بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي قدَّر فهدى، الرحمنِ الذي يعلم الجهر وما يخفى، الرحيمِ الذي وعد بالفلاح مَن تزكَّى وذكر اسم ربِّه فصلَّى.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سُورةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أعطاه اللَّهُ عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ حرفٍ أنزلَه اللَّهُ تعالى على إبراهيم وموسى ومحمَّد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين" (^٢).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي تسعَ عشرةَ آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومئتان وستَّة وثمانون حرفًا.
وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختْمَ تلكَ في وعيد الكفَّار الذين يَصِفون اللَّهَ بما لا يليقُ به، وافتتاح هذه بالأمر بمدحِ اللَّهِ تعالى ووصفِه بما يليقُ به.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر البدء والإعادة، وجزاءِ أهل السَّعادة وأهل الشَّقاوة.
_________________
(١) في (ر): "سبح".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٨٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٦٨)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٣٠٥ ]
(١) - ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: وهذا أمرٌ للنَّبيِّ -ﷺ-.
قيل: معناه: نزِّه اسمَ ربِّك عن أن يُسمَّى به غيرُه.
وقيل: نزِّه اسمَ ربِّك عن تأويله على غير وجهه.
وقيل: أي: مَجِّدِ اللَّه تعالى بأسمائه التي أنزلها عليك، وعلَّمَكَ إيَّاها.
وقيل: أي: صَلِّ لربِّكَ ذاكرًا اسمَه.
وقيل: الاسمُ صلةٌ، ومعناه: سبِّح ربَّك الأعلى؛ أي: نزِّهْه.
وقيل: هو أمرٌ بأن يسبِّحِ اللَّهَ تعالى بهذا الاسم، فيقولَ: سبحان ربِّي الأعلى.
قال عقبةُ بن عامرٍ: لَمَّا نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال ﵊: "اجعلوها (^١) في ركوعكم"، ولَمَّا نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم" (^٢).
ذكرَ في تلك الآية: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وفي هذه الآية: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.
قال الفرَّاء: هما سواء (^٣)، كقولك: علمْتُ بأنَّك صادقٌ، وعلمْتُ أنَّك صادقٌ، ونشدْتُكَ باللَّه، ونشدْتُكَ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿الْأَعْلَى﴾؛ أي: العالي على كلِّ شيءٍ بمُلْكِه وسُلْطانِه وقدرته.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾.
_________________
(١) في (ر): "اجعلوا هذا".
(٢) رواه أبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٥٦).
[ ١٥ / ٣٠٦ ]
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾: أي: صنع الأشياء على ما أرادَ من الحكمة وحسن التَّدبير، فلا تفاوُتَ فيه.
وقيل: أي: هيَّأ كلَّ شيءٍ على مقداره الذي يَصلح له.
وقيل: أي: خلق الإنسان فسوَّى أعضاءه.
وقيل: أي: فهيَّأه للتَّكليف.
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾: أي: قدَّر الخلق على الهيئات التي أراد أن يكون عليها، وقدَّر أرزاق العباد وآجالهم وأفعالهم.
﴿فَهَدَى﴾: أي: أرشدَ إلى توحيده وعبادته، ودلَّ بذلك على قدرته وإلاهيَّته ووحدانيَّته.
وقيل: أي: خلق كلَّ حيوان وهداه لمصالحه التي بها قِوامُه في مدَّته المقدَّرة له، فكأنَّه قدَّر حياته في الدُّنيا إلى مدَّة، فهداه لِمَا يَتمُّ به بقاؤه إلى مدَّته.
وقيل: هدى الذُّكور إلى إتيان الإناث، حتى يَتمَّ التَّدبيرُ في التَّناسل إلى حين أراد اللَّه تعالى.
وقال مجاهد: هدى الإنسانَ للعبادة، وهدى الأنعام إلى مراتعها (^١).
وقرأ الكسائيُّ: ﴿قَدَرَ﴾ مخففًا وهو كالمشدَّدة (^٢).
وقيل: ﴿قَدَرَ﴾ بالتَّخفيف؛ أي: مَلَكَ، ﴿فَهَدَى﴾؛ أي: فسخَّر ما ليس بمكلَّف لِمَا خلَقَه له.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٦١).
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١).
[ ١٥ / ٣٠٧ ]
(٤ - ٦) - ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾.
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾: النَّباتَ والزُّروع والثِّمار ممَّا يأكل النَّاس والأنعام.
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾؛ أي: جعلَه بعد اهتزازه وخضرته ونضرته يابسًا هشيمًا.
