بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يميت الأحياء ويُحيي الموتى (^١) وهو على كل شيء قدير، الرحمنِ الذي رزقنا من بهيمة الأنعام وأمرنا بإطعام البائس الفقير، الرحيمِ الذي يتولَّانا وينصرنا، فنعمَ (^٢) المولى ونعم النصير.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة الحج أُعطي من الأجر بعددِ مَن حج أو اعتمر فيما مضى وفيما بقي" (^٣).
وسورة الحج مكيةٌ إلا ستَّ آيات منها يقال: إنها نزلت بالمدينة يومَ بدر في اليوم الذي اقتتلوا فيه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] إلى قوله: ﴿صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] (^٤).
وقيل: هي مدنية إلا آياتٍ منها (^٥) نزلت بمكة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] (^٦).
_________________
(١) في (أ): "الأموات".
(٢) في (ف): "فهو نعم".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٨/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. وانظر: "الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٤) وهو قول ابن عباس وعطاء بن يسار. انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٨٩).
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "يقال إنها".
(٦) وهو قول قتادة. انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٨٩).
[ ١٠ / ٤٥٩ ]
وآياتها أربع وسبعون، وقيل: خمسٌ، وقيل: ستٌّ، وقيل: سبعٌ، وقيل: ثمانٍ (^١).
والاختلاف في خمس آيات: ﴿الْحَمِيمُ﴾ ﴿وَالْجُلُوُدُ﴾ ﴿وَعَادٌ وَثَمُوُدٌ﴾ ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وكلماتها ألف ومئتان وأربع وسبعون، وحروفها خمسة آلاف ومئتان وتسعة وثلاثون (^٢).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] وهي الساعة، وذكرها في أول هذه السورة.
وانتظام السورتين: أن تلك السورةَ في ذكر الإيمان والطاعة وثوابهما، وفي ذكر الكفر والمعصية وعقابهما، وهذه السورة كذلك.
* * *
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾: أي: فلا تخالفوه فيما أَمر ونهى، واذكروا جزاء ذلك في الآخرة يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾: الزلزلة: شدةُ الحركة على الحالة (^٣) الهائلة، وهي تضعيف الزَّلَل.
_________________
(١) هي سبعون وأربع آيال في الشَّامي، وخمس في البَصْرِيّ، وست في المدنيين، وسبع في المكِّيّ، وثمان في الكوفي. المصدر السابق.
(٢) في المصدر السابق: "كلمها ألف ومئتان وإحدى وتسعون كلمة، وحروفها خمسة آلاف ومئة وخمسة وسبعون حرفًا".
(٣) "على الحالة" ليست في (أ).
[ ١٠ / ٤٦٠ ]
وقيل: أراد بها شدائدها وأهوالها؛ كما قال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقيل: هي زلزلة الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾؛ أي: إن حركة الأرض بأهلها للبعث شيء عظيم.
ولا حجة فيها للمعتزلة في تسمية المعدوم شيئًا، فإن هذا اسم لها حالة وجودها.
وروي: أن النبي -ﷺ- كان في غزوة بني المصطلق إذ غشي الناسَ الكرى، فوقف النبي -ﷺ- وقرأ عليهم هذه الآية التي أنزلت عليه، فاجتمع إليه الناس وأطافوا به ثم أنصتوا، فقال: "أتدرون أيُّ يوم هذا؟ " قالوا: اللَّهُ ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم القيامة يومَ (^١) يقول اللَّه تعالى لآدم: يا آدمُ ابعث بعثًا من ولدك إلى النار، فيقول آدم ﵇: وما بعث النار؟ فيقال له: من كلِّ ألفٍ تسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون إلى النار وواحدٌ إلى الجنة"، فشَقَّ ذلك على الناس مشقَّةً عظيمة، وقالوا: يا نبيَّ اللَّه! فمَن ذا الناجي منا بعد هذا؟ فقال لهم: "إنكم في (^٢) خليقتين لا يكونان في شيء إلا كثَّرتاه: يأجوج ومأجوج، فإن كملوا وإلا كملوا بالكفار والمنافقين" (^٣).
_________________
(١) "يوم" ليست في (ف).
(٢) في (ر): "بين".
(٣) رواه بنحوه الترمذي (٣١٦٩)، والنسائي في "الكبرى" (١١٢٧٧)، من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: كنَّا مع النبي -ﷺ- في مسيرٍ، فتَفاوَتَ بين أصحابه في السَّير، فرَفَع رسول اللَّه -ﷺ- صوته بهاتين الآيتين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، فلمَّا سمع بذلك أصحابُه عَرَفوا أنه قولٌ يقوله، فقال: "هل تدرون أيُّ يومٍ ذاكم؟ ". . . الحديث، وفيه بدل "فإن كملوا وإلا كملوا بالكفار والمنافقين": "ومَن مات مِن بني آدم وبني إِبليس". قال الترمذي: حسن صحيح. =
[ ١٠ / ٤٦١ ]
وفي رواية أبي سعيد قال بعدما ذكر خطاب آدم: "فعند ذلك يَشيبُ الصغير وتضع كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللَّه شديد"، فشق ذلك على الصحابة ﵃، وقالوا: من كلِّ ألفٍ تسعُ مئة وتسعةٌ وتسعون ويبقى واحد، فأيُّنا (^١) ذلك الواحد؟ ثم مضى رسول اللَّه -ﷺ- حتى نزل ونزل الناس، ثم راحوا (^٢) إلى رسول اللَّه -ﷺ- كأنما على رؤوسهم الطير من هول ما سمعوا، فقال: "أبشروا، فمِن يأجوج ومأجوج ألفٌ ومنكم واحد، إني لأرجو أن تكونوا أكثر من شطر أهل الجنة"، فكبروا اللَّه وحمدوه، ثم قال: ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود" (^٣).
وفي رواية الحسن: فقال: "إن الأمم قد عُرضت عليَّ، فرأيتُ النبي يأتي في الثمانية، ورأيت النبي يأتي في الأربعة، ورأيت النبي يأتي في الاثنين، حتى رأيت النبي يجيء ليس معه أحد من أمته، حتى رأيتُ أمةً أعجبتني كثرتُها فقلتُ: يا رب، أمتي هذه؟ قال: بل هذا موسى ومَن معه من بني إسرائيل، ثم رأيت أمة أعجبتني كثرتها فقلت: يا رب، أمتي هذه؟ قال: بل هذا (^٤) يونس ومَن معه من بني إسرائيل،
_________________
(١) = وروى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٩٥)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٥٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٣٥٤)، والحاكم في "المستدرك" (٧٩)، من حديث أنس ﵁. قال الحاكم: صحيح على شرطهما.
(٢) في (ر): "فما".
(٣) في (ر) و(ف): "رجعوا".
(٤) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢). وفي البخاري بدل: "إني لأرجو أن تكونوا أكثر من شطر أهل الجنة"، فكبروا اللَّه وحمدوه": ("إنِّي أرجو أنْ تكونوا ربُع أهل الجنَّة" فكبَّرنا، فقال: "أرجو أنْ تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة" فكبَّرنا، فقال: "أرجو أن تكونوا نصفَ أهل الجنة" فكبَّرنا). ولفظ مسلم مثل البخاري لكن فيه: "شطر" بدل: "نصف".
(٥) "هذا" ليس من (أ).
[ ١٠ / ٤٦٢ ]
ثم رأيت أمةً كذلك فقال: هذا عيسى ومَن معه، فقلت: يا رب؛ أين أمتي؟ قال: انظر، فنظرتُ قِبَل طريق مكة فإذا أنا بناسٍ كثير، ثم قال: انظر، فنظرتُ إلى طريق المشرق فإذا بناسٍ كثير، ثم قال: انظر، فنظرت تحتي فإذا هم بكلِّ نبيٍّ بُعث (^١)، فقلت: يا رب رضيتُ رضيتُ، قال: مع هؤلاء سبعون ألفًا مع كلِّ واحد (^٢) سبعون ألفًا ليس عليهم حساب ولا عقاب" فقام عكَّاشةُ بن مِحْصَنٍ الأسديُّ وقال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم" فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك (^٣) بها عكَّاشة" (^٤).
وقيل: هي الزلزلة قبلَ يوم القيامة، وهي من أشراط الساعة.
* * *
(٢) - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾: أي: تنسى ولدَها وتَسْلو عنه.
وقيل: الذهول عن الشيء: هو الذهاب عنه وتركُه دَهَشًا وحيرة، من حدِّ صنع.
