بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي قصَم القرى الظالمة وأنشأ بعدها قومًا آخرين، الرحمنِ الذي أنزل القرآن ذكرًا مباركًا فلسنا له منكرين، الرحيم الذي أرسل المصطفى محمدًا رحمة للعالمين.
وروى أبي بن كعب عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من قرأ سورة الأنبياء حاسبه اللَّه حسابًا يسيرًا، وسلَّم عليه كلُّ نبي ذُكر فيها اسمُه" (^١).
وسورة الأنبياء مكيةٌ، وهي مئة واثنتا عشرة آيةً، وقيل: إحدى عشرة؛ للاختلاف في آية: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦].
وهي ألفٌ ومئةٌ وخمسٌ وستون كلمة، وأربعةُ آلاف وتسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون حرفًا (^٢).
وانتظامُ أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال: ﴿فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ وهذا العلم حين يعرف الناس حسابهم، وأولُ هذه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (^٣).
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٦٨)، وابن مردويه كما في "الكاف الشاف" لابن حجر (ص: ١١٢). وإسناده ساقط ضعيف كما في "بصائر ذوي التمييز" (١/ ٣٢٢).
(٢) في (أ): "وسبعون حرفًا". وفي "البيان" للداني (ص: ١٨٧): أربعة آلاف وثماني مئة وتسعون حرفًا.
(٣) في (أ) و(ر): "وهذا العلم حين يقترب للناس حسابهم".
[ ١٠ / ٣٦٥ ]
وانتظام السورتين: أن (سورة طه) في ذكر اللَّه تعالى وقدرته وجلاله، وذكرِ القرآن وإنزاله، وإرسالِ الرسل ونصرتهم، وتوبيخِ الكفار وعقوبتهم، ونفعِ الطاعة وضررِ المعصية، وهذه السورة كذلك.
* * *
(١) - ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾: أي: دنا للناس وقتُ حسابهم على أعمالهم، وهو يوم القيامة، وهو تنبيهٌ على قِصَر ما بقي من مدة الدنيا ليستعدُّوا للآخرة ولا يركَنوا إلى الدنيا.
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾: عن هذا ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن التأمل فيه والاستعدادِ له (^١).
* * *
(٢) - ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾: من شيءٍ من القرآن ﴿مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾: لم يكن أتاهم قبل ذلك مما هو ذكرٌ؛ أي: وعظٌ وإذكارٌ لِمَا يلزمُهم التفكُّرُ فيه، وذكرٌ لِمَا بهم الحاجة إليه من مراشد (^٢) دينهم ودنياهم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾: من النبي -ﷺ- أو غيرِه ممن يَتْلوه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: يستهزؤون به، يشتغلون عنه بأمور دنياهم لا يتفكرون فيه.
_________________
(١) في (ف): "وهم في غفلة معرضون مر تفسيره".
(٢) في (ر): "أمر".
[ ١٠ / ٣٦٦ ]
وقيل: نزلت الآية في أهل مكة: أبي جهل والوليدِ بن المغيرة وغيرهما، وكانوا ينكرون البعث والحساب.
وقال أنس بن مالك ﵁: لمَّا نزلت ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ عمَد ثابت بن قيس إلى نخلة (^١) له فصَرَمها وتصدَّق بها، وترك عياله بلا شيءٍ، فشكَوا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] (^٢).
ولما نزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أراد المهاجرون والأنصار أن يتلفوا أموالهم فمنعهم النبي -ﷺ- فقالوا: أيَّ شيء ننفق؛ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿مُحْدَثٍ﴾ قال مقاتل: يُحدِثُ اللَّه الأمرَ بعد الأمر (^٤).
وقال الحسين بن الفضل ﵀: الذكر هاهنا هو الرسول، يدل عليه قولهم بعده (^٥): ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ولو كان المراد من الذكر القرآنَ لقالوا: هل هذا إلا أساطير الأولين، ونحوَه، ونظيرُ هذا قوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢].
_________________
(١) في (أ): "تحمل".
(٢) لم أجده هكذا، لكن روى الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦١٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، جَدَّ نخلًا فقال: لا يأتين اليوم أحدٌ إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فقال اللَّه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وذكره الواحدي في "البسيط" (٨/ ٤٨١) عن ابن عباس ﵄.
(٣) سورتا القمر والأنبياء مكيتان، ومع ذلك ذكر المؤلف منهما ثابت بن قيس وهو من الأنصار، وذكر الأنصار أيضًا، ويقع أمثال ذلك عند المفسرين، وهو خطأ، وعليه اقتضى التنبيه.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٦٩)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٦٩)، واللفظ له.
(٥) "بعده" ليس من (أ).
[ ١٠ / ٣٦٧ ]
(٣) - ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾: أي: متشاغلةً عن التأمُّل فيه، من قولهم: لَهِيْتُ عن الشيء أَلْهَى عنه، من حدِّ عَلِم؛ أي: غفلتُ عنه، قال: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩].
و﴿لَاهِيَةً﴾ نصب على الحال من قوله: ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حالٌ مع (^١) حال، وتقديره: إلا استمعوه لاعبين لاهيةً قلوبهم.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: جمع الفعلَ المتقدِّمَ على الاسم، وله وجوه:
قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، وتقديره: والذين ظلموا أسروا النجوى.
وقال الفرَّاء: بل تقدم الاسم: ﴿لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾ ﴿اسْتَمَعُوهُ﴾ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ (^٢).
وقيل: هذا مستعمل في العربية أيضًا وموجود في أشعارهم، قال قائلهم:
_________________
(١) في (أ): "من".
(٢) المعنى واللَّه أعلم: أن الضمائر في كل ما ذكر تعود كلها على ما تقدم من قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، وكذا قوله: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ الضمير فيه يعود على ما عادت عليه الضمائر التي في الكلمات المذكورة، يبينه قول الواحدي في "البسيط" (١٥/ ١٥): (قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ فعلٌ قد تقدمت الأسماء عليه، وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وقد تكرر ذكرهم إلى أن قال: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ فجاء قول: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ معطوفا عليها، وصارت الأسماء مضمرة في هذا الفعل). وعبارة الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٣١٦): (إنما قيل: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ لأنها للناس الذين وصفوا باللهو واللعب، و﴿الَّذِينَ﴾ تابعة للناس مخفوضة؛ كأنك قلت: اقترب للناس الذين هذه حالهم، وإن شئت جعلت ﴿الَّذِينَ﴾ مستأنفة مرفوعة، كأنك جعلتها تفسيرًا للأسماء التي في ﴿وَأَسَرُّوا﴾).
[ ١٠ / ٣٦٨ ]
واهتدَيْنَ النبالُ للأغراض (^١)
وقال أبو تمام:
وأشجيتُ أيامي بصبرٍ حَلَون لي عواقبُه والصبرُ مثلُ اسمه صبرُ (^٢)
يقول: يُعرضون عنه بأنفسهم، ويموِّهون على ضعَفتهم، فيتسارُّون فيما بينهم ويقولون: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: ما هو إلا آدميٌّ مثلكم يأكل ويشرب، ويكون منه ما يكون منَّا، فكيف صار رسولًا من بيننا؟!
قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: استفهام بمعنى التوبيخ والاستنكار؛ أي: يقولون للضَّعَفة: ليس هو برسول بل هو ساحر، أفتأتونه لاستماع هذا الكلام الذي هو سحرٌ وأنتم تعلمون أنه سحر، وهذا منكم خطأٌ وسَفَهٌ.
وقيل: وأنتم ترونه بشرًا مثلَكم، وسمَّوا كلامه سحرًا على معنى أنه يَرُوقُ ويَرُوعُ ويأخذ بالقلوب.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ الغفلة على قسمين:
غافل عن حسابه لاستغراقه بدنياه.
وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه.
فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يستفيقون من غفلتهم إلا برؤية المولى (^٣).
_________________
(١) عجز بيت لأبي تمام، وهو في "ديوانه" بشرح التبريزي (٢/ ٣١٣)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٧٠)، و"تفسير القرطبي" (١٤/ ١٧٤)، وصدره: بك عاد النصال دون المساعي
(٢) انظر: "الموازنة بين شعر أبي تمام والمتنبي" (١/ ١٣٢).
(٣) في (ر): "فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا بشوق مقلق أو خوف مزعج والآخرون لا =
[ ١٠ / ٣٦٩ ]
(٤) - ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفصٍ: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ وكذا في مصاحف (^١) أهل الكوفة.
وقرأ الباقون: ﴿قُلْ﴾ (^٢)؛ أي: يا محمد قل للَّذين أسرُّوا النجوى: ﴿رَبِّي يَعْلَمُ﴾ قولَ كلِّ قائلٍ هو في السماء أو في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: وهو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم وأسرارهم.
ووجه القراءة الأولى: قال لهم محمد حين قالوا متسارِّين: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾: إن اللَّه يعلم ما قلتُم وسيجازيكم عليه.
* * *
(٥) - ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾.
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: أي: لتحيُّرهم تضطرب (^٣) أقوالهم، وهاهنا مضمر: قالوا: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ثم لم يثبتوا على هذا ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛
_________________
(١) = يستفيقون. . . ". وانظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٩١)، وفيه: (فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا من سكرة الموت، وهؤلاء لا يرجعون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم فى وجود الحق تعالى).
(٢) في (ر) و(ف): "مصحف".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٢٨)، و"التيسير" (ص: ١٥٤).
(٤) في (ف): "أي: ليخبرهم باضطراب"، وفي (ر): "أخبر باضطراب".
[ ١٠ / ٣٧٠ ]
أي: تخاليط (^١) وتهاويل من الرؤيا رآها في نومه فتوهَّمها (^٢) وحيًا من اللَّه إليه، ثم لم يثبتوا على هذا حتى قالوا: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾؛ أي: اختلقه من نفسه وكذَب به على اللَّه تعالى، ثم لم يثبتوا على هذا حتى قالوا (^٣): ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وما أتى به شعرٌ، كلامٌ يَنْظِمُه هو.
وقيل: أسروا النجوى فقال بعضهم: هو سحر، وخالفهم فريق فقالوا كذا، وفريق قالوا كذا.
﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾: لمَّا كانوا علماءَ بضروب الكلام، وكانوا يعلمون أنه ليس بسحرٍ ولا بشعرٍ ولا برؤيا، تحكَّموا واقترحوا فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾؛ أي: بمعجزةٍ كمعجزات (^٤) موسى وعيسى وغيرهما، فأمَّا هذا القرآن فإنَّا لا نرضى به آيةً، فردَّ اللَّه عليهم هذا فقال:
* * *
(٦ - ٧) - ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: أي: لم يؤمن أهلُ القرى الذين أهلكناهم وقصصْنا عليكم أخبارهم مع مجيء الآيات التي اقترحوها.
وقوله: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: أهؤلاء المقترحون يؤمنون لو أتيناهم بما اقترحوا، وهي استفهام بمعنى النفي.
_________________
(١) في (ر): "مغاليط".
(٢) في (ر): "فيزعمها".
(٣) "حتى قالوا" من (أ)، وفي (ف): "وقالوا"، وليست في (ر).
(٤) في (ر): "كمعجزة".
[ ١٠ / ٣٧١ ]
وقيل: ما آمنتْ قبل هؤلاء قريةٌ قد سبق لها الهلاك على الكفر، أفأهل مكة يؤمنون وقد سبق لهم أنهم يموتون على الكفر.
وقيل: قوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾ قاله عبد اللَّه بن أبي أميةَ المخزومي.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يسمعُ أنين المذنبين سرًّا من الخلق حذارًا أن يَفْتضِحوا، ويسمع مناجاة العابدين بنعت التسبيح إذا تهجَّدوا، ويسمع شكوى المحبِّين إذا مسَّتهم البُرحاء ولشدةِ الاشتياق ضجُّوا (^١).
وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رجالًا يُوحَى إليهم﴾ (^٢): هو ردُّ قولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ استبعَدوا الرسالة من البشر (^٣) وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] قال (^٤): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الرسلَ ﴿قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ بشرًا لم يكونوا ملائكة ﴿يُوحَى إِلَيْهِمْ﴾ (^٥)؛ أي: مع ذلك كان يأتيهم الوحي من عندي على ألسُن الملائكة.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا﴾: أي: يا أهل مكة ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهلَ الكتب المتقدمة ممن تقرأ التوراة والإنجيل والزبور، وذلك لأنهم كانوا يذكرون أقاصيصَ الأنبياء والأمم ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والعرب لم تكن تعرف ذلك ولا تذكُره، فكان
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٤٩٢).
(٢) في (ر): "نوحي"، وهي قراءة حفص، والمثبت قراءة باقي السبعة. انظر: "السبعة" (ص: ٤٢٨)، و"التيسير" (ص: ١٣٠).
(٣) في (أ): "استبعدوا إرساله" وفي (ف): "استبعدوا الرسالة" ليس فيهما: "من البشر".
(٤) في (ر): "فنزل".
(٥) في (ر): "نوحي إليهم".
[ ١٠ / ٣٧٢ ]
أولئك يسمَّون (^١) أهلَ الذكر، وكان أهل مكة يعتمدون على قولهم، فأمرهم بسؤالهم ليقع لهم العلم بإخبارهم بأن الأنبياء قبله كانوا من البشر.
وقيل: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: مؤمنو أهل الكتاب.
وقال علي ﵁: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ العلماء بالقرآن (^٢). قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وهذا دعاءٌ إلى مساءلة أهل العلم من المؤمنون ومناظرتهم والاجتماعِ معهم على البحث والنظر ليخرجوا بذلك عن التقليد.
* * *
(٨ - ٩) - ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾: أي: وما جعلنا كلَّ واحد منهم جسدًا -كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]؛ أي: يخرج كلَّ واحد منكم طفلًا- ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾؛ أي: كانوا في طباع البشر محتاجين إلى ما يُقيم أبدانهم.
وقيل: الجسد كنايةٌ عما لا يتصرَّف ولا يتحرَّك ولا يحتاج إلى غذاء.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾: لا يموتون؛ أي: فكذلك أنت يا (^٣) محمد، والرسالة لا توجب الخروجَ من البشرية.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾: من النصرة والنجاة ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ مما أحلَلْناه بقومهم المكذِّبين.
_________________
(١) "يسمون" ليس من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٢٩) بلفظ: (نحن أهل الذكر).
(٣) "أنت يا" ليس في (أ)، وفي (ف): "يا".
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾: أي: وأنجينا مَن نشاء، وهم المؤمنون بهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: المجاوزين الحدَّ بالكفر والشرك، ودلَّ الإخبار بإهلاك المسرفين أن ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ غيرُهم.
* * *
(١٠) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾: أي: إلى نبيكم، والإنزال إلى النبي إنزالٌ إلى أمته لأنهم مخاطَبون (^١) به.
وقوله تعالى: ﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: أي: شرفُكم، من قولهم: فلان مذكورٌ في الناس، وإنما صار شرفًا لهم لأنه منزَلٌ على رسول هو منهم، والمنزَل بلسانهم، والناسُ يتفاخرون بكتبٍ يؤلِّفُها لهم حكماؤهم، فكيف بكتابٍ أنزله اللَّه تعالى على شريفٍ منهم؟
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلستُم عقلاءَ تعرفون مواضع حظوظكم، فكيف غفلتُم عن تحصيل الشرف بالإيمان بهذا الكتاب ومُعاوَنةِ مَن أتى به.
وقيل: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: أي: ذكرُ ما بكم إليه حاجةٌ.
وقال ابن جريج: فيه حديثُكم (^٢).
وقال الحسن: فيه دينكم (^٣).
_________________
(١) في (أ): "مخالطون".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٣٢) من طريق ابن جريج عن مجاهد، ومن طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٣) رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦١٧) =
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
وروى جابر عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا ينبغي لعالمٍ أن يسكت على علمه، ولا ينبغي لجاهل أن يسكت على جهله، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١).
* * *
(١١) - ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾: وهذا ترهيب بعد ترغيب؛ أي: وكم كسرنا، وهو عبارة عن الإهلاك، يقال: كُسر الجيش.
وقال ابن عباس ﵄: أهلكنا (^٢).
وقال الضحاك: دمَّرنا.
وقال أبو العالية: خرَّبنا.
وقال ابن كيسان: هزمنا وقتلنا، وأنشد قولَ تبَّعٍ اليمانيِّ:
ولقد قَصَصْتُ يهودَ خيبرَ كلَّهم فتركتُ خيبرَ غيرَ ذاتِ يهودِ (^٣)
وقال الفراء: القصم بالقاف: كسر بينونة، والفصم بالفاء: كسر بغير بينونة.
_________________
(١) = بلفظ: فيه دينكم، أمسك عليكم دينكم بكتابكم. ورواه أيضًا أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٩١)، ولفظه: أمسك عليكم دينكم أخلاق القرآن.
(٢) لم أجده حديثًا، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٨)، والزمخشري في "الكشاف" (١/ ٤٥١)، عن محمد بن كعب قوله.
(٣) لم أجده عن ابن عباس، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٣٣) عن ابن جريج ومجاهد وابن زيد.
(٤) لم أقف على هذه الأقوال.
[ ١٠ / ٣٧٥ ]
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾: أي: من أهل قرية كانوا ظالمين؛ أي: مشركين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا﴾: أي: خلقْنا ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ غيرَهم.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾: أي: رأوا عذابنا ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾؛ أي: أخذوا يهربون خارجين منها يحركون أقدامهم عَدْوًا، والركض ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾: أي: قيل لهم: لا تَفِرُّوا ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾؛ أي: إلى نعمكم التي خوِّلتموها (^١) وتوسَّعْتُم فيها حتى بَطِرْتُم بها وكفرتُم وأعرضتُم.
وقال الخليل: المترَف: الموسَّع عليه عيشُه، القليل فيه همُّه (^٢).
﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾: أي: وأتوا (^٣) مساكنَكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ قال قتادة: يعني: عن دِينكم (^٤).
_________________
(١) في (أ): "حولتموها".
(٢) انظر: "العين" (٨/ ١١٤).
(٣) في (أ) و(ف): "وإلى".
