بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي فرض للمؤمنين تحلَّة أيمانهم، الرحمنِ الذي يعطيهم يومَ القيامة نورًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، الرحيمِ الذي شرَّفَهم بطاعتهم وإيمانهم.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أعطاه اللَّه تعالى توبة نصوحًا" (^١).
وهذه السُّورة مدنيَّة.
وهي اثنتا عشرة آية، ومئتان وتسعُ كلمات، وألفٌ وثمانيةٌ وثمانون حرفًا.
وختمُ تلك السُّورة بثناء اللَّه، وافتتاحُ هذه السُّورة بنداء رسول اللَّه -ﷺ-.
والسُّورتان في ذكر الأزواج والزَّوجات.
وختمُهما في بيان دلائل التَّوحيد، والحثِّ على الإيمان والطَّاعات.
* * *
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾: أي: على نفسك ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ من ملاذِّ
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٤٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣١٧)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٤ / ٤٧٥ ]
الدُّنيا ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾: لطلب رضا زوجاتك؛ أي: هنَّ أحقُّ بابتغاء رضاك منك بابتغاء رضاهنَّ، فإنَّما فضيلتهنَّ بك.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لا يُلزمك ما ألزمْتَ نفسَك من تحريم الحلال عليك، بل يبيح ذلك لك، ويجعل لك منه المخرج.
واختلف فيما حرَّمه على نفسه:
قيل: هو مارية القِبطيَّة. قال ابن إسحاق: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أصابَ جاريته القبطيَّة أمَّ إبراهيم في بيت حفصة وفي يومها (^١)، وكانت الجارية قد ثقلَتْ على عائشة وعلى نسائه ﵅، فعثرَتْ حفصةُ على ذلك وهو معها، فقالت: يا رسول اللَّه، لقد جئْتَ إليَّ شيئًا ما جئْتَ إلى أحد من نسائك، أوَفي بيتي وعلى فراشي وفي يومي (^٢)؟ قال: "أيرضيْكِ أنْ أحرِّمَها على نفسي، فلا أمسَّها؟ "، قالَتْ: نعم. فحرَّمها على نفسه، وقال: "لا تذكريه لأحدٍ من النِّساء"، قالَتْ: أفعل، وكانت حفصة لا تكتم على عائشة شيئًا، فلمَّا خرج النَّبيُّ -ﷺ- ذهبَتْ إلى عائشة ﵂ فأخبرتها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، قال: فكفَّرَ رسول اللَّه -ﷺ- بيمينه، وأصاب الجارية (^٣).
_________________
(١) في (ف): "نوبتها".
(٢) في (ف): "وفي نوبتي".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٨٨). ورواه الدارقطني في "سننه" (٤٠١٣) من حديث عمر ﵁، دون قوله في آخره: (فكفَّرَ رسول اللَّه -ﷺ- بيمينه، وأصاب الجارية). قال الشهاب الخفاجي في "الحاشية على البيضاوي" (٨/ ٢١٠): اختلف في سبب النزول فقيل: قصة مارية، وقيل: قصة العسل، وقال في شرح مسلم الصحيح أنها في قصة العسل، لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح. وانظر: "شرح مسلم" للنووي (١٠/ ٧٧).
[ ١٤ / ٤٧٦ ]
وقيل: بل حرَّم على نفسه شرابًا، وكان يشربه عند بعض نسائه، فغار سائرهنَّ، فحرَّم ذلك على نفسه، فاختلفت الرِّوايات في المرأة التي كان ذلك عندها:
فقيل: زينب بنت جحش.
وقيل: سودة بنت زمعة.
وقيل: حفصة بنت عمر (^١).
قال عبيد بن عمير عن عائشة ﵂: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان يمكُثُ عند زينبَ بنتِ جحشٍ، ويشرب عندها عسلًا، فتواصيْتُ أنا وحفصة أنَّ أيَّتَنا دخلَ عليها النَّبيُّ -ﷺ- فلتقُلْ: إنِّي أجدُ منكَ ريحَ مغافيرَ (^٢)، أكلْتَ مغافيرَ؟ فدخل على إحداهما، فقالَتْ له ذلك، فقال: "لا، بل شربْتُ عسلًا عند زينبَ بنتِ جحشٍ، ولنْ أعودَ إليه"، فنزلَتِ الآيةُ (^٣).
وقال عروةُ عن عائشة ﵂: كان النَّبيُّ -ﷺ- يحبُّ الحلواءَ والعسلَ، وكان إذا صلَّى العصرَ دارَ على نسائه، فيدنو منهنَّ، فدخلَ على حفصةَ، فجلس عندها أكثرَ ممَّا كان يجلسُ، فسألْتُ عن ذلك، فقيل لي: أهدَتْ إليها امرأةٌ من قومِها عُكَّةَ عسلٍ، فسقَتْ رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، فقلْتُ: واللَّه لنحتالَنَّ له، فذكرْتُ ذلك لِسَوْدَةَ، فقلْتُ: إذا دخلَ عليك فإنَّه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول اللَّه، أكلْتَ مغافير؟ فإنَّه
_________________
(١) ستأتي الروايات بهذه الأقوال لاحقًا. وانظر طريق الجمع أو الترجيح بينها في "فتح الباري" (٩/ ٣٧٦).
(٢) المغافير: شيء ينضجه العرفط، حلو كالناطف وله ريح كريهة. والعرفط: جمع عرفطة، وهو شجر من العضاه زهرته مدحرجة، والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك كالطلح والسمر والسلم ونحو ذلك. وفي الرواية الآتية: (جرست نحلُه العرفط)؛ أي: أكلته. انظر: "جامع الأصول" لابن الأثير (٢/ ٣٩٧).
(٣) رواه البخاري (٥٢٦٧)، ومسلم (١٤٧٤/ ٢٠).