والمرضعة: التي تُرْضِع، والمرضع: لها ولد رضيع.
_________________
(١) في (أ): "فنظرت تحتي فإذا كل ينتعش"، وفي (ر): "فنظرت تحتي فإذا كل نبي ينتعش". ولم أجد هذه العبارة في المصادر.
(٢) في (أ) و(ف): "مع كل سبعين ألفًا".
(٣) في (ر) و(ف): "سبق".
(٤) رواه بنحوه البخاري (٥٧٥٢) و(٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠). وبنحوه أيضًا الإمام أحمد في "المسند" (٣٨٠٦) والبزار في "مسنده" (١٤٤١) من حديث عمران بن حصين ﵁.
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾: أي: تُسقط الحبالَى أولادها من الفزع، والحمل بالفتح: ما كان في البطن، وبالكسر: ما كان على رأسٍ أو ظهر.
قالوا: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة (^١) في الدنيا؛ لأنَّه لا حملَ ولا إرضاع بعد البعث.
وقيل: بل هو يومَ القيامة، وإن ماتت حاملًا تبعث (^٢) حاملًا فتضع حملها للهول.
وقيل: هو مَثَلٌ؛ أي: هول ذلك اليوم على وجهٍ لو كان مثلُه في الدنيا لوضعت الحوامل وذَهَلت المراضع من شدته.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾: خطاب لغيرِ معيَّنٍ؛ أي: أيها الناظر (^٣) ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، قرأ حمزة والكسائي: ﴿سَكْرى﴾ فيهما (^٤)، والباقون بالألف فيهما (^٥)، وهما جميعًا جمع سكران، وسكران وسُكارى كالكسلان والكُسالى، وسَكْران وسَكْرى كالعطشان والعَطْشى.
أي: تراهم من الدَّهش على حالٍ يُشاكلُ السُّكْرَ وما هم بسكارى على الحقيقة، لا أنه (^٦) من الشراب.
ثم هذا ليس بتناقضٍ؛ لأنَّه لم يقل: هم سكارى وما هم بسكارى، بل قال: ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾، وهو كقولك في السراب: ترى هناك ماءً وليس بماءٍ، وهو معنى قول
_________________
(١) في (ف): "على أن هذا الولد لها".
(٢) في (أ): "ومن ماتت حاملا بعثت".
(٣) في (ف): "أي رأيها"، وفي (ر): "أي رأيتها".
(٤) في (أ): "سكرى وما هم بسكرى".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٤)، و"التيسير" (ص: ١٥٦).
(٦) في (أ) و(ر): "لأنه".
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
الحسن: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾: أي: تراهم دَهْشَى وما هم بسكارى، ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فأزال عقولهم وحيَّر قلوبهم.
* * *
(٣) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾: ومن الناس المأمورين بالتقوى في أول هذه السورة مَن يخاصم خصومةً شديدة ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في دين اللَّه.
وقيل: أي: يجادل رسولَ اللَّه -ﷺ- فيما يُخبِر به عن اللَّه أنه يَبعث العبادَ ويجازيهم، فيقول: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]، و: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، و: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، ونحوَه مما حُكي عنهم.
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي بغير حجةٍ ولا شيءٍ يصح من جهة العلم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾: أي: يأخذ هذا الإنكارَ وهذا الجدلَ من الشيطان بوسوسته، أو من شياطين الإنس بدعواهم، وقد قيل (^٢): نزلت الآية في النضر بن الحارث، وكان يأخذ عن الأعاجم وعن اليهود والنصارى ما يطعن به على الإسلام، وهم شياطين الإنس.
* * *
(٤) - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٥٨).
(٢) في (أ): "بدعوتهم وقيل"، وفي (ف): "بدعوا هم وقيل"، وفي (ر): "يدعوهم وقد قيل".
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾: أي: حُكم على هذا الشيطان لتمرُّده أنَّ ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾؛ أي: اتَّبعه ووالاه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾: أي: الشيطان يُضلُّ هذا المتولِّي ﴿وَيَهْدِيهِ﴾؛ أي: يَدلُّه ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾؛ أي: النارِ الموقَدة.
وفتح الألف في قوله: ﴿فَأَنَّهُ﴾ لوقوع ﴿كُتِبَ﴾ عليه، وتقديره: كُتب عليه أنه يضلُّ مَن تولاه، إلا أنه لمَّا قدَّم السبب الذي يكون به الإضلال، وألقى عليه قوله: ﴿كُتِبَ﴾، ذكر بعده ما يقع عليه الفعل ففتَحه.
* * *
(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾: خاطب المجادِلين في الساعة وحاجَّهم بوجهين من الحجة:
أما أحدهما: فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾؛ أي (^١): شكٍّ في أن اللَّه يبعث الموتى ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾؛ أي: ابتدأنا خلقَ أبيكم منه.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةَ﴾: ثم خلقناكم في بطون أمهاتكم من النطفة، وهي ماء مَهِين جارٍ (^٢).
_________________
(١) "ريب من البعث أي: " ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (أ): "جماد"، وفي (ر): "حار".
[ ١٠ / ٤٦٦ ]
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: ثم جعلنا النطفة علقة، وهي الدم الجامد.
﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾: ثم جعلنا العلقة مضغةً، وهي لحمة قَدْرَ ما يمضغ.
﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾: ما كان حيًّا ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ما كان سَقطًا (^١). وهي نعتُ المضغة، فما نُفخ فيه الروح فهو مخلَّقٌ، وما سقط بغيرِ روحٍ فهو ليس بمخلَّقٍ.
والتخليق في الأصل: التقدير، فما صوِّر أعضاؤه فهو مخلَّق، وما سقط وهو لحمة مجتمِعةٌ فليس بمخلق (^٢)، والتفعيل للتكرير، فما تكرَّر فيه الفعل فهو مخلَّق وما لا فلا، قال تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦].
وقال: ﴿ثم أنشأناه خلقًا آخر﴾ ﴿لنبين لكم﴾: قال الحسن: أي: هذا الخلقَ.
وقيل: لنبين لكم قدرتَنا على ما نشاء.
وقيل: أخبرناكم بما يزول به الرَّيب في أمر البعث.
وقوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: مَن قضينا له حياةً إلى مدةٍ (^٣) أقررناه في رحِم أمه إلى وقتٍ معلوم وهو وقت الولادة، وإنما قال: ﴿مَا نَشَاءُ﴾ ولم يقل: مَن نشاء (^٤)؛ لأنَّه أراد به الحمل.
وقيل: هو بيان المدة؛ أي: ما شئنا أن نقرَّه فيه ستة (^٥) أشهر أو أكثر.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" وصححه كما في "الدر المنثور" (٦/ ١٠).
(٢) في (ر): "وما سقط وهو لحم مجتمع فهو ليس بمخلق"، وسقطت الجملة من (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "من قضينا له خيرة".
(٤) "ولم يقل من نشاء" ليس في (أ).
(٥) في (ف): "نقرره في ستة" وفي (ر): "نقرره فيه تسعة".
[ ١٠ / ٤٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾: أي: صغارًا (^١) لا تقومون بأمورِ أنفسكم، ولا تَعْقلون شيئًا، وإنما وحَّد لأنه على صيغة المصدر فصلح للجمع.
وقيل: أي: نخرج كلَّ واحد منكم طفلًا.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: أي (^٢): ننقلكم من حالةٍ إلى حالةٍ إلى أن تبلغوا كمالَ القوى بالبلوغ.
وقرأ عاصم في روايةٍ: (ثم نخرجَكم) بالنصب، وكذا (نقرَّ) عطفًا على ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ (^٣).
وقرأ (^٤) العامة بالرفع على الاستئناف.
ثم قال: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾: أي: يَتوفَّاه اللَّه تعالى بالموت شابًّا أو طفلًا.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أي: أخسِّه، وهو الهرمُ والخرَف.
وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: أي: يزولُ عقله فلا يَعقل شيئًا وإن كان عاقلًا عالمًا قبل ذلك. هذا (^٥) أحد وجهي الحجة.
والثاني: قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾: قيل: دارسةً بالية. وقيل: يابسةً لا نبات فيها؛ أي: في الشتاء.
_________________
(١) في (ف): "ضعافًا".
(٢) في (ف): "ثم".
(٣) نسبت لعاصم ويعقوب. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٨)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٣١٣). والمشهور عنهما كقراءة الجماعة.
(٤) في (ف): "وقراءة".
(٥) في (ر) و(ف): "هو".
[ ١٠ / ٤٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾: أي: المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحرَّكت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: انتفخت.
وقيل: أضعفت النبات بالمطر.
