بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للَّهِ الكريمِ المنَّان، ذي الفضل والإحسان، والسَّطوة والسلطان، والصلاةُ والسلام على عبدِه ورسولِه المُختار، الذي أقامَ الشَّريعةَ وراغَمَ الكفَّار، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آلِه وصَحْبِه، الذين آمَنُوا به وتمسَّكوا بحَبْلِه، صلاةً تُشرَحُ بها القُلوب، ويَتيسَّرُ بها كلُّ مطلوب.
وبعد:
فإنَّ كتاب اللَّه هو النورُ المُبِيْن، والطَّريقُ القَوِيم، والحقُّ المستَبِين، والصراطُ المستقيم، لا شيءَ أسطعُ من أعلامه، ولا حُكمَ أصدعُ مِن أحكامه، ولا كلامَ أفصحُ مِن بلاغته، ولا قولَ أرجحُ من فصاحته، ولا عملَ في ليلٍ أو نهارٍ ألذُّ مِن تِلاوته، فيه خبرُ مَن قَبْلَنا، ونبأُ مَن بعدَنا، وحُكْمُ ما بينَنا.
أَعجزَ الفصحاءَ، وحيَّر البُلغاء، وأعياهم أنْ يأتوا بسورةٍ مِن مِثْلِه، حتى شهِد بإعجازه الأعداءُ قبل الأصدقاء، وأيقنَ بصدقهِ الجاحدون والملحِدون؛ فإعجازُه وبلاغتُه وحسنُ نظامه يشهدُ للنبيِّ -ﷺ- بنبوَّته، وبأنه أعظمُ معجزاتهِ، الباقيةِ على طولِ أيام الدهرِ وسنواتهِ.
وقد كان النبيُّ من الأنبياءِ ﵈ يأتي بالآيةِ وتَنْقَضي بموته، فقَلَّ لذلك مَن يتَّبعه، وكَثُرَ أتْباعُ نبيِّنا -ﷺ- لكونِ معجزتهِ الكبرى باقيةً بعدَه، فيؤمنُ باللَّهِ ورسولهِ كثيرٌ ممَّن يسمعُ القرآن على ممرِّ الأزمان.
[ المقدمة / ٥ ]
فلا غَرْوَ أنْ نَهَض العلماءُ منذُ فجرِ الدَّعوةِ مشمِّرِينَ عن ساعِدِ الجِدِّ لشرحه وتفسيرِه، وبيانِ ما غَمضَ من معانيه، وحلِّ ما أَشْكَل على مَن يُعانيه.
ومِن أَجْلِ هذا ظَهَر على مَرِّ التَّاريخِ الإسلاميِّ تصانيفُ لا يَحْصُرُها العَدُّ، اخْتَلَفَتْ أساليبُها لكنَّ غايتَها كانت واحدةً، وهي تفسيرُ كتابِ اللَّه، وإيصالُه إلى أجيالِ الأُمَّة جيلًا إثْرَ جيلٍ، وتفهيمُ الأُمَّةِ معانيَه، وما فيه مِن عِبَرٍ وأمثال، وحِكَمٍ وأحكام، وبلاغةٍ لا تُرام، وخيرٍ عمَّ الأَنام؛ لتُدْرِكَ هذه الأُمَّةُ عَظَمتَه، فتتمَسَّكَ به، وتجتهدَ في اتِّباعِه والعملِ بمُقْتضاه، ودعوة الخلقِ إليه.
وهذه التصانيفُ كانت متفاوِتةً مِن حيثُ الفائدةُ، وبعضُها يقدَّمُ على بعضٍ، بل قد يكونُ بعضُها أصلًا والآخَرُ فَرْعًا، فإنَّ منها ما يُمْكِنُ أنْ يُعَدَّ فَرْدًا في بابِه، وإمامًا في محرابِه، وأساسًا في موضوعِه، بحيثُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ مَثَلًا: إنَّ ما جاء بَعْدَه ليس كالذي كان قَبْلَه، فيُقالَ مثلًا: إنَّ ما أُلِّفَ قبل "تفسير الطبري" في التَّفسيرِ بالمأثورِ ليس كما أُلِّفَ بَعْدَهُ، وإنَّ ما كُتِبَ في معاني القرآنِ وبلاغته قبلَ "كشَّاف" الزَّمَخْشريِّ ليس كالذي كُتِبَ بعدَه، وإنَّ موضوعَ أحكامِ القرآنِ قبلَ "الجامع لأحكام القرآن" ليس كموضوعِه بَعْدَهُ، وإنَّ كُتبَ إعرابِ القرآنِ قبلَ "بحر" أبي حيَّانَ ليست كالتي أَعقبت "بحره".
