لا شكَّ أنَّ مَن كان مثلَ هذا الإمام في علمه وزهده فسيقصدُه الناس من شتَّى البقاع ليَنهلُوا من مَعين علمه، وخصوصًا في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ حيث كان سندًا فيه. ونذكر من أجلِّ تلامذته:
١ - ابنه أحمد بن عمر، أبو اللَّيث، يعرف بالمَجْد، قال السَّمْعانيُّ في "ذيله": سَأَلته عَن مولده فقال: ولدتُ في سنة سبعٍ وخمسِ مئة، تفقَّه على والده الإمام نجم الدِّين عمر النَّسَفِيِّ وغيره، أسمعهُ أبوهُ من جماعةٍ من السمرقنديين والغرباءِ
_________________
(١) انظر: "الأنساب" للسمعاني (٥/ ٣٣).
(٢) انظر: "ذيل تاريخ بغداد" لابن النجار (٥/ ٩٨)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢٠/ ١٢٦)، و"الجواهر المضية في طبقات الحنفية" (١/ ٣٩٤).
[ المقدمة / ٢١ ]
الواردين عليهم بسمرقند، وكان قد سمع من أبيه كثيرًا غيرَ أنه لم يكن له عنايةٌ بالحديثِ مثلَ والده، وكان فقيهًا فاضلًا واعظًا كاملًا حسنَ الصَّمتِ وَصُولًا للأصدقاء، وفي صفر سنة اثنتين وخمسين خرج من بغداد مُتَوَجِّها إلى وطنه بعد عودته من الحج، فلمَّا وصل إلى قُومسَ وجاوَزَ بسطامَ خرج جماعة من أهل القلاع وقَطعُوا الطَّريق على القافلة وقتلوا مقتلةً عظيمة من العلماء والقافلين من الحجاز أَكثر من سبعين نفسًا، وكانَ فيهم المجد النَّسَفِيُّ ﵀، وذلك يوم الإثنينِ السَّابع والعشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة بقرب كوف من نواحي بسطام (^١).
٢ - عليُّ بن أبي بكر بنِ عبد الجليل الفَرْغانيُّ المرغِينانيُّ صاحب "الهداية"، كان إمامًا فقيهًا حافظًا محدِّثًا مفسِّرًا جامعًا للعلوم ضابطًا للفنون متقِنًا محقِّقًا ناظرًا مدقِّقًا زاهدًا ورعًا بارعًا فاضلًا ماهرًا أصوليًّا أديبًا شاعرًا لم ترَ العيون مثلَه في العلم والأدب، وله اليدُ الباسطةُ في الخلاف، والباعُ الممتدُّ في المذهب، تفقَّه على الأئمة المشهورين، منهم مفتي الثَّقلين نجم الدين أبو حفص عمر النسفي، وقد صدَّر المرغينانيُّ مشيختَه التي جمعَها بذكره ثم ذكَر بعده ابنَه أبا الليث أحمد بن عمر النسفي، قال: وقرأتُ عليه بعض تصانيفه وسمعتُ منه كتاب "المسندات" للخصَّاف بقراءة الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين مُحَمَّد بن عُثْمَان (^٢).
وهذه إجازة العلَّامة نجم الدين للمرغيناني في رواية "صحيح البخاري" بسنده إلى الكُشْمِيهَني والكُشَاني: قال الكَرْدَري: أخبرنا شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن الخليل بن أبي بكر بن عليٍّ الفرغانيُّ المرغينني صاحب
_________________
(١) انظر: "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" (١/ ٨٦).
(٢) انظر: "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" (١/ ٣٨٣).
[ المقدمة / ٢٢ ]
كتاب "الهداية" إجازة عامة إن لم تكن خاصة، في صفر سنة تسع وثمانين وخمس مئة قال: أخبرنا الإمام أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن لقمان النسفي -﵀- إجازة عامة إن لم تكن خاصة، قال: أخبرنا بكتاب "صحاح البخاري" الإمام الحافظ أبو محمد الحسن بن أحمد القاسمي الكوخميثني قال: أخبرنا الإمام الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفِريُّ النسفي، قال: أخبرنا أبو الهيثم محمد بن المكي الكشميهني والشيخ أبو علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكُشَاني (^١).