[ ١٤ / ٤٧٧ ]
سيقول لك: لا، فتقولين: فما هذه الرِّيح، فكان رسولُ اللَّه -ﷺ- يشتدُّ عليه أنْ تُوْجَدَ منه ريحٌ كريهةٌ، فإنَّه سيقول لك: سقتني حفصةُ شربةً مِنَ العسلِ، فقولي: جرسَتْ نحلُهُ العُرْفُطَ، وسأقول ذلك، وقوليه يا صفيَّة.
فلمَّا دخل على سودةَ فقالَتْ: واللَّه الَّذي لا إله إلَّا هو، لقدْ كدْتُ أباديه بالذي قلْتِ لي، وإنَّه على الباب فَرَقًا منكِ، فلمَّا دنا رسولُ اللَّه -ﷺ- منِّي قلْتُ: يا رسول اللَّه، أكلْتَ مغافير؟ قال: "لا"، قلْتُ: ما هذه الرِّيح؟ قال: "سقَتْني حفصةُ شربةَ عسلٍ" قلْتُ: جرسَتْ نحلُه العُرْفُطَ.
قالَتْ: فلمَّا دخلَ عليَّ قلْتُ له مثل ذلك، فلمَّا دخل على حفصةَ قالَتْ: يا رسول اللَّه، ألا أسقيْكَ منه؟ قال: "لا حاجةَ لي به".
قالَتْ: تقول سودةُ: سبحانَ اللَّه! لقد حرَّمناه عليه. قالَتْ: قلْتُ لها: اسكتي (^١).
وروى ابن أبي مليكة، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كانت لسودةَ بنتِ زمعة خؤولة باليمن، فبُعِثَ إليها بعسلٍ، وكان النَّبيُّ -ﷺ- يصيْبُ الطَّعام فيدخل عليها فيشرب من ذلك العسل، وكانت عائشة وحفصة متواخيتين (^٢) على جميع نساء النَّبيِّ -ﷺ-، فقالت عائشة: إنَّ هذا يأتي هذه، وهي تسقيه من عسلِها، فإذا هو دخلَ عليك فقولي: إنِّي لأجد منك ريحًا، فإذا دخل عليَّ قلْتُ له مثلَ ذلك، فلمَّا خرج من عند سودةَ دخل عليها، فأمسكَتْ بأنفِها، فقالَتْ: ما هذه الرِّيح؟ إنِّي لأجد منك ريحًا. قال: "أيُّ ريح؟ " قالَتْ: كأنِّي أجُد منكَ ريح المغافير! فقال: "قد قالَتْ ذلك فلانة، إنَّما هو عسلٌ شربْتُ مِن عند سودة، لا جرمَ لا أذوقه"، فقال: فنزل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢٦٨)، ومسلم (١٤٧٤/ ٢١).
(٢) في (أ) و(ف): "متواتيتين"، وفي (ر): "متواسيتين"، والمثبت من "أسباب النزول" للواحدي.
(٣) رواه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٤٠).
[ ١٤ / ٤٧٨ ]
(٢) - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أي: قدَّر اللَّهُ لكم ما تحلِّلون به أيمانكم وهي الكفَّارة.
وقيل: قد أوجبَ عليكم، فقد جعل اللَّه تحريم الحلال يمينًا، وقد أوجب فيه الكفَّارة، وهو مذهبنا.
وكذلك كان قول عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وطاوسٌ والحسن والثَّوري وأهل الكوفة.
و﴿لَكُمْ﴾ في معنى: (عليكم)، كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها.
فمَن لم يجعل تحريمَ الحلال يمينًا -وهو قول مالك والشَّافعي وجماعةٍ- فإنَّه يقول في تأويل قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: قد بيَّن لكم تحليل ما ملكت أيمانكم، كما قال: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]؛ أي: بيَّنه له؛ أي: بيَّن أنَّ إماءكم حلالٌ عليكم، ولا تحرُم عليكم بيمينكم.
وعن جعفر بن بَرْقان قال: قلْتُ لميمون بن مِهْرانَ: أرأيْتَ قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، أتقول: قد أحللْتُ لكم ما ملكَتْ أيمانُكُم، أم تقول: قد فرضْتُ عليكم
_________________
(١) = ورواه مختصرًا الطبراني في "المعجم الكبير" (١١٢٢٧). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٧): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وعزاه أبن حجر في "فتح الباري" (١٢/ ٣٤٣) إلى الطبراني وابن مردويه من طريق أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄، وقال: ورواته موثقون إلا أن أبا عامر وهم في قوله: سودة، وذكر فيه حديث عائشة. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٢١٣) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.
[ ١٤ / ٤٧٩ ]
تحلَّةَ اليمين تكفِّرون بها عن أيمانكم؟ قال ميمون: سمعْتُ (^١) كلَّ ذلك في هذا، والكفَّارة جُعِلَتْ تحلَّةَ اليمين؛ لأنَّها تُحلُّ ما حرَّمته اليمين (^٢)، على معنى أنَّه إذا حنث وكفَّرها صار كأنَّه لم يحلف (^٣).
﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: أي: وليُّكم ومتولِّي مصالحِ دينكم ودنياكم.
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾: بمصالحكم ﴿الْحَكِيمُ﴾: فيما يفرضُه عليكم ويَشرَعُه لكم (^٤).
* * *
(٣) - ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾: أي: إلى حفصة حديثَ مارية.
قال العوفيُّ عن ابن عبَّاس ﵄: إنَّ حفصة لَمَّا قالت للنَّبيِّ -ﷺ-: قد رأيْتُ مَن كانت عندك -يعني مارية- واللَّه لقد سُؤْتَني، فقال النبي -ﷺ-: "واللَّه (^٥) لأرضينَّكِ، وإنِّي مُسِرّ إليك سرًّا فاحفظيه"، قالت: وما هو؟ قال: "اشهدي أنَّ سريَّتي هذه حرامٌ عليَّ رضًا لك"، وكانت عائشة وحفصة ﵄ تَظاهَران على سائر أزواج النَّبيِّ -ﷺ-، فانطلقَتْ حفصةُ فأسرَّتْ إلى عائشة: أنْ أبشري، إنَّ محمَّدًا -ﷺ- قد حرَّم فتاته، فلمَّا أخبرَتْ بسرِّ النَّبيِّ -ﷺ- أظهرَ اللَّه تعالى النَّبيَّ -ﷺ- عليه، وأنزل فيه الآية (^٦).
