بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعل مصيرَ الدُّنيا وأهلِها إلى فناء ومَنون، الرَّحمنِ الذي لم يعاجِلْ بأخذه الذين لا يؤمنون، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين العاملين الصَّالحات بأجرٍ غيرِ ممنون.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورةَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ أعاذه اللَّهُ أن يعطيَه كتابَه وراءَ ظهرِه" (^٢).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ثلاث وعشرون آية، ومئة وسبع كلمات، وأربعُ مئة وستَّة وثلاثون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر السَّاعة وما فيها.
* * *
(١ - ٥) - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾.
_________________
(١) في (ر): "إذا السماء انشقت".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٥٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٥١)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٢٦٥ ]
قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾: أي: تصدَّعَتْ؛ قيل: لنزول الملائكة، وقيل: للسُّقوط والانتقاض.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾: قال ابن عبَّاس: أي: سمعَتْ وأطاعَتْ (^١). من الأُذُنِ السَّامعة. وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة (^٢).
أي: لا تمتنع ممَّا أرادَ اللَّهُ تعالى بها من ذلك، وهو كما قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
قوله تعالى: ﴿وَحُقَّتْ﴾: أي: وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع لأمر اللَّه تعالى؛ إذ هي مربوبةٌ مصنوعة للَّه تعالى، يُقال: فلان محقوقٌ بكذا، قال الشَّاعر:
لمحقوقةٌ أنْ تستجيبي لِوُدِّهِ وأنْ تعلَمِي أنَّ المُعانَ مُوفَّق (^٣)
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾؛ أي: بُسِطَتْ باندكاك جبالها وآكامها، حتى تصيرَ قاعًا صفصفًا.
وقيل: أي: زِيْدَ في سعَتِها لوقوف الخلائقِ عليها للحساب.
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾؛ أي: الكنوزَ والمعادن، وهذا عند قرب السَّاعة.
وقيل: ألقَتْ الأمواتَ، وهذا عند البعث.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾: فسَّرناه.
وقيل: جوابُ هذا كلِّه محذوف، ويجوز أن يكون ذلك: إذا كانت هذه الأشياء عَلِمَ المكذِّبون بالبعث ضلالهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٣١).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٣١).
(٣) البيت للأعشى. انظر: "ديوانه" (ص: ١٢٠)، وفيه: "لصوته" بدل "لوده".
[ ١٥ / ٢٦٦ ]
وقيل: فيها تقديم وتأخير، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. . . إلى آخرها.
وقيل: جوب ﴿إِذَا﴾: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾، واعترضَ بينهما كلامٌ.
وقال الزُّهريُّ: أخبرني علي بن الحسين أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "إذا كان يومُ القيامةِ مَدَّ اللَّهُ الأرضَ مَدَّ الأديم، حتَّى لا يكونُ لأحدٍ مِنَ البشرِ إلَّا موضِعَ قدمِهِ" (^١).
وقال مقاتل بن سليمان: إنَّ عبد اللَّه بن عبد الأسد بن هلال أبا سلمة المخزومي جادلَ أخاه الأسودَ في الإسلام، فأخبره بالبعث، فقال الأسود لأبي سلمة: أكثرْتَ عليَّ ويحَكَ، أتراني مصدِّقًا بأنَّا إذا متنا وكنَّا ترابًا وعظامًا أئنا لمبعوثون، هيهات هيهات لما توعدون.
فقال أبو سلمة: إي والذي خلقَكَ والجِبِلَّة الأوَّلين، ليكونَنَّ هذا، ولتركَبَنَّ الطَّبقة، ولتوافيَنَّ العقبةَ.