﴿وَأَنْبَتَتْ﴾: أي: أخرجت النبات ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾؛ أي: من كلِّ صنفٍ حسن.
وقيل: فيه تقديم وتأخير: رَبَتْ واهتزَّتْ، تربو أولًا ثم تهتزُّ.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: أي: يصرِّف الأحوال بالإنسان وبالأرض ليَدلَّ على أن (^١) لهما صانعًا خالقًا (^٢) لا صانعَ غيرُه، يقدر على ما يشاء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: أي: الذي قدر على إنشاء البشر مما ذكر، وإحياء الأرض الهامدة بالمطر، قادر على البعث بعد الموت (^٣)، وإقامةِ القيامة، ومجازاةِ الخلق على ما عملوا في الدنيا يومَ المحشر والمنشر.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾: يحيي النفوسَ بتوفيق العبادة،
_________________
(١) في (أ): "إنما كان لأن"، وفي (ف): "لا بما كان لأن"، بدل: "ليدل على أن".
(٢) في (أ): "حقًا".
(٣) في (ر) و(ف): "على بعث الموتى".
[ ١٠ / ٤٦٩ ]
والقلوبَ بأنوار المشاهَدة، وأحوالَ المريدين بحُسنِ إقباله عليها، والأوقاتَ بموافقةِ الأمر، ثم بجميل الرضا وسكون الجأش عند جريان التقدير (^١).
* * *
(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: وهؤلاء طائفةٌ أخرى من المجادِلِين بظاهر حرف العطف.
وقيل: هي في النضر بن الحارث أيضًا، والتكريرُ للمبالغة في الذم والتقريعِ، كقولك لآخر: أنت فعلتَ كذا أنت فعلتَ كذا، ولأن في كلِّ آيةٍ بيانَ نوعِ جدلٍ، وكان يجادل في أوقات في أشياء.
وقد (^٢) قيل: نزل في شأنه بضع عشرةَ آية.
وقوله في هذه الآية: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، قيل: بغير علمٍ بصحةِ ما يقول، وقيل: بغيرِ علمٍ بعاقبة ما يقول.
﴿وَلَا هُدًى﴾: ولا دليلٍ يكون معتقِده مهتديًا من جهةِ دلائل النظر.
وقوله تعالى ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: ومِن غير أن يَشهد له على قوله كتابٌ منزلٌ بنور الدعوى.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٣١).
(٢) "قد" من (أ).
[ ١٠ / ٤٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾: نصبٌ على الحال، ومعناه: مُعْرِضًا متكبِّرًا، وترجمتُه: صارِفَ ناحيته وجنبه (^١).
وقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يجادلَ ليستزلَّ (^٢) عباد اللَّه عن دين اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: عقوبةٌ مُهينةٌ فاضحةٌ، وقد قتل صبرًا يوم بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: بنار جهنم ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾؛ أي: يقال له ذلك في النار.
وقيل له هذا حين هدّد به في الدنيا؛ أي: ذلك الوعيدُ لك بكَسْبك الذي قدَّمْته.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: أي: وبأنَّ اللَّه ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ أي: بواضعٍ الثوابَ والعقابَ في غير موضعهما.
* * *
(١١) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾: أي: على وجه، وأصله: الطَّرَف والجانب؛ لانحرافه.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾: سكن على الإيمان (^٣) ﴿بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: محنة ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ارتد عن الإسلام.
قال ابن عباس ﵄: كان الرجل يَقدم المدينة، فإن ولدت امرأته
_________________
(١) في (ف): "صادف بجنبه"، وفي (ر): "صادف بلحيته وجنبه".
(٢) في (ر): "ليستنزل".
(٣) في (ف): "إيمانه".
[ ١٠ / ٤٧١ ]
غلامًا ونُتِجت خيلُه قال: هذا دينٌ صالحٌ، وإن لم تلد امرأته غلامًا (^١) ولم تُنْتَجْ خيله قال: هذا دِينُ سوء (^٢).
وقيل: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾: على شك. وقيل: على وجَل. وقيل: على انتظار.
وهذه الأقاويل متقاربةٌ في المعنى؛ لأن مَن كان على طرفِ شيء لم يكن مستقرًّا، فيضطرب ويخاف السقوط وينتظرُ ما يكون الحال.
وقوله تعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾: وخسرانُ الدنيا: أنه ارتدَّ لشدةٍ لَحِقَته، وبالكفر لا تزول تلك الشدة المقدَّرة بل تزداد، لو أُخذ فإنه يُقتل (^٣) لردته، ثم عذابُ الآخرة من ورائه، فيخسرهما جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: الظاهر الذي لا يَخفى على أحد.
* * *
(١٢) - ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾: وهو الصنم، فإنه بعد الردة يَفعل كذلك (^٤).
_________________
(١) "غلامًا" من (ف).
(٢) رواه البخاري (٤٧٤٢)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٧٢ - ٤٧٤) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة.
(٣) في (ف): "بل زادت لو أخذ يقتل".
(٤) كذا جزم بأنه الصنم، وليس هذا محصورًا به، بل هو فعل البعض، فهناك من يدعو بشرًا ويظن عنده النفع والضر كما يفعل كثير من الناس، وهناك من يعتقد ذلك في نوع من أنواع الحيوانات أو الجمادات، فلا مسوغ لحصر ذلك في الصنم.
[ ١٠ / ٤٧٢ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ قيل (^١): أي: في الدنيا إن لم يعبده ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾؛ أي: في الآخرة إن كان عبَدَه.
وقيل: لا يضره في الدارين ولا ينفعه في الدارين.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾: أي: في أقصى درجات البُعد والضلال (^٢)، فإنه يَتعب ولا يُثمر تعبُه (^٣) قط.
* * *
(١٣) - ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾: اللام لام القسم، تقديره: يدعو واللَّه مَن ضرُّه ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ وهذا في القيامة؛ أي: مَن ضرُّه بإدخال النار أقربُ من نفعه بالشفاعة التي كان يرجوها، ولم يُردْ به أن الشفاعة موجودةٌ لكنها بعيدةٌ، بل أراد أنها معدومةٌ أصلًا، وهذا خارجٌ مخرجَ كلام الناس في الشيء يرجوه الإنسان وذلك مما لا يكون، فيقال له: عدمُ هذا أقربُ من وجوده، ولا قربَ للعدم.
وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: أي: يرجو الإنسان النصرَ والعون من مولاه وهو ابنُ عمه، ومن العشير وهو صاحبه ومُعاشره، فالوثنُ بئس موضعُ رجاءِ النصرةِ (^٤) والعون، فإنه مما لا يكون.
وروي: أنها نزلت في قوم من بني أسد بن خزيمة قدموا المدينة فأسلموا،
_________________
(١) "قيل" زيادة من (أ).
(٢) في (أ) و(ف): "أقصى درجات الضلال".
(٣) في (ر) و(ف): "بتعبه".
(٤) في (ف): "التصرف".
[ ١٠ / ٤٧٣ ]
فأفسدوا طريق المدينة با لعَذِرات وقالوا: يا رسول اللَّه، أتاك (^١) العرب بأنفسها وأتيناك بأهالينا وأولادنا، فمنُّوا (^٢) بذلك على رسول اللَّه -ﷺ-، وفيهم نزل (^٣): ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧] (^٤)، فكانوا إذا ارتفع مرادهم وصحَّت أجسامهم ونما مالهم قالوا: هذا دينٌ صالح، فإن كان غيرَ ذلك قالوا: هذا دين سوء (^٥).
وروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: هذا رجل من المنافقين كان يُظهر تصديقًا ويُسِرُّ كفرًا، فكان يبعث إلى نظرائه من المنافقين فيقول لهم: إن كانت الدائرةُ على محمد وأصحابه فأنا معكم، وإن كانت الدائرة عليكم والظَّفَر لمحمد وأصحابه فأنا معهم، فهو قوله اللَّه تعالى: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾.
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
_________________
(١) في (أ): "أتتك".
(٢) في (ف): "يمنون".
(٣) في (ر): "فنزل" بدل: "وفيهم نزل".
(٤) رواه النسائي في "الكبرى" (١١٤٥٥)، والبزار في "مسنده" (٥١٤١)، من حديث ابن عباس ﵄، وذكره دون عزو الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٩)، جميعهم في نزول قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ وليس فيه ذكر آية الحج.
(٥) انظر ما تقدم قريبًا عن ابن عباس ومجاهد وقتادة.