_________________
(١) "سمعت" ليس في (أ).
(٢) في (ر): "حرمه اللَّه".
(٣) رواه مختصرًا عبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٢١٨).
(٤) في (ف): "ويشرعه فيكم"، وفي (ر): "وشرعه لكم".
(٥) "واللَّه" من (ف).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٠٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٥٠٧٥).
[ ١٤ / ٤٨٠ ]
وفي حديث عُبيد بن عمير عن عائشة ﵂: هو حديث العسل (^١).
وقال الكلبيُّ: أسرَّ إليها أنَّ أباكِ وأبا عائشة يكونان خليفَتَيْن على أمَّتي بعدي (^٢).
وقال في قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أنَّه قال: يا حفصة، ألم أكُ أمرْتك أن تكتمي سرِّي ولا تبديه (^٣) لأحد؟ فذكر بعضَ الذي قالت، وأعرض عن بعضٍ فلم يبده لها (^٤).
وقيل: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾؛ أي: جازاها على بعض ذلك، وغضب عليها، ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فلم يجازها عليه، فوصفَه ﷻ بالإغماض وتركِ التَّقصِّي واستعمالِ الحِلم؛ إذْ لم يجازها بكلِّ ما تستحقُّه على إفشاء سرِّه وعصيانها إيَّاه.
﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾: أي: أخبرَتْ بالحديث ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: وأعلم اللَّه نبيَّه -ﷺ- أنَّ حفصة قد أفشَتْ سرَّه.
﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: قرأ الكساِئيُّ بالتَّخفيف، وقال الفرَّاء: معناه: غضبَ عليها به، وجازاها عليه، وهو كقولك لمن أساء إليك: لأَعْرِفنَّ ذلك لك (^٥).
_________________
(١) تقدم قريبًا.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٤٥)، والواحدي في "البسيط" (٢٢/ ١٣) عن الكلبي. ورواه الدارقطني في "سننه" (٤٣٠٢) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٦٤٠) من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄. قال ابن كثير في "تفسيره": إسناده فيه نظر. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ١٧٨): فيه إسماعيل البجلي وهو ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٣) في (أ): "تبدي منه".
(٤) ذكره ابن أبي زمنين في "تفسيره" (٥/ ٦) عن الكلبي. ورواه الدارقطني في "سننه" (٤٣٠٢) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٦٦).
[ ١٤ / ٤٨١ ]
وقرأ الباقون بالتَّشديد (^١)؛ أي: أعلم حفصةَ بعضَ ذلك.
﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾: أي: سكتَ عنه، وكانت ذكرَتْ لعائشة أنَّه أصابَ مارية، وأنَّه حرَّمَها على نفسِه، والنَّبيُّ ﵊ قال لها: إنَّك قد ذكرْتِ كذا، وذكرَ بعضَ ذلك دون الكلِّ، وهو من معاملة الكرام، وهو تركُ الاستقصاء في الملام.
﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: جمعَ بينَ اللُّغتين، وهو أنبأ ونبَّأ.
ظنَّتْ أنَّ صاحبتَها أخبرَتْهُ بذلك، فقالَتْ: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾.
﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾: ﴿الْعَلِيمُ﴾ اللَّهُ العالمُ بكلِّ شيءٍ، ﴿الْخَبِيرُ﴾ ببواطن الأشياء.
* * *
(٤) - ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾: خاطب عائشةَ وحفصةَ بذلك ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: أي: مالَتْ عن الحقِّ؛ يعني: فقد كان منكما ما يوجب التَّوبة؛ إذ قد مالَتْ قلوبُكُما عن الحقِّ الواجب للَّه ولرسوله عليكما.
وقيل: أي: مالَتْ إلى محبَّةِ ما كرهَه رسولُ اللَّهِ -ﷺ-.
والصَّغو: الميل، وفي صرفِه وجهان:
صغَا يصغُو من باب دخَل يدخُلُ، وعلى هذه اللُّغة ما في هذه الآية.
وصغِيَ يصغَى من باب علِمَ يعلَمُ، وعلى هذه اللُّغة قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٣].
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢).
[ ١٤ / ٤٨٢ ]
ولا نعرفه من باب منع.
و﴿قُلُوبُكُمَا﴾ على الجمع مع إضافتها إلى الاثنين هو الاستعمال الغالب في اللُّغة فيما كان في الإنسان من الأعضاء فردًا غيرَ مثنًّى.
وفيه وجهان آخران: الإفراد والتَّثنية، قال الشَّاعر:
كأنَّهُ وَجْهُ تُرْكِيَّيْنِ قَدْ غَضِبَا مُسْتَهْدِفٌ لِطِعَانٍ غَيْرُ تَذْبِيْبِ (^١)
وقال آخر في التَّثنية والجمع:
ظهراهما مثلُ ظُهورِ التُّرسَيْنِ (^٢)
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾: أصله: تتظاهرا؛ أي: تتعاونا على إيذائه.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾: أي: حافظُه ودافعُ الضَّرر عنه، ورادٌّ كيدَ مَن أراده بسوء.
﴿وَجِبْرِيلُ﴾ ﵇ أيضًا ينصره.
﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إنْ أريد به الفرد فقد قيل: هو عمر ﵁، فقد روي
_________________
(١) البيت للفرزدق، كما في "ديوانه" (ص: ٣٧١)، وفيه: "منحجر" بدل "تذبيب"، وهو من قصيدة رائية، والمصنف تابع فيه الفراء كما في "معاني القرآن" (١/ ٣٠٨). والبيت من قصيدة للفرزدق هجا بها جريرًا تهكَّم به وجعله امرأة. وقوله: (كأَنه وَجه تركبين) المُراد بالضمير الفرج، شبه كل فلقة منه بوجه تركي، والأتراك غلاظ الوجوه عراضها حمرها. وجملة: (قد غَضبا) حَالٌ من (تركيين) على طرز قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]، و(مستهدف) صفة لـ (وجه)، وهو اسم فاعل من استهدف؛ أَي: انتصب، والطعان بالكسرِ: مصدر طعنه بالرُّمحِ طَعنًا وطعانًا. و(غير) بالرفع صفة لـ (مستهدف). انظر: "خزانة الأدب" للبغدادي (٧/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٢) الرجز لخطام المجاشعي، كما في "الكتاب" لسيبويه (٢/ ٤٨)، و"خزانة الأدب" (٢/ ٣١٤). ولهميان بن قحافة، كما في "الكتاب" لسيبويه (٣/ ٦٢٢)، و"أمالي ابن الشجري" (٢/ ٤٩٦).
[ ١٤ / ٤٨٣ ]
أنَّه قال لحفصةَ: واللَّه لو أمرني رسولُ اللَّهِ بضربِ عنقُكِ لضربْتُ عنقَكِ (^١).
وإنْ أريد به الجمعُ فهم خيار المؤمنين، منهم أبو بكر وعمر أبواهما وغيرهما.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾؛ أي: ظُهَراءُ، وهم الأعوان، وأفرد لأنَّه أُخرِجَ مخرجَ الاسم، كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقال الشَّاعر:
إنَّ العواذِلَ ليسَ لي بأميرِ (^٢)
روي: أنَّ تظاهرهما عليه كان في التَّحكُّم عليه في النَّفقة.
وقيل: في مارية.
وقيل: في حديث العسل.
وروي: أنَّه آلى منهنَّ شهرًا.
وروي: أنَّه طلَّق حفصة ﵂.
وعن عمر ﵁ أنَّه قال لها: لو كان في آل الخطَّاب خيرٌ لَمَا طلَّقَكِ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، فجاء جبريل فقال: يا محمَّد، إنَّ اللَّه تعالى يقول لك: راجعْها فإنَّها صوَّامة قوَّامة (^٣).
_________________
(١) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٤٧٤).
(٢) البيت بلا نسبة في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٦١)، و"معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٤٦٠)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٨). وصدره كما في "معاني القرآن" للأخفش: يا عاذلاتي لا تردن ملامتي
(٣) ذكر أوله الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٤٥) بلا نسبة. وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان" (٤/ ٣٧٧). وقصة طلاق حفصة وأمره بمراجعتها لأنها صوامة قوامة تقدمت قريبًا في أول سورة الطلاق.
[ ١٤ / ٤٨٤ ]
وقال مقاتل بن حيَّان: همَّ بطلاقِها، فقال جبريل ﵇: لا تطلِّقْها؛ فإنَّها صوَّامة قوَّامة، فترك ذلك (^١).
وعن عمر ﵁ قال: كنَّا معشر قريش قومًا نغلبُ النِّساءَ، فلمَّا قدمْنا المدينة وجدنا قومًا يغلبهم النِّساءُ، فطفقَتْ نساؤنا يتعلَّمْنَ مِن نسائهم، وكان منزلي في بني أميَّة بن زيد في العوالي، فغضبْتُ يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعُني، فأنكرْتُ أنْ تراجعني، فقالت: ما تنكرُ أنْ أراجعَكَ؟ واللَّه إنَّ أزواجَ النَّبيِّ -ﷺ- ليراجعْنَهُ، وتهجرُهُ إحداهنَّ اليومَ إلى اللَّيل. فانطلقْتُ فدخلْتُ على حفصة، فقلْتُ: أتراجعين رسولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ فقالَتْ: نعم. فقلْتُ: وتهجرُهُ إحداكُنَّ اليومَ إلى اللَّيل؟ قالَتْ: نعم. قلْتُ: قد خابَ مَن فعلَ هذا منكنَّ وخسرَتْ؛ أفتأمَنُ إحداكُنَّ أنْ يغضبَ اللَّه عليها لغضبِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- فإذا هي قد هلكَتْ؟ لا تراجعي رسولَ اللَّهِ -ﷺ- ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لَكِ، ولا يغرنَّكِ أنْ كانَتْ جارتُكِ هي أوسَمَ وأحبَّ إلى رسول اللَّه -ﷺ- منك، يريد عائشة.
قال: وكان لي جارٌ من الأنصار، وكنَّا نتناوب النُّزول إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فينزلُ يومًا وأنزلُ يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك، وكنَّا نتحدَّثُ أنَّ غسَّانَ تُنْعِلُ الخيلَ لتغزوَنا، فنزل صاحبي يومًا، ثم أتاني عشاءً، فضرَبَ بابي، ثمَّ ناداني، فخرجْتُ إليه، فقال: حدَثَ أمرٌ عظيم! قلْتُ: ماذا؟ أجاءَت غسَّان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطم (^٢)؛ طلَّق النَّبيُّ -ﷺ- نساءَه. قلْتُ: قد خابت حفصةُ وخسرَتْ، قد كنْتُ أظنُّ هذا، فلمَّا صلَّيْتُ الصُّبحَ شددْتُ عليَّ ثيابي، ثم نزلْتُ فدخلْتُ على
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٤٥) عن مقاتل بن حيان، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٠) عن قتادة.
(٢) في (ر) و(ف): "وأهم". وهي في الصحيحين: "وأطول"، وفي رواية للبخاري: "وأهول".
[ ١٤ / ٤٨٥ ]
حفصةَ وهي تبكي، فقلْتُ: أطلَّقَكِ رسولُ اللَّهِ؟ فقالَتْ: لا أدري، ها هو ذا يعتزل في هذه المَشْرُبة.
