بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أهلك أصحاب الأخدود، الرحمنِ الذي نبَّهنا بحديث الجنود، الرحيم الذي هو الغفور الودود.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ أعطاهُ اللَّهُ تعالى بعددِ كلِّ يومِ جُمُعةٍ وبعدد (^٢) كلِّ يومِ عرفَةَ يكونُ في الدُّنيا عَشْرَ حَسَناتٍ" (^٣).
وهذه السُّورةُ مَكيَّةٌ.
وهي اثنتان وعشرون آية، ومئة وتسع كلمات، وأربعُ مئة واثنان (^٤) وستُّون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في وعد المؤمنين ووعيد الكافرين.
_________________
(١) في (ر): "سورة والسماء ذات البروج".
(٢) "بعدد" من (ف).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٤)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٥٧)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٤) في (ف): "وستة". وفي "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ٢٦٩): وحروفها أَربع مئة وَثَلَاثُونَ حرفًا ككلم الانشقاق وحروفها.
[ ١٥ / ٢٧٧ ]
(١ - ٢) - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: أقسمَ اللَّه تعالى بالسَّماء ذات البروج، وهي المنازل العالية.
وقيل: القصور، وهي البروج الاثنا عشر المعروفة، تسير الشَّمس في كلِّها في كلِّ سنة، والقمر في كلِّ شهر، وقد تعلَّقَتْ بها مصالح ومنافع للعباد، فالقَسَم بها إظهارًا لقَدْرها.
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: أكثرُ المفسِّرين على أنَّه يوم القيامة، وروى ذلك أبو هريرة ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- (^١)، وهو قول عليٍّ وابنِ عبَّاس والحسن وابن زيد وقتادة والرَّبيع بن أنس (^٢).
وقيل: هو اليوم الموعود لانشقاق السَّماء، وسقوطِ هذه البروج.
* * *
(٣) - ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: عن سلف المفسِّرين فيه عشرةُ أقاويل:
أحدهما: أنَّ الشَّاهد يوم الجمعة، رُوي ذلك عن أبي هريرة وعن عليٍّ وابن عبَّاس والحسن وقتادة وابن زيد (^٣).
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٣٣٩) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث؛ ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قبل حفظه. وقال ابن كثير في "تفسيره": (وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة، من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي -وهو ضعيف الحديث- وقد روي موقوفًا على أبي هريرة، وهو أشبه). وانظر التعليق الآتي.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٦٢ - ٢٦٣) عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا ومرفوعًا، وعن الحسن وقتادة وابن زيد.
(٣) رواه عنهم عدا الحسن الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
[ ١٥ / ٢٧٨ ]
والثَّاني: أنَّه يوم الأضحى، وهو عن ابن عمر وابن الزُّبير والنَّخعي والثَّوري (^١).
والثَّالث: أنَّه يوم عرفة، عن مجاهد عن ابن عبَّاس (^٢).
والرَّابع: يوم القيامة، عن الكلبي عن أبي صالح عن جابر (^٣).
والخامس: هو اللَّه تعالى، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (^٤).
والسَّادس: محمَّد -ﷺ-، عن عكرمة والحسن بن علي وابن المسيِّب والسُّدِّي، وعن ابن عبَّاس أيضًا (^٥).
والسَّابع: آدم ﵇ وذرِّيته، عن جويبر عن الضحَّاك (^٦).
والثَّامن: أنه عيسى ﵇، عن مجاهد (^٧).
والتَّاسع: الملائكة، عن عطاء الخراساني (^٨).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٦٩) عن الحسن بن علي وابن عمر وابن الزبير.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٦٩).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٦٩)
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٦٦) عن ابن عباس ﵄، والحسن بن علي، و(٢٤/ ٢٦٨) عن عكرمة.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٦) عن عطاء بن يسار، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٤١) عن مجاهد.
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٦) عن أبي مالك، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٤١) عن ابن أبي نجيح.
(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٦) عن عكرمة، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٤١) عن سهل بن عبد اللَّه.
[ ١٥ / ٢٧٩ ]
والعاشر: أنه الإنسان، عن كريب عن ابن عبَّاس، وعن عكرمة، وعن مجاهد: أنَّه ابن آدم (^١).
وقيل: الشَّاهد أعضاء بني آدم تشهد عليهم يوم القيامة.
وقيل: الشَّاهد هو الحجر الأسود، والمشهود الحاجُّ.
