بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أخذ الطَّاغين أخذةً رابِيَة، الرحمنِ الذي لا يخفَى عليه خافِيَة، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين بجنَّةٍ عالية.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ الحاقَّة حاسبَه اللَّهُ تعالى حسابًا يسيرًا" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي إحدى وخمسون آية، ومئتان وثمانٍ وخمسون كلمة، وألفٌ ومئةٌ وعشرة أحرف.
وانتظامُ ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّه قال في ختم تلك: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: عِظَةٌ، وأعظم العِظَات ذكرُ يوم القيامة، وما فيها في القسَم على حال رسول اللَّه -ﷺ-، وما فيها من العقوبات (^٢).
وافتتح هذه السُّورة بذلك.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٤٣)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (ر) و(ف): "من الصعوبات" وقوله: "في القسم على حال رسول اللَّه -ﷺ- وما فيها" ليس في (ف).
[ ١٤ / ٥٥٣ ]
وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك أوَّلُها في القسَم على خُلُق (^١) رسول اللَّه -ﷺ-، وباقيها في (^٢) أجزية موافقيه ومخالفيه أيضًا في الدُّنيا والآخرة، وهذه آخرُها في القسَم على ذلك، وباقيها في (^٣) أجزية موافقيه ومخالفيه أيضًا في الدُّنيا والآخرة.
* * *
(١) - ﴿الْحَاقَّةُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: أي: القيامة.
قال الخليل: ﴿الْحَاقَّةُ﴾؛ أي: النَّازلة التي حقَّتْ فلا كاذبةَ لها (^٤).
وهذا لأنَّ أخبار اللَّه تعالى في الدُّنيا متتابعةٌ في كتبه وعلى ألسنة رسله، يذكرها مع خفاء وقتها، فإذا قامت قيل: هي الحاقَّة؛ أي: قد حقَّتْ كما كانت تُذكَر.
وتسمَّى الآن حاقَّة على أنَّها واقعةٌ لا محالة، كما سُمِّيَتْ الواقعةَ لوقوعها لا محالة.
وقيل: سُمِّيت بها لأنَّها تَحُقُّ كلَّ إنسان بعمله من خير أو شر؛ أي: تجعله حقيقًا (^٥).
وقيل: سُمِّيت بها لانَّها تَحِقُّ فيها الأمور، فيَظهَرُ إحسان المحسن وإساءةُ المسيء، ويظهر ما يجب له وعليه من ثواب أو عقاب، فهي حاقَّة على معنى أنَّ الحقَّ فيها، كما يُقال: ليل نائم؛ لِمَا أنَّ النَّوم يكون فيه.
وقال قتادة: سُمِّيت بها لأنَّه حقَّت فيه لكلِّ قوم أعمالهم (^٦)؛ أي: صحَّت.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "حال".
(٢) في (ف): "وما فيها من" بدل من "وباقيها في".
(٣) في (ف): "وما فيها من" بدل من "وباقيها في".
(٤) انظر: "العين" للخليل (٣/ ٧).
(٥) في (أ): "حقيقة".
(٦) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٣٢٩٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٠٦).
[ ١٤ / ٥٥٤ ]
وقيل: هي من حَقَّ الشَّيء يَحِقُّ حقوقًا؛ أي: وجب، وهي واجبة؛ أي: كائنة لا محالة.
وقال الحسن البصري ﵀: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ معناها: أنَّه تَحِقُّ فيها لأقوامٍ الجنَّةُ بأعمالهم، وتَحِقُّ لأقوامٍ النَّارُ بأعمالهم.
* * *
(٢ - ٥) - ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾.
﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾: استفهام بمعنى التَّعجُّب، وهو تفخيم لشأنها، كقولك: زيدٌ، وما زيدٌ؟
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾: أي: وما أعلمَكَ يا محمَّد أيَّ شيءٍ فيها من الأهوال وشدائد الأحوال، وهو تفخيم آخر، وهو كقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧]، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: ٥].
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾: أي: بالقيامة، وسُمِّيَتْ بها لأنَّه تقرعُ قلوب العباد لهجومها عليهم.
وقيل: تَقْرع أعداء اللَّه بالعذاب.
وقيل: هي الدَّاهية؛ أي: كذَّبَ الأوائل بالقيامة، فلم يؤمنوا باللَّه ورسله، فأهلكناهم في الدُّنيا، وصيَّرناهم إلى عذاب الآخرة، فكذلك حال مشركي زمانك كذَّبوا بالقيامة، فلم يؤمنوا بي وبكتابي ورسولي، فعاقبتهم لذلك.
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾: أي: بالصَّيحة المتجاوِزة حدَّ الصَّيحات في الهول، حتَّى لم تحتملها قلوب القوم، وهو كما قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣١].
[ ١٤ / ٥٥٥ ]
فـ (الطَّاغية) وصفٌ لتلك الصَّيحة؛ لمجاوزتها القَدْر المعتاد، كما قال: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١]؛ أي: لَمَّا (^١) جاوزَ القَدْرَ في الكثرة.
