من المعروفِ عن المؤلِّف ﵀ التزامُه بعقيدةِ أهلِ السُّنَّة والجماعةِ ودفاعُه عنها، وإبطالُ أقوال أصحابِ المذاهبِ الفاسدة، والفرقِ الضالة، وتفنيدُها بالحجة والبرهان.
وهو في تفسيرِه هذا لم يَدَعْ آيةً فيها ردٌّ على أهل الباطل، أو إبطالٌ لتأويلهم الفاسد، إلا بيَّن ذلك، مُثْبِتًا مذهبَ أهلِ الحقِّ فيها وأنه هو الصَّواب، وما عدَاه من
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٥).
[ المقدمة / ١١٢ ]
تلك التأويلاتِ الفاسدةِ فضلالٌ وانحرافٌ عن الصَّواب، فهو يردُّ على الجهميَّةِ والجَبْريَّة والكرَّاميَّة والمعتزلةِ وغيرهم.
فمن ردِّه على الكرَّامية: ما جاء عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] قال المؤلفُ: أخبرَ عنهم أنهم يدَّعون ذلك، ثم قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ليسوا بمؤمنين، فنَفَى الإيمانَ عنهم لأنه لم يكن في قلوبهم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤]، وبَطَل بهذا قولُ الكرَّامية: إنه مجرَّد الإقرار، فإن المنافقين أقرُّوا بذلك واللَّه تعالى نفَى عنهم ذلك.
وردَّ مذهب الجبرية والقدرية: وذلك في قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥].
فقال: في الآيةِ دليلُ أهل السُّنَّة والجماعة، فإنه قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾، وهو إثباتُ فعلِ نفسِه، وقال: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وهو إثباتُ فعلِ العبد، فدلَّ على أنَّ العبدَ فاعلٌ، واللَّهَ تعالى لفعل العبد خالقٌ، وبطَل قولُ الجبرية أنْ لا فعلَ للعبد، وقولُ القدريَّة أنْ لا صنعَ للَّه في فعل العبد.
وعلى الإباحية من جهلة الصوفية: في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٩] فقال: ثم إنَّ أهلَ الإباحة مِن المتصوِّفة الجَهَلةِ حملوا اللامَ في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ على الإطلاق، والإباحةَ على الإطلاق، وقالوا: لا حَجْر ولا حَظْر، ولا نهيَ ولا أَمْرَ، وإذا تحقَّقت المعرفةُ وتأكَّدت المحبَّةُ، سقطت الخدمةُ وزالت الحرمةُ، فالحبيبُ لا يُكلِّف حبيبَه ما يُتعبه، ولا يَمنعه ما يُريده ويَطلبه، وهذا منهم كفرٌ صُراح، وخروجٌ مِن الإيمان بإفصاح، فقد نهى اللَّهُ تعالى وأَمَر، وأباح وحظر،
[ المقدمة / ١١٣ ]
ووعد وأَوعد، وبشَّر وهدَّد، والنصوصُ ظاهرة، والدلائلُ متظاهرة، فمَن حَمل هذه الآيةَ على الإباحة المطلَقة، فقد انسلخَ مِن الدِّين بالكليَّة، فالمحملُ الصحيحُ ما قاله ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: خَلَق لمنافعكم ومصالحكم.
وردَّ مذهب الجهميَّة بأبسطِ طريق: وذلك عند قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩] فقال: وفي الآيتين نقضُ قولِ الجهميَّة: أنَّ الجنَّة والنَّار يَفنيان ويَنقطع ما فيهما، فإنَّ اللَّه تعالى نفى الخوف والحزنَ عنهم، ولو كانتا تَفْنيَان لكان لأهل الجنَّة أشدُّ الخوف والحزن.
وردَّ على الرافضة بالدليلِ الذي لا مَدْفعَ له: وذلك في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فقال: وتعلَّقت الروافضُ بظاهرها لإباحةِ الجمع بين تسعِ نسوةٍ، فإنَّه ذُكر بالواو لا بـ (أو)، وذلك للجمع.
لكنَّا نقول: هذا على البدلِ دون الجمع في حالةٍ واحدةٍ؛ أي: فانكحوا مثنى، وانكحوا ثُلاثَ، بدل مثنَى، وانكحوا رُباع، بدل مثنَى وثلاثَ.