فقال الأسود: فأين السَّماء والأرض يومئذ؟ وما حال النَّاس؟
فأخبره اللَّه تعالى فقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ يعني: انفرجَتْ لنزول الملائكة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾؛ أي: السَّماء سمعَتْ وأطاعَتْ ﴿وَحُقَّتْ﴾: وحُقَّ لها ذلك، ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٥٤٦)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٩) و(٢٤/ ٢٣٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٣٤٣)، والحاكم في "المستدرك" (٨٧٠٣)، وهو مرسلٌ. ورواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ١١١)، والدارمي في "الرد على الجهمية" (١٨٣)، والحاكم في "المستدرك" (٨٧٠٢) عن علي بن الحسين أن رجلًا من أهل العلم أخبره، وذكر الحديث مرفوعًا. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٨/ ٤٠٠): "رجاله ثقات، وهو صحيح إن كان الرجل صحابيًّا". ورواه الحاكم في "المستدرك" (٨٧٠١) عن علي بن الحسين وسمى الرجل: جابر ﵁. وصححه.
[ ١٥ / ٢٦٧ ]
مُدَّتْ﴾؛ أي: سُوِّيَتْ كمدِّ الأديم كما كانت أوَّل مرَّة، ولا جبل عليها ولا بناء ولا شجر، واستوت ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ من الموتى ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ (^١).
* * *
(٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾: هو خطابٌ (^٢) للجنس.
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾: قال نفطويه: أي: كَادٌّ تَعِبٌ.
وقيل: أي: ساعٍ سعيًا شديدًا، وعاملٌ في دنياك عملًا تصير به ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ فيحاسبُك به، وهو معنى دخول: ﴿إِلَى﴾، وتقديره: عملًا عاقِبتُه الرُّجوعُ إلى اللَّه به، وهي (^٣) صلةُ السَّعي؛ أي: ساع إلى ربِّك بعملك.
﴿فَمُلَاقِيهِ﴾: أي: ملاقي كدحِكَ؛ أي: جزائه، أو ملاقي ربِّك، كما قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقد سبق ذكر كلِّ واحد منهما؛ أي: فانظر بأيِّ عمل تلقاه؛ أي: فالقَه بعملٍ ينجيك، لا بعمل يُرديك.
وقيل: لقاء الكدح هو لقاء الكتاب الذي فيه كَتْبُ ذلك، يدل عليه أنَّه قال بعده:
* * *
(٧ - ٩) - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: أي: كتاب أعماله.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾: وهو أن تُعرَض عليه أعماله، حسَنُها وسيِّئُها، فتُقبل منه الحسنات، ويُتجاوز عنه السَّيئات. كذا قاله الحسن (^٤).
_________________
(١) نحوه في "تفسير مقاتل" (٤/ ٦٣٣ - ٦٣٤).
(٢) في (ف): "هو الخطاب" وفي (ر): "هذا الخطاب".
(٣) في (ر) و(ف): "أو هي".
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٣٥).
[ ١٥ / ٢٦٨ ]
وقالت عائشة ﵂: قال النَّبيُّ -ﷺ-: "مَنْ نُوْقِشَ الحسابَ عُذِّبَ"، قلْتُ: فأين قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: "ذلك العَرْضُ" (^١).
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾: قال الحسن: أي: إلى الحور العين فرِحًا بما أعطاه اللَّه تعالى (^٢).
وقيل: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾: إلى زوجتِه في الدُّنيا.
وقالوا: هذا يدلُّ على سبقِها إلى الجنَّة، وذلك لأنَّه لا كسب على النِّساء، فلا يطول وقوفهُنَّ في القيامة.
* * *
(١٠ - ١٣) - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾: وقال في (الحاقة): ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] (^٣).
قال مجاهد: تُجعَل شماله من وراء ظهره (^٤).
وقال ابن جريج: تُخلَع يدُه فتُجعَل من وراء ظهره، فيقرأ كتابه كذلك (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٣)، ومسلم (٢٨٧٦).
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٣٩) عن قتادة، ولفظه: "إلى أهل أعد اللَّه لهم الجنة". ورواه ابن المنذر عن مجاهد، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٤٥٧)، ولفظه: "إلى أهل له في الجنة".
(٣) "وقال في الحاقة: وأما من أوتي كتابه بشماله" ليس في (أ).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٤٠).
(٥) رواه أبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (١١١٩) عن ابن جريج عن مجاهد، بلفظ: (يحول وجهه في موضع قفاه، فيقرأ كتابه كذلك).
[ ١٥ / ٢٦٩ ]
وقال الكلبيُّ: تُغَلُّ يمينه إلى عنقه، ثم تلوى يده اليسرى من ورائه، فيُعطَى كتابه (^١).
