بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الملك القدُّوس العزيز الحكيم، الرحمنِ الذي يؤتي فضلَه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم، الرحيمِ الذي زهَّدَ في اللَّهو واللَّعب (^١) والتَّجارة بما عندَه من الكرامة والنَّعيم.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ الجُمُعةَ كتبَ اللَّهُ له عشرَ حسناتٍ، بعدد مَن ذهبَ إلى الجمعةِ في مِصْرٍ مِن أمصارِ المسلمين، وبعدد مَن لم يذهَبْ" (^٢).
وهذه السُّورة مدنيَّة.
وهي إحدى عشرةَ آية، ومئةٌ وخمسٌ وسبعون كلمةً، وسبعُ مئة وستَّة وخمسون حرفًا.
وانتظامُ ختم تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك السُّورة بذكر مَن آمن بعيسى ومَن كفرَ به، وأوَّلَ هذه السُّورة بذكر مَن آمنَ بمحمَّد -ﷺ- ومَن كفرَ به.
_________________
(١) "واللعب" من (ر).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٠٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٩٤). قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٤ / ٤١٥ ]
وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك السُّورة في إيذاءِ أهلِ الكتاب موسى وعيسى ﵉ بما قالوا، وهذه السُّورة في إيذائهم محمَّدًا -ﷺ- والمؤمنين بما قالوا.
* * *
(١ - ٢) - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: ذُكِرَ أنَّ أهلَ الكتاب قالوا للعرب: نحن أهل الكتاب وأنتم أُمِّيُّون لا كتاب لكم، ونحن أبناءُ اللَّه وأحبَّاؤه وأنتم رعاة البَهْم، ولنا السَّبتُ ولا سبتَ لكم.
فردَّ اللَّه تعالى طعنَهم بهذه الأشياء الثَّلاثة في هذه السُّورة.
وكان في عهدهم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، فنقضوا، وأساؤوا القول فيهم.
وقالوا في اللَّه ما هو أفظع من كلِّ شيء: عزيرٌ ابنُ اللَّه، والمسيحُ ابنُ اللَّه.
فنزَّه اللَّه تعالى نفسَه عمَّا قالوا فيه، وذبَّ عن المؤمنين ما قالوا فيهم، فقال في الأوَّل: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ الآية، وهو تنزيهُ الخلائق كلِّها تنزيهَ الفطرة على ما مرَّ غير مرَّة.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾: أي: في العرب الذين لا يقرؤون ولا يكتبون.
﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: وهو محمَّد -ﷺ-، أميًّا لا يكتبُ ولا يقرأ من كتاب؛ دلالةً له أنَّه من اللَّه تعالى يُخبرُ، لا عن كتابٍ يأخذ.
[ ١٤ / ٤١٦ ]
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾: أي: على الأمِّيِّين ﴿آيَاتِهِ﴾؛ أي: آياتِ اللَّهِ التي أُنزِلَتْ عليه (^١)، وهي القرآن.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: أي: يطهِّرهم من دنس الكفر.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: القرآن، فيصير لهم كتاب يَعرفون فيه أقاصيص الأولين.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: أي: ويعلِّمهم مع ذلك ما شرعَه له ممَّا لم يذكرْه في كتابه.
وقيل: ويعلِّمهم وجه الاستنباط.
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: قد ذكرنا في مثلِه أنَّه على معنَيْين:
وقد كانوا من قبل في ضلال مبين.
وما كانوا من قبل إلَّا في ضلال مبين.
* * *
(٣) - ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: عطفٌ على قوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾، وله وجهان:
أحدهما: ﴿وَآخَرِينَ﴾ من العرب ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؛ أي: لم يلحقوا، و(ما) زائدة مؤكِّدة؛ أي: لم يسلموا بعدُ، وسيسلمون.
وقيل: لم يبلَّغوا، وسيُبلَّغون ويخاطبون فيسلِمون.
وقيل: لم يجيئوا بعدُ وسيجيئون (^٢)، وهو للعرب كلِّهم إلى قيام السَّاعة (^٣)، وهو في بيان شرف العرب كلِّهم إلى قيام السَّاعة.