وقيل: معناه: فأهلكوا بطغيانهم.
والطَّاغيةُ: مصدر كالكاذبة والباقية والخاطئة، والألف واللَّام بدل الإضافة.
وقيل: الطَّاغية: نعتٌ للفِرْقة؛ أي: بسببِ (^٢) فرقةٍ طاغيةٍ منهم، وهم قُدارٌ وأصحابه الذين عقروا النَّاقة.
ويجوز أن تكون الطَّاغية هو قُدار وحدَه، والهاء للمبالغة، كما يُقال: علَّامة ونسَّابة وراوية للشِّعر.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾: أي: باردةٍ، من الصِّرِّ.
وقيل: شديدةِ الصَّوت، من الصَّرير.
﴿عَاتِيَةٍ﴾؛ أي: مجاوزةٍ للقَدْر في شدَّة العُصوف.
وقيل: عتت على خُزَّانها فلم يضبطوها.
وقيل عتت عليهم فقهرتهم (^٣) وأهلكتهم، والعاتي الذي لا يُتَّقى ولا يُرَاقب.
_________________
(١) "لما" من (أ).
(٢) في (ر): "نعت".
(٣) في (أ): "ففرقتهم"، وفي (ف): "فغيرتهم".
[ ١٤ / ٥٥٦ ]
قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: اللَّهُ تعالى أدامَها عليهم منقادةً لأمرِه فيهم، لا تَفْتُر.
﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾: أي: متتابعةً لا تنقطع.
قال الفرَّاء: أُخذَ من حَسْم النَّار: إذا كُوي صاحبُه بها؛ لأنَّ المكواة تُحمَّى بالنَّار ويكوى بها، ويتابَع ذلك عليه (^١).
وقال يونس: لا أعرف واحدَها.
وقال أبو الجرَّاح الأعرابيُّ: ليلةٌ حسامُ الحرِّ، ويومٌ حسامُ الحرِّ (^٢)، والجمع: الحُسُوم.
وقيل: ﴿حُسُومًا﴾؛ أي تَحسِم كلَّ شيءٍ تأتي عليه؛ أي: تقطَعه وتستأصلُه، وعلى هذا يكون قوله: ﴿حُسُومًا﴾ صفةً للرِّيح، لا للَّيالي والأيَّام.
وقيل: هو مصدر، ومعناه: سخَّرها عليهم حَسْمًا لهم؛ أي: إهلاكًا واستئصالًا.
وقال أبو معاذ: هو جمع حَسْم، كقولك: زرعتُ زروعًا؛ أي: ضروبًا منه.
وقيل: ﴿حُسُومًا﴾؛ أي: شؤمًا لا خير فيه، يُقال: هذه أيَّام الحسوم؛ أي: الشُّؤم وقطعِ الخيراتِ عن أهلها.
قوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾: وهو خطاب السَّامع، ومعناه: يراهم مَن يراَهَم في هذه اللَّيالي والأيام مصرَّعين.
والصَّرعى: جمع صريع، كالأسرى جمع أسير.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٨٠)، ولفظه: أُخذ -واللَّه أعلم- من حسم الداء إذا كُوي صاحبه؛ لأنَّه يُكوَى بمكواةٍ، ثم يُتابَع ذلك عليه.
(٢) "ويوم حسام الحر" ليس في (أ).
[ ١٤ / ٥٥٧ ]
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾؛ أي: أصول نخل، وهي جمع نخلة.
﴿خَاوِيَةٍ﴾: أي: خالية الأجواف، وهذه صفةٌ لهم بعِظَم الخِلْقة.
وقيل: معناه: أنَّ الرِّيح قطعتهم حتَّى صاروا قطعًا ضخامًا كأصول النَّخل.
والوصف بالخَواء: أنَّ الرِّيح كانت تدخل أجوافهم فتصرعُهم كالنَّخلة الخاوية.
وقيل: أراد بها البالية؛ لأنَّها إذا بليَتْ خَلَتْ أجوافُها، يقول: أبلتْهُم الرِّيح فصاروا كالنَّخيل البالية.
* * *
(٨) - ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾.
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾: قيل: أي: مِن نفسٍ باقية.
وقيل: أي: مِن بقاء، على المصدر، كالكاذبة والخاطئة؛ أي: فهل ترى أنت أو أحد من النَّاس أحدًا بقيَ مِن نسلِ أولئك؟ أليس قد بادوا فما بقيَ أحدٌ منهم ولا مِن نسلهم؟
قال ابن جُريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيَّام أحياءً في عذاب اللَّه تعالى من الرِّيح، فلمَّا أمسَوا اليومَ الثَّامن ماتوا، فاحتملتْهم الرِّيح فألقتهم في البحر، فذلك قول اللَّه تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥].
