الإسرائيليات: جمعُ إسرائيليةٍ، نسبةً إلى بني إسرائيل، وهي معارفُ اليهودِ وثقافتُهم المتمثِّلةُ بالتوراةِ وشروحها، والأسفارِ وما اشتَملت عليه، والتلمودِ -
_________________
(١) وهي قراءة شاذة نسبت لجمع من السلف، كما نسبت للنبي -ﷺ- في خبر، لكنه لم يصح، وسيأتي تفصيل ذلك في مكانه.
[ المقدمة / ١٣٠ ]
وهي التوراةُ الشفهيةُ، وهو مجموعةُ قواعدَ ووصايا وشرائعَ دينيةٍ وأدبيةٍ ومدنيةٍ، وشروحٍ وتفاسيرَ وتعاليمَ ورواياتٍ كانت تُتناقَل وتُدرَّس شفهيًّا من حينٍ إلى آخر - وشروحِه، والأساطيرِ والخرافات، والأباطيلِ التي افترَوها أو تناقلوها عن غيرهم، وهذه كلُّها كانت المنابعَ الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعضُ كتبِ التفسيرِ والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابعُ إن كان فيها حقٌّ ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدقٌ ففيها كذبٌ صُرَاح، وإن كان فيها سمينٌ ففيها غثٌّ كثير، فمِن ثَم انجرَّ ذلك إلى الإسرائيليات.
وقد يتوسَّع بعضُ الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلُها شاملةً لِمَا كان من معارف اليهود، وما كان من معارفِ النصارى التي تدور حولَ الأناجيل وشروحها، والرسلِ وسيَرهم، ونحوِ ذلك؛ وإنما سمِّيت إسرائيلياتٍ لأن الغالبَ والكثيرَ منها إنما هو من ثقافةِ بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم.
والحق: أن ما في كتب التفسيرِ من المسيحيَّات أو من النصرانيَّات هو شيءٌ قليلٌ بالنسبةِ إلى ما فيها من الإسرائيليات؛ ولا يكادُ يُذكر بجانبها، وليس لها من الآثارِ السيئة ما للإسرائيليات؛ إذ معظمُها في الأخلاق، والمواعظِ، وتهذيبِ النفوس، وترقيق القلوب (^١).
قلتُ: وأخبثُ الإسرائيلياتِ وأكثرُها خطرًا هو تلك التي يُخلط فيها بعضُ آيات القرآن، فلا شكَّ أنها مِن وضعِ كذابٍ خبيثٍ؛ لأنه أراد بتضمينه إياها آياتٍ من القرآن إيهامَ رفعها، ودفعَ الشكِّ عنها، وهذا أسلوبٌ لجأ إليه بعضُ الوضَّاعين بأنْ خلطوا مع الإسرائيلياتِ بعضَ ما ورد في القرآن والسنَّة، ليلبِّسوا على العامَّة أنها ليست من الإسرائيليات، وليست مما يقال بالرأي، وبالتالي فهي من المرفوع،
_________________
(١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ١٢ - ١٤).
[ المقدمة / ١٣١ ]
فينفِّقوا بذلك أكاذيبَهم وأباطيلهم، ويدسُّوا من خلاله شُبَههم، وسيأتي بعض الأمثلة على هذا ضمن هذا الفصل.
وقد كثُر في كتب التفسير إيرادُ الإسرائيليات، وأكثرُها كما تقدَّم طامَّاتٌ لم ينبِّه ناقلوها على أصله، ولم يُوْقَف على قائله، فكانت مثارًا للشكِّ والطعن والتقوُّلِ على الإسلام ونبيِّه -ﷺ-.
لكن قد نبَّه أبو شهبة ﵀ هنا إلى مسألةٍ مهمةٍ فقال: وأحبُّ أن أنبِّهَ أنه ليس معنى أنَّ هذه الإسرائيلياتِ المكذوباتِ والباطلاتِ مرويةٌ عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد اللَّه بن سلام، وأمثالِهم، أنها مِن وضعِهم واختلاقِهم، كما زعم ذلك بعضُ الناسِ اليومَ، وإنما معنى ذلك: أنهم هم الذين روَوْها، ونقلوها لبعضِ الصحابة والتابعين من كتبِ أهل الكتاب ومعارِفهم، وليسوا هم الذين اختلقوها، وإنما اختلَقَها وافْتَجَرها أسلافُهم القدماء.
