بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الَّذي أنزلَ آياتِ الكتاب الحكيم، الرَّحمنِ الَّذي يدعو إلى دار السَّلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، الرَّحيمِ الَّذي لا رادَّ لفضلِه يصيبُ به مَن يشاءُ مِن عباده وهو الغفور الرَّحيم.
وهذه السُّورة مكيَّةٌ، وهي مئة وعشر آيات، وقيل: تسع، وقيل: ثمان، والاختلاف في ثلاث آيات: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].
وكلماتُها ألفٌ وثماني مئة وثلاث وثلاثون، وحروفُها سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعة وتسعون (^١).
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ يونُسَ أُعْطِيَ مِنَ الأجرِ (^٢) عشرَ حسناتٍ بعددِ مَن كذَّب بيونس وصدَّق (^٣) به، وبعددِ مَن غرقَ مع فرعون" (^٤).
_________________
(١) في (أ): "وتسعة وتسعون". وفي "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٦٣): سَبعة آلاف وخمس مئة وسَبعة وسِتُّون حرفًا كحروف هود.
(٢) "من الأجر" من (أ).
(٣) في (ف): "ومن صدق".
(٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٦)، والواحدي في "الوسيط" (١/ ١٧٤). قال ابن الجوزي في =
[ ٨ / ٧ ]
وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بآخر تلك السُّورة: أنَّه ختم تلك بثنائه بقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وبدأ هذه السُّورة بـ ﴿الر﴾، وهو مُنزل الكتاب الحكيم، ولأنَّه ذكر في ختم تلك السُّورة تولِّيَ الكفَّار، وفي افتتاح هذه السُّورة في ذكر المنافقين والمشركين (^١) وحسنِ عاقبة المخلصين، وفي هذه السُّورة محاجَّةُ الكافرين وما نزل بالكفَّار الماضين، وخلاص المخلصين.
* * *
(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الر﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أنا اللَّه أرى (^٢).
وروى عكرمة عنه: ﴿الر﴾ و﴿حم﴾ و﴿ن﴾ إذا اجتمعَتْ فهي الرَّحمن (^٣)
وقيل: هي اسم السُّورة.
وقيل: هي اسم القرآن.
وقيل: هي ثلاثةٌ مِن أسماء اللَّه تعالى الحسنى، وهي اللَّه واللَّطيف والرَّحيم.
وقيل: معناه: اللَّهُ بعثَ جبريلَ به إلى رسولِه.
وقيل: الألفُ آلاءُ اللَّه، واللَّام لطفُه، والرَّاء رحمتُه.
_________________
(١) = "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (ف): "والشياطين". قلت وليس في افتتاح هذه السورة ذكرٌ للمنافقين، ثم إن هذه السورة مكية ولا نفاق في مكة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٢١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٠٣ - ١٠٤) واللفظ له، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٢١).
[ ٨ / ٨ ]
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾: قال أبو عبيدة: أي: هذه (^١)، كما مرَّ في أوَّل (سورة البقرة): ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢].
وقال الزَّجَّاج: أي: الآيات الَّتي تقدَّم ذكرُها قبلَ هذه السُّورة (^٢).
وقيل: لَمَّا كانت ﴿الر﴾ اسم السُّورة، فقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إليها، وهو كقولهم: هند هي الكريمة.
وقوله تعالى: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾: أي: الآتي بالحكمةِ.
وقيل: أي: المحكم عن التَّناقض والتَّغيير والتَّبديل.
وقيل: أي: الحاكم، كالعليم بمعنى العالم؛ أي: فيه بيان الأحكام.
وهذا كلُّه صفةُ القرآن.
وقيل: هو صفةُ اللَّوح المحفوظِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]. وعلى هذا تكون ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى الغائب على ظاهر وصفِه؛ أي: هذه السُّورة تلكَ آياتُ الكتابِ المكتوبةُ في اللَّوح المحفوظ، وكَّلْنَا بحفظِها الثِّقات، ثمَّ أوحيناها إليك في أوقاتٍ.
وقيل: أي: هذه تلك الآيات الموعودة لك يوم الميثاق.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ذلك الكتاب الذي وعدْتُكم به، وقد حقَّقنا لكم الميعاد، وأوصلنا لكم أسباب الوداد، وانقضى عنكم زمان البِعاد، فاستقيموا على نهج الأحباب، وتمسكوا بوثائق الأسباب (^٣).
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢٧٢).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٥).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٧٧).
[ ٨ / ٩ ]
(٢) - ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: أتعجَّبَ مشركو مكَّة أنْ جعلْنا لنا رسولًا إليهم، وهو من جنسهم، يفهمون منه، ويسكنون إليه، ويعرفون صدقَه وأمانته، أن أنذِر المشركين وبشِّر المؤمنين، وهو كقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الآية [ص: ٤]، و: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [المؤمنون: ٢٤].
وليسَ بعجَبٍ؛ لأنَّ الخَلْقَ خلقُهُ، والمُلْكَ ملكُه، وله أنْ يرسلَ إليهم رسولًا، ويأمرَهم بما يريدُ، وينهاهم عمَّا يريدُ.
وإذا صحَّ هذا في العقول فإرسال البشر أولى وأقرب إلى أن يسكنوا إليهم وأن يعقلوا عنهم من إرسال الملائكة الذين لا يُعايَنون.
ثمَّ ليس في نفسِ ما أتوا به ما تنكرُه العقولُ، إنَّما هو حثٌّ على الشُّكر والطَّاعة للمنعِم، ودعاءٌ إلى شرائعَ بها صلاحُ بينِهم، وتآلُفُ قلوبِهم، وارتفاعُ التَّظالم عنهم، وإنذارٌ لِمَن عصاه بالعذابِ الأليمِ، وتبشيرٌ لِمَن أطاعَه بالنَّعيم المقيم.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: قيل: أي: سوابقَ أعمالٍ صالحةٍ قدَّموها ذُخرًا لآخرتهم.
والقَدَمُ: ما قُدِّمَ مِن العملِ؛ قال حسَّان ﵁:
لنا القدمُ العُلْيا إليْكَ وخَلْفُنَا لأوَّلِنَا في طاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ (^١)
_________________
(١) انظر: "ديوان حسان" (ص: ٣١٠). وفيه: "الأولى" بدل "العليا".
[ ٨ / ١٠ ]
وقال ذو الرُّمَّة:
لكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أنَّها مع الحَسَبِ العادي طَمَّتْ على البَحْرِ (^١)
والصِّدقُ: الحَسَن، ويُذكَر على الإضافة بطريق المدح، يُقال: رجلُ صِدْقٍ، وثَوْبُ صِدْقٍ، وفَرَسُ صِدْقٍ.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قال: محمَّدٌ -ﷺ- شفيعٌ لهم يومَ القيامةِ (^٢).
وقيل: تُذكَر اليدُ مكان الصَّنعة (^٣) مجازًا، والقدمُ مكان السَّعي أيضًا؛ لأنَّ الكسْبَ يقعُ باليد، والسَّعي بالقدم، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢].
وقال ابن عبَّاس والحسنُ ﵃: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: عملَ صِدْقٍ يَقدَمُون عليه (^٤)؛ قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني: الجنَّة.
وقال عطاء: مَقامَ صدقٍ لا زوالَ عنه ولا بؤسَ فيه (^٥).
وقال الرَّبيع بن أنس: ثوابَ صدقٍ (^٦).
وقال قتادة: سَلَفَ صدقٍ (^٧).
_________________
(١) انظر: "ديوان ذي الرمة" (٢/ ٩٧٢)، وفيه: "الفخر" بدل "البحر".
(٢) رواه ابن مردويه، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٣٤٢).
(٣) في (أ) و(ف): "الصنيعة".
(٤) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٧) عن الحسن، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٠٨) عن ابن عباس ﵄، ولفظه: "أجرًا حسنًا بما قدَّموا من أعمالهم".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٧).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٠٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٢٣).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١١١)، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٢٣).
[ ٨ / ١١ ]
وقال يمانُ بن رئابٍ: هو إيمانهم (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِلُ أنَّ معناه: ثبتَتْ أقدامهم فلا تزلُّ؛ قال تعالى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤] (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄ في رواية: تسبقُ لهم السَّعادة في الذِّكر الأوَّل (^٣).
وقال عبد العزيز بن يحيى: هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] (^٤).
وقيل: هو تقديم اللَّه تعالى هذه الأمَّة يوم القيامة، قال النَّبيُّ -ﷺ-: "نحنُ الآخرونَ السَّابقون" (^٥)، وقال ﵊: "إنَّ الجنّةَ محرَّمَةٌ على الأنبياء حتَّى أدخُلَها أنا، ومحرَّمَةٌ على الأممِ ما لم تدخُلْها أمَّتي" (^٦).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: في أوَّله مضمر؛ أي: لَمَّا جاءَهم وأنذرهم قال الكافرون: إنَّ هذا المدَّعي لساحرٌ مبينٌ، وهو قراءة ابن كثير
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٧).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١١٠).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٧).
(٥) رواه البخاري (٢٣٨)، ومسلم (٨٥٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣١٨٠٢) من طريق مكحول عن عمر ﵁، ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٩٤٢)، من طريق آخر عمر ﵁. ورواية ابن أبي شيبة مرسلة، قال أبو زرعة كما في "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص: ١٦٦): مكحول عن عمر مرسل، ورواية الطبراني قال عنها أبو زرعة: حديث منكر، لا أدري كيف هو؟ انظر: "علل الحديث" لابن أبي حاتم (٥/ ٥٣٥).
[ ٨ / ١٢ ]
وعاصم وحمزة والكسائي؛ أي: يخدعنا بتخاييله، ويقودنا إلى الانقياد له، ويعرِّضُ أنفسَنا وأهاليَنا وأولادَنا للتَّلَف في مجاهدة عدوِّه.
وقرأ الباقون: ﴿لسحرٌ مبينٌ﴾ (^١)؛ أي: إنَّ هذا الَّذي أتى به لَسِحْرٌ ظاهرٌ.
وقال الأستاذ أبو عليٍّ الدَّقاقُ: جوَّزَ الكفَّار أن يكون المنحوت مِن الخشب والمعيول مِن الصُّفر والشَّبَه (^٢) إلهًا معبودًا، وتعجَّبوا أنْ يكونَ مثلُ محمَّدٍ في جلالةِ قَدْرِهِ رسولًا مبعوثًا، هذا هو الضَّلال البعيد.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾: هو ما قدَّموه لأنفسِهم مِن طاعات أخلصوا فيها، وعباداتٍ صدَقوا في القيام لها.
وقيل: هو ما قدَّم الحقُّ لهم يومَ القيامةِ مِن عنايتِه بشأنهم، وما قضى لهم مِن فنون إحسانِه.
وقيل: هو ما رفعوه مِن أقدامِهم في بدايتهم في زمان إرادتهم؛ فإن لأقدامِ المريدِيْن المرفوعةِ لأجل اللَّهِ حُرْمَةً عندَ اللَّهِ، ولأيَّامِهم الخالية في حال تردُّدهم، ولياليهم الماضية في طلبه وهم في حرقةِ تحيُّرهم = حقًّا يرعاه اللَّه، قال الشَّاعر:
مَن ينسَ حُرْمَةَ دارٍ قَدْ تَخَوَّنَها رَيْبُ الزَّمانِ فإنِّي لسْتُ أنساك
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٢٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠).
(٢) الشَّبَه، النحاس الأصفر، والصُّفر: النحاس الجَيّد، وقيل: هُوَ ضَرْبٌ من النُّحَاسِ، وقيل: هو ما صَفرَ منه، ورجَّحه شيخُ الزبيدي؛ لمناسبة التَّسْمية. انظر: "تاج العروس" (مادة: صفر). ولم ترد كلمة "الشبه" في "لطائف الإشارات"، والكلام منقول منه، وقد غير محققه كلمة الصفر إلى: (الصخر) مخطِّئًا ما جاء في نسخ "اللطائف" من كلمة (الصفر).
[ ٨ / ١٣ ]
وقال آخر:
تلكَ العهودُ بشدِّها مختومةٌ عندي كما هيَ عَقْدُها لم يُحْلَلِ (^١)
* * *
(٣) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: مرَّ تفسيرُه في سورة الأعراف.
وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: قال مجاهد: يقضي الأمرَ وحدَه (^٢).
والأمرُ جنسٌ أُريد به الجمع؛ أي: يقدِّرُ الأمورَ كلَّها، ويُمضيها في الدُّنيا والآخرة، مِن خَلْقِ أفعالِ العباد وأقوالهم وأحوالهم، وإظهارِ الحوادث مِن الموت والحياة، والعزِّ والذُّل، والصِّحَّةِ والمرض، والسَّعةِ والضِّيق، والخيرِ والشَّر، وإعطاءِ الذُّكور والإناث مِن الأولاد، وتصريفِ اللَّيل والنَّهار، والرِّيحِ والسَّحاب، والحرِّ والبرد، وكلِّ شيء؛ قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
ولَمَّا كان الموكَّلون على بعض هذه الحوادث من الملائكة، قال في وصفهم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥].
وكذلك أمورُ الآخرة كلُّها من الثَّواب والعقاب، واللُّطف والعِتاب، والعفوِ والحساب، والكشف والحجاب، بتدبيرِه وتقديرِه.
وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾: أي: لا يفعلُ شيئًا مِن هذه الأمور بشفاعةِ أحدٍ.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٧٧ - ٧٨)، والبيتان فيه دون نسبة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١١٤ - ١١٥).
[ ٨ / ١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: أي: هو المستحقُّ للعبادة فإيَّاه فاعبدوا.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: أفلا تتَّعظون بما يعظِكُم اللَّهُ به مِن الإيمانِ به وتركِ الشِّرك.
وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [يونس: ٣]: لا يحتاجُ فعلُه إلى مدَّةٍ، وكيفَ وهو خالق المدَّة، خلقَ السَّماوات والأرض في ستَّة أيَّام، وتلك الأيَّام أيضًا مِن جُملة ما خلقَ مِن الأيَّام.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معناه: اتِّصافُه بعزِّ الصَّمديَّة، وجلال الأحديَّة، وانفرادُه بنعت الجبروت وعلاء الرُّبوبيَّة، تقدَّس الجبار عن الأقطار، والمعبود عن الحدود (^١)، والدَّيان عن المكان.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾؛ أي: الحادثاتُ صادرةٌ عن تقديرِه، وحاصلةٌ بتدبيرِه، فلا شريكَ يعضدُه، ولا معارضَ يقصدُه.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ تعريفٌ، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ تكليفٌ، فحصولُ التَّعريف بتحقيقِه، والوصولُ إلى ما وردَ به التَّكليف بتوفيقه (^٢).
* * *
(٤) - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "الحدوث".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٧٨).
[ ٨ / ١٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: إلى جزاءِ اللَّهِ رجوعُكم جميعًا يومَ القيامةِ.
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: نصبٌ على المصدر على إضمار الفعل؛ أي: وَعَدَ اللَّهُ ذلك وَعْدًا صدقًا.
﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: أي: ليتعبَّدهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: يميتهم، ثم يعيدهم أحياءً (^١) يوم القيامة ليجزيهم.
والخَلْقُ أصلُه مصدرٌ، فلم يُجمَع، ومعناه الجمع، فلذلك وحَّدَ الكنايةَ بعدَه.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدْلِ، وهو قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: يجزي المحسنين جزاء الإحسانِ، والمسيئين جزاء الإساءة، ويفصل بين العدو والولي في الجزاء، وهو العدل.
ويحتمِل: ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالفضل، فقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣].
وسمَّاه قسطًا وهو العدل؛ لأنَّ العدلَ وضعُ الشَّيء في موضعِه، وهذا وضعُ الفضلِ في (^٢) موضعِه، فكان عدلًا من هذا الوجهِ.
ويحتمل أن يكون القِسطُ صفةً للعالمين؛ أي: عملوا الصَّالحات بقسطهم في الدُّنيا؛ أي: عدلهم (^٣).
_________________
(١) في (ف): "أي يميتهم بعد إحيائهم ثم يبعثهم".
(٢) "في" من (ف).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٨ - ٩).
[ ٨ / ١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾: مِن ماءٍ حارٍّ مغليٍّ قد انتهى حرُّه، وهو في جهنَّم، ومن صفتِه أنَّه كالمُهلِ يشوي الوجوهَ، وأنَّه يقطِّع أمعاءَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: أي: عذابٌ يَخلصُ وجعُه إلى قلوبِهم بكفرِهم.
* * *
(٥) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾: أي: خلقَ الشَّمسَ فجعلَها ﴿ضِيَاءً﴾ للخلق بالنَّهار.
﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾؛ أي: وخلق القمرَ فجعلَه نورًا لهم باللَّيل.
والضِّياءُ نورٌ معه حرٌّ، والنُّورُ لا حرَّ معه، والضِّياءُ أعمُّ وأتمُّ مِن النُّور، والضِّياءُ والنُّورُ مصدران جُعِلا نعتَيْن.
وقال الكلبيُّ: جعلَ الشَّمسَ ضياءً بالنَّهارِ، والقمرَ نورًا باللَّيل، تضيءُ وجوههُما لأهل السَّماواتِ، وظهورُهما لأهلِ الأرض.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: للعقول نجومٌ، وهي للشَّياطين رجومٌ، وللعلوم أقمارٌ، هي أنوارٌ واستبصارٌ، وللمعارف شموسٌ، ولها على أسرار العارفين طلوعٌ. وقد قيل:
إنَّ شمسَ النَّهارِ تغربُ باللَّيـ لِ وشمسُ القلوبِ ليسَ تغيْبُ (^١)
_________________
(١) للحلاج، كما في "تاريخ الطبري" (١١/ ٢٣٣)، وهو في "ديوانه" (ص: ٢٣)، وقبله: =
[ ٨ / ١٧ ]
وكما أنَّ في السَّماء شمسًا وقمرًا، والشَّمسُ أبدًا بضيائها، والقمرُ في الزِّيادة والنُّقصان أبدًا، وكما استترَ بمحاقِهِ، بدا بعد ذلك حتَّى يكمل بدرًا بإشراقه، ثمَّ يأخذُ في النَّقص إلى أن لا يبقى منه شيء لتمام انمحاقه، ثمَّ يعودُ جديدًا، وكلُّ ليلةٍ تجدُ مزيدًا، فإذا صار بدرًا تمامًا، لم يجد أكثرَ مِن ليلةٍ لكمالِه مقامًا، ثم يأخذ في النُّقصان إلى أن يخفى شخصُه ويتمَّ نقصُه = كذلك مِن النَّاس مَن هو مردودٌ بينَ قبضِه وبسطِه، وصحوِه ومحوِه، وذهابِه وإيابِه، لا فناءَ فيستريح، ولا بقاءَ له دوامٌ صحيحٌ.
قال الشَّاعر:
كلَّما قلْتُ قَدْ دَنَا حَلُّ قَيْدِي قدَّموني فأوثَقُوا المِسْمارَا (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ قيل: أي: وقدَّر القمرَ منازلَ، فعل يتعدَّى إلى مفعولَيْن، وهو كقولِه: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، يجري في كلِّها كلَّ شهرٍ مرَّة.
وإنَّما خصَّ القمرَ به لأنَّه هو الذي يعرِّفُ الشُّهور، وباجتماعِها تكون السِّنون.
وقيل: معناه: وقدَّرَهما منازلَ؛ أي: الشَّمس والقمر، وإنَّما وحَّد (^٢) اكتفاءً، كما في قولِه ﷿: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، وهذا لأنَّه يُعرَف بالشَّمس ابتداءُ النَّهار وانتهاؤه، وباجتماع الأيَّام واللَّيالي تُعرَف الشُّهور.
_________________
(١) = طلعت شمسُ مَنْ أُحِبُّ بِليلٍ فَاسْتَنارَتْ فَمَا تَلَاهَا غُرُوبُ
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٨٠). والبيت للشبلي. انظر: "محاضرات الأدباء" (٢/ ٨١٨)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٦٦/ ٧٦).
(٣) في (أ): "وإنما ذكر واحدًا".
[ ٨ / ١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾: فعددُ السِّنين: معرفةُ الشُّهور وتمام السَّنة، والحساب: هو الآجالُ والمواقيْتُ المقدَّرة بالشُّهور والسِّنين.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: بالشَّمس تُعرَفُ أوقاتُ الصَّلوات في الشِّتاء والصَّيف والرَّبيع والخريف، ولا يُعرَفُ ذلك بالقمر، وبالقمر تُعرَف الشُّهور والسِّنون، ولا يُعرَف ذلك بالشَّمس.
وفي مصحف حفصة ﵂: (وقدَّرهما منازلَ) (^١).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال أبو بكر الأصم الكيساني (^٢): [أي]: ما خلقَ اللَّهُ ذلك إلَّا وقد جعلَ فيه دلالة معرفتِه.
وقال الإمام الزاهد أبو منصور ﵀: قال قائلون: ما خلقَ اللَّهُ ذلك إلَّا وقدْ جعلَ فيه الشَّهادة له على الخلْقِ، وهو شهادةُ الوحدانيَّة والألوهيَّة.
وقال بعضهم ما خلق اللَّه ذلك إلَّا للأمر الكائن لا محالة، وهو البَعْثُ.
ويحتمل: ما خلق اللَّه ذلك إلَّا بالحكمة، لم يخلق ذلك عبثًا باطلًا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧] (^٣).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١١). ووقع في (أ): "وقدرها منازل"، وفي (ف): "وقدرناها منازل"، وكلاهما مخالف للمصدر المذكور.
(٢) قوله: "قال أبو بكر الكسائي" كذا في (أ) و(ر)، وليست في (ف)، وفي مطبوع "التأويلات": "قال أبو بكر الأصم والكيساني"، ولعل الصواب ما أثبتناه، وقد أكثر الماتريدي من النقل عن أبي بكر الكيساني، وهو خيران بن العلاء، أبو بكر الكلبي الكيساني الأصم من أهل دمشق، روى عن الأوزاعي وزهير بن محمد وحماد بن سلمة روى عنه ابنه عمرو بن خيران وأبو عمرو الأوزاعي وهو شيخه، وغيرهما. انظر: "تاريخ دمشق" (١٧/ ٧٣).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١١).
[ ٨ / ١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: قرأ أبو عَمرو بياء المغايبة، بناء على قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] (^١)، وقرأ الباقون بالنُّون بناءً على قوله: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾.
ومعنى قوله: ﴿نُفَصِّلُ﴾؛ أي: نبيِّن العلامات التي يُستدلُّ بها على الحقِّ.
وخصَّ العالمين بذلك لأنَّهم هم المنتفِعونَ (^٢) بها.
* * *
(٦) - ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: قال أهلُ مكَّة: ائتنا بآيةٍ حتَّى نؤمنَ لك، فنزلت هذه الآية (^٣).
أي: فيما يتعلَّق بما خلقْنا مِن الشَّمس والقمر -مِن اختلافِ اللَّيل والنَّهار لأوقاتٍ معلومةٍ على نسقٍ واحدٍ- لآياتٌ؛ لأنَّ في ذلك بقاءَ الدُّنيا إلى حين، وتدبيرَ معايشِ أهلِها، فمَن تدبَّر ذلك علم أنَّ الدُّنيا مخلوقةٌ لمكثِ الخَلْقِ فيها، وخالقُهم لم يهملْهُم، بل جعلَها لهم دارَ عملٍ، فلا بُدَّ مِن أمرٍ ونهيٍ، ثمَّ جزاءٍ ليُفرَّق بينَ المطيع والعاصي، فمَن تدَّبر هذا اتَّقى العاقبةَ وما فيها للعاصي مِن العقوبة، فكان الانتفاع بالآيات للمتقين فلذلك أضيفَتْ إليهم.
_________________
(١) وقرأ بالياء أيضًا ابن كثير وحفص. انظر: "السبعة" (ص: ٣٢٣)، و"التيسير" (ص: ١٢١).
(٢) في (ر): "المتفوِّهون".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٢٠).
[ ٨ / ٢٠ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: اختصاصُ النَّهارِ بضيائِه، وانفرادُ اللَّيل بظلمائه، مِن غير استيجابٍ لهذا ومن غير استحقاقِ عِتابٍ مع هذا = دلالةٌ على أنَّ الرَّدَ والقَبولَ والمنعَ والوصولَ ليس بمعلولٍ بسببٍ، ولا حاصلٍ بأمرٍ مكتسَب، كلَّا إنَّها إرادةٌ ومشيئة، وحكمٌ وقضيَّة، والنَّهارُ وقتُ حضور الغَفلة في أوطان كسبِهم، واللَّيلُ وقتُ أرباب الوصلة لانفرادهم بشهود ربِّهم (^١).
* * *
(٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ قيل: أي: لا يخافون عقابَنا.
وقال مقاتل: لا يخافون البعثَ (^٢). كما قال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون للَّهِ عظمةً.
وقيل: أي: لا يطمعون في ثوابِنا.
وهذه الكلمة من الأضداد، وقد أوضحنا ذلك في قوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
وإنَّما سمَّى ذلك: لقاءَ اللَّهِ؛ لأنَّه لا (^٣) يقدر على ذلك إلَّا اللَّه، فجُعِلَ لِقاؤُهُ لقاءَه تفخيمًا لشأنِه، كما جُعِلَ إتيانُ جلائلِ آياتِ اللَّه إتيانَ اللَّهِ لذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾: أي: سكنوا إليها، فلم يفكِّروا في عاقبةٍ ولا حسابٍ ولا جزاءٍ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾؛ أي: لا يتدبَّرون فيها.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٨٠).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٢٧).
(٣) في (أ): "لما لم".
[ ٨ / ٢١ ]
(٨) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: مِن الكفر والمعاصي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أنكروا جوازَ الرُّؤيةِ فلم يرجوها، والمؤمنون آمنوا بجوازِ الرُّؤية فأمَّلوها.
وقيل: لا يرجون لقاءَهُ لم يشتاقوا إليه، ولم يشتاقوا إليه لأنَّهم لم يحبُّوه، ولم يحبُّوه لأنَّهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنَّهم لم يطلبوه، ولم يطلبوه لأنَّ اللَّهَ تعالى أرادَ أنْ لا يطلبوه، ولو أرادَ أنْ يطلبوه لطلبوا، ولو طلبوا لعرفوا، ولو عرفوا لأحبُّوا، ولو أحبُّوا لاشتاقوا، ولو اشتاقوا إليه لرجوا لقاءَه، ولو رجوا لقاءَه لرأَوه؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ﴾ الآية [السجدة: ١٣].
وقال في قوله: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أصحابُ الدُّنيا رضوا بالحياة الدُّنيا فحُرِموا الجنَّةَ، والعبَّادُ والزُّهادُ ركنوا إلى الجنَّةِ ورضوا بها، فبقُوا في مراتبِ الوصلةِ.
وقال: لَمَّا كان الذي لا يرجو لقاءَه مأواه العذاب والفُرقة ثبتَ أنَّ الَّذي يرجو لقاءَه فعاقِبتُه الاقتراب والوصلة واللِّقاء والزُّلفة (^١).
* * *
(٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: وهم الَّذين يرجون لقاءَ اللَّهِ.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٨١).
[ ٨ / ٢٢ ]
﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾: قيل: يرشدُهم بإيمانهم في الدُّنيا إلى الخيرات، ويرزقُهم الدَّوام عليه والثَّبات.
وعلى هذا القولِ يكون قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾: أي: وتجري، بإضمار الواو، وبالحذف يصير كلامًا مبتدأً غيرَ الأوَّل أيضًا.
وقيل: يهديهم في الآخرةِ إلى الجنَّة، وعلى هذا الإضمارِ قال مجاهد: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾: لهم نورٌ يمشون به (^١).
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾: إلى الجنَّة في الآخرة (^٢).
وقال مقاتلٌ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ على الصِّراط إلى الجنَّة بالنُّور (^٣).
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: بينَ أيديهم في البساتين، كما قال: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، ومَا كانَتْ قاعدةً عليه، ولكن كان ذلك بينَ يديها، وكذا قالوا في قوله تعالى: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].
وقيل: بأمرِهم ومشيئتِهم، كما يُقال: هذا تحتَ تصرُّفِه، وكذا قالوا في قوله: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: يتنعَّمون فيها مِن غير مشقَّةٍ ولا مؤونةٍ.
* * *
(١٠) - ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٢٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٢٩).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٠٥).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٢٧). وهو شبيه بقول مجاهد.
[ ٨ / ٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: أي: دعاؤهم، وهو مِن دعا يدعو، كالشَّكوى مِن شكا يشكو.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾؛ أي: كلامُ أهلِ الجنَّة فيها تنزيهُ اللَّهِ عمَّا كان في الدُّنيا يُضاف إليه مِن الأضداد والشركاء.
وقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: وآخرُ ما يتكلَّمون فيه مِن النَّعيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يحمدونَه على ما أدرَّ عليهم مِن نِعمِه، يبتدئون كلَّ نعمةٍ بالتَّسبيح للَّه، ويختمونها بالحمد للَّه، كما كانوا في الدُّنيا يبتدئونَ النِّعمةَ بالتَّسميةِ ويختمونها بالحمدِ.
وقيل: هي على حقيقة الدَّعوى التي تكون مِن المدَّعي.
قال الإمام أبو منصور ﵀: قال قائلون: أي: يدَّعون في الآخرة مِن الإيمان والتَّوحيد للَّه تعالى والتَّنزيه ما ادَّعوه في الدُّنيا مِن ذلك؛ فإنَّ التَّسبيحَ هو تنزيهُ اللَّهِ تعالى، وتبرئتُه عن جميع العيوب الَّتي وصفَتْهُ بها المشبِّهة والملحِدة (^١).
وقيل: الدَّعوى هي التَّمني؛ قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ١٣]؛ أي: يتمنَّون ويشتهون.
