بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الأحدِ (^٢) الصمد، الرحمنِ الذي لم يلد ولم يولد، الرحيمِ الذي لم يكن له كفوًا أحد.
وهذه السورة عند ابن عباس ومقاتل والواقدي والحسين بن واقد مكية.
وقال قتادة: هي مدنية (^٣).
وهي خمس آيات، وقيل: أربع آيات، والاختلاف في قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾.
وهي خمسَ عشرةَ كلمةً، وسبعةٌ وأربعون حرفًا.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثَ القرآن، وأعطي من الأجر
_________________
(١) في (ر): "سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
(٢) في (ف): "الواحد".
(٣) كذا ذكر المؤلف عن ابن عباس وقتادة قوليهما، وذكر الداني في "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٩٦) عكسه فقال: مكية هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة، وقال ابن عباس: مدنية. والحقيقة أن الخلاف كما وقع في مكيتها ومدنيتها فقد وقع أيضًا في نسبة القول بكل منهما، فقد قال الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٦٩): مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي. وقول ابن عباس بمدنيتها رواه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٧٧٥ - ٧٧٧).
[ ١٥ / ٥٢٩ ]
عشرَ حسنات بعدد مَن آمن باللَّه تعالى ولم يشرك به شيئًا" (^١).
وروى أبو أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلةٍ ثلثَ القرآن" فسكتنا، فقال ذلك ثلاث مرات ونحن نسكت، ثم قال: "مَن قرأ في ليلةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقد قرأ ثلث القرآن" (^٢).
وروى (^٣) عليٌّ كرم اللَّه وجهه عن النبي ﵇ أنه قال: "مَن قرأ بعد الفجر إحدى عشرةَ مرةً ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لم يلحقه ذلك اليوم ذنب" (^٤).
وقال أنس بن مالك: قال جبريل للنبي -ﷺ-: ما زلتُ خائفًا على أمتك حتى نزل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٥).
وقال النبي -ﷺ- لسعد بن معاذ السلمي: "إن سورة الأنعام وسورة الإخلاص أُنزلتا ومعهما سبعون ألفَ ملك، إنَّ قل هو اللَّه أحد خمسَ عشرةَ كلمةً يتبعُها خمسَ عشرةَ بركةً، ما من عبدٍ من أمتي قرأها في يوم وليلةٍ مرةً واحدةً إلا قرأ ثلثَ ما أنزل اللَّه عليَّ، ولا قرأها ثلاثَ مرات إلا بنى اللَّه له قصرًا في الجنة" (^٦).
_________________
(١) رواه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٧١)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦). لكن أوله صحيح كما سيأتي.
(٢) رواه الترمذي (٢٨٩٦) وقال: حديث حسن. وله شاهد من حديث أبي سعيد ﵁ رواه البخاري (٥٠١٥)، ومسلم (٨١١).
(٣) في (ف): "وروي عن".
(٤) رواه ابن عساكر في "تاريخه" (٥٧/ ٢٨١)، وفي إسناده مروان بن سالم الغفاري وهو متروك.
(٥) ذكره الفيروزآبادي في "بصائر ذوي التمييز" (١/ ٥٥٥) وضعفه، ولم أجده مسندًا.
(٦) لم أقف عليه. وروى الإمام أحمد في "المسند" (١٥٦١٠) من حديث مُعاذِ بنِ أنسٍ الجُهَنِيِّ ﵁ مرفوعًا: "مَن قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يختمَها عشرَ مراتٍ، بنى اللَّه له قصرًا في الجنة"، وإسناده ضعيف، وقد روي مرسلًا عن سعيد بن المسيب، أخرجه الدارمي في "سننه" =
[ ١٥ / ٥٣٠ ]
وقال أبو بكر الورَّاق: هي خمسَ عشرةَ كلمة مَن قرأها واعتقدها نجَّاه اللَّه تعالى من دركات النار وهي سبع، وأدخله الجنان وهي ثمانٍ، وذلك كلُّه خمسَ عشرةَ.