قال عليٌّ ﵁: إنَّ اللَّهَ تعالى لَمَّا أخذ الميثاق على بني آدم وأشهدهم على أنفسهم كتب بذلك كتابًا، وألقمَه الحجرَ، فإذا كان يوم القيامة جعل اللَّه له صورة تشهد لمن استلمَه (^٢).
وقال الحسن: الشَّاهد: اليومُ واللَّيل، يقول كلَّ يومٍ: أنا خلقٌ جديدٌ، وأنا على ما تعملُ فيَّ شهيدٌ (^٣).
وقال محمد بن علي التِّرمذيُّ: الشَّاهدُ: الحفَظة، والمشهودُ: ابن آدم (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٦٧) عن مجاهد وابن أبي نجيح وعكرمة والضحاك.
(٢) قطعة من خبر طويل رواه الحاكم في "المستدرك" (١٦٨٢) وقال: ليس من شرط الشيخين، فإنهما لم يحتجا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي. وقال الذهبي: أبو هارون ساقط.
(٣) رواه عن الحسن ابن أبي الدنيا في "الزهد" (٤٢٤)، وفي "كلام الليالي والأيام" (٢٢)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٧) بلا نسبة. وروي نحوه مرفوعًا رواه ابن سمعون في "أماليه" (٢٢٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٣٠٣)، من طريق زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار ﵁ مرفوعًا، ولفظ أبي نعيم: "ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك غدًا شهيد، فاعمل فيَّ خيرًا أشهد لك به غدًا، فإني لو قد مضيت لم ترني أبدًا، قال: ويقول الليل مثل ذلك"، وقال أبو نعيم: غريب من حديث معاوية تفرد به عنه زيد، ولا أعلمه روي مرفوعًا عن النبي -ﷺ- إلا بهذا الإسناد.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٧).
[ ١٥ / ٢٨٠ ]
وقيل: الشَّاهدُ: الأنبياء، والمشهودُ محمَّد -ﷺ-، وهو في آية (^١) أخذ ميثاق على الأنبياء: ﴿فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
وقيل: الشَّاهد هو اللَّه تعالى والملائكة وأولو العلم، من قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
وقال بعض أهل المعرفة: كلُّ جزءٍ من العالم شاهدٌ لمن تدبَّره على أنَّ له خالقًا خلقَه، قال الشَّاعر:
فيا عجبًا كيفَ يُعصَى الإله أمْ كيفَ يجحدُهُ الجاحِدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تَدلُّ على أنَّه واحِدُ
وللَّهِ في كلِّ تحريكةٍ علينا وتسكينةٍ شاهِدُ (^٢)
وقيل في المشهود: هو يوم القيامة.
وقيل: يوم عرفة.
وقيل: يوم الجمعة.
وقيل: يوم النَّحر.
وقيل: هو الإنسان.
_________________
(١) في (أ): "وهو في إبداء"، وفي (ر): "وهو أنه".
(٢) نسبت لأبي العتاهية في أغلب المصادر. انظر: "ديوانه" (ص: ١٢٢) دار صادر، و"طبقات الشعراء" لابن المعتز (ص: ٢٠٧)، و"الأغاني" للأصفهاني (٤/ ٣٩)، و"زهر الآداب" للقيرواني (١/ ٣٠٨). ونسبت لأبي نواس، كما في "المحاسن والأضداد" للجاحظ (ص: ١٢٠)، و"الدر الفريد" للمستعصمي (٨/ ١٣١). وللبيد، كما في "محاضرات الأدباء" لأبي القاسم الأصفهاني (٢/ ٤١٠). ولابن المعتز، كما في "تفسير ابن كثير" (١/ ١٣٣). ولمحمود الوراق، كما في "ترتيب الأمالي الخميسية" للشجري (١/ ٤٤).
[ ١٥ / ٢٨١ ]
وممَّا يَصلح دليلًا لبعض هذه الأقاويل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]، وهو يوم (^١) القيامة.
وعن أبي الدَّرداء عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "أكثِروا عليَّ الصَّلاة يوم الجمعة؛ فإنَّه يوم مشهودٌ، تشهده الملائكة" (^٢).
وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]، وهذا في أيَّام الحجِّ؛ يوم التَّروية ويوم النَّحر ويوم عرفة.
وقال: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وهو النَّبيُّ -ﷺ-.
وقال: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، فيكون الإنسانُ مشهودًا؛ أي: مشهودًا عليه، كما قال: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] أي: مسؤولًا عنه.
