وهذا الجانبُ من التفسيِر لا يقلُّ أهميةً عن الذي قبلَه، بل إنَّ هذا الكتابَ ليُعدُّ
_________________
(١) قرأ الكوفيون ونافع بفتح اللام، والباقون بكسرها.
[ المقدمة / ٩٢ ]
من أنواع التفسير بالمأثورِ؛ لكثرةِ ما فيه من أقوالِ السَّلف، فلا تمرُّ آيةٌ، بل ولا لفظةٌ، إلا ويَسردُ المؤلِّف ما رُوي عن السَّلَفِ في تفسيرها، بما قد يصلُ أحيانًا إلى عشرةِ أقوالٍ أو أكثر.
ونعني بالمأثور: ما رُوِي عن النبيِّ -ﷺ-، ثم مَن بعدَه من الأجيال الثلاثةِ وهم:
١ - الصحابة: وقولُهم ﵃ مقدَّمٌ على كلِّ قولٍ، فإنَّ صُحبتَهم للنبيِّ -ﷺ-، ومخالطتَهم له، وتلقُّفَهم كلَّ قولٍ أو فعلٍ منه ﵊، واقتداءَهم به في كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، قد أكسبَهم -بالإضافةِ لِمَا جُبِلوا عليه من شدَّةِ الفِطْنةِ وسلامةِ الفطرةِ- فهمًا ثاقبًا، وعقلًا راجحًا، وعلمًا واسعًا، وقريحةً وقَّادةً، إضافةً لِمَا عَرَفوا من أحوالِ مَن نزل فيهم القرآنُ من العرب واليهود، هذا مع ما كانوا عليه مِن التَّقوى العظيمةِ التي أكسبتْهم نورًا يضيءُ طريقَهم، ويكشفُ لهم ما غمضَ على غيرهم من المسائل، ويجلِّي ما أَشكلَ من المعاني، فلا عَجَب أنْ كانت لهم تلك المكانةُ السامقةُ والمرتبةُ العاليةُ التي لا يمكنُ أن يبلغها غيرُهم بعد النبيِّ -ﷺ-.
وأكثرُ مَن رُوي عنه التفسيرُ في جيلِ الصحابة ابنُ عباسٍ ﵄، ثم عليٌّ وابن مسعود، ثم باقي الصحابةِ ﵃ أجمعين.
٢ - التابعين: وللتابعين مكانةٌ لا تُنكَر عند أهل العلم، فهم قد تَلَقَّوا التفسيرَ عن الصحابة الذين شأنُهم ما قدَّمناه، وكانوا -أي: التابعون- في عصرِ الاحتجاج اللغويِّ، فلم تَفسُدْ ألسنتُهم بالعُجمة، وكان لهم من الفهم وسلامةِ المقصد ما لهم، إضافةً إلى خلوِّهم من البِدَع والأهواء، فلم يكونوا شيعًا وأحزابًا، بل كانوا متفقينَ على أصولِ أهل السُّنَّة والجماعة التي أرساها الصحابة. كلُّ هذا جعَل لكلامهم وزنًا عند العلماء، مع الاختلافِ في الرجوعِ إلى تفسيراتهم وحجِّيَّة أقوالهم.
[ المقدمة / ٩٣ ]
وأبرز هذا الجيل: مجاهدُ بنُ جَبْرٍ، وقَتادةُ بنُ دِعامةَ، والحسنُ البَصْريُّ، وسعيدُ بن جُبيرٍ، وعطاءُ بن أبي رَباحٍ، وإسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ السُّدِّيُّ، ورُفيعُ بن مِهْران أبو العاليةِ الرياحيُّ.
٣ - أتباع التابعين: وعندهم ينتهِي جيل السَّلف، وتأتي أهميةُ أقوالِهم عند العلماء مِن قُربِ عهدهم بأنوارِ النبوةِ، وشمولِ حديثِ النبيِّ -ﷺ- لهم في قوله: "خيرُ القرونِ قَرْني ثم الذينَ يَلُونَهم ثم الذين يَلُونَهم"، فهو لا شكَّ يَشمَلُ جيلَ أتباعِ التابعين الذين هم آخِرُ القرون المُنيفةِ في الخيريَّة على مَن بعدَها بشهادةِ النبيِّ -ﷺ-، وكفَى به شرفًا أكسبَهم إياه النبيُّ الكريم عليه أفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم، ثم هم قد تتلمذوا على جيلِ التابعين الذي قدَّمنا صفاته، ونهَلوا من مَعينِ عِلمهم، وحملوا التراثَ الذى خَلَّفوهُ، ثم زادوا عليه بمقدارِ كشفِ ما زاد من غموضٍ عند الناس، وما جَدَّ من اختلافٍ في الرأي بينهم، فصار التفسيرُ في جيلهم بين التفسيرِ النقليِّ المحضِ، والتفسيرِ الذي يدخلُه الاجتهاد، وعن هؤلاء أخذ مَن جاء بعدهم، فكانوا هم الينبوع الذي صدرت عنه أجيال العلماء الذين لحقوهم.
ومن أبرز هذا الجيل: عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، وابنُ جُريجٍ، وسفيانُ بنُ عيينةَ، ومقاتل بن حيان، ومنهم محمدُ بنُ السَّائب الكلبيُّ ومقاتل بن سليمان إلا أنهما متروكان لا يوثَقُ بروايتهما كما سيأتي.
