بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي ما خلَقَ السماواتِ والأرضَ وما بينها إلا بالحق، الرَّحمنِ الذي جعَلَ المسلمين التائبين مِن أصحاب الجنةِ وَعْدَ الصِّدْق، الرَّحيمِ الذي لا يُهْلِكُ إلا أهلَ الفِسْق.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأَ سورةَ الأحقافِ كتبَ اللَّهُ له بكل رَمَلٍ في الدنيا عشرَ حسناتٍ" (^١).
وهذه السورةُ مَكِّيَّةٌ إلَّا قولَه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ الآيتين، فإنهما نزَلَتا بالمدينة.
وآياتُها: خمسٌ وثلاثون. وقيل: ستٌّ (^٢).
وكلماتُها: ستُّ مئةٍ وثلاثٌ وأربعون.
وحروفُها: ألفان وستُّ مئةٍ وستةَ عشرَ.
وانتظامُ (^٣) آخرِ تلك السور بأوَّلِ هذه السورة: أنهما جميعًا في ذِكْرِ اسمِ اللَّه تعالى.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٥)، والواحد في "الوسيط" (٤/ ١٠٢)، وتتمته: "ومحي عنه عشر سيئات، ويرفع له عشر درجات"، وهو قطعة من الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٩١).
(٢) "وقيل: ست" ليس في (أ)، وقد ذكر الداني أن الخلاف في عدد آيات السورة هو بين كونها خمسًا وثلاثين آية أو أربعًا وثلاثين. انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ٢٢٧).
(٣) في (أ): "ونظم".
[ ١٣ / ٣٧١ ]
وانتظامُ السورتين: أنهما جميعًا في ذِكْر الكفر والإيمان، والطاعة والعِصْيان، والعُقوبة والغُفْران.
* * *
(١ - ٣) - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: مرَّ تفسيرُه.
وقولُه تعالى: ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾:
قيل: لِلْحَقِّ الذي له على خَلْقه، ولأَجَلٍ يَنتهي إليه، وهو يوم القيامة، وهو مُسَمًّى معلومٌ عنده وإنْ أخفاه على خَلْقه.
وقيل: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: مَقْرونًا بالحق، وهو التَّكليفُ بالأمر والنهي، ثم يَجْزِي يومَ القيامة بالثواب والعقاب، ومَقْرونًا بأجَلٍ مُسَمًّى، وهو ما بيَّنَّا.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾: أي: وكُفارُ مكةَ عمَّا خُوِّفوا به مُعْرِضون، لا يتفكَّرون فيه ولا يُؤمِنون به.
* * *
(٤) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: ما تعبُدون مِن دون اللَّه؛ أي: مِن الأصنام.
وقال القُتَبيُّ: ﴿ما﴾ هاهنا للجَمْع بمعنى (الذين) بدليل ما بعده (^١).
_________________
(١) انظر: "تفسير السمرقندي" (٣/ ٢٨٤).
[ ١٣ / ٣٧٢ ]
﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: أخبِروني أيَّ شيءٍ خلَقوا مما في الأرض إنْ كانوا آلهةً كالذي خلَقَ اللَّهُ تعالى؟!
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أي: أَلهم نصيبٌ يَدَّعونه في السماوات؛ أي: في خَلْق السماوات.
﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: أي: مِن قَبْل القرآن.
﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾: أي: روايةٍ تروونها مِن العلماء والأنبياء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أنَّ اللَّهَ أمرَكم بعبادة الأوثان.
قال عكرمة ومُقاتل: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾: أي: رِوايةٍ عن الأنبياء (^١)، وقد أثَرَ الحديثَ يأثُرُه، فهو مأثورٌ.
وقال أبو بكر بنُ عياش: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾: أي: بَقِيَّةِ عِلْمٍ (^٢)، وأثَرُ الشَّيءِ: بقيَّتُه.
وقيل: أرادَ بالأَثارة ما كانت العربُ تعرِفُ بعضَ الأشياء به، مِن العِيافة والزَّجْر والخَطِّ والطَّرْق (^٣). . . . . . . .
_________________
(١) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٤٩). وانظر قول مقاتل في "تفسيره" (٤/ ١٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٠٣).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١١٥)، وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٦٨١١)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٧١). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٤٩) عن الكلبي، وهو قول الفراء كما في "معاني القرآن" (٣/ ٥٠)، وأبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" (٢/ ٢١٢).
(٣) العيافة: زجر الطير، وهو أن يرى طائرًا أو غرابًا فيتطير، وإن لم ير شيئًا فقال بالحدس كان عيافة أيضًا. وقريب منه الزَّجْر: وهو التيمن بسنوح الطير وغيرها، والتشاؤم ببروحها. انظر: "تهذيب اللغة" (٣/ ١٤٧، ١٠/ ٣١٨). =
[ ١٣ / ٣٧٣ ]
مما كانوا يَأْثُرونه عن أسلافهم، ويَدَّعون وقوعَ العلمِ بها وإن لم يكن لها حقيقةٌ.
يقول: بأيِّ حُجَّةٍ تُشركون باللَّه الذي تُقِرُّون أنه خالقُكم ورازقُكم غيرَه؟! ثم لن يجوزَ أنْ يُشْرِكَ به في العبادة إلا مَن شاركَه في السَّبَب الذي يستحِقُّ به العبادةَ، فهل خلَقَتِ الأصنامُ شيئًا مِن الأرض أم لهم شِرْكٌ في مُلْكِ السماوات؟! ولن تستطيعوا أنْ تَدَّعوا هذا، فمِن أي وجهٍ (^١) استجزتُم إشراكَها باللَّه تعالى؟! ثم إنِ ادَّعوا لآلهتهم شُركاءَ في الخَلْق فليُثْبِتوا ذلك بخبَرٍ؛ إذ لا مُشاهدة، وهو كتابٌ أو طريقٌ آخرُ يُعْلَمُ به، وإذا عُدِمَ هذا كلُّه فاعلموا أنكم كاذبون؛ إذ الصِّدْقُ لا يثبُتُ إلا ببُرْهان.
* * *
(٥) - ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا أضلُّ ممن يعبُدُ مِن دون اللَّه ويدعو بحاجته شيئًا لو دعاه إلى يوم القيامة لم يستجبْ له دعاءَه، ولا يكون عنده مَعونةٌ.
﴿وَهُمْ﴾؛ أي: المعبودون ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾؛ أي: دُعاءِ العابدين ﴿غَافِلُونَ﴾: لا يعلمون به؛ لأنَّها جمادٌ، جَمَع مع إفرادِ أوَّلِ الكلام؛ لأنَّ (ما) للعُموم معنًى، فإنْ كان هذا في الأصنام، فالجَمْعُ مع الواو (^٢) والنون لِمَا أنها وُصِفَتْ بصفات العُقلاء،
_________________
(١) = وأما الخط: فهو أن يخط بإصبعه في الرمل ويزجر، والطَّرْق: الضرب بالحصى، وهو نوع من التكهن. انظر: "الصحاح" (مادة: خطط وطرق).
(٢) في (أ): "شيء".
(٣) في (ر): "بالواو".
