التفسيرُ: هو البيان، قال ابنُ فارسٍ: الفاءُ والسِّينُ والراءُ كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحه (^١).
فمعنى تفسيرِ القرآنِ بالقرآن إذًا: بيانُ القرآنِ بالقرآن.
وتفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ ليس محصورًا بالبيان اللَّفظي، بل هو مطلَقُ البيان، فمتى استَفَدْنا بيانَ آيةٍ مِن آيةٍ أخرى مِن أيِّ وجهٍ فهو داخلٌ في هذا النوعِ من التفسير.
ومعلومٌ أنَّ آياتِ القرآن الكريم يفسِّر بعضُها بعضًا، ويوضِّح بعضها الآخرَ، فإنَّ القرآن الكريمَ قد اشتمَل على الإيجازِ والإطنابِ، والإجمالِ والتَّبيينِ، والإطلاقِ والتَّقييد، والعامِّ والخاصِّ، وما أُوجِزَ في موضعٍ بُسط في آخَرَ، وما أُجملَ في مكانٍ فصِّل في غيرِه، وما جاء مطلَقًا في آيةٍ قد يلحقُه التقييدُ في أخرى، وما كان عامًّا في مكانٍ قد يدخلُه التخصيصُ في مكانٍ آخرَ.
وكذلك نجدُ في قصصِ القرآنِ تأتي القصةُ في مكانٍ مختصرةً، ثمَّ تُفصَّل في موضعٍ آخَرَ، وقد يُذكَرُ في مكانٍ تفصيلٌ لا يُذكرُ في المكانِ الآخرِ، فعندما تُجمعُ المواضعُ التي عرَضت تلك القصةَ، وترتبطُ الأجزاءُ ببعضها، عند ذلك تكتمِلُ الصورة، وتصبحُ واضحةً لهذه القصَّة أو تلك.
فهذا هو تفسيرُ القرآن بالقرآن، لكنْ ليس هذا عملًا آليًّا لا يقومُ على شيءٍ من
_________________
(١) انظر: "مقاييس اللغة" (٤/ ٥٠٤).
[ المقدمة / ٧٧ ]
النَّظر، وإنَّما هو عمل يقومٌ على كثيرٍ من التدبُّرِ والتعقُّل، إذ ليس حملُ المجمَلِ على المبيَّن، أو المطلَقِ على المقيَّد، أو العامِّ على الخاصِّ، أو إحدى القراءتينِ على الأخرى، بالأمرِ الهيِّن الذى يَدخلُ تحت مقدورِ كلِّ إنسان، وإنما هو أمر يَعرفه أهلُ العلم والنظرِ خاصةً (^١).
ولقد عُني العلماءُ بتفسيرِ القرآنِ بالقرآن عنايةً كبيرةً، حتى عَدُّوه أصحَّ طرقِ التفسير، كما قال بعضهم: إن أصحَّ الطرقِ في التفسيرِ أنْ يفسَّر القرآنُ بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكانٍ فإنه قد فُسِّرَ في موضعٍ آخر، وما اخْتُصِر من مكانٍ فقد بُسِطَ في موضعٍ آخر.
لكن ينبغي التنبيهُ هنا على أنَّ تفسير القرآنِ بالقرآن -فيما عدا ما فسَّره النبيُّ -ﷺ- من ذلك- هو نوعٌ من أنواع التفسير بالرأي، فإنَّ عمليةَ التفسيرِ المعتمِدةَ على الفهمِ والاجتهاد بين الآيتين، والحكمَ بأنَّ إحداهما مبيِّنةٌ للأخرى، أو مفصِّلةٌ لمجمَلها، أو مطلِقةٌ لمقيَّدها، أو ناسخةٌ لحكمِها، إنما هو من قَبيلِ التفسيرِ بالرأي.