(٤) كذا ذكر، والذي في المصادر خلافه، فقد روى عبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٥١)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٧١)، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦١٨) عن قتادة قوله: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ يقول: ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ من دنياكم شيئًا، استهزاء بهم. وكذا ذكره الماوردي في "النكت والعيون" =
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
معناه: يطلب منكم الإيمان وتؤمرون (^١) به، وذكره بكلمة (لعل) وبكلمة (السؤال) استهزاءً بهم وتوبيخًا، كأنه قيل لهم: ارجعوا حتى يأتيكم رسولُكم فيسألَكم أن تؤمنوا به.
وتحقيقه: قد فاتكم ذلك بترككم التدبير في وقته ويتمنون أن يكون كذلك ولا يكون.
وقال قتادة (^٢): ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ من دنياكم شيئًا، وهو استهزاء بهم أيضًا (^٣)؛ أي: قيل لهم: ارجعوا إلى مساكنكم (^٤) لعلكم يأتيكم رسولُكم محتاجًا إلى ما في أيديكم فيسألَكم من ذلك، فتُعطونه فيمتنع عن دعائكم إلى الإيمان.
وقال ابن عباس ومقاتل ﵃: كانت (^٥) هذه قريةً باليمن تسمَّى: حاصوراء، قتَلوا نبيهم حنظلةَ ﵇، فسلَّط اللَّه عليهم بخت نصَّرَ حتى قتلهم وسباهم، فلمَّا استَحرَّ فيهم القتل هربوا وانهزموا، فقالت لهم الملائكة على طريق الاستهزاء: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾؛ أي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾؛ أي: عن قتل نبيِّكم لمَ قتلتُموه (^٦)؟
_________________
(١) = (٣/ ٤٣٩)، والواحدي في "البسيط" (١٥/ ٣٢)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٣١٢). قال الواحدي: (والمعنى على هذا: أن الملائكة قالت لهم: ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئًا من دنياكم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، استهزاء بهم، كما ذكره قتادة. وهذا في الحقيقة توبيخ لهم. . .)، ثم قال: (وقول قتادة في هذه الآية هو الصحيح، وذكرت أقوال، وهي بعيدة في المعنى).
(٢) في (أ): "وتؤمنون".
(٣) "وقال قتادة" ليس في (ف).
(٤) انظر ما تقدم قبل تعليقين.
(٥) في (أ): "مسالكهم"، وفي (ف): "مسألتكم".
(٦) في (ف): "وكانت" وليست في (أ).
(٧) ذكر نحوه ابن عبد ربه في "العقد" (٣/ ٣٣٦)، والسهيلي في "التعريف والإعلام" (ص: ١١٢)، =
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
وقال ابن جريج: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ (^١) عن سبب كفركم، لمَ كفرتُم؟ ولا يكون لكم حجةٌ.
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: أي: أنفسَنا بكفرنا، ولا ينفعهم هذا الاعترافُ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ﴾: أي: تلك الكلمة، أو تلك الدعوى ﴿دَعْوَاهُمْ﴾؛ أي: دعاءهم -كقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ [يونس: ١٠]؛ أي: دعاؤهم فيها- بالويل والثبور على أنفسهم.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾: أي: محصودًا بالسيف كحصيد الزرع، ووُحِّد كما في قوله: ﴿جَسَدًا﴾، أو معناه: حصيدةً، فيكون جمعًا، والفعيل إذا كان للمفعول لم تدخله الهاء.
_________________
(١) = والطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٨١) عن أهل التفسير والأخبار، واسم المدينة عندهم: حضور، واسم نبيهم الذي قتلوه: شعيب بن ذي مهدم. وزاد السهيلي والقرطبي: وقتل أصحاب الرس في ذلك التاريخ نبيًا لهم اسمه حنظلة بن صفوان. . .) إلى آخر القصة. وذكر نحو هذه القصة أيضًا الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧) عن الضحاك، لكن عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥].
(٢) "أي: عن قتل نبيكم لم قتلتموه وقال ابن جريج لعلكم تسألون" من (أ).
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
وإن كان هذا بغير السيف فمعناه: الساقط؛ لأنه يقابل القائم، قال تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠].
و﴿خَامِدِينَ﴾: ميتين كخمود النار.
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: أي: وما خلقتُ ذلك وأنا أريد به اللعب؛ بل خلقتُ الخلق للابتلاء بالأمر والنهي، ثم أبعثُهم بعد الموت لأجازيَهم في الآخرة على الخير الشر.
وهذه الآية في إثبات وحدانيته، وما قبلها في إثبات رسالة رسوله وحقِّيَّة (^١) كتابه.
ثم ذكر بعدها تنزيهَه عن الصاحبة والولد، فقال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾:
قال الحسن ومجاهد: أي: زوجة (^٢).
وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن المرأة (^٣)؛ لأنَّها يُلهى بها ويُصرَف الهم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وحقيقة".
(٢) رواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩). أما الحسن فذكر عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٤٤٠) أن المعنى: (ولدًا). وروى عنه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٣٨) قوله: اللهو: المرأة. وروى عنه عبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٢٠) قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ قَالَ: النِّساء. وروى عنه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٣٠٢)، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٢٠) قال: اللَّهو بلسان اليمن المرأة. وهو عين قول قتادة الآتي.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٣٩)، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٢٠).
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
وقيل: يقع اللهو على الزوجة والولد.
وقوله تعالى: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾: أي: من عندنا لا من عندك.
وقيل: لو اتخذنا ولدًا لم يكن ذلك ما تنحتونه من الأوثان المتَّخذة من طينٍ وخشبٍ وحجارة، بل كنا نتَّخذه نحن من عندنا؛ أي: كيف يكون ما تنحتونه ولدًا لنا.
وقيل: لو اتخذنا صاحبةً وولدًا لم يكن ذلك من أهل الأرض من الأجسام الأرضية والأخلاط الكدرة (^١)، بل من الجواهر الكريمة الشريفة الذي منها خُلق أهل السماء.
وقيل: الأول أصح، لأن الجواهر لا تتفاضل لأعيانها.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: قيل: هو على الشرط: لو جاز ذلك لفعلنا، لكنَّا لسنا ﴿فَاعِلِينَ﴾ (^٢) لاستحالة ذلك.
وقال مجاهد وقتادة وجماعةٌ: تم الكلام عند قوله: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ثم قوله: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ معناه: ما كنَّا لنفعلَ ذلك (^٣)، و﴿إِن﴾ للنفي كما في قوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣].
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "القذرة".
(٢) "لو جاز ذلك لفعلنا، لكنا لسنا ﴿فَاعِلِينَ﴾ " ليس من (أ).
(٣) رواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٣٩)، وعن مجاهد عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٢٠).
[ ١٠ / ٣٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾: أي: ليس الأمر كما تتوهمون من قوة الباطل، وأنكم تُتركون على ضلالكم وتمويهِكم على الضَّعَفة، ﴿بَلْ﴾؛ أي: لكن ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: نرمي بالحق ﴿عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾: فتقهر الحقُّ الباطل ويعلُوه، كما يفعل القاتل بالمقتول إذا أصاب دماغه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ﴾: أي: الباطل ﴿زَاهِقٌ﴾؛ أي: هالك ذاهبٌ كالحي تزهَق نفسه فيموت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾: أي: الوعيد والعذاب الشديد في الآخرة ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾؛ أي: تُضيفون إلى اللَّه تعالى ما لا يليق به.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هم خلقُه وملكُه، فكيف يكون شيء منه شريكًا له أو ولدًا أو صاحبة؟
قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾: أي: الملائكةُ الذين عنده، وهو بيانُ قربِ المنزلة دون قربِ المكان، فإن اللَّه تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وهم الذين يعبدهم كثير من المشركين.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾: أي: لا يتعظَّمون عنها بل يداومون عليها ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾؛ أي: لا يَكلُّون ولا يَملُّون ولا يَعيَوْن.
* * *
(٢٠ - ٢٢) - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: على المواظبة ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾: لا يضعفون ولا يعيَون.
[ ١٠ / ٣٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾: أي: يُحيون الموتى، استفهام بمعنى التوبيخ، و﴿أَمِ﴾ بمعنى ألف الاستفهام لأنه لم تتقدَّمه ألف الاستفهام ليكونَ عطفًا عليه.
وقيل: هو عطف على ذلك تقديرًا، ووجهه: أفخلَقْنا (^١) السماوات والأرض لعبًا، أم الملائكةُ الذين يعبدوننا في السماء معبودين، أم هل ما اتَّخذتُموه (^٢) من الأصنام في الأرض يُحيي الموتى ويَضرُّ وينفع فيكونَ في ذلك موضعُ شبهة.
وقيل: يجوز أن يكون ﴿أَمِ﴾ في هذه الآية عطفًا على قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ويجوز انتقال الكلام من المخاطبة إلى المغايبة.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾: أي: لو توهِّم وجود السماوات والأرض بصانعَين لفسدتا؛ لِمَا يجري بين الصانعَين من التمانع؛ لأنَّهما لا يخلوان من أن يكونا قادرين، أو عاجزين، أو أحدهما عاجزًا والآخرُ قادرًا، والعاجز لا يكون إلهًا، وفي كونهما قادرين مع جواز ممانعةِ أحدهما صاحبَه ما يوجب استحالة وجود (^٣) فعلهما؛ أو (^٤) يَحتاج كلُّ واحد إلى موافقة صاحبه لحصول مراده، والحاجةُ نقصٌ يستحيل معها الإلهيَّةُ، فإذا لم يكونا إلهين خلا العالم عن مدبِّر له، وفي ذلك مما يوجب انتقاضَ أمور العالم، وفي وجود العالم على ما هو عليه من الاتِّفاق (^٥) دليلُ صانع واحد.
_________________
(١) في (أ): "أفجعلنا".
(٢) في (ر) و(ف): "اتخذوه".
(٣) "وجود" من (أ).
(٤) في (ر): "إذ".
(٥) في (أ): "الإتقان".
[ ١٠ / ٣٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أي: نزِّهوا اللَّه ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ العظيم (^١) ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي: من الولد والشركاء.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾: أي: من أفعال الربوبية ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ عما كلِّفوا به (^٢) من العبودية.
وقيل: إنما يُسأل مَن يُحتمل وقوعُ الخطأ في فعله، ولا يُحتمل ذلك في فعل اللَّه تعالى فلا يُسأل، وإشراكُ الكفار باللَّه الأصنامَ، ووصفُهم إياه باتخاذ الصاحبة والولد، ضلالٌ وخروج عن الصواب والحكمة فيُسألون.
وقيل: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ يرجعُ إلى المسيح والملائكة الذين هم متعبَّدون مسؤولون محاسَبون، فكيف يكونون شركاء للَّه؟
وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾: قيل: الإعادة لتجديد إفادة؛ فإن الأول إنكار عليهم من حيث العقلُ، والثاني من حيث الخبر؛ أي: أيقولون ذلك عقلًا وهم يُنشرون الأموات فيقعَ لهم شبهةٌ، أم يقولون من جهة الخبر أنَّا أخبرنا في الكتب أنهم آلهةٌ، وليس كذلك، فلا إنشار ولا إخبار، وذلك قوله تعالى:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: على أنه في الكتب ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾؛ أي: هذا الكتاب -وهو القرآن- وكتابُ مَن قبلي وهو التوراة والإنجيل ليس ذلك في شيء
_________________
(١) "العظيم" ليست في (أ).
(٢) "به" من (ر).
[ ١٠ / ٣٨٣ ]
منها؛ بل كلُّها دالة على التوحيد ونفي الصاحبة والولد والشريك، فقد بطل اتخاذ الآلهة من الجهات كلها.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾: من أين يُتعرَّف ومن أيِّ جهة يُطلب ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن الحقِّ كذلك.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَى (^١) إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾: تقرير ذلك؛ أي: ولم نرسل قبلك رسولًا إلا أوحينا إليه بالتوحيد وتجريدِ العبادة للَّه، دون الشرك (^٢) الذين يَدين به هؤلاء، وهذا كلُّه كلام واحد.
وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ ومعناه: ولا برهان لهم، ثم ابتدأ كلامًا فيه حثٌّ على التوحيد وزجرٌ عن الشرك: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: هذا القرآن ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾؛ أي: بيانُ حال أهل عصري: أنَّ مَن آمن أو كفر فإلى ماذا يصيرون؟ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾: بيانُ مَن اَمَنَ بالأنبياء ووحَّد، وبيانُ مَن كذَّبهم وأشرك: أنهم إلى ماذا صاروا؟ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾؛ أي: ليس بهم رغبةُ معرفةِ الحق ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه، وكذلك ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ كلامٌ آخرُ في تنبيههم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾: أي: قال طائفة من العرب: اتخذ اللَّه الملائكةَ بناتٍ ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزَّه اللَّه تعالى عن ذلك وتقدَّس.
_________________
(١) في (ر): "نوحي"، وهما قراءتان سبعيتان، قرأ بالنون حفص وحمزة والكسائي، والباقون يالياء. انظر: "السبعة" (ص: ٤٢٨)، و"التيسير" (ص: ١٥٤).
(٢) في (ر): "الشريك".
[ ١٠ / ٣٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾: أي: ليس كما قالوا، لكنهم ﴿عِبَادٌ﴾ لي ﴿مُكْرَمُونَ﴾؛ أي: أكرمتُهم ورفعتُ منزلتهم (^١).
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أي: لا يقولون شيئًا لم يؤذَن لهم فيه.
وقيل: هو إبطال ظنِّ المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الملائكة طمعًا في شفاعتهم، فقال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾؛ أي: لا يقولون شيئًا لم يؤذن لهم فيه.
ثم قال: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾: ذكر طاعتهم في القول والعمل جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: مما لم يبلُغوه بعدُ: ماذا يعملون فيه؛ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: ويعلم ما مضى من أزمنتهم فخلَّفوه ما عملوا فيه؛ أي: أحصى ذلك عليهم وحفظه ليحاسبهم، فهم مستعبَدون محاسبون، فكيف يتقدمون بين يدي اللَّه فيشفعون لمن لم يأذن لهم فيه.
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾: أي: لمن هو مرضيٌّ عند اللَّه بالتوحيد، ومن شفاعتهم ﴿لِمَنِ ارْتَضَى﴾ هو استغفارهم الآن، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ الآية [غافر: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾: أي: خائفون.
* * *
_________________
(١) في (ف): "عنهم زلتهم".
[ ١٠ / ٣٨٥ ]
(٢٩ - ٣٠) - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾: أي: من دون اللَّه ﴿فَذَلِكَ﴾ القائلُ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ على ادعائه الشركةَ في الألوهية.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: أي: هكذا نفعل بمن ادَّعى ما ليس له أن يدَّعيَه، وهذا الوعيد في حقِّهم مع العصمة كوعيدِ الأنبياء، وقد مر تأويلُه مرات.
وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: الوعيد تحقَّق في إبليس خاصة (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾: وهذا بيان دلالة التوحيد، والرَّتق: السد، ومنه الرَّتْقاء: وهي المرأة التي فرجها ملتحمٌ، والفَتْق: الشَّق، وصرفُهما من باب دخل.
ومعناه: أولم ير الكفار بالأبصار، وهو استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: قد رأوا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾؛ أي: تكونان مرتوقتَين، مصدرٌ أريد به النعت فلم يثنَّ لذلك، وإنما ثُني ﴿كَانَتَا﴾ مع أن السماوات والأرض جمع؛ لأنَّهما صنفان.
قوله: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾: أي: فنفتق السماء بالمطر والأرضَ بالنبات قوامًا للعالَم.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: أي: وجعلنا من ماء السماء كلَّ شيء على وجه (^٢) الأرض حيًّا ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: أفلا يصدِّقون بأن ذلك لم يكن
_________________
(١) رواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٥٦)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٥٤)، وعن الضحاك ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٢٥). وزاد الواحدي في "البسيط" (١٥/ ٥٥) نسبته للسدي والكلبي.
(٢) "وجه" ليست في (أ).
[ ١٠ / ٣٨٦ ]
بنفسه بل بمكنونِ كونه، وإلى هذا التأويل ذهب عطيةُ وعكرمة وابن زيد وجماعة (^١).
وتأويل آخر: أولم يعلم الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتَين ففتقناها بالهواء، وهو قول الحسن وقتادةَ وجماعةٍ (^٢).
والرؤية (^٣) على هذا من رؤية بصر القلب وهي العلم؛ أي: فليعلموا ذلك.
وقيل: السماوات كانت طبقةً واحدة ففتقها اللَّه تعالى فجعلها سبعًا، وكذلك الأرضون.
وعلى هذين القولين معنى قوله: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: أفلا يصدِّقون بهذا وقد أتاهم الخبر به عن اللَّه تعالى.
وعن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن الليل: أكان قبل النهار أو النهارُ كان (^٤) قبل الليل؟ فقال: الليل، وقرأ هذه الآية، ثم قال: فهل يعلمون كان بينهما إلا ظلمة (^٥).
* * *
(٣١) - ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا ثوابتَ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾؛ أي: لئلا تضطرب بهم؛ ليَتِمَّ القرار عليها والتمكُّن فيها.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦) عن ابن عباس والحسن وقتادة.
(٣) في (أ): "وأولم ير" وفي (ف): "وألم".
(٤) "كان" من (أ).
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧١٧)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٣٦٨).
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾: قال ابن عباس ﵄: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: بين الجبال (^١)؛ أي: طرقًا واسعة، جمع فجٍّ، ومنه: تفاجَّ؛ أي: فتح ما بين رجليه للبول.
وقال ابن عمر ﵄: كانت الجبال مصمتةً، فلما أغرق اللَّه قومَ نوح فرَّقها فجاجًا (^٢).
وقيل: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض، فيعمُّ الجبال والسهول.
وقوله تعالى: ﴿سُبُلًا﴾: أي: مسالكَ، وهو كقوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أي: ليهتدوا بها إلى البلاد المقصودة، ودخل فيها (لعل) لأنه قد ينقطع الاستدلال (^٣)، وقد يقع فيه الخطأ.
* * *
(٣٢ - ٣٣) - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾: أي: مُظِلًّا عليكم كالسقف ﴿مَحْفُوظًا﴾ في موضعه عن السقوط، كما قال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٥].