وروى عطاء عن ابن عباس ﵄: أن أحبار اليهود أتوا النبي -ﷺ- فقالوا: صِفْ لنا ربَّك لعلنا نؤمن، فقال النبي -ﷺ-: "قولوا: لا إله إلا اللَّه" فلم يلتفتوا إليه وقالوا: قل لنا قولًا غيرَ هذا، قال: "وما أقول؟ " قالوا: صف لنا ربك أمِن ذهبٍ هو أم من نحاسٍ أم من صُفرٍ أم من فضة أم من حديد؟ هل يأكل ويشرب؟ وممن ورث الدنيا ومَن يورثها؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه السورة وهي نسبة اللَّه تعالى خاصة (^١).
وقال الربيع بن أنس: قال قتادة: قالت قادة الأحزاب: انسُب لنا ربَّك الذي تدعونا إليه أذهبٌ هو أم فضة؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه السورة (^٢).
_________________
(١) = (٢/ ٤٥٩): أن نبي اللَّه -ﷺ- قال: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات بني له بها قصر في الجنة، ومَن قرأها عشرين مرة بني له بها قصران في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة" وإسناده صحيح إلى سعيد.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣) عن الضحاك وقتادة ومقاتل.
(٣) رواه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٢٨) من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية. ورواه الطبري (٢٤/ ٧٢٩) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: (جاء ناس من اليهود الى النبي -ﷺ- فقالوا: انسب لنا ربّك. . .). ورواه الترمذي (٣٣٦٤) من طريق أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العاليَة، عن أبيِّ بن كعب: (أن المشركين قالوا لرسول اللَّه -ﷺ-: انْسُب لنا ربَّك. . .) الحديث. ثم رواه الترمذي من طريق أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع، عن أبي العالية: (أن النبيَّ -ﷺ- ذَكَر آلهتهم فقالوا: انسُب لنا ربَّك. . . .) الحديث. قال الترمذي: هذا أصح. قلنا: وهو ضعيف وكذا كل ما سبق، لضعف أبي جعفر الرازي. وفي الباب عن جابر قال: (قال المشركون: انسب لنا ربك. . .)، رواه الطبري (٢٤/ ٧٢٨)، وإسناده ضعيف أيضًا.
[ ١٥ / ٥٣١ ]
وروى أبو روق عن الضحاك أنه قال: إنَّ أولَ مَن سأل رسول اللَّه -ﷺ- عن نسبة اللَّه عامرُ بن الطفيل، وذلك أن المشركين أرسلوه إلى النبي -ﷺ- فقالوا: قل له: شقَقْتَ عصانا، وخالفتَ دين أبائك، وسبَبْتَ آلهتنا، فإن كنتَ فقيرًا أغنيناك، وإن كنتَ مجنونًا داويناك، وإن هَويْتَ امرأة زوَّجناكها، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لستُ بفقير ولا مجنون ولا أهوى امرأةً، بل أنا رسول اللَّه إليكم أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادة اللَّه" فأرسَلوه ثانيًا فقالوا: قل له يبيِّنْ لنا جنسَ معبودِه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فأرسلوه ثالثًا فقالوا: إن لنا ثلاثَ مئة وستين صنمًا لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم إلهٌ واحدٌ بحوائج الخلق كلِّهم؟! فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: ١ - ٤] يعني: في جميع حوائجكم، فأرسَلوه رابعًا فقالوا: قل له يُبيِّن لنا أفعالَ ربه، فأنزل اللَّه تعالى نيفًا وسبعين آيةً يبين لهم أفاعيلَه، نحو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣] وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٤٠] ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [فاطر: ٩] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (^١) وما ضاهاها من الآيات (^٢).
وقد مرت قصة عامرٍ هذا وأخيه لأمِّه أربد بن قيس وهلاكِهما في سورة الرعد.
وقال ابن عباس: بعث رسول اللَّه -ﷺ- سريةً فأمَّر عليهم كلثومَ بنَ الهِدْمٍ، وكان يصلي بهم ولا يزيد على ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما انصرف أخبر بذلك رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "ما حملك على ما صنعت؟ " فقال: إنه حُبِّبَ إليَّ هذه السورة،
_________________
(١) في (أ): " ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ " بدل: " ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية".