_________________
(١) في (أ): "أنزلها عليهم"، وفي (ف): "أنزلها عليه".
(٢) في (ر): "لم يجيبوا بعد وسيجيبون".
(٣) في (أ): "إلى يوم القيامة".
[ ١٤ / ٤١٧ ]
وقال عكرمة: هم التَّابعون (^١).
ووجه آخر: ﴿وَآخَرِينَ﴾ من العجم ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: ممَّن يؤمن به.
وقيل: من الأمِّيين؛ فإنَّ من العجم أمِّيين، كالتُّرك ونحوهم.
وقيل: ﴿وَآخَرِينَ﴾ عطف (^٢) على قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾؛ أي: ويعلِّمهم ويعلِّم آخرين منهم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنَّا عندَ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- حين أُنْزِلَتْ سورةُ الجمعة، فتلاها، فلمَّا بلغ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ قال له رجلٌ: يا رسول اللَّه، مَن هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ قال: وسلمانُ فينا، فوضع رسول اللَّه -ﷺ- يده على سلمانَ وقال: "والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، لو كان الإيمانُ عند الثُّريَّا لتناولَه رجالٌ من هؤلاء" (^٣).
وروى سهلُ بنُ سعدٍ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "إنَّ في أصلابِ أصلابِ أصلابِ رجالٍ مِن أمَّتي رجالًا ونساءً يدخلون الجنَّة بغير حساب"، ثمَّ تلا هذه الآية (^٤).
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: فلا يُعترض، عليه فيما يفعل ﴿الْحَكِيمُ﴾: المصيبُ فيما يفعل.
* * *
(٤ - ٥) - ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٢٣).
(٢) في (أ): "عطف" مكررة.
(٣) رواه البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦).
(٤) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٠٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦٠٠٥). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٤٠٨): إسناده جيد.
[ ١٤ / ٤١٨ ]
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: تعليم الكتاب والحكمة والاختصاص بالنُّبوَّة.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: وهو حُجَّتنا على المعتزلة في أنَّ اللَّه لا يلزمه لعباده شيء، وهو متفضِّل فيما يعطي.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: أي: اليهودِ الذين أُلزموا أحكام التَّوراة والتَّصديق بما فيها.
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يلتزموها وكذَّبوا بها (^١) بتكذيب محمَّد -ﷺ-، ففيها البشارة به والإخبار عنه.
﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: أي: كتبًا، جمع سِفْرٍ، وقد سَفَرَ؛ أي: كَتَبَ، وسَفَرَ: إذا كَشَفَ، وهو يكشِفُ عن المعنى الذي فيه، والسَّفَرة: الكَتَبة.
يقول: الحمارُ يحمل على ظهره كتبًا فيها العلوم، ولا علم له بما يحمل ولا نفع، فكذا هؤلاء إذ لم ينتفعوا بالتَّوراة فعلمُهم بها وعدمُه (^٢) سواء.
قوله تعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بتكذيبِ محمَّدٍ -ﷺ-؛ أي: بئس القومُ قومٌ هذا مثلُهم.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ما داموا على اختيارِ ظلمِهم.
ومنهم مَن حمل هذا على اليهود والنَّصارى، والأظهر أنَّه على اليهود؛ لأنَّه قال بعده: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾.
ثم إلى هذا الموضع ردُّ طعنهم في أنَّهم أهل الكتاب والعربُ لا كتاب لهم، ثمَّ قال في ردِّ طعنهم الثَّاني:
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "وهو".
(٢) في (أ) و(ف): "ولا علم".
[ ١٤ / ٤١٩ ]
(٦ - ٧) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: يقول: يا أيُّها اليهود، إن قلْتُم ظانِّين: إنَّكم أولياء اللَّه من دون الأميِّين وغيرهم ممَّن ليس من بني إسرائيل، فإنَّ لأولياء اللَّه عند اللَّه كرامةً ومنزلة، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ لتصيروا إلى الآخرة، فتنالوا ذلك ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم أنَّكم أولياء اللَّه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: أي: ولا يتمنَّونَ الموتَ قطُّ بما عملوا من السَّيِّئات وقدَّموها، واستحقُّوا بها مَقْتَ اللَّه دون ولايته.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: وما قدَّموه من الظُّلم والمعاصي.