وقيل: ﴿مَحْفُوظًا﴾ بالشهب من الشياطين، كما قال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٦٢).
(٢) ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٢/ ١٣٩)، وفيه: (كانت الجبال منضمة. . .).
(٣) في (أ): "لأنه يقطع بالاستدلال".
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾: أي: آياتِ السماوات والأرض ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها، بخلاف المؤمنين الذين يتفكَّرون في خلق السماوات والأرض ويقولون: سبحانك ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: الليلَ ليسكنوا فيه والنهارَ ليتصرفوا فيه.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: أحدهما سراجُ الليل والآخر سراج النهار، ليُعلم بهما الشهورُ والسِّنون، ويقومَ بهما مصالح العباد.
وهذا كلُّه آيات يُستدل بها على وحدانية اللَّه تعالى ونعمِه يجب بها شكر اللَّه تعالى.
وقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: أي: كلٌّ من الشمس والقمر والنجوم في فلك.
قال الضحاك: أي: هذا المجرى الذي يجري فيه الشمس والقمر (^١).
وقال الحسن: الفلَكُ طاحونة كهيئة فَلْكة المغزل (^٢).
وقيل: هو موج مكفوف، فلذلك قال: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ كما يسبح الإنسان في الماء.
قال ابن جريج: يَجرون (^٣).
وقيل: يسرعون، وقيل: يدورون.
وجمع بالواو لأنه وصَفَها بالفعل الذي يكون مثلُه من العقلاء، وهو كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وكقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٦٥).
(٢) في (ر): "فلك المغزل"، وذكره بهذا اللفظ يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٣١١). وذكره باللفظ المثبت الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٦٦)، ويحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٨٠٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٦٧) من طريق ابن جريج عن مجاهد، ومن طريق ابن أبي نجيح عنه.
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، وكقوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، وقال النابغة:
تمزَّزْتُها والدِّيكُ يدعو صباحَه إذا ما بنُو نعشٍ دَنَوا فتَصوَّبوا (^١)
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾: لمَّا ذكر لهم هذه الآيات قالوا: ما أتى به ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]؛ أي: الموت، يموت كما مات شاعر بني فلان فنستريحُ منه ومِن سبِّه لأصنامنا وتسفيهه لأحلامنا، فنزلت: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾؛ أي: الخلودَ في الدنيا، فليس في الموت ما يُبطل النبوة.
وقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا يخلدون بل يموتون كما تموت.
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: أي: كلُّ نفسِ حيوان ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: تذوق الموت لا محالةَ ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾؛ أي: نختبرُكم في الدنيا ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾: بالمكروه والمحبوب ﴿فِتْنَةً﴾؛ أي: امتحانًا وتعبُّدًا بالصبر في المكروه، والشكرِ في المحبوب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾: بالموت والبعث فنجزيكم بما عملتُم.
* * *
_________________
(١) البيت في "الكتاب" (٢/ ٤٧) برواية: (شربت بها)، و"الأزمنة" لقطرب (ص: ٢٩) برواية: (سريت بهم)، و"مجاز القرآن" (٢/ ٣٨)، و"المقتضب" (٢/ ٢٢٦)، و"تفسير الطبري" (١٥/ ٥٤٥)، والرواية عندهم كالمؤلف.
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
(٣٦) - ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾: أي: ما يتخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ يَسْخرون بك.
وقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾: استفهام بمعنى التعجب؛ أي: يقولون: أهذا الذي يَعيب آلهتكم، وهو كقولهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]؛ أي: يَعيبهم.
وقيل: يذكرهم بالذم والسوء.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: أي: بذكر اللَّه الذي خلقهم بما هو أهلٌ أنْ يُذكر به كافرون؛ أي: يُنكرون عليك ذكر آلهتهم بالسوء، وذكرَ اللَّه تعالى بصفاته الحسنى.
وقيل: ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: توحيده؛ كما قال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، وقال: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢].
وقيل: الذكر اسم للقرآن هاهنا، ومعناه: هم بكتاب اللَّه كافرون.
وأعاد كلمة ﴿هُمْ﴾ فقال: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لأن الأولى إشارة إلى المشركين بمكة (^١) بمنزلة تسميتهم، والثانية تحقيق لاختصاصهم بهذا (^٢)، كقولك: زيد هو الذي فعل كذا؛ أي: اختَصَّ به وانفرد.
_________________
(١) في (أ): "إلى مشركي مكة".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "القول".
[ ١٠ / ٣٩١ ]
(٣٧ - ٣٨) - ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾: أي: عَجولًا، وقد ذكر ذلك في آيةٍ (^١)، وهو كقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤]، وقال في آية أخرى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] وهو كقولك: خُلقتَ من الشرِّ.
أي: خُلق مستعجِلًا ما يشتهيه ويريده بطبعه، وهؤلاء المشركون يستعجلون أيضًا في طلب الآيات، فقال تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ التي تطلبونها دلالةً على صحة (^٢) رسالة محمد -ﷺ- ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ في سؤالها.
وقيل: يستعجلون العذاب بقولهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
وقيل: هذا في حق النَّضْر بن الحارث، وقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾؛ أي: عجائبي في عقوبتهم ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ذلك، وكان ذلك يوم بدر.
ثم النهيُ عن الاستعجال -مع أنه طُبع على العجلة- لمخالفةِ الطبع، وعليه الثوابُ كما في الشهوات.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: أي: الموعود ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ هو أحد وجهي استعجالهم، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
_________________
(١) وهو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
(٢) في (ر): "صدق".
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أي: لو علموا حالهم إذا دخلوا جهنم وهم حينئذ لا يمكِنُهم أن يمنعوا عن أنفسهم ما يضطرم من النار في وجوههم وظهورهم لعظمها وكثرتها، ولأن أيديَهم مغلولةٌ حينئذ ولا ينصرهم غيرهم؛ أي: لا يمنع العذاب عنهم، والنصرة: المنع، قال اللَّه تعالى خبرًا: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣].
وقيل: لا تنصرهم الآلهةُ التي رجَوها.
وجوابه محذوف، وهو أبلغُ لِمَا مرَّ مرات، وأحدُ وجوه الجواب هاهنا: لم يستعجلوا.
وقيل: إضمار الجواب بعد تمام الآية التي تليها.
قوله تعالى ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾: أي: النار فجاءةً ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ قيل (^١): فتحيِّرهم.
وقيل: فتَجْهَدهم وتَلفح وجوههم وظهورهم عِيانًا؛ كالرجل يَبْهَت الرجل في وجهه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: أي: يُمْهَلون؛ أي: لا تؤخَّر عنهم طرفةَ عين، والجمع بين هذه الصفات بيانُ غايةِ شدة عذابهم.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ﴾: أي: نزل ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا﴾؛ أي: جراءَ ما كانوا ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مر تفسيره مرات.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي".
[ ١٠ / ٣٩٣ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾: أي: قل يا محمد لهؤلاء المستعجِلين: مَن يحفظكم ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: من عذاب الرحمن، وكان مشركو العرب مقرِّين بأن اللَّه تعالى هو الخالق والرازق والحافظ، فإذا سألتَهم عن ذلك واعترفوا بأنْ لا حافظ من عذاب اللَّه، ثبت أنه قادر على أن يعجِّل لهم العذاب، فإنه لا يؤخِّره لعجزه ولكن ليبلُغ الكتاب أجلَه.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾: وفيه إضمارٌ لتفيد كلمة ﴿بَلْ﴾ (^١): ليسوا جاهلين أنْ لا كالئ لهم من عذاب اللَّه تعالى، ﴿بَلْ هُمْ عَنْ﴾ تدبُّر (^٢) ﴿ذِكْرِ﴾ اللَّه؛ أي: وعظِه ﴿مُعْرِضُونَ﴾.
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾: وفيه إضمار أيضًا لتكون ﴿أَمْ﴾ على حقيقتها (^٣): أيستعجلون العذاب ظنًّا منهم أنهم يمتنعون من عذاب اللَّه تعالى بأنفسهم ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾.
ثم ردَّ عليهم ذلك فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: أي: يُجارون ويُحفظون، يقال في الدعاء: صَحِبَكَ اللَّه؛ أي: كان اللَّه
_________________
(١) في (ف): "أنهم" بدل من "لتفيد كلمة بل". وكلمة "لتفيد" غير واضحة في (أ) و(ر).
(٢) "تدبر" ليست في (أ).
(٣) في (ف): "الحقيقة".
[ ١٠ / ٣٩٤ ]
لك مجيرًا وحافظًا، وفي الحديث: "اللهم اصْحَبنا بصحبةٍ واقْلِبنا بذمَّةٍ" (^١).
وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾: أي: ليس لهم آلهةٌ تمنعهم من دوننا ولا جاز يُجيرهم من عذابنا ليكون إصرارهم على الكفر اتِّكالًا عليهم، لكنْ متَّعناهم بالحياة الدنيا وبسَطنا لهم في عزِّها ونعيمها، وكذلك فعلنا بآبائهم فطال عليهم العمر فألِفوه واستطابوا الدَّعَةَ، فقست قلوبهم، فلما جاءهم مَن يدعوهم إلى خلافِ ما ألِفوه استثقلوا تركَ ما هم عليه وظنوا أنَّ ما هم فيه لا يزول عنهم، فأعرضوا عن التدبُّر.
ثم بيَّن خطأهم في ذلك فقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: أي: أفلا يُشاهدون ما نفتحه على محمدٍ من بلاد الكفر مما حول مكة، فنَنْقص من قراهم ونزيد في ملك محمد وما يهلكه (^٢) من رؤساء هؤلاء (^٣).
قوله تعالى: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾: أي: أفكفَّارُ مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أرضهم (^٤)؛ أي: ليس كذلك، بل يغلبهم رسول اللَّه -ﷺ- وينصرُه اللَّه تعالى.
وفي نقص الأطراف أقاويلُ أُخر ذكرناها في سورة الرعد، وهذا القول هاهنا أقرب إلى النظم.
_________________
(١) قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "المسند" (٩٢٠٥)، والترمذي (٣٤٣٨)، والمحاملي في "الدعاء" (٢٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢٤٨٤)، والخطيب في "الكفاية في علم الرواية" (ص: ١٧٩)، من حديث أبي هريرة ﵁. ولفظ أحمد: (بنصح)، والترمذي: (بنُصْحك) بدل: (بصحبة). قال الترمذي: حسن غريب.
(٢) في (ر) و(ف): "يهلك".
(٣) السورة مكية، ولم يكن هناك فتح ولا نصر، وقد تكرر هذا عند المؤلف.
(٤) في (ر) و(ف): "أطرافهم".
[ ١٠ / ٣٩٥ ]
وقيل: نقصُ الأطراف تنبيهٌ على ذهاب (^١) الكل، قال قائلهم:
طوى العصرانِ ما نَشَراهُ مني فأبلى جِدَّتي نشرٌ وطَيُّ
أَراني كلَّ يوم في انتقاصٍ ولا يَبْقَى مع (^٢) النُّقصان شيُّ (^٣)
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد للمستعجِلين: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ بالعذاب بوحي اللَّه (^٤) لا من تلقاء نفسي.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾: ويحقُّ عليهم أن يسمعوا إنذارك، لكن لا يسمع الصمُّ الدعاء إذا ما ينذرون، وقد أصمَّهم الاغترار بالمهلة.
وقيل: معناه: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ واللَّه تعالى يُنزل العذاب متى شاء، ولكنكم لصَمَمكم (^٥) معرضون عن التدبر.
وقرأ ابن عامر: ﴿ولا تُسمِعُ﴾ بالتاء مضمومة على خطاب النبي -ﷺ- ﴿الصمَّ﴾ بالنصب على أنه مفعول (^٦)؛ أي: لا تستطيع أنت أن تسمع الصم الدعاء.
_________________
(١) بعدها في (ف): "بعض"، وهو خطأ.
(٢) في (ف) و(أ): "على".
(٣) البيتان لابن أبي الدنيا كما في "تاريخ بغداد" للخطيب (١٤/ ٣١٠)، ودون نسبة في "لطائف الإشارات" (٢/ ٢٣٧ و٥٠٤).
(٤) لفظ الجلالة "اللَّه" من (أ).
(٥) في (ف): "صممتم"، وفي (ر): "صممتم وأنتم".
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٤٢٩)، و"التيسير" (ص: ١٥٥).
[ ١٠ / ٣٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾: أي: شيء قليل، وهو من قولهم: نَفَح الوردُ: إذا فاح شيءٌ من رائحته، قال الشاعر:
وعَمْرةُ هن سَرَواتِ النِّسا ءِ تنفحُ بالمسكِ أردانُها (^١)
ونفح لفلان من عطائه (^٢)؛ أي: أعطاه شيئًا منه، قال أبو تمام:
وانفَحْ لنا من طِيبِ خِيْمِكَ نفحةً إنْ كانت الأخلاقُ مما تُوهَبُ (^٣)
يقول ﷿: ولئن أصابت هؤلاء المستعجِلين بالعذاب (^٤) ﴿نَفْحَةٌ﴾؛ أي: شيء قليل من ﴿عَذَابِ رَبِّكَ﴾ ﴿لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: لأقرُّوا على أنفسهم بظلمهم عليها، ولنادوا بالويل جزعًا مما أصابهم، أَخبرَ أنه لا طاقة لهم باحتمالِ قليلِ العذاب فكيف بالكثير؟
* * *
(٤٧) - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: ونحضِر الموازين التي لا جَور فيها -بل هي كلُّها قسطٌ؛ أي: عدلٌ- لوزن الأعمال يوم القيامة.
_________________
(١) البيت لقيس بن الخطيم كما في "الأغاني" (١٦/ ٣٥)، وعمرة هي بنت رواحة أخت عبد اللَّه بن رواحة وأم النعمان بن بشير. انظر: "أسد الغابة" (٧/ ٢١٩)، و"الإصابة" (٨/ ٣١).
(٢) في (ر) و(ف): "عطاه".
(٣) انظر: "الموازنة بين شعر أبي تمام والمتنبي" للآمدي (١/ ٣٣٢).
(٤) "بالعذاب" ليست في (أ).
[ ١٠ / ٣٩٧ ]
﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: أي: لا (^١) يُنقص شيءٌ من عمله ولا يُحمل عليه ذنبُ غيرِه.
﴿كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: وإن كان عملُها قَدْرَ حبةٍ من خردل ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾؛ أي: أحضرنا تلك الحبة فوزنَّاها وحاسبنا عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾: أي: مُحْصِين مثبِتين مقاديرَ (^٢) ما عملوا، لا حاجة بنا إلى غيرنا في محاسبةٍ يومئذ.
وقيل: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ في الدنيا مُحْصِين لأعمالهم.
ومعنى الجمع في الموازين: تعظيمُ شأنها وإن كان الميزان واحدًا، كقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] يعني: النبيَّ -ﷺ-.
ولأن أعمال كل واحد توزن به فهي ميزان في حقِّه وميزان في حقِّ كلِّ واحد، فصار جمعًا بإضافته إلى الجمع.
ولأن الميزان مجموع أشياءَ بها كلِّها يقع الوزن، فكلُّ شيء منه آلةُ وزنٍ فكان ميزانًا، فكان بجملته موازينَ معنًى.
ولأن ﴿الْمَوَازِينَ﴾ يجوز أن تكون جمع الموزون، فكان جمعًا للموزونات لا للميزان.
و﴿الْقِسْطَ﴾: نعت الموازين؛ قال الفرَّاء: هو مصدرٌ فصلح نعتًا للجمع؛ كما للرضا والعدل (^٣).
وقال الفراء: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ في معنى: في يوم القيامة (^٤).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "بأن" بدل: "أي: لا".
(٢) في (ف): "مثبتين مقدار"، وفي (ر): "مبينين مقدار".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٠٥).
(٤) المصدر السابق.
[ ١٠ / ٣٩٨ ]
وقيل: معناه: لأهلِ يومِ القيامة، ولأمرِ يومِ القيامة.
ثم القولُ بحقيقة الميزان يوم القيامة من (^١) مذهب أهل السنة والجماعة (^٢)؛ لورود الأحاديث (^٣) الصحيحة فيه (^٤).
وقال الحسن: للميزان لسان وكفَّتان توزن به الأعمال (^٥)، فيحتمل أن يجعل في إحدى كفتيه صحف الحسنات وفي الأخرى صحف السيئات، أو كما شاء اللَّه تعالى.
وقال الإمام القشيري ﵀: تُوزن الأعمال بميزان الإخلاص فما فيه الرياءُ لا يُقبل، وتوزن الأحوال بميزان الصدق فما فيه الإعجابُ (^٦) لا يُقبل، وتوزن الأنفاس بميزان الصفاء فما فيه الحظوظُ لا يُقبل (^٧).
وقد مر في قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، زوائدُ وفوائد.
* * *
(٤٨) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾: ثم اقتصَّ اللَّه تعالى على نبيِّه -ﷺ- أخبارَ كثير من الأنبياء، وما قاسَوه مع قومهم في إقامة دين اللَّه تعالى، وما أنعم اللَّه عليهم من حميد العاقبة، يُسلِّيه بذلك ويبشِّره اللَّه تعالى،
_________________
(١) "من" من (أ).
(٢) "والجماعة" من (أ).
(٣) في (ر): "لورود الكتاب والأحاديث".
(٤) انظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] وقد أشبعنا الكلام فيه ثمة.
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٠١).
(٦) في (ر): "العجب".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٠٥).
[ ١٠ / ٣٩٩ ]
ويعرِّف الكفار أنهم ﵈ كانوا بشرًا عاشوا ما قدِّر لهم ثم قبضهم اللَّه إلى رحمته، فمحمد -ﷺ- كأحدهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾.
قيل: هذه الثلاثُ كلها في (^١) التوراة:
هي فرقانٌ يُفْرَق به بين الحق والباطل والهدى والضلال.
وهي ضياءٌ يُهتدى به إلى الحق ويُتوصَّل به إلى سبيل النجاة.
وهي ذكرٌ؛ أي: تعريفٌ لِمَا بالناس من حاجةٍ إليه، ووعظٌ وتنبيه.
وعطفُ بعض هذه الصفات على البعض كالعطف في قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩].