[ ١٣ / ٣٧٤ ]
وإنْ كان هذا في الملائكة والجن والشياطين، فمعنى ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: أنَّهم لا يَعْلَمون ما فيه هؤلاء المشركون، والملائكةُ مَشْغولون بالعبادة لا يخطُرُ ببالهم غيرُ ذلك، والجنُّ والشياطينُ لا عِلْمَ لهم بما غابَ عنهم.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾: أي: بُعثوا يوم القيامة وجُمِعوا.
﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾: أي: كان عبَدَةُ الأصنامِ للأصنام أعداءً؛ لِمَا ظهَرَ لهم مِن العُقوبة بسبب عبادتها، وإنْ كان هذا في عبَدةِ الملائكة، فمعناه: كانت الملائكة ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للعابدين ﴿أَعْدَاءً﴾ يقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ الآية [سبأ: ٤١].
﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: أي: مُتبَرِّئين أنْ يكونوا أمَرُوهم بها أو رضُوا بها، وكذلك الجنُّ والشياطينُ إذا اجتمَعوا في النار يكفُرُ بعضُهم ببعض ويلعَنُ بعضُهم بعضًا.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: أي: آياتُ القرآنِ واضحاتِ المعاني ظاهراتِ الإعجازِ.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: وهو تلبيسٌ منهم على الضَّعَفَة، وتنفيرٌ لهم عن السماع والقَبول.
* * *
(٨) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
[ ١٣ / ٣٧٥ ]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: أي: أيقولون هذا أم يقولون: اختلَقَه محمد مِن عند نفْسِه؟!
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾: فذاك معصيةٌ، واللَّهُ تعالى قادرٌ على أنْ يُعاقِبَني عليها.
﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: فلا تَقْدِرون أنتم على دَفْعِ عذابِ اللَّهِ عنِّي.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أي: بالكلام الذي تخوضون فيه مِن هذا الوجه.
﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: أي: شاهِدًا بأنه أرْسَلَني إليكم وأمرَني بتبليغ وَحْيِه إليكم.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾: لِمَن تابَ ﴿الرَّحِيمُ﴾: أي: الحليمُ، فلا يُعاجِلُ بالعقاب.
* * *
(٩) - ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أي: بَديعًا؛ أي: لستُ بأوَّلِ رسولٍ، فقد أرسلَ اللَّه تعالى قَبْلي رسلًا إلى أُمَمهم، وقد كان في الأنبياء مَن يَسْلَمُ مِن المِحَن، ومنهم مَن يُمْتَحَنُ بالهجرة عن الوطن، ومنهم مَن يُبْتلى بأنواع الفِتَن، والأممُ منهم مَن أُهْلِكَ بالخَسْف، ومنهم مَن كان هلاكُه بالقَذْف، وكذا بالمَسْخ والرَّجْف، والرِّيح والصَّيْحة والغَرَق وغيرِ ذلك.
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: مِن هذه الوجوه.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾: أي: ما أتَّبعُ.
﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: مُخَوِّفٌ ظاهرٌ، وهذا كان في أمر الدنيا، ثم أوحى إليه بما تكون عاقبةُ أمرِه وأمرِهم، فأمرَه بالهجرة، ووعدَه العِصْمَةَ مِن الناس، وحثَّه على الجهاد، وأخبرَه أنه يُظْهِرُ دينَه على الدِّين كلِّه، ويُسَلِّطُه على عدوه، ويستأصِلُهم بسيفه.
[ ١٣ / ٣٧٦ ]
وقال ابن عباس ومُقاتل: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾؛ أي: في الدنيا (^١).
_________________
(١) كذا ذكر المؤلف عن ابن عباس ومقاتل، ولم أجده عن أي منهما، بل ما نقل عنهما يخالف هذا، وهو أن المراد بالآية الآخرةُ والمعادُ، وأن اللَّه تعالى بيَّن له بعد ذلك عاقبته وأنه في الجنة، ونسخ هذه الآية بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، هذا ما قاله مقاتل في "تفسيره" (٤/ ١٧). ورواه أبو داود في "ناسخه" من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: نسختها هذه الآية التي في الفتح، فخرج إلى النَّاس فبشرهم بالذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر. .، الحديث. وروى معناه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٢١) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ فأنزل اللَّه بعد هذا: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. وهذا القول بكونها في المعاد وبالنسخ لم يرتضه أكثر العلماء، قال ابن الجوزي: والقول بنسخها لا يصح؛ لأنه إذا خفي عليه علم شيء ثم أعلم به لم يدخل ذلك في ناسخ ولا منسوخ، وقال النحاس: محال أن يقول رسول اللَّه للمشركين: ما أدري ما يفعل بي وبكم في الآخرة، ولم يزل يخبِر أن من مات على الكفر يخلد في النار ومن مات على الإيمان فهو في الجنة، فقد دَرَى ما يفعل به وبهم في الآخرة، والصحيح في معنى الآية قول الحسن: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا. انظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي (ص: ٢٢٧)، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: ٦٦٥). وقال أبو حيان: هذا القول ليس بظاهر، بل قد أعلم اللَّه تعالى نبيه ﵊ من أول الرسالة بحاله وحال المؤمن وحال الكافر في الآخرة. وقال الإمام الرازي: أكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا بأن النبي لا بد أن يعلم من نفسه كونه نبيا ومتى علم ذلك علم أنه لا يصدر عنه الكبائر وأنه مغفور وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكًا في أنه هل هو مغفور له أم لا، وبأنه لا شك أن الأنبياء أرفع حالًا من الأولياء، وقد قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] فكيف يعتقد بقاء الرسول وهو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء شاكًا في أنه هل هو من المغفورين أم لا. انظر: "تفسير الرازي" (٢٨/ ١٠)، و"روح المعاني" (٢٥/ ٦٥). وسيأتي مزيد كلام فيه لاحقًا.
[ ١٣ / ٣٧٧ ]
وقال الحسن: في المعاد (^١).
وقال أنس ﵁: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ فرِحَ المشركون فرَحًا شديدًا،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٢١) عن عكرمة والحسن مثل حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود في "ناسخه" وذكرناه في التعليق السابق. لكن روي عن الحسن خلافه، وهو أن المراد بالآية: في الدنيا، رواه مطولًا ومختصرًا الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٢٢)، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٦٦٥) واستحسنه كما تقدم وسيأتي، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٨٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٧٢)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٥٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٢٩٨). وهذا القول هو المرجح عن أكثر العلماء، وقد ذكرنا بعض ذلك في السابق، وهو الذي اختاره الطبري فقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دلّ عليه التنزيل، القول الذي قاله الحسن البصري) ثم أفاض في تعليل سبب اختياره لذلك. وكذلك النحاس استحسنه كما تقدم، ومما قال فيه زيادة على ما ذكرنا: وهذا أصحُّ قولٍ وأَحسنُه لا يَدْري -ﷺ- ما يَلْحقُه وإيَّاهم من مرضٍ وصحةٍ ورُخْصٍ وغلاءٍ وغنًى وفقرٍ، ومثلُه ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وفي كون معنى هذه الآية في الدنيا وجوه ذكرها ابن الفرس في "أحكام القرآن" (٣/ ٤٨٧) فقال: (وذهب الحسن بن أبي الحسن وغيره إلى أن معنى الآية: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من أن أنصر عليكم أو تنصروا علي. وذكر بعضهم عن الحسن أن معناها: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من غلاء أو رخص أو مرض أو غير ذلك من الأحداث. وقال قوم المعنى: ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وما يلزم الشريعة من أغراضها. وقال بعضهم: نزلت الآية في أمر كان النبي -ﷺ- ينتظره من اللَّه تعالى في غير الثواب والعقاب. وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج رسول اللَّه -ﷺ- من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة قلق المسلمون لتأخره فنزلت الآية. فالآية في هذه الأقوال كلها إنما هي في أمور الدنيا. ولا خلاف على ذلك بأن الآية محكمة). وما ذكره آخرًا عن ابن عباس سيأتي قريبًا تخريجه.