والمؤلف ﵀ لا يمرُّ بآية ورد فيها حديثٌ مرفوعٌ أو قولٌ للسلف إلا توقَّفَ عندها وأوردَ أكثرَ ما روي عن السلف فيها، وسنذكرُ هنا بعضَ الملاحظاتِ الضروريَّة لفهمِ ما جاء في الكتاب:
فأما حديثُ النبيِّ -ﷺ- فيُلاحَظُ عند المؤلِّف عدمُ التمييزِ بين الصحيحِ والضعيفِ
[ المقدمة / ٩٤ ]
وحتى الموضوعِ، فهو يُورِدُ ما وقَف عليه من رواياتٍ دون النظرِ إلى حالها، فوقعَ فيه لذلك بعضُ الأحاديثِ الموضوعة:
وأولُ هذه الأحاديثِ: الحديثُ الموضوعُ في فضائل السُّورِ سورةً سورةً، فقد وقع المؤلفُ ﵀ فيما وقعَ فيه كثيرٌ من المفسِّرين -كالثَّعلبيِّ والواحديِّ والزمخشريِّ والبيضاويِّ- من الاغترارِ بهذا الحديث، فيَذكر في مطلعِ كلِّ سورةٍ قطعةً منه، وهو ما تضمَّنه في فضلِها منسوبةً إلى أُبَيِّ بن كعب ﵁، وأولُ مَن فعَل هذا الثعلبيُّ، ثم تبعَه تلميذُه الواحديُّ، وتابعهما على ذلك المؤلف والزمخشريُّ، ثم البيضاويُّ وأبو السعود. وهذا الحديث قد نبَّه العلماء على وضعه، وعلى رأسهم ابنُ الجوزيِّ ﵀ الذي قال عنه في "الموضوعات": وهذا حديث فضائلِ السور مصنوعٌ بلا شكٍّ.
قال: وقد فرَّق هذا الحديثَ أبو إسحاقَ الثعلبيُّ في "تفسيره"، فذكَر عند كلِّ سورةٍ منه ما يخصُّها، وتَبِعَه أبو الحسن الواحديُّ في ذلك، ولا أعجبُ منهما لأنَّهما ليسا من أصحابِ الحديث، وإنما عَجِبْتُ من أبي بكرِ بنِ أبي داودَ كيف فرَّقه على كتابه الذي صنَّفه في فضائل القرآن وهو يعلمُ أنه حديثٌ مُحال، ولكنْ شَرَهُ جمهورِ المحدِّثين، فإن من عادتهم تنفيقُ حديثهم ولو بالبواطيل (^١).
وقال السيوطيُّ في حاشيته على البيضاويِّ: هذا من الحديثِ الموضوعِ الذي رُوي عن أبيِّ بن كعبٍ في فضائلِ القرآنِ سورةً سورةً، وقد نبَّه أئمةُ الحديث وحُفَّاظه ونقَّادُه قديمًا وحديثًا على أنه موضوعٌ مختلقٌ على رسول اللَّه -ﷺ-، وعابُوا على مَن أَورده من المفسِّرين في تفاسيرهم (^٢).
_________________
(١) انظر: "الموضوعات" (١/ ١٧٤).
(٢) انظر: حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي المسماة: "نواهد الأبكار" (٣/ ١١٢).
[ المقدمة / ٩٥ ]
وقال مرعيٌّ الكرميُّ: أحاديثُ فضائِل السُّورِ المرويةُ عن ابن عباس وأبيِّ بنِ كَعْبٍ، كالذي ذكره البغوِيُّ والواحديُّ ونحوُهما كلُّها كذبٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديثِ، قال العراقيُّ:
(وكلُّ مَن أَوْدَعهُ كِتَابَهْ كالواحديِّ مخُطئٌ صَوَابَهْ) (^١)
وقال ابنُ كثيرٍ في أولِ يوسفَ: وهو منكرٌ من سائرِ طُرقه.
وممن نبَّه على وضعِه أيضًا المُنَاويُّ في "الفتح السماويِّ" مفرِّقا ذلك في كلِّ سورةٍ على حسَبِ ما أورده البيضاوي.
وكذا الملَّا عليٌّ القاري، وقال: وقد اعترفَ بوضعِها واضعُها وقال: قصدْتُ أنْ أُشْغِلَ الناسَ بالقرآنِ عن غيرِه (^٢).
وإنما أطلتُ في الكلامِ عليه لأنه سيَرِدُ في هذا الكتابِ مع كلِّ سورةٍ، فلا بدَّ من جلاءِ حالهِ وبيانِ حقيقته.
ومن الأحاديثِ الموضوعة التي أوردها أيضًا: حديثُ جابرِ بن عبد اللَّه ﵄: أنَّ يهوديًّا أتى النَّبيَّ -ﷺ- فقال: يا محمَّد؛ أخبرني عن أسماء الكواكب اللاتي سجدْنَ ليوسف، فقال له النَّبيُّ -ﷺ-: "إنْ أخبرْتُكَ أتؤمنُ بي؟ " قال: نعم، فأتاه جبريلُ صلوات اللَّه عليه فعلَّمه أسماءها، الحديث.
وهو من طريق الحكَم بن ظَهيرٍ عن السُّدِّي عن عبدِ الرحمن بنِ سابطٍ عن جابر.
_________________
(١) انظر: "الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة" لمرعي الكرمي المطبوعة ضمن "مجموع رسائل العلامة مرعي الكرمي".
(٢) انظر: "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" لعلي القاري (ص: ٤٧٥).
[ المقدمة / ٩٦ ]
قال ابنُ حبَّانَ: هذا لا أصلَ له مِن حديثِ رسول اللَّه -ﷺ-، والحكَمُ بن ظَهيرٍ الفَزَاريُّ الكوفيُّ كان يَشتِم أصحابَ محمدٍ -ﷺ-، يَروِي عن الثِّقات الأشياءَ الموضوعات.
