بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي ما اتَّخذ صاحبة ولا ولدًا، الرحمنِ الذي لن تجدَ من دونه ملتَحَدًا، الرحيمِ الذي أحصى كلَّ شيءٍ عددًا.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورة الجنِّ كان له من الأجر بعدد كلِّ جنِّيٍّ صدَّق بمحمَّد -ﷺ-، وأعتق اللَّه تعالى رقبته من النَّار" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ثمان وعشرون آية، ومئتان وستٌّ وثمانون كلمة، وألفٌ وثمانيةٌ وثمانون (^٢) حرفًا.
وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ نوحًا دعا للمؤمنين والمؤمنات من أمَّة محمَّد -ﷺ- ومنهم مؤمنو الجنِّ، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٦١)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (ر): "وثلاثون". وفي "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٥٦): (كلمها مئتان وخمس وثمانون كلمة ككلم المزمل، وحروفها سجع مئة وتسعة وخمسون حرفًا). وفي "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٤٩): (هي ثمان مئة وسبعون حرفًا).
[ ١٥ / ٣٧ ]
وانتظام السُّورتين في المعنى (^١): أنَّهما في الدَّعوة إلى التَّوحيد، ونجاةِ مَن أجاب إليه، وهلاكِ مَن لم يُجب.
* * *
(١) - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: انطلق رسول اللَّه -ﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشَّياطين وبين خبر السَّماء، وأُرسلَتْ عليهم الشُّهب، فرجعَتِ الشَّياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السَّماء، وأرسلَتْ علينا الشُّهب، قالوا: ما حيل بيننا وبين خبر السَّماء إلَّا من حدثٍ! فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبينه؟ فانطلقوا، وانصرف أولئك النَّفر الذين توجَّهوا نحو تِهَامة إلى رسول اللَّه -ﷺ- وهو بنخلةَ عامدًا إلى سوق عكاظ، وهو يصلِّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمَّا سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا واللَّه الذي حال بينكم وبين خبر السَّماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ فأنزل اللَّه تعالى هذه السُّورة (^٢).
ففي هذه الرِّواية أنَّه ما قرأ على الجنِّ ولا دعاهم (^٣).
وروى عاصم عن زرٍّ قال: قدم رهطُ زوبعةَ وأصحابِه مكَّة على النَّبيِّ -ﷺ-، فسمعوا قراءة النَّبيِّ -ﷺ- ثم انصرفوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآيات، وكانوا تسعةً (^٤).
_________________
(١) "في المعنى" ليس في (أ).
(٢) رواه البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩).
(٣) في (أ) و(ف): "رآهم".
(٤) رواه البزار في "مسنده" (١٨٤٦). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٠٦): (رواه البزار، =
[ ١٥ / ٣٨ ]
وعن ابن مسعود ﵁: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أمرنا بالمصير (^١) إليهم؛ ليقرأ القرآن عليهم.
وقيل: إنَّ الجنَّ أتَوا رسولَ اللَّه -ﷺ- دفعَتين.
وروى ابن جريج في "تفسيره" عن رجل عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أتلوَ القرآنَ على الجنِّ، فمَن يذهبُ معي؟ ". فسكتوا، ثم الثَّانيةَ فسكتوا، ثم الثَّالثة، فقال عبد اللَّه بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول اللَّه. فقال: "أنت تذهب معي"، فانطلق حتى إذا جاء الحَجُون عند شعب أبي دُبّ خَطَّ عليَّ خَطًّا، فقال: "لا تجاوِزْه"، ثم مضى إلى الحَجُون، فانحدروا عليه أمثال الحَجَلِ، يَحدُرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دفوفهم كما تَقرع النِّسوة في دفوفها، حتى غشَوْه فلا أراه، فقمْتُ، فأومَأ إليَّ بيده أن اجلِسْ، فتلا القرآن فلم يزل صوتُه يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، ثم انفتل إليَّ فقال: "أردتَ أن تأتيَني؟ ". فقلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: "ما كان ذلك لك، هؤلاء الجنُّ أتَوا يستمعون القرآن، ثم ولَّوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزَّاد، فزوَّدتهم العظم والبعر، فلا يستطيبنَّ أحدكم (^٢) ببعرٍ ولا عظم".
_________________
(١) = ورجاله ثقات). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٦٥)، و(٢١/ ١٦٥)، و(٢٣/ ٣١١) بألفاظ مختلفة. ورواه الحاكم في "المستدرك" (٣٧٠١) وصححه، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٢٢٨)، عن عاصم عن زر عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وعزاه الحافظ في "الإصابة" (٢/ ٥٨١) للحاكم ولابن أبي شيبة وأحمد بن منيع في مسنديهما، وقال: إسناده جيد. وذكر الاختلاف عليه الدارقطني في "العلل" (٥/ ٥٤)، فرواه عن عاصم عن زر، وعن عاصم عن زر عن ابن مسعود، ولم يرجح بينهما. وجاء في أكثر المصادر: (سبعة) بدل "تسعة".
(٢) في (ف): "بالمسير".
(٣) في (ر): "أحد".
[ ١٥ / ٣٩ ]
قاله ابن جريج (^١).