وقيل: بل ﴿الْفُرْقَانِ﴾ هو نصرهما على العدو، والفرقان: النصر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، أو فرقُ البحر قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، والضياء اسم للتوراة، والذكرُ الوعظ.
وقوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: وفي الحقيقة الضياء والذكر للكلِّ، لكن انتفع بذلك المتَّقون فخصَّهم بالإضافة إليهم؛ كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥].
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾: هو وصف المتقين.
_________________
(١) في (أ): "هي".
[ ١٠ / ٤٠٠ ]
قال نفطويه: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: لم يروه.
وقيل: يحذَرون ما حذَّرهم اللَّه تعالى وبلَّغه الأنبياءُ من الأشياء التي تكون في القيامة وهي غيب.
وقيل: ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: بالسرِّ حين يغيب عنهم الناس يُجِلُّون اللَّه تعالى ويخافون مقامه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾: أي: حذِرون من قيام الساعة وما يَظهر فيه من معاصيهم وتقصير طاعاتهم.
﴿وَهَذَا﴾: وهو (^١) القرآن المنزل عليك ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ مَن تَبَرَّك به اتَّصلت له البركات، من الاهتداء إلى المَراشد، والنجاةِ من العقاب، والوصول إلى الثواب.
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: قيل: أي: جاحدون أنه منزلٌ من عند اللَّه تعالى، استفهام بمعنى التوبيخ.
وقيل: ﴿مُنْكِرُونَ﴾؛ أي: مستنكرون (^٢) نزولَه على محمد؛ كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، وقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
أي: لا معنى لإنكاركم، فقد أنزلنا التوراة على موسى وهارون، وأرسلنا رسلًا إلى قومهم على ما ذكره من بعده (^٣).
وقال القشيري: الخشية بالغيب: إطراق السريرة في أوان الحضور باستشعار
_________________
(١) في (أ): "وهذا".
(٢) في (ر) و(ف): "مستكثرون".
(٣) في (أ): "بعد"، وكلمة "من" ليست في (ر).
[ ١٠ / ٤٠١ ]
الوجل من جريان سوء الأدب والحذر من أن يبدو من الغيب بغتات التقدير مما (^١) يوجب حَجبة العبد (^٢).
* * *
(٥١ - ٥٢) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾: أي: ولقد أعطينا إبراهيم الخليل هداه.
وقيل: وفَّقناه للحق وعصمناه من عبادة الأوثان.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبل الوحي؛ أي: دلَلْناه على معرفتنا بالآيات حين جنَّ عليه الليل فرأى كوكبًا ثم القمرَ ثم الشمسَ على ما مرت قصته.
وقيل: يعني: محاجَّة القوم قبل الوحي.
وقيل: أي: الفهمَ والعقل قبل البلوغ.
وقيل: أي: من قبلِ موسى وهارون، والرُّشد على قول هؤلاء النبوةُ.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾: أي: بصلاحه للنبوة؛ أي: على علمنا بذلك آتيناه النبوة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
وقيل: كنا عالمين بطاعته لنا.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾: أي: الأصنام المصوَّرة وتماثيلُ الناس ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾: أي: على تعظيمها وعبادتها مُقيمون.
_________________
(١) في (ف): "يبدو من الغيب شأن التقدير مما"، وفي (ر): "يبدو من الغيب شيء مما". وفي "اللطائف": (يبدو من الغيب من خفايا التقدير ما).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٠٦).
[ ١٠ / ٤٠٢ ]
(٥٣ - ٥٦) - ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾: كعبادتنا لها.
﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: ظاهر.
وقيل: أي: مُظهِرٍ عن نفسه أنه ضلال، وهو لازمٌ ومتعدٍّ.
ووجهُ ظهور هذا الضلال: أنكم عبدتُم خشبًا وطينًا وحجارة لا تعقل ولا تضرُّ ولا تنفع، ولا تدفع عن نفسها شيئًا (^١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾: أي: أمُحِقٌّ أنت في هذا (^٢) القول جادٌّ فيه أم لاعبٌ ممازح؟! استعظامًا منهم إنكارَه عليهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: لستُ بلاعبٍ فيما قلتُ لكم، بل أنا جادٌّ فيه محقِّقٌ له، لأن هذه التماثيل ليست بربكم ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: مدبِّرُكم والقائم عليكم هو خالق السماوات والأرض ومدبِّرهما وممسكهما؛ لِمَا فيها من الدلائل أنها مصنوعة لصانعٍ واحدٍ قادرٍ عليهم، لا يُشبه المصنوعات بوجهٍ من الوجوه كأصنامكم هذه التي هي مصنوعة.
﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾: أي: أنشأهن من غير شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: أي: أنا أشهد أن المستحِقَّ للعبادة والربوبية هو خالقُ السماوات والأرض.
_________________
(١) "شيئًا" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (ف): "محقق أنت في هذا" وفي (ر): "محقق أنت هذا".
[ ١٠ / ٤٠٣ ]
(٥٧ - ٥٨) - ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾: أي: أحلف باللَّه تعالى لأحتالنَّ في إصابة أصنامكم بالمكروه، ولم يرض بالمجادلة باللسان حتى قصد الفعلَ بما لا يفعله إلا مَن أخلص في الذبِّ عن دين اللَّه بنيَّته، ووطَّن على مكروِ؛ يناله في اللَّه نفسَه.
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: أي: بعد غيبتكم عني، وذلك لانتهاز الفرصة لِمَا أراد.
وقيل: إنه قال هذا سرًّا (^١) لم يسمعه الجميع وإنما سمعه واحد، وهو الذي قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠].
وقيل: إن القوم كانوا عزموا على الخروج إلى عيدٍ لهم، فاحتال إبراهيمُ ﵇ للتخلُّف عنهم بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩].
قال ابن عباس ﵄: كان لهم في كلِّ سنةٍ مَجمَعٌ وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم رجعوا إلى منازلهم، فقالوا من الليل لإبراهيم: نحن خارجون غدًا إلى عيد لنا أفتصحبُنا (^٢)؟ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: فعلم من النجوم (^٣)؛ لأنَّهم كانوا يقصدون بالنجوم (^٤)، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: سأسقم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بسر".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٨).
(٣) في (ر): "فعلم في علم النجوم".
(٤) أي: كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه. انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ١٤٨)، و"البسيط" للواحدي (١٩/ ٧٠)، كلاهما عن ابن عباس أنه قال ذلك.
[ ١٠ / ٤٠٤ ]
وقيل: أي: نظر في نبات الأرض، والنجمُ نبتٌ ليس لها ساق، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ والإنسان لا يخلو من سقم، فتركوه، فلما خرجوا إلى عيدهم دخل بيت الأصنام وبيده فأسٌ، وكان في البيت تسعون صنمًا ما بين (^١) خشبٍ وحديد ورصاص ونحاس وفضة وذهب، فكان في صدر البيت أكبرُها من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان في الليل، فكسر رؤوسها ووضع الفأس على عاتق الكبير وخرج.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾: قرأ الكسائي: ﴿جِذاذًا﴾ بكسر الجيم والباقون بضمها (^٢).
قال الفرَّاء: الضمُّ مثل الحُطام والرُّفات، وبالكسر: جمع جَذيذ (^٣)، وهو من الجذِّ؛ أي: القطع، قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].
وقال الخليل: هو القطع المستأصِل الوحيُّ (^٤).
وقال أبو عبيدة: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾؛ أي: مستأصَلين، قال جرير:
بنو المهلَّبِ جذَّ اللَّه دابرَهم أمسَوا رمادًا فلا أصلٌ ولا طرفُ (^٥)
هاهنا مضمر: فتولوا عنه مدبرين فكاد أصنامهم ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾؛ أي: فتاتًا.
قوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾: أي: إلا صنمًا كبيرًا لم يجذَّه.
_________________
(١) في (ر): "صنما من"، وفي (ف): "صنما بين".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٢٩)، و"التيسير" (ص: ١٥٥).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٠٦).
(٤) انظر: "العين" (٦/ ١١). والوحي: السريع.
(٥) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٤٠). والبيت في "ديوان جرير" (١/ ١٧٦) برواية: (آل المهلب. . .).
[ ١٠ / ٤٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾: أي: إلى كبيرهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ على عادتهم في الرجوع من العيد للسجود له.
وقيل: للأكل عنده، وكانوا إذا خرجوا إلى العيد وضعوا في بيت أصنامهم طعامًا، وإذا رجعوا أكلوا ذلك وقالوا: باركتِ (^١) الأصنام عليه.
أي: كان على رجاءِ أن يرجعوا إليه فيشاهدوا هذه الحالة، فيبحثوا عن السبب، فيجد سبيلًا إلى تنبيههم على ضلالهم، وإذا رأوا كسرَها وعجزها عن الدفع تنبَّهوا على جهلهم في عبادتهم.
وقيل: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: إلى دين اللَّه.
وقيل: إلى قول إبراهيم.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.
قوله: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: وهاهنا مضمر أيضًا؛ أي: فرجعوا إليها ورأوا ما فعل بها فقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: قد ظلم نفسَه مَن فعَل هذا وهو يعلم أنا إذا علمنا به أهلكناه.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾: أي: قال الذين سمعوا منه قولَه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾.
وقد (^٢) قيل: سمع ذلك واحد وأخبر هو، وذُكر جمعًا لأن الجمع رضُوا بقوله،
_________________
(١) في (أ): "بركت"، وفي (ر): "بركة".
(٢) "قد" من (أ).
[ ١٠ / ٤٠٦ ]
فكأنهم قالوا ذلك، وهو كقول السلولي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
ويحتمِل أن السامع الواحد أخبر بذلك جمعًا، فقالوا ذلك بإخباره.
ويحتمِل أن واحدًا سمع منه هذه الكلمة، وآخرُ في موضع آخر عيبًا منه لها، وآخر في موضع آخر، فصاروا جمعًا، وذلك قوله: ﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾؛ أي: يَعِيبهم، وهو كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]؛ أي: فإذا كان هو يَعيبهم فالظاهر أنه فعَل بهم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: أي: اسمه هذا.
* * *
(٦١ - ٦٢) - ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾: أي: أحضروا إبراهيم وأشهِروه للناس ليَنظروا له، ومعنى: ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾؛ أي: بحيث يَرونه ويشاهدونه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: قيل: أي: يُؤدُّون الشهادة عليه أنه هو الفاعل ذلك، فيكون لنا حجةٌ في أخذه.
فهؤلاء الكفار لم يقبلوا في كسرِ ما يعتقدونه إلهًا لهم قولَ طاعنٍ إلا بحجةٍ، فكيف حالُ مَن يَقبل من الملوك قول النمَّام على رجلٍ لم يَثبت ذلك عليه.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: أي: على كسر الأصنام.
وقيل: لعلهم يسمعون منه حين أُحضر لها طعنًا في أصنامهم، فيستدلون بذلك على أنه فعل ذلك، أو قد يعترف بذلك فيشهدون؛ أي: يصيرون شهداء عليه.
[ ١٠ / ٤٠٧ ]
وقيل: بل (^١) معناه: يشهدون ما نعاقبه به؛ أي: يحضرون ويشاهدون (^٢).
فكان له ثلاث تأويلات.
والآخر قول ابن إسحاق قال: ﴿يَشْهَدُونَ﴾ ما يُصنَع به (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: وهاهنا مضمر أيضًا؛ أي: فأحضَروه فقالوا له: أنت فعلتَ هذا بآلهتنا ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾؟ يحتمِل أن يكون هذا استخبارًا منه لأنهم لم يتيقَّنوا به، ويحتمِل أن يكون استنكارًا عليه.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾: أَوهمهم أن كبير الأصنام كسر سائرها والفأسُ على عنقه دليلُه، فأمرهم بسؤالهم إنْ كانوا ينطقون ليشهدوا له بما يدَّعي، وهذا من معاريضِ الكلام ولا كذب فيه، وله ثلاثة أوجه:
أحدها: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، علَّق فعلَه بنطقهم، يعني: فإن نطقوا فهو فاعل ذلك، ومقتضاه (^٤): إن لم ينطقوا فليس هو بفاعل ذلك.
والثاني: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ وهاهنا وقف؛ أي: فعَله مَن فعَله، عنَى به نفسه، ثم قال: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وهاهنا وقف وهو مبتدأ وخبر، ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا﴾ وهذا كلام آخرُ تام.
_________________
(١) "بل" ليست في (ر).
(٢) في (أ): "أي يحضرونه ويشهدونه".
(٣) رواه الطبري "تفسيره" (١٦/ ٢٩٩).
(٤) كلمة: "مقتضاه" من (أ).
[ ١٠ / ٤٠٨ ]
والثالث: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ عنى به نفسه، وأضاف نفسه إليهم لاشتراكهم في الحضور ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وهذا كلام آخر.
وإنما أتى بهذا التعريض تمهيدًا لأمرٍ يُلزِمُهم به الحجةَ، وكذلك قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كان من المعاريض، هم فهموا به قيام السقم فتركوه، وهو أراد به أنه سيَسقم في المستقبل، فتخلَّص عنهم ومهَّد ذلك للكيد بالأصنام (^١).
* * *
(٦٤ - ٦٥) - ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: تفكَّروا في أنفسهم فيما قال لهم راجعين إلى عقولهم.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾: هذا الرجلَ في مسألته، فاتركوا مسألتَه واسألوا آلهتكم فهي حاضرتُكم.
وقال ابن إسحاق: ﴿فَرَجَعُوا﴾ عنه فيما ادَّعوا عليه من كسرهن إلى أنفسهم فيما بينهم (^٢) فقالوا: لقد ظلمناه، وما نراه إلا كما قال (^٣).
وقيل: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فلاموها، فقال بعضهم لبعض: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ إبراهيمَ حين تزعمون أنه كسرها والفأسُ على عنق الصنم الأكبر، فهو أولى أن يكون كسَرها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لكيد الأصنام".
(٢) في (ر) و(ف): "إلى أنفسهم فلاموها"، والمثبت موافق للفظ الخبر.
(٣) رواه الطبري "تفسيره" (١٦/ ٣٠١).
[ ١٠ / ٤٠٩ ]
قوله تعالى: ﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ ظاهره: ثم قلبوا على رؤوسهم فصارت رؤوسهم سفلًا وأرجلهم عُلْوًا، وله معانٍ:
أحدها: القهر والغلبة والذلُّ حيث لزمتهم الحجة.
والثاني: انعكاس الأمر عليهم، أرادوا أن يحتجوا لأنفسهم فصار ذلك حجةَ إبراهيم عليهم، قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ وهذا على قصدهم ردَّ كلامه وأمرِه بالسؤال، فصار ذلك اعترافًا بعجزها، فصارت حجةَ إبراهيم عليهم.
والثالث: التحيُّر (^١) والتكلُّم بالهذيان، يقال: هذا كلام منكوس.
وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾؛ أي: ثم رُدُّوا إلى رؤوسِ أمورهم من الجهالة والضلالة والبَطالة.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾؛ أي: قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.
* * *
(٦٦ - ٦٧) - ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾: أي: جمادًا لا ينطق ولا ينفع ولا يضر ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ كلمة توبيخٍ واستثقال وكراهية.
وقيل: معناه: قذرًا لكم.
وقوله تعالى: ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: أنتم وهم مكروهون عند العقلاء ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن عبادةَ مَن هذا وصفُه لا تجوز.
ثم قوله في صفة الأصنام: ﴿يَنْطِقُونَ﴾ بالواو لِمَا أنهم وصفوها بصفة العقلاء.
_________________
(١) في (ف): "التعجيز".
[ ١٠ / ٤١٠ ]
(٦٨ - ٦٩) - ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾: ولمَّا لم يجدوا عليه حجةً قالوا: حرِّقوه بالنار.
قال ابن عمر ﵄: أشار به عليه رجل من أكراد فارس اسمه: هيرز (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾: بإهلاك مَن يسبُّها ويَعِيبُها ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: ناصرين آلهتكم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ وهاهنا أيضًا مضمرٌ، وهو قوله: فأوقَدوا له نارًا وألقَوه فيها فـ ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ ﴿وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
وقصة ذلك: أن إبراهيم ﵇ لما بيَّن لهم عيبَ أصنامهم قال له نمرود لعنه اللَّه: أرأيت إلهك ما هو؟ صفه لي، فقال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] إلى آخر تلك القصة.
ثم حبسه نمرود اللعين في السجن سبع سنين، فدعا أهلَ السجن إلى الإيمان والإسلام، فأسلم كثير منهم، ثم أخرجه واتَّفقوا على تحريقه بالنار، وبنَوا له بنيانًا طويلًا طولُه ستُّون ذراعًا، ونادى نمرود في الناس بجمع الأحطاب، فاشتغل كلُّ الناس بجمع الحطب وحمله على كل الدوابِّ أربعين يومًا، فملؤوا البنيان منه وبلَّطوا جداره وسدُّوا أبوابه بالنحاس المذاب، وقذفوا فيه النارَ فاشتعل لهبُها وسطع
_________________
(١) رواه دون تسمية الكردي: الطبري "تفسيره" (١٦/ ٣٠٥). وفيه عنعنة ابن إسحاق وضعف ليث بن أبي سليم. ورواه الطبري أيضًا عن مجاهد، وروى عن شعيب الجبائي قال: إن الذي قال: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ (هيزن) فخسف اللَّه به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
[ ١٠ / ٤١١ ]
دخانها، فملأ كلَّ شيء حتى غَشِيَ مدينتهم وما حولها، وأظلم عليهم، وسُمع من النار أمثالُ وقع الحديد على الحديد، وتطايَرَ شررُها كالصخر، وكان يسمع وهجُها على مسيرة ليلة، ولم يقرب شيء منها إلا احترق بحرِّها.
ثم بنوا بنيانًا شامخًا ونصبوا فوقه منجنيقًا، ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في المنجنيق فقذفوا به في النار، فلما وقع فيها إبراهيم وهي كالجبال أطفأها اللَّه تعالى، فخمدت ونشَّت نشيشَ النار التي يصبُّ عليها الماء.