وقال ابن الجوزيِّ: هذا حديثٌ موضوعٌ على رسول اللَّه -ﷺ-، وكأن واضعَه قصد شينَ الإسلام بمثلِ هذا، وفيه جماعة ليسوا بشيءٍ، قال يحيى بن معين: الحكمُ بن ظهيرٍ ليس بشيءٍ. وقال النسائيُّ: متروكُ الحديث.
وقال الجوزجانيُّ كما في "التهذيب": ساقطٌ؛ لميله وأعاجيبِ حديثه، وهو صاحب حديثِ نجوم يوسف.
ومنها: حديثُ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: كنتُ مع رسول اللَّه -ﷺ- في بعضِ طرقاتِ المدينة، إذا برجلٍ قد صُرع، فدنوتُ فقرأتُ في أذنه فاستوى جالسًا، فقال النبيُّ -ﷺ-: "ماذا قرأتَ في أذنه يا ابنَ أمِّ عبدٍ؟ " قلتُ: فداكَ أبي وأمي، قرأتُ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فقال النبيُّ -ﷺ-: "والذي بَعَثني بالحقِّ لو قرأها مُوقنٌ على جبلٍ لذاب".
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في "العلل"، والعقيليُّ في "الضعفاء"، وابن الجوزي في "الموضوعات"، من طريق سلام بن رَزينٍ عن الأعمش عن شَقيقٍ عن ابن مسعود به. قال الإمام أحمد: هذا حديثٌ موضوع، هذا حديثُ الكذَّابين. وقال الذهبيُّ في "الميزان" ترجمة سلام بن رزين: لا يُعرف، وحديثه باطلٌ.
فهذه بعضُ الأمثلة على ما وَرد في الكتاب من الموضوع، مع التنبيهِ إلى أن أمثالَ هذه الأحاديثِ لم يَسْلَمْ منها كثيرٌ من كتبِ التفسير، حتى إنَّ حديثَ
[ المقدمة / ٩٧ ]
الحكم بن ظهيرٍ في أسماء الكواكب قد رواه ابنُ أبي حاتم في "تفسيره"، وابنُ أبي حاتم معروفٌ في الجلالة والعلم.
ونذكرُ هنا أيضًا أن كثيرًا مما أوردَه المؤلف هو من الأحاديثِ الصحيحةِ المرويَّة في الصحيحين وغيرِهما من دواوين الإسلام المعروفة، لكنْ مع ذلك قد وقَع فيه بعضُ الأحاديثِ التي لم نقف عليها في المصادرِ التي بين أيدينا:
- فمن ذلك: حديثُ: "أنا قائدُها، وعيسى سائقُها" عن أمةِ المؤمنين.
- وحديثُ: "مفتاحُ القرآنِ التَّسميةُ".
- وحديثُ: "الصلاةُ ثانيةُ الإيمان".
- وحديثُ: "إذا غَضِبَ اللَّه على قومٍ سلَّط اللَّه عليهم شرارَهم في البرِّ والبحر".
- ومن ذلك: حديثُ أبي هريرةَ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ في ليلةٍ سورةَ تنزيل السجدة، وسورةَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ أو في يوم، بنَى اللَّه له بيتان في الجنة، وكان كمَن وافَقَ ليلةَ القَدْر، وحفَّتْ به الملائكةُ، وحفَّته بسورةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، ومنعَتْه ملائكةَ العذاب".
- وحديثُ عائشةَ في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قالت: سألتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن ذلك فقال: "هو قولُ اللَّهِ تعالى: لولا العِتابُ ما كان معَ أُمَّتِكَ الحِسابُ".
- ومثلُه في الآية نفسِها: وقيل: أوحَى اللَّهُ إليه: "إنِّي ضَمِنْتُ الرزقَ لعبادي وأُمَّتُكَ لا يَثقون بذلك، وخلقْتُ النارَ لأعدائي وهُم يجتهدون أنْ يدخلُوها، وأنا لم أُطالِبْهم بعمَلِ الغدِ وهُم يَطْلُبون مني رِزْقَ الغدِ، وأنا لا أُعْطِي رِزْقَهم غيرَهم وهُم
[ المقدمة / ٩٨ ]
يُؤَدُّون طاعتي لِرؤية غيري، وأنا المُعِزُّ والمُذِلُّ وهُم يَرْجُون ويخافون غيري، وأنا المُنْعِمُ عليهم وهم يشكُرون لغيري".
ثم قال: يُروى هذا عن فاطمةَ ﵂: أنها سألَتْ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن هذا، فقال هو هذا.
- وقول ابن عباس في الآية نفسها: قال اللَّهُ تعالى له: عَبَدْتَنا في الخَلْوَةِ، فاشْفَعْ لِأُمَّتِكَ في الخَلْوَةِ.
- وهذا من الموقوف، ومنه أيضًا: قولُ ابنِ عباس ﵄: إجلالُ القرآن: أعوذُ باللَّه مِن الشيطانِ الرجيمِ، ومفتاحُ القرآن: بسم اللَّه الرحمنِ الرحيمِ.
- وقولُ ابن مسعود ﵁: سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ هي المانعةُ تمنع من عذاب القبر.