[ ١٠ / ٤٧٤ ]
الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: وهذا وعدٌ من عند اللَّه على التحقيق بكلِّ حال، لا لمن (^١) عبده على حرف.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: قال ابن عباس وقتادة ﵃: ﴿يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: محمدًا -ﷺ- (^٢)؛ أي: مَن ظنَّ من هؤلاء الذين يعبدون اللَّه على حرفٍ أن اللَّه تعالى لا ينصر محمدًا على أعدائه وأحبَّ أن لا ينصره ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: فليعلِّق حبلًا إلى السماء العالية وليصعد ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعَ﴾ نصر اللَّه عن محمد -ﷺ- الذي يَنزل من السماء.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾: أي: غيظه؛ أي: لا يقدر (^٣) على ذلك فلْيَصبِرْ ولْيَرْضَ به.
وقيل: أي: مَن استعجل النصر لنبيِّ اللَّه وأظهر الضَّجر لتأخُّره مع تعذُّر وصوله إليه فليمدُد بسبب إلى السماء المعروفة فلْيتعلَّق به، ثم ليقطع حتى يخرَّ فيموت فلينظر هل يَذهبُ غيظه؟ أي: فلا معنى لضجره (^٤) فلْيصبِر على مرارة الانتظار (^٥).
وقال مجاهد والضحاك وابن عباس ﵃ في روايةٍ: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ الهاء راجعةٌ إلى قوله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ﴾؛ أي: مَن ساء ظنُّه بربِّه في حقِّ نفسه، وظنَّ أنه
_________________
(١) في (أ): "كمن".
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٧٨ - ٤٨٠).
(٣) في (ف): "يقدم".
(٤) في (ر): "لعجزه"، وفي (ف): "لغيظه".
(٥) في (ف): "على مراده بالانتظار".
[ ١٠ / ٤٧٥ ]
لا يصل إلى نصره ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾: سماءِ بيته (^١)؛ أي: سقفِه، ولْيَختَنِق (^٢) به فلينظر هل يشفيه ذلك من غيظه (^٣).
وهو على بيان أنه إذا كان لا ينتفِع به (^٤) فلا وجه إلا الصبرُ على بلائه.
وقال جماعة: النصر هو الرزق، يقال: أرض منصورة؛ أي: ممطورة، و: نَصَر اللَّه مَن نصرَني؛ أي: أعطى اللَّه مَن أعطاني، وهو قول جماعة من المفسرين أن معناه: لن ينصره اللَّه؛ أي: لن يرزقه اللَّه، وهو خارج على هذين الوجهين كما بينَّا، ولفظ (^٥) بعضهم: ﴿مَنْ كَانَ﴾ قانطًا من رزقِ اللَّه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: فليختنق ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ﴾ يأتي ذلك برزقٍ لم يقدِّره اللَّه تعالى (^٦).
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: كالذي أنزلناه عليك في الوضوح والبيان
_________________
(١) في (أ): "فليمدد بسبب إلى سماء بيته".
(٢) في (ف): "وليقطع".
(٣) روي هذا القول عن الأئمة المذكورين لكن بحمل النصر على الرزق، وسيأتي.
(٤) في (ف): "لا نفع له".
(٥) في (أ): "كما يتناول لفظ".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٨١ - ٤٨٣) عن ابن عباس ومجاهد والضحاك. ورواه عن ابن عباس أيضًا عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وعن مجاهد أيضًا عبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" (٦/ ١٥).
[ ١٠ / ٤٧٦ ]
والحجة على مَن دعا من دون اللَّه شيئًا أنزلنا القرآن كلَّه ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: علامات يُهتدَى بها إلى الحق.
قوله تعالى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾؛ أي: وأنزلنا أن اللَّه يهدي من يريد، ولذلك فتح (أنَّ) في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ لوقوع (أنزلنا) عليه؛ أي: لا اهتداء إلا بإرادته (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: فسرناه في سورة البقرة.
وهذا مبتدأ وخبره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: وهو كقولك: إن زيدًا إنَّ الخير عنده لَكثير، وهو الجواب بجملة تامة، وهو كقول جرير:
إنَّ الخليفة إنَّ اللَّه سَرْبَله سربالَ ملكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ (^٢)
يقول: إن اللَّه ليس بغافلٍ عن أعمال الأمم المختلفة الأديان، وعما يعتقدونه ويقولون به، وإنه يفصل بينهم؛ أي: يقضي بينهم (^٣) يوم القيامة فيما هم فيه مختلفون، فيَمِيز المحقَّ منهم من المُبْطِل، ويجزي كل واحد على وَفق عمله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: عالمٌ به حاضرٌ له لا يَعْزُب عنه شيءٌ، فهو حافظٌ لذلك كلِّه حتى يوصِل إلى كلِّ واحد منهم يوم الحساب (^٤) جزاءه؛ أي: فلينظر كلُّ امرئ ما يعتقِد وما يقول وما يفعل، وهو أبلغ وعيد.
* * *
_________________
(١) في (ر): "أي لا يهتدى إلا بإذنه".
(٢) البيت لجرير، وهو في "ديوانه" (٢/ ٦٧٢).
(٣) "يقضي بينهم" ليس في (أ).
(٤) في (ر): "القيامة".
[ ١٠ / ٤٧٧ ]
(١٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أي: ألم تعلم يا محمد العلمَ الذي يقوم مقام العِيَان ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الخلائق ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ منهم ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾؛ أي: الأشجار، جمع شجرة بحذف الهاء ﴿وَالدَّوَابُّ﴾.
وسجود هذه الأشياء: ما (^١) فيها من أمارات الحدث، وأمارات الحاجة إلى ممسِكٍ يمسكها ومقيمٍ يقمُها لولاه لبَطلت ولم تَثْبت طرفةَ عين.
وقيل: سجود هذه الأشياء سجود ظلِّها؛ كما قال: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨].
وقيل: سجودها: خضوعها، فمَن كان من أهل السماوات وهم الملائكة ومن أهل الأرض من المؤمنين فخضوعهم بالصلاة وسائرِ وجوه التذلُّل، ومن كان كافرًا فبسجود ظلِّه، وهكذا سجود الشمس والقمر والنجوم جريانها (^٢) بتسخير اللَّه تعالى، وأما الجبال والشجر والدوابُّ فسجودها سجود ظلها (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيُرُ مِنَ النَّاسِ﴾: المؤمنون بوجوههم اختيارًا، وهو خصوصٌ من عمومِ قولهِ تعالى ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وذاك عمومُ سجود الظلال في المؤمنين والكفار جميعًا اعتبارًا، فيجتمع في المؤمنين النوعان.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ما كان".
(٢) "جريانها" من (أ).
(٣) في (ف): "ظلالها".
[ ١٠ / ٤٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾: هم الكفار، وقيل: هو مستأنف.
وقيل: هو داخل في السجود أيضًا.
وقال: ﴿عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: عليهم؛ للَفْظِه وهو واحد كالكثير، وقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] فجَمع لمعناه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾: أي: ومَن يُهنه اللَّه بالإضلال ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾؛ أي: من أحدٍ يُكرمه في الدنيا بالإيمان ولا (^١) في الآخرة بنوعِ كرامة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: من إكرام وإهانةٍ وكلِّ شيء.
* * *
(١٩) - ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾: المذكورون في هذه الآية وفي الآيات التي قبلها، فالحاصل فريقان: مؤمنون وكافرون، فهذان (^٢) الفريقان خصمان كلُّ فريق خصم للآخر يخاصمه في دينه.
وقوله تعالى ﴿اخْتَصَمُوا﴾: جُمع لأن كلَّ فريق منهم جمعٌ، فهما جمعان.
وقوله تعالى ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾: ففريق يُقرُّون به ويوحِّدونه ويصِفونه بصفاته وينزِّهونه، وفريق يكذِّبونه ويصفونه بما لا يليق به، ثم بيَّن جزاء كلِّ فريق فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخره.
_________________
(١) "لا" ليست في (أ).
(٢) في (أ): "وقال هذان".
[ ١٠ / ٤٧٩ ]
وقوله: ﴿اخْتَصَمُوا﴾؛ أي: يختصمون في اللَّه تعالى ويتحاربون (^١) فيه، ويدَّعي كلُّ فريق أنهم هم (^٢) المحِقُّون ومخالفوهم هم (^٣) المبطلون، وهذا القول على العموم.