وروى سعيدُ بن جبير عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾: كلَّما اشتهى أهلُ الجنَّة شيئًا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، فجاءَهم ما يشتهون (^٢).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٣).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٣١)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٠).
[ ٨ / ٢٤ ]
وقال الكلبيُّ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾؛ أي: قولهم في الجنَّة: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، فإذا سمع الخدَّام ذلك أتوهم بما يشتهون (^١).
وقال مقاتل: هذا علَم بين أهل الجنَّة وبين الخدَّام في الطَّعام، فإذا قالوا ذلك أتوهم الخدَّام بالموائد، فوضع بين أيديهم ما أرادوا على مائدة هي مِيلٌ في ميلٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾: أي: تحيَّةُ بعضِهم لبعضٍ ذلك؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢].
وقال الكلبيُّ: يحيِّي بعضُهم بعضًا بالسَّلام، وتأتيهم الملائكةُ مِن عند ربهم بالسَّلام (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قال الكلبيُّ: إذا فرغ أحدهم من كلامه قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤).
وقال مقاتل: إذا فرغوا من الطَّعام والشَّراب حمدوا ربَّهم على ما أعطاهم (^٥).
وقال ابن جريج: إذا مرَّ بهم الطَّير يشتهونه قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، فتأتيهم فتسلِّم عليهم، فيردُّون عليه، فإذا أكلوا حمدوا (^٦).
وقيل: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: هي مِن دعوى أهل الدُّنيا، وهي من تداعيهم في الحروب بآلِ فلان، ومعنى الآية: أنهم كانوا في الدُّنيا متضاغنين متقاتلين، فإذا
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٣١)
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٢٨).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٣١) عن ابن عباس ﵄ والكلبي.
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٣١).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٢٩).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٢٦).
[ ٨ / ٢٥ ]
صاروا إلى الجنَّة نُزِعَ ذلك مِن قلوبهم، وصاروا إخوانًا على سررٍ متقابلين، فيكون تداعيهم بتسبيح اللَّه وتحميده، فلذلك وصله بقوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: له ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّه بيان أنَّه ليس على أهل الجنَّة شيءٌ من العبادات سوى التَّوحيد، وهي كلمة التَّوحيد.
والثَّاني: أنهم يقولون ذلك لعظيمِ ما يرَون من النَّعيم، وعجيبِ ما عاينوا.
والثَّالث: شكرًا لِمَا أعطاهم مِن ألوان النَّعيم (^١).
وقال محمَّد بن عليٍّ الباقر: كلامُ أهلِ الجنَّة ثلاثة: التَّسبيح والتَّحميد وتسليم بعضهم على بعض، ورزَقَ اللَّهُ تعالى هذه الثَّلاثة للمؤمنين في الدُّنيا في الصَّلاة؛ يفتتحون الصَّلاة بالتَّسبيح، ويفتتحون القراءة بالحمد، ويختمون بالسَّلام.
وقال الحسين بن علي: إذا أرادوا الطَّعام والشَّراب سبَّحوا، وإذا فرغوا حمدوا، وإذا اشتاقوا هلَّلوا، وإذا تلاقوا سلَّموا، وإذا تفرَّقوا بعدَ التَّزاور فآخر دعواهم -أي: آخر كلامهم عند التَّفرُّق- الحمد للَّه ربِّ العالمين (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾؛ أي: ثناؤهم عندَ اللِّقاء سبحانَك اللَّهمَّ، وتحيتهم مِن اللَّه عند اللِّقاء السَّلام، يحمدونَه بحمدٍ أبديٍّ سرمديّ، وهو يحييِّهم بسلامٍ أزليّ، وكلامٍ أبديّ، عزيزٍ صمديّ، وحبيبٍ أحديّ (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٤).
(٢) لم أقف عليهما.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٨٢). وآخره: (. . . وهو عزيز صمديّ ومجيد أحديّ).
[ ٨ / ٢٦ ]
(١١) - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾: وهذه منتظِمة بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، ولغفلتهم إذا أُنذِروا استعجلوا العذابَ جهلًا منهم، ولو عجَّل اللَّهُ لهم ذلك إذا استعجلوه بدعائِهم كما يستعجلون بالخير لَمَا قاموا لعذابنا، بل ماتوا؛ لأنَّ تركيبَهم لا يحتمِل ذلك في الدُّنيا.
وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: فُرِغَ منه وقُطِعَ. وقال أبو ذُؤيْب:
وعليهما مَسْرُودتانِ قَضاهُما داودُ أو صَنَعُ السَّوابِغ تُبَّعُ (^١)
وقرأ ابن عامر: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ بالنَّصب على الفعل الظاهر؛ أي: لقضى اللَّه إليهم أجلَهم، والباقون بالضَّمِّ على ما لم يسمَّ فاعله (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تقديرُ الآية على هذا القولِ: ولو يعجِّلُ اللَّهُ للنَّاس الشَّرَّ إذا استعجلوه كما يعجِّل لهم الخيرَ إذا استعجلوه لهلكوا (^٣).
واستعجالُهم الشَّرَّ ذُكِرَ في آياتٍ: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ
_________________
(١) انظر "ديوان الهذليين" (١/ ١٩). والمسرودتان: مثنى "المسرودة"، والدرع المسرودة: المنسوجة بحيث يدخل بعض الحلق في بعض. وقضاهما: صنعهما. والصنع بفتحتين: الذي يحسن العمل بيديه والسوابغ: جمع سابغة، وهي الدرع الواسعة الوافية. وتبَّع: لقب لكلِّ مَن ملك اليمن. انظر: "شرح الشواهد الشعرية" لمحمد حسن شراب (٢/ ٩٧).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٢٣)، و"التيسير" (ص: ١٢١).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٥).
[ ٨ / ٢٧ ]
لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الرعد: ٦]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧]، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
واستعجالُهم بالخير في آياتٍ: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ [يونس: ١٢] ونحوهما.
وعلى هذا قيل: إنَّها نزلَتْ في النَّضر بن الحارث حين قال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٢] (^١).
وقيل: هو في دعاءِ الإنسانِ على نفسِه أو غيرِه بالهلاك عند الغضب، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
قال الكلبيُّ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾؛ أي: العقوبة إذا دعوا على أنفسِهم أو على أولادهم (^٢): أخزاهُم اللَّه تعالى ولعنَهم اللَّهُ، كما يعجِّل لهم بالخير إذا دعوه بالرَّحمة والعافية والفرج فيرزقُهم ويدفَعُ عنهم لَمَاتوا وهَلَكوا (^٣).
وقال مقاتلٌ: لو استُجيبَ لهم في الشَّرِّ كما يحبُّون أنْ يُستجابَ لهم في الخير لهلَكوا (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀ مع ذِكْرِ هذَيْن القولَيْن: ويُشبهُ أنْ يكونَ معناه:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٤٤ - ١٤٥) عن سعيد بن جبير ومجاهد والسدي، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٩٠) عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (أ): "أموالهم".
(٣) ذكر نحوه الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٣٥).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٢٩).
[ ٨ / ٢٨ ]
ولو يعجِّلُ اللَّهُ للنَّاس الشَّرَّ باكتسابِهم الشَّر وارتكابهم إيَّاه كما يعجِّل لهم الخير وقتَ اكتسابهم الخيرَ لهلكوا (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: وهذا ابتداءُ كلامٍ معناه: فحن نذَر؛ أي: نترك الذين لا يخافون البعثَ في تماديهم يمضون متحيِّرين.
وقيل: فيه مُضمَرٌ: لكنَّا لا نفعلُ ذلك ونؤخِّر عذابهم إلى الآخرة، وندَعُهم في الدُّنيا كذلك.
قال القشيريُّ ﵀: معناه: لو أجبناهم إذا دعوا على أنفسِهم وأعزَّتهم عندَ غيظِهم وضجَرِهم لعجَّلْنا إهلاكَهم، لكنَّا تحمَّلْنا [أنْ] لا نجيبهم، وبرحمتنا عليهم لا نسمعُ بالإجابة دعاءَهم، وربَّما يشكو العبدُ بأنَّه لا يجيبُ دعاءَه، وتركُ إجابتِه لطفٌ به منه، قال الشَّاعر:
أناسٌ أعرَضوا عنَّا بِلا جُرْمٍ ولا مَعنى
أساؤوا ظنَّهم فينا فهلَّا أحسنوا الظَّنَّا
وإنْ كانوا لنا كُنَّا وإنْ عادوا لنا عُدْنا
وإنْ كانوا قد استغنوا فإنَّا عنهم أغنى (^٢)
* * *
(١٢) - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٥).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٦٢٤) (٢/ ٨٣)، والشعر لمحمود بن الحسين كشاجم. انظر: "ديوانه" (ص: ٣٩٤) مكتبة الخانجي، تحقيق النبوي عبد الواحد شعلان.
[ ٨ / ٢٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾: أي: وإذا أصابَ الواحدَ مِن المشركين البلاءُ والمكروهُ في بدنِه ومالِه.
﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾: أي: على أيِّ حالٍ كانَ مِن اضطجاعٍ أو قُعودٍ أو قيامٍ.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾: أي: فإذا أزلنا عنه بلاءه ﴿مَرَّ﴾؛ أي: استمرَّ على شركِه لا يرى ذلك منَّا، وعادَ إلى ما كان عليه ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾؛ أي: كأنَّه لم يدْعُنا في بلاءٍ أصابَه.
﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: كالذي زُيِّنَ لهذا الإنسان زُيِّنَ لسائر المشركين المجاوزين حدودَ الشَّرع بالإشراك باللَّه وتكذيب الأنبياء ووضع الأموال والأنفس في الموضع الذي لا ينتفعون به في عبادة الأصنام وغيرها = ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الدُّعاء عندَ البلاءِ والنِّسيان عند الرَّخاء، وهذا التَّزيين مِن اللَّهِ تخليقًا، ومِن الشَّيطان وسوسةً، ومن الأصحاب دعوةً وتلبيسًا.
وقال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتِ الآيةُ في أبي حذيفةَ هشام بن المغيرة (^١).
وقال عطاءٌ: في الوليدِ بن المغيرة وعتبةَ بن ربيعة (^٢).
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: قال بعض أهل التَّأويل: جميع ما ذُكر في القرآن الإنسان فالمراد منه الكافر: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦]، ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]،
_________________
(١) هو قول مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٢٣٠).
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٥٤٠).
[ ٨ / ٣٠ ]
وعندي مَن دخل في هذه الصِّفة من أهل الإيمان -وهي الدُّعاء عند البلاء وتركُه عند الرَّخاء- فهو مرادٌ بهذه الآية (^١).
وأنشد القشيريُّ ﵀ في معنى قوله: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ قولَ الشَّاعر:
كأنَّ الفَتى لم يَعْرَ يومًا إذا اكتَسى ولم يكُ صُعلوكًا إذا ما تموَّلا (^٢)
* * *
(١٣) - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: بينَ القرنَين ثمانٍ وعشرون سنة (^٣).
﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾: كفروا باللَّه، وهو وضع الشَّيء في غير موضعِه، وهو ظلمُ نفسِه أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: وقد كانت جاءتهم رسلُهم بالحُجَج الواضحة.
﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾؛ أي: علمنا أنهم لا يؤمنون بدعاء الرُّسل وإظهار الآيات.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: كذلك نفعل بالمجرمين الذين نعلمُ أنَّهم لا يؤمنون، فنحن قادرون على معاجلة هؤلاء المستعجلين بالشَّر،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٦).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٠٢). والبيت لجابر بن ثعلب الطائي. كما في "ديوان الحماسة" لأبي تمام (ص: ١١٠).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٢٢).
[ ٨ / ٣١ ]
لكنَّا نمهلُهُم لعلمنا أنَّ فيهم مَن يؤمنُ، وهو كعكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد ونحوهما.
* * *
(١٤) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: سكانَها ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀:
يحتمِل: جعلَكم مكانَ أولئك لم يهلكْهم (^١)، وهو تذكيرٌ للنِّعمة.
ويحتمل: جعلكم خلائف أولئك في المحنة والعبادة؛ أي: ابتلاكم بالأمر والنَّهي كما فعل بأولئك.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ قال: لم يزلِ اللَّهُ تعالى عالمًا بما كان ويكون منهم مِن الطَّاعة والمعصية، ولكنْ ليَعْلَمهم عصاةً ومطيعين؛ لأنَّ المعصية إنما تكون بعدما يكون النَّهي، والطَّاعة إنما تكون بعدما يكون الأمر، فيَعْلَمكم عاصين كما علم أنه يكون منكم معصية، ويعلمكم مطيعين كما علم أنه يكون منكم طاعة (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن لم يعتبر بمَن سبقَه اعتبر به مَن لحقَه، ومَن لم يعتبر بما سمعَه اعتبر به مَن تَبعه (^٣).
* * *
_________________
(١) كذا وقعت العبارة في النسخ، وعبارة "التأويلات": (جعل أنفسكم خلف أنفس أولئك الذين لم يهلكهم).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٨).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٨٤).
[ ٨ / ٣٢ ]
(١٥) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: وهذا إخبارٌ ببعضِ جهالات المشركين، معناه: وإذا تُقرأ عليهم آياتُنا في القرآن واضحاتِ الإعجاز في النَّظم والمعنى ليسمعوه ويتدبَّروه، قال الَّذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء للنِّبيِّ عليه الصلاة السلام: ائْتِ بقرآنٍ غيرِ هذا، ليس فيه شتمٌ لآلهتِنا، ولا تسفيهٌ لأحلامِنا، ولا وعيدٌ بالعذاب لنا، ولا أمرٌ ولا نهيٌ ممَّا يَشُقُّ علينا، أو بدِّل القرآنَ فاجعل فيه بَدَلَ السَّبِّ مدحًا، وبدل الوعيدِ وعدًا.
والإتيانُ بغيرِه قد يكون مع قيامِه، وتبديلُه لا يكون إلَّا برفعِه ووَضْعِ آخرَ مكانَه، أو تغييرِ أشياء منه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾: أي: مِن جهةِ نفسي؛ لأنَّه ليس قولي ولا كلامي، وإنَّما هو وحيُ اللَّه تعالى إليَّ، وذلك قوله تعالى:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي﴾؛ أي: ما أتَّبع إلَّا الوحيَ.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي: أخشى إنْ عصيْتُ اللَّهَ بتركِ تبليغِه إليكم، أو تبديلِه على مرادِكُم، عذابَ يومِ القيامة.
وقيل: عذاب يومٍ هائلٍ في الدُّنيا يَنزلُ عليَّ العذابُ فيه.
قال قتادة: هم مشركو مكَّة (^١).
وقال الكلبيُّ: هم المستهزئون بالقرآن، وهم خمسةُ رهطٍ: الوليدُ بن
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٣٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٣٤).
[ ٨ / ٣٣ ]
المغيرة، والعاصُ بن وائل، والأسود بن المطلَّب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن غيطلة (^١).
وقال مقاتل: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: عبد اللَّه بن أبي أميَّة المخزوميُّ، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد اللَّه بن أبي قيس العامريُّ، والعاص بن عامر بن هاشم، قالوا للنَّبيِّ -ﷺ-: ائْتِ بقرآن غير هذا القرآن ليس فيه تركُ عبادةِ الَّلات والعزَّى ومناة وهبل، وليس فيه عَيبها، أو بدِّله فكلِّم به مِن تلقاء نفسِك (^٢).
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾: فإذا أُمِرْتُ بأمرٍ فعلْتُ، ولا أبتدع ما لم أؤمر به، إنِّي أخاف إن فعْلُت ما لم أؤمر به عذابَ يوم عظيم، نسخَها قولُه ﷻ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] (^٣).
وأنزل اللَّه تعالى في شأنهم: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إذا اقترحوا عليكَ أنْ تأتيَهم بما لم آمرْكَ به أو
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٠٧) دون ذكر أسمائهم. وقد روي عن ابن عباس أن هؤلاء الخمسة هم المستهزئون المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. انظر: "تفسير عبد الرزاق" (١٤٦٥)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ١٥٠)، و"معاني القرآن" للنحاس (٤/ ٤٦)، و"النكت والعيون" (٣/ ١٧٥)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٣٧٥). وقوله: الحارث بن غيطلة، هو الحارث بن قيس وغيطلة أمه. انظر: "تاريخ دمشق" (٤١/ ٩٠).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٣١)، ولم يذكر هنا من الأسماء المذكورة سوى الوليد، فقال: "الوليد بن المغيرة وأصحابه أربعين رجلًا"، لكنه ذكرها في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]. انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٣٠)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ١٢٣).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٥/ ١٦٨).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٧٣).
[ ٨ / ٣٤ ]
تريَهم ما لم أُظهِرْ عليك فأخبرهم أنَّك غيرُ مستقلٍّ بك، ولا موكولٍ عليك، أنا القائم عليك، المصرِّفُ لك، وأنت المتَّبع لِمَا أُجريه عليك، غيرُ مبتدِع بما يحصل منك (^١).
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾: أي: قل يا محمَّدُ لهؤلاء: لو شاء اللَّه ما قرأتهُ عليكم بألَّا ينزِله عليَّ ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: ولا أعلمَكُمُ اللَّهُ به.
دريْتُ الشَّيءَ درايةً؛ أي: علمْتُه، وأدريْتُه غيري إدراءً؛ أي: أعلمْتُه.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ قال الضَّحَّاكُ: لقد لبثْتُ فيكم قبلَ نزول القرآن عمرًا طويلًا أربعين سنة ولا أقرأ لكم شيئًا ولا آتيكم به (^٢).
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أنَّه ليس مِن قِبَلي.
وقيل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنِّي لو كنْتُ أردْتُ شيئًا غير طاعتي لربِّي فيما أوحاه إليَّ لكان ذلك قبلَ نزول القرآن -وهو وقت شبابي- أمكَنَ، وأنا على ذلك حينئذ أقدَرُ، وعلى الدَّفع عن نفسي أقوى، وإذا تلوته عليكم في هذا الوقت فإنَّما ذلك للوحي ولخوف العذاب بالعصيان.
وقيل: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ قبلَ نزولِه، تعرفون حالي في مولدي ومنشئي وسفري وحضري، لم أشتغل بتعلُّمه، ولا اختلفتُ إلى مَن يعرفُه، فإذا
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٨٤).
(٢) قاله مقاتل. انظر: "تفسيره" (٢/ ٢٣١)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٣٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٣٥) عن قتادة.
[ ٨ / ٣٥ ]
كانت هذه حالتي وجئتكم به مِن غير تعلُّم فاعلموا واعقلوا أنَّه مِن عند اللَّه تعالى.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: لبثْتُ فيكم سِنينَ ولم تعرفوني كذبْتُ قطُّ، فكيفَ أفتري على اللَّهِ، وأخترعُ القرآنَ مِن عندِ نفسي (^١)؟!
* * *
(١٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: فمَنْ أظلَمُ ممَّنْ اختلقَ على اللَّهِ كَذِبًا أنَّ معَه شريكًا وصاحبةً وولدًا، أو عبدَ الأوثانَ، أو كذَّبَ بمحمَّدٍ والقرآن، إنَّه لا يأمَنُ المشركون (^٢).
ويحتمل هذا ثلاثةَ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّه إخبارٌ مِن اللَّهِ ﷻ، والصِّفةُ المذكورة في الآية مِن المشركين الكذبُ والتَّكذيب جميعًا.
والثَّاني: أنَّه متَّصل بقول النَّبي -ﷺ- الذي أمرَه اللَّهُ تعالى به في الآية الأولى أنْ يقول، ومعناه أنَّه قال: لا أحدَ أظلمُ ممَّن افترى على اللَّه كذبًا؛ أضافَ إليه ما لم ينزلْهُ، أو بدَّل ما أنزلَه، وممَّن نفى ما أنزلَه عنه فكذَّبه فيه؛ أي: لا أظلمَ مِن هذين: أحدهما ما ينفيه عن نفسه، والآخر ما يثبتُه للمشركين.
والثالثُ: أنَّه نفى الأمرَيْن عن نفسِه؛ أي: إذا أتيْتُ بغيرِ هذا القرآن، أو بدَّلْتُ هذا القرآنَ، كنْتُ قد افتريْتُ على اللَّه الكذبَ وكذَّبْتُه فيما أنزلَه عليَّ.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢١).
(٢) نحوه عن ابن عباس في "البسيط" (١١/ ١٤٨)، ودون نسبة في "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٢٤).
[ ٨ / ٣٦ ]
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: لا يظفرون بمطلوبٍ، ولا يصلون إلى مأمولٍ، ولا يأمنون مِن محذورٍ.
* * *
(١٨) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: ويعبدون من دون اللَّه الأصنامَ الَّتي لا تضرُّ مَن عصاها ولا تنفعُ مَن أطاعَها في معاشٍ ولا رزقٍ ولا غيره (^١).
﴿وَيَقُولُونَ﴾: يعني أهل مكَّة: ﴿هَؤُلَاءِ﴾: يعنون الأصنام ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وقال الحسنُ: أي: في إصلاحِ المعاشِ؛ لأنَّهم كانوا لا يقرُّون بالمعاد، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: أتخبرون اللَّهَ بما لا يعلمُه موجودًا؛ أي: بما يعلمُه غيرَ موجودٍ؛ لأنَّه لو كان موجودًا لكان معلومًا له وجودُه؛ لأنَّه عالمٌ بكلِّ شيءٍ، وكيف يصحُّ وجودُ ما لا يعلمُه؟
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهُ اللَّهِ عن كلِّ سوءٍ ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ بتاء المخاطبة، كما قال تعالى: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾، والباقون على المغايبة، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) نحوه دون نسبة في "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٢٤).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٤٩).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٣٢٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١).
[ ٨ / ٣٧ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن علَّقَ قلبَه بالمخلوقين في استدفاع المضارِّ واستجلاب المسارِّ فهو كالسَّالكِ سبيلَ عبدةِ الأصنامِ؛ إذِ الموجِدُ والمنشِئُ للأشياء مِن العدمِ هو اللَّهُ المنفردُ بالأزليَّة والقِدَم (^١).
* * *
(١٩) - ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: قال أبو روق: وما كان النَّاس إلَّا أمَّة واحدة على ملَّة الإسلام زمنَ نوح ﵇ بعد الغرقِ، فاختلفوا وتفرَّقوا، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بأنْ جعل للدُّنيا مدَّةً وأجلًا، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لأقيمَ عليهم السَّاعة (^٢).
وقال الكلبيُّ: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: كافرةً على عهد إبراهيم ﵇، ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾: فتفرَّقوا مؤمنًا وكافرًا، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: أنَّ اللَّهَ أخَّر هذه الأمَّة فلا يهلكُهم بالعذاب كما أهلَكَ الَّذين مِن قبلِهم، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن الدِّين (^٣).
وقال الحسنُ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: في حكمِه أنَّه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه مِن الثَّواب والعِقاب دونَ القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنيا،
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٨٦).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٢٥).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٠٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٢٥).
[ ٨ / ٣٨ ]
فأدخلَ المؤمنين الجنَّةَ بأعمالهم، والكافرين النَّارَ بكفرِهم، ولكنَّه سبقَ مِن اللَّهِ الأجَلُ، فجعلَ موعدَهم يومَ القيامةِ (^١).
وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: كان النَّاسُ أمَّةً واحدةً على الإسلام في زمنِ آدمَ صلوات اللَّه عليه (^٢).
والآيةُ تنتظِم بقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، وهي تسليةٌ للنَّبيِّ -ﷺ- في تأخير العذاب عنهم.
وقيل: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: بإهلاكِ المبطِلين وتخليصِ المحقِّين.
* * *
(٢٠) - ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أي: مِن الآيات المقترحة، كما قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾: أي: مالكُ الأشياء الغائبةِ والعالِمُ بها هو اللَّهُ تعالى، وهو أعلمُ بما ينزِّلُ عليكم مِن الآيات وما لم ينزِّلْ، وإنَّما أنا نذير مبلِّغ، وقد بلَّغتكم ما نزَّله عليَّ مِن القرآن الَّذي جعلَه آيةً لي، فليس بعدَ هذا إلَّا العقوبة المنتظرَة.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: أي: فانتظروا إهلاكَهم فإنَّا منتظرون ذلك.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٢٥)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ١٥٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٢٢ - ٦٢٣) عن مجاهد و(٣/ ٦٢٥) عن السدي.
[ ٨ / ٣٩ ]
وقال الحسنُ: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ مواعيدَ الشَّيطان فيما يغرُّكم ويمنِّيكم ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لمواعيد اللَّهِ (^١).
* * *
(٢١) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾: أي: إذا أعطينا المشركين خِصْبًا بعد جَدْب، ومَطرًا بعد قَحْط، وسَعةً بعدَ ضِيق، ندعوهم بذلك إلى الشُّكر.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾: ﴿إِذَا﴾: كلمةُ مفاجأة؛ أي: ظهرَ منهم مكرٌ في آياتِنا؛ أي: حملَهم الطُّغيان على إخفاء قصد السُّوء بآياتِنا، بأن تصوَّروا أعلام الدُّعاء إلى الشُّكر منهم بغير صورتها، وتغييرها (^٢) عن وجهِها، ويقولون: هذا شيءٌ جاءَنا باستحقاقِنا، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وكقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾: أي: هو استدراجٌ منه لهم مِن حيثُ لا يعلمون، وإملاءٌ لهم، وهو أسرعُ مِن فعلِهم، فلا حاجةَ للَّهِ في إمضائِه إلى تلبُّثٍ.
ويحتملُ أنْ يكونَ معناه: يستعينون بنعمةِ اللَّهِ على الاحتيال على المؤمنين، والإنفاقِ في ابتغاء الغوائل لهم، فيوقِفُ اللَّهُ تعالى نبيَّه على ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠].
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٢٦).
(٢) قوله: "وتغييرها" كذا في (ر) و(ف)، وغير واضحة في (أ).
[ ٨ / ٤٠ ]
وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾: لا يقولون: هذا رزقُ اللَّهِ، وإنما يقولون: سُقينا بِنَوْءِ كذا، وهو قولُه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾؛ أي: صنيعًا (^١)، فقتلَهم اللَّهُ يومَ بدرٍ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾: أي: الحفظة مِن الملائكة.
﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾: أي: ما تقولون في الصَّدِّ عن الإيمان والتَّكذيب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾؛ أي: أسرعُ لجزاءِ المكرِ، وأعجل أخذًا لكم من حيث لا تعلمون أنتم (^٢).
* * *
(٢٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: وفي قراءة ابن عامر: ﴿يَنْشُرُكُمْ﴾؛ أي: يهيِّئ لكم أسباب الانتشار (^٣)، وقرأ الباقون: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ (^٤)؛ أي: يهيِّئْ لكم أسبابَ السَّيرِ طلبًا للمعاشِ، ويهديْكُم إلى ذلك، ويُيَسِّرُ لكم ذلك بالدَّوابِّ وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾: أي: السُّفُنِ، واشتقاقها مِن فَلْكَةِ الِمغْزَلِ،
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٢٦)، و"البسيط" (١١/ ١٥٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٦).
(٣) في (أ): "أسباب الاتسار"، وفي "ف": "الأسباب للاستبشار"، وفي (ر): "الانتشار"، والصواب المثبت.
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٣٢٥)، و"التيسير" (ص: ١٢١).
[ ٨ / ٤١ ]
وفَلَكِ السَّماء، ومعناها: الدَّورانُ في الماءِ، وهي تجيءُ للجَمْعِ والواحدِ، ويذكَّرُ ويؤنَّثُ، وهاهنا للجمعِ.
وقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾: والنُّون للجمع، ثمَّ رجع للمغايبة بقوله: ﴿بِهِمْ﴾ بعدَ ذِكْرِ المخاطبة: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ﴾، وهو طريق مسلوك لأهل اللِّسانِ، ومعدودٌ في الفصاحةِ والبيان، مع أنَّه خِطابٌ لِمَنْ كانَ في تلك الحالة، وإخبارٌ لغيره من النَّاس، وهو كقولِ لَبِيْدٍ:
باتَتْ تَشَكَّى إليَّ النَّفسُ مُجْهِشَةً وقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِيْنَا (^١)
وقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: أي: جرَتِ السُّفنِ براكبيها بريحٍ ليِّنةٍ يُسْتَطابُ هبوبُها، ويستقيمُ مرورُ السُّفنِ بها.
وقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾؛ أي: سُرُّوا بهذه الرِّيح، وأمنِ السَّفينةِ لمحالِّها (^٢).
وقوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾: أي: انتقلَتِ الرِّيح فصارَتْ عاصفًا شديدةَ الهبوبِ.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: أي: تلاطَمَتِ الأمواجُ مِن كلِّ جانبٍ مِن جوانبِ السَّفينةِ.
وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾: أي: أشرفوا على الهَلَكَةِ، وغلَبَ ظنُّهم أنَّهم لا يتخلَّصون مِن الغرقِ.
وقوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي: بالاعتقادِ والعلمِ أنَّه لا يخلِّصُهم
_________________
(١) انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" (ص: ١٣٩)، وبعده: فإن تزادي ثلاثًا تبلغي أملًا وفي الثلاث وفاء للثمانينا
(٢) في (ر): "وأمر السفينة لحالها"، وفي (ف): "وأمن السفينة".
[ ٨ / ٤٢ ]
منها غيرُه: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾؛ أي: فقالوا: ربَّنا لَئِنْ خلَّصْتَنا مِن هذه الرِّيح ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لَكَ، لا نُنْكِرُ نعمَتَكَ، ولا نعبدُ غيرَكَ، ولا نشرِكُ بِكَ شيئًا.
