بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّه العزيز الحكيم، الرَّحمنِ الذي رزَقَنا طيِّباتِ النَّعيم، الرَّحيمِ الذي بشَّرَنا بالنَّعيم المُقيم.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿حم﴾ الجاثية سكَّنَ اللَّهُ رَوْعَه، وسترَ عَوْرَتَه عند الحساب" (^١).
وهي مَكِّيَّةٌ، وآياتُها سبعٌ وثلاثون. وقيل: ستٌّ وثلاثون.
وكلماتُها: أربعُ مئةٍ وثمانٍ وثمانون.
وحروفُها: ألفان واثنان وثلاثون.
وانتظامُ افتتاحِ هذه باختتام تلك: أنهما في ذِكْرِ القرآن.
وانتظامُ السورتين: أنهما في ذِكْرِ أهل الكفر وأهل الإيمان.
* * *
(١ - ٢) - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: ﴿حم﴾: مرَّ تفسيرُه.
و﴿تَنْزِيلُ﴾: مُبتدأٌ، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبَرُه.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٥٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٩٤)، وهو قطعة من حديث أبيٍّ الموضوع، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. انظر: "الفتح السماوي" للبيضاوي (٣/ ٩٩٠).
[ ١٣ / ٣٤٥ ]
﴿الْعَزِيزِ﴾: المنيعِ بجلاله ﴿الْحَكِيمِ﴾: المُصيبِ في أقواله وأفعاله.
ويجوز أنْ يكون تقديرُه: تنزيلُ الكتابِ العزيزِ الحكيمِ مِن اللَّه، فيكونان صِفَتَينِ للكتاب.
ومعنى ﴿الْعَزِيزِ﴾: ما مرَّ في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، و﴿الْحَكِيمِ﴾: هو المُحْكِمُ، أو الحاكِمُ، أو ذو الحِكْمة.
* * *
(٣ - ٥) - ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾:
قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿آياتٍ﴾ بالكسر في الجميع على أنها كلَّها عمِلَتْ فيها كلمةُ ﴿إِنَّ﴾، وقرأ الباقون بالرفع في الثاني والثالث (^١) على أنه خبَرُ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَبُثُّ﴾؛ أي: وفيما يبُثُّ؛ أي: يُفَرِّقُ وينشُرُ في الأرض.
وقولُه تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي: وفي اختلافِ الليل والنهار.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: أي: وفي تصريف الرياح، وهو تَقْلِيبُها شمالًا وجنوبًا وصَبًا ودَبُورًا.
ومعنى الآيات: أنَّ مَن تدبَّرَ خَلْقَ السماوات والأرض في عِظَمِ خَلْقِهما وما
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨).
[ ١٣ / ٣٤٦ ]
فيهما مِن العَجائب، وتدبَّرَ خَلْقَ نفْسِه وخَلْقَ غيرِه في تعاقُبِ الأحوال (^١) المُتضادَّة عليه مِن حين ابتدائِه في بطن أُمِّه إلى انفصالِه منه إلى بلوغه ما بلَغَه (^٢)، وتدبَّرَ ما بثَّ في الأرض (^٣) مِن أصنافِ الدَّوابِّ في كل الأوقات على اختلافها في هَيْئاتها وتركيباتها، وما في كلِّ واحدٍ منها مِن المضارِّ والمنافع، وتدبَّرَ اختلافَ الليلِ والنهارِ، وتناوُبَهما على المقادير المُتَّفقة في الأزمنة، وما اقترن بهما مِن مصالح المعاش وأسباب الحياة بهما، وتدبَّرَ ما أنزلَ اللَّهُ مِن السماء مِن المطر الذي جعلَه سببًا لأرزاقِ العِباد، فأحيا به الأرضَ بعد موتها بأنْ أخرَجَ منها أصنافَ النَّباتِ بعد أنْ كانت كالميتةِ الهامِدة لا نباتَ فيها ولا حَراكَ، وتدبَّرَ تصريفَ الرياحِ في الجهات لاقِحًا وعَقيمًا، وما يوجدُ فيها مِن رحمةٍ وعذابٍ، علِمَ بعَقْلِه أنها مَرْبُوبَة مُدَبَّرَةٌ مُسَخَّرَةٌ مُصرَّفة، وأنَّ لها رَبًّا مُدَبِّرًا مُسَخِّرًا مُصرِّفًا لا يُشْبِهُها، مُنَزَّهًا عن صفاتها، وما بها مِن سِمات الحدَثِ وعلاماتِ النَّقْصِ والذُّلِّ والفَقْرِ والحاجةِ إلى مَن يُقِيمُها، واحدًا لا يجوزُ أنْ يكون له شريكٌ في سُلْطانه، أو نَظيرٌ في أوصافِه يُعارِضُه في الرُّبوبِيَّة، أو يُنازِعُه في الألوهيَّة، وأنَّه ﷿ لم يخلُقْ للخَلْقِ أسبابَ معاشِهم مِن الأَقْوات التي أخرَجَها لهم مِن الأرض بالأمطار التي أنزَلَها، والرِّياحِ التي أَهَبَّها، والشمسِ والقمرِ اللَّذَينِ سخَّرَهما للطُّلوع والغُروب، ولم يجعلْ فيما بثَّ في الأرض مِن الدَّوابِّ مُؤْلِمًا ضارًّا أو مُلِذًّا نافعًا إلَّا لِيَسْتَعْمِرَهم في الأرض لِضُروبٍ مِن الحِكْمة التي تفرَّدَ بها، ولِيُمَيِّزوا بين المُلِذِّ والمُؤْلِم، ويتحقَّقوا الوَعْدَ والوَعيدَ، وذلك لا يكونُ إلَّا بالطاعة والمعصية والإحسان والإساءة، على ما حكَمَ به سبحانه
_________________
(١) في (أ): "الأفعال".