[ ١٣ / ٣٧٨ ]
وقالوا: واللَّاتِ والعُزَّى ما أمرُنا وأمرُ محمَّدٍ عند اللَّه إلا واحدٌ، وما له علينا مِن مزيَّةٍ وفضلٍ، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (^١).
وقال قتادة: قد بيَّنَ له ما يُفْعَلُ به بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (^٢).
وقال السُّدِّي: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ اغتَمَّ لها رسولُ اللَّهِ -ﷺ- والمؤمنون، فلما نزلَتْ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، قالت الصحابة: طوبى لكَ (^٣) يا رسولَ اللَّهِ، فقد بيَّنَ اللَّهُ ما يَفْعَلُ بكَ، وأمرُنا على خطَرٍ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى ما فرَّحَ به قلوبَهم، فقال: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية (^٤).
وقال الضحاك: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: ما تُؤمَرون به، وما تُنْهَون عنه (^٥).
قال ابن عباس ﵄: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- حين اشتدَّ البلاءُ بأصحابه مِن المشركين رأى رؤيا، فأخبَرَ بها أصحابَه، فقال: "رأيتُ أرْضًا أَخْرُجُ إليها مِن مكَّةَ ذاتَ نَخْلٍ لو كانت بأرض شَنُوءةَ نخيلٌ لقلتُ: إنها هي"، فقالت الصحابة: فمتى يكون ذلك؟ ومتى نخرُجُ مِن هذه الشدة؟ فأنزل اللَّه هذه الآيةَ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٥٣) عن أنس وقتادة والحسن وعكرمة، ونقله أيضًا ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٠٤) عن ابن عباس ﵄ من رواية علي بن أبي طلحة.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٤٤)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٢١).
(٣) في (أ): "طوباك".
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨)، والمارودي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٧٣).
[ ١٣ / ٣٧٩ ]
الرُّسُلِ﴾ (^١)؛ يعني: أنَّهم تجرَّعوا مِن البلايا والغُصَص ما شاء اللَّه، ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: في المستقبل أَتُحَقَّقُ رُؤْيايَ أم لا؟
* * *
(١٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: قل لهؤلاء المشركين: أرأيتم إنْ كان هذا القرآنُ الذي جئتكم به كلامًا للَّه تعالى جاء مِن عنده.
﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾: أنتُم، وقلتُم: ليس هو مِن عند اللَّه، وقلتُم: هو سِحْرٌ مُبينٌ.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: نبيٌّ مِن أنبياء بني إسرائيل، وهو موسى ﵇.
﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾: أي: على مِثْل ما قلتُه لكم: أنه مِن عند اللَّه.
﴿فَآمَنَ﴾: به (^٢) هذا النبيُّ مع محله.
﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أنتم، وجوابُه محذوفٌ هاهنا؛ قال الزجاج: هو: أتؤمنون؟ (^٣).
وقيل: أفما تَهْلِكون؟!
وقيل: أفلا تكونون ظالمين؟! يدلُّ عليه ما بعده:
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٧٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٥٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٨٠)، والقرطبي في "تفسيره" (١٩/ ١٨٦). وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) في (أ): "بي".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٤٤٠). ووقع في (ف): "هلا تأمنون" بدل: "هو أتؤمنون".
[ ١٣ / ٣٨٠ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ما داموا على ظُلْمهم.
والحَمْلُ على موسى ﵇ عن مسروق والشَّعبي، وقالا: السورةُ مَكِّيَّةٌ (^١).
وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك وعوف بن مالك الأَشْجَعِيُّ وابن زيد وعامَّةُ المفسرين: هو عبد اللَّه بن سلَامٍ (^٢).
وقال الضحاك في رواية: نزولُها في ابن يامين؛ شهِدَ على مِثْلِ شهادةِ عبد اللَّه بن سلَام، وشهِدَ ابنُ سلام على مِثْل شهادةِ ابن يامين (^٣).
وقال السُّدِّي: كان عبد اللَّه بن سلَام غائبًا بالشام، فقدِمَ مِن غَيْبَتِه ليلًا، فأتى
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٢٥ - ١٢٦)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٨٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٢٧) عن سعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن سلام، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والحسن، وابن زيد، وعوف بن مالك. ورواية ابن عباس ﵄ عزاها السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٤٣٨) إلى الطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه. ورواه عن مجاهد أيضًا ابنُ سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٥٣). ورواه عن قتادة أيضًا عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٢٨٤٣). ورواه عن الحسن أيضًا الحارثُ بن أبي أسامة في "مسنده" (١٠٢٧). ورواه عن الضحاك أيضًا ابنُ شبة في "تاريخ المدينة" (٤/ ١١٨٢)، والحاكم في "المستدرك" (٥٧٥٤). ورواه عن سعد بن أبي وقاص أيضًا البخاريُّ (٣٨١٢)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣٣١)، وغيرهما.
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٢٤٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٥٢) من غير نسبة، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٧٣) عن السدي، وهو قول مقاتل في "تفسيره" (٤/ ١٨).
[ ١٣ / ٣٨١ ]
النبيَّ ﵇، وتأمَّلَه وتحقَّقَ (^١) عنده أنه نبيٌّ، ثم قال له: إذا كان الغدُ فأَخْبِئْني في بيتٍ، وادعُ رؤساءَ اليهودِ وسَلْهم عني، فإنهم يُثْنُون عليَّ ويُحْسِنون فيَّ القولَ، ثم قل لهم: إنْ آمنَ بي عبدُ اللَّه أتؤمنون بي؟ فإنهم يقولون: إنْ أمَرَنا عبدُ اللَّه بالخروج عن أهالينا وأولادِنا خرَجْنا، ثم أَخْرُجُ أنا فأشهَدُ بشاهدة الحق، لعلَّ اللَّهَ يرزقُهم الإيمانَ، فلما كان مِن الغد اختبَأَ في بيتٍ، ودعاهم رسولُ اللَّه -ﷺ-، وسألَهم عنه فأحسنوا فيه القولَ، ثم خرَجَ عبدُ اللَّه، وشهِدَ بشهادة الحق، وقال لهم: يا مَعْشَرَ اليهودِ، أتعلمون (^٢) أنَّ موسى ﵇ بشَّرَنا بهذا الرسول، وقال لآبائنا: إنْ أدركتُموه فاقرؤوا عليه سلامي، وقولوا له: طُوبى لكَ (^٣)، وطُوبى لأُمَّتكَ؟ فتحيَّرَتِ اليهودُ، وقالت لعبد اللَّه: كنا نَعُدُّكَ لمِثْل هذا اليوم لِتَنْصُرَنا وتنصُرَ دينَ اللَّه، فإذا نحن بكَ وقد صَبَأْتَ، وما نرى ذلك إلا لخَرَفِكَ وهرَمِكَ (^٤).