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٧٠).
[ ١٥ / ٥٣٢ ]
فأتاه جبريل فقال: "إن اللَّه تعالى يحبُّ كلثومًا لحبه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (^١).
وانتظام السورتين: أن تلك في وعيد مَن ترك التوحيد وهذه في تعليم التوحيد.
* * *
(١) - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: أي: قل يا محمدُ لهؤلاء الذين سألوك عن ربِّك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ أي: الذي سألتم عنه هو المسمَّى باسم اللَّه وهو أحدٌ؛ أي: واحد لا شريك له ولا نظير له، وليس بذي أبعاضٍ وأجزاء، وأنه كان ولا شيء معه غيره.
وقوله تعالى: ﴿أَحَدٌ﴾ يدل على أنه واحدٌ في ذاته لا انقسام له، وأنه واحد في صفاته لا نظير له ولا شبيه له، وأنه واحد في أفعاله (^٢) لا شريك له.
وقال أهل اللغة: ﴿أَحَدٌ﴾ أصله: وَحَدٌ، جعلت الواو همزةً لوقوعها طرَفًا كما في الوشاح والإشاح.
وقال أهل النحو: ﴿هُوَ﴾ مبتدأ و﴿اللَّهُ﴾ خبره، وقوله تعالى: ﴿أَحَدٌ﴾؛ أي: وهو أحد، ولا يجوز نعتًا لقوله: ﴿اللَّهُ﴾ لأن المعرفة لا تُنعت بالنكرة.
وقيل: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ مبتدأٌ و﴿أَحَدٌ﴾ خبرُه.
وقيل: ﴿هُوَ﴾ عماد و﴿واللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿أَحَدٌ﴾ خبره.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣) من حديث عائشة ﵂، وليس في تعيين الصحابي، قال الحافظ في "فتح الباري" (١/ ٣٤٤): قيل: هو كلثوم بن الهدم وفيه نظر لأنهم ذكروا أنه مات في أول الهجرة قبل نزول القتال ورأيت بخط الرشيد العطَّار كلثوم بن زَهْدَم وعزاه لـ "صفة التصوف" لابن طاهر.
(٢) في (ف): "فعاله".
[ ١٥ / ٥٣٣ ]
(٢) - ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾: قال ابن عباس ﵄: ﴿الصَّمَدُ﴾: الكبير الذي ليس فوقه أحد (^١).
وعنه في رواية: ﴿الصَّمَدُ﴾: المصمود إليه في الحوائج (^٢)؛ أي: المقصود.
وعنه أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾: القادر على الكمال، العليم الذي كمُل في علمه، الحليم الذي كمُل في حِلمه، السيد الذي كمُل في سؤدَدُه، الغني الذي كمُل في غناه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (^٣).
وقال قتادة: ﴿الصَّمَدُ﴾: الباقي بعد فناء الخلق (^٤).
وقال الحسن: ﴿الصَّمَدُ﴾: الدائم الذي لم يَزَلْ ولا يزالُ (^٥).
وقال أبي بن كعب: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحي الذي لا يموت ولا يُورَث (^٦).
وقال مجاهد: هو المصمت الذي لا جوف له (^٧)، وهو بمعنى الأحد.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٥)، والواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٤٣٨) والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٥٨٨).
(٢) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٦٠٨)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٧١)، وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٤٣٥) من طريق عطاء عن ابن عباس مرفوعًا.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٩٨).
(٤) في (أ): "خلقه". والخبر رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٧٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٠٤)، جميعهم عن الحسن وقتادة.
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٧١).
(٦) رواه الترمذي (٣٣٦٤)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٦٦٣).
(٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٧٣٨)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٦٧٣) و(٦٧٤) و(٦٧٦)، =
[ ١٥ / ٥٣٤ ]
وقال الضحاك: ﴿الصَّمَدُ﴾: السيد الذي قد انتهى سؤدَدُه (^١).
وقال السدي: ﴿الصَّمَدُ﴾: المقصودُ إليه في الرغائب، المستغاث (^٢) به عند المصائب (^٣).
وقال قتادة ﵀: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يَطْعَم (^٤).