فأتيْتُ غلامًا له أسودَ، فقلْتُ: استأذِنْ لعمرَ، فدخل الغلام ثمَّ خرجَ إليَّ، قال: قد ذكرْتُكَ له فصَمَتَ، فانطلقْتُ حتَّى أتيْتُ المنبر، فإذا عندَه رهطٌ جلوسٌ، يبكي بعضُهم، فجلسْتُ قليلًا، ثمَّ غلبني ما أجدُ، فأتيْتُ الغلامَ، فقلْتُ: استأذن لعمر، فدخل، ثمَّ خرج إليَّ فقال: قد ذكرْتُكَ له فصمَتَ، فرجعْتُ فجلسْتُ إلى المنبر، ثمَّ غلبني ما أجد، فأتيْتُ الغلامَ فقلْتُ: استأذن لعمر، فدخل ثمَّ خرج إليَّ فقال: قد ذكرْتُكَ له فصَمَتَ، فولَّيْتُ مُدْبِرًا، فإذا الغلام يَدعوني، فقال: ادخلْ فقد أذن لك، فدخلْتُ فسلَّمْتُ على رسول اللَّه -ﷺ-، فإذا هو متَّكِئٌ على رَمْلِ حصيرٍ قد أثَّر في جنبِهِ، فقلْتُ: أطلَّقْتَ يا رسول اللَّه نساءَكَ، فرفع رأسَه إليَّ فقال: "لا"، فقلْتُ: اللَّه أكبر، لو رأيتَنا يا رسولَ اللَّهِ وكنَّا معشَرَ قريشٍ قومًا نغلِبُ النِّساء، فلمَّا قدمنا المدينة وجدْنا قومًا تغلبُهم نساؤُهم، وطفقَتْ نساؤنا يتعلَّمْنَ من نسائهم، قال: فغضبْتُ على امرأتي يومًا، فإذا هي تراجعني، فأنكرْتُ أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعَك، فوَاللَّه إنَّ أزواج رسول اللَّه -ﷺ- ليراجعْنَه وتهجره إحداهنَّ اليوم إلى اللَّيل. فقلْتُ: قد خاب مَن فعل هذا منهنَّ وخسرَتْ، أفتأمَنُ إحداهنَّ أنْ يغضبَ اللَّهُ عليها بغضب رسول اللَّه -ﷺ- فإذا هي قد هلكَتْ؟ فتبسَّم رسول اللَّه -ﷺ-.
فقلْتُ: يا رسول اللَّه (^١)، فدخلْتُ على حفصةَ فقلْتُ: لا يغرَّنَّكِ أنْ كانت جارتُكِ هي أوسمَ وأحبَّ إلى رسول اللَّه -ﷺ- منك، فتبسم أخرى.
فقلْتُ: أستأنِسُ، يا رسول اللَّه، قال: "نعم"، فجلسْتُ فرفعْتُ رأسي في البيت، فواللَّه ما رأيْتُ فيه شيئًا يردُّ البصرَ إلَّا أَهَبًا ثلاثةً، فقلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ
_________________
(١) "فقلت يا رسول اللَّه" ليس في (أ).
[ ١٤ / ٤٨٦ ]
يوسِّعَ على أمَّتِكَ، فقد وسَّعَ اللَّهُ على فارسَ والرُّومِ، وهم لا يعبدون اللَّه، فاستوى جالسًا ثمَّ قال: "أفي شكٍّ أنتَ يا ابن الخطَّاب؟ أولئك قومٌ قد عُجِّلَتْ لهم طيِّباتُهم في الحياة الُّدنيا".
فقلْتُ: استغفر لي يا رسول اللَّه، وكان قد أقسم ألَّا يدخُلَ عليهنَّ شهرًا مِن شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عليهِنَّ، حتَّى عاتبَهُ اللَّهُ تعالى (^١).
وقالت عائشة: فلمَّا مضَتْ تسع وعشرون ليلة (^٢) دخل عليَّ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، فقلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّكَ كنْتَ أقسمْتَ أنْ لا تدخلَ علينا شهرًا، فإنَّكَ قد دخلْتَ مِن تسعٍ وعشرين أعدُّهنَّ؟ فقال: "إنَّ الشَّهر تسعٌ وعشرون يومًا"، ثمَّ قالَ: "يا عائشة، إنِّي ذاكرٌ لكِ أمرًا، فلا عليك ألَّا تعجلي فيه حتَّى تستأمري فيه أبوَيْكِ. . . "، وذكرَتْ قصَّة التَّخيير (^٣).
* * *
(٥) - ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾: قيل: في الدُّنيا؛ قالوا: لأنَّه لو طلقهنَّ في هذه الحالة لطلقهنَّ لإلجائهنَّ إيَّاه إلى طلاقهنَّ بإلحاحهنَّ عليه بالأذى والمعصية، فإذا فعلْنَ ذلك استوجبْنَ عداوةَ اللَّهِ، وخرجْنَ من ولايته،
_________________
(١) رواه البخاري (٥١٩١)، ومسلم (١٤٧٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) في (أ): "يومًا".
(٣) قطعة من الحديث السابق، وقصة التخيير رواها مسلم (١٤٧٥)، وذكرها البخاري (٤٧٨٦) تعليقا بصيغة الجزم.
[ ١٤ / ٤٨٧ ]
فكان المستورات من النِّساء المؤمنات خيرًا منهنَّ، وليس المعنى: أنَّه كان في نساء الأمَّة نساءٌ أفضل منهنَّ قبل إلجائهنَّ إيَّاه إلى الطَّلاق.
وقيل: معناه: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ في الجنَّة.
﴿مُسْلِمَاتٍ﴾: أي: خاضعات للَّه بالطَّاعة.
﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾: أي: مصدِّقات للَّه ورسوله.
﴿قَانِتَاتٍ﴾: أي: مطيعات دائمات على الطَّاعة.
وقال الحسن ﵀: مصلِّيات (^١).
﴿تَائِبَاتٍ﴾: أي: لا يصررْنَ على صغيرة.
وقيل: راجعاتٍ إلى ما يحبُّه اللَّه تعالى منهنَّ.
﴿عَابِدَاتٍ﴾: أي: كثيرات العبادة بالنَّوافل.
﴿سَائِحَاتٍ﴾: قال عكرمة وابن عبَّاس وأبو هريرة وقتادة والضَّحَّاك وأبو مالك وأبو العالية والنَّخعيُّ والحسن ومقاتل بن حيَّان ﵃: أي: صائمات (^٢).
وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرَّحمن: أي: مهاجراتٍ (^٣).
﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾: أي: فيهنَّ بِكْرٌ، وفيهنَّ ثيِّبٌ، كما فيكنَّ (^٤) الآن، إلى أيِّها مال النَّبيُّ -ﷺ-.
_________________
(١) ذكره دون نسبة الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٤٩)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ١٦٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٠١) عن ابن عباس ﵄ وقتادة والضحاك. وعزاه الماوردي في "تفسيره" (٦/ ٤٢) إلى ابن عباس والحسن وابن جبير.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٠٢).
(٤) في (ر): "فيكن ثيب".
[ ١٤ / ٤٨٨ ]
وعن عمر ﵁ أنَّه قال: كان بينَ رسولِ اللَّهِ وبينَ بعضِ أزواجِه كلامٌ، فاستقريتهُنَّ امرأة امرأة، فقلْتُ: لتكفُّنَّ عن أذى رسول اللَّه ﷺ أو ليبدلنَّه اللَّه بكنَّ أزواجًا خيرًا منكنَّ. . .، الآية، فنزلَتْ (^١).
* * *
(٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾: ولَمَّا عاتبَ اللَّه نساءَ النَّبيِّ -ﷺ- ودلَّهُنَّ على رشدهِنَّ أمرَ النَّاس جميعًا أن يُحسنوا القيام على أنفسهم وعلى أزواجهم وعلى أولادهم بالتَّأديب والتَّعليم والدِّلالة على الأعمال الصَّالحات، فقال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾؛ أي: اجعلوا لأنفسكم وأهليكم وقايةً تستركم من نار جهنَّم.
قال قتادة: أي: مُروهم بطاعة اللَّه تعالى، وانْهَوهم عن معصيته (^٢).
وقال مجاهد: أي: أوصوهم بتقوى اللَّه تعالى (^٣).
ويقال (^٤): أدِّبوهم وعلِّموهم خيرًا تقُوهم بذلك النَّار.
وقيل: دلُّوهم على السُّنَّة والجماعة.
_________________
(١) رواه ابن وهب في "جامعه - التفسير" (٢/ ٢٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٩٩ - ١٠٠)، ورواه بنحوه البخاري (٤٤٨٣) من حديث أنس عن عمر ﵄.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٥٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٠٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٠٤).
(٤) "ويقال" من (ف).
[ ١٤ / ٤٨٩ ]
وقيل: علِّموهم الأخلاق الحسان.
وقيل: أظهروا من أنفسكم العبادات؛ ليتعلَّموا منكم، ويعتادوا بعبادتكم.
وقال عكرمة: أدِّبوهم، رحم اللَّه رجلًا يدعو: يا أهلاه صلاتَكم، صيامَكم، مساكينَكم، جيرانَكم، أيتامَكم (^١).
روي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان يمرُّ على بيت فاطمة ﵂ فيقول: "الصَّلاةَ الصَّلاةَ، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية" (^٢).
وكان إذا دخل العشر الأواخر من شهر رمضان أيقظَ أهلَه (^٣).
وقال ﵊: "رحم اللَّه امرأً أيقظَ أهلَه للصَّلاة؛ فإنْ أبَتْ نضحَ الماءَ في وجهِها، ورحم اللَّه امرأةً أيقظَتْ زوجَها للصَّلاة، فإنْ أبى نضحَتِ الماء في وجهه" (^٤).
وقال ﵊: "علِّقِ السَّوط حيث يراه أهلُ البيت" (^٥).
_________________
(١) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ١٩٤) بلا نسبة، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٥٦٨) وصدَّره بقوله: (وفي الحديث). وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٤/ ٦٦): غريب. وقال ابن حجر في "الكاف الشاف" (ص: ١٧٦): لم أجده.
(٢) رواه الترمذي (٣٢٠٦) من حديث أنس بن مالك ﵁، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وروى البخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥)، عن الحسين بن علي، حدثه عن علي بن أبي طالب، أن النبي -ﷺ- طرقه وفاطمة، فقال: "ألا تصلون؟ " فقلت: يا رسول اللَّه إنما أنفسنا بيد اللَّه، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول اللَّه -ﷺ- حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر، يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤].
(٣) رواه البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٤٧)، من حديث عائشة ﵂.
(٤) رواه أبو داود (١٣٠٨) و(١٤٥٠)، والنسائي (١٦١٠)، وابن ماجه (١٣٣٦)، من حديث أبي هريرة ﵁. وصحح إسناده النووي في "خلاصة الأحكام" (١/ ٥٨٧).
(٥) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٧٩٦٣)، والبزار في "مسنده" (٥٢٤٤)، والطبراني في "المعجم =
[ ١٤ / ٤٩٠ ]
وقال -ﷺ-: "لا يلقى اللَّهَ العبدُ بشيءٍ يوم القيامة أشدَّ عليه من جهالة أهله" (^١).
وقال: "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته، فالرَّجل راعٍ على أهله وولده، وهو مسؤولٌ عنهم" (^٢).
وعن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال: إذا كان الرَّجل راعيَ خير لأهلِه ناداه أهلُه يوم القيامة بين يدي اللَّه تعالى: جزاك اللَّه من قيِّم عنَّا خيرًا، فنِعْمَ القيِّمُ كنْتَ أنتَ، تعلِّمُنا وتؤدِّبُنا، فأنجيْتَ نفسَكَ وأنجيْتَنا، وإذا كان راعيَ سوء قالوا له: لا جزاكَ اللَّهُ خيرًا، فبِئْسَ القيِّمُ كنْتَ (^٣)، لم تعلِّمْنا ولم تؤدِّبْنا، فأهلكْتَ نفسَكَ وأهلكْتَنا (^٤).
﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾؛ أي: حطبُها الكفَّار والحجارة؛ أي: حجارة الكبريت.
﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ﴾: أي: غلاظ القول والفعل ﴿شِدَادٌ﴾: أي: أقوياء الأنفس.
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾: من تعذيبهم ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ من ذلك.