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾: أي: يقول: يا ثبوراه (^٢)، يا هلاكاه، وهو هلاك دائم، من المثابرة وهي المداومة.
﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾: قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة: ﴿وَيَصْلَى﴾ خفيفةً؛ أي: ويَدْخُل، وقرأ الباقون بالتَّشديد (^٣)، من التَّصلية وهي الإدخال.
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾: قيل: منعَّمًا مستريحًا عن التَّعب بأداء العبادات، آمنًا عند نفسه من القيامة والعقوبات.
وقيل: ﴿مَسْرُورًا﴾ بما عليه من الكفر، ثم (^٤) يضحك ممَّن آمن بالبعث والحشر، فعاد هذا السرور إلى حزنٍ لا ينقطع، والمؤمن المحزون صار إلى سرورٍ لا ينقطع.
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾: أي: لن يرجعَ إلى ربِّه، ولن يُبعَث. والحور: الرُّجوع، والمحاورة: مراجعة الكلام.
﴿بَلَى﴾: أي: ليحورَنَّ ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾؛ أي: بما كان يعمل في الدُّنيا.
وقال ابن عبَّاس: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾: نزلَتْ في أبيِّ بن خلف الجُمَحي (^٥).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
(٢) في (أ): "واثبوراه أي" بدل: "يا ثبوراه".
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١).
(٤) "ثم" من (أ).
(٥) ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٣١/ ٩٧).
[ ١٥ / ٢٧٠ ]
وقال مقاتل: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾: يعني: المكذِّبَ بالبعث، وهو الأسود ابن عبد الأسد (^١).
وقال محمد بن كعب: نزلت في الحارث بن عمرو القرشيِّ، وكان كثير الصَّوم، شديد الاجتهاد، وفيه نزلت: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (^٢).
وقال مقاتل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ يعني: أبا سلمة بن عبد الأسد، وهو أوَّل من هاجر إلى المدينة، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ يعني: أخاه الأسود، تُخلَع يده اليسرى، فتكون من وراء ظهره، فيُعطَى كتابه (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾: هو أن يُسمِعَه خطابَه بلا واسطة، فيخفِّفُ عليه سماعُ خطابه ما يلقاه من لطيف عتابه.
وقيل: هو ألَّا يذكِّرَه ذنوبَه، لكن يقول له: ألم أفعل بك كذا؟ ولا يقول له: ألم تفعل كذا؟ يَعُدُّ عليه إحسانه، ولا يذكِّرُه عصيانه (^٤).
* * *
(١٦ - ١٨) - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾: ﴿لا﴾: رَدٌّ لقول الكفَّار، و﴿أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾؛ أي: الحمرةِ بعد غروب الشَّمس والبياضِ بعدها. هذا قول أكثر المفسرين.
وقال عكرمة ومجاهد: الشَّفقُ: النَّهار (^٥)؛ لأنَّ الشَّفق أثرُ الشَّمس، والشَّمسُ للنَّهار.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٦٣٤).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٦٣٤ - ٦٣٩).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٧٠٦).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٠)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٣٧)، والواحدي =
[ ١٥ / ٢٧١ ]
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾؛ أي: وما جَمع اللَّيلُ؛ أي: الحيواناتِ كلها، فسكنَتْ باللَّيل.
وقيل: أي: ما اشتمل عليه اللَّيل، فيقع على كلِّ ما أدركه اللَّيل.
وقال سعيد بن جبير: ما عُمِل فيه (^١). فيتناول تهجُّدَ العباد.
وقال أبو عبيدة: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَع وضمَّ وعلا، فلم يمتنع فيه شيء، وجلَّلَ كلَّ شيء (^٢). وكذا قال الأخفش.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: أي: امتلأ وتمَّ واستوى، وأصله: الاجتماع الذي قلْنا، وسَقْتُه فاستوسَقَ واتَّسق.
أقسم بهذه الأشياء لتعلُّق المصالح والمنافع للعباد بها إظهارًا لقَدْرها.
* * *
(١٩) - ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيُّ بفتح الباء على خطاب الواحد، والباقون بالضَّم على خطاب الجمع (^٣)؛ أي: لتركبُنَّ أيُّها النَّاس.
والرُّكوبُ: اللُّزوم؛ قال الشَّاعر:
وأركبُ ظهْرَ الشَّرِ حتَّى يملَّني إذا لم أجدْ شيئًا سِوى الشَّرِّ مَرْكبًا (^٤)
_________________
(١) = في "البسيط" (٢٣/ ٣٦٣)، وفرقوا بين قوليهما: فقول عكرمة: ما بقي من النهار، وقول مجاهد: النهار كله.
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٣٧). وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٤٥٨) إلى عبد بن حميد.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٩١).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١).
(٥) البيت لعبيد اللَّه بن قيس الرقيات. انظر: "ديوانه" (ص: ٥٥)، و"الدر الفريد" للمستعصمي =
[ ١٥ / ٢٧٢ ]
والطبقاتُ: الحالات، و﴿عَنْ﴾: بمعنى بَعْدَ؛ قال الشَّاعر:
ما زلْتُ أقطعُ منهلًا عن منهلٍ حتَّى نزلْتُ ببابِ عبدِ الواحد (^١)
ووجهه: أن مَن صار عن شيءٍ إلى شيءٍ صار إليه بعده، فصلح (عن) و(بعد)، وله وجوه:
وقال ابن زيد: هما الآخرة بعد الأولى (^٢).
وقيل: حالًا بعد حالٍ إلى أن يقع (^٣) الاستقرار في الجنَّة أو النَّار.
وقال عكرمة: أحوال الإنسان: رضيع ثم فطيم وكذا وكذا إلى الموت (^٤).
وقال الكلبيُّ: حالًا بعد حال، مرَّة يعرفون ومرَّة يجهلون (^٥).
وقال عطاء: مرَّة فقرٌ، ومرَّة غنى (^٦).
وقال الحسين بن الفضل: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ أي: شدَّةً بعد شدَّةٍ، يقال: وقع فلان في بنات طبق؛ أي: الدَّواهي، وهي البعث، ثم العرض، ثم كذا وكذا (^٧).
_________________
(١) = (١٠/ ٧٨)، و"التذكرة الحمدونية" (٢/ ٤٣٣).
(٢) البيت في "تفسير الرازي" (٣١/ ١٠٣).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٥٤).
(٤) في (أ): "يبقى".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٥٢).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦١). وروى البخاري (٤٩٤٠) عن ابن عباس ﵄ قوله: (حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم -ﷺ-). قوله: (هذا نبيُّكم -ﷺ-)؛ أي: الخطابُ له، وهو على قراءة فتح الموحدة. انظر: "فتح الباري" (٨/ ٦٩٨).
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦١).
(٨) ذكر نحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٣٨)، بلفظ: (شدة بعد شدة، حياة ثم موت ثم بعث ثم جزاء)، ثم قال: روى معناه جابر مرفوعًا. =
[ ١٥ / ٢٧٣ ]
وقال الأقرع بن حابس:
إنِّي امرؤٌ قد حلبْتُ الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ وسَاقَنِي طَبَقٌ منهُ إلى طَبَقِ
فلسْتُ أصبو إلى خلٍّ يفارقني ولا تقبضَنْ أحشائي من الفَرَقِ (^١)
وقال أبو (^٢) سعيد: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: كان قوم (^٣) في الدُّنيا في الرِّفعة فصاروا في القيامة إلى الضَّعَة، أو قوم كانوا في الضَّعَة فصاروا إلى الرِّفعة (^٤).
وقال أبو عبيدة والأخفش: لتركبُنَّ سُنَّة الأوَّلين في التَّكذيب والمعاصي (^٥).
وقال مكحول: في كلِّ عشرين عامًا يُحدِثون أمرًا لم يكونوا عليه (^٦).
وقيل: هو بشارة للمؤمنين؛ أي: لتصيرُنَّ من حال إلى حال في أمر أعدائكم، ثم يكون لكم النَّصر والظَّفر.
ومَن قرأ على خطاب الوحد، فإنَّه يرجع إلى الإنسان المذكور في أول السُّورة: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ ويراد به الجنس.