وعلى القول الأول معناه: أنَّ المشركين كانوا يرجعون إلى علماء بني إسرائيل في كثير مِن الأمور، ويعتمدون على قولهم، ولو سألوهم أخبروهم أنَّ في كتابهم ذلك، وأنَّ موسى شهِدَ بذلك، وأخبَرَ به قومَه (^٥).
* * *
(١١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ر): "فنظر إلى وجهه وتحقق" بدل: "وتأمله وتحقق".
(٢) في (ف): "ألم تعلموا".
(٣) في (ف): "طوباك".
(٤) لم أقف عليه هكذا، لكن أصل القصة رواها البخاري (٣٣٢٩) من حديث أنس ﵁.
(٥) في (ر): "قومه بذلك" بدل من "به قومه".
[ ١٣ / ٣٨٢ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: المشركون ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾؛ أي لو كان هذا الكتابُ خيرًا مما نحن فيه مِن التَّدَيُّنِ بعبادة الأوثان (^١) ما سبَقَنا إليه هؤلاء؛ إذ هُم سفلَتُنا.
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾: أي: وإذ لم يتدبَّرِ الرُّؤَساءُ هذا القرآنَ استثقالًا منهم للنَّظَر، واستكبارًا عن الانقياد للمَرْؤُوسين عندهم، كابَروا فقالوا: ﴿هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾؛ أي: كذِبٌ مُتَقادِمٌ، وهو كقولهم: أساطيرُ الأولين.
* * *
(١٢) - ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِر الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾: أي: قَبْلَ القرآنِ كتابُ موسى، وهو التوراةُ، وهو مُصَدِّقٌ له، ومُبَشِّرٌ به وبمحمد الذي يجيءُ به، فكيف يكون إِفْكًا؟!
﴿إِمَامًا﴾: أي: قُدْوةً، نُصِبَ لأنه نكرةٌ لا نُعِتَ به معرفةٌ، فكان قَطْعًا.
﴿وَرَحْمَةً﴾: لِمَن اتَّبَعه واهتدى به.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾: أي: القرآنُ مُصَدِّقٌ لكتاب موسى.
﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾: أي: هو بلسانٍ عربيٍّ لا يُشْكِلُ على هؤلاء.
﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: قرأ ابنُ كثير في روايةٍ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ بتاء المخاطبة للنبيِّ ﵇، وقرأ الباقون بياء المُغَايبة؛ أي: القرآنُ (^٢).
_________________
(١) في (ف): "الأصنام".
(٢) قرأ نافع وابن عامر والبزي عن ابن كثير بخلف عنه بالتاء، والباقون بالياء. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨).
[ ١٣ / ٣٨٣ ]
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: أشرَكوا وعصَوا.
﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾: المؤمنين المُطيعين.
ويجوز في ﴿وَبُشْرَى﴾ الرَّفعُ عَطْفًا على ﴿مُصَدِّقٌ﴾، ويجوز النَّصْبُ عَطْفًا على ﴿لِتُنذِرَ﴾، وتقديرُه: إنذارًا وتبشيرًا، وهو كقولك: جئتُكَ لِأزوركَ وكرامةً لكَ.
وقال ابن عباس ﵄: يعني: ناسًا مِن مكة قالوا: نحن أعزُّ وأكرمُ مِن غيرنا، ولو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبَقَنا إليه خَبَّابٌ وصُهَيبٌ وبلالٌ، وعدُّوا جماعةً مِن الفقراء (^١).
وروى الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يعني: أسدًا وغَطَفانَ وحَنْظَلةَ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: يعني: جُهَيْنةَ ومُزَيْنةَ، ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما جاء به محمد ﴿خَيْرًا﴾ ما سبَقَنا إليه رعاءُ الغنمِ ورُذَالُ الناسِ (^٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ كما اهتدَتْ به جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾: أي: كذِبٌ قدِمَ العهدُ به وبمِثْله في سالِف الدُّهور.
* * *
(١٣ - ١٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٣٢)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٨٧) عن قتادة، وابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٢٧٨) من غير نسبة.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٢٧٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٥٦) عن الكلبي. وذكره الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٥١)، والزجاج في "معاني القرآن" (٤/ ٤٤٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٠٠) من غير نسبة. وجاء في (أ): "ورذالة الناس".
[ ١٣ / ٣٨٤ ]
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: فسَّرْناه في (حمَ) السجدة.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: وهم خِلافُ الطَّبَقةِ الأولى.
وقولُه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (^١): قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿إِحْسَانًا﴾، وقرأ الباقون: ﴿حُسْنًا﴾ (^٢).
عرَّفَ اللَّهُ تعالى بهذه الآية والتي بعدها اختلافَ أحوالِ الناس في التَّمَرُّدِ والعُتُوِّ والإصرارِ على الشرك، وفي الإِصْغاء إلى النَّصيحةِ، وقبولِ الدَّعوةِ إلى الإيمان مِن الأبوين، فإذا (^٣) كان كذلك في الوالدين والولدِ لم يَبْعُدْ في النبي ﵇ وقومِه.
يقول: أمَرْنا الإنسانَ في حقِّ والديه بالإحسان، ثمَّ بيَّنَ السَّبَبَ فقال:
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرو بفتح الكاف، والباقون بالضم (^٤)، وكلاهما لغةٌ، ومعناهما: المَشَقَّةُ.
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾: أي: مُدَّةُ حَمْلِه ومُدَّةُ فِطامِه ثلاثون شهرًا، وقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، فبقِيَ للحَمْلِ ستةُ أشهرٍ، وهي أدنى مُدَّةٍ يُتَصَوَّرُ فيها وَضْعُ الولدِ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "حسنًا"، وهما قراءاتان متواترتان.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩).
(٣) في (ف): "وإن".
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩).
[ ١٣ / ٣٨٥ ]
هذا بيانُ مَشَقَّةِ الأمِّ، والأبُ يلحَقُه مَشَقَّةُ النَّفَقَةِ والقيامِ بأسبابِها التي بها يُمْكِنُها ذلك، ومعاونتِها (^١) على التربية.
ورُوِيَ أنَّ امرأةً ولَدَتْ لستةِ أشهرٍ، فرُفِعَ ذلك لعُمرَ ﵁، فهَمَّ برَجْمِها، فبلَغَ ذلك عليًّا ﵁ فقال: لا رَجْمَ عليها، فبلَغَ عمرُ ﵁ قولَ عليٍّ، فأرسلَ إليه فسألَه عن ذلك، فقال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، فستةُ أشهرٍ وحَوْلان ثلاثون شهرًا، قال: فخلَّى سبيلَها (^٢).
