بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلق الإنسان فعدَلَه، الرحمنِ الذي وعد البِرَّ بنعيمٍ أُعِدَّ له، الرحيمِ الذي له الحكم والأمر، فما أعلمَه وما أعدلَه (^٢)!
وروى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورةَ إذا السَّماء انفطرت كُتِبَ له بعددِ كلِّ قطرةٍ من ماءٍ حسنةٌ، وبعدد كلِّ قبرٍ حسنةٌ، وأصلحَ له شأنَه" (^٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي تسعَ عشرةَ آية، وثمانون كلمة، وثلاثُ مئة وأربعةٌ وعشرون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الأمور التي تكون عند قيام السَّاعة، والجزاء الذي يكون فيها لأهل المعصية ولأهل الطَّاعة.
* * *
_________________
(١) في (ر): "سورة إذا السماء انفطرت".
(٢) في (أ): "فيما أعلمه وأعد له" وفي (ف): "فما أعدله".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٣٣)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٢٤١ ]
(١ - ٥) - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾: أي: انشقَّتْ.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾: أي: تساقطَتْ.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾: أي: سُيِّلَ بعضها في بعضٍ؛ لتزَلْزُل الأرض وتصدُّعِها.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾: أي: جُعِلَ أعلاها أسفلَها، وظاهرُها باطنَها، وأخرجَتْ أمواتها.
وقيل: هو إخراج كنوزها. قاله الفرَّاء (^١).
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾: قال ابن عبَّاس وقتادة: أي: قدَّمَتْ من طاعةٍ وتركَتْ (^٢).
وقال محمَّد بن كعب القُرظيُّ: أي: ما قدَّمَتْ من عملها وما أخَّرَتْ من سنَّةٍ سَنَّها (^٣).
وقيل: ما عملَتْ في أوَّل عمره وآخره، وقد انتهى ذلك، فلا عملَ بعدَه.
وقال قتادة: علمَتْ نفسٌ ما قدَّمَتْ من المعاصي، وسوَّفَتْ من التَّوبة.
وقال عبد العزيز: ما قدَّمت من المال لنفسِه، وما خلَّفَتْ منه لورثته (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٤٣).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٧٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٧٦). وروى نحوه ابن المبارك في "الزهد" (١٤٦٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٠٨) عن ابن مسعود ﵁.
(٤) لم أقف على هذين القولين.
[ ١٥ / ٢٤٢ ]
(٦ - ٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: أي: يا أيُّها الإنسان المنكِر للبعث الذي ذكرناه، ما الذي صَيَّركَ مغترًّا بربِّك مع إقرارك بأنَّه هو ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾؛ أي: قوَّم أعضاءَك ﴿فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: سوَّى مزاجك.
وقرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ خفيفة، والباقون مشدَّدة (^١).
وقيل: هما لغتان بمعنًى واحد، وهو قول قطربٍ والأخفش (^٢).
وقال الحسين بن واقد: بالتَّشديد: جَمَّلك وحَسَّنك، وبالتَّخفيف: سوَّى خلقَكَ.
وقال الفرَّاء: بالتَّشديد: جعلك معتدلًا، وبالتَّخفيف: صرَّفك إلى أيِّ صورة شاء (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾؛ أي: مِن حُسنٍ ودَمامةٍ، وطولٍ وقصرٍ، وأنوثةٍ وذكورةٍ، ونحو ذلك.
وقال مجاهد: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: من شَبَهِ أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ (^٤).
* * *
(٩ - ١٢) - ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٧٠).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٤٤).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٧٩).
[ ١٥ / ٢٤٣ ]
﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما تقولون: لا بعثَ ولا حسابَ ولا جزاء.
وقيل: ليس كما تقولون: إنَّكم محقُّون في عبادة الأصنام.
﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾: أي: بالحساب، وقيل: بالجزاء يومَ القيامة.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾: أي: ملائكةً يحفظون أعمالكم ويكتبونها، فتُخرج لكم يوم القيامة، فتحاسبون عليها وتجازَون بها.
﴿كِرَامًا﴾: أي: كرامًا على اللَّه بطاعته ﴿كَاتِبِينَ﴾؛ أي: أعمالكم.
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾: أي: لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم، فيُثْبتونها، واللَّه تعالى أجرى أموره مع عباده على ما يعاملون به فيما بينهم؛ لأنَّ ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم، فيُخرج لهم يوم القيامة كتابَ أعمالهم، وتشهد عليهم الملائكة بها، ثم جوارحهم، فيُقضَى عليهم بذلك إظهارًا للعدل.
وروى أبو صالح عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ الآية نزلت في أبي الأشدَّين (^١): ﴿مَا غَرَّكَ﴾: في كفرك ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: المتجاوِز عنك ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾: من نطفةٍ فسوَّى خلْقَكَ في بطن أمِّك ﴿فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: جعلَكَ معتدلَ القامة.
