بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خوَّفنا مجيءَ يوم عظيم، الرحمنِ الذي أكرمَنا ببَعْثِ رسول كريم، الرحيمِ البَرِّ بمن (^٢) شاء منَّا أن يستقيم.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أعاذه اللَّه تعالى أن يفضحَه حين تُنْشَرُ صحيفتُه" (^٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ثمان وعشرون آية، ومئة وأربع كلمات، وأربعُ مئة وخمسة وعشرون حرفًا.
وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك السُّورة ببيان اختلاف أوصاف الوجوه يوم القيامة، وافتتاح هذه السُّورة بظهور أمورٍ تكون عند وقوع يوم القيامة.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الملائكة والقرآن، والكفر والإيمان.
_________________
(١) في (ر): "سورة إذا الشمس كورت".
(٢) في (ر): "الرحيم الذي أكرم من".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٣٦)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٢٧)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٢٢٧ ]
(١ - ٤) - ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: أي: لُفَّتْ وألقيَتْ وأُذْهِبَ نورُها.
قال أبو عبيدة والأخفش: تُلَفُّ كما تُلَفُّ العمامةُ (^١).
وقال أبو صالح: نُكِّسَتْ (^٢).
وقال ابن كيسان: سُوِّدَتْ (^٣).
وقال محمَّد بن جرير: جمع بعضها إلى بعض، ثم لُفَّتْ فرُمِيَ بها، وإذا فُعِلَ ذلك ذهبَ ضوؤها (^٤).
وروى عبد اللَّه بن عمر ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن أرادَ أنْ يَنْظرَ إلى يوم القيامةِ كأنَّه رَأْيَ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ " (^٥).
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾: أي: انتثرَتْ (^٦)، وقال قطرب: انقضَّتْ (^٧).
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾: أي: قُلِعَتْ وبتَّتْ وسُيِّرَتْ (^٨) في الهواء.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٢٨٧)، ونقله الأزهري في "تهذيب اللغة" (مادة: كور) عن الأخفش قال: "تلف فتمحى".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٣٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٢٩) عن ابن عباس ﵄ بلفظ: أظلمت.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" (٢٤/ ١٣١).
(٥) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤٨٠٦)، والترمذي (٣٣٣٣).
(٦) فى (أ) و(ف): "تناثرت".
(٧) فى (ف): "انشقت".
(٨) فى (ف): "فلقت وبثت وسيرت"، وفي (ر): "قلعت ونسفت أي سيرت".
[ ١٥ / ٢٢٨ ]
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾: هي جمع عُشَرَاء، كالنِّفاس جمع نُفَسَاء.
والعُشَراءُ: النَّاقة التي قد أتى على حملها عشرةُ أشهر، وهي أنفَس الأموال عند العرب، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذه الحالة، ويعطِّلون ما دونها.
أخبر أنَّ هذه الحوامل على عزَّتها عند أهلها تُعطَّل وتُهمَل؛ لِشدَّة ما يُرَى (^١) من الهول النَّازل بالنَّاس يومئذ، وهي كقوله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢].
* * *
(٥ - ٦) - ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾.
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾؛ أي: جُمعَتْ واختلطَتْ بالنَّاس، وبعضها ببعض؛ لهول قيام السَّاعة، وهذا قبل القيامة.
وقال ابن عبَّاس: حشرُها: موتُها (^٢).
وقيل: هو حشرها وبعثها مع النَّاس يوم القيامة، فيُقْتَصُّ للجمَّاء من القرناء كما روي، ثم يُقال لها: موتي، فتموت وتكون ترابًا، وعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿سُجِرَتْ﴾ خفيفة،
_________________
(١) في (ف): "يرد".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٣٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٨٦)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٣٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٣١) وصححه، عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا عليه. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٥) مرفوعًا. وروى بعضه مسلم (٢٥٨٢) مرفوعًا، ولفظه: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء".
[ ١٥ / ٢٢٩ ]
وقرأ الباقون مشدَّدة (^١)، فالتَّخفيف على أصل الفعل، والتَّشديد لكثرة المحالّ.
والسَّجْر في اللُّغة لشيئين:
- لِلْمَلْء؛ قال تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦].
