾: بالرِّسالةِ والوحي.
وقيل: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بتخليصِك مِن غوائلِ إخوتِك وسائرِ النَّاس؛ كما جعلَ النَّار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وفدى إسحاقَ بالذِّبح العظيم (^٣)، وهذا كلُّه كان ببشارةٍ مِن يعقوبَ ليوسفَ.
وقيل: كان دعاءً له بذلك كلِّه؛ كما قال في آخر هذه السُّورة: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]، وتقولُ: يديمُ اللَّه عزَّك ويطيلُ بقاءَك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يجري على يوسف من المفتَتح إلى المختَتم، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حَكمَ له ولأبيه ولإخوته بما حَكم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: تأويل صحف إبراهيم ﵇.
وقيل: ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: العلم والكلام.
_________________
(١) "أن يلهمك" ليس في (أ).
(٢) في (ر): "والإيحاء"، وليست في (ف).
(٣) الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح.
[ ٨ / ٣١٢ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾: بما صنعَ به إخوتُه، أو عليمٌ بتمامِ الإنعام ﴿حَكِيمٌ﴾: يضعُ كلَّ شيءٍ موضعَه (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قيل: الاجتباءُ: عصمتُه من ارتكاب ما راودَتْه امرأةُ العزيز عن نفسِه.
وقيل: من قضايا الاجتباءِ إسبالُه السِّترَ على فعل إخوته، حيثُ قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولم يذكرْ خلاصَه من البئر.
وقيل: من قضيَّة الاجتباء توفيقُه لسرعة العفوِ عن إخوته، حيث قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢].
و﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: هو معرفةُ قَدْرِ كلِّ أحدٍ، وَالوقوفُ على مقدار كلِّ قائلٍ بما يسمعُ من نطقِه وحديثِه بحدَّة الكياسة وصدق الفراسة.
وإتمامُ النِّعمةِ: توفيقُ الشُّكر على النِّعمة.
وقيل: مِن إتمامِ النِّعمة: الصَّونُ عن شهود النِّعمة برؤية (^٢) المنْعِم، ومِنْ تمامِها صونُها عن الزَّوال والتَّغيير، ومنْ تمامِها رفعُ الهمَّة عن مساكنة النِّعمة (^٣).
* * *
(٧) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾: أي: دلالاتٌ، وقرأ ابنُ كثيرٍ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٠٩).
(٢) في (ر): "برؤية توفيق الشكر على النعمة برؤية".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٩).
[ ٨ / ٣١٣ ]
وحده: ﴿آيَةٌ﴾ على الوحدان (^١)، وهو في معنى الجمع أيضًا؛ يقال: هذا الشَّيءُ علامةٌ لأمورٍ كثيرةٍ.
﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: أي: للَّذين سألوا رسولَ اللَّهِ -ﷺ- عن هذه القصَّة (^٢).
روي أنَّ اليهودَ -لعنهم اللَّه- قالوا للمشركين: اسألوا محمَّدًا لِمَ انتقلَ يعقوبُ من مصرَ إلى الشَّام (^٣)، فنزلَتِ السُّورة، فكانت آيةً على صدق نبوَّته (^٤).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أتى قومٌ من اليهودِ رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، فوافقَ إتيانُهم ذِكْرَ رسولِ اللَّه -ﷺ- قصَّةَ يوسفَ ﵇، فتعجَّبوا منه وقالوا له: مِن أينَ لك هذا يا محمَّد؟ فقال: "علَّمنيه ربِّي"، وعادوا إلى اليهود فقالوا لهم: إنَّ محمَّدًا العربيَّ يذكرُ قصَّةَ يوسفَ كما أُنزلَتْ في التَّوراة، فنزلَتْ هذه الآية: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾؛ يعني: اليهود (^٥).
وقال مقاتلٌ: سألَتِ اليهودُ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن قصَّةِ يوسفَ ﵇ فأخبرهم بها، فلم يؤمنْ به غيرُ جبرٍ عبدِ عامرٍ الحضرمي (^٦).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٧).
(٢) في (ف): "النعمة".
(٣) كذا في جميع النسخ، وفي مصادر التخريج: "من الشام إلى مصر".
(٤) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" (٣/ ٨٧)، والسمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٧٨)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٩)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٤٤٠).
(٥) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٧٦).
(٦) في (ر) "غير حبرٍ من اليهود عبد عامرٍ الحضرمي". وقوله: "عبد عامرٍ الحضرمي" ليس في (ف). وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣١٩)، وفيه: "غير جبر غلام ابن الحضرمي". وفي "الإصابة" (١/ ٥٦٢): جبر مولى عامر بن الحضرمي، وفي رواية الواقدي: جبر مولى بني عبد الدار، ذكر الواقديّ أنه كان بمكة، وكان يهوديًا، فسمع النبيّ -ﷺ- يقرأ سورة يوسف فأسلم وكتم إسلامه، ثم =
[ ٨ / ٣١٤ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أنَّه آياتٌ للسَّائلين إلى آخر الدَّهر.
وقوله: ﴿آيَاتٌ﴾ يحتملُ أنَّ المرادَ: قصَّتُه سورة تامَّة هي آيات الكتاب.
ويحتمل أنَّه آياتُ صدقِ نبوَّته؛ لأنَّ قصَّته في كتبهم كانت بغير لسانه، فجاءَ بها بلسانِه (^١) من غير زيادةٍ ولا نقصان، فدلَّ أنَّه باللَّه علمَ ذلك (^٢).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: في قصَّته آياتٌ لكلِّ ذي محنةٍ حتَّى يعلمَ أنَّه كيف يصبر، ولكلِّ ذي نعمةٍ حتَّى يعلمَ أنَّه كيف يَشكر.
قالَ: ويُقال: في قصَّته دلالاتُ كيفيَّةِ العفو عن الزَّلَّة، وكيفيَّة الخَجْلَة عند اللِّقاء لأهل الجفوة.
وقيل: في قصَّته دلالاتُ لطفِ الحقِّ سبحانَه لأوليائه بالعصمة، وآيات أنَّ المحبَّةَ لا تخلو عن المحنة.
وقيل: فيه آياتٌ على أنَّ مَنْ صدَقَ في رجائِه (^٣) تخلَّص يومًا مِنْ بلائِه (^٤).
وقيل: ﴿آيَاتٌ﴾؛ أي: عجائب، قال الشَّاعر:
آيةٌ في الجمالِ ليسَ لَهُ في الـ خَلْقِ شِبْهٌ وما له مِن نظيرِ (^٥)
_________________
(١) = أطلع مواليه على ذلك، فعذبوه، فلما فتح رسول اللَّه -ﷺ- مكة شكا إليه ما لقي فأعطاه ثمنه فاشترى نفسه وعتق واستغنى، وتزوّج امرأة ذات شرف في بني عامر.
(٢) في (ر): "فجاءت بلسانه".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢١٠).
(٤) في (ر): "رخائه". وانظر التعليق الآتي.
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٩)، وفيه: (. . . من صدق في رجائه يختصّ يومًا ببلائه).
(٦) بلا نسبة في "البرهان في علوم القرآن" للزركشي (١/ ٢٦٦).
[ ٨ / ٣١٥ ]
وقيل: السُّؤال أنواعٌ، والفوائد للسَّائلين، فإذا جالسْتَ العلماءَ فسَلْ بلسانك، وإذا جالسْتَ الحكماء فسَلْ بعينك (^١)، وإن جالسْتَ العارفينَ فسَلْ بقلبك، وإن جالسْتَ المحبِّين فسَلْ بسرِّك، فإذا لقيْتَ العالِمَ فقدِّم لسانَك، وإذا لقيت الحكيم فقدِّم عينَكَ، وإذا لقيْتَ العارفَ فقدِّم قلبَكَ، وإذا لقيْتَ المحبَّ فقدِّم سرَّكَ، وإن اطَّلعت على عيبٍ فقدِّمْ روحَكَ.
وقال بعضُ أهلِ العلم: يمكن تمشية الآية في كلِّ السَّائلين، فكأنَّه قال: إن سألَكَ العصاة: ما يفعلُ اللَّه بهم؟ فاقرأ عليهم قصَّة يوسفَ، وقل: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]، كما غفرَ اللَّهُ لإخوةِ يوسفَ.
وإن سألَكَ الَّذين يؤذون الآباءَ ويعقُّونهم: ما يفعلُ اللَّه بهم إذا تابوا؟ فقل: يعفو عنهم، كما عُفِيَ عن أولاد يعقوب.
وإن سألَكَ الممتحَنُون: ما عاقبة أمرهم؟ فقل: الفرجُ، كما فرَّجَ اللَّهُ عن يعقوبَ.
وإن سألَكَ المحبُّون: كيفَ حالُهم؟ فقل: يصلونَ إلى الحبيب كما وصلَتْ زليخا إلى يوسفَ.
وإن سألَكَ المسجونون: ما عاقبةُ أمرهم؟ فقل: الفرجُ كما فرَّج اللَّهُ عن يوسفَ.
وإن سألك المهمومون، وإن سألَكَ الواقعون في القَحْطِ، وكذا. .، فأجبهم بهذه القصَّة على التَّفصيل.
وقيل: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾: لأصحابِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، حيث سألوا رسولَ اللَّهِ -ﷺ-: لِمَ سمَّى اللَّه تعالى هذا أحسن القصص؟ قال: "لأنَّ المخبِر عنه هو أحسنُ القائلين قولًا، والمخبَرَ عنه أحسنُ النَّاس وجهًا، فإنَّ يوسف لم يكن بعدَه أحدٌ في
_________________
(١) في (أ): "بنفسك"، وفي (ر): "بعقلك".
[ ٨ / ٣١٦ ]
الحسنِ مثلَه"، فقالَتْ عائشةُ ﵂: هو أحسنُ أم أنْتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "هو أحسنُ خَلْقًا، وأنا أحسنُ خُلُقًا"، فقالَتْ عائشةُ ﵂: فلِمَ لا تخبرُ النَّاسَ به؟ قال: "إنْ لم أقلْ أنا فقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] "، فنزل جبريل ﵇ وقال: أخبرِ النَّاسَ أنَّ نورَكَ ونورَ يوسفَ افترعا (^١) في صلبِ آدمَ، وصارَ الحسنُ والجمالُ ليوسفَ، والذِّكرُ والشَّرف، والنُّورُ والحبور، والضِّياءُ والبهاء، والعَفافُ والكَفاف، والهيبةُ (^٢) والرِّفعة، والعلمُ والحلم، والفضلُ والعدلُ والعزم، والسِّيادةُ والسَّعادة (^٣)، والحوضُ والشَّفاعة، والدَّعوةُ والإجابة، والقضيبُ (^٤) والنَّاقة، والتَّاجُ والعمامة، والسَّيفُ والهراوة، والصَّبرُ والقناعة، والنُّسكُ والإنابة، والرَّحمةُ والرَّأفة، والوقارُ والسَّكينة، والشَّريعةُ المرضيَّة، والأحكامُ الحنيفيَّة، والصَّلاةُ المكتوبة، والزَّكاةُ المفروضة، والسَّمعُ والطَّاعة، والصَّفُّ والجماعة، والتَّأذينُ والإقامة، والتَّكبيرُ والتَّهليل، والتَّسبيحُ والتَّقديس، والتَّحميدُ والتَّمجيد، والحجُّ والعمرة، والبلدُ المحرَّم، والمسجدُ المعظَّم، وزمزمُ والمقام، والمشعرُ الحرام، والقرآنُ الحكيم، والخُلُق العظيم، والآياتُ المفصَّلات، والكلماتُ المتلوَّات، والأزواجُ الطَّاهرات، والعلوُّ في الدَّرجات، والبراقُ والمعراج، والمقامُ المحمود، والحوضُ المورود، والمحضرُ المشهود، والأفقُ الأعلى، والمقامُ الأدنى، وسلامُ اللَّهِ الأعلى، هذه كلُّها لَكَ (^٥).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "اقترعا".
(٢) في (أ): "والهمة".
(٣) في (أ): "والحزم والبشارة" بدل من "والسيادة والسعادة".
(٤) في (أ): "والقصب".
(٥) لم أقف له على سند ولا ذكر في الكتب المتقدمة، ونقله الصفوري في "نزهة المجالس" (١/ ١٠٥) عن المصنف.
[ ٨ / ٣١٧ ]
(٨) - ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾: اللَّام بمعنى القسم؛ أي: قالوا: إنَّ يوسفَ حقًّا وأخاه لأمِّه وهو (^١) بنيامين ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ يتعصَّب بعضنا لبعضٍ، وكانوا عشرة، والعربُ تطلق هذا الاسم على العشرة إلى الأربعين؛ أي: نحن جماعةٌ لا نعجزُ بالاحتيال عليه ليخلوَ لنا وجه أبينا، فيعاملَنا (^٢) بالمحبَّة والتعطُّف، فلماذا لا نحتال لذلك؟
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: خطأ بيِّنٍ بإيثارِ اثنين على عشرةٍ مع استوائهم في كونهم أولادًا له، ومع اقتدار العشرة على الاحتيال على واحدٍ (^٣).
وأيضًا هو في غلطٍ في تدبير أمر الدُّنيا؛ إذ نحن أنفعُ له مِن يوسف وبنيامين، لأنَّا نقوم في أمواله ومواشيه.
وأيضًا لو أنعمَ النَّظر لم يأمنْ سوءَ عاقبة هذا الاختيار لتحاسد الأقارب، وهذا عدولٌ منه عن طريق الرَّأي في استصلاح الأولاد.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دلالةٌ أنَّه لا بأسَ للرَّجل أن يخصَّ [بعضَ] ولدِه بالعطف عليه والميل إذا كان فيه معنًى ليس ذلك في غيره، فلهذا قال أصحابنا ﵏: لا بأسَ بالرَّجل أن يخصَّ بعض ولده بالهبة له إذا لم يقصدِ الجورَ على غيره من الأولاد، وخصَّه لمعنًى أوجبَ ذلك؛ كما فعلَه أبو بكرٍ بعائشةَ ﵄، حيثُ نحلَها جذاذ عشرين وسقًا بالعالية (^٤).
_________________
(١) "لأمِّه وهو" ليس في (ف).
(٢) في (أ): "فيعمنا".
(٣) من هنا سقط في (أ) ورقة كاملة.
(٤) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٤/ ٧٥٢)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١٦٥٠٧)، وابن أبي =
[ ٨ / ٣١٨ ]
ثمَّ يحتمِلُ تخصيصُ يعقوبَ يوسفَ وأخاه بالحبِّ وجوهًا:
أحدها: ما رأى فيهما من الضَّعفِ في أنفسِهما، والعجزِ في أبدانهما، فازدادَتْ شفقتُه عليهما لذلك، وهذا ممَّا يكون بينَ الخلق.
والثاني: أنَّه خصَّهما بذلك لفضل خصوصيَّةٍ كانت لهما؛ إمَّا مِن جهة الدِّين أو العلم أو غيره، أمرَهُ اللَّه تعالى بذلك [لذلك].
أو لأنَّه لمَّا بُشِّرَ يعقوبُ بنبوَّةِ يوسفَ كان يفضِّله على سائر أولادِه، ويُؤْثرُه عليهم لذلك.
وإنَّما قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ بآثارٍ تظهرُ عندَهم، وإلَّا فحقيقة المحبَّة لا تُعرَفُ (^١).
وقال الإمامُ القُشيريُّ ﵀: لمَّا اعترضوا بقلوبِهم على أبيهم في تقديم يوسفَ عليهم في المحبَّة، عاقبهم الحقُّ سبحانَه بتركهم حتَّى بسطوا في أبيهم بلسان اللَّوم فوصفوه بالضَّلال، وهو مِن المحال، وإنْ كان المرادُ منه هو الذَّهابَ في أمر يوسفَ بكلِّ حالٍ.
قال: ويُقال: لمَّا حَسدوا في تقديمِ أبيهِم يوسفَ عليهم لم يرضَ الحقُّ ﷾ حتَّى أقامَهم بينَ يدَي يوسفَ، فخرُّوا له سُجَّدًا؛ ليعلموا (^٢) أنَّ الحسودَ لا يسودُ.
قال: ويُقال: أطولُ النَّاسِ حزنًا وأدومُهم غُصَّةً مَنْ أرادَ تأخير مَن قدَّمَه اللَّه
_________________
(١) = شيبة في "مصنفه" (٢٠١٣٥)، عن عائشة ﵂. ولفظ "الموطأ": "عن عائشة زوج النبي -ﷺ-، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة. . . ".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢١٠ - ٢١١).
(٣) في (ر) و(ف): "لعلم"، والمثبت من "لطائف الإشارات".
[ ٨ / ٣١٩ ]
تعالى، أو تقديَم مَن أخَّرَه اللَّه تعالى؛ إنَّ إخوةَ يوسفَ أرادوا أن يجعلوه في أسفلِ الجُبِّ، فرفعَه اللَّهُ تعالى فوقَ السَّرير (^١).
وقيل: إنَّما قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ في حقِّ يوسف؛ فلأنَّ يعقوب ﵇ أصحبَه يومَ عيدٍ ثلاثةَ أشياءَ: قميصَ إبراهيمَ الذي ألبسَه له جبريلُ، وقد جاء به مِن الجنّةَ يوم أُلقِيَ في نار نمرود، وشدَّ وسطَهُ بمنطقةِ إسحاق، ووضع في يده خيزرانةً جاءَ بها جبريلُ ﵇ يومَ وُلدَ إسحاقُ، فحسدُوه لتخصيصِهِ بها، واستدلُّوا على محبَّتِه إيَّاه (^٢).
* * *
(٩) - ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾: فقالوا: ما الرَّأي؟ قال وهبٌ: قال ذلك شمعون. وقال كعبٌ: قاله دان. وقال مقاتلٌ: قاله روبيل؛ وهو أكبرهم سنًّا (^٣).
وقال بعضهم: لمَّا قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ تراءى لهم الشَّيطان في صورة شيخٍ وقال: إنَّ يوسف يريدُ أن يستعبدكم، فقالوا: ما الرَّأي؟ فقال: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾، فقالوا له: لو فعلْنَا ذلك كنَّا عاقِّين للأبِ، عاصينَ للَّهِ تعالى، فقال: ثمَّ تتوبون فتكونوا قومًا صالحين، ثمَّ غابَ عنهم، فثبَتوا على هذا الرَّأي بقولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾؛ لتنحسمَ مادَّةُ هذا الأمر ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ﴾؛ أي:
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٠).
(٢) لم أجده، وظاهر أنه من الإسرائيليات.
(٣) ذكر هذه الأقوال الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٩).
[ ٨ / ٣٢٠ ]
ألقُوه في أرضِ غُرْبَةٍ بعيدةٍ عن أرضِ يعقوبَ، بحيث يخفَى عليه موضعُ يوسفَ، وتُقصى (^١) دونَه أخباره.
وقوله: ﴿أَرْضًا﴾؛ أي: إلى الأرض، نصب بنزع الخافض؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]؛ أي: مِن قومِه.
وقوله تعالى: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾: قال مقاتلٌ: أي: يَصْفُ لكم (^٢).
جُزِمَ لأنَّه جزاءُ الأمر، ولذلك حُذفَتْ واوُه، يقول: لا يزاحمكم يوسفُ في برِّه وعطفِه واستئثارِه.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: عطف على ﴿يَخْلُ﴾ وهو جزم، ولذلك حُذفَتِ النُّون.
وقال مقاتل: أي: يصلح أمرُكم فيما بينكم وبين أبيكم (^٣)، يعني به: صلاحَ أمر الدُّنيا مِن جهة التَّمكُّن من الأب.
وقال ابنُ عبَّاسٍ والسُّديُّ: أي: وتتوبوا مِن صنيعِكم (^٤)؛ وهو القتلُ أو الطَّرحُ، وعقوقُ الأبِ، وإيذاءُ الأخ، وعصيانُ أمرِ اللَّه تعالى، فيغفر لكم بتوبتِكم، فقد اعتقدوا التَّوبة قبلَ ارتكاب الذَّنب.
_________________
(١) في (ف): "وتقضى".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٩).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٢٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٠٥)، عن السدي. وذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٨٤) عن ابن عباس ﵄.
[ ٨ / ٣٢١ ]
وقال الإمام أبو منصور (^١) رحمة اللَّه عليه: قديما (^٢) قيل: مَن طلب الكلَّ فاته الكلُّ، أرادَ إخوةُ يوسفَ أنْ يكونَ إقبالُ يعقوبَ بالكلِّيَّة عليهم، واللَّهُ تعالى يقولُ: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقيل: كان قصدُهم ألَّا يكونَ يومَئذٍ عندَ أبيه، فساوَى عندهم أقسام غيبتِه (^٣)، فقالوا: إمَّا القتل وإمَّا النَّفي، ولا بأسَ بما يكون بعدَ ألَّا يكون يوسف.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ لم تطبْ نفوسُهم بأن يذهبوا عن اللَّهِ بالكُلِّيَّةِ، فدبَّروا لحسنِ الرُّجعى قبلَ ارتكابِ ما دعتْهُم نفوسُهم إليه، وهذه صفةُ أهلِ العِرفانِ باللَّهِ ﷻ (^٤).
* * *
(١٠) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾: قال قتادةُ وابنُ إسحاقَ: قال ذلك روبيل (^٥). وقال الزَّجَّاجُ: قال ذلك يهوذا (^٦)، قال: إنَّ قتلَ يوسفَ أمرٌ عظيمٌ فلا تفعلوه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: قال الحسنُ: أي: في قعرِ البئرِ (^٧).
_________________
(١) كذا قال، وهو سهو منه ﵀، فإن الآتي هو كلام القشيري لا الماتريدي.
(٢) في (ر): "ربما"، والمثبت من (ف) و"اللطائف".
(٣) في (ر): "فساوى أقسام غيبته"، ولم ترد هذه الجملة في "اللطائف".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٧٠ - ١٧١).
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٠).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٩٣).
(٧) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٣٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٨٥).
[ ٨ / ٣٢٢ ]
والغيابةُ في أصلِ اللُّغة: القَعرُ؛ أي: الموضعُ الَّذي يغيبُ فيه صاحبُه، وكلُّ ما غيَّبَ (^١) شيئًا عن الحسِّ يكون فيه فهو غَيابةٌ، والقبر يسمَّى بذلك، قال الشَّاعر:
وإنْ أنا يومًا غيَّبتْني غيابَتي فسيروا بسَيْري في العَشيرَةِ والأهْلِ (^٢)
والجُبُّ: البئرُ الَّتي لم تُطوَ (^٣)، تُسمَّى بذلك لأنَّه غُيِّبَ عنها ترابُها؛ أي: قُطِعَ، وقال الأعشى:
لَئِنْ كنْتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً وَرُقِّيْتَ أسبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
لَيَسْتدْرِجَنْكَ القولُ حتَّى تَهِرَّهُ وتعلَمَ أنِّي عندَكُمْ غيرُ مُلْجَمِ (^٤)
وقولُه تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾: والالتقاطُ: تناولُ الشَّيءِ مِن الطَّريق، ومنه: اللُّقَطةُ واللَّقيط.
والسَّيَّارةُ: العيرُ، وقيل: مارَّةُ الطَّريقِ.
يقولُ: ألقُوهُ في أسفلِ بئرٍ عميقٍ قليلةِ الماءِ على ممرِّ السَّيَّارةِ والقوافلِ يلتقطْهُ بعضُهم، فيخلوا لكم مكانُه مِن غير ارتكابِ الأمرِ العظيمِ -وهو القتل- ويحصلْ لكم المقصودُ الآخرُ؛ وهو رميُكُمْ إيَّاهُ البلد الثَّاني (^٥) مِن غيرِ أنْ تحتاجوا إلى تكلُّفِ سفرٍ فيه (^٦) بأنفسِكم.
_________________
(١) في (ف): "يغيّب فيه".
(٢) البيت للمنخل بن سبيع العنبري كما في "مجاز القرآن" (١/ ٣٠٢)، و"الكشاف" (٢/ ٤٤٧). وهو في "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٩٤) رواية: (غيبتني منيتي).
(٣) طوى البئر: عرشها بالحجارة والآجر.
(٤) البيتان للأعشى، وهما في "ديوانه" (ص: ٨٢). وتَهِره: تكرهه.
(٥) في (ف): "البئر والثاني"، ولعل الصواب: البلد النائي.
(٦) "فيه" ليس في (ف).
[ ٨ / ٣٢٣ ]
فنصحَ هذا القائلُ إلى الإخوة بهذا التَّدبير، وكان مقصدُه نقضَ رأيهم في القتل، وجرَّهم (^١) عنه إلى الرَّأي الثَّاني بتسهيل ذلك السَّبيل إليهم، والعاقلُ إذا دُفِعَ إلى شرَّين (^٢) اختارَ أهونَهما.
﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ بالتَّعريف دون التَّنكير، له معنيان: يحتملُ أنَّهم أشاروا إلى بئرٍ قد عرفُوها في أسفارِهم، ويحتملُ أن يكون ذلكَ كقولِكَ: ارمِ به في الماءِ، لا تريدُ به ماءً بعينِهِ، إنَّما تريدُ به الجنسَ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾؛ أي: إنْ كنتُمْ تريدونَ تمامَ تدبيرِكُمْ فافعلوا هذا، فليسَ لكم أوفقُ منه.
وقال الإمامُ أبو حسينٍ محمَّد بن يحيى البشاغري في "كتاب العصمة": إنَّ الأخوَّةَ تستصحِبُ الشَّفقةَ، لكنَّ الميلَ إلى حظِّ النَّفسِ ربَّما يَغلبُ على الشَّفقة فلا يقدرُ على استعمالِها، فيعاملُ أخاه معاملةَ الأجانب والشَّفقةُ على حالِها غير متلاشيَة، لكنَّها غيرُ عاملة، دليلُه قولُ أحدِهم للآخرين: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وهذا كلامٌ مِن هذا القائل على نظم الشَّفقة، وإجابتُهم له مبنيَّة على نظم (^٣) الشَّفقة أيضًا، أنَّ مطالبتَهم حظوظَهم مِن أبيهم غلبَتْ عليهم، فلم يتركوه مِن غير أذًى ومكروهٍ، وألحقوهما به، ولم يخرجوا أيضًا بالإهلاك على الاستئصالِ؛ لأنَّ الإلقاءَ في الجبِّ مرجوٌّ منه الخلاص.
وقولهم أيضًا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ عنَوا به: لفي خطأٍ بيِّنٍ؛ حيث لا يسوِّي
_________________
(١) في (ر): "زجرهم"، وفي (ف): "ومرهم"، ولعل الصواب المثبت.
(٢) في (ف): "شيئيين".
(٣) "نظم" من (ف).
[ ٨ / ٣٢٤ ]
بينَنا في المحبَّة لنا، والإقبال علينا، والتَّنجُّح (^١) بنا، فلم يعرفوا أنَّ إقبالَ يعقوب إلى يوسفَ لم يكن مِن جهة الولد، وإنَّما كان مِن معرفة صنعِ اللَّه تعالى (^٢)، وبما وضعَ اللَّهُ تعالى فيه مِن اللَّطائفِ.
وكانت محبَّتُه لِمَا كان يُكشَف له مِن زيادة الاطِّلاع على صنعِ اللَّهِ ﷿ فيه، وكان لا يلزمُه التَّسوية بينهم، ولهذا قالوا: إنَّ للأبِ أنْ يزيدَ في الإحسانِ والبرِّ لبعض الأولاد دونَ بعضٍ؛ لزيادةِ منقَبةٍ في الدِّينِ أكرمَه اللَّهُ تعالى بها، وإنْ كانَ الأولادُ سواءً في معاني الدِّين فعليه أنْ يسوِّي بينهم في الإكرام والبرِّ.
فلم يكن يعقوبُ في خطأٍ بيِّنٍ كما قالَ بنوه، إلَّا (^٣) أنَّهم توهَّموا أنَّه يكرمُه لغير الولديَّة (^٤)، فرأوا أنفسَهم أولادَه، فنسبُوه إلى الخطأ، ولو عرفوا أنَّه لمعنًى مِن لطائفِ اللَّهِ فيه يكرمُه لم ينسبوه إلى الخطأ.
وفي ذلك إبانةٌ أنَّهم يستعظمون إقبالَ أبيهم عليه، فأرادوا عطفَه عليهم (^٥)، ويغتنمون إكرامَه إيَّاهم ماكَسوه، ولو كانوا متهاونين (^٦) بَيْنَ الوالد غيرَ مغتنمين عطفَه عليهم لم يشتغلوا بتلك المماكسة مع أبيهم، إلَّا أنَّهم (^٧) جهلوا وجهَ المعاملة في خلال كلامِهم بعضِهم مع بعضٍ ومع أبيهم ومع أخيهم، من نحو قولهم: ﴿لَيُوسُفُ
_________________
(١) في (ر): "والنجح".
(٢) بعدها في (ر): "منحه في التقويم".
(٣) في (ر): "لولا".
(٤) في (ر): "الولد".
(٥) "فأرادوا عطفه عليهم" من (ف).
(٦) في (ف): "متيقنين".
(٧) في (ف): "لأنهم" بدل: "إلَّا أنَّهم".
[ ٨ / ٣٢٥ ]
وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]، ومن نحو قولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩]، وقولهم: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]، وقولهم: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١].
ثمَّ تركُ المجاهرة بقتلِه مغافصةٌ في ذلك كلِّه، دليلٌ على صحَّة إيمانهم؛ إذ لو لم يكنْ لهم إيمانٌ لم يكن لهم مانعٌ عن قتله من غير تدسيسٍ أو احتيال، وذلك كلُّه دليلٌ على أنَّ بركةَ نبوَّةِ أبيهم وأجدادِهم كانت متعدِّيةً إلى بواطنِهم، حتَّى لم يصيروا معاندِيْنَ عنادَ المعْرِضينَ عن الحقِّ بفعلِهم (^١)، إلَّا أنَّهم لم يكونوا في ذلك الوقتِ أنبياء، فلم يُعصَموا عن المحظورات كلِّها، فوقَعوا فيما وقَعوا لحكمةٍ بالغةٍ علمَها اللَّه تعالى، وعلمَ نفعَها متَّصلًا بهم وبأبيهم وبأخيهم وبالمسلمين، فأجرى عليهم تلك المعصيةَ (^٢)، وعقَّبَ تلك اللَّطائف والنِّعم فيهم وفي غيرهم.
* * *
(١١) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: ولمَّا اتَّفقوا على التَّغييب صاروا إلى أبيهم يعقوب ﵈ فقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾.
وفي الكلمةِ ثلاثةُ أوجهٍ: (لا تأمنُنا) بنونَيْن على الإظهار (^٣)؛ لأنَّ النُّونَيْن من كلمتَيْن.
_________________
(١) في (ف): "بوجه".
(٢) في (ف): "العصبية".
(٣) نسبت لأبيٍّ ﵁ والحسن والأعمش وطلحة بن مصرف. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٧)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٢٣)، و"البحر المحيط" (١٢/ ٤٢٠).
[ ٨ / ٣٢٦ ]
و: ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ بنونٍ واحدة على الإدغام؛ لالتقاء المثلَيْن (^١).
و: ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ بالإدغام وإشمام الضمَّة (^٢)؛ طلبًا لِمَا كان فيها مِن الضمِّ.
وقد أمِنَه يأمنُه؛ أي: ائتمنَه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣].
قالوا: لِمَ تخافُ علينا أنْ ننالَه بسوء ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾؛ أي: وهو أخونا وشقيقُنا، فنحنُ له ناصحون، مريدون به الخير ظاهرًا وباطنًا، لا موضعَ لاتِّهامِك إيَّانا فيه.
ونصحُهم له في السَّفر: أنْ يَحُوطوه (^٣) ولا يدَعوه يأخذ وجهًا مَخوفًا، ولا يُفْردوه عن أنفسِهم، ولا يكلِّفوه ما يُخاف عليه منه، ونحو هذا.
قال مقاتلٌ: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، قالوا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾، فقال: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾، فحينئذٍ قالوا: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ (^٤).
وقال في "كتاب عصمة الأنبياء": كأنَّهم كانوا طالبوه مرارًا حتَّى خاطبوه بهذا: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾، ولو كان هذا ابتداءَ كلامٍ ولم يظهر منه منعٌ لم يصحَّ هذا الخطابُ، وأرادوا بتأكيد هذا الكلام استرسالَ أبيهم واستسلامه بإرسالِ يوسفَ معهم، ثمَّ قالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ فظاهرُه كذبٌ منهم؛ لأنَّهم أضمروا غشَّهُ، إلَّا أنَّ فيه نوعَ نصحٍ مِن وجهَيْن:
أحدُهما: أنَّه بإضمارهم الإضرار بأخيهم كانوا معتقدين للنُّصح، لذلك لم
_________________
(١) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (١/ ٣٠٣).
(٢) هي قراءة باقي العشرة. وهنا نهاية السقط في (أ) المشار إليه في (ص ٣١٨).
(٣) في (أ): "يحفظوه".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٠٠).
[ ٨ / ٣٢٧ ]
يكفرُوا، وهذا هو المذهب السَّديد أنَّ مرتكبَ (^١) الكبيرة إذا لم يستحلَّها فهو في عَقْد الإيمان صحيحٌ، فإخوةُ يوسف عرفوا النُّصح في باطنهم، غير أنَّ غلبةَ الشَّهوة في حظوظِهم حملتْهُم على ذلك الفعل، فلم يستعملوا النُّصح المتمكِّن.
والثَّاني: أنَّهم اعتقدوا تغييبَه عن أبيه، لا إهلاكَه، وفي ذلك طرفٌ من النُّصح، وهم كانوا مع هذا التَّأويل غيرَ ناصحين بمكان أبيهم وأخيهم؛ لأنَّ قليلَ الأذى لمكان الوالدَيْن كثيرٌ، وكذا قليلُ قطعِ الرَّحم، فكيف بما أفضوا إليه؟
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كلامُ الحسود لا يُسمَع، ووعظُه لا يَنجَعُ، وإن كان في مَعرضِ النُّصحِ، فإنَّه يُطْمِعُ الشَّهدَ ويطعِمُ الصَّابَ (^٢)، ويُظهِرُ الشِّفا (^٣) ويُضمِرُ الأوصاب (^٤).
قال: ويُقال: العجبُ من قَبول يعقوبَ ما ضمِنوه له مِن حفظِ يوسفَ وقد تفرَّس فيما قال ليوسف: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]، ولكن إذا جاء القدرُ عميَ البصرُ.
قال: ويُقال: مَن قَبِلَ على محبوبِه حديثَ أعدائِه لقيَ ما لقيَ يعقوبُ في يوسفَ من بلائِه (^٥).
* * *
_________________
(١) في (أ): "من ارتكب".
(٢) في (ف) و(ر): "يطعم الشهد ويطعم الصاب"، وفي "لطائف الإشارات": "يطعم الشهد ويسقي الصاب". والصاب: عصارة شجر مر. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: صوب).
(٣) في (ر): "الصفا".
(٤) الأوصاب: جمع وَصَبٍ، وهو المرض الملازم الدائم. انظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (مادة: وصب). وجملة: "ويُظهِر الشِّفا ويُضمِرُ الأوصاب" لم ترد في مطبوع "اللطائف".
(٥) في (ر): "من أولاده". انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧١ - ١٧٢).
[ ٨ / ٣٢٨ ]
(١٢) - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ: بفتح النُّون وكسر العين: ﴿يَرْتَعْ﴾ من ارْتَعَيْتُ (^١)، وقرأ نافع بالياء فيهما وجزم العين، وأجمعوا على جزم: ﴿وَنَلْعَبُ﴾ (^٢).
قالوا: ابعثْهُ معنا إلى الصَّحراء غدًا، نأكل جميعًا ما يكون فيها بكثرةٍ وسعةٍ، ونلعبُ فيها جميعًا، وذلك في اللَّعب المباح الَّذي قد يفعله الكبارُ مع الصِّغار، خصوصًا إذا كانوا إخوةً لا يحتشمُ بعضٌ مِن بعضٍ.
ويجوز أن يكون ذلك اللَّعب هو ما ذُكِرَ بعدَه من الاستباق، في قولهم: ﴿ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾؛ أي: نرتمي بالقسيِّ والسِّهام.
وقيل: نستبقُ بالأقدام، وكلُّ ذلك مباحٌ في الشَّرع.
قال النَّبيُّ -ﷺ-: "ليس من اللَّهوِ مباحٌ إلَّا ثلاثةٌ؛ ملاعبةُ الرَّجلِ أهلَه، ورميُه عن قوسِه، وتأديبُه فرسَه" (^٣).
وقال ﵇: "ستكونُ لكم فتوحٌ، فلا يعجزنَّ أحدُكُمْ أنْ يلهوَ بقوسِهِ وأسهمِهِ" (^٤).
_________________
(١) وكسَر البزي عنه العين من غير ياء، واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحذفها.
(٢) وملخص ما فيهما: الكوفيُّون ونافع ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياءِ فيهما والباقون بالنُّون، وكسر نافع وابن كثير العين من ﴿يَرْتَعْ﴾ وجزمها الباقون. والخلاف عن ابن كثير على ما ذكرنا. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٤٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨ و١٣١)، و"النشر" (٢/ ٢٩٣ و٢٩٧).
(٣) رواه أبو داود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي (٣٥٧٨)، وابن ماجه (٢٨١١)، من حديث عقبة بن عامر ﵁. وقال الترمذي: حديث حسن.
(٤) روى نحوه مسلم (١٩١٨) من حديث عقبة بن عامر ﵁.
[ ٨ / ٣٢٩ ]
وكان رسولُ اللَّهِ -ﷺ- يسابِقُ عائشةَ على الأقدامِ (^١).
ومَن قرأ ﴿نرتعْ﴾ بتسكين العين؛ فهو مِن رتَعَ يرتَعُ رُتوعًا، ومَنْ قرأَ بالكسرِ؛ فهو مِن ارْتَعَى يَرْتَعِي ارْتعاءً، وهما في المعنى واحدٌ.
ومَن قرأ بياء المغايبة فيهما فقد جعل الفعلَ ليوسفَ يسرحُ (^٢) ويتقلَّبُ في الصَّحراءِ ويلعبُ لعبَ الصِّبيان وحدَه.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: في حين لعبِه مِن أنْ ينالَه سواءٌ، أو يتعثَّر، أو يطوفَ بحيث ينالُه ما (^٣) يُخافُ عليه مِن الوحوشِ أو الهوامِّ.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أطمَعوا يعقوبَ في تمكينهم يوسفَ ممَّا فيه فرحُه (^٤) من اللَّعب وراحتُه، فطابَتْ نفسُهُ بإذهابِهِم إياه من عنده (^٥)، وإنْ كانَ يشُقُّ عليه فراقُه (^٦)، ولكنَّ المحبَّ يُؤْثرُ راحةَ محبوبِه على مشقَّتِه (^٧).
ولمَّا ركنَ يعقوبُ إلى قولِهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أُتِيَ مِن قِبلِهم، حتَّى قالوا: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، كذلكَ يكونُ مَنْ سلَّم حبيبَه إلى أعدائِه غصَّ بتحسِّي بلائِهِ (^٨).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٤١١٨)، وأبو داود (٢٥٧٨)، وابن ماجه (١٩٧٩)، من حديث عائشة ﵂.
(٢) في (ف): "يتفرج".
(٣) "يناله ما" من (ف).
(٤) في (أ): "بما فيه تفرح يوسف"، وفي (ف): "مما فيه يفرح يوسف". وعبارة "اللطائف": "بما فيه راحة نفس في اللعب".
(٥) في (ر): "بإذهابه معهم". وفي "اللطائف": "لإذهابهم إياه من بين يديه".
(٦) "فراقه" ليس في (أ). وجملة: "وإنْ كانَ يشُقُّ عليه فراقُه" ليست في "اللطائف".
(٧) في (أ): "على مشقة يوسف". وفي "اللطائف": "على محبة نفسه".
(٨) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٢).
[ ٨ / ٣٣٠ ]
وقال في كتاب "عصمة الأنبياء": ما معنى إجابة يعقوبَ لِبَنِيْهِ في إرسال يوسفَ معَهم، وقد سمعَ أنَّهم للرَّتْعِ واللَّعبِ يدعونَه ويحملونَه، وهو نبيٌّ مرسلٌ؟ هلَّا تحرَّزَ عن إجابتِهم؟
قلْنَا: إنَّه ﵇ عاملَهم بالعِشْرةِ فيما لم يكن محرَّمًا على يوسفَ في حالِ صِباهُ، والرَّتْعُ واللَّعبُ اللَّذان كانوا يدعونَه إليهما لم يكونا معصيةً، وإنْ كانا مكروهَيْنِ أو لغوين، والنجباء الأجلَّة في معاملة الناس ومجاملتهم كانوا لا يختارون من الأعمال إلا أفضلها (^١)، ومِن الأمورِ إلَّا أكملَها (^٢)، لكنَّهم إذا استقبلَهم ممَّن دونَه لغوٌ أو إصابَةٌ بمكروهٍ عامَلُوهم (^٣) على قدْرِ احتمالِهم، فلم يكنْ مِن النُّجباء الأصفياء مذمومًا لجميلِ مرادِهم في تحسينِ أخلاقِهم؛ استجلابًا منهم للَّذين عاملُوهم (^٤) إلى الحقِّ والهدى.
فإنْ قال قائلٌ: بأنَّ يحيى ﵇ فيما يُروَى عنه عرفَ ذلك، حتَّى دفعَ الإجابةَ للصِّبيان إلى اللَّعب، حتَّى مدحَه اللَّه تعالى فقالَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] وهو ابنُ أربعِ سِنينَ، حيثُ قال لهم: ما للَّعبِ خُلقْتُ (^٥). فهلَّا عرفَ يوسفُ ﵇ حتَّى كان يدفعُهم؟
_________________
(١) في (ر): "أو لغوًا من الأعمالِ وإن كان الأنبياءُ والأصفياءُ لا يختارون من الأحوال إلَّا أفضلَها" وفي (ف): "أو لغوين إذ ليس المراد من الأعمال إلا أفضلها".
(٢) في (ر) و(ف): "أجملها".
(٣) في (ر): "عاملوه".
(٤) في (ر): "عاملوه".
(٥) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٨٢٣)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣٩٦)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٧٤)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (٧٠٥) عن معمر.
[ ٨ / ٣٣١ ]
قلْنَا: إنَّه عرفَ أنَّه للَّعبِ لم يُخلَقْ، ولكن لم يدفعْ كلامَهم تعظيمًا للإخوةِ الَّذين كانوا أكبرَ سنًّا منه، ولم يُظهرِ الإجابةَ بالكلامِ ولا بالعملِ رتعًا ولعبًا فيما به بأسٌ مِن حسنِ عِشرتِه.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: خافَ يعقوبُ على يوسفَ الضَّيْعةَ مِن جهة الجوعِ بتركِهم حفظَ أوقات (^١) الأكلِ، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم: ﴿يَرْتَعْ﴾؛ أي: يأكل.
وخافَ عليه أنْ يكلِّفوه (^٢) أمرًا يشقُّ عليه ويشتدُّ، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم: ﴿وَيَلْعَبْ﴾؛ لأنَّه ليس في اللَّعب مشقَّةٌ ولا شدَّةٌ.
وخافَ عليه الضَّيعةَ بتركِهم حفظَه، فأمَّنوه عن ذلك بقولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، حتَّى استنقَذُوه مِن يدَيْهِ (^٣).
وقيل: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ هذا عتابٌ منهم لأبيهم، ومثله في القرآن: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨]، ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠]، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]، وهذا عتابُ اللَّهِ ﷿ مع عبيدِه، وقالَ نوحٌ صلواتُ اللَّهِ عليه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، وهذا عتابُه مع أمَّته، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١٢] وهذا عتابُ الصَّالحين مع أنفسِهم.
وقالوا: قولهم: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ تكلَّموا بثماني كلماتٍ، وفيها ثمانيةُ أنواعٍ مِن الخطأ:
_________________
(١) في (ر): "آفات".
(٢) في (ف): "يلقوه".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢١٣).
[ ٨ / ٣٣٢ ]
قالوا: ﴿أَرْسِلْهُ﴾ وهذا أمرٌ، وأمرُ الابنِ لأبيه خطأٌ.
وقالوا: ﴿مَعَنَا﴾ وهذا منهم رؤيةُ أنفسِهم، وهي خطأٌ.
وقالوا: ﴿غَدًا﴾ وهذا طولُ أملٍ منهم، وهو خطأٌ.
وقالوا: ﴿يَرْتَعْ﴾ وهذا حديثُ الأكلِ وحظِّ النَّفس، وهذا مِن المتورِّعين خطأٌ.
وقالوا: ﴿وَيَلْعَبْ﴾ وهو مِن الأنبياء خطأٌ.
وقالوا: ﴿وَإِنَّا﴾ فأعظمُوا أنفسَهم، وهذا مِن الكبراءِ خطأٌ.
وقالوا: ﴿لَحَافِظُونَ﴾ رأَوا الحفظَ مِن أنفسِهم، وهو مِن اللَّهِ ﷻ، فإضافتُه إلى العبد خطأٌ.
وأطلقُوا هذا الوعد ولم يقولوا: إن شاء اللَّه؛ وهو خطأٌ، لكنْ سترَ عليهم أبوهم مع علمِه بخطئِهم شفقةً عليهم.
* * *
(١٣) - ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: الحزنُ: ألمُ القلبِ بفواتِ المحبوبِ، والخوفُ: انزعاجُ النَّفسِ لنزولِ المكروه.
وقالوا: لعلَّ تلك المواضع كانت مَسْبَعَةً، فخافَ أن يشتغلوا عنه بما يشتغلُ مثلُهم، فيغفلوا عنه، فيعدو عليه ذئبٌ فيأكله.
[ ٨ / ٣٣٣ ]
وقال مقاتلٌ: وإنَّما قال يعقوبُ ذلك لأنَّه رأى في المنام أنَّ ذئبًا انتزعَ يوسفَ مِن يده (^١).
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: وهذا لا يُحتمل؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ وصدقٌ، فلا يحتمل أن يرى ذلك ثمَّ يقولَ: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، أو يدعَه يذهبُ معهم، لكنَّه خاف عليه أكلَ الذِّئب على ما يُخاف على الصِّبيان في المفاوز؛ إذ الخوفُ على الصِّبيان منها والضَّياع عليهم يكون بالذِّئب أكثرَ مِن [أيِّ] وجهٍ آخر؛ لأنَّه جائزٌ أن يفترسَه سبعٌ عند اشتغالِهم بعملٍ (^٢).
وقال الإمام القُشيريُّ ﵀: يقول: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾؛ لأنِّي لا أصبرُ عن رؤيتِه، ولا طاقةَ لي بفرقتِه، هذا إذا كانت الحالةُ حالةَ السَّلامة، فكيفَ ومع هذا أخافُ أن يأكلَه الذِّئبُ؟!
وفي الخبر: "إنَّما يُسلَّطُ على ابنِ آدمَ ما يخافُه" (^٣)، ولمَّا خافَ يعقوبُ على ولدِه الذِّئبَ امتُحِنَ بحديثِ الذِّئبِ (^٤).
* * *
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٠١) بلا نسبة، وعزاه الواحدي في "البسيط" (٢/ ٦٠٢) إلى المفسرين.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة"، للماتريدي (٦/ ٢١٥)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) رواه الختلي في "الديباج" (٦٩) من حديث ابن عمر ﵄، وذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (١/ ١٧٦)، والديلمي في "مسند الفردوس" (٩٠٤٠). وفيه بكر بن حذلم قال ابن حجر في "لسان الميزان" (٢/ ٣٤٠): متروك. ووهب بن أبان، قال ابن حجر في "لسان الميزان" (٦/ ٢٢٩): لا يُدرى من هو وأتى بخبر موضوع، ذكره الأزدي فقال: متروك الحديث غير مرضي، ثم أسند له من طريقه هذا الحديث.
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٢).
[ ٨ / ٣٣٤ ]
(١٤) - ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: أي: لئن قدر على أكله الذِّئب ونحن فرقةٌ نحيطُ به ونحوطُه، فلا يعجز مثلُنا عن ذبِّ السِّباع عنه ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾؛ أي: مضيِّعون، نخسرُ أخانا فيذهب هَدَرًا، وكأنَّا (^١) سلَّمْناه إلى الذِّئب وعرَّضناه للضَّياع.
والخاسر في اللُّغة: لقبٌ مذمومٌ، يقاربُ معناه معنى الهلاك، ومعنى الضَّلال (^٢)؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] قالوا: غير تضليل، وكأنَّه ضدُّ المفلح، والمفلح: مَن نالَ المطلوب وفاز بالخير، والخاسر: مَنْ لا خيرَ فيه ولا فلاح له، وحقيقتُه النُّقصانُ، ومنه الخسران الَّذي هو ضدُّ الرِّبح، فالخاسرُ: هو النَّاقصُ العقلِ والتَّدبير.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: حقَّ في إخوةِ يوسفَ ما وصفوا به أنفسَهم مِن الخسرانِ، وإنَّ مَن باعَ أخًا له مثلَ يوسف بمثل ذلك الثَّمن البَخس فحقيقٌ أن يُقال: خسِرَتْ صفقتُك (^٣).
وفي "كتاب عصمة الأنبياء": فإنْ قالوا: كيفَ كان يجوزُ مِن النَّبيِّ المرسَلِ الاشتغالُ بعادات النَّاس في كلامِهم، مِن نحو قوله: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ إلى آخره، وأسرارُ الأنبياء كانت للَّهِ ﷿، غيرُ مُبْقًى (^٤) فيها غيرُ ذكرِه، فكيف كان يحزنُه أمرُ يوسفَ؟
_________________
(١) في (أ): "وكنا".
(٢) في (أ): "الضال"، وفي (ر): "الضياع".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٣).
(٤) في (ف): "أن يبقى"، وسقطت كلمة غير من (أ).
[ ٨ / ٣٣٥ ]
قلنا: هذا إظهارٌ منه الشَّفقة على الولد، والوالدان مأموران (^١) بالشَّفقة على الأولاد، والشَّفقة عليهم لا تزيلُ حقَّ الحقِّ عن أسرارِهم؛ لأنَّ الشَّفقة قائمةٌ برحمة اللَّه تعالى، ورحمتُهُ صفتُه لا تبعدُه عن الحقِّ سرًّا وعلنًا؛ قال اللَّه تعالى لنبيِّه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وإلَّا كان باطنُه مصفًّى عن شوائب الشَّكِّ، ورواتب (^٢) الميلِ إلى الأسباب، دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يوسف: ٦٧] إخبارًا بأنَّ ما يخاطبُهم على قدرِ احتمالِ عقولِهم، على ما جرَتْ به العاداتُ فيما بينَ النَّاسِ استعمال الأسباب لإبلاءِ (^٣) العُذْرِ وتسكينِ الخواطر (^٤) مِن: لعلَّ وعسى.
وقال بعضُ الحكماء: قيل: البلاءُ موكَّلٌ بالمنطق، فكانَ بلاءُ يعقوبَ مِن ذلك، قال: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ فحزِنَ، وقال: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فقالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، وقال: ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ فجعلوا ذلك عذرًا لأنفسهم فقالوا: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾، وكان يجتهدُ بذكر هذه الكلمات في حفظ الولدِ وحثِّ الإخوة على ذلك، فتكلَّم بما صار تلقينًا لهم ماذا يفعلون، فقد كانوا لا يدرون ماذا يصنعون به، وماذا يقولون له، فتلقَّنوا مِن كلماتِه عذرَهم، وتعلَّموا بإشارته عذرَهم (^٥).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: لمَّا قال يعقوب: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ قالوا: ما سمِعْنا بذئبٍ أكلَ إنسانًا، فمِن أينَ تقولُ هذا؟ قال: رأيْتُ منذُ ليالٍ
_________________
(١) في (ف): "والوالد مأمور".
(٢) في (ف): "وروائب".
(٣) في (ر): "لإيلاء".
(٤) في (أ): "الجواهر".
(٥) "وتعلموا بإشارته عذرهم" من (أ).
[ ٨ / ٣٣٦ ]
على قُلَّة جبل ويوسف في بطنِ الوادي، وقد أحاطَتْ به عشرةُ ذئابٍ يريدون قتلَه، فأردْتُ النُّزولَ لأنقذَه فلم أجدْ إلى ذلك سبيلًا، فبينا أنا كذلك انشقَّتِ الأرضُ فسقطَ يوسفُ فيها، فهالني ذلك، فاستيقظْتُ فإذا يوسفُ في حجري، فقلْتُ: الحمدُ للَّهِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: فالجبلُ حالُ يعقوبَ، والذِّئابُ إخوةُ يوسفَ، وانشقاقُ الأرضِ وقوعُه في غيابةِ الجُبِّ.
فقيل لابن عبَّاسٍ ﵄: وهل كان يعلمُ يعقوبُ تأويلَ الرُّؤيا؟ قال: نعم.
قالوا: فلِمَ أرسلَه معهم؟ قال: أما سمعْتُم: إذا جاء القدرُ (^١) عميَ البصرُ (^٢)؟!