وقيل: هو على الخصوص:
قال ابن سيرينَ: نزلت في القوم الذين تبارَزوا يوم بدر؛ ثلاثة من المسلمين وهم كواسطة القلادة من القلادة: عليُّ بن أبي طالب وحمزةُ بن عبد المطَّلب وعبيدةُ بن الحارث بن عبد المطلب، وفي ثلاثةٍ من المشركين، وكانوا كواسطة القلادة من القلادة: عُتبةُ بن ربيعة بن عبد شمس، وأخوه شيبةُ بن ربيعة بن عبد شمس، والوليد بن عتبة بن ربيعة، فبارَز عليُّ بن أبي طالب ﵁ الوليد فقتله عليٌّ ﵁، وبارز حمزة ﵁ عتبةَ فقتله حمزة، وبارز عبيدةُ ﵁ شيبةَ فاختلفا ضربتين، فجرح (^٤) كل واحد منهما صاحبه، ومال عليٌّ ﵁ على شيبة فقتله، ثم احتمَل عليٌّ وحمزة ﵄ عبيدةَ حتى أتوا به النبيَّ -ﷺ-، فنزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ -عتبةُ وشيبةُ والوليد- الآيةَ، ونزل في علي وحمزةَ وعبيدةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (^٥).
_________________
(١) في (أ): "ويتجادلون".
(٢) "هم" من (ف).
(٣) "هم" ليست في (ف).
(٤) في (أ): "فأتعس"، وفي (ر): "فانعسر".
(٥) ذكره عن ابن سيرين مختصرًا الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ١٣)، وكون قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزل في هذه القصة رواه البخاري (٣٩٦٦)، ومسلم (٣٠٣٣)، عن أبي ذر ﵁، وأقسم على ذلك.
[ ١٠ / ٤٨٠ ]
وقال ابن عباس ﵄: نزلت في المسلمين واليهود، فقال المسلمون: ليس للَّه تعالى ولد، وقالت اليهود: عزيرٌ ابن اللَّه (^١).
وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وأبي جهل بن هشام لعنه اللَّه.
وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ مثلُ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، ثُنِّي الاسم لأنهما فريقان وجُمع الفعل لأنهما جمعان.
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾: أي: تُقطَّع، وذكر بصيغة الماضي لأنه كائن لا محالة، فهو كالثابت المتحقق. وتقطيعُ الثياب استعارةٌ عن اتخاذ الملابس لهم في النار.
وقيل: هي من نحاس وتصيرُ نارًا باشتعالها بالنار، وثيابُ الدنيا تقطعُ وتُخاط فذكر لهم ذلك، ويجوز أن يكون هذا ما ذكر في قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: أي: الماء الحارُّ المغليُّ بالنار.
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾: أي: يُذاب بالحميم ما في بطونهم
_________________
(١) لم أجده هكذا، لكن روى الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٩١) عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى باللَّه، وأقدم منكم كتابًا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحقّ باللَّه، آمنا بمحمد -ﷺ-، وآمنا بنبيكم، وبما أنزل اللَّه من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدًا. وكان ذلك خصومتَهم في ربهم.
[ ١٠ / ٤٨١ ]
من الشحوم والأكباد والأمعاء والأفئدة ونحوِها (^١)، وهو وصف الحميم بغاية شدة الحرارة تُصب على الرأس ويذوب به ما في البطون (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْجُلُودُ﴾: ظاهرُه عطف على الأول، ومعناه: وتُحرَق الجلود، بإضمار فعل يشاكلُها -لأنها مما لا تذوب- كما قالوا ذلك في قول الشاعر:
علَفْتُها تبنًا وماء باردًا (^٣)
أي: وسقيتُها ماء باردًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: جمع مقمعة وهي المِدقَّة يُقمع بها؛ أي: يضرب بها ردعًا وزجرًا وإذلالًا، يَضرب بها الزبانيةُ رؤوسَ الكفار، ﴿وَلَهُمْ﴾ بمعنى: أُعدَّ لهم ذلك يُضربون بها.
* * *
(٢٢) - ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾: ذكرنا (^٤) له وجوهًا عند قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ [المائدة: ٣٧].
_________________
(١) "ونحوها" ليس من (أ).
(٢) في (أ): "الأمعاء"، وفي (ف): "البطن".
(٣) صدر بيت أنشده الفراء لبعض بني دُبَير -قبيلة من أسد- يصف فرسه. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٤)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٨)، و"الخزانة" (١/ ٤٩٩). وعجزه: حَتَّى شَتَتْ هَمّالَةٌ عَيْناهَا
(٤) في (ر) و(ف): "ذكروا".
[ ١٠ / ٤٨٢ ]
ورويَ (^١): أن جهنم تَجِيش فتُلقي مَن فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج منها فتعيدهم الزبانيةُ فيها بضربِ المقامع (^٢).
وقال الكلبي ومقاتل فيه تقديم وتأخير: قطعت لهم ثياب من نار ولهم مقامع من حديد يصب من فوق رؤوسهم الحميم، فيضربون بالمقامع على رؤسهم فتنشقُّ، ويصبُّ الحميم فيصل إلى الجوف فيذيب ما فيه (^٣).
وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: أي: يقال لهم ذلك في النار.
* * *
(٢٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: وهو (^٤) بيان جزاء الفريق الآخر ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: هو جمعُ جمعٍ: سوارٌ وأسورةٌ وأساورُ.
وقال في سورة ﴿هَلْ أَتَى﴾: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]؛ قيل: يجمع لهم الذهب والفضة جميعًا، وهو أجمل.
وقيل: بعضهم يحلَّى بالذهب وبعضُهم بالفضة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ويروى".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٩٨) عن أبي ظبيان.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ١٢٠)، ولم يرتض الطبري هذا الوجه، وينظر كلامه عليه في "تفسيره" (١٦/ ٤٩٥).
(٤) في (ف): "وهذا".
[ ١٠ / ٤٨٣ ]
وقيل: الفضةُ للرجال والذهبُ للنساء.
وقوله تعالى: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿ولؤلؤٍ﴾ خفضًا عطفًا على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾، وقرأ عاصم ونافع: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ نصبًا (^١)، على معنى: ويحلَّون لؤلؤًا.
وقال سعيد بن المسيب: ليس من أهل الجنة أحدٌ إلا في يده ثلاثةُ أسورةٍ: واحدٌ من فضة، وآخرُ من ذهب، وآخرُ من لؤلؤٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾: وهو من حرير الجنة لا يوجد من معناه في الدنيا إلا الاسم، ثم هو على ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلبِ بشر.
* * *
(٢٤) - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: وهُدي هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد، وقيل: هو القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: أي: صراطِ اللَّهِ المحمود وهو دينُ الإسلام، هو الطريق الموصل إلى ثواب اللَّه.
وقيل: هدوا في الآخرة إلى الطيب من القول في الجنة، وهو ما قال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ﴾ [فاطر: ٣٤]، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٥)، و"التيسير" (ص: ١٥٦).
(٢) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ١٨٤ و٣٦٠). وانظر: "الدر المنثور" (٦/ ١٥).
[ ١٠ / ٤٨٤ ]
[يونس: ١٠] ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: طريقِ دار الإسلام، كما قال: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩].
وقيل: ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: هو البشارات في الآخرة.
وللقشيري (^١) ﵀ في القول الطيب عبارات (^٢): ذكرُ اللَّه، ما صدر عن سرٍّ صافٍ (^٣)، الثناءُ دون الدعاء بالحاجة، إرشاد المريدين إلى اللَّه، الدعاء للمسلمين، الاستغفار من غير ذنب، ما أوجبه توهُّج القلب، ما قاله العبد في مقام الفناء وهو مستنطَق، المباسطة حالة البسط (^٤).
* * *
(٢٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عاد الكلام إلى ذكر مشركي العرب.
وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عبد اللَّه بن خَطَلٍ، وذلك أن النبي -ﷺ- بعثه مع رجلين أحدهما أنصاريٌّ والآخرُ مهاجريٌّ إلى بعض القرى، فافتخروا في الطريق بالأنساب، فقتل عبد اللَّه بن خَطَلٍ الأنصاريَّ ولحق بمكة كافرًا، فلما كان يومُ فتح مكة أمر النبيُّ -ﷺ- بقتله، فقتله أبو بَرْزةَ الأسلميُّ وسعيد بن حُرَيثٍ القرشيُّ (^٥).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقال القشيري".
(٢) في (ف): "عبارة"، وفي (ر): "عبارة عن".
(٣) في (ر) و(ف): "صادق".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٣٦)، وفي ألفاظه اختلاف عما ذكر المؤلف، وفيه زيادة عبارات وإسقاط أخرى.
(٥) انظر: "تفسر مقاتل" (٣/ ١٢١ - ١٢٢).
