أمَّا القراءاتُ فالمؤلفُ ﵀ له عنايةٌ كبيرة بها، وهو قد انتهَج فيها طريقةً ثابتةً من أولِ الكتاب إلى آخره، وهي ذكرُ القراءاتِ السبعةِ في الغالب، وفي أحيانٍ قليلةٍ يضيفُ باقي العشرة، لكنه لا يكتفِي بالإشارة إلى القراءةِ بل إنَّ له عنايةً خاصةً بتوجيهها وبيانِ ما أشكلَ، مع الدقَّة في عزوِ القراءة لقائليها من السبعة، أمَّا القراءاتُ الشاذةُ فقليلًا ما يتعرَّض لها، ومن أمثلة العناية بالقراءات عنده:
- قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل: ٢٤ - ٢٥] قال: قرأ الكسائي وأبو جعفر ورويسٌ عن يعقوب بالتخفيف (^١)، ومعناه: (ألَا) كلمة تنبيهٍ، و﴿يَسْجُدُوا﴾ بمعنى: يا اسجدوا، (يا) نداءٌ والمنادى مضمرٌ أي: يا هؤلاءِ اسجُدوا للَّهِ، قال ذو الرُّمَّة:
ألَا يا اسْلَمي يا دارَ مَيٍّ على البِلَى ولا زالَ مُنْهَلًّا بجَرْعائكِ القَطْرُ
وقرأ الباقون بالتشديد، وله وجوهٌ:
أحدها: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ألَّا يَسجدوا.
والثاني: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أعمالَهم لئلَّا يَسجدوا.
والثالث: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ لئلَّا يَسجدوا.
_________________
(١) ويقف هؤلاء على (يا)، ويبتدئون: (اسجدوا) على الأمر.
[ المقدمة / ١٢٨ ]
والرابع: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ أنْ لا يَسجدوا، ومعناه: أنْ يسجدوا، و(لا) زائدة، كما في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ أي: أن تسجد.
والخامس: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ لقُبْحِ أنْ لا يسجدوا للَّه، كما قالوا في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: كراهةَ أن تضلُّوا، على الإضمار.
- وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ [الأنفال: ١١] قال: قرأ عاصمٌ وابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ بضمِّ الياء وتشديدِ الشين ونصبِ سينِ ﴿النُّعَاسَ﴾ من التغشيةِ وهي تعديةُ الغِشْيان.
وقرأ نافع بضمِّ الياء وتخفيفِ الشين من الإغشاء، وهو للتعدية أيضًا، ولذلك نصَب هو ﴿النُّعَاسَ﴾ أيضًا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿يغشاكم﴾ بفتح الياء والتخفيف وضمِّ سِين ﴿النعاسُ﴾ من الغِشْيان وهو لازمٌ، و﴿النعاسُ﴾ فاعل.
ويجدرُ التنبيه هنا على أن قولَه في آخر النصِّ: (وهو لازم) فيه نظر، فإن الفعل هنا متعدٍّ، ومفعولُه مذكورٌ معه، وهو الكافُ في (يغشاكم)، لكن الفرقَ عن القراءتين الأُخريين أنه فيهما متعدٍّ لاثنينِ، وهنا في (يغشاكم) تعدَّى الفعلُ لواحدٍ، ولعل هذا مرادُ المؤلِّف باللزوم؛ أي: التعدِّي لواحدٍ في هذه القراءة في مقابلةِ التعدِّي لاثنينِ في القراءتين الأُخريين.
والمؤلِّفُ ﵀ دقيق في عزو القراءاتِ السبعةِ لأصحابها مما يتوافَقُ مع المراجع الأساسية لهذه القراءات كـ "السبعة في القراءات" لابن مجاهد، و"التيسير في القراءات السبع" لأبي عمرٍو الدَّاني، لكن لا يخلو الأمرُ من بعضِ السهو -وهو نادرٌ- كما في قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] قال: على قراءة المد: مستويةً على
[ المقدمة / ١٢٩ ]
الأرض، من قولهم: ناقةٌ دكاءُ؛ أي: لا سنام لها، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، والتأنيثُ راجع إلى مؤنَّثٍ مضمَر؛ كأنه قال: جعله أرضًا دكَّاء، وقرأ الباقون غيرَ ممدودة بالتنوين.
كذا قال في نسبتها والصوابُ العكس، فقد قرأ ابنُ كثير ونافعٌ وأبو عمرو وابن عامر بغير مدٍّ، وقرأ باقي السبعة -وهم حمزةُ والكسائيُّ وعاصم- بالمد؛ كما في "السبعة" و"التيسير".
وله تحقيقٌ في القراءات، ففي قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] قال: ومَن تكَلَّفَ وقرأ؟ (عَبَاقِرِيّ) بالياء (^١) -لِيَصِحَّ وَصْفُها بالحِسان جَمْعًا- لم يَنْفَعْه ذلك؛ لأنَّ المكانَ يَصيرُ جَمْعًا، فأمَّا المنسوبُ إليه فيبقى واحدًا كـ "الجَوَالِقِيِّ"، إلَّا أنْ يُقْرَأَ: (عَبَاقِر) بدون الياء، فيصيرُ جَمْعًا، ولا ضَرورةَ إليه، فإنا قلنا: إنَّ العَبْقَرِيَّ جَمْعٌ، وواحدتُها: عَبْقَرِيَّةٌ.
وهناك قراءاتٌ من الشواذِّ ذكرها المؤلِّف ولم أجدها فيما توفَّر لديَّ من المصادر، ومنها عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] قال: وفي مصحف حفصةَ ﵂: (وإذا كالوا لهم).
وفيما أوردناه كفايةٌ لبيان المراد، واللَّه تعالى أعلم.