* * *
(٢٣) - ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾: أي: منها ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: عادوا إلى خلافِ الشُّكر، واستطالوا في الأرضِ على النَّاس، بغير أن يكون ذلك مباحًا لهم فيكون حقًّا، وقهرُوهم وسلبُوهم وقتلُوهم ونسُوا عهودَهم.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: بغيكُم يجلبُ إلى أنفسِكُم المكارِهَ، فهو أوقعُ عليكم، ضارٌّ بكم.
وقوله تعالى: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: قرأ عاصم في رواية حفص بالنَّصب على الحال أو القطع، والباقون بالرَّفع على إضمار (هو) أو (ذاك) (^١).
أي: ومدَّةُ البغي وصاحبِه مدَّةٌ قليلة في الدُّنيا، كالشَّيء يُتَمَتَّعُ به ثمَّ ينقضي.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾: في الآخرة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: فنخبرُكُم بذلك، ونجزيكُم عليها.
وقال محمَّد بن كعب القرظيُّ: ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه كُنَّ عليه: البغيُ والنَّكثُ والمكر؛ قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] (^٢).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٣٢٥)، و"التيسير" (ص: ١٢١).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣١٨٧)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٣٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
[ ٨ / ٤٣ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يريدُ أنَّهم يُصبِحونَ في النِّعم يجرُّون أذيالَهم، ثمُّ يمسُون يشكون بلبالهم (^١)، وقد يبيتون والبهجةُ ملكَتْهم، ثمَّ يصبحون وخفايا التَّقدي أهلكَتْهم، وقد قيل في معناه (^٢):
أقمْنا زمانًا والعيونُ قريرةٌ ومِنْ بعدُ عُدْنا والعيونُ سَوافِكُ (^٣)
فإذا رجعوا إلى اللَّهِ بإخلاصِ الدُّعاء جادَ عليهم بكشْفِ البَلاءِ، فلمَّا أنجاهم بإجابة دعائهم إذا هم في بغيهم يرجعون، وعلى مناهجِهم في تمرُّدهم يسلكون (^٤).
وقال: إنَّما بغيُكم على أنفسِكم؛ أي: تمتُّعكم في أيَّام قلائل، ثمَّ تلقون في ذلك وبيلًا، وتقاسُون بذلك عذابًا طويلًا.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: ثمَّ بيَّنَ متاعَ الحياة
_________________
(١) في (أ): "بشكوى بلبالهم"، وفي (ف): "بسكون بلبالهم"، وفي مطبوع "اللطائف": "يشكون لياليهم"، والبَلْبَال: الهمُّ. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: بلل).
(٢) "وقد قيل في معناه" من (ف)، وفي (أ): "شعر"، وليست في (ر)، وفي "لطائف الإشارات": "وأنشدوا".
(٣) البيت نسب للقشيري نفسه صاحب "اللطائف"، كما في: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٣/ ٢٠٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٨/ ٢٣٢)، و"الوافي بالوفيات" للصفدي (١٩/ ٦٤).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٨٧ - ٨٨).
[ ٨ / ٤٤ ]
الدُّنيا المذكورةِ في الآية المتقدِّمة: أنَّ مثال هذه الحياة، أو صفةَ هذه الحياةِ القريبةِ المدَّةِ، كمطرٍ أنزلناه مِن السَّحاب ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾؛ أي: فنبَتَ نباتًا مختلفَ الأنواع، مختلطٌ (^١) بعضُها ببعضٍ، وهو فيما لم يَنبُت بعدُ، فيَنبُتُ به.
ويجوز أن يكون في النَّبْتِ الحادث: إذا نزلَ به المطرُ اختلطَ بالمطرِ؛ أي: اتَّصل كلُّ واحدٍ منهما بالآخر، فاهتزَّ ورَبَا.
﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾: مِن اللُّبَاب ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾؛ أي: البهائمُ والمواشي وغيرها من القشور.
وهو فيما يشتملُ على القشر واللُّبِّ، فقد ينبُتُ مَا يأكلُ كلَّه النَّاسُ كالحبوب، وما يأكلُ كلَّه الأنعامُ كالحشيش.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: أي: زِيْنَتَها، والزُّخرفُ: الذَّهبُ.
وقال قتادة: بهجتَها.
وقال الضَّحاكُ: حسنها.
وقال أبو العالية: جمالها.
وقوله تعالى: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾؛ أي: تزيَّنَتْ، أُدغمَت التَّاءُ في الزَّاي، وزِيدَت الألفُ ليكون الابتداء بالمتحرِّك؛ أي: اكتسبَتْ رونقًا وجمالًا باختلاف ألوان النَّبات مِن صُفرة وحمرة وخضرة وبياض ونحوِها.
وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾: قيل: أي: على استصحابِ تلكَ الحال، وحصلوا على غير شيء منها؛ لأنَّ القادرَ عليهم وعليها أهلَكَها.
_________________
(١) في (أ): "مختلفة الأنواع" بدل: "مختلف الأنواع مختلط".
[ ٨ / ٤٥ ]
وقيل: أي: قادرون على أخذِ ما فيها مِنَ النَّبات والحبِّ والثَّمر، وعلى التَّنزُّهِ بزهرتِها، والانتفاعِ بوجوهِ منافعِها.
وقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾: وهو ما يرسلُه عليها مِن عذابٍ يستأصل نباتَها، مِن بردٍ أو ريحٍ أو صاعقةٍ أو نحو ذلك.
قوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾: أي: باللَّيل ﴿أَوْ نَهَارًا﴾؛ أي: بالنَّهار ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾؛ أي: مقطوعًا ساقطًا ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: لم تكنْ على تلكَ الصِّفة فيما قبلُ. وقد غَنِيَ بالمكان: إذا أقام به، من حدِّ عَلِم.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: فكما بيَّنا هذا المثل نبيِّن سائرَ الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: هم المنتفعون بها.
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: قيل: ضرب مثل الحياة الدُّنيا بالزَّرع مِن وجوهٍ:
أحدها: إنَّه يخبرُ عن سرعةِ زوالِها وانقطاعِها، كالنَّبات الَّذي يتسارع إلى الزَّوال والانقطاع بالآفة.
والثَّاني: إنَّه يخبرُ عن تغيُّرها (^١) وانقلابِ أمرِها، كالنَّبات الَّذي يتغيَّر في أدنى مدَّة.
والثَّالث: إنَّه ذكر مسرَّة صاحب الدُّنيا وابتهاجَه بالحياة الدُّنيا كما يكون ذلكَ لصاحبِ الزَّرع به، ثم يكون ما ذكر.
والرَّابع: أنَّ معناه: مَثَلُ الحياة الدُّنيا للحياة الدُّنيا فيما ينفقون (^٢) فيها، مثَلُ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تقلبها".
(٢) في (أ): "ينتفعون".
[ ٨ / ٤٦ ]
صاحب الزَّرع الذي يُنْفِقُ عليه لِمَا يأمُلُ مِن المنافع، ثمَّ يكون ما ذكر، ولو علم ذلك في الابتداء ما فعل، فكذلك صاحبُ الدُّنيا فيما فعل (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: شبَّه الحياةَ الدُّنيا بالماء الذي ينزل من السَّماء، ينبُتُ به النَّبات، وتخضرُّ به الأرض، وتظهر الثمار، ويوطِّن أربابُها عليها أنفسَهم، فتصيبهم جائحة سماويَّةٌ بغتةً، وتصيرُ كأنْ لم تكنْ، كذلك الإنسانُ بعد كمالِ سِنِّه، وتمام قوَّتِه، واستجماع الخصال المحمودة فيه تخترمُه المنيَّة، وكذلك أمورُه المنتظِمةُ تبطل وتختلُّ بوفاته، كما قيل:
فقدناه لَمَّا تمَّ واعتمَّ بالعُلا كذاك كسوفُ البدرِ عندَ تمامِهِ (^٢)
ومِن وجوهِ تشبيهِ الأموالِ الدُّنيويَّة بالماء المنزَل مِن السَّماء: أنَّ المطرَ لا يُستنزَل بالحيلة، كذلك الدُّنيا لا تساعد إلَّا بالقسمة (^٣)، ثمَّ إنَّ المطرَ وإنْ كان لا يجيء إلَّا بالتَّقدير فقد يُستسقَى، كذلك الرِّزق وإن كان بالقسمة فقد يُلتَمَس مِن اللَّه تعالى ويُستعطَى.
ومنها: أنَّ الماءَ في موضعِه سببُ حياةِ النَّاس، وفي غير موضعِه سببُ خرابِ
_________________
(١) في (أ): "يفعل". وانظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٢٩)، وفيه: (. . . ولو علم في الابتداء أن أمر زرعه يؤول ويصير إلى ما صار لكان لا ينفق؛ فعلى ذلك صاحب الحياة الدنيا لو علم أن عاقبة أمر نفقته تصير حسرة عليه وندامة ما أنفق، كما أن صاحب الزرع الذي ذكر وبلغ المبلغ الذي ذكر لو علم أن عاقبته كما كان ما أنفق عليه، أو لو علم أنه لا ينتفع به ما أنفق تلك النفقة؛ أي: لو علم أن سروره وابتهاجه به لا يبقى ولا يدوم إلى آخره ما تكلف ذلك، أو لو علم أنها تزول عنه وتنقطع عن تلك السرعة ما أنفق ذلك وما تكلف الذي تكلف).
(٢) البيت لأبي الفتح البستي في الصاحب. انظر: "التمثيل والمحاضرة" للثعالبي (ص: ٢٣٢)، و"زهر الآداب" للقيرواني (٢/ ٤٥١).
(٣) في (أ): "لا يساعد إلا بالسمة"، وفي "لطائف الإشارات": "لا تساعدها إلا القسمة".
[ ٨ / ٤٧ ]
الموضع، كذلك المال لمستحقِّه سببُ سلامتِه وانتفاعِ المتَّصلين به، وعند مَن لا يستحقُّه سببُ طغيانِه وسببُ بلاءِ مَن هو متَّصلٌ به، كما قيل: نِعمُ اللَّهِ لا تُعاب، ولكن ربَّما استُقبِحَتْ على يد أقوام.
ومنها: أنَّ الماءَ إذا كان بمقدارٍ كانَ سببَ الصَّلاحِ، فإذا جاوزَ الحدَّ كان سببَ الخراب، كذلك المالُ إذا كان بقدر الكفاية والكفاف فصاحبُه منعَّم، فإذا زادَ وجاوزَ الحدَّ أوجبَ الكُفران والطُّغيان.
ومنها: أنَّ الماءَ ما دام جاريًا كان طيِّبًا، فإذا طالَ مكثُه تغيَّر، كذلك المالُ إذا أنفقَه صاحبُه كان محمودًا، فإذا ادَّخره وأمسكَه كان معلولًا مذمومًا.
ومنها: أنَّ الماءَ إذا كان طاهرًا كان حلالًا يصلُح للشُّرب ويصلح للطُّهور ولإزالة الأذى، وإذا كان غير طاهرٍ فبالعكس، وكذلك المالُ إذا كان حلالًا، وبعكسه إذا كان حرامًا.
ويُقال: كما أنَّ الرَّبيعَ تتورَّد أشجارُه، وتظهر أزهارُه، وتخضرُّ رِباعُه، وتتزيَّن بالنَّبات وِهادُه وتلاعُه (^١)، ثم لا يُؤْمَنُ أنْ تصيبَه آفةٌ مِن غير ارتقاب، وينقلبُ الحالُ بما لم يكنْ في الحساب، كذلكَ مِن النَّاس مَن يكون له أحوالٌ صافية، وأعمالٌ بشرطِ الخلوص زاكية، وغصونُ أُنْسِهِ متدلِّية، ورياضُ قُرْبِهِ مُؤْنِقَة، ثمَّ تصيبُه عينٌ، فيذبلُ عودُ وِصالِه، وينسدُّ بابُ عوائدِ إقبالِه، كما قيل:
عينٌ أصابَتْكَ إنَّ العينَ صائبةٌ والعينُ تسرعُ أحيانًا إلى الحسَنِ (^٢)
_________________
(١) في "أ": "بالنبات من البر وهاده وتلاعه"، وفي (ر): "بالنبات وتأمن من البرودات وتلاعه"، وفي (ف): "بالنبات ويأمن من البرودات"، والمثبت من "لطائف الإشارات".
(٢) انظر: "لطائف الإشارت" للقشيري (٢/ ٨٩)، والبيت بلا نسبة فيه، وأورده بلا نسبة كذلك الإشبيلي =
[ ٨ / ٤٨ ]
(٢٥) - ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾؛ أي: لا يدعوكم إلى الرُّكون إلى الدُّنيا الَّتي هي تعرض الآفات، بل إلى الجنَّة الَّتي فيها السَّلامة عن كلِّ العاهات.
قال الزَّجَّاجُ: ﴿دَارِ السَّلَامِ﴾: دار السَّلامة عن كلِّ آفةٍ (^١).
والسَّلام والسَّلامة، كاللَّذاذ واللَّذاذة، والرَّضاع والرَّضاعة (^٢).
وقال الحسنُ وقتادةُ: السَّلام: اللَّهُ، ودارُه: الجنَّةُ (^٣).
ومعنى الآية على القول الأوَّل: واللَّهُ يدعوكم إلى عمل الآخرة الَّتي سَلِمَ صاحبُها مِن الحزن والخوف، ونعيمُها مِن التَّغيُّر والفناء.
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: مَن حَسُنَتْ إجابته أجابَه اللَّهُ إليها؛ أي: هداهُ إلى الطَّريق الَّذي يفضي به إليها.
فالدُّعاءُ عامٌّ، والهدايةُ خاصَّة؛ إذ الكلُّ مدعوُّون، والسُّعداءُ منهم مهديُّون.
وقيل: ﴿دَارِ السَّلَامِ﴾: دار التَّحيَّة؛ قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]: وهى مِن بعضهم لبعض؛ وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ
_________________
(١) = في "قانون التأويل" (ص: ٥٨٦)، والمستعصمي في "الدر الفريد" (٧/ ٢٧٦). وفي "اللطائف": (الحسد) بدل "الحسن".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٥).
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٦)، و"معاني القرآن" للنحاس (٢/ ٢٨٥).
(٤) رواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٥٤)، وذكره الماوردي في "تفسيره" (٢/ ١٦٧)، والواحدي في "البسيط" (٧/ ٣١٢). وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٤٣) عن الحسن قال: ما من ليلة إلَّا ينادي منادٍ: يا صاحب الخير هلمَّ، ويا صاحب الشرِّ أقصر، فقال رجل للحسن: أتجدها في كتاب اللَّه؟ قال: نعم ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾.
[ ٨ / ٤٩ ]
عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]: وهو سلام الملائكة، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]: وهو سلام اللَّه تعالى.
وقال الإمام القشيري ﵀: الدُّعاءُ تكليفٌ، والهدايةُ تعريفٌ، فالتَّكليف على العموم، والتَّعريف على الخصوص، التَّكليف بحقِّ سلطانه، والتَّعريف بحكم إحسانِه، الدُّعاء قولُه، والهداية طَولُه.
و﴿دَارِ السَّلَامِ﴾: دار السَّلامة؛ سلم أهلُها مِن الحُرْقةِ والفُرْقةِ؛ سلموا مِن الحُرْقةِ فحصلوا على لذَّة عطائِه، وسلموا مِن الفُرْقةِ فوصلوا إلى عزيز لقائهِ.
وقيل: لا يصلُ إلى دار السَّلام إلَّا مَن سلمَتْ نفسُه مِن سجود الصَّنم، وقلبُه من الشِّرك والظُّلم.
ودرجاتُ تلكَ الدَّار متفاوتةٌ، فالَّذي سلمَ قلبُه عن صحبة الأغيار أعلى درجةً ممَّنْ سلمَتْ نفسُه عن الذُّنوب والأوضار.
والصِّراطُ المستقيمُ: طريقُ المسلمين، فهذا للعوام بشرط علم اليقين، ثمَّ طريقُ المؤمنين وهو طريق الخواصِّ بشرط عين اليقين، ثمَّ طريقُ المحسنين وهو طريقُ أشراف الخواصِّ بشرط حقِّ اليقين، فهؤلاء بنور العقل أصحاب البرهان، وهؤلاء بكشف العلم أصحاب البيان، وهؤلاء بضياء المعرفة بوصف العِيَان، وهم الَّذين قال لهم النَّبيُّ -ﷺ-: "الإحسانُ أنْ تعبدَ اللَّهَ كأنَّكَ تراهُ" (^١)، و: "المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ" (^٢).
والمحسنُ: مَن سَلِمَ الخَلْقُ بأجمعِهم عَن قلبِه.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٩٠ - ٩١)، والحديث رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه مسلم (٨) من حديث عمر ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
[ ٨ / ٥٠ ]
(٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾: أي: للَّذين أحسنوا الأعمال الحسنى (^١).
قال ابن عبَّاس ﵄: الحُسنى: الحسنة (^٢)، والزِّيادة: عشرةُ أمثالِها.
وعن علقمة قال: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: هي التَّضعيف (^٣).
وقال الحسن: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: عشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف (^٤).
وقال مجاهد: الحُسنى: الجنَّة، والزِّيادةُ: المغفرةُ والرِّضوانُ (^٥).
وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: الزِّيادةُ: غرفةٌ مِن لؤلؤةٍ واحدةٍ، لها أربعةُ أبوابٍ، الغرفةُ والأبوابُ مِن لؤلؤةٍ واحدةٍ (^٦).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: الحُسنى: الجنَّة لأنَّها جزاءُ الإحسان، كما سمَّى النَّارَ السُّوأَى؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] لأنَّها جزاءُ الإساءة.
_________________
(١) في (أ): "أي للَّذين أحسنوا زيادة؛ أي: للَّذين أحسنوا الأعمال الحسنى".
(٢) تحرفت في النسخ إلى: "الجنة"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ١٦٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٤٢)، و"الكشاف" (٢/ ٣٢٧). ومع ذلك فالخبر إسناده ضعيف جدًّا.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٦٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٤٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٦٣).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٦٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٤٥).
(٦) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٠٥٨ - تفسير)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٦٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٤٥)، جميعهم من طريق الحكم بن عتيبة عن علي ﵁. وإسناده ضعيف للانقطاع بين الحكم وعلي ﵁، وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢٤): لا يصح.
[ ٨ / ٥١ ]
قال: وقيل: الزِّيادة: المحبَّة في قلوب العباد، يحبُّه المحسنون ويهابه كلُّ أحدٍ من غير سلطان.
قال: وقيل: التَّضعيف حتَّى يكون عشرًا وسبعَ مئة وما شاء اللَّه؛ يدلُّ عليه قوله تعالى في مقابلتِه: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾.
قال: وقال قائلون: الزِّيادة هي قَبول حسناتِه مع ما فيها مِن الخَلْطِ بالسَّيئات.
قال: وقال قائلون: الحُسنى: ما تقدِّرُها العقول وتدركُها وتصوِّرها الأوهامُ، والزِّيادةُ هي الَّتي لا تقدِّرها العقولُ ولا تدركُها ولا تصوِّرها الأوهامُ، كما قال ﵊: "وفيها ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشر" (^١).
وقال أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁: سألْتُ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- عن هذه الآية، فقالَ: "الحُسْنَى الجنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجهِ اللَّهِ تعالى" (^٢).
وقال أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: قال رسول اللَّه -ﷺ- في قولِه ﷻ: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قالَ: "يتجلَّى لهم ربُّهم" (^٣).
وعن صهيبٍ ﵁: أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٢ - ٣٤). والحديث رواه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٦٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠٤٤)، والدارقطني في "الرؤية" (١٨٣)، واللالكائي في "الاعتقاد" (٧٨٠). وله شاهد من حديث صهيب ﵁ سيأتي قريبًا.
(٣) رواه الدارمي في "الرد على الجهمية" (١٩٨)، والبزار في "مسنده" (٧٥١٨)، واللالكائي في "الاعتقاد" (٨١٣)، كلهم موقوفًا على أنس ﵁، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أنس بهذا اللفظ إلا عثمان بن عمير أبو اليقظان، وعتمان صالح. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١١٢): رواه البزار، وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف.
[ ٨ / ٥٢ ]
وَزِيَادَةٌ﴾ قالَ "إذا دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ نادى منادٍ: يا أهلَ الجنَّةِ، إنَّ لكم عندَ اللَّهِ موعدًا، يريدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوْهُ. فيقولون: ما هو؟ ألم يبيِّضْ وجوهَنا، ويثقِّلْ موازينَنا، ويدْخِلْنا الجنَّةَ، ويجرْنا من النَّار؟ قالَ: فيَكْشِفُ الحِجابَ، فيتجلَّى لهم، فينظرون إليه، والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، ما أعطاهم شيئًا هو أحبُّ إليهم ولا أقرُّ لأعينِهم مِنَ النَّظرِ إليه" (^١).
والآيةُ تنتظمُ هذه الأقاويلَ كلَّها، وأولى التَّفاسيرِ تفسيرُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، وقد قال به جماعة من الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم والتَّابعين: أبو بكر الصِّدِّيق، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، وكعب بن عجرة، وصهيب بن سنان، وعبادة بن الصامت، وابن عبَّاس، وعامر بن سعد، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعبد الرَّحمن بن سليط، وعكرمة، والحسن، والضَّحَّاك، والسُّدي، ومقاتل، وعطاء (^٢)، وعامَّة المفسِّرين: الزِّيادةُ: النَّظر إلى وَجْهِ اللَّهِ تعالى.
وروى قيسُ بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه قال: كنَّا عندَ رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، فنظرَ إلى القمرِ ليلةَ البَدْرِ، فقال: "إنَّكُمْ سَتروْنَ ربَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لا تُضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ" (^٣).
وهذا تشبيهُ الرُّؤيةِ بالرُّؤيةِ، لا تشبيهُ المرئيِّ بالمرئيِّ، وهو القول الحقُّ، وعليه أهل السُّنَّة والجماعة (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٢)، والإمام أحمد في "المسند" (١٨٩٣٥) واللفظ له.
(٢) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" (١٢/ ١٥٦ - ١٦٤)، و"رؤية اللَّه" للدارقطني (ص: ١٥٦ - ٣٠٨)، و"الاعتقاد" لللالكائي (٣/ ٥٠٣ - ٥٦٠).
(٣) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣).
(٤) وقد طعن الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٣٤٢) بهذا الحديث ونعته بـ (المرقوع) ونعت أهل السنة =
[ ٨ / ٥٣ ]
وروى منصور بن عمَّار، عن يزيد بن شجرة قال: إنَّ مِنَ الزِّيادةِ أنْ تَمُرَّ السَّحابةُ بأهلِ الجنَّةِ، فتقولَ: ما تريدون أنْ أُمطرَكُمْ؟ فلا يريدون شيئًا إلَّا مطرتْهم (^١)، فتمطرُهُمْ منعَّمات.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾: أي: لا يغشاهم غبارٌ.
وقيل: القترةُ: غَبَرةٌ معَها سوادٌ؛ أي: على وجوهِهم سِيْما الفرح والسُّرور، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩].
وهو خلافُ حالِ وجوه أهل النَّار: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]، وقال هاهنا: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾: أي: هَوَان.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هذا ظاهرٌ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ في الواجبات، ولم يبخلوا بالمندوباتِ.
_________________
(١) = القائلين به بـ (المشبهة والمجبرة) لأنهم يعتقدون بجواز رؤيته تعالى ووقوعها في الآخرة، خلاف المعتزلة القائلين بامتناع ذلك. وقد تعقبه كثير من العلماء، ومنهم الآلوسي حيث قال: (وقول الزمخشري عامله اللَّه تعالى بعدله: (إن الحديث مرقوع) بالقاف؛ أي: مفترى، لا يصدر إلا عن رقيع، فإنه متفق على صحته، وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال). انظر: "روح المعاني" (١١/ ١٠٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٣٤٢). ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢١٤) عن كثير بن مرة. ويزيد بن شجرة هو أبو شجرة الرهاوي (نسبة إلى الرها بطن من مذحج) الشامي، يقال له صحبة، وكان أمير الجيش في غزو الروم، توفي سنة (٥٨ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (٩/ ١٠٦).
[ ٨ / ٥٤ ]
وقيل: ﴿أَحْسَنُوا﴾: لم يبقَ عليهم حقٌّ إلَّا قاموا به، إن كانَ حقَّ الحقِّ فمِن غير تقصيرٍ، وإنْ كان حقَّ الخَلْقِ فمِن غير تأخيرٍ.
وقيل: أحسنوا في المآل كما أحسنوا في الحال، فاستداموا بما فيه واستقاموا.
وقيل: الحسنى في الدُّنيا: توفيقٌ بدوام وتحقيقٌ في تمام، وفي الآخرة: غفرانٌ معجَّلٌ، وعِيَانٌ على التأبيد محصَّل.
وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ قال أهلُ المعرفةِ: الحسنى، الرُّؤية، والزِّيادةٌ دوامُها.
وقيل: الحسنى: اللِّقاء، والزِّيادة: البقاء في حال اللِّقاء.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾؛ أي: لا يُردُّون مِن غير شهودٍ إلى رؤيةِ غيره.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: في فنونِ أفضالهم، في جميع أحوالهم (^١).
* * *
(٢٧) - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾: قال الكلبيُّ: عملوا الشِّركَ والمعاصي (^٢).
﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾: أي: لهم جزاءُ سيَّئةٍ ﴿بِمِثْلِهَا﴾؛ أي: قصاص ذلك بمثلِها، وهي النَّارُ، هي مثلُها؛ أي: هي موافِقة لعمَلِهم، اعتقدوا الشِّركَ على الأبدِ، فعُوقِبوا فيها على الأبد.
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: أي: يغشاهم هوانٌ، وآثار خيبةٍ وحرمان، وهو كقوله تعالى:
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٩١ - ٩٢).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٧٤) عن ابن عباس ﵄ في رواية الكلبي.
[ ٨ / ٥٥ ]
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١].
وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾: أي: مانع مِن عذابِ اللَّهِ تعالى مِن جهة أصنامِهم وأعوانِهم.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾: قرأ ابن كثير والكسَّائيُّ بسكون الطَّاء. وقال الأخفش: معناه؛ أي: بعضًا من اللَّيل، وقرأ الباقون بفتح الطَّاء، وهي جمع قِطْعة (^١).
وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾: نصبه على الحالِ مِن قولِه: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ حالَ إظلامِه، وهو كقوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
وقال القشيريُّ ﵀: وُسِمُوا بذلِّ الحِجاب، وعُوْقِبوا بتأبيد العذاب (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: وهذا ظاهر.
* * *
(٢٨) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: أي: نجمع الَّذين كسبوا السَّيئات وما عبدوهم من دونِ اللَّه تعالى في الموقف ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾؛ أي: للمشركين: ﴿مَكَانَكُمْ﴾: نصب على الملازَمةِ (^٣)، معناه: الزَموا مكانَكم واثبتوا مكانَكم (^٤).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٩٢).
(٣) في (ر) و(ف): "الإغراء".
(٤) "واثبتوا مكانكم" ليس في (ف).
[ ٨ / ٥٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾: ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيدٌ لأسماء المخاطَبين بالأمر بلزومِهم مكانَهم و﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ عليهم. وأضاف الشُّركاء إليهم لأنَّهم القائلون بذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: أي: فرَّقنا بينَهم، وقد زِلْتُهُ أزِيْلُهُ؛ أي: فرَّقْتُه، وزَيَّلْتُه للتَّكثير والتَّكرير، وليس مِن الزَّوال، وذاك واويٌّ وهذا يائيٌّ.
وقال تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ [الفتح: ٢٥]، وجاء في الحديث: "خَالِطُوا النَّاسَ وزايِلُوْهُم" (^١)؛ أي: خالطوهم بالأبدان، وفارقوهم في الأعمال.
يقول: إنَّا نقولُ للمشركين: الزموا مكانَكم وآلهتكم للحسابِ، لا تفرَّقوا.
وقيل: أي: اثبتوا مكابمم مع شركائِكم ليعينوكم، ويشفعوا لكم، ويعصموكم من عذاب اللَّه، وهي كلمةُ توبيخٍ.
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦٩٨٨) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٣٦): رواه الطبراني في "الأوسط" عن شيخه محمد بن علي المروزي، وهو ضعيف. وجاء موقوفًا عن عدد من الصحابة: فرواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠١٥٢) عن عمر ﵁ قال: (خالطوا الناس بما يحبون، وزايلوهم بأعمالكم، وجدوا مع العامة). ورواه وكيع في "الزهد" (٥٣١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٦٢٢١)، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: (خالطوا الناس وزايلوهم وصافحوهم، ودينكم لا تكلمونه)، ورواه أيضًا الطبراني في "المعجم الكبير" (٩٧٥٦، ٩٧٥٧)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٨٠): رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما ثقات. ورواه الدارمي في "سننه" (٣١٢) عن علي قال: (خالِطُوا الناس بألسنتكم وأجسادِكم وزايلُوهم بأعمالِكم وقلوبِكم فإن للمرءِ ما اكتَسَبَ وهو يوم القيامةِ مع مَن أَحَبَّ). وروي مرسلًا؛ رواه هناد بن السري في "الزهد" (٢/ ٥٨٨) عن عبد اللَّه بن باباه مرسلًا.
[ ٨ / ٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾؛ أي: ميَّزْنا بينَ العابدين والمعبودين؛ لأنَّ المعبودين إنْ كانوا ملائكةً فهم مميَّزون عن أهل النَّار إلى المواضع التي هي مقاماتهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾: قيل: هم الملائكة: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنّ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]؛ أي: قالت الملائكةُ: إنَّ الجنَّ -وهم الشَّياطين- دعَتْهم إلى عبادَتِنا، ونحن منهم بُرَءاءُ، فإنَّما عبدوا الشَّياطين؛ لأنَّهم أطاعوهم فيما أمروهم، وهو كقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠].
