وملخَّص منهج المؤلِّف في النحو الذي انتحاهُ في تفسيره: أنه يُعنَى بالإعراب، لكنه لا يستقصِي كما هي طريقةُ أبي حيَّان والسَّمين الحلبي، ويتابعُ مذهبَ الكوفيين في بعضِ المسائل وخصوصًا الفراء، كما يُعنَى أيضًا بالفوائد النحوية:
فمن أمثلة عنايته بالإعراب وشرحه وتوضيحه:
- قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [طه: ١٢٨] قال: ﴿كَمْ﴾ في موضع الرفع، وتقديره: كثرةُ مَن أهلكنا من القرون، وهو فاعلُ ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ﴾، والمفعول مضمَرٌ؛ أي:
[ المقدمة / ١١٦ ]
أفلم يبيِّن للمشركين كثرةُ القرون المهلَكين بمخالفة الأمر أن حالهم كذلك.
ويجوز أن يكون الفاعل هو القرآن، و﴿كَمْ﴾ في موضع النصب لأنه مفعولٌ؛ أي: أفلم يبيِّن القرآنُ للمشركين كثرةَ مَن أهلكنا.
ومن ذلك العناية بالتقديرات عند القول بأن في الكلام حذفًا:
- ففي قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] قال: قيل: جوابُه محذوفٌ في آخرِه، وهو: أَجَلُّ مَثَلٍ.
وقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: صفةُ الجنَّة، كقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، وعلى هذا فيه مُضْمَرٌ أيضًا، تقديرُه: صفةُ الجنَّة التي وُعِدَ المتَّقون [أنها] تجري مِن تحتِها الأنهارُ.
وقيل: الإضمار في أوَّلِه: وفيما يُتْلَى عليك مثلُ الجنَّةِ.
وقيل: إضمارُه: هذا مثلُ الجنَّة، ذكر وعدَ الأولياءِ بعدَ ذكرِ وعيدِ الأعداءِ.
- وفي قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] قال: وجوابُه محذوفٌ ها هنا؛ قال الزجَّاج: هو: أتؤمنون؟
وقيل: أفلا تكونون ظالمين؟! يدلُّ عليه ما بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ما داموا على ظُلْمهم.
- وفي قوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] قال: قيل: هاهنا مضمر: فوَدُّوا لو كانوا مهتدين إلى الإسلام في الدنيا.
وقيل: الإضمارُ في آخره: لو أنهم كانوا يهتدونَ لخرَجوا من العذاب الذي رَأَوا.
[ المقدمة / ١١٧ ]
وقيل: بل المضمَرُ في آخره: لو كانوا يهتدون لَمَا رأوا ذلكَ العذاب.
ومن أمثلةِ عدم استقصائه:
- ما جاء عند قوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] قال: قيل: هو نصبٌ على التفسير؛ كقولك: هذا لك هبةً منِّي.
وقيل: هو مصدرُ فعلٍ مدلولٍ عليه أو مضمرٍ، لأن قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ (ولأدخلن) بمعنى: لأُثِيبنَّ بهذا، والإضمارُ: يثابون بذلك ثوابًا.
فهذا ما ذكره من إعراب واقتصر عليه، وله عند الاستقصاء وجوهٌ أُخرُ، فقيل: هو حال من ﴿جَنَّاتٍ﴾ لوصفها؛ أي: مُثابًا بها، أو من ضمير المفعول في ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾؛ أي: مُثابين، وقيل: إنه بدل من ﴿جَنَّاتٍ﴾ على تضمين ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ معنى: ولأعطينَّهم، وقال الكسائيُّ: إنه منصوب على القطع. وفسَّر بعضهم القطعَ بالنصب على الحال (^١).
ومن متابعته للكوفيين والفرَّاء:
قوله بكون الألف واللام بدلًا عن الإضافة:
- كما في قوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] قال: أي: فشُدُّوا وَثاقَهم، والألفُ واللامُ بدلٌ عن الإضافة ها هنا.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] قال: أي: منعَ نفسَه من اتِّباع هواها ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] قال: أي: مأواه، والألفُ واللَّام بدل الإضافة في ﴿الْمَأْوَى﴾، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾.