وقال يمان بن رئاب: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا ينام (^٥).
وقال محمد بن كعب: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٦).
_________________
(١) = والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣١). ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٦٥)، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٢١٥)، من طريق مجاهد عن ابن عباس. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣١)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٠٠)، من طريق عطية عن ابن عباس. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣٢ - ٧٣٣) عن الحسن وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة. قال البيهقي: ورُوِّينا هذا القول عن سعيد بن المسيِّب وسعيد بنِ جُبيرٍ ومجاهدٍ، والحسن والسُّدِّيِّ والضحَّاكِ وغيرِهم، وروي عن عبد اللَّه بنِ بُريدةَ عن أبيه، يشكُّ راويه في رفعه. قلت: وهذا الأخير رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣١)، والطبراني في "الكبير" (١١٦٢)، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا غريب جدًا، والصحيح أنه موقوف على عبد اللَّه بن بريدة.
(٢) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٧٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣٥ - ٧٣٦)، عن أبي وائل شقيق بن سلمة.
(٣) في (ر): "المستعان".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٥)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٥٨٨).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣٢ - ٧٣٣) عن الشعبي.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٥).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣١)، والخطابي في "غريب الحديث" (٣/ ١٤٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٠١).
[ ١٥ / ٥٣٥ ]
وقال مقاتل بن حيان: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا عيب فيه.
وقال الربيع بن أنس: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا تعتريه الآفات.
وقال سعيد بن جبير: ﴿الصَّمَدُ﴾: الكامل في جميع صفاته وأفعاله.
وقال أبو مالك: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم.
وقال جعفرٌ الصادق: ﴿الصَّمَدُ﴾: الغالب الذي لا يُغلب.
وقال أبو هريرة ﵁: هو المستغني عن كلِّ أحد، والمحتاجُ إليه كلُّ أحد.
وقال مرة الهمدانيُّ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يَبْلَى ولا يَفْنى.
وقال الحسين بن الفضل ﵀: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي يَحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء، لا معقِّب لحكمه ولا رادَّ لقضائه.
وقال محمد بن علي الترمذي: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحويه الأقطار، ولا تبلغه الأفكار، وكل شيء عنده بمقدار (^١).
وأما قول أهل اللغة فيه:
قال الخليل: بلغَنا عن الحسن أنه قال: صُمِدت إليه الأمور؛ أي: سلِّمت، فلا يقضي فيه غيرُه ولا يُمضي دونه.
قال: وقال بعضهم: هو السيد المطاع في قومه.
وقال الأسدي:
ألا بكَّر الناعي بخيرَيْ بني أسدْ بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيِّد الصَّمَدْ (^٢)
_________________
(١) ذكر هذه الأقوال جميعًا الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٢) البيت لسبرة بن عمرو الأسدي يرثي عمرو بن مسعود وخالد بن نضلة؛ كما في "الصحاح" (مادة: =
[ ١٥ / ٥٣٦ ]
قال: وقال بعضهم: ﴿الصَّمَدُ﴾ هو من قولهم: صمَده؛ أي (^١): قصده، من حدِّ دخل، فهو المقصود إليه بالحوائج.
قال: وقال بعضهم: الصمد: المصمَت الذي ليس بأجوفَ، والصُّمدةُ: الصخرة الراسية في الأرض المرتفعةُ منها (^٢).
وقال (^٣) بعضهم: يقال: بناءُ مصمَّدٌ بالتشديد؛ أي: معلًّى، والصَّمْدُ (^٤): ما أشرف من الأرض، وقال جرير:
علَوْتُم كلَّ رابيةٍ وصَمْدٍ وغيرُكم المذانبُ والهُجُولُ (^٥)
جمع هَجْل: وهو ما اطمأنَّ من الأرض.