وأما مجاهد فقد قال: قال ابن مسعود: انطلق بي النَّبيُّ -ﷺ- حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خطَّ لي خطًا، فأتاه نفرٌ منهم، فقال أصحابنا: كأنَّهم رجال الزُّطِّ، وكأن وجوههم المكاكيُّ.
قال مجاهد: قالوا: ما أنت؟ قال: "أنا نبيُّ اللَّه"، قالوا: فمَن يشهدُ لك على ذلك؟ قال: "هذه الشجرة"، فقال: "تعالَي يا شجرة"، فجاءت تجرُّ عروقُها الحجارةَ لها فَقَاقع، حتى انتصحبَتْ بين يديه، فقال: "على ماذا تشهدين؟ "، قالت: أشهد أنَّك رسول اللَّه، قال: "اذهبي"، فرجعَتْ كما جاءَتْ تجر بعروقها الحجارة لها فَقَاقع، حتى عادَتْ حيث كانت، فسألوه الزَّاد، فزوَّدهم العظم والرَّوث (^٢).
وزعم غير واحد أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- وضعَ رأسَه ليلتئذٍ على فخذ ابنِ مسعودٍ، فرقد ثم استيقظ للصُّبح، فقال: "هل من وضوء؟ "، فقال: لا، إلَّا أنَّ معي إداوة فيها نبيذٌ، فقال: "هل هو إلَّا تمرٌ وماء"، فتوضَّأ به (^٣).
_________________
(١) رواه الفاكهي في "أخبار مكة" (٢٣١٩).
(٢) ذكره الفاكهي في "أخبار مكة" عقب خبر ابن جريج السابق.
(٣) رواه أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤) من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁، دون قوله: "وضعَ رأسَه ليلتذٍ على فخذ ابنِ مسعودٍ، فرقد ثم استيقظ للصُّبح". قال الترمذي: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد، عن عبد اللَّه، عن النبي -ﷺ-، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم: سفيان، وغيره. وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي. وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ، أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
[ ١٥ / ٤٠ ]
ثم قال (^١): فذكرْتُ ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال: هذا مستفيضٌ بالمدينة، أمَّا الجنُّ الذي لقُوه بنخلة فجنُّ نِيْنوى، وأمَّا الذين لقُوه بمكَّة فجنُّ نَصيبين (^٢).
وقد روى ابن مروان، عن ليث، عن أبي فَزارة، عن أبي زيد مولى عَمرو بن حريث، عن ابن مسعود في هذه السُّورة قال: لَمَّا أتَوا رسولَ اللَّه -ﷺ- بمكَّة بقومِهم أتتْهُ شجرة من شجر الحرم، فآذنَتْه بهم، فقالت: يا رسول اللَّه، إنَّ نفرًا من الجنِّ بالحَجُون، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لأصحابه: "إنِّي خارجٌ إليهم، فليقُم معي مَن أحبَّ، ولا يخرجَنَّ معي إليهم منكم رجلٌ في قلبه مثقال حبَّة من خردل من شكٍّ".
قال: فخرج معه ابنُ مسعود ﵁، فلمَّا أتَوا الحَجُون خَطَّ على ابن مسعود خطًّا، ثم قال: "إيَّاك أن تعدوَ هذا الخطَّ، فإنَّك إنْ فعلْتَ لم ترني ولم أركَ أبدًا"، ثم انطلق رسول اللَّه -ﷺ-، ولم أزل قائمًا في ذلك الخطِّ ليلي كلَّه، حتى إذا كان في وجه السَّحَر أتاني، فقال: "ما زلْتَ قائمًا؟ "، قلْتُ: نعم، قال: "فهل معك ماء"، وذكر التَّوضُّؤ بنبيذ التَّمر.
ثم نادى: الصَّلاة، فإذا رجلان من الجنِّ قد أجابا النِّداء، فقاما خلفَه وصلَّيا معه، فلمَّا انصرف رسول اللَّه -ﷺ- من الصَّلاة قال لهما: "ألم اقضِ حاجتكما؟ "، قالا: بلى يا رسول اللَّه، ولكنَّا سمعنا النِّداء بالصَّلاة، فجئنا لنصلِّي معك، فقال لهما رسول اللَّه -ﷺ-: "قد أفلحْتُما، وأفلح مَن أنتما منه"، أو: "قد أفلحتما، وأفلح قومُكما"، ثم ذكر سؤالهما الزَّاد (^٣).
_________________
(١) أي: ابن جريج. كما في "أخبار مكة". وكلمة "ثم" ليست في (ر) و(ف).
(٢) ذكره الفاكهي في "أخبار مكة" عقب خبر ابن جريج السابق.
(٣) رواه بلفظ قريب الإمام أحمد في "المسند" (٤٣٨١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩٩٦٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٧). وإسناده ضعيف لجهالة أبي زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي. وانظر: "الدراية في تخريج الهداية" لابن حجر (١/ ٦٦). وذكره مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٢٩).