وقال الكلبيُّ ومقاتلٌ ومجاهدٌ: ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾: الأصنامُ، يُنْطِقْهُمُ اللَّهُ تعالى، فيقولون: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: ما علمْنَا بعبادتكم إيَّانا، ولا أَمَرْنا بها، ولا عبادةَ إلَّا بأمْرِ المعبودِ (^١).
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: فرَّقنا بينَ المشركين وبين أصنامِهم وما كان بينَهم من التَّواصل.
وقيل: أي: جعلنا الأصنام ترابًا، وجعلنا المشركين في النَّار.
وقيل: ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾: أعوانهم وقرناؤهم في الشِّرك، وقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ هو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ الآية [البقرة: ١٦٦]، قاله مجاهد (^٢).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٣٦)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٧١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٤٨) عن مجاهد.
(٢) انظر: "الوسيط" للواحدي (٢/ ٥٤٦)، و"تفسير ابن كثير" عند هذه الآية.
[ ٨ / ٥٨ ]
وقيل: فرَّقنا بينهم فلم يتناصروا، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥].
وقيل: هو تفريقهم في الدَّرَكَات في النَّار؛ لأنَّ بعضَهم أسفل من بعضٍ.
* * *
(٢٩) - ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾؛ أي: ما كنَّا عنها إلَّا غافلين.
﴿شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أعمُّ وأحسنُ مِن قولِه: شهيدًا لنا ولكم، أو: علينا وعليكم؛ لأنَّه ينتظمُهما.
قال الكلبيُّ: لَمَّا قالتِ الأصنام: لم نعلمْ بعبادتكم إيَّانا، قالوا: بل عبدناكم، فيقولون هذا.
وعلى قول مَن قال: هم الملائكة، فهم يقولون هذا؛ أي: اللَّهُ يشهدُ ويعلمُ أنَّا لم نعلم بها، ولم نرضَ، ولم نأمرْ.
* * *
(٣٠) - ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿تتلو﴾ بتاءَيْن، مِن التِّلاوة؛ أي: يقرأُ في كتابِه، وهو قول الفرَّاء (^١).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٦٣).
[ ٨ / ٥٩ ]
وقيل: تَتْبَعُ.
وقال ابن زيدٍ: تُعاين (^١).
وقيل: هو معنى ما رُوي: (يُمَثَّلُ لكلِّ عابدٍ معبودُه، فيُقال له: اتْبَعْهُ، فيتَّبِعُهُ، فيوردُهُ النَّارَ) (^٢).
وقرأ الباقون: ﴿تَبْلُو﴾ بالباء المعجمة مِن تحتِها بواحدة (^٣).
وقال ابن عبَّاس ﵄: أي: تَخْتبِرُ (^٤) ح معناه: في هذا الموقف تَختبِرُ كلُّ نفسٍ ما قدَّمَتْ من عملٍ، حتَّى ترى تَنتفِعُ به أو لا تَنتفِعُ.
والمعنى: ظهور الأعمال؛ أي: هنالك تظهرُ للعاملين أعمالُهم الَّتي قدَّموها، وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] أنه يرجع إلى ظهور أعمالهم.
وقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: أي: ورُدَّ العابدون والمعبودون
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٧٤).
(٢) روى نحوه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢)، من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظهما: (يجمع اللَّه الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت. . . ".
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٨٤). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٧٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٤٩)، عن مجاهد. وقد ورد هذا المعنى في كثير من كتب التفسير، وضبطت الكلمة في المطبوعات بالمبني للمجهول: (تُخْتَبَر)، لكن كلام الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٣٤٤) يدل على أنها بالمبني للمعلوم، حيث قال: ﴿تَبْلُو﴾: تختبر وتذوق ما أَسْلَفَتْ من العمل فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن، أنافع أم ضارّ، أمقبول أم مردود؟ كما يختبر الرجل الشيءَ ويتعرّفه ليكتنه حاله.
[ ٨ / ٦٠ ]
إلى حكم اللَّهِ الذَّي هو مولاهم في الحقيقة، لا مولَى لهم غيرُه، فيحكم بينهم، ويتبيَّن الصَّادق مِن الكاذب.
وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: يضلُّ ما كانوا يقولون: نعبدُهم ليشفعوا لنا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّما يقفون على خسرانهم إذا ذاقوا طعْمَ هوانِهم، فإذا رُدُّوا إلى اللَّهِ لم يجدوا إلَّا البعد مِن اللَّه، والطَّرد عن اللَّه، وذلك جزاءُ مَن آثرَ غيرَ اللَّهِ على اللَّهِ (^١).
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾:
وهذه محاجَّة لهم بما يُبطِلُ اعتقادَهم وقولَهم بالشِّرك، يقول: قلْ يا محَّمد للمشركين: مَنْ يُنزِلُ مِن السَّماء ومَن يخرِجُ مِن الأرضِ رزقَكم، ومَنْ يدبِّرُ أمرَ ذلكَ؟
أمَّنْ يملِكُ أسماعَكُم وأبصارَكُم يصرِّفُها كيفَ يشاءُ، ولو أرادَ أنْ يسلبَها حسَّها لفعَل؟
ومَنْ يخرِجُ الولدَ الحيَّ مِن النُّطفةِ الميتةِ -وعلى القلب- ويخرِجُ الشَّجرةَ مِن النَّبات -وعلى القلب- والزَّرعَ مِن الحبَّة -وعلى القلب- والمؤمنَ من الكافر -وعلى القلب- ومَن يقدِّرُ أمورَ الخلائق؟
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٩٣).
[ ٨ / ٦١ ]
﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾؛ لأنَّ ذلك اعتقادهم ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ مِن تعجيزكم إيَّاه عن إعادة الموتى أحياءً في الآخرة كما كانوا في الدُّنيا.
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عقوبَته ونقمَته بالإشراك؟
ويحتمل: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عبادةَ غيرِه دونَه، وإشراك غيره في الألوهِيَّةِ به؟
ويحتمل: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ صرْفَ شكرِه إلى غيرِه، وقد أقررْتُم أنَّه هو المنعِم عليكم بهذه النِّعم؟
ويحتمل: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عصيانَه ومخالفتَه وقد عرفتُموه (^١)؟
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ولكن ظنًّا لا عن بصيرةٍ، ونُطقًا لا عن تصديقِ سريرة (^٢).
* * *
(٣٢) - ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾: أي: فاعلُ ذلك كلِّه هو اللَّهُ الحقُّ، يحقُّ له الرُّبوبيَّةُ والألوهيَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾: أي: فليسَ بعدَ عبادتِه إذا عبدْتُم غيَره إلَّا الضَّلالُ عن الحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: أي: مِن أين تُصرَفون عن هذا الأمر بعدَ المعرفة.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٨).
(٢) انظر: "لطائف الإشارت" للقشيري (٢/ ٩٤).
[ ٨ / ٦٢ ]
وقال عطاء: فكيفَ تَصْرفون عقولَكم إلى عبادةِ مَن لا يَسمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يخلقُ ولا يرزقُ (^١).
* * *
(٣٣) - ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: قرأ نافع وابن عامر: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هاهنا وفي آخر هذه السُّورة على الجمع، والباقون على التَّوحيد (^٢)؛ أي: حَقَّ كلامُ ربِّك؛ أي: خبره.
﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾: وهم قومٌ بأعيانِهم، خرجوا عن طاعة اللَّه تعالى، وعلمَ اللَّهُ منهم اختيارَ البقاءِ على الضَّلالة.
﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: وهو كقولِه ﷿: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧].
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٨٨)، و"الوسيط" (٢/ ٥٤٧)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢٩) عن ابن عباس ﵄. ولفظه عندهم: (كيف تُصْرَف عقولكم. . .)، وهذا أحسن من لفظ المؤلف؛ لأنَّه موافق للفظ القرآن ﴿تُصْرَفُونَ﴾ بالمبني للمجهول، فتفسيرها بالمبني للمعلوم فيه بعدٌ.
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٢٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٢).
[ ٨ / ٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: قل يا محمَّد لأهل مكَّة: هل مِن أصنامِكم مَن يبدأُ الخلْقَ في بطنِ أمِّه نطفةً وعلقةً ومضغةً، ثمَّ يعيدُه ببعثِه بعدَ الموتِ؟ فإنْ أجابوك فقالوا: اللَّه، وإلَّا فقلْ لهم: اللَّهُ يبدأُ الخلقَ ثمَّ يعيدُه بعدَ الموت، فمِن أينَ تُصرَفون عن الحقِّ؟ استفهام بمعنى التَّوبيخ (^١).
والخَلْق: اسمُ جنسٍ يصلح للجَمْع، وهو في الأصل مصدر أيضًا، فلا يُثنَّى ولا يُجمَع.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: قال مقاتلٌ: قُلْ: هل مِن شركائِكم الَّلاتِ والعُزَّى ومناةَ والأصنامِ الَّتي تعبدونها أحدٌ يَهدِي إلى دين الإسلام؛ أي: فلا بُدَّ لهم مِن أن يقولوا: لا، إنَّها لا تعقلُ ولا تميِّز، ولا تضرُّ ولا تنفعُ، فقلْ لهم أنت -وذلك قوله تعالى-: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾؛ أي: إلى الحقِّ (^٢).
والهداية تتعدَّى على ثلاثة أوجه، يُقال: هديتُه كذا، ولكذا، وإلى كذا.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾: قرأ ابنُ كثير وابن عامر وورش عن نافع: ﴿يَهَدِّي﴾ بفتح الهاء وتشديد الدَّال، وأصلُه: يهتدي، فأُدغمتِ التَّاء في الدَّال، ونُقلَتْ فتحتُها إلى الهاء لئلَّا يجتمع ساكنان.
وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية غير ورش: ﴿يَهدِّي﴾ باختلاس فتحة الهاء وتشديد الدَّال (^٣).
_________________
(١) ذكر نحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٧٧ - ١٧٨) دون عزو.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٣) هي قراءة أبي عَمْرو، وقالون عن نافع، وهي أنهما يخفيان حركة الهاء، والنَّصُّ عن قالون بالإسكان، وقال اليزيدي عن أبي عَمْرو: كانَ يُشمُّ الهاء شيئا من الفتح. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٢).
[ ٨ / ٦٤ ]
وقرأ عاصم (^١): ﴿يَهِدِّي﴾ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدَّال إتباعًا لكسرة الدَّال بعد الهاء.
وعن عاصم في رواية أبي بكر بكسر الياء لانكسار الهاء؛ لتتَّفق الحركات.
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿يَهْدِي﴾ بإسكان الهاء وتخفيف الدَّال على الأصل الثلاثي (^٢).
وأمَّا معناه: فقد قال عطاء: إنَّ محمَّدًا دعا قومَه إلى الحقِّ والرَّشاد، وهو أحقُّ أنْ يُتبعَ ممَّن لا يدعو إلى الحقِّ ولا يهتدي إلَّا أنْ يُهْدَى (^٣).
وقال الحسنُ: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ وذلك هو اللَّه تعالى ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾؛ أي: يُعمَلُ بأمرِه ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ إلى خير؛ أي: هو جمادٌ لا يعرفُ هدًى مِن ضلالٍ، ولا خيرًا مِن شرٍّ، ولا نفعًا مِن ضُرٍّ (^٤).
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ قيل: هو استثناءٌ منقطع، ومعناه: لكنَّه يُهْدَى؛ أي: يُحْمَلُ ويُنْقَلُ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، والهديةُ: ما تُنْقَلُ وتُحْمَلُ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، والهَدْيُ: ما يُنْقَلُ إلى الحرم، وهَدَى العروسَ: نقلَها إلى بيتِ زوجِها.
أي: هو لا يستطيعُ أنْ ينتقلَ بنفسِه، فكيفَ يهدِي غيره؟
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: إلَّا أنْ يُنطقَه اللَّهُ في القيامةِ، ويهديَه إلى القولِ بالحقِّ، كما تقدَّم ذكرُه في قوله: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]، ﴿إِنْ
_________________
(١) في رواية حفص.
(٢) انظر جميع ما ذكر من قراءات في "السبعة في القراءات" (ص: ٣٢٦)، و"التيسير" (ص: ١٢٢).
(٣) ذكر نحوه ابن زنجلة في "حجة القراءات" (ص: ٣٣٢) عن ابن عباس ﵄.
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ١٩٣).
[ ٨ / ٦٥ ]
كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩]، فإذا فعل اللَّه تعالى بهم ذلك صاروا كذلك، ويكون معناه: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾؛ أي: يجعلَهم اللَّهُ بحيث يهتدون إذا هُدُوا، ويجيبون إذا دُعوا (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: كذلك.
وقيل: معناه: كيف تقضون بالجَوْر، وصَرْف العبادة والشُّكر إلى مَن لا يملكُ شيئًا.
* * *
(٣٦) - ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾: أخبرَ بالسَّبب الَّذي صاروا به إلى الضَّلال، فقالَ: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾؛ أي: بغير دليل، نحو اقتدائِهم بأسلافِهم ظنًّا منهم أنَّهم مصيبون.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: لا ينفعُ في معرفةِ الحقِّ نفعًا مّا؛ أي: لا يدلُّ عليه، ولا يوجبه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: مِن الشِّرك، واتِّباع الظَّنِّ، وترك الحقِّ، فهو يجازيهم على ذلك، وهو وعيدٌ لهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضُهم: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾: هم كبراؤهم، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤١).
[ ٨ / ٦٦ ]
وقال بعضُهم: هم أتباعُهم، فإنَّ الكُبراء عرفوا البراهين وعاندوا، والعوامَّ قلَّدوا ظنًّا منهم أنَّ الكبراء على الحقِّ (^١).
* * *
(٣٧) - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: هذا يخرج على وجهَيْن:
أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمِل الافتراء من دون اللَّه؛ لخروجِه عن طَوْقِ البشر ووُسْعِهم، كذلك الذي يُحِيْلُ لكونه مفترًى في نفسِه (^٢).
والثَّاني: لِمَا أُودِعَ فيه من الحكمة والصِّدق، يدلُّ على كونِه مِن عند اللَّهِ؛ إذ كلامُ غيرِه يحتملُ السَّفه والكذب والاختلاف (^٣).
وهذه الآية تتَّصل بقولِه: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ -الآية- ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: نصبه بـ (كان)؛ أي: يصدِّقُ هذا القرآنُ الكُتبَ المتقدِّمة، ولو كان محمَّد هو الَّذي افتراه مِن عند نفسِه لم يخرج موافِقًا لها؛ لأنَّ محمَّدا لم يعرف سائر الكتب، ولَمَّا خرج موافقًا لها دلَّ أنَّه مِن عند اللَّهِ جاء؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ الآية [العنكبوت: ٤٨].
_________________
(١) المصدر السابق، الموضع نفسه.
(٢) قوله: "كذلك الذي يُحِيْلُ لكونه مفترًى في نفسِه" كذا في النسخ، وعبارة "التأويلات": (فذلك بالذي يحيل كونه مفترى بجوهره). انظر: "تأويلات أهل السنة" (ط: الرسالة ناشرون) (٢/ ٤٨٠).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٣).
[ ٨ / ٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: أي: ما كُتِبَ لهم وعليهم.
وقال الحسنُ: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: الوعدَ لِمَنْ أطاعَه بالنَّعيم المقيم، والوعيدَ لِمَنْ عصاه بالعذاب الأليم (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: لا شكَّ فيه أنَّه كلامُ ربِّ الخلائق أجمعين.
* * *
(٣٨) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: أم ينسبونه (^٢)، على استفهام فعلِه (^٣)، فيتَّصل بقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢]، أو يُضمَر هاهنا استفهام، وهو: أفيعترفون بهذا أم يقولون افتراه.
وقيل: بل معناه كما في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿قُل فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وهذا أمرُ إعجاز؛ أي: أنتم أصحابُ لسانٍ وبيانٍ، وإنَّما أنا رجل منكم، فتكلَّفوا أنتم أن تأتوا بسورةٍ مثلِ هذا القرآن في نظمِه وصحَّة معانيه وزوال الاختلاف عنه، فاستعينوا بمَن استطعتم مِن خلق اللَّه تعالى إنْ كنتم صادقين أنَّه مفترًى، وأنَّ محمَّدًا يقدر على الإتيان بقرآن غيره وتبديله.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٠١).
(٢) في (أ): "أم بينوه" وليست منقطة، وفي (ف): "أم ينسق به".
(٣) في (أ): "قوله".
[ ٨ / ٦٨ ]
وقال القشيريُّ ﵀: انسدَّتْ بصائرُهم، فلم يزدادوا بكثرة السَّماع إلَّا عمًى على عمًى، كما أنَّ أهلَ الحقيقة ما ازدادوا إلَّا هدًى على هدًى، فسبحانَ مَن جعلَ سماعَ خطابِه لقومٍ سببَ تحيُّرهم، ولآخرين مُوجِبَ تبصُّرهم (^١).
* * *
(٣٩) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾؛ أي: ليسَ تكذيبُهم القرآنَ لكونه مفترًى عندهم بيقينٍ، مِن غير إحاطةِ علمِهم به أنَّه كذلك، ولم تأتهم حقيقةُ ما تؤُول إليه عاقبةُ مَن كذَّب به مِن نزول النِّقمة بهم.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: ما يكون منه في الدَّنيا وما يكون منه في القيامة مِن العذاب (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: بل كذَّبوا بالبديهة ما لم يحفظوا نظمَه ولا لفظَه، ولا نظروا فيه، ولا تدبَّروا ليعلموا معناه وتأويله وتفسيره (^٣).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: مِن الأمم رسلَهم تسرُّعًا لا تثبُّتًا.
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: أي: الَّذين ظلموا نفوسَهم وعقولَهم كيف نزل بهم العذابُ، فليتَّقِ هؤلاء أن تكون عاقبتُهم كذلك.
وهو تسلية للنَّبيِّ ﵊، وتخويفٌ للمكذِّبين.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٩٦).
(٢) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٤٤).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٣).
[ ٨ / ٦٩ ]
(٤٠) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ قال الكلبيُّ ومقاتل: ومن أهل مكَّة مَن سيؤمنُ بالقرآن ويصدِّق به (^١).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾: أي: لا يصدِّق أنَّه مِن عند اللَّه.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض بالمعاصي، وقيل: مَن يدوم منهم على فسادِ الكفر ممَّن يتوبُ منهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: على علمٍ بما يكون منهم، خلقَهم لا عن غفلةٍ وجهلٍ، لا يضرُّه فسادُ مفسِدٍ، ولا ينفعُه صلاحُ مصلحٍ.
ويحتمل أنَّه على الوعيد والتَّهديد (^٢).
* * *
(٤١) - ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: أي: فإنْ كذَّبوك قبلَ أن يكون إيمانُ مَن علمَ اللَّهُ أنَّه يؤمِنُ فقل لهم: لي عملي في التَّبليغ والتَّنبيه، ولكم عملكم الَّذي تُؤْثِرونَه لأنفسكم، وأنتم بريئون ممَّا أعمل وأنا بريء ممَّا تعملون، كلٌّ يُحاسَبُ على عملِه دونَ عملِ غيِره.
وقال الكلبيُّ ومقاتل: نسخَتْها آيةُ القتال (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٣٩). وذكره عن الكلبي الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٠٤).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٥).
(٣) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٣)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٥٤٨). ورواه الطبري =
[ ٨ / ٧٠ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بَرِحَ (^١) الخفاءُ، وكُشِفَ الغِطاءُ، فلا المحسنُ بجُرمِ المسيءِ مُعاقَب، ولا المسيءُ بحُكمِ المحسِنِ مخاطَب، بل كلٌّ بما يعملُه مُحاسَب (^٢).
* * *
(٤٢) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: للرَّدِّ، لا للفهم، و(مِن): اسمُ جنسٍ، فصلح للجمع بمعناه.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾: استفهام بمعنى الجحد؛ أي: لسْتَ بقادرٍ على إفهامِ مَن يتصامَم عن سماعِ الحقِّ، فلا يعقلُه ولا يفهمُه.
* * *
(٤٣) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾: وحَّدَ الفعل لأَنَّه واحد في اللَّفظ، وإن كان جمعًا في المعنى للجنس.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾: أي: كما ليس لك أنْ تُسْمِعَ الصُّمَّ، فتجعلَ لهم أسماعًا يعقلون بها عنك ما تقول، فليسَ لك أن تهدِي العُمْيَ إلى طريقٍ يسلكونَه وهم لا يبصرون، وهو كقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦].
_________________
(١) = في "تفسيره" (١٢/ ١٨٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٥٤)، عن ابن زيد.
(٢) أي: زال.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٩٧).
[ ٨ / ٧١ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: نفى في الأوَّل العقلَ، وفي الثَّاني البصر؛ لأنَّه بالبصر يُتوصَّلُ إلى اهتداء الطُّرُقِ والسُّلوك فيها، ألا ترى أنَّ البهائمَ قدْ تُبْصرُ الطُّرُقَ وتَسلكُ فيها، وتتقي بها المهالِكَ، ولا تَعقِل لِمَا ليس لها سماع العقل مع سماعها الصَّوت، فبظاهرِ البصرِ تبصِرُ الأشياء، وبظاهرِ السَّمع بدون العقل لا تعرفُ الأشياء (^١).
* * *
(٤٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أخبرَ أنَّ ما حلَّ بأولئك مِن عذاب الاستئصال فإنَّما حلَّ بهم بظلمِهم أنفسَهم، واللَّهُ تعالى مُنزَّه عن أنْ يظلمَ أحدًا مِن خلقِه.
وقيل: إنَّ اللَّهَ تعالى لا ينقصُ مِن ثواب العباد شيئًا، ولكنهم ينقصون ذلك بفعلِهم.
* * *
(٤٥) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: أي: اذكر يومَ نحشرُهم إلى الموقف ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾: وهي مقدارٌ مِن الزَّمان يُقسَم به اليومُ واللَّيلة على أربعةٍ وعشرين منها، ذكَّرَهم القيامة وما فيها من الجزاء ليخافوا ويتهيَّؤوا لها.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٤٦)، والعبارة الأخيرة فيه بلفظ: (ولا تعقل لما ليس لها سمع العقل، فلا تعقل لما يسمع القلب بعقل، وبظاهر البصر تبصِر الأشياء).
[ ٨ / ٧٢ ]
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في قبورِهم ﴿إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ (^١).
وقال الضَّحَّاكُ: قصرَتِ الدُّنيا في قلوبِهم مِن هولِ ما استقبلوا، فكأنَّهم لم يلبثوا في الدُّنيا إلَّا ساعة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يعرفُ بعضُهم بعضًا ساعةً، ثمَّ تنقطع المعرفة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: قيل: هو حالهم حين خسروا.
وقيل: هو ابتداءٌ ومعناه: قد هلكَ وغُبِنَ المكذِّبون بالقيامة اغترارًا بالحياة الدُّنيا، وهذه حالها.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: حيث اعتقدوا التَّكذيب بالقيامة.
ويحتمل أن يكون قولُه: ﴿وَمَا كَانُوا﴾ عطفًا على قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾، ويحتمل أن يكون عطفًا على قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: الأيَّام بعد مضيِّها في حكمِ اللَّحظةِ لمن أمكن فيها، ومتى يكون لها أثرٌ بعد تقضِّيها؟ والآتي من الوقتٌ قريبٌ كأنْ قَد، والماضي مِن الدَّهر بعيدٌ كأن (^٣) لم يُعهَد (^٤).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٤)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٢١٠).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٤).
(٣) في (ر): "والآتي من الوقت قريب، وكان الماضي من الدهر بعيد كأن"، وفي "تأويلات أهل السنة": "والآتي من الوقت قريب، وكأنّ قدر الماضي من الدهر".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٩٨). ووقع في (ر): "والآتي من الوقت قريب، وكأن الماضي من الدهر بعيد كأن لم يعهد"، وفي "اللطائف": "والآتي من الوقت قريب، وكأنّ قدر الماضي من الدهر لم يعهد".
[ ٨ / ٧٣ ]
(٤٦) - ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصلُه: وإنْ ما؛ (إن): للشَّرط، و(ما): صلة، والنُّون للتَّوكيد، ومعناه: وإنْ أريناك.
وقال مقاتل: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ في حياتك ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب؛ يعني: القتلَ ببدر ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل عذابهم (^١).
فكان البعضُ هو القتلُ ببدرٍ، وسائرُ العذابِ نزلَ بهم بعد الموت.
﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: بعدَ الموتِ، فنجزيهم بأعمالهم.
﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الإخبار؛ أي: ثم ليُخبركم أنَّ اللَّهَ شهيدٌ ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ مِن الكفر والمعاصي، فيجزيهم عليها.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: قال مقاتل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ فيما خلا ﴿رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بالعدل، كما يُقضى بينَكَ وبينَ أمَّتك ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ في أعمالهم، فلا يُنقصون من محاسنهم، ولا يزادون على مساوئهم (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: فإذا جاء رسولهم فكذَّبوه قضي بينهم وبين
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٤٠).
(٢) المصدر السابق، الموضع نفسه.
[ ٨ / ٧٤ ]
رسولهم يوم القيامة، فيقول اللَّه تعالى: ألم يأتكم رسلٌ بكتبي؟ فيقولون: ما أتانا منك رسولٌ ولا كتابٌ، ثم يُؤتَى بالرَّسول فيقول: قد أبلغتُهم كتابَك ورسالاتِك، فيقول اللَّه تعالى: مَن يشهدُ لك؟ فيقول: الملائكة، فتُدعَى الملائكة، فيقولون: نشهدُ أنَّه قد بلَّغ (^١).
وقال عطيَّة العوفي: فإذا جاء رسولهم وبلَّغهم الرِّسالةَ، فكذَّبوه، قضي بينهم وبين رسولهم في الدُّنيا بالعدل، فعُذِّبَ المكذِّبون، ونجا الرُّسل والمؤمنون، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُعذَّبُ أحدٌ بغير ذنبٍ، ولا على غير حجَّةٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لم يخلُ زمانٌ مِن شرعٍ، ولم يخلُ شرعٌ مِن حكمٍ، ولم يخلُ حكمٌ عمَّا يتعقَّبه مِن ثواب أو عقاب (^٣).
* * *
(٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: قال مقاتلٌ: لَمَّا قالَ: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يعني: من العذاب، قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ العذابَ نازلٌ بنا، فنزل هذا (^٤).
* * *
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢١٨) دون قوله: "فيقول اللَّه تعالى: مَن يشهدُ لك. . . إلخ".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" مفرقًا (١١/ ٢١٧ و٢١٩).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٩٩).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٤٠).
[ ٨ / ٧٥ ]
(٤٩) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: أنْ يملِّكَنيه، وهكذا لا أملكُ إنزالَ العذابِ بكم الآن.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: قال مقاتل: قلْ يا محمَّد لكفَّار مكَّة: لا أملكُ لنفسي دفعَ سُوء عنها، ولا سَوق خيرٍ إليها، إلَّا ما شاء اللَّه فيصيبني، فكيف أملكُ إنزالَ العذابِ بكم، ولكلِّ أمَّة وقتٌ معلوم للعذاب، مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، فإذا جاءَ وقتُ عذابِهم لا يتقدَّمون ساعةً حتَّى يُعذَّبوا ولا يتأخَّرون، فكذلك هذه الأمَّة (^١).
والعذابُ: القتلُ ببدر.
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: قيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ وإضمارٌ، وتقديرُه: ما ترَوْن وما تقولون ماذا يستعجِل منه المشركون إنْ أتاكم عذابهُ الذي تستعجلونَه أخذًا بالنَّهار وباللَّيل، كيف تصنعون؟
وقال القشيريُّ ﵀: مَنْ عرَفَ كمالَ القُدْرةِ لم يأمَنْ مِنْ أخذِ الفَجأة، ومَن خافَ البياتَ لم يستلذَّ السُّبات، ومَنْ توسَّد الغفلة أيقظَتْه فجأة العقوبة، ومَنْ استوطأ مركبَ الزَّلَّة عثرَ به في وَهْدة المحنة (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٢٤١).
(٢) انظر: "لطائف الإشارت" للقشيري (٢/ ١٠٠).
[ ٨ / ٧٦ ]
وقالَتْ بنتُ الرَّبيعِ بن خُثَيْمٍ لأبيها: ما لَكَ لا تنام؟ فقالَ: إنَّ أباكِ يخافُ البيات (^١).
* * *
(٥١) - ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: بعدَما استعجلْتُم العذابَ إذا وقعَ آمنتم باللَّه، وهو غيرُ نافعٍ لكم؛ لأنَّه إيمانُ يأسٍ.
وقيل: ﴿آمَنْتُمْ﴾؛ أي: صدَّقْتُم بالعذابِ، وكنتم تستعجلون به استهزاءً وتكذيبًا، وحين رأيتم صدَّقتم به.
وقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: أي: ويقال لهم ذلك، والألف المقطوعةُ في أوَّله استفهام بمعنى التَّوبيخ.
و﴿آلْآنَ﴾ أصلُه مِن قولِكَ: آنَ لَكَ أنْ تفعلَ كذا، أُدخلَتْ عليه الألف والَّلام للتَّعريف وجُعل كالاسم، وتُرك على الفتحة لأنَّه فعلٌ في الأصل، وهو كما رُوي: نهى النَّبيُّ -ﷺ- عن قِيْلٍ وقالٍ (^٢). جُعلا كالاسمَيْنِ، وتُرِكا على ما كانا فِعْلَيْن.
يعني: يُقال لهم: آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع به.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ﴾ في مَهَلٍ لو أردْتُم فيه الإيمان لأمكَنكم، ولم تفعلوا، والآنَ حين ارتفعَ الابتلاء ترجون الانتفاع بالإيمان الذي لا اختيار لكم فيه على الغيب، بل أنتم إليه مضطرون.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "الورع" (٢٥٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٤، ٩٥٥).