قال: وأُخبرْتُ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "عذَّبهم بُكرةً، وكشف عنهم العذاب في اليوم الثَّامن حين كان اللَّيل" (^١).
_________________
(١) رواه ابن المنذر، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٢٦٦). وإلى قوله: "مساكنهم" ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/ ٢٦١).
[ ١٤ / ٥٥٨ ]
وهذه الأيَّام تُسمَّى أيَّام العجوز، وتكون باردةً ذات رياح.
قال وهبٌ: نسبَتِ الأيَّام إليها لأنَّ عجوزًا دخلت سربًا فتبعتها الرِّيح فقتلتها في اليوم الثَّامن من نزول العذاب (^١).
وقال ابن حبيب: أسماء هذه الأيام مذكورة (^٢) فيما قال الشَّاعر:
كُسِعَ الشِّتاءُ بسبعةٍ غُبْرِ أيَّامِ شَهْلَتِنا مِنَ الشَّهْرِ
فإذا مضَتْ أيَّامِ شَهْلَتِنا بالصِّنِّ والصِّنَّبْرِ والوَبْرِ
وبآمِرٍ وأخيهِ مُؤْتَمِرٍ ومُعَلِّلٍ ومُطْفِئِ الجَمْرِ
ذهبَ الشِّتاءُ موليًا هَرَبا وأتتْكَ واقدةٌ مِنَ النَّجْرِ (^٣)
* * *
(٩ - ١١) - ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾: قرأ أبو عمرو والكسائيُّ بكسر القاف وفتح الباء؛ أي: ومَن عنده ومَن معه، والباقون بفتح القاف وتسكين الباء؛ أي: ومَن تقدَّمه (^٤).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٦).
(٢) "مذكورة" ليس في (ف).
(٣) نسبت الأبيات لابن أحمر، كما في "ملحق ديوانه" (ص: ١٨٣)، و"الصحاح" للجوهري (مادة: عجز). ونسبت لأبي شبل عصم بن وهب بن عصمة التميمي ثم البرجمي بصري كان في أيام المأمون، كما في "معجم الشعراء" للمرزباني (ص: ٣٩)، ولأبي شبل الأعرابي كما "لسان العرب" (مادة: كسع). وفي "معجم الأدباء" (٣/ ١٢٤٨) نسبت لخرقة بن نباتة. النجر: الحر. الشهلة: العجوز. الكسع: شدة المَرِّ. انظر: "اللسان" (مادة نجر وشهل وكسع).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٣).
[ ١٤ / ٥٥٩ ]
﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾: أي: وقرى قوم لوط المنقلِبةَ بأهلها.
﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: أي: الخطيئة؛ أي: جاؤوا بالخطيئة.
وفسَّرها فقال: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: خالفوه وكذَّبوه ﴿فَأَخَذَهُمْ﴾: أي: ربُّهم ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾: أي: بالغةً زائدةً على القَدْر المعروف عند النَّاس في العذاب.
﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ يعني: تجاوز الحدَّ المعروف في العِظَم حتَّى غرَّق الأرض إلَّا مَن شاء اللَّه، وهو ماء الطُّوفان في زمن نوح ﵇.
قال ابن عبَّاس ومجاهد: ﴿طغى﴾: كثر (^١).
وقال قتادة ﵀: ارتفع على كلِّ شيء خمسة عشر ذراعًا (^٢).
﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾: أي: حملنا أجدادكم، وهم نوح ﵇ والمسلمون من ولده وزوجاتهم.
﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾: أي: في السَّفينة التي اتَّخذها نوح ﵇ بأمرنا.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾؛ أي: عِظَة، فقد أنجينا بها المؤمنين، وأغرقنا الكافرين؛ لتقتدوا أنتم بالفرقة النَّاجية دون الهالكة.
﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: أي: ولتحفظَ هذه التذكرةَ أُذُنٌ حافظة، وتكونَ مودَعة في صدورهم.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢١٩).
[ ١٤ / ٥٦٠ ]
وقال قتادة ﵀: ﴿تَذْكِرَةً﴾؛ أي: عبرةً وآية، أبقاها اللَّه تعالى حتى نظرَتْ إليها هذه الأمَّة -أي: ألواح السَّفينة- وكم من سفينةٍ كانت بعد سفينة نوح ﵇ تلاشَتْ فلم يبقَ لها أثر (^١).
وقيل: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾؛ أي: لنجعل فعلتَنا لكم تذكرةً.
وقال الفرَّاء ﵀: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾؛ أي: كلُّ أذنٍ، ومعناها يحفظُها صاحبُ كلِّ أذنٍ واعيةٍ، ثمَّ يؤدِّيها إلى غيره (^٢).
وعن عليِّ بن أبي طالب ﵁ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال له: "إنِّي سألْتُ اللَّه تعالى أنْ يجعلَها أذنَكَ" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: وهي النَّفخة الأولى حتَّى لا يبقى حيوان إلَّا مات.