- وفي قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] قال: ﴿الْفُؤَادُ﴾: أي:
_________________
(١) انظر: "البحر المحيط" (٦/ ٣٦٨).
[ المقدمة / ١١٨ ]
فؤادُه، بالألف واللَّامِ بدلٌ عن الإضافة؛ كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]؛ أي: مأواه.
قلت: وهذا مذهبٌ كوفيٌّ، قال الفراء: والعربُ تجعل الألف واللام خَلفًا من الإضافة فيقولون: مررتُ عَلَى رجلٍ حَسَنَةٍ العَيْنُ قَبِيحٍ الأنفُ، والمعنى: حسنةٍ عَيْنُه قَبِيحٍ أنفهُ، ومنه قوله: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (^١).
هذا قول الفراء، وأما البصريون فالتقدير عندهم: هي المأوى له (^٢).
ومن ذلك أخذُه بمذهب الكوفيين في مسألةِ النصب على الصَّرف:
- كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] قال: هو نصبٌ على الصرف كما في قول الشاعر:
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم
قال: ومعنى الصرفِ: أنه مصروفٌ عن معنَى مطلقِ العطف، فإنه ليس معناه النهيَ عن إتيان مثله قصدًا كالنهي عن النهي عن خُلُق، بل معناه النهيُ عن الجمع بينهما، وكذا معنى الصرف في هذه الآية ليس هو مطلقَ نفي علمِ الصابرين كنفيِ علمِ المجاهدين، بل معناه نفيُ اجتماعهما.
قلتُ: وهذا أيضًا مذهبٌ كوفيٌّ، قال ابن الأنباريِّ: ذهب الكوفيُّون إلى أن الفعل المضارعَ في نحوِ قولكَ: (لا تأكلِ السمكَ وتَشْرَبَ اللبنَ) منصوبٌ على الصرف. وذهب البصريون إلى أنه منصوب بتقدير (أنْ)، وذهب أبو عُمَرَ الجَرْمِيُّ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٤٠٨).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٨١).
[ المقدمة / ١١٩ ]
من البصريين إلى أن الواو هي الناصبة بنفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف (^١).
ومن ذلك القول بزيادة الواو:
- ففي قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] قال المؤلف: قال الفراء وغيره: الواو مُقحَمةٌ زائدةٌ، ومعناه: ناديناه، جوابًا لقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ وهو كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، وكقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥].
فذكر قول الفراء ولم يذكر غيره، وهو مذهبٌ كوفي، ومذهبُ البصريين أن يقدَّر في هذه الآيات محذوفٌ يُعرفُ مِن سياق الكلام، وتكونُ الواوُ عاطفةً عليه كما هو الأصلُ فيها، فقدَّروا في هذه الآية جوابَ "لما": سُعِدَا وأَجزلَ لهما الثواب، ونحوَه من التأويلات، قالوا: والقول بالتقدير خيرٌ من الحكم بالزيادة، لا سيما في كتاب اللَّه تعالى (^٢).
أمَّا الفوائدُ النحويةُ عند المؤلِّف فأكثرُ من أن تُحصى:
- فمن ذلك كلامُه في أولِ سورةِ البقرة عن (الذين) حيث قال: وأصلُه: (اللذِينَ) بلامينِ؛ إحداهما: لامُ التعريف، والثانية: لامُ (لذ)، وإنما اكتُفي في الكتابة بواحدةٍ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ولهذا تُكتب في التَّثنية في (اللذانِ) بلامين؛ لأنه لم يَكثر استعمالُه.
ثم قال: وإنما لم يُعرب لأنه موصولٌ لا يَتمُّ إلا بصلته، فصار لفظُه كأنه بعضُ الكلمة، ولا إعرابَ إلا لتمامِ الكلمة في آخرها، فأمَّا (اللَّذانِ) في التثنية فإنما أُعرب -
_________________
(١) انظر: "الإنصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري (٢/ ٤٥٢).
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ٢٩٢)، و"الدر المصون" للسمين الحلبي (٩/ ٣٢٤).
[ المقدمة / ١٢٠ ]
فكان رفعُه بالألف، ونصبُه وخفضُه بالياء- لأن منعَ الإعراب كان لإلحاقه بالحروف، ولا تثنيةَ للحروف فلم تُلحق بها، بل تحقَّق فيه معنى الاسمِ فأُعرب لذلك.
- ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٣] قال: قُرئ فيه بالرَّفع على الاستئناف، وبالنصب على المدح، وهذا شاذٌّ، وبالخفض على البَدَل، وهو قراءة الزهريِّ، وهو كما قال كُثَيِّر به:
وكنتُ كذي رِجلَيْن رِجْلٌ صحيحةٌ ورجلٌ رَمَى فيها الزمانُ فَشُلَّتِ
يُنشَد بالرَّفع والجرِّ معًا.
ولو قلتَ: مررتُ بثلاثةٍ: صريعٌ وجريحٌ، واقتصرتَ عليهما، لم يجزْ بالجرِّ؛ لأنَّك لم تَستوفِ العددَ، ويَجوز بالرَّفع، وتقديره: منهم صريعٌ، ومنهم جريحٌ، وإذا قلتَ: مررتُ بثلاثةٍ؛ صريع وجريح وسليم، جاز فيه الرَّفع والجرُّ، فإنْ زدتَ فيه: اقتَتَلوا، جاز فيه الرَّفعُ والجرُّ والنصبُ.
فانظر إلى هذا التفصيل والتمثيل الذي لا تجده عند غيره.
- وفي قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] قال: منصوباتٌ بالترجمة عن ﴿مَا﴾، ولا تنوينَ فيهنَّ لأنَّها غيرُ منصرفة، فإنَّها معدولةٌ عن اثنين وثلاثٍ وأربعٍ، ومعناه: اثنين اثنين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا، ومع العدل فيها معنًى آخرُ، وهو وهمُ الألف والَّلام؛ لأنَّها كالمعارف، ولهذا لا إضافة فيها، فامتنَع صرفُها لذلك.
- وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] قال: حُذف النون من (يكن) تخفيفًا لكثرة الاستعمال؛ لأن (كان) و(يكون) أمَّ الأفعال؛ لأن (ضرَب) في معنى: كان ضرَب، و(يضرب) في
[ المقدمة / ١٢١ ]
معنى: يكون يضربُ، فلما كانت أمَّ الأفعالِ وكثُر استعمالُها للحاجةِ إليها احتَمَلتْ هذا الحذفَ، ولم يَحتمِلْه نظائرُها مِن: لم يَصُن ولم يَخُن.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] قال: يُقرأ بالياء والتاء (^١)، فمَن أنَّث فلأنَّ الشفاعةَ مؤنَّثةٌ لفظًا، وأمَّا التذكيرُ فلأنَّ تأنيثَ ما ليس بذي روحٍ غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّ الفعلَ مقدَّمٌ على الاسم، ولأنَّ بينهما حائلًا.
وفي القرآن: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَة﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٧].
والحاصل: أنَّ ما كان تأنيثه ليس بحقيقيٍّ فتأنيثُه وتذكيره جائزٌ إنْ تقدَّم أو تأخَّر، وكان بينهما حائلٌ أو لم يكن، وفي الحقيقيِّ يجوز تأنيثُها بكلِّ حالٍ، وتذكيرُها إذا تقدَّم الفعلُ وبينهما حائلٌ، ولا يَحْسُنُ بغير حائلٍ.
- ومن أجمل فوائده: ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] قال: جُزِمَ ﴿يَأْكُلُوا﴾ لأنَّه جوابُ الأمرِ، وكذا ما بعدَه، وفي قولِه: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون﴾ [الأنعام: ٩١] لم يُجزَمْ لأنَّه حالٌ لا خبرُ، وتقول العربُ: دَعْ زيدًا يَنَمْ، ودَعْ زيدًا ينامُ، فإذا كانَ غيرَ نائمٍ نقولُ: دَعْ زيدًا يَنَامْ جوابًا للأمر، وإذا كان نائمًا تقولُ: دَعْ زيدًا ينامُ، أي: قَرِّرْهُ على حالةِ النَّوم.
- وفي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ
_________________
(١) قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو، وقرأ باقي السبعة بالتاء.