وقال أبو معاذ: قال الكسائي: تقول العرب: صَمَدْتُ البعيرَ إلى البعير والأسيرَ
_________________
(١) = خير)، وعزاه أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٣١٦) للأسدي ولم يذكر اسمه. وعزاه ابن هشام في "السيرة النبوية" (١/ ٥٧٢) لهند بنت معبدِ بنِ نَضْلَةَ تبكي عمرَو بنَ مسعود وخالدَ بنَ نَضْلَةَ عَمَّيْها الأسديَّين، اللَّذين قَتَلَهما النعمانُ بنُ المنذِرِ اللَّخْميُّ. وهو دون نسبة في "إصلاح المنطق" (ص: ٤٤)، و"تفسير الطبري" (٢٤/ ٧٣٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٣٧٨). ورواية أبي عبيدة: (بخير بني أسد) بالإفراد.
(٢) في (ر): "إذا".
(٣) انظر: "العين" (٧/ ١٠٤).
(٤) في (أ) و(ر): "قال وقال"، ولم أجده عن الخليل.
(٥) بسكون الميم. انظر: "الغريبين" (مادة: صمد).
(٦) انظر: "ديوان جرير" (٢/ ٧١٨). والرواية فيه: (كل رابية وفرع)، فلا شاهد فيه، ولم أقف على رواية المؤلف. والمذانب: المسايل.
[ ١٥ / ٥٣٧ ]
إلى الأسير: إذا قرَنْتَه به، فمعنى ﴿الصَّمَدُ﴾: أن الحوائج تُقرنُ (^١) بعضُها إلى بعضٍ وتُرفع كلُّها إليه.
وقال أبو زيد البلخيُّ (^٢): الصمد: هو الذي يُصمد إليه (^٣) تعظيمًا له ورغبةً فيه، ووقوع هذا الاسم على مَن تعظَّم من البشر إنما هو على الاستعارة؛ لأنَّه ليس أحدٌ من المخلوقين وإنْ عظُم شأنه وعلتْ رتبتُه إلا وهو موصوفٌ بالنقص، عاجزٌ عن إبلاغ مَن يَصمد إليه (^٤) غايةَ أمله، فالصمدُ في الحقيقة مَن هو ملجأُ كلِّ مستغيثٍ به في نوازله، ومَن بيده ناصيةُ كلٍّ من خليقته، ومن أجلِ جلالة هذا الاسم جعله اللَّه تعالى مقرونًا بلفظةِ ﴿أَحَدُ﴾ الدالةِ على حقيقة الوحدانية؛ ليدلَّ بأحد الاسمين على أن الموصوف به هو مَن لا نظيرَ له ولا شبيه له (^٥) إذ له الوحدةُ المحضَة، ويدلَّ بالاسم الآخر على أن مِن الواجب إذ كانت الوحدانيةُ بالحقيقة له، وكان مبدعَ الكلِّ وحافظَه ومدبِّره، أن لا يُصمد بالعبادة والتعظيم والرغبة والرهبة غيرُه، فاجتمع في لفظي الأحد والصمد وما يتبعهما (^٦) من نفي صفات الحدوث (^٧) ووجودِ مثيلٍ له وشبيهٍ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تقرب".
(٢) أحمد بن سهل، أحد الكبار الأفذاذ من علماء الإسلام، جمع بين الشريعة والفلسفة والأدب والفنون، وقد سبق علماء الإسلام في البلدان كافة إلى استعمال رسم الأرض في كتابه "صور الأقاليم الإسلامية" ومن مؤلفاته أيضًا: "أقسام العلوم"، و"شرائع الأديان"، و"أخلاق الأمم"، و"نظم القرآن". توفي سنة (٣٢٢ هـ). انظر: "الأعلام" (١/ ١٣٤).
(٣) في (أ): "له".
(٤) في (أ): "له".
(٥) "له" ليس من (أ).
(٦) في (ر): "معهما".
(٧) في (أ): "الحدوث" وليست في (ر).
[ ١٥ / ٥٣٨ ]
له -وهو قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ - ما يستحقُّه من صفات الألوهية والربوبية، ومن أجل عظيم شأن هذه الكلمات الموجودة في هذه السورة صارت من أشرف سور القرآن في توحيد اللَّه وتمجيده، ولذلك سميت سورة الإخلاص، كلُّ هذا كلام أبي زيد.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾: أي: لم يلد أحدًا ولم يلده أحدٌ، نفى بهذا عن نفسه صفات المخلوقين من الحدوث وحلولِ الأعراض فيه.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: أي: نظيرًا أو شبيهًا.
قرأ حمزة ونافع في روايةٍ بسكون الفاء مهموزًا، وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿كُفُوًا﴾ مثقَّلًا (^١) غيرَ مهموز، وقرأ الباقون بضم الفاء مهموزًا (^٢)، وهي لغاتٌ، والمكافأة بالهمز وغيرِ الهمز: المساواة.
وقيل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؛ أي: صاحبةً.
وقيل: لم يكافِئْه بنعمته (^٣) أحد.
وقيل: الكفار كلُّهم يرجعون في الحاصل إلى ثلاثة أشياء: التعطيلِ والإشراكِ
_________________
(١) "مثقلا" ليست في (أ). ويعني بالتثقيل ضم الفاء، كما يشار بالتخفيف للتسكين.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٧٠١ - ٧٠٢)، و"التيسير" (ص: ٢٢٦). وفيهما القراءة بسكون الفاء مع الهمز عن حمزة فقط، وهذا في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واوًا مفتوحة اتِّباعًا للخط.
(٣) في (أ): "لنعمه".
[ ١٥ / ٥٣٩ ]
والتشبيه، وقد ذُكرت هذه الثلاثةُ وردُّها في آيات من القرآن، وهذه السورة ردٌّ (^١) على الكل على إيجازها، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ ردٌّ للمعطلة، وقوله: ﴿أَحَدُ﴾ ردٌّ على المشركين، وقوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ إلى آخرها ردٌّ على المشبِّهة.
وقال بعض أهل العلم: إن هذه السورةَ يفسِّر بعضُها بعضًا، إذا قيل: مَن هو؟ فجوابه: ﴿اللَّهُ﴾، مَن اللَّه؟ ﴿أَحَدٌ﴾ مَن الأحد؟ ﴿الصَّمَدُ﴾ مَن الصمد؟ الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ مَن الذي لم يلد ولم يولد؟ الذي ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: كاشَفَ اللَّه الأسرارَ بقوله: ﴿هُوَ﴾، وكاشَفَ الأرواحَ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾ وكاشَفَ القلوب بقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ وكاشَفَ ألباب الموحِّدين بباقي السورة.
وقيل: كاشَفَ الو الهين بقوله: ﴿هُوَ﴾ والموحِّدين بقوله: ﴿اللَّهُ﴾ والعارفين بقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ والعلماء بقوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ والعقلاء بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وقيل: خاطب خاصَّ الخاص بقوله: ﴿هُوَ﴾ ثم خاطبَ الخواصَّ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾، ثم زاد في البيان لمن نزل عنهم (^٣) فقال: ﴿أَحَدٌ﴾ ثم لمن نزل عنهم بـ ﴿الصَّمَدُ﴾، كذلك لمن دونهم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وردت".
(٢) في (ر): "إذا قيل: مَن هو؟ فجوابه: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإذا قيل: مَن اللَّهُ الأحد؟ فجوابه: ﴿الصَّمَدُ﴾ وإذا قيل: من الصمد؟ فجوابه: الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وإذا قيل: مَن الذي لم يلد ولم يولد فقل: الذي ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ". والمثبت موافق لما في "لطائف الإشارات" (٣/ ٧٨٣).
(٣) في (ر): "عليهم".
[ ١٥ / ٥٤٠ ]
وقال: ولمَّا بسطوا لسان الذم (^١) في اللَّه تعالى أمر نبيَّه بالردِّ عليهم، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ذُبَّ عني ما قالوا لي فإنك أولى بذلك، ولما بسطوا لسان الذم في نبيِّه -ﷺ- تولَّى الحق ﷾ الردَّ عليهم فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ وقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فأنا أذب عنك فأنا أولى بذلك منك (^٢).
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) في (ر): "لما بسطوا ألسنتهم بالذم".
(٢) في (أ): "فأنا أولى بذلك" وفي (ر) و(ف): "فإني أنا أولى بك". والمثبت من "اللطائف". انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٧٨٣).
[ ١٥ / ٥٤١ ]