* * *
(١٥) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾: وهاهنا محذوفٌ؛ أي: فأرسلَ يعقوبُ يوسفَ ﵉، فلمَّا ذهبوا به.
روي أنَّ إبليسَ -لعنَه اللَّهُ- أتاهم، فقال وهو في صورة شيخ، وكانوا يدبِّرون ذلك في الشِّتاء: ليسَ هذا وقتَ الخروجِ به إلى الصَّحراء، فامكثُوا حتَّى يجيءَ الرَّبيع، فقولوا للأبِ: طابَ الزَّمانُ وتزيَّنَتِ الصَّحراءُ، ويوسفُ في البيت لا يَرى ما نَرى،
_________________
(١) في (ف) و(أ): "القضاء".
(٢) لم أجده عن ابن عباس، وروى نحوه أبو سعيد الواعظ في مقدمة كتاب "منتخب الكلام في تفسير الأحلام" (ص: ٢٩٤) من طريق عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه. وعبد المنعم بن إدريس قال عنه أحمد بن حنبل كما في "الميزان": كان يكذب على وهب بن منبه، وقال البخاري: ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث على أبيه وعلى غيره.
[ ٨ / ٣٣٧ ]
فأذَنْ له في الخروجِ معنا فيتفرَّجَ، فلمَّا جاءَ الرَّبيعُ جاؤوا إلى يوسفَ فكلَّمُوه حتَّى رغَّبوه في ذلك، فقالوا: إذا (^١) سألْنا أبانا أنْ يأذنَ لكَ فاجهدْ أنتَ معنا في الاستئذان، ففعلوا، فتضرَّع يوسفُ إلى أبيهِ في ذلك، فاضطرَّ فأذِنَ له ليلًا أن (^٢) يخرجَ معهم غدًا، وكان طولَ اللَّيل يبكي خوفًا (^٣) على فِراقِه، فلمَّا أصبحَ رجَّله وطيَّبه، وبنفيسِ الثِّيابِ جمَّلَه، ولبسَ هو ثيابه، فخرجَ معهم يشيِّعُ يوسفَ، فلمَّا خرجَ مِن درب كنعان إلى شجرةٍ كانَ عندها وداعُ المسافرين عانقَ يوسفَ وودَّعه وبكى، وقال لإخوتِه: لا تلوموني، فإنِّي أتوسَّم فيه آثار أبي وجدِّي، وأوصَى يوسفَ وصايا وقال: لا تنسَ اللَّهَ تعالى بكلِّ حالٍ، وإذا وقعْتَ في بليَّةٍ فاستعنْ باللَّهِ، وأكثِرْ مِنْ قولِ: حسبيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوكيل، فإنَّ جدَّك إبراهيمَ حين أُلقِي في النَّار قال ذلك، ولا تنسني فإنِّي لا أنساك، ولا تضحكْ حتَّى تراني، فإنِّي لا أضحكُ حتَّى أراك.
وعاهدَ إخوةَ يوسفَ أنْ يطعِموهُ ويسقوهُ عند الحاجةِ، ويحمِّلوه ولا يتعبُوه، فقَبِلوا منه ذلكَ، واحتملَه روبيل على عاتقِه (^٤)، ورجعَ يعقوبُ، فغابوا عنه (^٥)، فلمَّا بعدوا عنه ألقاه روبيل عن عاتقِه، وقال له: امشِ كما نمشي (^٦)، فمشى وأعيى فقعدَ وقال: عطشْتُ فاسقوني، فلم يسقُوه، وعجزَ عن المشي فأكرهُوه، ولمَّا امتنعَ لطمَه بعضُهم وعنَّفوا عليه، وقالوا: أينَ رُؤياكَ النُّجومَ والشَّمس ساجدةً لك؟ استعنْ بهم واستسْقِهم واستحمِلْهم.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "إنا".
(٢) في (أ): "لأن" بدل: "ليلًا أن".
(٣) "خوفًا" ليس في (ف).
(٤) في (ف): "وعانقه يعقوب" بدل من "على عاتقه".
(٥) "فغابوا عنه" من (أ) و(ف).
(٦) "كما نمشي" ليس في (ف).
[ ٨ / ٣٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَجْمَعُوا﴾: قيل: أي: عزموا، وقيل: اتَّفقوا (^١) ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: قد فسَّرناه.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾: قيل: بشَّرناه على لسانِ مَلَكٍ.
وقيل: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: أرسلنا إليه بالنُّبوَّة.
قال الحسنُ: أعطاه اللَّه تعالى النُّبوَّة وهو في الجبِّ (^٢).
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ﴾: هذه بشارةٌ مؤكَّدةٌ (^٣) تأكيدَ اليمين؛ أي: لتخبرنَّهم بما فعلوا بك، وهو قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩]، وهذا نبأ توبيخٍ، وهو بشارةٌ له بمصير أمرِه إلى ذلك.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: حالةَ إلقائِه في الجبِّ أنَّ اللَّهَ تعالى أوحى إليه وبشَّره به.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: حين انقطعَ عنه ملاطفةُ أبيه جاءَه الوحيُ مِن بارئه، وهكذا سُنَّته ﷻ لا يفتحُ على نفوسِ أوليائِه بابًا مِن البلاءِ إلَّا فتحَ على قلوبِهم أبوابَ الصَّفاءِ وفُنونَ لطائفِ الولاء (^٤).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويشبه أن يكون قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى يعقوب، ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾، وذلك قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، عَلِمَ أنَّه حيٌّ بذلك الوحي، وعلى ذلك قوله تعالى:
_________________
(١) بعدها في (ف): "أن يجعلوه في غيابة الجب وهو ما أخبر اللَّه تعالى بقوله".
(٢) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٢١٧)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٤٢)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٢٢٥)، والرازي في "مفاتح الغيب" (١٨/ ٤٣٦)، وأبو حيان في "البحر المحيط" (١٢/ ٤٢٦).
(٣) في (ف): "تؤكد".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٣).
[ ٨ / ٣٣٩ ]
﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] (^١).
واختلفوا في جواب (لمَّا):
قال أهلُ البصرة: هو محذوفٌ تقديرُه: عظمَتْ فتنتُهم، أو: كبر ما قصدوا إليه.
وقال أهلُ الكوفة: الواو مِن: ﴿وَأَجْمَعُوا﴾، أو مِن قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾، أو مِن قوله: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ مقحمةٌ زائدةٌ (^٢)، ونظيرُ هذا الإقحام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٤]، وقال امرؤ القيس:
فلمَّا أجزْنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحَى بنا بطنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عقَنْقَلِ (^٣)
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢١٦).
(٢) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (١٢/ ٤١)، و"تفسير ابن عطية" (٣/ ٢٢٥).
(٣) البيت من معلقة امرئ القيس. انظر: "ديوانه" (ص: ٣٩). قوله: (أجزنا) يقال: أجزت المكان وجزته: إذا قطعته. الحي: القبيلة. الانتحاء: الاعتماد على الشيء. البطن: مكان مطمئن حوله أماكن مرتفعة. الخبت: أرض مطمئنة. الحقف: رمل مشرف معوج، ويروى: (ذي قفاف)، وهي جمع قف: وهو ما غلظ وارتفع من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلًا. العقنقل: الرمل المنعقد المتلبد. وأصله من العقل وهو الشد، وزعم أبو عبيدة وأكثر الكوفيين أن الواو في (وانتحى) مقحمة زائدة، وهو عندهم جواب (لَمّا)، والواو لا تقحم زائدة في جواب لَمّا عند البصريين، وهو في مثل هذا الموضع محذوف، وتقديره في هذا البيت: فلما كان كذا وكذا تنعمت وتمتعت بها، وحذفُ جواب (لَمّا) كثير في التنزيل وكلام العرب. يقول: فلما جاوزنا ساحة الحي وخرجنا من بين البيوت وصرنا إلى أرض مطمئنة بين حقاف، يريد مكانًا مطمئنًا أحاطت به حقاف أو قفاف منعقدة؛ والعقنقل من صفة الخبت لذلك لم يؤنثه، ومنهم من جعله من صفة الحقاف وأحلّه محل الأسماء وعطله من علامة التأنيث لذلك. وقوله: (انتحى بنا بطن خبت) أسند الفعل إلى (بطن خبت) والفعل عند التحقيق له وللحبيبة، ولكنه ضرب من الاتساع في الكلام، والمعنى: صرنا إلى مثل هذا المكان؛ =
[ ٨ / ٣٤٠ ]
(١٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.
وقيل: جوابُه: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ مِن غيرِ إقحامٍ.
وقال وهبٌ: فجاؤوا به إلى رأسِ جبٍّ، وأرادوا أنْ يلقُوه فيه، فعلِق بهم وتعلَّق (^١) برأس الجبِّ، وتعلَّق (^٢) قميصه بصخرةٍ، فخلعوا قميصَه وتركوه عريانًا، وأوثقوا يديه لكيلا يتعلَّق بشيءٍ، ثمَّ ألقوه فيها، فقال لهم: ردُّوا عليَّ قميصي أستترُ به في الجبِّ، فقالوا له: ادعُ الأحدَ عشر كوكبًا والشَّمس والقمر حتَّى يستروك في الجبِّ.
وكان ذلك الجبُّ بالأردن، في وادٍ مِن أوديتِها، على رأس ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وكان ماؤها غليظًا كدرًا، فلمَّا ألقي فيها يوسف عذبَ ماؤها وصَفا، ووكَّل اللَّه تعالى ملكًا فوضعَ يوسف على صخرةٍ ثابتةٍ في الجبِّ، وقعدَ يؤنسُه، وبكى يوسفُ واشتدَّ بكاؤه، وبكى الجبُّ لبكائه، وكلُّ شيء سَمِعَ صوته مِن شجرٍ أو حجرٍ أو مدرٍ (^٣).
وقيل: أوثقوا (^٤) وسطَه بحبلٍ وأرسلوه به فيه، فلمَّا توسَّط الجبَّ قطعُوا الحبلَ، فكادَ يسقُطُ، فأمر اللَّهُ ﷻ جبريلَ أن يدركَه، فأدركَه وأخذَه، وجرَّ حجرًا منه، فجعله كسريرٍ وأجلسَه عليه، وقالت هوامُّ البئر بعضُها لبعض: لا تخرجْنَ مِنْ
_________________
(١) = وتلخيص المعنى: فلمّا خرجنا من مجمع بيوت القبيلة وصرنا إلى مثل هذا الموضع طاب حالنا وراق عيشنا. انظر: "شرح المعلقات" للزوزني (ص: ٥٠).
(٢) "بهم وتعلَّق" ليس في (ف).
(٣) "وتعلَّق" ليس في (ف).
(٤) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٩) عن السدي. وهو من الإسرائيليات.
(٥) في (ر): "شدوا".
[ ٨ / ٣٤١ ]
مساكنكُنَّ، فإنَّ نبيًّا مِن الأنبياء نزلَ بساحتكُنَّ، فانحجزْنَ إلَّا الأفعى، فإنَّها قصدَتْ يوسفَ، فصاحَ بها جبريلُ فصُمَّتْ، وبقيَ الصَّممُ في نسِلها.
وعلَّم جبريلُ يوسفَ ﵉ هذا الدُّعاء: اللَّهمَّ يا كاشفَ كلِّ كربةٍ، ويا مجيْبَ كلِّ دعوةٍ، ويا جابرَ كلِّ كسيرٍ، ويا ميسِّرَ كلِّ عسيرٍ؛ ويا صاحبَ كلِّ غريبٍ، ويا مؤنسَ كلِّ وحيدٍ؛ لا إلهَ إلَّا أنْتَ، سبْحانَك، أسألُكَ أنْ تجعلَ لي فرجًا ومخرجًا، وأن تقذفَ حبَّك في قلبي حتَّى لا يكون لي همٌّ ولا ذِكْر غيرُك، وأن تحفظَني وترحَمني يا أرحَم الرَّاحمين.
ثمَّ رجعَ جبريلُ، ولمَّا غربَتِ الشَّمسُ جاءَ يهوذا إلى رأسِ الجبِّ ونادى: يا يوسفُ، يا يوسفُ؛ أحيٌّ أنْتَ أم ميِّت؟ فقال يوسفُ: مَن أنتَ؟ فقال: يهوذا، وكيفَ حالُكَ؟ قال: كيفَ حالُ مَن ثكلَ أمَّه، وفقدَ أباه، وجفاه إخوتُه، واغتربَ عن وطنِه، وهو جائعٌ عطشانُ مهمومٌ عريان؟! ليس مِن الأحياءِ فوق الأرضِ، ولا مِن الأمواتِ تحتَ الأرضِ، فبكى يهوذا وارتفعَ بكاؤه، وقال له يوسفُ: إنَّ لكلِّ ميِّتٍ وصيَّةً، ووصيَّتي إليك ألَّا تنظر إلى شابٍّ إلَّا ذكرْتَ شبابي، ولا إلى يتيمٍ إلَّا ذكرْتَ يتمي، ولا إلى غريبٍ إلَّا ذكرْتَ غربَتي.
فبكى يهوذا بكاءً شديدًا، فسمعَ الإخوةُ بكاءَه، فأتوه فقالوا له: أتبكي عليه؟ وسدُّوا رأسَ الجبِّ بصخرةٍ عظيمةٍ، فبكى يوسفُ حينئذٍ، وصاح صيحةً بكى لها ملائكةُ السَّماء، وقالوا: يا ربَّنا، ارحمْهُ، فبعثَ اللَّهُ تعالى جبريلَ ومعَه أطعمة وأشربة مِنَ الجنَّة، ونوَّرَ الجُبَّ، وكان القميصُ الَّذي ألبسَه جبريلُ إبراهيمَ ﵇ في الهواء يومَ أُلقي في النَّارِ وصلَ إلى يعقوبَ ﵇، وكان جعلَه في تعويذٍ
[ ٨ / ٣٤٢ ]
وربطَه على عضدِ يوسفَ، فحلَّه (^١) جبريلُ وأخرجَه وكساهُ، وطيَّب قلبَه بالبشاراتِ، وقال له بأمر اللَّه: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال قائلُهم:
الدَّهرُ لا يبقى على حالَةٍ كذاك حالُ العبدِ في العُسْرِ
أمَا ترى يوسفَ في جُبِّهِ في ضِيْقِ أَمْرٍ ثمَّ في اليُسْرِ
* * *
(١٦) - ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾: العشاء: في آخر النَّهارِ إلى نصف (^٢) اللَّيلِ.
و﴿يَبْكُونَ﴾ في معنى الحال؛ أي: يُظهِرون الحزنَ على يوسفَ، ويحتمِل أنَّهم ندموا على ما فعلُوا.
* * *
(١٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾: قال الزَّجَّاج: أي: نترامَى أيُّنا أصوبُ سهمًا (^٣). وقيل: أي: نتعادى بالأقدام أيُّنا أسرع عدوًا.
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾: أي: رَحْلِنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾؛
_________________
(١) في (ر): "فخلعه".
(٢) "نصف" من (أ).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٩٥).
[ ٨ / ٣٤٣ ]
أي: بمصدِّقٍ لنا فيما نقولُه ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾؛ أي: عند النَّاس لا نُتَّهمُ بتضييع أخينا، وذلك لسوء ظنِّك بنا، واتِّهامِك لنا فيه.
* * *
(١٨) - ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾: أي: مكذوبٍ فيه؛ مصدرٌ أُرِيْدَ به المفعول به؛ كـ (الثِّقة) يُراد به الموثوقُ به؛ أي: أخرجوا له قميصَ يوسفَ ملطوخًا بدمٍ كذبوا فيه.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ ومجاهدٌ: كان دمَ سَخْلَةٍ، أوهموه أنَّه دمُ ابنه (^١).
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾: أي: لم يصدِّقْهم فيما جاؤوا به من الدَّم، وما أخبروه به مِن أكل الذِّئبِ، وقال لهم: ليس الأمرُ على ما تذكرون، بل زيَّنَتْ لكم أنفسُكُم أمرًا ففعلتُموه.
و﴿أَمْرًا﴾ كناية عن تضييعهم يوسفَ أو إهلاكِهم إيَّاه، ولمَّا يكن ذلك بيِّنًا عند يعقوبَ كنَّى فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾: أردْتُم أن يخلوَ وجهي لكم، فغيَّبْتم يوسف عنِّي.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: أي: فلي صبرٌ جميلٌ، أو: فمني (^٢)؛ كقوله تعالى:
_________________
(١) رواه عن ابن عباس ﵄ عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٧٨)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١١١). رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٥) عن مجاهد. السَّخْلَةُ: تطلق على الذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد، والجمع سخال وسَخْل. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (مادة: سخل).
(٢) في (ف): "أو هي مني".
[ ٨ / ٣٤٤ ]
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]؛ أي: فعليه ذلك.
قال النَّبيُّ -ﷺ-: " ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: صبرٌ لا شكوى فيه" (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: أي: أستعين اللَّه على كشف ما الْتَبس عليَّ من أمرِكم.
وعن الشَّعبيِّ قال: كانت قصَّةُ يوسفَ كلُّها في قميصِه، لمَّا ألقاه إخوتُه في الجبِّ نزعوا عنه قميصَه، وعمدوا إلى سَخْلَةٍ فذبحوها ولطَّخوا قميصَه بدمِها، ثمَّ جاؤوا به إلى أبيهم، فنظرَ يعقوبُ إلى القميص وهو صحيحٌ فقال لبنيه: إنْ كانَ هذا الذِّئبُ لحليمًا حينَ أكلَ ابني ولم يخرقْ قميصَه، ولمَّا شهد شاهدٌ قال: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٧] الآيات، ولمَّا أُتِيَ يعقوبُ بقميصِه فأُلقِي على وجهِهِ فارتدَّ بصيرًا (^٢).
وفي القصَّة: أنَّهم لمَّا أبطؤوا على يعقوبَ كانت له جاريةٌ يقال لها: صفراء، فقال لها: خذي بيدي فانطلقي بي أستقبل يوسف، فخرجَا من كنعان، وصعدا تلًّا ينظران، فلمَّا أظلمَ اللَّيل قال لها: صيحي بأولادي، فقالَتْ: يا أولادَ يعقوبَ؛ هذا أبوكم ينتظركم، فسمعوا بذلك وهم في وادٍ، فمزَّقوا ثيابَهم وجعلوا يقولون: يا يوسفاه، يا حبيباه، فقال يعقوبُ: ما هذا الصِّياح؟ فأخبرتْهُ بما يقولون، فخرَّ مغشيًّا عليه، ثمَّ أفاقَ فقال: أيُّ ذئبٍ أكلَه؟
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الصبر" (١١٠)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١١٢) عن حبان بن أبي جبلة مرسلًا.
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٨٢)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١١١).
[ ٨ / ٣٤٥ ]
وفي هذه الرِّواية: أنَّهم كانوا أخذوا ذئبًا فأحضروه، فقالوا: هذا الذِّئب، فقال للذِّئب: لِمَ أكلْتَ ولدي؟ فتكلَّم الذِّئبُ وقال: إنَّا لا ندورُ حولَ غنمِك، فكيفُ نأكلُ ولدَك؟! قال: فهل هو في الأحياء؟ قال: نعم، قال: أين هو؟ قال: سَلْ جبريلَ، قال: إنَّه لا يخبرني، قال: وإذا لم يخبرْكَ هو فكيفَ أخبرُكَ؟ وقال لأولاده: أسمعْتُم؟ قالوا: تصدِّق ذئبًا وتكذِّبنا ونحن عشرةٌ! فقال: جيئوا (^١) بشيءٍ يدلُّ على ذلك ويكون لي تذكرةً عنه، فذهبوا وعادوا عشاءً وقد حملوا قميصَه ملطَّخًا بدم شاةٍ، فأخذَه ونظرَ فيه، فإذا هو صحيح لم يُخرَقْ، فقال: هل كان يوسفُ في هذا القميصِ؟ قالوا: نعم، قال: كيف وصلَ إليه ولم يُخْرَقْ هذا؟ فخجلوا، فقال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، ثمَّ توجَّه إلى الوادي وهو يقول: يا ولدي وقرَّةَ عيني وثمرةَ فؤادي؛ في أيِّ جُبٍّ طرحوك؟ في أيِّ بحرٍ غرَّقوك؟ بأيِّ سيفٍ قتلوك؟ بأيِّ أرضٍ دفنوك؟ فبكى لبكائِه الملائكةُ، فأتاه جبريل وقال: قد أبكيْتَ (^٢) ببكائِكَ الملائكةَ، فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
وفي "كتاب عصمة الأنبياء" قال: أضافَ (^٣) فعلَهم إلى تسويلِ أنفسِهم، ولم يصرِّحْ بالفعلِ عنهم، فلم يقلْ: فعلْتُم ما فعلْتُم وأنتم ظالمون، بل قال: ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ وعقودُكُم للإيمان خاليةٌ عن قَبول تسويل أنفسكم ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾؛ أي: يسهُلُ لي الصَّبرُ إذا تأمَّلْتُ فعلَكم أنَّكم لم تكابروني (^٤) معتقدين إيذائي، فيخفُّ عليَّ تحمُّلُ أذاكم، فأصبرُ صبرًا جميلًا، وهو الَّذي لا جزعَ فيه.
_________________
(١) في (أ): "أجيبوا".
(٢) في (أ): "بكت".
(٣) في (أ) و(ف): "أصاب".
(٤) في (أ): "تكابروني في".
[ ٨ / ٣٤٦ ]
وقد فعل ذلك عند الصدمةِ الأولى، ووفَّى حقَّ الصَّبر؛ إذ لوعةُ المصيبةِ عند حدوثها أشدُّ، فإذنْ لم يخالفْ وعدَه بالصَّبر الجميل؛ إذ لم يجزعْ للحالِ، وجزعُه مِن بعدِ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] لا ندري لماذا كان، فلا يزولُ به الصَّبرُ، على أنَّ الجزعَ لا يزيلُ الصَّبرَ (^١)؛ قال النَّبيُّ -ﷺ- في وفاة إبراهيمَ ولدِه: "إنَّ القلبَ يجزَعُ، والعينَ تدمعُ، ولا نقول ما يسخِطُ الرَّبَّ" (^٢)؛ أبانَ أنَّ صفةَ الإنسانِ هي الضَّعفُ والعجزُ (^٣)، قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
ولأنَّ جزعَه كان لفواتِ تلك اللَّطائفِ الَّتي كان اختُصَّ بها يوسفُ، فكانَت تؤثِّر في سرِّ يعقوبَ ﵇ (^٤)، وهي كانت ربَّانية، والعبدُ فيما يفوتُه مِن نحو هذا إذا جزعَ بما يُعمِي بصرَه ويذوِّب جسمَه كان ممدوحًا معلًّى (^٥) قدرُه.
على أنَّ جزعَه إنْ جُعِلَ على فراقِ يوسفَ على ما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ وحُمِلَ على ظاهرِه لم يبعدْ مِنَ الحكمةِ، والأشباحُ لها حرمةٌ في ذاتِ اللَّه تعالى ردًّا على المعتزلة، فإذا جزعَ لفقدِ جسدٍ أَجَلَّ اللَّهُ قدرَهُ؛ فقد أَجَلَّ ما أجلَّهُ اللَّهُ ﷿، فلم يكن جزعُه كجزعِ الغافلينِ لفقدِ الولدِ بحقِّ الميلِ إليهم نهمةً ورغبةً في حظوظهم منهم.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وفي الآية دلائل:
_________________
(١) في (ف): "لا يزول مع الصبر"، وفي (ر): "لا يزيد مع الصبر".
(٢) رواه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) في (ف): "والجزع".
(٤) بعدها في (أ): "فيتحلى بتلك اللطائف"، وفي (ر): "فتحلى بتلك اللطائف".
(٥) في (ر): "على".
[ ٨ / ٣٤٧ ]
أحدها: أنَّ مَن ارتكبَ صغيرةً فإنَّه يُخافُ عليه التَّعذيبُ ولا يصيرُ كافرًا، ومَن ارتكبَ كبيرةً لم يخرجْ من الإيمان؛ لأنَّ إخوةَ يوسفَ همُّوا بقتلِه (^١) أو طرحِه في الجُبِّ، والتَّغييبِ عن وجه أبيه وإخلائه (^٢) عنه، وذلك لا يخلو منهم: إمَّا أن تكون صغيرةً أو كبيرةً؛ فإنْ كانت صغيرةً فقد استغفروا عليها بقولهم: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [يوسف: ٩٧]، دلَّ أنَّهم إنَّما استغفروا لِمَا خافوا من (^٣) العذابِ عليها وإنْ كانت كبيرةً، فلم يخرجوا عن الإيمان حيث صاروا (^٤) أنبياءَ مِن بعدُ، وصاروا قومًا صالحين.
دلَّ ما ذكرنا على نقض قولِ المعتزلة في صاحب الصَّغيرة: إنَّه لا يعذَّبُ عليها، وصاحبِ الكبيرة: إنَّه يخرجُ من الإيمان، ونقضِ الخوارج في قولهم: إنَّه إذا ارتكب كبيرةً أو صغيرةً صار به كافرًا مشركًا باللَّه (^٥)، ونقضِ قولِ مَن يقول: إنَّ مَن كذَبَ متعمِّدًا أو وعَدَ فأَخلفَ أو اؤتمنَ فخانَ يصير منافقًا؛ لأنَّ إخوةَ يوسفَ ائتُمِنوا فخانوا، ووَعدوا فأَخلفوا، وحدَّثوا فكذَبوا، فلم يصيروا منافقين لأنَّهم قالوا: أكلَه الذِّئبُ، وما أكلَه، وهو (^٦) كذبٌ، واؤتمنوا فخانوا حين ألقوه في الجبِّ، ووَعدوا أنَّهم يحفظونَه فلم يحفظوه.
فإن قيل: رُويَ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "ثلاثٌ مِن علاماتِ النِّفاقِ: إذا حدَّثَ
_________________
(١) في (ف): "بقتل يوسف".
(٢) في (ف): "وإجلائه".
(٣) "من" من (ف).
(٤) في (أ) و(ر): "صاروا به".
(٥) "باللَّه" من (أ).
(٦) في (ر) و(ف): "لأنه".
[ ٨ / ٣٤٨ ]
كذبَ، وإذا اؤتمِنَ خانَ، وإذا وعدَ أخلفَ" (^١)، فكيف توفِّق بينَ الآية والخبر، إذ هو لا يحتملُ النَّسخَ لأنَّه خبرٌ، والخبرُ لا يحتملُ النَّسخَ؟
قيل: يشبه أن يكون هذا في قومٍ خاصٍّ، اؤتمنوا ما أُودِعَ في التَّوراة مِن نعتِ (^٢) محمَّدٍ -ﷺ- فغيَّروا، ووعدوا أن يبيِّنوه فأخلَفوا وكتموه، وحدَّثوا أنَّهم بيَّنوه فكذَبوا.
أو يصير منافقًا ممَّا ذُكرَ (^٣) إذا كان ذلك في أمر الدِّين، فأمَّا في غيره فإنَّه لا يصير به منافقًا، ولا يكون ذلك مِن أعلام المنافق، واللَّه تعالى أعلم (^٤).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: ﴿فَصَبْرٌ﴾؛ أي: كفُّ النَّفسِ عن الجزعِ، ﴿جَمِيلٌ﴾ لا مكافأة فيه، فإنَّهم بما فعلوا كانوا مستوجِبين ذلك (^٥).
* * *
(١٩) - ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو عمرو (^٦): ﴿يا بشراي﴾؛ أي: بالألف مضافةً بالياء، وقرأ الباقون: ﴿يَابُشْرَى﴾ غير مضافٍ (^٧).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (ف): "بعث".
(٣) في (أ): "منافقًا بما وعد".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢١٩).
(٦) وكذا ابن عامر الشامي.
(٧) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٣٤٧)، و"التيسير" (ض: ١٢٨). وقرأ ابن عامر مثل ابن كثير ومن معه.
[ ٨ / ٣٤٩ ]
والواردُ (^١): الصَّائر إلى الماء للاسْتِقاءِ منه.
وأدلى دلوَه: أرسلَها ليملأَها، ودلَّاها يَدْلوها: أخرجها ملأى ماءً.
والإسرارُ: الإخفاء.
والبضاعةُ: قطعةٌ من المال تُحمَلُ لطلبِ ربحها.
يقول: وجاءَتْ عِيرٌ يسيرونَ إلى موضعٍ -قيل: كانوا يسيرون إلى مصرَ جائين من الشَّام- فانتهوا إلى ناحية بيتِ المقدسِ، والجبُّ هناك، فأرسلوا مَنْ يَرِدُ البئرَ فيَستقي لهم الماءَ على رَسْمِ القوافلِ، فأرسلَ دلوَه في البئرِ، فتعلَّقَ بها يوسفُ، فراَه الوارِدُ فنادى أصحابَه -وهم بالقُرْبِ منه- بالبشارة، فقال: يا بُشرَى لكم، هذا غلامٌ عبدٌ قد وجدْتُهُ.
ومَن قرأ: ﴿يا بشراي﴾ فمعناه: يا بشارة لي.
ولمَّا نادى أصحابَه -وهم رفقته (^٢) - بالبشارةِ، فنظروا إليه ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾؛ أي: قالوا في أنفسهم: نبيعُ هذا الغلامَ مِن مَلِكِ مصرَ، فنكون قد انتفعنا (^٣) بثمنِه، فتقدير هذا: أسرُّوا هذا في أنفسِهم جاعلين له (^٤) بضاعةً.
وقيل: معناه: أنَّ هذا الواردَ ورفقتَه خافوا أنَّ سائرَ أهل العير إنْ علموا بالحال استشركوهم فيه، فأسرُّوا فيما بينهم أنْ يقولوا إذا سألَهم أهلُ العير عنه قالوا: إنَّه بضاعة استبضَعَناه بعضُ أهل الشَّام إلى مصر؛ ليسلَمَ الغلامُ لهم من غيرِ مزاحمةٍ.
_________________
(١) في (أ): "والوارد أيضًا".
(٢) في (ر) و(ف): "رفقة".
(٣) في (ف) و(أ): "ارتفقنا".
(٤) أي: جاعلين إياه، واللام تدخل على المفعول مع اسم الفاعل للتقوية.
[ ٨ / ٣٥٠ ]
وقيل: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾: هو فعلُ إخوةِ يوسفَ، وكانوا بالقرب منهم، جاؤوا وكتموا أنَّه أخوهم، وجعلوه عبدًا حملوه بضاعةً لأنفسِهم يبيعونه، ولم يُظهرْ يوسفُ؛ خوفًا على نفسِه من القتل الَّذي أَوعدوه به (^١).
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما كانَ الإخوة يعملونَه، أو الملتقطون، مِن إسرارِه بضاعةً، ولو شاءَ اللَّهُ لغيرهم، ولعجَّل ليوسفَ ﵇ خلاصَه، لكنَّه أمضى فيه سابقَ حكمِه على وَفق علمِه وإرادتِه، حيث جعل لكلِّ أجلٍ كتابًا، فأمهلَهم حتَّى يبلغَ الكتابُ أجلَه، فيخلِّصَه حينئذٍ.
قال كعبٌ: كان بينَ مَدينَ ومصرَ (^٢)، فأخطأَتِ الرُّفقةُ الطَّريقَ، فعثروا على بئرٍ في وسط مَفازةٍ، ولم يكنِ البئرُ على الطَّريق، وإنَّما كانت بئرًا للرُّعاة يسقون أغنامَهم منها.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: لمَّا أراد اللَّه ﷻ خلاصَ يوسفَ من الجبِّ أزعجَ خواطرَ السَّيَّارة في قصدِ السَّفر، وأعدمَهم الماءَ حتَّى احتاجوا إلى الاستقاءِ، ليصلَ يوسفُ إلى خلاصِه، وقد قيل: رُبَّ تشويشٍ يقعُ في العالَم والمقصودُ منه سكونُ واحدٍ، وقد قيل: ربَّ ساعٍ لقاعدٍ (^٣).
وقال وهبٌ: كان يوسفُ صلوات اللَّه عليه في الجُبِّ ثلاثةَ أيَّامٍ، وإخوتُه بالقربِ منه يحرسونَه حتَّى جاءَتِ السَّيَّارةٌ؛ وهي رفقةٌ مِن أهل مدينَ، وهم ثلاثُ مئةٍ وثلاثة عشرَ نفسًا، فنزلوا قريبًا من الماء، فأرسلوا واردهم -وهو مجلث بن رَعْويل- فأدلى دلوَه.
_________________
(١) ذكره ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية عن ابن عباس، ثم تعقبه بقوله: ولا يخفى ما فيه من الاختلال لحُسن نظم المقال، والإشكالِ من جهة أن التعبير المذكورَ لا يناسب الحال.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٠٠).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٤).
[ ٨ / ٣٥١ ]
وقال عثمان بن عبد العزيز الحيريُّ: وكان سيِّدُ القوم مالكَ بن دُعْر الخزاعيَّ من العرب.
وقيل: هو مالك بن دُعْر بن ثويب بن عباد بن مدين بن إبراهيم من أهل مدين؛ ابن أخي شعيب (^١).
﴿وَارِدَهُمْ﴾ بُشَير، وكان لمالكٍ غلامان: بُشير، وبُشرى، فأدلى بُشيرٌ دلوه، فتعلَّق بها يوسفُ، فقعدَ فيها فأمسكَ الحبلَ بيدِه، فطلعَ الغلامُ مِن الدَّلو يتكلَّمُ بغير كلام السَّيَّارة، ولم يروا مثلَه حُسنًا وجمالًا ونضرة وتمامًا، فلمَّا نظر إلى الغلام قال لأصحابِه: يا بُشرى، أو قال لصاحبِه: يا بُشرى؛ وهو اسمُه.
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾: كتموه عن القوم، وقالوا لأهل القافلة: بضاعةٌ استبْضَعَناه أهلُ الماء نبيعُه لهم بمصر، وكان ذلك بأعينِ إخوة يوسف، فجاؤوهم (^٢) وقالوا لهم: هل لكم أن تشتروا منَّا هذا الغلام؟ قالوا: أَوَ مملوكٌ هو لكم؟ قالوا: نعم، قالوا: حاشا للَّه، ما هذا بمملوكٍ، ولا موسومٍ بالعبوديَّة، ولكنَّه موسومٌ بسيما الأحرارِ والكرام، فما قصَّة هذا الغلام؟
قالوا: وُلد في حجورنا، ونشأ بينَنا، وربَّيناه بأيدينا، فأحبَّه أبونا، فأكرمَه وآثرَه ونعَّمَه ووَمَقَهُ (^٣)، فصرفَ وجهَه وغلبَ عليه، فأدرَكَنا ما يدركُ النَّاسَ مِن الغيرة والحسد، وغاظنَا أن يكونَ عبدُنا أحبَّ إلى أبينا منَّا، وليس بمملوكٍ لأبينا، ولكنَّه ابن أَمَةٍ لأمِّنا، وقد وَهَبَتْهُ لنا، وأذنَتْ لنا في بيعِه، وكرهَتْ قربَه مِن أجلِنَا، فلمَّا سمعَتِ السيَّارة مقالَتهم، ورأوا حالَتَهم وحسنَ هيأتِهِم، صدَّقوهم فاشتروه منهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تاريخه" (١/ ٣٣٥) عن ابن عباس ﵄، ورواه في "التفسير" (١٣/ ٦١) عن ابن إسحاق.
(٢) في (ف): "فجاؤوا".
(٣) ومقه: أحبَّه. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: ومق).
[ ٨ / ٣٥٢ ]
(٢٠) - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.
فذلك قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾: أي: باعوه، يعني: إخوته، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وقوله: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ قال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: قليل (^١)، والبَخسُ في اللُّغةِ: النَّقصُ.
وقال ابن حَيَّان: أي: زيفٍ رديءٍ (^٢).
وقيل: أي: حرامٌ؛ لأنَّ ثمنَ الحرِّ حرامٌ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: بدلٌ من (ثمن بخس).
قال أبو بكر بن عبدش (^٤): هذا يدلُّ على أنَّه كان من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ؛ لأنَّ ما فوقَه مِن العددِ لا يُسمَّى دراهم (^٥).
وقيل: إنَّها لقلَّتها عُدَّتْ ولم توزَنْ.
وقيل: كانَتْ أربعيْنَ أو دونَها، وكانوا يَعدُّون ما دون الأوقيَّة، ويَزِنون ما فوقَها، والأوقيَّة: أربعون درهمًا.
وأكثرُهم على أنَّها كانت عشرين، وهو قول ابن عبَّاس وقتادة وعكرمة
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٥) عن الشعبي وعكرمة.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٠٥)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٥٦). وابن حيان هو مقاتل.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٤) عن ابن عباس ﵄.
(٤) أبو بكر بن عبدش مفسر نقل عنه الثعلبي في مواضع من "تفسيره"، وسماه في "معجم الأدباء" (٦/ ١٨٣٠): أبو بكر بن عبدوس.
(٥) القول بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" (٢/ ١٨٥).
[ ٨ / ٣٥٣ ]
وعطيَّة (^١)، وكانوا عشرةً، وأصابَ كلَّ واحدٍ منهم درهمان.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾: أي: كانت الإخوة غير راغبين في ثمنِه.
وقيل: في بيعِه (^٢).
وقيل: وكان المشترون في شرائِه غيرَ راغبين؛ لأنَّ الإخوة وصفوه بالإباق.
وقيل: أي: ما خطرَ ببال المشترِيْنَ معه الفسقُ مع صباحته وملاحته.
وفي القصَّة: أنَّهم لمَّا عرضوه على البيع قال مالكٌ: ليس معي نقدٌ كثيرٌ، قالوا: نساهلك بما معَكَ، فكان معه عشرون درهمًا للنَّفقة، فاشتراه منهم بها، فطلبَ مالكٌ منهم كتابَ المشتري، فكتبَ روبيل: باسم إلهِ إبراهيم، هذا ما اشترى أبو دلامة مالكُ بن دُعْر الخزاعيُّ مملوكًا من اَلِ يعقوبَ بعشرين درهمًا، نصفها عشرة دراهم، وأعطاهم عهدَه وميثاقه الَّذي اتَّخذ على أنبيائِه ورسلِه أمانةً في ذمَّتِه بأن لا يُلبسه إلَّا المِسْحَ (^٣)، ولا يطعمه إلَّا قُوْته، ولا يحمله إلَّا على بعيرٍ بغير وكاءٍ، ولا يطلقَه حتَّى يدخلَه مصرَ. وقبض آلُ يعقوبَ الثَّمن، وأخذَ مالكٌ العبدَ، وأشهدوا بذلك على أنفسِهم أصحابَ العير من التجَّار (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾؛ أي: باعوه بثمنٍ لا يُباعُ مثلُه بمثله.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٧) عن ابن عباس ﵄ وعطية وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١١٥) عن عكرمة.
(٢) في (أ): "عينه".
(٣) المِسح: ثوب من الشعر غليظ. انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٣/ ٣١٥).
(٤) خبر غريب مخترع لا أصل له.
[ ٨ / ٣٥٤ ]
﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ قيل: أي: المشترون لمَّا خافوا ذهابَ الثَّمن إن كان مسروقًا (^١).
وقال الإمامُ القُشيريُّ ﵀: ليس العجبُ ممَّن يبيعُ يوسفَ بثمنٍ بخسٍ، إنَّما العجبُ ممَّن يجدُ مثلَ يوسفَ بثمنٍ بخسٍ، والحرمانُ لا غايةَ له، والبَختُ لا نهايةَ له.
قال: ويقالُ: ليسَ العجبُ ممَّن يبيعُ يوسفَ بثمنٍ بخسٍ، العجبُ ممَّن يبيعُ وقتَه -الَّذي هو أعزُّ من الكبريتِ الأحمرِ- بعَرَضٍ حقيرٍ من الدُّنيا.
قال: ويقال: إنَّ السَّيَّارة لم يعرفوا قيمَته وزهدوا في شرائِه بثمنٍ بخسٍ، والَّذين وقفوا على جماله وشيءٍ من حاله غالَوا بمصرَ في ثمنِه حتَّى اشترَوه (^٢) بزنتِه دراهمَ ودنانيرَ مرَّات، وفي معناه أنشدوا:
إنْ كنْتُ عندَكَ يا مولايَ مطَّرَحًا فعندَ غيركَ محمولٌ على الحَدَقِ (^٣)
* * *
(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٢١).
(٢) في (ر): "شروه".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٥)، والبيت لأبي طالب محمد بن علي بن عبد اللَّه المعروف بالبغدادي المستوفي. كما في "يتيمة الدهر" للثعالبي (٥/ ٢٨٨).
[ ٨ / ٣٥٥ ]
أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾: قال وهبٌ: فانطلقَتِ السَّيَّارة حتَّى وردوا به مصرَ، فرفعوه إلى سوقِها، فعرضوه للبيع، فترافعَ النَّاسُ في ثمنِه وتزايدوا وتنافسوا فيه، حتَّى بلغَ ثمنُه وزنَه مسكًا، ووزنَه وَرِقًا، ووزنَه حريرًا، فوُزِنَ فبلغَ أربعَ مئةِ رِطلٍ، وهو يومئذٍ غلامٌ ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن ثماني عشرة سنة، وقيل: ابن تسع عشرة سنة.
اشتراه بذلك رجلٌ من القِبطِ يُقال له: قطفير، وهو عزيزُ مصر (^١)، وهو أمينُ أهل مصر في أنفسِهم، وأمينُ فرعونَ وخازنه على كلِّ شيء يملكه ويَحوزه وكاتبه (^٢)، وكان قطفير مؤمنًا معلنًا بإيمانه، وكان شرَطَ على الملكِ ألَّا يصدَّه عن دينِه، ولا يَدْعوه إلى غيرِه ليعملَ له؛ وكان رجلًا صالحًا.
قيل: والملكُ فرعونُ موسى، ويدلُّ عليه قولَه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤]، وهو غيرُ بعيدٍ؛ لأنَّ فرعونَ عاشَ أربعَ مئة سنة.
وقيل: بل فرعونُ موسى من أولادِ فرعونِ يوسفَ؛ وهو الوليدُ بن الريَّان رجلٌ من العماليق.
وقيل: لمَّا نقدَ العزيزُ لمالك بن دُعْر هذه الأشياء؛ قال يوسفُ لمالك: لا تأخذ هذه الأشياء ثمنًا عنِّي فإنِّي حرٌّ، وبيَّن نسبَه، فقال مالكٌ: لِمَ لا تخبرني بذلك؟ فقال: لا يمكن، فأتى العزيزَ وقال: لا يصلح لمثلي -وأنا تاجرٌ من تجَّار ولايتكَ، والمستظِلُّ بظلِّ دولتك- أن أربحَ عليك، وإنِّي اشتريتُه بعشرينَ درهمًا، فلا آخذُ منك إلَّا هذا القَدْرَ، ولولا أنَّك لا ترضى بامتناني عليك لم آخذْ منك شيئًا، فأحسنْ إلى هذا فإنَّه أهلٌ للإحسانِ.
_________________
(١) بعدها في (أ): "وهو أمين مصر".
(٢) "ويحوزه، وكاتبه" ليس في (ف).
[ ٨ / ٣٥٦ ]
ثمَّ أتى إلى يوسف وقال: إنِّي قد علمْتُ (^١) بقولِك، وبيننا ممالحةٌ (^٢)، فاقضِ حاجتي، قال: وما حاجتُكَ؟ قال: أنا رجلٌ لا ولدَ لي، فادعُ اللَّهَ تعالى أن يرزقني ولدًا، فنظر يوسف ﵇ إلى جبريلَ مقبلًا يقولُ له: ادعُ اللَّهَ للتَّاجر فإنَّه قريبٌ مجيبٌ، فقال: ما أقول؟ فقال: قلْ: يا مَنْ يُعزُّ ويذلُّ، يا مَنْ يضعُ ويرفَعُ، ويا مَنْ يُعطي ويمنعُ، يا مَنْ هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ، ارزق الشَّيخَ أولادًا ذكورًا.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: فاستُجيبَتْ له دعوتُه، وكان لمالك بن دُعْر اثنتا عشرةَ جاريةً، فرجع إليهنَّ وباشرهنَّ، فحملَتْ كلُّ جاريةٍ وولدَتْ ذكرَيْنِ، فاجتمعَ له أربعةٌ وعشرون ابنًا: الشَّرعبي (^٣)، والسَّبندي، والسَّندري (^٤)، والأخيل، والبلندَى، والمهذَّب، والمصفَّى (^٥)، والأصفح، والصَّمحمح (^٦)، والخضم، والمشرفي، ومِصدع، والسَّميدع، والرحَّال، والذَّيَّال، والصَّيفي، وقيظي (^٧)، وبَيْهس (^٨)،
_________________
(١) في (ف): "أعلمت".
(٢) أي: مؤاكلة، يقال: مالحت فلانًا ممالحة، وهو يحفظ حرمة الملح والممالحة. انظر: "أساس البلاغة" للزمخشري (مادة: ملح).
(٣) في (أ): "الشرعي"، وفي (ر): "الشرعني"، والمثبت من "أنساب اليمن" للكلبي (١/ ٢١٤)، و"الاشتقاق" لابن دريد (ص: ٣٧٨).
(٤) في (ر): "والسدري".
(٥) في (أ): "والمهندب والمصطفى".
(٦) في (أ): "والضحضح" وفي (ف): "والصحيح"، وفي (ر): "والفخضم". والمثبت من "أنساب اليمن"، و"الاشتقاق".
(٧) في (ف) و(ر): "قبطي".
(٨) في (ف): "وينهس".
[ ٨ / ٣٥٧ ]
وعَسْعس، والعملَّس (^١)، والعدبَّس، والملادس، والعلاس (^٢)، والعرندس (^٣).
ولمَّا اشتراه العزيزُ وحملَه إلى بيتِه قال لامرأتِه زليخا: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾؛ أي: أحسِني مقامَه (^٤)، وأنزليه منزلة مَن يُكرَم.
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾: بالإعانة لنا على أمورنا الَّتي نليها، يكفينا بعض أشغالنا، فنرتفِق ارتفاق العبيد ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾؛ أي: نتبنَّاه، وهذا يدلُّ على أنَّهما لم يكن لهما ولدٌ، ويحتمل أنَّه كان، والتمسَا الزِّيادة، أو توسَّما في يوسف ما كان معدومًا في أولادهما، وكان اللَّه تعالى ألبسَ يوسف في تلك الحالة لباسَ مثله ممَّن قد أعدَّه لاصطفائه.
وقيل: أصدقُ النَّاسِ فراسةً ثلاثةٌ: العزيزُ حين قال: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وابنة شعيب حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
_________________
(١) في (ف): "قلمس"، وفي (أ): "القلمس".
(٢) كذا في جميع النسخ، وفي "أنساب اليمن": "السندرس".
(٣) قال ابن دريد في "الاشتقاق" (ص: ٣٧٨ - ٣٧٩): الشَّرعبيُّ: منسوبٌ إلى شَرعَب، جنسٍ من الثِّياب. والسَّبَنْدَى: الجريء المُقْدم، وهو من أسماء النِّمر. والسَّنْدرِيُّ: ضربٌ من الطير. والسَّرَنْدَى من قولهم: اسرَنْديتُه: إذا علوتَه. والأخيل: ضربٌ من الطير معروف. والبَلَنْدَى من قولهم: ابْلَنْدَى الموضعُ: إذا صلُب وغلُظ. والأصفح: رأسٌ مُصْفَح: إذا كان فيه طُول. والصَّمَحْمَحُ: الصُّلب الشَّديد. والخِضَمُّ: البحر الكثير الخير. والخضمُّ: الجمع الكثير. ومِصْدَع: مِفعلٌ من قولهم: صدَعْتُ الشيء. والسَّمَيدع: السَّيِّد الكريم. وبَيْهَس: اسمٌ من أسماء الأسد. وعَسْعَس: اسمٌ من أسماء الذِّئب. وأصل العسعسة: الخِفَّة، من قولهم: عسعسَ اللَّيلُ: إذا خفَّت ظُلمتُه. والعَمَلَّس: اسمٌ من أسماء الذِّئب. والعَدَبَّس: البعير الصَّعب. ومُلادِس: مُفاعِلٌ من اللَّدْس، واللدس: الرمي، وناقةٌ لديس؛ أي: سمينة. والعَرَنْدَس قالوا: هو اسمٌ من أسماء الأسد، وقالوا: هو الصُّلب الشَّديد.
(٤) في (أ): "مثوى له".
[ ٨ / ٣٥٨ ]
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر ﵁ حين استخلفَ عمر؛ قاله عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (^١).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: وكما خلَّصناه مِن كيدِ إخوتِه ومِن الجُبِّ ملَّكناه أرضَ مصر.
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: هو عبارة الرُّؤيا وغيرُ ذلك ممَّا فسَّرناه في (^٢) أوَّل السُّورة، فيصير الملِكَ بها، والنَّبيَّ المبعوثَ إليها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾: أي: أَمْرِ نفسِه، لا يغلبُه على ما يريدُ إمضاءَه أحدٌ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لإعراضِهم عن التَّفكير في آياتِه، والاستدلالِ بها على كمالِ قدرته ونفاذِ مشيئته.
وقيل: واللَّه غالبٌ على أمرِ يوسفَ، يدبِّره بما لا يعارضُه فيه أحدٌ، ويبلِّغُه المنزلةَ الَّتي بلَّغها إيَّاه، ويُحقِّق فيه رجاءَ أبيه إذ قال له: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ الآية [يوسف: ٦].
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تدبيرَ اللَّهِ ﷿ فيه، ويجهلون قدرَه عندَه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا نُودي على يوسفَ بمصرَ ببيعِه، لم يرضَ اللَّهُ ﷿ حتَّى أصابَتْهم الضرورة حتَّى باعوا من يوسفَ جميعَ أملاكهم،
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١١١٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٨٢٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٢٠).
(٢) "في" من (ف).
[ ٨ / ٣٥٩ ]
ثمَّ باعوا أنفسَهم منه في آخر أمرهم طلبًا للطَّعام، فصاروا بأجمعِهم عبيدًا له، ثمَّ إنَّهم لمَّا مَلَكَهم مَنَّ عليهم فأعتقَهم، فلئِنْ مرَّ عليه يومٌ بمصرَ نُوديَ عليه بالبيع، أصبحَ بمصرَ يومًا آخر وقد ملكَ جميعَ أملاكِهم وملكَ رقابَ جميعِهم، فيومٌ بيومٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦]، يومانِ شتَّانَ ما بينهما. ثمَّ إنَّه أعتقَ جميعَهم، وكذا الكريم إذا قدرَ غفرَ.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أنَّ مَن حسدَه أرادَ ألَّا يكون له فضلٌ عليهم في ذاتِ نفسِه على إخوتِه وذويه، وأرادَ اللَّه تعالى أن يكون له ملكُ الأرض، فكان ما أرادَ اللَّهُ تعالى لا ما أرادَ حسَّادُهُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾.
وأرادوا أن يكونَ يوسفُ عبدًا لمنْ باعوه منه مِن السَّيَّارة، واللَّهُ أرادَ أن يكون عزيزًا بمصرَ، فكان ما أرادَ اللَّهُ تعالى دونَ ما أرادوا (^١)، فاللَّه غالبٌ على أمرِه (^٢).
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: عشرين سنةً (^٣).
وقيل: ثماني عشرةَ سنةً.
يقول: ولمَّا بلغَ يوسفُ شبابَه وكمالَ قوَّتِه ووفورَ عقلِه واهتدائِه للأمور ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: أي: حكمًا بينَ العبادِ بالنُّبوَّة، وعلمًا بالدِّين وبتأويل الأحاديث.
_________________
(١) "دون ما أرادوا" ليس في (أ) و(ف) و"اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٨) عن الضحاك. وروى (١٣/ ٦٧) عن ابن عباس ﵄ قوله: بضعًا وثلاثين.
[ ٨ / ٣٦٠ ]
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: وهكذا نجزي مَنْ أحسنَ عملَه فلم يخلطْهُ بشركٍ ولا معصيةٍ.
قيل: المرادُ به رسولُ اللَّه -ﷺ-؛ أعلمَه اللَّهُ تعالى أنَّه صائرٌ إلى العلوِّ على قومِه، ونفاذِ الحكم والسُّلطان عليهم، كما فعلَه بيوسفَ ﵇.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المؤمنين (^١).
وقال الضَّحَّاك: أي الصَّابرين على النَّوائب (^٢).
وقيل: قالَ في قصَّة موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] ولم يقل هاهنا: (استوى)؛ لأنَّ موسى أُوحِيَ إليه عند منتهى الأشُدِّ والاستواء؛ وهو أربعون سنة، وأوحى اللَّهُ تعالى (^٣) إلى يوسفَ عند أوَّلِه؛ وهو ثماني عشرةَ سنةً.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يحتمل إحسانَ الأعمال، ويحتمل الإحسانَ إلى النَّاس، ويحتمل الإحسانَ إلى نفسه، ويحتمل إحسانَ صحبةِ نِعم اللَّه والقيام بشكرِه (^٤).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: مِن جملة الحُكْمِ الَّذي آتاهُ اللَّهُ تعالى نفوذُ حُكمِه على نفسِه حتَّى غلبَ شهوتَه، فامتنعَ عمَّا راودَتْه زليخا عن نفسِه، ومَن لا حُكْمَ له على نفسِه لم ينفذْ حكمُه على غيرِه.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٩) بلفظ: "المهتدين"، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٠٧) باللفظين.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٠٧).