فهذا ما يتعلَّقُ بالأحاديث المرفوعة والموقوفة، أمَّا الآثارُ فلنا معها هنا ملاحظاتٌ وتنبيهاتٌ مهمةٌ:
فأول هذه الملاحظات ما يتعلَّق بتفسير الكلبي:
والكلبي: هو محمد بن السائب، أبو النَّضر الكوفيُّ المفسِّر النسَّابة الأخباريُّ. وقد اتَّفق جميعُ العلماء على تركه وعدمِ الاحتجاج برواياته، أمَّا أقوالُه في التفسير فاختلفوا فيها.
قال الثوريُّ: اتَّقُوا الكلبيَّ، فقيل: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرِفُ صدقَه من كذبه.
وقال البخاريُّ: أبو النضر الكلبيُّ تركه يحيى وابنُ مهدي.
ثم قال البخاريُّ: قال عليٌّ: حدثنا يحيى، عن سفيان، قال لي الكلبيُّ: كلُّ ما حدَّثْتُك عن أبي صالحٍ فهو كذب.
[ المقدمة / ٩٩ ]
وقال سفيان: قال الكلبيُّ: قال لي أبو صالح: انظر كلَّ شيءٍ رويتَ عنِّي عن ابنِ عباسٍ فلا تروِه.
وقال ابن معين: قال يحيى بن يعلى عن أبيه، قال: كنتُ أختلفُ إلى الكلبيِّ أقرأُ عليه القرآن، فسمعتُه يقول: مرضْتُ مرضةً فنَسِيتُ ما كنتُ أحفظُ، فأتيتُ آلَ محمدٍ -ﷺ- فتَفَلوا في فيَّ، فحفظتُ ما كنتُ نسيتُ. فقلتُ: لا واللَّه، لا أروي عنك بعد هذا شيئًا، فتركتُه.
وقال يزيد بن زريعٍ: حدَّثنا الكلبي وكان سبئيًّا.
وقال ابن حبَّان: كان الكلبيُّ سبئيًّا من أولئك الذين يقولون: إن عليًّا لم يَمتْ، هانه راجعٌ إلى الدنيا ويملؤها عدلًا كما مُلئت جورًا، وإن رأوا سحابةً قالوا: أميرُ المؤمنين فيها.
وقال التبوذكي: سمعتُ همامًا يقول: سمعتُ الكلبيَّ يقول: أنا سَبئيٌّ.
عباس عن ابن معينٍ قال: الكلبيُّ قال ليس بثقة. وقال الجوزجاني وغيره: كذاب. وقال الدارقطني وجماعة: متروك.
وقال ابن حبان: مذهبه في الدِّين ووضوحُ الكذب فيه أظهرُ من أن يحتاجَ إلى الإغراقِ في وصفه، يروي عن أبي صالحٍ عن ابنِ عباسٍ التفسيرَ، وأبو صالحٍ لم يرَ ابنَ عباسٍ، ولا سمع الكلبيُّ من أبي صالحٍ إلا الحرفَ بعد الحرف، فلمَّا احتيجَ إليه أَخرجت له الأرضُ أفلاذَ كبدِها، لا يحلُّ ذكرُه في الكتب، فكيف الاحتجاج به!
فهذا حاله في الرواية، أما في التفسير فقد اختلفوا فيه كما ذكرنا:
ففريقٌ منعوه، منهم الإمام أحمد، قال أحمد بن زهيرٍ: قلتُ لأحمدَ بن حنبل: يحلُّ النظر في تفسير الكلبي؟ قال: لا.
[ المقدمة / ١٠٠ ]
وفريق ارتضَوا أقواله في التفسير، قال ابن عديٍّ: وقد حدَّث عن الكلبيِّ سفيانُ وشعبةُ وجماعةٌ، ورضُوه في التفسير (^١).
وإنما أطلت في بيان حاله لكثرة ما أورد المؤلف من أقواله، وتمهيدًا لملاحظةٍ هامةٍ في نقل العلماء عن الكلبي يجب التنبيه عليها، وقد لاحظتها من خلال عملي الطويل في التفسير، واطِّلاعي على كثيرٍ من أمَّهات التفاسير، وقد وقع منها في هذا التفسير الكثير:
وهذه الملاحظة: هي أنه كثيرًا ما يقع الخلطُ وعدمُ التمييزِ بين ما يُروى عن الكلبيِّ، وما يُروى عن ابن عباس من طريقِه، وهي طريقُ الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابنِ عباس، فتجدُ مثلًا خبرًا يذكره بعضُ العلماء عن الكلبيِّ، بينما يذكرُه آخرون عن ابن عباس، وهؤلاء منهم مَن ينسبُه لابن عباسٍ دون بيانِ الراوي، ومنهم مَن يشيرُ إلى أنه من طريقِ أبي صالحٍ عن ابن عباسٍ، ومنهم مَن يذكره من طريقِ الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباسٍ، لا أعني أن هذا كلَّه يحصل في خبرٍ واحد، لكن أكثرُ الأخبار يجري فيها شيءٌ من هذا، وإنما يُعرفُ حال ما ذكَرْنا بالتَّنقيب في كتبِ التفسير، وحصرِ ما وردَ فيها في ذلك الخبر.
ومن الفوائدِ التي تتحصَّلُ من هذا الأمر: معرفةُ حال المرويِّ عن ابن عباس، وأنه من طريقِ الكلبي، فالاحتجاجُ به على ما قدَّمنا، كما يستفاد منه في الترجيحِ إذا وردت عن الحبر روايةٌ أخرى أو أكثرُ مخالفةٌ لتلك الروايةِ، وكانت من طريقٍ أصلحَ منها.
ثم إن مَن ينسبُه لابن عباس دون بيانٍ لعلَّه إنما يَفعلُ ذلك لتقويةِ حاله؛ لمعرفته
_________________
(١) انظر: "ميزان الاعتدال" (٤/ ١٢٥) بتصرف وتقديم وتأخير.
