بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه الذي شرَح لرسوله صدرَه، الرحمنِ الذي وضع عنه وِزرَه، الرحيمِ الذي رفَع له ذكرَه.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ أُعطي من الأجر كمَن أحبَّ محمدًا ففرِّج به عنه" (^٢).
وهذه السورة مكيةٌ، وهي ثمان آيات، وسبعٌ وعشرون كلمةً، ومئةُ حرف وحرفان.
وانتظام السورتين: أنهما في تعدادِ نِعَم اللَّه تعالى على رسوله المصطفى.
* * *
(١) - ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد شرَحْنا لك صدرك، يعني: وسَّعناه بالإيمان والتوحيد؛ قاله مقاتل (^٣).
_________________
(١) في (أ): "الانشراح".
(٢) رواه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥١٥) بلفظ: "ومَن قرأ سورةَ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ أُعطِيَ من الأَجْر، كمَن لَقِي محمدًا -ﷺ- مُغْتمًّا ففُرِّج عنه"، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٠٨)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٤٢).
[ ١٥ / ٣٩٥ ]
ويقال: فتَحناه، ويقال: نوَّرْناه.
وقال الكلبي: أتاه جبريل ﵇ فشقَّ بطنه وأبدى عن قلبه، ثم جاء بدلوٍ من ماء زمزمَ فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطستٍ من ذهب قد مُلئ علمًا وإيمانًا فوضعه فيه.
يُذكر هذا حين جاء جبريل بالبراق ليلة المعراج (^١)، ويذكر حين كان عند حليمةَ في السنةِ التي أعاده اللَّه تعالى فيها إلى عبد المطلب (^٢).
وقيل: أي: وسَّعنا لك صدرك لتحملَ أثقال النبوة، فقد كان محتاجًا إلى تبليغ الوحي إلى الجن والإنس، وإلى مُناصبةِ كلِّ أهل الأرض، وفيه ما يَضيقُ به الصدر، فشرح صدره حتى اعتنق ذلك كلَّه على سهولة.
* * *
(٢ - ٤) - ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾: وهو قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وهو زلةٌ لا نعرفها نحن بعينها، وهي تركُ الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتَبون بمثلها لعلوِّ مقامهم.
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: أي: أثقله حتى جعله نِقْضًا -بالكسر-؛ أي: مهزولًا.
وقيل: حتى سُمع نقيضُه؛ أي: صوتُ مفاصله، وزلَّاتُ الأنبياء لا تكون بهذه
_________________
(١) قصة شق بطنه -ﷺ- ليلة المعراج مروية في الصحيحين من حديث أنس عند البخاري (٧٥١٧)، ومسلم (١٦٢/ ٢٦٢). ومن حديث أنسٍ عن مالك بن صعصعة عند البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤). ومن حديث أنس عن أبي ذر عند البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).
(٢) رواه مسلم (١٦٢/ ٢٦١) من حديث أنسٍ.
[ ١٥ / ٣٩٦ ]
الدرجة، لكن اهتمامَهم بذلك وخجلَهم بورود العتاب عليهم في ذلك يُورد عليهم هذه المشقَّة.
وقيل: معناه: عصمناك من الوِزر الذي لولا عصمتُنا ووقعْتَ فيه لأَنقض ظهرك.
وقيل: معنى ﴿وضعنا عنك وزرك﴾؛ أي: حِمْلك، وهو الهمُّ الذي أصاب قلبه -وذلك حملٌ ثقيل- بالخروج من مكة.
وقيل: هو همُّ (^١) تبليغ الوحي إلى كلِّ الخلق، ووضعُه: رفعه عن قلبه وتسهيلُه على طبعه.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: أي: ذكَرناك للرسل في كتبهم، ولك المقامُ المحمود ودرجةُ الوسيلةِ والفضيلة على كلِّ البرية.