* * *
(١٤) - ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: رفعتا عن موضعهما ﴿فَدُكَّتَا﴾ ثنَّى لأنَّ الجبال ذُكرَتْ (^٤) جملةً، فصارت شيئًا واحدًا، وهو كقوله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٢١).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٨١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٢٢)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٣٤٥) عن مكحول مرسلًا.
(٤) في (ف): "دكت".
[ ١٤ / ٥٦١ ]
ومعنى قوله: ﴿فَدُكَّتَا﴾ قال الفرَّاء ﵀: أي: زُلزلتا (^١)، كما قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١].
وقال غيره: (دكتا)؛ أي: دُقَّتا وكُسِّرَتا؛ أي: ضرِبَ بعضُها ببعض، فصارتا كسرًا كسرًا، ثم كثيبًا مهيلًا، ثم كالعهن المنفوش، ثم هباء منبثًا، ثم هباءً منثورًا، ثم تمرُّ مرَّ السَّحاب.
﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾: تقدَّم تفسيره (^٢).
* * *
(١٥ - ١٧) - ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾: أي: تقع صيحة القيامة وتقوم السَّاعة، وذلك من النَّفخة الأخرى.
﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾: أي: انصدعت ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قال الأخفش: أي: منخَّرة (^٣)، قال جرير:
نَدِمْتَ على يوم السِّباقَيْنِ بعدما وهيْتَ فلم يُوْجَدْ لِوَهْيِكَ راقِعُ (^٤)
وقيل: ﴿وَاهِيَةٌ﴾؛ أي: شديدة الضَّعف بانتقاض تركيبها وعدمِ استمساكها.
وقيل: أي: صارت إلى ضعفٍ ولينٍ بعد صلابتها وشدَّتها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٨١).
(٢) " ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ تقدَّم تفسيره" ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (ف): "منخرمة".
(٤) انظر: "ديوان جرير" (٢/ ٩٢٦).
[ ١٤ / ٥٦٢ ]
﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾: أي: والملائكة حينئذ على أطرافها ونواحيها.
والواحد: رجًا، بالقصر؛ أي: إذا ضعفت عن الاستمساك والحمل صاروا إلى حدودها.
وقيل: أي: تشقَّقت فصاروا على أطراف شقوقها.
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾: أي: ينزل العرشُ إلى عرصة القيامة لفصل القضاء بين الخلق.
وقال ﵊: "حمَلةُ العرش (^١) اليومَ أربعة، فإذا كان يوم القيامة ضُمَّ إليها أربعة، فصاروا ثمانية" (^٢).
_________________
(١) "حملة العرش" من (أ) و(ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٢٩)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٤٦٨) من طريق ابن إسحاق عن النبي -ﷺ- بلاغًا، ورواه الطبري أيضًا من طريق ابن زيد عن النبي -ﷺ-، وكلاهما معضل. وجاء في حديث الصور الطويل، وفيه: "والملائكة تحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة". رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (١٠)، والمروزي في "تحظيم قدر الصلاة" (٢٧٣)، والبيهقي في "البعث والنشور" (٦٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁. قال ابن كثير: هذا حديث مشهور، وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، ووفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت -القائل ابن كثير-: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه، فغريب جدًا، ولقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك.
[ ١٤ / ٥٦٣ ]
وقال محمَّد بن إسحاق: هم ثمانية أملاك، ما منهم مَلَك إلَّا رجلاه في الأرض السُّفلى ورأسُه في السَّماء السَّابعة (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄: هم ثمانية صفوف من الملائكة (^٢).
وقال الحسن ﵀: اللَّه أعلم كم هم: ثمانية، أم ثمان مئة، أم ثمانية آلاف (^٣)؟
وقال أبو العالية: هم ثمانية أملاك، أو ثماني زمرٍ، أو ثمانية صفوف.
وقال ابن مسعود ﵁: يحمل العرش اليوم (^٤) أربعة أملاك، ويحملونه على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أجنحة، جناحان على وجهه يَقِيَانه أن ينظر إلى العرش فيَصْعَقَ، وجناحان يضربُ بهما، ليس لهم كلام إلَّا أن يقولوا: سبحان اللَّه ملأت عظمتُه السَّماوات والأرض (^٥).
وفي حديث ابن عبَّاس ﵄: لكلِّ مَلَك منهم أربعة أوجه؛ وجه إنسان فهو يسأل اللَّه تعالى للنَّاس الرِّزق، ووجه أسد وهو يسأل اللَّه للسِّباع الرِّزق، ووجه ثور وهو يسأل اللَّه للبهائم الرِّزق، ووجه نسر وهو يسأل اللَّه للطِّيور الرِّزق (^٦).
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٢٩) عن ابن زيد. وروى نحوه أيضًا عبد بن حميد وابن المنذر عن ميسرة كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٢٧٠). وروى الطبرانىِ في "المعجم الأوسط" (٦٥٠٣) من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: "أذن لي أن أحدث عن ملك من حملهَ العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش وبين شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير سبع مئة سنة يقول الملك: سبحانك حيث كنت"، وقال الطبراني: تفرد به عبد اللَّه بن المنكدر عن أبيه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٨٠): هو وأبوه ضعيفان.