[ المقدمة / ١٠١ ]
بمكانة أقوالِ ابن عباسٍ ﵄ عند الناس، ولعلمِه أنَّ ذكرَ الكلبيِّ فيها يدفعُ للإعراض عنها.
وسنسوقُ بعضَ الأمثلة لبيان المسألة:
- ففي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] ذكر المؤلف عن الكلبيِّ قوله: ﴿مُنَادِيًا﴾: داعيًا، يعني: محمدًا -ﷺ-.
وهذا القول ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" عن ابن عباس.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١١٣] قال: قال الكلبيُّ ﵀: فأتَوه وكانوا سبعين ساحرًا غيرَ رئيسهم، وكان يعلِّمهم رجلان مجوسيان من أهل نينوى.
وهذا أورده الثعلبيُّ والبغويُّ عن الكلبيِّ كالمؤلِّف، بينما ذكره الرازي في "تفسيره" عن ابن عباس.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] قال: قال الكلبيُّ ﵀: نزلت في رجلينِ من قريشٍ أَخبر اللَّه تعالى نبيَّه -ﷺ- أنها ستكونُ بعده في أصحابه، وقد كانت تلك الواقعةُ بعد وفاته ومضت.
وهذا ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" من طريق أبي صالح عن ابن عباس مختصرًا بلفظ: نزلت في رجلين من قريش، ولم يسمِّهما.
- وفي قوله: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال: ٢٥] قال: قال الكلبي: أي أهلُ مكة.
وهذا ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" عن ابن عباس ﵄.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ
[ المقدمة / ١٠٢ ]
السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] قال: وعن ابن عباس ﵄ أن أهل مكة قالوا: يا محمدُ! ألا يخبرُكَ ربُّك بالسعر الرخيص قبل أن يغلوَ فتشتريَه فتربحَ به، أو يخبرُك بالأرض التي يريد أن تُجدِب فترتحلَ منها إلى ما أخصبَتْ، فأنزل اللَّه هذه الآية.
وردَ هذا الخبر في "تفسير الثعلبي"، و"البسيط" للواحدي، و"تفسير البغوي"، و"زاد المسير"، عن ابن عباس، وفي "تفسير أبي الليث"، و"أسباب النزول" للواحدي، عن الكلبي.
- وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] قال: روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال اللَّه تعالى للسماوات والأرض والجبال: إن أحسنتُنَّ جُوزِيتُنَّ وإن أسأتُنَّ عوقِبْتُنَّ.
ذكره يحيى بن سلام في "تفسيره" عن الكلبي، وأبو الليث السمرقنديُّ في "تفسيره" عن ابن عباس ﵄.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] قال: قال الكلبيُّ: لمَّا أَنزل اللَّه الفرائضَ فعمل بها الناسُ، ثم جاء ما ينسخُها من القرآنِ وقد غاب أناسٌ وهم يعملون بالأمرِ الأولِ من القبلة والخمرِ وأشباهِ ذلك، سألوا رسولَ اللَّه -ﷺ- عن ذلك، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ.
ذكره الثعلبيُّ والبغويُّ عن مقاتل والكلبيِّ، وابنُ الجوزيِّ في "زاد المسير" من طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس.
- وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] قال المؤلفُ: قال الكلبيُّ: أي: جماعات.
[ المقدمة / ١٠٣ ]
ذكره عن الكلبيِّ الماورديُّ في "النكت والعيون"، وذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" والواحديُّ في "البسيط"، عن ابن عباس
- ومثل ذلك: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] قال: وقال ابن عباس ﵄: ﴿بُكْرَةً﴾: صلاةُ الفجرِ، ﴿وَأَصِيلًا﴾: سائرُ الصلوات.
ذكره الماورديُّ في "النكت والعيون" والبغويُّ في "تفسيره" والواحديُّ في "البسيط" عن الكلبي.
- وفي قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] قال: روى أبو صالحٍ عن ابن عباس قال: عمَل الكفَّار مكتوبٌ في صخرةٍ تحت الأرضِ السَّابعة، خضراءَ خُضرةُ السَّماوات منها.
ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن الكلبي.
- وفي سبب نزول سورة الطارق ذَكر عن ابن عبَّاس قوله: نزلت في أبي طالبٍ، وذلك أنَّ ليلةً من اللَّيالي انحطَّ نجمٌ، فامتلأَتْ الآفاقُ نارًا، ففزِعَ لذلك أبو طالب، فقال: أيُّ شيءٍ هذا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "هذا نجمٌ رُمِيَ به، وهو آيةٌ من آياتِ اللَّهِ"، فعجِبَ أبو طالب، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ الآيات.
ذكره القرطبي من طريق أبي صالح عن ابن عباس، وذكره البغويُّ عن الكلبيِّ، وذكره دون عزوٍ الثعلبيُّ في "تفسيره"، والواحديُّ في "أسباب النزول".
- وفي قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: ذكَر عن ابن عباسٍ ﵄ قولَه: كان عَهِدَ إلى بني إسرائيلَ على لسانِ موسى صلواتُ اللَّه عليه: إنِّي باعثٌ مِن بني إسماعيل نبيًّا أُمِّيًّا؛ فمَن اتَّبعه وصدَّق بالنُّور الذي يأتي به غفرتُ له ذنبَه وأدخلتُه الجنة، وجعلتُ له أجرينِ اثنين، فذكَّرهم ذلك بهذه الآية.