(٢) في (ر): "مبلغه" بدل: "ما بلغه".
(٣) في (ر): "خلق اللَّه" بدل: "بث في الأرض".
[ ١٣ / ٣٤٧ ]
مِن التَّمييز بين المُحِقِّ والمُبْطِل والمُسِيء والمُحْسِن، ولن يكونَ هذا إلَّا مُتَعَلِّقًا بالأمر والنهي، وفي هذا وجوبُ مجيءِ الأنبياءِ، وفي عدمِ تحقيقِ الوَعْدِ والوعيدِ في الدنيا في كثيرٍ مِن الناس ما يَقتضي دارًا غيرَ دارِ الأمرِ والنهيِ تَحْقيقًا للوعد والوعيد، فمتى تدبَّرَ العبدُ في ذلك ووفَّاه حَقَّه (^١) رقَّاهُ إلى الدرجةِ التي صحَّ له القولُ بالحقِّ، ووضَحَ له بُطْلانُ الشركِ، وباللَّه المَعونَةُ.
وأبانَ بما قال: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، و﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هذه الآياتِ إنما تُدْرَكُ بهذه الثلاثة:
فالإيمانُ: هو التَّصديقُ بالغَيبِ الذي معناه راجعٌ إلى ما تقومُ عليه أدلَّةُ العُقولِ.
والإيقانُ: هو زوالُ الشَّكِّ فيما يشهدُ له دلائلُ العقلِ.
والذين يعقلون: هم الذين يستعملون عقولَهم في تدبُّر ما يُدْعَون إليه مِن الحقِّ.
وفيه تنبيهٌ أنَّ الإيمانَ لا يتِمُّ إلا بالإيقان، والإيقانَ لا يحصُلُ للعبد إلا بتأمُّلِ دلائل العقل.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: أي: هذه الآياتُ هي آياتُ اللَّهِ ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: نُوحِيها إليكَ.
وقيل: أي: يَتْلوها عليكَ جبريلُ بأمرِنا.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ والكسائيُّ
_________________
(١) في (أ): "وفاه اللَّه حقه".
[ ١٣ / ٣٤٨ ]
وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ بتاء المُخاطبة (^١)، والباقون بياء المُغايبة (^٢).
قال مُقاتلٌ: أي: إنْ لم تُؤمنوا بهذا القرآن، فبأيِّ حديثٍ (^٣) بعدَ توحيدِ اللَّه تعالى وبعدَ القرآنِ تُصَدِّقون.
وقولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: أي: وعيدٌ بشِدَّةِ عذابٍ لكلِّ كذَّابٍ مُرْتَكِبٍ للمآثِم.
* * *
(٨) - ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾: أي: يسمَعُ القرآنَ يُقْرأُ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾؛ أي: يدومُ على جَهْلِه وضَلالِه مُتَعَظِّمًا عن الانقياد لِمَن جاءَ بها؛ بسبَبِ أموالِه وأتباعِه.
﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾: أي: الآياتِ.
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: فأَخْبِرْه بأنَّ له عذابًا وَجيعًا في الدنيا والآخرة.
* * *
(٩) - ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾: أي: وإذا سمِعَ مِن آياتِ القرآن شيئًا فعَلِمَه وحَفِظَه سخِرَ منه، وصوَّرَ ذلك عند أتباعه بصُورة الباطل، وهو كفِعْلِ أبي جهل -لعنَه اللَّهُ- حيث سمِعَ الوعيدَ بالزَّقُّوم، أمَرَ جاريةً له فقدَّمَتْ رُطَبًا وزُبدًا، وقال لأصحابه: هذا الذي نعرِفُه زقُّومًا، ويُخَوِّفُنا محمدٌ به، فكُلُوه (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الخطاب".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨).
(٣) في (أ) و(ر): "كلام".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٥٠) عن قتادة. وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
[ ١٣ / ٣٤٩ ]
وكما قال النَّضْرُ بن الحارث حين سمِعَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]: أنا أكفيكُمُ العشرةَ، فاكْفُوني التِّسعةَ (^١).
وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: بدأَ بالواحد وختَمَ بالجَمْع؛ لأنه قال: ﴿لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، وهي كلمةُ عُمومٍ، وقال: ﴿شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾، ولم يقل: اتَّخَذَه، لوجوه:
أحدُها: أنَّ ذلك الشيءَ آيةٌ.
والثاني: أنَّ الهُزْءَ بشيء منه هُزْءٌ بالجميع.
والثالثُ: أنَّه كان إذا وجَدَ شُبْهةً في شيء جعلَه وسيلةً إلى الهُزْء بكل الآيات، ويقول: إذا ثبَتَ لكم بُطْلانُ هذا ثبَتَ بُطْلانُ الكلِّ.
وقيل: نزلَتِ الآيةُ في النَّضْر بن الحارث، وكان يُعارِضُ آياتِ القرآن بأحاديثِ مُلوكِ الفُرْسِ (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّم﴾: أي: أمامِهم، والاسمُ للخَلْفِ والقُدَّام جميعًا؛ لأنه اسمٌ لِمَا وراءَكَ، وهو يَشْمَلُهما.
_________________
(١) ذكر مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٤٩٧) أنها نزلت في أبي الأشدين أسيد بن كلدة الجمحي، وهو عند الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٧٤) أبو الأشدين كلدة بن خلف، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٥١٧) عن الوليد بن المغيرة.
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٦)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٣٦)، وهو قول مقاتل، كما في "تفسيره" (٣/ ٨٣٦).
[ ١٣ / ٣٥٠ ]
﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾: أي: ولا ينفعُهم ما كسَبوا في الدنيا مِن مالٍ وولدٍ.
﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أي: ولا ما عبَدوه في الدنيا مِن الأصنام ووالَوْها ورجَوا نُصْرَتَها مِن دون اللَّه.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: في جهنم.
* * *
(١١) - ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾: أي: هذا القرآنُ إرشادلكم (^١) إلى الحقِّ.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: أي: جحَدوها.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع؛ نَعْتًا لقوله: ﴿عَذَابٌ﴾، وقرأ الباقون خَفْضًا، نَعْتًا لقوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ (^٢).
والرِّجزُ: المكروهُ المُؤذِي الشَّاقُّ.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿سَخَّرَ﴾: أي: ذلَّلَ، ﴿والْفُلْكُ﴾: السَّفينةُ، وقد يكون جَمعًا، ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بتَسْخِيره، و﴿فَضْلِهِ﴾: رزقِه.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: لِتَشكروا؛ أي: يلزَمُكم شُكْرُه.
_________________
(١) في (أ): "راشد" بدل: "إرشاد لكم".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٠).
[ ١٣ / ٣٥١ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: مِن الشمس والقمر والنُّجوم والجبال والنبات والبهائم؛ أي: ذلك كلُّه لِمَنافعِكم.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْهُ﴾: أي: كلُّ ذلك مِن عند اللَّه (^١) وبأمره، لا يَقْدِرُ عليه غيرُه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: لَعلاماتٍ دالَّةٍ على قُدْرَتِه لِمَن تدبَّرَ فيها.
وحُكِيَ عن عليِّ بن الحُسينِ بن واقدٍ المَرْوَزِيِّ (^٢) أنَّه حضرَ مَجْلِسَ الرَّشيد، وكان نصرانيٌّ يحتَجُّ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] أنَّ عيسى ولَدُ اللَّهِ؛ لأنَّ (مِن) دِلالةُ البَعْضِيَّة، فألزمَه عليُّ بن الحُسين بن واقدٍ بهذه الآية، وقال: إنْ كان جَميعُ ما في السماوات وما في الأرض أَبْعاضًا للَّه بهذه الكلمة صحَّ قولُه: عيسى ولَدُ اللَّهِ، بهذه الكلمة (^٣)، وإلَّا فلا، فانقطَعَ (^٤).
* * *
(١٤) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وابنُ عامرٍ: ﴿لِنَجْزِيَ﴾ بالنون، وقرأ الباقون بالياء (^٥)؛ أي: لِيَجْزِيَ اللَّهُ.
_________________
(١) في (ف): "أي كل ذلك من عنده"، وفي (ر): "أي: كل ذلك منه؛ أي: من عنده".
(٢) إمام، محدث، صدوق، مولى لفاتح خراسان عبد اللَّه بن عامر بن كريز، ولد في سنة ثلاثين ومئة، وروى عن أبيه وغيره، وحدث عنه ابن راهويه وغيره، كان حسن الحديث، كبير القدر. انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" للمزي (١٠/ ٢١١)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٠/ ٢١٢).
(٣) "بهذه الكلمة" زيادة من (أ).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤١٩).
(٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨).
[ ١٣ / ٣٥٢ ]
أي: قل يا محمد للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار الذين لا يخافون وقائِعَ اللَّهِ تعالى بأعدائه.