ورُوِيَ أنَّ رجلًا تزوَّجَ امرأةً، فولَدَتْ لستةِ أشهرٍ، فجيءَ بها إلى عثمان ﵁، فتشاوَرَ في رَجْمِها، فقال ابن عباس: إنْ خاصَمْتكم بكتاب اللَّه تعالى خصَمْتكم، قالوا: كيف؟ قال: إنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، فحَمْلُها ستةُ أشهرٍ وفصالُه حولان، فتركها (^٣).
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: أي: حتى إذا بلغَ الولدُ لآأَشُدَّهُ﴾: كمالَ قُوَّتِه، وهو حالُ البُلوغِ.
_________________
(١) "ومعاونتها" معطوف على "النفقة"؛ أي: (ومشقة النفقة ومشقة معاونتها. . .).
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٣٤٤٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٥٥٤٩)، وفي "معرفة السنن والآثار" (١٥٣٥٤)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٧٤٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٣٤٤٩)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٢٠٧٥)، وابن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ٩٧٧ - ٩٧٨)، وابن منده في "التوحيد" (١٠١). قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٧/ ٤٩١) بعد أن ذكر روايات القصة: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم فيما قاله علي وابن عباس في أقل الحمل، وهو أصل وإجماع.
[ ١٣ / ٣٨٦ ]
وقال الحسن: أي: قِيامَ الحُجَّةِ عليه (^١).
وقال ابن عباس ﵄: أي: ثلاثًا وثلاثين سنةً (^٢).
﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: يقولُ: اختلَفَتْ أحوالُ الأولادِ، فمنهم مَن أسلَمَ أبواه ودعواه إلى الإسلام فأسلَمَ، وكان يبَرُّهما إلى أنْ ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ شبابَه ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: كُهولتَه.
﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾: أي: ألْهِمْني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: وهي الإسلامُ.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: أي: وأَلْهِمْني أنْ أعملَ أيضًا في المستأنَفِ مِن الأعمال الصالحة (^٣) ما ترضى به.
﴿وَأَصْلِحْ لِي﴾: أي: أُموري ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: أولادي حتى يَنْشَؤوا في الصَّلاح.
﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: مِن كل ذنبٍ أذنَبْتُه.
﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المُنْقادين لِدينِكَ وأمرِكَ ونهيِكَ.
* * *
(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
_________________
(١) ذكره عنه الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٥١٧)، وابن فورك في "تفسيره" (١/ ٣٣٥).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٣٩)، وابن منده في "التوحيد" (١٠٢). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٦٠١)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٩)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٩٦).
(٣) في (أ): "المستأنفة".
[ ١٣ / ٣٨٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ويُتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾:
قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفص بالنون فيهما، والباقون بالياء على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^١)، و﴿أحسنُ﴾ رُفِعَ لأنه اسمُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ أي: يُتَقَبَّلُ عن هؤلاء الأولادِ البرَرَةِ حسناتُهم، ويُتجاوَزُ عن سيئاتهم.
﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾: أي: كما هو حُكْمُنا في أصحاب الجنة.
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾: أي: وعَدْناهم بذلك وَعْدًا صِدْقًا، وهو إضافةُ الشيءِ إلى نَعْتِه.
﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: ودلَّتْ صيغةُ الجَمْع في آخره أنَّ الآيةَ في كل الأولادِ البرَرَةِ.
* * *
(١٧) - ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾: وهذا في حقِّ الأولادِ العاقِّين الأشرارِ.
﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾: أي: قَذَرًا لكما.
﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾: أي: مِن قبري بعد أنْ صِرْتُ رَميمًا، وتَدْعُوانِني إلى الإيمان به.
﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾: أي: تَفانَوا، فلم يَرْجِعْ أحدٌ منهم إلى الدنيا.
﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ﴾: أي: والوالدان يسألان اللَّهَ لهذا الولدِ السوءِ الهُدى، ويقولان لهذا الولد: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾: أي: صَدِّقْ بالبعثِ ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: إنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالإحياء صِدْقٌ.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩).
[ ١٣ / ٣٨٨ ]
﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: أباطيلُ كتبَها الأوَّلون.
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: أي: هؤلاء الأولاد في الأشرارِ الذين وجَبَ عليهم ﴿الْقَوْلُ﴾؛ أي: الوعيدُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: مع أُمَمٍ.
﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: أي: هالِكين.
وقيل: مَغْبُونين بفَوْتِ الثواب، وحُلولِ العقاب.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾: أي: ولكُلٍّ مِن الأبرارِ والفُجَّارِ.
﴿دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾: مراتبُ (^١) في الطاعة والمعصية، والثواب والعقاب.
﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾: فيه مُضْمَرٌ؛ أي: ففَعَلْنا ذلك لِنوفِّيَهم جزاءَ أعمالِهم.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: بالعُقوبة مِن غير ذنبٍ، ولا نُقْصانِ أجرٍ على طاعة.
وقال السُّدِّي والضحاك: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾: نزلَتْ في سعد بن أبي وقَّاص (^٢)، وقد بيَّنَّا القِصَّةَ في سورة العنكبوت وفي سورة لقمان (^٣).
وقال ابن عباس ﵄ ومقاتلٌ: هو أبو بكر الصديق ﵃ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "مراتب مما عملوا".
(٢) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢).
(٣) انظر ما تقدم عند تفسير الآية (٨) من سورة العنكبوت، والآية (١٤) من سورة لقمان.
(٤) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٣٣٨) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وقاله مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٢٠). والكلبي ومقاتل متروكان.
[ ١٣ / ٣٨٩ ]
وقال محمد بن إسحاق: هو أبو بكر بنُ أبي قُحافةَ، واسمُ أبي قحافة عثمانُ بنُ عمرو، واسمُ أمِّ أبي بكر أمُّ الخير بنتُ صَخْرِ بنِ عمرو بنِ عامر مِن بني تميم (^١) بنِ مُرَّة، حمَلَتْه في البطن تسعةَ أشهرٍ، وفصَلَتْه مِن اللَّبَن لأحدٍ وعشرين شهرًا، فذلك ثلاثون شهرًا، فلما بلَغَ أبو بكر أربعين سنة صدَّقَ النبيَّ -ﷺ- وقال لربه: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾: هو عبد الرحمن بن أبي بكر، دعاه أبواه إلى الإسلام، فقال لهما: ﴿أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ مثلُ عامر بن كعب، وعبد اللَّه بن جُدْعان، ولا أرى أحدًا منهم حتى أسألَهم عن صِدْقِ ما تقولون (^٣).
وقال مجاهد: هو عبد اللَّه بن أبي بكر (^٤)، قال له أبواه: أَسْلِم، فقال: أحيُوا لي مشايخَ قُرَيشٍ حتى أسألَهم عما تقولون.