[ المقدمة / ١٠٤ ]
كذا ذكره المؤلفُ عن ابن عباس، وذكره أبو الليث السمرقنديُّ في "تفسيره" من طريق أبي صالح عن ابن عباس. وذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" عن الكلبيِّ.
ومثل هذا كثيرٌ جدًّا، وإنما اقتطَفْنا بعضَ الأمثلة لتوضيح المسألة لا أكثر.
ملاحظة ثانية: وهذه الملاحظةُ تتعلَّق بما يُروى عن عطاءٍ، وهناك علَمان من السَّلَف بهذا الاسم: عطاءُ بن أبي رباحٍ، وعطاءُ بن أبي مسلمٍ الخراسانيُّ، وثمةَ فرقٌ كبيرٌ بين الرجلين:
فالأول تابعيٌّ ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ روَى عن جمعٍ من الصحابة منهم ابنُ عباسٍ وابن عمرٍو وابنُ عمرَ وابن الزبير ومعاوية وأسامة بن زيد وجابر بن عبد اللَّه وغيرهم، وكان مع ذلك كثيرَ الإرسال، وقد روَى له الستة.
والثاني روايتُه عن الصحابةِ مرسلة، وهو صدوقٌ يهمُ كثيرًا ويرسِل ويدلِّس، ولم يصحَّ أن البخاريَّ أخرج له، وروى له مسلمٌ متابعةً.
ويحصل الخلطُ في الأخبارِ هنا بأنْ يُنسبَ الخبرُ لعطاءٍ دون تعيينِ مَن هو، ومن ناحيةٍ أخرى كثيرًا ما يَنسب بعضُ العلماء الخبرَ لعطاءٍ، وينسبه آخرون لابن عباس، ويصرِّح بعضُ هؤلاء بأنه من طريق عطاءٍ عن ابن عباسٍ، وأكثرُ ما يقع هذا عندَ الواحديِّ في كتابيه "البسيط" و"الوسيط"، فيجعلُ أكثرَ أخبارِ عطاءٍ متَّصلةً لابنِ عباسٍ، وهذه الأخبارُ ضعيفةٌ واهيةٌ لا يُحتجُّ بها كما بيَّن ابنُ حجر في "العُجاب" فقال: ومِن التفاسيرِ الواهيةِ لوَهَاءِ رواتها التفسيرُ الذي جمَعه موسى بنُ عبدِ الرحمن الثَّقَفيُّ الصنعانيُّ، وهو قَدْرُ مجلَّدين يُسنده إلى ابن جُريجٍ عن عطاءٍ عن ابنِ عباس، وقد نَسب ابنُ حبَّان موسى هذا إلى وضعِ الحديثِ، ورواه عن موسى عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ الثقفيُّ وهو ضعيف.
[ المقدمة / ١٠٥ ]
وقد قال ابن حبَّان في "المجروحين": مُوسَى بنُ عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيُّ شيخٌ دجَّالٌ يَضع الحديثَ روى عنه عبد الغَنِيّ بن سعيد الثَّقَفِيُّ، وضعَ على ابنِ جريجٍ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ كتابًا في التَّفْسِير جمَعه من كلام الكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلِ بن سُلَيْمَان، وألزقه بابن جريجٍ عن عطاء عن بن عبَّاس، ولم يحدِّث به ابنُ عَبَّاس، ولا عطاءٌ سَمِعَه، ولا ابنُ جريجٍ سمع من عطاء، وإنَّما سمع ابنُ جريجٍ من عطاء الخُراسَانيِّ عن ابن عبَّاس في التفسير أحرفًا شَبِيهًا بِجُزْء، وعطاءٌ الخُراساني لم يسمع من ابن عبَّاس شيئًا ولا رواهُ، لا تحل الرِّوَاية عن هذا الشَّيخ ولا النَّظرُ فِي كتابه إلَّا على سَبِيل الاعْتِبار (^١).
ويظهرُ من كلامِ ابن حبَّان أن عطاءً المذكورَ في هذا التفسيرِ هو الخراسانيُّ، فهو لم يسمع من ابن عباس ﵄.
وهذا التفسيرُ قد روى طرفًا منه الطبرانيُّ في "الكبير" عن شيخه بكرِ بن سهلٍ الدِّمياطيِّ، عن عبدِ الغنيِّ بنِ سعيدٍ الثَّقَفيِّ، عن موسى بنِ عبد الرحمنِ الصَّنعانيِّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس.
وما ذكره الواحديُّ من رواياتِ عطاء عن ابن عباس موافقٌ لتلك الرواياتِ التي عند الطبرانيِّ، لكنَّ الواحديَّ قد أكثرَ مِن نقلِها مع شدِّةِ ضعفِها ووَهَائها.
وسنذكرُ فيما يلي بعضَ الأمثلةِ للاختلاف الحاصلِ بين الرواياتِ من هذه الطريقِ:
- ففي قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] ذكر المؤلِّف عن عطاء قولَه: شعيبُ بنُ توبةَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيم.
_________________
(١) انظر: "المجروحين" (٢/ ٢٤٢).
[ المقدمة / ١٠٦ ]
ذكره الثعلبيُّ والبغويُّ عن عطاءٍ كالمؤلف، وذكره الواحديُّ في "البسيط" عن عطاءٍ عن ابن عباس.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم﴾ [الأعراف: ١٥٧] قال المؤلِّف: وقال عطاءٌ: كانت بنو إسرائيلَ إذا قامتْ تصلِّي للَّهِ لبِسوا المُسوحَ، وغَلُّوا أيديَهم إلى أعناقهم؛ تواضُعًا للَّه، وخوفًا من عذابه، وطمعًا في ثوابه، فرفَعها اللَّه تعالى عن هذه الأمة.