وفيه دلالةٌ صحَّة نبوَّة محمَّد -ﷺ-؛ حيث أخبر، فكان كما أخبر، وهو باطنٌ، فدلَّ أنَّه باللَّه عَلِم ذلك.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾؛ أي: قولوا: اللَّهم أمتْنا (^١).
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "والذي نفسي بيدِه لا يقولها أحدٌ منهم إلَّا غصَّ بريقِه وماتَ مكانَه" (^٢).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٧٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤].
(٢) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٧٤) من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: "لا يقولها رجل منكم. . . "، وهو من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح، وتسمى سلسلة الكذب. لكن رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٧٧) عن ابن عباس موقوفًا بلفظ: "لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه"، وإسناده صحيح كما قال ابن كثير عند تفسير الآية. وروى الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٢٥)، والبزار في "مسنده" (٤٨١٤)، والنسائي في "السنن =
[ ١٤ / ٤٢٠ ]
(٨) - ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾: أي: لا ينفعكم الفرار عنه، بل هو آتيكم فيلقاكم وتلقونه، والملاقاة من الجانبين.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بعد الموت ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: إلى جزاء اللَّه الذي يعلم السِّرَّ والعلانية ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: يخبركم به ويجازيكم عليه.
وقال مقاتل: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كتبَ إلى يهود المدينة يدعوهم إلى دين الإسلام، فكتب يهودُ المدينة إلى يهود خيبر: إنَّ محمَّدًا يزعم أنَّه نبيٌّ، فإنَّه يدعونا وإيَّاكم إلى دينه، فإن كنتم تريدون متابعته فاكتبوا إلينا كتابًا ببيان ذلك، وإنَّما نحن وأنتم على أمر واحد، ولا نؤمن به ولا نتَّبعه. فكتب يهود خيبر إليهم: إنَّ إبراهيم كان صدِّيقًا نبيًّا، وإنَّ إسحاق بعده كان صدِّيقًا نبيًّا، ويعقوب بعد إسحاق كان صدِّيقًا نبيًّا، وولد ليعقوب اثنا عشر ذكرًا، فكان لكلِّ واحد منهم أمَّة من النَّاس، ثم كان موسى يقرأ التَّوراة من الألواح، وعُزير يقرؤها ظاهرًا، ولولا أنَّه كان ولدَ اللَّه ونبيَّه وصفيَّه لم يقرأ ظاهرًا، فنحن وأنتم من سبط مَن كلَّمه اللَّه تكليمًا، واتَّخذه اللَّه خليلًا، فنحن أحقُّ بالنُّبوَّة والرِّسالة، ومنَّا كانت الأنبياء في جزائر العرب، وما سمعنا قط كان من العرب إلَّا هذا الرَّجل، على أنَّا (^١) نجد نعتَه وصفته في التَّوراة، فإن تبعتُموه صغَّركم اللَّه
_________________
(١) = الكبرى" (١٠٩٩٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦٠٤) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا"، وجود إسناده السيوطي في "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا" (ص: ١١٦).
(٢) في (ر): "لا نجد"، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير مقاتل".
[ ١٤ / ٤٢١ ]
ووضعكم، فنحن أبناء اللَّه وأحبَّاؤه، فقال اللَّه تعالى لنبيِّه: قل لهم: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ الآية [الجمعة: ٦] (^١).
* * *
(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾: وهذا ردُّ طعنِهم الثَّالث: لنا السَّبت (^٢) ولا سبتَ لكم.
فجعل اللَّه لنا يوم الجمعة، وهو أفضل الأيَّام، وسيِّد الأيام، وفرض فيه صلاة الجمعة، وأمرنا بالسَّعي إليها، فقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾؛ أي: أُذِّن للصَّلاة ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ هي صلاة الجمعة، فقولك: ضُربَ من زيد، وضُرب زيد، واحد.