ولم يقلْ أحدٌ من أئمةِ الجرح والتعديلِ على حصافتهم وبُعد نظرهم: إن كعبًا ووهبًا وعبد اللَّه بنَ سلامٍ وتميمًا الداريَّ وأمثالَهم كانوا وضَّاعين، يتعمَّدون الكذب والاختلاقَ من عند أنفسِهم، وإنما الذي قالوه عنهم: إنهم كانوا هم الواسطةَ في حمل ونقلِ معارفِ أهل الكتاب إلى المسلمين، وإن البعضَ رواها عنهم، فليس الذنبُ ذنبَهم، وإنما الذَّنبُ ذنبُ مَن نقلها ورواها عنهم من غيرِ بيانٍ لكذبها وبُطلانها (^١).
ووهبٌ هو عالمُ أهلِ اليمن، روَى عن ابن عُمرَ وابن عباسٍ وجابرٍ وغيرِهم، وكان ثقةً، توفِّي سنةَ أربعَ عشرةَ ومئةٍ، وقد رُوي عنه في التفسير روايات كثيرةٌ جدًّا، مما في كتب أهل الكتاب.
_________________
(١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ٩٦ - ٩٧).
[ المقدمة / ١٣٢ ]
وكعبُ الأحبار روَى عن النبيِّ -ﷺ-، ولكنه مرسل؛ لأنه لم يلقَ النبيَّ ولم يَسمع منه، وعن عمرَ، وصهيبٍ، والسيدةِ عائشةَ، وروَى عنه من الصحابةِ معاويةُ وأبو هريرةَ وابنُ عباسٍ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ وغيرُه من التابعين. وقد أثنى عليه العلماءُ، وكان قبلَ إسلامه يهوديًّا عالمًا بكتبهم وثقافتِهم، حتى قيل له: كعبٌ الحبرُ، وكعبُ الأحبارِ.
ويمكن تقسيمُ الإسرائيلياتِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ لا حجةَ في ذكرِ أيٍّ منها:
فمنها: ما علِمنا صحته بشرعنا، فما جاء به شرعُنا أولَى بالذكر.
ومنها: ما علِمنا كذبَه لكونه خالفَ ما عندنا، فلا يجوزُ ذكره.
ومنها: ما هو مسكوت عنه، فلا نكذِّبه ولا نصدِّقه، وتَجوزُ حكايتُه، لكنْ لا فائدةَ فيه تعودُ على الدِّين، وإنما لجأ إليه كثير من المفسِّرين لملءِ الفراغاتِ التي يتركُها القرآنُ في القصص بأسلوبِه المعجِز المترفِّع عن إيرادِ التفصيلات التي لا لزومَ لها، بل قد تشتِّت الذهنَ وتصرفُ عن العبرة التي سِيقت القصة لأجلها.
وينبغي الاعترافُ أنَّ هذا التفسيرَ من التفاسيرِ التي وقع فيها ذكرُ الكثير من الإسرائيليات، وغالبُه نسبه المؤلِّف ﵀ لوهبِ بن منبِّهٍ، وبعضُه عن كعبِ الأحبار.
ويجب التنبيهُ هنا إلى ملاحظة مهمة أشار إليها أبو شهبة ﵀، وهي أن مَن أورد الإسرائيليات وعزاها لكعبِ الأحبارِ أو وهبِ بن منبِّهٍ أو عبدِ اللَّه بن سلام وأضرابهم، فإنه قد دلَّ بعزوِها إليهم أنها مما حملوه وتلقَّوه عن كتبِهم ورؤسائهم قبل إسلامهم، ثم لم يَزالوا يذكرونه بعد إسلامهم، وأنها ليستْ مما تلقَّوه عن النبيِّ
[ المقدمة / ١٣٣ ]
أو الصحابةِ، فكانت نسبتُها إليهم تشير إلى مصدرها، ومن أين جاءت، وأن الرواية الإسلامية بريئة منها (^١).