ذكره الواحدي في "البسيط" عن عطاء عن ابن عباس.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] قال: وقال عطاء: يعني: يومَ بدر وأحد.
ذكره الواحديُّ في "البسيط" عن ابن عباس ﵄.
- وكذا: وقال عطاءٌ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]: بلا إلهَ إلا اللَّه.
ذكره عن عطاءٍ الثعلبيُّ والبغويُّ، وذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريقِ عطاء عن ابن عباس.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] قال: قال عطاءٌ: وإما يَعْرِضنَّك من الشيطان عارضٌ.
ذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريق عطاءٍ عن ابن عباس.
- وفي قوله تعالى: ﴿يَلمِزُك﴾ [التوبة: ٥٨] قال: قال عطاءٌ: أي: يغتابُك.
ذكره الثعلبيُّ عن عطاء، والواحديُّ في "البسيط" عن عطاءٍ عن ابن عباس.
- وفي قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] قال المؤلف: وقال عطاءٌ: هم سبعون رجلًا أنزل اللَّه تعالى أسماءَهم وأسماء آبائهم، ثم رُفعت مرحمةً على العباد، ولأنَّ أولادهم أَسلموا وأَخلصوا.
[ المقدمة / ١٠٧ ]
ذكره الواحدي في "البسيط" عن عطاء عن ابن عباس، والبغوي في "تفسيره" عن ابن عباس.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ذكر عن عطاء أنها في سهل بن رافع.
ذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريق عطاءٍ عن ابن عباس.
- وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال: وقال عطاءٌ: يريد: الذين يذكُرون المهاجرين والأنصارَ بالخير والرحمة والدعاء.
ذكره الثعلبيُّ عن عطاءٍ، وذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريقِ عطاءٍ عن ابنِ عباس.
والأمثلةُ كثيرةٌ جدًّا، لكنَّ الملاحظَ أن هذه الروايات مقتصرةٌ تقريبًا على الثعلبيِّ والواحديِّ والبغويِّ، وقد يوردُها مَن يأخذُ عنهم كالرازي وابن الجوزيِّ والقرطبي. ويوضح هذا الأمرَ معرفةُ أن الواحديَّ تلميذُ الثعلبي، وقد نقل في تفاسيرِه كثيرًا مما أورده الثعلبيُّ في "تفسيره"، كما أن البغويَّ تلميذُ الواحديِّ، وقد أكثرَ في "تفسيره" من نقلِ ما جاء عند شيخه الواحديِّ وشيخِ شيخِه الثعلبيِّ. واللَّه تعالى أعلم.
أمَّا الملاحظةُ الثالثةُ: فتتعلَّق بما ينقلُ عن مقاتل، وهاهنا علَمان أيضًا بهذا الاسم: مقاتلُ بن حيَّان، ومقاتلُ بن سليمان، والبَون بينهما شاسعٌ أيضًا:
فالأول قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوقٌ فاضلٌ، أخطأ الأزديُّ في زَعْمِه أن وكيعًا كذَّبه، وإنما كَذَّب الذي بعده.
ويعني بالذي بعده مقاتل بن سليمان فإنه أعقبه به وقال: كذَّبوه وهَجَروه ورُمِيَ بالتجسيم.
[ المقدمة / ١٠٨ ]
قلتُ: لكن بعضَهم استحسَن تفسيرَه، فقد قال الحافظ نفسُه في "التهذيب":
ورُوي عن الشافعي من وجوه: الناس عيالٌ على مقاتلٍ في التفسير.
وقال نعيمُ بن حمَّاد: رأيتُ عند ابنِ عيينةَ كتابًا لمقاتلٍ فقلتُ: يا أبا محمدٍ تروي لمقاتلٍ في التفسير؟! قال: لا، ولكنْ أستدلُّ به وأستعين.
وقال ابن المبارك لمَّا نظر إلى شيءٍ من تفسيره: يا له مِن علَم لو كان له إسناد.
وقال مكيُّ بن إبراهيم عن يحيى بن شبلٍ: قال لي عبَّادُ بن كثيرٍ: ما يمنعُك من مقاتلٍ؟ قلتُ: إن أهل بلادنا كرهوه، فقال: لا تكرهْه، فما بقي أحدٌ أعلمَ بكتاب اللَّه تعالى منه.
وبعضُهم لم يقبل تفسيرَه كإبراهيمَ الحربيِّ، فقد ذكر عنه الحافظ في "التهذيب" قوله: وإنما جمع مقاتلٌ تفسيرَ الناس وفسَّر عليه من غيرِ سماع، قال إبراهيم: ولم أُدخلْ في تفسيري عنه شيئًا، وقال إبراهيم: تفسيرُ الكلبي مثلُ تفسيرِ مقاتلٍ سواءٌ.
قلت: وكلَا المقاتلَين قد رُوي عنه أقوالٌ في التفسير أوردها المفسِّرون في كتبهم، وقد رأيتُ من خلال العمل في هذا التفسير وقوعَ خلطٍ أيضًا بينهما، فما ينسبُه بعضهم للأول ينسبه غيرُه للثاني، كما أن كثيرًا مما يُنسب لابن حيانَ وجدتُه مذكورًا في التفسير المنسوبِ لابن سليمان، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
- ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال المؤلف: وقال مقاتل بن سليمان ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على المعرفة ولم يرتدُّوا.
وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه الواحديُّ في "البسيط" والبغويُّ في "تفسيره"، أما الثعلبيُّ فعزاه في "تفسيره" لمقاتل بن حيان.