﴿فَاسْعَوْا﴾: أي: امضُوا، ولم يُرِدْ به الإسراع، فقد قال النَّبيُّ -ﷺ-: "إذا خرجْتَ إلى الجُمُعةِ فامشِ على هِيْنَتِكَ" (^٣).
وقال ﵊: "إذا أتيتُم الصَّلاة فأتوها وأنتم تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعَون" (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٢١).
(٢) في (ر): "سبت".
(٣) رواه الشافعي في "مسنده" (٣٩٨)، والبيهقي في "معرفة السنن" (٦٦٠٤) من حديث جابر بن عتيك ﵁.
(٤) رواه البخاري (٩٠٨)، ومسلم (٦٠٢)، من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظ البخاري: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".
[ ١٤ / ٤٢٢ ]
وقيل: أراد به السَّعي بالقلب، وهو الإسراع إليها تبكيرًا.
وقال الفرَّاء: السَّعيُ والمضيُّ والذَّهابُ واحدٌ (^١).
﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هو الخُطبة.
وقال سعيد بن المسيَّب: هو موعظة الإمام (^٢).
﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾؛ أي: دعوا البيع والشِّراء.
وقال الفرَّاء: إذا أمركَ بترك البيع فقد أمرك بترك الشِّراء؛ لأنَّ البيع يقع عليهما (^٣).
والنِّداء الذي يُنْهَى عنده عن البيع، هو الأذان الذي يكون بعد (^٤) خروج الإمام.
وعند مالكٍ ﵀: البيعُ في تلك الحالة فاسدٌ للنَّهي، وعندنا النَّهي (^٥) لغيره، وهو تأخير السَّعي، فيبقى مشروعًا في نفسِه فصحَّ (^٦).
وعن محمد بن النَّضر الحارثي: أنَّه سئل عن الجمعة مع هؤلاء الأمراء، فقال: إنَّ اللَّه تعالى أمرنا بالسَّعي إلى الجمعة، وهو يعلم مَن يصلِّي بنا إلى يوم القيامة، فنحن نسعى كما أمرنا اللَّه تعالى (^٧).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٥٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٤٢).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٥٧).
(٤) في (ف): "عند".
(٥) "النهي" ليس في (أ).
(٦) انظر: "الأصل" لمحمد بن الحسن (٤/ ٤٢٧)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (١/ ٢٧٠)، و"الجامع لمسائل المدونة" لابن يونس (٣/ ٨٩١)، وهذا الذي ذكره عن مالك هو ما في "المدونة"، وورد عنه أيضًا أن البيع ماض، وفي المسألة أقوال أخرى في المذهب. انظر: "التبصرة" لأبي الحسن اللخمي (٢/ ٥٧٣).
(٧) ذكره ابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ١١٤).
[ ١٤ / ٤٢٣ ]
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: السَّعي إلى الجمعة وترك الاشتغال عنها بالبيع وغير ذلك أنفعُ لكم من فعل ما يمنعكم عن ذلك.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: بمنافع الأمور ومضارِّها.
* * *
(١٠) - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾: أي: فُرغ منها ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فتفرَّقوا في أرض اللَّه ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾؛ أي: طالبين المعاشَ الذي به قِوامُكم.
وفضل اللَّه: رزقُ اللَّه الذي تفضَّل به على عباده، وأباحه بالبيع والتِّجارات المشروعة.
وتُستحبُّ العقود في هذه السَّاعة؛ لندب اللَّه تعالى إلى ذلك، وتسميته فضلًا.
وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: إذا انصرفْتَ من الجمعة فاخرج من المسجد فساوم بالشَّيء (^١) وإن لم تشترِه (^٢).
وعن ابن محيريزٍ قال: إنَّه ليعجبني أن تكون لي الحاجة يوم الجمعة، فأقضيها بعد الانصراف (^٣).
وروى أنسٌ عن النَّبيِّ -ﷺ- في هذه الآية أنَّه قال: "ليس بطلبِ دنيا، ولكن عيادة مريضٍ، وحضور جنازة، وزيارة أخٍ في اللَّه تعالى" (^٤).