(٢) رواه أبو جعفر ابن أبي شيبة في "العرش" (٣٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٢٨).
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٦٠٢)، والقرطبي في "تفسيره" (٢١/ ٢٠٢).
(٤) في (أ): "يومئذ".
(٥) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٣١٣)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤٠) عن وهب بن منبه.
(٦) رواه بنحو هذا السياق أبو الشيخ في "العظمة" (٤٠) عن وهب بن منبه. =
[ ١٤ / ٥٦٤ ]
(١٨ - ١٩) - ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾؛ أي: للحساب ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾: أي: لا تخفى فعلةٌ أو خصلةُ منكم على اللَّه، ويحتمل لا تُخْفِي نفسٌ خافيةً (^١) منكم يومئذ على اللَّه تعالى مع كثرتكم.
قرأ عاصم والكسائيُّ: ﴿لا يَخْفَى﴾ بياء التَّذكير، لتقدُّم الفعل. وقرأ الباقون بتاء التَّانيث، لتأنيث اللَّفظ في الخافية (^٢).
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾: أي: فهو من أهل الجنَّة، فقد غُفرت سيِّئاته، فإذا وقف على ذلك استبشر وقال: ﴿هَاؤُمُ﴾.
قال ابن زيد: أي: تعالَوا (^٣).
وقيل: أي: تناولوا وخذوا.
_________________
(١) = ورواه أبو جعفر ابن أبي شيبة في "العرش" (٣٨)، وعبد اللَّه بن الإمام أحمد في "السنة" (٢١٧)، والآجري في "الشريعة" (١٠٣٤)، وابن الجوزي في "العلل" (٢٠)، عن ابن عباس بلفظ: "يحمله أربعة من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة أسد، وملك في صورة نسر". قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. وقال أبو حيان في "البحر" عند هذه الآية: ذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالًا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحًا.
(٢) كذا ضبطناها، وتحتمل: (لا تخفَى نفسٌ خافيةٌ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٦٤٨)، و"التيسير" (ص: ٢١٣)، عن حمزة والكسائي، أما قراءة عاصم فيهما فبالتاء.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٣١).
[ ١٤ / ٥٦٥ ]
ويُقال: هاكُم (^١)، وللواحد: هاءَ، وللاثنين: هاؤُما، وللجمع: هاؤم، وهاؤموا، وهاكم (^٢)، وللمرأة: هاءِ بالمد بغير ياء بعدها، ولجمع النِّساء: هاؤنَّ، بالتَّشديد.
وقوله: ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ لأنَّه ليس فيه ما يكرهه أو يستحيي منه. والهاء للاستراحة والوقف.
* * *
(٢٠ - ٢٤) - ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.
﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾: أي: علمْتُ وأيقنْتُ واعتقدْتُ ﴿مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾: الهاء للاستراحة أيضًا؛ أي: علمْتُ أنَّ اللَّه تعالى سيحاسبني واجتهدْتُ في الطَّاعات، وجانبْتُ السَّيِّئات.
وقيل: ﴿ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾؛ أي: حسبْتُ أنَّ اللَّه تعالى يؤاخذني بسيِّئاتي.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾: أي: مَرْضيَّة، كقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ أي: مدفوق.
وقيل: ﴿رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: ذات رضًا، وهي صفةٌ جامعة لكلِّ خير.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾: أي: رفيعة ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾؛ أي: ثمارها قريبةُ التَّناول.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: أي: يقال لهم فيها: كلوا واشربوا ﴿هَنِيئًا﴾؛ أي: سائغًا لا مكروهَ فيه ولا أذَى.
_________________
(١) في (ف): "هاؤكم". ولم أجد (هاؤكم) في كتب اللغة أو غيرها، إلا ما جاء في "حروف المعاني" للزجاجي (ص: ٧٣) من قوله: (وفيه لغات والأصل: هاؤكم)، ولعلها من خطأ النساخ.
(٢) في (ف): "وهاؤكم"، وليست في (ر).
[ ١٤ / ٥٦٦ ]
﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾: أي: جزاءً لكم بما قدَّمتم من الأعمال الصَّالحة ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾؛ أي: الماضية في الدُّنيا.
وقال ابن عبَّاس: هو في الصَّائمين خاصَّة (^١).
وقيل: هو على العموم.
وإنَّما جمع بقوله (^٢): ﴿كُلُوا﴾، وأوَّلُ الآية في الواحد: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾؛ لأنَّ ﴿مَنْ﴾ للجنس، فكان واحدًا لفظًا، جمعًا معنًى.
وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: بلغنا أنَّ اللَّه تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: طال ما رأيتكم في الدُّنيا وقد غارت أعينُكم، وقلصَتْ شفاهكم عن الأشربة، وجفَّتْ بطونُكم، فتعاطَوا الكأس فيما بينكم، وكلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية (^٣).