وثمةَ أمرٌ آخرُ لا بد من التنبيه عليه أيضًا: أن كونَ تفسيرَ القرآنِ بالقرآن عن طريقِ الاجتهادِ فقد يدخلُه الاختلاف؛ لِمَا جُبِل عليه البشرُ من اختلافِ العقول، فالآيةُ التي يجتهدُ عالمٌ في تفسيرها بآيةٍ أخرى قد يجتهدُ غيرُه فيفسِّرها بغيرها.
وملاحظةٌ أخيرة: وهي أنه ليس كلُّ مَن حمَل آيةً على أخرى يُقبل قوله بحجةِ أنه من تفسيرِ القرآن بالقرآن، فإنَّ هذا الأسلوب قد يستعملُه أحيانًا أهلُ البِدَعِ لتقريرِ بِدْعتِهم، كما فسَّر بعضُ المعتزلةِ قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] بأنها تنتظِر ثوابَ ربها، وينفُون رؤيةَ الباري، ويستشهدون لذلك
_________________
(١) انظر: "التفسير والمفسرون" (١/ ٣٣).
[ المقدمة / ٧٨ ]
بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولولا قولُهم بعدمِ رؤيةِ الباري لَمَا حملوا هذه الآيةَ على تلك.
وممَّا ينبغي أن يُعلم أيضًا: أن تفسيرَ القرآن بالقرآنِ هو أحدُ طرقِ التفسير، وثمةَ طرقٌ أخرى لتفسيرِ القرآنِ منها التفسيرُ بالمأثور والتفسيرُ بالرأي، والمفسِّرون بشكلٍ عامٍّ يعتمِدون في تفاسيرهم جميعَ أنواعِ التفسير، وقلَّما يَقتصرُ تفسيرٌ على لونٍ واحدٍ، وعلى هذا فتفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ لا شكَّ موجودٌ في كلِّ التفاسير المعتبَرة عند أهلِ السُّنَّة والجماعة، وإنَّما الذي يختلِفُ هو نسبةُ اعتمادِ هذه الطريقةِ بالقياسِ إلى غيرِها مِن طرقِ التفسير، فابنُ كثيرٍ ﵀مثلًا- وهو ممَّن أكثرَ من اعتمادِ هذه الطريقةِ في التفسير قد عُرف تفسيرُه من ناحية أخرى بأنه مِن أشهَرِ ما دوِّن في التفسيرِ بالمأثور.
وكذلك هذا التفسيرُ فإنك تجدُ فيه كلَّ أنواع التفسير، لكنْ من أهمِّ ما تميَّز به إنْ لم يكن أهمَّها هو هذا الأسلوبُ من التفسير، فقد قطَع فيه المؤلِّفُ شوطًا لم يُسبَقْ إليه ولم يُلْحَقْ فيه، وتفنَّنَ فيه تفنُّنَ الحاذق المتمكِّنِ من المعاني القرآنيِّة والآياتِ الربَّانيَّة، الأمرُ الذي يدلُّ على فكرٍ ثاقبٍ وقلبٍ خاشعٍ وعقلٍ قد فتَح اللَّه عليه أنوارَ العلمِ والاستنباط، وقد كنَّا أشرنا إليه في ذكرِ مميِّزات هذا التفسيرِ، وحان الآن بيانُه والخوضُ فيه:
وأبسطُ أنواعِ تفسيرِ القرآنِ بالقرآن هو أن يُؤتى في تفسيرِ آيةٍ بآيةٍ أخرى تُوافقُها في المعنى إرادةً لتفسيرِ هذه بتلك، وهذا أمرٌ موجود في غالبِ التفاسير كما ذكرنا، لكنْ ما يميَّز هذا التفسير هو تفرده بتفسير آيات بآيات لم ترد عند غيره، ومن أمثلة ذلك:
[ المقدمة / ٧٩ ]
- في قوله تعالى: ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] قال: حين يحشرون، ثم يزولُ ذلك بدليلِ قوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]، وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] قال: أي: صرَّفنا في هذا القرآن القولَ في بطلانِ ما يقولونه ويعتقدونه؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] صرَّح بالقول في تلك الآية وأضمرَه هاهنا.