_________________
(١) في (ف): "تيم".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ١٢).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٥٨)، دون نسبة، وهو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٤/ ٢١). وهذا القول مردود لا يصح عن ابن عباس، فإن عبد الرحمن بن أبي بكر قد أسلم وكان من أجلاء الصحابة، وإنما ينزل مثل هذا فيمن مات على كفره كأبي لهب والوليد بن المغيرة، وقد أنكرت عائشة ﵂ هذا القول، وقالت: ما أنزل اللَّه فينا شيئًا من القرآن إلا أن اللَّه أنزل عذري. رواه البخاري (٤٨٢٧). وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" عند هذه الآية: ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر -﵄- فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر -﵄- أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٤٨) عن ابن عباس والسدي ومجاهد وأبي العالية.
[ ١٣ / ٣٩٠ ]
وقال عبد اللَّه بن عباس ﵄: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: أي: هؤلاء الذين أشارَ عليهم عبدُ الرحمن وقال: أَحْيُوهم لي، منهم عامرُ بن كعبٍ وعبد اللَّه ابن جُدْعانَ وذووهما الذين حقَّ عليهم القولُ، فأما عبد الرحمن بن أبي بكر فقد أجابَ اللَّهُ فيه دُعاءَ أبيه في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾، فأسلَمَ وحسُنَ إسلامُه (^١).
وقال محمد بن زياد: كتبَ معاوية ﵁ إلى مروانَ حتى يأخُذَ البيعةَ مِن الناس لِيَزيدَ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتُمْ بها هِرَقْلِيَّةً، أَتُبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: هذا (^٢) الذي يقول اللَّهُ فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾، فسمِعَتْ بذلك عائشةُ ﵂، فغضِبَتْ وقالتْ: واللَّهِ ما هو به، ولو شئتَ لسَمَّيْتُه، ولكنَّ اللَّهَ لعَنَ أباكَ وأنتَ في صُلْبِه، وأنتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ (^٣)؛ أي: قِطْعةٌ.
* * *
(٢٠) - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾: أي: يُحْضرون قَبْل أنْ يُلْقَوا فيها، فيُقالُ لهم:
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾: أَمْضَيْتُم شهواتِكم، واستَوْفَيْتُم نَهَماتِكم.
﴿فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾: أي: القُرْبى.
﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾: أي: الملاذِّ.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣).
(٢) في (أ): "هو".
(٣) رواه النسائي (١١٤٢٧)، والبزار في "مسنده" (٢٢٧٣)، والحاكم في "المستدرك" (٨٤٨٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الذهبي في "التلخيص" (١١١٥): فيه انقطاع، محمد لم يسمع من عائشة ﵁.
[ ١٣ / ٣٩١ ]
﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾: أي: الذُّلِّ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تتعظَّمون عن قَبول الحق، والانقياد لِمَن نهاكم عن ذلك.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: مِن غير أنْ يكون لكم استحقاقُ ذلك.
﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: تُجاهِرون بالمعاصي.
* * *
(٢١) - ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ﴾: يا محمد ﴿أَخَا عَادٍ﴾: أي: هودًا نَسيبَ عادٍ؛ أي: واذكرْ لقومكَ هذه القصةَ، لِيَعْتَبِروا ويخافوا مثلَ حالِهم.
وقيل: أي: واذكرْ في نفْسِكَ؛ لِتَتَسَلَّى بما ينالُكَ مِن أذى قومِكَ.
﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: أي: بهذه المواضع، كانوا يسكنون الأَحْقافَ.
قال محمد بن إسحاق: هي رِمالٌ فيما بين عُمَانَ إلى حَضْرَمَوْتَ (^١).
وقال ابن عباس رضي اللَّه عثهما: وادٍ بين عُمَانَ ومَهَرَةَ (^٢).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٥١)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٨٢)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٥٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٥١)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٦٢). والمهَرة: بلاد تنسب إليها الإبل، بينها وبين عمان نحو شهر، وكذلك بينها وبين حضرموت. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ٢٣٤).
[ ١٣ / ٣٩٢ ]
وقال قتادة: هي رمالٌ مُشْرِفةٌ على البحر بالشِّحْر (^١) مِن اليمن (^٢).
وقال الضحاك: هي جبل بالشام (^٣).
وقال الحسن: أرضٌ خلالها رمالٌ (^٤).
وقال ابن زيد: الحِقْفُ: الرَّمْلُ كهيئة الجبل (^٥).
وقيل: الحِقْفُ: الرَّمْلُ المستطيلُ العظيمُ لا يبلُغُ أنْ يكون جبلًا.
﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: وهذا كلامٌ مُعْتَرِضٌ؛ أي: كما جاء هودٌ عادًا نذيرًا مضتِ الرسُلُ نُذُرًا لقومهم قَبْلَ هودٍ ومِن بعده.
وقيل: فيه إضمار: وقد خلَتِ النُّذُرُ مِن بين يديه، وأنتَ مِن خَلْفهم.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: خاطبَهم هودٌ بهذا: أنْ لا تعبُدوا إلا اللَّهَ وحدَه ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: إنْ أصرَرْتُم على شرككم.
_________________
(١) في (أ): "بالسحر". وفي (ف): "بالشجر"، وهي كذلك في المطبوع من "مصنف عبد الرزاق". والشِّحْر: هي منطقة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن ما بين عدن وعمان. انظر: "معجم البلدان" (٣/ ٣٢٧).
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٥٥)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٥٢)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٠١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٥١) عن ابن عباس ﵄ والضحاك، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٨٢) عن الضحاك.
(٤) لم أقف عليه عن الحسن، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٥٤) عن الكلبي، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٥٢) عن مجاهد.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٥٣)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٢٨٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٦٢).
[ ١٣ / ٣٩٣ ]
(٢٢ - ٢٣) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾: أي: لِتَصْرِفَنا عن عبادتها؛ أي: فهذا لا نُجِيبُكَ إليه، ولا نخافُ ما تُنْذِرُنا به.
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: مِن العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: في إنذاركَ.
﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: العِلْمُ بوقتِ نزولِ العذاب عند اللَّه.
﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾: وإنما أنا مُبَلِّغٌ، وقد بلَّغْتُ.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أي: في ظَنِّكم أنكم تَنْجُون مع (^١) تكذيبِكم إيَّايَ.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾: أي: سحابًا ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ وكان المطرُ احتبَسَ عنهم، وبَعَثوا قومًا إلى الكعبة للاستسقاء، وقد مرَّتْ قصَّتُه في سورة الأعراف، فلما رأوا هذا العارض:
﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾: أي: سحابٌ يأتينا بالمطر، فأظهَروا بذلك فرَحًا، فقال لهم هودٌ:
﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾: مِن العذاب الذي أَنْذَرْتُكُموه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "من".
[ ١٣ / ٣٩٤ ]
﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾: أي: تُهْلِكُ وتستأصِلُ لِشِدَّة عُصوفِها.
وقيل: هو رَمْيُ شيءٍ على شيء وإهلاكُه به.
وقوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: للتَّفْخيم، لا على حقيقة التَّعميم.
وقيل: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أُمِرَتْ بتدميره.
﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾: وفيه مُضْمَرٌ: فجاءَتْهم الرِّيحُ فدمَّرَتْهم، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، وصاروا تحت الرِّمال، ﴿فَأَصْبَحُوا﴾؛ أي: صاروا، ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ لأنها كانت قائمةً.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: كلَّ مَن أجرَمَ مِثْلَ جُرْمِهم، وهو تخويفٌ لأهل مكَّةَ.