قال وهب: فبلغني أن السماء والجبال والبحار وما فيها من الخلق ضجُّوا إلى اللَّه تعالى ضجةً واحدة -إلا الثقلين- قالوا: ربنا ليس في أرضك مَن (^١) يعبدك ويوحِّدك غيرَ إبراهيم حُرق بالنار من أجلك فأذن لنا في نصرته، فأوحى اللَّه تعالى إليهن: إن استغاث بشيء منكن فلْيَنْصُره ولْيُعِنْه، وإن استغاث بشيء من خلقي فلْيُعِنْه ولْيَنْصُرنه، وإن دعاني فأنا وليُّه وناصرُه، وكفى بي وليًّا وناصرًا أمنعه منهم وأَحُول بينه وبينهم (^٢).
وقال محمد بن إسحاق: قيَّدوه ورموا به من القرارة (^٣) من مضربٍ شاسع، فاستقبله جبريل في الهواء فقال له: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا، فأتاه ميكائيل وقال: إن أردتَ أخمدتُ النار فإن خزائن الأمطار والمياه بيدي، قال: لا أريد، فأتاه شمسائيل وهو خازن الريح فقال: إن شئت طيَّرتُ النار في الهواء، قال: لا حاجة لي إليكم؛ حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فقال جبريل: إن لم تسألنا فاسأل اللَّه، فقال: حسبي من سؤالي علمُه بحالي (^٤).
_________________
(١) في (أ): "أحد".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٨١) عن محمد بن إسحاق.
(٣) القرارة: الأرض. ووقع في (ر) و(ف): "العرارة"، ولعله تحريف. وفي المصادر: (رموه في المنجنيق. . .).
(٤) ذكره الثعلبي في "عراض المجالس" (ص: ١١٦) عن المعتمر عن أبي بن كعب عن أرقم، والبغوي =
[ ١٠ / ٤١٢ ]
وقيل: كان من دعائه: لا إله إلا أنت سبحانك ربَّ العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك (^١).
وقال وهب: قال إبراهيم: يا أحدُ يا صمدُ بك أستعينُ وبك أستغيثُ وعليك أتوكلُ، حسبي اللَّه لا إله إلا هو ونعم الوكيل، يا ربِّ إنك تعلم إيماني لك وعدوانَ قومي فيك، فانصرني عليهم ونجني من النار، فقال اللَّه تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب فلم ينضج بها كُراع (^٢).
وقال كعب: ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار شيئًا إلا وثاقَ إبراهيم (^٣).
وقال وَهْبٌ: بقيت كذلك سبعة أيام.
_________________
(١) = في "تفسيره" (٥/ ٣٢٧) عن أبي بن كعب قوله، والقرطبي في "تفسيره" (١٤/ ٢٢٧) عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ-. ولعله كله وهم، وصوابه: المعتمر عن ابن كعب عن أرقم، هكذا جاء في "تفسير الثعلبي" (١٨/ ١٥٢) ط: دار التفسير، وهكذا روى الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٠٩) بعض هذه القصة، انظر التعليق الآتي. وقوله: (حسبي من سؤالي علمُه بحالي) ذكره ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٥٠) بلفظ: (علمه بحالي يغني عن سؤالي) وقال: قال ابن تيمية: موضوع. قلت: وجاء في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١/ ١٨٣): ليس له إسناد معروف، وهو باطل، بل الذي ثبت في الصحيح [البخاري (٤٥٦٣)] عن ابن عباس أنه قال: (حسبي اللَّه ونعم الوكيل).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٠٩) من طريق المعتمر عن ابن كعب عن أرقم. وابن كعب لعله محمد بن كعب القرظي.
(٣) رواه دون الدعاء الإمام أحمد في "الزهد" (٤١٧)، والدينوري في "المجالسة" (٦٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٠)، وابن عساكر في "تاريخه" (٦/ ١٨٣)، جميعهم عن بكر بن عبد اللَّه المزني.
(٤) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٨٣٧)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٦٨)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٠٧).
[ ١٠ / ٤١٣ ]
وقال السدي: فلما أشرف إبراهيم على النار صارت كالإكليل، وأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض فإذا عينُ ماءٍ عذبٍ ووردٌ أحمرُ ونرجسٌ (^١).
وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعةَ أيام، ولم يقدر أحد أن يقرب من النار، وما شكُّوا في موته واحتراقه، فلما جاؤوا يستطلعون فإذا هو قائم يصلي.
وقيل: بقي فيها (^٢) أربعين يومًا.
وقال وَهْبٌ: وجعل اللَّه ما حوله روضةً خضراء، وفرش له ما يشتهي، وألبسه وبنى فوقه قبةً، وجعل بينه وبين النار حجابًا من ثلج، وكانت النار توقَد فوق ذلك وحول ذلك حتى نظر إلى ضوئها أهل الشام، وذاب النحاس الذي سدَّت به الأبواب، واحترق الجدار وصار رمادًا، وخرج منها إبراهيم صحيحًا سالمًا، فانطلق يمشي حتى قعد إلى أمه وهي في مجمع (^٣)، وأسلمت سارة يومئذ، وهي أولُ مَن آمن به، وأرسل اللَّه تعالى ريحًا عاصفًا فنسفت رماد تلك النار عن وجه الأرض وذراه في وجوههم وعيونهم، وقام إبراهيم داعيًا إلى اللَّه فقال لأبيه وقومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾.
وعن عائشة ﵂: أنها كانت تأمر بقتل الأوزاغ وتقول: إنهن كنَّ ينفُخْنَ على إبراهيم ﵇ (^٤).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٦٢).
(٢) في (أ): "في النار".
(٣) في (ف): "مجتمع".
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٤٥٣٤) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا، وله شاهد رواه البخاري (٣٣٥٩) عن أُمِّ شَرِيكٍ ﵂: أن رسولَ اللَّه -ﷺ- أَمَر بقتلِ الوَزَغِ، وقال: "كان يَنفُخُ على إبراهيم ﵇"، ورواه مسلم (٢٢٣٧) مختصرًا بذكر قتل الأوزاغ.
[ ١٠ / ٤١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾؛ أي: كوَّنها بردًا وسلامةً على إبراهيم (^١)؛ كما قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].
وقيل: خاطبها وركَّب فيها تمييزًا وأمرها أن تسلِّم على إبراهيم.
وقال ابن عباس ﵄: لو لم يقل: ﴿وَسَلَامًا﴾ لأهلكته النار ببردها (^٢).
* * *
(٧٠ - ٧١) - ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾: أي: قوم نمرود أرادوا أن يكيدوا بإبراهيم؛ أي: يحتالوا لإهلاكه ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾؛ أي: الأخيَبين؛ لأنَّه إذا سعى ولم يدرِك ما طلبه فقد خَسر سعيُه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾: أي: خلَّصنا إبراهيم وابنَ عمه لوطًا من نمرود وقومه وأرضهم، وأخرجناهما منها إلى أرض الشام.
وقيل: كانوا مُكوثًا في أرض العراق، فخرج مهاجرًا إلى أرض الشام وفيها بركة الدِّين؛ لأنَّها منزل الأنبياء وبركةُ الدنيا لكثرة الماء والأشجار؛ هذا قول قتادة (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: إلى مكة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] (^٤).
_________________
(١) "أي: كونها بردًا وسلامة على إبراهيم" ليس في (ف). وفي (ر): "وسلامًا" بدل: "وسلامة".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٠٦)، والفرْيابيّ وعبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٤٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣١١ - ٣١٢)، عن قتادة ورواه أيضًا عن أبي بن كعب والحسن وغيرهم.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣١٤).
[ ١٠ / ٤١٥ ]
(٧٢ - ٧٣) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾: ولدًا ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾؛ أي: زائدة على ما دعا، فإنه قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، وهو سؤال الولد.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا﴾: أي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ في الدِّين.
وقيل: ﴿صَالِحِينَ﴾ للنبوة والسفارة.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: في الأرض يؤتمُّ بهم ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾؛ أي: يَهْدون عبادنا إلى الحق بأمرنا إياهم به.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ﴾: أي: أمرناهم ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: الطاعات ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ لا للأصنام، فأنتم يا معاشر العرب أولادُ إبراهيم فاتَّبعوه في ذلك كلِّه.
* * *
(٧٤ - ٧٥) - ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: على الناس في الخصومات ﴿وَعِلْمًا﴾: معرفةً بأمور الدين.
وقيل: ﴿حُكْمًا﴾ على العباد ﴿وَعِلْمًا﴾ بالحُكم.
وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾: أي: من أهلها،
[ ١٠ / ٤١٦ ]
وهي سَدُوم، وهي مدينة ويدخل فيها ما حولها من القرى، والخبائث: الكفرُ، وإتيانُ الذُّكران، والمنكرُ الذي كانوا يأتونه في ناديهم من التضارُط وحذفِ المارة بالحصى ونحوِ ذلك.
وهذه خبائثُ لنفور القلوب عنها وقبحِها في العقول السليمة، ونجاتُه منها: هي خروجه منها حتى لم يُصِبْه عذاب أهلها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾: أي: قومُ لوط ﴿قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾: أي: خارجينَ عن طاعة اللَّه تعالى.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُ﴾: أي: لوطًا ﴿فِي رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: نعمتنا، وهي جمع: من التوفيق للإيمان، والإكرامِ بالنبوة، وإهلاكِ مَن كذَّبه، وتخليصِه، وتخليصِ مَن اتَّبعه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: ثوابًا له على صلاحه كما أهلكنا قومه عقابًا لهم على فسادهم.
وقيل: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ﴾ في النبوة ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لها.
* * *
(٧٦ - ٧٧) - ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾: قيل (^١): واذكر نوحًا، وقيل: أي: ونجَّينا نوحًا، وقيل: ورَحِمْنا نوحًا.
والأصح: وآتينا نوحًا رشدَه، عطفًا على قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي".
[ ١٠ / ٤١٧ ]
﴿إِذْ نَادَى﴾؛ أي: دعا ربَّه، كما قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وسائرِ ما ذكر من دعائه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: كان هو قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوطٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: أي: دعاءَه ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: المؤمنين به من ولده وقومه.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: أي: الغمِّ الذي يأخذ بالنَّفَس.
وقيل: الغرق، وهو هاهنا الطوفان.
وقيل: هو أذى قومه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾: أي: منعناه ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وهم كفار قومه؛ أي: من شرِّهم، وكذلك قولُه: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٣٠]: مَن ينصرنا من بأس اللَّه.
وقيل: أي: فانتقمنا له ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
وقال أبو عبيدة: وأعنَّاه على القوم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: وفي هذا كلِّه تسليةٌ للنبي -ﷺ-، وتبشيرٌ له بالخلاص، وتثبيتٌ على الصبر.
* * *
(٧٨) - ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾: عطف على ما مر ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾: اختلفت الروايات في هذه القصة:
[ ١٠ / ٤١٨ ]
روى محمد بن إسحاق عن الزهري: أن رجلًا أدخل ماشيتَه في زرع رجل فأفسدته، والنُّفوش: الرعيُ ليلًا، فارتفعا إلى داود ﵇، فقضى بغنم صاحب الغنم لصاحب الزرع، فانصرفا فمرَّا على سليمان، وكان سليمان يومئذ ابنَ إحدى عشرةَ سنة، فقال: بماذا قضَى بينكما نبيُّ اللَّه، فقال: قضى بالغنم لصاحب الزرع، فقال: إن الحُكم غيرُ هذا فانصرِفا معي، فأتى أباه فقال: يا نبيَّ اللَّه، قضيتَ على هذا بغنمه لصاحب الزرع؟ قال: نعم، قال: يا نبيَّ اللَّه، إن الحكم على غير هذا، قال: وكيف يا بني؟ قال: يُدفع الغنم إلى صاحب الزرع فيصيب من ألبانها وسمونها وأصوافها، ويُدفع الزرع إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى الحالة التي أصابته الغنم عليها رُدَّت الغنم إلى صاحب الغنم ورُدَّ الزرع إلى صاحب الزرع، فقال داود ﵇: لا يَقطع اللَّه فهمَك، وقضى بما قضى به سليمان (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾: أي: دخلت فيه ليلًا فرعَتْه وأكلته وأفسدته.
قال الخليل: الإبل النَّوافشُ: التي تتردَّد بالليل في المراعي بلا راعٍ، وهي كالهوامل بالنهار (^٢).
وقال قطربٌ: ﴿نَفَشَتْ﴾: إذا تفرَّقت بلا راعٍ، ومنه: (العِهْن المنفوش)؛ أي: المتفرِّق.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾: أي: الحكمِ الذي جرى بين داود وسليمان والقوم ﴿شَاهِدِينَ﴾: حاضرين عالمين به.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٢٧)، وروى نحوه عن ابن مسعود وابن عباس وابن زيد وغيرهم.
(٢) انظر: "العين" (٦/ ٢٦٨).
[ ١٠ / ٤١٩ ]
وقيل: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾: لحكم داود وسليمان، وجمَع التثنيةَ لأنها لأول الجمع، ونظيره: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: أخَوان.
* * *
(٧٩) - ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾: أي: القصةَ (^١) ﴿سُلَيْمَانَ﴾ دون داود.
وقيل: الحكومةَ؛ لدلالةِ ﴿يحكمان﴾ عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا﴾: أي: وكلًّا من داود وسليمان أعطينا ﴿حُكْمًا﴾ أي: النبوة التي يُنفَّذ بها الحكمُ على الأمة.
وقوله تعالى: ﴿وَعِلْمًا﴾: أي: ومعرفةً بمُوجِبِ الحكم.
ويحتمِل ﴿وَكُلًّا﴾ منهما ومن سائر الأنبياء المذكورين في هذه السورة.
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾: كان داود ﵇ إذا سبَّح سبَّحت الجبال والطير معه فيَسمع تسبيحهن، وكان ذلك معجزة له، وقوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]؛ أي: سبِّحي النهارَ كلَّه.
قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾: قيل (^٢): كنا قد قضينا أنَّا فاعلو ذلك.
وقيل: كنَّا فاعلين ذلك به كما نفعله بأنبيائنا الذين نخصُّهم بالمعجزات.
* * *
_________________
(١) في (أ): "القضية".
(٢) في (ر): "أي".
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
(٨٠) - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾: أي: اتِّخاذَ الدروع بإلَانة الحديد له؛ كما قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١].
وقيل: هو أولُ مَن عمِلها.
وقوله تعالى: ﴿لِيُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾: أي: ليُحرزكم، وفيه ثلاثُ قراءات: بالياء والتاء والنون (^١)، فالياءُ مردودةٌ على اللَّه أو على اللَّبوس، والتاءُ على الصَّنعة، والنونُ على قوله ﷿: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾.
والبأس: الحرب؛ أي: تقيكم في الحروب من القتل والجراح (^٢)؛ كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١].
واللبوس: ما يلبس من ثوب أو درع، قال الشاعر:
البَسْ لكلِّ حالةٍ لَبوسَها إمَّا نعيمَها وإمَّا بوسَها (^٣)
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾: استفهام بمعنى الأمر.
وقيل: معناه: أن داود ﵇ لمَّا كان (^٤) هو أولَ مَن عمِل ذلك، فتَوارثَها
_________________
(١) قرأ ابن عامر وحفص: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ بالتَّاء، وأبو بكر بالنُّون، والباقون بالياء. انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٠)، و"التيسير" (ص: ١٥٥).
(٢) في (أ): "والجرح".
(٣) الرجز لبيهس الفزاري؛ كما في "أمثال العرب" للمفضل الضبي (ص: ١١١)، و"الفاخر" للمفضل بن سلمة (ص: ٦٣)، ودون نسبة في "العين" (٧/ ٢٦٢)، و"إصلاح المنطق" (ص: ٢٣٦)، و"البسيط" للواحدي (١٥/ ١٤٢).
(٤) "لما كان" من (أ).
[ ١٠ / ٤٢١ ]
الناس إلى وقت رسول اللَّه -ﷺ- وبعده إلى يوم القيامة، فقال (^١): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ للَّه تعالى على ما أنعم اللَّه تعالى عليكم من هذا وغيره.
* * *
(٨١) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾: على قراءة النصب؛ أي: وسخرنا لسليمان الريح، وعلى قراءة الرفع (^٢) (الريحُ) خبرُ اللام؛ كقولك: المال لزيد.
وقوله تعالى: ﴿عَاصِفَةً﴾: أي: شديدةَ الهبوب، نصبٌ على الحال، وقال في آية أخرى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦]؛ أي: ليِّنةً، والتوفيقُ بينهما: أنها كانت مذلَّلةً له فتجري على ما يريد عاصفةً أو رُخاءً.
وقيل: كانت تسير سيرًا ليِّنًا في سرعةٍ، فيجتمع الوصفان في حالٍ واحدة.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: وهي الشام؛ لأن منزله كان بها، وكانت الريح تحملُه من نواحي الأرض إليها.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾: أي: فعلنا ذلك له، وكنَّا عالمين بأنه أهلٌ له، وعالِمين بكلِّ شيء.
* * *
(٨٢ - ٨٣) - ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
_________________
(١) "فقال" من (أ).
(٢) هي قراءة عبد الرحمن الأعرج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥)، و"تفسير الطبري"، (١٦/ ٣٣٢).
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾: أي: وسخرنا من الشياطين مَن يغوصون له في البحار بأمره، لاستخراج الدُّرر (^١) وما يكون فيها، و(مَن) اسمُ جنس فصلح للجمع.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: سوى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
وقيل: كانوا يعملون له من أمور الصناعات والأبنية.
وقيل: هم الذين عملوا له الحمَّام والنُّورة والطواحين والقوارير والصابون.
وقيل: إن نهر الملك (^٢) ببغداد حفرتْه له الشياطين، وألقت ترابه بين خانقين وقصر شيرين (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾: قيل: أي: كنا لهؤلاء الشياطين وأعدادِهم وأعمالهم حافظين لا يَؤُودنا حفظُ ذلك.
وقال الحسن: حفظناهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوه.
قال: ولم يكن سليمان يسخِّر في هذه الأعمال إلا الكفار منهم (^٤).
وقيل: كنا لهم حافظين؛ أي: أن يمتنعوا عليه.
_________________
(١) في (ر): "لاستخراج الجواهر الدر".