وقيل: أي: قَرنتُ ذكرَك بذكري، فلا أُذْكر إلا ذُكِرْتَ معي في الشهادة والأذان والإقامة والتشهُّد والخطبة، وقد كُتب ذلك مجموعًا على ساق العرش، وجبهةِ الشمس والقمر، وأبوابِ الجنة وأوراقِ أشجارها وملابسِ أهلها، وكذا وكذا.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: عرَّف العسرَ بالألف واللام، وكرَّر قوله: ﴿يُسْرًا﴾ منكَّرًا فدلَّ أنهما يسران؛ إذ لو كان الثاني هو الأولَ لعرَّفه؛ لأن النكرة إذا أُعيدت عرِّفت، قال اللَّه تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ [النور: ١٣].
_________________
(١) في (ر): "هي هم"، وكلمة "هو" ليست في (أ)، وكلمة "هم" ليست في (ف).
[ ١٥ / ٣٩٧ ]
وقال ابن عباس وابن مسعود ﵃ في هذا: لن يَغْلِب عسرٌ يُسرين (^١).
وعلى هذا أهل النحو من أهل الكوفة وأهل البصرة.
وعن النبي -ﷺ-: أنه خرج على أصحابه ذات يوم فرِحًا مستبشرًا وهو يضحك ويقول: "لن يَغلبَ عسرٌ يُسرينِ، لن يغلبَ عسرٌ يُسرين ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ " (^٢).
وعلى هذا معناه في حق النبيِّ -ﷺ-: لك يا محمدُ مع عسرِ الزلَّةِ يُسران: سترُها بغير تعيين، وغفرُها بغيرِ تعيين (^٣).
وقيل: ذلك مع عسرِ الخروج من مكة يسران: الحفظُ في الطريق عن قصدهم، والرجوع إلى مكة وفتحُها على رغمهم.
وقيل: لك يا محمد مع عسرِ أداء الوحي يسران: النصرُ على الأعداء في الدنيا، والشفاعةُ في العصاة من العُقبى.
وقيل: لك مع عسر الفقر يُسران: المغانم في الدنيا، والدرجات في العقبى.
وقيل: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ أي: بعد العسر.
وقيل: بل يجيء اليُسر ويزيل العسرَ فيلاقيه.
* * *
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "التفسير" (٣٦٤٤) من قول ابن مسعود ﵁. ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٤٤٦)، وابن المبارك في "الجهاد" (٢١٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٩٤٨٦)، من قول عمر ﵁.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٤٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٩٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣٩٥٠)، عن الحسن البصري عن النبي -ﷺ- مرسلًا.
(٣) في (أ) و(ف): "وعفوها بغير تعيير" بدل: "وغفرها بغير تعيين".
[ ١٥ / ٣٩٨ ]
(٧ - ٨) - ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
قال قتاده: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من الفرائض ﴿فَانْصَبْ﴾؛ أي: فاتعب في النوافل ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾؛ أي: ادعُه بحوائجك (^١).
وقال مجاهد: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من أمور (^٢) نفسك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في سؤال حوائجك (^٣).
وقيل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من دعوة الخَلْق إلينا ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادتنا ولا تطلبْ راحةَ نفسك ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾: سَلْ حوائجك منا.
وقيل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من مُهمَّاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في دعوة الخَلْق ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في طلب التوفيق لذلك.
وقيل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من الصلاة ﴿فَانْصَبْ﴾ في الذكر والقراءة ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في طلب مراداتك.
وقيل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من التعليم ﴿فَانْصَبْ﴾ في العمل ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في بلوغ الأمل.
واللَّه الموفق
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٤٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٩٨)، بلفظ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدُّعاء.
(٢) في (ر): "من حوائج".
(٣) ذكره ابن فورك في "تفسيره" (٣/ ٢٤٠) دون قوله: " ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في سؤال حوائجك". ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٩٨) بلفظ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرَغْت من أسباب نفسك فصلِّ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعلْ نيتك ورغبتك إلى ربِّك.
[ ١٥ / ٣٩٩ ]