قلتُ: ولعل هذا يفسِّرُ كونَ بعضِ هذه الأخبار قد رُويت في كتبٍ تُنسبُ لأئمةٍ كبارٍ من أهل الحديث عُرف عنهم التحرِّي في الأخبار، ككتاب "الزهد" للإمام أحمد، و"تفسير الطبري"، و"تفسير ابن أبي حاتم"، فقد رُوي فيها بعضُ أخبارِ وهبٍ التي لا غبارَ على أنها مما أخذه عن الإسرائيليات، كقصةِ أيوبَ التي وردت عند الطبريِّ في أكثرِ من عشر صفحات، ولم يتعقَّبها بشيءٍ، وكقصةِ موسى التي وردت أيضًا مطوَّلةً في "الزهد" للإمام أحمدَ، وسيأتي العزوُ لهذين المصدرينِ في الكتاب في مواضعه إن شاء اللَّه، فما أورده المؤلف كذلك منسوبًا لمَن ذكرْنا لا يَحطُّ من قيمةِ الكتاب كما لم يحطَّ ذلك من تلك الكتب، نعم قد يكونُ في الإكثار منها ما يؤخذ عليه.
وتبقى الطامَّة في الكثيرِ من الإسرائيليَّاتِ الذي جاء موقوفًا على الصَّحابة، ومنسوبًا إليهم ﵃، فيظنُّ مَن لا يعلمُ حقيقةَ الأمر، ومَن ليس مِن أهل العلمِ بالحديث، أنها متلقَّاةٌ عن النبيِّ -ﷺ-، لأنَّها من الأمورِ التي لا مجالَ للرأي فيها.
وأمَّا الطامَّةُ الأكبرُ والأعظمُ والأخطرُ فهي أن بعض الزنادقة والوضَّاعين وضعفاءِ الإيمانِ قد رفَعوا هذه الإسرائيلياتِ إلى المعصومِ -ﷺ-، ونَسبوها إليه صراحةً، وهنا يكون الضررُ الفاحشُ والجنايةُ الكبرى على الإسلام، والتجنِّي الآثمُ على النبيِّ -ﷺ-؛ فإنَّ نسبة الغلط أو الخطأ أو الكذبِ إلى الراوي أيًّا كان أهونُ بكثيرٍ من نسبة ذلك إلى النبيِّ -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) أنظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ٩٤).
(٢) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ٩٤ - ٩٥).
[ المقدمة / ١٣٤ ]
فهذه مقدِّمةٌ لا بدَّ منها قبلَ الخوضِ فيما ورد في هذا الكتابِ من الأخبارِ التي لا شكَّ أن كثيرًا منها هو من خرافاتِ بني إسرائيلَ وأباطيلِهم، فالمؤلِّفُ ﵀ مثلُ عامَّةِ المفسِّرين لم يتوانَ عن إيراد الإسرائيليات التي يراها مناسبةً للموضع، ولو كان واضحًا أنها كذلك؛ كما في إيراده قصةَ خلقِ آدمَ وأكلهِ من الشجرةِ نقلًا عن وهبِ بن منبِّهٍ، وقد صرَّح مكيٌّ بأن ذلك الخبرَ مما أخذَه وهبٌ عن أهلِ الكتاب.
ومن ذلك ممَّا يوازي الإسرائيلياتِ في الخرافة بل يفوقُها قصةُ النمرودِ التي رواها المؤلِّفُ بالسند المتَّصل إلى الراوي، وهو دِهقانٌ أسلمَ على زمنِ عُمر، وهي قصةٌ طويلةٌ مليئةٌ بالعجائب والغرائبِ والأساطيرِ التي لا تقبلُها العقول.