- وفي قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢] قال: أي: فتشاوروا؛ كما قال: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف: ٢١]، وهو أخذُ بعضهم القول من بعضٍ، كقوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] هو أخذُ بعضهم الكأسَ من بعضٍ.
- وفي قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠] قال: أي: كذبًا عظيمًا، وهذا كما قال: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وعظمتُه ما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠].
- وفي قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] قال: أي: أَقَبِلْتُم على ذلكم عهدي، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أي: لا يُقبل.
- ونحو هذا قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] قال: أي: قبلتَ؛ كما هو في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
- ومنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِير﴾ [سبأ: ٤٤] قال: أي: ولم نُرسل إليهم قبلَكَ رسولًا يا محمدُ يخبرهم عن اللَّه بإبطالِ أمرك، فليست عندهم حجةٌ على ما يقولونه في القرآن وفيك، وهو كقوله: ﴿بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤].
[ المقدمة / ٨٠ ]
- وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] قال: أي: قال اللَّهُ للأنبياء: أأقررتم؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الأمر، كما في قوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠].
- وفي قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] قال: أي: وكلُّ أمرٍ مِن الخير والشَّرِّ، والحَقِّ والباطل، والهوى والحُجَّة، يستقِرُّ يومًا قرارُه، ويتناهى نهايتَه، فتخرُجُ حقيقتُه، وتزولُ شُبْهَتُه، وعند العواقب تظهَرُ الحقائقُ، وهذا وعيدٌ للمشركين، ووعدٌ وبِشارةٌ للرسول والمؤمنين، وهو كقوله: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧]، أي: إنَّ مُدَّتَه وإنْ طالَتْ فلا بُدَّ مِن أنْ يستقِرَّ قرارُه، وتنكشِفُ حقيقتُه مِن حقٍّ وباطل.
- وقال في قوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٦]: أي: بالإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالكفر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١].
- ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] قال: أي: مضَى قولُ ربِّك فيهم بما علمَ منهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
وهناك بعض التعلُّقات التي يذكرُها مما لا تَخطرُ على بالِ حتى المهتمِّين بهذا الشأن:
- فانظر كيف ربطَ بين هاتينِ الآيتين فقال: وقولُه تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣]؛ أي: ليقضيَ، وفي الكتاب بيانُ الحكم، فأُضيف الحكم إليه، كما في صفة القرآن: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] لأنَّ فيه بيانَ التبشير والإنذار.
[ المقدمة / ٨١ ]
- ومثلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ٨٧ - ٨٨] قال: أي: في اللَّعنة، والخلودُ في اللَّعنة خلودٌ في جهنَّم، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠ - ١٠١]؛ أي: في الوِزْرِ، وذاك خلودٌ في جهنم.
- ونحوُه قولُه تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] قال: أي: إلا كخَلْقِ نفسٍ واحدة وبعثِ نفسٍ واحدة؛ كقوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]؛ أي: كدوران الذي يغشى عليه.
- ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [يونس: ٤] قال: متصلٌ بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ. . . لِيَجْزِيَ﴾ كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦].
- ومنه ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] قال: أي: ماكثون إلى أن يكونَ ذلك، جعَلهم منتظِرين له وإنْ لم يقصدوا ذلك لأنه كان يأتيهم لا محالةَ، فكان كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩].
وقيل: كان بعضهم شاكًّا فيه فكانوا ينتظرونه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥].
- ومنه: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] قال: قيل: أي: كلُّ الذي يعِدُكم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣]: أي: كلَّه.
ثم أضاف إليه فائدةً، وهي ذكرُ ما جاء على عكسِ ذلك، فقال: وقد جاء كلٌّ في إرادةِ البعض؛ كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
[ المقدمة / ٨٢ ]
- وذكر مثلَ هذا أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] قال: أي: كلَّ ما تعملون، وهو كقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]؛ أي: كلُّه.