وقال ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فهذا يدلُّ على أنَّ الإنسان شاهدٌ.
واختلف في جواب هذا القسم:
قيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾
وقيل: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
وقيل: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ مقدَّم، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ مؤخَّر والقسم عليه.
* * *
_________________
(١) في (ر): "في"، وفي (ف): "في يوم".
(٢) رواه ابن ماجه (١٦٣٧)، وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٥٩): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع في موضعين. . .). وانظر باقي كلامه ثمة.
[ ١٥ / ٢٨٢ ]
(٤) - ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: وهو الشَّقُّ العظيم.
وفي قصَّتهم حثُّ المؤمنين على الصَّبر وتحمُّلِ أذى الكفَّار، فقد كان في الزَّمن الماضي كذلك، وكان المشركون يعذِّبون بلالًا وعمارًا وآخرين، فَنبّهوا (^١) أنَّ شرط الإيمان هو الصَّبر في اللَّه، وانتظار الفرج في الدُّنيا، والثَّواب في الآخرة.
والرِّواياتُ مختلفة في ذلك جدًّا:
روى صهيب ﵁ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "كان ملكٌ فيمَنْ كان قبلَكُم، وكان له ساحرٌ، فلمَّا كَبِرَ قال للملِكِ: إنِّي قد كَبِرْتُ، فابعث إليَّ غلامًا أعلِّمُه السِّحْرَ، فبعثَ إليه غلامًا فعلَّمَه، وكان في طريقِهِ راهبٌ يقعُد إليه الغلامُ ويسمَعُ كلامَه، فأعجبَه، وكان إذا أتى السَّاحرَ ضربَه، وإذا رجع من عند السَّاحر قَعَدَ إلى الرَّاهب ويسمَعُ كلامَه، فإذا أتى أهلَه ضربوه، فشكا ذلك إلى الرَّاهب، فقال له: إذا خشيْتَ (^٢) السَّاحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيْتَ (^٣) أهلَكَ فقل: حبسني السَّاحر.
فبينما هو كذلك إذ (^٤) أتى على دابَّة عظيمة قد حبسَتِ النَّاس، فقال: اليومَ أعلمُ أنَّ الرَّاهِبَ أفضلُ أم السَّاحر، فأخذ حجرًا ثم قال: اللَّهم إن كان أمرُ الرَّاهب أحبَّ إليك من أمر السَّاحر فاقتل هذه الدَّابة حتى يمضيَ النَّاس، فرماها فقتلَها، ومضى النَّاسُ، فأتى الرَّاهبَ فأخبرَه، فقال له الرَّاهبُ: يا بنيَّ أنت اليوم أفضل منِّي، قد بلغ من أمرِكَ ما أرى، وإنَّك ستُبْتلى، وإنِ ابتُليْتَ فلا تدلَّنَّ عليَّ.
_________________
(١) في (ر): "فتنبهوا"، و(ف): "ففهموا".
(٢) في (ر): "جئت إلى"، وفي (ف): "جئت".
(٣) في (ف): "أتيت".
(٤) "إذ" من (ف).
[ ١٥ / ٢٨٣ ]
وكان الغلام يبرئ الأكمَهَ والأبرص، ويداوي النَّاس من سائر الأدواء، فسمعَ جليسُ الملِكِ وكان قد عَمِيَ، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: هذه لك أجمَعُ إنْ أنتَ (^١) شفيتني، فقال: أنا لا أشفي أحدًا، إنَّما يشفي اللَّه تعالى، فإنْ آمنت باللَّه دعوْتُ اللَّهَ تعالى فشفاكَ، فآمَنَ باللَّه فشفاه، فأتى الملِكَ يمشي، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال الملِكُ: مَن رَدَّ عليك بصرَكَ؟ قال: ربِّي، قال: وَلَكَ رَبٌّ غيري؟ قال: ربِّي وربُّك اللَّه، قال: فأخذه فلم يزلْ (^٢) يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ على الغلام، فجِيْءَ بالغلامِ، فقال له الملِكُ: يا بنيَّ، قد بلغَ مِنْ سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأكمَهَ والأبرَصَ، وتفعلُ وتفعلُ! قال: أنا لا أَشْفِي أحدًا، إنَّما يشفِي اللَّهُ.
قال: فأخذَهُ فلم يزَلْ يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ على الرَّاهبِ، فجِيْءَ بالرَّاهِبِ، فقيل له: ارجِعْ عن دينِكَ، فأبى، فدعا بالمنشارِ فوضَعَهُ في مَفْرِقِ رأسِه، فشقَّه به (^٣) حتَّى وقعَ شِقَّاه، ثم جِيْءَ بجليس الملِكِ، فقيل له: ارجع عن دينِكَ، فأبى فوُضِعَ المنشار في مَفْرِقِ رأسِهِ، فشقَّه به حتَّى وقعَ شِقَّاه.
ثم جِيْءَ بالغلام فقِيْلَ له: ارجعْ عن دينِكَ فأبى، فدفعَه إلى نفرٍ من أصحابِه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا (^٤)، واصعَدُوا به الجبلَ، فإذا بلغْتُم ذروتَه فإنْ رَجَعَ عن دينِهِ وإلَّا فاطرَحُوْهُ، فذهبوا به إلى الجبلِ فقال: اللَّهمَّ اكْفِنِيْهِم بما شِئْتَ، فرَجَفَ بهِمِ الجبلُ فسقَطوا، وجاء يمشي إلى الملِكِ، فقال له الملِكُ: ما فعلَ أصحابُكَ؟ قال: كفانِيْهِمُ اللَّهُ (^٥).
_________________
(١) في (ف): "إن" بدل من "أجمع إن أنت".
(٢) في (أ): "ربي وربك قال فأخذه"، وفي (ر) و(ف): "ربي وربك واحد فلم يزل".
(٣) "فشقه به" ليس في (أ).
(٤) "وكذا" ليس في (ف).
(٥) في (ف): "أخذهم اللَّه إليه" بدل: "كفانيهم اللَّه".
[ ١٥ / ٢٨٤ ]
فدفعَهُ إلى نفرٍ مِنْ أصحابِهِ، فقال: اذهبوا به في قُرْقُوْرٍ (^١) -وهي السَّفينة- فلجوا به البحرَ (^٢)، فإنْ رجعَ عن دينِه وإلَّا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللَّهمَّ اكْفِنِيْهِمْ بما شِئْتَ، فانكفَأَتْ بهِمِ السَّفينةَ، ثمَّ عادَ الغلامُ إلى الملِكِ (^٣).
ثمَّ قال للملِكِ: إنَّكَ لسْتَ بقاتلي حتَّى تفعلَ ما آمرُكَ به، قال: وما هو؟ قال: تجمَعُ النَّاسَ في صعيدٍ واحدٍ وتصلُبُني على جذعٍ، ثم تأخذُ سهمًا من كِنانتي، ثم قُلْ: بسمِ اللَّهِ ربِّ الغُلامِ، ثمَّ ارمِنِي بِهِ، فإنَّكَ إذا فعلْتَ ذلك قتلتَنِي، فجمَعَ النَّاسَ في صعيدٍ واحدٍ، ثمَّ صلبَهُ على جِذْعٍ، ثم أخذَ سَهمًا مِن كنانَتِهِ، ثم وضعَ السَّهمَ في كبدِ قَوْسِهِ، ثمَّ قال: بسمِ اللَّهِ رَبِّ الغلام، ثمَّ رماهُ، فوقع السَّهمُ في صُدْغِهِ، فوضعَ يدَه عليه فمات، فقال النَّاسُ: آمنَّا بربِّ الغلام.
فقيل للملِكِ: قد واللَّهِ نزلَ بِكَ ما كنْتَ تحذَرُ، وقد آمَنَ النَّاسُ، فأمَرَ بالأُخْدُودِ في أفواهِ السِّكَكِ، فخُدَّتْ، وأُضْرِمَ فيها النَّارُ، وقال: مَن لم يرجعْ فأقحِموه فيها، ففعلوا، حتى جاءَتِ امرأةٌ معها صبيّ لها، فتقاعَسَتْ -أي: تأخَّرَتْ- أنْ تقعَ فيها، فقال لها الصَّبِيُّ: يا أمَّاه، اصبري فإنَّكَ على الحقِّ" (^٤).
وتروى هذه القصَّة عن ابن عبَّاس ﵄ مع زوائد، قال: كان بنجرانَ ملِكٌ من ملوك حمير يقال له: يوسف ذو نُوَاسِ بنِ شَرَاحيل، في الفترة (^٥) قبلَ مولِد النَّبيِّ -ﷺ- بسبعين سنة.
_________________
(١) في (ر): "إلى قرقورة".