والدَّليل على أنَّ المراد هذا لا غيره: أنَّه لو قيل هذا في الأمر بشيءِ آخرَ لم يكنْ إلَّا على هذا الوجه، فإنَّه إذا قيل لقوم: ادخلوا الدَّار مثنَى وثُلاثَ ورُباعَ، لم يكن أمرًا بدخول تسعةٍ منهم جملةً في حالةٍ، بل هو أمرٌ لهم أن يدخلوا اثنين اثنين، ولهم أن يدخلوا بدلَ ذلك ثلاثةً ثلاثةً، ولهم أن يدخلوا بدلَ ذلك أربعةً أربعةً، وكذا في كلِّ موضعِ، هذا هو قضيَّة اللُّغة.
وفي موضع آخر: وقالت الروافضُ في قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾: لا
[ المقدمة / ١١٤ ]
يخلو إما أن يكون حزنُ أبي بكر طاعةً أو معصيةً، فإن كان معصيةً ففيه نقصانه لا فضلُه، وإن كان طاعةً فلمَ نهاه رسول اللَّه -ﷺ-؟
قلنا: لم يكن حزنُه سوءَ الظنِّ بربِّه تعالى، ولا استبطاءً لنصره، لكنْ شفقةً على رسول اللَّه -ﷺ- وحبيبه، وكان ذلك شيئًا نشأ عن طبعه ولا نقصَ في مثله.
ثم نعارضُهم بخوفِ موسى وهارونَ ﵉، وقال اللَّه تعالى لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] إلى آخر السؤال حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة، على أنهما قالا: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ﴾ [طه: ٤٥]، وليس في القرآن أن أبا بكر ﵁ قال: إني أحزنُ.
أما ردودُه على المعتزلة فكثيرةٌ جدًّا، فهو لا يَدَعُ آيةً لهم فيها تأويلٌ منحرفٌ لإثباتِ مذهبهم الفاسد إلا رد عليهم:
- فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] قال: أي: هُيِّئت وخُلقت. . . والآيةُ ردٌّ على المعتزلة، فإنهم قالوا: النار والجنةُ لم يُخلقا بعد، وإنما يُخلَقان يوم القيامة عند حضور أهلهما، وقولُهم باطلٌ مردودٌ بهذه الآية، ولقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ونحوِهما من الآيات.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧] قال: وقيل: أي: لم يُخرجهم منه، كما يقال: تركَه في الدار؛ أي: لم يُخرجْه منها، وهذا تأويل المعتزلة؛ فإنهم لا يقولون بخلقِ أفعال البشر من اللَّه تعالى، والصحيحُ من التأويل عند أهل السُّنَّة والجماعة: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾؛ أي: جعَلهم في الظلمات، وهو كقوله: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ أي: جعَله صلدًا.
- وردَّ مذهب الجبرية والمعتزلة بكلماتٍ بسيطةٍ واضحةٍ لا لبس فيها لمريدِ الحقِّ والساعي إليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقال: ثم في مجموعِ الكلمتين تحقيقُ مذهب أهل السُّنة والجماعة، وهو إثباتُ الفعل من
[ المقدمة / ١١٥ ]
العبدِ والتوفيقِ من اللَّه تعالى، وفيه ردٌّ على الجبريَّة والمعتزلةِ:
فالجبريةُ يَنْفون الفعلَ من العبد، وقولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يردُّ عليهم ذلك.
والمعتزلةُ لا يَرون التوفيقَ من اللَّه، وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يردُّ ذلك عليهم.
وأهلُ السنَّة والجماعةِ يقولون: من العبد الفعلُ واختيار الفعل، ومن اللَّه تعالى خلقُ ذلك الفعلِ ومشيئةُ ذلك الفعلِ، والآيةُ تدلُّ على ذلك كلِّه.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [البقرة: ٣] قال: ثم الرِّزقُ يكون هو التغذيةَ عندنا، وهو عند المعتزلة: التمليكُ، فالحرامُ عندهم ليس برزقٍ؛ لأنه ليس بمِلكٍ، وهذا في غايةِ الفُحش منهم، وهو نهايةُ الضَّلال؛ فإنه ردُّ كتاب اللَّه تعالى، قال عزَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
والحيواناتُ عندهم ليست تأكلُ من رزقِ اللَّه تعالى، لأنها لا تملك، وآكِلُ الحرام عندهم وكاسبُه في جميع عمره لم يأكلْ من رزقِ اللَّه شيئًا، ولم يَرزقه اللَّهُ ﷿ شيئًا.
والأمثلةُ لا تحصى، وإنما أوردنا منها ما فيه كفايةٌ لبيان المراد.