بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خوَّفنا باليوم العظيم، الرحمنِ الذي أنذرنا إراءةَ الجحيم، الرحيمِ الذي يسألنا عن النعيم.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عفَى اللَّه أن يحاسبه بالنعم التي أنعم بها عليه في دار الدنيا" (^٢).
وهذه سورةٌ مكية، وهي ثماني آياتٍ وثمان وعشرون كلمةً، ومئة وعشرون حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في ذكر القيامة وأهوالها ومختلِف أحوالها.
* * *
(١ - ٢) - ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: أي: شغلكم وأغفلَكم التباهي بالكثرة (^٣) في العدد والأموال، وقد لَهِيَ عن الشيء يَلْهَى من حدِّ علِم؛ أي: اشتغل عنه وغفل.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "سورة ألهاكم".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٣٠/ ٢٠١) (ط: دار التفسير)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٤٨)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١١٩)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) "بالكثرة" زيادة من (ف).
[ ١٥ / ٤٦١ ]
ثم قيل: هذا على محضِ الخبر.
وقيل: هو على الاستفهام بمعنى التوبيخ؛ أي: ألْهَاكم (^١) ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؛ أي: دام بكم هذا الاشتغال حتى أتاكم الموت وأنتم مصرُّون عليه فـ ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؛ أي: دخلتم القبور وأنتم على ذلك.
وقال قتادة ﵀: قالوا: نحن أكثر من بني فلان، فألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلَالًا (^٢).
وقيل: ألهاكم التكاثر حتى بلغ بكم إلى أن عدَدْتُم الأموات فقلتُم: مات لنا فلان وفلان، فهذه هي زيارة القبور، وقالوا (^٣): صاروا إلى المقابر فعدُّوها، فمعنى ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؛ أي: حتى أتيتم المقابر فعدَدْتُم موتاها لتُظهروا أنكم أكثرُ عددًا، وتقديره: ألهاكم التكاثر في الأموال والأولاد حتى تجاوزتُم ذلك إلى التكاثر بالآباء والأجداد، ثم ترقَّيتم (^٤) من ذلك حتى صرتُم من الأحياء إلى الأموات، وهذا ما لا غاية وراءه في التكاثر.
وقال مقاتل: إن حيين من قريش من بني عبد منافِ بن قصيِّ وبني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، كان بينهم ملاحاةٌ فافتخروا، فعدُّوا السادةَ والأشراف، وقال بنو عبد مناف لبني سهم: نحن أكثر سيدًا وأعزُّ عزيزًا وأمنعُ جانبًا وأعظم شرفًا وأكثر عددًا، وقال بنو سهم مثلَ ذلك، فذكروا الأحياء فكثَرهم بنو عبد مناف بالأحياء، فقالوا: نعدُّ موتانا، فأتوا القبور فعدُّوها وقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر
_________________
(١) في (ف): "ألهاكم التكاثر".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٨٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٩٨).
(٣) في (ف): "وقد".
(٤) في (أ): "توفيتم".
[ ١٥ / ٤٦٢ ]
فلان (^١)، فكثَرهم بنو سهم بثلاثةٍ من أهل الأبيات، فأنزل اللَّه تعالى في الحيين: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (^٢).
وقيل: هذا وعيدٌ، والمعنى: حتى تزوروا القبور فترَوا ما ينزل بكم من عذاب اللَّه في القبر (^٣).
وقال زر بن حبيش: كنتُ أشكُّ في عذاب القبر حتى سمعتُ علي بن أبي طالب يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ نزلت في عذاب القبر (^٤).
وعن مطرِّف بن عبد اللَّه (^٥) بن الشِّخِّير عن أبيه قال: انتهيتُ إلى النبي -ﷺ- وهو يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فقال: "يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي، وهل لك من مالكَ إلا ما أكلْتَ (^٦) فأفنيت، أو لبسْتَ فأَبليت، أو تصدَّقْتَ فأمضيت" (^٧).
* * *
(٣ - ٥) - ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس الأمرُ على ما أنتم عليه
_________________
(١) "وهذا قبر فلان" زيادة من (ف).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٨١٩). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٧٦)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٦٤)، عن مقاتل والكلبي. وذكره دون عزو الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٢٨٧).
(٣) "في القبر": ليس في (أ).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٠٠).
(٥) في النسخ: "وعن عبد اللَّه بن المطرف"، والصواب المثبت.
(٦) في (ف): "ملكت".
(٧) رواه مسلم (٢٩٥٨)، والإمام أحمد في "المسند" (١٦٣٠٦). قوله: "فأمضيت"؛ أي: أنفذت عطاءك ولم تتوقف فيه. انظر: "النهاية" (مادة: مضا).
[ ١٥ / ٤٦٣ ]
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: عند الموت في وقتِ ما يبشَّر به المحتضَر من جنةٍ أو نار.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: ما تلقَونه من العذاب في الآخرة.
وقيل: الأول في القبر والثاني في يوم الحشر.
