بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خوَّفنا العقبة، الرحمنِ الذي حثَّنا على فكِّ الرَّقبة، الرحيمِ بأهل المتربة والمقرَبة (^٢).
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سورة لا أقسم بهذا البلد أعطاه اللَّه تعالى الأمانَ من عقوبةِ يوم القيامة" (^٣).
وهذه السُّورة مكيَّة، وقيل: مدنيَّة.
وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثُ مئة وسبعة وثلاثون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الإنسان، وجزاء أهل الإساءة وأهل الإحسان.
* * *
(١ - ٢) - ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾.
وقولة تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: ﴿لَا﴾ ردٌ؛ أي: ليس هو كما يتوهَّمُه هذا
_________________
(١) في (ر): "سورة لا أقسم بهذا البلد"، وفي (ف): "سورة لا أقسم".
(٢) في (أ): "المسكنة والمتربة" وفي (ف): "المتربة" بدل: "المتربة والمقربة".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٨٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٠٧)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٣٥٥ ]
الإنسان أنَّه لا يقدر عليه أحدٌ، ﴿أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ الذي أنت فيه يا محمَّد، وهو مكَّة.
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: قال مجاهد: أي: لا تؤاخذ بما عملْتَ فيه، وليس عليك فيه ما على النَّاس، ولعلَّه إشارةٌ إلى ما قاله النَّبيُّ -ﷺ-: "وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً مِن نهارٍ" (^١).
وقال شُرَحْبِيلُ بن سعد: أي: ومع حرمة هذا البلد، ومع أنَّ أهلَها لا يستحلُّون فيه شيئًا، يستحلُّون قتلَكَ وإخراجَكَ عنها وأنت حِلٌّ عندهم فيه (^٢).
وقيل: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾؛ أي: حالٌّ نازلٌ فيه، يعني: حرمتُه بسببِ حلولِكَ فيه.
وقال ابن عبَّاس: أي: تَقتل بمكَّة مَن شئْتَ من الكفَّار (^٣).
وقال مقاتل: فقتل يوم فتح مكَّة عبد اللَّه بن أسد بن خَطَل ومِقْيَس بن صبَابةَ وغيرهما (^٤).
وقال الضحَّاك: يعني: إن شئْتَ فاقتلْ وإنْ شئْتَ فأمسك (^٥).
وقال ابن كيسان: أحلَّ اللَّهُ له فيها ما احتاج إليه من صيدها وشجرها.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣)، من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄.
(٢) رواه سعيد بن منصور وابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٥١٨). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٣٢)، ولفظ الطبري: (﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني بذلك: نبي اللَّه -ﷺ-، أحل اللَّه له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويحيي من شاء، فقتل يومئذ ابن خطل صبرا وهو آخذ بأستار الكعبة. . .).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٠١)، وليس فيه قوله: "عبد اللَّه بن أسد بن خطل"، وتقدم ذكر قتل ابن خطل في خبر ابن عباس السابق. وقد اختلف في اسمه، انظر: "نسب قريش" للزبيري (ص: ٤٣٩)، و"أنساب الأشراف" للبلاذري (١/ ٣٥٩)، و"اللباب في تهذيب الأسماء" لابن الأثير (١/ ٣٧).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٣٢).
[ ١٥ / ٣٥٦ ]
وقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾؛ أي: أنت بَرٌّ تقيٌّ غيرُ آثمٍ (^١).
وقال الحسن: يقول اللَّه تعالى: أنت فيه محسِنٌ، وأنا عنك راضٍ، وأنت حِلٌّ من أن تكون عاصيًا لي فيه (^٢).
وقالوا: تحقيقه: أنَّ الحِلَّ نعت كالحالِّ، وهو كالحِرْم نعتٌ كالمُحْرِم، والمحرم: مَن يرتكبُ الحرمة، والحِلُّ مَن لا يرتكبها.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾: قال الفرَّاء: أي: ومَن ولد؛ كقوله: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]؛ أي: ومَن بناها، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] (^٣).
وهو قسم بآدمَ وكلِّ أولاده، وقد كرَّمهم اللَّه تعالى وفضَّلهم على كلِّ خلقه.
وقيل: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: هم المؤمنون من أولادِه، والكفَّار سُمُّوا أنعامًا فخرجوا منهم.
وقيل: ﴿وَوَالِدٍ﴾: هو إبراهيم، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: ذرِّيته.
وقيل: المؤمنون من ذريته.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: على هذا وقع القَسَم.
وقيل: هو للجنس. وقيل: هو إنسان بعينه (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦١١)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٠٤).
(٢) ذكره ابن فورك في "تفسيره" (٣/ ٢٢٢)،
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٤) زاد في (ف): "وقيل: هو كلدة بن أسيد"، وسيأتي.
[ ١٥ / ٣٥٧ ]
والكبدُ: الشِّدَّة والمشقَّة.