[ ١٠ / ٤٨٥ ]
وظاهر الآية عامٌّ يتناوله وغيرَه.
وقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ عطفٌ على ﴿كَفَرُوا﴾ وهو مستقبَل وذاك ماضٍ، وله وجوه:
قيل: فيه مضمرٌ: إن الذين كفروا هلكوا، ثم بدأ: ويصدُّون.
وقيل: معناه: ومن شأنهم أنهم يصدون، ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الفراء: الواو زائدة، وتقديره: يصدُّون، جوابًا للمبتدأ، وهو كقوله: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]؛ أي: ليرضوه (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون عن دين اللَّه.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي: ويصدون عن المسجد الحرام، وقيل: هو عتبة.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾: يصلُّون فيه ويطوفون به، ويقيمون فيه سائر القُرب.
قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾: المقيمُ بمكةَ ﴿وَالْبَادِ﴾؛ أي: الساكنُ في البدو والآتي إليه؛ أي ليس لأحد أن يمنع أحدًا عنه.
وقيل: المسجدِ الحرام هو الحرمُ كلُّه، والناس سواءٌ في النزول بمكة حيث شاؤوا، وفي حرمة الاصطياد والاحتشاش فيه.
والسلف مختلِفون في جواز بيع بيوت مكة وإجارتها، وكانت بيوت مكة لا يُتخذ بها أبوابٌ حتى ظهرت السرقة فيهم، فقال عمر لرجل منهم -وهو أول مَن
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٢١).
[ ١٠ / ٤٨٦ ]
اتَّخذ بابًا-: أتَّخذتَ بابًا لتحتجِب به (^١)؟ فقال: لا، ولكنْ أحرزتُ المتاع عن السرقة، فقال له: إنه لا يحل لأهل مكة أن يأخذوا أجور بيوتهم (^٢).
وفي جواز بيع أراضي مكةَ عن أبي حنيفة ﵀ روايتان، قال في "الجامع الصغير": لا يجوز، وروى ابن زياد عن أبي حنيفة ﵁ (^٣) أنه يجوز (^٤)، وهو قول أبي يوسف.
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءً﴾ قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب لوقوع ﴿جَعَلْنَا﴾ عليه، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾: الباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
وقيل: الإرادة بمعنى الهم؛ أي: مَن همَّ بإلحادٍ.
قيل: هو الشرك.
وقيل (^٦): هو توبيخ لمشركي العرب.
وقيل: هو القتل.
وقيل: هو استحلال الحرام (^٧).
_________________
(١) في (أ): "فيه".
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٠١).
(٣) في (أ): "عنه" بدل: "عن أبي حنيفة ﵁".
(٤) انظر: "عيون المسائل" للسمرقندي (ص: ٢٦٧).
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٥)، و"التيسير" (ص: ١٥٧).
(٦) "قيل" من (أ).
(٧) في (أ): "الحرم".
[ ١٠ / ٤٨٧ ]
وقيل: هو احتكار الطعام بمكة.
وقيل: هو ظلم الناس.
والإلحاد في اللغة هو الميل، وفي الشرع: الميل عن الحق إلى الباطل، فكان عامًا للشرك ولكلِّ (^١) معصية.
وقوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾: قيل: الباء أداةُ تعديةٍ.
وقيل: هو بيان الوجه؛ أي: على وجهِ الظلم.
وقوله تعالى: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: جزاءُ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾، وهذا وعيدٌ على الإرادة فكيف بالتحقيق؟
واختُلف في جواب أول الآية، وقد ذكرنا وجهين، والثالث: أن آخره جواب الكلامين جميعًا، ونظيره: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ وبعده: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، وقوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ [الفتح: ٢٥] جوابُهما، وهذا لأن قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْا﴾ في تقديرِ: مَن يكفر.
* * *
(٢٦) - ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾: وهو المسجد الحرام المذكورُ في الآية الأولى، يقول: واذكر يا محمد إذ مكنَّا لإبراهيم مكان هذا البيت؛ أي: موضعَه، حتى بناه على ما أَريناه منه، وهو البيت الذي تعبَّد قومك فيه غيري، ويصدونك وأصحابَك عن عبادتي فيه.
_________________
(١) في (ر): "عامًا في الشرك وكل".
[ ١٠ / ٤٨٨ ]
قوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾: أي: قلتُ له: لا تشرك بي شيئًا، وقد بينَّا في سورة البقرة أصلَ البيت وكيفيةَ بناء إبراهيم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّر بَيْتِيَ﴾: قيل: طهِّره عن الأنجاس.
وقيل: عن الأوثان؛ أي: أخرجها عنه ونحِّها عنه.
وقيل: عن عبادة الأوثان.
وقيل: هو عام يتناول كلَّ ذلك.
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾: أي: لأجلهم.
﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: هم المصلُّون، وهذه أركان الصلاة، وفصَل بين الأول وبين الأخيرين بالواو، وجمع بين الأخيرين بغير واوٍ؛ لأن القيام تعظيمٌ للَّه تعالى، والركوع والسجود تذلُّلٌ له، فاتَّحد هذان وغايرهما الأول.
* * *
(٢٧) - ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾: أي: نادِ فيهم، قال ابن عباس ﵄: لمَّا فرغ إبراهيم ﵇ من بناء الكعبة قال: ربِّ قد فرغتُ من بناء الكعبة، قال: فأذِّن في الناس بالحج، قال: ربِّ وهل يبلغ صوتي ذاك (^١)؟ قال: أذِّن وعليَّ البلاغُ، فصعد أبا قبيس وقال: يا أيها الناس، إني بنيتُ للَّه تعالى بيتًا فحُجُّوه (^٢).
_________________
(١) "ذاك" زيادة من (ف). وفي المصادر: (قال رب وما يبلغ صوتي).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨١٨)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥١٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٦٤) وصححه، من طريق قابوس عن أبيه عن ابن عباس.
[ ١٠ / ٤٨٩ ]
وفي رواية: إن اللَّه ﷻ بنى بيتًا وأمركم أن تحجُّوه فحجُّوه (^١).
وفي رواية: قال: إن اللَّه تعالى قد كتب عليكم حجَّ البيت العتيق فحُجُّوه، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك لبيك (^٢).
وروي: أن اللَّه تعالى أسمع صوته مَن قضى أنه يحج فأجابوه (^٣).
وقال مقاتل بن حيان: هذا أمرٌ للنبي -ﷺ- أن ينادي بالحج، وفعَل ذلك في حجة الوداع.
وقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾: وعده بذلك، وهو (^٤) جزمٌ لأنه جواب ﴿وَأَذِّنْ﴾، والرجال: جمع راجلٍ.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾: أي: ركبانٌ على الإبل وغيرها من الدواب، وقد ضَمِرت لطول السفر.
وقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ﴾: أي: الضوامرُ ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾؛ أي: طريقٍ واسعٍ ﴿عَمِيقٍ﴾؛ أي: بعيدٍ، وقدَّم الرجال على الركبان إظهارًا لفضلهم (^٥).
ورُوي: أن الراكب له بكلِّ خطوة سبعون حسنةً، وللماشي سبعُ مئةِ حسنةٍ من حسنات الحرم، كلُّ حسنةٍ مئةُ ألفِ حسنة.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥١٥)، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٢٦) وصححه، من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥١٥) من طريق أبي الزبير عن مجاهد عن ابن عباس.
(٣) قطعة من الرواية السابقة.
(٤) "هو" ليست في (ف).
(٥) في (ر): "لإظهار فضيلتهم".
[ ١٠ / ٤٩٠ ]
وقال مجاهد: حج إبراهيمُ وإسماعيل ﵉ ماشيين، وكانا إذا قرُبا من الحرم خلعا نعالهما (^١).
وقال القشيري ﵀: قوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ هذا ذُكر على وجه المدح لهم وسبيل الشكر عنهم، وكم قَدْرُ المسافة للدنيا بأجمعها (^٢)، لكن جعل القَدْر لأفعالهم والعظمة لصنيعهم (^٣)، وهو إظهار فضله وكرمه معهم (^٤).
* * *
(٢٨) - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾: يقول: وأذِّن في الناس بالحج ليشهدوا منافع.
وقيل: أي: ليحضرو الأداء فرضه مشاهدَ ينتفعون بها في دينهم ودنياهم؛ كعرفاتٍ ومنًى والمشعرِ الحرام وغيرِها، وفيها الثواب في الآخرة والثناءُ والقبول في الناس، وسعةُ الرزق ببركته، وحصول الأرباح بالتجارة فيها، ولذلك اختلفت عبارات المفسرين فيها:
قال بعضهم: هي منافعُ التجارة.