﴿أَحْوَى﴾: أي: أسود لاحتراقه، والحُوَّة: السَّواد، والأحوى: الأسود، من حدِّ (علم)، وقد يحملُه السَّيل فيسودُّ بعد اليَبْس، وهذا على تقرير النَّظم على حاله.
وقال الفرَّاء: الأحوى: الأسودُ لشدَّة خضرته، كما قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]؛ أي: مسوادَّتان لشدَّة خضرتهما.
وعلى هذا القول فيه تقديمٌ وتأخيرٌ: والذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء (^١).
وهو كقوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]؛ أي: أنزل على عبدِه الكتابَ قيِّمًا، ولم يجعل له عِوجًا، على التَّقديم والتَّأخير.
﴿سَنُقْرِئُكَ﴾: أي: سنجعلُكَ قارئًا للقرآن بإثزال جبريل عليك بالوحي وقراءته عليك.
﴿فَلَا تَنْسَى﴾: أي: تذكُرُه ولا تنساه بحفظِه في قلبِكَ.
* * *
(٧) - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: له وجوهٌ:
أحدُها: ﴿فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن تنساه ممَّا يُنسخُ فيُرفَعُ (^٢) فرضُ قراءته
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٥٦).
(٢) في (أ) و(ف): "ينسخه فيرفع" بدل من "ينسخ فيرفع".
[ ١٥ / ٣٠٨ ]
عنك وعن أمَّتك، فيزول حفظُه عن القلوب، وإذا (^١) نُسِخَ العملُ به وقراءتُه لم يقرؤوه مدَّة فنسوه.
ووجه آخر: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾؛ أي: فلا تتركُ العملَ به ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فيُنسَخُ العملُ به فيُتْرَكُ لنسخِه.
ووجه آخر: قاله الفرَّاء: لم يشأ اللَّه أن تنسى شيئًا، وهو كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، وهو لا يشاءُ، وهو كقولك: لأعطينَّكَ كلَّ ما سألْتَ إلَّا أن أشاء أن أمنعَك (^٢)، وأنت لا تريدُ أن تمنعَه (^٣).
ووجه آخر: فلا تنسى إلَّا أن يريدَ اللَّهُ إنساءَكَ، فإنَّه قادرٌ على ما يشاء، ثم هو لا ينسيْكَ وإنْ كان قادرًا على إنسائِكَ، كما قال: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، ونحوِ ذلك، وهو لا يشاءُ، وذكرُ هذا تذكيرُه قدرةَ ربِّه، وأنَّه إذا لم ينسَ فإنَّما ذلك بفضل اللَّه ومَنِّه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾: أي: رفعَ الصَّوت بالقراءة وإخفاءَ الصَّوت فيها، لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك.
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾.
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾: أي: نوفِّقُكَ للطَّاعات.
وقيل: أي: نيسِّر لك دخول الجنَّة، وهو بشارةٌ له بها.
_________________
(١) في (ر): "أو إذا".
(٢) في (ر): "إلا أن يشاء اللَّه أن أمنعك على ما يشاء".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٥٦).
[ ١٥ / ٣٠٩ ]
فعلى الأوَّل: اليسرى: هي الطَّاعاتُ المؤدِّية إلى اليسرى والعاقبةِ المحمودة، وعلى الثَّاني: اسم للجنَّة التي فيها كلُّ راحة ويُسر.
﴿فَذَكِّرْ﴾: أي: عِظْ بالقرآن ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: وكان فيمَن يذكِّرهم مَن لا تنفعُه الذِّكرى، فكان الطَّمع منقطِعًا عن تذكيرهم، فقيل له: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، وهو كما يقال: ادعُ فلانًا إن أجابَكَ، ومعناه: ولا (^١) أراه يجيبُكَ، فكان هذا أمرًا بتذكير مَن تنفعُه الذِّكرى ومَن لا تنفعُه.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾: أي: سيتَّعظ بوعظك ﴿مَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: مَن يخافُ اللَّه تعالى، فإنَّما ينتفعُ به ذلك.
وقيل: ﴿مَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: مَن يعلم باللَّه، فهو الذي يخشاه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقيل: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: مَن يخافُ العواقب، ويتأمَّل في العقوبات الَّتي ذكرناها ممَّا يكون في جهنَّم ممَّا لا يقاومُه أحدٌ.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾.
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾: أي: يتجنَّب الذِّكرى فلا يقبَلُها ﴿الْأَشْقَى﴾؛ أي: الشَّقيُّ، كما قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هيِّن عليه.