* * *
(٢٥ - ٢٨) - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾: أي: الكافر الذي يُعطَى كتابه بشماله، وفيه سيِّئات كلُّها.
_________________
(١) رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٣١٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٩٤٩) عن عبد العزيز بن رفيع، ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٣٣١) عن الحسن بن صالح. ورواه الجرجاني في "الأمالي" (٢/ ١٢٧) عن أبي جعفر. وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٦٠٣) عن مجاهد.
(٢) "بقوله" من (أ).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الأولياء" (ص: ٢٤) عن لقمان الحنفي ويوسف بن يعقوب، ورواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠) عن يوسف بن يعقوب.
[ ١٤ / ٥٦٧ ]
﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾: هذا الكتاب، والهاء للاستراحة.
﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾؛ أي: وليتني لم أعلم ما حسابي، أهو خير أم شرٌّ؟
﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: أي: المهلِكةَ القاطعة؛ أي: يا ليْتَ الموتة التي كانت في الدُّنيا لم يكن بعدها بعثٌ ولا حسابٌ.
ويحتمِل على هذا أن يكون قوله: ﴿لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ يعني: يا ليتني لم أُبعَث، ولم أشعرْ بكتابٍ ولا حساب.
وقيل: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: يتمنَّى حينئذ أن يموت؛ لِمَا يَرى من سيِّئاته ويخافُ من عقوباته.
قال قتادة: يتمنَّى الموت، ولم يكن عنده شيء في الدُّنيا أكرهَ منه (^١).
﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾: قيل: أي: ما نفعني ما جمعتُه؛ إذ لم أُحشر معه؛ قال تعالى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام: ٩٤].
وقيل: ما نفعني ما جمعتُه وأنفقتُه في وجوه الخير والبرِّ في الدُّنيا؛ إذ أحبطه شركي.
وقيل: ما نفعني ما جمعته إذا لم أنفقه في سبيل اللَّه ووجوه مرضاته (^٢).
* * *
(٢٩ - ٣١) - ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾: والهاء للاستراحة أيضًا، ومعناه عند بعضهم: ذهبَتْ عنِّي حجَّتي.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٣٥).
(٢) في (أ) و(ف): "مرضات اللَّه تعالى".
[ ١٤ / ٥٦٨ ]
وقيل: ذهب عني عذري.
وقيل: أي: ذهب عنِّي سلطاني على نفسي.
قال الحسن: لقد كان مسلَّطًا على نفسه وماله في الدُّنيا (^١).
وقيل: أي: ذهب عنِّي سلطان الدُّنيا وملكها وعزُّها.
وقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾: أي: يُقال للزَّبانية: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾؛ أي: شدُّوه بالأغلال.
﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾: أي: أدخلوه مغلولًا.
* * *
(٣٢) - ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾: أي: ثم اجعلوه في سلسلةٍ من سلاسل النَّار.
وقيل: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾؛ أي: فأدخِلوه في سلسلة.
ثم قد رُوي أنَّ سلسلتَه تدخل في فيه فتخرج من دبره (^٢)، فعلى هذا معناه: ثمَّ اسلكوا فيه السِّلسلة، قال الفرَّاء ﵀: وهو على القلب، كقولهم: أدخلْتُ رأسي في القلنسوة، وأدخلْتُ القلنسوة في رأسي، والخاتم في أصبعي، وأصبعي في خاتمي (^٣)، قال الأعشى:
إذا ما السَّرابُ ارْتَدَى بالأَكَمْ (^٤)
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ١٧٦).
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩) عن ابن عباس ﵄ والضحاك.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٨٢).
(٤) صدره: =
[ ١٤ / ٥٦٩ ]
أي: إذا ما الأَكَم ارتدَت بالسَّراب.
وعن يزيد الرَّقاشي قال: إنَّ رسول اللَّه -ﷺ- تلا هذه الآية: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾، قال: "غلُّ واللَّهِ ابنِ آدم ليس بمفكوكٍ حتَّى يُرضي اللَّه، ولا يَرضى حتَّى يُطاع، واللَّه ما الطَّاعةُ إلَّا في دار الدُّنيا، ألا وإنَّ الطَّاعة تنفعكم" (^١).
وعن كعبِ الأحبارِ قال: إنَّ اللَّه تعالى لينظر إلى عبده يوم القيامة وهو غضبان، فيقول: خذوه، فيأخذه مئة ألف ملك أو يزيدون، فيجمعون ما بين ناصيته وبين قدميه غضبًا لغضب اللَّه تعالى، فيسحبونه على وجهه إلى النَّار، فالنَّار عليه أشدُّ غضبًا من غضبهم سبعين ضعفًا، فيستغيث بشربة، فيُسْقى شربة يسقط منها لحمه وعصبه، ثم يركس في النَّار، فويل له من النَّار (^٢).