وجاء مِن التفاسيرِ بعد تلك الأمَّهات ما هو تَبَعٌ لها، فهَذَّبَ ونَقَّحَ، وزادَ ورَجَّحَ، وشَرَحَ وصَحَّحَ، ومع أن هذه أيضًا لا تُنْكَر مكانتُها وفضلُها، لكنْ يَبْقَى الفضلُ للسَّابق ولو أجادَ اللَّاحِق.
وكان هناك كثيرٌ من التفاسير التي حَوَت فنونَ التفسير من الآثارِ والأحكامِ والمعاني والإعرابِ واللغة، لكنْ لم يكن فيها ما يجعلها متميِّزةً عن باقي التفاسير.
[ المقدمة / ٦ ]
وهذا التفسيرُ الذي بين أيدينا لا يمكنُ إلا أنْ يعدَّ من تلك الأمَّهات، بل هو كتابٌ فريدٌ في بابه، لم يَنسجْ أحدٌ على مِنواله، جامعٌ للفرائد، زاخرٌ بالفوائد، قد خُطَّ بيدٍ دَرِبة خبيرة، ذاتِ فكرٍ ثاقبِ البصيرة، فمؤلِّفهُ قد فاق أقرانه علمًا وفضلًا، وكُتبه في الفقه وغيره معروفةٌ شرقًا وغربًا، كما أنه عالمٌ باللغة والنحو مشهودٌ له بذلك، وهو مع ذلك من المتقدِّمين المعاصرين لأئمةِ التفسير الكبار أمثالِ الزمخشريِّ وابنِ عطية وطبقتهما، فلم ينهلْ من كتبهم، ولا اتَّكأ على أقوالهم، فتفسيرُه لذلك يعدُّ من المراجع الهامَّةِ التي استفاد منها كثيرٌ ممَّن جاء بعده من المفسِّرين وغيرهم، وذلك لِمَا حوَاهُ من العلوم والآثار، وما ضمَّه من النِّكاتِ والأفكار، والتي أكثرُها من إبداعه، لا نقلًا عن غيره كما هو شأنُ الكثير من المفسِّرين الذين يعوِّلون في تفاسيرهم على النقل عمَّن سبَقهم.
وقد سعى فيه المؤلِّف لتحقيقِ أمرين اثنين:
الأول: الارتقاءُ بالإيمان والتقوى، وذلك لكثرةِ ما حواه من المواعظ والحكَم، والتذكيرِ باللَّه، ونقل عباراتِ العلماءِ العاملين، وأهلِ الزهدِ المخلِصين.
والثاني: الارتقاءُ بالعلم بالقرآن لغةً وإعرابًا، وتفسيرًا وتأويلًا، مع حشد الأقوال ونقل الآثار، مما تفرَّد بكثير منه هذا التفسير، فما له في الكتب المطبوعة من نظير، وقد سماه:
"التيسير في التفسير"
فكان اسمًا على مسمًّى، فهو ميسَّرٌ لمن قرأه، ميسِّرٌ معرفةَ التفسير على مَن طالَعه.
وقد أكرمَني اللَّه سبحانه بتحقيقه بعد مدَّةٍ طويلةٍ من العملِ في كتبِ التفسير
[ المقدمة / ٧ ]
تَنوفُ على خمسةَ عشرَ عامًا، طالعتُ خلالها غالبَ المشهورِ منها والمغمور، فخُضتُ غمارها، وغُصتُ في أعماقها، وعندما بدأت فيه كنتُ أظنه كباقي التفاسير لا يتميَّز عنها بشيء، ولم أكنْ أتوقَّع أنني سأجدُ فيه هذا الكمَّ الهائلَ من الفوائد والنِّكات، والرَّقائق والعِظَات، مع حسنِ الإشارة ومتانةِ العبارة، وسلامةِ الذوق، والذبِّ عن مذهبِ الحقّ.
فالعجَبُ كيف لم تمتدَّ إليه يدُ العناية إلى الآن، وبقي حبيسَ المكتبات يَنتظرُ مَن يمسحُ عنه غبارَ الإهمال، ويكشفُ عن أنواره ظلمةَ النسيان، مع أنه يفوقُ في فوائده كثيرًا مما حقِّق وطُبع من كتب التفسير، فكان من فضلِ المولى عليّ أن أُوكلتْ هذه المهمةُ إليّ.
وكما يُقال: التيسيرُ علَامةُ الإذن، فقد يسَّر اللَّه سبحانه لنا سبيل تحقيقه، وتهيَّأ لنا في سبيل ذلك كمٌّ كبيرٌ من النسخ الخطيةِ النَّفيسةِ الكاملة، ما لا يتيسَّر مثلُه في كثيرٍ من الكتب، فقمنا بالمقارنة بينها لانتقاءِ أفضل النسخ وأكثرِها دقةً وأقلِّها تحريفًا، وقد تمَّ لنا هذا المسعى بعون اللَّه، واخترنا ثلاثةً من النسخ الخطية النَّفيسة، فتمَّ نسخ الكتاب ومقابلته من إحداها ثم مقابلتُه على الأخريين.