(٣) "اللَّه تعالى" من (ف).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٢٣).
[ ٨ / ٣٦١ ]
قال: وقيل: لمَّا استوى شبابه -وكان وقتَ استيلاء دواعي مطالبات البشريَّة- آتاه اللَّه الحُكْمَ الَّذي أثبتَه (^١) على الحقِّ وصرفَه عن الباطل (^٢).
* * *
(٣٢) - ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: دلَّت الآية أنَّ البيتَ قد يُضافُ إلى المرأة وإن كان في الحقيقةِ لزوجِها (^٣).
وهو دليلُ أصحابِنا -﵏- فيمَنْ حلفَ: لا يدخلُ دارَ فلانٍ، فدخلَ دارًا هو ساكنُها؛ يحنثُ لإضافتِها إليه.
والمراودة: فعلٌ بينَ اثنينِ، يراودُ أحدُهما الآخرَ على شيءٍ، فيجري في ذلك مدافعةٌ وممانعةٌ، مأخوذةٌ من الإرادة وهي المشيئة، ومنَ الرَّوْدِ وهو الطَّلب.
يقول: طالبَتْ زليخا يوسفَ بمساعدتِها على ارتكابِ الفحشاء منها.
ويجوزُ أن يكون مشتقًّا من الرُّوَيْد؛ وهو التَّمهُّل والتَّرفُّق، والمراودةُ: هي المطالبةُ على التَّرفُّق والتَّمهُّل.
ومعنى: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: مِن أجلِ نفسِه، يُقالُ: فلانٌ يخاصمُ عن فلانٍ،
_________________
(١) في (ف): "آتيناه". وفي "اللطائف": (حبسه).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٧).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٢٣).
[ ٨ / ٣٦٢ ]
ويجادلُ عن فلانٍ، ويتكلَّمُ عن فلانِ (^١)؛ أي: من أجلِه.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾: التَّشديد لتكثيرِ المحالِّ؛ وهي الأبوابُ، وإنَّما غلَّقتها لئلَّا يفجأها أحدٌ، ولئلَّا يتخلَّصَ يوسفُ عنها، ولرجاءِ أن يجيبَها، وتكونَ أسبابُ الخلوةِ حاصلةً.
﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾؛ أي: تعالَ وهلمَّ إلى ما هو لكَ، وقد توصَلُ به (^٢) وقد لا تُوصَلُ به، وقد أنشدَ أبو عَمرو بنُ العلاءِ ﵀:
أبلغْ أميرَ المؤمنيـ ن أخا العِراقِ إذا أتيْتَا
أنَّ العِراقَ وأهلَهُ عُنُقٌ إليْكَ فهَيْتَ هَيْتَا (^٣)
وهي للذَّكرِ والأنثى والواحدِ والجمعِ سواءٌ.
وقيل: هي كلمةُ حثٍّ وإقبالٍ على الشَّيء، وأصلُه: الجَلَبةُ والصِّياحُ، وقد هيَّت فلانٌ بفلانٍ، وقال الشَّاعرُ:
قدْ رابَني أنَّ الكَرِيَّ أسْكَتا لو كانَ مَعْنِيًّا بِها (^٤) لهيَّتا (^٥)
_________________
(١) "ويجادل عن فلان" ليس في (أ)، "ويتكلَّم عن فلان" ليس في (ف).
(٢) في (أ) و(ر): "بك". والمثبت من (ف)، ولعل المراد وصلها بكلمة (لك)، وقد جاء بالشاهد الآتي على عدم الوصل.
(٣) البيت لرجل قاله لعلي بن أبي طالب ﵁. انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢٧٩)، و"تفسير الطبري" (١٣/ ٧٠)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٠٠)، و"أصول النحو" لابن السراج (٣/ ٤٧٩). وقوله: عُنُقٌ إليك؛ أي: مائلون إليك ومنتظروك.
(٤) في (ف): "بنا"، وكلا اللفظين في المصادر.
(٥) الرجز بلا نسبة في: "الغريب المصنف" لأبي عبيد (١/ ٣٤٣)، و"الجراثيم" لابن قتيبة (١/ ٢٣٨)، و"معجم ديوان الأدب" لإسحاق الفريابي (٢/ ٢٨٥)، و"تهذيب اللغة" (٦/ ٢٠٩).
[ ٨ / ٣٦٣ ]
وفيه ستُّ قراءات:
قرأ أهلُ العراق: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بفتح الهاء والتَّاء (^١).
وقرأ يحيى بن وثَّاب: (هِيْتُ لك) بكسر الهاء وضم التَّاء (^٢).
وقرأ نصرُ بن عاصم ويحيى بن يعمر: (هَيتِ) بفتح الهاء وكسر التَّاء (^٣).
وقرأ أهلُ المدينة وابن عامرٍ: بكسر الهاء وفتح التَّاء: ﴿هِيتَ لك﴾.
وقرأ ابنُ كثيرٍ: ﴿هَيتُ لك﴾؛ بفتح الهاء وضمِّ التَّاء (^٤).
وقرأ عكرمة: ﴿هِئتُ لك﴾؛ بكسر الهاء وضمِّ التاء، وهمزِ الحشو من الهيئة (^٥)؛ أي: تهيَّأْتُ لك.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾: أي: أعوذُ باللَّهِ إنْ أجبْتُ إلى هذا.
﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾: أي: زوجَها سيدي بحكم الشِّراء ظاهرًا.
﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: أي: أكرمَ مقامي، وقال لامرأتِه: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾.
وقال مجاهدٌ وابن إسحاق والسُّديُّ: أي: زوجها بسطَ يدي ورفعَ منزلَتي (^٦)؛ وكذا قال الحسن (^٧).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨).
(٢) وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ١٩٨)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٠٨).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٠٨).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٤٠). وملخص قراءات السبعة كما في "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨): نافع وابن ذكوان: ﴿هَيْتَ﴾ بكسر الهاء من غير همز وفتح التَّاء، وهشام كذلك إلا أنه يهمز: ﴿هِئْتَ﴾، وقد رُوِيَ عنه ضم التَّاء: ﴿هِئْتُ﴾، وابن كثير بفتح الهاء وضم التَّاء: ﴿هَيْتَ﴾، والباقون بفتحهما.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٥)، وانظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٠٨).
(٦) في (أ): "مثواي".
(٧) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٩) عن مجاهد وابن إسحاق والسدي.
[ ٨ / ٣٦٤ ]
وقال الزجَّاج: يجوز أن يكون معناه: اللَّهُ ربِّي أحسنَ مثواي؛ أي: عوَّدني الإحسانَ إلى حيث ثويْتُ منذُ فارقْتُ أبي، فلنْ أظلمَ نفسي بالمعصية له (^١).
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: وعلى القول الأوَّل: فلا أخونُ العزيزَ وقد أحسنَ إليَّ فأكونَ ظالمًا له ولنفسي ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ولا يفوزونَ بخيرٍ ولا حَمْدٍ من النَّاس.
وقيل: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: لا يأمنُ من عذابِ اللَّه الزُّناة.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ما داموا في ظلمِهم، فإذا تركوه وتابوا عنه أفلحوا (^٢).
وقال: في قوله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: يحتمل أن يكون معناه: ها أنا لك.
قال: وقيل: ليسَتْ بعربيَّة (^٣).
ذكروا أنَّ زليخا هويَتْ يوسفَ وهامَتْ بحبِّه، فنحلَ بدنُها، وتغيَّر لونُها، وذهبَ قواها (^٤) ونومُها، وارتابَ أهلُ بيتِها في أمرِها، فسألَتْها الظِّئْرُ عن ذلكَ، فبثَّتْ (^٥) لها حالَها، واستعانَتْ بها على بلوغ مرادِها من يوسفَ، فقالَتْ لها: أخبريْهِ بما في قلبِكِ واعرضي عليه جمالَكِ، قالَتْ: إنَّه لا يدنو منِّي، ولا ينظرُ إليَّ، ولا يفتح عينيه إذا دخلَ الدَّار، قالَتْ: فأنا أحتالُ لذلك، لكن لا بدَّ من مالٍ كثيرٍ، فبذلَتْ لها ما سألَتْ،
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٠١)، وانظر: "النكت والعيون" (٣/ ٢٣)، و"زاد المسير" (٢/ ٤٢٦).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٢٥).
(٣) المرجع السابق (٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٤) في (أ): "قرارها".
(٥) في (ف): "فبينت".
[ ٨ / ٣٦٥ ]
فاتَّخذت بيتًا من رخامٍ مملَّس على سقفه وحوائطه صورة يوسفَ وزليخا.
فلمَّا تمَّ ذلك هيَّأَتْ البيتَ بأنواعِ (^١) الفُرُشِ، وزيَّنَتْه بالأواني والحليِّ، ولبسَتِ الحُلَل وتُوِّجَتْ بتاجٍ مرصَّعٍ، وجلسَتْ على سريرِ ذهبٍ مرصَّعٍ باليواقيتِ، وعليها أنواعُ الحُليِّ، ودَعَتْهُ، فجاءَ وهو لا يعلمُ.
فلمَّا دخلَ البيتَ (^٢) أغلقَتْ عليه الأبوابَ؛ وهي سبعةُ أبوابٍ بعضُها في بعضٍ، وقالَتْ له: يا يوسفُ، ما أحسنَ وجهَكَ! قال: في الرَّحمِ صوَّرني ربِّي.
قالت: يا يوسفُ، ما أحسنَ شعرَكَ! قال: هو أوَّل شيءٍ يسقطُ منِّي في قبري.
قالت: ما أحسنَ عينيْكَ! قال: بهما أنظرُ إلى ربِّي.
قالت: يا يوسفُ، ارفعْ بصرَكَ فانظرْ إليَّ. قال: أخشى العمى في آخرِ عمري.
قالت: يا يوسفُ، لِمَ تتباعدُ عنِّي؟ قال: أريدُ الاقترابَ مِن ربِّي.
قالت: يا يوسفُ، القيطونَ (^٣) فادخلْ معي. قال: ليس شيءٌ يسترني مِن ربِّي.
قالت: يا يوسفُ، فراشُ الحريرِ ممهَّدٌ لك، قمْ فاقضِ حاجتي. قال: إذًا يذهب مِنَ الجنَّةِ نصيبي.
قالت: يا يوسفُ، جعلْتَ تجترئُ على سخطي؟! قال: أرجو (^٤) بذلك مرضاةَ ربِّي.
قالت: يا يوسفُ، عبدٌ اشتريتُكَ، فأنت تتعظَّم عليَّ؟! قال: بجُرمي وخطيئتي اشتريتِني.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "بألوان".
(٢) "البيت" ليس في (ف).
(٣) القيطون: المُخدع بلغة أهل مصر. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: قطن).
(٤) في (ف): "أطلب".
[ ٨ / ٣٦٦ ]
قالت: يا يوسفُ، ليتني لم أعرفْكَ. قال: ذلك فعلُ إخوتي بي (^١).
قالت: يا يوسفُ، ضعْ يدَكَ على صدري. قال: لا صبرَ لي على احتراق جسدي.
قالت: يا يوسفُ، الجنينة قد عطشَتْ، قمْ فاسقِها. قال: الَّذي بيدِه مفاتيحُها أحقُّ بسقيها منِّي.
قالت: يا يوسف، لأسلمنَّكَ على أيدي المعذِّبين، فيَسُلُّون جسمَكَ كما سللْتَ جسمي، قال: لا بأسَ إذا كان ربِّي راضيًا عنِّي.
قالت: يا يوسفُ، بأيِّ علَّةٍ امتنعْتَ عنِّي؟ قال: بحقِّ اثنين؛ بحقِّ إلهي الَّذي في السَّماءِ ملكُه، وبحقِّ سيِّدي الَّذي في الأرض سلطانُه عليَّ وعليك.
قالت: يا يوسف، أمَّا سيِّدكَ الَّذي في الأرض سلطانُه فإنِّي آخذُ كأسَ الزَّبرجد بيميني وإبريقَ الدُّرِّ بشمالي، فأسقيه الكأسَ الأوَّل فيسقطُ لحمُه بين يديه، فأجعلُه في قِبْطيَّة (^٢) فأدفنُه تحتَ أساسِ بيتي، وأمَّا إلهكَ الَّذي في السَّماء ملكُه؛ فإنَّ لي من الجواهر ما لا تطيقُ حملَه دوابِّي، فأتصدَّقُ بها عنكَ، فيغفرُ لكَ إلهكَ الَّذي به تخوِّفني.
فغلبَتْهُ بالكلام فلم يردَّ جوابًا، فقال: معاذَ اللَّه، ولكن مَن ارتكبَ حرامًا سوَّدَ اللَّهُ في القيامة وجهَه، وهتكَ على رؤوس الأشهادِ سترَه، وأحرقَ بالنَّارِ جسمَه، فلا تظلميني، ولا تسوِّدي في القيامةِ وجهي، ولا تخجليني يومئذٍ عند أبي وأمِّي، ولا تُسخطي عليَّ ربِّي، ولا تسلِّطي نار جهنَّم على جسمي. فعند ذلك غلَّقَتِ الأبوابَ وأرخَتِ الحُجُبَ.
_________________
(١) "بي" ليس في (ف).
(٢) قبطية: ثوب أبيض، وجمعه قباطي. انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (٢/ ٢١٨).
[ ٨ / ٣٦٧ ]
وقال القُشيريُّ ﵀: لمَّا غلَّقت عليه أبوابَ الحجرةِ فتحَ اللَّهُ عليه أبوابَ العِصمةِ، فلم يضرَّهُ ما أغلقَتْ بعدما أكرمَه بما فتحَ.
وقيل: إنَّ يوسف قال: إنَّ العزيز رجا (^١) منِّي أنْ أنفعَه حيثُ قال: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، فلا أخونُه (^٢) في حرمِه بظهرِ الغيبِ منه.
وقيل: لمَّا حفظَ حرمةَ المخلوقِ بظهرِ الغيب منه أكرمَهُ اللَّهُ سبحانَه بإمدادِه بالعصمةِ في الحال، ومكَّنه مِن مواصلتها في المآل على وجهِ الحلال (^٣).
* * *
(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللَّام، والباقون بكسرها (^٤)؛ أي: ولقد عزمَتْ زليخا على ذلك وعقدَتْ قلبَها عليه، فأمَّا يوسف فلولا أن رأى برهان ربِّه لهمَّ بها.
فقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ معلَّقٌ بالشَّرط المذكور بعدَه، ولمَّا أراه البرهانَ لم يكن له منه همٌّ بها، وصرفَ اللَّهُ تعالى السُّوءَ والفحشاءَ عنه، كما ذكرَه في آخر الآية.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أمَّا ما قالَه بعضُ أهل التَّفسير إنَّها استلقَتْ
_________________
(١) في (أ): "أمل".
(٢) في (ر) و(ف): "أخزيه".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٧).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٣٤٨)، و"التيسير" (ص: ١٢٨). وقرأ نافع أيضًا بفتح اللام.
[ ٨ / ٣٦٨ ]
له، وهمَّ بها، وحلَّ إزارَه، وأمثالَ هذا من الخرافات؛ فهذا كلُّه (^١) ممَّا لا يحلُّ أنْ يُقال، والدلالةُ على فسادِ ذلك وجوهٌ:
أحدُها: قوله تعالى: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾.
والثَّاني: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾.
والثَّالث: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾.
والرَّابع: قولهنَّ: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
والخامس: قولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾.
فهذا كلُّه دليل على أنَّه لم يكنْ منهُ شيءٌ من ذلك، وليس في ظاهرِ الآية ممَّا قالوا من قليلٍ ولا كثيرٍ؛ إذ ليس فيه شيءٌ سوى أن ﴿هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾.
ثمَّ تحتمِلُ الآيةُ وجوهًا عندنا:
أحدها: ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ همَّ عزمٍ، و﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ همَّ خَطْرةٍ، ولا منعَ فيما خطرَ في القلب؛ وهو قول الحسن (^٢).
والثَّاني: ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾: همَّ الإرادةِ والتَّمكين، ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: همَّ دفعٍ.
لكن يدخل عليه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ فلو كان همُّه همَّ دفعٍ لم يكن لقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ معنًى، لكن يُشْبه: همَّ بها قتلًا أو ضربًا يُتوهَّم أنَّه يفضي إلى القتل، فرأى برهان ربِّه، فتركَ ذلك لِمَا لا يحلُّ له قتلُها.
_________________
(١) في (ف): "وأمثال هذا فهذا كلُّه من الخرافات وهذا كله".
(٢) وذكره أيضًا الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٢٢٠)، والماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٢٤).
[ ٨ / ٣٦٩ ]
والثَّالث: أنَّه معلَّقٌ بالشَّرط: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وعلى ذلك يخرج قوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]؛ أي: لو كان ينطقُ لفعلَ هو (^١).
واختلفَ في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ماذا كان؟
عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه ناداه جبريلُ: يا يوسفُ بنَ يعقوب، اسمُكَ في الأنبياء مكتوب، فلا يكنْ عملُكَ عملَ الفجَّار (^٢).
وقيل: كانَ فيما ناداه: إنَّ الطَّير في جوِّ السَّماء لا يُقدَر عليه، فإذا مات لعبَ به الصِّبيان في الأرض، وإنَّ الثَّور الصَّغير لا يُقدَر عليه، فإذا مات دخل النَّمل في (^٣) قرنيه، فذلك مثلك إنْ واقعْتَ الخطيئةَ.
وقيل: تمثَّل له جبريلُ في صورة أبيه يعقوب عاضًّا شفته أو إصبعه، فهابَ وبادرَ البابَ (^٤).
وقال مقاتل ومحمَّد بن كعب القرظيُّ: رأى في سقف البيت مكتوبًا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] (^٥).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٦٦ - ٢٢٧).
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٩٥)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٨٩، ٩٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٢٤) عن قتادة.
(٣) "في" ليس في (ف).
(٤) روى الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٨٧ - ٩١) نحوه عدة روايات عن ابن عباس ﵄.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٩٨) عن محمد بن كعب القرظي.
[ ٨ / ٣٧٠ ]
وقال مقاتل بن حيَّان: سمع صوتًا: إيَّاك وموافقتَها (^١)، فإنَّك إنْ وافقْتَها (^٢) صرْتَ كالطَّير الواحد (^٣) في الأرض القفار بلا ريشٍ (^٤).
وقال جعفرُ الصَّادق: البرهانُ: النُّبوَّة الَّتي أودعَ اللَّهُ صدرَه، هي الَّتي حالَتْ بينَه وبينَ ما يسخِطُ اللَّه (^٥).
وقيل: نظرَ إلى حائطٍ فرأى قلمًا يكتبُ على الحائط: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فحوَّل وجهَه إلى حائطٍ آخر فرأى القلم يكتب بعد البسملة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، فحوَّل وجهه إلى الثالث فرأى ذلك القلم يكتب بعد البسملة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، فحوَّل وجهَه إلى الرَّابع فراَه يكتبُ بعد البسملةِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، فنكس رأسَه، فرآه يكتب على الأرض: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، فنظر إلى السَّقف فرأى صورة أبيه ينظر إليه عاضًّا مسبِّحته، مشيرًا إليه بالهرب، فبادر البابَ.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾: أي: كذلك فعلنا لنصرفَ عنه الزِّنى (^٦).
والسُّوء في القرآن على وجوهٍ:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ومواقعتها".
(٢) في (ر): "فإنَّك إن واقعتها" وليست الجملة في (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "الواحدان".
(٤) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٨٧) عن ابن عباس ﵄.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢١٣).
(٦) "الزنى" ليس في (أ)، وفي (ر): "الرياء والسمعة".
[ ٨ / ٣٧١ ]
أحدُها: الشِّدَّة؛ قال تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩].
والثَّاني: الغارة (^١) والهزيمة والجرح؛ قال تعالى: (يمسكم سوء العذاب) (^٢).
والثَّالث: الشَّتم؛ قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨].
والرَّابع: الذَّنب؛ قال تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤].
والخامس: القتل؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣].
والسَّادس: العذاب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧].
والسَّابع: الشِّرك؛ قال تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨].
والثَّامن: البرص؛ قال تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢].
والتَّاسع: الضُّرُّ؛ قال تعالى: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
والعاشر: بمعنى: بئس؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
والحادي عشر: الزِّنى؛ قال تعالى: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾؛ أي: الفِعلة القبيحة، وهي الزِّنى، وكرَّر لاختلاف اللَّفظين؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨].
ويجوز أن يكون السُّوء دواعيَ الزِّنى، والفحشاءُ عينَه، والدَّواعي: المسُّ والقُبلةُ والعِناقُ وغير ذلك ونحوه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: بكسر اللام: هم الذين أخلصوا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "العار".
(٢) في (ر) و(ف): "يمسسكم سوء العذاب"، وكلاهما ليسا في القرآن.
(٣) في (أ): "الفاحشة" بدل "والفحشاء عينه، والدواعي المسُّ والقبلة والعناق وغير ذلك ونحوه".
[ ٨ / ٣٧٢ ]
أنفسَهم وقلوبَهم وأعمالهم للَّه، أو الَّذين صفَّوا أعمالهم (^١) وأقوالهم وأحوالهم عن الشَّوائب، وبفتح اللام: الذين صفَّاهم اللَّه تعالى عن الكُدورات واصطفاهم بالكرامات.
* * *
(٢٥) - ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾: أي: تعادَيَا إلى الباب ليطلبَ كلُّ واحدٍ منهما السَّبق على صاحبِه، هي تريدُ أن تسبقَ فتظفرَ به، وهو يريد أن يسبقَ فيتخلَّصَ منها.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾: أي: تعلَّقَتْ بذيل قميصِه تجذبُه، فشقَّتْهُ طولًا، ورجل مَقدودٌ: ذاهبٌ في جهة الطُّول على استواءٍ، ووقع ذلك منها في قميصه من ورائه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾: أي: وجدا زوجَ زليخا عند بابِ الدَّار (^٣).
والسَّيِّدُ: الزَّوجُ بلفظ القِبْط، وفي الحديث: "تفقَّهوا قبل أن تسوَّدُوا" (^٤)؛ أي: تتزوَّجوا فتشتغلوا (^٥).
_________________
(١) "للَّه أو الذين صفوا أعمالهم" من (أ) و(ف).
(٢) "ووقع ذلك منها في قميصه من ورائه" ليس في (ف).
(٣) في (ف): "عند الباب".
(٤) رواه وكيع في "الزهد" (١٠٢)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٦١١٦)، والدارمي في "سننه" (٢٥٦)، عن عمر ﵁ موقوفًا.
(٥) كذا قال المؤلف في تأويل الخبر، وذكر نحوه عبد الغافر الفارسي في "مجمع الغرائب" (مادة: =
[ ٨ / ٣٧٣ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾: قالت زليخا دفعًا للتُّهمة عن نفسها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾؟ يُفهَم مِن هذا أنَّه أرادَ بها فجورًا، ولم يكنْ كذلك، ولم تتعمَّد صريحَ الكذب، لكن تكلَّمَتْ بالتَّعريض، وهو في الحقيقة استفهامٌ عن جزاءِ مَن يريد بأهله ذلك، لا تحقيقُ أنَّه فعل بها ذلك.
قالوا: ثمَّ خافت عليه القتل إذ علمَتْ في زوجِها الغيرة فقالت: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾؛ أي: يحبس، ثمَّ علمَتْ أنَّه لا يرضى بهذا القَدْر من العقوبة إذا وقع عنده أنَّها صادقةٌ، فضمَّت إلى ذلك أمرًا آخر قد يَصغر وقد يَكبر احتيالًا للتَّسكين، فقالت: ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ولمَّا سمعَ يوسفُ ذلك وعلِم أنَّ السُّكوت يفضي إلى وقوع الفَهم أنَّه وُجِدَ منه ذلك الفُجور، وما ينبغي للمسلمِ أنْ يرضى بلحوقِ هذه التُّهمة (^١) إيَّاه، فكيفَ بالصِّدِّيق ابنِ الصِّدِّيق، وبالنَّبيِّ ابنِ النَّبيِّ، فصدَق لإظهار براءةِ نفسِه، وتأسيسِ قواعد دعوتِه إيَّاهم إلى التَّوحيد والشَّرائع، فقال: بل هي فعلَتْ ذلك.
* * *
(٢٦) - ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
_________________
(١) =سود)، ولفظه: (وَيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ معناهُ: قبلَ أنْ تَزَوَّجوا فتَصِيرُوا سادةً بالتَّحَكُّم على الأزواجِ والاشتغالِ بهنَّ لَهْوًا، ثمَّ تمحُّلًا للنَّفقةِ، ومنه: الاسْتِيَادُ، وهو طَلَبُ السَّيِّدةِ من القومِ)، ثم قال: (وهذا متَّجِهٌ) قلت: وهذه التأويلات لعلها بعيدة عن ظاهر اللفظ، فقد جاء في رواية وكيع تفسيره بعبارة: (يعني: قبل أن تجلسوا للناس فتُسألوا). وقال ابن الجوزي في "غريب الحديث" (١/ ٥٠٧): (الظاهر أن المعنى: أَن تصيروا سادة).
(٢) في (ف) و(أ): "السمة".
[ ٨ / ٣٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾: قال وهبٌ: فلمَّا هرب منها اتَّبعَتْهُ فتدارَكَتْهُ عند الباب (^١).
ورُويَ أنَّ الأبوابَ المغلَّقة والمقفَّلة كانت تَسقط أقفالُها ومغاليقها حتَّى خرج، وأدركتْهُ زليخا عند الباب، فأخذَتْ بذيلِه وهو يجاذبُها ليخرجَ، وهي تجرُّه من خلفِه ليرجعَ، فانشقَّ قميصُه من دُبرٍ ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾؛ أي: زوجَها عند الباب، فقال: ما شأنُكُما؟ قالَتْ: أدخلْتَ بيتَكَ لصًّا عَادِيًا، وائتمنْتَهُ على أهلِكَ، فأغلقَ عليَّ البابَ وأنا نائمةٌ، فلم أشعرْ إلَّا وهو يريدُ أنْ يدخلَ فراشي، فثرْتُ (^٢) إليه مِن نومتي لآخذَه، فبَدَرني إلى البابِ، فأرادَ أنْ يأبقَ منك مِن أجل ما فعل فلا تراه أبدًا.
قال العزيزُ: أخُنْتَني يا يوسفُ في أهلي، وغدَرْتَني وغرَرْتَني بما كنْتُ أرى من صلاحِكَ، وما كنْتَ تُظهِرُ لي من أمانتِك وعفافِك؟
قال يوسف: هي راودتني عن نفسي وغلبتني وغرَّتني، وهذا قميصي مشقوقٌ من خَلفي حين ولَّيْتُ منها هاربًا.
وفي "كتاب عصمة الأنبياء": إنَّها لو كتمَتْ ذلك لكان لا يُفشي سرَّها، فلمَّا أحالَتْ بالذَّنب عليه لم يحبَّ أن يعرفَه خائنًا فيسوءَ ظنُّه به، حتَّى إذا عرفَ براءته عَلِمَ أنَّ امرأته لم تباشر الفعلَ فينفرَ طبعُه عنها، بل كانت منها المراودةُ لا المباشرة.
ووجهٌ آخر: أنَّها لو كتمَتْ لكان يوسفُ (^٣) يظهرُهُ تأديبًا لها، والتماسًا من زوجِها التَّغيير (^٤) عليها؛ لتدوم صيانتُها في بيته.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٠٢) عن قتادة وابن إسحاق.
(٢) في (ف): "فقمت".
(٣) في (ف): "يوسف لم".
(٤) في (ف): "التعيير".
[ ٨ / ٣٧٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾: وهو أخوها وكاتبُ زوجِها وأمينُه، وكان عدلًا أمينًا، فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ﴾ الآية.
وقال مقاتل: كان الشَّاهد رجلًا ذا لحية، وكان ابن عمِّ المرأة (^١).
وقيل (^٢): كان صبيًّا في المهد (^٣)، وكان ابنَ خالِ المرأة.
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "ثلاثةٌ من الصِّبيان تكلَّموا في المهد: شاهد يوسف، وعيسى بن مريم، وصاحب جريج الرَّاهب" (^٤)، والقصَّة معروفةٌ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: لأنَّه يدلُّ على أنَّه كان مقبلًا عليها وهو يردُّها.
* * *
(٢٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٣٠). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٠٧ - ١١٠) عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وسعيد بن جبير وابن إسحاق.
(٢) في (ف) و(أ): "وقال مجاهد"، وقد ذكرنا في التعليق السابق قول مجاهد أنه كان رجلًا.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٠٥ - ١٠٧) عن ابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وهلال بن يساف والضحاك.
(٤) رواه البزار في "مسنده" (٥٠٦٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٨٣٥) وصححه من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٨٢١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٢٧٩) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا. وكذا رواه ابن حبان في "صحيحه" (٢٩٠٤) موقوفًا إلا أنه قال بدل "شاهد يوسف": "والرابع لا أحفظه". ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤١٦١) وصححه من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨ / ٣٧٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: لأنَّه يدلُّ على أنَّه كان هاربًا منها.
وهذا دليلٌ على أنَّ بناءَ الحكم على ظاهر الحالِ جائزٌ عندَ عدم الوصول إلى دليل الحقيقة، وعليه كثيرٌ من مسائل أصحابنا -﵏- في التَّحري وقَبول قول النَّاس وقول مَن يشهدُ له الظَّاهر إذا اختلفا في متاع البيت ونحو ذلك.
* * *
(٢٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ﴾: أي: احتيالكنَّ معاشرَ النِّساء على الرِّجال إذا عملوا بخلاف مرادكنَّ.
قيل: هو قول الزَّوج لها.
وقيل: هو قول الشَّاهد، على قول من زعم أنَّه رجلٌ بالغٌ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾: أي: عظيم الضَّرر. وقيل: أي: نافذٌ غالبًا؛ للتَّمويه.
وسمَّى كيد الشَّيطان ضعيفًا وكيدَ النِّساء عظيمًا؛ لأنَّ ذلك سرٌّ وهذا جهرٌ، وذاك وحدَه وهذا مع كيد الشَّيطان، وذاك يفرُّ بالاستعاذة وهذه لا تَفِرُّ، وذاك مع اللَّهِ وهذا معَك.
* * *
(٢٩) - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾: أي: قالَ زوجُ زليخا.
وقيل: قال ذلك الرَّجلُ الشَّاهد: يا يوسفُ، أعرضْ عن هذا الحديثِ فلا تذكرْهُ
[ ٨ / ٣٧٧ ]
لأحدٍ، وهو سترٌ لحالها، وهو المستحبُّ المندوبُ إليه ألَّا يفشى سرُّ أهل بيتٍ، خصوصًا حرمه ومماليكه.
وقيل: لا تبالِ له، وطِب نفسًا، فقد ظهرَ لي براءتك.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾: أي: قال لزليخا: استغفري اللَّهَ، وهي وإنْ كانَتْ مشركةً فهم يقرُّون بأنَّ اللَّهَ خالقهم، وأنَّهم يعبدون الأصنام لتقرِّبهم إلى اللَّه زُلفى، فيعتقدون استغفارَ اللَّهِ من الذُّنوب.
وقيل: بل قال لها الشَّاهدُ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾؛ أي: اعتذري من زوجِك وسَلِيه (^١) أن يسترَ عليك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: أي: الخائنين في حقِّ الزَّوج.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ليس كلُّ أحدٍ أهلًا للبلاء، إنَّ البلاءَ لأربابِ الولاء، فأمَّا الأجانبُ فيُتجاوَزُ عنهم ويُخلَّى سبيلُهم، لا لكرامةِ محلِّهم، ولكن لحقارة قَدْرِهم، هذا يوسفُ ﵇ كان بريءَ السَّاحة، وظهرَ للكلِّ طهارةُ جانبِه، فابتُلِيَ مع هذا بالسِّجن، وأمَّا امرأةُ العزيز فقد ظهر للعزيز سوءُ فعلِها، حيثُ قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾، واقتصرَ في حقِّها أنْ تستغفرَ من ذنبِها، ولم ينزل بها شيءٌ من البلاء، ويفعلُ اللَّهُ ما يشاء (^٢).
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
_________________
(١) في (أ): "وسيلة".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٨١).
[ ٨ / ٣٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾: أي: انتشرَ خبرُ امرأةِ العزيزِ وميلُها إلى يوسفَ، وقال جماعةٌ من النِّساء في مصرَ: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾؛ أي: زوجة خازن الملك، وكان يُسمَّى عزيزًا لتلقيبِ الملك إيَّاه به، أو على معنى أنَّه عزيزٌ عند ملكِه مكرَّمٌ لديه، أو على معنى مَنَعَته بكثرة خدمه وأعوانه.
﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾؛ أي: عبدَ زوجِها، والعبدُ يسمَّى فتًى، والأَمَةُ تُسمَّى (^١) فتاةٌ، قال النَّبيُّ -ﷺ-: "لا يقولنَّ أحدُكم: عبدي وأَمَتي، ولكنْ ليقلْ: فتايَ وفتاتي" (^٢).
وأضفْنَ مَن اعتقدْنَه عبدَ زوجها إليها (^٣) لطاعتِه لها، وتصرُّفِه فيما يَصلحُ لها مِن أسبابِ المنزِلِ، وعلى هذا عُرْفُ النَّاسِ في إضافةِ مماليك أحدِ الزَّوجَيْن إلى الآخر.
وقد يضافُ إلى جميع أهل البيت فيُقال: عبدهم، قال عمرُ في عبدٍ سرقَ مرآة زوجةِ مولاه ولم يقطعْه: عبدُكُم سرقَ متاعَكُم (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾: أي: أصابَ شَغافَها؛ كما يُقال: كَبَدَه ورَأَسَه وبَطَنه وظَهَرَه؛ أي: أصابَ هذه الأعضاء.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀ وأبو عبيدةَ: شَغافُ القلبِ: غلافُه (^٥)، وهو جلدةٌ عليه؛ أي: دخلَها الحبُّ وأصابَ القلبَ.
_________________
(١) "تسمى" من (ف).
(٢) رواه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في (ر): "وأضيف إليها" بدل "وأضفن من اعتقدنه عبد زوجها إليها".
(٤) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٨٣٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٨٥٦٨).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٠٨).
[ ٨ / ٣٧٩ ]
وقال الحسنُ: هو باطنُ القلبِ (^١).
وقيل: وسطُ القلبِ.
وقرأ الشَّعبيُّ وأبو رجاء العطاردي: (قد شعفها)؛ بالعين المعجمة من تحتها (^٢)، ومعناه: أذهبَ قلبَها.
﴿حُبًّا﴾؛ أي: بالحبِّ، نصبٌ على التَّفسير.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: نراها في مراودةِ عبدِها في ضلالٍ من الرَّأي، وعدولٍ عن العقل، إذ صارَتْ في جلالتِها وعلوِّ حالتِها تراودُ عبدَ زوجِها بارتكابِ الفاحشة.
وقيل: أردْنَ بهذا الكلامِ التَّوصُّلَ إلى النَّظر إلى يوسفَ.
قال وهبٌ: كنَّ أربعًا؛ امرأة السَّاقي وامرأة الخبَّاز وامرأة صاحب الدَّوابِّ (^٣) وامرأة صاحب السِّجن (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١١٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٣١).
(٢) أي: المهملة، وقوله: "من تحتها" ليس في (ف). والقراءة رواها الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١١٩) عن أبي رجاء، وذكرها عنهما ابن خالويه في "إعراب ثلاثين سورة" (ص: ١٨٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢١٦). وعزاها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٣٣٩): لعلي بن أبي طالب ﵁، والحسن بخلاف، وأبي رجاء، ويحيى بن يعمر، وقتادة بخلاف، وثابت البناني، وعوف الأعرابي، وابن أبي مريم، والأعرج بخلاف، ومجاهد بخلاف، وحميد بخلاف، والزهري بخلاف، وابن محيصن ومحمد بن السميفع وعلي بن حسين بن علي وجعفر بن محمد.
(٣) في (أ): "الدواة".
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٩٠)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٨٦) عن الكلبي، وذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٣٠) عن جويبر.
[ ٨ / ٣٨٠ ]
قال مقاتل: كنَّ خمسًا. فزادَ امرأةَ الحاجبِ (^١).
* * *
(٣١) - ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: أي: بحيلتهنَّ، ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ لتريَهنَّ يوسف.
وقيل: إنَّها كانَتْ أفشَتْ إليهِنَّ أمرَ يوسفَ واستكتَمَتْهُنَّ، فلمَّا تحدَّثْنَ به أرادَتْ إيقاعهُنَّ فيما كانت وقعَتْ فيه، فدعتهُنَّ وفعلَتْ ما فعلَتْ.
وقوله تعالى: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾: أي: تدعوهُنَّ إلى دارِها للطَّعام؛ كامرأةٍ تُضيف صواحبَها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾: أي: هيَّأَتْ لهنَّ مجلسًا للطَّعام يتَّكئْنَ فيه على الوسائد ونحوها، فعلَ المتنعِّمِيْنَ مِن الاتِّكاء قبلَ الطَّعام وبعدَه، وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "أمَّا أنا فلا آكل متَّكئًا" (^٢).
وقال مجاهدٌ: (مُتْكًا) بسكون التَّاء بغير الهمز. والمُتْكُ: الأُتْرُجُّ (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٣١).
(٢) رواه البخاري (٥٣٩٨)، والترمذي (١٨٣٠)، من حديث أبي جحيفة ﵁. وليس في رواية البخاري: "أما أنا".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٢٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٣٣).
[ ٨ / ٣٨١ ]
وقيل: البَزْمَاوَرْد (^١). وهو قولُ الضَّحَّاك (^٢).
وقال وهبٌ: أعتدَتْ لهنَّ أُتْرُجًّا وبطيخًا وموزًا (^٣).
وقال القتبيُّ: كلُّ ما قُطع بالسِّكين؛ فهو عند العرب مُتْكٌ، وقد بَتَكَ ومَتَكَ؛ أي: قَطَعَ، والباء والميم يتعاقبان، يقال: أغبطَتْ عليه الحمَّى وأغمطَتْ؛ أي: لزمَتْه، وسبَّدَ رأسَه وسمَّدَ؛ أي: استأصَلَهُ بالحلْقِ، وضربةَ لازِبٍ ولازِمٍ (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الرمان". والبَزْماورد قول العامة، وهو الزُّمَاورد والزَّمَاورد: وهو طعام من البيض واللحم والسمن، معرب كما في "القاموس"، أو هو الرقاق الملوف باللحم، كما في حواشي "الكشاف"، وفي كتب الأدب: طعام يقال له: لقمة القاضي، أو: لقمة الخليفة، وقيل: البزماورد ضرب من الحلوى يصنع من العجين بالسكر، وقيل: كل ما عمل من السكر حلوى فهو زماورد. انظر: "معجم متن اللغة" لأحمد رضا (٣/ ٦١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٢٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٣٣).
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٤٦٤). قلت: وكما يظهر من سياق الزمخشري أن هذا من وهب ﵀ في تفسير (المتك) على القراءة الأخرى، لا (المتكأ) على قراءة العامة، وقد فسر أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٣٠٩) المتكأ بالنمرق يتكئن عليه، ثم قال: (وزعم قوم أنه الأترج، وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكأ أترج يأكلونه). وعلى هذا فقد يكون وهب أراد بكلامه ما أعطت أولئك النسوة حين المتكأ لا تفسير المتكأ نفسه، وهكذا وجه الطبري ما روي من طريق مجاهد عن ابن عباس ﵄ من قوله: أعطتهن أترجّا، وأعطت كل واحدة منهن سكينًا. قال الطبري: (فبيّن ابن عباس في رواية مجاهد هذه ما أعطت النسوةَ، وأعرض عن ذكر بيان معنى المتكأ، إذ كان معلومًا معناه). وكان الطبري قد روى قبل ذلك من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قال: مجلسًا. ثم ذكر كلام أبي عبيدة ووافقه فيه. انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ١٢٣ - ١٢٥).
(٤) انظر: "غريب القرآن" (ص: ٢١٦ - ٢١٧)، و"تأويل مشكل القرآن" (ص: ١١٥) كلاهما لابن قتيبة.
[ ٨ / ٣٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: أي: وأعطَتْ سكِّينًا تعالجُ به ما تحتاجُ إلى قطعِه ممَّا قدِّم إليهنَّ مِن الطَّعام والفواكه، وهكذا فِعلُ الأعاجمِ، يوضَعُ عندَهم لكلِّ مَن على المائدة سكِّينٌ يقطعُ به اللَّحم وغيرَه.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: وذلك في حالِ ما كُنَّ يعالجْنَ بالسِّكين، فلمَّا خرج عليهنَّ بُهِتْنَ واعتراهُنَّ مِن رَوعةِ جمالِه (^١) وهيبةِ جلالِه ما قطَّعْنَ بالسِّكيْنِ أيديهُنَّ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: أي: فخرجَ، فلمَّا رأينه أعظمْنَهُ، وليس قولُ مَنْ قالَ: أكبرْنَ؛ أي: حضْنَ، بشيءٍ؛ لأنَّه غيرُ معروفٍ، ولأنَّه قال: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ فعدَّاه بالهاء، والحيضُ لازِمٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: قال قتادة: أي: أبنَّ أناملَهُنَّ (^٢).
وقيل: ألقَيْنَ مفاصلَهُنَّ.
وقال مجاهد: فما أحسسْنَ إلَّا بالدَّم، ولم يجدْنَ من حزِّ اليد ألمًا لشغلِ خاطرهنَّ بيوسفَ (^٣).
وقال وهب: كنَّ أربعيْنَ امرأة، وبلغني أنَّ سبعًا من الأربعينَ مُتْنَ في ذلك المجلس وجدًا بيوسفَ وحبًّا له (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: أي: معاذَ اللَّهِ أنْ نقولَ: هذا بشرٌ.
_________________
(١) في (أ): "جماله بكماله".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٣٥).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢١٨)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ١٠٠). ولا شك أن هذا الذي بلغه هو من تخاريف الإسرائيليات.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢١٨).
[ ٨ / ٣٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾: أي: ليس هذا آدميًّا.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: أي: ما هذا إلَّا ملَكٌ مكرَّمٌ على اللَّهِ تعالى، والنَّاسُ إذا رأوا امرَأً له (^١) رَوعةٌ وجمال قالوا: كأنَّه مَلَكٌ، كما يقولون في ضدِّه: إنَّه شيطانٌ، قال الشَّاعر:
فلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلَأْكٍ تنزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ (^٢)
وفي قراءة بعضهم: (ما هذا بِشِرَى) بكسر الباء والشِّين (^٣)، وبِشِرى مصدرٌ ومعناه المفعول؛ أي: ليس هذا بمشترًى، (إنْ هذا إلَّا مَلِكٌ) بكسر اللَّام (^٤)؛ أي: ليس بمملوك، وقال قائلٌ:
غابَتْ صِفاتُ القاطعاتِ أكفَّها في شاهدٍ هو في البريَّة أبدَعُ
_________________
(١) في (أ): "رأوا من له".
(٢) نسب البيت لعدد من الشعراء؛ فنسب لعلقمة بن عبدة يمدح الحارث بن جبلة كما في "ذيل ديوانه" (ص: ١١٨)، و"المفضليات" (ص: ٣٩٤)، و"الزاهر" لأبي بكر الأنباري (٢/ ٢٥٥). ونسب لمتمم بن نويرة كما في "ديوان متمم" (ص: ٨٧)، ونسب لأبي وجزة يمدح عبد اللَّه بن الزبير كما في "شرح ديوان المتنبي" للعكبري (٢/ ٣٧٤)، أو لرجل من عبد القيس يمدح النعمان كما في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٣)، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: ٥٢٢)، و"الصحاح" للجوهري (مادة: ملك). ودون نسبة في "الكتاب" (٤/ ٣٨٠)، و"إصلاح المنطق" (ص: ٧١)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ١١٢). وقال السيرافي في "شرح أبيات إصلاح المنطق" (ص: ٢٠٧): يروى لأبي وجزة يمدح عبد اللَّه بن الزبير، ويروى لرجل من عبد القيس يمدح النعمان.
(٣) نسبت للحسن وأبي الحويرث الحنفي. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٤٢)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٦)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٤٠)، و"البحر" (١٢/ ٤٦٨).
(٤) قرأ بها عبد الوارث رواية المنقري، وابن عبد الكبير عن أبي عمرو. انظر: "الكامل في القراءات" لليشكري (ص: ٥٥١). ونسب ابن عطية لمن قرأ (بشرًى) أنه قرأ أيضًا: (إن هذا إلا مَلِكٌ كريم) بكسر اللام.
[ ٨ / ٣٨٤ ]
ففَنِين (^١) مِنْ أوصافهنَّ فلَمْ يَكُنْ مِنْ نَعْتِهِنَّ تَلذُّذٌ وتوجُّعٌ (^٢)
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾: لمَّا رأَت امرأةُ العزيز أنَّهنَّ افتُتِنَّ بيوسفَ وجدَتْ موضعًا للعذر فقالَتْ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾.
ويحتملُ: فهذا ذلكنَّ الَّذي لمتنني فيه، وقلْتُنَّ ما قلْتُنَّ، ثمَّ اعترفَتْ بأنَّها راودَتْه عن نفسِه، فقالَتْ:
﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾: أي: امتنعَ وتحفَّظَ عن إجابتي، فهذا يبطلُ قولَ مَنْ قال: قصدَ إجابتَها وحلَّ إزارَه (^٣).
ثمَّ اعتراها مِن افتتانِ النِّسوة به زيادةُ شغَفٍ به، فهتَكَتْ جلبابَ الحياءِ، وعادَتْ بحضرتهن إلى مراودته، أو إلى ما يشبهُ المراودَة، فقالَتْ:
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾: أي: ليحبسَنَّ في السِّجنِ، وهو قولُه تعالى:
﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: أي: الأذلَّاء، جمعَ بينَ النُّون المشدَّدة وبين النُّون المخفَّفة؛ لأنَّهما (^٤) في معنًى واحدٍ، وكُتبَتِ الثَّانية ألفًا لخفائها وسكونها، والوقفُ عليه بالألفِ، قال الأعشى:
_________________
(١) في (أ): "فتبين"، وفي (ر) و(ف): "ففتن"، والمثبت من المصدر.
(٢) ذكره الكلاباذي عن بعض أهل عصره في "التعرف لمذهب أهل التصوف" (ص: ١٢٧).
(٣) في (ف): "أزراره".
(٤) في (ف): "إلا أنها".
[ ٨ / ٣٨٥ ]
وسبِّحْ على حين العشيَّات والضُّحى ولا تعبدِ الشَّيطانَ واللَّهَ فاعبُدا (^١)
أي: فاعبدَنْ (^٢).
وقيل: لمَّا بغَتْ عليه واتَّهمَتْه بما فيها ابتلاها اللَّه تعالى بأنْ هتكَتْ بلسانها سترَها، وكشفَتْ أمرَها.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: كانَتْ زليخا أتمَّ حالًا في أمر يوسفَ وفي الافتتانِ به من النِّسوة، فأثَّرَتْ رؤيتُه فيهنَّ، ولم تؤثِّر فيها كما أثرَتْ فيهنَّ، حيثُ قطَّعْنَ أيديهُنَّ، وذلك لأنَّه قويَ حالُها بطول الصُّحبة، وصارَتْ رؤيةُ يوسفَ غذاءً لها، فلم يؤثِّر فيها، والتَّغيّر صفةُ أهل البداية، فإذا دام المعنى زالَ التَّغيُّرُ.
قال أبو بكرٍ الصدِّيق ﵁ وقد رأى رجلًا يبكي وهو قريب العهد بالإسلام: هكذا كنَّا حتَّى قسَتْ القلوبُ (^٣)؛ أي: قَوِيَتْ وصَلُبَتْ، وكذا الخزفُ أوَّلَ ما يُجعَل فيه الماء يُسمَع له نشيشٌ، وإذا تعوَّدَ شربَ الماء سكنَ، فلا يُسمَع له بعد ذلك صوتٌ (^٤).
قال وهبٌ: ولمَّا ظهر هذا قَبُحَت المقالةُ فيها، وعيَّرها نساءُ الملوك، وقلْنَ: إنَّها تراودُ عبدَها عن نفسِه؛ قد فضحها (^٥)، وشغفها حبًّا، وأزرى بها، وهو كارهٌ لها،
_________________
(١) انظر: "ديوان الأعشى" (ص: ١٨٧). وصدره فيه برواية: وذا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَنْسكنَّه
(٢) "أي: فاعبدن" ليس في (ف).
(٣) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ١٣٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥٥٢٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٣).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٨٣).
(٥) "قد فضحها" ليس في (ف).
[ ٨ / ٣٨٦ ]
يُبغضها ويَمقتها، ويهرب منها، ولو رأى فيها خيرًا لطاوعَها (^١)، ولو كان لأحدٍ منَّا لأذلَّتْه (^٢).
فلمَّا سمعَتْ بسوءِ قولهنَّ لها وإزرائهِنَّ عليها احتالَتْ لفضيحتِهِنَّ، وأرادَتْ أن تصغِّر إليهنَّ أنفسَهُنَّ، فبعثَتْ إلى أربعينَ امرأةً مِن عظمائهِنَّ لَمْ تَدَعْ فيهنَّ أشرفَ ولا أعظمَ منهنَّ، فصنعَتْ لهنَّ مأدبةً عظيمةً، فلمَّا فرغَتْ من ذلك فرشَتْ لهنَّ واتكأْنَ، ووُضِعَ بينَ أيديهِنَّ الأُتْرجُّ والبطيخُ والموزُ، وأعطَتْ كلَّ واحدةٍ منهنَّ سكينًا لتقطعَ به ما وضعَتْ قدامها، فلمَّا أنشأْنَ في قطع ذلك قالَتْ: ألا أريكُنَّ عبدي الَّذي عيَّرتُنَّني به؟ قلْنَ لها: بلى، فإنْ كانَ لك فيه عذرٌ عذرناك وساعدناك (^٣)، وإنْ أخطأْتِ أو قصرَ رأيُك (^٤) وعظناك وعرَّفْناك، ودلَلْناك على الرُّشْد والسَّداد.
فاغتنمَتْ ذلك مِن قولهنَّ وقالَتْ: اخرجْ عليهِنَّ يا يوسفُ، فلمَّا وقفَ عليهنَّ أعظمْنَهُ وبُهِتْنَ، وفي أيديهِنَّ السَّكاكيْنُ، فألهى (^٥) أيديَهُنَّ وعيونَهُنَّ وقلوبَهُنَّ وعقولَهُنَّ، فقطَّعْنَ أيديَهُنَّ وأبَنَّ الأناملَ، وأقسمْنَ باللَّهِ جَهْدَ أيمانهِنَّ: ما هذا بشرًا، ولا ولدَهُ بشرٌ، وإنَّه لَمَلَكٌ كريم من رؤوسِ الملائكة.
قال وهبٌ: بلغني أنَّ يوسفَ صلوات اللَّه عليه أُعطِيَ ثُلُثَ حُسْنِ الدُّنيا، وسارةَ السُّدُسَ، والخَلْقَ النِّصف (^٦).
_________________
(١) في (أ): "لخادعها".
(٢) "ولو كان لأحدٍ منَّا لأذلَّته" ليس في (ف).
(٣) في (أ): "وشايعناك"، وفي (ف): "وسامحناك".
(٤) في (ف): "قصرت" بدل: "قصر رأيك".
(٥) في (أ): "فأشهى"، وفي (ف): "فانتهى".
(٦) روى الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٣٦)، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٨٦) عن ربيعة الجرشي: =
[ ٨ / ٣٨٧ ]
وأعطى اللَّهُ تعالى يوسفَ مِن الحُسْنِ وصفاءِ اللَّون ونقاءِ البشرة ما لم يعطه أحدًا؛ إنْ كان ليأكلُ البقلَ والشَّيء الأخضر من الفاكهة فيُرَى حيث يزدرده (^١) في حلقِه وصدرِه حتَّى إلى بطنِه (^٢).
فقالَتْ زليخا لهنَّ: وهل عليَّ بعدَ هذا مِن لومٍ؟! قلْنَ: معاذَ اللَّهِ، بل أنتِ معذورةٌ مرحومةٌ مظلومةٌ. وقلْنَ ليوسفَ: اتَّقِ اللَّهَ في ربَّتكِ (^٣)، واقبل كرامتَها، وأطعْها وأجبْها إلى ما دعتْكَ إليه، ولئن لم تفعل ذلك إنَّك إذًا لمن الظَّالمين.
وقالَت (^٤) امرأةُ العزيز: قد ﴿رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ قالَتِ النِّسوةُ: قد استحقَّ ذلك، إنَّ عبدًا عصى سيِّدتَه لأهْلٌ أنْ يُسجَنَ ويُقتَلَ ويُعذَّبَ.
وتمالأْنَ عليه، وأحببْنَهُ وشغفَهُنَّ كما شغَفها، وأشرْنَ عليها بحبسِهِ رجاءَ أنْ يستهويْنَهُ حتَّى يحنَّ (^٥) لهنَّ في السِّجن.