وقيل: لا يأمُلون نُصْرةَ اللَّهِ لأوليائه.
وقيل: أي: لا يخافون عذابَ الآخرةِ.
وقيل: لا يأمُلون ثوابَها.
فلا يتعرَّضون لهم، ولا يُجاهِدوهم، ويَكِلُوهم إلى جزاء اللَّه؛ لِيَجْزِيَ قومًا بما كانوا يكسبون؛ وذلك قولُه تعالى:
* * *
(١٥) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾: يعني: فله نَفْعُه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾: أي: فعليه ضُرُّه (^١).
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: أي: إلى جزائه، ونُسِخَ هذا بآية الأمرِ بالقتال.
وقال: ﴿لِيجزِىَ قَومَا﴾: ولم يقُلْ: (القومَ)؛ لأنه أرادَ كلَّ قومٍ مِن الفريقين.
وقيل: قد علِمَ أنَّ بعضَ هؤلاء يُسْلِمُ، فكان الوعيدُ لقومٍ بقُوا منهم على الكفر وهم مُنْكِرون.
وقيل: أرادَ به ثوابَ مَن غفَرَ لهم، وذلك بعضُهم.
وقد قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ الآيةَ في أمرٍ كان بين عمرَ بن الخطاب ﵁ وبين المشركين (^٢).
_________________
(١) في (ر): "ضرره".
(٢) وذلك أن عمر بن الخطاب شتمه رجل من كفار مكة، فهمَّ عمر أن يبطش به، فأنزل اللَّه الآية. انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٧٢)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٧) عن مقاتل والكلبي. وروى الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٥٦) أن يهوديًا بالمدينة يقال له فنحاص قال: احتاج رب محمد، =
[ ١٣ / ٣٥٣ ]
قال سعيد بن المسيب ﵀: كنا بين يدي عمرَ بن الخطاب، فقرأ قارئٌ هذه الآيةَ، فقال عمرُ: لِيَجْزِيَ عمرَ بما صنَعَ (^١).
وقال محمد بن كعب والسُّدِّي: نزلَتِ الآيةُ في ناسٍ مِن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- مِن أهل مكة، وكانوا في أذًى شديدٍ مِن المشركين قبل أنْ يُؤمَروا بالقتال، فشَكَوا ذلك إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية.
وقالا في معنى قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: يعني: لا يخافون العذابَ الذي أنزلَه اللَّهُ بقوم نوح وعاد وثمود، ثم أذِنَ اللَّهُ في قتالهم، ونُسِخَتِ الآيةُ (^٢).
* * *
(١٦) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾: وهذه تسليةٌ للنبي في تكذيب قومِه إياه مع وُفُورِ البيان، وتمثيلٌ لأمره بما قد كان، يقول: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراةَ والإنجيلَ، و﴿الْكِتَابَ﴾ اسمُ جنسٍ، فصلَحَ لهما ولكلِّ كتاب أُنْزِلَ على رسولٍ.
أي: أعطينا ذلك أنبياءَهم المبعوثين منهم، وذلك إعطاءٌ لهم.
﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: أي: وأعطيناهم الحُكْمَ على الناس والقضاءَ بينهم والنبوةَ؛ لِمَا جعلنا فيهم مِن الأنبياء مِن حين يوسف إلى عيسى ﵈.
_________________
(١) = فلما سمع بذلك عمر بن الخطاب اشتمل على سيفه، وخرج في طلبه، فجاء جبريل إلى النبي -ﷺ-، ونزلت هذه الآية.
(٢) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٢٨٨).
(٣) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٦٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٤٢).
[ ١٣ / ٣٥٤ ]
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: المَنِّ والسَّلْوى في التِّيهِ، والأقوات والأطعمةِ والثِّمارِ التي كانت في بلاد الشام.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: عالَمِي زمانِهم؛ إذ كانوا حُكَّامًا ومُلوكًا عليهم، والرُّجوعُ إليهم في عِلْمِ الأديان.
* * *
(١٧) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أي: شرائعَ واضحاتٍ مِن أمر الدِّين، وأيضًا حُجَجًا لائحةً مما (^١) هو مِن أمرنا الذي لا يَقْدِرُ عليه غيرُنا، وهي مُعْجزاتُ موسى وعيسى.
﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: أي: فلم يختلِفْ بنو إسرائيلَ إلا مِن بعد ما جاءهم البَيانُ التَّامُّ، ولكنهم تباغَوا بينَهم؛ أي: طلَبَ بعضُهم الفَضلَ على بعضٍ والرِّياسةَ، وأنْ يكونَ كلُّ عالمٍ هو الرئيسَ المتبوعَ حسَدًا واتِّباعًا للهوى، فصاروا إلى التَّعادي والتَّحارُبِ وقَتْلِ الأنبياءِ، وكذا المشركون مِن قومك يا محمد.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: في الفَصْل بين المُحِقِّ والمُبْطِل، فيَفْضَحُ المُبْطِلين، ويُكْرِمُ المُحِقِّين.