_________________
(١) في (أ): "بالبيع".
(٢) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ١٦٤).
(٣) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٤٣٥). وذكره علاء الدين البخاري في "كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام" (١/ ١٨٣) عن ابن سيرين.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٤٤). وفي سنده أبو عامر الصائغ، قال الذهبي في "المغني في =
[ ١٤ / ٤٢٤ ]
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قيل: واشكروا له واحمدوه على ما أنعم عليكم من التَّوفيق لأدائها.
وقيل: أي: في الأسواق التي تبتغون فيها فضل اللَّه.
يقول: اتركوا التِّجارات لِذكري، وإذا رجعتم إلى التِّجارات فلا تتركوا ذكري أيضًا، وهو دلالة على دوام الذِّكر.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: تظفرون بكلِّ مطلوب، وتأمنون كلَّ مرهوب.
* * *
(١١) - ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾: أي: وإذا علموا تجارةً تُحمَل من (^١) موضع آخر، ﴿أَوْ لَهْوًا﴾: أو شيئًا يُلهي مثلُه ممَّا يَصحب غير التِّجارة، من طبلٍ ونحوه يُؤْذِنون النَّاس بقدومهم ﴿انْفَضُّوا﴾؛ أي: تفرَّقوا عنك ﴿إِلَيْهَا﴾؛ أي: إلى تلك التِّجارة.
ولم يقل: (إليهما) وقد ذكر شيئين: اللَّهو والتِّجارة؛ لأنَّ التِّجارة كانت أصلًا واللَّهوَ تَبَعًا، فصرف الكناية إلى الأصل المقصود.
﴿وَتَرَكُوكَ﴾ يا محمَّد ﴿قَائِمًا﴾ على المنبر تخطب.
﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: من الثَّواب في الآخرة وإدرارِ الرِّزق في الدُّنيا لمن اتَّقى من حيث لا يحتسب ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾؛ أي: أنفع دينًا ودنيا.
_________________
(١) = الضعفاء" (٢/ ٧٩٤): (أبو عامر الصائغ عن أبي خلف عن أنس، قال الأزدي: كان يضع الحديث).
(٢) في (أ) و(ف): "عن".
[ ١٤ / ٤٢٥ ]
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: أي: المعطين.
قال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري: كان رسول اللَّه -ﷺ- قائمًا يخطب يوم الجمعة، فقدمَتْ عِيْرٌ تحملُ الطَّعام من الشَّام، فانفتلَ النَّاس إليها حتَّى لم يبقَ معه إلا اثنا عشر رجلًا فيهم أبو بكر وعمر (^١)، فنزلَت الآية (^٢).
وفي حديث ابن عبَّاس ﵄: قدم دِحْيَةُ الكلبيُّ فما بقيَ في المسجد إلَّا نفر (^٣).
وفي رواية الحسن: أنَّ أهل المدينة أصابهم جوع وغلاءُ سعرٍ، فقدم عيرٌ والنبي -ﷺ- يخطب يوم الجمعة فخرجوا إليها (^٤).
وفي روايةٍ قال النَّبيُّ -ﷺ-: "لو خرجَ هؤلاء الباقون لاضطرمَ الوادي عليهم نارًا" (^٥).
واللَّه الموفِّق
* * *
_________________
(١) في (ر): "وعثمان ﵃".
(٢) رواه البخاري (٩٣٦)، ومسلم (٨٦٣)، والترمذي (٣٣١١)، وليس في الصحيحين ذكر أبي بكر وعمر ﵄.
(٣) رواه البزار (٢٢٧٣)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ١٦٥) بلفظ قريب إلى عبد بن حميد. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٤): رواه البزار عن شيخه عبد اللَّه بن شبيب وهو ضعيف. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٤٥) عن الكلبي وأبي مالك وقرة.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٤٦).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٢١) عن الحسن، وهو تتمة الخبر السابق، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٤٧) عن قتادة.
[ ١٤ / ٤٢٦ ]