_________________
(١) = وذكر الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦١) عن عمرو بن دينار عن ابن عباس: (الشدائد والأهوال الموت ثم البعث ثم العرض).
(٢) البيتان في "تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٦٢).
(٣) "أبو" من (ف).
(٤) في (أ): "أي قوم".
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٩٢).
(٧) رواه نعيم بن حماد في "الفتن" (٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤١٢) واللفظ له، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ١٨٤). ولفظ نعيم في "الفتن": (في كل عشرين سنة تكونون في حال غير الحال التي كنتم عليها).
[ ١٥ / ٢٧٤ ]
وقيل: هو خطاب للنَّبيِّ -ﷺ-، وهو بشارة له بالنَّصر والظَّفر في العاقبة.
وقال ابن عبَّاس وابن مسعود ﵃؛ أي: لتركبَن يا محمَّد أطباق السَّماء ليلة الإسراء (^١).
وهذا (^٢) بشارة بالمعراج، وقال تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣].
* * *
(٢٠ - ٢٥) - ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: استفهام بمعنى التَّوبيخ.
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾: كذلك.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾؛ أي: ليس تركهم الإيمان والسُّجودَ لقصور البيان، بل لتقليدهم أباءهم في التَّكذيب.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾: أي: ينطوون عليه، وحقيقته: يجمعون في صدورهم، وقد أوعيْتُ الشَّيء في الوعاء؛ أي: جمعتُه فيه.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: ضع لهم الوعيد مكان البشارة.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٥٥٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣٩١٣) عن ابن مسعود ﵁. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٥٥) عن ابن مسعود والحسن وأبي العالية ومسروق والشعبي. ورواه الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني كما في "الدر المنثور" (٨/ ٤٥٩)، بلفظ: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ محمد السماء طبقًا بعد طبق). وهو في "المعجم الكبير" (١١١٧٣).
(٢) في (ر): "وهي"، وفي (ف): "وهي هذه".
[ ١٥ / ٢٧٥ ]
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: قيل: أي: غير منقوص.
وقيل: أي: غير مقطوع.
وقال مقاتل: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾؛ أي: بالبعث والقرآن، نزلت في مسعود وحبيب وربيعة وعبد ياليل بن عمرو بن عمير.
وذلك أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أتاهم فعرض عليهم الإسلام، فقال له مسعود: واللَّه لا أكلِّمك أبدًا؛ لَئِنْ كنْتُ صادقًا لأَنْتَ خيرٌ من أن أكلِّمَكَ، ولئن كنْتَ كاذبًا لأنْتَ شَرٌّ من أن أكلِّمَكَ.
وقال حبيب: واللَّه لأسرقَنَّ باب (^١) الكعبة إن كان اللَّهُ بعثَكَ نبيًّا.
وقال ربيعة: أَمَا وجدَ اللَّهُ عبدًا يبعثُه غيرَكَ؟
فأنزل اللَّه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ من التَّكذيب في قلوبهم، فأسلم بعد ذلك ربيعة وعبد ياليل، فأنزل اللَّه فيهما واستثناهما فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي (^٢): صدَّقوا بعد التَّكذيب، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: الطَّاعات، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير منقوصٍ.
فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "الحمد للَّه الذي جعل في أمَّتي مثلَ الرَّجلين الذي ذُكِرا في الكهف، باع أحدُهما آخرته بدنياه فخسر وخسر، وباع الآخر دنياه بآخرته فربح وربح" (^٣).
_________________
(١) في (أ): "كتاب"، وفي (ف): "ثياب حجاب". في "سيرة ابن هشام": (هو يمرط ثياب الكعبة). يمرطه: أَي يَنْزعهُ ويرمي به.
(٢) في (ف): "يعني".
(٣) لم أجده في "تفسير مقاتل"، وورد بعضه في "سيرة ابن هشام" (١/ ٤١٩)، لكن بسياق مختلف، وليس فيه أن هذه الحادثة سبب نزول هذه الآيات، ولا ذكر إسلام ربيعة وعبد ياليل وما بعده.
[ ١٥ / ٢٧٦ ]