٣ - محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن الدلقمانيِّ، أبو عبد اللَّه الفَقِيه من أهل سَمَرْقَنْد، ذكره ابن النجار وقال: قدم بغداد حاجًّا في سنة سِتٍّ وسبعين وخمسِ مئة، وأملى بها الحديث عن عمر بن محمد النَّسَفِيِّ (^٢).
٤ - الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن موسى بن عيسى بن مأمون الكَشِّيُّ الحنفي، كان فقيهًا مناظرًا لزم الشيخ نجم الدين عمر النسفي وأخذ عنه، وارتفع شأنه وأقر له أقرانه بالفضل والكمال، وله كتاب "مجموع الحوادث والنوازل والواقعات" وهو كتاب نفيس مشتمل على فوائدَ جمَّة (^٣).
٥ - محمد بن الحسن بن محمد، برهانُ الدِّين الكاسانيُّ، أبو عبد اللَّه الفقيه من أهل سمرقند، كان إمامًا فاضلًا وشيخًا كاملًا في الفروع والأصول، وكان في الحديث أحفظَ زمانه، أخذَ عن نجم الدين عمر النسفيِّ عن صدر الإسلام أبي اليسر
_________________
(١) انظر: "إسناد صحيح البخاري" لابن ناصر الدين (ص: ٣٠٧).
(٢) انظر: "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" (٢/ ٤٥).
(٣) انظر: "سلم الوصول إلى طبقات الفحول" (١/ ٢٥٨).
[ المقدمة / ٢٣ ]
البَزْدَويِّ، وقدم بغداد حاجًّا سنةَ ستٍّ وسبعين وخمس مئة، وأملى بها الحديثَ عن النسفي (^١).
٦ - برهان الدين الحسنُ بن محمدٍ الكاسانيُّ: ذكره العينيُّ في ترجمة أثير الدين بن نجيب بن محمد الكاسانيِّ، صاحبِ كتاب "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" فقال: وكان يروي كتاب "التيسير في التفسير" للإمام نجم الدين النسفي عن الشيخ الأجلِّ برهان الدين الحسن بن محمد الكاساني، وهو عن الشيخ الإمام نجم الدين (^٢).
قلت: ولعله الذي قَبْله.
٧ - محمد بن عبد الجليل بنِ عبد الملك بن عليِّ بنِ حيدر السَّمَرْقَنْديّ الإمام أبو الفضل، له "منتخب كتاب القند في تاريخ سَمَرْقَنْد" لأستاذه (^٣).
٨ - أبو بكر بن أحمد بن عليِّ بن عبد العزيز البَلْخِيُّ الأصل السَّمرقَنْدِي الحنفي، عُرف بالظَّهير، أخذ عن أبي حفصٍ عمر النَّسَفيِّ وقرأ عليه بعضَ تصانيفه، والإمامِ المرغيناني والأسبِيْجَابيِّ، ودرَّس بمراغة، وقدم حلب أيَّام نور الدِّين محمود بن زنكي، ثمَّ توجَّه إلى دمشق ودرَّس بالخاتونية وغيرها، وتوفي بها سنة (٥٥٣ هـ)، وله كتاب أَلفه في شرح "الجامع الصَّغير"
قال ابنُ العَديم: أخبرنا أبو هاشمٍ عبدُ المطلب بنُ الفضل بنِ عبد المطلب الهاشميُّ قال: أخبرنا أبو سعدٍ عبدُ الكريم بن محمد بن منصورٍ السمعانيُّ -ونقلتُه
_________________
(١) انظر: "الفوائد البهية في تراجم الحنفية" (ص: ١٦٢).
(٢) انظر: "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان" للعيني (١/ ٣٢٥).