(٢) "البحر" من (ف).
(٣) "ثم عاد الغلام إلى الملك" من (ف).
(٤) رواه مسلم (٣٠٠٥).
(٥) "الفترة" ليس في (أ).
[ ١٥ / ٢٨٥ ]
وكان في بلادِه غلام يُقال له: عبد اللَّه بن ثامر، وكان أبوه سلَّمه إلى معلِّم يعلِّمُه السِّحر، فكره الغلام ذلك، ولم يجد بُدًّا من ذلك، فجعل يختلف إليه، وكان في طريقه راهِبٌ. . .
وذكر مثل الأوَّل، وذكر مكان الدَّابة على الطريق الحيَّةَ، وذكر أنَّ المكفوف كان ابنَ عمِّ ذلك الملِكَ، وذكر بعد صَلْبِه أنَّ النَّاس قالوا: لا إله إلَّا إلهَ عبدِ اللَّهِ بن ثامر، ولا دينَ إلَّا دينُه.
وذكر في آخر قصَّة الأخدود أنَّ تلك المرأة كان لها ثلاثةُ أولادٍ أحدُهم رضيع، فقال لها الملكُ: ارجعي عن دينِكِ وإلَّا ألقيْتُكِ وأولادَك في النَّار، فأبَتْ، فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النَّار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبَتْ، فألقى الثَّاني في النَّار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبَتْ، فأخذ الصَّبيَّ منها ليلقيَه في النَّار، فهمَّتِ المرأةُ بالرُّجوع، فقال الصَّبيُّ: يا أمَّاه، لا ترجعي عن الإسلام، فإنَّك على الحقِّ، ولا بأسَ عليكِ، فأُلقِيَ الصَّبيُّ في النَّارِ وأُلقِيَتْ أمُّه على أثره، فذلك قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ (^١).
وعن عكرمة قال: تكلَّم في المهد أربعة: عييسى، ويحيى، وصاحب جريج، وصاحب الأخدود (^٢).
وقال عطاء: خمسة، هؤلاء وابن ماشطة بنت فرعون (^٣).
وقال الضَّحَّاك: ستَّة، هؤلاء وشاهد يوسف (^٤).
_________________
(١) ذكره بتمامه الثعلبي في "تفسيره" (٢٩/ ١٧٤ - ١٧٦) (ط: دار التفسير)، والبغوى في "تفسيره" (٨/ ٣٨٥)، من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ذكره بتمامه الثعلبي في "تفسيره" (٢٩/ ١٦٢) (ط: دار التفسير). وانظر ما تقدم عند تفسير قوله =
[ ١٥ / ٢٨٦ ]
وقال مقاتلٌ: إنَّ رجلين مسلمين ممَّن كان يقرأ الإنجيل؛ أحدهما بأرض تهامة، والآخر بنجران اليمن، فآجر أحدهما نفسَه في عملٍ يعمله، وجعل يقرأ الإنجيل، فسمعَتْه ابنةُ المستأجر، فأعجبها ذلك، فذكرتْهُ لأبيها، فلم يزل أبوها بالرَّجل حتى أخبره بالإسلام، فأسلم وتابعه على الإسلام سبعة وثمانون نفرًا، وكان هذا بعدما رُفِعَ عيسى ﵇، فسمع بذلك ملكهم يوسف ذو نُوَاسِ بن شراحيل بن تُبَّعِ بن أبي سراح (^١) الحميريُّ، فخدَّ لهم في الأرض، وأوقد فيها النَّار، ثم عرضهم على الكفر، فمَن أبى منهم أن يكفر قذفه في النَّار، ومَن كفرَ تركَه، فذلك قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ (^٢).
وفي رواية وهب: أحرق ذو رُعَينٍ اثنا عشر ألفًا بنجران في ذلك (^٣).
وقيل: ذو رُعينٍ شدَّاد بن عادٍ، وإن (رُعين) اسم أول نسوره.
وقال الكلبيُّ: كانوا نصارى، وذلك أن ملكًا بنجران أخذ بها قومًا مؤمنين، فخَدَّ لهم في الأرض سبعة أخاديد، طول كلِّ واحد (^٤) أربعون ذراعًا، وعرضه اثنا عشر ذراعًا، ثم طرح فيها النِّفط والحطب، ثم عرضهم عليها، فمَن أبى قذفوه في النَّار، فبدأ برجل يُقال له: عَمرو بن زيد، فسأله ملكُهم فقال: مَن علَّمك هذا؟ يعني: التَّوحيد، فأبى أن يخبرَه، فأتى الملِكَ الذي علَّمَه التَّوحيد، فقال: أيُّها الملِكُ، أنَّا
_________________
(١) = تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، وقد ذكرنا ثمة ما ثبت في الأحاديث في عدة مَن تكلم في المهد.
(٢) في (أ): "سراج".
(٣) نحوه في "تفسير مقاتل" (٤/ ٦٤٧).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢٩/ ١٧٢) (ط: دار التفسير). وفمِه: (ذو نواس) مكان "ذو رعين".
(٥) في (ر): "طول كل أخدود منهم".
[ ١٥ / ٢٨٧ ]
علَّمْتُه، واسمه عبد اللَّه بن شمر، فقذفه في النَّار، ثم عرَضَ على النَّار واحدًا واحدًا، حتى إذا أراد أن يُتْبعَ بقيَّة المؤمنين صنع (^١) ملكُهم صنمًا من ذهب، ثم أمَّرَ على كلِّ عشرة من المؤمنين رجلًا يقول لهم: إذا سمعْتُم صوت المزامير فاسجدوا للصَّنم، فمَن لم يسجد ألقوه في النَّار، فلمَّا سمع النَّصارى بذلك سجدوا للصَّنم، وأمَّا المؤمنون فأبوا، فخدَّ أخدودًا (^٢) لهم وألقاهم فيها، فارتفعَتْ النَّار فوقَهم اثني عشر ذراعًا (^٣).
وروى عبد خير (^٤) عن عليٍّ ﵁: أنَّه سُئِلَ عن المجوس، فقال: كانوا أهل كتابٍ، وحرِّم عليهم في كتابهم الأخوات والبنات، فسكر ملكهم ذات ليلةٍ فتناول أخته، فلمَّا صحا ندم، وقال: كيف المخرج؟ فقالت أختُه: المخرج أن تخطب النَّاس وتقول: إنَّ اللَّه قد أحلَّ الأخوات، ففعل (^٥)، فأبى النَّاس ذلك، فخدَّ لهم الأخدود، وألقاهم في النَّار، فمَن تابعَه خلَّى عنه، ومَن أبى أحرقه، حتى أتى على امرأةٍ معها صبيٌّ رضيع، فكأنَّها نافقَتْ، فقال الصَّبيُّ: يا أمَّاه، امضي ولا تنافقي، فاقتحمَتِ النَّار، فواللَّه ما كانت إلَّا هُنيهةً حتى أفضَوا إلى رحمة اللَّه تعالى (^٦).
_________________
(١) بعدها في (ف): "لهم"، وليست في المصدر.
(٢) "أخدودًا" من (ف).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦٩ - ١٧٠).
(٤) في (ر): "وروى سعيد بن جبير". وعبد خير هو ابن يزيد الهمداني، أبو عمارة الكوفي، مخضرم، لم يصح له صحبة، قاله الحافظ في "التقريب".
(٥) "ففعل" ليس في (أ).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٧٠) من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن علي ﵁ دون قصة المرأة والرضيع، وهذه القصة رواه الطبري عقب الخبر السابق من طريق قتادة عن علي ﵁، لكن السياق قبلها مختلف عن رواية ابن أبزى عنه.
[ ١٥ / ٢٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ قيل: أي: لُعِنَ، كما مَرَّ في مثله.
وقال الرَّبيع بن أنس والواقديُّ: قُتِلَ بالنَّار أصحابُ الأخدود، وهم الجبابرة الذي أرادوا قتلَ المؤمنين بالنَّار، فعادَتْ عليهم فقتلَتْهم النَّار (^١).
* * *
(٥ - ٦) - ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾: بدل عن ﴿الْأُخْدُودِ﴾، وتقديره: قُتِلَ أصحابُ ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾؛ أي: الحطبِ، وذكرُه دليلٌ على كثرة حطبها.
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾: قيل: أي: الكفَّارُ قعودٌ على شفيرها، وأنَّث لِذكْرِ النَّار.
وقيل: أي: عندها، كما قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤]؛ أي: عندي.
وقعودُهم كان لأمر أتباعهم بإلقاء المؤمنين في النَّار.
وقيل: ﴿إِذْ هُمْ﴾؛ أي: المؤمنون على النَّار قعودٌ؛ أي: فيها يُحرَّقون بها قد طُرحوا فيها.
وقيل: أي: المؤمنون قعودٌ حوالي الأخدود، يُعْرضون على المحنة.
* * *
(٧ - ٩) - ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾: أي: والكفَّار حضورٌ، وهم الجبابرة يرَوْن ما تفعل أتباعُهم بالمؤمنين، لا تأخذُهم رقَّة، وهو غاية القسوة والمبالغة في السَّطوة.
_________________
(١) رواه عن الربيعِ الطبريُّ في "تفسيره" (٢٤/ ٢٧٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤١٤). وذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٦١) عن الربيع بن أنس والكلبي.
[ ١٥ / ٢٨٩ ]
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾: أي: وما عابَ وما كره الكافرون من المؤمنين إلَّا إيمانُهم باللَّهِ.
وذكْرُ المستقبلِ مع وجود الإيمان منهم في الماضي؛ لإرادةِ معنى الدَّوام عليه، فإنَّهم ما عذَّبوهم لإيمانهم الماضي، بل لدوامهم عليه.
﴿الْعَزِيزِ﴾: صفة لـ ﴿للَّه﴾ تعالى، وهو المنيعُ الذي لا يُغْلَب، ﴿الْحَمِيدِ﴾ بحمدِ المؤمنين (^١)، وفي (^٢) عقول جميع المكلَّفين، والمستحِقُّ للحمد على الحقيقة.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: وأشار بهذا كلِّه إلى أنَّه لو شاءَ لمنعَهم عن ذلك، لكن لم يمنع محنةً لأوليائه.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: لا يخفى عليه شيءٌ، فهو يجازي كلًّا على وفقِ عملِه.
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: أحرقوهم، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣].
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾: ماتوا مصرِّين على ذلك، وفيه بيانُ سَعة رحمة اللَّه، أنَّهم لو تابوا لعفا عنهم.
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: قال الزَّجَّاج: لهم عذابٌ في جهنَّم لكفرهم، وعذاب بإحراقهم المؤمنين في الأخدود (^٣).
_________________
(١) في (ر): "يحمده المؤمنون".
(٢) في (ف): "الثابت في".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٣٠٨).
[ ١٥ / ٢٩٠ ]
وقال الرَّبيع: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ بنار الأخدود في الدُّنيا. فقد روينا عنه أنَّ تلك النَّار عادت عليهم فأحرقَتْهم (^١).
وقيل: ﴿الْحَرِيقِ﴾ من أسماء النَّار أيضًا كالسَّعير، فجُعِلَ لهم في الآخرة عذابُ جهنَّم وعذابُ الحريق، فيجوز أن يكونا دركتَيْن فيها، أو مكانَيْن فيها.
أو يقال: ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: عذابٌ بزمهريرها، و﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: عذابٌ بحرِّها، فيردَّدون بين حرٍّ وبين برد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾: وهذا في المؤمنين الذين صبروا على ذلك العذاب.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾: أي: أَخْذَه وانتقامه.
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾: قال الحسن والضَّحَّاك وابن زيد: أي: يَبدأُ الخلقَ، ويعيْدُه بالبعث بعد الموت (^٢). وهو معنى المبدئ والمعيد في أسماء اللَّه تعالى.
وقيل: إنَّه هو المبدِئ للعذاب في الدُّنيا، المعيدُ له في العُقْبى (^٣). كذا روى العوفيُّ عن ابن عبَّاس: يبدِئُ العذابِ ويعيدُه (^٤).
وقال محمد بن كعب: ﴿يُبْدِئُ﴾ من التُّراب ﴿وَيُعِيدُ﴾ إلى التُّراب.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٧٦). وقد تقدم قريبًا.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٨٢) عن الضحاك وابن زيد.
(٣) في (ف): "الآخرة".
(٤) في (ر): "مبدئ العذاب ومعيده". رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٨٣).
[ ١٥ / ٢٩١ ]
وقال مجاهد: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ بالسَّعادة والشَّقاوة، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
وقال ابن كيسان: يُبدؤكم ضعفاء ويعيدكم كذلك.
وقال عبد العزيز بن يحيى: نبدؤكم أفرادًا ونعيدكم كذلك (^١).
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾: للمؤمنين التَّائبين.
﴿الْوَدُودُ﴾: المتودِّد إلى عباده بغفرانه، وسائرِ وجوه إحسانه.
وقال الحسنُ: ﴿الْوَدُودُ﴾: الذي يتودَّد إلى خلقِه بما يعطيهم من النَّعيم في دينهم ودنياهم (^٢).