(٢) نهر عظيم مخرجه من الفرات ويصبّ في دجلة، عليه نحو ثلاثمائة قرية. ويقال لذلك جميعه: نهر الملك، قيل: إن أول من حفره سليمان بن داود ﵉، وقيل: إنه حفره الإسكندر لما خرب السواد. انظر: "معجم البلدان" (١/ ٣٧) و(٥/ ٣٢٤).
(٣) خانقين: بلدة من نواحي السواد في طريق همذان من بغداد، بينها وبين قصر شيرين ستّة فراسخ لمن يريد الجبال، ومن قصر شيرين إلى حلوان ستة فراسخ. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٣٤٠).
(٤) ذكره يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٣٣٢).
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
وقيل: وكنا للأنبياء حافظين، وكانوا لنا عابدين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ﴾: عطفٌ على ما تقدم ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾؛ أي: دعاه.
وقوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾: أي: نالني في بدني ضرٌّ، وهو ما أصابه من المرض والداء والمصيبة في ماله وأهله.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: أي: لا أحد أرحمُ منك؛ أي: فارحمني واكشِفْ عني الضرَّ الذي مسني.
* * *
(٨٤) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: أجبنا دعاءه ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾؛ أي: وكشفنا ضرَّه (^١) إنعامًا عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ قال وهبٌ: إن أيوبَ ﵇ بنَ موص ابنِ رعويل (^٢)،. . . . . .
_________________
(١) "أي: وكشفنا ضره" ليس في (ف).
(٢) في (أ): "موص بن روعيل"، وفي (ف): "موجر بن دوعيل"، وفي (ر): "موخر بن دوعيل"، وكله تحريف. والمثبت من "البدء والتاريخ" للمطهر بن طاهر (٣/ ٧٢) وقد ذكر هذا الخبر عن وهب، و"تاريخ الطبري" (١/ ١٩٤) وعزاه لبعضهم ولم يسمه. وقد اختلفوا في نسبه كما ذكر العيني في "عمدة القاري" (١٥/ ٢٨٢) ونقل فيه أقوالًا كثيرة، وانظر كذلك "تاريخ دمشق" (١٠/ ٥٨) وفيه: (ويقال: أيوب بن موص بن رعيل، ويقال: أيوب بن آموص بن رازح بن رعويل)، وبدأ في ذكر نسبه بقوله: (أيوب نبي اللَّه ابن رازح بن آموص بن ليفزر بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل). وليس فيه شيء يضبطه.
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
النبيَّ ﵇ كان زوجَ ليا (^١) بنت يعقوب، وقيل: رحمة بنت يعقوب، وأبوه موص كان ممن آمن بإبراهيم يوم ألقي في النار، وكانت أم أيوب بنتَ لوطٍ النبيِّ ﵇، وكانت لأيوبَ البَثْنيةُ (^٢) كلُّها شرقُها وغربها وسهلُها وجبلها، وهي ولاية بالشام بقربِ دمشق، وكان موسَّعًا عليه غنيًّا كثيرَ الضيافة عظيم الصدقة.
وقال ابن عباس ﵄: وكان إبليس يومئذ يصعد إلى السماوات فيسمع الملائكة يقولون: إن للَّه تعالى عبدًا في الأرض يقال له: أيوب، من فضله كيت وكيت، فقال إبليس لعنه اللَّه: لو سلَّطني اللَّه عليه لأَضْطرَّنَّه إلى الجزَع والشكاية، فسلَّطه اللَّه تعالى على ماله، فنزل إلى الأرض واستغوى جنوده، وذكر لهم ما وقع له، وكان لأيوب يومئذ ثلاثةُ آلاف بعيرٍ، في كلِّ خمسين منها عبدٌ له يرعاها، ولكلِّ عبد امرأةٌ وولد ومالٌ حسن، وسبعةُ آلاف شاةٍ، في كلِّ خمسِ مئة منها عبدٌ له يرعاها، وله امرأةٌ (^٣) وولد ومالى حسن، وخمسُ مئةِ أتانٍ لها أولادٌ، وخمسُ مئة فدانٍ بآلاته، كلُّ فدان في يد عبدٍ له، وله أهل وأولاد ومال، وكلُّ أتانٍ يحمل آلةَ كلِّ فدان، فقال عفريتٌ: لي من القوة ما إذا شئتُ تحوَّلت إعصارًا من النار أَحرق كلَّ شيء، فقال له: أنت للإبل ورعاتها، فجاءها وأحرقها كلَّها ورعاتها، وجاء إبليس متمثِّلًا بواحد من رعاتها، فأتى أيوب وقال: يا أيوب، هل علمتَ ما صنع ربك بإبلك؟ قال: إنها ليست بإبلي ولكنها عاريَّةٌ عندي، وهي مال ربي فهو أولى بها مني، قال: ما قبَضها قبضًا جميلًا، لكن أرسل لها شواظًا من نار فأحرقها ورعاتَها، وترك الناس قيامًا عليها
_________________
(١) في جميع النسخ: إيليا" والمثبت من "تفسير الطبري" و"البدء والتاريخ".
(٢) في هامش (أ): "البثنية أراض معروفة في الشام لينة صالحة للزراعة". وقال ابن عساكر وقد ذكر هذا عن أيوب: بقرب نوى. انظر: "تاريخ دمشق" (١٠/ ٥٨).
(٣) في (أ): "أهل".
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
مبهوتين، منهم مَن يقول: ما كان أيوب يعبد شيئًا، ولا كان إلا (^١) في غرور، ولو كان له ربٌّ يقدر على أن يمنع شيئًا لمنع وليَّه، ومنهم مَن يقول: بل ربُّه الذي عبده وتوكَّل عليه هو الذي فعل به ليَفْجَع به أحبَّاءه ويُشمت به أعداءه (^٢)، ومنهم مَن يقول: بل كان أيوب مُرائيًا، ولو كان صادقًا ما جازاه اللَّه تعالى هذا الجزاء، فقال أيوب ﵇: الحمد للَّه حين أعطى وحين أخذ، والحمد للَّه حين أعار، والحمد للَّه حين نزع عاريَّته، خرجتُ من بطن أمي عاريًا وأُردُّ إلى تراب كذلك، وأصير إلى اللَّه، ولو علم اللَّه فيك خيرًا لقبض روحك مع تلك الأرواح فاستَشهدك وأجَرَني فيك، ولكنه علم منك شرًّا، فارجع عني مذمومًا مدحورًا.
فرجع إبليس إلى أصحابه في شرِّ حال، واستشارهم، فقال عفريت آخر: أنا أصيح صيحة لا يسمع فيها (^٣) ذو روح إلا مات، فسلطه على الغنم فصاح بها فماتت ومات رعاتها، وعاد هو إلى أيوب وقال ما قال في المرة الأولى، وأجاب بما أجاب، ورجع إلى جنوده وأخبر آخرُ إبليسَ (^٤) أنه يصير ريحًا تنسف كلَّ شيء، فسلطه اللَّه على الحرَّاثين والفدادين فأهلك الحرثَ والحراثين (^٥)، وعاد إبليس بالقصة كالأول، فسأل اللَّه تعالى أن يسلِّطه على ولده ففعل، فأتى قصور أولاده وهم رجالٌ ونساء، وكهولٌ وشباب، ومُردٌ وأطفال، ومراضعُ وحواضن والمعلِّمون، فزلزلها حتى تداعت من قواعدها، ثم شدخهم بالخشب والجندل ورفع القصور فقلبها، ثم
_________________
(١) في (ر): "وإنما كان"، بدل: "ولا كان إلا".
(٢) في (ف): "ليحزن به أحباؤه ويشمت به أعداؤه".
(٣) في (ف): "لا يبقى بها"، وفي (ر): "لا يبقى به".
(٤) "إبليس" زيادة من (ف).
(٥) في (أ): "فأهلك الحروث"، وفي (ف): "فأهلك الحروث والحراتين".
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
جاء على صورة معلِّم يصيح ويَنُوح وأخبره بما صار إليه أولاده، فأجاب كذلك، فتحير إبليس وقال: إن أيوب يرى سلامةَ نفسه فيَهون عليه هلاك ماله وولده، ولو سلَّطني اللَّه تعالى على جسده لظهر منه ما أقول، فسلَّطه اللَّه على جسده، فجاء وهو ساجد فدخل تحت وجهه ونفخ في أنفه نفخةً من لهب النار اشتعل منها جسده واسودَّ وجهه وتمعَّط شعره، ونضح (^١) دماغه ومخُّه، وظهر في جسده ثآليل مثل أليات الشاة، فاحتكَّ، فجعل يحكُّها بأظفاره وبالعظم والخزف، فوقعت فيه الأكلة والدُّود، وسال منه الصديد، وتأذى به الجيران، فبنوا له عريشًا ونقلوه إليه، فلبث فيه ثلاث سنين في أشد الجهد، وقطعه القريب والبعيد، وكانت امرأته تدور في القرية وتعمل للناس وتجيء بقُوْته، ولم تجد عملًا يومًا فباعت ذؤابتيها برغيفين فأتته بهما، فقال لها: أين ذؤابتاك؟ قالت: بعتهما برغيفين (^٢)، فحينئذ قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.
وقال بعضهم: ضعُف عن العبادة فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ كذلك.
وقيل: إنما قال ذلك لأن الشيطان تمثَّل لهم وقال لهم: لا تستعملوا هذه المرأة فإنها تمسُّ بيدها هذا المريض فتُعْدي، فلم يستعملوها، فلم تجد شيئًا، فرجعت إليه بغير شيء فأخبرته بذلك فقال ذلك.
وقيل: تراءى لها وقال: أنا طبيب فاسقيه خمرًا يبرأ، فذكرت له ذلك فقال ذلك.
وقيل: إنه تمثَّل -أي: إبليس (^٣) - لأيوب وقال: إنها أخذت في فاحشة فقطعت ذؤابتاها لذلك، فاهتاج لذلك فقال ذلك.
_________________
(١) في (ف): "ونضج".
(٢) رواه بنحوه عن ابن عبَّاس ﵄ أحمد في "الزهد" وابن أبي حاتم وابن عساكر؛ كما في "الدر المنثور" (٧/ ١٩٢). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٥١ - ٣٥٣) عن وهب بن منبه، و(١٦/ ٣٦٠ - ٣٦٣) عن الحسن.
(٣) في (أ): "مثل"، وفي (ف): "تمثل"، بدل: "تمثل أي: إبليس".
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
وقيل: جاءه خليلان له بطعام، فلما نظرا إليه قالا: لو كان فيه خير لم يصيَّر كذا، ومالا (^١) ولم يطعماه.
وقيل: إنما قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ حين وصل (^٢) الدود إلى قلبه ولسانه، فخشي أن يمنع عن الذكر والشكر (^٣).
وقيل: معناه: مسني الضر من شماتة الأعداء.
وقيل: إنما قال ذلك حين قال إبليس لامرأته: اسجدي لي سجدةً حتى أردَّ عليك المال والأولاد وأعافيَ زوجك، فأنا فعلتُ ذلك بكم، فذكرت المرأة له ذلك فقال: مسَّني الضرُّ مِن طمَع إبليس في سجود امرأتي له.
وقيل: إنما قال ذلك حين سقطت من جسده دودةٌ، فأعادها إليه (^٤) فعضَّته عضة، فعجز عن الصبر عليه لاختياره ذلك.
وقيل: مكث في بلائه ثلاث سنين.
وقيل: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات.
وقيل: ثماني عشرة سنة.
ثم في تسليط إبليس عليه وعلى ماله وولده زيادةُ غيظ على (^٥) إبليس، وإظهارُ صدق أيوب، ورفعُ درجاته، وتضعيف كراماته، وقصةُ عاقبته تذكر في (سورة ص) إن شاء اللَّه تعالى.
_________________
(١) "ومالا" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (ف) و(أ): "قصد".
(٣) في (ف) و(أ): "ينفى عن ذكر اللَّه وشكره"، بدل: "يمنع عن الذكر والشكر".
(٤) "إليه" من (أ).
(٥) "على" زيادة من (أ).
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾: قال الحسن: آتاه اللَّه أهله وولده بأعيانهم ومثلَهم معهم مِن نسلهم في الدنيا، وهو قول ابن عباس وابن مسعود ﵃ (^١).
وقال الكلبي: آتاه اللَّه ذلك في الآخرة.
وقال القاسم بن أبي بَزَّةَ: بعثني مجاهد إلى عكرمة أسأله عن قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: قيل له: أهلك في الجنة، فإن شئتَ أحييناهم لك، وإن شئت كانوا لك في الجنة، قال: بل يكونون لي في الجنة، وعوِّض مكانهم في الدنيا (^٢).
وقال وهب: كان له سبعةُ بنينَ وسبعُ بنات، فأحياهم اللَّه تعالى وردَّهم عليه مع الأموال، وولد له مثلُهم، وكذلك قال كعب (^٣).
وقال القشيري: سمي أيوبَ لكثرة إيَابه إلى اللَّه تعالى.
وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]، ثم إنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (^٤) فلم يكن جزعًا وتركًا للصبر بل إظهارًا لعجز البشر.
وقال: إنما قال ذلك شكرًا لا شكايةً، ومعناه: مسني الضرُّ الذي تخصُّ به أولياءك، وذلك برحمتك وأنت أرحم الراحمين.
قال: وقيل: اشتَبه عليه وجهُ البلاء أنه تطهيرٌ أو تأديب، أو تعذيب أو تهذيب، أو
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٦٥ - ٣٦٦).
(٣) ذكره عن كعب الواحدي في "البسيط" (١٥/ ١٥٠)، ودون عزو: الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ٢٠٩).
(٤) بعدها في (أ): "وقيل: ما دام في البلاء يعاد جبرائيل كل يوم فإذا برئ فقال: مسني الضر".
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
تقريب، أو تمحيص أو تخصيص، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ خوفًا عن (^١) أن يكون تعذيبًا.
قال: وقيل: أوحى اللَّه تعالى إليه: إن سبعين (^٢) من الأنبياء طلبوا مني هذا البلاء (^٣) وأنا اخترته لك، فلما أراد اللَّه كشفه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ لفقدي ألم الصبر (^٤).
وقيل: كوشف بمعنًى من المعاني فلم يجد ألمَ البلاء، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ لفقدي ألم الضر.
قال: وقيل: ألف الاستفهام مضمرة في أوله: أمسَّني الضر، كما قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [الشعراء: ٢٢]؛ أي: أوتلك نعمة، ومعناه: أيكون هذا؟ أُمسُّ الضرَّ وأنت أرحم الراحمين أشاهدُ فضلك ورحمتك؛ أي: ليس بمسِّ ضرٍّ (^٥).
* * *
(٨٥ - ٨٦) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾: عطف على ما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: مدَحهم بالصبر.
وذو الكفل اختُلف فيه؛ قال الحسن: هو اسم نبيٍّ (^٦)، بدليلِ أنه ذُكر في عداد الأنبياء.
_________________
(١) "عن" من (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "سبعين".
(٣) في (ف) و(أ): "هذا مني" بدل: "مني هذا البلاء".
(٤) "لفقدي ألم الصبر" ليس في (أ) و(ف).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥١٤ - ٥١٧).
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٤٦٤)، والواحدي في "البسيط" (١٥/ ١٥٣).
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
وقيل: هو إلياس، وقيل: هو زكريا كفيل مريم، وقيل: كان خليفةَ نبيٍّ في قومه بعد وفاته.
وقال قتادة ومجاهد ومَعْمَرٌ وابن جُريج -وهو مرويٌّ عن أبي موسى الأشعري-: لم يكن نبيًّا، وإنما كان رجلًا صالحًا كَفَل بأمورِ خيرٍ (^١).
وقال ابن عباس ﵄: كان في بني إسرائيل ملك قتل ثلاثَ مئة نبي في أولى النهار، وأقام سوقًا فأخذ منه مثلهم فقتلهم (^٢) آخر النهار؛ استخفافًا بهم وجراءة على اللَّه تعالى، فانفلت منهم مئة نبيٍّ فكفلهم وخبأهم عنه، فسمي به (^٣).
وقيل: اسمه عويذ (^٤) بن آزر.
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾: أي: النبوة ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لذلك.
وقيل: أي: في رحمتنا في الآخرة إنهم من العاملين بطاعتنا.
* * *
(٨٧) - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾: عطفٌ على ما مر، والنون: الحوت، وهو كقوله تعالى: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، وهو يونس بن متَّى.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٧١ - ٣٧٣) من طريق معمر عن قتادة عن أبي موسى، ومن طريق ابن جريج عن مجاهد.
(٢) في (أ): "بقتلهم"، وفي (ر): "قتلهم". وقوله: "فأخذ منه مثلهم" من (ف).
(٣) ذكره الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ٣٢١) عن الكلبي.
(٤) في (ر) و(ف): "عويد"، وفي المصدر السابق: "عايوذا".
[ ١٠ / ٤٣١ ]
قال ابن عباس ﵄: كان يونسُ وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك فسبى منهم سبعةَ أسباط ونصفَ سبط، وبقي سبطان ونصفُ سبط، فأوحى اللَّه تعالى إلى أشعيا (^١) النبيِّ ﵇ أن سرْ إلى حزقيا الملِكِ وقل له حتى يوجِّهَ نبيًّا قويًا أمينًا، فإني ألقي في قلوب أولئك الرعب (^٢) حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال له الملِك: فمَن تَرى؛ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال: يونس، فإنه قويٌّ أمين، فدعا الملك يونس فأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك اللَّه بإخراجي؟ قال: لا، قال: هل سمَّاني لك؟ قال: لا، قال: هاهنا غيري أنبياءُ أقوياءُ أمناءُ، فخرج مغاضِبًا للملك، فأتى بحرَ الروم فإذا هو بسفينةٍ محشوَّةٍ فركبها، فلما لجَّجت السفينة تكفَّأت حتى كادوا يغرقون، وذكر حديث القرعة (^٣).