[ المقدمة / ١٢٢ ]
بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣] قال: الباءُ زائدةٌ، وإنما أُدْخِلَتْ لأنَّ معنى قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أوَليسَ، وذاك تدخُلُ فيه الباء.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] قال: اختُلِفَ فى جواب هذا القسَمِ، وأصلُه: أنَّ جوابَه بأحدِ خمسةِ أشياءَ:
(إنَّ) المُشَدَّدة؛ كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
و(ما) النَّافية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣].
واللَّامُ المفتوحةُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢].
و(إنْ) الخفيفةُ بمعنى (ما): ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧].
و(لا): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى﴾ [النحل: ٣٨].
قال: وزاد البَعْلِيُّ على هذا:
(قد)؛ كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. . . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
و(بل)؛ كما في قوله في هذه السورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. . . بَلْ عَجِبُوا﴾.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] قال: وفي زيادة الواو أقاويلُ:
قيل: الواو تدخل للمبالغة في المدح للمنعوت واحدًا كان أو جماعةً، قال تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩].
وقيل: لأن الأمر والنهيَ متقابلان، والمعروفَ والمنكرَ كذلك، فكانا كالمتعاندَين (^١)، فأَدخل بينهما حرفَ العطف كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].
_________________
(١) في نسخة: "كالمتغايرين".
[ المقدمة / ١٢٣ ]
وقيل: هي واو الثمانية؛ لأنها الصفةُ الثامنة، والعربُ تخصُّ ذلك بالواو، كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]؛ لأن أبواب الجنة ثمانيةٌ.
ولا أصل لهذا القول عند المحققين، فليس في هذا العدد ما يوجب ذلك ولا استعمالَ على الاطِّراد كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] بغير واو، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيةَ بغيرِ واوٍ في الثامن.
ومن فوائده جمع المعاني أو الاستعمالات لكلمةٍ أو حرفٍ:
- من ذلك: الكلامُ على (أم) في أول سورة البقرة، حيث قال: وقوله تعالى: ﴿أَمْ﴾: هذه الكلمةُ في القرآنِ على أربعة أوجُهٍ:
أحدها: عطفٌ على ما دخله ألفُ استفهامٍ كما في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٧].
والثاني: ابتداءُ استفهامٍ كالألف: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣]؛ أي: ألهم؟
والثالث: بمعنى (بل): ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥٢]؛ أي: بل أنا خير.
والرابع: بمعنى (أو) من غير استفهامٍ كما في هذه الآية: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا﴾ [يس: ١٠]؛ أي: أو لم تنذرهم، فلا استفهامَ في هذه الآية.
- ومن فوائدِه تعديدُ استعمالات الفعل (كان)، فقال: وكلمةُ (كان) قد تَجيءُ للماضي، كما في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨].
وقد تجيءُ للمستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
[ المقدمة / ١٢٤ ]
وقد تجيءُ للحال، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
وقد تجيءُ جامعًا لذلك كلِّه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] أي: لم يَزَلْ رحيمًا بهم في الأزلِ وفي الحالِ وفي الأبد.
وقد تَجيءُ بمعنى: صار، كما في قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
وقد تجيء بمعنى: وقع، كما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
- ومن ذلك ذكر معاني (أو) في القرآن، فقال في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]: (أو) جاءت في القرآن لثلاثةَ عشَر معنًى:
أحدها: للشكِّ، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩].
وللتشكيك: قال تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وهذا غيرُ الأول، هذا إخفاء الحال على السامع من غير شكٍّ من القائل.
وللتخيير: قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].
وللإباحة: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] وهذا غير التخيير، ذاك بيانٌ أن الواجب أحدُها لا الكلُّ وله الخيارُ، وفي الإباحةِ له أن يفعلَهما وله أن يفعل أحدهما.
قلت: وهذا من أحسن ما رأيتُ في التفريق بين الشكِّ والتشكيك، والإباحةِ والتخيير.
ثم قال: وللتفصيل: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، كلُّ عقوبةٍ منها لجنايةٍ غيرِ الأخرى.
[ المقدمة / ١٢٥ ]
وبمعنى الواو: قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
وبمعنى: بل، قال تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
وبمعنى: ولا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
وبمعنى: حتى، قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
إلى آخر المعاني الثلاثة عشر.
ومثله كثير، وفيما ذكرنا كفاية.