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا
_________________
(١) في (أ): "بما".
[ ١٣ / ٣٥٥ ]
يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أي: على مِنْهاجٍ واضحٍ مِن أمر الدِّين (^١) بعد بني إسرائيل.
﴿فَاتَّبِعْهَا﴾: أي: هذه الشريعةَ ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: المشركين وأهلِ الكتابِ.
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: لا ينفعونكَ ولا يَدْفعون عذابَ اللَّهِ عنكَ.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: يتوالَون على مُعاداتكَ، ويتعاونون على الباطل.
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: مُحِبُّ مَن اتَّقى الشركَ والمعاصيَ وناصرُه ومُتولي كفايتِه، وهو أنتَ ومَن اتَّبعكَ.
قال ابن عباس ﵄: إنَّ كفارَ قريشٍ سألوا النبي -ﷺ- أنْ يرجِعَ إلى دين آبائه، فنزلت هذه الآيةُ (^٢).
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾: أي: هذا القرآنُ دلائلُ للناس في أمور دينهم، يُبْصِرون بها مواضعَ رُشْدِهم.
_________________
(١) في (ف): "من الأمر الذي".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ١٤٢) عن الكلبي، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٩٩) عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وهو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٣/ ٨٣٨).
[ ١٣ / ٣٥٦ ]
﴿وَهُدًى﴾: أي: رُشْدٌ وطريقٌ مُؤَدٍّ إلى اللَّه لِمَن سلَكَه.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي: نِعْمةٌ مِن اللَّه عليهم.
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: للسَّامعين الذين يَنْفُون (^١) الشُّكوكَ ووساوسَ الشيطانِ عن أنفسهم.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾: قيل: (أم) كلمةٌ بمعنى ألف الاستفهام؛ أي: أَظَنَّ الذين اكتَسَبوا المعاصي، وارتَكَبوا المآثِمَ، وأشركوا باللَّه، وكذَّبوا أنبياءَ اللَّهِ، وجحَدوا آياتَ اللَّهِ: ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: الحسناتِ والطاعاتِ.
﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسانيُّ وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ: ﴿سَوَاءً﴾ بالنَّصْب؛ لِوُقوع الجَعْلِ عليه، ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ رفعٌ بالفعل المدلول في قوله: ﴿سَوَاءً﴾؛ لأنَّ تقديرَه: مُسْتَوِيًا، ونظيرُه: رأيتُ رجلًا حسنًا وجهُه.
وقرأ الباقون: ﴿سواءٌ﴾ بالرَّفْع على الابتداء، و﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ خبرُه (^٢)؛ أي: نجعَلَهم يستوي مَحْياهم ومماتُهم.
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: بئس الحُكْمُ هذا الحُكْمُ منهم، وهذا استفهامٌ بمعنى النفي؛ كقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].
وقيل: هو في ردِّ مَن قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، ومَن قال: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآيات، ونظائرها.
والتَّفْرقةُ بينهم في المَحْيا والممات: أنَّ هؤلاء لهمُ النَّصْرُ، وهؤلاء لهمُ القَهْرُ،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يتقون".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨).
[ ١٣ / ٣٥٧ ]
وهؤلاء في الآخرة لهمُ الثَّوابُ، وهؤلاء لهم العِقابُ، وعند الموت: هؤلاء ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وهؤلاء ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٢٨].
وقيل في أوَّلِ هذه الآية: إنَّ (أمْ) للعطف على ألف الاستفهام، وتقديرُه هاهنا: واللَّه وليُّ المتقين، أفيعلَمُ المشركون هذا، أم يحسَبون أنَّا نتولَّاهم كما نتولَّى المتقين فنُسَوِّيَ بين الفريقين في المَحْيا والممات، فنُؤْتيَ المُسيءَ في الآخرة مِن نعيمها كما نُؤتيه في الدنيا مِن نعيمها؟!
ولن نفعلَ ذلك، بل نخُصُّ المُحْسِنَ بنعيم الآخرة وإنْ عمَمْنا الفريقين بنعيم الدنيا، وهو كقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
* * *
(٢٢) - ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالأمرِ الحقِّ، وله وُجوهٌ أُخَرُ مرَّ ذِكْرُها مرَّاتٍ.
﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: أي: مِن خير وشر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
* * *
(٢٣) - ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
ثمَّ آيَسَ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن إيمانِ مَن عَلِمَ منهم أنهم لا يؤمنون، فقال:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ
[ ١٣ / ٣٥٨ ]
غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: يقول: أفرأيتَ -يا محمد- هؤلاء المشركين الذين اتخذوا أهواءَهم (^١) آلهةً يعبُدونها ويُطيعون أمرَها، ولا يتَّبِعون كتابَ اللَّه، قد أضلَّهم اللَّهُ وخذلَهم على عِلْم؛ أي: قد علِمَ أنهم يَختارون الضَّلالةَ، وطبَعَ على قلبه، فلا يعتقِدُ حقًّا، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾، فلا يقبَلُ وَعْظًا ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ فلا يُبْصِرُ عِبْرةً.
﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ﴾: استفهام بمعنى النفي ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ قيل: مِن بعد إضلالِ اللَّه.
وقيل: ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾: أي: سوى اللَّهِ.
﴿أفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: بعُقولكم ذلك.
وروى أبو أمامة الباهليُّ ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما عُبِدَ إلهٌ تحت ظلِّ السماء أبغضُ إلى اللَّه مِن هوًى" (^٢).
وقيل في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: كانوا في الجاهلية يعبُدون ما يَسْتَحْسِنُونه، فإذا استحسَنوا غيرَه ترَكوا الأولَ وعبَدوا الثاني، فإنما كان يعبُدُ ما يَهْواه.
وعلى هذا يكون الهوى مصدرٌ بمعنى المفعول؛ أي: يجعلُ إلهَه (^٣) مَهْوِيَّه؛ كقولك: فلانٌ رجائي؛ أي: مَرْجُوِّي، وهذا شَهْوَتي؛ أي: مُشْتَهَاي.
_________________
(١) في (أ): "هواهم".
(٢) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣)، والخرائطي في "اعتلال القلوب" (٨٧)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ١٠٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٩٩)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٣٩) وقال: هذا حديث موضوع على رسول اللَّه -ﷺ-، وفيه جماعة ضعاف، والحسن بن دينار والخصيب كذابان عند علماء النقل.
(٣) في (ف): "الآلهة".
[ ١٣ / ٣٥٩ ]
وقال الكلبي: نزلَ قولُه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ في عليٍّ وحمزةَ وعُبيدةَ بن الحارث ﵃، وفي عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوليدِ بنِ عُتْبَةَ لعنهم اللَّه، وهُمُ ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾، قالوا للمؤمنين: ما أنتم على شيء، وإن كان ما تقولون حقًّا لَنُفَضَّلَنَّ عليكم في الآخرة كما فُضِّلْنا عليكم في الدنيا، فنزلت الآيةُ (^١).
وقيل: إنَّ أبا لهبٍ لعنه اللَّه قال: لئن كان ما يقولُ ابنُ أخي حقًّا لَأُوتَيَنَّ في الآخرة مالًا وولدًا، فأفتدي نفسي بمالي وولدي، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (^٢)؛ يعني: ولدَه.
وقال السُّدِّي: إنَّ كفارَ بني عبد شمسٍ قالوا لبني هاشم وبني عبد المطلب: إنْ كان الأمر كما تقولون فإنَّا لا نَنْحَطُّ (^٣) عنكم في الآخرة عند الدرجات، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيات (^٤).
* * *
(٢٤) - ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾: أي: قالوا بأهوائهم التي عبَدوها وأطاعوها: ليس ما يقولُه المؤمنون مِن الإحياء بعد الموت حقًّا، وما الحياةُ
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ١٦٥)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٦٤)، والواحدي في "الوسيط" (٢٠/ ١٤٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٥)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٣٨٢)، والواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٤١١)، عن ابن مسعود ﵁.
(٣) في (أ): "نحط".
(٤) ذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٨٣٩).
[ ١٣ / ٣٦٠ ]
إلا حياتُنا القُرْبى؛ أي: هذه التي نحن عليها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾؛ أي: يموتُ بعضُنا ويحيَى بعضُنا، ثم يموتُ أولئك ويحيى آخرون على ما هو موجود في المُشاهدة، لا يتغيَّرُ الأمرُ عن ذلك، ولا تنقضي الدنيا، ولا تَفْنى ولا يحيَى مَن مات.
﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: أي: وما يُهْلِكُ الناسَ إِلَّا طولُ العمُرِ وكَرُّ الدَّهْرِ، فذلك هو الذي يُفْنِينا، دون مَن تَذْكُرونه مِن اللَّه الذي يُحيي ويُميت.
وهذا جُحودٌ للصانع، وأهلُ الجاهليَّةِ كانوا أصنافًا: منهم هؤلاء، ومنهم مَن يُثْبِتُ الصَّانِعَ ويُنْكِرُ البعثَ والثَّوابَ والعقابَ، ومنهم مَن يشُكُّ في البعث ولا يقولُ بالإنكار قَطْعًا.
وقيل: ﴿نَمُوتُ وَنَحيَا﴾؛ أي: نموتُ بأنفُسِنا، ونحيى بأخلافنا (^١) وآثارنا، فتأخيرُ ذِكْرِ الحياة عن ذِكْر الممات لهذا: أنه الحياةُ معنًى بعد الموت حقيقةً ببقاء (^٢) الذِّكْر، يقولون: لا حياةَ بعد الموتِ إلا هذا.