﴿كَلَّا﴾: أعاد الكلمة -وهي للزجر- لأنه (^١) عقَّبه في كلِّ موضع بشيءٍ غيرِ ما عقَّبه في الموضع الآخر، كأنه قال: لا تفعلوا كذا فإنكم تستحقُّون به من العذاب كذا، لا تفعلوا كذا فإنكم تستوجبون به ضربًا آخر من العذاب، ثم ثالثًا كذلك.
﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: أي: علمًا يقينيًّا، وهو إضافةُ الشيء إلى نفسه كما في قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]؛ أي: أن أمامكم حسابًا وثوابًا وعقابًا (^٢) لتركتُم التفاخر بالدنيا، والجواب محذوف وهو أبلغُ؛ لأن النفس تذهب فيه كلَّ مذهبٍ، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٩]، ونظائرها.
* * *
(٦ - ٨) - ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾.
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾: وهذا علمُ اليقين، وهو قبل دخولها؛ كما قال: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦].
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾: إذا دخلتُموها.
وقيل: لتروُنَّها ثم لتَرَوُنَّها، فإذا تكرَّر في غير مرة وقع عينَ اليقين، ولم يُردْ
_________________
(١) في (أ): "ثم".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "لو تعلمون".
[ ١٥ / ٤٦٤ ]
به الاقتصار على رؤيتين، وهو كقوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ [الملك: ٣ - ٤]، كأنه قال: إن كنتُم شاكِّين فيها اليوم فلترونَّها رؤيةً دائمةً متصلةَ، فزول عنكم الشكوك.
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لترتيب الإخبار لا للوجود.
ويحتمِل أن يكون هذا على ظاهره، ويكون هذا سؤالَ توبيخ في النار؛ كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، وكقوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، يقول: لتُسألن يومئذ عن النعيم الذي تكاثرتُم به وألهاكم ذلك عن شكره وطاعةِ اللَّه بقوته، وهذا على عمومِ كلِّ النِّعم.
وما روي في هذا من التخصيص فهو ذكرُ بعض النِّعم وتنبيهٌ على مثله، ومن ذلك ما روي في الحديث الطويل: أن النبي -ﷺ- دخل على [أبي] الهيثم بن التِّيهان مع جماعة من أصحابه، فقدم إليهم تمرًا وماء واتخذ لهم شواءً وخبزًا، فقال: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه" (^١).
وروى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصحِّح لك جسمك ونَرْوِك من الماء البارد" (^٢).
وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يعني: عما أنعمَ اللَّه عليكم بمحمد -ﷺ- (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٣٨)، والترمذي (٢٣٦٩) -وقال: حسن صحيح-، من حديث أبي هريرة ﵁. وليس في رواية مسلم تعيين الرجل، وما بين معكوفتين سقط من النسخ.
(٢) رواه الترمذي (٣٣٥٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٣٦٤)، والحاكم في "المستدرك" (٧٢٠٠). قال الترمذي: حديث غريب.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٣٢).
[ ١٥ / ٤٦٥ ]
وقال عكرمة: عن الصحة والفراغ (^١).
ونظر وهب إلى رجل أصمَّ أعمى مقعدٍ مجذومٍ مصابٍ، فقيل له: هل بقي على هذا من النعم شيء؟ قال: نعم، أعظمُها: يسوغُ له ما يأكل ويشرب ويسهلُ عليه إذا خرج (^٢).
وقال سعيد بن المسيب: ولما نزلت هذه الآية قيل: وأيُّ نعيم نُسأل عنه وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟! فقال النبي -ﷺ-: "ظلال المساكن، والماء البارد في اليوم الحار، والأخبية التي تكنُّكم (^٣) من الحر والبرد، وصحة الأبدان" (^٤).
وقال أنس بن مالك ﵁: ضاف رسولُ اللَّه -ﷺ- المقدادَ بن الأسود، فقدم إليه طعامًا فأكله، ثم سقاه ماء باردًا فاستطابه وقال: "ما أبردها (^٥) على الكبد! " ثم قال: "إذا شرب أحدكم الماء فليشرب أبردَ ما يقدر عليه" قيل: ولم؟! قال: "لأنه أطفأُ للمِرَّة وأنقعُ للغُلَّة (^٦) وأبعثُ على الشكر" (^٧).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٢)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٥٢٠).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٢).
(٣) في (ر): "تقيكم".
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٢٨٨) من طريق عطاء عن ابن عباس: أن عمر ﵁ قال: (وأي نعيم نسأل عنه يا رسول اللَّه، وقد أخرجنا من ديارنا. . .) فذكره.
(٥) في (ف): "يا بردها".
(٦) في (أ) و(ر): "وأنفع للعلة". والغلة: العطش، وأنقع للغلة؛ أي: أقطع للعطش، يُقالُ: نَقَعَ الماء العطش؛ أي: سكَّنه.
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٧٨).
[ ١٥ / ٤٦٦ ]
وقال الحسين بن الفضل: لتسألُنَّ عن النعيم: عن تخفيف الشرائع وتيسير القرآن.
اللهمَّ أَجْزِلْ لنا الثوابَ يوم الحساب
آمين والحمد للَّه رب العالمين
* * *
[ ١٥ / ٤٦٧ ]