بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أقام البيِّنة الجليَّة، الرحمنِ الذي شَرَع الملَّةَ الرضيَّة، الرحيمِ الذي جعل أهلها خيرَ البَرِيَّة.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ كان له من الأجر كالذي يكون يوم القيامة مع خيرِ البريَّة" (^٢).
وهذه السورة مدنيةٌ، وهي تسع آيات وأربعٌ وتسعون كلمةً وثلاثُ مئة وثمانيةٌ وتسعون حرفًا.
وانتظام السورتين: أن تلك السورة في ذكر الليلة التي أُنزل فيه القرآن، وفي هذه السورة ذكرُ المصدِّقين والمكذِّبين بالقرآن.
* * *
(١) - ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: اليهودُ والنصارى ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: ومِن عبَدةِ الأوثان، و﴿مِنْ﴾ ليس للتبعيض بل للتجنيس.
_________________
(١) في (ر): "سورة لم يكن".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٦٠)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٣٨)، بلفظ: "من قرأ سورة لَمْ يَكُنِ كان يوم القيامة مع خير البرية مسافرًا أو مقيمًا"، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١١٣)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٤٣٣ ]
﴿مُنْفَكِّينَ﴾: قال ابن عباس: أي: غيرَ منتهِينَ عن الكفر (^١).
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ﴾: أي: حتى أتَتْهم، مستقبلٌ بمعنى الماضي.
﴿الْبَيِّنَةُ﴾: الحجةُ الظاهرة، والمراد بها: الرسول ﵇ هاهنا، فقد قال بعده: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو بدلٌ عن ﴿الْبَيِّنَةُ﴾؛ أي: فلما جاءهم اهتدَوا به.
وقيل: أسلم بعضٌ وثبَت على الكفر بعضٌ.
وقال القتبي: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾؛ أي: زائلين، والانفكاك: الزوال (^٢).
وقيل: الانفصال، والفكُّ: الفصل (^٣).
وقيل: أي: لم يكونوا ليُترَكوا خالينَ عن حُجج اللَّه تعالى حتى تأتيَهم البينةُ التي تقوم بها الحجة.
وقال الفراء: قال قوم: أي: لم يكن أهل الكتاب ومَن يُرجع إليهم من المشركين تاركين صفة محمد ﵇ كما هو في التوراة حتى بُعث، فلما بُعث تفرَّقوا واختلفوا فيه (^٤)، وهو كقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ الآية.
قال: وقيل: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾؛ أي: متفرِّقين في أمر محمدٍ حتى جاءهم، وانفكاكُ (^٥) أحد الشيئين من الآخر [من] هذا (^٦).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٣٩) من طريق عطاء عن ابن عباس، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٥١) عن مجاهد وقتادة. وروى ابن المنذر عن ابن عَبَّاس كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٨٨) قوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: بَرِحين.
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥٣٥).
(٣) في (ر): "وانفك انفصل".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٨١).
(٥) في (أ) و(ر): "حتى جاز انفكاك"، وفي (ف): "حتى جاءهم والانفكاك". ولعل المثبت هو الصواب.
(٦) لم أجده عن الفراء، وما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١٥ / ٤٣٤ ]
وقيل: لم يكونوا منتهينَ عن كفرهم؛ أي: كان لا يُطمع في إيمانهم بدون رسولٍ يأتيهم، فأتاهم رسول اللَّه، فمَن وفَّقه اللَّه تعالى للإيمان آمَن، ومَن خذله لم يؤمن ولزمتْه الحجة.
وقيل: لم يكونوا منفكِّين؛ أي: خارجين من الدنيا حتى تبيَّن لهم الحق.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾: ترجمةٌ عن البينة، وهو نكرة استُؤنفت على النعت، كقوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٥ - ١٦]، وتقديره: هو رسولٌ من اللَّه.
﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾: هي التي عند اللَّه في أم الكتاب الذي نُسخ منه ما أُنزل على الأنبياء من الكتب، وقد قال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، ومعنى المطهرة ما مر في تلك السورة.
﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾: أي: مستقيمة، وهي كتب الأنبياء، والقرآنُ مصدِّقٌ لها كلِّها فكأنها فيه، ولأن كلَّ نوع من البيان فيه كأنه كتابٌ، وكأن كلَّه كتب.
وقيل: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾؛ أي: أحكام عادلة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١]؛ أي: حكَم.
* * *
(٤ - ٥) - ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾: للحسد والبغي، لا لقصورِ البيان والوحي.
[ ١٥ / ٤٣٥ ]
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: أن يعبدوا اللَّه؛ كما قال: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]؛ أي: إلا أن يوحدوا اللَّه ويطيعوه.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾: أي: مستقيمين مائلين عن الباطل إلى الحق.
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾:
قيل: دينُ الملَّة القيِّمة.
وقيل: دين الشريعة القيِّمة، وكأنه إضافةُ الشيء إلى نفسه؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، و: مسجد الجامع.
وقال ابن عباس: وذلك دينُ الملائكة القيِّمة (^١).
وقيل: أي: دين الكتب القيمة، وقد سبق ذكرها في هذه السورة.
وقال الخليل: الهاء للجمع؛ أي: دين القائمين للَّه بالتوحيد (^٢).
* * *
(٦ - ٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾: وقرأ ابن عامر: ﴿البريئة﴾ بالهمز، من قولهم: برأ اللَّه الخلقَ يَبرأ بَرءًا، وقرأ الباقون بغير همزٍ (^٣)، من بَرَيتُ القلمَ بريًا؛ أي: قدَّرتُه.
_________________
(١) "القيمة" ليست في (ف). والخبر ورد في "تنوير المقباس" (ص: ٥١٦) دون الكلمة المذكورة.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٦١)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٩٦ - ٤٩٧).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٦٩٣)، و"التيسير" (ص: ٢٢٤)، عن نافع وابن ذكوان.
[ ١٥ / ٤٣٦ ]
وقيل: من البَرَى وهو التراب.
وقيل: أصله همزٌ ثم تُرك تخفيفًا كما في الدَّرِيَّة والخابِيَة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾: أي: الخليقة، ودلت الآية على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة.
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أي: بساتينُ إقامة.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: لا يموتون فيها ولا يُخرجون عنها.
﴿﵃﴾: فقبِلَ أعمالهم وأحسنَ جزاءهم.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: إذ آتاهم أفضلَ مما كان منهم.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾: أي: خافه ولم يُعْجَب بعمله، ولم يَمْنُنْ (^١) به على ربه، وهو كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
* * *
_________________
(١) في (أ): "يتمنى"، وفي (ف): "يمتن".
[ ١٥ / ٤٣٧ ]