وقلْنَ لسيِّدتِه: إنَّكِ متى سجنتيه قطعْتِ عنك مقالةَ السُّوءِ الَّتي قد شاعَتْ (^٦) عليك، ورأى النَّاسُ أنَّك تبغضينه وتكرهيْنَ قربَه، ويُعطِّفُهُ عليك السِّجنُ ويليِّنُه لك.
_________________
(١) = قال: "قُسِم الحسن نصفين، فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق". وكله من مبالغات الإسرائيليات وخرافاتها.
(٢) في (ر) و(ف): "يزدرده".
(٣) وهذا في المبالغة والبطلان كسابقه.
(٤) في (أ): "زلتك".
(٥) في (ر) و(ف): "وكانت".
(٦) في (أ): "عاد". وسقطت جملة: "حتَّى يحنَّ لهنَّ في السجن" من (ف).
(٧) في (ر): "مقالة النسوان التي قد أشاعت"، وفي (ف): "مقالة النسوان التي قد شاعت".
[ ٨ / ٣٨٨ ]
ثمَّ انصرفَتِ النِّسوةُ عنها على ذلك وتركْنَها، وراودَتْهُ عن نفسِهِ وجهدَتْ عليه، ولم يزددْ منها إلَّا بُعدًا، فلمَّا يئسَتْ منه قالَتْ لسيِّدِها: قد شاعَ عليَّ في أمر هذا العبد مقالةٌ قبيحةٌ، وقد فضحني ذلك، وقد كرهْتُ قربَه، وأبغضْتُ رؤيتَه، فائذَنْ لي في سَجنِه حتَّى يكونَ سَجنُه مِن تحتِ يديَّ، فإنَّه أقطعُ للمقالةِ، وأبينُ للعذرِ، فقال لها سيِّدُها: قد أذنْتُ لك في سَجنِه.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ﴾: أي: يا ربِّ ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أضافَ الفعلَ إلى جميع هؤلاء النِّسوة؛ لِمَا مرَّ أنَّهنَّ شُغفْنَ به، ودعتْهُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ إلى نفسِها.
وقيل: إنَّهنَّ حرَّضْنَه على إجابةِ زليخا، ودعوْنَه إلى ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أي: أمِلْ إليهنَّ، وقد صَبا يَصْبُو صَبْوةً، وحذفت الواو من ﴿أَصْبُ﴾ للجزْم؛ لأنَّه جواب الشَّرط.
﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ باتِّباع الهوى، وهذا سؤالٌ منه العِصمةَ مِن ذلك بألطفِ وجهٍ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الاختبارُ مقرونٌ بالاختيار، ولو تمنَّى العافية وسألَها (^١) وجدَ العافيةَ، ولكنْ آثرَ السِّجنَ على ذلك فسُجِنَ.
وقالوا: هذا عينُ التَّوحيد، حيثُ رأى أنَّ المعصومَ مَن عصمَه اللَّهُ تعالى، فإنَّ نجاتَه بصرفِ اللَّهِ تعالى ذلك لا بتكلُّفِه، ولمَّا آثر تحمُّلَ المشقَّة في اللَّهِ تعالى على
_________________
(١) في (ر): "فينالها"، وفي (ف): "ومثالها".
[ ٨ / ٣٨٩ ]
لذَّةِ نفسِه آثرَهُ اللَّه تعالى على إخوتِه وأهلِ عصرِه، حتَّى قالوا: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١] (^١).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قولُه: ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾: هي محبَّة الاختيار والإيثار في الدِّين، لا محبَّة النَّفس واختيارُها، بل النَّفس تهوى ما يدعونَ إليه، دليله قوله: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ (^٢).
ودلَّ أنَّ النِّسوةَ راودْنَه عن نفسِه، ولذلك قال: ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] (^٣).
* * *
(٣٤) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾: ودعاؤُه قولُه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي: السَّميعُ للدَّعوة، العليمُ بالنِّيَّةِ.
* * *
(٣٥) - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾: أي: ظهرَ لهم رأيٌ بخلافِ الرَّأيِ الأوَّلِ، ومصدرُه البَداءُ.
أي: لزليخا والعزيز وأهلِ المشورة فيه.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٨٣).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٥٤).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٣٧).
[ ٨ / ٣٩٠ ]
﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾؛ أي: العلاماتِ الدَّالَّات على براءةِ يوسفَ وصدقِ مقالتِه؛ مِن قدِّ القميص مِن دُبُرٍ، ومِن كلامِ الطِّفل وشهادتِه ببراءته، وممَّا بيَّنَ مِن الاستدلال، ونحوِ ذلك.
﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: أي: حلفوا ليسجُنُنَّة ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: زمانٍ يتقادمُ العهدُ فيُنسَى هذا الحديث فينقطعُ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا سجنَ العزيزُ يوسفَ مع ظهور براءَتِه اتِّقاءً على امرأته أنْ يُنتَهكَ سترُها؛ حوَّلَ اللَّهُ تعالى ملكَهُ (^١) إليه، ثمَّ في آخر الأمرِ جعلَها امرأتَه، وذلك جزاءُ الصَّابرين (^٢).
* * *
(٣٦) - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾: أي: عَبْدانِ للمَلِكِ.
وقال الزَّجَّاجُ: كانوا يسمُّون المملوكَ في ذلك الزَّمان -شيخًا كان أو شابًّا-: فتًى (^٣).
أي: أمضوا رأيَهم في سَجنِه فسجنوه ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾؛ أي: بعدَه بزمانٍ، و(مع) كلمةُ قِرانٍ، وأرادَ به اجتماعَهم في السِّجنِ، لا اقترانهم في الدُّخول.
وكان الفَتَيان أحدُهما طبَّاخُ الملكِ واسمه مجلث، والآخر ساقٍ واسمه بونا.
_________________
(١) بعدها في (أ): "وملكه"، وليست في "اللطائف" لكن لها وجه.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٨٤).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٠٩).
[ ٨ / ٣٩١ ]
وقيل -وهو قول ابن عبَّاسٍ-: اسم الطَّبَّاخ شرهابقم، واسم السَّاقي شرهاسكم (^١).
ولمَّا دخل (^٢) يوسفُ السِّجنَ فتح اللَّه عليه عبارةَ الرُّؤيا، فكان يَعْبُرُ لأهل السِّجنِ رؤياهم، ودخل هذان السِّجنَ بعدَه، و﴿مَعَهُ﴾ بمعنى: بعده، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥].
﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾؛ أي: السَّاقي: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ في النَّوم ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ أي: عنبًا؛ قالَه الضَّحَّاك (^٣).
وقال الزَّجَّاج: أي: عنبَ الخمرِ، والعنبُ يُسمَّى خمرًا في لغة عُمَان (^٤).
وحكى الأصمعيُّ عن معتمر بن سليمان أنَّه رأى أعرابيًّا معه عنبٌ فقال: ما معك؟ فقال: خمرٌ (^٥).
وقيل: هو على ظاهره مستقيمٌ، معناه: أعصر العنبَ خمرًا؛ كما تقولون: عصرْتُ الزَّيتون زيتًا، وبسطُه: أعصرُ عنبًا ليكونَ عصيرُه خمرًا.
قال عكرمةُ: قال ذلك الفتى: إنِّي رأيْتُ فيما يرى النَّائم أنِّي غرسْتُ حبَّةً من عنبٍ فنبتَتْ (^٦)، فخرجَ منها ثلاثةُ عناقيد، فعصرتُهُنَّ، ثمَّ سقيتُهُنَّ الملكَ، قال: تمكُثُ في السِّجنِ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ تخرجُ فتسقِيْهِ خمرًا (^٧).
_________________
(١) في (أ): "شرهاسلم". وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٣٣)، وجاء في مطبوعه الاسمان: "شرهم أقم، وشرهم أشم".
(٢) في (ف): "وصل".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٥٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٤٢).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٠٩).
(٥) رواه ابن قتيبة في "غريب الحديث" (١/ ٥٤٠)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٢٢)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ١١٤).
(٦) في (ف): "فيبست".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٥٥).
[ ٨ / ٣٩٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾: أي: الطَّبَّاخ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾؛ أي: رأيْتُ كأنِّي أخرجُ من مطبخٍ وعلى رأسي ثلاث سلالٍ (^١) من خبزٍ، وأرى سباع الطَّير تأكل مِن السَّلَّةِ العُليا.
وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أي: بما يَؤُولُ إليه عاقبة المراد بهذه الرُّؤيا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: تُحسِنُ إلى أهلِ السِّجنِ؛ لقيامِك بأمورِهم، وعنايتِكَ بأسبابِهم، فأحسِنْ إلينا بعبارة الرُّؤيا، ليزول (^٢) عنَّا شغلُ القلب بتأويلِها، وتُجزَى بذلك على إحسانِك إلى أهل السِّجن.
قيل: كان يداوي مريضَهم، ويعزِّي حزينَهم، ويجتهدُ في عبادةِ ربِّه. وهذا عن قتادة (^٣).
وقيل: كان يعينُ المظلومَ، وينصرُ الضَّعيفَ، ويعودُ المريضَ. وهذا عن الزَّجَّاج (^٤).
وقيل: أي: من المُعْتَنِين (^٥) في عبارة الرُّؤيا. وهو قول الفرَّاء (^٦).
وقال وهبُ بن منبِّه: كان سببُ وقوعِهما في السِّجن أنَّ جماعةً مِن أهل مصرَ خرجوا على الملك، وأرادوا المكرَ به واغتيالَه، فدسُّوا إلى هذَيْن، وضمنوا لهما مالًا لِيَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَه، فأجاباهم إلى ذلك، ثمَّ إنَّ السَّاقي نكلَ عنه، وقبلَ الخبَّازُ الرَّشوةَ فسمَّ الطَّعامَ، فلمَّا حضرَ وقتُه وأُحضِرَ الطَّعام، قال السَّاقي:
_________________
(١) في (أ): "سلات". ولم يبين المؤلف كيف عرف أنها ثلاث وهي لم تذكر في الآية.
(٢) في (ر): "واصرف"، وهي ليست في (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٥٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٤٣).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١١٠).
(٥) في (أ): "المحسنين".
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٤٥)، وفيه: "من العالمين قد أحسنت العلم".
[ ٨ / ٣٩٣ ]
أيُّها الملك، لا تأكلْ فإنَّ الطَّعامَ مسمومٌ، قال الخبَّاز: أيُّها الملك، لا تشربْ، فإنَّ الشَّرابَ مسمومٌ، فقال الملكُ للسَّاقي: اشربْ، فشربَه فلم يضرَّه، وقال للخبَّاز: كلْ مِن طعامِك، فأبى، فجُرِّب ذلك الطَّعام في (^١) دابَّةٍ من الدَّواب، فأكلَتْه فهلَكَتْ، فأمرَ الملكُ بهما إلى السِّجنِ، فكانا في السِّجنِ سنةً، وألِفَا يوسفَ وألِفَهما، إلى أنْ رَأَيا رؤياهما، كما قصَّ اللَّه تعالى عنهما (^٢).
وقيل: لمَّا عبرَ رؤيا الخبَّاز؛ قال: إنِّي لمْ أرَ شيئًا وكنْتُ ألعبُ، فقال يوسفُ: رأيتُما رؤياكما أو لم ترياها، فإنَّ ما قلْتُ نازلٌ بكما. فذلك قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
وقال الشَّعبيُّ: إنَّهما تحالما ليجرِّبا يوسف (^٣).
وقال محمَّد بن إسحاق: كان أحدُهما صادقًا والآخرُ كاذبًا (^٤).
* * *
(٣٧) - ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾: قيل: أراد أن يقرِّرَ عندهما علمَه بعبارة الرُّؤيا.
وقيل: أسَّس لدعوتِهما إلى التَّوحيد، وكذا ينبغي للعالم إذا سُئِلَ عن شيءٍ أن يؤسِّسِ (^٥) لِمَا هو أهمُّ منه فيكشفه، ثمَّ يجيبهم عمَّا سُئِل عنه.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "على".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٢١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٤٠) دون نسبة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٥٣) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ والسدي.
(٤) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٣٦) عن أبي مجلز.
(٥) في (ف): "أسس" بدل: "أن يؤسِّس".
[ ٨ / ٣٩٤ ]
فقال: لا يأتيكما من عند الملك أو من عند أهلكما أو أصدقائكما ما تحتاجان إليه من الطَّعام في السِّجن إلَّا أخبرتكما به قبلَ مجيئِه، وهو قوله: ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وهو خبرٌ عن الغائب، وذلك كقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].
فكأنَّهما قالا له: فكيفَ تعلمُ ذلك وهو غيبٌ؟ فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
فكأنَّهما قالا: ولِم خصَّك ربُّك بالتَّعليم دوننا؟ فقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وليس هو تَرْكًا بعد الكونِ فيها، بل هو الامتناع عنها أصلًا، وإخبارٌ أنَّه لم يكن فيها قطُّ، ولا يخصُّ اللَّه تعالى بهذا العلم -الَّذي هو كرامةٌ- مَنْ كفرَ به وجحدَه، بل يكرمُ به مَن آمنَ به وصدَّقه ووحَّده وعبدَه.
* * *
(٣٨) - ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
فكأنَّهما قالا له: إذا لم تكن أنت في هذه الملَّة؛ فعلى أيِّ ملَّةٍ أنت؟ فقال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو الجدُّ، جدُّ الأب يسمَّى أبًا؛ لأنَّه أبو أبِ الأب، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ هو أبُ الأب، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ هو أبوه حقيقة.
فكأنَّهما قالا: وكيف كانت ملَّتهم؟ فقال: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
فكأنَّهما قالا: وكيف اهتديتم إليها؟ فقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يشكرون الخالق على نعمِه بالطَّاعة له في أمرِه ونهيِه.
وقيل: لا يعلمون النِّعمَ مِن اللَّه فيشكروا له عليها.
[ ٨ / ٣٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾: يدلُّ على بطلانِ قول المعتزلة في أنَّ الفاسقَ يخرجُ من ملَّة الإسلام، ولا يدخل في ملَّة الكفر، فإنَّه ليس بينَ الملَّتَيْنِ ملَّةٌ أخرى.
ودلَّتِ الآية أيضًا أنَّ الكفرَ كلَّه ملَّةٌ واحدةٌ.
ثمَّ إنَّما ذكرَ يوسفُ آباءه في هذه الآية؛ لأنَّ النَّاس كانوا عرفوهم واعتقدوا تعظيمَهم، وكانوا لا يعرفون يوسفَ، فبيَّن أنَّه مِن صلبِهم؛ ليعتقدوا كلامَه (^١) ويقبلوا دعوتَه إلى الدِّين الحقِّ.
* * *
(٣٩) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: أي: يا ساكنَيه وملازمَيه، وهو كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ و﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي.
ثمَّ لا خيريَّة في الأرباب المتفرِّقين، لكن قالَه بناءً على زعم الكفرة؛ أي: أنتم تعتقدونه خيرًا، ثمَّ ألزمهم على هذا الوجه: أهذا خيرٌ أم التَّوحيد، على وجهٍ ظهرَ بطلان ما يعتقدون، وهو كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ونحوِ ذلك، وقد كشفناه عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٦٠].
ثمَّ إنَّه دلَّهم بهذا على أنَّ الخالق واحدٌ، وأنَّ الإلهَ (^٢) واحدٌ، وأنَّ الآلهة لا بدَّ أن
_________________
(١) في (ف): "ليعتقدوه" بدل من "ليعتقدوا كلامه".
(٢) في (أ): "المعبود".
[ ٨ / ٣٩٦ ]
يكون بينهم تفرُّقٌ في الإرادات؛ فإمَّا أنْ يلزمَ العجزُ كلَّهم أو بعضَهم، والعاجزُ لا يجوز أن يكون إلهًا، وهو معنى قوله ﷿: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقولهِ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ولأنَّ الآلهة إذا تفرَّقَتْ لم يمكن إرضاءُ جميعِهم بالعبادة، وإرضاءُ الواحدِ أمكنُ (^١) بالمداومةِ على عبادته والعملِ بطاعته.
* * *
(٤٠) - ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾: لمَّا كانت الأسماء الَّتي سمَّوها لا تصحُّ معانيها؛ صارَتْ كأنَّها أسماءٌ فارغةٌ يرجعون في عبادتهم إليها، فكأنَّهم يعبدون الأسماء، إذ لا معاني لها من إلهٍ وربٍّ.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: لم يجعلِ اللَّهُ ﷿ دليلًا على جواز عبادتها، ولا أقامَ حجَّةً على تعظيمها.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾: أي: ما الحكمُ في الإلهيَّة والرُّبوبيَّة إلَّا للَّه الواحد القهَّار.
قوله تعالى: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: المستقيم. وقيل: أي: الَّذي قامَتِ الدلالةُ على صحَّتِه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا
_________________
(١) في (أ): "ممكن".
[ ٨ / ٣٩٧ ]
يتفكَّرون فيه ولا ينظرون فلا يعلمون، ولو تفكَّروا فيه ونظروا لعلِموا، وهذا يدلُّ على أنَّ العقوبة تلزمُ وإنْ جهلَ إذا أَمكن له إنعام نظر فيه (^١)، ولا يُعذَر به، أو معناه: لا ينتفعون بعلمِهم مع أنَّهم يعلمون به (^٢).
* * *
(٤١) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾: أي: سيِّدَه، وهو الملكُ، يعني به: السَّاقي.
﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾: أي: الطَّبَّاخ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾؛ أي: الطُّيور ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾.
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: أي: فُرغ منه وأُتِمَّ الأمر (^٣) ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: تسألان تأويلَه.
قال وهبٌ: قال السَّاقي: إنِّي رأيْتُ حَبَلَةً، فيها ثلاثةُ قضبانٍ جردٍ، فبينا أنا أنظرُ إليها إذا هي قد أورقَتْ (^٤) وأخرجَتْ ثمرتَها، ونضجَتْ عناقيدُها، وإذا كأسُ فرعونَ في يدي، فأخذْتُ العناقيدَ فعصرتهنَّ في الكأس، فناولتُها الملكَ فشربَه.
قال يوسفُ: ما أحسنَ ما رأيْتَ! تمكثُ في السِّجنِ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ يذكرُكَ الملكُ فيدعوك ليعفوَ عنك، ويردَّكَ إلى عملِكَ فتكونَ كما كنْتَ، فاذكرْنِي عند ربِّك -يعني: عند الملكِ- فإنِّي سُجِنْتُ مظلومًا، لعلَّه أنْ ينظرَ في أمري ويخرجني مِن السِّجن.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أمكن له العلم بطريقة".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٤٢).
(٣) "الأمر" من (ر).
(٤) في (أ) و(ر): "افترقَتْ".
[ ٨ / ٣٩٨ ]
قال الخبَّاز: ما أحسنَ ما عَبَرْتَ! فإنِّي رأيْتُ كأنَّ على رأسي ثلاثَ سِلالٍ مِن خبزٍ، في السَّلَّةِ العُليا مِن ألوانِ الأطعمةِ، وإذا سِباعُ الطَّير تأكلُ مِن السَّلَّة العُليا.
قال يوسفُ: أمَّا السِّلال؛ فالأيَّام الثَّلاثة الَّتي تكون في السِّجن، ثمَّ يدعوك الملكُ في اليوم الرَّابع فيصلبُك، فتأكل الطَّير من لحمِكَ.
قال الطَّبَّاخ: فإنِّي لم أرَ شيئًا، إنَّما كنْتُ ألعبُ.
قال يوسفُ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: الَّذي سألتُماني (^١) عنه؛ يعني: الأمرُ كما حدَّثْتُكُما، رأيتُما شيئًا أو لم تَرَياه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾: قولُهُ: ﴿ظَنَّ﴾ يجوزُ أنْ يكون فعلًا ﴿لِلَّذِي﴾ ويكونَ على حقيقةِ الظنِّ أنَّه رجا بهذا التَّأويل أن يكون كذلك، ويجوزُ أن يكونَ فعلًا ليوسفَ؛ أي: للَّذي ظنَّ يوسفُ أنَّه ناجٍ، ويكون في معنى العلم واليقين؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ لأنَّه علم ذلك بتعليم اللَّهِ إيَّاه، فكانَ لا يشكُّ فيه.
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: أي: مَلِكك.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: قيل: فأنسى الشَّيطانُ يوسفَ أنْ يذكرَ اللَّهَ ربَّه ﷻ في سؤال هذا الخلاص، ورجاه مِن (^٢) عند الملكِ. وهو بعيدٌ مِن حال الأنبياء.
_________________
(١) في (أ): "لا تسألاني" بدل: "الذي سألتماني".
(٢) "مِن" ليست في (ف).
[ ٨ / ٣٩٩ ]
والصَّحيحُ قَولُ الجمهورِ: فأنسى الشَّيطانُ السَّاقيَ ذِكْرَ حالِه لملِكِهِ (^١)، والدَّليل عليه أنَّه قالَ -يعني هذا-: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، فأَخبرَ أنَّه ذكرَ بعدَ نسيانِهِ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: البِضْعُ: قطعةٌ مِن العَقْدِ، مِن البَضْعِ؛ وهو القَطْعُ.
قال أبو عبيدة: هو ما بينَ الواحدِ إلى أربعةٍ (^٢).
وقال قطرب: ما بينَ الثَّلاث إلى السَّبع (^٣).
وقال الزَّجَّاج والقتبيُّ: مِن الثَّلاث إلى التِّسع (^٤). وهو قول قتادة ومجاهد (^٥).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: من الثَّلاث إلى العشرة (^٦).
قال وهب: لبثَ في السِّجن بعد ذلك ثلاثَ سنين، وكان لبثَ قبلَ ذلك سبعَ سنين (^٧).
وقال قتادة: لبثَ بعد ذلك سبعَ سنين (^٨).
_________________
(١) في (ف): "للملك".
(٢) كذا في "أدب الكاتب" لابن قتيبة (ص: ٤٩)، و"معاني القرآن" للنحاس (٣/ ٤٣٠)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (ص: ٢١٧)، و"تفسير السمرقندي" (٢/ ١٩٤). لكن في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١١٩): العقد: ما بين ثلاث إلى خمس.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٣/ ٤٣٠)، و"تفسير السمرقندي" (٢/ ١٩٤).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١١٢)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢١٧).
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٧٦).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٧٦).
(٧) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٢٥).
(٨) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣١١)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٧٥).
[ ٨ / ٤٠٠ ]
وروي أنَّ جبريلَ أتاه في السِّجنِ فلمَّا رآه يوسفُ عرفَه (^١) فقالَ: يا أخا المنذرِيْن؛ ما لي أراك في منزلِ الخطَّائِيْنَ؟ فقالَ له جبريلُ: يا طاهرُ يابنَ الطَّاهرين، يقرأ السَّلامَ عليك ربُّ العالمين، ويقول لك (^٢): أما استحيَيْتَ منِّي أنِ استشفعْتَ بالآدميِّيْنَ، فوعزَّتي لأُلْبثنَّكَ في السِّجنِ بضعَ سِنينَ، قال يوسفُ: وهو بعد ذلك راضٍ عنِّي؟ قال: نعم، قال: إذًا لا أبالي (^٣).
قال كعبُ الأحبار: قال جبريلُ ليوسفَ: إنَّ اللَّه تعالى يقول لك (^٤): مَنْ خلقَكَ؟ قال: اللَّه، قال: فمَن حبَّبك إلى أبيك؟ قال: اللَّه، قال: فمَن ألبسَكَ في البئر؟ قال: اللَّه، قال: فمَن نجَّاك من كَرْبِ البئر؟ قال: اللَّه، قال: فمَن علَّمكَ تأويلَ الرُّؤيا؟ قال: اللَّه، قال: كيفَ استشفعْتَ بآدميٍّ مثلِك (^٥)؟
وقال الشَّيخ أبو الحسين محمَّد بن يحيى البشاغري في "كتاب عصمة الأنبياء": قال بعض النَّاس: إنَّه استعانَ بغيرِ اللَّهِ فعُوْقِبَ بمقامَهِ في الحبْسِ. وهذا وحشٌ من الكلامِ.
وقال الشَّيخ الإمام أبو منصور ﵀: إنَّه -صلوات اللَّه عليه- لم يستعِنْ بغيرِ اللَّهِ، وإنَّما استعملَ الأسبابَ، كاستعمالِ العبدِ في معاشِه الأسبابَ الَّتي هو بها متعبَّدٌ؛ مِن نحو المكاسب، وأخذِ الأسلحةِ، وسائر ما يَعْتَدُّ المرءُ بإمساكِ تلكَ
_________________
(١) "عرفه" ليست في (ر).
(٢) "لك" من (ف).
(٣) رواه الكلاباذي في "بحر الفوائد" (ص: ١١٨) عن زهير بن عباد وعبد العزيز بن عمير. وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٩٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٢٦).
(٤) "لك" من (ف).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٢٦).
[ ٨ / ٤٠١ ]
الأسبابِ، فهو وإنْ أمرَه بالذِّكْرِ عندَ ربِّهِ -يعني: سيِّدَه- وإنَّما رآه سببًا لخروجِه مِنَ السِّجنِ، فهو معتقدٌ بأنَّ اللَّهَ هو المخرِجُ، لكن ربَّما يجري على يدي مَلِكِهِ، فلذلك قال له: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ولا بأس (^١) بهذا.
[وقوله ﷿: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يحتمل وجهَيْن:
أحدُهما]: ربَّما وقع عند يوسف أنَّ سَجنَه مِن غير علمِ الملكِ، فإذا أُخبِر بحالِه أخرجَهُ، وليس هذا منه استعانةً بغير اللَّه تعالى، ولكنَّه اجتهادٌ لمصالحِ النَّاس (^٢) كسائرِ المكاسبِ (^٣).
والثَّاني: أنَّه كانَ أظهَرَ رسالتَهُ في السِّجنِ، فأحبَّ رفعَ أمرِه إلى سيِّده؛ ليتدبَّر أنَّه حابسٌ نبيًّا رسولًا، فيخرجَه حتَّى يبلِّغَ رسالَته إليه رجاءَ إجابةٍ منه، حتَّى إذا أجابَ هو أجابَ أتباعُه، ولا تكون رسالتُه مقصورةً على أصحاب السِّجن، بل تكون نافذةً في القوم كلِّهم (^٤).
وقال البشاغريُّ: ويحتمل قولُه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: اذكرْ علْمِي الَّذي علَّمَنِيه اللَّهُ مِن تأويلِ الأحاديثِ وحُكْم الرِّسالة (^٥)؛ لعلَّه يرغبُ فيخرجَه من السِّجن حتَّى يتخلَّص وينجو لشفقَةٍ منه عليه؛ إذ هو كانَ عالمًا بالفراعنةِ المتقدِّمين
_________________
(١) في (أ): "وما بأسٌ"، وفي (ف): "وما كان بأس".
(٢) في (أ): "لصلح العيش".
(٣) من قوله: "ربَّما وقع عند. . . " إلى هنا جاء متأخرًا في النسخ الخطية بعد قوله: "بل تكون نافذةً في القوم كلِّهم"، فقدمناه، وزدنا ما بين معكوفتين ليكون أقرب لكلام الماتريدي، وهو الأنسب بالسياق.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، والكلام فيه بنحوه.
(٥) في (ر): "الرؤيا".
[ ٨ / ٤٠٢ ]
كيف هلكوا بصنيعِهم (^١) على الأنبياءِ ﵈، فأحبَّ أن يقفَ على حالِه فيخرجَه، فتزولَ محنتُه قبلَ أنْ (^٢) يهلكَ كما هلكَ مَنْ تقدَّمه مِن معذِّبي (^٣) الأنبياء.
ودليلُ أنَّه لا يجوز صرف الآية إلى استعانةِ يوسفَ بغير اللَّهِ: أنَّه لو كان هكذا لم يتكلَّف الشَّيطانُ إنساءَه؛ إذِ الاستعانةُ بغير اللَّه مِن غير رؤيةِ سببِ اللَّهِ شركٌ، والشَّيطانُ يعينُ على إقامة الشِّرك، فلمَّا أنساه عُلمَ أنَّه يذكِّرُه التَّوحيد، ويجعله رسولًا إلى الملِك بإخباره عن دينِه الخالص للَّه، فأحبَّ الشَّيطان ألَّا يَعلَمَ الملكُ مِن حالِه ودينِه، فيجيبَه، فأنساه.
وحقيقةُ الإنساء مِن اللَّه تعالى؛ إذ هو المقدِّر، لكنَّه أُضِيْفَ إلى الشَّيطان على ما قلْنَا مِن إضافة القبائحِ إلى الشَّيطان؛ لتكلُّفه (^٤) في تحصيلِها، وقد يُضافُ إلى المتكلِّف للشَّيء ذلك الشَّيءُ، وإنْ لم يكن هو المحصِّلَ في الحقيقة.
وما رُوِيَ في الخبر: أنَّ جبريلَ ﵇ قال له في السِّجن: يقولُ اللَّه تعالى: أَمَا استحيَيْتَ حينَ استعَنْتَ بغيري، فقد حكمْتُ عليك بالسِّجن بضعَ سنيْنَ؟ قال يوسفُ: يا جبريلُ، أهو عنِّي راضٍ؟ فقال: نعم، قال: ما أبالي بالسِّجن بعدَ أن يكونَ اللَّهُ عنِّي راضيًا.
وما رُوِي عن النَّبيِّ ﵇: "رَحِمَ اللَّهُ أخي يوسفَ، لو لم يستعِنْ بصاحِبِ السِّجنِ ما أُغْلِقَ عليه بابُ السِّجنِ ساعةً" (^٥) = إنْ صحَّتْ هذه الأخبار -فإنَّا لا نشهدُ
_________________
(١) في (ر): "بإبائهم".
(٢) في (أ): "فلا" بدل من "قبل أن".
(٣) في (ر): "مكذبي".
(٤) في (أ): "لتمكنه" وفي (ف): "لتكليفه".
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣١٠)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٧٣)، عن قتادة قال: بلغني =
[ ٨ / ٤٠٣ ]
على صحَّتها؛ إذ ليس في القرآنِ شاهدٌ لهذه الأخبار، فإنْ صحَّتْ- فمعناها أنَّه عُوتِبَ بالتَّقصير في الدَّعوة، كان الكلام في دعوته قصيرًا لم يقفْ عليه الَّذي نجا من السِّجن وتوهَّم أنَّه يستعين بسيِّده، وإنْ كانَ هو محمِّلًا إيَّاه رسالتَه إليه في التَّوحيد، فعوتِبَ: إنَّك لم تشرحْ عليه الكلام، فقصَّرتَ الدَّعوةَ؛ لا أنَّها أخطأَتْ موقعَها، دليلُه قولُ جبريل ﵇ بأنَّ اللَّه عنكَ راضٍ؛ لو كان في باطنِه وظاهرِه مستعينًا بغير اللَّهِ لم يكنِ اللَّهُ عنه راضيًا.
وأخبرَ النَّبيُّ -ﷺ- أنَّ يوسفَ حمَّلَ النَّاجي من السِّجن دعوتَه، حملَها غيرَ مكشوفةٍ، حتَّى فهم النَّاجي الاستعانةَ بسيِّدِه لتخليصِه وإخراجِه، فعُوْتِبَ لقصور الدَّعوةِ، لا للخطأ مِن جهةِ الاستعانة.
ومعنى قوله ﵇: "لو لم يستعِنْ"؛ يعني: لو لم يكلِّمه بكلمةِ الاستعانةِ،
_________________
(١) = أن النبي -ﷺ- قال: "لو لم يستعن يوسف على ربّه، ما لبث في السجن طول ما لبث". وروى نحوه ابن حبان في "صحيحه" (٦٢٠٦) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "رَحِمَ اللَّهُ يوسفَ لولا الكلمةُ التي قالها: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما لَبِثَ في السجنِ ما لَبِثَ. . . " الحديث، وتعقبه ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/ ٤٧٨) بسبب إدراج هذا الحديث في صحيحه، وقال: إنه حديث منكر من هذا الوجه، ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة، وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها. وبنحو لفظ ابن حبان رواه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" (١٦٠)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٧٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٦٤٠) من حديث ابن عباس ﵄. وإسناده ضعيف جدًّا كما قال ابن كثير في "تفسيره" عند تفسير هذه الآية؛ قال: لأنَّ سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد -هو الخوزي- أضعف منه أيضًا. وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلًا عن كلٍّ منهما، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، واللَّه أعلم.
[ ٨ / ٤٠٤ ]
وإنْ لم يكنْ مستعينًا في الحقيقة؛ إذ الأنبياءُ كانوا مطالَبِينَ بأفضلِ الأعمالِ وأشرفِها، وأطيبِ الكلمات وأحلاها. واللَّه الموفِّق.
* * *
(٤٣) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾: أي: قال ملكُ مصرَ وهو الريَّان: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ في المنام ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ السِّمَنُ: زيادةُ البدنِ من الشَّحم واللَّحم.
﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾؛ أي: سبعُ بقراتٍ مهازيلُ، جمع أعجفَ وعجفاءَ على غير قياسٍ، والعجَف: تبيُّن الهزال، وصرفُه من حدِّ: علم.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾؛ أي: وأرى سبع سنبلاتٍ ﴿خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾؛ أي: سبع سُنبلات أُخَر يابسات.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: أي: الأشراف الَّذين يُرْجَع إليهم في الأمور ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾: أخبروني بحكمِ رُؤيايَ هذِه ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾؛ أي: إنْ كنْتُم أو كان فيكم مَن يحسِنُ تعبيرَ الرُّؤيا.
وإدخالُ اللَّام في الرُّؤيا مع أنَّ فعلَ العبارة متعدٍّ؛ لِمَا أنَّ الفعلَ إذا تقدَّم عليه المفعول ضعفَ عملُه، فجازَ إدخالُ حرف الإضافة لذلك، فلا يجوزُ: (تعبرون للرُّؤيا)؛ لأنَّه في قوَّة عملِه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كانَ ابتداءُ بلاءِ يوسفَ في رؤيا (^١) رآها
_________________
(١) في (ف): "في الرؤيا التي".
[ ٨ / ٤٠٥ ]
وأظهرَها، فجعلَ اللَّهُ سببَ نجاتِه أيضًا مِن رؤيا راَها الملكُ فأظهرَها؛ ليعلمَ الجميعُ أنَّ اللَّهَ تعالى يفعلُ ما يريدُ (^١).
رُوِي أنَّه لمَّا انتهَتْ مدَّة اللَّبْثِ في السِّجن ضاقَ عليه وقتُه ليلةً فبكى، ورفعَ رأسَه إلى السَّماء وقال: إلهي، أنتَ الرَّبُّ وأنا العبد، وأنتَ الخالقُ وأنا المخلوق، وأنتَ العزيزُ وأنا الذَّليل، أسألُكَ بحقِّ إبراهيمَ خليلِك، وبحقِّ إسحاقَ ذبيحِك، وبحقِّ يعقوب إسرائيلِك، أنْ تغيثَني وترحمَني يا أرحمَ الرَّاحمين. فإذا هو بشابٍّ جميلٍ نقيِّ الثِّياب بينَ يديه يقول له: السَّلام عليك يا يوسفُ، فقال: ومَن أنت؟ ومَن أدخلَك السِّجن؟! فواللَّه إنَّ جدارَه لحصين، وإنَّ بابَه لوثِيْق (^٢)، وليس ينبغي لمثلِكَ أنْ يُحبَسَ.
قال: أنا الرُّوح الأمين، ورسولُ ربِّ العالمين.
قال: يا أطيبَ الطَّيبينَ، ورأسَ المقرَّبين، ورسولَ ربِّ العالمين، ما أدخلَكَ مدخَلَ المذنبين، ومنزلَ الخاطئين؟
قال: كيف يكونُ منزلَ الخاطئين، وأنت فيه يا أطهر الطَّاهرين، وقرَّة عينِ الصِّديقين؟
قال يوسف: كيف تشبِّهني بالصَّالحين، وتَعُدُّني مِن الصِّديقين، وقد أُدْخلْتُ مُدْخلَ المذنبين، وشبِّهت بالظَّالمين، وحُبِسْتُ في سجن المجرمين؟
قال جبريل: بحبِّكَ ربَّ العالمين، وصبرِكَ على كيد المفترين (^٣)، سمَّاك اللَّهُ من الصِّدِّيقين، وألحقَكَ بآبائِكَ الصَّالحين، وأوجبَ لك ثوابَ الصَّابرين.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٨٧).
(٢) في (ر): "لموثق".
(٣) في (أ): "المضرين".
[ ٨ / ٤٠٦ ]
قال: تعرفُ حالَ أبي وإخوتي؟
قال: أمَّا أبوكَ فباكٍ محزون، وأمَّا إخوتُك فخجلون نادمون.
قال: وما بلغَ مِن حزن أبي؟
قال: حزن مئة ثَكْلى، وبلغَ مِن صبره على ذلك ما استحقَّ به أجرَ مئة شهيدٍ، وهذا وقتُ فكِّ عنقك، وزوالِ رقِّكَ، ونشرِ حكمتك (^١)، وتصديقِ رؤياك، ويهبُ اللَّهُ لكَ مصرَ وعزَّها، ويلقي اللَّهُ تعالى لك المودَّة في قلوبِهم، ويزكِّيْكَ ربُّك حتَّى يبلِّغَكَ برحمتِه ما بلغَ آباؤك الصَّالحون، ويرى الملكُ رؤيا يَفزعُ منها، ويعبُرُ رؤياه عليه أنت، وأبشِّرك (^٢) أيُّها الصِّدِّيق بأنَّك صفيُّ اللَّه، وابنُ صفيِّه، وابن ذبيحِه، وابن خليلِه (^٣).
وبيَّن له تمامَ الرُّؤيا وتأويلَها، وانصرفَ عنه، فلم يلبَثْ يوسفُ ﵇ في السِّجن إلَّا ذلك اليوم، فلمَّا جنَّ اللَّيل نامَ الملكُ، فرأى في تلك اللَّيلةِ الرُّؤيا، فلمَّا أصبح جمعَ ملأً عظيمًا من قومِه فقصَّها عليهم.
فقال: إنِّي أرى سبعَ بَقراتٍ سِمانٍ وسبعَ بقراتٍ عِجافٍ، فابتلعَتِ العِجافُ السِّمانَ وأكلَتْها، فلم يسمن (^٤) في بطونها شيءٌ، ورأيْتُ سبعَ سُنبلاتٍ خضرٍ وسبعَ سُنبلاتٍ يابسات، على ما نبيِّنُ كيفيَّة حالِهما في بيان تفسيرِ هذه الرُّؤيا إن شاء اللَّه تعالى.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "حكمك".
(٢) في (ف): "وأبشر".
(٣) روى نحوه الدارقطني في "غرائب مالك" من حديث ابن عمر ﵄، كما في "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ١٧٩)، وقال الدارقطني: هذا حديث موضوع باطل، وإسحاق بن وهب الطهرمسي يضع الحديث على ابن وهب وغيره، حدث عنه بهذا الإسناد أحاديث لا أصل لها.
(٤) في (ر) و(ف): "يستمر".
[ ٨ / ٤٠٧ ]
(٤٤) - ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: الضِّغْثُ: الحزمةُ مِن الحشيش المختلِف، وجمعُه: الأضغاث، أرادَ بها: أخلاطَ رُؤيا كاذبة لا حقيقةَ لها.
قال قتادة: أخلاط أحلام (^١).
وقال مجاهد: هذا أهاويلُ أحلام (^٢).
وقال أبو العالية: أحلامٌ ملتبسة (^٣).
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾: لأنَّ الحُلُم (^٤) ما خرجَ عن الرؤيا، وهو ما لا يصدق ممَّا يرى (^٥) في الخبر (^٦)، وفي الخبر: "الرُّؤيا من اللَّهِ تعالى والحلمُ مِنَ الشَّيطانِ" (^٧).
* * *
(٤٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾: أي: السَّاقي الَّذي كان في السِّجن ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾؛ أي: مدَّةٍ.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣١٤)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٨٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٢٦).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في (أ): "الحكم".
(٥) في (ف): "لا يرى".
(٦) في (أ): "الخير"، والعبارة قلقة غير واضحة، ولعله أراد ما ذكره ابن عطية في "تفسيره" (٣/ ٢٤٨): (والمعنى: أن هذا الذي رأيْتَ أيها الملك اختلاط من الأحلام بسبب النوم، ولسنا من أهل العلم بذلك؛ أي: بما هو مختلط ورديء، فإنما نفوا عن أنفسهم عبر الأحلام لا عبر الرؤيا على الإطلاق).
(٧) رواه البخاري (٥٧٤٧)، ومسلم (٢٢٦١)، من حديث أبي قتادة ﵁.
[ ٨ / ٤٠٨ ]
وقال ابن عبَّاسٍ والحسن ومجاهد وقتادة: أي: بعد حين (^١)؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨].
وقال الحسن: أي: بعد انقراض أمَّةٍ من النَّاس (^٢)؛ أي: قرن.
وروى نوفل بن أبي عقرب عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قرأ: (بعد أَمْهٍ) بفتح الألف وتسكين الميم وخلوصِ الهاء؛ أي: بعد نسيان (^٣)، والفعل من حدِّ علم.
وقال أبو الهيثم: فتح الميم خطأٌ، ذكره في شرح "الغريبين" (^٤).
وقوله تعالى: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: أخبركم بتعبيره بأخذي إيَّاه مِن عندِ مَنْ يعلمُه.
﴿فَأَرْسِلُونِ﴾؛ أي: فأْذَنوا لي بالخروج وخلُّوني لآتيَ مَن يعلمُ تأويلَه، وأضمر هاهنا: فأرسلوه، فجاءَ إلى يوسفَ وهو في السِّجن فسأله معظِّمًا، وذلك قوله تعالى:
* * *
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٣١٥) عن ابن عباس ﵄، و(١٣١٦) عن الحسن وقتادة. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٨١ - ١٨٣) عن ابن عباس ﵄، والحسن وقتادة ومجاهد.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٥٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٨٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٥٢) من طريق عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، ورواه أيضًا عن عكرمة والضحاك ومجاهد، وفي جميعها: (أَمَه) بفتح الميم. وبسكون الميم رواها الطبري (١٣/ ١٨٦) عن مجاهد، وعزاها في "البحر" (١٢/ ٤٩٠) لمجاهد وعكرمة وشبيل بن عزرة.
(٤) انظر: "الغريبين" لأبي عبيد الهروي (١/ ١١١).
[ ٨ / ٤٠٩ ]
(٤٦) - ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يُوسُفُ﴾: أي: يا يوسف ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ وهو الكثير الصِّدق والدَّائم عليه، سمَّاه به لأنَّه لم يجرِّب عليه كذبًا.
وقوله تعالى: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾: أي: أجبْنَا فأخبرْنَا بحكم رُؤيا رآها الملكُ؛ وهي أنَّه رأى سبعَ بقراتٍ سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عجافٌ، ورأى سبعَ سنبلاتٍ خضرٍ وسبعَ سنبلاتٍ أُخر يابسات.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: يعني: أفتنا فيهنَّ لأرجع إلى النَّاس بفتواك فيهنَّ، فيعلموا تأويل رؤيا الملِك، فإنَّهم غير عالمين به.
وقال وهبٌ: فلمَّا لم يدرِ الملأُ تأويلَها وعجزوا عنها وأعيَتْهم؛ قالوا: يا أيُّها الملك، إنَّ الأحلامَ ليست تصدُق كلُّها، وكذبُها أكثرُ مِن صدقِها، ونحن نرجو أن يكون حلمُكَ هذا أضغاثًا، ومَن ذا الَّذي تخافُ أن يدخلَ عليك في ملكِكَ، وسلطانُكَ أعزُّ من ذلك، وحولُك أكثرُ، ورجالُك أقوى وأحفظُ (^١) له عليك.
وذكرَ غلامُ الملكِ الَّذي كان مسجونًا مع يوسف ﵇ عندما كان من قولهم بذلك في أمرِ يوسف، فقال له: ائذنْ لي أيُّها الملك أدخلْ سجنَك وآتِكَ منه بتأويل رؤياكَ؛ فإنَّ فيه رجلًا (^٢) حكيمًا من آل يعقوب، فإنْ يكُ عند أحدٍ من أهل الأرض علمُ رؤياك فهو عندَه، فإنَّ النَّاس اليوم (^٣) يقولون: إنَّهم لم يرَوا مثلَه علمًا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أحوط".
(٢) في (ف): "عليمًا".
(٣) "اليوم" من (أ).
[ ٨ / ٤١٠ ]
وحلمًا وحكمًا، وقد كنْتُ أنا وصاحبي الَّذي قتلتَه يومَ غضبْتَ علينا وسجنْتَنا حَلمْنا في السِّجنِ حُلْمًا، فعبَّره لنا، فكانَ كما قالَ، أمَّا أنا فنجوْتُ، وأمَّا صاحبي فقُتِلَ، وكذلك أخبرَنا، فأرسلْني إليه آتِكَ بتأويل رؤياكَ، فأفرِّجَ عنك هذا الغَمَّ.
فقال الملك: لئِنْ فعلْتَ ما تقولى لأكرمنَّكَ ولأعظمَنَّ حالَك وشرفَك (^١)، فانطلِقْ فقدْ أذنْتُ لك.
فانطلقَ العبدُ حتَّى دخلَ على يوسفَ في السِّجن، فأخبرَهُ خبرَ الملك، وقصَّ عليه رؤياه، فَعَبَرَها له يوسفُ ﵇.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: إنَّ اللَّه تعالى أفردَ يوسفَ ﵇ مِن بينِ أشكالِه بشيئَيْنِ: بحُسْنِ الخَلْقِ وبزيادةِ العلْمِ، فصارَ جمالُه سببَ بلائِهِ، وصارَ علمُه سببَ نجاتِه؛ لتُعلَمَ مزيَّةُ العلمِ على غيرِه، ولهذا قيل: العلمُ يُعطي وإن كان يُبطي (^٢).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في قوله: ﴿أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: يحتمل وجوهًا:
- يعلمونَ أنَّ هذه الرُّؤيا حقٌّ، وأنَّ لها حقيقةً، وليسَتْ كما قالوا: إنَّها أضغاث أحلام.
- ويحتمل: يعلمون فضلَكَ على غيرِك مِن النَّاس.
- ويحتمل: يعلمون أنَّك تصلُحُ لحاجاتهم فيرفعونها إليك، كما صلحْتَ لتعبير رؤياهم (^٣).
_________________
(١) في (ف): "وأشرفك".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٨٧).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٤٩).
[ ٨ / ٤١١ ]
(٤٧) - ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾: عَبَرَ الرُّؤيا للسَّاقي، فقال: تحرثون سبعَ سنينَ زراعةً متواليةً في هذه السِّنين بجدٍّ واجتهادٍ على عادتِكم في الزَّراعة.
والدَّأْبُ: العادةُ، والدَّأَبُ: الجِدُّ والتَّعبُ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾: أي: قطعْتُم مِنَ الزَّرع ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾؛ أي: فاتركوه كذلك، ولا تَدْرُسوه ولا تُذَرُّوه لأنَّه أبقى له وأبعد من فساده.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾: في العام، فلا بدَّ من دياسَتِهِ وتذريَتِهِ وتنقيَتِهِ.
* * *
(٤٨) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي: بعد مضيِّ سبع سنين في الخصْبِ، وهو قوله تعالى:
﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: أي: سبعُ سنين مجدبةٌ، فيها الضِّيق والشِّدَّة.
﴿شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾؛ أي: يأكلْنَ هذه السِّنون السَّبعُ المجدِبَةُ ما كان حصل في أيديْكُم مِن فضلِ ما زرعْتُموه في السَّبع المواضي.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: أي: تحرزونَ في الحصنِ؛ أي: الحرز.
وأضافَ الأكل إلى السِّنين؛ لأنَّ أكلَ النَّاس يكون فيها؛ وهو كما قال الشَّاعرُ:
نهارُكَ يا مغرورُ سهوٌ وغَفلةٌ وليلُكَ نومٌ والرَّدَى لَكَ لَازِمُ (^١)
_________________
(١) ينسب لعبد الأعلى القرشي. كما في "الحماسة البصرية" (٢/ ٤٢٧)، ولأبي إسحاق الكادوشي، كما في "الدر الفريد" للمستعصمي (٩/ ٤٨٤)، ولمسعر بن كدام كما في "أمالي ابن سمعون" (١/ ١٥٤)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (٧/ ٢٢٠)، و"حياة الحيوان الكبرى" للدميري (١/ ٢٣١). =
[ ٨ / ٤١٢ ]
لأنَّ النَّوم يكون فيه.
ووجهٌ آخر: أنَّ معناه: يُفْنِينَ؛ كقولك: أكلَهم الدَّهرُ؛ أي: أفناهم.
ووجهٌ آخر: أنَّه لمَّا كان في الرُّؤيا سبع بقراتٍ عجافٍ أكلْنَ سبعَ بقراتٍ سمانٍ، وكانت البقرات مَثلًا للسِّنين؛ أخرج الجواب في العبارة مطابقًا للَفظِ السُّؤال مراعاةً للبلاغة.
* * *
(٤٩) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: أي: يُعطَوْنَ الغيثَ، وقيل: يُعطَوْنَ الغوْثَ، وقد غِيْثَ النَّاسُ وغاثَهم اللَّهُ ﷿؛ أي: أعطاهم الغيثَ، وهو المطر، وأُغِيْثَ النَّاسُ وأغاثَهم اللَّهُ؛ أي: نجَّاهُم وخلَّصهم.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: قيل (^١): أي: يَعْصِرون الأعنابَ والثِّمارَ والسِّمْسِمَ والزَّيتون، وهو بيانُ كثرةِ النِّعم، وانتفاع النَّاس بها، ومنه: العصير والعُصارة والمُعْصِر.
وقيل: أي: يَنْجُونَ، والعُصرةُ: الملجأ، والاعتصار: الالتجاء (^٢)، وقال الشَّاعرُ:
صاديًا يستغِيْثُ غيرَ مُغاثٍ ولقدْ كانَ عُصْرَةَ المَنْجُوْدِ (^٣)
_________________
(١) = وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل به كما روى ابن أبي الدنيا في "الزهد" (٤٥٧)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٣١٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٤٠٩). وانظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٤/ ١١٢)، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة (٢/ ٣٣٣).
(٢) "قيل" من (ف).
(٣) في (ف): "المنجا أيضًا".
(٤) لأبي زبيد الطائي. انظر: "ديوانه" (ص: ٤٤)، و"جمهرة أشعار العرب" للقرشي (ص: ٥٨٣)، و"تفسير الطبري" (١٣/ ١٩٧)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٢٨).
[ ٨ / ٤١٣ ]
وقال أبو زبيد الطَّائي:
لو بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي (^١)
هذا عن أبي عبيدةَ والزَّجَّاج (^٢)، والأوَّل عن ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة (^٣).
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿تَعْصِرُونَ﴾ بالتَّاء على الخطاب (^٤)، ردًّا إلى قوله تعالى: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾، وقرأ الباقون بياء المغايبة، ردًّا على قوله تعالى: ﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾، وهم أهل مصر.
قالوا: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ مِن هذا السَّاقي أدبًا، ومن يوسفَ ﵇ كرمًا؛ أمَّا أدبُ السَّاقي فإنَّه لم يذهب إلى السِّجن للسُّؤال إلَّا بإذن، وأمَّا كرم يوسف صلوات اللَّه عليه فإنَّه عجَّل جوَاب سؤالِه ولم يعاتِبْه على ما كان منه من نسيانه، لم يقلْ له: لم تذكرْني بعدما قلْتُ لك: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، حتَّى وقعَتْ لكم هذه المهمَّة.
ولمَّا سمع السَّاقي منه تعبيرَه للرُّؤيا (^٥)، ورجعَ إلى الملكِ وأخبرَه به، أعجبَه وانكشفَ عنه كربُهُ وحزنُهُ (^٦)، وقال: ائتوني بهذا الرَّجل الحكيم العليم أُكرمْه وأشرِّفه وأرفع منزلَتَه وأقرِّبه منِّي، فإنَّه ليس مثلُه يُضيَّعُ ولا يُهان ولا يُعذَّب (^٧).
_________________
(١) البيت لعدي بن زيد التميمي، كما في "ديوانه" (ص: ٩٣)، و"البيان والتبيين" للجاحظ (٢/ ٢٤٢)، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١/ ٢٢٩)، و"جمهرة اللغة" لابن دريد (٢/ ٧٣١).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣١٣)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١١٤).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩).
(٥) في (ف) و(أ): "هذه الرؤيا".
(٦) في (ف): "وحزنه قوله تعالى وقال الملك ائتوني به".
(٧) في (ف): "يعذب فلما جاءه الرسول أي".