وقد كان من الصُّعوبات التي واجهتْنا أن الكتابَ لم يُطبع قبل الآن، ولا يوجد له، ولا حواشيَ أو شروح له يمكنُ الاستفادة منها، فكان علينا القيامُ بالمهمة كاملةً، وكانت تلك المهمةُ من الصعوبة بمكان، وذلك لكثرةِ ما فيه من أحاديثَ وآثار وأقوال، تحتاج للتخريج والشرح، وكذا لبيان حالِ المرفوعِ وما في حكمه، هذا مع كونِ أكثرِ الكتاب من إبداعِ المؤلِّف وإنشائه، وحتى ما ينقلُه فإنه يتصرَّف فيه فيزيدُ وينقص ويغيِّر، فلا تكاد تجدُ له في عباراته وأقواله سلَفًا يمكنُ الرجوعُ إليه لتصحيح تحريفٍ أو توضيحِ عبارة.
[ المقدمة / ٨ ]
لكنْ مع كلِّ هذا قد يسَّر لنا سبحانه القيامَ بالمهمة خيرَ قيام، ليخرجَ الكتاب في النهايةِ بأبهى حلةٍ وأحسنِ حال، فنسألُ اللَّهَ سبحانه القَبول، فإنه خيرُ مأمول.
ومن أجل إتمامِ العملِ على أحسنِ وجه فقد قُمنا بكتابةِ مقدِّمة له تشتمِلُ على فصلين:
الأول: ترجمةُ المؤلف ترجمةً وافيةً بحيث تستوعِبُ كلَّ ما جاء عنه في المصادرِ المتوفرةِ لدينا، مع إعادةِ سبكِها وترتيبها، وقد استقصَيْنا لهذه الغايةِ كلَّ ما كُتب عنه تقريبًا مما كان ترجمةً له، أو كان منبثًّا في كتبِ التراجم والأنسابِ وغيرها، الأمرُ الذي استغرَق تعبًا وتدقيقًا لا يستهانُ بهما، وباللَّه التوفيق.
الثاني: كتابةُ مقدمةٍ للكتاب تتضمَّن تأكيد نسبة الكتاب للمؤلِّف، وأهمَّ المراجع التي نهلتْ منه ونهل منها، وطريقةَ مؤلِّفه في تأليفه، وأهمَّ المواضيعِ التي تناولها، هذا مع دراسةٍ مستفيضةٍ لخصائص هذا التفسير وما يميِّزه عن غيره من التفاسير.
وفي الختام نحمدُ اللَّه أولًا وآخِرًا على توفيقه وتيسيره، وما أنزل علينا من الرحمات، وامتنَّ به من البركات، في الجهدِ والفهمِ والأوقات.
كما نشكرُه سبحانه أن هيَّأ لهذا العملِ من الأساتذةِ الأخيار مَن بذَلوا غايةَ جهدهم ليرى هذا السِّفرُ العظيمُ النورَ بعد طولِ مكثٍ في غياهب الظلمات:
فنشكر أولًا دار اللباب للدراسات وتحقيق التراث التي حملتْ على عاتقها تحقيقَه وطبعَه وكلَّ ما يتعلَّق به متمثِّلةً بمديرِها الأستاذِ أبي عبد اللَّه محمد خلوف العبد اللَّه، والذي لولاه لَمَا خرجَ هذا الكتابُ إلى النور، فهو الذي استَخرجه من بينِ
[ المقدمة / ٩ ]
آلاف المخطوطات، وبسعيهِ ودأبه تمَّ تأمينُ نسخه الخطيَّة، وبمتابعته لكلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ تمَّ بفضلِ اللَّهِ الانتهاءُ منه على الوجه الأكمل.
كما نشكرُ الأساتذةَ توفيق التكلة، وفادي السيد، وخالد شمسو، وهادي الهندي، وخالد محمد ياسين علوان، الذين عملوا في نسخهِ ومقابلتهِ وإخراجه، وبذلوا لذلك جهودًا هائلةً لضمانِ الدقَّة والصِّحة وسلامةِ النصِّ. ونخص بالذكر الأستاذ خالد محمد ياسين علوان الذي بذل جهدًا كبيرًا في إتقان إخراج هذا الكتاب فنيًّا.
والشكرُ موصولٌ للإخوة الذين ساعدوا في تحقيقِه، وهم الأساتذةُ: فادي المغربي، ومحمد سارية عجلوني، وجمال عبد الرحيم فارس.
فنسألُ اللَّه الرضا والقبول لنا جميعًا، وأن يوفِّقنا لخدمةِ كتابه العظيم، فهو أعظمُ عمل للمؤمن، وأكرمُه عند اللَّه، وأرجاهُ للقَبول.
وكتبه ماهر أديب حبوش
٢٦/ ٥/ ٢٠١٩
* * *
[ المقدمة / ١٠ ]