وقيل: أرادوا نحيى ونموتُ إذا انتهَتْ أعمارُنا، والواوُ للجَمْعِ لا للتَّرْتيب.
وقيل: القائلون بهذا كانوا قائِلين بالتَّناسُخِ، وأرادوا: يموت الرجل منَّا، فتُجْعَلُ روحُه في مَواتٍ فيحيَى.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: أي: هو قولٌ يقولونه بأهوائهم ظنًّا لا عِلْمًا.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بأخلاقنا".
(٢) في (ر) و(ف): "لبقاء".
[ ١٣ / ٣٦١ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: وإذا تُقْرَأُ على هؤلاء آياتُ اللَّهِ (^١) التي فيها ذِكْرُ البَعْثِ وإقامةُ الحُجَّةِ عليهم (^٢).
﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: لم يكن لهم حُجَّةٌ في دَفْعِها إلا قولُهم: عَجِّلوا لنا هذا البعثَ، وأقيموا الساعةَ الآنَ، وهذا غَيٌّ وجَهْلٌ، لِمَا مرَّ في سورة الدُّخان.
وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾: أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: عند انتهاء أعمارَكم.
﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي: يَبْعَثُكم يومَ القيامة جميعًا، ولا شكَّ فيه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا يتأمَّلون في الدَّلائل فيعلَموا.
* * *
(٢٧) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فلا يُعْجِزُه شيءٌ مِن البعثِ وغيرِه.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾: أي: يَهْلِكُ.
وقيل: أي: يَظْهَرُ له ضَياعُ سَعْيِه في عبادةِ غيرِ اللَّه، ويَظهَرُ له أنَّا لم نُسَوِّ بينهم محياهم ومماتهم.
* * *
(٢٨) - ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَتَرَى﴾: يا محمد ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾: مِن الأُمَم.
﴿جَاثِيَةً﴾: قيل: مُجْتَمِعةً، كلُّ أُمَّةٍ لا تختلِطُ بأُمَّةٍ أخرى.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "القرآن".
(٢) في (أ) و(ف): "عليه".
[ ١٣ / ٣٦٢ ]
والجُثْوَةُ: الشَّيءُ المجتمِعُ، وعلى هذا قيل في قوله: ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨]؛ أي: مُجْتَمِعين.
وقيل: جاثيةً (^١) على الرُّكَبِ للحساب والسؤال؛ كما يكون للخُصوم في الدنيا.
﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾: قيل: إلى الكتابِ المُنزَلِ على نبيِّها: هل عَمِلَ به أو خالفَه؟
والأظهرُ: إلى كتابِ عمَلِه الذي كتبَتْهُ الحفَظةُ؛ كما قال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في الدنيا، ويَظْهَرُ مكْتوبًا في كتابكم.
* * *
(٢٩) - ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾: أي هذا الكتاب الذي كُتِبَ عليكم بأمرنا يُبَيِّنُ ما عَمِلْتُم.
والنُّطْقُ مَجازٌ؛ كما قال: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥].
وأضافَ الكتابَ إلى العبد في قوله: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ لأنَّه عمَلُه (^٢)، وأضافَه إلى نفْسِه في قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾ لأنه بأمره.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أي: نأمُرُ الحفَظَةَ بالنَّسْخِ، وسينُ الاستفعالِ قد تكونُ للطَّلَب والسؤال.
_________________
(١) في (أ): "جاثين".
(٢) في (أ): "لأنه عليه الآية"، وفي (ف): "لأنه عليه".
[ ١٣ / ٣٦٣ ]
وقيل: أي: ننسخ، وهو كقولهم: (عَجِلَ واستعجلَ)، و(نَكِرَ واستنكرَ)؛ أي: تنسَخُ ملائكتُنا بأمرنا، وفِعْلُ المأمورِ يُضافُ إلى الآمرِ.
وقولُه تعالى: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ونَسْخُ ذلك كتابتُه وإثباتُه، وأصلُه وإنْ كان للنَّقْل عن أصلٍ، ولكن قد يُسْتَعمَلُ للابتداء.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ألستُمْ قومًا عُرْبًا، هل يكون النَّسْخُ إلا مِن كتاب (^١)؟! وهو يَحْمِلُ هذا على النَّسخِ مِن اللَّوح المحفوظ.
وفي الخبر: أنَّ الملائكة إذا كتبوا أعمالَ العبادِ وصعِدوا بها إلى السماء، أُمِروا أنْ يَعْرِضوها باللوح المحفوظ، فيوجدُ كذلك، يقول: إنَّ الملائكة كانوا يكتُبون عليكم بأمرنا مِن كتابٍ عندنا كُتِبَ قَبْلَ خَلْقِكم وقَبْلَ عمَلِكم، فلن يخفى علينا شيءٌ منها، ولا يجري على الحفَظَة فيها خَطَأٌ (^٢)، وعلى هذا قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾ إشارةٌ إلى اللوح المحفوظ.