- ومن الأمثلة أيضًا: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] قال: أي: إلَّا مَن إذا بلغَ فجَر وكفَر، وهو كقوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [الحجر: ٥٣]، و﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]؛ أي: إذا بلغ مبلغَ العلم والحلم صار موصوفًا بهما.
- ومنه: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُر﴾ [القمر: ٣٧] قال: أي: وقيل لهم ذلك. وقيل: معناه: أَذَقْناهم ذلك؛ كما قال: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]؛ أي: سَيَّرْناهم كذلك.
- ومن أمثلةِ ذلك أيضًا قولُه في الصراط المستقيم: إن معناه: أن سالكه مستقيم فيه، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾؛ أي: يُبصَرُ فيه، وكقولك: نهرٌ جارٍ؛ أي: الماءُ جارٍ فيه، ونظيرُه في القرآن: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: عزَموا فيه. وقولُه: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]؛ أي: ما ربحوا فيها، وقولُه تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢].
فلا شكَّ أن مَن يَرى هذا الربطَ بين الآيات يُوقن أن القرآن لا تتناهَى معانيهِ، فلو سلك سالكٌ هذا الطريقَ لوجد العجَبَ العُجَاب.
ومن تفنُّن المؤلِّف بتفسيرِ القرآنِ بالقرآن: أن تحتمِلَ الآيةُ وجوهًا، فلا يَذكر وجهًا من وجوهها إلا ويُتبِعُه بدليله من القرآن:
- ومن أروعِ هذه الاستدلالات ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾: حيث أورد معاني الذكر في الآيةِ كلٌّ مع دليله من القرآن، فقال:
[ المقدمة / ٨٣ ]
قيل: عن توحيدي كما قال: ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وقيل: عن طاعتي؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقيل: عن العلم؛ كما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣].
وقيل: عن الذكر باللسان؛ كما قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
وقيل: عن الذكر بالقلب؛ كما قال: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وقيل: أي: عن وَعْظي، كما قال: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣].
وقيل: عن الصلاةِ؛ كما قال تعالى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، وقولهِ: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] وقولهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
- ومن الأمثلة الجميلة عليه: قولُه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾:
قال السُّدِّي: أي: رافعُ درجاتِ أهل الجنة. وأيَّده المؤلِّف بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠].
وقيل: درجات الغُزاة، قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
وقيل: درجات العلماء والمؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
وقيل: درجات أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
- ومن نحو هذا قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]: ذكر فيها أقوالًا فمنها:
[ المقدمة / ٨٤ ]
وقيل: أي: في كتب الأنبياء؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ أي: صِفَتهم.
وقيل: معناه: حَدَثْتم ووُجدْتم خيرَ أمَّة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وقيل: معناه: أنتم خيرُ أمَّةٍ، كما في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦] مع أنه قال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وإنما صلح ﴿كُنْتُمْ﴾ مقام ﴿أَنْتُمْ﴾ لأنَّهما ضِدَّان لكلمةِ: (لستم)؛ لأنَّ ذلك للنَّفي وهذان للإثبات، فقام أحدُهما مقامَ الآخر لمشاكلتهما في مُضادَّتهما كلمةَ النَّفي.
وقيل: معناه: صرتُم خيرَ أمَّة، كما في قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤]، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] أي: صرتُم بالإيمان بخير الرُّسل وبخروجه في زمانه خيرَ الأمم.
- وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ذكر قولين كلٌّ مع دليله من القرآن، فقال:
وقيل: أراد بها شدائدها وأهوالها؛ كما قال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقيل: هي زلزلة الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
- ومن ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] فعدَّد أنواع الميثاق كلٌّ مع دليله، فقال: وأخذُ الميثاق كان على ثلاثةِ أوجهٍ:
[ المقدمة / ٨٥ ]
ميثاق الذُّرية: وهو قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢].
وميثاق الأنبياء بتبليغ الرسالة: وهو في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧].