* * *
_________________
(١) = الكبير" (١٠٦٦٩)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٥٥٧)، من حديث ابن عباس ﵄. ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٣٣٢) من حديث ابن عمر ﵄. ورواه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٥٤٢) و(٦/ ٤٢) من حديث جابر ﵁. قال في "أسنى المطالب" (ص: ١٨٤): طرقه ضعيفة.
(٢) قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ٤٦٩): "ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي سعيد، ولم يجده ولده أبو منصور في مسنده".
(٣) رواه البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) في (ف): "أنت".
(٥) لم أقف عليه.
[ ١٤ / ٤٩١ ]
(٧ - ٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾: أي: يُقال لهم ذلك يوم القيامة، وهو تنبيهٌ لهم اليوم ليتوبوا ويعتذروا، فهو اليومَ نافع (^١).
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في الدُّنيا.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: من ذنوبكم.
﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾؛ أي: خالصة، يُقال: نصح الشَّيءُ: إذا خَلَص، والنَّصيحةُ: إخلاص القول.
وقيل: هو توثيق العزم على ألَّا تعود لمثله، والنُّصحُ: الخياطة الوثيقة، والنَّاصحُ: الخيَّاط، والنِّصاحُ: الخيط.
وقيل: ﴿نَصُوحًا﴾؛ أي: تنصحون فيها للَّه؛ أي: تصدِّقونه فيها، ولا تُدْهِنون.
وقال ابن عبَّاس ﵄: التَّوبة النَّصوح: النَّدم بالقلب، والاستغفار باللِّسان، والإقلاع باليد، والإضمار على ألَّا يعود (^٢).
وعن عليٍّ ﵁: أنَّه دخل المسجد، فسمع أعرابيًا يقول: اللَّهم إنِّي أستغفرك وأتوب إليك، فقال: يا هذا، إنَّ سرعة اللِّسان بالتَّوبة توبة الكذَّابين، فقال الأعرابيُّ: فما التَّوبة؟ قال: يجمعُها ستَّة أشياء، قال: وما هي؟ قال عليٌّ رضي اللَّه
_________________
(١) في (ف): "في الدنيا" بدل من "ويعتذروا فهو اليوم نافع".
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٤٤٨).
[ ١٤ / ٤٩٢ ]
عنه: للماضي من الذُّنوب النَّدامةُ، وللفرائض الإعادةُ، وردُّ المظالم، واستحلالُ الخصوم، وأن تُدئِبَ نفسَكَ في الطَّاعة كما أَدْأبتها (^١) في المعصية، وأن تذيقَها مرارة الطَّاعات كما أذقْتَها حلاوة المعاصي (^٢).
وقال الفضيل: التَّوبة النَّصوح: أن يكون الذَّنب نُصْبَ عينيك، ولا تزال كأنَّك تنظر إليه.
وقال الواسطيُّ: التَّوبة النَّصوح: هي أن تكون لا لعوضٍ؛ لأنَّ مَن أذنبَ في الدُّنيا لرفاهة نفسه، وتاب طلبًا لرفاهَتها في الآخرة، فتوبتُه على حظِّ نفسِه، لا للَّه تعالى.
وقال أبو بكر الورَّاق: التَّوبة النَّصوح: أن تضيقَ عليك الأرضُ بما رحبَتْ، وتضيقَ عليك نفسُك، كما ذكر اللَّه تعالى في الثَّلاثة الذين خُلِّفوا.
وقال رُوَيمٌ المصريُّ: التَّوبة النَّصوح: أن تكون للَّه تعالى وجهًا بلا قفًا، كما كنْتَ له عند المعصية قفًا بلا وجه (^٣).
وقالت رابعة: هي التَّوبة التي لا تحتاج فيها إلى التَّوبة منها، ثم قالت: إنَّ توبتنا تحتاج إلى التَّوبة منها، واستغفارنا يحتاج إلى الاستغفار منه (^٤).
وروى ابن مسعود ﵁ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قالَ: "أتدرون مَن التَّائب؟ "، قالوا: لا، قال: "إذا تاب العبدُ ولم يُرْضِ الخُصَماءَ فليس بتائب، ومَن تاب فلم يتعلَّمِ العلم فليس بتائب، ومَن تاب ولم يزدَدْ في العبادة فليس بتائب، ومَن تاب ولم
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ربيتها".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٥).
(٣) ذكر هذه الأقوال الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٠).
(٤) ذكره الغزالي في "إحياء علوم الدين" (١/ ٣١٣)، والإمام النووي في "الأذكار" (ص: ٦٢٢).
[ ١٤ / ٤٩٣ ]
يغيِّر لباسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير مجالسته فليس بتائب، ومَن تاب ولم يغيِّر فراشه وبساطه فليس بتائب، ومَن تاب ولم يفتح قلبه ولم يوسعه فليس بتائب، ومَن تاب ولم يقصِّر أمله فليس بتائب، ومَن تاب ولم يحفظ لسانه فليس بتائب، ومَن تاب ولم يقدِّم فضله فليس بتائب، ومَن تاب ولم يغيِّر طعامه فليس بتائب، وإذا استبان على العبد هذه الخصال فذاك التَّائب حقًّا حقًّا حقًّا" (^١).
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: أي: بتوبتكم ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وكان لمن يخالفهم نارٌ وَقودها النَّاس والأحجار.
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾: أي: لا يُخْجِل ﴿النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ولم يُردْ به وقوعَ إيمانهم مع النَّبيِّ -ﷺ- معًا، بل يراد به وجود الإيمان منهم لوجوده من النَّبيِّ -ﷺ-.
وقيل: ﴿مَعَهُ﴾ صلةُ قوله: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ﴾؛ أي: لا يخزي النَّبيَّ والمؤمنين معًا.
قوله تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: أي: يهتدون به إلى الجنَّة (^٢).
﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: نورُ كتبِ طاعتهم.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾: أي: أبقِه لنا إلى الجنَّة ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبنا.
﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مِن إتمام النُّور، ومغفرةِ الذُّنوب، وتبليغ الجنَّة، وكلِّ شيء.