قال قتادة: خُلِقَ الإنسانُ حين خُلِقَ في مشقَّةٍ، لا تَلْقَى ابنَ آدمَ إلَّا يكابد عمل الدُّنيا والآخرة (^١)؛ أي: يقاسي.
وقال ابن عبَّاس: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: حملُه ووِلادُه ونباتُ أسنانه، ورضاعُه وفطامُه، وحياته وموته (^٢).
وقال أبو العالية: يكابد مضائق الدُّنيا وشدائد الآخرة (^٣).
وقال يمان بن رئاب: لم يَخلق اللَّه تعالى خلقًا يكابد ما يكابد ابنُ آدم (^٤).
وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: لا يُدرك هواه، ولا يَبلغ مُناه (^٥).
وقال عبد العزيز بن يحيى: محاربًا للشَّياطين.
وقال ذو النُّون: مربوطًا بحبل القضاء، مدعوًّا إلى الائتمار والانتهاء (^٦).
وقال مقاتل: ﴿فِي كَبَدٍ﴾؛ أي: قائمًا على رجلِه، وخَلَق الدَّوابَّ مكبَّةً (^٧).
وقيل: ﴿فِي كَبَدٍ﴾؛ أي: لكَبَدٍ، وهي مشقَّة العبادات التي يُتعبَّد بها (^٨)، وأمورُ المعاش التي لا بُدَّ منها.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٤٢٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٠٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٣٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٩٣٣) وصححه.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٠٩) عن سعيد بن أبي الحسن. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٣٣) عن الحسن.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٧). ورواه الواحدي في "البسيط" (٤/ ٤٨٩) عن الحسن.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٧).
(٦) انظر: "مدارك التنزيل" (٤/ ٣٤٠)، و"فتح البيان في مقاصد القرآن" لصديق حسن خان (١٥/ ٢٤٠).
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٠١).
(٨) في (أ): "يتعبدها".
[ ١٥ / ٣٥٨ ]
وقال الحسن: يكابد الشُّكر على السَّراء، والصَّبر على الضَّرَّاء، لا يكون أبدًا إلَّا كذلك (^١).
وقيل: يكابد في الدَّارين الأطوار إلى أن يستقرَّ في الجنَّة أو في النَّار.
وروى أبو صالح عن ابن عبَّاس: يكابد أمور الدُّنيا وأحوال الآخرة (^٢).
وهو كلَدةُ بن أَسيد بنِ خلف أبو الأشدَّين، كان يضع الأديم العكاظيَّ تحت قدمَيْه ويقول: مَن أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يُطاق أن يُنزَعَ من تحت قدمَيْه (^٣).
وروى أبو الضُّحى عن ابن عبَّاس: أنَّه نزل في الوليد بن المغيرة (^٤).
* * *
(٥ - ٧) - ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ﴾: الإنسان (^٥) ﴿أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾؛ أي: أيظنُّ أنْ لن يقهرَه قاهر، ولن يغلبَه غالبٌ، مع علمِه أنَّه خُلِقَ في كبدٍ، لا يمكنه دفع ضيق الحال وتعبِ العيش عن نفسه، فهو مسخَّر مربوبٌ، بل يقهرُه اللَّه الواحد القهَّار.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٧).
(٢) روى الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٠٨) من طريق أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ يقول: "في شدة".
(٣) انظر: "أنساب الأشراف" للبلاذري (١٠/ ٢٥٣)، و"معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٣٢٨)، و"تفسير البغوي" (٨/ ٤٣٠)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٤٨٤).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٨).
(٥) "لإنسان" من (أ).
[ ١٥ / ٣٥٩ ]
وقيل: أي: أيظنُّ مع ما (^١) خُلق للامتحان أن لن يقدر على مجازاته بسوء أعماله أحد؟! بل يقدر على ذلك مَن خلقَه، وبالأمر والنَّهي تعبَّده.
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾: أي: كثيرًا، تلبَّد بعضُه على بعض؛ أي: تراكب، وليس بمعدول، بل هو نعت كالحُطَم والزُّفَر (^٢).
وقيل: معناه: يتبجَّح ويقول: أهلكْتُ مالًا كثيرًا في قضاء أوطاري، ودفعْتُ عنِّي أعدائي، فلم يقدر عليَّ أحدٌ من أضدادي، وكذا أنفقُه في قمع مَن يقصد مَساءتي من محمَّد وأصحابِه، فلا يصلُون إليَّ.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾: حين فعل ذلك، بل رآه اللَّه تعالى، وسيجزيه على ما فعل إذا أنفقَه في الشَّرِّ دون الخير.
وقيل: أظهر أنَّه أنفق الكثير في عداوة رسول اللَّه -ﷺ-، وتكثَّر به عند المشركين كاذبًا، فأكذبه اللَّه تعالى بهذا.