وميثاق الأنبياء بالإيمان بمحمَّدٍ ﵇ على التَّعيين، وهو في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١].
ومن مظاهر تفسير القرآن بالقرآن عند المؤلف ذكرُ النظائر، وهو أمرٌ برَع فيه ﵀ بشكلٍ لا يدانيه فيه أحد: وهو يدلُّ على ثقابة فهمه وعمقِ نظره، وغوصه في معاني الآيات، وغزارةِ علمه بالكتاب الكريم:
- فمن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾: وقالوا: لَمَّا نادى الخليلُ الخلقَ بالحج باسم النَّاس، فقال: (يأيُّها النَّاس، إنَّ اللَّه قد بنى لكم بيتًا وأمركم أن تحجُّوه فحجُّوه) ذكرَ اللَّهُ تعالى أمورَ الحجِّ في آيٍ مِن القرآن مقرونًا باسم النَّاس؛ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج: ٢٧]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: ٢٥]، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
- وقال: نظير قولِه: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ [الزمر: ٢٤] قولُه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩].
- وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: والجوابُ محذوفٌ
[ المقدمة / ٨٦ ]
وهو أبلغُ، لأن النفس تذهب فيه كلَّ مذهبٍ، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٩]، ونظائرِها.
- ومما يندرجُ تحت هذا قولُه في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]: و﴿مَا كَانَ﴾ تأكيدُ نفيٍ؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]، ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ﴾ [يوسف: ٣٨]، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣].
ونحو النظائر جمع الآيات في موضوعٍ واحد:
- فقال في أوائل الكتاب عند تفسير الاستعاذة: ومن صفاته [أي: الشيطان] وأفعاله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر: ٣٣]، ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦] ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ٤٢]، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]، ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ
[ المقدمة / ٨٧ ]
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، [إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الأنعام: ٧١]، ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الآيه ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢].
- وفي قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٢ - ٤] قال: ولَمَّا قال مُشْرِكو قريشٍ: ضلَّ محمدٌ عن دين آبائِه، أجابَ اللَّهُ بهذا، وسائرُ الناس كانوا يُجِيبون بأنفسهم، قال قومُ نوحٍ لنوحٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١]، وقال عادٌ لِهُودٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]، وقال فرعونُ لموسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، قال له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
واللَّهُ تعالى تولَّى جوابَ ما قالوا للمصطفى -ﷺ-: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١]، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾.
وخُصُوصِيَّةٌ أخرى: قال لداود ﵇: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال للمصطفى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقال لآدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقال للمصطفى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾.
- ومن هذا النوع ما جاء عند قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال
[ المقدمة / ٨٨ ]
في آخر شرحها: فكأنَّه قال: أَكَّدْنا المحبَّةَ، وأَبْرَمْنا القُرْبَةَ، فمَقْبُولُه مَقْبولي، ومَرْدُودُه مَرْدودي، وأبانَ ذلك في آياتٍ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال ٢٤]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨]، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥]، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، فما هوَ له فهو لي، وما هو لي فهو له، وهذا مَقامٌ ليس فوقَه مَقامٌ.
وممَّا أَبدعَ فيه المؤلفُ وتفرَّد عن سائرِ المفسِّرين أنه غالبًا ما يُتْبعُ القولَ المأثور بما يوافقُه من الآيات:
- ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] ذكر المؤلف عن ابن عباس ﵄ قوله: لمَّا بلغ قريشًا أن اليهود والنصارى كذَّبوا رسلهم وجحدوهم قالوا: لعن اللَّه اليهود والنصارى، لئن جاءنا رسول لنكونَنَّ أهدى منهم.
ثم أعقبه بقوله: ونظيرُه قولُه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وقولُه: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] ذكر عن ابن
[ المقدمة / ٨٩ ]
عباس ﵄ قوله: أي: اضربوا الأعناقَ فما فوقَها. وأتبعه بقوله: كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: اثنتين فما فوقهما.
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] أورد قول سعيد بن جبير: الأوَّاب: المسبِّح. وأعقبه بقوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]؛ أي: سبِّحي.