وقال الضَّحَّاك: يُعطَى يومئذ كلُّ مؤمن ومنافق نورًا يمشي به مع محمَّد، فبينما هم يمشون إذ بعث اللَّه ريحًا وظلمة، فأطفأ اللَّه تعالى بتلك الرِّيح نورَ كلِّ منافق،
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في (أ): "يهتدون به إلى اللَّه" وفي (ر): "يهتدون بها إلى الجنة".
[ ١٤ / ٤٩٤ ]
وهو قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، فلمَّا أطفأ اللَّه تعالى نورَهم أشفقَ المؤمنون أنْ يُسلبوا (^١) نورَهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ الآية (^٢).
* * *
(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾: دعا إلى التَّوبة المؤمنين، وأمر بالجهاد في حقِّ الكفَّار والمنافقين دعوةِ للكلِّ (^٣) إلى الحقِّ المبين ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسَّيف ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ باللِّسان.
وقيل: تذكير وعيد الآخرة والدُّنيا أيضًا، كما قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية [الأحزاب: ٦٠].
وقال قتادة ﵀: جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم (^٤). وكذا قال الحسن (^٥).
وكان أكثر مَن يصيب الحدود حينئذ المنافقون.
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: في إقامة الحدود، كما قال: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].
_________________
(١) في (ر): "يطفأ".
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٤٧٣).
(٣) في (ر): "ودعوة الكل".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١١٠).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦٧).
[ ١٤ / ٤٩٥ ]
وقيل: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في حقِّ الكفَّار والمنافقين جميعًا، وكان أمرَه بملايَنتهم في الابتداء بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ثم بعدما أصرُّوا وعاندوا أمرَه بالإغلاظ عليهم.
﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي: في الآخرة ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع.
* * *
(١٠) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾: أي: بيَّنَ اللَّه تعالى للكافرين شبهًا: أنَّه لا تنفعهم الوُصلة بالنِّكاح وغيره مع اختلاف الدِّين (^١)، وفيه نوعُ تنبيهٍ لأزواج النَّبيِّ -ﷺ- أنَّ وُصلتهُنَّ مع النَّبيِّ -ﷺ- لا تغني عنهنَّ (^٢) من اللَّه شيئًا إذا عصيْن وخالفْنَ الأمر.
﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾: أي: في نكاح عبدين ﴿مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾: استصلحناهما للرِّسالة والنُّبوَّة.
﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾: أي: في الدِّين؛ أي: كفرتا ولم تسلِما ولم تنصحا للرَّسولين للمساعدة على الإسلام.
وقيل: كانتا منافقتين.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الدينين".
(٢) في (أ): "لا تغنيهن".
[ ١٤ / ٤٩٦ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾؛ أي: بالنفاق، ولم تفجرِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ (^١).
وقيل: كانت خيانة امرأة نوح أنَّها كانت تقول للنَّاس: إنَّه مجنون، وخيانة امرأة لوط أنَّها دلَّتْ على الأضياف ليرتكبوا منهم الفاحشة.
﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾: أي: العَبْدان نوح ولوط ﴿عَنْهُمَا﴾: عن المرأتين ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يدفعا عنهما من عذاب اللَّه شيئًا.
﴿وَقِيلَ﴾ لهما (^٢)؛ أي: للمرأتين؛ أي: يُقال لهما يوم القيامة: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ من الكفَّار.
* * *
(١١) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾: أي: لا يضرُّ المؤمنين كفرُ مَن قرُب منهم، كما لم يضرُّ كفرُ فرعون امرأتَه آسية.
﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾: اشتاقَتْ إلى الجنَّة، وملَّتْ صحبة فرعون فسألَتْ ذلك.
﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾: أي: كفره ومعاصيه، وقيل: من تعذيبه.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٣٤)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٣٠)، وليس فيه: "ولم تفجر امرأةُ نبيٍّ قطُّ". وهذه العبارة رواها عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٣٣)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٢٩).
(٢) "لهما" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٤ / ٤٩٧ ]
ولَمَّا علم فرعون بإيمانها وَتَدها بأربعة أوتاد في الشَّمس يعذِّبها.
وقال سلمان: كانت تُعذَّب في الشَّمس، فإذا انصرفوا عنها أظلَّتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى منزلها في الجنَّة (^١).
وقال الضَّحَّاك: أمرَ بأنْ يُلْقَى عليها حجرٌ وهي في الأوتاد، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، فما وصل الحجر إليها حتى رفع (^٢) روحها إلى الجنَّة (^٣).
﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: فرِّقْ بيني وبينهم بإهلاكهم.
* * *
(١٢) - ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ عطف على قوله: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾.
﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: أي: جيب مِدْرعتها حين أتاها جبريل يبشِّرها بالولد وهي لا تعلمه.
﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾: أي: نفخ جبريل بأمرنا فيه؛ أي: في جيب مِدْرعتها.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مصفنه" (٣٤٦٥٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١١٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٨٣٤) وصححه.
(٢) في (أ): "وصل".
(٣) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١١٥) عن القاسم بن أبي بزة، ولفظه: (كانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون؛ فأرسل إليها فرعون، فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته؛ فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في السماء، فمضت على قولها، فانتزع اللَّه روحها، وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح".
[ ١٤ / ٤٩٨ ]
﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: أي: من روحٍ خلقناه لعيسى ﵇ على الخصوص (^١).
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾: قولِ جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] الآيات.
وقيل: أي: بعيسى، فهو روح اللَّه وكلمتُه.
﴿وَكُتُبِهِ﴾: التَّوراةِ والإنجيل والزَّبور والصُّحف.
ومَن قرأ: ﴿وكتابه﴾، فالكلماتُ التَّوراة، والكتابُ الإنجيل (^٢).
﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾: أي: المطيعين للَّه تعالى.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) في (أ): "الخلوص".
(٢) قرأ أبو عمرو وحفص: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ على الجمع، والباقون على التوحيد. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٤١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢).
[ ١٤ / ٤٩٩ ]