* * *
(٨ - ١١) - ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ﴾؛ أي: لهذا الإنسان، استفهام بمعنى التَّقرير.
﴿عَيْنَيْنِ﴾: يبصر بهما ﴿وَلِسَانًا﴾: ينطق به ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾: يستعين بهما على الإبانة باللِّسان وينتفع بهما في غير ذلك.
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: أي: بيَّنا له الطَّريقين؛ روى أبو هريرة ﵁، عن
_________________
(١) في (ر): "أيظن أنه ما".
(٢) الزفر: الشجاع، والأسد، والبحر، وله معان أخرى كثيرة.
[ ١٥ / ٣٦٠ ]
النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "هما النَّجدان، نجد الخير، ونجد الشَّرِّ، فلا يكون نجدُ الشَّرِّ أحبَّ إلى أحدكم من نجد الخير" (^١).
وهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
وقيل: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾؛ أي: الثَّديين يرضعهما.
والنَّجدُ: الطَّريق المرتفع.
يقول: قد أزحنا العلَّة، وأنلنا الكفاية، وأقمنا الحجَّة، وأظهرنا (^٢) النِّعمة.
_________________
(١) رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٤٤٧)، وفي إسناده كلثوم بن محمد بن أبي سدرة؛ قال أبو حاتم: كان جنديًا بخراسان، لا يصح حديثه. وقال ابن عدي: كلثوم حلبي يحدث عن عطاء الخراساني بمراسيل وعن غيره مما لا يتابع عليه. انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٧/ ١٦٤)، و"ميزان الاعتدال" (٣/ ٤٠٨). وروي من طريق عطاء الخرساني عن أبي هريرة ﵁، وهو منقطع. انظر: "ذخيرة الحفاظ" للمقدسي (٥/ ٢٦٣٥)، و"تغليق التعليق" لابن حجر (٣/ ٢٤٥). ورواه ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" عند هذه الآية عن أنس ﵁ مرفوعًا. وفي إسناده ضعف. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٠٢٠)، و"المعجم الأوسط" (٢٥٤١)، والقضاعي في "المسند الشهاب" (١٢٦٣) عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا. وفيه فضال بن حبير وهو ضعيف كما في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٥٦). ورواه الدولابي في "الكنى والأسماء" (١٦١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤١٦) عن عبد اللَّه ابن مسعود ﵁ موقوفًا عليه. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦١٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤١٧ - ٤١٨)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٩) عن الحسن عن النبي -ﷺ- مرسلًا. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤١٨) عن قتادة عن النبي -ﷺ- مرسلًا أيضًا.
(٢) في (أ): "بما ظاهرنا"، وفي (ف): "بما أظهرنا".
[ ١٥ / ٣٦١ ]
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: أي: لم يعمل ما به يَتجاوَزُ العقبة.
وقيل: أي: أفلا (^١) اقتحم العقبة؛ أي: هلَّا أنفَق مالَه فيما فيه اقتحامُ العقبة؟
وحذف حرف الاستفهام، كما قال امرؤ القيس:
تروحُ مِنَ الحيِّ أمْ تَبْتَكِرْ وماذا عليْكَ بأنْ تَنْتَظِرْ (^٢)
قال الحسن: عقبةٌ واللَّهِ شديدةٌ، يريد الرَّجل أن يجاهد نفسَه وهواه والشَّيطان (^٣).
وقال ابن عبَّاس ﵄: هي عقبة بين الجنَّة والنَّار (^٤).
وقال كعب الأحبار: هي سبعون دركًا في جهنَّم (^٥).
وقال مجاهد: ﴿الْعَقَبَةَ﴾: عقاب جهنم (^٦).
وقال الضَّحَّاك: هو الصِّراط (^٧).
وقيل: هو كقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧].
_________________
(١) في (أ) و(ر): "فلا"، وسقطت الجملة من (ف)، والصواب المثبت. انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٢١٠)، و"تفسير القرطبي" (٢٢/ ٢٩٨).
(٢) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ١٠٥).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢١٠).
(٤) رواه عبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٥٢٣). وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٢٤) عن الكلبي. وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ٥١١).
(٥) رواه ابن وهب في "جامعه - التفسير" (١/ ١١٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٢١).
(٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٣٤) عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "العقبة: النار". ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٢٠) عن الحسن بلفظ: "عقبة في جهنم"، وفي رواية: "العقبة: جهنم".
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢١٠) عن مجاهد والضحاك والكلبي.
[ ١٥ / ٣٦٢ ]
وقيل: هو عقبة القيامة؛ أي: مشقَّة ورودها.