- وفي قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾؛ نقل قول يمان بن رئابٍ: يعني: الصناديدَ. وأتبعه بقوله: كما قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤].
- وعند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] قال: والشعائر: هي أمور الحج؛ قال ابن زيد: منها رميُ الجمار، والسعيُ بين الصفا والمروة، ونحوُها.
وقال مجاهد: هي البدن، وتعظيمُها: استسمانُها واستحسانُها.
ثم ذكرَ دليلَ كلٍّ من القولين لكنْ على طريقةِ اللفِّ والنشرِ غيرِ المرتَّب، فقال في الاستدلال لقول مجاهد: قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، وأتبعه بدليل قول ابن زيد فقال: ودليلُ القولِ الأولِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
- وفي قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْر﴾ [الفجر: ٩] ذكر قول مجاهد: أي: قطعوا الجبال بيوتًا. ثم استدلَّ له بقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤].
- ومن ذلك ما جاء عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] قال: قال علي بن الحسين بن واقد: أي: في اللَّوحِ المحفوظ. ثم قال: وهو كقولهِ في سورة الحج: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠] وكذا في سورة الحديد.
[ المقدمة / ٩٠ ]
- وعند قوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] ذكر قولَ الضحاك: أي: لا يقبلون أمر اللَّه. وأعقبه بقوله: وهذا كقوله: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]؛ أي: لا نقبل.
- وعند قوله تعالى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٤] قال: قال ابن عباس ﵄: أي: إنْ عملتُم خيرًا وتبتُم إلى اللَّه مِن تخلُّفكم فسيرى اللَّه عملَكم ورسولُه فيما تستأنِفون، ثم ترجعون ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: إلى جزاء اللَّه لا يخفى عليه شيء فيخبرُكم بما عملتُم ويجزيكم على ذلك. وأعقبه بقوله: وهو كقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤].
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] ذكر عن عطاءٍ قولَه: يريد: الذين يذكُرون المهاجرين والأنصارَ بالخير والرحمة والدعاء. قال المؤلف: أشار إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
ويصنعُ مثل ذلك أيضًا مع أقوال المتقدِّمين من العلماء:
- ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] قال: قال القتبي: أي: لم يَفهموا ذلك ولم يقفوا عليه.
ثم بيَّن المؤلِّف مأخذَه فقال: من قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠].
ثم ذكر قولَ الفراء في الجملة نفسها: أي: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، يقال: صارع فلان فلانًا وظهر عليه. واستدلَّ له المؤلِّفُ بقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤].
[ المقدمة / ٩١ ]
وقد ينتهِج مثلَ هذا في القراءات:
- ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، قال: وقرأ ابن كثير، وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ، وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، وقرأ الباقون: ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.
استدل المؤلف لكلِّ قراءة بما يوافقها من الآيات، فعقَّب قراءة الجمع بقوله: لأنهم كانوا يقترحون آيات كما قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات.
ثم عاد إلى القراءة الأولى فقال: ومَن وحَّد فهو للجنس فيؤدِّي معنى الجمع، وهو كقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥].
- ومثله عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] قال: مَن قرأ بفتح اللَّام فمعناه: إلَّا عبادَك الَّذين أخلَصْتَهم بتوفيقِكَ وعصَمْتَهم مِن فِتنتي، مِن قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص: ٤٦].
ومَنْ قرأ بكسرها (^١) فمعناه: إلَّا عبادَك الذين أخلَصُوا أعمالَهم لكَ، مِن قولِه: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦].
فهذه بعضُ الأمثلةِ من تفسيرِ القرآنِ بالقرآن، ذكرناها على سبيل البيان لا الاستقصاء، فالكتابُ كلُّه على هذا النحو، وهو كما ذكرْنا مما تميَّز به هذا التفسير، لكنه تميَّز بسمةٍ أخرى لا تقلُّ عنه أهميَّةً، وهي: