بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلق الإنسان من نطفة أمشاجٍ يبتليه، الرحمن الذي وعد المؤمنين بملكٍ كبير يعطيه، الرحيمِ الذي بشَّره بشراب طهور يسقيه.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النَّبيّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سُورةَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ كانَ جزاؤُه على اللَّه جنَّةً وحريرًا" (^٢).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي إحدى وثلاثون آية، ومئتان وثلاثة وأربعون كلمة، وألفٌ وثلاثُ مئة وخمسون حرفًا.
وانتظام آخر تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنَّهما في ذكر خلق الإنسان وأصله وحكمته.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما جميعًا في ذكر البدء والإعادة، ومصير أهل الشَّقاوة والسَّعادة.
_________________
(١) في (ر): "سورة هل أتى على الإنسان".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٩٨)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ١٢٩ ]
(١) - ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾: قال الفرَّاءُ: هو استفهام على وجه التَّقرير، بمعنى: قد أتى، كقولك لآخر: هل وعظْتُك؟ هل أعنْتُك (^١)؟
وكذا قال الكسائيُّ والأخفش (^٢).
ويدلُّ عليه قول أبي بكر الصِّدِّيق ﵁: ليتَها كانت تمَّتْ فلم نُبْتَلَ (^٣).
واختُلف في هذا الإنسان، وفي الإنسان المذكور في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الإنسان: ٢]:
قال أكثرهم: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾: هو آدم ﵇، أتى عليه زمان من الدَّهر لم يكن شيئًا مذكورًا يُذكَر؛ لأنَّه كان طينًا مخلوقًا، يمرُّ به الزَّمان وهو لا يُعرَف ولا يُذكَر، ثم نُفِخَ فيه الرُّوح، فقد كان شيئًا موجودًا ولم يكن مذكورًا، ولو كان غيره موجودًا لم يُوصَف بأنَّه قد أتى عليه حين من الدَّهر.
والحينُ: أربعون سنة في هذه الآية، وقيل: أكثر من ذلك.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾؛ يعني: آدم ﵇
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢١٣).
(٢) ذكره عنهما الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٦).
(٣) ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٧٩)، والواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٧)، والقرطبي في "تفسيره" (٢١/ ٤٤٦) وقال: (أي: ليت المدة التي أتت على آدم لم تكن شيئا مذكورًا تمت على ذلك، فلا يَلد ولا يُبتلى أولاده). وروي نحو ذلك عن عمر ﵁، رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢٣٥)، والطبري في "تفسيره" (١/ ٤٩٥). وكذا عن ابن مسعود ﵁، رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٥٥٦).
[ ١٥ / ١٣٠ ]
﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في السَّماء ولا في الأرض، وذلك أن آدم كان من طين أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، ثم من حمأ مسنونٍ أربعين سنة، فتمَّ خلقُه بعدَ مئة وعشرين سنة (^١).
وعن ابن مسعودٍ أنَّ آدمَ خُلِقَ من ترابٍ، فأقام أربعين سنة، ثم من طين أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، فتمَّ خلقُه بعد مئة وستِّين سنة (^٢).
وقال مقاتل ﵀: هو آدم، و﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ هو ما كان قبل وجود آدم من الزَّمان؛ لأنَّه آخِرُ ما خلق اللَّه تعالى من أهل الأرض من أصناف الخليقة (^٣).
و﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ على هذا معناه: لم يكن هو شيئًا؛ لأنَّه لم يكن موجودًا، وإنَّما قيل: أتى عليه حينٌ، وهو غير موجود، على مجازِ قولك للرَّجل: قد كان وقتٌ لم تكن أنت شيئًا، فيكون قولك: (أنت) إشارة إلى الحاضر للتَّعريف له، ويكون المعنى أنَّ هذا الشَّخص الذي هو الآن موجود قد كان وقتًا غيرَ موجود، وكذا قوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ إشارة إلى آدم؛ أي: هذا الموجود كان قبل ذلك في زمان كثير غير موجود.
ولا يُستَنكَر هذا المجاز؛ فإنَّ القول الأوَّل فيه المجاز أيضًا؛ لأنَّه كان طينًا، ثم أخبر اللَّه تعالى أنَّه أتى عليه حين من الدَّهر، فإذا جاز أن يُقال: أتى على الإنسان حين من الدَّهر وهو حينئذ ليس بإنسان، مجازًا، جازَ أن يُقال: أتى عليه الدَّهر وهو حينئذ ليس بشيء مجازًا.
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ١٦٢)، والواحدي في "البسيط" (٨/ ٢٣).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٢٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٢٩)، عن قتادة بلفظ: (كان آدم آخر ما خلق من الخلق).
[ ١٥ / ١٣١ ]
وعلى القول الثَّاني: يقع الاسم على آدم وعلى أولاده أيضًا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: معناه: ما أتى على الإنسان حين من الدَّهر لم يكن شيئًا مذكورًا، بل كان (^١) مذكورًا لي، كأنَّه يقول: هل غفلْتُ ساعة من حفظِك؟ هل خلَّيتُكَ قَطُّ ونفسَك؟ هل أخليْتُكَ لحظةً من رعاية جديدة، وحماية مزيدة (^٢)؟
* * *
(٢) - ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾: هذا على ولد آدم.
وقيل: الأوَّل هو على ولد آدم أيضًا، وهما واحد، ومعناه: قد أتى على ولد آدم حين من الدَّهر من حين يقع ماء الرَّجل في رحم المرأة؛ أي: إلى أن يُنفَخ فيه الرُّوح، وإلى أن يُولَد لم يكن مذكورًا للنَّاس.
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: هذا الإنسان ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ تخرج من بين الصُّلب والتَّرائب.
﴿أَمْشَاجٍ﴾: نعت النُّطفة. وهي جمع مَشِيْجٍ، ومعناه: الأخلاط، والمَشَجُ بالفتح: الخَلْط، وهو مصدر، وبالكسر (^٣): الخِلْط، وهو اسم.
ومعنى وصفها بالأخلاط: أنَّها مجموعُ طبائعَ أربعٍ، وهي: الحرارة والبرودة واليبوسة والرُّطوبة.
_________________
(١) "شيئًا مذكورًا بل كان" ليس في (أ) و(ف).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٦٦٠).
(٣) أي: بكسر الميم وسكون الشين، ويجوز بفتح الميم وكسر الشين، مثل كتف بلغتيه، قاله في "القاموس" (مادة: مشج).
[ ١٥ / ١٣٢ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄ والحسن والرَّبيع بن أنس ومجاهد: هو اختلاط ماء الرَّجل وماء المرأة (^١).
وقال قتادة: الأمشاج: هي الأطوار؛ يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم يَتمُّ إنسانًا (^٢).
وقال مجاهد: هو ألوان النُّطفة؛ نطفة الرَّجل بيضاء، ونطفة المرأة صفراء (^٣).
وقيل: النُّطفة من عروق مختلفة.
وقوله تعالى: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾؛ أي: لنبتليَه ونتعبَّده، لا لنهملَه ونعطله، كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢].
﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾: أي يسمع الأصوات ويرى الذَّوات، فيستدلُّ بالمخلوقات على الخالق.
وقيل: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أي: مميِّزًا عاقلًا، ممكَّنًا من قَبول الابتلاء.
وقيل في قوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِر﴾ [مريم: ٤٢]: هو نفي التَّمييز والعقل.
قال الفرَّاء: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، معناه: فجعلناه سميعًا بصيرًا نبتليه؛ أي: لنبتليه (^٤).
وقيل: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾: تعدادٌ لنعمة السمع والبصر، واستبداءٌ لشكرهما.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٣٢) عن ابن عباس ﵄ وعكرمة والربيع بن أنس والحسن ومجاهد.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٢١)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٣٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٣٥).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢١٤).
[ ١٥ / ١٣٣ ]
(٣) - ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾: أي: بيَّنا له الطَّريقة التي يلزمُه سلوكُها، والطَّريقة التي يجب عليه العدول عنها، كما قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
ووحَّد ﴿السَّبِيلَ﴾ هاهنا لأنَّه جنس، فيصلح اسمًا لهما، ولذلك قال بعده: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾: إمَّا سالكًا طريقة أهل الهدى، وإمَّا سالكًا طريقة أهل الضَّلال.
وقيل: أراد بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ هو سبيل الرَّشاد، وهو المستحِقُّ لهذا الاسم، وببيانه يتبيَّن الطَّريق الذي لا ينبغي سلوكه.
﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾: أي: إمَّا مؤمنًا سعيدًا، وإمَّا كافرًا شقيًّا (^١).
وقال الفرَّاء: هو على سبيل الجزاء (^٢)؛ أي: إن شكر أو كفر فقد عرَّفناه عاقبة ذلك (^٣).
وقال الأخفشُ: إنَّا هديناه السَّبيل شاكرًا أو كفورًا، نصب على الحال، ومعناه: هديناه السَّبيل في الحالين (^٤).
وقال الكسائيُّ: كان شاكرًا أو كفورًا (^٥).
_________________
(١) "أي: إما مؤمنًا سعيدًا وإما كافرًا شقيًا" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ر): "الخبر".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢١٤).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٥٩).
(٥) أي: أنه انتصب قولُه: ﴿شَاكِرًا﴾ و﴿كَفُورًا﴾ بإضمارِ: كان، والتقديرُ: سواءٌ كان شاكرًا أو كان كفورًا. انظر: "تفسير الرازي" (٣٠/ ٧٤٢).
[ ١٥ / ١٣٤ ]
وقيل: ليكون إمَّا شاكرًا وإما كفورا (^١)؛ أي: ليَظهر شكرُه مِن كفرِه؛ كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقيل: هو على التَّهديد، وتقديره: إنَّا هديناه السَّبيل؛ فإنْ شاء فليكفُرْ، وإنْ شاء فليشْكُرْ؛ فإنَّا أعتدنا للكفَّار كذا، وللأبرار كذا، وطريقُه طريقُ قوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآية [الكهف: ٢٩].
* * *
(٤ - ٥) - ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾: أي: في جهنَّم يُوثَقون بها.
﴿وَأَغْلَالًا﴾: تُشَدُّ بها أيديهم إلى أعناقهم.
﴿وَسَعِيرًا﴾: أي: نارًا مُوقَدة عليهم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم: ﴿سلاسل﴾ بغير تنوين، والباقون ﴿سلاسلًا﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾: لَمَّا خلق اللَّه تعالى الخَلْقَ للابتلاء ظهرَ منهم الكفَّار فذكر وعيدَهم، والأبرار فذكر مواعيدهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: جمع بَرٍّ.
قال ابن عبَّاس ﵄: يعني: الصَّادقين في الإيمان (^٣).
_________________
(١) في (ف): "وقيل ليكون معناه إما شاكرًا" وسقطت العبارة من (أ) و(ر)، والمثبت من المصدر السابق.
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٧).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩٥) بلا نسبة. وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٥٠٤).
[ ١٥ / ١٣٥ ]
وقال الحسنُ ﵀: البَرُّ الذي لا يؤذي الذَّرَّ، ولا يضمِرُ الشَّرَّ (^١).
وقال الثَّوري ﵀: هم الذين برُّوا آباءهم وأولادهم (^٢).
وقال مقاتل ﵀: هم الذين يطيعون اللَّه بالتَّوحيد (^٣).
وقال شهر بن حوشب ﵀: هم الذين برُّوا النَّاس وأشفقوا عليهم.
وقال مجاهد ﵀: هم الذين صَدَقوا اللَّهَ في السِّرِّ والعلانية.
وقال عبد الواحد بن زيد: هم الذين برُّوا أنفسهم بترك المعاصي.
وقال الورَّاق: الأبرار: الذين لا يخالفون معبودهم في أقضيته عليهم.
وقال بعض أهل المعرفة: الأبرار: الذين سمَتْ همَّتهم عن المستحقَرات، وظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة، فأنفوا من (^٤) مساكنة الدُّنيا.
وقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾: قال الزَّجَّاج: لا تُسمَّى كأسًا إلا إذا كان فيها شراب (^٥)؛ أي: إنَّ أهل الطَّاعة يدخلون الجنَّة، ويُنعَّمون فيها بأنواع النِّعم، منها
_________________
(١) ورد بتمامه لكن بلا نسبة في "لطائف الإشارات" (٣/ ٦٦١). وروى القطعة الأولى منه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٠٦).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ١٢٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٨١). وروي نحوه مرفوعًا، رواه الطرسوسي في "مسند عبد اللَّه بن عمر" (١٦)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٨)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٥/ ٥٢٠) من حديث ابن عمر ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: "إنما سمَّاهم اللَّه الأبرار لأنهم برُّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقًّا كذلك لولدك عليك حق". وضعفه ابن عدي بعبيد اللَّه بن الوليد الوصافي وقال: (وهو ضعيف جدًّا يتبين ضعفه على حديثه).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٢٤)، وفيه: (﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ يعني: الشاكرين المطيعين للَّه تعالى يعني: أبا بكر، وعمر. . .).
(٤) في (أ): "فاتقوا عن".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٠٣).
[ ١٥ / ١٣٦ ]
أنَّهم يُسقَون من كأس ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾؛ أي: مزاج ما فيها من الشَّراب كافورٌ.
قيل: أي: له رائحة تُستلذُّ وتستطاب رائحته، ويُشمُّ منه ريحُ الكافور من غير أن يكون فيه كافور؛ يعني: أنَّ له طعمًا ككافور الدُّنيا.
وقيل: بل يمزج بالكافور نفسه، وكافورُ الجنَّة لا يغيِّر الشَّراب، كما أنَّ خمر الجنَّة لا يُسْكِر.
و(كان) زائدة في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾.
وقيل: أي: كان في علم اللَّه أنَّ مزاجه لأهل الجنَّة يكون كافورًا.
* * *
(٦) - ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾: أي: هذا الشَّراب من عينٍ في الجنَّة يشربُ بها عبادُ اللَّه.
قيل: أي: يشربها، والباء زائدة، كقولهم: تكلَّم كلامًا حسنًا، وبكلامٍ حسنٍ.
وأنشد الفرَّاء وغيره لعنترة:
شربْتُ بماء الدُّحْرُضَيْنِ فأصبَحَتْ زوراءَ تَنْفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيْلَمِ (^١)
وقيل: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؛ أي: يُروَى بها.
_________________
(١) وهو من معلقته. انظر: "ديوان عنترة" (ص: ٢٠١). الدحرضان: ماءان يقال لأحدهما دحرض، وللآخر وسيع، فلما جمعهما غلب أحد الاسمين. والزَّوَر: الميل، والفعل: زَوِرَ يَزْوَرُّ، والنعت: أزور، والأنثى: زوراء. مياه الديلم: مياه معروفة، وقيل: العرب تسمي الأعداء ديلمًا؛ لأن الديلم صنف من أعدائها. يقول: شربت هذه الناقة من مياه هذا الموضع، فأصبحت مائلة نافرة عن مياه الأعداء. انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: ٣٢٤)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص: ٢٥٣).
[ ١٥ / ١٣٧ ]
وقال القتبيُّ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؛ أي: منها (^١).
﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾؛ أي: المؤمنون القائمون بشروط العبادة والعبوديَّة.
﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾: أي: يُسِيلونها.
وقال مجاهد: يقودونها حيث شاؤوا (^٢).
* * *
(٧) - ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾.
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾: صفة الأبرار، وقيل: صفة عباد اللَّه، وتقديره: الذين يوفون بعهد اللَّه.
وقال الفرَّاء: كانوا يوفون بالنَّذر في الدُّنيا (^٣).
وهو شامل لكلِّ ما التزمه (^٤) العبدُ بأيمانه وبعقوده (^٥) على نفسه في أيمانه، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ١٤٠]، وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهي تتناول الفرائض والعهود والنُّذور، وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].
وقيل: هي مناسك الحج.
﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾: أي: كان في حكم اللَّه أنَّ شرَّه يكون منتشرًا؛ أي: شدائده، وسمَّاها شرًّا لكراهتها على الأنفس، مع أنَّها كلَّها حكمة وصوابٌ،
_________________
(١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٠١). وعلى هذا القول حمل ابن الأنباري في "شرح القصائد السبع" بيت عنترة. انظر التعليق السابق.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٤٠).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢١٦).
(٤) في (أ): "أُلزِمه".
(٥) في (أ): "ولعقوده".
[ ١٥ / ١٣٨ ]
وهو معاملة اللَّه تعالى عبادَه، وانتشاره: ظهوره في حقِّ الكلِّ، وطيران الطَّائر: انتشارُه.
وقيل: ﴿مُسْتَطِيرًا﴾: في حقِّ العصاة والفجَّار، فأمَّا الأبرار فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
* * *
(٨) - ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾: يجوز أن يكون الإطعام عبارةً عن وجوه المواساة بأيِّ شيءٍ كان، والتَّخصيصُ به لِمَا أنَّه أعظم وجوهها، كإنفاق المال في أيِّ وجهٍ كان يُسمَّى أكلَ الطَّعام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]؛ لِمَا أنَّه أعظم وجوه الانتفاع بالمال.
قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾: قيل: على حبِّ الطَّعام.
وقيل: على حبِّ الإطعام.
وقيل: على حبِّ اللَّه وتعظيم أمر اللَّه به.
﴿مِسْكِينًا﴾: عاجزًا عن الاكتساب لزمانةٍ به قد أسكنته عنه.
﴿وَيَتِيمًا﴾: صغيرًا مات أبوه محتاجًا.
﴿وَأَسِيرًا﴾؛ أي: مأسورًا.
وقيل: مملوكًا؛ قال السُّدِّيُّ: الأسير عندهم: المملوك، ما كان يومئذ أسيرٌ (^١).
_________________
(١) ذكره عنه الرازي في "تفسيره" (٣٠/ ٧٤٨). وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ١٦٦) عن عكرمة. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا، وفيه عباد بن أحمد العرزمي عن عمه وهما متروكان.
[ ١٥ / ١٣٩ ]
وقيل: هو الأسير من المشركين (^١)، يُؤخَذ مثهم طعامه فيكون في بيت مال المسلمين وفي صدقات المسلمين.
وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير: هو المحبوس من أهل القِبلة (^٢).
والاسم يتناول كلَّ ذلك؛ لأنَّ الأسر هو الشَّدُّ والإيثاق.
* * *
(٩) - ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
قوله تعالى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾؛ أي: يقولون ذلك.
وقيل: هو قول باللِّسان.
وقيل: هو قول بالنَّفس؛ أي: يقولون في أنفسهم.
قال سعيد بن جبير: أمَا واللَّه ما قالوه بألسنتهم، لكنَّ اللَّه علم ما في قلوبهم فأثنى به عليهم (^٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾؛ أي: للتَّوجُّه إلى اللَّه تعالى والتَّقرُّب به إليه.
﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾: بالمال ولا بالنَّفس ﴿وَلَا شُكُورًا﴾: باللِّسان.
قال ابن عبَّاس: لا نريد منكم هديَّة ولا ثناء (^٤).
_________________
(١) روى أبو عبيد في "غريب الحديث" (٤/ ٣٥٠)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٩١٥٧) عن ابن جريج قال: لم يكن الأسير على عهد رسول اللَّه -ﷺ- إلا من المشركين. قال أبو عبيد: فأرى أن اللَّه ﷿ قد أثنى على من أحسن إلى أسير المشركين.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٤٤) عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء. وروى عن الحسن وعكرمة: أن المراد به أسرى المشركين.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٤٦).
(٤) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٩٥).
[ ١٥ / ١٤٠ ]
ومَن حمله على القول باللِّسان قال: إنما قالوا ذلك لمن أطعموه ليُفْرِغوا قلبَه عن توهُّمِه أنَّهم يريدون منه ذلك.
* * *
(١٠) - ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾: أي: نخاف يوم القيامة أن يعاقبَنا اللَّه فيه.
﴿عَبُوسًا﴾؛ أي: شديدًا هائلًا تَعبِسُ فيه وجوه الكفَّار، وهو كقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: تعصِفُ فيه الرِّيح.
وقيل: هو مجاز؛ لأنَّ السُّلطان إذا عبَسَ خِيْفَ، فيكون اليوم العَبوس هو اليوم المَخُوف.
﴿قَمْطَرِيرًا﴾؛ أي: شديدًا، ويُقال: وجهٌ قمطريرٌ؛ أي: منقبِضٌ من العُبُوس.
وقال الأخفشُ: هو أشدُّ ما يكون من الأيَّام، وأطولُه في البلاء (^١).
وقال نفطويه: ﴿عَبُوسًا﴾؛ أي: كريهًا، و﴿قَمْطَرِيرًا﴾؛ أي: منقبضًا لا فسحة فيه ولا انبساط.
وقال الخليل: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾؛ أي: شديدًا فاشيَ الشَّرِّ (^٢).
واختلف النَّاس فيمَن نزلَتْ فيهم الآية، فأجراها أكثرهم على العموم في كلِّ بَرِّ موصوف بهذه الصِّفات الثَّلاث: ﴿يُوفُونَ﴾، ﴿وَيُطْعِمُونَ﴾، ﴿وَيَخَافُونَ﴾.
وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في رجل من الأنصارِ، أطعم في يومٍ واحد مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا (^٣).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩٧).
(٢) انظر: "العين" للخليل (٥/ ٢٥٨).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٢٥)، وسمى الأنصاري: أبا الدحداح. وانظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٩٨).
[ ١٥ / ١٤١ ]
وروى مجاهد عن ابن عبَّاس: أنَّها نزلَتْ في عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ وجارية لهم يقال لها: فضَّة.
قال ابن عبَّاس ﵄: مرضَ الحسنُ والحسينُ، فعادَهما رسولُ -ﷺ- وعادَهُما عامَّةُ العربِ، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرْتَ على ولديك نذرًا، فقال عليٌّ ﵁: إنْ بَرِئا صمْتُ للَّهِ تعالى ثلاثةَ أيَّامٍ شكرًا، وقالت فاطمة ﵂ كذلك، وقالت جاريةٌ لهم نويبَّة يُقال لها: فضَّة كذلك.
فعافاهما اللَّه تعالى، وليس عندَ آل محمَّدٍ قليلٌ ولا كثيرٌ، فانطلقَ عليٌّ ﵁ إلى شمعون اليهوديِّ الخيبري، فاستقرضَ منه ثلاثةَ أصوُعٍ من شعيرٍ، فجاء به فوضعَه في ناحية البيت، فقامت فاطمة ﵂ إلى صاعٍ منها فطحنته واختبزَتْه، وصلَّى عليٌّ ﵁ مع النَّبيِّ -ﷺ-، ثمَّ أتى المنزلَ، فوُضِع الطَّعام بين يديه، فأتى مسكينٌ فوقف بالباب، فقال: السَّلام عليكم يا أهل بيت محمَّد، مسكين من أولاد المسلمين، أطعموني أطعمَكُم اللَّهُ على موائد الجنَّة.
فسمعه عليٌّ ﵁ فأنشأ يقول:
فاطمُ ذاتِ الخيرِ واليقين يا بنتَ خيرِ النَّاسِ أجمعينْ
أَمَا تَرَيْنَ ذا البائِسَ المسكينْ قد قامَ بالبابِ له حنينْ
يشكو إلى اللَّهِ ويستكينْ يشكو إلينا جائِعٌ حزينْ
كلُّ امرئٍ بكسبِهِ رَهِيْنْ
فأنشأَتْ فاطمةُ تقول:
أمرُكَ سَمْعٌ لي نِعْمَ وطاعَةْ ما بيَ مِنْ لومٍ ولا وَضاعَةْ
[ ١٥ / ١٤٢ ]
أطعِمُهُ ولا أبالي السَّاعَةْ أرجو لَئِنْ أُشبعُ مِن مجاعةْ
أنْ ألحقَ الأخيارَ والجماعةْ وأدخلَ الجنَّةَ في شفاعةْ
قال: فأعطَوه الطَّعام، ومكثوا يومَهم وليلَتهم لم يذوقوا إلَّا الماء.
فلَمَّا كان اليومُ الثَّاني قامَتْ فاطمةُ ﵂ إلى صاعٍ، فطحنَتْه واختبزَتْه،
وصلَّى عليٌّ ﵁ مع النَّبيِّ -ﷺ-، ثمَّ أتى المنزلَ، فوُضِعَ الطَّعام بين يديه، فأتاهم يتيمٌ وقال: السَّلام عليكم أهلَ بيت الرَّحمة، يتيمٌ مِن أولاد المهاجرين، استُشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمَكُم اللَّه. فسمعَه عليٌّ ﵁ فأنشأ يقول:
فاطمَ بنتَ السَّيِّد الكريمْ بنتَ نبيِّ اللَّهِ ليس بالذَّميمْ
قد جاءنا اللَّه بذا اليتيمْ مَن يرحم اليومَ فهو رحيمْ
قد حرَّم الخُلْد على اللَّئيمْ يزلُّ في النَّار إلى الجحيمْ
شرابُه الصَّديد والحميمْ
فقالت فاطمة ﵂:
أطعمُه الآنَ ولا أبالي وأوثِرُ اللَّهَ على عيالي
أمسَوا جياعًا وهم أشبالي يكفيني الرَّحمن ذو الجلال
قال: فأطعموه الطَّعام، فمكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلَّا الماء.
فلمَّا كان في اليوم الثَّالث قامَتْ فاطمةُ ﵂ إلى الصَّاع الثَّالث، فطحنته واختبزَتْه، وصلَّى عليٌّ ﵁ مع النَّبيِّ -ﷺ-، ثم أتى المنزل، فوُضِعَ الطَّعام بين يدَيْه، فأتاهم أسيرٌ فوقف بالباب وقال: السَّلام عليكم يا أهل بيت النُّبوَّة، تأسروننا وتشدُّوننا ولا تطعموننا! أطعموني أطعمكم اللَّه. فأنشأ عليٌّ يقول:
[ ١٥ / ١٤٣ ]
فاطمُ يا بنْتَ النَّبيِّ الأحمدْ بنتَ نبيٍّ سيِّدٍ مسوَّدْ
هذا أسيرٌ للنَّبيِّ المهتدْ مثقَّلٌ في غِلِّهِ مُقيَّدْ
يشكو إلينا الجوعَ قد تمدَّدْ مَنْ يُطْعِمُ اليومَ يجدْهُ في غَدْ
عندَ العليِّ الواحِدِ الموحَّدْ ما يزرعُ الزَّارعُ سوفَ يحصُدْ
فقالت فاطمةُ ﵂:
لم يبقَ ممَّا جئْتَ غيرُ صاعِ قد دَمِيَتْ كفِّي مع الذِّراعِ
ابنايَ واللَّهِ مِنَ الجياعِ يا ربِّ لا تتركْهُما ضياعِ
أبوهما في المكرمات ساعِ يصطنِعُ المعروفَ بانتزاعِ
عَبْلُ الذِّراعَيْنِ شديدُ الباعِ
قال: فأعطَوه الطَّعام، ومكثوا ثلاثة أيَّام ولياليها لم يذوقوا إلَّا الماء، فلمَّا كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرَهم، أخذَ عليٌّ ﵁ الحسنَ بيمينه والحسينَ بيساره رضوان اللَّه عليهم، وأقبلَ نحو رسول اللَّه -ﷺ- وهم يرتعشون كالفِراخِ مِن شدَّة الجوعِ، فلمَّا بصرَ به النَّبيُّ -ﷺ- قال: "يا أبا الحسن، ما أشدَّ ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق إلى فاطمة".
فانطلقوا وهي في محرابها، فلمَّا بصر بها النَّبيُّ -ﷺ- قد لصقَ بطنُها بظهرها من شدَّة الجوع، وغارَتْ عيناها، فلمَّا رآها النَّبيُّ -ﷺ- قال: "واغوثاه باللَّه، إنَّ أهلَ بيت محمَّدٍ يموتون جوعًا".
فهبط جبريل ﵇ فقال: يا محمَّد خذ ما هنَّأكَ اللَّهُ في أهل بيتِكَ، فقرأ عليه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ إلى آخر السُّورة (^١).
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩٨ - ١٠٢). وهذا الحديث أفاض ابن تيمية في "منهاج السنة" =
[ ١٥ / ١٤٤ ]
وروى ابنُ جريج عن عطاء عن ابن عبَّاس ﵄ قال: أجَّر عليّ ﵁ نفسَه ليلةً يسقي الماء على شيء من الشَّعير معلوم، فلمَّا أصبح أتى به فاطمة ﵂، فحمَلَتْ ثُلُثَهُ، واتَّخذَتْ منه طعامًا يُقال له: الخزيرة (^١)، فلمَّا أدرك الطَّعامُ وأرادوا أكلَه أتاهم مسكينٌ فأعطوه الطَّعام، ثم حملت فاطمة ثُلُثًا آخر، فاتخذَتْ خزيرةً، فلَمَّا أدرك وأرادوا أكلَه أتاهم يتيمٌ فسألهم، فأعطوه الطَّعام، ثم حملت فاطمة الثُّلُث الآخر، فصنعَتْ طعامًا، فلمَّا أدرك وأرادوا أكله أتاهم أسيرٌ يشكو الجوع، فأعطوه، فأثنى اللَّه عليهم فأنزل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ إلى آخر السُّورة (^٢).
* * *
(١١ - ١٣) - ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾.
_________________
(١) = (٧/ ١٧٥ - ١٨٧) في بيان وجوه بطلانه. ونقل السيوطي في "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" (١/ ٣٤١) عن الحكيم الترمذي قال: هذا حديث مفتعل. وقال المناوي في "إتحاف السائل" (ص: ١٠٧): (هذا حديث كذب موضوع، فقد قال الحكيم الترمذي: هذا من الأحاديث التي تنكرها القلوب، وهو حديث مسروق مفتعل لا يروج إلا على أحمق جاهل غبي. وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" بزيادة على ذلك وقال: هذا لا يشك أحد في وضعه. وممن جزم بوضعه الذهبي، وزين الدين العراقي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم ممن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر، لا يحل لهم نسبة ذلك للمصطفى، ولا إلى فاطمة، ولا إلى علي، وحاشا بلاغتَهم من هذه الألفاظ الركيكة، والعبارات المنحطة الوضيعة، واللَّه ﷾ أعلم).
(٢) في (ر): "الحريرة". والصواب المثبت فإن الحريرة تصنع من اللبن، ففي البخاري قبل الحديث (٥٤٠١): قال النَّضْرُ: الخزيرةُ من النُّخَالة، والحريرةُ من اللَّبَنِ.
(٣) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٤٨)، و"الوسيط" (٤/ ٤٠١)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٤٣٢).
[ ١٥ / ١٤٥ ]
﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾: أي: حفظهم، ومنع عنهم شرَّ ذلك اليوم العبوس القمطرير.
﴿وَلَقَّاهُمْ﴾؛ أي: أعطاهم ﴿نَضْرَةً﴾؛ أي: نعمةً، وحسنَ لونٍ في الوجوه ﴿وَسُرُورًا﴾: في القلوب.
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾: على الطَّاعة، وعن المعصية. وقيل: على الفقر. وقيل: على الصوم. وقيل: على الجوع.
﴿جَنَّةً﴾: يتنزَّهون فيها ﴿وَحَرِيرًا﴾ يلبسونه.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾: نصب على الحال.
﴿فِيهَا﴾: أي: في الجنَّة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السَّرير في الحَجَلَة (^١).
﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا﴾: أي: في الجنَّة ﴿شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾؛ أي: أذى من حرٍّ ولا بردٍ، كما كانوا يتأذَّون بهما في الدُّنيا. والزَّمهريرُ: البرد الشَّديد.
وقيل: أي: لا يرون صيفًا (^٢) ولا شتاءً.
وقال ثعلب: ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾: ولا قمرًا، وهي في لغة طيِّئٍ، قال شاعرهم:
وليلةٍ ظلامُها قد اعْتكَرْ قطعْتُها والزَّمْهَرِيْرُ ما زَهَرْ
أي: والقمر ما طلع (^٣).
* * *
(١٤) - ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾.
_________________
(١) الحجلة: ساتر كالقبة يزين بالثياب والستور للعروس. انظر: "المعجم الوسيط" (مادة: حجل).
(٢) في (أ) و(ف): "قيظًا".
(٣) رواه عن ثعلب الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩٨).
[ ١٥ / ١٤٦ ]
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: أي: ظلال الشَّجر؛ أي: شجر الجنَّة قريبة منهم حتَّى صارت بمنزلة المَظَلَّة عليهم، وإنْ كان لا شمسٌ فيها لتظلَّهم منها.
﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾: أي: وسُهِّلَ لهم اجتناء ثمرها كيف شاؤوا؛ متَّكئين وقاعدين وقائمين.
وهذا من عجيب الاختصار؛ لأنَّ فيه نزول العنقود إلى الفم والإنسانُ قاعد (^١)، وارتفاعَه إليه وهو قائمٌ، وزوالَ امتناعه عليه في كلِّ حالٍ من أحواله ببُعدٍ أو مانعٍ مِن شوكٍ أو غيره.
والقُطُوف: جمع قِطْف، وهو العنقود.
وقال مجاهد: أرض الجنَّة فضَّة، وترابها مِسْكٌ، وأصول شجرها ذهب وفضَّة، وأفنانها الزَّبرجد والياقوت واللُّؤلؤ، والثَّمر تحت ذلك، فمَن أكل منها قائمًا لم يؤذِه، ومَن أكل منها قاعدًا لم يؤذِه، ومَن أكل منها متكأً لم يؤذِه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ (^٢).
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾: أي: وتدور الخدم عليهم ﴿بِآنِيَةٍ﴾: جمع إناء، كالأغطية جمع غطاء، ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ ممَّا يكون في الآخرة على ما اللَّهُ أعلمُ به مِن وصفها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "نائم".
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٦٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٣٩٥٤)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٢٠٧).
[ ١٥ / ١٤٧ ]
قال ابن عبَّاس ﵄: ليس في الجنَّة ممَّا في الدُّنيا (^١) إلَّا الأسماء (^٢).
ومن نفيسِ ما يَشرب فيه أهل الدُّنيا آنية الفضَّة، فرُغِّبوا في حسنها في الآخرة، وذكر الذَّهب في سورة أخرى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال ها هنا ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾؛ أي: وبأكوابٍ من فضَّة، وهو جمع كوب، وهو الكوز الذي لا عُروة له، وإنَّما مُيِّزَتْ بالذِّكْرِ لأنَّه ليس كلُّ إناءٍ كوبًا، كما قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ إذ ليس كلُّ المؤمنين مهاجرين.
﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالتَّنوين فيهما، وقرأ حمزة وابن عامر بغير التَّنوين ولا ألف (^٣) فيهما، وقرأ ابن كثير الأولى بتنوينٍ، والثَّانية بغير تنوين، وقرأ أبو عمرو فيهما بغير تنوين إلَّا أنَّه يقف على الأوَّل بألف (^٤).
والقوارير: جمع قارورة، والثَّانية بدل عن الأولى.
والقوارير من فضَّة معناها: أنَّ قواريرَ كلِّ أرض من تربتها، فعلى هذا قوارير الجنَّة من تربة الجنَّة، وهي فضَّة.
_________________
(١) في (ر): "الأرض".
(٢) رواه هناد بن السري في "الزهد" (٨)، والطبري في "تفسيره" (١/ ٤١٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٦٦).
(٣) في (ر) و(ف): "والألف". وجاء في "السبعة في القراءات": وقرأ حمزة وابن عامر بغير تنوين، ووقف حمزة بغير ألف فيهما.
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٧). لم يذكر رواية حفص، وهو لا ينون في الوصل، ويقف بالألف على الأولى، وعلى الثانية بغير ألف.
[ ١٥ / ١٤٨ ]
وقيل: هي في بياض الفضَّة وصفاء القوارير، وكان معناها (^١) كذلك كانت في علم اللَّه تعالى وسابق قضائه في نعيم أهل الجنَّة.
﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾: أي: هي مقدَّرة على مقدار ريِّ الشَّارب، لا يزيد ولا ينقص.
و(قدَّروا) فعلُ الطَّائفين، وصاروا مذكورين بذكر قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، والهاء والألف في ﴿قَدَّرُوهَا﴾ كنايةٌ عن الآنية والأكواب.
وقيل: أي: على مقدار ما يشتهون حتى يستوفَى على الكمال.
وقيل: أي: قدَّروا الآنية على قَدْر أكفِّهم، لا يزيد فيثقُلَ، ولا يُفْرِط في الصِّغر فيُستحقَر.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾.
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا﴾: أي: ويُسقَى الأبرار ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنَّة.
﴿كَأْسًا﴾؛ أي: خمرًا في إناء ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾: وذلك أنَّهم كانوا يستلذُّون من الشَّراب ما يُمزَج بالزَّنجبيل الطَّيِّبةِ رائحتُه.
قال المسيَّبُ بنُ عَلَسٍ يصف فم امرأة:
وكأنَّ طَعْمَ الزَّنجبيلِ بِهِ إنْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ (^٢)
ثم لزنجبيل الجنَّة من الفضل على زنجبيل الدُّنيا كفضل سائر ما في الجنَّة على ما في الدُّنيا.
وقيل: الزَّنجبيلُ: عينٌ يُمزَج بها شرابُ الأبرار.
_________________
(١) في (ر): "وكانت هاهنا"، وفي (ف): "وكانت معناها".
(٢) انظر: "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١/ ١٧٣)، وسلافة الخمر: أول ما يخرج من عصرها.
[ ١٥ / ١٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا﴾: قيل: هو بدل عن قوله: ﴿كَأْسًا﴾؛ لأنَّها هي الشَّراب بعينه.
وقيل: أي: من عين؛ أي: هي جارية لا تنقطع ليس كشراب الدُّنيا.
﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عرَّفها اللَّه بهذا الاسم الملائكة وأهل الجنَّة، وللَّه أنْ يسمِّي ما شاء بما شاء، وأكثرُ أهل اللُّغة أنَّ العرب ما كانت تعرفُه ولا اشتقاقَه.
وقال أبو عبيدة: ماءٌ سلسبيلٌ؛ أي: عَذْبٌ طَيِّب.
وقال مجاهد: هي عينٌ سَلِسَةُ السَّبيل؛ أي: ليِّنةٌ منقادةٌ حديدةُ الجِرْية (^١).
* * *
(١٩) - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾.
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾؛ أي: يخدمُهم وُصَفاء ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: قال قتادة ﵀: لا يموتون (^٢).
وقال الحسن ﵀: يبقون على هيئة الوُصَفاء لا يشيبون (^٣).
وقيل: مُسَوَّرون، على لغة حِمْير.
وقال الفرَّاء ﵀: مقرَّطرون (^٤).
وقال ابن الأعرابيِّ: مُحَلَّون (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٦٢) بلفظ: (﴿سَلْسَبِيلًا﴾: حديدة الجرية)، وفي رواية: (﴿سَلْسَبِيلًا﴾: سلسة الجرية). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٣٣) بلفظ: (﴿سَلْسَبِيلًا﴾: شديدة الجرية).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٣٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٦٤).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٥٠). وذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٥٢٨)، والفراء في "معاني القرآن" (٣/ ١٢٢)، وأبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٤٩).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٢٣).
(٥) ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" (٧/ ١٢٥) (مادة: خلد) عن ابن الأعرابي في قوله: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ =
[ ١٥ / ١٥٠ ]
وقال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ عبد اللَّه بن عمرو كان يقول: ما من أهل الجنَّة من إنسان إلَّا ويسعى عليه ألف غلام، كلُّ غلامٍ على عملٍ غيرِ ما عليه صاحبه (^١).
﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾: أي: ظننتهم في حُسنهم وصفاء ألوانهم لؤلؤًا منثورًا؛ أي: مبدَّدًا مصبوبًا، ويكون ذلك دليل كثرتهم أيضًا، ودليل اجتماعهم وتفرُّقهم كاللُّؤلؤ إذا نثر.
وقال الثُّوريُّ: وأحسن ما يكون اللُّؤلؤ إذا نثر (^٢).
وقال في صفة الحور العين: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، والبيض يُتناول دون اللُّؤلؤ، فدلَّ أن الغلمان في الجنَّة ليسوا للتَّناول.
* * *
(٢٠) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾: أي: وراء هذا الفضل نعيمٌ كثيرٌ لا يوصَفُ كثرته وجلاله.
و﴿ثَمَّ﴾: هنالك، وقيل: أي: ما هنالك.
﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾: قال الحسن ﵀: هو أن يأتي الرَّسولُ من عند اللَّه بالهدية والكرامة، فلا يدخل على وليِّ اللَّه تعالى حتى يستأذِنَ، فيُؤذَن له، فيدخل عليه بثلاثة أشياء:
أحدها: أن يقول له: إنَّ ربَّك يقرأ عليك السَّلام.
_________________
(١) = قال: مقرَّطون بالخَلَدة وهي القرطة.
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٥٨٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٤٤) و(٢٣/ ٥٦٦).
(٣) روى الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٦٦) عن سفيان في قوله تعالى: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ قال: في كثرة اللؤلؤ وبياض اللؤلؤ.
[ ١٥ / ١٥١ ]
والثَّاني: أن يأتيَه بالهدية من اللَّه تعالى.
والثَّالث: أن يقول له: إنَّ ربَّك راضٍ عنك.
فذلك قوله تعالى: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] (^١).
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾؛ يعني: لا يزولُ، ولا يُزال.
وقال الفضيل: أزليًّا أبديًّا.
وقال أبو بكر الورَّاق: هو مُلك لا يعقبه هُلك (^٢).
وقال التِّرمذيُّ (^٣): هو أنَّ ما شاء في الجنَّة كان في الحال من غير مهلة (^٤).
* * *
(٢١) - ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾.
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾: قرأ نافع وعاصم وحمزة في رواية: ﴿عَالِيْهِمْ﴾ بتسكين الياء -أي: لباسهم العالي- على الابتداء، وقرأ الباقون: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ بالنَّصب على الظَّرف (^٥)؛ أي: فوقهم.
_________________
(١) ذكر نحوه يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٨١٦).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٠٤).
(٣) في (ر): "الزهري"، والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الموافق لما في "تفسير الثعلبي": "محمد بن علي الترمذي" وهو الحكيم صاحب "نوادر الأصول".
(٤) ذكره التعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٠٤).
(٥) رواية حفص وشعبة عن عاصم بالفتح، أما الرواية التي ذكرها المصنف عن عاصم فهي في رواية أبان والمفضل، وهي خلاف المشهور عن عاصم. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٤). وانظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٨).
[ ١٥ / ١٥٢ ]
وقيل: أي: هو لباس الخدم.
وقيل: أي: عالي حجالهم لأرائكهم.
وقيل: هو لباس الأبرار.
والسُّندس: الدِّيباج الرَّقيق الفاخر الحسن.
والإستبرق: الدِّيباج الغليظ الذي له بريق.
أي: يتصرَّفون في فاخر اللِّباس ولذيذ الطَّعام والشَّراب.
﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ قرأهما نافع وحفص عن عاصم بالرَّفع، وقرأ حمزة والكسائيُّ كليهما بالخفض، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿خضرٍ﴾ بالخفض، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ بالرَّفع، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: ﴿خُضْرٌ﴾ بالرَّفع، ﴿وإستبرقٍ﴾ بالكسر (^١).
فمَن رفعهما فقد قال: ﴿خُضْرٌ﴾ نعت الثِّياب، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ عطف على ﴿خُضْرٌ﴾ (^٢).
ومَن خفضهما فقد قال: ﴿خضرٍ﴾ نعت لـ ﴿سُنْدُسٍ﴾، ﴿وإستبرقٍ﴾ عطف على ﴿سُندُسٍ﴾.
ومَن خفض ﴿خضرٍ﴾ فقد جعله نعتًا لـ ﴿سُندُسٍ﴾، ثم رفع ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ عطفًا على ﴿ثِيَابُ﴾.
ومَن رفع ﴿خُضْرٌ﴾ قد جعله نعتًا لـ ﴿ثِيَابُ﴾، ثم خفَضَ ﴿وإستبرقٍ﴾ عطفًا على ﴿سُندُسٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ قال سعيد بن المسيِّب: ليس من أهل الجنَّة
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٤ - ٦٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٨).
(٢) في (ف): "ثياب".
[ ١٥ / ١٥٣ ]
أحد إلا وفى يده ثلاثة أسورة: واحد من فضة، وآخر من ذهب، والثَّالث من اللُّؤلؤ، فذلك قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾: قيل: أي: ما يُسقون من عين الكافور وعين الزَّنجبيل شرابٌ طهورٌ؛ أي: نظيفٌ لا قذًى فيه ولا أذًى، ولا شيءَ ممَّا يخالط أشربة الدُّنيا.
وقيل: هو غير تلك الأشربة، وأضافه اللَّه إلى نفسه تشريفًا له وتخصيصًا، وهو بعد سائر الأطعمة والأشربة.
قال إبراهيم: طهَّرهم به من الغلِّ والغِشِّ (^٢).
وقال أبو قلابة: إذا أكلوا آلوا بالشَّراب الطَّهور، فيشربون فيطهِّرُهم اللَّهُ، فيصير ما أكلوا جشاءً وريحًا كريح مسكٍ يفيض من جلودهم (^٣).
وقال الحسن ﵀: طهَّرهم به من كلِّ أذًى وغلٍّ وغشٍّ وخيانة.
وقال مقاتل بن حيَّان: طهَّره من أن يتحوَّل أقذارًا كشراب الدُّنيا، بل يستمرُّ لونُه ويظهر منهم عرَق كريح المسك.
وقال يمان بن رئاب: طيَّبهم للجنَّة.
_________________
(١) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ١٨٤ و٣٦٠).
(٢) قاله مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٥٣٢)، وعنه الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٥٦). وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٠٢٧)، وهناد بن السري في "الزهد" (٦٠) عن إبراهيم التيمي، قال: بلغني أنه يقسَم للرجل من أهل الجنة شهوة مئة وأكلهم ونهمتهم، فإذا أكل سقي شرابًا طهورًا يخرج من جلده رشحًا كرشح المسك، ثم تعود شهوته.
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٧٧)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٣٦).
[ ١٥ / ١٥٤ ]
وقال محمد بن علي التِّرمذيُّ: طهَّر قلوبهم مما يخامرها في الدُّنيا من الشَّحناء والبغضاء والبخل (^١).
وقال الحسن بن علوية الدَّامغاني: سئل أبو زيد عن قوله: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾، قال: طهَّرهم به عن محبَّة غيره (^٢).
وقيل: إن الملائكة يعرضون عليهم الشَّراب فيأبون قَبوله منهم، ويقولون: لقد طال أخذُنا من الوسائط، فإذا هم بكاسات تلاقي أفواههم بغير أكفٍّ (^٣) من غيبٍ إلى عبدٍ.
وقال بعض أهل المعرفة: إنَّه شرابٌ ادَّخرَه اللَّهُ تعالى لأهل معرفتِه، فإذا شربوا طرِبوا، وإذا طرِبوا قاموا، وإذا قاموا هاموا، وإذا هاموا طاشوا، وإذا طاشوا عاشوا، وإذا عاشوا طاروا، وإذا طاروا طلبوا، وإذا طلبوا وجدوا، وإذا وجدوا نزلوا، وإذا نزلوا قربوا، وإذا قربوا كوشفوا، وإذا كوشفوا شاهدوا، وإذا شاهدوا عاينوا، وإذا عاينوا نسوا، وإذا نسوا (^٤) أبصروا.
* * *
(٢٢ - ٢٤) - ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾.
﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾: أي: على أعمالكم.
﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾: أي: مقبولًا مَرْضيًّا عندنا.
_________________
(١) في (أ): "والغل". وهي ليست في (ت).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٠٥).
(٣) في (أ): "إلف".
(٤) في (أ): "وإذا عاينوا أنسوا وإذا أنسوا".
[ ١٥ / ١٥٥ ]
هم (^١) قالوا للمسكين واليتيم والأسير: لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا، فيقول اللَّه تعالى لهم: إنْ لم تريدوا ذلك منهم فهما لكم منِّي (^٢): ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾: بما فيه من الوعيد والوعد.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: لِمَا حَكم به عليك ربُّك مِن تبليغ الرِّسالة واحتمال الأذيَّة.
وقيل: ما حكم به من فعل طاعة، وترك معصية، وتحمُّل بليَّة.
وقيل: فاصبر (^٣) لِمَا وعدَك اللَّه تعالى من الحُكْم على قومك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩]؛ أي: انتظره فإنَّه آتيك.
﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾: الإثمُ هو الرُّكون للمعاصي، والكفور: الجحود للنِّعمة، وهما صفة واحدة.
وقيل: أراد به أبا جهل لعنه اللَّه.
وقال الفرَّاء: تقديرُه: لا تطيعَنَّ منهم مَن أثم أو كفر، و﴿أو﴾ قريب المعنى من الواو، وهو كقولك: لأعطينَّكَ سألْتَ أو سكَتَّ؛ أي: على كلِّ حال (^٤).
وقيل: هما غيران، والآثمُ: المنافق، والكفورُ: مُظهِر الكفر.
وقال الكلبيُّ: الآثمُ: هو الوليد بن المغيرة، والكفور: هو عتبة بن ربيعة، وذلك أنَّهما قالا للنَّبيِّ -ﷺ-: إنْ كان إنَّما بك المال موَّلناك، وإن كان إنَّما بك أن تتزوَّج زوَّجناك (^٥).
_________________
(١) في (ر): "مرضيًا عند مولاهم".
(٢) في (ف): "عندي".
(٣) "فاصبر" ليس في (أ).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٢٠). وهذا وجه أجازه الفراء، وأجاز آخر سيأتي قريبًا.
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٥٨) عن الكلبي ومقاتل، وهو في "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
[ ١٥ / ١٥٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفُورًا﴾ معناه: ولا كفورًا.
قال الفرَّاء ﵀: (أو) في الجحد والاستفهام بمعنى: (لا)، قال الشَّاعر:
ولا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ ولا وَجْدُ عَجُولٍ أضلَّهَا رُبَعُ
أو وَجْدُ شيخٍ أَضَلَّ ناقتَهُ يومَ توافَى الحجيجُ فاندفَعوا (^١)
أي: ولا وجد شيخ (^٢).
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾؛ أي: في الصَّلاة له طرفي نهارك وفي غير الصَّلاة بالتَّسبيح ونحوه.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾: أي: وتهجَّد باللَّيل تذلُّلًا له.
﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾؛ أي: صَلِّ للَّهِ أكثرَ ليلِكَ، واجعلْ نومَك في الأقل منه.
وقيل: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: صلاة الفجر والظهر والعصر، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾: المغرب والعشاء، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾: نفل اللَّيل.
_________________
(١) نسب البيتان لمالك بن حريم، كما في "الأمالي" لأبي علي القالي (٢/ ١٢٤). ونسبا لمالك بن عمرو العاملي، كما في "أمثال العرب" للضبي (ص: ١٤٣)، و"الفاخر" للمفضل ابن سلمة (ص: ٤٦)، و"مجمع الأمثال" للميداني (١/ ١٢٧). وصدر الثاني فيها: "ولا كبير أضل ناقته"، ولا شاهد فيه. وورد البيت الأول منسوبًا لابن رعلاء الغساني. كما في "الإبل" للأصمعي (ص: ٦٥)، و"الكنز اللغوي" لابن السكيت (ص: ٧٩)، و"المذكر والمؤنث"، لأبي بكر الأنباري (٢/ ٥٩).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢١٩)، وهذا هو الوجه الثاني للفراء.
[ ١٥ / ١٥٧ ]
(٢٧) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾: أي: إنَّ هؤلاء المشركين المتمرِّدين على اللَّه تعالى بترك الانقياد لك وقَبولِ ما أنزل إليك، يميلون إلى هذه الدُّنيا المعجَّلة.
﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾: أي: أمامَهم، كما قال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]. قاله الأخفش (^١).
وقيل: ويذرون الآخرة وراءَهم؛ أي: خلفَهم وراء ظهورهم، فلا يعملون لها، ولا يسعَون فيما فيه نجاتُهم من عقابها.
﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: وهو يوم القيامة؛ لأنَّ شدائدها وأهوالها تثقُل على الكفَّار، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
وقيل: لأنَّ ما فيه من الحساب والعَرْض شاقٌّ ثقيلٌ مَخُوفٌ.
وهو ثقيل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]؛ أي: شاقًّا على البدنِ العملُ بما فيه.
* * *
(٢٨) - ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾؛ أي: هؤلاء ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: قال الفرَّاء ﵀: أي: خلْقَهم (^٢).
وقيل: أي: بعد النُّطفة والعلقة والمضغة والعظام والعصب والعروق.
وقال الأخفشُ: يقال للفرس: شديد الأسر؛ أي: شديد الخلق، وكلُّ شيء شددْتَه من قتب وغيره فهو مأسور.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٤٠٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٢٠).
[ ١٥ / ١٥٨ ]
وقال الخليل: الأسر: قوَّة المفاصل، وشَدَّ اللَّهُ تعالى أسرَه؛ أي: قوَّى خَلْقَه (^١).
وقال المبرِّد: الأسرُ: القوى كلُّها، وأصلُها عند العرب: السَّيْرُ الذي يُشَدُّ به القَتَبُ.
وقيل: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾؛ أي: أوثقنا عليهم الميثاق، ويُسمَّى الميثاق عقدًا (^٢)، والأسر قريب منه؛ لأنَّه الرَّبط، ومنه الأسير.
﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾: قيل: بدلنا أمثالهم في الخلق أضدادًا لهم.
وقيل: ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ﴾؛ أي: أهلكناهم، وخلقنا أمثالهم في الكفر والتَّمرُّد، ثم لا يزيد (^٣) ذلك ولا ينقص من ملكنا.
* * *
(٢٩ - ٣١) - ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾: أي: هذه السُّورة عظة وتذكير؛ أي: مَن فعَل فعلهم أُثِيْبَ ثوابهم.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أي: فمَن شاء أن يتَّخذ إلى طاعة ربِّه سبيلًا -أي: طريقًا- فهو ممكَّن لا مانع له منه (^٤)، ولا شبهةَ تَعْرِض له، مع هذا التَّذكير البليغ.
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي: وما تشاؤون اتِّخاذ السبيل إلى اللَّه تعالى إلَّا
_________________
(١) انظر: "العين" للخليل (٧/ ٢٩٣).
(٢) في (ر): "عهدًا".
(٣) في (أ) و(ف): "يضرنا".
(٤) في (أ): "فهو كمن لا مانع منه".
[ ١٥ / ١٥٩ ]
بمشيئة اللَّه، وإنَّما يشاء اللَّه ذلك ممَّن علم منه اختياره (^١).
وقيل: هو لعموم المشيئة في كلِّ شيءٍ؛ من الطَّاعة والمعصية، والإيمان والكفر، وهو حجَّة لنا على المعتزلة.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: عالمًا بمصالح عباده، وبما يكون منهم من اختيار كلِّ شيء، وعمل كلِّ شيء، ﴿حَكِيمًا﴾: مصيبًا في أفعاله وأقواله.
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: قيل: في جنَّته؛ لأنَّها برحمته تعالى تُنال.
وقيل: هي كلُّ نعمة يعطيها اللَّه تعالى المؤمنين في الآخرة.
وأشار إلى أنَّ أهل مشيئته لإدخالهم في جنَّته هم المؤمنون، فقد قال: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: الكافرين الواضعين العبادةَ في غير موضعِها، الظَّالمين أنفسَهم بإيرادها النَّار.
﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ نُصِبَ لوجهين:
أحدهما: أنَّه على إرادة اللَّام؛ أي: وللظَّالمين، وعرَّف ذلك بقوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾.
والثَّاني: أنَّهم خارجون عن الوصف، والعذاب واقعٌ بهم، فنُصِبوا على أنَّهم مفعولون؛ لأنَّهم معذَّبون (^٢).
* * *
_________________
(١) في (ف): "اختيار ذلك".
(٢) "لأنهم معذبون" ليس في (ف).
[ ١٥ / ١٦٠ ]