[ المقدمة / ١٠٩ ]
ثم ذكر المؤلِّف بعده عن مقاتل بن حيَّان: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على أنَّ اللَّهَ ربُّهم.
وهذا على العكسِ مما قبله ذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" عن مقاتل بن سليمان.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال: وقال مقاتل بن حيَّان: وحمل نوحٌ في السَّفينة معه ثمانين نفسًا؛ أربعين رجلًا، وأربعين امرأةً، وفيهم أولادُه الثَّلاثة.
وهذا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان".
- وفي موضعٍ آخر قال المؤلِّف: وقال مقاتل بن حيَّان: لَمَّا نزل قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح: ٥]، قال عبد اللَّه بن أُبَيٍّ: ما نحن وهم -يعني: الصَّحابةَ- إلا في منزلةٍ واحدةٍ، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الفتح: ٦].
وهذا أيضًا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه ابن الجوزيِّ في "زاد المسير".
- وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] قال المؤلف: وقال مقاتل بن حيَّان: رأى رسول اللَّه -ﷺ- جبريلَ من قِبَلِ المشرقِ بأجياد وهو بمكَّةَ قد ملأ الأفقَ بكَلْكَله، رجلاه في الأرض، ورأسُه في السَّماء، جناحٌ له بالمشرق، وجناحٌ له بالمغرب، فغُشِيَ عليه فتحوَّل جبريل في صورة بني آدم، فقيل لرسول اللَّه -ﷺ- لَمَّا رجع: ما رأيناك منذ بُعِثْتَ أحسنَ منك اليوم، فقال: "جاءني جبريل في صورته، فعَلِقني هذا من حسنه".
وهذا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان".
- وفي موضع آخر قال المؤلف: وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]؛ أي: مكتوبٌ لهم في ساق العرش، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١]؛ يعني: يشهدُ ذلك
[ المقدمة / ١١٠ ]
الكتابَ سبعةُ أملاك من مقرَّبي أهلِ كلِّ سماءٍ حتَّى يُصعَد به إلى السَّماء، من كرامةِ المؤمن على اللَّه تعالى.
وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان".
- وفي قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ذكر المؤلِّفُ عن مقاتلٍ دون تعيينٍ: نزلتْ في ثلاثة نفَرٍ، وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- بعَثَ سَرِيَّةً وأمَّرَ عليهم المنذرَ بن عمرٍو، فخرج بنو عامر بن صَعْصَعَةَ عند بئرِ مَعُونةَ، فرَصَدُوهم على الطريق وقتَلوهم، فرجعَ ثلاثة منهم، فلمَّا دنَوا إلى المدينة خرَجَ رجلان مِن بني سُلَيمٍ صالَحا رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، وقد كان أعطاهما وكسَاهما، فقالا: نحن مِن بني عامر؛ لأنَّ بني عامرٍ كانوا أقربَ إلى المدينة، فقتلوهما وأخذوا ثيابَهما، وجاؤوا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فنزلت هذه الآيةُ.
وهذا الخبر ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره".
لكن رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٤٣٠) عن مقاتل بن حيَّان.
وغيرُ هذا كثير، وإنما ذكرنا ما ذكرنا لتوضيحِ المسألة.
وتبقى هنا ملاحظةٌ أخيرة: وهي أنه يجب التفريقُ بين ما يرويه الضعفاءُ ممن ذكرنا كمقاتلٍ والكلبيِّ وبين ما يقولونه من التفسير، فبابُ التفسيرِ واسعٌ، وما دامت أقوالُهم لا تخرجُ عن الأصولِ فلا ضيرَ فيها واللَّهُ أعلم، بل كثيرٌ مما يذهبون إليه هو في الحقيقةِ من الوجوهِ المقبولة أو المستحسَنة، حتى رجَّح الماتريديُّ مرةً قول الكلبيِّ على قولِ سعيد بن جبيرٍ.
قال الماتريديُّ: قال سعيد بن جُبير ﵀: يُجمع بين أرواح الأحياء وبين
[ المقدمة / ١١١ ]
أرواح الموتى، يتعارفُ منها ما شاء اللَّه أنْ يتعارف، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ إلى أجسادها (^١).
قال: وبهذا لم يُفْهَمْ شيءٌ مِن تأويل الآية.
قال: وقال الكلبيُّ: النائم مُتوفًّى حتى يرُدَّ اللَّه إليه نفْسَه، وأمَّا التي يتوفاها حين موتها فإنه يقبِض الرُّوح والنَّفْس معًا، ويُرسل التي يتوفاها في منامها حتى تبلغَ أجلَها المُسمَّى، وهو الموت.
ويقول: إنما يقبِض اللَّه مِن النائم النَّفْس لا الرُّوح.
ثم قال الماتريدي: وهذا الذي ذكره الكلبي أقربُ إلى تأويل الآية مِن الذي ذكرَه سعيدٌ. . .، إلى آخر كلامه.
فهذه بعضُ الملاحظات التي عرَضتْ لي خلالَ العمل في هذا التفسير، وقد كان البعضُ منها في البالِ قبلًا، لكنْ لم يتسنَّ لي التحقيقُ فيه، حتى يسَّره اللَّه في هذا التفسير، الذي وقع فيه الإكثارُ من نقلِ أقوالِ السَّلف، فكان من ضمنِ ذلك أقوالُ الأعلامِ المتقدِّم ذكرُهم، وهو ما يسَّر الأمر عليَّ، واللَّهُ وليُّ التوفيق.