- ومن أمثلةِ ما نقله المؤلفُ من الإسرائيليات: ما جاء عندَ قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]، فقد ذكر خبرًا عجيبًا غريبًا لا تقبلُه عقولٌ ولا تتَّسعُ له الأفهام، فقال: وقال وَهْبٌ: صار أعظمَ ثعبانٍ نظرَ إليه الناظرون، أسودَ مدلهمًّا يدبُّ على قوائمَ غلاظٍ قِصَارٍ شدادٍ في مثلِ بدنِ البُختيِّ العظيم، إلا أنه أطولُ منه بدنًا وعنقًا ومشفرًا، وإن له ذنَبًا طويلًا غليظًا يقوم عليه فيُشرف على حيطان المدينة برأسه وعُنقه، ثم يقع على الأرض فلا يأتي على شيءٍ إلا حطَمه، وخدَش بقوائمه الصخرَ والرُّخامَ والحيطانَ والبيوت، حتى يرمي بعضَها على بعضٍ، يتنفَّسُ في البيوت والخزائن فيَشتعِلُ كلُّ شيءٍ منها نارًا، وله عينان تتوقَّدان نارًا، ومَنْخِران يخرج منهما الدُّخان، وقد صار له المحجَن عُرفًا على ظهره، وشعورًا سودًا غلاظًا مثلَ الرِّماح الطِّوال لا يُصيب منها شيئًا إلا قطَعه، وقد جُعلت الشعبتانِ له فمًا مثلَ القَليب الواسع يخرجُ منه رياحُ السَّموم لا يُصيب أحدًا منه نفخةٌ إلا صار أسودَ مثلَ الليل المظلِم، في فيه أضراسٌ وأنيابٌ، في أعلى شدقِه اثنانِ وسبعون ضرسًا، وفي أسفلهِ مثلُ ذلك، له صريرٌ يَصمُّ مَن سمعه، ما يسمعُ الرجل كلامَ جليسه إذا ضربَ
[ المقدمة / ١٣٥ ]
أضراسَه بعضَها على بعضٍ، وإنه ليَهدر مثلَ البعير يتزبَّد شدقاه زبَدًا أبيضَ، يَتطاير لعابه فلا يقع منه قطرةٌ على أحدٍ إلا اشتعل برَصًا، فأدخلَ الثعبانُ أحدَ شدقيهِ تحت سريرِ فرعونَ والآخَرَ فوقه وفرعونُ -لعنه اللَّه- على سريره، فسَلَح في ثيابه، فلمَّا عاين الناسُ ذلك من أمر الثعبان -وكان قد اجتمع أهلُ المدينة بأسرهم- انهزموا وولَّوا ذاهبين، وتزاحَموا في الأبواب، وتضاغَطوا ووطئَ بعضهم بعضًا، فمات يومئذ خمسٌ وعشرون ألفًا، فقام فرعونُ اللعينُ فوقع عن سريره، وكان اللَّه تعالى قد أملَى له حتى كان يمكثُ أربعينَ يومًا لا يَخرجُ من بطنه شيءٌ، ولا يُحدِث إلا في كلِّ أربعين يومًا مرةً، فلمَّا كان يومئذٍ أحدَثَ في ثيابه حتى علِم به جلساؤه، وكان يأكلُ ويشرب جاهدًا، ولا يَبصقُ ولا يَتمخَّط لا يتنخَّعُ ولا تَذرُف عيناه، ولا يمرضُ ولا يصدعُ ولا يَسقمُ ولا يَهرمُ ولا يَفتقِر، شابَّ السنِّ، فكان على هذا أربعَ مئة سنةٍ، فلمَّا كان يومئذٍ أحدثَ وبصق وامتخَط وأخذَه المرضُ والصُّداع واختلف بطنُه أربعين مرةً، فلم يزل بعد ذلك يختلفُ حتى مات عليه.
هذا الخبرُ رواه ابنُ عساكرَ في "تاريخه"، وهو مع ما فيه من المبالغاتِ التي لا يقبلُها العقل، فيه مخالفةٌ لِمَا جاء به الشرعُ، فهذا الحيوان بوصفه المذكورِ في هذه القصةِ يخالفُ نصَّ القرآن الذي جاء فيه أنه حيةٌ تسعى، وأنه ثعبانٌ مُبين، وهذا المذكور لا يُشبه الحيةَ ولا الثعبانَ، ولا حتى غيرَهما من الحيوانات التي نعرفُها أو نتخيَّلُها، ثم مَن الذي استطاعَ أن يَثبُتَ في ذلك الموقفِ الرهيبِ الغريبِ العجيبِ ليَعدَّ أضراسَه التي في شِدقهِ الأعلى أنَّها اثنان وسبعون، وإن تسنَّى له ذلك واستطاعَه فكيف عرَف عددَ تلك التي في شِدقه الأسفلِ؟! وكيف هي الوسيلةُ التي عرَف بها جلساءُ فرعون أنه أحدَث؟ أو مَن هو الذي كان بينَ جلسائهِ ونقَل لنا هذا الحدثَ؟
[ المقدمة / ١٣٦ ]
أم كيف عُرف كم اختلف بطنُ فرعون إذ ذاك؟ ومَن الذي كان يراقبه ويعدُّ ذلك الحدثَ عليه؟ فلا شكَّ أن هذا الخبر من أباطيل بني إسرائيل.