[ ١٥ / ٤١ ]
وفي "المشافهات" (^١) عن ابن عبَّاس ﵄ قال: إنَّا لقُعودٌ مع رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "إنِّي قد أمرْتُ أن آتي الجنَّ، فمَن يصاحبُني منكم؟ "، فسكتوا، حتَّى قالها ثلاثًا فسكتوا، فقام فذهب وحده حتى بلغ البطحاء، فنظر وراءه، فإذا هو بابن مسعود ﵁، فقام قائمًا حتى جاء، فقال: "مه؟ "، فقال: إنَّه ما حملتني الأرض حتى اتَّبعتُكَ، قال: "إنِّي قد أُمرْتُ وراء هذا الجبل بوادٍ فجٍّ (^٢) إذا انحدرْتُ فيه، فإنِّي سأخطُّ لك خطًّا فادخلْهُ ولا تخرجَنَّ منه، فإنْ خرجْتَ منه لم ترني إلى يوم القيامة"، فانحدر (^٣) في الوادي، فخطَّ وقال: "ادخلْهُ وأقبِلْ على قراءتك وصلواتك، فإنَّك ترى أشياء، ولا يخلصون إليك حتى تراني"، فصعد في أعلى الوادي (^٤)، فاستفتح سورة الجنَّ، واجتمعت الجنُّ حتى امتلأ الوادي والجبال، وقرأ في الصَّلاة، فلمَّا صلَّى ركعتين انصرف، فسلَّموا عليه وقالوا: جئناك لخصومة قتيلٍ بيننا، فقضى فيه، فقالوا: رضينا بقضائك وآمنَّا بك. ثم ذكر حديث نبيذ التَّمر، وحديث الزَّاد، وكانوا جنَّ نصيبين، وأرضُهم بعيدة، وسألوا الزَّاد لذلك (^٥).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾؛ أي: قلْ يا محمَّد لأمَّتك: أوحَى اللَّه تعالى إليَّ أنَّه استمع -أي: إلى قراءتي- نفرٌ من الجنِّ.
_________________
(١) في (ف): "وفي كتاب تفسير المتشابهات" بدل من "وفي كتاب تفسير المشاهدات". وكتاب: "المشافهات" لعلي بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي السمرقندي، وسماه بذلك لأنه زَعَم أنَّ ما ذُكِرَ من التفسير كلُّه مسندٌ إلى رسولِ اللَّه -ﷺ- فكأنَّه شافهه به، وقد تقدم ذكره وترجمة مؤلفه عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
(٢) بعدها في (ف): "حتى".
(٣) في (أ): "فأَندَرَّ" كذا وقعت مضبوطة.
(٤) في (ف): "الجبل".
(٥) لم أقف عليه.
[ ١٥ / ٤٢ ]
قال القتبيُّ ﵀ ونفطويه: النَّفرُ: الجماعة من الثَّلاثة إلى العشرة (^١).
وقال أبو زيد: هو الرَّهط ما دون العشرة (^٢).
ودلَّت الآية أنَّه لم يعلم باستماعهم إلى قراءته حتَّى أُوحي إليه.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾: أي: عجيبًا في نظمِه معجِزًا لا يُقدَر على مثله، وعجيبًا لاشتماله على الأخبار عمَّا كان وعمَّا يكون، وعجيبًا لِمَا فيه من بيان كلِّ شيء مع قلَّة ألفاظه.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾.
﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾: أي: يدلُّ مَن تدبَّره على السَّداد.
﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾: أي: صدَّقنا أنَّه من عند اللَّه.
﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾: من خلقه.
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ هذه الأربعة بالفتح، والباقي بالكسر.
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر كذلك، إلَّا قوله: ﴿وإنهُ لمَّا قام عبدُ اللَّه﴾ بالكسر.
وقرأ الباقون كلَّ ذلك بالفتح، إلَّا ما جاء بعد قولٍ أو فاءِ جزاء (^٣).
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٩١).
(٢) ذكره عنه أبو عبيد في "الغريب المصنف" (١/ ٣٨١).
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥).
[ ١٥ / ٤٣ ]
ووجهُ الفتح في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ ومثلِه: وآمنا أنه تعالى جدُّ ربنا، وكذلك ما بعده، أو يُقدَّر فعلٌ يليق به ينتصِب بوقوعه عليه.
وقال أبو عبيدة: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾؛ أي: سلطانه وملكه (^١).
وقال الأخفش: أي: عظمة ربنا (^٢).
وقال الحسن: غِنَى ربِّنا (^٣).
وقال الفرَّاء: جلالةُ ربِّنا (^٤).
وعن أنس ﵁ قال: كان الرَّجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جدَّ فينا؛ أي: عَظُمَ في عيوننا (^٥).
﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾: أي: زوجة ﴿وَلَا وَلَدًا﴾ كما يقوله المبطلون.
* * *
(٤ - ٦) - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ﴾: أي: جاهلنا؛ أي: الخفيفُ القَدْر والوزن والعقل.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٧٢).
(٢) ذكر عنه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥٠) قوله في تفسير الآية: علا ملك ربنا. وروى الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣١٤) عن قتادة قوله: "تعالى أمر ربنا تعالت عظمته". ورجحه مبينًا سبب ترجيحه، فليراجع ثمة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣١٤ - ٣١٥).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٩٢)، ورواه بسنده عن مجاهد.
(٥) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٢٢١٥). وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٥١).