- وللإحماءِ؛ يُقال: سجَرْتُ التَّنورَ.
وفي الآية على هذا أقاويل:
قيل: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أي: يبسَتْ وغارَتْ مياهُها، فلم يبقَ فيها شيءٌ، كما أنَّ الجبال تسير فلا يبقى منها على وجه الأرض شيءٌ، فتستوي الأرض كلُّها، فلا تبقى الجبال ولا البحار.
والتَّنُّور إذا سُجِرَ نشف (^٢) ما فيه من الرُّطوبة، فكأنَّها تُوقَد فتذهبُ مياهُها في الأرض.
وقيل: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أي: فاضَتْ ومُلِئَتْ بأن رفع اللَّه الحاجز، وهو ما قال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠]، فتفجَّرَت المياه فعصَّتِ الأرضَ كلَّها. قاله الكلبيُّ وغيره (^٣).
وقال الفرَّاء: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أي: أفضى بعضها إلى بعض (^٤).
وقيل: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أي: أُوْقِدَتْ، ووجه ذلك: أنَّ طَبَق جهنَّم يُرفَع، فترتفع النَّار، فتفور المياه، فتمتلئ البحار نارًا.
وقيل: يموَّر الشَّمس في البحار فتصير نارًا.
قيل: هذه الستَّة قبل قيام السَّاعة.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠).
(٢) في (ر): "يبس".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٣٩٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٣٩).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٣٩).
[ ١٥ / ٢٣٠ ]
(٧ - ٩) - ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: هذا وما بعدها بعد قيام الساعة.
قيل: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: هو قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧].
وقيل: ﴿زُوِّجَتْ﴾؛ أي: قُرِنَتْ.
وقال عمر بن الخطَّاب ﵁: يُقرَن بين الرَّجلين: الرَّجلِ الصَّالح مع الصَّالح في الجنَّة، والرَّجل السُّوء بالرَّجل السُّوء (^١) في النَّار (^٢).
وقيل: زُوِّجَتِ الأجساد بالأرواح. وهو قول عكرمة والسُّدِّي (^٣).
وقيل: هو أن يُقرَن كلُّ إنسانٍ بمن كان يَلزمُه في الدُّنيا، من مَلَكٍ (^٤) أو شيطان، وعلى هذا قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ أي: قرناءهم من الشَّياطين.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾: أي: المدفونةُ حيَّة، وكانوا يفعلون ذلك في البنات آنفةً منهنَّ، وفرارًا عن تحمُّل مؤنتهنَّ، وخشيةَ الإملاق بسببهنَّ.
وسؤال الموؤودة توبيخٌ لقاتلها، وهو أبلغُ من سؤاله؛ لظهور حالها وحاله، وهو كسؤال عيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وهو للإلزام للنَّصارى (^٥).
_________________
(١) في (أ): "بالسوء" بدل: "بالرجل السوء".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٤٩٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٠٦)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٢٩٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٤٤) عن عكرمة والشعبي.
(٤) في (ف): "مال".
(٥) في (ر): "للإلزام على النصارى".
[ ١٥ / ٢٣١ ]
وقيل: ﴿سُئِلَتْ﴾؛ أي: سُئِلَتْ عن سبب قتلها، والمسؤول والدها، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: مطلوبًا به. إليه ذهب أبو عبيدةَ وجماعة.
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾.
﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾: أي: صحف الأعمال، تُنْشَر (^١) فيُعطاها النَّاس منشورة بأيمانهم وشمائلهم.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿سُجِرَتْ﴾ و﴿سُعِرَتْ﴾ مخففَّتين، و﴿نُشِّرَتْ﴾ مشددة.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿سُجِّرَتْ﴾، و﴿سُعِّرَتْ﴾ مشدَّدتين، و﴿نُشِرَتْ﴾ مخفَّفة.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿سُجِرَتْ﴾ و﴿نُشِرَتْ﴾ مخفَّفتين، و﴿سُعِّرَتْ﴾ مشدَّدة (^٢).
والتَّخفيف على الأصل، والتَّشديد للتَّكثير.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾: قال مقاتل: أي: كُشِفَتْ عمَّن فيها من الملائكة، ثم طُوِيَتْ (^٣).