(٢) رواه البخاري (٦٤٧٣)، ومسلم (٥٩٣)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. وهذا الكلام في ﴿آلْآنَ﴾ منقول من "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٦٨).
[ ٨ / ٧٧ ]
أي: إنَّ هذا ممَّا لا يكون.
وهذه أشياء لم تكن بعدُ، وأخبرَ عنها بفعلٍ ماضٍ تنبيهًا على أنَّها كائنةٌ لا محالةَ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦].
* * *
(٥٢) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالشِّرك والتَّكذيب: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: ذوقوا هذا العذابَ، فإنَّه خالدٌ لكم لا يزول، تصيرون إلى القبر فتُعذَّبون فيه، تمَّ تُبعَثون فتُحشرون إلى جهنَّم، فتُعذَّبون فيها خالدين، وهو جزاءٌ وِفاقٌ لكسْبِكُم.
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾: أي: ويستخبرونك يا محمَّد بعدَ هذا الاقتصاص منك عليهم: أحقٌّ ما تقولُ، وأنت فيه جادٌّ متيقِّنٌ للصِّدق فيه؛ أي: إنَّ هذا عجيبٌ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾: أي: قلْ: نعم، أقسم باللَّه ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، و(إي) لا يُقال إلَّا مع الأيمان، ولا يُذكَر على الإفراد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: بفائتين.
وقال الكلبيُّ: ويستخبرونَكَ -أي: أهلُ مكَّة-: أحَقٌّ ما جئْتَنا به مِن نزول العذاب بنا، والبعْثِ بعد الموت؟ قل: نعم، إي وربِّي إنَّ العذابَ نازلٌ بكم، وما أنتم عليه بفائتين (^١).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٢٣).
[ ٨ / ٧٨ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: أحَقٌّ ما تدعونا إليه مِن التَّوحيد، وهو كقولهم لإبراهيم ﵇: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥]، وقولِهم لموسى ﵇: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] (^١).
* * *
(٥٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: أخبرَ أنَّه لو كان لكلِّ نفسٍ أشركَتْ جميعُ ما في الدُّنيا مُلكًا لها لافتدَتْ به عندَ نزولِ العذابِ به لشدَّة العذاب طبًا، للخَلاص، وإنْ كانَ الَّذي منعَ الكفَّار عن الإيمان هو حبُّهم الدُّنيا وحرصُهم عليها وبخلُهم بها، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [يونس: ٧] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: هذا ابتداءٌ غيرُ معلَّقٍ بـ (لو)، ومعناه: أخفَوها؛ أي: عن أتْباعِهم.
وقيل: أي: أضمروها على ما كان منهم مِن التَّكذيب.
وقيل: أي: أظهروها، والإسرارُ لغةٌ في الإظهار والإخفاء جميعًا، وهو مِن الأضداد، وهو قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ونحوُ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدل؛ أي: يُجزى المحسنُ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٥١).
(٢) المصدر السابق (٦/ ٥٢).
[ ٨ / ٧٩ ]
على إحسانه، والمسيءُ على إساءتِه، فلا يُنقَصُ مِن ثوابٍ ولا يُزادُ على عِقابٍ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
ثمَّ قوله: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ ﴿وَقُضِيَ﴾ ماضٍ ومعناه المستقبل؛ لأنَّه مِن أمور الآخرة، لكنَّها كائنةٌ لا محالة، فلذلك ذكرَه بصيغة التَّحقيق.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: لا يُقبَلُ منهم صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ولا يقعُ فيما سبقَ مِن الوعيدِ خُلْفٌ، ولا تنفعُهم نَدامةٌ وإنْ صدَّقوها، ولا ينالهم كرامةٌ وإنْ طلبوها، ولا يجري عليهم ظلمٌ في الجزاء، كلَّا، بل هو اللَّهُ العَدْلُ في القضاء، والفَرْدُ في العَلاء، بنعت الكبرياء (^١).
* * *
(٥٥) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ليسَ للظَّالم مُلْكُ ما في الأرض ليفتديَ به، بل للَّهِ.
ووجهٌ آخر: أنَّه قادرٌ على تحقيقِ ما أَوعدَ به؛ لأنَّه مالكُ ما في السَّماوات وما في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: كائنٌ، بالرَّحمة كانَ أو بالعذاب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀:
أي: لا ينتفعون بعلومِهم.
ويحتمل: لا يكتسبون سببَ العلمِ بالتَّامُّل والنَّظر في الأدلَّة.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠١).
[ ٨ / ٨٠ ]
وقال في أوَّل الآية: فيه (^١) دلالة البعث مِن وجهَيْن:
أحدهما: أنَّ مَن قدرَ على إيجاد السَّماوات والأرض لا عن شيءٍ قدرَ على إحياء الخلق بعدَ إفنائهم.
والثَّاني: أنَّ خلقَ السَّماوات والأرض وتعليقَ منافعِ بعضها ببعض والإفضالِ على الخلق بأنواعِ النِّعم مِن كمال الحكمة، وقد أخبرَ أنَّه ما خلقَهما باطلًا، فلو كانَتا للفناءِ ولا حياةَ بعدَه كانَ يكون خارجًا عن الحكمةِ، ولا وجهَ له (^٢).
* * *
(٥٦) - ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تحقيقُ الأوَّل.
وقال الإمام القشيري ﵀: يحيي القلوبَ بأنوار المشاهدات، ويميْتُ النُّفوسَ بأنواع المجاهدات.
قال: ويُقال: يحيي مَن أقبلَ عليه، ويميْتُ مَن أعرضَ عنه، يحيي بالرَّجاء ويميْتُ بالقنوط (^٣).
* * *
(٥٧) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "إليه"، وفي (ر) و(ف): "إنه"، والمثبت من "التأويلات".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٥٣ - ٥٤).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠١).
[ ٨ / ٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: قريشًا ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: في القرآن، وهي ما دعا إلى النُّسك والخشوع، وصرفَ عن الإثم والفسوق (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: هي النَّهيُ، قال اللَّه تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: ١٧]؛ أي: ينهاكم.
قال: وقيل: هي الَّتي تدعو إلى كلِّ مرغوبٍ، وتزجرُ عن كلِّ مرهوبٍ.
قال: وقيل: هي الَّتي تُلينُ كلَّ قلبٍ قاسٍ، وتُجلِّي كلَّ قلبٍ مُظلمٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾: الشِّفاءُ: كالدَّواء لإزالة الدَّاء، وداءُ الجهل أضرُّ مِن داء البدن، وعلاجُه أعسرُ، وأطباؤه أقلُّ، والشِّفاء منه أجلُّ:
لكلِّ داءٍ دواءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ إلَّا الحماقةَ (^٣) أعيَتْ مَنْ يُداويها (^٤)
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: شفاءُ كلِّ أحدٍ على حسب حاله، فشفاء المذنبين بوجود الرَّحمة، وشفاء المطيعين بوجود النِّعمة، وشفاء العارفين بوجود القُرْبة، وشفاء الواجدين بوجود الحقيقة.
و[يقال]: شفاء العاصين بوجود النَّجاة، وشفاء المطيعين بوجود الدَّرجات، وشفاء العارفين بالقُرْب والمناجاة (^٥).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٥٥٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٠).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٥٤).
(٣) في (ر): "الجهالة".
(٤) البيت مشهور ولا يعرف قائله، انظر: "العقد" لابن عبد ربه (٢/ ٢٢٦)، و"محاضرات الأدباء" للراغب الأصبهاني (١/ ٢٨)، و"أساس البلاغة" للزمخشري (مادة: طبب).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٢)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٨ / ٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾: أي: إرشاد إلى الصَّواب ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ منه؛ أي: مِن اللَّه تعالى على عبادِه، ببيان شرائع الدِّين والأمورِ الَّتي توصلُهم إلى جنَّته ونعمته.
وقوله تعالى: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: هم الَّذين ينتفعون بها.
وقيل: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: تخليصٌ مِن العذاب للَّذين يؤمنون به؛ أي: يصدِّقون بأنَّه مِن عند اللَّه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الموعظةُ لأربابِ الغيبة ليتوبوا، والشِّفاء لأصحاب الحضور ليَطِيبوا.
قال: وقيل: الموعظةُ للعوامّ، والشِّفاء للخواصّ، والهُدى لخاصِّ الخاصّ، والرَّحمة لجميعهم، وبرحمته وصلوا إلى ذلك (^١).
* * *
(٥٨) - ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: الفَضْلُ: الزِّيادة في النِّعمة، وفَضْلُ اللَّهِ: إفضالُه، كالنَّبات يجيء بمعنى الإنبات؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].
أي: قلْ يا محمَّد لهؤلاء الَّذين هِمَّتُهم جمعُ الأموال وأسباب الرِّفعة في الدُّنيا، لا الإيمان: بفضل اللَّه وبرحمته افرحوا، لا بالمال وأسبابِ الجلال والجمال، وهو قوله تعالى:
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾: قرأ الحسنُ بتاء المخاطبة (^٢)، وكان الكسائيُّ يَعيب هذه
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٢).
(٢) ذكرها عنه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٩٨)، وهي رواية رويس عن يعقوب. انظر: "حجة =
[ ٨ / ٨٣ ]
القراءة، والفرَّاء يجيزُها؛ لأنَّه رَدٌّ إلى الأصل، وهو قوله ﵊: "لتأخذوا مصافَّكم" (^١).
وقراءة العامَّة بياء المغايبة.
واللام في أمر المغايبة لازمة، وفي المخاطبة جائزة.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: هو يرجع إلى قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وذلك يرجع إلى ما سبق ذكرُه، وهو فضل اللَّه ورحمته.
_________________
(١) = القراءات" لابن زنجلة (ص: ٣٣٣)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٥). ورويت عن أبي بن كعب ﵁ رفعًا ووقفًا، والصواب الوقف، فقد رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٠٦٢ - تفسير) عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُمِرْتُ أنْ أَقرأَ عليكَ القرآنَ"، قال: قُلْتُ: سَمَّاني لك ربِّي؟ قال: "نَعَمْ"، فَتَلَا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال: بكتاب اللَّهِ وبالإسلامِ خَيرٌ مما يجمعون. والصواب أن المرفوع من هذا الحديث ينتهي عند قوله: "نعم"، أما الآية فقد جاء في كثير من الروايات أن الذي قرأها هو أبي ﵁، وأنه قرأ فيها: ﴿فلتفرحوا﴾ بالتاء، انظر: "مصنف ابن ابي شيبة" (٣٠٩٣٧) تحقيق محمد عوامة، و"مسند أحمد" (٢١٢٣٧)، و"خلق أفعال العباد" (٥٣٤)، و"سنن أبي داود" (٣٩٧٩)، و"شرح معاني الآثار" (٥٥٨٧). ويشهد لذلك أن الحديث رواه البخاري (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩)، عن أنس ﵁، وينتهي عند قوله: "نعم".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠). وقد رد الطبري كلام الفراء في "تفسيره" (١٢/ ١٩٨). وحديث: "لتأخذوا مصافكم" كذا تناقلته كتب النحو والتفسير. انظر: "الجمل في النحو" للخليل (ص: ٢٦٧)، و"اللامات" للزجاجي (ص: ٩٣)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ١٣٦)، و"الكشاف" للزمخشري (٢/ ٣٥٣)، و"الإنصاف في مسائل الخلاف" (٢/ ٤٢٧). ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢١٠٩)، والترمذي (٣٢٣٥) وصححه، من حديث معاذ بن جبل ﵁ بلفظ: "على مصافكم كما أنتم"، ولا شاهد فيه.
[ ٨ / ٨٤ ]
وقيل: هما يرجعان إلى القرآن؛ لأنَّها تتَّصل بالآية الأولى وهي في ذكر القرآن، وفيه الفضل والرَّحمة: أمَّا الرَّحمة فقد قال في الآية الأولى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، وأمَّا الفضل فقد قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].
وقال ابن عبَّاس ﵄ والحسن وقتادة وجماعة: فضلُ اللَّه: الإسلام، ورحمتُه: القرآنُ (^١).
وقال الضَّحَّاكُ على عكسه (^٢).
وقال أبو سعيد الخدريُّ: فضلُ اللَّه: القرآنُ، ورحمتُه: أن جعلَكم مِن أهلِه (^٣).
وقال ابن عمر ﵄: فضلُ اللَّه: الإسلامُ، ورحمتُه: تزيينُه في قلوبكم؛ قال تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] (^٤).
وقال خالدُ بن مَعْدَان: فضلُ اللَّه: الإسلامُ، ورحمتُه: سترُه (^٥).
وقال عبد العزيز بن يحيى (^٦): فضلُ اللَّه: النِّعمُ الظَّاهرة، ورحمتُه: النِّعمُ الباطنة.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٩٦ - ١٩٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٩٧).
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٠٦٤ - تفسير)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٩٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٥٨).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٥).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٥). وفيه: "السنة" بدل "ستره".
(٦) في المطبوع من "تفسير الثعلبي": (الكسائي) بدل "عبد العزيز بن يحيى"، وفي مطبوع دار التفسير: "الكتاني"، وكلاهما محرف عن: (الكناني)، وهو كما أثبت المصنف هنا: عبد العزيز بن يحيى الكناني المكي المتكلم، كان من أهل الفضل والعلم، وله مصنفات عدة، وينسب له "كتاب الحيدة" =
[ ٨ / ٨٥ ]
وقال أبو بكر الورَّاق: فضلُ اللَّه: النَّعماء، وهو ما أعطى وحَبَا، ورحمتُه: الآلاء، وهو ما صرفَ وزوَى.
وقال سفيان بن عيينة: فضلُ اللَّه: التَّوفيقُ، ورحمتُه: العصمة.
وقال سهل بن عبد اللَّه: فضلُ اللَّه: الإسلامُ، ورحمتُه: السُّنَّة.
وقال الحسين بن الفضل: فضلُ اللَّه: الإيمانُ، ورحمتُه: الجنَّة.
وقال ذو النُّون المصري: فضلُ اللَّه: دخول الجنان، ورحمتُه: النَّجاةُ من النِّيران (^١).
وروى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ-: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ قال: "بكتاب اللَّه والإسلام" (^٢).
وقيل: فضلُ اللَّه: الإسلامُ، ورحمتُه: الثَّباتُ على الإسلام.
وقيل: فضلُ اللَّه تعالى: الإسلامُ، ورحمتُه: أنْ جعلَنا مِن أمَّة محمَّد ﵊.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: فضلُ اللَّه: ما أباحَ لهم مِن الخيرات، ورحمتُه: ما أزاح عنهم من الآفات.
وفضلُ اللَّه: ما أكرمَهم به مِن إجراء الطَّاعات، ورحمتُه: ما عصمَهم [به] مِن ارتكاب الزّلَّات.
_________________
(١) = وأنكر الذهبي نسبته إليه، وكان ممَّن تفقَّه بالشَّافعي واشتهر بصحبته، وهو الذي ناظر بشرًا المريسي عند المأمون في نفي خلق القرآن، وتوفي في حدود (٢٤٠ هـ). انظر: "تاريخ بغداد" (١٢/ ٢١٢)، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي (ص: ١٠٣)، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٥/ ٨٧٣)، و"الوافي بالوفيات" للصفدي (١٨/ ٣٤٨).
(٢) ذكر هذه الآثار الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٥).
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه - التفسير" (١٠٦٢)، والصواب وقفه على أبيٍّ كما تقدم قريبًا.
[ ٨ / ٨٦ ]
وفضلُ اللَّه: دوامُ التَّوفيق، ورحمتُه: تمام التَّحقيق.
فضلُ اللَّه: ما اختصَّ به أهل الطَّاعات مِن صنوف إحسانِه، ورحمتُه: ما يختصٌّ به أهل الزَّلات مِن وجوه غفرانه.
فضلُ اللَّه: المعرفةُ في البداية، ورحمتُه: المغفرةُ في النِّهاية.
فضلُ اللَّه: أنْ أقامَك لشهود الطَّلب، ورحمتُه: أنْ رزقَكَ الوجود بعد الطَّلب.
فضلُ اللَّه: أنْ عرَّفك بشرط البرهان، ورحمتُه: أنْ أشهدَكَ بحكم البيان إلى أنْ تراه غدًا بكشف العِيَان.
فضلُ اللَّه: الرُّؤية، ورحمتُه: إبقاؤهم في حالة الرُّؤية.
وقوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾؛ أي: بما أهَّلَكم له، لا بما تتكلَّفون مِن حركاتِكم وسكناتِكم، وتَصِلون إليه بنوعٍ مِن تصنُّعكم وتعمُّلكم.
﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن الأموال الوافية، ويتَّصفون به من الأحوال الزَّاكية (^١).
قال: ويُقال: الذي لك منه في سابق القسمة خيرٌ لك ممَّا تكلَّفْتَه مِن صنوف الطَّاعة والخدمة (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآية: أنَّ اللَّه تعالى بإنزال القرآن تفضَّل؛ إذْ له ألَّا ينزِّل، وفيه: أنَّ أهل الفترة يُؤاخذون في حال فَتْرتهم (^٣).
_________________
(١) العبارة في "اللطائف": ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾؛ أي: ما تتحفون به من الأحوال الزاكية خير مما تجمعون من الأموال الوافية".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٢ - ١٠٣).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٥٥).
[ ٨ / ٨٧ ]
(٥٩) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أضافَ إنزاله إلى السَّماء وإنْ كانت الأرزاقُ إنَّما تخرجُ مِن الأرض؛ لِمَا أنَّ أسبابَها متعلِّقة بالسَّماء مِن المطر والشَّمس والقمر، في الإنبات والإنضاج والتَّلوين، وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وهو على هذا.
ويحتمِلُ قولُه: ﴿أَنْزَلَ﴾؛ أي: خلقَ، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].
وقوله: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]: مِن البَحيرة والسَّائبة والوَصيلة والحامي.
وقيل: ما جَعَلوا للَّه ممَّا ذَرَأَ مِن الحَرْثِ والأنعامِ (^١). وقد مرَّ بيانُ الأمرَيْن.
وفيه دليلٌ على أنَّ الحرام مِن رِزق اللَّه كالحلال.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾: استفهام بمعنى الإنكار ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾؛ أي: بل على اللَّه تَكْذِبون.
وقال الكلبيُّ: قلْ يا محمَّد لأهل مكَّة: أرأيتم ما أنزلَ اللَّهُ لكم في الكتاب مِن رزقٍ حلالًا، فجعلْتُم ممَّا رزقَكم اللَّهُ حرامًا على النِّساء وحلالًا على الرِّجال، وهذا في شأن البَحيرة والسَّائبة والوصيلة والحامي، قُلْ: آللَّه أمركم به أم على اللَّه تختلقونَ الكذبَ ما لم يأمُر به (^٢).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٥٥).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٢٢) دون نسبة.
[ ٨ / ٨٨ ]
وقال مقاتل: قلْ لكفَّار مكَّة قريشٍ وخزاعةَ وثَقيفٍ وعامرِ بن صعصعةَ وبني مُدْلجٍ وعامر والحارث ابني عبد مناة: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾؛ يعني: الحرثَ والأنعام، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ يعني: ما حرَّموا للآلهة من الأنعام، ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ بتحريمه، بل على اللَّهِ تقولون الكذب (^١).
* * *
(٦٠) - ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ والتَّقريع، وأضمرَ في آخره: (باللَّه)؛ أي: وما ظنُّهم باللَّهِ في يوم القيامة، ماذا يفعلُ بهم جزاءً على افترائهم عليه؟
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: فإنْ قيل: كيف أُوعدوا بيوم القيامة وهم لا يؤمنون بالبعث؟
قيل له: قد ألزمَهم الحُجَّة على كون (^٢) البعث بما أقام مِن الدَّلائل، وبما جعلَ في عقولهم من الإيمان به؛ إذْ ليسَ مِن الحكمة خلقُ الخلقِ للفناء خاصَّة.
وبعدُ فإنَّه قد يُوعَد المرء بما لا يَتيقَّنُ به، ويخوَّف عليه وإنْ لم يحطْ علمُه به.
ومعنًى آخر: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لو خرجَ الأمر حقًّا، وظهرَ ما قالَه رسولُ اللَّه -ﷺ- مِن البعث صدقًا (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٤٢). وزاد في هامش (ر): "كقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ يقول: بل أنا خير" وعليها إشارة التصحيح.
(٢) أي: على حصول. وكلمة "كون" ليست في (أ). وفي "التأويلات": (بكون).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٥٧).
[ ٨ / ٨٩ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: على كلِّ النَّاس بما ساقَ إلى الكلِّ مِن الرِّزق، كافرهم ومؤمنهم، وبما أخَّر عنهم العذابَ، وبما بعثَ إليهم الرُّسل والكتب من غير أن كانت منهم سابقةُ صنعٍ يستوجبون به ذلك، ومنه خصوص فضلِ اللَّه على المؤمنين (^١).
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضلَه وإنعامَه عليهم؛ لجهلهم بمواقع النِّعم الَّتي ساقَها إليهم.
* * *
(٦١) - ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾: واتِّصالُه بما قبلَه: إنَّ اللَّه لذو فضل على النَّاس في الإمهال، وليس إمهالُه لخفاء أحوالهم عليه؛ لأنَّك يا محمَّد ما تكون في شأن؛ أي: أمر ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ﴾؛ أي: وما تقرأ ممَّا أنزلَ عليك ﴿مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ولا تعمل أنت شيئًا وسائر النَّاس ﴿مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: عالميْنَ به شاهدين عليه.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾؛ أي: تسرعون فيه وتنبسطون وتنتشرون.
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: لا يغيب (^٢).
وقرأ الكسائيُّ بكسر الزِّاي وغيره بالضَّم (^٣)، وهما لغتان.
_________________
(١) المصدر السابق، الموضع نفسه.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٦٣).
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣).
[ ٨ / ٩٠ ]
ومعنى العُزوب: البُعد والغيبة.
﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: أي: وزنِ نملةٍ صغيرةٍ.
وقيل: الذَّرُّ: ما يَتراءى في الهواء عندَ وقوع الشَّمس في الكوَّة ونحوها.
﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾: قرأ (^١) حمزة بالضَّم (^٢)، ردًّا على موضع قوله: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾؛ لأنَّ ﴿مِنْ﴾ زائدةٌ لتأكيد النَّفي، وتقديرُه: وما يَعزبُ عن ربك مثقالُ ذرَّة.
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: قال أبو روق: هو اللَّوح المحفوظ (^٣).
وقيل: أي: هو مثبَتٌ عندَ اللَّهِ، كتبَه ملائكةُ اللَّهِ، وأحصاهُ اللَّهُ.
ويُقال: ردَّهم إلى كتابة ذلك عليهم لعدمِ اكتفائِهم في الامتناع عمَّا نُهُوا عنه برؤيتِهِ وعلمِهِ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: خوَّفهم بما عرَّفهم مِن اطِّلاعه عليهم في جميع أحوالهم، ورؤيتِه لِمَا يُسْلفونه مِن فنون أعمالِهم، والعلمُ بأنَّه يراهم يوجِبُ استحياءهم منه، وهذه حالةُ المراقبة، فالعبد إذا علم أنَّه يراه مولاه استحيى منه، وترك متابعة هواه، ولا يحوم حول ما نهاه، وأنشدوا في معناه:
كأنَّ رقيبًا منك حلَّ بمُهْجَتي إذا رُمْتُ تسهيلًا عليه تصعَّبا (^٤)
_________________
(١) في (أ): "قرأهما".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٤٤) عن ابن عباس ﵄.
(٤) البيت بلا نسبة في "مرآة الزمان" لسبط أبن الجوزي (١٦/ ٢٨٥)، و"مسالك الأبصار" لابن فضل اللَّه العمري (٨/ ٣٦٥)، و"طريق الهجرتين" لابن القيم (ص: ٣٠٩).
[ ٨ / ٩١ ]
وقال آخر:
أعاتِبُ عنك النَّفسَ في كلِّ خَصلةٍ تعاتِبُني فيها وأنتَ مقيمُ
وقال في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: فكيفَ يخفى عليه ذلك، أو يتقاصرُ عنه علمُه، وهو مُنشِئُه ومُوجِدُه؟ وببعض أحكامِه الجائزة عليه (^١) مخصِّصُه (^٢).
* * *
(٦٢) - ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ولَمَّا خوَّفَ بيومِ القيامة أعداءَه ذكرَ ما يعطي فيه أولياءَه.
قال ابنُ كيسان: أولياءُ اللَّهِ هم الَّذين تولَّى اللَّه هداهم بالبرهان الَّذي أتاهم، وتولَّوا القيام له بحقِّه، والدُّعاءَ إليه عامَّةَ خلقِه (^٣).
وقيل: هم الَّذي يُوْلِيهِم اللَّهُ ثوابَه وكرامَته.
وقال القشيريُّ ﵀: الوليُّ على وزن فعيل، مبالغةٌ مِن الفاعل، وهو مَن توالَتْ طاعاتُه مِن غير أنْ يتخللَّها عصيان.
ويجوزُ أن يكونَ الفَعيل بمعنى المفعول هاهنا، كالجريح والقتيل، فيكون الوليُّ مَن يتوالى عليه إحسانُ اللَّهِ وإفضاله، ويكون في معنى كونه محفوظًا في عامَّة
_________________
(١) "عليه" ليست في (أ) ولا في مطبوع "اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٤).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٨).
[ ٨ / ٩٢ ]
أحواله مِن المحن، وأشدُّ المحن ارتكابُ المعاصي، فيعصمُه اللَّهُ تعالى دوام أوقاته عن الزَّلات (^١).
وروي عن النَّبي -ﷺ- أنَّه سُئِلَ عن أولياء اللَّه قال: "هم الَّذين إذا رُؤوا ذُكِرَ اللَّه" (^٢).
وقال عمر ﵁: سمعْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "إنَّ مِنْ عبادِ اللَّهِ أناسًا ما هُمْ بأنبياءَ ولا شهداءَ يَغبِطُهُم الأنبياءُ والشُّهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللَّهِ تعالى"، فقال رجلٌ: مَنْ هُمْ يا رسولَ اللَّه؟ وما أعمالُهم؟ نحبُّهم بذلك. قال: "رجالٌ يتحابُّون بِرُوْحِ اللَّهِ مِنْ غيرِ أرحامٍ بينَهم، ولا أموالٍ يتعاطَوْنَها بينَهم، فواللَّهِ إنَّ وجوهَهُمْ لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلَى منابِرَ مِنْ نُورٍ، لا يخافونَ إذا خافَ النَّاسُ، ولا يحزنونَ إذا حَزِنَ النَّاسُ"، ثمَّ قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٢) حديث حسن بشواهده، رواه ابن صاعد في زياداته على "الزهد" لابن المبارك (٢١٨)، والبزار في "مسنده" (٥٠٣٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١١٧١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٦٤)، من طريق سجد بن جبير عن ابن عباس ﵄. وروي عن سعيد مرسلًا بإسناد أصح من إسناد الموصول، رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢١٧)، وابن أبي الدنيا في "الأولياء" (١٥)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢١٠). وله شاهد رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٧٥٩٩)، والبخاري في "الأدب" (٣٢٣)، وابن ماجه (٤١١٩)، من حديث أسماء بنت يزيد ﵂، بلفظ: "خياركم الذين إذا رؤوا ذكر اللَّه ﷿".
(٣) رواه أبو داود (٣٥٢٧). قال ابن كثير في "تفسيره": (إسناد جيد، إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر ﵁). قلت: وله شاهد رواه النسائي في "الكبرى" (١١١٧٢)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦١١٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٧٣)، عن أبي هريرة بإسناد صحيح.
[ ٨ / ٩٣ ]
وقال ابن زيد: أولياءُ اللَّهِ: هم الَّذين وصفَهم اللَّه في الآية الثَّانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] (^١).
وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ مِن النَّار ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفَوْتِ الجنَّة.
وقال مقاتل: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أن يدخلوا النَّار ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أن يُخرجوا مِن الجنَّة (^٢).
وقال ابن كيسان: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من عذاب اللَّه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ مِن فوات ثواب اللَّه (^٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الحال ولا في المآل؛ لأنَّ حقيقةَ الخوفِ: توقُّعُ محذورٍ يصيب في المستقبل، أو ترقُّبُ محبوبٍ يزولُ في المستأنَف، وهم بحكمِ الوقْتِ ليس لهم تطلُّع في المستقبل، والحزنُ مِن الحُزونة، وهم في الحال في رَوح الرِّضا بكلِّ ما جرى (^٤).
* * *
(٦٣) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: قيل: هو نصبٌ نعتًا لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢١٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٦٥).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٤٣).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٥١٣) بلا نسبة.
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٥). وفيه: (. . . وهم في روح الرضا بكلّ ما يجري فلا تكون لهم حزونة الوقت).
[ ٨ / ٩٤ ]
وقيل: هو مبتدأٌ، وخبره: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
وقال الكلبيُّ: يتَّقون الشِّرك والمعاصي.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿آمَنُوا﴾: أقاموا بقلوبهم موجب المعارف، و﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف (^١).
* * *
(٦٤) - ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مِن الملائكةِ عندَ قبضِ الأرواحِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ تتلقَّاهم لإدخال الجنَّة.
وروى أبو الدَّرداء عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "هي الرُّؤيا الصَّالحة يراها المسلمُ أو تُرَى له" (^٢).
وقال الضَّحَّاك: يعلمُ أينَ هو مِن قبلِ أنْ يموتَ (^٣).
وقال الزُّهريُّ: هي البشارةُ قبلَ الموتِ (^٤).