[ ١٥ / ٤٤ ]
وقال مجاهد وقتادة: هو إبليس عليه اللَّعنة (^١).
﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾: أي: قولًا جائرًا (^٢) يجور فيه عن الحقِّ والصَّواب، وهو أنَّه لا يَبعث أحدًا، وأنَّ له صاحبة وولدًا وشريكًا (^٣)، وكلُّ ما ذكر في السُّورة فإنَّ إبليس يحسِّنه عند أتجاعه ويضيفه على اللَّه تعالى كذبًا.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: كنَّا نظنُّ قبل أن نسمع القرآن أنَّ إبليس وغيره من الجنِّ والإنس لا يَجْترِئون (^٤) على الكذب على اللَّه تعالى، وأنَّ سفيهَنا صادقٌ فيما كان يكذب على اللَّه تعالى، إلى أن سمعنا القرآن، فعلمنا أنَّه وسائرَ مَن اتَّبعه وأطاعه كاذبون على اللَّه تعالى، فرجعنا عنه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾: أخبر عن طائفة من العرب أنَّهم كانوا يستجيرون بالجنِّ، يقول: كان رجال من الإنس يلتجئون في أسفارهم إذا نزلوا واديًا مُقْفِرًا موحشًا يخافون فيه على أنفسهم من الجنِّ أن يتخبَّطوهم أو ينالوهم بسوء، فيقولون: نعوذ بسيِّد هذا الوادي من سفهائه (^٥). على هذا أكثر المفسِّرين.
قال مقاتل: أوَّل مَن تعوَّذ بالجنِّ قومٌ من أهل اليمن، ثم بنو حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٢٠).
(٢) "جائرًا" ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (أ) و(ف): "وشركاء".
(٤) في (ر): "يخبرون"، وفي (أ): "يجرؤون".
(٥) في (أ): "يعوذ سيد هذا الوادي بسفهائه".
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٤٦٢).
[ ١٥ / ٤٥ ]
﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾: يعني: أنَّ الإنس زادوا الجنَّ غيًّا لتعوُّذهم بهم.
وقيل: ﴿رَهَقًا﴾: فسادًا وجهلًا.
وقال الأخفش: سفهًا وطغيانًا (^١).
وقال القتبيُّ: طغيانًا وإثمًا (^٢).
وقال الأصمعيُّ: الرَّهق: غشيان المحارم (^٣).
وقال أبو سعيد: هو مُقارَفة الإثم (^٤).
وقال قطرب: هو الخفَّة والطَّيش (^٥).
وذلك أن الجنَّ اجترؤوا عليهم، وتعزَّزوا (^٦) في أنفسهم، وقالوا: قد سُدْنا الجنَّ والإنس، فطغَوا بذلك في كفرهم.
وقيل: بل معناه: زاد الجنُّ كفَّارَ الإنس بذلك طغيانًا في الكفر، كأنَّهم كانوا إذا عاذوا بهم فأَمِنوا في منزلهم ظنُّوا أن ذلك من الجنَّ، فازدادوا رغبةً في طاعة الشَّياطين وقَبول وساوسهم.
وقال مجاهد: زادوا الكافرين به طغيانًا (^٧).
_________________
(١) وكذا قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٧٢).
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٨٩).
(٣) انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" (ص: ١٢٧)، و"تهذيب اللغة" (مادة: رهق) (٥/ ٢٥٩) كلاهما للأزهري، و"الصحاح" للجوهري (٤/ ١٤٨٧).
(٤) روى الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٢٤) عن ابن عباس ﵄ وقتادة ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ قال: إثمًا.
(٥) قال نحوه الخليل في "العين" (٣/ ٣٦٦)، ولفظه: الرَّهَقُ: جهل في الإنسان، وخفّةٌ في عقله.
(٦) في (ر): "وتقرروا"، وفي (أ): "تعزوا".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٢٥).
[ ١٥ / ٤٦ ]
وقيل: زاد الجنُّ الإنسَ (^١) رهقًا؛ أي: صاروا سببًا لذلك، وتحقيقُه: أنَّ الإنس ازدادوا كفرًا وطغيانًا بما فعلوه من العَوذ بالجنِّ دون العَوذ باللَّه.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾.
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾: يقول اللَّه تعالى: وأنَّ هؤلاء الجنَّ ظنُّوا كما ظننتم معاشر الإنس ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾؛ أي: رسولًا إلى خلقه.
وقيل: أي: لن يبعث اللَّه أحدًا بعد الموت للحساب والجزاء.
يقول: إنَّ هؤلاء الجنَّ كانوا ينكرون المعادَ كإنكاركم، ثم بسماع القرآن اهتدَوا، فأقرُّوا بالرُّسل وبالمعاد، فاعملوا أنتم معاشرَ العرب كذلك.
وقال مقاتل ﵀: لمَّا رجع مؤمنو الجنِّ إلى قومهم منذرين كذَّبوهم، وقال مؤمنو الجنِّ لكفارهم: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ يعنون كفَّار الإنس ﴿ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ يا معشر الجنِّ ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾؛ يعني: محمَّدًا رسولًا بعد عيسى (^٢).
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: قيل: أي: التَمَسْناها وطلبناها، وأردناها لاستراقِ السَّمع منها.