وقيل: قُلِعَتْ كما يُقْلَع السَّقف.
وقال الخليل: الكَشْطُ: رفعك شيئًا عن شيء قد غطَّاه من فوقه، كما يُكْشَطُ الجلد عن السَّنام وعن المسلوخة (^٤). وهو قول الفرَّاء (^٥).
_________________
(١) "تنشر" ليس في (أ).
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٦٠٢).
(٤) انظر: "العين" للخليل (٥/ ٢٨٩).
(٥) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ٢٤١)، وفيه: ﴿كُشِطَتْ﴾: نزعت وطويت.
[ ١٥ / ٢٣٢ ]
وفي "ديوان الأدب": كشطُ البعيرِ: نزعُ الجلدِ عنه، وكشطُ الطَّبق: رفعُه، وكشطُ الجُلِّ عن الفرس: سَرْوُهُ عنه (^١).
وقيل: ﴿كُشِطَتْ﴾: نُزِعَتْ عن أماكنها.
* * *
(١٢ - ١٦) - ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾.
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾؛ أي: أُوْقِدَتْ وزِيدَ في إحمائها.
وقيل: أي: أُتِمَّ إيقادُها.
وفي الخبر: "أُوقِدَ على النَّار ألفُ سنةٍ حتَّى احمرَّتْ، ثم ألفُ سنةٍ حتَّى ابيضَّتْ، ثم ألفُ سنة حتَّى اسودَّتْ، فهي سوداء مظلمة" (^٢).
﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾: أي: أُدنيَتْ.
وقال الحسن: أي: أُدْنُوا منها، لا أنَّها تُزال عن موضعِها (^٣).
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ هذا جوابُ كلِّ ما تقدَّم؛ أي: علمَ كلُّ إنسانٍ ما أحضرَ هناك من الأعمال خيرِها وشرِّها، وذكَر ما كان نسيه، قال اللَّه تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: له ثلاثة أوجهٍ ذكرناها في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥].
_________________
(١) انظر: "معجم ديوان الأدب" لأبي إبراهيم الفارابي (٢/ ١٦٩).
(٢) رواه الترمذي (٢٥٩١) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك.
(٣) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ١٠٧).
[ ١٥ / ٢٣٣ ]
قوله: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: قسمٌ بالنُّجوم الخمسة، وهي المريخ وزُحَل وعُطَارِد والمُشْتري والزُّهَرة.
والخنَّسُ: جمع خانس، وقد خَنَسَ يَخْنُسُ خُنوسًا، من حدِّ (دخل)؛ أي: تأخَّر.
والكنَّسُ: جمع كانس، وقد كَنَسَ يَكْنِسُ كنوسًا، من حدِّ (ضرب)؛ أي: استتر.
سُمِّيَتْ بها لأنَّها ترجع في مجاريها وتستتر فيها.
وقيل: هي بالنَّهار خُنَّس كُنَّس؛ لأنَّها متواريةٌ فيه، مستترةٌ في الفلك وفي بيوتها منه.
وقيل: تَخْنُس؛ أي: تتأخَّر عن مطالعها في كلِّ عام في بعض الأوقات.
وهو قول عليٍّ والحسن وقتادة ومجاهد: أنَّها النُّجوم، والقسَم بها لمنافع العباد تعلَّقَتْ بها (^١).
وقال ابن مسعود وإبراهيم: هي بقر الوحش (^٢).
وقال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير والضَّحَّاك: هي الظِّباء (^٣). إذا رأيْنَ الإنس خنسْنَ؛ أي: انقبضْنَ (^٤) وتأخَّرْنَ، وإذا أتين كِناسَهُنَّ كَنَسْنَ؛ أي: دخلْنَ واستترْنَ، وهي خلقٌ من خلق اللَّه تعالى، أقسمَ بها كما أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون.
والأوَّل أولى؛ لأنَّ النُّجوم أشبه باللَّيل، وقد ذُكِرَ ذلك بعدَه فقال:
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٥١٣) عن الحسن. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٥٢ - ١٥٤) عن علي ﵁ وأبي سعيد الخدري وبكر بن عبد اللَّه ومجاهد وقتادة والحسن وابن زيد.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٥١٤) عن ابن مسعود ﵁. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٥٤ - ١٥٦) عن ابن مسعود ﵁، وإبراهيم، وأبي الشعثاء.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٥٧) عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير والضحاك.