وقيل: مِن قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ إلى هاهنا خطابُ الملائكةِ يومئذٍ للعِباد، وثَمَّ مُضْمَرٌ: تقول لهم الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، و﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾، و﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٠٤)، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (١٣٧٣)، والبيهقي في "القضاء والقدر" (٢٤٢).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وذكر نحوه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٢٣١)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١٠/ ٦٧٩٤).
[ ١٣ / ٣٦٤ ]
وقولُه تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾: قيل: أي: في جنَّتِه، سمَّاها رحمةً لأنها تُنالُ برحمته، فأُعِدَّتْ لأهل رحمته.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾: أي: الفلاحُ الظَّاهر.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أي: فيقالُ لهم: أفلم تكن آياتي تُتْلى عليكم ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أي: فتَعَظَّمْتُم عن قبولها، والانقيادِ لِمَن أتى بها.
﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: أي: مُكْتَسِبين الآثامَ.
وقيل: أي: مُشركين، وقد ذُكِرَ في مُقابلةِ المسلمين في القرآن، فدلَّ على هذا، قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥].
* * *
(٣٢) - ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: وكنتم إذا قيل لكم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: بالبعث والجزاء بالثواب والعقاب.
﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أي: القيامةُ لا شكَّ فيها.
قرأ حمزة: ﴿والساعةُ﴾ (^١) نَصْبًا عَطْفًا على قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، وقرأ الباقون رَفْعًا على الابتداء لِتَباعُدِها عن ﴿إِنَّ﴾ (^٢).
﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾: أي: لا نعلمُ ما القيامةُ.
﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾: أي: ما نظُنُّ ذلك إلا ظنًّا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ بذلك.
_________________
(١) في (أ): "والكسائي"، وهو تصحيف.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩).
[ ١٣ / ٣٦٥ ]
(٣٣ - ٣٤) - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: أي: ظهَرَ لهم عند الوقوع (^١) في العذاب أنَّ ما عمِلوه مِن الشرك والمعاصي كانت سيئاتٍ.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أي: نزَلَ بهم، وقيل: أحاطَ بهم.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: العذابُ الذي كانوا يُوعَدون به، فلا يُصَدِّقونه، ويستهزؤون بقائله، ويقولون: متى هذا الوعد؟! ويُنْغِضُون إليكَ رؤوسَهم ويقولون: متى هو؟!
﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾: أي: تقولُ لهم الملائكة بأمرنا: اليومَ نتركُكم في النار تَرْكَ النَّسْيِ المَنْسِيِّ ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: أي: ترَكْتُم ذِكْرَه والاستعدادَ له.
﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: أي: مانعين عنكم العذابَ.
* * *
(٣٥) - ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.
﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾: أي: هذا العذابُ بأنكم في الدنيا جعلتُم ما يُتلى عليكم مِن آيات كتاب اللَّه مَحَلَّ الهُزْءِ الذي لا ينبغي الإقبالُ عليه ولا التَّفَكُّرُ فيه.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: اغْتَرَرْتُم بها.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾: ليس مُتَّصِلًا بالكلام الأوَّل الذي كان مِن خِطاب الملائكة لهم، بل هو ابتداءُ إخبارٍ مِن اللَّه أنهم لا يُخرجون مِن النار أبدًا.
_________________
(١) في (أ): "الرجوع".
[ ١٣ / ٣٦٦ ]
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: أي: يُسْتَرْضَون؛ يعني: لا يُطالَبون بإرضاء اللَّه تعالى بالتوبةِ عن الشرك والمعاصي، والعملِ بالإيمان والطاعة؛ إذ هُم في دار الجزاء الذي لا تُقْبَلُ فيها توبةٌ، ولا تُقالُ فيها عَثْرةٌ.
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ختَمَ السورةَ بما علَّمَ عِبادَه مِن الثناء الذي يُخْرِجُ قائِلَها ومُعْتَقِدَها عن الشرك الذي ذُمَّ به أهلُه في هذه السورة، وأُوعِدوا عليه بالنار.
وهو أيضًا إخبارٌ أنَّ المُسْتَحِقَّ للثناء والمدح والشكر على النِّعَم هو اللَّهُ الذي خلَقَ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وهو حافظُهما والقائمُ بتدبيرهما، وهو مُدَبِّرُ العالَمين مِن الجن والإنس والملائكة وكُلِّ الحيوانات، ومالِكُها وحافِظُها وناصِرُها (^١) ومُصَرِّفُها على ما أراد.
﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: العَظَمةُ والجلالُ والقُدْرةُ والكمال.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ بسلطانه وجلاله.
﴿الْحَكِيمُ﴾: المُصِيبُ في أقواله وأفعاله.
* * *
_________________
(١) "وناصرها" ليس من (أ).
[ ١٣ / ٣٦٧ ]
سورة الأحقاف
[ ١٣ / ٣٦٩ ]