وقيل: أي: مسِسْنا السَّماء، وفي الخبر: أنَّ الشَّيطان يقفز قفزة فيَلْطأُ بالسَّماء (^٣)؛ أي: يلصَق.
_________________
(١) في (ر): "زاد الجن والإنس"، وفي (ف): "زادوا الجن والإنس".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٤٦٢).
(٣) لم أقف عليه.
[ ١٥ / ٤٧ ]
﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا﴾: أي: حفَظةً، جمعُ حارس، كالسَّلَف جمع سالف.
﴿شَدِيدًا﴾: أي: شِدادًا، ووحَّد لأنَّ ظاهر لفظه لفظُ الواحد، وهو كقولهم: سلَفٌ صالحٌ؛ أي: أسلافٌ صالحون.
وقيل: الحرسُ مصدرٌ، كالطَّلب والجَلَب.
وقيل: ﴿شَدِيدًا﴾ نعتُ مصدرٍ محذوف (^١)؛ أي: ملئَتْ ملأً شديدًا من الحرس، كما يُقال: ضَربَ شديدًا؛ أي: ضرب ضربًا شديدًا.
﴿وَشُهُبًا﴾: أي: كواكب مضيئة كشهب النَّار تُرجَم بها الشَّياطين.
وقيل: هي نار غير (^٢) الكواكب، وهي الحرس في قولٍ، والملائكة في قولٍ.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾: أي: من السَّماء قبل هذا ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾؛ أي: لاستماع أخبار السَّماء.
﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾؛ أي: يُرِدِ الاستماع ﴿يَجِدْ لَهُ﴾؛ أي: لنفسه ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾؛ أي: معدًّا لرجمه.
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: إذ حُرسَتِ السَّماء من ذلك.
﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾: أي: خيرًا وصلاحًا.
قيل: هو قول الجنِّ بعضِهم لبعض قبل مجيئهم إلى النَّبيِّ -ﷺ- وقد حيل بينهم
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ملئت".
(٢) في (ر): "عين".
[ ١٥ / ٤٨ ]
وبين خبر (^١) السَّماء، ولم يَدْروا سبب ذلك، فقالوا: لا ندري أراد اللَّهُ به عذاب أهل الأرض بكفرهم ومعاصيهم، أو بَعْثَ رسولٍ فيهم.
وقيل: قالوا ذلك بعد رؤية النَّبيِّ -ﷺ-، ومعناه: لا ندري أيكفر أهل الأرض به فيُعذَّبون، أو يؤمنون به فيَرْشدون.
واختلفوا في الرَّمي والرُّجوم (^٢) وانقضاضِ الكواكب متى ظهر:
قال ابن إسحاق وقتادةُ: ظهر حين قرب نزول الوحي على رسولنا محمَّد -ﷺ-؛ لئلَّا يشاكل الوحيَ شيءٌ من خبر السَّماء، فيلتبسَ على أهل الأرض ما جاءهم من اللَّه بخبر الرَّسول ممَّا قال الكُهَّان من قول الشَّياطين ممَّا استرَقُوه من قولِ أهل السَّماء (^٣).
وقال أبيُّ بن كعب والكلبيُّ وغيرهما: كان ذلك موجودًا قبل عيسى وبعده إلى أن رُفع، فلم يرمَ بعده بالنُّجوم إلى مبعث النَّبيِّ -ﷺ- (^٤).
وقالوا: إنَّ شعراء الجاهليَّة يذكرون ذلك في أبياتهم.
وقال مَعْمَر: قلْتُ للزُّهريِّ: أكان يُرمى بها في الجاهليَّة؟ قال: نعم، قلت: يقول اللَّه تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ قال: غُلِّظَتْ وشُدِّد أمرها بعد مبعث النَّبيِّ -ﷺ- (^٥).
وقال الجاحظ وجماعة: بل لم يكن قبل زمن النَّبيِّ -ﷺ- (^٦).
_________________
(١) "خبر" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (أ) و(ف): "والنجوم".
(٣) انظر: "سيرة ابن إسحاق" (ص: ١١١ - ١١٢)، وروى الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٢٨) عن قتادة قال: (كانت الجن تسمع سمع السماء؛ فلما بعث اللَّه نبيه حرست السماء).
(٤) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٣٠٣) إلى الواقدي وأبي نعيم عن أبي بن كعب ﵁.
(٥) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣٣٤٩)،
(٦) انظر: "الحيوان" للجاحظ (٦/ ٢٧٢) وما بعدها، وقد رد على من استشهد بالشعر وأطال الكلام فيه.
[ ١٥ / ٤٩ ]
وظاهر الآية يدلُّ عليه، أمَّا لو ثبت شيء قبل مبعثه ولكن في زمانه فهو لإيناس (^١) أمره، فكان مختصًّا به.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾: أي: قالت الجنُّ: كان منَّا قبل استماع القرآن مؤمنون بالأنبياء المتقدِّمين، صالحون في الإيمان، متقدِّمون في عمل الخير.
﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: مؤمنون دون الطَّبقة الأولى.
﴿كُنَّا طَرَائِقَ﴾: طريقة: جماعة (^٢).