[ ٨ / ٤١٤ ]
فعادَ السَّاقي إلى يوسفَ وأخبرَه بذلك، وأدَّى رسالةَ الملكِ، قال: كيف أرجو كرامَتَه، ولقد لبثْتُ في سجنِه عشرَ سنين، وهو يعرفُ عذري وبراءَتي، ولم يرحمْنِي ولم ينصرْنِي ولم ينصفْنِي ممَّنْ ظلمَني؟ لا آتيه أبدًا حتَّى يجمعَ النِّسوةَ الَّلاتي كذبْنَني وافتريْنَ عليَّ وظلمْنَني، فيوبِّخَهُنَّ لكيدهِنَّ ومكرهِنَّ، ويُقْرِرْنَ له بذلك على أنفسهنَّ، ويُبْرئْنَنِي لبراءَتي وعذري.
قال وهبٌ: قال النَّبيُّ -ﷺ-: "رحمَ اللَّه أخي يوسفَ؛ إذ دُعِيَ إلى الخروج مِن السِّجنِ فلم يفعل، إن كان لحليمًا ذا أناةٍ، ولو كنْتُ أنا المحبوسَ لبادرْتُ البابَ" (^١).
* * *
(٥٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.
يعني قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾: أي: أحضِروه.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾: أي: السَّاقي ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: عُدْ إلى ملكك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ فكذَّبْنَني.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾: أي: خالقي، وقيل: أراد به: سيِّدي، وهو العزيز؛ أي: هو طاهرٌ عند العزيز، فأحبَّ وضوحَ عذرِه عند الملكِ الأعظم أيضًا.
وكيدهنَّ: مراودتُهُنَّ إيَّاه عن نفسِه.
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١٦٤٠) من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٤٠): رواه الطبراني وفيه إبراهيم بن يزيد القرشي المكي وهو متروك. وهذا معنى حديث رواه البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي".
[ ٨ / ٤١٥ ]
(٥١) - ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾: فجمعَهُنَّ الملكُ، وقال لهنَّ ما ذكرَ اللَّه تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾.
الخَطْبُ: الأمرُ العظيم؛ أي: ما شأنكُنَّ إذ راودْتُنَّ يوسفَ عن نفسِه؟
قال وهبٌ: قال لهنَّ: ما حملَكُنَّ على ما فعلْتُنَّ بيوسفَ إذ مَالَأْتُنَّ عليه سيِّدَتَهُ، وأَمَرْتُنَّها أن تسجنَهُ وتُهينَهُ وتعذِّبَهُ، ودعوتُنَّهُ إلى أنفسِكُنَّ، فلمَّا أبى واستعصم قلْتُنَّ فيه الكذبَ والزُّور؟
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللَّه ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ ولقد قلْنَا فيه الكذب والزُّور، وإنَّه لهو البريءُ التَّقيُّ (^١) النَّقيُّ المكذوبُ عليه المظلومُ.
و﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾؛ أي: ظهرَ الحقُّ وخلصَ، وأزيلَتِ الشُّكوكُ عنه وانقطعَتْ، مِن قولِكَ: حَصَّ شعرَه؛ أي: قصَّه وقطعَه واستأصلَه، ومنه: الحِصَّة؛ وهي القطعةُ مِن الشَّيء.
﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾: في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦].
وقال القشيريُّ ﵀: إنَّ زليخا لم تكن متناهيةً في محبَّةِ يوسفَ في الابتداء، فجعلَتْ ذنبَها عليه فقالَتْ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا. . .﴾، فلمَّا تناهَتْ في محبَّته أقرَّتْ بالذَّنبِ على نفسِها، فقالَتْ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، والمتناهي في الحبِّ لا يبالي بانهتاك السِّتر وظهورِ السِّرِّ (^٢).
_________________
(١) "التقي" من (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٨٩).
[ ٨ / ٤١٦ ]
(٥٢) - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: قيل: هو متَّصلٌ بقول يوسفَ ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾؛ أي: ليعلمَ العزيزُ ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بغيبتِه، فإذا ظهرَتْ براءتي عندَ العزيزِ ظهرَتْ عندَ غيرِه وعندَ الملكِ.
وقيل: أي: ليعلمَ الملكُ أنِّي لم أخنِ الملكَ؛ لأنَّ خيانتي لخازِنِه وخادِمِه خيانةٌ له.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾: أي: لا يُفضي بكيدِهم إلى هدًى وإصابةٍ، مثلَما لم يهدِ كيدَ امرأةِ العزيز والنِّسوة.
وقال الحسينُ بنُ الفضلِ البَجَليُّ ﵀: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ من قول زليخا، وهو متَّصلٌ بكلامها؛ أي: ليعلمَ يوسفُ (^١) أنِّي لم أخنْهُ بالغيب، لم أكذبْ عليه بغيبَتِهِ، ولم أنسبْهُ إلى ما لا يحلُّ، بل أقررْتُ بالذَّنب على نفسي.
* * *
(٥٣) - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾: أي: لا أزكِّي نفسي مع براءتي مِن هذه الجناية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾: هي للجنس؛ أي: النُّفوسَ البشريَّةَ ﴿لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾؛ أي: كثيرةُ الدَّعوةِ إلى المعاصي بشهوتها ونهمَتِها ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾: لكنْ
_________________
(١) "يوسف" ليس في (ف).
(٢) في (أ): "الخيانة".
[ ٨ / ٤١٧ ]
مَن رحمَ ربي يَسلمُ عن طاعتِها ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ﴾: ستَّارٌ للعيوب ﴿رَحِيمٌ﴾ بمواصلة البراهين والبيِّنات.
أو يكون لحقيقة الاستثناء (^١)؛ أي: إلَّا مَن رحمَ ربِّي، فرحمَه وعصمَه مِن أنْ تأمرَه نفسُه بسوء، أو تكون أَمَرَتْه به في بعض الأحوال، لا أمَّارةً إذا راضَها الإنسان رياضةً بليغةً، فتبقى الخَطْرةُ دون العَزْمة.
وفي بعض الرِّوايات: أنَّه لمَّا قال: ﴿لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال له جبريل: ولا حين همَمْتَ؟ قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (^٢).
وفي "كتاب عصمة الأنبياء" في قولِه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾: أنَّ يوسفَ ﵇ أظهرَ السَّكينةَ والوَقار في الخروج من السِّجن، لا كالضَّجِر القَلِق إذا وجدَ الخلاصَ بادرَ إلى الخروجِ:
ليتميَّزَ الرَّاضي بالقضاء، والمسلِّمُ للحكم، والمفوِّض للقدر، مِن السَّاخط بالمقسوم في المكاره.
والثَّاني: جريٌ على انتظار الوحي؛ لئلَّا يكون مستبدًّا برأيه.
والثَّالث: أنَّه علم استخلاصَ الملكِ إيَّاه، فأحبَّ ألَّا يبقى أثر تهمةٍ من تلك الحادثة الَّتي كانَتْ جرَتْ، حتَّى يَنظُرَ إليه بعين الأمانة، ويَعدَّهُ مِن أهل الصِّيانة، فيصفو له استخلاصه.
_________________
(١) أي: استثناء متصلًا، والوجه الأول على اعتبار كونه منفصلًا.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢١٤) عن ابن عباس وسعيد بن جبير. ولم يرتضه الزمخشري فقال: ولقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال: ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال له جبريل: ولا حين هممت. . . وذلك لتهالكهم على بهت اللَّه ورسله. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٨١).
[ ٨ / ٤١٨ ]
وقول النَّبيِّ -ﷺ-: "رحمَ اللَّهُ أخي يوسف، لو كنْتُ أنا مكانَه لبادرْتُ البابَ" (^١)؛ أي: ما كنْتُ منتظرًا للعُذْرِ، بل كنْتُ أرى الإدخال والإخراج مِن اللَّهِ ﷻ، فتكلَّم عن مقامِه مِن الفراغِ عن الأفكار (^٢) في المخلوقين مدحًا منهم وذمًّا، وإنْ كان ليوسف بهذا المقام، لكنَّ مقامَ رسول اللَّه -ﷺ- كان أعلى وأكمل، فليس هذا منه عيبًا على يوسف، وإنَّما هو إبانةٌ لمقدار وسعِه (^٣) ﵇ في التَّسليم للحكم.
والثَّاني: أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه أحبَّ ظهورَ براءتِه ونظافتِه؛ ليكونَ زوجُ المرأة ملاحظًا له بعين الإجلال، لا بعين الاستقلال، كالمسجون من جهة إنسانٍ يخرجُه السُّلطان لحاجته إليه وخصمُه كارهٌ لخروجه، فالخارج من السِّجن يكون قلبُه منقسمًا وخاطره متوزِّعًا ممَّا يتفكَّرُ مِن استثقال خصمِه وكراهته لخروجِه، واحتيالِه ثانيًا لإعادته إلى السِّجن إذ أُخْرِجَ بغير رضاه، فأرادَ أن يكون خاطرُه لإقامة ما يُفوَّض إليه من الأمانة مِن غير تشويشٍ يقعُ في فكرتِه.
ولأنَّه كان كريمًا ابنَ الكرام فكان لا ينكِرُ (^٤) صنائعَ زوجِ المرأة، فأحبَّ أنْ يصفوَ قلبُه إذا خامرَهُ شيءٌ من مقالات امرأتِه بظهور صفوتِه مشاهدةً، وهذا في المروءة والأمانة (^٥) مندوبٌ إليه.
وما قالَهُ الرَّسول ﵇ فهو مِن أعلى درجات العبوديَّة، وأشرفِ مقامات الاكتفاء باللَّه تعالى بإرضاء عباده عنه من غير تكلُّفٍ، وكلٌّ جرى على ما كُشِفَ له.
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) في (ف) و(ر): "من فراغ الأفكار".
(٣) في (ف): "وسع يوسف".
(٤) في (ر) و(ف): "لا يكفر"، والمثبت من (أ)، والمعنى متقارب، فمعنى "لا يكفر"؛ أي: لا يجحد ولا يستر.
(٥) في (ف) و(أ): "والإنسانية".
[ ٨ / ٤١٩ ]
(٥٢) - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: وفيه دليلٌ على أنَّ الخصم يجبُ إرضاؤه وإنْ كانَ اللَّهُ تعالى عنه غير راضٍ (^١)، وأنَّ رضاه (^٢) بإظهار ما جرى بينَه وبينَ الخصم، فأحبَّ أن يرضيَ الرَّجلَ فلا يداخلَه شيءٌ من حديثها؛ تكرُّمًا من يوسف ﵇ واستعظامًا لحقِّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إقرارٌ منه (^٣) أنَّ امتناعَه عن إجابتِها لم يكن مِن قوَّةِ نفسِه، وإنَّما الحولُ والقوَّةُ للَّهِ ﷾.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾؛ أي: لو تُرِكْتُ أنا وطبعُ البشريَّة لكنْتُ عاملًا بطبعي كما عملَتْ هي، لكن لَمَّا أُقِيْمَ مقامَ العِصمةِ عاملَهُ اللَّه تعالى بالرَّحمةِ، فزالَتْ طباعُ النَّفسِ الأمَّارة بالسُّوء.
وهو ذِكْرُ مِنَّةِ اللَّه تعالى عليه في التَّوفيقِ والعِصمةِ، وإقامتِه مقامَ (^٤) العزِّ الَّذي يتراءَى للنَّاس أنَّه عزٌّ دنيويٌّ، ففيه دليلٌ على أنَّ معاملةَ النَّاس على الاستقامة تستتبعُ الرِّفعةَ والعزَّ والثَّناءَ الجميل، وذاك نعمة مِن اللَّه تعالى، وليس بنقصٍ في مَقام النَّزاهة والصَّفوة، وأنَّ الاستقامة في المعاملة أفضل منها في الخلوة.
* * *
(٥٤) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.
_________________
(١) في (ر): "عنه راضيًا".
(٢) في (ر): "وإن أرضاه".
(٣) في (أ): "لأنه إبانة منه"، وفي (ف): "الآية إبانة" بدل: "إقرارٌ منه".
(٤) في (ر) و(ف): "وإقامة" بدل: "وإقامته مقام".
[ ٨ / ٤٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: قال ابنُ إسحاق: قال مالك مصر -وهو الوليد بن الريَّان لمَّا أخبرَ النِّساءُ بما أخبرْنَ-: جيئوني به أجعلْهُ خالصًا لنفسي، أفوِّض إليه أمورَ مملكتي؛ لِمَا ظهرَ مِن علمِه وصلاحِه.
وهاهنا مضمرٌ: فأُتي به ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: قريبُ المكانة ظاهرُ الأمانة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا اتَّضحَ للملِكِ طهارةُ حسِّه ونزاهةُ عينه، استحضرَهُ لاستصفائِهِ لنفسِهِ، واختصاصِهِ لأُنسْهِ، فلمَّا كلَّمَه وسمع بيانَه رفعَ محلَّه ومكانَه، وضمن براءَتَه وإحسانه، فقال: إنَّك اليوم مكينٌ (^١) أمينٌ على خزائن الأموال (^٢).
وفي القصَّة: أنَّه بعثَ سبعين حاجبًا وسبعين مركبًا لاستحضاره، وبعث إليه لباسَ الملوك وتاجَ الملوك، فلبس الثِّياب وتوِّج التَّاج، وخرجَ ليركب، وقام إليه أهل السِّجن يبكون لفقدِه، وكانوا أَنِسُوا به، وأَلِفُوا برَّه وإحسانَه، فدعا لهم فقال: أعطاكُمُ اللَّهُ الصَّبرَ واليقينَ وثوابَ الشَّاكرين، وطهَّرَكم من الذُّنوب، وآمَنكم من الهوامِّ والعقارب والحيَّات.
وقالَ حينَ خرج: اللَّهمَّ عطِّفْ عليهم قلوبَ الأخيار، وقصِّر عليهم النَّهار، ولا تقطع عنهم الأخبار.
ولمَّا خرجَ كتب على باب السِّجن: هذه منازل البلوى، وجهنَّم الدُّنيا، وقبور الأحياء، وشماتة الأعداء (^٣).
_________________
(١) في (أ) و(ر): "عندنا ذو جاهٍ وحال" بدل "مكين".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ١٩٠).
(٣) روى نحوه ابن قتيبة في "عيون الأخبار" (١/ ١٤٨ - ١٤٩) عن وهب.
[ ٨ / ٤٢١ ]
ولمَّا دخلَ على الملك قال: اللَّهمَّ إنِّي أسألك بخيرِكَ عن خيرِه، وأعوذُ بعزَّتِكَ وقدرتِكَ عن شرِّه.
فلمَّا كلَّمه، وكان الملك يتكلَّم بسبعين لسانًا، فكلَّم يوسفَ بكلِّ لسانٍ، فأجابَه يوسفُ بكلِّ ذلك، حتَّى إذا فرغ دعا له بالعبرانيَّة، ولم يكن الملكُ يحسنُها، فقال: ما هذا اللِّسان يا يوسفُ؟ قال: لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فلمَّا خرجَ من عنده؛ سلَّم عليه بالعربيَّة، ولم يكن الملكُ يحسنها، فقال: ما هذا اللِّسان يا يوسف (^١)؟ قال: هذا لسان عمِّي إسماعيل. فازداد الملكُ عجبًا ممَّا سمعَ من يوسف، وأعجبَه علمُه وحلمُه وحكمُه (^٢).
وقال له: اقصصْ رؤيايَ (^٣) فإنِّي أحبُّ أن أسمعَها منك، قال يوسفُ: رأيْتَ سبعَ بقراتٍ سِمانٍ عِظامٍ شُهبٍ غرٍّ (^٤)، كَشفَ لكَ عنهنَّ النِّيلُ، فطلعْنَ عليكَ مِن شاطئِهِ تَشخبُ أخلافهنَّ لبنًا، فبينا أنت تنظرُ إليهنَّ يعجبُكَ حسنهُنَّ إذ نضبَ النِّيلُ وغارَ ماؤه، وبدا يبسُه، فخرجَ مِن حمأتِه ووحلِه سبعُ بقراتٍ عجافٍ شعثٍ غُبْرٍ مقلَّصات البطون، ليس لهنَّ ضروعٌ ولا أخلاف، ولهنَّ أنيابٌ وأضراس، وأكفٌّ كأكفِّ الكلاب، وخراطيمُ كخراطيمِ السِّباع، فاختلطْنَ بالسِّمان، فافترسنَهُنَّ افتراسَ السِّباع، فأكلْنَ لحومَهُنَّ، ومزَّقْنَ جلودَهُنَّ، وحطَّمْنَ عظامَهُنَّ، وتمششْنَ (^٥) مخهنَّ، فبينا أنت تنظرُ وتتعجَّبُ إذا سبعُ سُنبلاتٍ خضرٍ، وسبعٌ أُخَرُ سودٌ في منبتٍ واحدٍ،
_________________
(١) من قوله: "لسان آبائي" ليس في (ف).
(٢) "وحكمه" ليس في (ف). والخبر ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٣٠) عن وهب.
(٣) في (أ) و(ف): "رؤياك".
(٤) في (أ) و(ر): "سمانًا عظامًا شهبًا غرًّا".
(٥) في (ف): "وتمشمشن". والتمشش: مص أطراف العظام. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: مشش).
[ ٨ / ٤٢٢ ]
عروقُهنَّ في الثَّرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك: أنَّى هذا؟! وهؤلاء خضرٌ مثمرات، وهؤلاء سودٌ يابسات، والمنبت واحدٌ، وأصولُهنَّ في الماء؛ إذ هبَّت ريحٌ فذرَّت من اليابسات السُّود على الخضر المثمرات، فاشتعلَتْ فيهنَّ النَّارُ فأحرقتهُنَّ، وصرْنَ سودًا متغيِّراتٍ.
فهذا آخر ما رأيْتَ من الرُّؤيا، ثمَّ انتبهْتَ مِن نومك مذعورًا مرتاعًا.
فقال الملك: واللَّهِ ما شأن هذه الرُّؤيا وإنْ كان عجبًا بأعجبَ ممَّا سمعْتُ منك، فما ترى في رؤيايَ أيُّها الصدِّيق؟
قال يوسف ﵇: أرى أن تجمع الطَّعام في سِنيْ الخصب، وتبنيَ الأهراء (^١) والخزائن، فتكبِسَه (^٢) فيها بقَصَبه وسُنبله، فيكون قصبُه وسنبله علفًا للدَّواب، ويكفيك ويكفي أهل مصر ومن حولها الطَّعام في سِنِيْ الجدب، فتأتيك الخَلْق من النَّواحي، فيمتارون منك بحكمك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحدٍ قبلَك.
قال الملكُ: مَن لي بهذا؟ ومَن يجمعُه؟ ومن يبيعُه ويكفي الشُّغلَ فيه؟
قال يوسفُ: إنَّ اللَّه تعالى أوحى إليَّ أنِّي أقوم به، وأكفي الشُّغل فيه.
قال الملك: ومَن أحقُّ به منك؟ فدونَك ذلك (^٣).
* * *
_________________
(١) الأهراء: جمع هُرِيٍّ، وهو بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: هري).
(٢) في (أ): "فتسكبه".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٣١).
[ ٨ / ٤٢٣ ]
(٥٥) - ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾: أي: ولِّني على خزائنِ الأطعمةِ والأقوات والعلوفة الَّتي في أرض مملكتِكَ، وهي مصر، وكانت أربعين فرسخًا في أربعين فرسخًا، وفوِّض إليَّ إحرازها وتفريقها وتقدير ذلك منها، فإنِّي حفيظٌ؛ أي: حافظٌ (^١) لِمَا سبيلُه أن يحفظَ؛ أي: يجري فيه خيانة أو نسيان، عليمٌ بما سبيلُه أن يُعلَمَ وجهُ التَّدبير فيه حتَّى لا يضيعَ شيءٌ، ولا يوضعَ في غير أهلِه.
وقال قتادة وابن إسحاق: حفيظٌ لها ممَّن لا يستحقُّها، عليمٌ بوجوه التَّدبير فيها (^٢).
وقا لى الزجَّاج: عليمٌ بوجوه متصرَّفاتها (^٣).
وقيل: حفيظٌ لِمَا استودَعْتَني، عليمٌ بما ولَّيتني.
وقيل: حفيظٌ لِمَا استودعتني، عليمٌ بسني المجاعة.
وقيل: حفيظٌ للحساب، عليمٌ بالألسنة.
وقيل: كاتبٌ وحاسبٌ.
قال وهبٌ: فقال الملك ليوسف صلوات اللَّه عليه: فدونَك هذا السَّريرَ والخاتمَ والتَّاج، فقد تخلَّيْتُ لك عنهنَّ، وأنت أحقُّ بهنَّ منِّي.
قال يوسف: أمَّا السَّرير فأشُدُّ به ملكَكَ، وأمَّا الخاتم فأدبِّرُ به أمرَك، وأمَّا التَّاج فليس من لباس آبائي ولا مِن لباسي.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فإني حفيظ عليم أي حافظ عالم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢١٩).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١١٦).
[ ٨ / ٤٢٤ ]
قال الملكُ: فقد وضعْتُه عن رأسي إجلالًا لك وإقرارًا بفضلِك.
قال: فاتَّخذ الملكُ الخزائنَ والأَهْراء، وأمر بجمع الطَّعام انتظارًا لسِنِي الخصْبِ، فلمَّا أتَتْ جاءَتْ بشيءٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ كثرةً وسَعةً، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٥٦) - ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: كالَّذي التمسَ يوسفُ من الملكِ مكَّنَّا له في الأرض؛ أي: أرض مصر، والتَّمكينُ: الإقرارُ وإعطاءُ المَكِنَةِ والمكانة.
وقوله تعالى: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾: إذ كانَتْ خزاننها في كلِّ بلادِها بيدِه وتحتَ حكمِهِ بعد ما كان ضُيِّقَ عليه بالرِّقِّ والحبس.
وقوله تعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾: أي: بنعمتِنا كما أصبناها يوسف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يعني: الصَّابرين. قال وهبٌ: وذلك بصبره في البئر وفي السِّجن وفي الرِّقِّ وعمَّا دعته إليه زليخا (^١)، فهذا في الدُّنيا.
* * *
(٥٧) - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: أي: الجنَّة وثوابها خيرٌ للَّذين آمنوا واتَّقوا معاصي اللَّه تعالى.
_________________
(١) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٣٣)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ١٥٩) عن ابن عباس ﵄ ووهب.
[ ٨ / ٤٢٥ ]
وقيل في قوله: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: كما لم نُضِعْ أجرَ يوسفَ، وكان يحسِنُ إلى أهل السِّجن، فينظر للضعفاء ويقوم بمصالح المرضى وغير ذلك، وكان يحسِنُ الصَّبرَ عن المحارم، وإيثارَ طاعة اللَّه تعالى، والقيامَ بإحياءِ دينِه والنُّصحِ لعباده في كلِّ حالٍ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا لم يمكِّن يوسفُ دواعيَ الشَّهوات من نفسِه مكَّنَهُ اللَّهُ تعالى من ملكِهِ، وهو كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ثمَّ أخبرَ عن حقيقةِ التَّوحيد، وبيَّنَ أنَّ ما يولي (^١) عبادَه مِن ألطافِه فبفضلِه لا بفعلِهم، وبرحمتِه لا بجِدٍّ منهم، فقال: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾، ثمَّ رقَّى هممَهُم (^٢) عمَّا أولاهم من النِّعم، فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ (^٣).
وفيه جوازُ وَصْفِ الإنسانِ نفسَه بما هو موصوفٌ به -فإنَّه قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ - إذا لم يكن فيه ثناءٌ على نفسِه، بل بيانُ ما يتعلَّق به مِن مصالح النَّاس.
وفيه: أنَّه لا بأسَ بالعملِ للكافرِ والفاسق إذا أُمْكِنَ العاملُ مِن وضعِ الشَّيءِ موضعَه، وإعطاءِ كلِّ شيءٍ من العدلِ قسطَه، وكان فيه صلاحُ العامَّة والخاصَّة.
وقيل في قوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: قال للملِكِ: ما بالُ الملكِ يتقلَّد بسيفٍ لا يَقطع، وما بالُه ممسِكًا على بابِه حراسًّا عُمْيًا بُكمًا صُمًّا، وما بالُه يزرعُ في أرضٍ سَبخَةٍ، أَمَا يعلَمُ أنَّ مَنْ زَرَعَ بأرضٍ سَبخَةٍ فقد ضيَّعَ بذرَهُ، وعذَّبَ بقرَهُ، وأبطلَ أيَّامَه؟!
_________________
(١) في (ر): "يؤتي"، وفي "اللطائف": (يوفي).
(٢) في (ر) و(ف): "ثم فهمهم" وفي "اللطائف": (ثم يرقي همهم).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٩١).
[ ٨ / ٤٢٦ ]
فقال الملكُ: ما أدري ما تقول.
قال: أمَّا التَّقلُّد بسيفٍ لا يَقطع، فهو الاعتماد في الأعمال على عُمَّالٍ لم تجرِّبْهم، وأمَّا إمساكُ العمي والبُكم والصُّمِّ على الباب فهو استعمالُ قومٍ لا يروْنَ عيوبَكَ ولا يذكرونَها لكَ، وأمَّا الزَّرْعُ في السَّبخَةِ، فالبَذْرُ: العمر، والسَّبخَةِ: الدُّنيا، والثَّوران: اللَّيلُ والنَّهارُ. فأعجبَهُ كلامُهُ، وقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (^١).
وقال وهب: ولمَّا وُلِّي يوسفُ مصرَ ماتَ العزيزُ، فزوَّجَهُ الملكُ امرأةَ العزيز، فلمَّا دخلَ عليها (^٢) وجدَها عذراء، فقال: أليس هذا خيرًا ممَّا كنْتِ تريدين؟ فقالَتْ له: لا تلُمْنِي يا نبيَّ اللَّه، فإنَّ اللَّهَ كساكَ مِن الحُسْنِ والجَمالِ ما لا يصبرُ عليه أحدٌ، وكان صاحبي لا يمسُّ النِّساء، وكنْتُ ناعمةً في ملكِ الدُّنيا، وغلبتني شهوتي، يا يوسفُ، إنَّ الحرصَ والشَّهوة صيَّرا الملوكَ عبيدًا، وإنَّ الصَّبرَ والتَّقوى صيَّرا العبيدَ ملوكًا.
وتزوَّجها وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، فولدَتْ له أفراييم وميشا ابني يوسف في أربع سنين من سِني الخصب. هذا القَدْرُ مذكور من حديث تزوُّجِها في "كتاب وهب".
ويُذكَرُ في القصص زوائدُ: أنَّها افتقرَتْ وضعفَتْ وعميَتْ، وأتتْهُ وهي بتلك الحالة، فرحمَها وقال: ما تشتهين؟ قالَتْ: أن أفتح عيني مرَّةً فأراك. وبكَتْ فبكى يوسف، وأتاه جبريلُ فقال: إنَّ اللَّهَ تعالى يردُّ إليها بصرَها وشبابَها فتزوَّجْها. ففعلَ، فأعادَ اللَّهُ تعالى إليها جمالَها وشبابَها.
ويذكر هنا أشياء، ولا ضرورة إلى ذكرها.
ولمَّا مضى تمام سِني الخصب أمرَ اللَّهُ ﷻ جبريلَ ﵇ سَحَرًا
_________________
(١) "وقال إنك اليوم لدينا مكين أمين" من (ف).
(٢) في (أ): "دخلت" وفي (ف): "دخلت عليه" بدل: "دخل عليها".
[ ٨ / ٤٢٧ ]
فقال: يا جبريل، ألا تنظرُ إلى عبادي وإمائي من أهل مصرَ وغيرهم كيف يأكلون رزقي ويعبدون غيري، اهبط فقد سلَّطْتُ عليهم الجوعَ والقَحْطَ سبعَ سنين، فهبط جبريل وصاح في الهواء: يا أهلَ مصر، جوعوا سبعَ سنين، فانتبه الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبيانُ ينادون: الجوع، الجوع (^١).
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لم يكن في تلك السِّنينَ اليابسةِ (^٢) مطرٌ ولا نباتٌ، ولا ريح تهبُّ، ولا حمارٌ ينهقُ، ولا ثورٌ يصيحُ، ولا دابَّةٌ تحمل، ولا طير يتَّخذ عشًّا ولا فرخ، وجاءت سِنُوْ الجدْبِ بأمر مَهولٍ لم يعهدِ النَّاسُ مثلَه، وقصدَ النَّاسُ مصرَ مِن كلِّ أوبٍ وناحيةٍ يمتارون، فجعل يوسفُ صلوات اللَّه عليه لا يمكِّنُ أحدًا منهم وإن كان عظيمًا أكثر مِن حِملِ بعير.
وتزاحم عليه أهلُ مصرَ، فباعَهم أوَّل سنةٍ بالدَّراهم والدَّنانير، حتَّى لم يبقَ بمصر دينارٌ ولا درهمٌ إلَّا قبض عليه، وباعهم السَّنةَ الثَّانية بالحليِّ والجواهر حتَّى لم يبقَ بمصر في أيدي النَّاس منها شيءٌ، وباعهم السَّنة الثَّالثة بالمواشي والدَّوابِّ والأنعام حتَّى احتوى عليها أجمع، وباعهم السَّنة الرَّابعة بالعبيد والإماء حتَّى لم يبقَ عبدٌ ولا أمةٌ في يدِ أحد، وباعهم في السَّنة الخامسة بالضِّياع والعَقار والدُّور حتَّى احتوى عليها، وباعهم السَّنة السَّادسة بأولادهم حتَّى استرقَّهم (^٣)، وباعهم السَّنة السَّابعة برقابهم حتَّى لم يبقَ بمصر حرٌّ ولا حرَّة إلَّا صار عبدًا له.
فقال النَّاسُ: باللَّهِ ما رأينا كاليوم ملكًا أجلَّ ولا أعظمَ من هذا!
_________________
(١) ولعل هذا يكون منظورًا فيه بأن القحط كان عامًا لأهل مصر وغيرهم، وللبلاد المؤمنة والكافرة، بدليل قول إخوة يوسف: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨].
(٢) في (أ): "اليابسة ولا نهر يجري".
(٣) في (ف): "اشتراهم".
[ ٨ / ٤٢٨ ]
فقال يوسفُ صلوات اللَّه عليه للملك: كيفَ رأيْتَ صُنع اللَّهِ ﷿ بي، وما خوَّلني من الملك؟ فما ترى لي؟
قال الملكُ: الرَّأيُ رأيُكَ، ونحن لك (^١) تَبعٌ، وأنا خولُكَ.
فقال يوسفُ: إنِّي لم أملكْ مصر بأهلها لأخربها وأهلكهم، ولم أوسع عليهم الطَّعام لأضيِّقه، ولم اَمُرْهم لأجفوَهم، أوَ تُقِرُّ لي بأنَّ (^٢) لي عبيدًا وخولًا (^٣)؟ قال: نعم. قال: فإنِّي أشهِدُ اللَّهَ وأشهِدُكَ أنِّي أعتقْتُ أهلَ مصر عن آخرهم، ورددْتُ إليهم أموالَهم وأملاكهم، ورددْتُ عليك ملكَكَ على شريطة ألَّا تخالفَني وتستنَّ بسُنَّتي. قال الملكُ: فآذنُ لكَ.
* * *
(٥٨) - ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: قال وهبٌ: وكان اشتدَّ على يعقوبَ وولدِه وأهلِ الشَّام القَحطُ، فقال يعقوبُ لأولاده: إنَّ بمصرَ طعامًا يباعُ، وإنَّ هذا الرَّجلَ الصَّالح الَّذي هو ملكُهم بلغَني عنه خيرٌ وصلاحٌ وحسنُ سيرةٍ، فامتاروا؛ فإنَّ له سيرةً تشبه سيرةَ آل يعقوب، وسيحسِنُ إليكم إن شاء اللَّهُ ﷿، فانطلِقوا فامتاروا منه، فانطلَقوا، فلمَّا دخلوا على يوسفَ مع النَّاس، وكان يوسفُ صلوات اللَّه عليه يحسِنُ إلى مَن أتاه، ويعطيه قَدْرَ ما يكفي عيالَه على عددِهم، فلمَّا دخلوا عليه عرفَهم وهم له منكرون.
_________________
(١) في (أ): "له".
(٢) في (ف): "بأنك".
(٣) في (أ) و(ف): "بأنك لي عبد ولي خول" بدل: "بأن لي عبيدًا وخولًا".
[ ٨ / ٤٢٩ ]
وكان اللَّه تعالى عمَّى عليهم خبرَ يوسف وما صار إليه مِن الملك، ولتغيُّرِ لونِه وكلامِه وهيئتِه، ولتقادمِ العهد وتطاول المدَّة.
وقيل: إنَّما لم يَعرفوه لأنَّه كان متنقِّبًا.
وقيل: لم يعرفوه لأنَّهم كانوا جياعًا، وعينُ الجائع تحارُ فلا تعرف ما تبصرُ (^١).
وقيل: لأنَّهم جاؤوا طامعين، والطَّمعُ يغطي العين.
وقيل: لأنَّهم كانوا جَفَوه، والجفاءُ يزيلُ المعرفة.
وقيل: لأنَّ اللَّه تعالى أخفى عليهم ذلك بلطفِه، وكان له فيه سرٌّ.
وقيل: لأنَّهم نكسوا رؤوسَهم محترِمين فلم ينظروا إليه؛ فلذلك لم يعرفوه.
قال وهبٌ: ولمَّا عرفَهم أمَرَ فتيانَه بإنزالهم في منزلٍ، أكرمَهم، ومكثَ ثلاثًا لا يكلِّمُهم، ثمَّ قال لهم بعدَ ثلاثة أيَّامٍ: مَن أنتم؟ قالوا: نحنُ أولادُ يعقوبَ بن إسحاق بن إبراهيم من أهل كنعان. فنظرَ إليهم فأكثرَ، وأدامَ فيهم النَّظر، وصعَّدَ وصوَّب فيهم البصر، ونظر إليهم جميعًا وأشتاتًا (^٢) كلَّما فرغ من واحدٍ نظر إلى الَّذي يليه، ثمَّ قال: اعتزلوني حتَّى أفرغَ لكم.
وكان لا يصنعُ ذلك بأحدٍ (^٣)، وكان يعجِّل سراح الممتارين، فلمَّا اعتزلوا عنه استرابوا مِن نظرِه إليهم، وقال بعضهم لبعضٍ: لقد نظر إلينا هذا الملِك نظرًا ما نظرَه إلى غيرنا، لذلك فإمَّا أن يكون نظرُه إلينا على وجه الغِبطة لنا؛ لنبوَّة آبائِنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أو الغِبطةِ لأبينا بما رأى من عددِنا وجَلَدِنا وقوَّتنا وجماعتِنا،
_________________
(١) في (ف): "تنظر".
(٢) في (ر) و(ف): "وأنشأ".
(٣) في (ر): "بأحد من الممتارين".
[ ٨ / ٤٣٠ ]
وإمَّا أن يكون تفرَّس فينا النُّبوَّة مِن بعد آبائنا، والوراثةَ لهم مِن بعدهم، وإمَّا أن يكون بلغَهُ فِعلتُنا بأخينا، وتلك قاصمةُ ظهورِنا وسببُ خِزيتنا (^١).
وتشاغل عنهم يوسفُ يومَه ذلك، فأمرَ لهم فأُنزِلوا في ضيافتِه، وأوصى بهم خدمَهُ، وهم يغدون عليه ويروحون (^٢)، وهو كالمعرِضِ عنهم والمتجهِّم لهم، فإذا صاروا إلى ضيافته أُكرِموا، وإذا دخلوا إليه أعرضَ عنهم، فيقولون: ومِنَ العجبِ شأنُ هذا الملك وعملُه بنا، إذا حضَرناه تجهَّم لنا وأعرض عنَّا، وإذا صرْنَا إلى منزلِه أوصى بنا في الغيب، فلبثوا بذلك حينًا، ثمَّ إنَّهم دخلوا على يوسف يومًا فقال لهم: ممَّنْ أنتم؟ قالوا: قد أخبرناك أوَّلَ يومٍ سألتنا، إنَّا ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
فقال يوسفُ: وَلَدَكم ثلاثةُ أنبياء؛ الخليلُ والذَّبيح والصِّدِّيق؟ قالوا: نعم.
قال: ما أنتم لذلك أشباهٌ، ولا لذلك بخلفاء، وما أنتم موسومون بسيماهم، ولا أرى من أحلامٍ ولا وَقارٍ ولا سكينةٍ ظاهرةٍ ولا خشوعٍ، ولَأَنتم بأن تكونوا لصوصًا أشبهُ، أو تكونوا جواسيس دسَّكم بعضُ الملوك، فجئْتُم مرتادين (^٣) تنظرون لهم في العُدَّة والقوَّة، ثمَّ تأتونهم بخبر ذلك، فيسيرون إلينا ليقاتلونا حسدًا لِمَا أنعمَ اللَّهُ تعالى علينا وأحيانا وأحيا بنا، ولأنتم بهذا أشبَه، ولَايمُ (^٤) اللَّهِ لا تنفكُّون مِن حبسي أبدًا حتَّى أعلم عليكم.
فأشفقوا (^٥) أن يبحثَ عنهم حتَّى يبلغَ به البحثُ فعلتَهُم الَّتي فعلوا بأبيهم،
_________________
(١) في (ف): "حزننا".
(٢) في (ف): "ويرجعون".
(٣) في (ر): "ممتارين".
(٤) في (ر) و(ف): "وايم".
(٥) في (ر) و(ف): "فانتقعوا".
[ ٨ / ٤٣١ ]
فقالوا: إنَّا نسألُكَ أيُّها الملكُ بالَّذي بلَّغَكَ هذه المنزلةَ، وفضَّلَكَ هذه الفضيلةَ، وأكرمَكَ هذه الكرامةَ، وأنعمَ عليك هذه النِّعمةَ، لَمَا عجَّلْتَ سراحَنا إلى أبينا، فإنَّه اليومَ أعظمُ أهلِ الأرض حقًّا، وأعلى جميع أهلِ الأرض؛ لأنَّه نبيُّ اللَّه، وابنُ ذبيحِه (^١)، وابنُ خليلِه، فلا تستخفَّ بحقِّه، ولا تقصِّر في شيءٍ مِن أمرِه، فإنَّك لو تعلمُ عِلْمَه وعلْمَ كبرِه وضعفِه وحزنٍ له على ابنٍ له هلَكَ منذ حين، وكان أحبَّ النَّاسِ إليه وأقرَّهم لعينِه، وعِلْمَ ما يمونُ ويعولُ ويتصدَّقُ ويضيفُ = إذًا لاشتدَّتْ له رحمتُك، ولدمعَتْ له عينُك، وحزنَ له قلبُك.
قال يوسف ﵇: ما أحدٌ اليومَ (^٢) أعظمَ حقًّا عليَّ وعلى جميع أهل الأرض من يعقوب، ولو مِرْتُهُ على (^٣) ظهري مقبلًا ومدبرًا حتَّى أُعِينه (^٤) وعيالَه ما بلغْتُ بذلك حقَّه، ولا حقَّ آبائه عليَّ، فحدِّثوني ما الَّذي أحزنَه وهو في منزلِ الفرحِ والغِبطة؟ أليس نبيَّ اللَّهِ وابنَ أنبيائه؟ أوليسَ يَنظرُ إليكم في مثل عددكم وجمالكم وجَلَدكم؟ أليس الجنَّة مع ذلك بُشراه، ونصبُ عينه يأملُها؟ فما الَّذي يحزنه بعد هذا؟ ولعلَّ حزنَه إنَّما كان من قِبَل سفهكم وجفائكم وكذبكم؟
قالوا: حاشَ للَّه، ما نحن كذلك، ولكن كان له ابنٌ وكان أصغرَنا وأحبَّنا إليه فهلَكَ، فلم يزلْ بعدَه واهنَ العظمِ باكيًا محزونًا.
قال يوسف ﵇: أوكلُّكم لأمٍّ واحدةٍ؟ قالوا: لا.
قال: فما الَّذي حملَ أباكم على أن أرسلَ كلَّكم؟ هلَّا احتبسَ رجلًا منكم
_________________
(١) الذبيح هو إسماعيل ﵇، على الصحيح.
(٢) في (ف): "ما أجد القوم".
(٣) بعدها في (ف): "مر السنين".
(٤) في (ر): "أغنيه".
[ ٨ / ٤٣٢ ]
يسكنُ إليه ويأنسُ به؟ قالوا: قد فعل، قد احتبسَ منَّا ولدًا هو أصغرُ ولدِه، وأحبُّهم إليه بعد الأوَّل.
قال يوسفُ: لولا مخافةُ أن تكونوا صادقين لحبستكم حبسًا أطول مِن هذا، ولعذَّبتكم عذابًا شديدًا، فإنْ كنتم صادقين فارجعوا إلى أبيكم، فبلِّغوه منِّي السَّلام، وقولوا له: فلْيخبرني ما الَّذي أحزنَه وأبكاه وأوهنَ عظمَه؟ وما الَّذي شيَّبَه قبلَ أوانِ شَيبِه؟ وليبعَثْ إليَّ بجواب هذه الرِّسالة مع ابنه الأصغر الَّذي احتبسَه.
* * *
(٥٩) - ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: أي: هيّأ أسبابَهم فأعطى كلَّ واحدٍ وِقْرَ بعيرٍ، وكذلكَ يبيعُ ولا يزيدُ لكلِّ قادمٍ على وِقْرٍ؛ لئلَّا يضرَّ بالآخرين.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾: عنى: بنيامين الَّذي ذكروه له.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾: أتمُّه، ولا أنقصُ منه شيئًا ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؛ أي: المضيفين.
* * *
(٦٠) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾: أي: بالأخ الَّذي قْلُتم (^١) ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾؛ أي: فلا طعامَ لكم عندي يُكال ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾؛ أي: لا تقربوا بلادي.
_________________
(١) "الذي قلتم" من (ف).
[ ٨ / ٤٣٣ ]
تلطَّفَ يوسفُ ﵇ في استحضار بنيامين بالتَّرهيب والتَّرغيب، أمَّا التَّرغيب ففي الَّذي فصَّلَ (^١) لهم قال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾، وفي إنزالهم بحسن الضِّيافة، قال: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، وأمَّا التَّرهيب؛ فقوله: ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾.
* * *
(٦١) - ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾: أي: سنتلطَّفُ لأبيه في طلبِه منه وإخراجِه معنا كما أمرْتَ ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ بما أَمرْتَ به غيرُ مخالفين لك، ولم يريدوا أنَّهم يفعلون ذلك بغيرِ إذنِ أبيهم، ولكنْ أرادوا ما قلْنَا.
* * *
(٦٢) - ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾، والباقون: ﴿لِفِتْيَتِهِ﴾ (^٢)، وهما لغتان في جمع الفتى؛ كالغِلْمَانِ والغِلْمَةِ.
والفتى: اسمٌ للملوك شابًّا كان أو شيخًا.
وقوله تعالى: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾: وهي دراهمُهم الَّتي هي أثمان ما امتاروه مِن عندِه ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾: وأدخلَ كلمةَ (لعلَّ) في
_________________
(١) في (ف): "فضل"، وفي (أ): "أفصل".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩).
[ ٨ / ٤٣٤ ]
معرفتِهم ذلك، بمعنى أنَّهم عسى أن ينظروا في رحالهم لشيءٍ فيجدونها، ويجوز ألَّا يحتاجوا إلى النَّظر فيها، فيخفى عليهم ذلك، على معنى أنَّهم عسى أن ينظروا في رحالهم ووقوفهم على ذلك.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ هذا يصلح للَّازم والمتعدِّي؛ أي: يعودون إلينا ويردُّونَ البضاعةَ علينا، وقد رجَعْتُهُ رَجْعًا، فرجَعَ رجوعًا، فتكلَّموا في معنى رجاء الرُّجوع بذلك:
قيل: معناه: إنَّهم إذا عرفوا أنَّها بضاعتهم؛ تحرَّجوا عن إمساكِها، وتوهَّموا أنَّ فتيانَ يوسف وضعوها في رحالِهم غلطًا، فعادوا لردِّها.
وقيل: إنَّما فعلَ ذلك ليستعينوا بها على الرُّجوع لابتياع الميرة مرَّةً أخرى، لرجائِه أنْ لا يكونَ عند أبيهم غيرُ ذلك.
وقيل -وهو أحسن الوجوه في ردِّ بضاعتهم إليهم-: لأنَّ يوسف ﵇ لم يَستجزْ أنْ يأخذَ مِن إخوتِه ثمنَ طعامٍ تجشَّموا في طلبِه السَّفر، وإنما يصل قُوتُه (^١) إلى أبيه وإخوته ومَن يلزمُه في الحرية تحمل مؤنة (^٢) في تلك الحالة، فأمرَ بجعلها في رحالِهم، ولم يحب أن يصرِّح لهم بسببِ الردِّ.
وقيل: ليرجعوا إليه بما يظهرُ لهم مِن كرمِه في ردِّها عليهم في زمان الجدْبِ، فيكون ذلك أدعى لهم في الرُّجوع.
وفي "كتاب عصمة الأنبياء" قال: هلَّا أخبرَهُم بحالِه وعرَّفهم عن نفسه؛ ليعظُمَ
_________________
(١) في (أ): "وإنما يعرفونه".
(٢) في (ف): "ومن يلزمه عن طعام"، ومن قوله: "تجشموا" إلى هنا ليس في (ر).
[ ٨ / ٤٣٥ ]
سرورُهم بوجودِه، وقد علمَ أنَّ إدخالَ السُّرورِ في قلبِ المؤمن ما محلُّه (^١) من الثَّواب عندَ اللَّهِ خصوصًا في قلب إخوتِه، وفي ذلك صلَةُ الرَّحم، وإيصالُ الخبر لأبيه ليتفرَّغَ مِن حزنِه؟
فالجواب عنه: أنَّه لم يقدرْ أنْ يفعلَ مِن غير وحيٍ.
ولأنَّه عَلِمَ أنَّ انقضاء المحنةِ بعدُ لم يأتِ وقتُه، فلذلك تربَّص وتأخَّر إلى وقته، وقال في وقته: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩].
والثَّالث: أنَّه لو أخبرَهم ساعةَ دخولهم عليه وهو كان يلاطفُهم في المعاملةِ ويسامحُهم في تلك المِيْرَةِ، ويردُّ عليهم بضائعَهم؛ ربَّما لم يستظرفوا صنيعَه بمكانهم، متعلِّلين (^٢) بالأخوَّة أنَّها موجبةٌ لخصائص المعاملة، أحبَّ أن ينصرفوا وألسنتُهم رطبةٌ بالثَّناء عليه، متعجِّبين من حسنِ معاملتِه في عام السَّنةِ خصوصًا؛ ليعلموا منه السَّخاوة بما يحملونَه من الطَّعام بالبدل لغيرهم، ويستعطفوا غيرَهم بالرَّغبة إليه للامتيار.
والرَّابع: أنَّ عام السَّنة لم يكن منقضيًا بعدُ، وحوائجُ النَّاس إلى الطَّعام قائمةٌ، فلو أحسُّوا بمكانه ورجعوا ببشرى (^٣) الخبر إلى أبيهم، فكانَتْ تنقطعُ المعاملة، فلغلبَةِ الإشفاق على النَّاس أحبَّ ألَّا يُحَسَّ بمكانِه حتَّى تنقضيَ السَّنةُ ويتفرَّغ قلبُه عن هموم الجائعينَ، ثمَّ يستوفي حظَّه من السُّرور في الاجتماع مع أبيه وإخوته.
وقالوا في قوله: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾: كيف استجازَ زيادةَ الحزنِ لأبيه وشَغْلَ قلبِه بسببِه، وهو عالمٌ أنَّه ممتَحَنٌ بفراقِه مهتمٌّ لفقدِه؟
_________________
(١) في (ف): "مما يجله".
(٢) في (أ): "معتلين".
(٣) في (أ): "وجعلوا تبشير".
[ ٨ / ٤٣٦ ]
قيل: بأنَّه قال ذلك عن وحيٍ مِن اللَّه تعالى، لم يفعلْهُ جزافًا، وعلمَ أنَّ اللَّهَ ﷻ أرادَ استكمالَ صفاء يعقوب عن ميل الطَّبع إلى أخيه (^١)، فعاملَه على ما علمَ مِن اللَّه تعالى.
* * *
(٦٣) - ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿يكتل﴾ بالياء؛ أي: يكتلْ بنيامين لنفسِه، وقرأ الباقون بالنُّون (^٢)؛ أي: نكتلْ (^٣) نحنُ له وقرَ بعيرٍ؛ أي: لأجله.
وقيل: معناه: إنَّ الإخوة لمَّا رجعوا إلى يعقوب ﵇ قالوا: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾، لم يريدوا أنه منع ما جاؤوا يشترونه، فقد قال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾، بل أرادوا أنَّه قال لنا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، فتقديرُ قوله: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾: ذَكَرَ لنا مَنع الكيل (^٤) إن أتيناه نحنُ بلا أخٍ.
ولمَّا شقَّ عليه ذلكَ وخافَ ضياعَه؛ قالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
* * *
(٦٤) - ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
_________________
(١) في (ر): "إلى حبه".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩).
(٣) في (أ): "نكيل".
(٤) "ذكر لنا منعَ الكيل" ليس في (ف).
[ ٨ / ٤٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: لا أتَّكلُ على ضمانكم حفظَه، وإنْ قلْتُم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فقد كنتم قلْتُم في أخيه يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ولكنِّي أتَّكل على اللَّهِ ﷻ.
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص: ﴿حَافِظًا﴾ على الحال، وقرأ الباقون: ﴿حِفْظًا﴾ على التَّفسير والتَّمييز (^١).
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: يرحمُني فيردُّ عليَّ ولدي؛ لعلمِه بوَجْدي به بعدَ فقدي يوسف.
قال وهبٌ: فلمَّا رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا جئْناك مِن عندِ أعظم ملِكٍ على وجهِ الأرض رأيناه أو سمعنا به، لا يُرَى أنَّه كان في الأرض أعظمُ منه حلمًا وعلمًا، وأشدُّ هيبةً، وأرهبُ درعًا، وأعظمُ سلطانًا، وأرقُّ قلبًا، وأكرمُ أخلاقًا، وأكثرُ رِفقًا، وأجملُ نائلًا.
لقد نظرْنا في حكمِه فما شبَّهناه إلَّا بحكمِك، وفي وقارِه فما شبَّهناه إلَّا بوقارِك، وفي حلمِه فما شبَّهناه إلَّا بحلمِك، ولكنَّا أهلُ بيتٍ خُلقنا للبلاء فابتُلينا، فاتُّهِمنا وكُذِّبنا، ومُنِعَ منَّا الكيل، وزعم أنَّه لا يصدِّقنا حتَّى ترسلَ معنا أخانا برسالةٍ منك تخبرُه فيها عن حزنِك ووهنِ عظمِك، وعن سرعة الكبرِ إليك قبلَ أوانه، وما الَّذي أورثَكَ ذلك؟
فحزِنَ يعقوبُ ﵇ حين سمعَ (^٢) هذا منهم، واتَّهمَهم وكذَّبَهم، وظنَّ أنَّه مكرٌ منهم ليفعلوا به مثل ما فعلوا بأخيه، فقال: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩).
(٢) في (ر): "علم".
[ ٨ / ٤٣٨ ]
(٦٥) - ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أي: وُضعَتْ في رحالهم.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾: قال قتادة: أي: أيَّ شيءٍ نطلب؟ على الاستفهام؛ أي: أيُّ عذرٍ لنا في ترك الرُّجوع إليه مع أنَّه ردَّ بضاعتنا وفعلَ ما ينبغي (^١)؟
أو (^٢): لا نظلِمُ فيما نقولُ ولا نكذب.
وأجاز الفرَّاء والزَّجَّاج الوجهَيْن (^٣).
﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾: فحصل الطَّعام لنا مجَّانًا ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾: نجلبُ لهم الطَّعام في هذه الكرَّة بهذه البضاعة ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾: مِن أن ينالَه سوءٌ في سفرِه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: لأجل بنيامين، وعَدَه لنا الملك.
وقيل: كان وعَد ذلك بغير ثمنٍ.
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: أي: سهلٌ؛ لأنَّه مجَّانٌ، أو لأنَّ ثمنَه ممكنٌ مِن هذه البضاعة، أو لأنَّه وعدَ لنا تعجيلَ التَّسريح بسبب أخينا، وفي حقِّ سائر النَّاس حبسُ المدَّةِ وتأخيرُ تسريح (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٦٦).
(٢) في النسخ: "أي"، والصواب المثبت.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١١٨)، و"التفسير البسيط" للواحدي (١٢/ ١٦٨).
(٤) في (ر) و(ف): "ترويح".
[ ٨ / ٤٣٩ ]
(٦٦) - ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: قال يعقوبُ صلوات اللَّه عليه: لن أبعثَه معكم حتَّى تؤتوني عهدًا تجعلونَه للَّه على أنفسِكم لتَرجعُنَّ به إليَّ، إلَّا أن يَرِدَ عليكم أمرٌ يُحال بينكم وبينه، وتُشرفوا على الهلكة إن حاولْتُم ردَّه.
فلمَّا أعطوه هذا العهد قال: اللَّه مطالِبٌ لكم بالخروج عن هذا الضَّمان، شاهدٌ على هذه المواثَقة.