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: بُعث يونس إلى قرية فردُّوا عليه ما جاءهم به، فأوحَى اللَّه إليه: أني أرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا فاخرج من بين أظهُرهم، فأَعْلم قومه الذين قد أَوعدهم، فقال بعضهم لبعض: ارْمُقوه، فإن هو خرج فإنه كائن ما وعدكم به، فرمقوه حتى إذا كانت تلك الليلة التي يجيء العذاب في صبيحتها فخرج ليلًا، ورآه القوم فحذِروا وخرجوا إلى بَرَازٍ من الأرض وفرَّقوا بين كلِّ ذات ولدٍ وولدِها، ثم عجُّوا إلى اللَّه تعالى وتابوا، فصرف اللَّه عنهم العذاب، وكان يونس ﵇ ينتظرُ العذاب، فأُخبر بما فعل قومه وبما صُرف العذاب عنهم، فلم يرجع يونس إليهم خشيةَ أن يُنسب إلى الكذب، ومضى على وجهه (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "شعيب".
(٢) في (ف): "الوعيد"، وليست في (أ).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣٠١) من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
(٤) إلى هنا رواية الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٧٥) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
حتى أتى سفينةً فركب فيها، حتى إذا توسطت ركدت لا تتقدم ولا ترجع، فقال أهل السفينة: إن لسفينتنا شأنًا! قال يونس: قد واللَّه عرفتُ شأنها، قالوا له: وما شأنُها؟ قال: ركبها رجل ذو خطيئةٍ عظيمة، قالوا: ومَن هو؟ قال: أنا، فاقذفوني من سفينتكم في البحر وانطلِقوا لشأنكم، فقالوا: واللَّه ما كنَّا لنطرحَك من بيننا أبدًا حتى نُعذر (^١) في شأنك، فقال لهم: فاستهِموا حتى ننظرَ مَن وقع عليه السَّهم، فاقترعوا فأُدْحِضَ سهم يونس، فقال: قد أخبرتكم فاقذِفوني في البحر، فقالوا: لا نفعل حتى نعذر (^٢) في شأنك، ففعل ذلك ثلاث مرات وإن الحوت عند رجل السفينة فاغرًا فاه ينتظر أمر اللَّه فيه، فقال لهم يونس: إنكم واللَّه لن تصنعوا شيئًا، وإنكم لتَهْلِكُنَّ أو لتَقْذِفُنَّني منها، فقذفوه منها إلى البحر فالتقمه الحوت وانطلق به إلى مسكنه في البحر، فأقام في بطنه ثلاثًا (^٣) ثم أمره اللَّه تعالى فخرج به حتى لفظه فطرحه (^٤) في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المولود لم ينقص من خلقته شيءٌ، وذلك لأنه نادى في الظلمات: ظلمةِ الليل، وظلمةِ البحر، وظلمةِ بطن الحوت: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ معترِفًا بزلَّته تائبًا منها، فأنبت اللَّه عليه شجرةً من يقطينٍ، وفجَّر تحت خده عينًا من ماءٍ، فنبت كما ينبت الصبي حتى استوى وصار كما كان (^٥).
_________________
(١) في (ر): "تغدو".
(٢) في (ر): "تغدو".
(٣) في (أ): "ثلاثة أيام".
(٤) "فطرحه" من (أ).
(٥) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨٦٦)، والنحاس في "إعراب القرآن" (٣/ ٤٤١)، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٧/ ١٢٣)، عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا. وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" (٧/ ١٢٣).
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "لمَّا أراد اللَّه تعالى حبسَ يونس بن متى في بطن الحوت، أوحى اللَّه إلى الحوت: أنْ خُذه، ولا تخدِش له لحمًا، ولا تكسر له عظمًا، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى إلى مسكنه في أسفل البحر فسمع يونس حسًّا، فقال في نفسه: ما هذا؟! فأوحى اللَّه إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيحُ دوابِّ البحر، فعند ذلك سبَّح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنَّا لنسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبةٍ! قال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبستُه في بطن حوت في البحر، فقالوا: يا ربنا! العبد الصالح الذي كان يصعد منه في كلِّ يوم وليلةٍ عملٌ صالح؟ قال: نعم، قال: فَشَفَعوا له عند ذلك، فأمر اللَّه تعالى الحوت فقذفه بالساحل" (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: أي: أنْ لن نضيِّقَ عليه، قال اللَّه تعالى في سورة (والفجر): ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]؛ أي: ضيَّق.
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾: والظلمات ثلاثٌ على ما ذكرنا في القصة.
وقيل: ابتلع الحوتَ الذي ابتلع يونسَ ﵇ حوتٌ آخر، ثم ابتلع
_________________
(١) رواه البزار في "البحر الزخار" (٨٢٢٧) من طريق ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ-، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٨٥) وجاء فيه: ابن إسحاق عمن حدثه، عن عبد اللَّه بن رافع به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٩٨): رواه البزَّار عن بعض أصحابه ولم يُسمِّه، وفيه ابنُ إسحاقَ وهو مُدَلِّسٌ، وبقيةُ رجالِه رجالُ الصَّحيح. قلت: ومع ذلك فشيخ ابن إسحاق مبهم كما في رواية الطبري. وذكر له ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/ ٢٢) شاهدًا من طريق يزيد الرقاشي قال: قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ ولا أعلمُ إلا أن أنسًا يرفعُ الحديثَ إلى رسولِ اللَّهِ -ﷺ-. . .، فذكر نحو حديث أبي هريرة. قال ابن كثير: ويزيدُ الرَّقَاشيُّ ضعيفٌ، ولكنْ يَتقوَّى بحديث أبي هريرة المتقدِّم، كما يَتقوَّى ذاك بهذا. واللَّهُ أعلمُ.
[ ١٠ / ٤٣٤ ]
ذلك الحوتَ حوتٌ آخر، فكان في ظلمات بطون الحيتان الثلاثة، قاله سالم بن أبي الجعد (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾: وهذا توحيدٌ وتنزيه.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: وهذا اعتراف بالزلة، وقد فسَّرناه في سورة البقرة عند ذكر زلة آدم، وهي فعلُ الفاضل وترك الأفضل، وكان الأفضل أن يرجع شفقةً على قومه وإن كان ذهابه فاضلًا لأنه غاضَبهم في ربه.
* * *
(٨٨) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: دعاءه، وهو ما ثبت في ضمن هذا الثناء.
وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾: قيل: غمِّ الحبس، وقيل: غمِّ الزلة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: الذين يدعونني إذا ابتُلوا.
وقيل: وكذلك ننجي مَن تكلَّم بهذه الكلمات.
وقيل: نجيناه من البلاء لطاعته في الرخاء، وكذلك ننجي مِن المحنة مَن كان مطيعًا لنا في النعمة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].
قال: أخذته الزَّلةُ برجله فسَفَلتْه في البحر، وأخذته الطاعة بيده فأَعْلَتْه إلى الساحل، وكذلك معصيةُ كلِّ عاصٍ تَسْفُله في النار أسفلَ سافلين، وتُعليهِ (^٢) طاعتُه في أعلى علِّيِّين.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٨٣).
(٢) في (ر): "وتنقله"، وفي (ف): "ونقلته".
[ ١٠ / ٤٣٥ ]
وقيل: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من الظلمات الثلاث: ظلمةِ الدنيا، وظلمةِ القبر، وظلمةِ النار.
وقال النبي -ﷺ-: "دعوةُ ذي النون ما دعا بها مؤمنٌ إلا استُجيب له" (^١).
وقيل: صحب يونسُ النونَ سبعةَ أيام فلزمه الاسمُ فلا يفارقه، والمؤمن صحبه الإيمانُ سبعين سنة فكيف يفارقه الاسم؟
* * *
(٨٩) - ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا﴾: عطفٌ على ما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: أي: دعا ربه: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾؛ أي: بلا ولدٍ يعينني على إقامة دِينك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: أي: أعلمُ أنك لا تضيِّع دينك، ولا تُخْلي الدنيا بعدي عن قائمٍ بحقِّك، وهذا على وراثة النبوة.
وقيل: معناه: ربِّ لا أسألك ولدًا يرث (^٢) مالي نفاسةً على أخذِ ميراثي من غير ولدي، فإن الأموال كلَّها صائرةٌ إلى غير وارث سواك، وأنت خيرُ الوارثين لأن الموروث مِلكُك وعطيَّتك ومنك كان وإليك عاد.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٤٦٢)، والترمذي (٣٥٠٥)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٤١٧)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٦٥٥)، والحاكم في "المستدرك" (١٨٦٢) وصححه، من حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁.
(٢) بعدها في (أ): "من".
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
وقيل: معناه: إن تفضَّلت بهبةِ وارثٍ لي فهو منَّتُك (^١) وإنعامُك، وإلا فكفى بك وارثًا، واللَّه أعلم بما أراد.
* * *
(٩٠) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾: قيل: عن العُقم، وقيل: أصلحنا أخلاقها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: الكناية عن زكريا وامرأته وأهل بيته.
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾: أي: في الشدة والرخاء (^٢) ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾: خاضعين خائفين.
* * *
(٩١) - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: عطف على ما تقدم، وهي مريم، و﴿أَحْصَنَتْ﴾؛ أي: أحرزت فرجَها من السِّفاح.
_________________
(١) في (ف): "من منتك".
(٢) في (أ): " ﴿وَيَدْعُونَنَا﴾ أي في الشدة ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ أي: ويدعوننا كما قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ".
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾؛ أي: جبريلُ في جيبها ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من روحٍ خلقناها (^١) نحن بعيسى على الخصوص، وهي إضافة تخصيصٍ كبيتِ اللَّه وناقةِ اللَّه.
ذكَر مريم -وهي ليست من الأنبياء- بعد ذكر الأنبياء ليَتِمَّ ما أُريد من ذكر عيسى، ألا تَراه قال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فجعلهما معًا آيةً واحدة؛ لأن الآية كانت باجتماعهما، وهي الأعجوبة للخلق والدلالةُ على نفاذِ قدرة اللَّه تعالى على ما يشاء، إذ وُلد عيسى من غيرِ أبٍ ووَلَدت هي من غيرِ زوج.
* * * *
(٩٢ - ٩٣) - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: قيل: هو خطابُ هؤلاء الأنبياء: إن هذا دينُكم دينًا واحدًا، نُصب على القطع، وكان الأنبياء كلُّهم على دينٍ واحدٍ في التوحيد والطاعة، وإنما اختلفت شرائعُهم وأحكامهم، وهو كقوله خبرًا عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وهي من الأَمِّ وهو القصدُ، وكلُّ ذي دِينٍ قاصدٌ إلى ما يَدِين به.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾؛ أي: وحِّدوني وأطيعوني؛ أي: اثبُتوا على هذا.
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: أي: تقسَّموا وتوزَّعوا أمرهم في أديانهم، يعني: بعضُ أممهم فعلوا ذلك فدانوا بأديانٍ مختلفة يهوديةٍ ونصرانيةٍ ومجوسيةٍ وإشراك.
قوله تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾: فنجازي كلًّا جزاءَ مثله.
وقيل: هذا خطابٌ للمشركين، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛
_________________
(١) في (ف): "خلقنا".
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
أي: أنتم على دينٍ واحد وهو الكفر ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ آمِنوا بي ووحِّدوني وأطيعون ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ فاختلفوا يهودًا ونصارى ومجوسًا ومشركين (^١) ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ فنجازيهم.
* * *
(٩٤ - ٩٥) - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾: أي: فإن سعيه مشكورٌ مقبول ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾؛ أي: نحفظ عليه أعماله فنجزيهِ بها.
وقيل: تكتبها ملائكتنا بأمرنا فنُخرجُ لهم الكتبَ يوم القيامة فنحاسبُهم بها.
وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿وحِرْمٌ﴾ بكسر الحاء، وقرأ الباقون: ﴿وَحَرَامٌ﴾ (^٢) والمعنى واحد.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: أي: كلُّ قرية أهلكناها بكفرها -أي: أهل قرية- فحرامٌ عليهم -أي: هم ممنوعون منه- أن يرجعوا إلى قريتهم أو إلى الدنيا فيتلافَوا ما فَرَط منهم؛ أي: فلْيجتهدوا قبل الهلاك إذًا فلا (^٣) تدارُك بعد الهلاك.
و﴿وَلَا﴾ زائدة في قوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ كما في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١].
_________________
(١) في (ر): "ومسلمين".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣١)، و"التيسير" (ص: ١٥٥).
(٣) في (ر): "إذلا".
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
وقالت (^١) عائشة ﵂ وعيسى بن عمر (^٢): ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾؛ أي: واجبٌ وعزم، وعلى هذا التأويل ﴿لَا﴾ ليست بزائدةٍ بل هي ثابتة؛ أي: ثبَت هذا وتحقَّق ﴿إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الدنيا.
* * *
(٩٦ - ٩٧) - ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: أي: لا يرجعون، بل يبقَون (^٣) في قبورهم معذَّبين إلى أن تُفتح جهةُ يأجوج ومأجوج (^٤) وهو السد.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾: أي: من كلِّ مرتفعٍ من الأرض يُسرعون، و﴿يَنْسِلُونَ﴾ (^٥) عدُّوه من باب ضرب.
وقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾: قيل: الواو زائدة، معناه: اقترب، جوابًا لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا﴾، و﴿الْوَعْدُ﴾ بمعنى: الموعود، و﴿الْحَقُّ﴾: الصِّدق.
وقيل: الواو للعطف، والجواب في قوله ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ على إضمارِ: (قالوا: يا ويلنا).
_________________
(١) في (ر): "وقرأت".
(٢) في (ر) و(ف): "وعيسى بن حزم".
(٣) في (ف): "يقفون".
(٤) "أي: لا يرجعون بل يبقون في قبورهم معذبين إلى أن تفتح جهة يأجوج ومأجوج" من (أ)، ووقعت في (ف) عقب قوله: "وهو السد".
(٥) في (أ) و(ف): "ونسلان الذئب".
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
وقيل: جوابه محذوف: ندِموا، أو: علِمو ا، وقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ العطفُ على الجواب المحذوف.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾: قيل: ﴿هِيَ﴾ إشارةٌ إلى (^١) الأبصار المذكورةِ بعدها؛ ابتدأ بالكناية ثم صرَّح بعدها للبيان.
وقيل: ﴿هِيَ﴾ عماد، وتقديره: فإذا أبصار الكفار شاخصةٌ، قال الشاعر:
بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ فهل هو مرفوعٌ بما هاهنا رأسُ (^٢)
أي: فهل رأسٌ مرفوعٌ.
يقول: إن القيامة إذا قامت شخصت ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ارتفعت خوفًا لما ينالهم من الوعيد وتوقُّعًا لذلك ﴿يا ويلنا﴾؛ أي: يقولون: يا ويلنا ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ذكروا أولًا ما يشبه العذرَ: كنَّا في غفلةٍ كمَن لا يعلم بالشيء فيستعدَّ له، ثم يقولون: بل أَنذرَنا الرسل لكنَّا ظلمنا أنفسنا بالتكذيب وتركِ استعدادنا لهذا (^٣).
* * *
(٩٨) - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: أي: مرميٌّ
_________________
(١) في (أ): "إشارة" بدل: "قيل: هي إشارة إلى".
(٢) البيت دون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٥٢) و(٢/ ٢١٢)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٢١٥) و(١٦/ ٤١٠)، و"البسيط" (٣/ ١٧١) و(١٥/ ٢٠٤).
(٣) في (أ): "وترك الاستعداد لها".
[ ١٠ / ٤٤١ ]
به في النار، يقال: حصَبْتُه بالحصى (^١)؛ أي: رميتُه بها؛ أي: تُرمون أنتم والأوثانُ في النار كالحطب يرمَى فيها (^٢).
وقال الفراء: الحصَب: الحطَب بلغة أهل اليمن (^٣).
وقال الهيثم بن عديٍّ: بلغة الحبشة (^٤).
وقرأ ابن عباس ﵄ بالضاد المنقوطة فوقها (^٥)، وهو ما هيَّجْتَ به النار.
وقال قطرب: بالصاد المعجمة تحتها (^٦) أيضًا: الوقود (^٧).
وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: الأوثان والعبَّاد فيها داخلون (^٨)، و﴿لَهَا﴾
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بالحصباء"، والمعنى واحد.
(٢) في (ر) و(ف): "كالحصب يرمى بها".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢١٢).
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٥/ ٣٥٦) عن عكرمة.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢١٢)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥)، و"تفسير الطبري" (١٦/ ٤١٣).
(٦) في (ر): "بالضاد المعجمة تحتها"، والمثبت من (أ)، وسقط قول قطرب كله من (ف). ولعله يعني بقوله: "بالصاد المعجمة تحتها": الصاد المهملة، قال ابن الصلاح في "معرفة علوم الحديث" (ص: ٢٩٦): (كما تُضبَطُ الحروفُ المعجمةُ بالنقط؛ كذلك ينبغي أن تضبطَ المهمَلاتُ غيرُ المُعجَمة بعلامة الإِهمال لتدلَّ على عدم إعجامها، وسبيلُ الناس في ضبطِها مختلف: فمنهم من يَقْلِبُ النقطَ؛ فيجعل النقطَ الذي فوق المعجمَات، تحت ما يشاكِلُها من المهمَلات؛ فينقط تحت الراء والصاد والطاء والعين ونحوِها من المهمَلات).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤١١) عن ابن عباس.
(٨) في (ف): "خالدون".
[ ١٠ / ٤٤٢ ]
لتقدُّم محلِّ الفعل (^١)، كما في قوله: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
وقِرانُ الأصنام بهم لزيادة عذابهم (^٢)، لأنها حجارة فتَحمى فيعذَّبون بها، ولزيادة حسرتهم، فإنهم عبدوها راجين نفعَها فحُرموه ونالهم بها زيادة ضرٍّ.
* * *
(٩٩ - ١٠٠) - ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾: أي: لأَمْكنَها دفعُ النار عن أنفسها فلم توقَع فيها.
قوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: العابدون والمعبودون.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾: أي: للكفار ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: صوتًا لصممهم، وفي السماع نوعُ تفرُّج فلم يعطَوا ذلك.
وقيل: لا يسمعون ما يسرُّهم.
* * *
(١٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾:
روى محمد بن إسحاق: أن النبي -ﷺ- جلس يومًا مع الوليد بن المغيرة في
_________________
(١) في (أ): (ف): "وهذا لتقدم الفعل" وفي (ر): "وهذا لتقدير الفعل". ولعله يريد أن قوله: ﴿لَهَا﴾ اللام فيه للتقوية لتأخر الفعل.