(٣) انظر: "سلم الوصول إلى طبقات الفحول" لحاجي خليفة (٣/ ١٦٧).
[ المقدمة / ٢٤ ]
أنا من خطِّ السمعاني- قال: وقال عمر بن محمد بن أحمد النسفي: الْتَمس الإجازةَ مني الإمام أبو بكر بن أحمدَ البلخيُّ السمرقنديُّ بهذه الأبيات:
أَيَا مقتدَى الأيام يَاذَا العلَا عمرْ وقاك حفيظُ الخلق من شُبْهَة الضَّرَرْ
أَجِزْ لأبي بكر بن أحمدَ مُفْضلًا وبدِّل له بالأَجْرِ بالصَّفوةِ الكَدَرْ
جميعَ الذي صنَّفْتَه وسمعتَه وخذْ صالح الدَّعْوَات في ظُلمَةِ السَّحَرْ
قال: فكتبتُ إليه:
أجزتُ لسيدي وفريدِ عَصْري أبي بكرِ بن أَحْمد مَا ابتغاهُ
على شَرطِ التَّحَرُّزِ والتَّوَقِّي وذكري بِالدُّعَاءِ كَمَا حَكَاهُ
أجبْتُ دعاءَه فينا وفيه وفي الدَّاريْنِ تمَّ له مُناهُ (^١)
٩ - عمر بن عبد الْمُؤمن بن يُوسُف الكجوادريُّ البَلْخِيُّ، أبو حَفْصٍ شيخُ الإسلام المنعوتُ بصفيِّ الدِّين، اجتمع به صاحب "الهدايَة" في سفرهما إلى الحج سنة أربع وأربعين وخمس مئة وقرأ عليه أحاديثَ وناظره في المسائِل.
قال صاحب "الهدايَة": أنشدنا الشَّيخ الإمام الزَّاهِد صفيُّ الدِّين منظومًا في الإجَازَة للشَّيخ الإمام نجمِ الدِّين عمر بن محمد النَّسَفيِّ:
أجزتُ لهم رواية مستَجازي ومسموعي ومجموعي بِشَرْطِهْ
فَلَا يَدْعُو دعائي بعد موتي وكاتبُه أَبُو حَفْص بِخَطِّهْ
_________________
(١) انظر: "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" (٢/ ٢٧١)، و"سلم الوصول" (١/ ٧٨)، و"الفوائد البهية في تراجم الحنفية" (ص: ١٤٩).
[ المقدمة / ٢٥ ]
ماتَ الكجوادريُّ سنة تسع وَخمسين وخمس مئَة (^١).
١٠ - مُوسى بن عبد اللَّه بن إبراهيم بن محمد بن سِنَانٍ القحطانيُّ المعمَّريُّ أبو هارُون، تفقَّه ببخارى على عبد العَزِيز بن عمر بن مازة البُرْهَان، ذكره أبو حَفْص النَّسَفِيُّ في كتاب "القند في تَارِيخ سَمَرْقَنْد" وَقَال: قدم علينا سنة سِتَّ عشرَة وَخمْس مئَة، رَحل من بلاد المغرب إلى بلاد المشرق وفارق أولاده، فَقِيه فَاضل مناظِر شَاعِر بليغ مُحدِّث محَاضِر، وبَقِي في بلاد العراق وخراسان وبخارى ثلاثَ عشرةَ سنةً ينشر الحديث والفقه والنَّظَر والكلام، وبَقِي عندي أيَّامًا وكتب عني الكثير، ولأجله جمعتُ كتابًا لقَّبته: "عُجالة النَّخشبيِّ لضيفِه المغربي" وفيه قلت:
لقد طلع الشَّمْسُ من غربها على خافقَيْها وأوساطِها
فَقلتُ القيَامَةُ قد أَقبلت فقد جاءَ أوَّل أشراطها (^٢)
١١ - روى عنه محمد بن إبراهيم بن محمد التُّورِبِشْتيُّ (^٣).
١٢ - روى عنه عمر بن محمد بن عمر العُقيليُّ (^٤).