وقال الكلبيُّ: هو الصِّراط يُضرَبُ على جهنَّم كحدِّ السَّيف مسيرةَ ثلاثة آلاف سنة صعودًا وهبوطًا وسهلًا، وإنَّ بجنبيه لحسكًا وكلاليب، فمِن النَّاس مَن يمرُّ عليه كالبرق الخاطف، ومنهم مَن يمرُّ عليه كالفارس (^١) الموضع، ومنهم مَن يمرُّ عليه كالرَّجل يعدو، ومنهم مَن يمرُّ عليه كالرَّجل يسير، ومنهم مَن يزحف زحفًا، ومنهم مَن يُكردَس في النَّار (^٢)، واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشي (^٣).
* * *
(١٢ - ١٦) - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾: أي: ما اقتحامُ العقبة؟
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ﴿فَكَّ﴾ و﴿أطعَمَ﴾ على الفعل الماضي، كما ذكر فيما قبله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾، وفيما بعده: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ﴾.
وقرأ الباقون: ﴿فَكُّ﴾ بالرَّفع، ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ بالألف والرَّفع (^٤)؛ تفسيرًا لقوله: ﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾؛ أي: ما اقتحامها؟ هو بهذين الفعلين.
والاقتحام لازم الإقحام، وهو الإلقاء من العُلوِّ في نهر أو وهدةٍ أو نحوِ ذلك بسرعة.
_________________
(١) بعدها في (ف): "أي: المسرع".
(٢) "في النار" ليس في (أ).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢١٠).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٣).
[ ١٥ / ٣٦٣ ]
و﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: إخراج المال في فكِّ الرِّقاب بإعطاء المكاتَب ما يؤدِّي به مكاتبَتَه.
وقال البراء بن عازب ﵁: جاء أعرابيٌّ إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه، دلَّني على عمل يدخلني الجنَّة؟ فقال: "أعتقِ النَّسمَةَ، وفكَّ الرَّقبة"، فقال: يا رسول اللَّه، أليسَتا شيئًا واحدًا؟ قال: "لا، عتق النَّسمة أن تنفردَ بعتقِها، وفكُّ الرَّقبة أن تُعِين في بذلها" (^١).
يقول: لم ينفق هذا الكافر مالَه فيما أُمِرَ به من وجوه الخير.
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: أي: مجاعة، وقد سَغِبَ يَسغَبُ سَغَبًا، فهو ساغب وسَغْبانُ، من حدِّ (علم)، والمسغَبة (^٢) للمصدر أيضًا.
﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: أي: قرابةٍ، فتجتمع قُرْبتان.
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: أي: فقرٍ شديد، وهي من التُّراب؛ أي: الذي لصِقَ بالتُّراب؛ لقربِه وعدمِ ما يبسطه على الأرض شيئًا (^٣).
* * *
(١٧ - ٢٠) - ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾.
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: مع هذا يكون مؤمنًا، فإنَّه لو كان كافرًا، لم يكن لصدقته قَبول ونفع.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٨٦٤٧)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٧٤). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٤٠): "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
(٢) في (أ) و(ف): "والمفعلة".
(٣) "شيئًا" من (أ).
[ ١٥ / ٣٦٤ ]
و﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الإخبار عنه، لا لترتيب الوجود؛ أي: ثم أُخبرُكم أنَّ هذا لمن كان مؤمنًا، وهو كقول الشَّاعر:
إنَّ مَنْ سادَ ثمَّ سادَ أبوه ثم قد ساد قبلَ ذلكَ جَدُّه (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: عطف على قوله: ﴿آمَنُوا﴾؛ أي: مَن كان من المؤمنين الذين يوصِي بعضُهم بعضًا بالصَّبر على الطَّاعة وعن المعصية في المحنة.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾: أي: بالرَّحمة على خلق اللَّه تعالى.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: أي: اليمن والخير والسَّعادة.
وقيل: أصحاب اليمين الذين يُعطَون كتبَهم بأيمانهم، ويُسلَك بهم طريق اليمين إلى الجنَّة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: أي: الشُّؤم والشَّرِّ والشَّقاوة.
وقيل: هم أصحاب الشَّمال الذين يُعطَون كتبَهم بشمائلهم، ويُسلَكُ بهم شمالًا إلى النَّار.
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: مُطبَقة، فلا يَخلُص إليهم رَوحٌ، ولا يخفَّف عنهم كرب.
قرأ حمزة والكسائيُّ وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ بالهمزة، والباقون بغير همز (^٢)، وهما لغتان: آصدْتُ الباب وأوصدْتُه، والبابُ إصادٌ ووِصاد.
* * *
_________________
(١) البيت لأبي نواس من قصيدة في مدح إبراهيم بن عبيد اللَّه الحجبي. انظر: "ديوانه" (ص: ١٥٤)، و"الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص: ٣٦)، و"الهداية" لمكي بن أبي طالب (٣/ ١٩٥٩)، وروايته في هذه المصادر: (قل لمن ساد. . .).
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٣).
[ ١٥ / ٣٦٥ ]