وقال ابن عبَّاس ﵄: هي قولُه لنبيِّه ﵊: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧] (^٥).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٦). وفيه: (قاموا بقلوبهم من حيث المعارف. . .).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٧٥١٠)، والترمذي (٢٢٧٣)، وقال: حديث حسن.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٢٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٦٥).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٦٣)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٢٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٦٦).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٢٣).
[ ٨ / ٩٥ ]
وقال الحسنُ: هي ما بشَّرَ اللَّهُ به المؤمنين في كتابه (^١)، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [التوبة: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: أي: لمواعيدِه في كُتُبِه، وعلى ألسنةِ رسلِه.
وقيل: لهذه البشارة.
وقيل: لِمَا مَضى مِن سُنَّته في الأوَّلين مِن الإهلاك والاستئصال للمكذِّبين.
وقيل: لحُجَجِ اللَّهِ وبراهينِه.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ أي: ذلك التَّبشير.
وقيل: أي: ذلك الموعود هو الفلاح العظيم؛ لأنَّه نَيْلُ جميعِ ما يُرْجى، والأمنُ مِن كلِّ ما يُخْشَى.
وقال القشيريُّ ﵀: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ إذا قاموا بما به أُمِروا، واستقاموا في ترك ما عنه زُجِروا، وبشَّرتهم الشَّريعة بالخروج عن عُهدة الإلزام، وبشَّرتهم الحقيقة باستيجابِ الإكرام بما كوشفوا به مِن أعلام هذه البُشرى في عاجلِهم، وأمَّا في آجلهم فالحقُّ يتولَّى ذلك، قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [التوبة: ٢١].
قال: ويُقال: البِشارة العظمى: ما يجدونه في قلوبهم مِن ظفرهم بنفوسهم، وسقوط مآربهم، والرِّضا بالكائن بتقدير ربِّهم، هذه هي النِّعمة العظمى، ووجدانُ هذه الحالة هي البشارةُ الكُبْرى (^٢).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٥٥٣).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٦).
[ ٨ / ٩٦ ]
(٦٥) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾: أضافَ النَّهيَ إلى قولِهم؛ لأنَّه هو السَّبب لحزنِه، ومعناه: لا تحزن بقولهم، وهو كقولك: لا أراك هاهنا، تضيفُ النَّهي عن الرُّؤية إلى نفسِك، ومعناه: لا تكن هاهنا فأراك، ومعنى الآية: لا تحزن بقولهم: متى هذا الوعد؟
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ تكذيبهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: هو ابتداءٌ بمعنى: فإنَّ العزَّة كلَّها للَّه، له المنعةُ والسُّلطان.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي: لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾؛ أي: بضمائرِهم وأفعالهم، وهو مُنْزِلٌ بهم عذابَه، فلا يمتنعون عنه.
وقال ابن المسيِّب: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾: يعزُّ مَن يشاءُ، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وعزَّةُ الرَّسول والمؤمنينَ باللَّهِ جميعًا، فهي كلُّها للَّه (^٢).
وقال مقاتلٌ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾: إنَّك مفترٍ كذَّاب (^٣).
وقيل: في القرآن: إنَّه سِحر وإنَّه مُفترًى.
وقيل: في اللَّه بما لا يليق به مِن الصَّاحبة والولد.
* * *
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٥١)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٥).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٣٩).
(٣) لم أجده هكذا، وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٤٣)، وفيه: (يعني: أذاهم).
[ ٨ / ٩٧ ]
(٦٦) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: كلُّهم عبيدُه، يفعلُ بهم ما يشاء، ولا يَمتنِع مِن تعذيبِه مَن شاءَ تعذيبَه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾: له وجوهٌ:
أحدُها: أنَّه استفهام، ومعناه: أيَّ شيءٍ يتَّبع الَّذين يدعون الأصنامَ شركاءَ للَّه؟ ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتَّبعون إلَّا الظَّنَّ، وهو توهُّمهم شفاعةَ الأصنام لهم، حتَّى قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾، [الزمر: ٤٣] ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: وما هم إلَّا يَكذِبون، وقيل: يقولون بالظَّنِّ.
والثَّاني: أنَّ ﴿مَا﴾ بمعنى: الَّذي، ومعناه: والذين يتَّبعون الذين يدَّعونهم شركاء ما يتَّبعون فيهم إلَّا الظَّنَّ.
والثَّالثُ: أنَّ ﴿مَا﴾ للنَّفي، ومعناه: ولا يتَّبعُ الَّذين يدعون مِن دون اللَّه شركاء، وهو مفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾ لا ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: الَّذين يتَّبعونهم ليسوا بشركاء، وإنَّما يتَّبعونهم ظنًّا أنَّها تنفعهم، وهو ظنٌّ كاذبٌ.
والرَّابع: أنَّ ﴿مَا﴾ للنَّفي، و﴿إِنْ﴾ نفيٌ، وهو تكرارٌ لنفيِ شيءٍ واحدٍ للتَّأكيد، وهو كتكرار (قبل) في قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ [الروم: ٤٩].
* * *
[ ٨ / ٩٨ ]
(٦٧) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: وهو إخبارٌ عن قدرته على ما تعجزُ عنه أصنامُهم.
يقول: هو الَّذي جعلَ لكم اللَّيل تسكنون فيه إذا أويتم إلى منازلكم منصرفين من الحركة والاضطراب في طلب المعاش، وجعل النَّهار ذا إبصار؛ أي: يقع فيه الإبصار على المبصَرات، ويكون فيه بروزُ الأشياء للعيون بعدَ الاستتار بظلمة اللَّيل، وهو كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: ذاتِ رضًا، و﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ أي: ذي دَفْقٍ، وليلٍ نائم؛ أي: ذي نومٍ؛ أي: يُنام فيه.
وقال جريرٌ:
لقدْ لُمْتِنَا يا أمَّ غَيلانَ في السُّرَى وَنِمْتِ وَما لَيْلُ المَطِيِّ بنائِمِ (^١)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: أي: لَعَلامَاتٍ على قُدرةِ اللَّهِ تعالى ووحدانيتِه لِمَن يسمعُ الوَعْظَ فيتدبَّرُه بقلبٍ حاضرٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الليل لأهل الغَفْلة بعدٌ وغيبةٌ، ولأهل النَّدم توبةٌ وأوبةٌ، وللمحبِّين زلفةٌ وقربةٌ (^٢).
وأوحى اللَّه تعالى إلى داود ﵇: كَذَبَ مَن ادَّعى محبَّتي فإذا جَنَّ اللَّيلَ نام عَنِّي (^٣).
_________________
(١) انظر: "ديوان جرير" (٢/ ٩٩٣).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٧).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٧١)، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٣٣٣)، و"المنثور" =
[ ٨ / ٩٩ ]
(٦٨) - ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: وهذا تعجيبٌ مِن اللَّهِ تعالى مِن جرأةِ المشركين على الافتراء على اللَّهِ تعالى بإضافةِ الأولاد إليه.
وحاجَّهم في ذلك فقال: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: وهو ما كانوا يقولون: إن الملائكة بنات اللَّه.
ثمَّ نزَّه نفسَه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنبيهًا للعباد على تنزيهِه.
ثمَّ قال: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فلا حاجةَ به إلى الولدِ الَّذي إنَّما يُتكثَّر به ويُتعزَّز به في الحياة وبعد الوفاة، فمَن كان مالكًا للسَّماوات والأرض لم يوصَف بالحاجة إلى التَّكثُّر والتَّعزُّز.
ثمَّ أخبرَ أنَّه لا سلطان لهم بهذا؛ أي: لا حجَّة.
وقوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار.
وقال القشيريُّ ﵀: لا يجوز في صفةِ اللَّهِ تعالى الوِلادةُ لتوحُّده، وأنَّه لا قسيم له، ولا يجوز منه التَّبني أيضًا لتفرُّده، وأنَّه لا شبيهَ له (^١).
_________________
(١) = لابن الجوزي (ص: ٣). وروي هذا القول عن الفضيل بن عياض. رواه الدينوري في "المجالسة" (١/ ٤٤٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٩٩). وروي أيضًا عن أبي سليمان الديراني. رواه أبو طاهر السلفي في "الطيوريات" (٣/ ١٠٣٤).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٠٨).
[ ٨ / ١٠٠ ]
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: إنَّ في الشَّاهد مَن اتَّخذ ولدًا إنَّما يَتَّخذُ لأحدِ أوجهٍ ثلاثةٍ: إمَّا لحاجة تمسُّه، أو لشهوة تغلبُه، أو لِمَا يَستنصرُ به على آخر ممَّن يخافه، فإذا كان له مُلْك السَّماوات والأرض، وملك ما فيهما، وكلُّهم عبيده وإماؤه، فلا حاجةَ تقع له إلى الولد؛ إذ هو الغنيُّ والمالك (^١).
* * *
(٦٩) - ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: أي: الَّذين يقولون: للَّهِ ولدٌ، لا ينجونَ في الآخرةِ مِن العقوبةِ، ولا يصلون إلى ما رجَوا مِن الأصنام مِن الشَّفاعة.
* * *
(٧٠) - ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾: أي: هو متاعٌ لهم؛ أي (^٢): تمتُّعٌ وانتفاعٌ بالدُّنيا الفانية القليلة مدَّةً قصيرة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: وهذا ظاهر.
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٦٦).
(٢) "أي" ليست في (أ).
[ ٨ / ١٠١ ]
(٧١) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾: هذه تسليةٌ للنَّبي -ﷺ- فيما نالَه مِن إيذاءِ قومِه بالتَّكذيب، وإعلامٌ للمشركين خبرَ المستعجِلين بالعذابِ: أنَّ الأمم الماضية استعجلوا فأُمْهِلوا إلى أنْ حَقَّ القولُ ثم أُخذوا، فليسَ إمهالي هؤلاء للعجزِ، بل لِمَا كانَ للأوَّلين حين وقعَ اليأسُ مِن إيمانِهم.
ومعنى قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾؛ أي: واقرأْ يا محمَّد على قومِك المشركين خبرَ نوحٍ ﵇.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: شَقَّ عليكم وثَقُلَ ﴿مَقَامِي﴾؛ أي: قيامي فيكم بحقوقِ اللَّهِ تعالى ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: الَّتي أوحاها إليَّ، وجعلَها علاماتٍ لحقيَّة (^١) هذا الدِّين.
﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾: أي: اعتمدْتُ.
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾: قرأَ نافع بالوصل، مِن الجَمْع، وقرأ الباقون بالقَطْع، مِن الإجماع (^٢)، وهو العزم؛ أي: اعزموا على أمركم.
وقوله تعالى: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: وادْعوا شركاءَكم، أضمرَ فعلًا آخر سوى الأوَّل (^٣). وهو كقول القائلِ:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لحقيقة".
(٢) لنافع روايتان في ذلك، واحدة مثل بقية القراء، والثانية بفتح الميم، وقرأ بها أيضًا رويس بخلف عنه. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، و"شرح طيبة النشر" لابن الجزري (ص: ٢٤٩).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٧٣).
[ ٨ / ١٠٢ ]
علَفْتُها تبنًا وماءً باردا (^١)
أي: وسقيتها ماء باردًا.
وقال آخر:
ورأيتُ زوجك في الوغى متقلِّدًا سيفًا ورمحا (^٢)
أي: ومعتقِلًا رمحًا.
وقال الزَّجَّاج: هو مفعول معه؛ أي: مع شركائِكم (^٣).
وقال بعضهم: (أَجْمِعوا)؛ أي: أَعِدُّوا، فيقع على الاسمين جميعًا (^٤): ﴿أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾؛ أي: آلهتكم، وقيل: أي: الَّذين يشاركونكم في التَّكذيب.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾: هو نهيُ مغايبةٍ للأمر، ومعناه: لا تجعلوا أمركم عليكم غمة (^٥).
_________________
(١) صدر بيت أنشده الفراء لبعض بني دُبَير -قبيلة من أسد- يصف فرسه. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٤)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٨)، و"خزانة الأدب" للبغدادي (١/ ٤٩٩). وعجزه: حَتَّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناهَا
(٢) البيت لعبد اللَّه بن الزِّبَعْرى، وهو في ديوانه (ص: ٣٢)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٦٨)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٧٣)، و"الخصائص" لابن جني (٢/ ٤٣١) و"تفسير الطبري" (١/ ١٣٧). ويروى: يا ليت بعلك قد غدا
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٨).
(٤) بعدها في (ر): "وقوله تعالى".
(٥) قوله: "هو نهي مغايبة للأمر ومعناه لا تجعلوا أمركم عليكم غمة" من (ر).
[ ٨ / ١٠٣ ]
قال المبرِّد: أي: فرِّجوا عن (^١) أنفسِكم ولا تغمُّوها.
وقيل: أي: ضيقًا وغمًّا.
وقيل: أي: مغطًّى ملبَّسًا. قاله الأخفش (^٢)، وأنشدوا لطرفة:
لَعَمْرُكَ ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ نهاري ولا ليلي عليَّ بِسَرْمَدِ (^٣)
وهو من قولهم: غُمَّ الهلال، وأصلُه: أنَّ مَن أضمرَ شيئًا فكَّر في إمضائه، وانتهزَ الفرصة فيه، فهو في غمٍّ منه والتباس، لا يدري أيتهيَّأ له إمضاؤه أم لا؟
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: افرُغوا إليَّ ممَّا تريدون بي، ومعناه: أتمُّوه، وهو كقوله تعالى: ﴿فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].
وإدخال (إلى) على معنى: أَلْقوا إليَّ ما استقرَّ رأيكم عليه مفروغًا منه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: ولا تُمهِلون.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾: قولكم وعملكم ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾: واستعينوا بآلهتكم ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ يعني: أظهروا أمركم ولا تكتموا ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ امضوا ﴿إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾؛ أي: لا ترقبوا فيَّ أحدًا (^٤).
وقال الضَّحَّاكُ: أي: انهضوا إليَّ ولا تؤخِّرون (^٥).
_________________
(١) في (ف): "فرحوا".
(٢) ذكر نحوه الزجاج في "معاني القرآن" (٣/ ٢٨)، ونقله الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٦٩) عن الكسائي.
(٣) انظر: "ديوان طرفة" (ص: ٢٩).
(٤) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ١٧٧).
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٦٩).
[ ٨ / ١٠٤ ]
(٧٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: فإن أعرضتم ﴿سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ فتحتجُّوا به عليَّ لإعراضكم.
وقيل: أي: فلا ضرر عليَّ لانّي لم أَدْعُكم إلى الإيمان لأجرٍ آخذُه منكم يفوتُني إذا لم تؤمنوا، فإنَّما الضَّرر في ذلك عليكم بما يفوتكم مِن ثواب اللَّه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يقول: كيف أعرضْتُم عن قَبوله ولم أسألكم أجرًا على ذلك فيكونَ لكم عذر في الإعراض، وهو كقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠].
وفيه دلالةٌ على منعِ أخذِ الأجر على تعليمِ العلم؛ لأنَّه لو جازَ ذلك لكان لهم عذرٌ ألَّا يبذلوا ذلك، ولا يتعلَّموا شيئًا مِن ذلك، وفيه هَدمُ شرائعِ اللَّهِ تعالى وإسقاطُها (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: أي: المُنقادين.
وقيل: أي: مِن المخلصين.
* * *
(٧٣) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: أسكناهم في الأرض بعد إهلاك الَّذين قبلَهم، وأغرقنا المكذِّبين.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٠).
[ ٨ / ١٠٥ ]
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أي: الَّذين أنذرَهم نوحٌ صلوات اللَّه عليه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان أنذرَ نوحٌ جميعَ قومِه مَن آمن ومَن لم يؤمن، فيَحتمِل أن يكون معناه: فانظر كيف كان عاقبة مَن أجاب ومَن لم يجب.
ويحتمل أن يكون معناه: عاقبةُ الَّذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، وكانت بالهلاك والاستئصال (^١).
* * *
(٧٤) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: أي: أقوامِهم؛ كصالحٍ إلى ثمودَ، وهودٍ إلى عاد، وغيرهما.
﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: بالمعجزات ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: أصرُّوا على التَّكذيب، وكان في علمِ اللَّه تعالى أنَّهم لا يؤمنون، وكذلك أرادَ منهم.
﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: نختم على قلوب الظَّالمين؛ أي: المجاوزين الحدَّ؛ أي: مَن علمنا منه اختيارَ الإصرار على الكفر خذلناه، وأوجدنا منه ذلك.
وقيل: أي: فما كان المتأخِّرون ليؤمنوا بما كذَّب به مَن قبلَهم مِن الأممِ كقوم عادٍ وثمود.
وقال ابن عبَّاس ﵄: فلم يكونوا ليصدِّقوا بالرَّسول والكتاب بما كذَّبوا به في أخذ الميثاق عليه (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٧١).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٦٥)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٥٧)، عند تفسير قوله =
[ ٨ / ١٠٦ ]
وقال الفرَّاء: لم يكونوا ليؤمنوا لك يا محمَّد بما كذَّبوا به في الكتاب الأوَّل. يعني: اللَّوح المحفوظ (^١).
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: ويحتمِل: بما كذَّبوا به مِن قبلِ بعثِ الرَّسول، ويكون دليلًا على أنَّ أهل الفترة يُؤاخذون بالتَّكذيب في حالِ الفترة.
ويحتمِل: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ (^٢) بعد إتيان البيِّنات ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ﴾ مِن قبلِ إتيان البينات (^٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قصَّ اللَّهُ تعالى عليه نبأَ الأوَّلين، وشرح له أحوال جميع الغابرين، ثمَّ فضَّلَه على كافَّتهم أجمعين، فكانوا نجومًا وهو البَدر، وكانوا أنهارًا وهو البَحر، به انتظم عقدُهم، وبنورِه أشرقَ نهارُهم، وبظهورِه خُتِمَ عددُهم، فكان كما قيل:
يومُك وجهُ الدَّهر مِن أجلِه حَنَّ غَدٌ والتَفَتَ الأمْسُ (^٤)
_________________
(١) = تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] بلفظ: (فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهًا وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب). وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ١٣٤).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٧٤).
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "به".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧١).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٠)، والبيت عنده بلفظ: يوم وحسب الدهر من أجله حيّا غد والتفت الأمس والبيت لابن الرومي كما في "ديوانه" (٢/ ١٩٩)، و"التذكرة الحمدونية" (٤/ ١٧٠)، و"الدر الفريد" للمستعصمي (٨/ ٢٦٥)، وصدره عندهم: =
[ ٨ / ١٠٧ ]
(٧٥) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: أي: ثمَّ أرسلنا مِن بعدِ الرُّسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون -لعنه اللَّه- وأشرافِ قومِه ووزرائِه وأهل مشورته ﴿بِآيَاتِنَا﴾: بالعصا واليد وغيرهما، فتعظَّموا عن الانقياد لموسى وأخيه، وكانوا عُتاةً ومَردَة، لا يبالون مِن اكتساب الآثام.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التِّسع ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: مشركين (^١).
* * *
(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أي: فلمَّا جاءَتْهم العصا -الَّتي التقمَتْ حبال السَّحرة وعصيَّهم- وسائرُ المعجزات، قالوا: هذا سحرٌ ظاهرٌ وتخييلٌ بيِّنٌ.
* * *
(٧٧) - ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقريع (^٢).
_________________
(١) = ذلك عرس الدهر من أجله
(٢) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ١٧٧).
(٣) في (ف): "التقرير".
[ ٨ / ١٠٨ ]
وقوله تعالى: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾: وهو بلفظ الاستفهام، وقد ذَكَرَ عنهم أنَّهم قطَعوا القول به حيث قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦].
فيجوز أن يكونوا قطَعوا القول به مرَّة، وكذلك بلفظ الاستفهام على وجه الإنكار مرَّة، يعني: أتأتينا بهذا على مقابَلةِ سِحرنا مع كثرته وتقدُّمنا في صنعته؟! فذكرَ اللَّهُ تعالى ما ذكروا في الحالَتَيْنِ جميعًا.
ويجوز أن يكون معناه: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ وتمَّ الكلام؛ أي: أتقولون هذا للحقِّ لَمَّا جاءكم، ثمَّ قال: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾، وهو استفهامٌ بمعنى التوبيخ، وتعجيبٌ مِن قولِهم، وليس بحكايةٍ لقولِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: أي: لا يفوزون في الدُّنيا ولا في الآخرة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الفلاحُ: الظَّفرُ بالحاجةِ والغَلَبةُ، والسِّحرُ باطلٌ، فيكون مغلوبًا والحقُّ غالبٌ.
ويحتمل: والسَّاحرون في الدُّنيا لا يفلحون في الآخرة.
ويحتمل أن يكون معناه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ بسحرهم في حال سحرِهم، وكذا: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] و﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، فإذا تَرَكُوا ذلك أفلَحُوا (^١).
* * *
(٧٨) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٣).
[ ٨ / ١٠٩ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾: أي: لِتصْرِفَنا، وقد لَفَتَهُ فالْتَفَتَ؛ أي: صَرَفَهُ فانْصَرَفَ.
وقوله تعالى: ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: لا نعرِفُ نبوَّةً ولا مَلِكًا ولا إلهًا غيرَ فرعون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: المُلْك في أرضنا، فتعظموا علينا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بمصدِّقين في دعوة النُّبوَّة ووعيد العذاب، أرادوا قطعَ أطماعِهما في إيمانِهم.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ أي: عمَّا كان يعبدُ آباؤنا، وكانت لفرعون أصنامٌ صغارٌ صنعَها لهم، وأمرَهم بعبادتها، ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: السُّلطان والمُلْك والشَّرف في الأرض؛ أي: في أرض مصر (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: وتكون لكما الألوهيَّة الَّتي كان يدَّعي فرعونُ لنفسِه؛ لأنَّ عندهم أنَّ مَن أُطيعَ واتُّبعَ فقد عُبِدَ ونُصِّبَ إلهًا (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: رَكَنوا إلى التَّقليد فيما دانوا، فاستحبُّوا استدامة ما عليه كانوا، فلحقهم سوء العقيدة وسوء الطَّريقة حتَّى توهَّموا أنَّ الأنبياء إنَّما دعَوهم إلى اللَّه لتكون لهم الكبرياء على خلق اللَّه، ولم يعلموا أنَّهم إنَّما دعَوهم إلى اللَّهِ للَّه بأمرِ اللَّه (^٣).
* * *
_________________
(١) ذكر بعضه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٧١)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ١٧٨).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٤).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٠).
[ ٨ / ١١٠ ]
(٧٩) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾: ولَمَّا جاء موسى بالعصا واليد البيضاء وصارَتِ العصا ثعبانًا قالوا لفرعون: إنَّه سِحْرٌ، فاستشارَهم، فأشاروا عليه بجمع السَّحرةِ، فأمرَ بذلك.
وإنَّما قال: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ للتَّعاون، ولئلَّا يفوتَه شيء مِن السِّحر بتخلُّف البعض.
* * *
(٨٠) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: أي: فسترون إبطالَ اللَّهِ تعالى ذلك.
ولم يكن هذا أمرًا بالسِّحر ولا رضًى به، لكنَّه تهديدٌ مِن الوجه الَّذي قلنا، والواثِقُ بالحجَّة يمكِّنُ الخصمَ مِن الابتداء بالشُّبهة، حتَّى إذا بلغَ الغاية جاءَ الحقُّ فدمغ الباطل، وليس لِمَنْ أعانَه اللَّهُ ﷿ غالبٌ.
* * *
(٨١) - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾: قرأ أبو عَمرو بالمدِّ على الاستفهام، وعلى قراءته: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾ استفهام؛ أي: أيُّ شيءٍ جئْتُم به؟ ثم قال: ﴿السِّحْرُ﴾؛ أي: أهو السِّحر؟
[ ٨ / ١١١ ]
وقرأ الباقون بغيرِ مَدٍّ (^١)، وعلى هذا: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾ بمعنى: الَّذي جئتم به، وهو مبتدأ، و﴿السِّحْرُ﴾ خبرُه، ومعناه: هذا هو السِّحر الَّذي أضفتُموه إليَّ.
ومعنى قراءة المد: تجيئون بالسِّحر تقصدون به معارضةَ المعجزة، وهو إنكارٌ عليهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾: أي: يجعله مغلوبًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾:
قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو: لا يجعل أعمالَهم الفاسدة صالحةً (^٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: الحقُّ حَقٌّ وإن لم يَحِقّ، والباطلُ باطلٌ وإنْ لم يَبطل، وقد قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨]، ولكن معناه: ليجعل الحقَّ في الابتداء حقًّا، فيصير حقًّا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلًا، فيكون باطلًا؛ أي: بإبطاله الباطل يكون باطلًا، وبتحقيقه الحقَّ يكون حقًّا.
وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: برسالات رسلِه؛ إذ بهم يظهر الحقُّ من الباطل، وهم حُجَجُ اللَّه في الأرض، وبالحُجَجِ يظهرُ الحقُّ مِن الباطل.
ويحتمل: بآياتِه الَّتي أَنزلَ عليه بها ظهورَ الحقِّ وبُطْلانَ السِّحر.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (١/ ٣٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٤).
[ ٨ / ١١٢ ]
ويحتمل: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: بمواعيده بظفَرِ موسى وقومِه وهلاكِ أعدائِه (^١).
وقيل: إحقاقُ الحقِّ: إظهارُه وتمكينُه بالدَّلائل الواضحة والآيات اللائحة حتَّى يرجع الطَّاعن عليه حسيرًا والمُناصب له كسيرًا.
وقيل في قوله: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: هي مواعيده بقولِه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٥]: وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ الآية [القصص: ٣٥]، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]، ثمَّ بيَّن الكلمةَ: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢ - ١٧٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: قال مقاتل: يعني القِبْط (^٢).
وقال القَفَّال: أي: فرعونُ وقومه؛ لأنَّه سمَّاهم مجرمين في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥].
والمجرمُ: مَنِ اعتادَ اكتسابَ المعاصي، يُقال: فلانُ جريمُ أهلِه؛ أي: دائمٌ على الاكتساب لهم.
* * *
(٨٣) - ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄:
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٤ - ٧٥).
(٢) في "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٤٥) أن الذين آمنوا بموسى ﵇ أهل بيت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط.
[ ٨ / ١١٣ ]
يعني: لم يصدِّق موسى إلَّا قليلٌ مِن قوم فرعون، وهم سبعون أهل (^١) بيت مِن القبط مِن آل فرعون، والأمَّهات مِن بني إسرائيل، فجعل الرَّجلُ يتبع أمَّه وأخواله (^٢).
﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ (^٣) يعني: أشراف قومه وجنده (^٤) أن يقتلهم.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾: لمخالف في أرض مصر ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ يعني: مع المشركين في النَّار، وهذا تسليةٌ للنَّبيِّ ﵊ في قلَّة مَن آمنَ بِهِ.
وقيل: معنى الآية: فما صدَّق موسى إلَّا أعقابُ قومٍ مِن قوم موسى، وهم بنو
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ألف".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٤٣)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٢٨٤). وروى الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٤٤) عن ابن عباس ﵄ قال: "الذرية: القليل".
(٣) في النسخ: "وملئه" بدل ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾، والمثبت هو الصواب، وانظر التعليق الآتي.
(٤) كذا شرح المؤلف قوله: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾، وهذا التفسير على ما جاء في النسخ ظاهر، لكنه على لفظ الآية يحتاج إلى بيان؛ لأنَّه فسر صمير الجمع بصمير مفرد، فكان لا بد من بيان ذلك، قال الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٣٦٣): فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾؟ قلت: إلى فرعون، بمعنى آل فرعون، كما يقال: ربيعة ومضر، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له. ويجوز أن يرجع إلى الذرية، أى: على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفًا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم، ويدل عليه قوله: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يريد: أن يعذبهم. قلت: وهذا كله على عود الضمير في ﴿قَوْمِهِ﴾ إلى موسى، أما على عوده إلى فرعون فالمعنى ظاهر، وعود الضمير على فرعون رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٤٦) عن ابن عباس، وهو الذي صححه المؤلف كما سيأتي، ورجحه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ١٣٧) بأن المعروف في القصص أن بني إسرائيل كانوا في قهر فرعون، وكانوا قد بشروا بأن خلاصهم على يد مولود يكون نبيًّا صفته كذا كذا، فلما ظهر موسى ﵇ اتبعوه ولم يعرف أن أحدا منهم خالفه.
[ ٨ / ١١٤ ]
إسرائيل، كان الزَّمان بعدَ مجيء موسى امتدَّ على موسى حتَّى ماتَ كثيرٌ من الآباء وبقي أولادُهم فآمنوا به. وهو قول مجاهد (^١).
والصَّحيح: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ مِن قوم فرعون ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ حقَّقوا أقوالهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] إلَّا يسيرٌ ممَّن قلنا: إنَّ أمهاتهم كنَّ إسرائيليَّات آمنوا ميلًا إليه مِن جهة قرابات الأمَّهات، ومع هذا كانوا خائفين مِن فرعون وأعوانه أن يفتنوهم عن دينهم؛ أي: يصرفوهم؛ إذ كان فرعونُ -إلى أن أهلَكَه اللَّه- غالبًا في ملك مصر لأهلِها (^٢) بالغَلَبة والقَهْر، مسرفًا مجاوز القَدْرَ في الكفر بادِّعاء الألوهيَّة، وقتل النُّفوس.
وقيل: هؤلاء النَّفر اليسير: امرأةُ فرعون، وخربيل مؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه (^٣).
ثم قوله: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ على الجمع له ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّه يرجع إلى الذُّرِّيَّة.
والثَّاني: أنَّه يرجع إلى فرعونَ، وكان ملكًا، وذكرَهُ مع أتباعِهِ، يُقال: قدمَ الخليفةُ مع أتباعِه وأنا أخافُ السُّلطانَ؛ أي: أخافُه وأتباعه.