* * *
(٢٦) - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾: أي: أعطَيْناهم مِن المَكِنَة (^١) والمكانة.
﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾: ﴿إِنْ﴾ للنَّفْي؛ أي: فيما لم نُمَكِّنْكُمْ في مِثْلِه، ثم هُم لم يُمْكِنْهمُ التَّحرُّزُ عنه، فكيف أنتم؟!
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾: أي: آلاتٍ وحواسَّ يُمكِنُهم التَّدَبُّرُ بها ليعلموا بُطْلانَ الشرك.
_________________
(١) المَكِنَة: التمكن، تقول العرب: إن بني فلان لذو مَكِنَة من السلطان؛ أي: ذو تمكن. انظر: "تهذيب اللغة" (١٠/ ١٦٢).
[ ١٣ / ٣٩٥ ]
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ما نفَعَهم شيءٌ مِن ذلك، ولا رفَعَ عنهم العذابَ.
﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ﴾: نزَلَ بهم وأحاطَ بهم.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: مِن العذاب، فيقولون: ائتِنا بما تَعِدُنا.
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾: خِطابٌ للمسلمين.
﴿مِنَ الْقُرَى﴾: كحِجْرِ ثمودَ وقُريَّاتِ لوطٍ، وهي بجوار بلاد الحجاز.
﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾: بتكرير ذِكْرِها ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعلَّ المشركين ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عن شركهم.
﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾: أي: فهلَّا مَنَعَ العذابَ عن هؤلاء الذين أهلَكْناهم.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: الأصنامُ التي اتَّخَذوها مِن دون اللَّه ﴿قُرْبَانًا﴾ يَتَقَرَّبون بها، ويقولون: إنما نعبُدهم لِيُقَرِّبونا إلى اللَّه زُلْفى.
﴿آلِهَةً﴾: أي: اتَّخَذوها آلهةً لهم يعبُدونها.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أي: هلَكوا فلم يجِدوهم عند حاجتِهم إليهم.
﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾: أي: وذلك جزاءُ إِفْكِهم؛ أي: كَذِبِهم في أنها آلهةٌ.
﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي: افتراؤُهم.
* * *
[ ١٣ / ٣٩٦ ]
(٢٩) - ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾: عَطْفٌ على قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾، وهو في تَوْبيخ المشركين؛ أي: إنَّ الجنَّ استمَعوا فقبِلوا وآمنوا بمَرَّةٍ، وأنتم مُصِرُّون على شرككم على طُول الزمان، وهؤلاء هم المذكورون في سورة الجن.
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾: يحتَمِلُ أنهم أُلْهِموا المَسِيرَ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ويحتَمِلُ أنهم أُمِروا بذلك في كُتُبهم، يدلُّ عليه قولُه: ﴿سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠].
وقيل: لَمَّا طُرِدوا مِن السماء ورُمُوا بالشُّهُب قالوا: هذا لأمرٍ حادثٍ، فتتبَّعوا ذلك، فأتوا النبيَّ -ﷺ-
وقيل: أتَوهْ ببَطْنِ نَخْلَةٍ (^١).
وقيل: بالحَجُون (^٢).
وقيل: كانوا سبعةَ نفَرٍ مِن جِنِّ نَصِيبين (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٢١)، ومسلم (٤٤٩)، من حديث ابن عباس ﵄ وفيه أن الجن أتَوْه -ﷺ- بنخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. النَّخْل: موضع على ليلة من مكة، وهي التي ينسب إليها بطن نخلة، وهما نخلة الشامية، ونخلة اليمانية، كلاهما واديان. انظر: "معجم ما استعجم" للبكري (٤/ ١٣٠٤).
(٢) انظر ما سيأتي عند تفسير سورة الجن. والحَجون: جبل بأعلى مكة بحذاء مسجد البيعة، وفيه مقبرة شهيرة دفن بها كبار الصحابة والتابعين والعلماء. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٢٢٥).
(٣) انظر ما سيأتي عند تفسير سورة الجن. ونَصِيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام، ونصيبين أيضًا مدينة على شاطئ الفرات كبيرة تعرف بنصيبين الروم، وتقع في جنوب تركيا حاليًا. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ٢٨٨).
[ ١٣ / ٣٩٧ ]
وقيل: كانوا سبعين، ووافَقوه في البَطْحَاءِ (^١).
وقال السُّدِّي: لَقِيَهم بنَخْلَةٍ وهو مُقْبِلٌ مِن الطائف (^٢).
وقال ابن جريج: كانوا تسعةً: حسَا، وبسَا (^٣)، وشاصر، وناصر، وأَذَدْ، وأَبْيَن، وأحْقب، وشَبَتْ، وزوبعة (^٤).
وقال الزُّبَيرُ بن العَوَّام: أتوه بنَخْلَةَ وهو ﵇ قائم في صلاة العشاء (^٥)، فركِبَ بعضُهم بعضًا مِن شدَّةِ حِرْصِهم على استماع القرآن.
وقال سعيد بن جُبير: لما بُعِثَ النبيُّ -ﷺ- حُرِسَتِ السماءُ، فقالت الشياطينُ: ما حُرِسَت إلَّا لأمرٍ حدَثَ في الأرض، فبعثَ إبليسُ سراياه في الأرض، فوجدوا النبيَّ ﵇ بنَخْلَةَ في صلاة الفجر (^٦)، وذكَرَ حديثَ عبد اللَّه بن مسعود في كونه مع النبي -ﷺ- في هذه الليلة (^٧).
_________________
(١) انظر ما سيأتي عند تفسير سورة الجن. والبَطْحاء: أصله المسيل الواسع في دقاق الحصى، ومنه بطحاء مكة، وبطحاء ذي الحليفة. انظر: "معجم البلدان" للحموي (١/ ٤٤٦).
(٢) لم أقف عليه عن السدي.
(٣) في (ف) و(ر): "ونسا".
(٤) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٧/ ٤٥٣) عن ابن جريج عن مجاهد. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢) عن ابن جريج قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٣٥٧)، والإمام أحمد في "مسنده" (١٤٣٥)، والفاكهي في "أخبار مكة" (٢٩٠٥). ورواية الصحيحين أنهم أتَوْه -ﷺ- بنخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. كما تقدم قريبًا.
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٥٧)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٦٤).
(٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٥٨)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٦٦) من حديث قتادة. وسيأتي هذا كله في سورة الجن.
[ ١٣ / ٣٩٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾: أي: قال ذلك بعضُهم لبعضٍ احترامًا للقرآن، ووُصولًا إلى البَيان.
﴿فَلَمَّا قَضَى﴾: أي: فُرِغَ مِن القراءة ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: أي: فَهِموا وحفِظوا ورجَعوا فأنذروا قومَهم مُخالفةَ القرآنِ.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾: أي: القرآنَ ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: التوراةِ ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾؛ أي: يُرْشِدُ ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: إلى الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾: أي: محمدًا رسولَ اللَّهِ ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾: أي: باللَّه.