- ثم ذكر بعدَه المؤلفُ عن الحسن أنه قال: ولمَّا عاينَ ذلك قال: يا موسى، ارجع يومَك هذا وكفَّ ثعبانَك هذا، قاله سرًّا دون أصحابه، وقال لأصحابه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩]، وقال له: يا موسى، ألَا رَفَقْتَ بالأمر، قتلتَ خمسة وعشرين ألفًا، بهذا أمرك ربُّك الذي بعثك؟ قال: يا فرعونُ، أنت فعلتَ هذا، يا فرعونُ أسألُك واحدةً وأعطيك أربعًا، قال: وما الَّذي تسألني؟ قال: أسألُك أن تعبدَ اللَّه وحده ولا تشركَ به شيئًا، وأعطيك الشبابَ لا تهرم، والملكَ لا ينازعك فيه أحد، والصحةَ لا تَسقم، والجنةَ خالدًا، فخضع له فرعون وقال: حتى أستأمرَ آسيَةَ بنتَ مزاحمٍ، فدخل عليها فقال لها: يا آسيةُ، ألَا ترَيْن إلى موسى إلى ما يَدْعوني وما يعطيني؟ قالت: وما هو؟ قال: يدعوني إلى أنْ أعبدَ اللَّه ولا أشركَ به شيئًا، وأنَّ لي الشبابَ لا أهرمُ، والملكَ لا ينازعُني فيه أحد، والصحةَ لا أسقمُ، والجنةَ خالدًا، قالت: يا فرعون، وهل رأيتَ أحدًا يصيب هذا فيَدعَه؟ قال: فخرج فدعا هامانَ -قال الحسن ﵀: وكان لا يُعرف له نسبٌ- فذكر له ذلك واستشاره، فقال له هامان: اتعبدُ بعد إذ كنتَ تُعبد؟! فبدا له وذكرَ أمرَ الشيب، فقال: أنا أردُّك شابًّا، فخضَبه بالسواد، وهو أولُ مَن خضب بالسَّواد، فدخل على آسية، وقال: يا آسية، ألَا تَرَيني صرتُ شابًا؟ قالت: مَن فعل هذا بك؟ قال: هامان، قالت: ذاك إن لم يَنْصَلُ.
وهذا أيضًا رواه ابنُ عساكر في "تاريخه"، وليس هذا بأحسنَ من سابِقِه، ولا شكَّ أنه مكذوبٌ على الحسن، ومَن وضعه كذابٌ خبيث، فقد رواه ابن عساكر من طريق إسحاقَ بنِ بشرٍ عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ عنه، وإسحاقُ بن بشرٍ هو صاحب كتاب
[ المقدمة / ١٣٧ ]
"المبتدأ" كذَّبه عليُّ بنُ المدينيِّ، وقال الدارقطنيُّ: كذَّابٌ متروك. وقال ابن حبَّان: لا يحلُّ كَتْبُ حديثه إلا على جهةِ التعجُّب (^١).
كما أن قولَ فرعون: قتلتَ خمسةً وعشرين ألفًا، ظاهر أنه مبنيٌّ على الخبر السابق وتابعٌ له، والسابق رواه ابن عساكر من طريق إسحاق عن إدريس عن وهب، ولعله مكذوب على وهب أيضًا، فإسحاقُ هو ابنُ بشرٍ، وقد ذكرنا حاله، وإدريسُ هو ابنُ سنانٍ سبطُ وهبِ بن منبِّه، قال عنه الدارقطني: متروك (^٢).
ثم كيف يُتصوَّر أن يدعوَ موسى فرعونَ إلى الإيمان باللَّه على أساسِ تلك المرغِّبات التي يخالفُ بعضُها سنةَ اللَّه في عباده، فمَن ذا الذي يعطَى الشبابَ بلا هرَم، والصحةَ بلا سقم؟! وأيُّ إيمان هذا الذي يُبْنى على زهرةِ الحياة الدنيا التي هي فتنةٌ للكفار وليست طريقًا للإيمان باللَّه سبحانه؟ كما قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]، فأيُّ ميزةٍ لفرعون حتى يكونَ ما جُعل فتنةً لغيرِه سبيلًا له إلى الإيمان؟ علمًا أن هذا التمتيعَ الذي في الآيةِ هو أقلُّ بكثيرٍ مما وعَد به موسى فرعونَ في هذا الخبر.