وقيل: هو فعول بمعنى الفاعل؛ أي: يَوَدُّ المطيعين.
وقيل: هو في معنى المفعول؛ أي: يَوَدُّهُ عبادُه المؤمنون.
﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: أي: ذو المُلك، وقيل: هو ذو العرش العظيم.
﴿الْمَجِيدُ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿المجيدِ﴾؛ خفضًا نعتًا لـ ﴿الْعَرْشِ﴾.
وقال ابن عبَّاس: هو الكريم (^٣).
وقرأ الباقون رفعًا نعتًا لقوله: ﴿ذُو﴾ (^٤)، وهو اللَّه تعالى.
_________________
(١) لم أقف على هذه الأقوال الأربعة.
(٢) ذكره ابن أبي زمنين في "تفسيره" (٥/ ١١٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٨٤)، وسياقه عند الطبري يشير إلى أن هذا القول على قراءة الرفع الآتية.
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١).
[ ١٥ / ٢٩٢ ]
والمجدُ: الرِّفعةُ والعُلُوُّ والشَّرف (^١)، فيجوز أن يُوصَف به اللَّه، ويجوز أن يُوصَف به العرش.
* * *
(١٦ - ٢٢) - ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾: لا يمنعُه عنه مانع، ولا يمانعُه فيه ممانِع، يكرم مَن يشاء ويُهين مَن يشاء، ويضلُّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء، ويغفر لمن يشاء ويعذِّب مَن يشاء، له الإرادة والمشيَّة والحكمُ والقضيَّة في كلِّ البريَّة.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾: هو استفهام بمعنى التَّقرير؛ أي: قد أتاك حديث الجنود، وما أحلَلْتُ بهم من نقمتي. ثم ذكر بعضهم وقال:
﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾: وفرعون من المتأخِّرين، وثمود من المتقدِّمين، وذكرُهم (^٢) ذِكرُ أمثالهم من الأوَّلين، وهو وعدٌ للنَّبيِّ -ﷺ- وللمؤمنين، ووعيد للكافرين.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾: أي: ليس كفر هؤلاء لقصور البيان ولخفاء حال الجنود عليهم في ماضي الزَّمان، لكن يكذِّبونك عنادًا.
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾: قيل: أي: واللَّه قادر عليهم، فهم في قبضتِه وقهرِه وقدرته.
وقيل: هو إخبارٌ بدنوِّ إهلاكهم، كما قال: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١]، وقال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢].
وقيل: أي: واللَّه قد أحاط بهم علمًا، ولا يخفَى عليه شيء منهم، وسيجزيهم على وفق عملهم.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "الشرف" بلا واو.
(٢) "ذكرهم" ليس في (أ).
[ ١٥ / ٢٩٣ ]
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾: أي: ليس كما يقولون: إنَّه مفترًى، وإنَّه أساطير الأولين، ولكنَّه قرآنٌ عالي القَدْرِ عندَ اللَّه تعالى.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾: قرأ نافع: ﴿مَحْفُوظٌ﴾ بالرَّفع نعتًا للقرآن، وقرأ الباقون خفضًا نعتًا للَّوح (^١). وكلُّ واحدٍ منهم محفوظٌ عن التَّبديل والتَّغيير.
وقال مقاتل: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ عن الشَّياطين (^٢).
وقيل: هو كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ الآية [الزخرف: ٤].
وقال الحسن: اللَّوحُ: شيء يَلُوح للملائكة فيقرؤونه (^٣).
وقال ابن عبَّاس: إنَّ اللَّه تعالى خلق لوحًا محفوظًا من درَّة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، وعرضه ما بين السَّماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاثَ مئة وستين نظرة، يحيي ميتًا، ويميت حيًّا، ويغني فقيرًا، ويُفقر غنيًّا، ويعزُّ ذليلًا، ويذلُّ عزيزًا (^٤).
وقال أبو روق: أعلاه معقودٌ بالعرشِ، وأسفلُه في حِجْرِ مَلَك كريم، واللَّوح فيه كتابُ كلِّ شيء.
وقال مقاتل: عن يمين العرش (^٥). واللَّه تعالى أعلم.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١١٠) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤].
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٤٤) بلا نسبة.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٥). وفيهما بعد كلمة (حمراء): (والدفتان لوحان).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٢٤).
[ ١٥ / ٢٩٤ ]