والثَّالث: أنَّه ذَكَرَ فرعون، ومعناه: آل فرعون، أضمر الآل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهل القرية، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: يا أمَّة النَّبيِّ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٤٥).
(٢) كلمة "لأهلها" غير واضحة في (أ)، ووقع في (ف): "ملك الأرض لأهلها"، وفي (ر): "تلك الأرض لأهلها".
(٣) روى الطبري هذا القول في "تفسيره" (١٢/ ٢٤٦) عن ابن عباس ﵄.
[ ٨ / ١١٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾: أخبرَ أنَّ موسى لم يضعفْ قلبُه لقلَّة مَن آمن مِن قوم فرعون، بل قال لِمَنْ آمنَ به منهم: على اللَّه توكَّلوا، ولا تخافوا فرعونَ وملأه.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: فيه دلالة أنَّ الإيمانَ والإسلامَ واحدٌ؛ لأنَّه بَدأَ بالإيمان وخَتَمَ بالإسلام، وإنَّما جمعَ بينَهما لأنه يشير إلى زيادةِ فائدةٍ مع أنَّ الأصلَ واحدٌ، فإنَّ الإيمانَ هو اعتقادُ تركِ تضييع كلِّ حقٍّ، والإسلامَ اعتقادُ تسليمِ كلِّ حقٍّ، ولأنَّ الإيمانَ هو التَّصديق بكليَّة الأشياء فيما فيها الشَّهادة للَّه تعالى بالرُّبوبيَّة والألوهيَّة، والإسلامَ هو جعلُ كلِّ الأشياء للَّه تعالى سالمة (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيَّنَ أنَّه لا يُكتَفى بالأقوال، بل لا بدَّ مِن صدقِ الأحوال.
وحقيقةُ التَّوكُّل: توسُّلٌ يتقدَّمُه تنصُّل، ثمَّ يَعلمُ أنَّ نجاته بفضلِ اللَّه تعالى تحصل، لا بما يأتي به من التَّكلُّف والتَّعمُّل (^٢).
* * *
(٨٥) - ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: أجابوه إلى ما أمرَهم به.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: قال مجاهدٌ: له معنيان:
أحدُهما: لا تعذِّبْنا بأيدي قوم فرعون، وهو كقوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣].
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٦).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٢).
[ ٨ / ١١٦ ]
والثَّاني: لا تعذِّبْنا بعذابٍ مِن عندك، فيقولَ قومُ فرعون: لو كانوا على حقٍّ ما عُذِّبوا، وما سُلِّطنا عليهم، فيُفْتَنوا فتنةَ كفرٍ وضَلالٍ (^١).
* * *
(٨٦) - ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: أخرجْنا مِن بين أظهرِهم، فنأمنَهم ونعبدَك آمنين.
وقيل: أي: خلِّصنا مِن استعبادهم، وأخذهم (^٢) بالأعمال الشاقة والمهن الخسيسة.
* * *
(٨٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾: أي: هارون ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾؛ أي: اتَّخذوا، وقيل: أي: تَمَكَّنَا.
و(مصر) لا تُصرَف؛ لأنَّه مؤنَّث معرفة؛ لأنَّها بلدة أو كورة أو أرض.
﴿لِقَوْمِكُمَا﴾؛ أي: لأجلِهم.
﴿وَاجْعَلُوا﴾: أي: أنتماوهم ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: قال مجاهدٌ: أي: نحو الكعبة (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٥٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٧٦).
(٢) كذا في النسخ، ولعل الأولى أن يقول: (وأخذهم إيانا).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٥٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٥٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٧٧) عن ابن عباس ﵄.
[ ٨ / ١١٧ ]
وقيل: فيه إضمار؛ أي: اجعلوا بيوتكم قبلةً إلى الكعبة.
وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ فرعون لَمَّا أتاه موسى ﵇ بالرِّسالة أمرَ بمساجد بني إسرائيل فكُسِّرَتْ كلُّها، وكانت المساجدُ ظاهرةً، فأمرهما اللَّه تعالى أن يَجعلا لقومِهما مساجدَ في جوفِ البيوت، ولا يظهروها (^١).
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: حافظوا عليها بشروطها.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: يا موسى، بشِّرْهم بقُرْبِ الخَلَاص.
وخصَّ به موسى لأنَّ هارون كان تابعًا له، وذلك أنَّ موسى صلوات اللَّه عليه كان يأمرُ فرعونَ بأنْ يُرْسِل معه بني إسرائيل، فيَخرجوا مِن مصر إلى الشَّام بوعد اللَّه تعالى أنْ يُوْرثهم إيَّاها ويجْعلَهم سكانَها، وكان فرعونُ يأبى عليه، وكان لذلك وقتٌ معلومٌ، فأمرَهما اللَّهُ تعالى أنْ يُقيْمَا بمصر مطمئنين متمكِّنين، لا يستعجلان، وأنْ يَأْمُرا بني إسرائيل بذلك، ويتَّخذوا مساجدَ في بيوتهم، ويصلُّوا فيها سِرًّا، منتظرين للفرج، وهكذا عادة المسلمين إذا حزبَهم أمرٌ فَزِعوا إلى الصَّلاة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتمِل هذا الأمرَ بالانفصال مِن فرعون وقومه باتِّخاذ البيوت لهم في طرفٍ مِن المصر، حتَّى إذا أرادوا الخروج من عندهم قدروا على ذلك، ولا يكون المرورُ عليهم، وكان ذلك الانفصال مِن جهة القِبلة (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَهَّدْنا لهم لعبادتنا مَحَالَّ وهي نفوسُهم، ولمعارفنا منازلَ وهي قلوبُهم، ولمحبَّتنا مواضعَ وهي أرواحُهم، ولمشاهدتنا معاهدَ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٤٤)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٥٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٨).
[ ٨ / ١١٨ ]
وهي أسرارُهم، فنفوسُ العابدين بيوتُ الخدمة، وقلوبُ العارفين أوطان المعرفة، وأرواحُ المهيَّمِين مشاهد الحِشمة، وأسرار الموحِّدين منازل الهمَّة (^١).
* * *
(٨٨) - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ضاقَ صدرُ موسى مِن معاملةِ فرعون وقومه، فدعا عليهم فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ في هيآتهم في المحافل، وإذا ركبوا وبرزوا للنَّاس، ﴿وَأَمْوَالًا﴾ مِن ذهب وفضَّة.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: أي: يا ربنا أعطيتهم ذلك ليُضِلُّوا النَّاس عن طاعتك (^٢).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: أي: أهلِكْها وأذهبْ آثارَها؛ لأنَّهم
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٢).
(٢) كذا شرح المؤلف هذه الجملة ولم يصنع شيئًا، فهو لم يبين ما في اللام التي في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ من الوجوه، ولا توجيه ذلك على كل وجه من الوجوه، وقد استوعب ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ١٣٩) ذلك فقال: (وقوله: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ يحتمل أن تكون لامَ "كي" على بابها على معنى: آتيتهم الأموال إملاء لهم واستدراجًا فكان الإيتاء كي يضلوا، ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة، كما قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] والمعنى: آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا، وروي عن الحسن أنه قال: هو دعاء. ويحتمل أن يكون المعنى على جهة الاستفهام؛ أي: ربنا ليضلوا فعلتَ ذلك، وفي هذا تقرير الشنعة عليهم).
[ ٨ / ١١٩ ]
يستعينون بنعمتِكَ على معاصيك، وإنَّما أمرتَهم بأن يستعينوا بها على طاعتِك وسلوك سبيلِك.
قال ابن عبَّاس ﵄: بلغَنا أنَّ الدَّراهم والدَّنانير صارت حجارةً منقوشة كهيئة الدَّراهم والدَّنانير (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا وجهَين:
واجعل على قلوبهم قساوةً وغلظةً تنفِّر الأتباع منهم ومَن يقلِّدهم عن اتِّباعهم وتقليدهم، فيكون ذلك أهون علينا في استنقاذ الأتباع، وأَدْعى للأتباع إلى الإيمان.
الثَّاني: اطبعْ على قلوبهم (^٢).
﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أي: ليرَوا ذلك، ويحتمِل الغاية؛ أي: إلى أن يروا العذاب الأليم، وكان كذلك فإنَّهم لم يؤمنوا إلى الغرق، وكان ذلك إيمانَ يأسٍ، فلم يُقْبَل.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ يحتمِل النَّصبَ جوابًا للأمر بالفاء، ويحتمِل عطفًا على قوله تعالى: ﴿لِيُضِلُّوا﴾، ويحتمِل الجزمَ بالنَّهي على معنى الدُّعاء، وهو كقول الشَّاعر:
فلا يَنْبَسِطْ مِنْ بينِ عينيكَ ما انْزَوَى ولا تلْقَني إلَّا وأنفُكَ راغِمُ (^٣)
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٤٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٨).
(٣) البيت للأعشى. انظر: "ديونه" (ص: ١٧٨).
[ ٨ / ١٢٠ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾؛ أي: أهلكْهم كفَّارًا (^١).
وقال مجاهد: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: بالضلالة، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾: باللَّه تعالى بما يرون مِن الآيات ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا محمولٌ على أنَّ اللَّه تعالى أخبرَ موسى ﵇ أنَّهم لا يؤمنون، فيَسَعُه (^٣) هذا الدُّعاء، كما أخبر اللَّه تعالى نوحًا أنَّه لن يؤمن مِن قومِك إلَّا مَن قد آمن، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فأمَّا قبل أنْ يخبرَه بذلك فلا يسعه أن يدعوَ بهذا الدعاء، وهو إنَّما أرسلَه إليهم ليدعوهم إلى الإيمان (^٤).
وهذه الآيةُ دليلٌ على أنَّ الدُّعاء على الغير بالموت على الكفر لا يكون كفرًا، ولا يكون رضًا بالكفر، ولا استحسانًا له، بل هو غاية استقباح له، فإنَّه لا يدعو به على أحدٍ إلَّا وعنده أنَّه أفحش جنايةٍ، وعليه أعظم عقوبةٍ.
* * *
(٨٩) - ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾: والدُّعاء كان مِن موسى ﵇ وحدَه في الظَّاهر؛ فإنه قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا﴾، وإنَّما قال: ﴿دَعْوَتُكُمَا﴾ لوجوه:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٦٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٧٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٦٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٧٩).
(٣) قوله: "فيسعه" هنا معناه واللَّه أعلم: فيسوغ له ويحق له.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٧٩).
[ ٨ / ١٢١ ]
أحدها: أنَّه يحتمل أنَّ هارون دعا أيضًا، وإنما ذُكر عن موسى لأنَّه كان أصلًا.
والثَّاني: يحتمل أنَّ هارون اقتدى به فيما دعا، واتَّبع ألفاظَه فيه، فكان الأصلُ موسى فأُضِيفَ إليه، ثمَّ كانت الإجابة لهما.
والثَّالث: أنَّ موسى ﵇ يدعو وهارون ﵇ يؤمِّنُ، والتَّأمينُ دعاءٌ، فإنَّ معناه: كذلكَ فليكُنْ.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: على ما أنتما عليه من الإبلاغ والوعظ إلى حلول الوقت، ولا تستعجلا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: فرعون وقومه.
قرأ ابنُ عامر: ﴿وَلَا تَتَّبعانِ﴾ بتخفيف النُّون (^١)، وهو إخبارٌ لا نهيٌ، وقرأ الباقون بالتَّشديد: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ نهيٌ، والنُّون للتَّأكيد، كما في الواحد: لا تقولَنَّ ولا تفعلَنَّ.
وقال ابن عبَّاس وابن جريج ﵃: مكثَ فرعون بعد الدَّعوة أربعين سنة (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مِن شرط الدُّعاء صِدْقُ الافتقار في الابتداء، ثمَّ حُسْنُ الانتظار في الانتهاء، وكمالُه بالرِّضا بجريان الأقدار، بما يبدو مِن المسارِّ والمضارّ.
والاستقامةُ في الدُّعاء: سقوطُ التَّقاضي على الغيب، والخمودُ عن الاستعجالِ بُحسْنِ الثِّقة وجميل الظَّنِّ (^٣).
_________________
(١) هي رواية ابن ذكوان عن ابن عامر. انظر: "السبعة" (ص: ٣٢٩)، و"التيسير" (ص: ١٢٣).
(٢) رواه ابن مردويه عن ابن عباس ﵄، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٤١٥). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٧٣) عن ابن جريج.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٣).
[ ٨ / ١٢٢ ]
(٩٠) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾: أي: أجبنا دعاءَهما، وأمرنا بني إسرائيل بالخروج للوقت المعلوم، ويسَّرنا لهم أسبابَه، فلم يعلمْ فرعونُ وملؤُهُ بهم، ولا بخبرِ استعدادِهم للخروج، لإخفائِنا ذلك عنهم، وصَرْفِنا إيَّاهم عنهم باشتغالهم بدفن أبكارِهم، إذْ متنَ تلك اللَّيلة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾: أي: طلبوا لحاقَهم، وكذا قولُه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠].
﴿بَغْيًا﴾: أي: استطالةً عليهم ﴿وَعَدْوًا﴾؛ أيْ: ظلمًا واعتداءً.
قال قيس (^١): كانَ مع موسى ﵇ مِن بني إسرائيل ستُّ مئة ألف، وكان مقدِّمة فرعون سبعَ مئة ألف، كلُّ رجل منهم على حصان، على رأسه بيضة، وبيده حَرْبَة، وهو خلفَهم في جمعٍ كثيرٍ، فلمَّا انتهى بنو إسرائيل إلى البحر قالوا: يا موسى، أين ما وعدتنا؟ هذا البحرُ بينَ أيدينا، وهذا فرعونُ على أثرنا وجنوده، فقال موسى للبحر: انفلقْ أبا خالد، قال: لن انفلق لك، أنا أقدمُ منك وأشدُّ خلقًا، فنُودي موسى: أنِ اضرِبْ بعصاك البحرَ، فضربَ، فانفلقَ البحرُ، وكانوا اثني عَشَرَ سِبْطًا، حتَّى كان لكلِّ سِبْطٍ طريقٌ (^٢).
قال وهبٌ: وارتفعَ بينَ كلِّ طريقَيْن الماءُ كالجبل، وكانوا بني عمٍّ، لا يرى
_________________
(١) هو قيس بن عُبَاد، أبو عبد اللَّه البصري، مخضرم مات بعد الثمانين، ووهم من عده في الصحابة. قاله في "التقريب".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٧٤).
[ ٨ / ١٢٣ ]
بعضُهم بعضًا، ولا يسمعُ بعضُهم كلامَ بعضٍ، فأوحى اللَّه تعالى إلى الجبال من الماء أن تشبَّكي، فظهرَتْ مشبَّكاتٌ حتَّى رأوا وسمعوا ومضوا، فعاد البحر إلى حالِه، فلمَّا انتهى أوَّل جنود فرعون هابَتِ البَحر (^١)، ومُثِّلَ لحصان فرعون فرسٌ عليه جبريل، وفرعونُ لا يراه، فوجدَ الحصانُ ريحهَا، فانسلَّ خلفَ فرس جبريل في الماء، فقال فرعون: هابني البحرُ، فلمَّا دخل آخرُ جنود فرعون البحر وخرج آخرُ بني إسرائيل انطبقَ عليهم (^٢).
فلمَّا ألجمَه الغرقُ، وذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: ﴿الْغَرَقُ﴾ بفتح الرَّاء: القُرْبُ مِن الهلاكِ بغَمرةِ الماء، والغَرْقُ بتسكينها: الهلاكُ فيها.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿إنَّه﴾ بالكسر على الابتداء، فقوله: ﴿آمَنْتُ﴾ كلامٌ، وقولُه: ﴿إِنَّهُ﴾ ابتداءُ كلامٍ آخر، وهو كالبدل عن الأوَّل، وقرأ الباقون بفتحها (^٣) لوقوع ﴿آمَنْتُ﴾ عليها.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: المؤمنين، وقيل: أي: المخلصين، وقيل: أي: المنقادين.
* * *
(٩١) - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: قال جبريل: ﴿آلْآنَ﴾ استفهام بمعنى التَّوبيخ، وأضمر فيه: آلَان آمنْتَ؛ أي: عندَ الغرق، وهي
_________________
(١) "البحر" من (ف).
(٢) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٥٥).
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣).
[ ٨ / ١٢٤ ]
حالة اليأس، ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ أمرَ اللَّهِ بالإيمان ﴿قَبْلُ﴾ هذه الحالة، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ في أرض مصرَ بالدُّعاء إلى عبادة غير اللَّه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: أبعدَ طول الإمهال، والإصرارِ على ذميم الأفعال، والرَّكض في ميدان الاغترار، وفَوْت وقت الاعتذار، هيهات هيهات، لقد استوجبْتَ أنْ يُرَدَّ عذرُك في وجهِكَ، فلا لِعُذرِكَ قَبولٌ، ولا لك إلى ما تَرومُه وصولٌ (^١).
وروى ابنُ عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: لَمَّا قال فرعون: لا إلهَ إلَّا اللَّه، أتاهُ جبريلُ فحشا فاه بالتُّراب، خشيةَ أنْ تدرِكَه رحمةُ اللَّه تعالى (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يُقبَلْ إيمانُ فرعونَ في ذلك الوقت لوجهَيْنِ:
أحدهما: أنَّ إيمانَه عندَ خوفِ الهلاكِ إيمانُ دفعِ البأس، لا إيمانُ حقيقةٍ، وهو كإيمان الكفرة في الآخرة.
والثَّاني: أنَّ الإسلامَ تسليمُ النَّفس إلى اللَّه تعالى، فإذا آمنَ في وقتٍ خرجَتْ نفسُهُ مِن يدِه لم يَصِرْ مُسْلِمًا نفسَه إلى اللَّه تعالى؛ إذ ليسَ نفسُه في يدِه فيُسْلِمَها (^٣).
وعن كعبِ الأحبار قال: أمسك فيضُ (^٤) مصرَ عن الجري، فقالَتِ القبطُ لفرعونَ: إنْ كنْتَ ربًّا فأجرِ الماء، فركبَ وأمرَ جنودَه بالرُّكوبِ، وكان مناديه ينادي كلَّ ساعةٍ: ليقفْ فلانٌ بجنوده قائدًا لهم، فجعلوا يقفون على درجات، حتَّى بقي
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٤).
(٢) روى نحوه الترمذي (٣١٠٧) وقال: حديث حسن، و(٣١٠٨) وقال: حسن صحيح من هذا الوجه.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٨٠ - ٨١).
(٤) في (ف): "نيل".
[ ٨ / ١٢٥ ]
هو وحجَّابُه ووزراؤُه، فأمرَهم بالوقوف، فتقدَّمهم وحدَه بحيث لا يرونَه، ونزلَ عن دابَّته، ولبس ثيابًا، فأتاه جبريل وهو وحده يستفتي: ما قولُ الأميرِ في عبدٍ لرجلٍ، نشأَ في مالِه ونعمتِه، ولا سيِّدَ له غيره، فكفرَ نعمتَه، وجحدَ حقَّه، وادَّعى السِّيادة دونَه، فكتبَ فرعون فيه: يقول أبو العبَّاس الوليدُ بنُ مصعب بن ريَّان: جزاءُ العبد الخارج على سيِّده الكافر نعماءَه أن يغرقَ في البحر، فأخذَه جبريل ومرَّ، فلمَّا ألجمَه الغرق وأيقنَ بالهلاك ناولَه جبريلُ خطَّه وغرَّقه.
قال كعب: ورماه الماءُ كأنَّه ثور إلى السَّاحل (^١).
* * *
(٩٢) - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.
وقوله (^٢) تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾: أي: نلقِيْكَ على نَجْوَةٍ مِن الأرض؛ أي: ارتفاعٍ ﴿بِبَدَنِكَ﴾؛ أي: جسدًا لا روحَ فيه.
وقيل: أي: مع درعك، والبَدَنةُ والبَدَنُ: الدِّرعُ.
وقيل: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ مِن النَّجاة، وهي الخَلاص؛ أي: تخلصُ مِن دوابِّ البحر، فنخرجُكَ ولم تأكلْكَ.
وروي أنَّ بني إسرائيل قالوا: ما ماتَ فرعونُ، ولا يموتُ أبدًا، فألقاه البحرُ بأمر اللَّه تعالى إلى السَّاحل، فعاينوه وأيقنوا بموتِه (^٣).
_________________
(١) الخبر من الإسرائيليات، وذكره عن كعب الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٤٧)، ودون عزو الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٣٦٨)، وفيه (فعرفه) بدل "فغرقه".
(٢) في (ف): "فذلك قوله".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٨٠) عن قيس بن عباد، وسيأتي قريبًا عن السدي.
[ ٨ / ١٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾: أي: لتكونَ لِمَنْ بقيَ مِن بعدِكَ علامةً، فتزولَ وساوسُ الشَّيطان وخُدَعُه عن الضَّعَفة بتوهُّمِهم حياتَه أو خلاصَه عن الهلاك؛ إذ كانَ عندَهم إلهًا معبودًا، وتكون آيةً يستدلُّون بك على ما يلزمُهم مِن الانقيادِ للأنبياء، والإجابةِ لدعوتِهم، وإلَّا حَلَّ بهم ما حلَّ به.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾: أي: فعلْنا ذلكَ بفرعونَ مع تكبُّرِه وإسرافِه ودعواه الإلهيَّةَ، فنحنُ على إهلاك هؤلاء المشركين الذين هم دونَه لقادرون، ولو فكَّروا لعلموا ذلك، لكنَّهم غافلون.
وقال السُّديُّ: قالَتْ بنو إسرائيل: إنَّ فرعونَ لم يغرقْ، وإنَّه يدركُنا الآنَ ويقتُلُنا، فأوحى اللَّهُ تعالى إلى البحرِ فقذَفَه، فأخذَ بنو إسرائيلَ أسلحتَهم (^١).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: لم يكنِ الماءُ ينبذُ الغريقَ قبلَ فرعونَ، فلمَّا أغرقَ اللَّهُ ﷿ فرعونَ أمرَ الماءَ بنَبْذِ الغريق (^٢).
وذُكِرَ أنَّ في قراءة أبي حنيفة ﵁: (فاليومَ نُنَحِّيكَ) بالحاء المهملة مِن تحتها (^٣)، مِن التَّنحية، التَّبعيد، (ليدَيْكَ): تثنية اليدِ (^٤)، (لتكونَ لمَنْ خلقَكَ)
_________________
(١) لم أجده هكذا، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٨٤) عن السدي: قوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾: لبني إسرائيل آية.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٨٤)، وإسناده ضعيف.
(٣) نسبت لأبي بن كعب ومحمد بن السميفع ويزيد البربري. انظر: "المحتسب في شواذ القراءات" لابن جني (١/ ٣١٦). وذكره ابن الجزري في "النشر" (١/ ١٦) عن ابن السميفع وأبي السمال مثالًا على ما نقله غير الثقة، مما غالب إسناده ضعيف.
(٤) ذكرها ابن كمال باشا في "تفسيره" ولعله أخذها من المؤلف.
[ ٨ / ١٢٧ ]
بالقاف (^١) (آيةً)؛ أي: نبعدك عن الرَّحمة بما كسبَتْ يداكَ مِن الجفوة، لتكون من خالقِكَ لخلْقِهِ آيةً.
* * *
(٩٣) - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: أي: مكنَّاهم بعدَ إغراق فرعون وقومه مكانًا حَسنًا محمودًا، وأنزلناهم منازلَ فرعونَ وقومِه، وأورثناهم أرضَ الشَّام وهي منازل الصِّدق. قاله قتادة (^٢).
وقال الحسن: أي: مصر، وهو منزلٌ صالحٌ آمنٌ خصْبٌ (^٣).
وقال الضَّحَّاكُ: مصر والشَّام (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل قولُه ﷿: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾؛ أي: صدَّقنا لهم بها ما وعَدْنا بقولنا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٥].
ويحتمل: مبوَّأَ أهلِ صدقٍ، كما قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠] (^٥).
_________________
(١) نسبت لعلي ﵁، انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٠١)، و"البحر المحيط" (١٢/ ١٧٣).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٧٢)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٨٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٨٥).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣١١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٨٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٨٥).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٨٢ - ٨٣).
[ ٨ / ١٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي: الأقواتِ والأطعمة المستطابة.
ويحتمل: المَنَّ والسَّلوى.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: قيل: فما اختلفوا في نبوَّة محمَّد -ﷺ- إلى أن جاءَهم هو، فحينئذٍ كفرَ بعضُهم به وآمنَ بعضُهم.
و﴿الْعِلْمُ﴾: معرفتُهم به قبلَ خروجِه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩].
وقيل: بل كانوا مختلفِيْنَ في كثيرٍ مِن أمورِ دينِهم قبلَ المَبْعَثِ، طلبًا للرِّئاسة، وبغيًا مِن بعضهم على بعضٍ، حتَّى ألجأَهُم ذلك إلى القتال، تعسُّفًا في التَّأويل، وتعصُّبًا للمذاهب، وقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾؛ أي: الكتاب والأحكام، فاختلفوا بعد فراقِهم موسى ﵇، على الوجه الَّذي قُلْنا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: فيَمِيزُ المحقَّ من المُبْطِلِ، فيجزي كلًّا منهم على استحقاقِه، ويُنزله منزلةَ استيجابه (^١)، على حكم وعده ووعيده.
وقيل: أراد به اليهود الَّذين كانوا في عصر النَّبيِّ -ﷺ-، أنزلَهم اللَّه تعالى منزلةَ كرامةٍ وفضلٍ، فما اختلفوا في محمَّد حتَّى جاءَهم العلمُ عيانًا؛ أي: المعلوم، وهو محمَّد ﵊.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يقول: أَدَلْنَا لهم الأيام، وأكثَرْنا عليهم الإنعام،
_________________
(١) في (أ): "وينزل منزله استجابة" ولم تنقط الأخيرة، وفي (ف): "وينزل منزله الاستحباب"، وفي (ر): "وينزل منزلة استحباب". وكلها غير ظاهرة، والمثبت من "تفسير ابن كمال باشا" وقد نقل كلام المؤلف بحرفه.
[ ٨ / ١٢٩ ]
وأكرَمْنا لهم المقام، وأتَحْنا لهم فنونَ الحسنات، وأدْرَرنا عليهم جميع الخيرات، فلمَّا قابلوا النِّعمةَ بالكفرانِ، وأصرُّوا على البغي والعُدوان، أذقناهم سوءَ العذاب، وسدَدْنا عليهم أبواب ما فتحْنا لهم مِن التَّكريم والإيجابِ، ذلك جزاءُ مَن حادَ عن طريقةِ الوِفاق، وجنحَ إلى جانبِ الشِّقاقِ (^١).
* * *
(٩٤) - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾: يقول: إنَّ قصَّة فرعون وموسى على ما اقتَصَصْتُه عليك، فإنْ كنْتَ شاكًّا فيه ﴿فَاسْأَلِ﴾ المؤمنين مِن أهل الكتاب عن ذلك ﴿الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: أي: مِن الشَّاكِّيْنَ.
وتكلَّمَ النَّاسُ في هذه الآية وأكثروا؛ لأنَّ ظاهرَها مشكِلٌ فإنَّ النَّبيَّ ﵊ لم يكن يشكُّ فيما أُنْزِلَ عليه.
قال أكثرُ المفسِّرين: الخطابُ للنَّبي ﵊، والمرادُ غيرُه ممَّنْ شكَّ فيه، والعربُ تفعل كذلك، وفيه المثل السَّائر: إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة (^٢). ومثله في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، ويدلُّ عليه قوله تعالى في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] على الجمع.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٥).
(٢) انظر: "مجمع الأمثال" للميداني (١/ ٢٩).
[ ٨ / ١٣٠ ]
وقال القتبي: الخطابُ لغيرِه، وهو مَن شكَّ فيه.
قال: كان النَّاس على عهد النَّبيِّ -ﷺ- أصنافًا:
منهم كافرٌ مكذِّب لا يرى إلَّا أنَّ ما جاءَ به باطل.
ومؤمنٌ مصدِّق يعلم أنَّ ما جاءَ به حقٌّ.
وشاكٌّ في الأمرِ لا يدري كيف هو؟ يقدِّم رجلًا، ويؤخِّر أخرى.
فخاطَبَ اللَّهُ تعالى هذا الصِّنفَ مِن النَّاسِ، فقالَ: إنْ كنْتَ أيُّها الشَّاكُّ في شَكٍّ ممَّا أنزلْنا إليك من الهدى على لسان محمَّد، فسَلِ الأكابرَ مِن أهلِ الكتاب والعلماء الَّذين يقرؤون الكتاب مِن قبلِكَ، مثل عبد اللَّه بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الدَّاري وأشباههم، شهدوا على صدقِه، ولم يُرِدِ المعاندين منهم (^١).
وقيل: خرجَ هذا الكلامُ مخرجَ المبالغةِ في شِبْهِه (^٢)، وهو كقولِكَ لعبدِكَ: إنْ كنْتَ عبدي -وتعلَمُ أنَّه كذلك- فانتهِ إلى أمري، وإلَّا فأسألِ النَّاسَ يخبروك أنَّك عبدي، وهو لا يشكُّ في عبوديَّتِه لسيِّده (^٣).
_________________
(١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٦٨)، وفي آخره تقديم وتأخير: (ولم يرد المعاندين منهم فيشهدون على صدقه).
(٢) في (أ): "في تثنيته"، وفي (ر): "في شبه"، وفي (ف): "تَبْييْنُه". ولعل المثبت هو الصواب؛ أي: فيما يشابهه من الكلام وأسلوب الخطاب، وعلى عادة العرب في مثله. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٧٩) ولعله أول القائلين بهذا الوجه من التأويل، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ١٤٩)، و"تفسير السمعاني" (٢/ ٤٠٤)، و"وغرائب التفسير وعجائب التأويل" لتاج القراء الكرماني (١/ ٤٩٤) وضعفه، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٥٠).