وعن سفيان عن نُسَيرِ بن ذُعْلوقٍ: أنَّه سمع [نوفًا] في قوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ يقول: كلُّ ذراعٍ سبعون باعًا، كلّ باعٍ أبعدُ ممَّا بين الكوفة ومكَّة (^٣).
_________________
(١) = غضوب من السوط زيَّافة انظر: "ديوان الأعشى" (ص: ٣٧)، و"المنتخب من كلام العرب" لكراع النمل (ص: ٦٢٨)، و"تفسير الطبري" (٢٣/ ٢٣٩). ورواية الديوان: إذا ما ارتدى بالسراب الأَكَم
(٢) لم أقف عليه.
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٨٣)، وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (٢٣٩).
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٨٣)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣٣١٦)، وهناد بن السري في "الزهد" (٢٦٩)، وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (١٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٣٧). وما بين معكوفتين من المصادر.
[ ١٤ / ٥٧٠ ]
وعن كعب: أنَّ حَلْقة من تلك السِّلسلة مثلُ جميع حديد أهل الدُّنيا (^١).
وعن الحسن: لو أنَّ حلقة منها (^٢) وضعت على ذروة جبل لذاب الجبل كما يذوب الرَّصاص، فكيف يا ابن آدم وهي عليك وحدك (^٣)؟
وروى عبد اللَّه بن عَمرو عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لو أنَّ رصاصة مثلَ هذه أُرسِلَتْ من السَّماء إلى الأرض وهي مسيرة خمس مئة عام لبلَغَتِ الأرض قبل اللَّيل، ولو أنَّها أُرسِلَتْ من رأس السِّلسلة لسارت (^٤) أربعين خريفًا قبلَ أن تبلغه" (^٥).
* * *
(٣٣ - ٣٦) - ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾.
﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾: أي: يعذَّب بهذا العذاب لكفره.
﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: أي: كان مع كفره لا يحرِّض غيره من أهله وغيرهم على إطعام المحتاجين.
وعن أبي الدَّرداء ﵁: أنَّه قال لامرأته: يا أمَّ الدَّرداء، إنَّ للَّهِ سلسلة
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٨٣)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣٣٠٤)، وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (١٣٧).
(٢) في (ف): "من تلك السلسلة".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣١) عن سويد بن يحيى، وهو في "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٢٣) مرفوعًا من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٤) في (ر) و(ف): "لسالت من".
(٥) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٦٨٥٦)، والترمذي (٢٥٨٨)، وقال: إسناده حسن.
[ ١٤ / ٥٧١ ]
لم تزَل تغلي بها مراجلُ النَّار مُذْ خلقَ اللَّهُ جهنَّم إلى يوم تُلْقى في أعناق النَّاس، فقد نجَّانا اللَّهُ تعالى من نِصفِها بإيمانِنا باللَّه العليِّ العظيم، فحُضي على طعام المسكين يا أمَّ الدَّرداء" (^١).
والحضُّ: الحثُّ.
﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾: أي: قريبٌ يَرِقُّ لِمَا ناله ويدفعه عنه أو يخفِّفه عليه.
﴿وَلَا طَعَامٌ﴾: أي: فليس له طعام ﴿إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾: قيل: هو ما يسيل من صديد أهل النَّار وقيحهم، وكأنَّه غُسالة أجسادهم.
وقال الأخفشُ: هو فِعْلِين من الغِسْل، وهو ما يخرج من الجرح من الدَّم عند الغَسْل (^٢).
* * *
(٣٧ - ٤٠) - ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾: أي: المذنبون الذين لا يستحقُّون المغفرة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾: ثمَّ بعدما ذكر من أهوال يوم القيامة دعاهم إلى تأمُّل ما ذكره ليعلموا أنَّه من عند اللَّه منزَّل على رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾.
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "الأموال" (٩٠٢)، وابن زنجويه في "الأموال" (١٣١٤)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٢٧٤) إلى عبيد بن حميد وابن المنذر.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٤٨)، ولفظه: "وقال: ﴿إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ جعله -واللَّه أعلم- من الغسل، وزاد الياء والنون بمنزلة: عفرين وكفرين".
[ ١٤ / ٥٧٢ ]
وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ (لا) صلة مؤكِّدة، وهو قول البصريِّين.
والثَّاني: أنَّها ردُّ كلام الكفرة؛ أي: ليس الأمر كما يقولون. وهو قول الفرَّاء (^١).
والثَّالث: أنَّها نفي القسم؛ لأنَّه لا يحتاج إليه لوضوح الحقِّ في أنَّه تبليغ رسول كريم عن اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ﴾؛ أي: من عجائب خلق اللَّه ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ من ذلك، وهو قسمٌ بكلِّ شيءٍ.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: أي: تلاوةُ رسول كريم أكرمه اللَّه تعالى بالرِّسالة، وهو محمَّد -ﷺ-. قاله الحسن (^٢).