(٢) في (ر) و(ف): "العذاب بهم".
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
المسجد، فجاء النَّضْر بن الحارث حتى جلس معهما، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول اللَّه -ﷺ-، فعرَض له النضر بن الحارث، فكلَّمه رسول اللَّه -ﷺ- حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ثم قام رسول اللَّه -ﷺ-، وأقبل عبد اللَّه بن الزِّبَعْرَي بنِ قيس ابن عدي السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد اللَّه بن الزِّبعري: واللَّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا وما قعد، وقد زعم أنَّا وما نعبد من دون اللَّه من آلهتنا هذه حصبُ جهنم، فقال ابن الزِّبعري: أمَا واللَّه لو وجدتُه لخَصَمْتُه، فسلوا محمدًا: أكلُّ مَن عُبد من دون اللَّه في جهنم مع مَن عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهودُ تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح، فعجِب الوليد بن المغيرة ومَن كان في المجلس مِن قول عبد اللَّه بن الزبعري، ورأوا أنه قد خاصم واحتج، فذُكر ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- فقال: "نعمْ، كلُّ مَن أحبَّ أن يُعبد من دون اللَّه فهو مع مَن عبَده، إنما يعبدون الشياطين ومَن أمَرتهم بعبادته"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: عيسى بن مريم وعزير ومَن عَبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضَوا على طاعة اللَّه فاتخذهم مَن بعدَهم من أهل الضلالة أربابًا من دون اللَّه، وأَنْزَل فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة لأنها بنات اللَّه، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] (^١).
_________________
(١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩) عن ابن إسحاق، ورواه عنه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤١٧ - ٤١٨)، ورواه مختصرًا الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٧٣٩)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٠٥)، من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٦٩): فيه عاصم بن بهدلة وقد وثق وضعفه جماعة. ورواه بنحوه دون ذكر الآية الإمام أحمد في "المسند" (٢٩١٨).
[ ١٠ / ٤٤٤ ]
ثم اعتراضُهم إن كان على ظاهر الآية فهو فاسد؛ لأنَّه قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ وذلك لا يتناول مَن (^١) يَعقل، ولا يعمُّ الملائكة ونحوَهم، بل يقتصر على الأصنام.
أما لو قالوا: كلُّ معبود من دون اللَّه هل يكون مع عابده في النار؟ وهذا سؤال عامٌّ (^٢) يتناول الكلَّ، لكن جواب رسول اللَّه -ﷺ-: "مَن أحبَّ أن يُعبد من دون اللَّه فهو مع مَن عبَده" يقتضي إخراج هؤلاء من ذلك (^٣)؛ لأنَّهم لا يرضون بذلك فلا يَلزمه كلامُهم، وكان نزول هذه الآية الثانية بعد سؤالهم زيادةَ إيضاحٍ لهم، وكان تنبيهًا أنهم بما سبقت لهم من اللَّه الحسنى لا يكون لهم دخول النار.
وقوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾؛ أي: الجنة، كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ومعناه: سبق لهم الوعدُ بها لإيمانهم وطاعتهم.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾؛ أي: عن النار مبعَدون لا يعذَّبون فيها.
وقيل: ﴿الْحُسْنَى﴾: السعادةُ، يعني: مَن سبقت له السعادةُ الأزلية؛ أي: الحكمُ منا بالسعادة.
قال الجنيد ﵀: سبقت العناية في البداية فظهرت الولاية في النهاية.
* * *
(١٠٢ - ١٠٣) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "ما".
(٢) "عام" من (أ).
(٣) "من ذلك" من (أ).
[ ١٠ / ٤٤٥ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾: أي: صوتها، وهو قوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾: وذاك في الجنة، ولهم فيها ما يشتهون.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾: أي: فزعُ القيامة، فهو أكبر الأفزاع.
وروي أن الفزع الأكبر إذا ذُبح الموت.
وقيل (^١): إذا أُطبقت النار على أهلها.
وقيل: إذا أُمر بالكفار إلى النار (^٢).
ورُوي: إذا نفخ في الصور النفخةُ الثانية.
وقال ذو النون المصري: هو فزع القطيعة.
وروي: إذا نادى المنادي ألَا إنَّ فلان بنَ فلان قد سُعِدَ سعادةً لا شقاوة بعدها أبدًا، ألَا إن فلانَ بن فلان قد شَقِي شقاوةً لا سعادة (^٣) بعدها أبدًا.
وقوله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أي: تستقبلهم ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾؛ أي: يقولون لهم: هذا يومكم ﴿الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾؛ أي: توعدون فيه الكرامةَ من اللَّه تعالى.
* * *
_________________
(١) في (أ): "وروي".
(٢) في (أ): "أمر العبد بالنار"، وفي (ر): "أمر بالعبد إلى النار".
(٣) في (أ): "فلان بن فلان شقيٌّ لا يسعد".
[ ١٠ / ٤٤٦ ]
(١٠٤) - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾: أي: لا يَحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء؛ أي: السماوات؛ كما قال: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وهو عبارةٌ عن نقض تركيبها.
وقوله تعالى: ﴿كطَيِّ السِّجِلِّ للكِتَاب﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ على الجمع، وقرأ الباقون: ﴿للكتاب﴾ على الواحد (^١).
والسجل هو الكتاب.
وقيل: هو اسم كاتبٍ مخصوصٍ وهو رجل.
وقيل: هو ملَكٌ من الملائكة.
ومعناه: كما يطوي الكاتبُ الصحيفة فيصغِّرها بالطَّيِّ بعد طولها وعرضها، فكذلك نجعل السماوات على طولها وعرضها، وعلى هذا يكون قوله: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ داخلًا في المفعول؛ كقولك: أكرمتُك إكرام زيد لعمرو؛ أي: عمرًا.
وقيل: السجلُّ: الصحيفة، ومعناه: كما تطوى الصحيفة، ويكون هذا إضافةَ المصدر إلى المفعول، والأولُ كان إضافةً إلى الفاعل، وكلُّ ذلك جائز، ثم قوله: ﴿للكتاب﴾ له ثلاثةُ معان:
للكتابة: فيكون مصدرًا.
وللمكتوب؛ أي: لأجْل ما كُتب فيه.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣١)، و"التيسير" (ص: ١٥٥).
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
والثالث: على ما كُتب فيه، واللام بمعنى (على)؛ كما قال: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها.
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾: أي: كما ابتدأناها أولَ ما خلقناها نُعيد خلقَها في القيامة.
وقيل: نجعلها سماءً واحدة كما كانت، قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهو قولُ الحسن: نعيدها بعد إهلاكها.
وقيل: هو مستأنفٌ؛ أي: نعيدُ الخلق يومَ القيامة كما خلقناهم أولَ مرةٍ حُفاةً عُراةً غُرلًا كما كانوا في بطون أمهاتهم، وهو قول الفراء (^١)، يدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ وكان ذلك للخَلْق؛ كما قال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾: أي: وعدًا كائنًا لا محالةَ، و(على) كلمة تحقيق.
﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: أي: محقِّقِين هذا الوعدَ فاستعِدُّوا له وقدِّموا صالح الأعمال للخلاص من الفزع الأكبر.
وقال القشيري ﵀: كانت السماء سقفًا مرفوعًا لأن الأولياء تحتها، والأرضَ فراشًا ممهدًا لأنهم عليها، فإذا ارتحل الأحباب طُوي الفراش ونُقض السقف (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢١٣)، ولفظه: انقطعَ الكلام عند (الكتب)، ثُمَّ استأنف فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فالكاف للخلق؛ كأنك قلت: نعيد الخلق كما بدأناهم أَوَّلَ مرَّة.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٢٥).
[ ١٠ / ٤٤٨ ]
(١٠٥) - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾: قرأ حمزة بضم الزاي، وهي جمع (زِبْرٍ) بكسر الزاي وهو الكتاب، فيكون جمعًا، وقرأ الباقون بفتحها (^١)، فكان واحدًا وهو الكتاب.
يقول: أثبتنا في الكتب المنزلة على الأنبياء، أو في زبور داودَ إذا كان على الواحد، أو في كتاب آخر مما أنزل.
﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾: أي: بعد الكتابة في اللوح المحفوظ.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾: أي: أرضَ الجنة ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ وينصرف إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾.
وقيل: الصالحون هم أمة محمد -ﷺ-.
قال وهب: كذلك قرأتُ في عدةٍ من كتب اللَّه تعالى، وأضيفت إليهم لأنهم أكثر أهلها، فقد روي أنهم ثلثا أهل الجنة (^٢).
وقيل: معناه: أن أرض الشام يرثها الصالحون؛ أي: مؤمنو بني إسرائيل، كما قال: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
وقيل: معناه: أن أرض الدنيا ترثُها أمة محمد -ﷺ-، قال تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣١)، و"التيسير" (ص: ٩٨).
(٢) رواه الترمذي (٣١٦٩) من حديث عمران بن حصين ﵁، وفيه: إني لأرجو أنْ تكونوا رُبعَ أهل الجنة فكبَّروا، ثُم قال: إني لأرجو أنْ تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة فكبَّروا، ثُم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصفَ أهل الجنة فكبَّروا قال: ولا أدري؟ قال: الثُّلُثين أم لا؟ قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ١٠ / ٤٤٩ ]
فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: "زُوِيتْ لي الأرض فأُرِيْتُ مشارقَها ومغاربَها، وسيبلغ ملكُ أمتي ما زُوي لي منها" (^١).
* * *
(١٠٦ - ١٠٧) - ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا﴾: يعني: إن فيما قصَصْناه عليكم لوُصولًا إلى الحق والصواب وإحرازًا للثواب ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾؛ أي: للَّذين همُّهم عبادة اللَّه والتذلُّلُ له (^٢).
والبلاغ يعني البلوغ، كالصلاح والصلوح، والثبات والثبوت.
وقيل: ﴿لَبَلَاغًا﴾؛ أي: لكفايةً، قال الشاعر:
تزجَّ من دنياك بالبلاغِ وباكرِ المِعْدةَ بالدِّباغِ
بكِسْرةٍ ليِّنةِ المَضَاغِ بالملحِ أو ما خَفَّ من صِباغِ (^٣)
وقيل: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾؛ أي: في هذا القرآن.
وقيل: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾؛ أي: موحِّدين. وقيل: مطيعين.
وقال كعب: والذي نفسُ كعبٍ بيده هم أهلُ الصلوات الخمس (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان ﵁.
(٢) في (ر) و(ف): "والتدين".
(٣) الرجز في "الصحاح" (مادة: صبغ)، و"أساس البلاغة" (مادة: زجا).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٣٨).
[ ١٠ / ٤٥٠ ]
وقيل: أي: لكلِّ بشر؛ لأنَّهم عباد (^١) اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾: ذكَر بعد إنزال القرآن إرسالَ الرسول ﴿إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ لأنَّه بُعث داعيًا إلى اللَّه، ومرشدًا إلى دينه، ومنقذًا من الضلالة، ومنبِّهًا على ما فيه الفوزُ بالنعيم المقيم والنجاةُ من العذاب الأليم، وذلك رحمةٌ عامة للمؤمنين والكافرين، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥]، فالتبشير والإنذار رحمةٌ أجراها اللَّه تعالى على يديه.
وقال ابن عباس ﵄: تمتِ الرحمة لمن آمن به في الدنيا والآخرة، ومَن لم يؤمنْ به عُوفي مما أصاب الأمم مِن قبلنا (^٢).
وقال عكرمة: قيل: يا رسول اللَّه، ألا تلعنُ قريشًا بما أتوا إليك؟ فقال لهم (^٣): "لم أُبعَثْ لعَّانًا إنما بعثتُ رحمةً للعالمين، يقول اللَّه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ " (^٤).
وما أتى به من القتال للدعوة إلى الإسلام، ومن الحدود للزجر عن الآثام، فهو استصلاح لهم كاستصلاح الوالدين الولدَ بالمعالجات في الأسقام، بالكيِّ والجراح والحَجم لبعض الآلام، فكان تحقيقًا للرحمة والإنعام.
* * *
_________________
(١) في (أ): "عبيد".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٣٨).
(٣) "لهم" ليست في (ر).
(٤) رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٨٨)، وله شاهد عند مسلم (٢٥٩٩) من حديث أبي هريرة قال: قيل: يا رسولَ اللَّه، ادْعُ على المشركين، قال: "إني لم أُبْعَث لعَّانًا، وإنما بُعِثْتُ رحمةً".
[ ١٠ / ٤٥١ ]
(١٠٨ - ١٠٩) - ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: وهو أصلُ ما أُرسل به إليهم ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وهو كلمةُ (^١) استبطاءٍ، وفيه أبلغُ تلطُّفٍ (^٢) في الدعوة إلى الإسلام، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتُهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وتحقيقه: فانتهُوا، وكذلك هاهنا: فأسلِموا.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: أعرضوا فلم يُسلموا ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾؛ أي: لا مسالمة بيني وبينكم، فقد أعلمتُكم ذلك ظاهرًا مكشوفًا صرتُ أنا وأنتم في علمه سواءً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]؛ أي: أعلِمْهم أنك قد نقضتَ ذلك العهد حتى تصيرَ أنت وهم في علم ذلك سواءً.
وهذا الإنذار كان إعلامًا بالمحاربة.
وقيل: كان إخبارًا أنه لا يوافقُهم على ما هم عليه، وكانوا يطمعون في ممايلته إياهم، فقطع بهذا طمعهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: قيل (^٣): وما أعلم أقريبٌ ما توعدون به من العذاب على تولِّيكم عن الإسلام أم بعيدٌ؟ وذلك إلى اللَّه وعلمُه
_________________
(١) في (ف): "هذا كله" بدل: "وهو كلمة".
(٢) في (أ): "تبليغ بلطف" بدل: "أبلغ تلطف".
(٣) في (ر) و(ف): "فقل أي"، بدل: "قيل".
[ ١٠ / ٤٥٢ ]
عنده (^١)؛ أي: آذنتكم بالحرب على السواء وما أدري (^٢) أقريب ذلك أم بعيد.
وقيل: ما توعدون من الساعة؛ أي: آذنتكم بالحرب في الدنيا، وما أدري متى تكون الساعة فتعذَّبون في الآخرة زيادةً على عذاب القتل في الدنيا.
* * *
(١١٠ - ١١٢) - ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾: ما تجهرون به من القول بشرككم ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ من ذلك، فليس تأخير العذاب عنكم لخفاءِ حالكم، بل هو معذِّبكم في الوقت الذي قدَّره لذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾: أي: لعل إمهالَكم وتأخيرَ العذاب عنكم تشديدٌ للمحنة عليكم بزيادة المعاصي الموجِبة لزيادة العقوبات فلا تظنُّوه خيرًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: أي: تمتيعٌ إلى مدةٍ، وهي وقتُ نزول العذاب في الدنيا، فإن كان هذا تخويفًا بعذابِ الآخرة فالحينُ هو الموت.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ ربِّ احكُمْ بالحقِّ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: قل رَبِّ خبرًا عن النبي -ﷺ- أنه قال هذا الدعاء، وقرأ الباقون: ﴿قُلْ﴾ أمرًا له بذلك (^٣)؛
_________________
(١) بعدها في (أ): "وهو كقوله: أقريبٌ ما توعدون من الساعة".
(٢) قوله: "أقريب ما توعدون من الساعة أي آذنتكم بالحرب على السواء وما أدري" من (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣١ - ٤٣٢)، و"التيسير" (ص: ١٥٦).
[ ١٠ / ٤٥٣ ]
أي: فوِّضِ الأمر إلى اللَّه وقل: يا ربِّ احكم بالحق بيني وبين هؤلاء بنُصرتي عليهم، وإظهارِ حقِّي على باطلهم، وإنزال (^١) نقمتك عليهم، وهو كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وعلى هذا: (الحق) هو ما يستحقونه.
وقيل: استُجيب هذا فيهم يومَ بدر.
وقيل: معناه: احكُم بحكمك وهو الحقُّ، فذكر النعت مكان المنعوت.
وقال قتادة: كان النبي -ﷺ- إذا شهد قتالًا قال: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: قرأ ابن عامر في روايةٍ بياء المغايبة (^٣)، والباقون بتاء المخاطَبة.
أمره بأن يخاطب الكفار فيقولَ لهم: ربُّنا هو الرحمن المستعان على إزالة ما تصفون من الشرك، وما تقولون في صفتي وصفة القرآن ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ [الأنبياء: ٣] ﴿افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨]، هو المستعان على تغيير هذا، والحكمِ بيني وبينكم بالحق، ويكون ﴿قُلْ﴾ في أول الآية أمرًا بشيئين: أي: قل داعيًا ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقل: متوعِّدًا للكفار ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
ومَن قرأ بياء المغايبة فمعناه: قل للمؤمنين مبشرًا لهم ومطيِّبًا قلوبَهم: ربُّنا الرحمن يرحمكم وينصركم، المستعان على ما يصف الكفار من الباطل.
_________________
(١) في (ف): "حقي على ظلمهم وأنزل"، وفي (ر): "حقي على من ظلمني وأنزل".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٩٤)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٣٨).
(٣) هي رواية ابن ذكوان عن ابن عا مر بخلف عنه، ورواية المفضل عن عاصم. انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٢)، و"النشر" (٢/ ٣٢٥).
[ ١٠ / ٤٥٤ ]
وقيل: بقية الآية تتمة للدعاء أيضًا؛ أي: و﴿قل ربِّ احكم بالحق﴾،
واعترِف في دعائك هذا أن اللَّه هو الرحمن والمستعان على ما تصفون، وهو ثناء مع الدعاء (^١).
والحمد للَّه على نعمائه، والشكرُ على عموم آلائه، والصلاةُ على خاتم أنبيائه، ومبلِّغِ أنبائه، وعلى الباذلين مُهجَهم في قمع أعدائه.
* * *
_________________
(١) في (ف): "على ما يصف الكفار وهو الثناء مع الدعاء" بدل: "تصفون وهو ثناء مع الدعاء".
[ ١٠ / ٤٥٥ ]
سورة الحج
[ ١٠ / ٤٥٧ ]