(٣) ولم يرتض هذا بعض العلماء، فقد ضعفه تاج القراء الكرماني كما ذكرنا، ووجه تضعيفه ما قاله أبو العباس الرازي في "مباحث التفسير" (ص: ١٦٠) بقوله: لا وجه له؛ لأن قول القائل لعبده: إن كنت =
[ ٨ / ١٣١ ]
وتقديرُ هذه الآية على هذا: قدْ أخبَرْناكَ بما تعلمُ أنَّك لا تشكُّ فيه، فإنْ كنْتَ في شَكٍّ فيه فاسألِ العلماءَ به، ثمَّ يعودُ حقيقة الأمر إلى أنَّ ما أخبرناك به صِدقٌ، ينبغي للكفَّار أنْ يصدِّقوك، فإنْ لم يصدِّقوك فلْيَسألوا غيرَك مِن أهل الكتاب.
والأمورُ إذا وقعَتْ فيها المبالغةُ خرجَ الخطاب فيها إلى ما لا يكون، قال تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]؛ أي: لو جازَ كونُ هذه الأشياء لكانت في هذه الحالة.
فكذا هذا معناه: لو كنْتَ ممَّنْ يلحقُكَ شَكٌّ فيما أخبرناك به، فسألْتَ أهلَ الكتاب، لأزَالُوا عنك الشَّكَّ بتصديقِهم إيَّانا فيما أخبَرْناك به، وهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]؛ أي: لَئِنْ كنْتَ ممَّن يجوزُ ذلك عليك لبطلَ عملُكَ.
وقيل: علم اللَّه تعالى أنَّ الرَّسولَ ﵊ لا يشكُّ، فإنَّما خاطبَه بهذا ليقول: أنا لا أشكُّ؛ لِيُثاب على ذلك، كما قال لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ليقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ لِيُثَابَ على ذلك.
وقد رُوي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال لجبريل: "أنا لا أشكُّ، ولا أسألُ" (^١).
وقال الزُّهريُّ: نزلَتِ الآيةُ في السَّماء، ومعنى قوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: الملائكة.
_________________
(١) = عبدي فأطعني، يقوله وهو متيقن أنه عبده، فيلزم أن اللَّه تعالى يعلم أن نبيه -ﷺ- شاك؛ لأنَّه قال: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ كقولنا: إن كنت غلامي.
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٠٢١١)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٨٨)، عن قتادة مرسلًا.
[ ٨ / ١٣٢ ]
وقال عبد العزيز بن يحيى: أي: فإنْ كنْتَ في ضِيقِ صَدْرٍ مِن تعنُّتِ الكفَّار لِمَا أُنْزلَ عليك، فاسألْ أهلَ الكتابِ: كيفَ صبَرَ الأنبياءُ على أذى قومِهم، وكيف كانَتْ عاقبةُ أمرِهم (^١).
* * *
(٩٥) - ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: هي خطابُ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- ظاهرًا، والمراد به غيره، أو هي خطابُ غيرِه، وهو على ما مرَّ في الأولى.
وإنْ حُمِلَتْ على خطابِه وإرادَتِه فقد مَرَّ مرَّات أنَّ العِصمةَ لا تزيلُ النَّهيَ، بل قيام النَّهيِ شرطٌ لتحقُّقِ العصمة.
* * *
(٩٦ - ٩٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: وهي تسليةُ رسول اللَّه -ﷺ- وإزالةُ ضِيقِ صَدْرِه بتأخُّر إسلام قومِه.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هو قولُه ﷿: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩].
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٠).
[ ٨ / ١٣٣ ]
ويحتمِلُ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١].
وحاصلُه: أنَّ مَن علمَ اللَّهُ منه اختيارَ الكُفْرِ وإصرارَه عليه شاء له الكُفْرَ فلا يؤمِنُ أبدًا (^١).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ عندَ البأسِ فيؤمنون به، ولا ينفعُهم، أو في القيامة فلا يُقبَل منهم.
* * *
(٩٨) - ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآية: أي: فهلَّا، وهو تحريضٌ، و﴿قَرْيَةٌ﴾؛ أي: أهلُ قرية؛ أي: فهلَّا آمنَ أهلُ قريةٍ مِن الَّذين عُوجِلوا بالعذاب، فكان ينفعهم إيمانهم ويُقبَل منهم، وهاهنا مُضمَر: ولم يؤمنوا فضرَّهم كفرُهم ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾.
﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: والخزيُ: الهوانُ الَّذي يفضحُ صاحبَه.
وقال الحسنُ: لم يكن ذلك فيما خلا -أنْ يؤمِنَ أهلُ قرية بأسرها حتَّى لا يشذَّ أحدٌ منهم- إلَّا قوم يونس؛ أي: فهلَّا كانت القُرى كلُّها هكذا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: أي: إلى حضورِ آجالِهم.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٨٥).
[ ٨ / ١٣٤ ]
وأكثر المفسرين على أن إيمان قوم يونس لم يكن حين عاينوا هذا العذاب، لكنَّ يونسَ صلوات اللَّه عليه أخبرَهم بدنوِّ نزول العذاب بهم، وفارقَهم، وتلك حالةٌ لم يَزُلِ التَّكليفُ فيها عنهم، فراجعوا عقولَهم، فأبصروا رشدهم، فآمنوا، فانصرفَ العذابُ الَّذي كان أشرفَ عليهم عنهم.
وكان ذلك مخالفًا لحالةِ فرعونَ حين أدركَه الغرقُ؛ لأنَّه آمنَ في حالِ معاينةِ العذابِ، وهي حالةُ زوالِ التَكليف عنه، فلم ينفَعْهُ الإيمانُ، كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقوله تعالى: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ لا يدلُّ على حصولهم في العذاب، بل يقع ذلك على إشراف العذاب عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] كان الإنقاذُ منها حالةَ الإشراف عليها، لا الحصولِ فيها.
وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ قومَ يونسَ ﵇ كانوا بنِيْنَوى مِن أرضِ الموصِل، فلمَّا فقدوا نبيَّهم قذفَ اللَّهُ في قلوبِهم التَّوبة، فلبسوا المسوحَ، وخرجوا فنزلوا على تلٍّ، وفرَّقوا بينَ كلِّ بهيمةٍ وولدِها، وعجُّوا أربعين ليلةً، فلمَّا علمَ اللَّهُ تعالى الصِّدق مِن قلوبِهم، كشفَ عنهم العذابَ، وتابَ عليهم، ومتَّعهم إلى حين الموت (^١).
وقال وهبٌ: قال يونسُ لقومِه: إنَّ أجلَكُم أربعون يومًا وليلة، فإنْ لم تستجيبوا له عذَّبكم عذابًا يفنيكُم ويستأصلُكم. قالوا: فإنَّ آيةَ ما بينَنا وبينك الأجل، فإنْ رأيْنا أسبابَ العذابِ صدَّقْناك، فدخلوا مدينتهم يأتمرون وينتظرون في أمره، فلمَّا مضى مِن الأجل خمسة وثلاثون يومًا غامَتْ عليهم السَّماء غيمًا أسودَ هائلًا، يدخِّنُ دخانًا شديدًا، ثمَّ يهبط حتَّى يغشى مدينتهم، حتَّى اسودَّتْ سطوحُهم منه، فلمَّا رأَوا ذلك
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٩٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٨٨).
[ ٨ / ١٣٥ ]
قد تتابعَ عليهم أيقنوا بالهلاك، فنقلوا يونسَ إليهم (^١)، فنزلَ بينَ أظهرِهم، وبرزوا إلى الصَّعيد بأنفسِهم ونسائِهم وصبيانِهم ودوابِّهم، فعجُّوا إلى ربِّهم، وفرَّقوا بين دوابِّهم وأولادِها، فحنَّ بعضُها إلى بعضٍ، وعلَتْ أصواتُها، وفعلوا ذلك عمدًا لتختلط أصواتُها بأصواتِهم، وحنينُها بحنينِهم؛ ليرحمَهم ربُّهم، فرحمَهم، واستجابَ لهم، وقَبِلَ توبتَهم، وكشفَ العذابَ عنهم، فذلِكَ قولُه تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس: ٩٨] (^٢).
وقال مقاتل: كان العذابُ فوقَ رؤوسِهم قدْرَ ميلٍ (^٣).
فكشفَ اللَّهُ عنهم يومَ عاشوراء يومَ الجمعة، فحذَّرَ اللَّهُ تعالى أهلَ مكَّة أنهم إنْ آمنوا عندَ نزولِ العذابِ لم ينفعْهم، كما لم ينفعِ الأممَ الخالية إلَّا قومَ يونسَ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: تداركَتْهم الرَّحمة الأزليَّة فيما أَجْرَى عليهم [من] توفيق التَّضرُّع، فكشَفَ عنهم العذابَ، وبرحمَتِه وصلوا إلى تضرُّعِهم، لا بتضرُّعِهم وصلوا إلى رحمتِه (^٤).
* * *
(٩٩ - ١٠٠) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "فلقوا ما قال يونس إليهم"، وفي (ر): "فلقوا يونس إليهم".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٢)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٥١).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٥٠).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٦)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٨ / ١٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾: أخبرَ عن كمالِ قُدْرَتهِ ونفوذ مشيئتِه: أنَّه لو شاءَ لآمنَ مَن في الأرض كلُّهم فلا يبقى فيها إلَّا مؤمنٌ موحِّدٌ، ولكنَّه شاءَ أنْ يؤمِنَ به مَن عَلِمَ منه اختيارَ الإيمانِ به، وشاءَ ممَّنْ عَلِمَ منه أنَّه يختارُ الكُفْرَ ولا يؤمِنُ به ألَّا يؤمِنَ به.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: استفهام بمعنى النَّفي؛ أي: لا تملكُ أنت يا محمَّد أنْ تكرِهَهم على الإيمان؛ لأنَّ الإيمانَ يكونُ بالاعتقادِ والإقرار، ولا يمكن الإكراه على الاعتقاد.
وقيل: كان هذا بمكَّة حين لم يُؤمَروا بالقتال، ثمَّ أُمِروا بالمدينة بالقتال، وهو إكراهٌ على الإيمان.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- حريصًا على إسلام أبي طالب وقومِه، فأبى اللَّهُ ذلك عليه إلَّا مَن علم في سابق علمه أنَّه يؤمِنُ، فأنزل اللَّه تعالى قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠] (^١).
قال عطاء: أي: بمشيئةِ اللَّه تعالى، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] (^٢).
وقال عطيَّةُ العوفيُّ: أي: بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه (^٣).
وقال عبد العزيز بن يحيى: أي: بعلمِ اللَّه وتوفيقِه (^٤).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٢٤)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ١٨٠).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٣).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٤/ ٢٩٨) (ط: دار التفسير)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٠٠) عن سفيان.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٣)، وفيه بدل "عبد العزيز بن يحيى": (الداني)، وفي الطبعة =
[ ٨ / ١٣٧ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا تحتمِلُ الآية إلَّا هذا (^١)، ولا تحتمِلُ الأمرَ والإطلاقَ؛ لأنَّه كم مِن مأمورٍ بإيمانٍ لم يُؤْمِن به، فلم تحتملِ الأمر، ولا تحتملُ الإباحةَ؛ لأنَّه لا يُباحُ تركُ الإيمان في حالٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هذا مبتدأٌ، ومعناه: ونجعل الإثم، وقيل: العذاب.
وقيل: أي: جزاءَ الرِّجس؛ أي: الكفرَ.
وقيل: الرِّجس: الشَّيطان؛ قال ﵊ في دعاء الخَلاء: "اللَّهمَّ إنِّي أعوُذ بك مِن الرِّجْسِ النَّجِس، الخبيثِ المُخْبِث، الشَّيطانِ الرَّجيمِ" (^٣).
أي: ويسلِّط الشَّيطانَ على الَّذين لا يستعملون عقولَهم، ولا يعملون بما تدعوهم إليه.
* * *
(١٠١) - ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
_________________
(١) = الأخرى (١٤/ ٢٩٨): (الكتاني)، وكلاهما تحريف عن الكناني، وهو عبد العزيز بن يحيى المذكور، وقد سبق مثل هذا التحريف مرارًا. انظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى في هذه السورة: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
(٢) أي: لا يحتمل قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ سوى المشيئة والإرادة، كما هي العبارة في "تأويلات أهل السنة".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٨٨).
(٤) رواه ابن ماجه (٢٩٩) من طريق عُبَيْدِ اللَّه بنِ زَحْرٍ، عن عليِّ بنِ يَزِيدَ، عن القاسمِ، عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (١/ ٤٤): هذا إسناد ضعيف، قال ابن حبان: إذا اجتمع في إسنادِ خبرٍ عبيد اللَّه بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم فذاك مما عملته أيديهم.
[ ٨ / ١٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: قلْ يا محمَّد للمشركين: انظروا أيُّ شيءٍ في السَّماوات والأرض مِن العِبَرِ؟ مِن مجيء الَّليل والنَّهار، ومجرى النُّجوم والأفلاك، ونتاج الحيوان، وخروج الزُّروع والثِّمار، ووقوف السَّماوات والأرض بغير عمادٍ، وكلُّ ذلك تدبيرٌ يقتضي مدبِّرًا لا يُشبِهُ الأشياء، ولا يُشْبِهُه شيءٌ.
وقيل: أي: فيها عجائبُ الصُّنع الذي أنتم مقرُّون بأنَّ اللَّهَ تعالى خلقَها، فإنَّكم إذا نظرْتُم علمْتُم أنَّه مِن صُنع مَن لا يجوز أنْ يكونَ له في مُلْكِه شريك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾: يجوزُ أنْ تكونَ (ما) نفيًا، ويجوز أن تكونَ استفهامًا ﴿وَالنُّذُرُ﴾: الرُّسل ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: وما ينفعُ ذلك إذا لم يستدلُّوا به فيؤمنوا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الأدلَّة وإنْ كانت ظاهرة فما تغني إذا كانت البصائرُ مسدودة، كما أنَّ الشَّمس وإنْ كانَتْ طالعةً فما تغني إذا كانَتِ الأبصارُ عن الإدراكِ بالعَمى مردودة، كما قيل:
وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بمُقْلَتِهِ إذا استوَتْ عندَهُ الأنوارُ والظُّلمُ (^١)
* * *
(١٠٢) - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: فلينتظرْ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٧). والبيت للمتنبي. انظر: "ديوانه" (ص: ٣٦٣) ت: عبد الوهاب عزام.
[ ٨ / ١٣٩ ]
هؤلاء المتَّبعون للهوى والظَّنِّ، التَّاركون للنَّظر والاستدلال في الشِّرك والتَّكذيب، أنْ (^١) ينزلَ عليهم مِن عذابِ اللَّهِ ما نزلَ على الأممِ الخاليةِ المكذِّبة أنبياءَها.
وقال قتادة: إلَّا مثلَ وقائعِ اللَّهِ ﷿ في الأوَّلين قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ (^٢).
وقال يمان بن رئابٍ: ﴿مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾؛ أي: مثل عذابهم، والعربُ تسمِّي العذابَ: أيَّامًا، والنَّعيم: أيَّامًا؛ قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]؛ أي: بنِعمِ اللَّهِ، وكلُّ ما مضى عليك مِن خير أو شرٍّ فهو أيَّامٌ؛ لوقوعه في الأيَّام (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: أي: إنجازَ وعدِه لي في إنزال العذاب بكم إنْ أقمْتُم على تكذيبي.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: يحتمِل: هل ينتظرون بي يومًا مِن الهلاك إلَّا مثلَ ما انتظر الَّذين خَلَوا مِن قبلِهم برسلِهم مِن الهلاك.
ويحتمل: هل ينتظرون نزولَ العذاب بهم إلَّا مثل ما انتظرَ أولئك مِن نزول العذاب بهم.
ويحتمل: هل ينتظرون مِن تأخيرهم الإيمانَ إلى وقتِ نزولِ العذاب بهم إلَّا مثلَ ما أخَّرَ أولئك، وهو يخرج على الإياس من إيمانهم.
* * *
(١٠٣) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: ثمَّ نخبركم أنَّ مِن سُنَّتِنا إذا أنزلْنا العذابَ بقومٍ أنْ نُخْرِجَ مِن بينِهم رسولنا والذين آمنوا معَه.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "إلا أن".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٠٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩١).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٣) دون نسبة.
[ ٨ / ١٤٠ ]
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ننجِي المؤمنين مِن العذابِ في كلِّ زمانٍ.
﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾: ظاهرُه: واجبًا علينا، وحقيقتُه: وَعْدًا منَّا مؤكَّدًا لا خُلْفَ فيه؛ لأنَّ العبادَ لا يجبُ لهم على اللَّهِ تعالى شيءٌ.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾؛ أي: أنجيْنا؛ لأنَّه لا رسولَ بعدَ رسولِنا محمَّد -ﷺ- (^١).
فهذا مستقبلٌ بمعنى الماضي، وفي بعضِ الآيات ماضٍ بمعنى المستقبَل.
* * *
(١٠٤) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: وهم المذكورون في أوَّل السُّورة: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾: ما هو؟ (^٢) أو في دينِ الإسلام الَّذي علمْتُم ما هو، لكن شككْتُم أحقٌّ هو أم لا؟ فها أنا أكشفُ لكم ماهيتَه وحقيقتَه.
أمَّا الأوَّل: فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: الأصنامَ والجنَّ والملائكة ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾؛ أي: يميتُكم، وهو الذي يحييكم، فهو القادر على كلِّ شيءٍ على الكمال، فله استحقاقُ العبادة دونَ غيرِه، وهو إشارةٌ إلى بيانِ حقيقة دينِه.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٠).
(٢) في (أ): "ما هو ديني ما هو".
[ ٨ / ١٤١ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل: إنْ كنتم في شَكٍّ مِن دينِ الإسلام أحقٌّ هو؟ شككْتُم في دينكم أيضًا، فإنْ لم تجيبوني إلى هذا الدِّين الذي لا شكَّ فيه، ودعوتُموني إلى دينِكم مع الشَّكِّ فيه، فهو سَفَهٌ.
ويحتمل: إنْ كنْتُم في شكٍّ مِن ديني الَّذي أدينُ به وأدعوكم إليه، فأنا لا أشكُّ فيه، فلا أعبدُ الذين تدعون مِن دون اللَّهِ، هذا مضمَرٌ.
ويحتمل: إنْ كنْتُم في شكٍّ مِن ديني وما أعبد، فلا تعبدون ذلك ولا تدينون به، فأنا لا أعبد ما تعبدون ولا أدين ما تَدينون، وهو كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أمرني اللَّه تعالى به، فقال: كُنْ مِن المؤمنين، ولذلك عطف عليه ما هو بصيغة الأمر.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: أي: أَخْلِصْ عملَك (^٢).
وقيل: أي: قوِّم إقبالَك وتوجُّهَكَ على ما أُمِرْتَ به.
وقيل: أي: أقمْ نفسَكَ للَّه خالصةً سالمةً، لا نَصِيْب فيها لغير اللَّه. وهذا قول الإمام أبي منصور ﵀ (^٣).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٠ - ٩١).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٤).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩١).
[ ٨ / ١٤٢ ]
وقيل: أي: أقمْ وجهَكَ في الصَّلاة نحو الكعبة.
وقال أيضًا: أقمْ نفسَكَ على ما عليها شهادةُ (^١) خِلْقتها، إذ خِلْقةُ كلِّ نفسٍ تشهدُ على وحدانيَّة اللَّه تعالى وأُلوهيَّته.
وقال أيضًا: أقمْ وجهَ أمرِكَ لِمَا تَدِيْنُ به وتُقِيْمُ عليه (^٢).
﴿حَنِيفًا﴾: أي: مستقيمًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: قيل لي ذلك، عطفًا على الأوَّل، وكذلك قوله تعالى:
* * *
(١٠٦) - ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: لا تدعُ غيرَ اللَّهِ إلهًا.
وقيل: أي: لا تعبدْ.
وقيل: أي: لا تَدْعُهُ بحوائجِكَ.
وقولُه: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾؛ أي: لا يقدر على نفعٍ ولا ضرٍّ، وهو صفةُ الأصنام.
فإنْ قيل: ولِمَ قال: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾، وهو لو نفعَ وضرَّ لم تجزْ عبادتُه؛ لأنَّها لا تحقُّ إلَّا للَّه وحدَه؟
_________________
(١) في (أ) و(ر): "بشهادة"، والمثبت من (ف) و"التأويلات".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩١).
[ ٨ / ١٤٣ ]
قلْنا: معناه: ما لا ينفعُك ولا يضرُّك نفعَ الإلهِ وضرَّه؛ ولأنَّ عبادةَ ما لا ينفعُ ولا يضرُّ أخسرُ للصَّفقة، وأبعدُ عن الشُّبهة (^١).
* * *
(١٠٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: أي: وقيل لي ذلك أيضًا، وهو عطفٌ على الأوَّل.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾؛ أي: يُصبْكَ اللَّهُ بفاقَةٍ في معيشَتِكَ، أو آفةٍ في جسدِكَ، فلا كاشفَ لذلك الضُّرِّ إلَّا هو (^٢).
﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾: يُصبْكَ بسعةٍ وغنًى وصحَّةِ جسمٍ ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: فلا مانِعَ لرزقِه ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يخصُّ به مَن يشاءُ مِن خلقِه.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: غفورٌ لِمَنْ تابَ مِن شركِه، رحيمٌ بإنعامِه على جميعِ خَلْقِهِ.
أمرَه أنْ لا يخافَ شيئًا مِن الأصنام أو أحدًا مِن أولئك الأقوام في مجاهرتهم (^٣) بخلاف دينِهم، بل يخافُ اللَّهَ إنْ دعا مِن دونِه ما لا يضرُّه وما لا ينفعُه؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى إن أصابَه بضرٍّ فلا كاشفَ له غيره، وإنْ أصابَه بخير فليس إلى أحدٍ سوى اللَّه ردُّه، وهو الغفورُ الذي يسترُ الذُّنوب، والرَّحيم بمَنْ يتوب.
_________________
(١) في (ف): "وأبعد للشبهة"، وكلمة: "وأبعد" كذا في (ر) و(ف)، وغير واضحة في (أ).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٣٥)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ١٠٧).
(٣) في (أ) و(ف): "مجاهدتهم".
[ ٨ / ١٤٤ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآيات نقضٌ على المعتزلة، فإنَّه قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وهم يقولون: أرادَ اللَّهُ مِن الكافر الإيمانَ، وهو ردَّه فلم يؤمِن، وتسميتُه فضلًا يدلُّ على أنَّه ليس على اللَّه شيءٌ، فإنَّ الفَضْلَ هو فعلُ ما ليسَ عليه (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾؛ أي: إنْ كنْتُم في غطاءٍ مِن الذَّنب، فأنا في ضياءٍ مِن الغَيْب، أنتم في ظلمةِ الجهل، وأنا في شموس الفَضْل، أنتم في سُدفَةِ (^٢) الضَّلالة، وأنا في خِلْعة الرِّسالة وعلى نور الدِّلالة، أنتم في وَهْدَة العوج، وأنا ثابتٌ على سواء النَّهج.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾: أي: وقيل لي: أخلصْ قصدَكَ للدِّين، وجرِّدْ قلبَكَ عن إثباتِ كلِّ ما لحقَه قهر التَّكوِيْن.
وقال في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الآية: كما تفرَّد بإبداع الضُّرِّ واختراعِه فلا شريك يعضدُه، كذلك توحَّدَ بكشْفِ الضُّرِّ وصرفِهِ فلا نصير ينجدُه.
وقال: عَذُبَ الضُّرُّ حيث كان بفعلِه، فما أوجبَ عينَ الضُّرِّ منَ الحزنِ والحرَبِ (^٣)، أبدلَ مكانَه إضا فتُه إلى فعلِه السُّرورَ والطَّرب (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٢).
(٢) في (ر): "شدفة". والسُّدفة: الظلمة، والشدفة بمعناها. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: سدف وشدف).
(٣) الحَرَب: الغضب. انظر: "التاج" (مادة: حرب).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١١٨ - ١١٩).
[ ٨ / ١٤٥ ]
(١٠٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: أي: المذكورون في أوَّل هذه السُّورة، وهم مشركو قريشٍ ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: يعني جاءكم محمَّد -ﷺ- بالقرآن (^١).
وقيل: أي: ببيان ما يحقُّ عليكم أن تعتقدوه، وتقولوا به، وتعملوا عليه.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀بعدَما ذَكَرَ أنَّ الحقَّ هو محمَّدٌ -ﷺ-: وقيل: هو القرآن، ويُشْبِه أن يكون هو الدِّينَ الذي شكُّوا فيه؛ أي: قد جاءكم ما يزيلُ عنكم ذلك الشَّكَّ إنْ لم تكابروا في الحججِ والبراهين (^٢).
﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: أي: فمَنْ سلَكَ سبيلَ الرَّشاد المؤدِّي إلى الحقِّ الَّذي جئْتُ به فإنَّما يهتدي لنفسِه بما يفوزُ مِن رضاءِ خالقِه ومِن ثوابِه، بالنَّعيم المقيم الَّذي لا يشوبُه كَدَرٌ ولا يلحقُه غِيَرٌ.
﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾: عن هذا السَّبيلِ فوقعَ في غيرِهِ ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: على نفسِه؛ أي: ضرُّه على نفسِه باعوجاجِه عن طريقِ الحقِّ، لا يَضرُّ خالقَه بضلالِه، كما لا ينفعُه باهتدائِه.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: قال الحسنُ: أي: بحفيظٍ يحفظُ أعمالَكم، إنَّما أنا نذيرٌ، واللَّهُ الحافظُ عليكم أعمالكم (^٣).
وقيل: أي: لسْتُ مسلَّطًا على إدخالِ الإيمانِ في قلوبِكُم، وإنَّما أنا مبلِّغٌ مُرْشِدٌ.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٣٦)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ١٨٠).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٢ - ٩٣).
(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٢/ ١٢٨)، والواحدي في "البسيط" (٨/ ٢٠٥).
[ ٨ / ١٤٦ ]
(١٠٩) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾: أي: لسْتَ عليهم بوكيلٍ مسلَّطٍ على قلوبِهم فتتصرَّفَ فيها، ولكنَّكَ مبلِّغٌ فاتَّبعْ وحيَنا.
وقال الحسنُ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: مِنْ دِيْنِه الَّذي بيَّنه في كتابِه (^١).
ثمَّ عزَّاه فقال: ﴿وَاصْبِرْ﴾: على ما تسمعُ منهم مِن الأذى والتَّكذيبِ لك ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ تعالى، فيأتيَكَ أمرُهُ ونهيُه وحكمُه، وما وعدَك مِن إظهارِ دينِه (^٢) ونصرِكَ.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ في عدلِ حُكمِه، وإنجازِ وعدِه، وصدقِ كلماتِه.
وقيل: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنَّه لا يلحقُه في حكمِه زللٌ ولا خللٌ، ولا يمنعُه عن إمضائِه مانعٌ.
وقال ابن عبَّاس ﵄: كان مِن حكمِه أمرُه بالقتال، ونَسَخَ بِهِ: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (^٣).
وقال الضَّحَّاكُ: حكَم بالقتل يومَ بدر وأُحُد والأحزاب.
وقال أنسٌ ﵁: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية بعثَ رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى الأنصار، فجمَعهم ولم يجمعْ معهم غيرهم، وقال: "إنَّكم ستجدون بعدي أَثَرةً فاصبروا حتَّى
_________________
(١) نحوه بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" (٢/ ١٣٦).
(٢) في (ر) و(ف): "دينه الذي بينه".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٣٧). وقال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (ص: ١٦١): روى أبو صالح عن ابن عباس ﵄ قال: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهذا لا يصح عن ابن عباس، وقد بينّا أنه لا يتوجه النسخ في مثل هذه الأشياء، لأن معنى الآية: ما أنا بوكيل في منعكم من اعتقاد الباطل وحافظٍ لكم من الهلاك إذا لم تعملوا أنتم لأنفسكم ما يخلصها.
[ ٨ / ١٤٧ ]
تلقَوْني على الحوض"، قال أنسٌ ﵁: فلم يصبروا (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَاصْبِرْ﴾؛ أي: وَقِفْ عندَ جَرَيان أحكامِنا، وانسلِخْ عن مرادِكَ بالكليَّة، ليجريَ عليكَ ما نريدُ مِن القضيَّة (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: سورةُ يونس كلُّها مكيَّة إلَّا قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ فإنها مدنيَّة نزلَتْ في اليهود (^٣).
وباللَّه العونُ والتَّوفيقُ (^٤).
* * *
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٤/ ٣٠٣) عن أنس دون سند. ورواه البخاري (٣١٤٧)، ومسلم (١٠٥٩) دون ذكر الآية. وقال الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص: ٨٦): ذكره الثعلبي عن أنس بغير سند، والقصة المذكورة متفق عليها من حديث عبد اللَّه بن زيد في أثناء حديث، ومن حديث أسيد بن حضير، ليس فيه كون الآية سبب ذلك، بل سببه قسمة غنائم حنين.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٢٠).
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣).
(٤) في (أ): "تم الجلد الأول من تفسير التيسير بعون اللَّه تعالى وحسن توفيقه، في تاريخ سنة ٩٦٩"، وفي (ر): "نجز النصف الأول من تفسير القرآن العظيم للإمام أبي حفص عمر النسفي الحنفي رحمه اللَّه تعالى وغفر له ولكاتبه، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل، آمين".
[ ٨ / ١٤٨ ]
سورة هود
[ ٨ / ١٤٩ ]