وقيل: هو جبريل، كما قال في سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
والأظهر أنَّه هاهنا محمَّدٌ -ﷺ-.
* * *
(٤١ - ٤٤) - ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾: أي: ليس هذا القرآن قولًا من رجل شاعر؛ لأنَّ هذا القول (^٣) مُباينٌ لصنوف الشِّعر كلِّها.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٠٧).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ١٨٧).
(٣) في (ف): "القرآن".
[ ١٤ / ٥٧٣ ]
﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾: أي: ليس لكم هَمُّ الإيمان أصلًا، فلذلك تُعرِضون عن التدبُّر فيه ولو تدبَّرتم فيه عرفتُم أنَّه ليس بقول شاعر.
﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾؛ أي: وليس هو بقول كاهن تأتيه الشَّياطين، ويلقون إليه ما سمعوه من أخبار السَّماء.
﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: ليس لكم هَمُّ التَّذكير لِمَا يُتلى عليكم، ولو تذكَّرتم علمْتُم أنَّه ليس بقول كاهنٍ.
وطريقه طريق قولهم: هذه أرض قلَّ ما تنبت؛ أي: لا تنبت أصلًا.
وقيل: هو على حقيقته لأنَّهم كانوا يؤمنون بأنَّ اللَّه خالقهم ورازقهم، ثم يشركون به، ويجحدون أنبياءه، وكذا كانوا يتذكَّرون بعض التَّذكُّر، ثم يتركون ذلك، كما قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٨]
وقرأ ابن كثير: ﴿قليلًا ما يؤمنون﴾، و﴿قليلًا ما تذكرون﴾ بياء المغايبة فيهما (^١)؛ ردًّا على قوله: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾.
والباقون بتاء المخاطبة (^٢)؛ ردًّا على قوله: ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾، وكذا ما بعده إلى آخر السُّورة.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾: أي: ولو تكلَّف علينا محمَّدٌ (^٣) قولًا تقوَّله علينا لم نقله كذبًا وزورًا.
* * *
_________________
(١) وكذا قرأ ابن عامر في رواية هشام.
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٦٤٨)، و"التيسير" (ص: ٢١٤).
(٣) "محمد" ليس في (ر).
[ ١٤ / ٥٧٤ ]
(٤٥ - ٤٧) - ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾: أي: لأخذنا بيده اليمنى لإقامة العقوبة عليه، كما يُؤخَذ بيمينِ مَن يريد السُّلطان عقوبته، فيقام ليُمضَى به إلى الموضع الذي يُقام عليه العقوبة.
وقيل: أي: لأخذناه بقوَّتنا؛ قال الشَّاعر:
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تلقَّاها عَرَابَةُ باليمينِ (^١)
وقيل: لأخذنا قوَّته، ومنعناه عن ذلك.
وقال الحسنُ ﵀: أي: لقطعنا يده اليمنى (^٢).
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾: قال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير: هو نِيَاط القلب (^٣).
وقال مجاهد وقتادة والضَّحَّاك: هو عرق في القلب متَّصل بالظَّهر، إذا قُطع ذلك مات الإنسان (^٤).
وقيل: أي: لأَمَتْناه، فصار كمَن قُطع وتينُه.
﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾: أي: ولو عاقبناه لم يكن أحدٌ منكم يتهيَّأ له أن يحجزنا عنه؛ أي: يمنعنا.
وقال الفرَّاء: (أحد) يكون للجميع وللواحد؛ قال النَّبيُّ -ﷺ-: "لم تحلَّ
_________________
(١) البيت للشماخ. انظر: "ديوانه" (ص: ٣٣٦).
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/ ٨٦)، والواحدي في "البسيط" (٢٢/ ١٩٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
[ ١٤ / ٥٧٥ ]
الغنائمُ لأحدٍ سوَّدَ الرُّؤوسَ قبلكم" (^١)، وقال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (^٢).
* * *
(٤٨ - ٥٢) - ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.
﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: وإن القرآن العظيم لعظةٌ لمن همُّه التَّقوى.
﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾: أي: به، وذلك لا يُخرجه من أن يكون تذكرة.
﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي: وإنَّ القرآن حسرةٌ على الكفَّار إذ لم يؤمنوا به، فيتخلَّصون يومئذ.
وقيل: وإنَّ التَّكذيب لحسرةٌ، وقد دلَّ عليه قوله: ﴿مُكَذِّبِينَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾: أضيف الحقُّ إلى اليقين لِمَا مرَّ في آخر سورة الواقعة؛ أي: هو من اللَّه تعالى حقًّا يقينًا.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي: فنزِّه اللَّه تعالى يا محمَّد عمَّا يصفه به المشركون، واذكره بأسمائه العظام كما يقوله المخلصون.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٠٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٨٣).
[ ١٤ / ٥٧٦ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
ماهر أديب حبوش - جمال عبد الرحيم الفارس
المجلد الخامس عشر
دار اللباب
[ ١٥ / ١ ]