وإنما قلتُ: إن واضعَها كذابٌ خبيث؛ لأنه ضمَّن الخبر آيةً من القرآن لإيهام رفعِها، وقد تقدَّم بيان ذلك، ومن الأمثلةِ عليه أيضًا ما ذكره المؤلفُ في الآية نفسها عن قتادةَ، حيث قال:
وقال قتادةُ: لمَّا أخذ موسى الألواحَ قال: يا ربّ، إنِّي أجدُ في التوراة -أي: الألواح- أمَّةً هي خيرُ الأمم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،
_________________
(١) انظر: "ميزان الاعتدال" (١/ ١٩٢).
(٢) انظر: "ميزان الاعتدال" (١/ ١٨٠).
[ المقدمة / ١٣٨ ]
فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمةُ محمدٍ -ﷺ-، فقال: يا ربّ، إنِّي أجد في التوراة أمةً سمَّيتَهم المتقين وسمَّيتهم عابدين وصالحين؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إنِّي أجد في التوراة أمةً هم الآخِرون السابقون يومَ القيامة؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إنِّي أجدُ في التوراة أمةً يأخذون صدقاتها فيأكلونها في بطونهم فيؤجَرون عليها؟ قال: هم أمة محمد، قال يا ربّ، إني أجد في التوراة أمةً هم المستجيبون والمستجابُ لهم؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمةً يقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتِلوا الدجَّال؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إني أجد في التوراة أمةً أناجيلُهم في صدورهم؟ فقال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً الجنةُ محرَّمة على الأنبياء حتى يدخلَها نبيُّهم، وعلى الأمم حتى تدخلها أمَّتُه؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً غَفرْتَ لهم قبل أن يَستغفروك، وأعطيتَهم قبل أن يسألوك؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً رضُوا عنك باليسير من الرزق ورضيتَ عنهم باليسير من العمل؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجدُ في التوراة أمةً هم الشافعون والمشفوعُ لهم؟ قال: هم أمة محمد، قال: فاجعلهم أمتي، قال: إنك لن تدركهم، فقال موسى: الوفدُ وفدي والحياءُ لأمة محمد، فاجعلني من أمة محمد، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الآية، فرضي، وزِيدَ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩].
قال أبو شهبةَ: إن آثارَ الوضعِ والاختلاقِ باديةٌ عليه، والسندُ مطعونٌ فيه، وهي أمور مأخوذٌ من القرآن والأحاديث، ثم صِيغت هذه الصياغةَ الدقيقة، وجُعلتْ على لسانِ موسى ﵇.
[ المقدمة / ١٣٩ ]
ثم نقَل عن ابن كثيرٍ قوله: وروَى ابن جرير عن قتادةَ في هذا قولًا غريبًا لا يصحُّ إسناده إلى حكاية قتادة، وقد ردَّه ابنُ عطية وغيرُ واحدٍ من العلماء، وهو جديرٌ بالرَّدِّ، وكأنه تلقَّاه قتادةُ عن بعضِ أهل الكتاب، وفيهم كذَّابون ووضَّاعون، وأفَّاكون وزنادقةٌ.
قال: وصدَق ابنُ كثير فيما قال، وأرجِّحُ أن يكون من وضعِ زنادقتهم كي يُظهِروا الأنبياء بمظهَر المتحاسدِينَ، لا بمظهرِ الإخوان المتحابِّين. . .
قال: ومما يؤيِّد أنه من وضع الإسرائيليين الدُّهاة أن نحوًا من هذا المرويِّ عن قتادة قد رواه الثعلبيُّ وتلميذُه البغويُّ عن كعبِ الأحبار، ولا خلافَ إلا في تقديم بعض الفضائل وتأخيرِ البعض الآخر (^١).
فهذا مجملُ ما لاحَ لنا في استبيانِ منهجِ المؤلِّفِ في هذا السِّفرِ الكبيرِ، وهو بحاجةٍ إلى إفرادِ دراساتٍ أكاديميَّةٍ علميَّةٍ عنه، لعلَّ اللَّهَ ييسِّرُ -بعدَ أن منَّ علينا بإخراجهِ للنُّورِ- مَن يقومُ عليهِ من الطلبةِ والباحثينَ بالدراساتِ اللائقةِ به في قادمِ الأيامِ. واللَّه الموفِّق.
* * *
_________________
(١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" (ص: ٢٠٥).
[ المقدمة / ١٤٠ ]