قال كعبٌ ووهبٌ: ردَّهم في الكرَّة الأولى بغير مِيرة، ولذلك قالوا: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾، ولذلك ردَّ البضاعة لِتوهُّم أن لا (^١) يرجعوا لطلب الميرة، فيبقى عنده الثَّمن بغير تسليم المبيع.
وقال الجمهورُ: أعطاهم الميرة (^٢)، وتأويلُ كلمة المنع وردِّ البضاعة ما مرَّ.
قال وهب: ولمَّا وجدوا بضاعتهم؛ قالوا لأبيهم: ألا يدلُّك على عدلِ هذا الملك وورعِه أنَّه دسَّ بضاعتنا في رحالنا مخافةَ ألَّا نرجع إليه لِمَا رأى مِن خوفنا، فتبقى البضاعة في يده بغير حِلِّها.
فاطمأنَّ قلبُ يعقوب بهذه الدلالة، وقال: إنْ كان لا بدَّ لكم مِن أنْ تذهبوا بأخيكم، فإنِّي لن أرسلَه معكم حتَّى تعاهدوني لتأتنَّني به إلَّا أن يُحَاطَ بكم، فضَمِن ذلك يهوذا، وكان أرجاهم عنده، وهو الذي قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾، ولم يكن أسنَّهم، لكنَّه أعقلُهم وأوثقُهم، فدفعَه إليه، فخرجوا.
_________________
(١) "لا" ليست في (ر) و(ف).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ٢٢٩).
[ ٨ / ٤٤٠ ]
(٦٧) - ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾: وكان بمصر أربعة أبوابٍ.
قال ابن عبَّاسٍ والضَّحَّاك والسُّدِّيُّ وقتادةُ: خافَ عليهم لِمَا كان لهم مِن حُسْنِ الصُّورة وجمال الهيئة وتمام القوَّة (^١).
وقيل: كان عامَ الجدب، فلو دخلوا من بابٍ واحدٍ مع الرَّواحل ممتارين شقَّ على أهل البلد إذا رأوهم مجتمعين، فأمرَهم بذلك شفقةً عليهم لئلَّا تدخل وحشةٌ في قلوب النَّاس بسببِهم.
وقيل: أحبَّ ألَّا يَفطنَ بهم أعداؤهم، فلا يحتالون لإهلاكهم.
وهو دليلُ عطفِه على كلِّ أولادِه، وأنَّه لم يكن له حقدٌ عليهم بما سبقَ منهم في حقِّه.
وهو مع هذا كلِّه كان ناظرًا إلى حُكم اللَّه تعالى فيه، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: لا أمنع ولا أدفع إنْ كان اللَّهُ أرادَ بكم شيئًا من ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ما الحكم إلَّا له ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
ومن الجائز أن يكونَ أمرَ بذلك لئلَّا تظهرَ حاجتُهم في أهل تلك البلدة، وتنتشرَ حالةُ اضطرارهم، وهو أمرٌ بالصيانة وكتمان الفاقة.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
[ ٨ / ٤٤١ ]
ويحتمِل أنَّه أَمر بذلك لئلَّا يقع في أوهام أهل تلك البلدة أنَّهم حضروا لمقاتلة (^١) الملك؛ لأنَّهم كانوا أصحاب مناظرَ وعددٍ، وكان بلغَتْهُم دعوةُ يعقوب.
ويحتمِل غيرَ ما قلناه، وإليه إشارةٌ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾.
وللآباء وصايا في حقِّ الأولاد ممَّا يرجع إلى الاحتياط، ويعقوب في كلِّ ذلك منزِّهٌ سرَّه عن الاعتماد على غير اللَّه تعالى، مفكِّرٌ فيما يكون.
وقيل: لم يخفْ عليهم الهلكةَ، لكن خافَ عليهم النَّكبةَ.
* * *
(٦٨) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾؛ أي: من أبوابٍ شتَّى ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما كان دخولهم متفرِّقين مغنيًا عنهم مِن اللَّه شيئًا؛ أي: دافعًا لقضائه.
﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: أي: لكنْ كان ذلك اضطرابًا في قلبه، أزالَ ذلك عن نفسِه بوصيَّته؛ لئلَّا يقول: قصَّرْتُ فلمْ أنصحْ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي: وإنَّ يعقوب لعالمٌ باللَّهِ وأقضيَتِه؛ لتعليم اللَّه تعالى إيَّاه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما يعلم يعقوب.
* * *
_________________
(١) في (ف): "لمقابلة".
[ ٨ / ٤٤٢ ]
(٦٩) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾: قال الحسن وقتادة: أي: ضمَّ إلى نفسه أخاه بنيامين، وأنزله معه (^١).
وقيل: أجلسَه معه على سريره.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: تعرَّفَ إليه وأخبره أنَّه يوسف أخوه (^٢).
قال وهبٌ والسُّدِّيُّ: لم يقل له: أنا يوسف، ولكن طيَّب نفسَه وقال: أنا أخوك؛ أي: بدل أخيك المفقود (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: فلا تحزن (^٤).
وقال الضحَّاك: فلا تبالِ.
وقال قتادة: لا تكترث (^٥).
وحقيقته: لا تُظْهِر من نفسك البؤس بما نالك.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٧٠) عن قتادة، وذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ١٧٦) عن الحسن وقتادة.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ١٧٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٤٢) عن وهب.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٥).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٧٠)، ولفظ الطبري: "لا تأس ولا تحزن".
[ ٨ / ٤٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: من الجفاء، وذكري بغير الجميل عندَك مغايظةً لك.
وقال وهبٌ: قال لهم يوسف صلوات اللَّه عليه: هل بلَّغْتُم أباكم ما قلْتُ لكم؟ قالوا: نعم، وقد ردَّ إليك الجواب مع ابنه هذا.
قال يوسفُ: بماذا أرسلَك أبوك؟ قال: إنَّه يقرأ عليك السَّلام، ويقول لك: إنَّك سألتَني عن خوفي وحزني وكِبَري وشيبي ووهنِ عظمي، وإنِّي أطولُ النَّاس حزنًا، وأحقُّهم بذلك، وأخوفُهم لديهم، وأذكرُهم لمعادِه، وأكبَرَني قبلَ أوان الكِبَر تذكُّرُ يوم القيامة، وشيَّبني قبلَ أوان الشَّيب تذكُّرُ النَّار، وأوهن عظمي قبل أوان الضَّعف الحزنُ على يوسف، وأعمى بصري البكاءُ (^١).
وإنَّا أهل بيتٍ أكرمَنا اللَّهُ تعالى بالبلاء، وشرَّفنا ورفعَنا به، فنحنُ مخصوصون بعظيمه (^٢)، فلا تصفو لنا الدُّنيا، ولا نزالُ فيها مفجَّعين مروَّعين، وقد بلغني تحزُّنُك بي واهتمامُك بأمري، وعرفْتُ حقيقة ذلك حين سألتني عن حالي، وسألْتَ عنِّي، وكفى باللَّه مجازيًا ومثيبًا، واعلم أنَّك لن تكرمني بكرامةٍ أعظم في صدري وأبلغ في سروري من أن تعجِّل لي ما يَشبعُ عيالي به، ثمَّ عجِّل إلى سراح ولدي، فتَصِلَ بهم وحدتي، وتؤنسَ بهم وحشتي.
فلمَّا سمِعَ يوسف ﵇ قول أبيه ورسالته بكى سرًّا فاشتدَّ بكاؤه، وحزِنَ فاشتدَّ حزنُه.
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ بنيامين كتبَ على ثوبه في مواضع: يوسف
_________________
(١) في (أ): "بكائي".
(٢) في (أ) و(ف): "بعظمه" والمعنى متقارب.
[ ٨ / ٤٤٤ ]
يوسف يوسف، شوقًا إليه وتسلِّيًا بالنَّظر إلى اسمه مكتوبًا في ثوبه، فقال له يوسف: ما هذا؟ فقال: هو اسم أخٍ لي أكلَه الذِّئب وفُجعْتُ به، فجعلْتُ اسمَه تذكرةً لي وتسكينًا لقلبي.
فقال: هل كنْتَ هناك إذْ أكلَه الذِّئب؟ قال: لا، ولكن هؤلاء الإخوة ذكروا لي ذلك.
فقال لهم: أهو كذلك؟ قالوا: نعم.
قال: سمعْتُ أنَّ فيكم مَن يقلعُ الشَّجرة بأصلِها، ثمَّ يضربُها برجلِه فيجعلها قِطَعًا قِطَعًا، أهو كما سمعْتُ؟ قالو ا: نعم، هو هذا. وأشاروا إلى روبيل، فقال يوسف: أكله الذئب وأنت فيهم؟ هذا محالٌ.
ثمَّ قال: سمعْتُ أنَّ فيكم مَن يدركُ الأسد بعدوِه، فيشقُّ لحيته، أهو كما سمعْتُ؟ قالوا: نعم، هو هذا. وأشاروا إلى شمعون، قال: أكله الذِّئب وأنت فيهم؟ هذا محالٌ.
ثمَّ قال: سمعْتُ أنَّ فيكم مَن لو صاح على باب مدينةٍ وضعَتْ كلُّ ذات حملٍ حملَها، ولو صاح أخرى وضعَتْ كلُّ بهيمةٍ حملَها، أهو كما سمعْتُ؟ قالوا: نعم، هو هذا. وأشاروا إلى يهوذا، قال: أكله الذِّئب وأنت فيهم؟ هذا محالٌ.
فسكتوا وخجِلوا، وكذلك العاصي في القيامة إذا لزمته الحجَّةُ.
وفي القصَّة: أنَّه دعا لهم بموائد وقِصَاعٍ، فجلس كلُّ اثنين منهم على مائدةٍ صغيرةٍ، وبقي بنيامين وحدَه، فجعل يبكي، فقال له يوسف: لِمَ تبكي؟ قال: لو كان معي أخي يوسف لم أبقَ منفردًا، قال: أترضى أن أكون لك أخًا؟ قال: لا يقومُ لي أحدٌ مقامَ أخي. فقال: أترضى أن أكونَ لك في الأكل صاحبًا؟ فقال: ومَن يجدُ ذلك؟ فضمَّه إلى نفسِه، وجلسَ يأكل معه.
[ ٨ / ٤٤٥ ]
فلمَّا أخرج يده ليأكل بكى بنيامين؛ فقال له يوسف: لِمَ تبكي؟ قال: ما أشبَهَ هذه اليد بيد يوسف! فقال: هذه يدُ يوسف، وأنا يوسف. فذلك قوله: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾، فقال بنيامين: وإذ وجدْتُكَ فلا أفارقُك، ولا أرجعُ مع أصحابي.
فقال: لقد علمْتَ اغتمامَ الوالدِ بك، وإنْ حبسْتُكَ ازدادَ غمُّه، ولا يتهيَّأ لي وجهٌ صالح إلَّا بعد أنْ أتَّهمَكَ (^١) بأمرٍ فظيعٍ، وأنسبَكَ إلى ما لا يَجملُ بك بحالٍ (^٢). قال: لا أبالي، فافعلْ ما بدا لك، فإنِّي لا أفارقُكَ.
قال: فإنِّي أدسُّ صاعي هذا في رحلِكَ، ثمَّ أنادي عليك بالسَّرقة ليتهيَّأ لي ردُّك بعدَ تسريحك. قال: فافعل.
* * *
(٧٠) - ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: فسَّرناه مرَّةً.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: السِّقايةُ: هي الإناءُ الَّذي يُسقى فيه، وهي هاهنا صاع الملك، فكان يشربُ منه.
وقيل: كان مِن فضَّةٍ.
وقال ابن زيدٍ: كان مِن ذهب (^٣).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كان مِن نحاسٍ (^٤).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "أشهرك".
(٢) "بحالٍ" ليس في (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٤٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٧١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٥١).
[ ٨ / ٤٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ يحتمِل أنَّ يوسف وضعَها بنفسِه وأخفاها عن الكلِّ، فلمَّا افتَقدوا طَلبوا، وبما ظَنُّوا اتَّهموا، ويحتمِل أنَّه أمرَ بعضَ خواصِّه بذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: أي: نادى منادٍ مُعلِمًا مُسمِعًا: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ قال الفرَّاء: هم ركابُ الإبل (^١).
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾: أي: فيكم سارقٌ، أو جماعةٌ اشتركوا في السَّرقة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هانَ على بنيامين ما قيل فيه من السَّرقة بعدما بقي مع يوسف.
وقيل: لَئِنْ نسبَ يوسفُ أخاه إلى السَّرقة جهرًا فقد تعرَّف إليه بقوله: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ سرًّا، فكان متحمِّلًا لأعباء الملامَةِ ظاهرًا، محمولًا بوجدان الكرامة باطنًا، وأنشد:
أجدُ الملامَةَ في هواكَ لذيذةً حبًّا لذِكرِكَ فلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ (^٢)
قال وهبٌ: وأمرَ يوسفُ بالصُّواع فدُسَّ في رحلِ بنيامين، وكان إناءَه الَّذي يشربُ فيه، وكان من نحاسٍ، فلمَّا فصَلَتِ العير وأمعنوا أرسل الطَّلبَ في أثرهم، فلم يشعروا حتَّى أُخِذَ (^٣) بخُطُمِ رواحلهم، فقالوا: ما خطبُكم؟ فأذَّن مؤذِّن الملكِ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٣٩)، و"زاد المسير" (٤/ ٢٥٧).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٩٥). والبيت لأبي شيص محمد بن عبد اللَّه بن رزين. كما في "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (٢/ ٨٣٢)، و"العقد" لابن عبد ربه (٦/ ٢٢٠).
(٣) في (ف): "أخذوا".
[ ٨ / ٤٤٧ ]
(٧١) - ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾: أي: إخوة يوسف ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: توجَّهوا إلى مَن أرسلَهم يوسف: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾؛ أي: أيَّ شيءٍ فقدْتُم فجئْتُم تطلبونَهُ؟
* * *
(٧٢) - ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾: هو اسمُ تلك السِّقاية، وكان صاعًا يُكالُ به الطَّعام ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ أي: ولمَن ردَّه علينا حِمْلُ بعيرٍ طعامًا ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾؛ أي: كفيل بتسليمِه إليه، والزَّعامةُ: الكفالةُ، مِن حدِّ دخل.
وقال في "كتاب عصمة الأنبياء" في قوله: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: فإنْ قالوا: لِمَ استجازَ يوسفُ هذا، وهذا يُعَدُّ فيما بينَ النَّاس مِن أسبابِ الخيانة والخديعة؟
قلنا: إنَّه فعل ذلك بالوحي؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ واللَّه تعالى أجرى في أحوال يوسف وإخوته وأبيه من الأعجوبات ما تنقطعُ عنه علومُ العباد، ولا تقفُ على كُنْهِ معانيه، حتَّى يرجعوا إلى تسليم القدرة.
وكان قصدُه بوضعِه ذلك في رحلِ أخيه (^١) ابتداءً إمساكُه، وله ذلك لأنَّه أخوه، ولو حبسَه مِن غير علَّةٍ ربَّما كانت تقع المماكسة (^٢) بين الإخوة، ولم يكنْ وقتَ إظهار حقيقة الحال، ففعل ما لا يجدون السَّبيل إلى منعِه إلى أن ينقضيَ الأمرُ في حكم اللَّه تعالى.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "رحله".
(٢) في (ف): "المماسكة".
[ ٨ / ٤٤٨ ]
وقول المنادي: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ له وجوهٌ:
أحدها: ما قال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّ المنادي به لمْ يكن يوسفَ، وإنَّما كان مِن خدمِه، أو مِن القوَّم (^١) على أسبابِ مملكتِه، وهم قلَّما يراعون حدودَ الكلامِ حتَّى يُتكلَّفَ لتحسين كلامِهم (^٢).
وقال الإمام البشاغري: إنَّ وضعَه في رحلِه كان في منزلِ يوسف، بحيث حملوا وصاروا هم مخرِجين ذلك الوعاء فعلًا، وإنْ لم يشعروا به، فمِن جهةِ عينِ الفعل بحملِ ذلك الوعاء سُمُّوا سارقين؛ لاجتماعهم على إخراجِ الرِّحال مِن دارِه، ألا ترى في الأحكام: مَن حَلَفَ لا يحملُ مِن منزلِه ثوبًا، وقد كان الثَّوب في ظرف وحملَه به = أنَّه يحنث في يمينِه وإن لم يشعرْ به، وهو موجبٌ للضَّمان إذا حملَه إنسانٌ.
ويوسفُ ﵇ وإنْ (^٣) جعلَه في وعاءِ أخيه لم يأمرْ بإخراجِه من الدَّار، ولا برفعِ الرَّحل، فما فعلوا فعلوا بغير أمرِه، ومَن أخرجَ متاعًا مِن دار إنسانٍ فهو في ضمان المخرِجِ إذا كان بغير أمرِه؛ فلذلك سمُّوا سارقين على هذا التَّأويل.
وقيل: هو على الاستفهام؛ أي: أئنَّكم لسارقون؟ لأنَّ مِنَ الجائز أن يكون ظهرَ منهم عند يوسف مِن بدء أمرهم إلى اليوم ما يُطلق لهم تسميتُهم به، وإنْ لم يكونوا سارقين هذا الوعاء.
وقيل: كان تعريضًا بإخراجِهم (^٤) يوسفَ مِن عندِ أبيه، كاتمينَ ما قصدوا أن يفعلوا به من تغييبِه عنه.
_________________
(١) في (أ): "القوام".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٦٦).
(٣) في (أ): "فيما" وفي (ف): "فلما".
(٤) في (ر): "بإخراج".
[ ٨ / ٤٤٩ ]
(٧٣) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾: أرادوا به ما انتشرَ به الخبرُ عنهم في طريقِهم مِن جهة مَن صحبَهم بصلاحِهم وظهورِ أعمالِ الخير منهم ومعاملتهم النَّاس بالإنصاف والإحسان.
وروي أنَّهم كانوا في طريقِهم لا ينزلون أرضًا هي ملكُ الغير، ولا يرعون لأحدٍ زرعًا، وكانوا جعلوا على أفواه دوابهم الألجمة (^١) لئلَّا تتناولَ الزَّرع، ولأنَّهم ردُّوا البضاعة الَّتي جُعلَتْ في رحالهم.
قال وهبٌ: قالوا لأولاد يعقوب: ما هكذا كان جزاؤنا منكم، ألم نكرِمْ ضيافتكم، ونوفِّ كيلَكم، ونحسن نُزُلَكم، ونفعلْ بكم ما لم نفعَلْه (^٢) بغيركم؟ ألم ندخلْكُم في منازلِنا وبيوتِنا؟
فقالوا: ما نُعرَفُ بهذا، ولا نُوصَفُ به، ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.
* * *
(٧٤ - ٧٥) - ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: قالَ: فأنيخوا نفتِّشُ رحالَكم، فأناخوا واثقيْنَ (^٣) بما يقولون
_________________
(١) في (أ): "الأكمة". الأكمة: جمع الكِمامة بالكسر، وهو ما يوضع على فم البعير لئلا يعض.
(٢) في (ف): "نفعل".
(٣) في (ر): "وأيقنوا".
[ ٨ / ٤٥٠ ]
مِن براءَتهم، شديدةً ألسنتُهم وقلوبُهم، فبدأَ برحلِ أخيهم الأكبر، ثم بالَّذي يليه، حتَّى بلغَ رحل بنيامين، فوجد الصُّواع مدسوسًا، فلمَّا استخرجَه منه نَكَسُوا رؤوسَهم، وانكسرَتْ قلوبُهم، وانقطعَتْ ألسنتُهم، وخَلَوا بأخيهم، وقالوا: يا ابنَ المشؤومةِ، وأخا المشؤوم، ما هذا إلَّا مِن شُؤمِ أمِّكَ، وشؤمِ ولدِها (^١)، ولولا ائتمرنا في أخيك أمرًا جازمًا لجرَّ علينا (^٢) أعظم من جريرتِك، فما الَّذي حملَكَ على أن تسرقَ صُواعَ الملكِ فتفضَحَنا وتفضحَ نفسَك، وتُزْرِيَ بأبيك الصِّدِّيق؟ وليس هذا بأوَّل ما ساءَتْنا أمُّكَ بولدِها، حتَّى في يوسف حين صرفَ وجهَ أبينا عنَّا، فحمَلَنا شؤمُكُم على أنْ أحزَنَّا أبانا، وبِعْنا أخانا، ولو كنَّا فعلنا ذلك بك لاسترَحْنا (^٣)، ولخلا لنا وجهُ أبينا.
فقال لهم بنيامين: اسمعوا منِّي (^٤) يا إخوتاه، لا تعجَلوا عليَّ ولا تشتموني، فإنِّي سآتيكم بوجهٍ من الحقِّ تعرفونَه وتعرفون به براءَتي وعذري، ألستم تعلمون أنَّ بضائِعَكُم قد دُسَّتْ في رحالِكم يوم صدرْتُم مِن عند هذا الملك مِن غير علمٍ منكم؟ فإنْ كنتم أنتم سرقتموها ودسَّيتموها في رحالكم كنْتُ أنا سرقْتُ الصُّواع ودسسْتُه في رَحْلي، وإن كنْتُم لا تدرون مَن دسَّ البضائع في رحالِكم فكذلك لسْتُ أدري مَنْ دسَّ الصُّواع في رحلي، وإلَّا فاعلموا أنَّ هذا الملك يريد بكم أمرًا، فهو يمكرُ بكم من أجلِه.
فلمَّا قال لهم هذا نظروا فيما قالَ، فأخذَ بأنفسِهم وتعلَّق بقلوبِهم وصدَّقوه،
_________________
(١) بعدها في (أ): "يندفع"، وفي: "تترفع".
(٢) في (أ) و(ر): "ولولا أنتم ما في أخيك أمرًا حارمًا لجر علينا" وفي (ر): "ولولا أنتم ما في أخيك أمرًا جازمًا تجرأ علينا"، وفي (ف): "ولولا أنتم ما جرى علينا". وكلها كما ترى.
(٣) "ولو كنا ما فعلنا ذلك لاسترحنا".
(٤) "اسمعوا منِّي" ليس في (ف).
[ ٨ / ٤٥١ ]
فلمَّا رجعوا إلى يوسف ودخلوا عليه قالَ لهم: كيفَ رأيْتُم فراسَتي فيكم، وعلْمِي بأمرِكُم، أليسَ قد أخبرتُكم أوَّل يومٍ رأيتكم أنَّكم سرَّاق فأنكرْتُم وحلفْتُم؟ وايم اللَّهِ، لا تبرحون حتَّى أسألَ الصُّواع عنكم، فيخبرَني بخبرِكُم، فإنَّه غضبان عليكم مِن أجلِ أنَّكم سرقْتُموه، فهو خليقٌ أنْ يفضحَكُم، وألَّا يسترَ شيئًا مِن مساوِئِكُم.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾: يعني: أسوأُ صنيعًا بما صنعْتُم بيوسفَ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: بما تقولون مِن الكذبِ بأنَّ أخاه يوسف سرقَ.
وإنَّما عيَّروا بوسف (^١) بالسَّرقة؛ لأنَّه كان لجدِّ يوسف أبي أمِّه صنمٌ يعبدُه، فقالَتْ أمُّ يوسف ليوسف: خذْ هذا الصَّنم الَّذي يعبدُه جدُّك فغيِّبْهُ؛ لعلَّه يتركُ عبادةَ الأصنام، وكان صنمًا مِن ذهبٍ، فغيَّبه يوسف، فلم يقدروا عليه، فمِن أجل الصَّنم قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
ثمَّ قال يوسف لأميْنِه: سَلْ هذا الصُّواع عن خبر هؤلاء القوم، وحذِّره أن يكتمَ شيئًا من أمرِهِمْ.
فنقرَهُ الأمينُ (^٢)، ثمَّ قال: أخبرِ الملكَ بالَّذي سألَكَ عنه، فطنَّ الصُّواع ساعةً، والأمينُ مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكَتَ الصُّواع قال الأمينُ: إنَّه يقول لك: أيُّها الملك، إنَّ هؤلاء القومَ ليس هذا بأوَّلِ ما سرقوا، إنَّهم سرقوا قبلَ صُواعِك هذا غلامًا حرًّا فباعوه.
قال: زدْ فسَلْه عنهم، وقلْ له: يخبرني مِن أخبارهم، فنقر الصُّواع، فطنَّ وهو مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكتَ الصُّواع قال الأمينُ: إنَّه يقول: إنَّ أخاهم الَّذي أخبروك
_________________
(١) في (ر) و(ف): "عيروه".
(٢) في (ف): "فنقر الأمين الصواع".
[ ٨ / ٤٥٢ ]
أنَّه قد ماتَ حيٌّ، ولكنَّه مغتربٌ بأرضٍ بعيدةٍ، وهو بها حيٌّ سليمٌ، وزعم الصُّواعُ أنَّهم لم يَصْدُقوك.
قال: زدْ فسَلْه عنهم، وقل له: أخبرنا مِن أخبارِهم، فنقرَ الأمينُ فطنَّ وهو مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكتَ الصُّواع قال الأمين: أيُّها الملك، إنَّ هؤلاء القوم أخبروك أنَّهم لأمٍّ واحدةٍ، وقد كذبوا، ولكنَّهم لعَلَّاتٍ، وإنَّما جمعَ إلفَتَهُم غدرةٌ غدرُوها بأبيهم، ولولا ذلك لكان بينهم ما يكون بينَ أولاد عَلَّات.
قال: فزدْهُ فسلْهُ عنهم، وقلْ له يخبرنا مِن أخبارهم، فنقرَه فطنَّ وهو مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكتَ قال الأمينُ: أيُّها الملك، إنَّ الصُّواع يقول لك: ما على ظهر الأرضِ مِن عصابةٍ هي أكذبُ مِن هؤلاءِ القوم، لقد كذبوا أباهم كذبةً ما استقالوها بعدُ، ولا غُفِرَتْ لهم.
قال: فزِدْ فسَلْهُ عنهم، وقلْ له يخبرنا مِن أخبارهم، فنقرَهُ فطَنَّ وهو مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكتَ قال الأمين: أيُّها الملك، إنَّ الصُّواع يقول: ما دخل على أبي هؤلاء القوم مذ عقلوا همٌّ ولا حزنٌ ولا بلاءٌ ولا بكاءٌ إلَّا مِن جهتِهم وسببِهم وعلى أيديهم وبجرائرِهم.
فلمَّا خافوا أن يبلغَ بهم الخبرُ والمسائل شأنَ يوسف وفعلَهم الَّذي فعلوه به وبأبيهم (^١) أكبُّوا على يوسف فالتزموه يقبِّلون رأسَه وقدمَيْه، ويسألونَه باللَّهِ، ويذكِّرونَه ويقولون له: نسألُكَ بالَّذي فضَّلَكَ على العالمين، وشبَّهَكَ بالنبيِّين لَمَا سترْتَ العورةَ، وأقلْتَ العَثْرةَ، وكنْتَ عندَ حسنِ الظَّنِّ بك، والرَّجاءِ فيك، وإلَّا ما حفظْتَ (^٢) رسالةَ أبينا يعقوب إليك، ووصيَّتَه فينا، ورحِمْتَ ضعفَه وكبرَه ووحدَتَه بعدَنا، ووحشَتَه بغيبتنا.
_________________
(١) "وبأبيهم" ليس في (ف).
(٢) في (أ) و(ر): "وحفظت" بدل "وإلا ما حفظت".
[ ٨ / ٤٥٣ ]
فرقَّ حين ذكروا أباه، وأدركَتْه الرَّحمةُ لهم فقال: أَمَا واللَّهِ لولا حرمةُ يعقوبَ وحقُّه ووصيَّتُه ورسالَتُه لنكَّلْتُ بكم مِن خلفِكُم، ولشركْتُ (^١) بكم السُّرَّاق واللُّصوص، فانطلِقوا فقد عفوْتُ عنكم، فاغربوا (^٢) فلا حاجةَ لي فيكم، وعجِّلوا بميرَتِكم إلى أبيكم، فإنَّه قد أوعز إليَّ أن أعجِّلَكم.
قالوا: فارحمْ كبرَه بابنِه هذا الَّذي تريدُ أنْ تحبسَه، فإنَّك لن تصلَهُ بصلةٍ أبلغَ منها، وإنَّك إنْ حبسْتَه ضاعفْتَ عليه البلاء.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾: أي: قال طالبو الصُّواع: فما مكافأة السَّارق؟
وقيل: فما عوضُ الصُّواع إنْ ظهرَ كذبُكُم بوجودِ الصُّواع معَكم؟
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾: أي: قال إخوةُ يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ. . .﴾.
قيل: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأٌ، وقوله: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبرُه، ومعناه: عوضُ المسروقِ سارقُه؛ أي: فيُؤخَذ فيُملَكُ ويُستَعْبَدُ، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ تأكيدٌ للتَّكرير، ومعناه: إنَّه الجزاءُ لا غير.
وقيل: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ شرطٌ، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ خبرُه، وهذه الجملة خبرُ قوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ في الابتداء.
وقيل: كان هذا حكمَ يعقوبَ في السُّرَّاق، فأَخبَروا بما هو حكم بلادِهم، ولذلك قال:
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: أي: السُّرَّاقَ؛ أي: هو حكمُ شريعتِنا.
_________________
(١) في (أ): "ولشددت"، وفي (ر): "ولشردت".
(٢) في (ف): "فاعزموا".
[ ٨ / ٤٥٤ ]
وقيل: لم يكن ذلك حكمَ يعقوب، بل كان ذلك (^١) حكمَ أهلِ مصر، فبادروا بالتزام هذا الحكمِ قبلَ أن يُجبَروا عليه.
وقيل: لم يكن ذلك حكمَ أحدِ الفريقَيْن، وإنَّما هو شيءٌ اتَّفقَ لهم القولُ به ثقةً منهم بأنَّهم لم يسرقوا، فنفَوا التُّهمة عن أنفسِهم بالتزامِهم أغلظَ ما يكون رسمًا (^٢) وحكمًا في السُّرَّاق، فكان ذلك أمرًا أرادَه اللَّه تعالى إتمامًا لمرادِ يوسفَ مِن احتباس أخيه عندَه، فأجرى هذا القول على ألسنتِهم.
وقيل: معنى قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: هو الَّذي يُجزَى جزاءَ السُّرَّاقِ دون غيره.
* * *
(٧٦) - ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ﴾: أي: بدأ المؤذِّن برحال الإخوة قبل رحلِ أخي يوسف وهو بنيامين، والوعاءُ: الظَّرفُ الَّذي يُوعَى فيه الشَّيء؛ أي: يُحفَظُ.
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾؛ أي: أخرجَ السِّقاية، وقال الزَّجَّاج: أي: الصُّواع، ويذكَّر ويؤنَّث، فلذلك قال: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾، ثمَّ قال: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾: أي: كدنا إخوةَ يوسف ليوسف (^٤)،
_________________
(١) في (أ) و(ر): "هو".
(٢) في (أ): "وسمًا".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٢٢).
(٤) "ليوسف" ليس في (أ).
[ ٨ / ٤٥٥ ]
والكيدُ: التَّعريضُ للضَّرر في خفاء؛ أي: أوقعنا هذا النَّوع من الحال على إخوة يوسف لأَجْل يوسف (^١)؛ ليتهيَّا له حبسُ أخيه بهذا النَّوع من السَّبب.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي: لم يكن يوسف ليأخُذَ أخاه في حكم ملكِ مصر، وعادةِ ملك مصر -فالدِّين اسمٌ لهما- بتهمةِ السَّرقة، وبحبسِه، إلَّا أن يسبِّب (^٢) اللَّهُ له التزامَ الإخوة في ذلك حكمَ شريعة أبيهم، وهذا على قول مَن جعل استرقاقَ السَّارق (^٣) حكمَ يعقوبَ دونَ أهل مصر.
وأمَّا على قولِ مَن عكسَ هذا القولَ فتأويلُه: كذلك كِدْنا ليوسف في إظهار السَّرقة على أخيه، وما كان له أخذُه في حكم مَلِك مصرَ إلَّا بالسَّرقة.
فالمشيئة على هذا واقعةٌ على وقوع السَّرقة منه.
ودلَّت الآية على أنَّ أفعالَ العباد حسَنَها وقبيحَها بمشيئة اللَّه تعالى.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾؛ أي: صنعْنَا (^٤).
وقال الرَّبيع بن أنس: أي: ألهمنا (^٥).
وقيل: قوله: ﴿كِدْنَا﴾؛ أي: كما فعلوا في الابتداءِ بيوسفَ فعلْنَا بهم، قال تعالى خبرًا عن يعقوب ﵇ أنَّه قال: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، وكان هذا جزاءَ كيدِهم ذلك.
وقوله: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ قال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: في سلطان الملك (^٦).
_________________
(١) في (ر): "ليوسف؛ لأجل يوسف"، وكلها ليست في (أ).
(٢) في (أ): "يشاء".
(٣) في (ر) و(ف): "جعل الاسترقاق".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٢).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٢)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ١٨٨).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٦٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٧٦).
[ ٨ / ٤٥٦ ]
وقال قتادة: في قضاء الملك (^١).
وقال مجاهد: في سُنَّة الملك (^٢).
وقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: أي: بتعليم العلمِ في كلِّ باب، والإيصالِ به إلى المحابّ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ حتَّى ينتهي العلمُ إلى اللَّه تعالى، فلا يكون فوقَه عليمٌ.
* * *
(٧٧) - ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: قال الإخوة: إنْ سَرَقَ هذا الأخُ فقد سرق أخٌ له مِن قبلُ، وهو يوسف (^٣)، وهذا اقتداءٌ بأخيه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾: أي: فأخفى هذه المقالةَ يوسفُ في قلبِه ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾؛ أي: لم يُظهرْها لهم؛ أي: لم يقلْ: أنا يوسفُ وما سرقْتُ قطُّ، فلِمَ كذبْتُم عليَّ؟
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾: أي: قال في نفسه: أنتم أسوءُ حالًا منه إنْ ثبَتَ منه ما تقولون عليه، فأنتم جفوْتُم أباكم، وبعْتُم أخاكم، وقصدْتُم قتلَه أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: أي: بما تصفونَه به مِن السَّرقةِ.
واختلفَ في وجهِ إضافتهم السَّرقة إليه:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٦٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٧٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٦٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٧٦) بلفظ: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ إلا فعلة كادها اللَّه له، فاعتل بها يوسف.
(٣) "وهو يوسف" ليس في (ف).
[ ٨ / ٤٥٧ ]
قال ابن عبَّاسٍ ومجاهد: كان لإبراهيم منطقةٌ كانوا يتوارثونها الكُبْرَ مِن أولاده، فورثَها ابنه إسحاق، ثمَّ وقعَتْ إلى رحمةَ بنت إسحاق أخت يعقوب، وكانت أكبر أولاد إسحاق، وماتَتْ أمُّ يوسف راحيل، فحضنَتْ رحمةُ يوسفَ، وكانت تربِّيه إلى أن شبَّ، وكانت لا تصبرُ عنه ساعةً، فلمَّا شبَّ أراد يعقوب أن ينزعَه منها ويردَّه إلى منزلِه، فعلمَتْ بذلك أختُه، فشدَّتِ المنطقة على وسط يوسف، وبعثَتْ به إلى يعقوب، ثمَّ أتَتْ على إثره فقالَتْ: فقدْتُ المنطقة، ولم أجدْها في بيتي، ففتَّشوا ثياب يوسف، فإذا المنطقة على وسطه، وكانت سُنَّةُ آلِ يعقوب استرقاقَ اللُّصوص والسُّرَّاق ثلاثة أشهرٍ، فردَّتْ يوسفَ إلى منزلها ثلاثةَ أشهرٍ، فذلك قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون: أنَّ يوسفَ سرق المنطقة (^١).
وقال وهبٌ: كان يخبِّئُ الطَّعام مِن المائدةِ للفقراء (^٢).
وقال كعب: كان يوسفُ في المنزل وحده، فأتى يوسفَ سائِلٌ، وكان في المنزل عَناقٌ -وهو الأنثى من الجَدْي- فدفعَها إلى السَّائل مِن غير أمر أبيه (^٣).
وقال ابن إسحاق: كان في منزل يعقوب جوبة (^٤) فيها صنمٌ لجدِّ أمِّ يوسف، فحمله يوسف فألقاه فيما نتنَ من الجيف، وغطَّاه بالتَّراب (^٥).
وقد حكيناه عن وهب في سياق القصَّة أتمَّ مِن هذا.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٧٨) عن مجاهد.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٣). وذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ١٩٣) عن ابن عباس ﵄ ووهب.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٣).
(٤) في (ف): "جونة". والجوبة: الحفرة، وفجوة ما بين البيوت، أو فضاء أملس بين أرضين. انظر: "القاموس" (مادة جوب).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣) عن سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج.
[ ٨ / ٤٥٨ ]
وقال سفيان بن عيينة: سرقَ يوسفُ دجاجةً كانت في بيت يعقوب، وأعطاها سائلًا (^١).
* * *
(٧٨) - ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: العزيزُ: المنيعُ.
وقوله: ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: في السِّنِّ، والكبير في القرآن لمعانٍ:
أحدُها: هذا.
والثَّاني: الكثير: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ يعني: قليلًا أو كثيرًا.
والثَّالث: العظيم؛ قال تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
والرَّابع: الطَّويل؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩]؛ أي: شقاءٍ طويلٍ.
والخامس: الشَّديد؛ قال تعالى: ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
والسَّادس: الأعلم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ﴾ [طه: ٧١].
والسَّابع: الأعقل؛ قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وهو يهوذا، وكان روبيل أكبرهم سنًّا.
وإنَّما استشفعوا بكون أبيهم شيخًا كبيرًا، ولم يقولوا: رسولًا نبيًّا؛ لأنَّ الشُّيوخ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٣).
[ ٨ / ٤٥٩ ]
لهم حرمةٌ، والكبر في السِّنِّ داعٍ إلى المرحمة، فقالوا ذلك استعطافًا؛ كما قال في قصَّة شعيب: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]، وفي قصَّة زكريَّا: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨].
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾: أي: خذ واحدًا منَّا عبدًا بدلَه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: أحسنْتَ إلينا في الإنزال والكيل وفي ردِّ البضاعة، وتحسنُ في معاملات النَّاس، فأحسِن إلى (^١) أبينا بردِّ هذا الولد إليه، وأحسِن إلينا بصرفِه معنا، فتزول وحدة أبينا عنَّا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ظنُّوا أنَّ واحدًا منهم يقوم مقامَه فيما هو مقصودُه، ولا بدلَ عن المحبوب، قال قائلهم:
أبى القلبُ إلَّا حبَّ ليلى وبغِّضَتْ إليَّ نساءٌ ما لهنَّ ذنوبٌ (^٢)
* * *
(٧٩) - ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾: أي: نعوذُ باللَّهِ أن نأخذَ غيرَ الجاني في حقِّنا، ولم يكن العَوذُ مِن ترك أخذ بنيامين، بل مِن أخذ غيره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾: لو فعلنا ذلك.
_________________
(١) في (ف): "فأحسن إلينا وإلى أبينا".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٩٨). ونسب البيت للأقرع بن معاذ القشيري كما في "الأمالي" للقالي (٢/ ٤٣)، ولكثير عزة كما في "خزانة الأدب" للبغدادي (٣/ ٢٠٧)، وفيه عندهما بعض اختلاف.
[ ٨ / ٤٦٠ ]
قال وهبٌ: قال لهم يوسف: تزعمون أنَّكم أولاد الأنبياء، أفتجدون في حكم النُّبوَّة أن يُؤخَذ البريء ويُترَك المذنب؟ أهكذا حكم يعقوب؟
فغضبَ يهوذا حتَّى قامَت شعرةٌ في ظهرِه كانت تقومُ إذا غضبَ (^١)، فلا تسكنُ تلك الشَّعرةُ حتَّى يمسَّه بعضُ ولدِ يعقوب، فقال: واللَّه لترسلنَّه أو لأصيحَنَّ صيحةً لا تبقى حُبلى في ملكِك إلَّا وضعَتْ ما في بطنها، فلمَّا همَّ أن يصيحَ قال يوسف لابنه: اذهب فخذْ بيدِه فائتني به، فأخذ بيدِه فجاءَ به إلى أبيه، فسكتَ غضبُ يهوذا، قال: واللَّه لقد أصابتني كفٌّ إنَّها مِن ولد يعقوب، فكفُّ مَن هي؟ قال: كفُّ ابنِ الملك، قال: فواللَّه إنَّه لينبغي أن يكون من ولدِ يعقوب.
* * *
(٨٠) - ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾: أي: يئسوا مِن ردِّ أخيهم ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾؛ أي: خرجوا مِن بين النَّاس، فخلصوا منهم نجِيًّا؛ أي: متناجين، وهو مصدرٌ في الأصل؛ يصلح للواحد كما في قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وللجمع كما في هذه الآية؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧].
وقيل: النَّجيُّ: جمع النَّاجي، كالنَّدِيِّ جمع النَّادي (^٢)، والغزِيِّ جمع الغازي، والحَجيج جمع الحاج.
_________________
(١) "كانت تقوم إذا غضب" ليس في (ف).
(٢) "جمع النادي" من (أ).
[ ٨ / ٤٦١ ]
و﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ مِن فصيحات القرآن، ﴿خَلَصُوا﴾ انفردوا، وأصله: الصَّفاء عن الشَّوب؛ أي: لم يبقَ معهم غيرهم.
والنَّجيُّ يجمع على الأنجية، قال الشاعر:
إنِّي إذا ما القومُ كانوا أنْجِيَةْ واختلفَ القومُ اختلافَ الأرْشِيَةْ
هناك أوصِيني ولا تُوصِي بِيَهْ (^١)
يقول: لمَّا قنطوا من ردِّه إليهم انفردوا خالصين لا يختلط غيرهم بهم يتناجَون؛ أي: يتسارُّون (^٢) في الأمر الَّذي عرض لهم ماذا يصنعون؛ أيرجعون إلى أبيهم، أم يقيمون بمصر إلى أن يُعلموه خبرَ أخيهم، أو يقاتلوا يوسفَ في استنقاذ أخيهم؟
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: قيل: أكبرهم سنًّا، وهو روبيل.
وقال مجاهد: هو شمعون، ولم يكن أكبرهم في السنِّ، بل كان أكبرهم في العقل (^٣).
وقال الكلبيُّ ووهبٌ: هو يهوذا (^٤).
وقال محمَّد بن إسحاق: هو لاوي (^٥).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾. هو قوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.
_________________
(١) الرجز لسحيم بن وثيل اليربوعي كما في "لسان العرب" لابن منظور (مادة: نجا)، ودون نسبة في "العين" (٦/ ٢٨١)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٢٠)، و"جمهرة اللغة" (١/ ٢٣٥)، وغيرها.
(٢) في (ف): "يتشاورون".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٨٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٨١).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٥)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٠٣).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٥).
[ ٨ / ٤٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ رفعٌ على الغاية.
و﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ له ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ، وإعرابُه الرَّفع، وهو خبر ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: ومِن قبلِ هذا تفريطُكُم.
وقيل: نصبٌ بوقوع ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ عليه؛ أي: ألم تعلموا تفريطَكُم في أمر يوسف.
وقيل: ﴿مَا﴾ صلةٌ زائدة، وتقديرُه: ومِن قَبْلِ هذا فرَّطْتُم (^١) في يوسفَ؛ أي: قصَّرتم في أمره وضيَّعتموه.
وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: وقوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٠] هما متقابلان في التَّفسير؛ فلن أبرحَ الإقامةَ مِن غير ذهابٍ، ولا أبرحُ للمسير بدون المقام، وإنَّما صحَّ ذلك مع أنَّهما متضادَّان؛ لأنَّ المعنى فيها: لا أزول، فمعنى ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾: فلن أزايلَ المقامَ، ومعنى (لا أبرحُ): لا أزايل (^٢) المسير.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾: أي: في الرُّجوع إليه، وقيل: في القتال.
﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: بالرُّجوعِ بأنْ يَظهرَ عذري عند أبي، فحينئذ أرجع، أو يصلَ إلينا أخونا، أو يحكمَ اللَّه لي بالسَّيف أن أحاربَهم وآخذَ الأخ منهم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: لا خطأَ في حكمِه، ولا زللَ، ولا رشوة (^٣).
_________________
(١) في النسخ: "ومن قبل ما فرطتم"، والصواب المثبت. انظر: "البحر المحيط" (١٢/ ٥٣٦).
(٢) في (أ): "أزيل" في الموضعين.
(٣) بعدها في (أ) و(ر): "ولا حشمة"، ولعل المراد بها هنا: الانقباض. انظر: "مقاييس اللغة" (٢/ ٦٣). وفي "العين" (٣/ ٩٩): الحِشمةُ: الانقباض عن أخيك في المَطْعَم وطَلَب الحاجة.
[ ٨ / ٤٦٣ ]
(٨١) - ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾: قال هذا الكبير لإخوته: ارجعوا إلى أبيكم، فأنا مقيمٌ بمصرَ، وأوضحوا له عذركم ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾؛ أي: حُكِمَ عليه بالسَّرقة ﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾؛ أي: عليه بالسَّرقة عندك ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ مِن الأمرِ الظَّاهر بوجود المسروق في رحلِه.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: أي: ولم نكن نحفظُ الغيب، فندفعَ عنه، فنقولَ: إنَّه لم يسرق؛ أو (^١) لم نعلمْ أنَّ الأمر في الباطنِ بخلافِ الظَّاهر (^٢)، فسلَّمنا لَمَّا حُكِمَ عليه بالسَّرقة على الظَّاهر.
وقيل: وما كنَّا نحفظُ الغيبَ فنعلمَ أنَّه سيسرقُ، ولو علمنا ذلك لكنَّا لا (^٣) نخرجُ به، وكنَّا ضمنَّا لك حفظَه ممَّا يمكننا أن نحفظَه عنه مِن الآفات في الطَّريق، فأمَّا السَّرقة فممَّا لا يكون لنا إلى حفظِه منها سبيل.
وقال عبدُ الرَّحمنِ بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾؛ أي: ما شهدنا عند الملك (^٤) أنَّ السَّارق يُسترَقُّ إلَّا بما علمنا من أن ذلك هو الواجبُ في الحكم، ولم نعلم في الحقيقة هل سرق ابنك أم لا؟ إلَّا أنَّه وُجِدَ الصُّواع في متاعه (^٥).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "إذ".
(٢) في (ف): "الظاهر ذلك".
(٣) في (ف): "ما كنا" بدل: "لكنا لا".
(٤) في (ر): "يوسف".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٨٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٨٢).
[ ٨ / ٤٦٤ ]
وقرأ الضَّحَّاك: (إنَّ ابنَكَ سُرِّقَ) بضم السِّين وتشديد الرَّاء على ما لم يسمَّ فاعله (^١)؛ أي: نُسِبَ إلى السَّرقة، كقولك: صُدِّقَ وكُذِّبَ.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾؛ أي: لم نعلم ما كان يصنعُ في ليلِه ونهارِه، ومجيئِه وذهابِه.
وقال ابن كيسان: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾؛ أي: لم نعلمْ أنَّك تُصابُ به كما أُصبْتَ بيوسف، ولو علمنا ذلك لم نحرقْ قلبَك، ولم نذهب به.
وقال عكرمة: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: فلعلَّها دُسَّتْ باللَّيل في رحله، ولا علم لنا به.
وقال محمد بن إسحاق: أي: لم نطَّلع على أنَّه سرق، ولكنَّهم سرَّقوه (^٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾: أي: وسَلْ أهلَ القريةِ، أضمرَ الأهلَ لدلالة الحال ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ومعناه: وسَلْ أهلَها؛ فإنَّ العيرَ اسمٌ للإبلِ والحمير الَّتي تحمل الأحمال في المسير.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: فيما نخبرُكَ به أنَّه سرق.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٦)، ونسبت هذه القراءة لابن عباس ﵁. انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ٢٨٧)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٤٦)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٧٠). وذكرت بعض كتب التفسير عن الضحاك أنه قرأ: (سارق) اسم فاعل. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٢٧٠)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (١٢/ ٥٣٩)، و"الدر المصون" للسمين الحلبي (٦/ ٥٤٣).
(٢) ذكر هذه الأقوال الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٦)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٠٧).
[ ٨ / ٤٦٥ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿الْقَرْيَةَ﴾: هي مصرُ، ﴿وَالْعِيرَ﴾: القافلة الخارجة (^١).
وعن ابن عبَّاس ﵄ في رواية: أنَّها قرية من قرى مصر (^٢)، كانوا خرجوا مع الميرة إليها، فلحقهم المنادي بها.
ثمَّ بعدَ هذه الآية مُضمَرٌ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ أي: فرجعوا وقالوا له ذلك، فقال هو ذلك.
قال وهبٌ: فلمَّا رجعوا إلى أبيهم فأخبروه الخبر كذَّبهم واتَّهمهم، وساء ظنُّه بهم، وقال لهم ذلك: كلَّما توجَّهتم وجهًا نقصَ منكم واحدٌ، توشكون أن لا يبقى منكم أحدٌ. وظنَّ أنَّ يهوذا إنَّما تخلَّف عنه مكرًا وحيلة ليصدِّقهم، فقال -وهو قوله تعالى-:
* * *
(٨٣) - ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال قتادة: أي: زيَّنَتْ (^٣).
وقيل: سهَّلَتْ؛ أي: ما هو عندي كما تقولون، وإنَّما زيَّن لكم هوى أنفسِكم أمرًا هممْتُم به في هذا الأمر، كما فعلتُموه بيوسف.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: أي: فلا أرجع إلَّا إلى الصَّبر الجميل الذي أكظم عليه ولا أبثُّه إلى مخلوق.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٩١).
(٢) رواه الكلبي عن ابن عباس. انظر: "البسيط" (١٢/ ٢٠٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٩٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١١١).
[ ٨ / ٤٦٦ ]
قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾: يوسف وأخويه بنيامين ويهوذا.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بحالي وبوجدي وبصبري، وبصدقكم وكذبكم، وهو ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يدبِّرُه في أمور عبادِه، فليس يدبِّرُ أمري إلَّا بما هو صلاحٌ لي، ونفعٌ في دنياي وديني، فأنا مسلِّمٌ لتدبيرِهِ.
وقيل: المؤمنُ المحقِّقُ كلَّما ازدادَ بلاءً ازدادَ رجاءً.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: لَمَّا وعدَ مِن نفسِه الصَّبرَ الجميلَ لم يمضِ عليه يومُه حتَّى قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ ليعلم أنَّ عزمَ الأحبابِ على الصَّبرِ منقوضٌ غيرُ محفوظٍ (^١).
* * *
(٨٤) - ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: قالوا: كان يعقوبُ صلوات اللَّه عليه في حال توجُّهِه إلى الأولادِ يفقدُ في كلِّ سفرٍ منهم ولدًا، فلمَّا تولى عنهم وجدَ المفقودين كلَّهم؛ ليعلمَ العبدُ أنَّ في توجُّهِه إلى الخلقِ قطعَ نفعِ الخلق، وفي التَّوجُّه إلى اللَّه تعالى الوصولُ إلى كلِّ شيءٍ.
يقول: أعرضَ عن بنيه وأقبلَ على بثِّ نفسِهِ ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: قال الحسن وقتادة والضَّحاك: يا حُزْناه (^٢).
وقال مجاهد: يا جَزَعاه (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٩٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥) عن قتادة والضحاك.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٩٤).
[ ٨ / ٤٦٧ ]
قال الشَّاعر:
فيا أسَفَا على سَلْمِ بن عَمْرٍو ويا حَزَنا عليه ولَهْفَ نَفْسِي (^١)
والأسفُ: أشدُّ الحزنِ على الغائبِ، وهو أشدُّ الغضبِ أيضًا، ويجوز أن يكون اجتمعَ له المعنيان؛ الحزنُ على فقدِ يوسف، والغضبُ على إخوة يوسف، أو على نفسِه ببعْثِ بنيامين معهم.
والصِّيغةُ صيغةُ نداءٍ (^٢)، ومعناها: يا حزنُ هذا وقتُكَ فاحضر. والألفُ في آخره للنُّدبةِ، وأصلُه: واأسفاه، مع هاء الاستراحة، ثمَّ حُذفَتِ الهاء للتَّخفيف (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾: قيل: هو ذهابُ بصرِه؛ قال مقاتل: لم يبصرْ ستَّ سنينَ (^٤).
وقال الأستاذُ أبو عليٍّ الدَّقاق: لم يقل: عَمِي؛ لأنَّه لم يذهبْ بصرُه ذهابَ فواتٍ، لكن كان حِجابًا عن رؤيةِ غيرِ يوسف.
وكان إخوتُه غيَّبوه ليخْلُوَ لهم وجهُ أبيهم، فيخلصَ لهم نظرُه، فلم يرضَوا بنظرِه إليهم مع يوسف، ففاتهم أصلًا، وكذلك مَن طلبَ الكلَّ فاتَه الكلُّ (^٥).
_________________
(١) البيت لعمرو بن معدي كرب قاله في ابنه خُزَزَ، وكان قتله في بعض حروبه وهو لا يشعر أنه ابنه، فلما عرفه قال فيه أبياتًا هذا منها. انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٤٦/ ٣٩٦)، و"توضيح المشتبه" (٣/ ١٧٥)، وروايته فيهما: يا أسفا على خُزَزَ بن عمرو فيا ندمي عليه ولهف نفسي
(٢) في (ف): "نداء ونعت".