﴿قِدَدًا﴾: أي: فرقًا قطعًا مختلفين كفَّارًا ومؤمنين، وكاملين في الإيمان ما أحدثنا في إيماننا ما لم يكن في جنسنا.
ويدلُّ عليه أنَّه كان في زمن موسى وعيسى منهم مؤمنون، حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠].
وهذا ترغيب منهم لمن رجعوا إليهم منذرين في الإيمان.
والقِدَدُ: جمع قِدَّة، وهي القطعة، من قَدَدْتُ السير؛ أي (^٣): قطَعْتُه.
والمفسِّرون فسَّروا ذلك على اختلاف الأهواء، وبعضهم على اختلاف الملل.
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾: أي: قد علمنا ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لن نفوته في
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لأساس".
(٢) "طريقة جماعة" من (أ).
(٣) في (ر): "من قددت الشيء".
[ ١٥ / ٥٠ ]
الأرض إن أقمنا فيها ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾: ولن نفوته ولو هربنا إلى البحار أو إلى السَّماء، وهو تحريك للأصحاب على الإيمان خوفًا عن المؤاخذة.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾.
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾: أي: القرآنَ الدَّال على الرُّشد ﴿آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: صدَّقنا به.
﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾: أي: نقصًا من الثَّواب ﴿وَلَا رَهَقًا﴾؛ أي: فوتَ الثَّواب وبطلانَه أصلًا، فإنَّ الرَّهَق له وجوه، ومنها الفساد.
وقيل: ﴿رَهَقًا﴾؛ أي: مؤاخَذةً من غير ذنبٍ، أو بذنبِ غيرِه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾: أي: بعد استماع القرآن.
والقاسطون: الكافرون الجائرون عن الحقِّ.
﴿فَمَنْ أَسْلَمَ﴾ وهو اسم للجنس فصار للجمع ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا﴾؛ أي: قصدوا، وقيل: طلبوا، وقيل: اتَّبعوا.
﴿رَشَدًا﴾: أي: هدًى.
* * *
(١٥ - ١٧) - ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾.
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾: أي: صاروا في حكم اللَّه تعالى وقودًا لجهنَّم، يُلقَون فيها ويُحرَّقون بها.
[ ١٥ / ٥١ ]
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: انقطع كلام الجنِّ، وهذا ابتداءُ كلام من اللَّه تعالى، يقول: لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾: قيل: عذبًا كثيرًا.
وقيل: نافعًا كثيرًا.
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: أي: لنمتحنهم فيه بالشُّكر؛ أي: لوسَّعنا عليهم في الدُّنيا، وبسطنا لهم في الرِّزق لنتعبَّدهم بالشُّكر فيه.
﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾: عن ذكر إنعامه ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾؛ أي: يُدخلْه عذابًا شاقًّا شديدًا، وقد تصعَّد الشَّيء؛ أي: شقَّ.
وقيل: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾؛ أي: عن وعظِ ربِّه فلم يقبله.
وقيل: أي: عن كتابه فلم يَتَّبِعْه.
والصَّعَد: نعتٌ على فَعَلٍ، كقولهم: نيةٌ قَذَفٌ؛ أي: بعيدة (^١)، وأمرٌ كَثَبٌ (^٢)؛ أي: قريب.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ: ﴿يَسْلُكْهُ﴾ بياء المغايبة ردًّا على قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ والباقون ﴿نَسْلُكْهُ﴾ بالنُّون (^٣)؛ خبرًا من اللَّه تعالى عن نفسه بخطاب الملوك جمعًا.
وحمل قوله: ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾؛ أي: على الطَّريقة الحقِّ، وهي الإسلام، قول الضَّحَّاك وقتادة وعبيد بن عمير وعطيَّة وسعيد بن المسيب ومقاتل بن سليمان
_________________
(١) في (أ): "مسافة بعيدة"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "ديوان الأدب" للفارابي (١/ ٢٢١). وقالوا: شطت بهم نيةٌ قذف؛ أي: رحلهَ بعيدة، وليس بمأخوذ من (نأيت) في اللفظ، ولكنه مثله في المعنى، قاله المبرد في "الكامل" (١/ ٧٠).
(٢) في النسخ: "كتب"، والصواب المثبت، والكَثَب بالتحريك: القرب.
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥).
[ ١٥ / ٥٢ ]
وعطاء والحسن، وذلك كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الآية [الأعراف: ٩٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٦٦]، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] الآيات. وقوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة﴾ [النحل: ٩٧] (^١).
وقال الحسن: كان أصحابُ رسول اللَّه -ﷺ- سامعين للَّه مطيعين، ففُتحَت عليهم كنوز كسرى وقيصر (^٢).
وقال الكلبيُّ والرَّبيع بن أنس وزيد بن أسلم: أي: لو استقاموا على طريقة الكفر لأعطيناهم سَعةً في الدُّنيا لنستدرجهم بذلك ليزدادوا إثمًا وفتنة، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٥٥] الآيات، وقولهِ تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية [الزخرف: ٣٣] (^٣).