وقال الضَّحَّاك: إن كلدة ضرب النَّبيَّ ﷺ فلم يعاقبه اللَّه تعالى، فبلغ ذلك حمزة فأسلم حميَّة لذلك، ثم أراد كلدة أن يعود لضرب النَّبيِّ -ﷺ-، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أراد به: أنَّه لم يعاقبه ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ ولم تكُ شيئًا ﴿فَسَوَّاكَ﴾؛ أي: فسوَّى أعضاءك ﴿فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: عدل خلقَكَ في العينين والأذنين والرِّجلين واليدين، ولم يجعله عضوًا واحدًا (^٢).
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٢١)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٤٥٨). وقاله مقاتل كما في "تفسيره" (٤/ ٦١٣).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٥٣٢) عن مقاتل، وذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٣٤)، والرازي في "التفسير الكبير" (٣١/ ٧٢) عن مقاتل والكلبي.
[ ١٥ / ٢٤٤ ]
وعن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قرأ هذه الآية فقال: "غرَّهُ جهلُهُ" (^١).
وقال عمر: غرَّه حمقُه (^٢).
وقال الحسن: غرَّه شيطانُه الخبيث (^٣).
وقال قتادة: غرَّه إمهاله (^٤).
وقيل للفضيل: لو قيل لك يوم القيامة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ما كنْتَ تقول؟ قال: أقول: غرَّتني ستورك المرخاة (^٥).
وقال مقاتل: غرَّه عفو اللَّه تعالى (^٦).
وقال السَّرِيُّ بن مغلِّس: غرَّه رفق اللَّه به (^٧).
وقال يحيى بن معاذ الرَّازي: لو خُوطِبْتُ به قلْتُ: غرَّني برُّكَ بي سالفًا وآنفًا (^٨).
وقال أبو بكر الورَّاق: أقول: غرَّني كرمُكَ (^٩).
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ١٥١)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٦) من طريق صالح بن مسمار عن النبي -ﷺ- مرسلًا.
(٢) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٤٤٥)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٢١). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٠٨) عن عمر ﵁، بلفظ: "غره واللَّه جهله".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٧٨) عن قتادة بلفظ: "شيء ما غر ابن آدم هذا العدو الشيطان".
(٤) لم أجده.
(٥) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٦).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٦).
(٧) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٦/ ١٧٣).
(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٦).
(٩) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٦).
[ ١٥ / ٢٤٥ ]
قال: ولو قال: ما غرَّك بربِّك الجبَّار، أو (^١): القهَّار؟ لكان فيه إخطار، فلمَّا قال: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فذلك تلقين الجواب (^٢).
وأنشدوا لبعضهم (^٣):
يا كاسبَ الذَّنب أَمَا تستحي فاللَّهُ في الخلوة ثانيكا
غرَّكَ من ربِّك إمهالُه وسَتْرَهُ طُوْلَ مَساويكا (^٤)
وقال آخر:
يقولُ مَولايَ أَمَا تستحي ممَّا أرى مِنْ سُوْءِ أفعالِكْ
فقلْتُ يا مولايَ رِفْقًا فقد جَرَّأني كَثْرَةُ أفضالِكْ (^٥)
* * *
_________________
(١) في (أ): "أي"، وليست في (ف).
(٢) لم أجد هذه القطعة من كلام الوراق، وهذا التأويل للآية لم يرتضه كثير من العلماء، وعده خروجًا عن معنى وسياق الآية، انظر: "تفسير الرازي" (٣١/ ٧٥). وقال ابن كثير في "تفسيره": (وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنَّه إنما أتى باسمه ﴿الْكَرِيمِ﴾؛ لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال السوء). قلت: وكأن في رد ابن كثير ﵀ إشارة إلى أن ذكر ﴿الْكَرِيمِ﴾ إنما هو زيادة في التشنيع على ذلك المغتر، كما تقول لمن أكرمتَه فآذاك: ما دفعك لإيذائي؟ فهذا استنكار لفعله، فإن زدت في كلامك: وقد أكرمتك؟ فهو زيادة في التشنيع عليه بما فعل من إيذائك.
(٣) في (ف): "وأنشد بعضهم فقال".
(٤) البيتان لمحمد بن السماك، كما في "تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٤٦)، و"الوسيط" للواحدي (٤/ ٤٣٥).
(٥) للقشيري وهما في تفسيره "لطائف الإشارات" (٣/ ٦٩٧).
[ ١٥ / ٢٤٦ ]
(١٣ - ١٩) - ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾: أي: إنَّ المطيعين في نعيم الجنَّة.
﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾: أي: الكفَّار ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾؛ أي: النَّار الموقدة.
﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾: أي: يدخلونها يوم القيامة الذي هو يوم الجزاء ويوم الحساب ويوم القضاء.
﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾: أي: بخارجين، بل هم حاضروها مخلَّدين.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾: وهذا تهويل وتعظيم لأمره.
﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾: مبالغة وتأكيد له.
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾: أي: يوم لا يملك فيه أحدٌ لأحدٍ شيئًا يدفع عنه ما يريد اللَّه إنزاله من عذابه.
﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: أي: هو القاضي فيه دون غيره، وقد كان أعطى في الدُّنيا لخلقه ممالك وأقضيةً وتصرُّفات، وقد قطع يومئذ كلَّ ذلك، فالأمر أمرُه، والحكم حكمُه، والملك ملكُه، لا يقضي بشيء غيرُه، ﷾.
* * *
[ ١٥ / ٢٤٧ ]