(٣) "للتخفيف" ليس في (ف).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٧)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢١٤).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠).
[ ٨ / ٤٦٨ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كان ذهابُ بصر يعقوب في غيبة يوسف لطفًا من اللَّه تعالى بيعقوب، حتَّى لا يحتاجَ إلى رؤية غيره؛ إذ لا شيءَ على الأحباب أشدُّ من رؤية الأغيار، قال قائلُهم:
لَمَّا تيقَّنْتُ أنِّي لسْتُ مُبصِرَكُمْ غمضْتُ عيني فلم أنظرْ إلى أحدٍ (^١)
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾: أي: الهمّ الغليظ على النَّفس، من الأرض الحَزْن - بفتح الحاء: الغليظة.
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أي: مملوءٌ كربًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] الكِظامُ: القناةُ والسِّقايةُ المملوءةُ ماءً.
وقيل: ﴿كَظِيمٌ﴾؛ أي: ممسكٌ على غيظٍ على أولاده بما فعلوا به، أو على نفسِه بما فعلَ مِن إرسال بنيامين معهم، هذا فعيل بمعنى فاعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، والأوَّل فعيل بمعنى مفعول.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كَظِيمٌ﴾: مهموم (^٢).
وقال مقاتل: مكروب يتردَّد الحزن في جوفِه (^٣).
وقال مجاهد: ساكت (^٤).
وقال قتادة: كظيم على الحزن؛ أي: لم يتكلَّم بسوء (^٥).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٠)، والبيت ينسب لأبي بكر الشبلي. انظر: "الأمالي" للجرجاني (٢/ ٩٣)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٢/ ٣٩٢).
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٥٦).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٤٨).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٣٤)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٩٦).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٩٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (/ ٢١٨٧).
[ ٨ / ٤٦٩ ]
وقال عكرمة: ممتلئ حزنًا (^١).
* * *
(٨٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾: أي: لا تفتأُ، ومعناه: لا تزال. قاله ابن عبَّاس ﵄ والحسن ومجاهد وقتادة والسُّديُّ (^٢).
وصرفُه مِن حدِّ (علم)، ومصدرُه: الفَتْأُ والفُتُوءُ على الفَعْلِ والفُعُولِ، قال أوسُ بنُ حُجر:
فما فَتِئَتْ خيلٌ تثوبُ وتدَّعي ويلحَقُ منها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (^٣)
أي: فما زالَتْ.
وحُذفَتْ (لا) من (تفتأ) لأنَّه جوابُ القسم المنفيِّ، ولو كان إثباتًا لكان بالَّلام والنُّون (^٤)؛ قال امرؤُ القيس:
فقلْتُ يمينُ اللَّهِ أبرَحُ قاعدًا ولو قطَّعوا (^٥) رأسي لدَيْكِ وأوصالي (^٦)
_________________
(١) ذكر نحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢١٩). وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٥٦٩) إلى ابن أبي حاتم بلفظ: ﴿كَظِيمٌ﴾: مكروب.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٨٧) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد والسدي.
(٣) انظر: "ديوان أوس" (ص: ٥٨)، و"مجاز القرآن" (١/ ٣١٦)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٢١).
(٤) يعني: جاز حذفها هنا لأنها لا تَلتبِس بالإثبات؛ إذ لو كان إثباتًا بعد القسم لقيل: لتَفْتأنَّ؛ إذ لا بد في الإثبات من اللام والنون، فقرينةُ النفي خلوُّه عن علامة الإثبات.
(٥) في (ر) و(ف): "قلصوا".
(٦) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ١٠٨).
[ ٨ / ٤٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: قال ابن عبَّاس ومجاهد: أي: باليًا من المرض ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾: أي: الميِّتين (^١).
وقال الحسنُ وقتادةُ: حتى تكون هرمًا (^٢).
وأصلُ الحَرَضِ: فسادُ العقل والجسم مِن الحزن والحبِّ، وقال العَرْجيُّ:
إنِّي امرؤٌ لجَّ بي حبٌّ فأَحْرَضَنِي حتَّى بَلِيْتُ وحتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ (^٣)
﴿حَرَضًا﴾: مصدرٌ أريد به النَّعت، ولا يثنَّى ولا يجمع.
وقال الرَّبيع بن أنس: ﴿حَرَضًا﴾ يابسَ الجلد على العظم.
وقال الكسائيُّ: فاسدًا لا خير فيه.
وقال الحسنُ: أي: كالشَّيءِ المدقوق المكسور (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀. هدَّدوه بأن يصيرَ حرضًا، وقد كان حرضًا، وخوَّفوه بما كان لا يبالي أن يصيبَه في حكم الهوى، حيث قالوا: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾، وقيل: ألذُّ الأشياء في حكم الهوى التَّهالكُ في حبِّ مَن تهوَى (^٥).
* * *
(٨٦) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٠١ و٣٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٨٧ و٢١٨٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٠٣).
(٣) انظر: "ديوان العرجي" (ص: ٥).
(٤) ذكر الأقوال الثلاثة السابقة الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٤٨).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٠).
[ ٨ / ٤٧١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: همِّي (^١). وهو الَّذي يُبَثُّ وإنْ كُتِمَ؛ أي: ينتشرُ بإثارة.
والحزنُ: ما يغلظُ على النَّفس احتمالُه.
وقيل: البثُّ: الهمُّ الَّذي يظهرُه صاحبُه، والحزنُ: الَّذي يضمرُه.
وقيل: البثُّ ابتداؤه، والحزن انتهاؤه.
يقول: أشكو ذلك كلَّه إلى اللَّهِ، لا إلى خلقِه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: مِن سَعةِ رحمتِه ولطفِ تدبيره بعباده ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنتم، يشيرُ إلى حسنِ ظنِّه وقوَّةِ رجائه بربِّه ﷻ أنْ يُعيدَ إليه يوسفَ ﵇.
قيل: إنَّما رجا ذلك لِمَا قصَّ عليه يوسف مِن رؤياه وعلم تأويلَه.
وقيل: أخبرَه بذلك ملكُ الموتِ ﵇.
وقيل: أخبرَه جبريلُ صلوات اللَّه عليه.
وقيل: رآه في المنام.
قال وهبٌ: ولَمَّا أرادَ اللَّهُ تعالى أنْ يُرَفِّه (^٢) عنه ويرحمَه ويبلِّغَه إلى بنيْهِ أرسلَ إليه ملكَ الموتِ قال: إنِّي كنْتُ أتمنى أنْ ألقاكَ منذُ حينٍ، قال له: لِمَ ذلك؟ قال: لأسألَكَ عن شأنِ يوسف، قال: وعن أيِّ شأنِه تسألني؟
قال: أنشدُكَ وأسألُكَ بالَّذي ملَّكَكَ الأنفسَ، وسلَّطَكَ على الأرواح، وأعطاكَ القوَّة في الأجساد، هل قبضْتَ روحَ يوسف؟
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٠٦).
(٢) في (ف): "يخفف".
[ ٨ / ٤٧٢ ]
قال: لا، والَّذي نَشَدْتَني به ما قبضْتُ روحَه، فاطلُبْ ابنك فإنَّه حيٌّ سالمٌ.
فانتبَه وأصبحَ وقالَ لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
وروى أنس عن النَّبيِّ -ﷺ- قال: "كان ليعقوبَ أخٌ مؤاخٍ له، فقال له ذاتَ يومٍ: يا يعقوبُ، ما الَّذي أذهبَ بصرَكَ؟ وما الَّذي قوَّسَ ظهرَكَ؟ قال: أمَّا الَّذي أذهبَ بصري فالبكاء على يوسفَ، وأمَّا الَّذي قوَّس ظهري فالحزنُ على بنيامين، فأتاه جبريلُ فقالَ: يا يعقوبُ، إنَّ اللَّهَ يُقرِئُكَ السَّلام، ويقولُ لك: أَمَا تستحي أن تشكوَني إلى غيري، فقال يعقوبُ: إنَّما أشكو بثِّي وحزني إلى اللَّه، فقال جبريل: أعلم بما تشكو يا يعقوب، ثمَّ قالَ يعقوبُ: يا ربِّ، أَمَا ترحَمُ الشَّيخَ الكبير؟ أذهبْتَ بصري، وقوَّسْتَ ظهري، فاردُدْ عليَّ ريحانَتِي أشمُّه شَمَّةً قبلَ الموتِ، ثمَّ اصنَعْ بي يا ربِّ ما شئْتَ. فأتاه جبريلُ وقال له: يا يعقوبُ، إنَّ اللَّهَ ﷿ يقرِئُكَ السَّلام، ويقول لك: أبشِرْ، ولْيَفرَحْ قلبُكَ، فوعزَّتي لو كانا ميِّتَيْن لنشرتُهُما (^١) لك، فاصنَعْ طعامًا للمساكين، فإنَّ أحبَّ عبادي إليَّ المساكين، وتدري لم أذهبْتُ بصرَكَ، وقوَّسْتُ ظهرَكَ، وصنعَ إخوةُ يوسفَ بيوسفَ ما صنعوا؟ لأنَّكم ذبحْتُم شاةً، فأتاكم فلانٌ المسكينُ وهو صائم، فلم تطعموه منها، فكان يعقوبُ بعدَ ذلك إذا أرادَ الغداء (^٢) أمرَ مناديًا فنادى: أَلَا مَن أرادَ الغداءَ مِن المساكين فليتغدَّ (^٣) مع يعقوب، وإذا كان صائمًا أمرَ مناديًا فنادى: ألا مَن كان صائمًا من المساكين فليفطرْ مع يعقوب" (^٤).
_________________
(١) في (ف): "لأنشرتهما".
(٢) في (ر) و(ف): "القرا".
(٣) في (أ): "فليحضر".
(٤) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦١٠٥)، و"المعجم الصغير" (٨٥٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٢٨). قال ابن كثير في "تفسيره": حديث غريب فيه نكارة. =
[ ٨ / ٤٧٣ ]
وقيل: كان فَصَلَ عِجَّوْلًا عن أمِّه أيَّامًا.
وقيل غيرُ ذلك من الأسباب، والصَّحيح أنَّه غيرُ مبنيٍّ على سببٍ، وللَّهِ أن يمتحنَ عبادَه وخواصَّه بما شاءَ؛ ليرفعَ لهم بذلك درجاتِهم، ويُظهرَ صدقَهم وإخلاصَهم.
* * *
(٨٧) - ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾: أي: اطلبوا خبرَه، مِن الحسِّ، وهو العلم بالحاسَّة، والتَّجسُّس -بالجيم- قريبٌ منه.
وقيل: هما واحد.
وقيل: بالحاء في الخير، وبالجيم في الشَّر.
وقيل: التَّحسُّس بالحاء: الطَّلب لنفسِه، وبالجيم: الطَّلب لغيره، ومنه: الجاسوس.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أمرَهم بطلبِ يوسف بجميعِ حواسِّهم، يطلبونه بالبصر لعلَّهم يرونَه، وبالأُذن لعلَّهم يسمعون ذِكْرَه، وبالشَّمِّ لعلَّهم يجدون ريحَه، توهَّم أنَّهم مِثْلُه في الإرادة (^١).
قال تعالى خبرًا عنه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال أهل التَّأويل: استخبِروا عنه واطلبوا، والأقرب أن يكون معناه: اذهبوا مِن هذا الجانب الَّذي كنتم فيه، فانظروا إليه وإلى
_________________
(١) = وقوله: "وإذا كان صائمًا أمر مناديًا فنادى ألا من كان صائمًا من المساكين فليفطر مع يعقوب" ليس في (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠١).
[ ٨ / ٤٧٤ ]
أخيه، فإنْ حُمِلَ على الاستخبار في حقِّ يوسف، لا يستقيم في قوله: ﴿وَأَخِيهِ﴾، وهم يعلمون أين هو، فمعناه: إيقاعُ حاسَّة البصر على الَّذي رأوه (^١)، وهو لوقوع الرَّجاء له أنَّ يوسفَ بمصرَ، لكن لم يخبرْ بنيه بذلك أنَّه هناك؛ لِمَا علمَ أنَّهم يتكاسلون ويتثاقلون عن الذَّهاب إليه، فقال ذلك تعريضًا لا تصريحًا (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قال يعقوب في حقِّ يوسف: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾، وقال في حقِّ سائر أولادِه: ﴿اذْهَبُوا﴾؛ ليعلمَ بنوه ما بينَهم في المحلِّ عندَه (^٣).
وقال وهبٌ: لَمَّا قال لبنيه ذلك، قالوا: كيف تكلِّفنا أنْ نتحسَّسَ مِن أهل القبور، أمَّا يوسف فقد أخبرناك خبرَه أوَّل يوم أنَّه أكلَه الذِّئب، ولا نحسبُه اليوم إلَّا رميمًا تحت التُّراب، وأمَّا ابناك اللَّذان ذهبا معنا فقد أخبرناك أنَّ أحدَهما سرقَ فارتُهنَ بسرقتِه، وأمَّا الآخر فمقيم لطلبِ فكاكِه، قد أقسم باللَّهِ جهدَ يمينه وآلى على نفسِه ألَّا يبرح الأرضَ حتَّى تأذنَ له، أو يفيَ ذلك بموثقك، أو يحكم اللَّه بما شاءَ وهو خير الحاكمين، ونحن راجعون ومتحسِّسون عن أخويْنا (^٤)، ومتعرِّضون للملك، إنَّا قد عهدناه بك رحيمًا، ولعلَّ اللَّه أن يكون قد أحدثَ له رأيًا، وزادَه لك رحمة.
قال يعقوب: فبلِّغوه عنِّي السَّلام، وقولوا له: إنَّ أبانا يعقوب يقول لك: بينا أنَّك مهتمٌّ بمصيبته محزونٌ عليه مُعنًّى بأمرِه، تبكي معه، وتدعو له = إذْ فجعْتَه بابنِه، ما هذا منك بمشبِهٍ أوَّل فعلِك، فارحَمْ تُرْحَم.
_________________
(١) قوله: "إيقاعُ حاسَّة البصر على الَّذي رأوه"، كذا قال المؤلف، وعبارة "التأويلات": (وقوع الحس والبصر عليهما).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٧٨).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠١).
(٤) في (أ): "إخوتنا".
[ ٨ / ٤٧٥ ]
وقيل: إنَّهم قالوا له: اكتب إليه بشيءٍ، فأمر فكتبَ إليه:
بسم اللَّه، هذا كتابٌ من يعقوبَ إسرائيل اللَّه بن إسحاق ذبيح اللَّه بن إبراهيم خليل اللَّه إلى ملك مصر عبد اللَّه.
أمَّا بعد: فإنَّا أهلُ بيتٍ مُوكَّلٌ بنا أسباب البلاء، أمَّا جدِّي إبراهيم فأُلقي في النَّار فصبرَ لأمر اللَّه، وأمَّا عمِّي إسماعيل فابتُلِيَ بالغربة في صغرِه فصبرَ لأمر اللَّه، وأمَّا أبي إسحاق فابتُلِيَ بالذَّبح فصبر لأمر اللَّه (^١)، وأمَّا أنا فأضعفُهم ركنًا وأقلُّهم حيلةً وأعظمُهم مصيبةً، بكيْتُ على فراق ولدي يوسف حتَّى عميَ بصري، والَّذي أخذْتَهُ سارقًا فليس بسارقٍ، واللَّهِ ما ولدْتُ سارقًا، فامنُنْ عليَّ بردِّه، وخلِّ سبيلَه، واحذرْ دعوةَ المظلوم، والسَّلام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: أي: رحمةِ اللَّه، وقيل: أي: مِن ترويح اللَّه؛ أي: تفريح اللَّه (^٢) من الحزن.
﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: أي: من تفريج اللَّه عن المكروبين ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾: الَّذين لا يعرفون قدرةَ اللَّه على ما يشاء.
ثمَّ إنَّهم توجَّهوا إلى مصر، فلمَّا انتهوا إليها دخلوا عليه، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٨٨) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾: أي: أصابَنا ونساءَنا وأولادَنا الضِّيقُ والقَحطُ.
_________________
(١) الصحيح المقطوع به عند العلماء أن الذبيح هو إسماعيل ﵇.
(٢) "أي تفريح اللَّه" من (أ).
[ ٨ / ٤٧٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا﴾: أي: وقد جئناك ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ قال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير؛ أي: رديئةٍ لا تؤخَذُ إلَّا بوَكْس.
وقال الحسن ومجاهد وإبراهيم وقتادة وابن زيد: أي: قليلةٍ.
وقال الضَّحَّاك: أي: كاسدةٍ غيرِ نافقةِ في ثمن الطَّعام (^١).
وقال وهب: كانت دراهم نُفاية (^٢).
وقيل: كانت صوفًا وسمنًا وأقطًا. قاله الحسنُ (^٣).
وأصلُ الإزجاء: السَّوق والدَّفع؛ قال تعالى: ﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ [الإسراء: ٦٦]، ومنه تزجيةُ العمر، كأنَّها بضاعةٌ تُدفع ولا تُقبل.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾: أي: لا تنظرْ إلى نقصان بضاعتنا وأتممْ بإحسانِك كَيْلَنا.
وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: أي: أسقطْ ما بين الجياد والرديَّة مِن التَّفاوت؛ قال وهب: كأنَّ دراهمنا جيادٌ؛ تفضُّلًا منك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
وقيل: كانت بضاعتُهم حبَّة الخضراء.
وقيل: كانت خَلَقَ الغِرارةِ (^٤) والحَبل.
_________________
(١) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٢٧ - ٣٢٢).
(٢) وكذا فسره مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٣٤٩). والنفاية: القليل أو الرديء. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (مادة: نفي).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣١٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٩١)، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث.
(٤) في (ف) و(أ): "حلق الغرارة". والغرارة: وعاء من صوف أو شعر لنقل التبن وما أشبهه. انظر: "معجم ديوان الأدب" للفارابي (٣/ ٩٦).
[ ٨ / ٤٧٧ ]
وقيل: تصدَّق علينا بردِّ أخينا علينا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا طالعوا فقرَهم نطقوا بقَدْرهم (^١)، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، ولمَّا شاهدوا (^٢) قَدْرَ يوسف سألوا على قَدْرِه، فقالوا: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾، كأنَّهم قالوا: جئْنا ببضاعةٍ لا تَنفُق إلا بهذه الحضرة، فأوفِ لنا (^٣) كيلًا يليقُ بفضلِكَ لا بفقرِنا، وبكرمِك لا بعَدَمِنا، ثم تركوا هذا اللِّسان فقالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، نزلوا أوضعَ منزلٍ، كأنَّهم قالوا: إن لم نستوجِبْ معاملةَ البيعِ والشِّراء فقد استوجبنا بذلَ العطاءِ، وعلى اللَّه المكافأة والجزاء (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ سمَّوه عزيزًا لأنه كان أمين الملِك، وهو اسم لأمين ملِك مصر، كما قال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾، ولأنَّهم كانوا محتاجين إليه، وكان هو غنيًّا عمَّا في أيديهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾؛ أي: بفضل ما بين الثَّمنَيْن (^٥)، وقيل: ما بين الكيلَيْن.
والصَّحيحُ: أنَّهم طلبوا حطَّ الثَّمن؛ لأنَّ الصَّدقةَ لا تحلُّ للأنبياء، ويجوزُ الحطُّ لهم، ويجوز حطُّ مَن لا تجوز صدقته، كالعبد المأذون له في التِّجارة، وكان نبيُّنا ﵊ يجوز له الشِّراء بدون ثمنه، ولا تحلُّ له الصَّدقة.
ويجوز أن يكون معناه: ردَّ علينا أخانا (^٦).
_________________
(١) في (أ): "بعذرهم".
(٢) في (أ): "شهدوا".
(٣) في (ف): "لنا الكيل أي".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٢).
(٥) في (أ): "المثمنين".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٨٢).
[ ٨ / ٤٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: ولم يقولوا: إن اللَّهَ يجزيْكَ؛ لأنَّهم لم يعلموا بحال الملك ودينه، فتجرَّدوا وأطلقوا فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، وهم المؤمنون (^١).
وقال وهب ﵀: وخافوا أن يذكروا في أوَّل ما لقُوه حديثَ أخيهم؛ مخافةَ أن يعيدَ لهم التَّوبيخ والتَّقريع، وقالوا: إنْ كانَ في نفسِه لأبينا رِقَّةٌ فقد أخبرْنَاه أنَّا مضرورون محزونون مجهودون، وعَرَّضْنا له إنْ كان يريدُ أنْ يخليَ سبيلَ الغلام.
وكان يوسفُ ﵇ سألَ أخاه بنيامين عن عددِ ولدِه، فقال: هم ثلاثة، اسم الأكبر يوسف، فقال: ولِمَ سمَّيته يوسف؟ قال: أردْتُ أن لا يذهب ذِكْرُكَ مِن قلبي كلَّما دُعِيَ تحرَّكَ لذلك قلبي.
قال: وسمَّيْتُ الآخرَ ذئبًا، قال: ولِمَ سمَّيته ذئبًا؟ قال: أردْتُ أنْ لا يذهبَ ذِكْرُكَ مِن قلبي، فقد زعمَ إخوتي أنَّ الذِّئب أكلَك.
قال (^٢): وسمَّيْتُ الآخر دمًا، قال: ولِمَ سمَّيته دمًا؟ فقال: أردْتُ أن لا يذهبَ ذِكْرُكَ مِن قلبي لَمَّا جاؤوا بالدَّم في قميصِك (^٣)، فكلَّما دُعِيَ ذكرْتُكَ.
فبكى يوسفُ عند ذلك حتَّى كادَ يتصدَّعُ قلبُه مِن البكاء، ثم رفعَ يديه ودعا ربَّه أن يجمعَ إليه أباه وخالته وإخوته، فاستجابَ اللَّه له.
وقال لإخوته -بعدَ ما قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ إلى آخره-: كيف تركْتُم يعقوب؟
قالوا: تركناه باكيًا محزونًا كظيمًا.
_________________
(١) "وهم المؤمنون" ليس في (ف).
(٢) في (ف): "وقد".
(٣) "لما جاؤوا بالدم في قميصك" من (ف).
[ ٨ / ٤٧٩ ]
فقال يوسف: على أيِّ ابنَيْه حزنُه وبكاؤُه أشدُّ؛ أعلى هذا السَّارق المرتهَن بسرقتِه أم على الأوَّل الَّذي أخبرَنا الصُّواع خبرَه.
فقالوا: أمَّا الأوَّل فقد يئسَ منه ونسيَه وذهبَ عنه حزنُه، ولكنَّما بكاؤه على هذا المحبوس عندك، وقد أرسَلَنا فيه إليك رسالة، لولا مهابتك ومخافةُ ألَّا تصدِّقنا لبلَّغناك قولَه.
قال: فأخبروني، فإنَّكم آمنون إن صدَقتموني.
فلمَّا بلَّغوه رسالةَ أبيه لم يملك (^١) نفسه بكاء وحزنًا، وبكى بأعلى صوتِه، وعندها باحَ لهم بحاله، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٨٩) - ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾: قال صاحب "كتاب عصمة الأنبياء": هذا مِن يوسف تذكيرٌ لهم بما سبقَ مِن فعلِهم بمكانِه، ليجدِّدوا الانتباه والاهتمام، وذكرَ أخاه وما فعلوا بمكانِه، كأنَّ أخاه شكا إليه من سوء معاملتهم معه كمعاداة (^٢) الإخوة، وقلَّة شفقتهم بمكان أخيهم.
أو لَمَّا رأى منهم تقريعًا لأخيهم عندَ استخراج الصُّواع من وعائِه حسبانًا منهم أنَّ أخاه كان قد سرقَ المتاع، فاستقبلَهم المكروهُ مِن سببِه، فعنَّفوا عليه، دليله قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾؛ أي: لم تعلموا بحاله (^٣)،. . . . . .
_________________
(١) "يملك" من (أ) و(ف).
(٢) في (ر): "لعادات"، وفي (ف): "كعادات".
(٣) في (أ) و(ف): "الحالة".
[ ٨ / ٤٨٠ ]
فبنيتم المعاملةَ على ظاهر (^١) ما بدا لكم من حالِه.
قال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ قالَ بعضُ أهل التَّأويل: مذنبون، ويجوز: أي: أنتم جاهلون قَدْرَ يوسفَ ومنزلته؛ إذ لو علموا ذلك لما قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ (^٢).
وقيل: هو تلقينُ العُذْرِ، وهو غايةُ الكرمِ والفَضْلِ، وعلى هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧].
وقالوا: الكريمُ لا يعاتِبُ، ولو عاتبَ لا يستقصي (^٣)، وكذلك فعلَ يوسفُ، لم يعاتِبْهم في المرَّة الأولى والثَّانية، وعاتبَهم في الثَّالثة على خفاءٍ ولم يستقصِ.
وقيل: الكرمُ تركُ العتاب، وتركُ الاستقصاء في العتاب، وتلقين العُذْرِ في العتاب، والعفوُ بعد العتابِ، وقد فعل ذلك كلَّه يوسفُ في هذه المرَّة.
وبيانه في الآية وفي بعضِ القصص: أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه أخرجَ لهم كتابًا، وقال: هذا كتابٌ بالعبرانيَّة، فهل أحدٌ منكم يحسن قراءتها؟ قالوا: نعم.
فأخرج كتابَ بيعِه مِن مالك بن دُعْر، فنظروا فيه فبُهتوا، فقالوا في أنفسِهم: كنَّا بذلناه عند بيعِه لمشتريه، وهو مِن أهل مصر، فلعلَّه وقعَ عندَ الملك، فقالوا: هذا كتابٌ كتبناه في بيعِ عبدٍ لنا بعناه، فقال: اقرؤوا.
فقرؤوا: بسمِ إلهِ إبراهيم، هذا ما اشترى مالك بن دُعر الخزاعيُّ من آل يعقوب غلامًا، يُقالُ له: يوسف، بعشرين درهمًا، ونقدَ لهم الثَّمنَ، وضمنوا الدَّرك، وأشهدوا اللَّه تعالى بذلك على أنفسِهم، وكفى باللَّه شهيدًا.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ظاهرها".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٨٢).
(٣) في (ر) و(ف): "لا يعاتِبُ ولا يستقصي، ولو عاتبَ لاستقصَى"، ولا يستقيم هذا مع ما سيأتي بعده.
[ ٨ / ٤٨١ ]
فقال لهم يوسف: كنتم تقولون: إنَّ يوسفَ أخونا وقد أكلَه الذِّئبُ، وقد كتبتم في هذا: إنَّه غلامُنا وقد بعناه، فقد ظهر لي أنَّكم استرقَقْتُم أخاكم، وعقَقْتُم أباكم، واستوجَبْتُم عقوبةً شديدةً، وأنا معاقبُكم على ذلك، ومنتقمٌ منكم لأبيكم.
ودعا بالسَّيَّافِ، فصاحوا بأجمعهم يتضرَّعون ويبكون، ويقولون له: إنْ كنْتَ قاتِلَنا لا محالةَ فلطِّخْ ثيابَنا بدمائِنا، وابعَثْها إلى أبينا، فلا حظَّ له من الأولادِ إلَّا الثَّوبُ الملطَّخُ بالدَّم.
ورقَّ لذلك يوسفُ، واضطربَ النَّاسُ، وجاء جبريلُ وقال: يا يوسفُ، قد بلغ التَّخويفُ النِّهايةَ في حقِّ هؤلاء، فحسبُكَ، فقد انقضَتْ مدَّةُ المحنةِ، فأظهِرْ لهم نفسَكَ، فقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾، فنظروا فيه لِمَا كان قال لهم أبوهم: ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ فعرفوه.
* * *
(٩٠) - ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ بنيامين، لا عبدي، تظنُّونني قد (^١) اتخذْتُه عبدًا، وليس كذلك، بل هو أخي وعزيزي.
﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْ﴾: قيل: أي: جمعَ ما فرَّقْتُم، ووصلَ (^٢) ما قطعْتُم.
وقيل: أي: مَنَّ اللَّهُ عليَّ بإنجائي من البئرِ، والعصمةِ مِن الهمِّ، والتَّخليصِ مِن السِّجن، وتمليكِ مصرَ، ذلك فضل اللَّه (^٣).
_________________
(١) في (أ): "أني".
(٢) في (ف): "بجمع ما فرقتم وصلة".
(٣) "ذلك فضل اللَّه" من (ف).
[ ٨ / ٤٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾: فالتَّقوى: العملُ بالطَّاعات وتركُ السَّيئات، والصَّبرُ: تحمُّلُ المكروهات. وكان ذلك كلُّه ليوسف.
وقال ابن عبَّاس ﵄: مَن يتَّقِ الزِّنى، ويصبرْ على العزوبة (^١).
وتقديرُه: فهو محسِنٌ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قالوا في خطابِه قبلَ أن يعرفوه: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، فلمَّا عرَفوه قالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؛ لأنَّ الأجنبيَّة إذا ارتفعَتْ سقطَ تكلُّفُ المخاطبة.
وأنشدوا فيه:
إذا صفَتِ المودَّةُ بينَ قومٍ ودامَ ولاؤُهم سَمِجَ الثَّناءُ (^٢)
وقال الشَّيخ أبو عليٍّ الدَّقاق: لَمَّا قال يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأحالَ استحقاقَ الأجر على عملٍ من التَّقوى والصَّبر، أنطقَهم اللَّهُ تعالى حتَى أجابوه بلسان التَّوحيد فقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾؛ يعني: أنَّ هذا ليس بتقواكَ وصبرِكَ، إنَّما بإيثار اللَّه إيَّاكَ علينا، فبهِ تقدَّمْتَ علينا لا بجهدِكَ، فقال يوسف صلوات اللَّه عليه على جهة الانقياد للحقِّ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، فأسقط عنهم اللَّوم؛ لأنَّه كما لم يرَ تقواه وصبرَه من نفسِه حيث نبَّهوه عليه، لم يرَ جفاءَهم منهم (^٣)، فنطقَ عن عين التَّوحيد، وأخبر عن شهود التَّقدير (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٩٤) عن إبراهيم.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٣).
(٣) "منهم" ليس في (أ) وفي (ف): "منه".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٤).
[ ٨ / ٤٨٣ ]
(٩١) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: اختارَكَ وقدَّمَكَ علينا ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾؛ أي: ما كنَّا إلَّا خاطئين؛ أي: مذنبين بما صنعْنَا في حقِّك.
يُقالُ (^١): خطِئَ يَخطَأُ خَطَأً، من حدِّ علم؛ أي: تعمَّدَ ما يخالفُ الصَّواب، وأخطأَ يخطِئُ إخْطاءً: إذا تعمَّدَ شيئًا فأصاب غيره.
وفيه سؤالُ الصَّفحِ والعفو عنه.
* * *
(٩٢) - ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ وسفيان: لا تعييرَ عليكم (^٢).
وقال الأخفشُ: لا ملامةَ عليكم.
وقال أبو عَمرو بن العلاء: لا تقريعَ عليكم.
وقال الكسائيُّ: لا تقريرَ عليكم اليوم؛ أي: لا أقرِّركم بذنبكم.
وقال السُّديُّ: لا أذكر لكم ذنبَكم (^٣).
_________________
(١) "يقال" ليس في (أ) و(ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٣٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٩٥) عن سفيان. وذكر نحوه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٢٨٤)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٣٨) عن ابن عباس ﵄.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٣١).
[ ٨ / ٤٨٤ ]
وقيل: لا إفساد عليكم (^١).
وقال ابن كيسان: لا أعيدُ عليكم ما فعلتم.
وقال النَّضر بن شُمَيل: لا تخليطَ عليكم (^٢).
وقيل: لا توبيخَ عليكم.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾: ليس هذا للقصرِ عليه، لكن إذا لم يوبِّخهم في أوَّلى الصَّدمة فما بعدَ ذلك أولى ألَّا يوبِّخهم فيه.
وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾: هذا منه دعاء لهم بالمغفرة، عفا بنفسه، وطلب لهم عفوَ ربِّه، وهو كمال المروءةِ والدِّيانة؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠]؛ أي: ﴿عَفَا﴾ عن حقِّ نفسِه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾: سألَ اللَّهَ العفوَ عن ظالمِه.
وقيل: إنَّه قطعٌ منه بأنَّ اللَّهَ غفرَ لهم بصدقِ توبتِهم، وهو إنْ كانَ حُكمًا فهو عن وحيٍ إليه به.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: إذْ كلُّ راحمٍ يَرحمُ برحمته.
* * *
(٩٣) - ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾: أمرَ إخوتَه أنْ يرجعوا إلى أبيهم ليحملوه إليه مع أهاليهم، وأصحبَهم قميصَه، وهو الَّذي جاء به جبريل ﵇
_________________
(١) قاله الزجاج في "معاني القرآن" (٣/ ١٢٨).
(٢) لم أقف على هذه الأقوال منسوبة لأصحابها. وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٣١٨): ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾؛ أي: لا تخليط ولا شغب ولا إفساد ولا معاقبة".
[ ٨ / ٤٨٥ ]
إلى إبراهيم يومَ أُلقي في نار نمرود وألبسَه، ثمَّ كان بعدَه لإسحاق، ثم كساه إسحاقُ يعقوبَ في قصبةٍ فعلَّقها في عُنُقِ يوسف، فلمَّا أُلقي في الجبِّ جاءَ جبريلُ ﵇ وأخرجَه منها فألبسه، فكان معه إلى أن قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾.
﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾: وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قيل: عَلِمَ يوسفُ أنَّ يعقوبَ لِمَا يلحقُه مِن فرط السُّرور لا تطاوعُه يدُهُ في أخذ القميص، فقال: ألقوه على وجه أبي (^١).
﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾: قيل: يَعُدْ بصيرًا، وقيل: يأتني بصيرًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: مِن النِّساء والأولاد.
وإنَّما دعا يعقوبَ وإخوتَه وأهاليهم إلى نفسِه، ولم يأتِ أباه، لا إخلالًا بإجلاله، بل إبقاءً على حالِه؛ لأنَّه علمَ أنَّ يعقوبَ لا يقومُ بكفاية أمر يوسف، وتقصرُ ذاتُ يده عنه، فحملهم تخفيفًا عليهم وإحسانًا إليهم.
وإنَّما قال: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ بالوحي، وكان كذلك، وكان معجزةً له.
وقال وهبٌ: ثمَّ كسا يوسفُ إخوتَه وأجازهم وحملهم، وبعثَ إلى أبيه بجائزةٍ وكسوةٍ، ومئتي راحلة وجهازها، وجهاز أهليهم، لنقلهم إليه، وقال لإخوته: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وكانوا سبعين إنسانًا، وعجَّلَ سراحَهم وحملَهم.
وخرج يهوذا مبشِّرًا مسرِعًا بالقميص حافيًا راجلًا شاكرًا للَّه تعالى بالمشي والحفي، والرِّحلة ما بين مصر والشَّام وبينهما مسيرةُ ثمانية أيام، ومع يهوذا القميصُ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٥).
[ ٨ / ٤٨٦ ]
وسبعةُ أرغفة تزوَّدها، فلم يأكلْها حتَّى وردَ على أبيه، ولَمَّا فصلَ من مصرَ استروحَ يعقوبُ ريحَ القميص، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٩٤) - ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾: أي: خرجَتْ مِن مصرَ، ومصدرُه: الفُصول، والفِصالُ: الفِطامُ، والفَصلُ: التَّمييزُ، والفَصلُ: الحكمُ، وصَرْفُ كلِّه من بابِ (ضرب).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾: أي: يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قال الحسنُ: وجدَها من مسيرةِ شهرٍ (^١).
وقال ابن عباس ﵄: من ثماني ليالٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: التَّفنيدُ: تضعيف الرَّأي، والفَنَدُ: ضعفُ الرَّأي؛ قال الشَّاعر:
يا صاحبِيَّ دعا لَوْمِي وتَفْنِيْدِي فليسَ ما فاتَ مِن أمري بِمَرْدُوْدِ (^٣)
وقال ابن عبَّاس ﵄: لولا أن تسفِّهون (^٤).
وقال الحسن ومجاهد: تهرِّمون.
وقال ابن إسحاق: تضعِّفون.
_________________
(١) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥٨١).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٤٣)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٣٣).
(٣) البيت لهانئ بن شكيم العدوي، كما في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣١٨).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٤٣)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٣٦).
[ ٨ / ٤٨٧ ]
وقال الضَّحاك: تكذِّبون (^١).
وقيل: تنسبوني إلى الخرف، وقد أفندَه الشَّيبُ؛ أي: جعلَه كثيرَ الكلام من الخرَفِ.
قال يعقوبُ ﵇ هذا الكلامَ لمن حضرَه مِن أهلِه وقرابتِه دونَ ولدِه؛ لأنَّهم كانوا غُيَّبًا عنه بمصر، تفرَّس فيهم أنَّهم يلومونَه فقال ذلك، وهو مختصر، وتقديرُه: إني لأجد ريحًا يشبهُ ريحَ يوسف، وأريدُ أنْ أقولَ: هي ريحُ يوسف، لولا كراهيَةُ أنْ تفنِّدون.
وهو كمَن وجدَ شيئًا يَبعُدُ في العرفِ وجودُه، فيقولُ: إنِّي وجدْتُ شيئًا أريدُ أنْ أخبرَكُم به لولا أنَّكم تكذِّبوني.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: العجبُ أنَّه كان عندَ إقبالِ المحنةِ ويوسفُ منه على أقلَّ مِن مرحلةٍ حيثُ ألقَوه في الجبِّ لا يجدُ ريحَهُ، واستتر عليه حالُه وخبرُه، ولَمَّا أدبرَتْ أيَّامُ المحنة وجدَ ريحَه وبينهما مسيرةُ شهرٍ، أو مسيرةُ ثمانين فرسخًا.
وقيل: انفردَ يعقوبُ بريح يوسف ووجدانها؛ لانفرادِه بمقاساةِ الِمحَنِ على فقدِ يوسف، إنَّما يجدُ ريحَ يوسف مَن وَجَدَ على فراقَ (^٢) يوسف، ويُقال: لا يعرفُ ريحَ الأحبابِ إلَّا الأحباب (^٣).
* * *
(٩٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾.
_________________
(١) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٣٩ - ٣٤١).
(٢) في (ف): "فوات".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٦).
[ ٨ / ٤٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: أي: قالَ مَن حضرَه: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾؛ أي: في خطئِكَ القديم، قاله ابن عبَّاس (^١) ﵄، وهو يرجعُ إلى قولِ بنيه في الابتداء: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨].
وقال مجاهدٌ: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾؛ أي: حبِّكَ القديم (^٢). وكذلك الأوَّل، وعلى هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]؛ أي: محبًّا فهداك إلى شرائطه وطرائقه.
وقال الحسنُ: إنك لذاهب عن الصَّواب في أمرِه، ترجو لقاءَه وقد مات من زمن طويل (^٣)!
وفي "كتاب عصمة الأنبياء": ليس هذا من حفَدتِه قصدَ إيذائه، وإنَّما هو التَّسليةُ لهمِّه، لم يُحسنوا نظمَ الكلامِ على ما كان يجبُ مقابلتُه به.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّ البلاء إذا هجمَ هجمَ بمَرَّة، وإذا زالَ زالَ بتدريجٍ، حلَّ البلاءُ بيعقوبَ بمرَّة حيثُ قالوا: أكلَه الذِّئب، ولَمَّا زالَ البلاءُ وجدَ ريحَ يوسف أوَّلًا، ثمَّ قميصَ يوسف، ثمَّ يومَ الوصول رأى سبعين حاجبًا بينَ يدَي يوسف قبلَ أن رأى يوسف.
ولَمَّا كان سببُ حزنِ يعقوبَ قميصَه كان فرحُه أيضًا بقميصِه.
_________________
(١) في جميع النسخ: قال ابن عباس، والصواب المثبت، فقد روى الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٩٨) عن ابن عباس ﵄: قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ يقول: "خطئك القديم". وكذا ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٧٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٤٣) عن ابن جريج. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٥٨٣) إلى الطبري عن مجاهد.
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٤٥).
[ ٨ / ٤٨٩ ]
قال: وقيل: إنَّ وجودَ الرِّيح مجازٌ عن وجود دلائل الوصال وأمَارته، وهو كما يُقال: إنَّي لأجدُ ريحَ الفتنةِ، وقد هبَّتْ لفلانٍ ريحٌ (^١).
وقال الشَّاعرُ:
ولقد تنسَّمْتُ الرِّياحَ لحاجتي فإذا لها مِنْ راحَتَيْكَ نسيمُ (^٢)
وكأنَّه علمَ بمكان يوسف بوحيٍ مِن اللَّه بقصد حامل القميص.
وروي أنَّه لَمَّا أخرجَ قميصَه قال: مَنْ يحملُه؟ قال يهوذا: أنا أولى بحملِه؛ لأنِّي حملْتُ إليه قميصَه الملطَّخَ بالدَّم، وأخبرتُه بأنَّ الذِّئبَ أكلَه، فكنْتُ سببَ حزنِهِ، فأحمل إليه هذا القميصَ فأكونُ سببَ سرورِهِ.
وقيل: إنَّ يعقوبَ كان يتعرَّفُ خبرَ يوسف من الرِّياح كثيرًا، حتَّى جاءَ الإذنُ للرِّياح بحملِ ريحِهِ إليه، وسُنّة الأحبابِ مسائلةُ الدِّيار ومخاطبةُ الأطلال ومراسلةُ الرِّياح. قالَ قائلُهم:
وإنِّي لأستَهْدِي الرِّياحَ نسيمَكُمْ إذا أقبلَتْ مِنْ نحوِكُم بهبوبِ
وأسألُها حملَ السَّلام إليكمُ فإنْ هيَ يومًا بلَّغَتْ فأجيبوا (^٣)
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٢) البيت لأبي العتاهية. انظر: "ديوانه" (ص: ٣٢٢)، و"زهر الآداب" للقيرواني (٢/ ٣٨١)، و"الحماسة البصرية" (١/ ١٧٢)، و"نهاية الأرب" للنويري (٤/ ٣٢٥).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧). ونسب لمحمد بن رزق القرطبي في "جذوة المقتبس" لابن أبي نصر (ص: ٥٦)، و"المحمدون من الشعراء" للقفطي (ص: ٣٥٢)، بيتان قريبان من هذين البيتين، وهما: وإني لأستهدي الرياحَ سلامَكُم إذا ما نسيمٌ من بلادِكُم هَبَّا وأسألُها حَمْلَ السلامِ إليكم لتعلَمَ أني لا أزالُ بكم صَبَّا
[ ٨ / ٤٩٠ ]
وقالوا: مِن العجبِ أنَّ يعقوبَ وجدَ ريحَ يوسفَ، والَّذين حضروه لم يجدوا، وأعجبُ منه أن يهوذا الَّذي كان يحملُه وهو في رحلِه كان لا يجدُ ريحَه، وكذا المؤمنُ يومَ القيامةِ يجدُ ريحَ الجنَّة من مسيرة خمسِ مئة عامٍ، والكافرُ لا يجدُ ريحَها.
* * *
(٩٦) - ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾: أي: جاءَ يهوذا بالقميصِ فألقاه على وجهِ أبيه يعقوب فرُدَّ بصيرًا؛ أي: صار بصيرًا كما كان.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: قال للَّذين حضروه ممَّنْ كانوا يفنِّدونه، ويقولون: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾، وهو ما مرَّ في قولِه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهو علمُه بما يبتلي اللَّهُ به عبادَه الأنبياءَ مِنَ المحنِ الَّتي تنكشفُ عن حميدِ العاقبةِ.
قال كعب ووهبٌ: فألقى يهوذا القميصَ على وجهِ أبيه فعادَ بصيرًا للحالى.
وقال يهوذا: البشارةَ يا أبتاه، إنَّ الملكَ العزيزَ الَّذي ملَكَ مصرَ وأهلَها هو ابنُك يوسفُ، وقد بعثَ إليكَ جهازًا ومئتي راحلة، ويسألُكَ أن تخرجَ أنتَ ومَن معك إليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
فتهيَّأَ يعقوبُ للخروجِ، وخرجَ معه اثنان وسبعون من آلِه (^١)، فبلغَ يوسفَ انزعاجُه وقربُه مِن مصرَ، فتلقَّاه في مواكبه، وتلقَّاه فرعونُ في جنودِه، ووصلَ يعقوبَ بصلاتٍ فاخرةٍ وجوائزَ سَنيَّةٍ.
_________________
(١) في (أ): "اثنان وسبعون من ذكر"، وفي (ر): "اثنان وتسعون من ذلك"، وفي (ف): "اثنان وتسعون من آله". والصواب المثبت: انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٠٥).
[ ٨ / ٤٩١ ]
(٩٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا﴾: قال إخوةُ يوسف لأبيهم: اشفعْ لنا إلى يوسفَ ليعفوَ عنَّا، وقيل: استغفرِ اللَّهَ لنا ذنوبَنا.
﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: مذنبين مسيئين إليك وإلى يوسف، وعاصين للَّهِ بذلك.
* * *
(٩٨) - ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: قيل: أخَّرَ يعقوبُ ذلك إلى أن ينظرَ ما يقضي اللَّهُ في أمرِهم، وماذا يقولُ يوسفُ، والحقُّ لم يكن ليعقوبَ خاصَّة، فأخَّر إلى أن يترضَّاه، ثمَّ يستغفر لهم.
وقيل: أخَّرَ ذلك إلى أن يقومَ للصَّلاة، فيستغفرَ فيها أو بعدها.
وقيل: إلى وقت السَّحرِ.
وقيل: إلى ليلة الجمعة.
وقال وهبٌ: كان يستغفرُ لهم كلَّ ليلةِ جمعة في نيفٍ وعشرين سنة.
وفي بعض القصص: أنَّ يعقوبَ وأولادَه وأهاليَهم توجَّهوا إلى مصر على رواحلهم، فلمَّا قربوا من مصر، وأُخبرَ بذلك يوسف، تلقَّاه ومعه ثلاثُ مئة ألفِ فارس، كلُّ واحدٍ منهم معه حربة مِن فضَّةٍ وراية مِن ذهبٍ، الأفراسُ مراكبُه، والفرسانُ غِلمانُه، فتزيَّنَتِ الصَّحراءُ بهم واصطفُّوا صفوفًا.
ولَمَّا صعدَ يعقوبُ تلًّا ومعه أولادُه وحفدتُه، ونظرَ إلى الصَّحراء مملوءةً من الفرسان مزيَّنةً بالألوان، نظر إليهم متعجِّبًا، فقال له جبريلُ: انظرْ إلى الهواء، فإنَّ الملائكةَ قد حضرَتْ سرورًا لحالك، كما كانوا باكين محزونين مدَّةً لأجلِكَ.
[ ٨ / ٤٩٢ ]
ثم نظرَ يعقوبُ إلى الفرسان فقال: أيُّهم ولدي يوسف؟ فقال له جبريل: هو ذلكَ الَّذي فوقَ رأسِه ظُلَّةٌ. فلم يتمالَكْ أنْ أوقعَ نفسَه من البعير.
فقال جبريلُ: يا يوسفُ، إنَّ أباك يعقوب قد نزل إليك (^١) فانزلْ له، فنزلَ عن فرسِه، وجعلَ كلُّ واحدٍ منهما يعدو إلى الآخر حتَّى التَقَيَا، فاعتَنَقَا، وبَكَيَا سرورًا، وماج الفرسانُ بعضُهم في بعضٍ، وصهلَتِ الخيولُ، وسبَّحَتِ الملائكةُ، وضُرِبَ بالطُّبول والبوقات، فصارَ كأنَّه يوم القيامة.
وفي "كتاب عصمة الأنبياء": وما رُوي أنَّه لم ينزل من السَّرير لأبويه أو عن الدَّابة كلامٌ لا معنى له؛ لأنَّه قد تلقَّاهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، ولذلك نزل عن الدَّابة على ما حكينا (^٢).
وما رُوي أنَّ جبريل قال ليوسف: إنَّك لم تنزلْ (^٣) لأبيك، فقُطِعَ نسلُ النُّبوَّة منك = فإنَّه كلامٌ باطلٌ لا يجوز أنْ يُذكَرَ ويُعْتقَدَ؛ فإنَّ الأنبياءَ لم يكن مِن صفتِهم التَّعظُّم على أحدٍ، فضلًا على الأبِ.
وعلى أنَّ الأنبياءَ مِن بعدِه كانوا مِن نسلِه، كموسى وداود وسليمان.
ثمَّ لَمَّا انتهوا إلى السَّرير رفعَ أبوَيْهِ مُكرمًا لهما، آخذًا بأيديهما، مُعليًا لهما على السَّرير، ثمَّ إنه جلسَ هو معهما، وهو على الجلوس كما يجلسُ (^٤) الولد بينَ يدَي والدِه، ولا يُعدُّ ذلك تركًا للحُرْمةِ، خصوصًا إذا كان ولدُه نبيًّا مرسلًا.
_________________
(١) في (ف): "لك".
(٢) في (أ): "بينا".
(٣) في (ف) و(أ): "تحترم".
(٤) في (أ): "ثمَّ إن جلسَ هو معهما فهو على الجلوس كما يجلسُ"، وفي (ف): "ثم إنه جلس هو معهما وهو كما يجلس".
[ ٨ / ٤٩٣ ]
فإنْ قالوا: هلَّا سارَ (^١) إلى أبوَيْه لقضاءِ حقوقِهما، وما يحملُ أبوه مِن الهمِّ والحزنِ في أمرِه، حتَّى استدعاهم إلى حضرتِه.
قلنا: إنَّه لم يفعلْ ذلك مِن غيرِ وحيٍ.
والثَّاني: إنَّه أرادَ أنْ يأتوه جميعًا، فيعرفَ أهلُ مصرَ وجاهَتَه وأبوَيْه ومنزلَتَه، ويعلموا أنَّه لم يصرْ ملكًا مِن غير أصلٍ، بل له أصل صميمٌ (^٢)، وليُعَايِنَ أهلُه نعمةَ اللَّهِ تعالى عليه بعدَ انقضاءِ المحنةِ مِن إعطاءِ المُلْكِ، ولو كانَ تركَ المُلْكَ وسارَ (^٣) إليهم لم يقعْ موقعَ الإعظامِ في الإخبار؛ إذْ ليسَ الخبرُ كالمعاينةِ.
* * *
(٩٩) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾: أي: يومَ عاشوراء ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾؛ أي: ضمَّ إلى نفسِه أباه وخالتَه راحيلَ (^٤)؛ لأنَّ أمَّه كانَتْ ماتَتْ، وتزوَّجَها يعقوب، والخالةُ أمٌّ.
والأبوان: اسمٌ للأبِ والأمِّ، تغليبًا للذَّكر على الأنثى، قاله السُّديُّ (^٥).
وقال الحسنُ ومحمَّدُ بنُ إسحاقَ: كانَتْ أمُّه في الأحياء (^٦).
_________________
(١) في (ف): "صار".
(٢) في (ر): "بل له منهم"، وهي ليست في (ف).
(٣) في (ف) و(أ): "وصار".
(٤) ذكر المصنف أول السورة أنَّ اسم أم يوسف: راحيل، وأن أسم خالته: لايا.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٥٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٠١).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٥٢) عن ابن إسحاق، وذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٨٢) =
[ ٨ / ٤٩٤ ]
وقد آواهما جميعًا؛ أي: ضمَّهما إلى نفسِه وأنزلَهما عندَه ومعه في موضعٍ أعدَّه لنزولِ ساعة خارجَ المصر.
﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾: والاستثناءُ داخلٌ في الأمن لا في الدُّخول؛ لأنَّه أَمرَ بالدُّخول، ووَعدَ بالأمنِ، والاستثناءُ يدخلُ في الوعدِ لا في الأمرِ.
وكذا كانت مواعيدُ الأنبياءِ ﵈، قال اللَّه تعالى لنبيِّنا ﵊: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
وإنَّما وعدَ الأمنَ لأنَّه كان بلدًا فيه كفَّار، وملكُهم الَّذي أقامَ يوسفَ مقامَ نفسِه كان كافرًا أيضًا، فوعدَ لهم الأمنَ معلَّقًا بالمشيئة رجاءً لذلك مِن فضلِ اللَّهِ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا﴾: كان دخولُهم عليه مصرَ أربعَ مرَّات:
الأوَّل: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ [يوسف: ٥٨].
والثَّاني: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩].
والثَّالث: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ [يوسف: ٨٨].
والرَّابع: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾.
﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾؛ أي: قالَ لأبوَيه ولمن معهما.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: اشتركَ القومُ في الدُّخول، ولكن تباينوا في الإيواء، فانفرد الأبوان به لبُعدِهما عن الجفاء، كذا غدًا إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون فيه وفي دخول الجنَّة، ولكنَّهم يتباينون في بساط القُربة، فيختصُّ به أهل الصَّفاءِ دونَ مَن اتَّصفَ اليومَ بالجفاء (^١).
_________________
(١) = عن الحسن وابن إسحاق.
(٢) في (ف) و(أ): "بالالتواء". انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٠٨).