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾: أي: وأُوحيَ إليَّ أنَّ المساجد، وهي البيوت المبنيَّة للصَّلاة فيها للَّه تعالى، وهو (^٤) المستحِقُّ للعبادة فيها.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٣٥ - ٣٣٨) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. وذكره الثعلبي (٢٣/ ٥٣) عن سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رياح والضحاك وقتادة وعبيد بن عمير وعطية ومقاتل والحسن.
(٢) رواه عبد بن حميد؛ كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٣٠٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٣٨) عن أبي مجلز. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥٣) عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي والثمالي ويمان بن رئاب وابن كيسان وأبي مجلز.
(٤) في (أ) و(ر): "وهي".
[ ١٥ / ٥٣ ]
﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾: أي: لا تعبدوا.
وقيل: أي: لا تدعوا غيره إلهًا.
وقيل: أي: لا تدعوا في الحوائج غيره.
وعن سعيد بن جبير أنَّ الجنَّ قالوا: يا رسول اللَّه، كيف نأتي المساجد معك ونحن ناؤون عنك؟ فنزلَتْ (^١). أي: كلُّ المساجد للَّه، فأخلِصوا العبادة للَّه؛ أي: في أيِّ مسجد قدرتُم عليه.
وقال الحسن: من السُّنَّة إذا دخل أحد المسجد أن يقول: لا إله إلَّا اللَّه لا أدعو مع اللَّه أحدًا (^٢).
وقيل: ﴿الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾؛ أي: السَّجداتِ للَّه، جمع مسجد الذي هو المصدر؛ أي: اللَّه هو المستحِقُّ لسجود الخلق له.
وقال الحسن: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾؛ أي: الصَّلوات للَّه (^٣).
وقيل: ﴿الْمَسَاجِدَ﴾؛ أي: الأعضاءَ التي يسجد عليها ﴿لِلَّهِ﴾.
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾: أي: أُوحي إليَّ أنَّه لَمَّا قام عبد اللَّه؛ أي: محمَّد رسول اللَّه.
﴿يَدْعُوهُ﴾: أي: يعبد اللَّه ويصلِّي له.
﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾: أي: قاربَتِ الجنُّ أن يكونوا على رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٤١).
(٢) ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٣٠/ ١٤٤). وذكر الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥٤) عن الحسن قوله: (أراد بها البقاع كلها وذلك أن الأرض جعلت للنبي -ﷺ- مسجدًا، وكان المسلمون بعد نزول هذه الآية إذا دخل أحدهم المسجد قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، والسلام على رسول اللَّه).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥٥).
[ ١٥ / ٥٤ ]
متراكبين؛ شهوةً لِمَا سمعوه منه، وحرصًا على التَّمكُّن منه. على هذا أكثر المفسِّرين.
وقيل: هو قول الجنِّ حين رجعوا إلى قومهم، قالوا: لَمَّا قام رسولُ اللَّه -ﷺ- يصلِّي كاد أصحابُه يكونون عليه لبدًا تعظيمًا له.
وقال الكسائيُّ: ﴿لِبَدًا﴾؛ أي: ركامًا (^١).
وقال الأخفش: أي: جماعات. واللِّبْدةُ: الجماعةُ (^٢).
وقال القتبيُّ: كادوا يلبدون به (^٣)؛ أي: يلصقون به.
وقيل: أي: ولَمَّا قام عبد اللَّه يدعو إلى اللَّه.
* * *
(٢٠ - ٢٢) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾: أي: قل يا محمَّد للمشركين: إنَّما أعبد (^٤) خالقي ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ مِن خلقِه.
وهذه قراءة حمزة (^٥) وعاصم، وقرأ الباقون: ﴿قَالَ﴾ (^٦)؛ عطفًا على قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾.
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾: أي: كفرًا؛ فإنَّه ضارٌّ ﴿وَلَا رَشَدًا﴾؛ أي: إيمانًا، فإنَّه
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٣٢١).
(٢) وذكره أيضًا أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٧٢).
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٩١).
(٤) في (أ): "أدعو".
(٥) في (ف): "حمزة قل إنما".
(٦) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥).
[ ١٥ / ٥٥ ]
هدًى؛ أي: لا أملك إدخالَكم في الكفر أو الإيمان، إنَّما ذلك إلى اللَّه تعالى.
وقيل: الضُّرُّ هو عقوبتهم على الكفر في الدُّنيا والآخرة، والرُّشد: ما يزيلُه عنهم من ذلك بإيمانهم.
﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾: أي: لن يدفع عنِّي عذابَه أحدٌ ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: ملجأً.
وقيل: ﴿مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: مَعْدِلًا أعدِلُ عن اللَّه تعالى إليه.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾.
﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾: أي: لا أجد شيئًا ينجيني منه إلَّا أن أبلِّغ ما يأتيني من اللَّه ومن رسالاته التي أمرني بأدائها.
وقيل: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾؛ أي: إلا أن أبلِّغ عن اللَّه وأعملَ برسالاته.
وقيل: أي: لا أملك لكم إلا أن أبلِّغَكم ما يأتيني من اللَّه ومن رسالاته.
وقال الفرَّاء ﵀: أي: لا أملك لكم إلَّا هذه الرِّسالات التي أرسلني اللَّه تعالى بها إليكم، وإلا أن أبلِّغكم إيَّاها بعد إرسال اللَّه تعالى إيَّاها إليَّ (^١).