وقيل: أي: المُفْرط في الشَّقاوة، فإنَّ الأشقياء متفاوتون.
﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ﴾: أي: يدخلها.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وما".
[ ١٥ / ٣١٠ ]
﴿الْكُبْرَى﴾: قال الحسن: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾: هي نار جهنَّم، والنَّار الصُّغرى: هي نار الدُّنيا (^١).
وقال الكلبيُّ: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾: نار الدَّرك الأسفل، وكلُّ دركٍ أشدُّ عذابًا من الذي فوقَه (^٢).
* * *
(١٣ - ١٥) - ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.
﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾: فيستريحَ ﴿وَلَا يَحْيَى﴾: فينتفعَ بحياته.
وقيل: إن روح أحدهم في النَّار تصير في حلقةٍ، فلا تخرجُ فيموتَ، ولا ترجعُ إلى موضعها من الجسم فيَحيَى.
وقال الحسن: لا تُسَلَّطُ النَّارُ على الفؤاد فلذلك لا يموت، وليس (^٣) ينتفع بحياته، للعذاب الذي هو فيه (^٤).
وقال مقاتل: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: نزلت في ابن أمِّ مكتوم، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وأميَّة بن خلف لعنهم اللَّه (^٥).
_________________
(١) ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٤٧٠).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٤٤٤).
(٣) في (ف): "ولا".
(٤) لم أجده.
(٥) لم أقف عليه عن مقاتل، وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٤٤٣) عن الفراء، وليس في "معاني القرآن" له، وذكر القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠) نصفه الأول من طريق أبي صالح عن ابن عباس ﵄، ونصفه الثاني ذكره القرطبي دون عزو، وذكره النحاس في "إعراب القرآن" (٥/ ١٢٨) عن الحسين بن واقد.
[ ١٥ / ٣١١ ]
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾: قال ابن عبَّاس: أي: صار زاكيًا وعملَ صالحًا (^١).
وقال قتادة: أي: أدَّى زكاة ماله (^٢).
وقيل: أي: تطهَّر بالإسلام.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾: أي: لافتتاح الصلاة ﴿فَصَلَّى﴾: والفاء للتَّعقيب، فدلَّ أنَّ تكبيرة الإحرام (^٣) ليست من أركان الصلاة، ودلَّ أنَّه غير مختصٍّ بلفظة التَّكبير، كما قال أبو حنيفة ﵀، ويصحُّ الشُّروع بكل ذِكْرٍ.
وروى كثير بن عبد اللَّه المزني عن أبيه عن جدِّه عن النَّبيّ -ﷺ- أنَّ هذا في صدقة الفطر وصلاة العيد (^٤).
وقيل على هذا: الذِّكْرُ هو التَكبير في الطَّريق، وهذا عن ابن عبَّاس (^٥).
وقد قال هو وأبو سعيد الخدري وأبو العالية والحكم وإبراهيم وعكرمة ومجاهد وعمر بن عبد العزيز والشَّعبي وسعيد بن المسيَّب: إنَّ هذا في زكاة الفطر (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣١٩) عن ابن عباس ﵁، بلفظ: "من تزكى من الشرك". وروى عن الحسن: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال: من كان عمله زاكيًا.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٢٠).
(٣) في (ف): "الافتتاح".
(٤) رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٤٢٠)، والبزار في "مسنده" (٣٣٨٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره" (١٠/ ٣٤١٨)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٨٥). وكثير بن عبد اللَّه قال عنه الحافظ في "مختصر زوائد مسند البزار" (١/ ٣٩٨): ضعيف جدًّا.
(٥) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٢٣٢) عن ابن عباس والضحاك، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٧٤٠) عن الضحاك.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٢٠) عن أبي العالية. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤١٨) عن عطاء وابن سيرين. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٨٥) عن ابن عمر وأبي العالية. =
[ ١٥ / ٣١٢ ]
وقال قتادة: تزكَّى رجلٌ من ماله، وتزكَّى رجلٌ من خلقه (^١).
وقال ابن جريج: ﴿تَزَكَّى﴾: من ماله وعمله.
* * *
(١٦ - ١٩) - ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: قرأ أبو عمرو بياء المغايبة، ردًّا إلى قوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾، وهو جنس فيصلح للجمع. وقرأ الباقون بتاء المخاطبة، خطابًا للمشركين (^٢).
و﴿بَلْ﴾ لردِّ ما قبله؛ أي: لا تطلبون الفلاح في الآخرة، بل تختارون الدُّنيا على الآخرة.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾: أي: أنفع ﴿وَأَبْقَى﴾؛ أي: أَدْوَمُ.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: جمع صحيفة.