(٤) "أي انقبضن" ليس في (أ).
[ ١٥ / ٢٣٤ ]
(١٧ - ١٩) - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: قيل: أي: أدبر. وقيل: أي: أقبل ظلامُه.
الأوَّل: قول عليٍّ وابن عبَّاس ومجاهد والضَّحَّاك وقتادة وابن زيد (^١)، ومن أهل اللُّغة الأخفش والكسائيُّ (^٢).
والثَّاني: قول الحسن ومجاهد -في رواية- والفضيل عن عطيَّة (^٣)، ومن أهل اللُّغة الخليل وقطرب ونفطويه (^٤).
وقال محمَّد بن جرير: عسعس اللَّيل وسعسع: إذا أدبر فلم يبقَ منه إلَّا اليسير (^٥).
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾: أي: انبلج (^٦).
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: أي: الذي ذكره محمَّد من أمر السَّاعة لقولُ رسولٍ كريمٍ، وهو جبريل، أضاف القولَ بالقرآن إليه لأنَّه هو الذي نزَلَ به من عند اللَّه بأمره.
وقيل: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: القرآن، كنَى عن معلومٍ لا مذكورٍ، كما في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١].
وجبريل كريمٌ على اللَّه لجِدِّه في طاعته ومضيِّه على أمره.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٥٩ - ١٦١) عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب ﵃ وقتادة والضحاك وابن زيد.
(٢) وقاله الفراء. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٤٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٦٠ - ١٦١) عن الحسن ومجاهد وعن الفضيل عن عطية،
(٤) انظر: "العين" للخليل (١/ ٧٤). أما قطرب فكان يرى أنه من الأضداد. انظر: "الأضداد" لقطرب (ص: ٢٦٦)، و"تهذيب اللغة" (مادة: عسس).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" (٢٤/ ١٦١).
(٦) في (ر): "انسلخ".
[ ١٥ / ٢٣٥ ]
(٢٠ - ٢٢) - ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾.
﴿ذِي قُوَّة﴾؛ أي: ذي قدرةٍ على ما (^١) تكلَّف، لا عجز له ولا ضعف، كما قال: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥].
﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾: أي: وجيه، والمكانةُ: الجاه والمنزلة.
﴿مُطَاعٍ﴾: أي: تطيعه ملائكة السَّماوات؛ لعلمهم بمنزلته عند اللَّه.
﴿ثَمَّ﴾: أي: هناك، يعني: في السَّماوات.
﴿أَمِينٍ﴾: أي: مُؤتَمَنٍ على وحي اللَّه تعالى.
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾: أي: محمَّد -ﷺ- ﴿بِمَجْنُونٍ﴾: بل هو أعقل العقلاء.
قال عطيَّة: سألَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- جبريلَ أن يراه في صورته التي يكون عليها في السَّماء، فقال: ما أقدر على ذلك، وما ذاك إليَّ، فاستأذَنَ له (^٢)، فأُذِنَ له، فأتاه قد سَدَّ الأفق، فلمَّا نظر النَّبيُّ -ﷺ- خَرَّ مغشيًّا عليه، فقال المشركون: مجنون، فنزل قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ إلى آخر السُّورة (^٣).
* * *
(٢٣ - ٢٥) - ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾: أي: محمَّدٌ -ﷺ- رأى جبريلَ على صورته، فتيقَّن أنَّه رسولُ اللَّه إليه، وأنَّه بُعِثَ إلى الخلق رسولًا.
_________________
(١) "ما" ليس في (أ).
(٢) "فاستأذن له" من (ف).
(٣) ذكر ذلك الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٦٧) دون نسبة.
[ ١٥ / ٢٣٦ ]
﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: أي: بناحية مطلع الشَّمس، وهو مبين؛ أي: من جهته تُرَى الأشياء وتَظهر، فكان البيان واقعًا من جهتِه، فكان مُبِينًا.
﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ أي: على الوحي ﴿بِضَنِينٍ﴾.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: أي: القرآن، وما أخبر به في هذه السُّورة.
﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظَّاء؛ أي: بمتَّهم، والظِنَّةُ: التُّهمة، وهي من الظَّنِّ.
وروَتْ عائشةُ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قرأ بالظَّاء (^١).
وقرأ الباقون: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضَّاد (^٢)؛ أي: ببخيلٍ فيكتمَه عنكم، وهو نعت محمَّد -ﷺ- على قول المفسِّرين، ويصلح أن يكون نعتًا لجبريل، وقد سبق ذكرهما.
وقال مقاتل بن حيَّان: رأى رسول اللَّه -ﷺ- جبريل من قبل المشرق بأجياد وهو بمكَّة قد ملأ الأفقَ بكلكله، رجلاه في الأرض، ورأسه في السَّماء، جناحٌ له بالمشرق، وجناحٌ له بالمغرب، فغُشِيَ عليه فتحوَّل جبريل في صورة بني آدم، فقيل لرسول اللَّه -ﷺ- لَمَّا رجع: ما رأيناك منذ بُعِثْتَ أحسنَ منك اليوم، فقال: "جاءني جبريل في صورته، فعَلِقني (^٣) هذا من حسنه" (^٤).
وروى ابن شهاب: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- سأل جبريل ﵇ أن يتراءى له في
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٢٩٩٦)، وصححه، وتعقبه الذهبي فقال: إسحاق متروك. وهو إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة.
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠).
(٣) في (ف): "فعلق بي".
(٤) ذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (٤/ ٤٠٦).
[ ١٥ / ٢٣٧ ]
صورته، فقال له جبريل: إنَّك لا تطيق ذلك، فقال: "إنِّي أحُّب أن تفعلَ"، قال: نعم، قال: "فاخرُجْ إلى بقيع الغرقد"، قال جبريل: لا يسعني ذلك المكان، قال: "فاخرُجْ إلى مكانِ كذا" فسمَّاه الرَّاوي، قال: لا يسعني ذلك، فخرج رسولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى المصلى في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته، فخرَّ مغشيًّا عليه (^١) حين رآه، ثم أفاق وجبريل مُسنده واضعٌ إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "سبحان اللَّه! ما كنْتُ أرى أنَّ شيئًا من الخلق هكذا"، فقال جبريل صلوات الرَّحمن عليه: فكيف لو رأيْتَ إسرافيل، إن له لاثني عشر جناحًا، منها جناح في المشرق وجناح في المغرب، وإنَّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل الأحيان لعظمة اللَّه تعالى، حتى يصير كالوصَع (^٢) حتى ما يحمل عرشه إلَّا عظمته (^٣).
* * *
(٢٦ - ٢٩) - ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾: أي: معرِضين عن هذا البيان بعد (^٤) بلوغ الغاية.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾: أي: ليس القرآن إلَّا ذكرًا لِمَا به الحاجة إليه لكلِّ الإنس والجنِّ.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فغشي على رسول" بدل من "فخر مغشيًا عليه".
(٢) في "الزهد" لابن المبارك: الوصع: عصفور صغير.
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢٢١)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٩٧ - ٩٨). قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ١٤٦): مرسل جيد.
(٤) في (ف): "عند".
[ ١٥ / ٢٣٨ ]
وقيل: أي: إلَّا عِظة لهم، فيتَّعظون بما ذُكِّروا أن يتَّعظوا به (^١).
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾: أي: نَفْعُ هذا الذِّكر لمن أراد (^٢) أن يستقيم من اعوجاج الكفر.
﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾: أي: الاستقامة (^٣).
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: قال عكرمة: قال أبو جهل لعنه اللَّه: الأمر إلينا؛ إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فنزلَتِ الآية (^٤).
* * *
_________________
(١) "فيتعظون بما ذكروا أن يتعظوا به" من (ف).
(٢) في (أ): "آثر".
(٣) "أي: الاستقامة" ليس في (أ).
(٤) لم أقف عليه عن عكرمة. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٧٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٣٢) عن سليمان بن موسى.
[ ١٥ / ٢٣٩ ]