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: ردَّ أمر اللَّه ورسوله ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وهذا واحدٌ، للفظةِ (مَن) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: وهذا جمع، لمعنى (مَن) لأنَّه جنس.
﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾: أي: هذه النَّارَ يوم القيامة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٩٥)، ولفظه: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ يكون استثناء من قوله: ﴿ي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ إلا أن أبلِّغكم ما أُرسِلْتُ به. ثم ذكر وجهًا آخر ينظر ثمة.
[ ١٥ / ٥٦ ]
أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾؛ أي: أهُم أم المؤمنون؟ أي: الكافر لا ناصر له يومئذ، والمؤمن ينصرُه اللَّه تعالى وملائكته وأنبياؤه.
والأنصار يقع على الأعوان، والعَددُ على العشيرة (^١).
وقال ابن كيسان: أي: فسيعلم الكفَّار يوم القيامة أنَّ الذين نصروهم في الدُّنيا وظاهروهم على رسل اللَّه يخذلونهم، فيتبرَّؤون منهم ويلعنونهم.
* * *
(٢٥ - ٢٨) - ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾.
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾: أي: ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ من إدخال النَّار ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾؛ أي: غايةً بعيدة.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: أي: ربِّي ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ و؛ أي: ما غاب عن الخلق ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾؛ أي: لا يُطْلِع.
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾: أي: إلَّا مَن اختاره اللَّه تعالى لرسالته.
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾: أي: يُدخل بين يدي الرَّسول ومِن خلفه ملائكةٌ حفَظةً له، يحرسونه عن أن يَقْرَبه الشَّيطان عند إنزال الوحي، فيُلقيَ في وحيه غيرَ الوحي.
وقيل: يحفظونه عند نزول الوحي من أن يصل إليه الشَّيطان فيسمعَه فيلقيَه إلى الكهنة، فيخبرون به قبل إخبار (^٢) الرَّسول.
_________________
(١) في (أ): "العشرة".
(٢) في (أ): "إرسال".
[ ١٥ / ٥٧ ]
وقيل: الرَّسول في هذا: جبريل ونحوه، إذا أطْلعه اللَّه على غيبه وأمره بتبليغه إلى رسول البشر أصحبَه ملائكة يحفظونه حتى يبلِّغه إلى رسول (^١) البشر من غير تغيير، كما رُوي في تشييع الملائكة جبريل في سورة الأنعام.
﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾: أي: ليَظْهرَ إبلاغُ الرُّسلِ قومَهم ما أُمروا بإبلاغه محفوظًا عن التَّغيير، والعلم كنايةٌ عن الظُّهور.
وقيل: أي: ليَعلم اللَّه ذلك موجودًا حال وجوده، كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنَّه يُوجَد، وقد مرَّت نظائرُه.
﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾: على القول الأوَّلى: وليَظهر ما عَلِم اللَّه بما عند الأنبياء من الوفاء بما حمِّلوا ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾: وليظهر أنَّ اللَّه قد علم بعددِ كلِّ ذي علم، ولم يَخْفَ عليه شيء.
وقيل: ليعلم الرَّسول أنَّ الملائكة قد بلَّغوا إليه رسالات ربِّهم على الوجه.
وقيل: أي: ليعلم رسولُنا محمَّد -ﷺ- أنَّ سائر الرُّسل قد أبلغوا رسالات ربِّهم إلى أممهم كما بلَّغ هو إلى أمَّته، وقد سبق ذكره على الخصوص في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾.
وقيل: أي: ليعلم إبليس، وهو غير مذكور صريحًا، لكن دلَّ عليه قوله: ﴿رَصَدًا﴾؛ لأنَّهم يُرصدون عنه؛ أي: ليعلم هو أنَّ رسل اللَّه قد أبلغوا رسالات ربِّهم، ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: حرس الرَّبُّ ما عندهم، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾؛ أي: علم كلَّ شيء بوجوهه ومقاديره.
_________________
(١) في (ف): "رسول اللَّه إلى".
[ ١٥ / ٥٨ ]
وقال ابن كيسان: أي: ليَعلم الخلقُ أنَّ الرُّسل صادقةٌ فيما بلَّغت عن اللَّه تعالى.
وقال محمَّد بن كعب: إذا بعث اللَّه رسولًا جعل حوله ملائكةً، فإذا جاء الشَّيطان في صورة مَلَك قالوا: هذا شيطانٌ فاحذروه، وإذا جاء مَلَك قالوا: هذا رسولُ ربكم (^١).
وقيل: إذا بعث اللَّه ملكًا إلى نبيٍّ جعل معه حرسًا من الملائكة يَزجرون (^٢) الشَّيطان، فإذا نزل جبريل من السَّماء انحدر معه أهلُ كلِّ سماء إلى التي تليها، إلى أن ينتهي إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فيحيطون به حتى يفرغ من أدائه، فيرويه النَّبيُّ -ﷺ- كما سمعَه، ويكون أوَّلَ مَن تكلَّم به.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥٦) عن مقاتل وغيره.
(٢) في (أ) و(ف): "يدحرون".
[ ١٥ / ٥٩ ]