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾: بدلٌ عن ﴿الصُّحُفِ الْأُولَى﴾؛ أي: ما ذكرنا من التَّرغيب
_________________
(١) = قال الثعلبي: ولا أدري ما وجه هذا التأويل؛ لأن هذه السورة مكيّة بالإجماع ولم يكن بمكة عيد، ولا زكاة فطر. قلت: وهذا القول خلاف ما روي عن ابن عباس ﵄، فقد روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤١٨) عن عن عطاء ﵁ قال: قلت لابن عباس ﵄: أرأيت قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ للفطر؟ قال: لم أسمع بذلك، ولكن الزكاة كلها، ثم عاودته فيها فقال لي: والصدقات كلها.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٢٠)، وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٨/ ٤٨٦)، ولفظ الطبري: (تزكى رجل من ماله، وأرضى خالقه).
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١).
[ ١٥ / ٣١٣ ]
والتَّرهيب في هذه السورة فقد ذكرنا ذلك في صحف الأنبياء المتقدِّمين، وهو كقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣].
وقيل: هذا المذكور مذكور في تلك الصُّحف، وهو دليل صحَّة قول أبي حنيفة ﵀: أنَّ قراءة القرآن بالفارسيَّة في الصَّلاة صحيحة، وهو قرآن بأيِّ لسان قرئ (^١)؛ لأنَّه جعل هذا المذكور مذكورًا في تلك الصُّحف، وكذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، ولا شكَّ أنَّه لم يكن فيها بهذا النَّظم وبهذه اللُّغة، وكان قرآنًا (^٢).
وقيل: صحف موسى: هي الألواح التي كتب فيها التَّوراة.
وقيل: هي صحفٌ أُنزلَتْ عليه قبل ذلك.
وصحف إبراهيم: كتابٌ أنزل على إبراهيم.
وقيل: كان في صحف إبراهيم: ينبغي للعاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقلِه أن يكون حافظًا للسانه، عارفًا بزمانه، مقبلًا على شانه.
وعن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "أُنْزِلَتْ صُحُفُ إبراهيمَ في أوَّلِ ليلةٍ من شهر رمضان، وأُنْزِلَتِ التَّوراةُ لِسِتٍّ من شهر رمضان، وأُنْزِلَ الزَّبورُ في ثنتي عشرة من شهر
_________________
(١) من قرأ القرآن بالفارسية عند أبي حنيفة تجوز صلاته سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لا يجوز، وإن كان لا يحسن يجوز، وعند الشافعي لا يجوز في الحالين جميعًا. وروى أبو بكر الرازي وغيره رجوع أبي حنيفة ﵀ إلى قول أبي يوسف ومحمد، وعليه الاعتماد، ولتنزيله منزلة الإجماع، فإن القرآن اسم للنظم والمعنى جميعًا بالإجماع. انظر: "تحفة الفقهاء" للسمرقندي (١/ ١٣٠)، و"البناية شرح الهداية" (٢/ ١٧٩).
(٢) "وكان قرآنًا": زيادة من (أ) و(ف).
[ ١٥ / ٣١٤ ]
رمضان، وأُنزل الإنجيل في ثمانية عشرة (^١) من شهر رمضان، وأنزل القرآن في ليلةِ سبعٍ وعشرين من شهر رمضان" (^٢).
وقيل: الكتب المنزَلة من السماء على الأنبياء مئة وأربعة: صُحُف شيث، وهي ستُّون، وصحف إبر اهيم، وهي ثلاثون، وصحف موسى قبل التَّوراة، وهي عشرة، والتَّوراة، والإنجيل، والزَّبور، والفرقان.
ومعاني كلِّ الكتب مجموعةٌ في القرآن، ومعاني كلِّ القرآن مجموعةٌ في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في التَّسمية، ومعاني التسمية مجموعة في باء التَّسمية (^٣).
ومعناها: بي كان ما كان، وبي يكون ما يكون، واللَّه أعلم.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) في (أ): "ثاني عشرة".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٦٩٨٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٧٥)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٤٩٤) من حديث واثلة بن الأسقع. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٩٧): (رواه أحمد والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه عمران بن داود القطان، ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبان، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وبقية رجاله ثقات). وفي الحديث علة ثانية، وهي عنعنة قتادة وهو مدلس. وقال البيهقي: وإنما أراد -واللَّه أعلم- نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا.
(٣) في (أ): "البسملة".
[ ١٥ / ٣١٥ ]