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: ﴿مِنْ﴾: صِلَةٌ زائدةٌ ﴿وَيُجِرْكُمْ﴾: أي: يُؤَمِّنْكُم ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: توقَّفَ أبو حنيفةَ ﵀ في ثواب الجنِّ في الجنة ونعيمِها، وقال: لا استحقاقَ للعبد على اللَّه، وإنما يُنالُ بالوعد، ولا وَعْدَ في حق الجن إلا هذا، وقولُه تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: فهذا يُقْطَعُ القولُ به، فأما نعيمُ الجنَّةِ فموقوفٌ على قيام الدليل (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ٢٣)، و"تفسير البغوي" (٧/ ٢٧٠)، و"الكشاف" للزمخشري (٤/ ٣١٢).
[ ١٣ / ٣٩٩ ]
(٣٢ - ٣٣) - ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: بفائتٍ أخذَ اللَّهِ.
﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾: يتولَّون مَعونتَه.
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: جُمِعَ لِعُموم كلمة ﴿وَمَن﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ في إلزام حُجَّةِ البَعْث.
﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾: وهو كقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقد (عَيِيَ) و(أَعْيَى): إذا لغَبَ.
﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾: الباءُ زائدةٌ، وإنما أُدْخِلَتْ لأنَّ معنى قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أوَليسَ، وذاك تدخُلُ فيه الباء، وإذا قَدِرَ على الإنشاء قَدِرَ على الإعادة.
وقولُه تعالى: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: وفي قراءة عبد اللَّه: (قادر على أنْ يُحْيِيَ الموتى) بغير الباء (^١).
وقرأ يعقوب: (يَقْدِرُ) بصيغة (^٢) الفعل (^٣).
وقال مقاتل: نزلت في أبيِّ بن خلَفٍ الجُمَحِيِّ حين أخذَ العَظْمَ ففَتَّه (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسرِ الثعلبي" (٩/ ٢٤)، و"تفسير البغوي" (٧/ ٢٧١)، و"الكشاف" للزمخشري (٤/ ٣١٣).
(٢) في (ر) و(ف): "على صيغة".
(٣) انظر: "النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٥).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٠)، وذكره عنه الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٠٢).
[ ١٣ / ٤٠٠ ]
(٣٤ - ٣٥) - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾: يعني: هو قادرٌ يومَ العَرْضِ.
﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾: أي: تقولُ لهم الملائكةُ ذلك.
﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: أي: بكُفْرِكم في الدنيا.
﴿فَاصْبِرْ﴾: أي: على أذى الكفار وتكذيبِهم.
﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: أولو الحَزْم.
وقال الضحاك: أي: أولو الجِدِّ والصَّبْر (^١).
وقال محمد بن كعب: أولو الرَّأْيِ الصَّوابِ (^٢).
وقيل: هُم الذين يَمْضُون على ما أُمِروا (^٣)، لا يمنعُهم عنه مانعٌ مِن مِحْنَةٍ ونحوِها.
ثمَّ مِن المفسِّرين مَن جعل قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ للتَّبْعِيض، وخَصَّ أولي العَزْمِ منهم.
قال ابن عباس ﵄: هُم أربعةٌ: نوحٌ، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى صلوات اللَّه عليهم (^٤).
_________________
(١) ذكره عن الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٧١).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤).
(٣) في (ر) و(ف): "أمر اللَّه" بدل من "ما أمروا".
(٤) رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٧/ ٤٥٤)، وذكره الماوردي في "النكت =
[ ١٣ / ٤٠١ ]
وقال أبو العالية: هُم ثلاثةٌ: هودٌ، وصالحٌ، وشُعَيبٌ، ورابعُهم محمد (^١).
وقال الضحاك والحسن: هُم: نوحٌ، وهودٌ، وإبراهيمُ (^٢).
وقال الكلبيُّ: هُم الذين أُمِروا بالقتال (^٣)، وهم خمسة: نوحٌ، وإبراهيمُ، وصالحٌ، وهودٌ، وشعيبٌ.
وقال مقاتل: ﴿أُولُو الْعَزْمِ﴾: إبراهيمُ صبَرَ على النار، وإسحاقُ على الذَّبْح، ويعقوبُ صبَرَ على فَقْدِ يوسفَ، ويوسفُ صبَرَ في السِّجْن والجُبِّ، وأيوبُ صبَرَ على الضُّرِّ، ونوحٌ على الأذى (^٤).
_________________
(١) = والعيون" (٥/ ٢٨٨)، وزاد الواحديُّ في "الوسيط" (٤/ ١١٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٢) نسبته لقتادة.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٢٥٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٤/ ٨٩). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٨٨)، وفي جميعها أن الثلاثة هم: إبراهيم وهود ونوح.
(٣) لم أقف عليه عنهما، وهو مروي عن أبي العالية. انظر التعليق السابق. وذكر الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٠٤) عن الحسن: هم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. وذكر الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٨٨)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١١٤) عنه: كل من لم تصبه فتنة من الأنبياء فهو من أولي العزم.
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٨٨) عن السدي والكلبي، وذكره البغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٢)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٠٥)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٦٥) عن الكلبي.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣١)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١١٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٢).
[ ١٣ / ٤٠٢ ]
وقال الحُسين بن الفَضْل: هُم سبعةَ عشرَ (^١)، وهُم المذكورون في سورة الإنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا﴾ [الأنعام: ٨٣] الآيات، فإنه قال في آخرها: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال هنا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، والمذكورون في هذه الآيات ثمانيةَ عشرَ، لكنَّ يونسَ خرَجَ مِن بين قومه، فلم يَصْبِر، فلم يكن فيهم.
وقال بعضهم: آدمُ كذلك؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
لكنَّ الصَّحيحَ أنَّ أولي العزم كلُّ الرسل، وقولُه تعالى: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾: للتَّجْنيس لا للتَّبْعيض، ومعنى قولِه: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: أي: قَصْدًا إلى الخِلاف، ويونسُ لم يكن خروجُه تَرْكَ صَبْرٍ، لكنْ تَوَقِّيًا عن نزول العذاب.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أي: ولا تدعُ عليهم بتعجيل العذاب.
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾: أي: فهُم إذا رأوا العذابَ يوم القيامة ظنوا أنهم لم يَلْبَثوا في الدنيا أو في قبورهم إلا ساعةً مِن نهارٍ، وأنَّ العذابَ عُجِّلَ لهم قريبًا مِن تكذيبهم.
﴿بَلَاغٌ﴾: أي: هذا بلاغٌ؛ أي: مَبْلَغُ (^٢) الكِفايةِ في العِظَة.
﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾: أي: فهل يُهْلَكُ بعد هذا البلاغِ بعذاب اللَّه إلَّا مَن فسَقَ، فأعلَنَ الاستخفافَ بأمر الدِّين، ولم يكن همُّه طلَبَ الحقِّ المبين.
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٥)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١١٤)، وفيهما أن عددهم ثمانية عشر.
(٢) في (ر) و(ف): "تبليغ".
[ ١٣ / ٤٠٣ ]
سورة محمد
[ ١٣ / ٤٠٥ ]