[ ٨ / ٤٩٥ ]
(١٠٠) - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾: أي: لَمَّا دخلوا مصرَ ودخلوا دارَه رفعَ والدَه وخالَته راحيل إلى سرير الملك.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾: وقال وهبٌ: انحنوا له كما تفعلُ الأعاجم، ولم يضعوا جباهَهم، وإنَّما تُوضَعُ الجباهُ بالسُّجود للَّه، وهذا كان تحيَّةً منهم له، وكذلك فعلَتِ الملائكةُ حينَ أُمِروا بالسُّجودِ لآدمَ، ولم تزلْ تحيَّةَ النَّاس السُّجود حتَّى جاءَ اللَّهُ بالإسلامِ، فذهبَ بالسُّجود وجاء بالمصافحة.
وأكثرهُم على أنَّه وضعُ الجبهةِ على الأرضِ، وهو المتعارفُ المتفاهمُ عندَ إطلاقِه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: سجدوا للَّهِ شكرًا له على ما أنعمَ عليهم بالاجتماع (^١).
والأظهرُ والأشهرُ أنَّه كان ليوسفَ؛ لأنَّ الرُّؤيا كانت على ذلك؛ قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وكان ذلك تحيَّةَ الملوكِ، إلى أنْ نُسِخَ في زمنِ نبيِّنا ﵊.
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّه لا بأسَ بإمساك السَّرير والجلوس عليه إذا لم يكن للتَّعظُّم والمباهاة، وإنَّما كان للانتفاع والارتفاع (^٢) والارتفاق، ولإمساكِ النَّاس على
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٥٩).
(٢) "والارتفاع" من (أ).
[ ٨ / ٤٩٦ ]
حدود الآداب إذا نظروا إليه بعينِ المكانةِ والمنزلةِ والجاه، فيسهل على الوجيه تنفيذُ أسبابِ المعاملة.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: عبارةُ رؤياي.
وقال عكرمةُ: تفسير رؤياي.
وقال مقاتل بن حيَّان: تحقيق رؤياي (^١).
وقال طاوس: تصديق رؤياي.
أي: الَّتي قصصْتُها عليك.
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾: بأنْ أَسْجَدَكُم لي (^٢) في اليقظةِ كما رأيتُه (^٣) في المنام.
ومنهم مَن قالَ: سجدَ له إخوتُه دون أبوَيْه، وهذا لا يستقيم؛ لأنَّ الرُّؤيا كانت على سجود الكلِّ؛ قال تعالى خبرًا عن يوسف: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فعلى ذلك تأويلُها.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾: وقال كثيرٌ:
أسِيْئِي بنا أو أحْسِني لا مَلُومةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ (^٤)
وحروفُ الأدواتِ تتناوَبُ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٩٤) عن ابن زيد.
(٢) "لي" ليس في (ف).
(٣) في (أ): "أرانيه".
(٤) انظر "ديوانه" (ص: ٨٠)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٤١)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٥٠٦).
[ ٨ / ٤٩٧ ]
وقيل: هو على حقيقته؛ أي: أحسنَ إلى أهل الزَّمان بي، حيثُ ملَّكني، ونفعَ النَّاسَ بحسْنِ تدبيري.
وقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾: فقالَ يعقوبُ: أَوَ كُنْتَ في السِّجن؟ قالَ: لا أشكو السِّجنَ، ولكنِّي أشكرُ الخلاصَ مِنَ السِّجنِ.
وقالوا: لم يذكرِ الخلاصَ مِن البئرِ؛ قيل: لأنَّ مدَّة ذلك كانت قصيرةً، ومدَّة تلك كانت طويلةً، ولأنَّ البئرَ كان بفعلِ إخوتِه فلم يرضَ بذِكْرِ ذلك بحضرتِهم لئلَّا يخجلوا، وكان السِّجنُ مِن أهل مصر فلم يبالِ بذكْرِ فعلِهم.
وقيل: كان إيقاعُهم إيَّاه في البئر لحسدٍ منهم (^١)، فلم يخَفْ أنْ يكونَ عقوبةً له، والسِّجنُ كان بعدَ قولِه: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، فخافَ أنْ يكونَ معاقبةً له أو معاتبةً، فعدَّ الخلاصَ منه غنيمةً عظيمةً.
قوله تعالى ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾: أي: من الباديةِ الَّتي يبدو فيها مَن كان دخلَها.
وإنَّما قال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾؛ لأنَّهم كانوا بادينَ بأرضِ كنعان، وهي باديةُ بلادِ فلسطين.
وقيل: قال ذلك لأنَّهم كانوا أهلَ مواشٍ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: ألقى الحسدَ في قلوبِ أخوتِه (^٢).
وقال مقاتل بن حيَّان: أغرى الشَّيطانُ (^٣).
_________________
(١) في (ف): "لحسد منهم فلم يذكره وذكره للسجن".
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٨٤)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٥٣).
(٣) لم أقف عليه عن مقاتل. وقال أبو عبيدة في "غريب القرآن" (١/ ٣١٩): نزغ: أفسد وحمل بعضنا على بعض.
[ ٨ / ٤٩٨ ]
وقال عطاء: حرَّشَ الشَّيطانُ (^١). والتَّحريشُ (^٢): التَّهييجُ.
وقال عكرمةُ: أفسدَ (^٣).
وهو حقيقةٌ لغةً، أضافَ إليه تمهيدًا لعذْرِ الأخوة.
وأصلُ الفسادِ يكون مِن وسوسةِ الشَّيطان (^٤)، ثمَّ يقبلُه الإنسانُ؛ فيقعُ فيه، أو يمتنعُ منه بالاجتهاد والاستعاذة باللَّه فيسلَمُ منه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾: أي: لطَفَ اللَّهُ لي بهذه النِّعم، إنَّه لطيفٌ لِمَا يشاء؛ أي: يُوصِلُ إلى الشَّيءِ في سهولةٍ وحسنِ مَوقعٍ.
وقيل: أي: عالم بدقائقِ الأمورِ وحقائِقها وسرِّها وعلنِها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بنا وبأحوالنا ﴿الْحَكِيمُ﴾: فيما أجرى بينَنا.
وقيل: أي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بسرائرِ عبادِهِ. وقيل: بمصالح عبادِه ﴿الْحَكِيمُ﴾: يضعُ كلَّ شيءٍ موضِعَهُ، ويفعلُه لوقتِهِ.
وقيل: أي: ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما فعلوا ﴿الْحَكِيمُ﴾ بما فُعِلَ بنا.
وفي بعضِ التَّفاسير المقبولةِ: أنَّ يوسفَ لَمَّا جمعَ اللَّهُ بينَه وبينَ أبويه وإخوته أخذَ بيدِ أبيه، وجعلَ يعرضُ عليه الخزائنَ، فعرضَ عليه بخزائن (^٥) الذَّهب والفضَّة
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٨٤) عن ابن قتيبة.
(٢) في النسخ: "والتحرش"، والصواب المثبت.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤٦) عن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
(٤) في (أ): "وسوسته" بدل من "وسوسة الشيطان".
(٥) في (ر) و(ف): "خزانة".
[ ٨ / ٤٩٩ ]
والحليِّ والحُلَل والأسلحة، حتَّى أدخلَه خزانة القراطيس، فرأى يعقوبُ فيها شيئًا كثيرًا، فقال: يا بُنيَّ، ما أعقَّكَ لأبيك، كان عندَكَ كلُّ هذا مِن القراطيس، وكنْتَ منِّي على ثمانية مراحلَ أربعين سنةً، فما الذي منعَكَ مِن مكاتبتي؟ قالَ: أمرني جبريلُ بهذا، قال: أفلا تسأَلُهُ؟ قال: يا أبتِ، أنتَ أشدُّ (^١) انبساطًا إليه منِّي.
فجاءَه جبريلُ، فسألَه يعقوبُ: أأنْتَ نهيْتَ ابني عن مكاتبتي؟ قال: نعم. قال: وَلِمَ؟ قال: لأنَّ اللَّهَ أمرني بذلك. قال: أفلا تسألُهُ؟ قال: نعم.
فمضى، وسألَ اللَّهَ تعالى، فقال: قل لعبدي يعقوب: أنسيْتَ يومَ قلْتَ: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]، فهلَّا خفْتَني يا يعقوبُ.
قال وهبٌ: فلبثَ يوسفُ معه إخوتُه مِن يوم وردوا عليه مصرَ إلى يوم مات أبوه أربعًا وعشرين سنة، في أغبط الغِبطة، وأسرِّ السُّرور، ولا يأتي عليه يومٌ وليلة إلَّا واللَّهُ تعالى يحدِثُ له فيه غِبطةً هي أفضلُ ممَّا قبلَها، ورجاءً هو أفضلُ ممَّا قبلَه، وعافيةً هي أوسعُ ممَّا قبلَها، قد جمعَ اللَّهُ إلفتَهم، وأقرَّ عيونَهم، ودحرَ الشَّيطانَ عنهم، فلبثوا بذلك، لا يُقدَرُ قَدْرُ إحسانِ اللَّه إليهم ونعمتِه الَّتي أتمَّها عليهم.
فلمَّا حضرَ يعقوبَ الوفاةُ جمعَ ولدَه وولدَ ولدِه، فأوصاهم، وعهدَ إليهم، وقال: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، و: ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ الآية [البقرة: ١٣٣].
وقال: يا بَنيَّ، احفظوا عنِّي خصلَتَيْن: ما انتصرْتُ مِن مَظلمةٍ (^٢) بقولٍ ولا فعلٍ، ولا رأيْتُ مِن أحدٍ حسنةً إلَّا أفشيتُها، ولا رأيْتُ مِن أحدٍ سيئةً إلَّا كتمتُها.
_________________
(١) في (ر): "أكثر".
(٢) في (أ): "ظالم".
[ ٨ / ٥٠٠ ]
وقال له بنوه: يا أبانا، إنَّا نخافُ أنْ يحقِدَ علينا يوسفُ بما صنَعْنا به بعدَكَ، فاستوهِبْ لنا ذلكَ منه، وأوصِهِ بنا.
قال يعقوبُ: يوسفُ يا بنيَّ، هبْ لي فعلةَ إخوتِكَ بك، ولا تحقدها عليهم، فقال يوسفُ: يا أبتاه، قد عفوْتُ عنهم، ووهبتُهم لك.
وأوصى يعقوبُ يوسفَ إذا هو ماتَ أن يحملَ جسدَه حتَّى يُقبَرَ معَ أبوَيْهِ إبراهيمَ وإسحاقَ في الأرض المقدَّسة، فحملَه يوسفُ على عجلةٍ، وفعلَ الَّذي أمرَهُ به، ورجعَ إلى مصرَ.
قال وهبٌ: ويُقال: إنَّه ماتَ هو وأخوه عيص في يومٍ واحدٍ، وقُبِرا في موضعٍ واحدٍ، وكان عُمرُهما مئة سنةٍ وأربعًا (^١) وأربعين سنة.
* * *
(١٠١) - ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
فلمَّا جمعَ اللَّهُ سبحانَه ليوسفَ شملَه، وأقرَّ عينَه، وأتمَّ له أمورَ رُؤياه، تمنَّى الموتَ، ودعا ربَّه، وذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾: الأظهرُ أنَّه مُلْكَ مِصرَ.
وقيل: هو مُلْكُ الجَمالِ (^٢).
وقيل: هو مُلْكُ النَّسَبِ، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
_________________
(١) "وأربعًا" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "الكمال".
[ ٨ / ٥٠١ ]
وقيل: هو مُلْكُ القلوبِ، فكانَ يحبُّه الحاضرُ بالنَّظر، والغائبُ بالخبر.
وقيل: هو مُلْكُ الاحترام، فقدْ نفرَتِ الهوامُّ كلُّها حينَ ألقِيَ في البئرِ احترامًا له.
وقيل: هو مُلْكُ القِيمةِ، حين بلغَتْ قيمتُه يومَ دخولِه مصرَ وعرضِه في السُّوق للشِّراء أضعافَ أضعافِ زِنَةِ نفسِه مِن كلِّ مالٍ خطيرٍ.
وقيل: هو مُلْكُ النَّفْسِ حين (^١) استعصمَ فلم يُجِبْ امرأةَ العزيز.
وقيل: هو مُلْكُ الهمَّةِ حين (^٢) اختارَ السِّجنَ على العِصيانِ.
وقيل: هو مُلْكُ النُّبوَّةِ في ثماني عشرةَ سنةً مِن عمرِهِ.
وقيل: هو مُلْكُ الهَيْبةِ حتَّى هابَتْهُ زليخا وذلَّتْ له وانقادَتْ، مع أنَّها ظاهرُ حالِها أنَّها ملكة.
وقيل: هو مُلْكُ الإخوة، ملكَهُم وذلُّوا له، ثمَّ مَنَّ عليهم.
وقيل: هو مُلْكُ الجُودِ، فما كان في الدُّنيا أجودُ مِن يوسفَ (^٣) في سنةِ القَحْطِ.
وقيل: هو مُلْكُ الشَّفقةِ، قد كان يجوعُ (^٤) حتَّى لا ينسى الجائعَ.
وقيل: هو مُلْكُ العَدْلِ، فقدْ سوَّى بينَ أهلِ ولايته والغرباءِ كلِّهم في سنةِ الجَدْبِ.
وقيل: هو مُلْكُ القميص، أعادَ بهِ بصرَ أبيه، وكانَ كلُّ جميع قصته في ثلاثةٍ من القُمُصِ: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧]، ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣].
_________________
(١) في (أ): "حتى".
(٢) في (أ): "حتى".
(٣) في (أ): "منه".
(٤) في (أ): "يجوع أكلهم".
[ ٨ / ٥٠٢ ]
وقيل: هو مُلْكُ الوِصالِ، فقدْ وجدَ وِصالَ أبوَيْه وإخوَتِه وكلِّ قراباته بعد ثمانين سنة من غير أنْ نقصَ منهم واحدٌ.
وقيل: هو مُلْكُ العِبْرة، فقد قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
وقيل: هو مُلْكُ السُّؤالِ، وهو سؤالُ الوفاةِ على الإسلامِ، ولم يكنْ مثلُه مِن غيره في مثلِ حالِه.
ثم قولُه: ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾: (مِن) للتَّبعيض؛ لأنَّه لم يكن هلَكَ كلَّ الدُّنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ أي: تعبير الرُّؤيا، وقيل فيه أقاويلُ أُخَرُ قدَّمناها في أوَّل السُّورة.
وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: يا خالقَ السَّماوات والأرض مِن غير شيء، مُبتدئًا (^١) خَلْقَهما.
وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: متولِّي أموري، وكافي مَعاشي ومَعادي.
والوليُّ في القرآن لعشرةِ معانٍ:
- للرَّبِّ؛ قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤].
- وللإلهِ؛ قال اللَّه تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١]؛ أي: آلهة.
- وللولدِ؛ قال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥].
_________________
(١) في (أ): "مبتدئ"، وفي (ر) و(ف): "مبتدأ". والصواب المثبت.
[ ٨ / ٥٠٣ ]
- وللقريبِ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [البقرة: ١٠٧].
- وللصاحب (^١) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
- وللقيِّم؛ قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
- ولمتولِّي المصالح؛ قال تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ [يوسف: ١٠١].
- وللمُوالي في الكفر؛ قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١].
- وللمُوالي في الإسلام؛ قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
- وللنَّصيح؛ قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء: ١٤٤].
وقال القشيريُّ ﵀: أنتَ الَّذي تتولَّاني (^٢) في دنيايَ بعرفانِكَ، وفي عقبايَ (^٣) بغفرأنِكَ، فليس لي في الدَّارَيْنِ غيرُك (^٤).
وقوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾: أي: أَمِتْني على الإسلام.
قيل: لَمَّا انتظمَتْ أسبابُه واطَّردَتْ أحوالُه اشتاقَ إلى ربِّه.
وقيل: لَمَّا رأى أمرَه على الكمال، علمَ أنَّه أشرفَ على الزَّوال، سألَ سعادةَ الانتقالِ، قال قائلُهم:
_________________
(١) "ومالكم من دون اللَّه من ولي، وللصاحب" ليس في (ف).
(٢) في (أ): "مولاي"، وليست في (ر) و(ف).
(٣) في (أ): "تحصيلي".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢١٠)، ولفظه: الذي يتولّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنت فليس لي غيرك في الدارين.
[ ٨ / ٥٠٤ ]
إذا تمَّ أمرٌ دنا (^١) نقصُهُ توقَّعْ زوالًا إذا قِيْلَ تَمْ (^٢)
وقيل: هذا سؤالُ التَّوفِّي على الإسلام للحالِ.
وقيل: هو سؤالُ الخَتْمِ على الإسلام مَتى كانَ.
وحكي عن الأستاذ أبي على الدَّقاق أنَّه قالَ: قال يوسف ليعقوب: علمْتَ أنَّا نلتقي في الآخرة بعدَ الموتِ، فلمَ بكيْتَ كلَّ ذلكَ البكاء؟ فقال: يا بُنيَّ، إنَّ هناك طريقَيْنِ خفْتُ أنْ تَسْلُكَ طريقًا وأسلُكَ طريقًا، فقالَ يوسفُ عند ذلكَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ (^٣).
وقيل: لَمَّا جاءَ البشيرُ وبشَّرَ يعقوبَ بيوسفَ قال: على أيِّ دينٍ تركتَهُ؟ قال: على الإسلام، قال: الآن طابَ قلبي.
وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن يحيى البشاغري في "كتاب عصمة الأنبياء": إنَّ مَن كملَتْ له حالتُه، وصفَتْ له سريرتُه، لاحَتْ له معرفةُ إقرار الأشياء على هيئتها، وكُشِفَ له مِن النَّظر إلى عظمة اللَّه وسلطانه، ثمَّ إلى نفسِه في جوهرِها وبِنْيَتِها (^٤)، فلا يترك شرط (^٥) العبودية في مقامِه وإنْ عظمَتْ نعمةُ اللَّه عليه، بل يقومُ بوفاءِ الشُّكرِ للمنعِم، لا للإعجابِ بالنَّفس والأمرِ على حالِها.
والثَّاني: أنَّ يوسفَ دَعا به ليَقتديَ قومُه به، ومن بعده مَن ليس يأمنُ على ختمِه،
_________________
(١) في (أ): "بدا".
(٢) البيت نسب لعلي بن أبي طالب ﵁، كما في "الكشكول" للعاملي (٢/ ٨٩)، ولأبي العتاهية. كما في "الدر الفريد" للمستعصمي (٢/ ٣٩٥)، وذكر في كثير من المصادر بلا نسبة.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢١١).
(٤) في (أ) و(ر): "ونيتها".
(٥) في (ف): "فلا يزل بشرط".
[ ٨ / ٥٠٥ ]
فلا يتركُ الدُّعاءَ امتثالًا به؛ لأنَّ ظواهرَ الأنبياءِ كانَتْ لنظرِ الأممِ إليهم؛ ليعلموا موضعَ الشُّكرِ مِن موضعِ الاستغفارِ.
والثَّالث: معنى الإسلام مِن مثلِه يحتمِلُ الاسترسال، فأحبَّ إدامةَ العصمةِ عليه باستعمال الخُلُق الحسنِ إلى آخر عمرِه حسَبَ ما جرى في مختلف الأحوال الَّتي جرَتْ عليه مِن المحنِ والنِّعمِ؛ إذِ الإسلامُ قد يكون عبارةً عن العقد فهو الدِّين، وعن (^١) التَّسليم وهو صفوُ الحال.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾: هذه الكلمة في القرآن لمعانٍ:
- منها المؤمنُ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
- ومنها العملُ المرضيُّ؛ قال تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢].
- ومنها المطيعُ؛ قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
- ومنها التَّائبُ؛ قال تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩].
- ومنها الأمين؛ قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]؛ أي: يؤدِّي الأمانةَ.
- ومنها الولدُ السَّويُّ الأعضاء؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠].
- ومنها الرَّفيقُ المنصف؛ قال تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].
- ومنها الرَّفيعُ المنزلة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
_________________
(١) في (أ): "العقد وهو الدين وهو".
[ ٨ / ٥٠٦ ]
- ومنها أنَّه اسم للأنبياء لكمالِ حالِهم واستجماعِ خِلال الخير فيهم؛ قال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦].
قيل: وأرادَ به هنا: وألحِقْني بآبائي الأنبياءِ في الجنَّة؛ إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
وقيل: أرادَ به: ألحِقْني في الدُّنيا بدرجاتِ الصَّالحين، المستكملِين للصَّلاح، المنزَّهين عن الفساد.
وفي ذلك سُنَّةٌ (^١) لكلِّ مسلمٍ أن يدعوَ بهذا الدُّعاء، وهو الختمُ على الإسلامِ والإلحاقُ بالصَّالحين؛ لأنَّ معَ الصَّالحين الأمنَ والسُّكونَ والغِبطةَ والحُبور.
قال وهبٌ: فلمَّا حضرَتْ يوسفَ الوفاةُ أوصى إخوتَه بمثلِ ما أوصى به أبوه يعقوبُ (^٢)؛ أنْ يحملوه إلى الأرض المقدَّسة فيدفنوه مع آبائِه، فحُمِلَ ودُفِنَ مع آبائِه.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ماتَ يوسفُ في أهلِ مصرَ ودُفِنَ بها، فلمَّا بَعَثَ اللَّهُ موسى بن عمران ﵇ تولَّى إخراجَ شخصِه مِن مصرَ، فانطلقَ به حتَّى دفنَه عندَ قبرِ أبيهِ (^٣).
_________________
(١) في (أ): "تنبيه".
(٢) "يعقوب" ليس في (ف).
(٣) في (أ): "قرائبه" بدل: "قبر أبيه". والخبر ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٨٦)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٣٠٣) إلى ابن عبد الحكم. ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٧٢٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٢٣) مرفوعًا من حديث أبي موسى ﵁، قال: أتى النبي -ﷺ- أعرابيًّا فأكرمه، فقال له: "ائتنا"، فأتاه، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "سل حاجتك"، قال: ناقة نركبها، وأعنز يحلبها أهلي، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل"؟ قالوا: يا رسول اللَّه، وما عجوز بني إسرائيل، قال: "إن موسى ﵇ لما سار ببني إسرائيل من مصر، ضلوا الطريق، فقال: ما هذا؟، فقال علماؤهم: إن يوسف ﵇، لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من اللَّه أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، =
[ ٨ / ٥٠٧ ]
قال وهبٌ: ودخلَ يعقوبُ وأولادُه مصرَ، وهم اثنان وسبعون إنسانًا ما بين رجل وامرأة، وخرجَ منهم الَّذين خرجوا مع موسى من مقاتلتِهم ستُّ مئة ألف وخمس مئة وبضعةٌ وسبعون رجلًا سوى الذرِّية، وكانت الذرِّية ألفَ ألفٍ ومئتي ألف سوى المقاتل.
وعاشَ يوسفُ بعد موتِ أبيه نيفًا (^١) وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومئة سنة، وكان أوَّلَ نبيٍّ من بني إسرائيل.
قال وهبٌ: ثم استخلفَ مِن بعدِه يهوذا، ثم روبيل، ثم لاوي، ثم شمعون، ثم بحر، ثم زبالون، ثم يشجر، ثم دان، ثم نفتالي، ثم حاذ، ثم أشير.
ووُلِدَ ليوسفَ ابنان: إفراييم بن يوسف، ومنشا بن يوسف، فولد لإفراييم (^٢) نون بن إفراييم، وولد لنون يوشع بن نون، وهو فتى موسى، وولد لمنشا بن يوسف: موسى بن منشا، وأهل التَّوراة يقولون: هو الَّذي طلب [العالِمَ ليتعلَّم منه حتى أدركه، والعالمُ هو الذي] خرقَ (^٣) السَّفينة، وقتل الغلام.
وقال ابن عبَّاس: هو موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب (^٤).
_________________
(١) = قال: فمن يعلم موضع قبره؟، قال: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته، فقال: دليني على قبر يوسف، قال: حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟، قالت: أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى اللَّه إليه: أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: أنضبوا هذا الماء، فأنضبوه، فقالت: احتفِروا، فاحتفَروا، فاستخرجوا عظام يوسف، فلما أقلوها إلى الأرض، وإذا الطريق مثل ضوء النهار".
(٢) في (أ): "ثلاثًا".
(٣) في (ف) و(أ): "لأفرايم".
(٤) في جميع النسخ: "هو الذي طلب الخضر وخرق"، والمثبت من "تفسير القرطبي" (١١/ ٤٦٥).
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠)، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن =
[ ٨ / ٥٠٨ ]
وكان بينَ دخولِ يوسفَ مصرَ إلى يوم خروجِ موسى أربعُ مئة عامٍ، وأوصى موسى أن يحملَ شخصه ويُدفن ببيت المقدس، وأوصى يوسفُ كذلك.
وقال وهبٌ: يُقال: إنَّ اللَّه لم ينزل كتابًا إلَّا ذكر فيه قصَّة يوسف تامَّة كما هي في القرآن، لا تزيد ولا تنقص.
* * *
(١٠٢) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: أي: هذا من الأخبار الَّتي يغيبُ علمُها عن العباد، فلا يقفُ عليها إلَّا مَن علَّمَه اللَّهُ تعالى، فنحنُ نعلِّمُكَ ونوحِي (^١) إليكَ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾: أي: لدى إخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾؛ أي: أحكموا الرَّأي والتَّدبير على طرحه في البئر ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ بيوسف؛ أي: يحتالون على أن يفرِّقوا بينَه وبين أبيه يعقوب، ليخلوَ لهم وجهُ أبيهم، فتعلمَ قصَّتهم بمشاهدَتِكَ إيَّاهم وحضورِكَ أمرَهم، ولكنَّ اللَّهَ مَنَّ عليكَ بتعريف قصَّتهم، ولم يكن يفعلُ ذلك بك وهو يريد أن يخذلَكَ وينصرَ أعداءَك عليكَ، بل ينصُرُكَ ويُعلِي شأنَك كما فعلَ بيوسفَ وإخوتِه، فاسكُنْ إلى هذا، ولْيَهُنْ عليك إعراضُ قومِك عنك، فإنَّ (^٢) أكثرَهم لا يؤمنون.
_________________
(١) = عباس: إن نوفًا البكالي يزعم: أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر، فقال: كذب عدو اللَّه" وذكر حديث موسى ﵇ والخضر.
(٢) في (أ): "ونوحيه".
(٣) في (أ): "بل".
[ ٨ / ٥٠٩ ]
(١٠٣) - ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وهو قولُه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: لا يؤمنون وإن اشتدَّ حرصُكَ على إيمانهم؛ لأنَّ هذا مِن أفعالي لا يقدر عليه آخرُ غيري (^١)، نظيرُه قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
والحرصُ: طلبُ أمرٍ باجتهادٍ في إصابَتِهِ.
وقيل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ مِن أهل مكَّةَ.
وقال الإمام أبو منصور: هي فيهم وفي غيرهم أيضًا (^٢).
* * *
(١٠٤) - ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾: يقولُ: لسْتَ تطمعُ في أموالهم، ولا ﴿تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على تبليغ القرآن -فقد سبق (^٣) ذكرُه في قوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ - شيئًا فينسبونَك إلى الاستيكالِ فعلَ الطَّالِبين العلوَّ في الأرض والمالَ، ولا أنت أيضًا رسولٌ بهذا القرآن إليهم وحدَهم، بل القرآنُ ﴿ذِكْرٌ﴾؛ أي: القرآنُ تذكيرٌ (^٤) وموعظةٌ لجميع العالمين إلى قيام السَّاعة، ويتضمَّنُ ما بهم الحاجةُ إلى معرفتِه مِن أمرِ دينِهم يتذكَّرون به ما ينسَونه.
وقيل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: شرفٌ لِمَنِ اتَّبعه مِن العالمين.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لأن هذا من اللَّه فلا يقدر عليه أحد غيره".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٩٤).
(٣) في (ر) و(ف): "تبين".
(٤) في (أ) و(ف): "تذكر".
[ ٨ / ٥١٠ ]
(١٠٥) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾: أي: وكم مِن دلالةٍ على وحدانيَّة اللَّهِ تعالى في السَّماواتِ والأرضِ.
قال الضَّحاكُ: آياتُ السَّماواتِ: الشَّمس والقمر والنُّجوم (^١)، وآياتُ الأرضِ: ديارُ الأممِ الهالكةِ وخرابُها؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٨].
وقيل: آياتُ الأرضِ: الجبالُ والبحارُ والأنهارُ والأشجارُ.
ووجهُ الاعتبارِ بالآيات: التَّفكُّرُ فيما يقتضي مِن أنَّ مدبِّرًا دبَّرها قادرًا عليها عالمًا بها لا يشبِهُها.
وقوله تعالى: ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: غافلونَ لا يعتبرون بها، ولا يتفكَّرون فيها، ولا يتَّعظون بما قال الأوَّلون.
وقال القشيريُّ ﵀: الآياتُ ظاهرة، والبراهينُ باهرة، وكلُّ جزءٍ مِن المخلوقاتِ شاهدٌ على أنَّه إلهٌ واحدٌ، ولكنْ مَن غمضَ عينَه لم يستمتع بضوءِ نهارِه، وكذلِكَ مَنْ قصَّرَ في نظرِه واعتبارِه لم يحظَ بعرفانِه واستبصارِه (^٢).
* * *
(١٠٦) - ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٢٤)، لكن في تفسير قوله تعالى: ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ٧٥].
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٢١٢).
[ ٨ / ٥١١ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾: هذا تعديدٌ لقبائح أولئك المشركين، وتبعيدُ إيمانهم بالقرآن.
قال ابن عبَّاس ﵄: أراد أنَّهم حين سُئِلُوا: مَنْ خلقَكُم؟ ومَن يُنزِّل من السَّماء ماء؟ ليقولنَّ اللَّه، فهذا إيمانُهم، ثمَّ هم يعبدون الأوثان، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، و: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهذا شركُهم (^١).
وقال مجاهدٌ: في التَّلبيةِ: يقولون: لبيكَ لا شريكَ لك، إلَّا شريكٌ هو لك، تملكُه وما ملكَ (^٢).
وقال عطاءٌ: هذا في الدُّعاء، وذلك أن الكفَّار نسُوا ربَّهم في الرَّخاء، فإذا أصابَهم البلاء أخلصوا في الدُّعاء؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ الآية [يونس: ١٢] (^٣).
وقال الحسنُ: هم أهل الكتاب، معهم شركٌ وإيمانٌ (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: وما يؤمن أكثرهم باللَّه بألسنتهم إلَّا وهم مشركون بقلوبهم.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٠٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٧٦) عن الضحاك، وروى مسلم (١١٨٥) تلبيتهم هذه عن ابن عباس ﵄.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٦٣).
(٤) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٢٣١)، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٠٧) عن الحسن أنه قال في هذه الآية: "ذاك المنافق يعمل إذا عمل رياء للناس، وهو مشرك بعمله ذاك".
[ ٨ / ٥١٢ ]
ويحتمل: وما يؤمن أكثرهم باللَّه في النِّعمة أنَّها من اللَّه إلا وهم مشركون في الشُّكر له (^١).
وقال القشيريُّ: الشِّرك نوعان: جليٌّ وخفيٌّ، فالجليُّ أنْ يَتَّخذَ مِن دون اللَّه تعالى معبودًا، والخفيُّ أنْ يَتَّخذَ بقلبِه عند حوائجِه مِن دونه مقصودًا.
وقيل: شركُ العارفين أنَّ يتَّخذوا مِن دونه مشهودًا أو يطالعوا سواه موجودًا (^٢).
* * *
(١٠٧) - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: هذا وعيدٌ لهم أُخرِجَ مخرَجَ التَّعجُّبِ؛ أي: عجبًا مِن غفلتهم (^٣)، أَمَا يخافون أن تفجأَهُم عقوبةٌ مِن اللَّهِ تغشاهم، وتفسيره: تجلِّلُهم، ومعناه: تعمُّهم، كما جاءَتْ مَن قبلَهم مِن الأمم العاصية، أوتأتيهم القيامةُ فجأةً لا علم لهم بإتيانها.
* * *
(١٠٨) - ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾: أي: طريقتي الَّتي أسلكُها، أبتغي بها الجنَّة في الآخرة.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٩٦).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢١٢).
(٣) في (أ): "عقلهم".
[ ٨ / ٥١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾: هو بيانُ السَّبيلِ؛ أي: أدعو إلى اللَّه وحده، دونَ الشُّركاء والأنداد الَّتي يجعلها المشركون.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾: أي: على بيانٍ وحجَّةٍ، أنا وكلُّ مَن آمنَ بي، لا على تقليدٍ وإلْفِ عادةٍ.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: واعتَرض في خلال هذا: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ على معنى: أدعو إلى اللَّهِ وحدَه، وسبحانَه؛ أي: تنزيهًا له عن أن يكونَ معَه إلهٌ غيرُه، نصبٌ على المصدر.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾؛ أي: دعوتي (^١).
وقال الضَّحاك: أي: دعوايَ (^٢).
وقال مقاتل: يعني: ديني (^٣).
* * *
(١٠٩) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: أعلمَ اللَّهُ نبيَّه محاجَّة المشركين فيما قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ونحو ذلك، فقال: وما بعثْنَا بالنُّبوَّة مِن قبلِكَ إلَّا رجالًا لا ملائكةً، وكانوا مِن أهل القرى لا مِن سكَّان
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٠٩).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٦٣).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٥٣)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٦٣).
[ ٨ / ٥١٤ ]
السَّماء، فكذا أنت، فلا يهولنَّك قولُهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ونحوَ ذلك؛ فإنَّهم يجهلون سبيلَ النُّبوَّات.
ولا عذرَ لهم في تكذيبك وإنْ كنْتَ بشرًا، كما لم يكن للَّذين كانوا من قبلِك في تكذيب رسلِهم، بل كان عاقبتُهم البوارَ والدَّمار.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أي: ولدارُ الحياةِ الآخرةِ، أو لدارُ النَّشأةِ الآخرةِ خيرٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّركَ والمعاصي.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أي: أفما لهؤلاء المشركين عقولٌ يتدَّبرون بها هذه الحُجَج والمواعظ، فينجوا من الهلاك.
وقيل: معنى ﴿أَهْلِ الْقُرَى﴾: أهل الأمصار دون البوادي؛ لأنَّهم أعلمُ وأحلمُ (^١).
وقال الحسنُ: لم يبعثِ اللَّهُ نبيًّا من أهل البادية قطُّ، ولا مِن الجنِّ، ولا مِن النِّساء (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّما بُعِثَ الرُّسلُ مِن الأمصارِ لا مِن البوادي؛ لأنَّ أهلَ الأمصار لهم اختلاط بأصناف النَّاس وتجاربٌ، فهم أعقلُ وأعلمُ، وأهلُ البوادي لهم اختلاطٌ بالبهائم فهم عن العلم أبعدُ.
ولأنَّ الرُّسل لهم أعلام تتقدَّم على وقت الرِّسالة، تحتاج إلى أن يَظهرَ (^٣) ذلك
_________________
(١) في (ف): "وأحكم".
(٢) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٢٣٢)، والماوردي في "تفسيره" (٣/ ٨٨)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٦٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٥).
(٣) في (ر) و(ف): "إلى تظهير".
[ ٨ / ٥١٥ ]
للخلقِ؛ ليكون ذلك أسرعَ إلى الإجابة لهم، فإذا كانوا من أهل البوادي لا يظهرُ ذلك للخلقِ.
والثَّالثُ: أنَّه يرادُ من الرِّسالةِ إظهارُها للخلْقِ في الآفاق من الأمصار، وهي الأمكنة الَّتي ينتابُها النَّاسُ في التِّجارات وأنواعِ الحاجات من الأطراف، وأمَّا البوادي فالبوادي ليس يدخلُها ولا ينتابُها إلَّا الشَّاذُّ مِن النَّاس، ولا تُقضَى فيها الحوائِجُ، فلا تظهرُ في الخلق الرِّسالةُ وما يُراد بها (^١).
* * *
(١١٠) - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾: أي: وما أرسلنا قبلَك إلَّا رجالًا مثلَك يبلِّغون الرِّسالة ويوضِّحون الدلالة، حتَّى إذا استيأس هؤلاء الرُّسلُ مِن إيمان قومِهم. كذا فسَّرته عائشةُ ﵂ (^٢) وقتادة وجماعة (^٣)، وذلك يكون بظهورِ العِناد (^٤) أو بإخبار اللَّه تعالى.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٩٨).
(٢) رواه البخاري (٣٣٨٩). ولفظه: عن عروة أنَّه سأل عائشة ﵂، زوج النبي -ﷺ-: أرأيت قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أو كُذِبوا؟ قالت: "بل كذَّبهم قومهم"، فقلت: واللَّه لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، وما هو بالظن، فقالت: "يا عرية لقد استيقنوا بذلك"، قلت: فلعلها: أو كُذِبوا، قالت: "معاذ اللَّه، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، وأما هذه الآية، قالت: هم أتباع الرسل، الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذَّبوهم، جاءهم نصر اللَّه".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٣٤٥)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٩٧).
(٤) في (أ): "الفساد"، وفي (ف): "العباد".
[ ٨ / ٥١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ بالتَّخفيف، والباقون بالتَّشديد (^١).
وللتَّشديد وجهان:
أحدُهما: وظنَّ الرُّسلُ -أي: أيقنوا- أنَّ الأممَ كذَّبوهم تكذيبًا لا يؤمنون بعدَه، وهو قول الحسن وجماعة (^٢)، والظَّنُّ يكون بمعنى اليقين، كما قال الشَّاعر:
فقلْتُ لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ (^٣)
والثَّاني: وظنَّ الرُّسلُ حقيقةَ الظَّنِّ دونَ اليقين أنَّ مَن آمنَ بهم كذَّبوهم أيضًا حين تأخَّر النَّصرُ عنهم. وهو قولُ عائشةَ (^٤) وقتادة.
وتقديرُ الآية: حتَّى إذا قنط المرسلون عن إيمان مَن كذَّبهم إلى الآن، وظنُّوا (^٥) أيضًا أنَّ الَّذين صدَّقوهم وآمنوا بهم ثمَّ امتدَّ بهم البلاء وتأخَّر الفرج والرَّجاء كذَّبوهم أيضًا = أتاهم (^٦) نصرنا.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠).
(٢) رواه عن الحسن الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٩٧).
(٣) البيت لدريد بن الصمة. انظر: "ديوانه" (ص: ٤٧)، و"الأصمعيات" (ص: ١٠٧)، و"جمهرة أشعار العرب" (ص: ١٨٠)، و"خزانة الأدب" للبغدادي (١١/ ٣٠١). قال البغدادي: المدجج بفتح الجيم وكسرها: الكامل السلاح، وقيل: بالكسر للفارس وبالفتح: الفرس، وإنهم كانوا يدرعون الخيل. و(سراتُهم) بالفتح: أشرافهم، مبتدأ و(بالفارسي) خبره، والباء بمعنى في. والدرع الفارسي يصنع بفارس. والمسرد: المُحكم النسج، وقيل: هو الدَّقيق الثقب.
(٤) رواه البخاري، وقد تقدم قريبا.
(٥) في (أ): "أن قنطوا" بدل: "الآن وظنوا".
(٦) في (ف): "جاءهم".
[ ٨ / ٥١٧ ]
وقراءة التَّخفيف لها وجهان أيضًا:
وظنَّ القومُ أنَّهم -أي: القوم- كُذِبوا؛ أي: كَذَبَهُمُ الرُّسلُ فيما أخبروهم به مِن نصرِ اللَّه لهم وإهلاكِ أعدائِهم، وهو قولُ ابن عبَّاس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد والضَّحاك (^١).
وقريبٌ مِن هذا الوجه قولُ بعضهم: وظنَّ القومُ ﴿أنَّهُمْ﴾؛ أي: الرُّسل ﴿كُذِبوُا﴾ بالتَّخفيف؛ أي: كذَبَهم مَن أخبرَهم مِن الملائكةِ ونحوهم عن اللَّه في وعد النَّصر على الكفَّار ونحو ذلك.
ووجهٌ آخر: وظنَّ الرُّسل -أي: أيقنوا- ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: الرُّسل ﴿كُذِبوُا﴾: كَذَبَهم مَن وَعَدَهم مِن قومِهم أنْ يؤمِنَ بهم، ويكونُ الكذبُ في معنى إخلاف الوعد، كما يُسمَّى إنجازُ الوعدِ صدقًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾: يقولُ: لم نكنْ نعاجِلُ أممَ الرُّسلِ بالانتقام منهم على تكذيبِهم، بل كنَّا نمهلُهم حتَّى إذا وقعَ اليأسُ وضاقَتِ الأحوالُ أتاهم نصرُنا.
وقوله تعالى: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿فَنُجِّيَ﴾ بنونٍ واحدةٍ وتشديدِ الجيم وفتح الياء على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، مِن نَجاه ينجِّيه تنجيةً، أي: خلَّصه.
وقرأ أبو عمرو في روايةٍ: ﴿فَنجى﴾ بنون واحدة وتسكين الجيم على
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٨٣ - ٣٩٠).
[ ٨ / ٥١٨ ]
حذف إحدى النُّونين (^١)، كحذف إحدى التَّائين كقوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (^٢) [البقرة: ٧٠].
وقرأ الباقون: ﴿فنُنْجِيْ﴾ بنونين على الاستقبال (^٣)؛ أي: فننجي الأنبياءَ وأتباعهم.
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾: أي: عذابنا ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: الكافرين.
* * *
(١١١) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: أي: في قصص يوسف وإخوته وأبيه.
_________________
(١) لعله أراد ما ذكره ابن مجاهد في "السبعة في القراءات" (ص: ٣٥٢) بقوله: (وروى نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ يدغم)، قال ابن مجاهد: (وهذا غلط في قوله: "يدغم" ليس هذا موضعًا يدغم فيه، إنما أراد أنها محذوفة النون الثانية في الكتاب وهي في اللفظ بنونين؛ الأولى متحركة والثانية ساكنة، ولا يجوز إدغام المتحرك في الساكن؛ لأن النون الثانية ساكنة، والساكن لا يدغم فيه متحرك، وكذلك النون لا تدغم في الجيم، فمن قال: يدغم، فهو غلط، ولكنها حذفت من الكتاب؛ أعنى النون الثانية لأنها ساكنة تخرج من الأنف فحذفت من الكتاب، وهي في اللفظ مثبتة). وهي خلاف المشهور عن أبي عمرو.
(٢) يعني: بضم الهاء، نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٤)، و"البحر" (٢/ ١٨٥).
(٣) هي قراءة الكسائي وحمزة وابن كثير وأبي عمرو ونافع. انظر: "السبعة" (ص: ٣٥٢)، و"التيسير" (ص: ١٣٠).
[ ٨ / ٥١٩ ]
وقيل: في قصص الأنبياء كلِّهم عبرةٌ؛ أي: دلالة يُعْبَر (^١) بها إلى البُغية لأولي العقول الخالصة، إذا كان ذلك حقًّا مِن اللَّه، فيحقُّ على العقلاء الاعتبارُ به.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾: أي: لم يكن خبرًا يُختلق حتَّى ينبغي للعقلاء أن يرفضوه ويعرضوا عنه ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: بل كان تصديقًا للتَّوراة والإنجيل والكُتب المنزَّلة قبلَه. قاله الحسن ومجاهد (^٢).
وإنَّما قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنَّه قد وُجِدَ، فصارَ (^٣) كأنَّه حاضر له.
وقيل: لأنَّه قريبٌ منه كقُرْبِ ما كان بينَ يدَي الإنسان.
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: وتبيينًا لكلِّ شيءٍ ممَّا بالنَّاس حاجةٌ إليه في دينِهم.
﴿وَهُدًى﴾ إلى الحقِّ والصِّراط المستقيم ﴿وَرَحْمَةً﴾ مِن اللَّهِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: رحمَ بها المؤمنين.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: وفي هذه القصَّة تصبيرُ رسول اللَّه -ﷺ- على أذى قريشٍ، يقولُ: إنَّ إخوة يوسف مع موافقتهم إيَّاه في الدِّين والنَّسب عملوا بيوسفَ ما عملوا من الكيدِ والمكرِ، فصبرَ على ذلك، فأنْتَ معَ قومِكَ وهم مخالفون لك في الدِّين أحرى أنْ تصبرَ على أذاهم (^٤).
وقال الإمام البشاغريُّ: ففيه دليلٌ على صدقِ محمَّدٍ ﵊،
_________________
(١) في (ف): "يعتبر".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٠٣) عن قتادة. وذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٢٨٥) عن ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة.
(٣) في (ر) و(ف): "نصًّا".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٠٠).
[ ٨ / ٥٢٠ ]
حيث قصَّ قصَّةَ يوسف وغيرها على حسب ما يجدُها أهلُ الكتب في كتبِهم مِن غير زيادة ولا نقصان، مع معرفتِهم أنَّه لم يَختلفْ إلى أحدٍ يتعلَّمُ منه، ولا نظرَ في الكتب فتلقَّاه، فما هو إلَّا عن الوحي، ولا وحيَ إلَّا إلى الرُّسل.
وقال بعضُ المحقِّقين: ثمَّ العبرُ في هذه القصَّة ما حُمِّلَ يوسف على صغره من المحنِ مِن جهة إخوتِه: مِن الطَّرْحِ في البئر، والبيعِ بالثَّمن البَخْس، وما ابْتُلِيَ به مِن الاسترقاق والحبس الطَّويل مِن غير جُرْمٍ ولا استحقاق، فالعبرةُ به أنَّ اللَّهَ يفعلُ ما يشاءُ، لا اعتراضَ لأحدٍ عليه.
ثمَّ صبرُ يوسفَ على هذه المحنِ كلِّها إلى أنْ خُتِمَ له بالملك والعلوِّ دليلٌ على أنَّه لا يخسر أحدٌ على الصَّبر عند جريان المقادير عليه.
ثمَّ ما فيه من التَّنبيه على أنَّ مَن قدرَ على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجبِّ، وإعلائه بعد حبسه في السِّجن، وتمليكه مصر بعد أن كان لبعض أهلِها في حُكْمِ العبدِ، ثم جمعَ بينَه وبينَ أبوَيْه وإخوته على ما أحبَّ بعد المدَّة الطويلةِ = لقادرٌ أنْ يُعِزَّ محمَّدًا -ﷺ- ويُعلِي كلمتَه وينصرَه على مَن عاداه مِن قومه.
ثمَّ ما امتُحِنَ به أبوه من الوَجْد بفقدِه إلى أنْ ابيضَّتْ عيناه من البكاء عليه، إلى أنْ جمعَ اللَّهُ شملَه وردَّ عليه ابنَه سلوةٌ للمُمْتَحنين، وإطماعٌ لهم في تبديل الحالِ، وتعريض المحنةِ للزَّوال.
ثمَّ فيما جرى على يوسف من جهة إخوته الَّذين هم أولى النَّاس بالشَّفقة عليه والذَّب عنه ما ابْتُلي (^١) رسولُ اللَّه -ﷺ- في عداوة قومِه وأقاربه له.
ثمَّ فيما فعلَه يوسفُ في السِّجنِ مِن دعاءِ الفتَيَيْنِ إلى اللَّه تعالى، وإقامةِ الحجَّة
_________________
(١) في (أ): "ما يبلي".
[ ٨ / ٥٢١ ]
عليهما للتَّوحيد، وعلى بُطلانِ الشِّركِ = ما يُوجِبُ على رسول اللَّه -ﷺ- سلوكَ طريقتِه في الصَّبر على الدُّعاء إلى اللَّه، والقيامِ به في كلِّ وقتٍ ممكنٍ، وقد فعلَ ذلك رسولُ اللَّهِ -ﷺ- وأكثر منه.
ثمَّ ما كان مِن يوسف مِن بَسْطِ العَدْلِ في مُلْكِهِ عبرةٌ للملوكِ، وفي المنِّ والإحسانِ إلى الرَّعيَّة؛ لأنَّ يوسف لَمَّا ملكَهم أعتقَهم كلَّهم.
ثم ما فيه من العِبرة لأرباب التَّقوى؛ فإنَّ يوسفَ لَمَّا تركَ هواه، رقَّاه اللَّه إلى ما رقَّاه.
ومنها: العِبرةُ لأهل الهوى في اتِّباع الهوى مِن شدَّة البلاءِ، كامرأةِ العزيزِ لَمَّا تبعَتْ هواها لقيَتْ ما لقيَتْ مِن الضُّرِّ.
ومنها: العبرةُ للمماليك في حفظِ حُرْمةِ السَّادة (^١)، كيوسف لَمَّا حفظَ حرمةَ العزيز في زليخا ملَكَ مُلْكَ العزيز، وصارَتْ زليخا امرأته حلالًا.
ومنها: العفوُ عند القدرة، كيوسف حين تجاوز عن إخوته.
وغير ذلك من الإشاراتِ الَّتي سبقَتْ (^٢) في هذه النُّسخة وفي غيرها لأهل العلم والحكمة.
وقال بعضُ الواعظين: كان للَّهِ تعالى خليلٌ يُسمَّى إبراهيم، فأعطاهُ ولدًا يُسمَّى إسحاق، ونافلةً يُسمَّى يعقوب، فوُلِدَ ليعقوبَ أولادٌ، وخَصَّ اللَّهُ بعضَ أولادِه بكمالٍ وجمالٍ ولطفٍ وهو يوسف، فآثره أبوه بحبِّه على إخوتِه، فاحتالوا حتَّى غيَّبوه عنه وطرحوه في البئر، ثم باعوه بالثَّمن البَخْسِ اليسير، فقاسى يوسفُ شدائدَ الرِّقّ،
_________________
(١) في (أ): "السيادة".
(٢) في (أ) و(ر): "من إشارات سبقت".
[ ٨ / ٥٢٢ ]
وابْتُليَتْ به امرأةُ العزيز بليَّة العشق، فراوَدَتْهُ عن نفسِه فاستعصم بعصمةِ الحقّ، وبدا لهم حبسُه في السِّجن فطال ذلك، ثمَّ بعد بضع سنين زال ذلك، ثمَّ أفضى به علم التَّعبير إلى مُلكِ مصرَ والجلوسِ على السَّرير، ثم جاء إخوتُه مرَّات وامتاروا منه كرَّات، ثمَّ جمعَ اللَّهُ بينَ يعقوبَ ويوسف، وزال التَّأسِّي والتَّاسُّف، وجُمِعَ الشَّمل، وبسطَ يوسفُ على إخوتِه الفضل، فتنعَّموا أيَّامًا وشهورًا وأعوامًا، ثمَّ ماتوا وبانوا، وكأنَّهم ما كانوا، ولا بلاءُ يعقوبَ ولا بكاؤه، ولا إخوةٌ ولا جفاءٌ، ولا سجنٌ ولا سجَّانٌ، ولا عزيزٌ ولا ريَّانُ، ولا يوسفُ ولا أصحابٌ، ولا خَوَلٌ (^١) ولا أحبابٌ، ولا مملكةٌ ولا أسبابٌ، ولا أمراءُ ولا حُجَّابٌ، وهذه عبرةٌ لأولي الألباب.
وقيل: هذه القصَّةُ مرآة كلِّ مؤمنٍ؛ كان ليوسفَ جمالُ الظَّاهر فنظرَتْ إليه زليخا، وللمؤمنِ جمالُ الباطنِ ينظرُ إليه المولى.
وكان ليوسفَ حُسْنُ الصُّورةِ فاشتراه العزيز؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ [يوسف: ٢١]، وللمؤمنِ حُسْنُ السِّيرة فاشتراه القويُّ العزيزُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
ولَمَّا اشتراهُ العزيزُ أدخلَه دارَ زليخا، ولَمَّا اشترى اللَّهُ المؤمِنَ أدخلَهُ الدُّنيا.
فأوقعَتْ زليخا يوسفَ في التُّهمةِ، وأوقعَ الشَّيطانُ المؤمنَ في المعصيةِ.
فنُقِلَ يوسفُ إلى السِّجنِ، والمؤمنُ إلى القبرِ، فسُئِلَ يوسفُ في السِّجنِ عن تأويل الرُّؤيا، وسُئِلَ المؤمنُ في القبر عن اللَّهِ وعن الرَّسولِ والهُدى.
فأجابَ يوسفُ على الصَّواب فأكرمَه الرَّيَّان، ويجيبُ المؤمنُ على الصَّواب فيكرمُه الدَّيَّانُ.
_________________
(١) في (أ): "حول".
[ ٨ / ٥٢٣ ]
ووصلَ يوسفُ إلى ملكِ مصرَ، والمؤمنُ يصلُ إلى ملكِ الجنَّةِ.
وقيل ليوسفَ: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]، ويقال للمؤمن: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١].
وختمَ قصَّةَ يوسفَ بقولِه: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، ويُقالُ للمؤمنِ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].
* * *
[ ٨ / ٥٢٤ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
ماهر أديب حبوش - جمال عبد الرحيم الفارس
المجلد التاسع
دار اللباب
[ ٩ / ١ ]
سورة الرعد
[ ٩ / ٥ ]