وقال بعضهم: هي الأجر في الآخرة.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥١٨) دون قوله: "وكانا إذا قرُبا من الحرم خلعا نعالهما".
(٢) "بأجمعها" ليست في (أ). وفي "اللطائف": (وكم قدر مسافة الدنيا بجملتها).
(٣) في (ر): "والعطية لسعيهم". وفي "اللطائف": (ولكن لأجل قدر أفعالهم وتعظيم صنيعهم يقول ذلك).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات": (٢/ ٥٣٩).
[ ١٠ / ٤٩١ ]
وقال بعضهم: هي مناسك الحج.
وحجَّ بعض الصالحين فكان عند كلِّ ميلٍ يصلِّي في البادية (^١) ركعتين، ويقول: قال اللَّه تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾: قال الحسن وقتادة: هي أيام العشر، والأيام المعدودات هي أيام التشريق (^٢)، وعليه أكثر السلف.
وقيل: الأيام المعلومات هي أيام النحر.
وقال هؤلاء: ذُكِرَ فيها ذِكْرُ اسم اللَّه على الأنعام، وهو يختصُّ (^٣) بها.
وقال الأولون: جعَل اللَّه الأيامَ العشر وقتًا للمنافع والذكر على الذبائح ثم (^٤) للمنافع أيام مخصوصة منها، وهو يومُ عرفةَ لعرفات، ويومُ النحر لمنًى والأفعالِ فيها وللطواف بالبيت بمكهَ، فكذا الذكر على الذبيح يختص بيوم النحر منها.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: وقد فسَّرناه (^٥) في أول سورة المائدة، وهي الإبل والغنم والبقر؛ أي: وليتقرَّبوا إلى اللَّه بالذبائح والنحائر ويذكروا اسم اللَّه عليها: بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم منك ولك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين، ونحو ذلك، ويحتمل الشكر للَّه تعالى على هذه النعم.
قوله تعالى ﴿فَكُلُوْا مِنْهَا﴾: أنتم ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: الذي به بؤسٌ؛ أي: شدة.
_________________
(١) "في البادية" زيادة من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٢٣).
(٣) في (أ): "يخصص".
(٤) "ثم" ليست في (أ).
(٥) في (أ): "فسرناها".
[ ١٠ / ٤٩٢ ]
وقال الخليل: البائس: الذي نزلت به بليةٌ أو فاقةٌ، فيُرحم لما به (^١).
وقيل: البائس: الذي به ضرُّ الجوع، والفقير: الذي لا مال له.
* * *
(٢٩) - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: واللام (^٢) لام الأمر، والتَّفَث: الوسَخ والدَّرَن في اللغة.
وقال نفطويه: معناه: ثم ليزيلوا عنهم أدرانَهم.
وقال القُتبي: التَّفَثُ: الأخذ من الشارب والأظفار، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العانة (^٣).
وقال الكسائي: هو حلقُ الرأس، وقصُّ الأظفار، وأشباهُ ذلك.
وقال الفراء: هو نحرُ الإبل والبمَر والغنم، وحلق الرأس، وتقليم الأظفار، وأشباهها (^٤).
وقيل: ما بقي من الحج بعد الذبح والنحر من الحلق والتقصير.
وقيل: ما عليهم من الحج.
وقيل: مواقف الحج ومناسكه كلها (^٥).
وقيل: هو عمل الحج كلُّه.
_________________
(١) في (ر): "لبأسه"، وفي (ف): "لبلائه". والمثبت موافق لما في "العين" (٧/ ٣١٦).
(٢) في (أ): "هي"، وفي (ف): "وهو".
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٩٢).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٢٤).
(٥) في (ف): "والمناسك".
[ ١٠ / ٤٩٣ ]
هذه أقاويل المفسرين، وتوجيهُها على اللغة: أن التَّفَث اللُّغوي الذي هو الشَّعَثُ والغَبرُ والدَّرَن هو شعار الحج، قال النبيُّ -ﷺ-: "الحاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ" (^١)، وتقديره على هذا: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾؛ أي: وليتمُّوا أعمال حجِّهم مستديمين بذلك الشعثَ والتَّفَل.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: أي: ومَن كان عليه نذرٌ بهديٍ فلْيَفِ به، وليس كلُّ أحد يلزمُه هديٌ، فلذلك ذكر النذر.
وقيل: النذر: الالتزام، ومَن شَرَع في حجٍّ (^٢) فقد التزَم أفعالَه، فهذا أمرٌ بإتمام الحج.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ولْيُوَفُّوا﴾ بالتشديد (^٣)، والتوفية والإيفاء بمعنًى.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: وهذا أمرٌ بالطواف يوم النحر، وهو ركنٌ فيه (^٤)، والطواف الأول طوافُ التحية وهو سنَّةٌ، والطوافُ الأخير طوافُ الصَّدَر وهو واجبٌ، وهذا الطواف طوافُ الزيارة وهو ركنٌ لا حجَّ بدونه.
والبيت العتيق: الكعبة.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه قال: سألتُ النبيَّ -ﷺ- عن البيت العتيق، قال: "أُعتقَ من الجبابرة، ولا ينالُه جبارٌ أبدًا" (^٥).
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٦)، من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديثٌ لا نعرفُه من حديث ابن عُمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيدَ الخُوزِيِّ المكيِّ، وقد تَكَلَّم بعضُ أهل الحديث في إبراهيم بن يزيدَ من قِبَل حِفظِه.
(٢) في (أ): "حجه".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٦)، و"التيسير" (ص: ١٥٧).
(٤) "فيه" ليس من (ف).
(٥) لم أجده عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، لكن رواه الترمذي (٣١٧٠)، والحاكم في =
[ ١٠ / ٤٩٤ ]
وقال ابن عيينة: لأنه لم يملك قط (^١).
وقال الكلبي: أعتق من الغرق زمان الطوفان (^٢).
وقال بعض المفسرين: عَتَق في الجاهلية من أن يخرَّب أو يُقتلَ أهلُه.
وقال الحسن وابن زيد: ﴿الْعَتِيقِ﴾: القديم، وهو أول بيت وضع للناس في الأرض (^٣).
وقال مجاهد: خلق اللَّه تعالى البيت العتيق قبل الأرض (^٤) بألفي عام (^٥).
وقيل: العتيق: الكريم، وفرس عتيق؛ أي: كريم، وسمي به لأنه كريمٌ على اللَّه تعالى.
* * *
(٣٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.
_________________
(١) = "المستدرك" (٣٤٦٥)، والبيهقي في "الشعب" (٤٠١٠) من حديث عبد اللَّه بن الزبير ﵁. قال الترمذي: (هذا حديثٌ حسنٌ غريب، وقد رُوي هذا الحديثُ عن الزُّهريِّ، عن النبيِّ -ﷺ- مرسَلًا). قلت: مرسل الزهري رواه الترمذي أيضًا عقب الحديث، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٢٥) من طريق الزهري عن ابن الزبير موقوفًا.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٠) عن ابن عيينة ومجاهد، ورواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٣٠).
(٣) رواه ابن المنذر وابن أبي حاتِم عن سعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" (٦/ ٤١).
(٤) رواه عن ابن زيد الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٣٠ - ٥٣١).
(٥) في (أ): "قبل سائر الخلق".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٥٥) عن مجاهد، ورواه (٥/ ٥٩١) من طريق مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو. ولعله مما نقل عن الإسرائيليات.
[ ١٠ / ٤٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾: أي: ما قدَّمتُ ذكرَه من أمر الحج فهو كما قدَّمْتُه فالتزِموه ولا تخالفوه، مبتدأ حُذف خبره اختصارًا.
وقيل: معناه افعلوا ذلك، أضمر الأمر في أوله، أو هو بنفسه منصوب على الإغراء، تامٌّ (^١) بغير إضمار.
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: أي: أمورَ الحج والعمرة والبيت، فراعاها ولم يتعدَّ حدودها.
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: أي: أنفع له من أنْ لا يعظِّمها؛ لأنَّه يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وهذا ترغيب وترهيب، وعمومُه يشمل الحج وغيرَه.
والحرمات حقيقتُها: ما حرُم انتهاكُها (^٢) ومُنع عن ارتكابها.
وقيل: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ليس للتفصيل؛ أي: تعظيمُه خيرٌ له معدٌّ عند ربه مجازيهِ به (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: فسرناه في سورة المائدة: أن المستثنى ما ذُكر في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣].
وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾: أي: النَّجَس ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للتبيين (^٤) هاهنا لا للتبعيض؛ أي: اجتنبوا هذا النوع من الرجس فكلُّه خبيث؛ أي: اجتنبوا الأوثان أنْ (^٥) تعظِّموها فتذبحوا لها وتذكُروا على ذبائحكم أسماءها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "قام".
(٢) في (ر): "إتيانها".
(٣) في (ر): "خير عند ربه يجازيه".
(٤) في (أ) و(ف): "للتجنيس".
(٥) في (أ): "أي"، وفي (ر): "فلا".
[ ١٠ / ٤٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾: أي: الكذب، وهو ما يقال على (^١) الذبائح من ذكر الأصنام، وما يتصل بها من كلمات هي شركٌ.
* * *
(٣١) - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾: نصبٌ على الحال؛ أي: مستقيمين (^٢) في تلك الحال على الدِّين الحق.
﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾: أي: باللَّه (^٣)، ختم الآية بوعيد الشرك، يقول: أمركم بالحج لتتقرَّبوا فيه بالقرابين إلى اللَّه تعالى، لا أن تذبحوا للأصنام وتتكلموا بالشرك (^٤).
وقيل: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾؛ أي: بتسميتها آلهةً.
وقيل: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ في التلبية وهو قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكُه وما ملَك، وهذا قول مقاتل بن حيان (^٥)، وهذا على نظمِ آخِر الآية بأولها في أمور الحج.
وقيل هو ابتداءُ كلامٍ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾؛ أي: المآثِم ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ وهو عبادتها وتعظيمُها ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾؛ أي: الكذب في كلِّ شيء.
_________________
(١) في (أ): "في".
(٢) في (ف): "مشتغلين".
(٣) بعدها في (أ): "ثم".
(٤) في (ر): "وتتكلموا بكلمة الشرك".
(٥) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٦/ ٤٥). وانظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ١٢٤).
[ ١٠ / ٤٩٧ ]
وروي عن خريم بن فاتك ﵁ أنه قال: صلى رسول اللَّه ﵇ صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال (^١): "عُدلت شهادةُ الزور بالإشراك باللَّه تعالى"، ثم قرأ (^٢) هذه الآية (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾: قيل: أي: فمَثَلُه في بُعده من الهدى (^٤) والحق وهلاكِه كمَن خرَّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾: أي: تستَلِبه بسرعة ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: تُسقطه ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾؛ أي: بعيد، وهو قولُ قتادة (^٥).
وقيل: هو مَثَلُ حال الكافر في القيامة، يريد به أنه يكون يومئذٍ بهذه الصفة لا يملك لنفسه ولا يملك أحدٌ من الخلق له نفعًا ولا ضرًّا (^٦)، ولا يمتنع من عذاب اللَّه، فهو بمنزلةِ مَن خرَّ من السماء فهو يهوي من غير أن يقدر لنفسه على خلافِ ذلك، فتخطفه الطير وتقطِّع مخَّه (^٧) بمخاليبها ومناقيرها، فلا يملك دفع ذلك، أو بمنزلةِ مَن تحمله الريح من موضعٍ مرتفع فترمي به في منحدَرٍ بعيد، وهو معنى قولِ ابن عباس ﵄.
_________________
(١) في (ف): "ثم قال"، وفي باقي النسخ: "قال"، والمثبت من المصادر.
(٢) في (أ): "تلا".
(٣) رواه أبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٣٠٠)، وابن ماجه (٢٣٧٢). قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/ ٣٤٩): إسناده مجهول.
(٤) في (ف): "الدين".
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٢٩)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٣٨ - ٥٣٩)، ولفظه فيهما: هذا مثَل ضربه اللَّه لمن أشرك باللَّه في بعده من الهُدى وهلاكه. وكون معنى ﴿سَحِيقٍ﴾: بعيد، رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٣٩) عن مجاهد.
(٦) "ولا ضرًا" ليس من (أ).
(٧) غير واضحة في (أ)، وقد تقرأ: "فمه" أو "خمه"، وسقطت الجملة من (ر) و(ف).
[ ١٠ / ٤٩٨ ]
(٣٢) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: أي: ذلك الذي عرَّفْتكم من أمرِ (^١) الشرك، وهو كما عرَّفتكم ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: جمع شَعِيرة، والشعائر: هي أمور الحج؛ قال ابن زيد: منها رميُ الجمار، والسعيُ بين الصفا والمروة، ونحوُها (^٢).
وقال مجاهد: هي البُدْن، وتعظيمُها: استسمانُها واستحسانُها (^٣)، قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
﴿فَإِنَّهَا﴾: أي: هذه الفعلة، وهي تعظيمها ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: هي تصحيحُ النية وتجريدها (^٤) للتقرُّب إلى اللَّه تعالى.
* * *
(٣٣) - ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: على القول الأول -أن الشعائر هي أمور الحج- هذه المنافع ما فسرنا في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] وهي منافع المشاهد (^٥) ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: أي: مَحِلُّ إحرامها بالطواف بالبيت؛ أي: بعده.
_________________
(١) في (أ): "أهل".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٤١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٤٠).
(٤) في (ر) و(ف): "وتحريرها".
(٥) في (ر) و(ف): "مشاهد المنافع".
[ ١٠ / ٤٩٩ ]
وعلى القول الثاني -أن الشعائر البدن- فالمنافع: ركوب ظهورها عند الحاجة، وشرب ألبانها عند الضرورة، ثم مَحِلُّ الشعائر إلى البيت العتيق؛ أي: نحرُها يكون في الحرم، فالبيت العتيق عبارة عن كل الحرم كما قلنا في المسجد الحرام.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: قرأ حمزة والكسائي بكسر السين والباقون بفتحها (^١)، ومعناهما واحد؛ أي: لكلِّ أهل دين سَلَفوا قبلكم شَرَعْنا قرابين.
وقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: أي: ليتقرَّبوا بها ويذبحوها على اسم اللَّه دون أسماء الأصنام.
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أي: إلهكم وإلهُ الأمم كلِّها واحدٌ، والواجب أن يُتقرب إليه ويُذكر على الذبائح اسمُه دون اسم غيره.
وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾: أي: انقادوا بالعبودية (^٢).
﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾؛ أي: المطمئنِّين إلى وعد اللَّه، الخاشعين له، والخبت في اللغة هو المطمئن من الأرض.
وقال الخليل: الخبت: ما اتَّسع من بطون الأرض (^٣).
فعلى هذا: المخبتُ هو الواسع الصدرِ في احتمال المكاره.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٦)، و"التيسير" (ص: ١٥٧).
(٢) في (أ): "لعبوديته".
(٣) انظر: "العين" (٤/ ٢٤١).
[ ١٠ / ٥٠٠ ]
(٣٥) - ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: أي: خافت من عظمته، فعظَّمت شعائر اللَّه وحَذِرت مخالفته.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: في الزكوات والصدقات.
يقول: وبشِّر هؤلاء بكلِّ خير، وكلُّه تفسير المخبِت، إذ لا (^١) يقدر على هذه الأشياء إلا الخاضع للَّه تعالى بالعبودية.
* * *
(٣٦) - ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: هي جمع بَدَنةٍ؛ كالتَّمر جمع تَمْرةٍ، وهي الإبل التي تُهدى، سميت بها لبدانتها؛ أي: ضِخَمها، ونصبُها بالفعل المذكور بعدها على تقدير التقديم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من أعلام دين اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾: وهو نفعُ الدِّين والدنيا.
وقال الإمام القشيري ﵀: الخيرات فيها كثيرة: الركوب، والحمل،
_________________
(١) في (أ): "إذ"، وفي (ر): "ولا".
[ ١٠ / ٥٠١ ]
وشرب الألبان، والانتفاع بالأوبار، ثم بالاعتبار بخلقها كيف سُخِّرت للناس على قوَّتها وصُورتها، ثم كيف تنقاد للصبيان في البروك (^١) للحمل والركوب والنزول، وصبرِها على العطش في الأسفار، واكتفائها بقليل العلَف، ثم بما في طبعها من اللَّطافة حتى تستريحُ بالحُداء مع كثافةِ صورتها، إلى غير ذلك (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾: جمع صافَّةٍ، وهي القائمة، وهي نصبٌ على الحال؛ أي: اذكروا اسمَ اللَّه عليها عند نحرِها وهي قائمةٌ شرطًا للذَّكاة وتسميةً للَّه تعالى، دون جعلِها للأصنام كفعلِ الكفار.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: أي: سقطت على الأرض بعد نحرها قائمة.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾: قيل: القانع: الذي يَرْضَى بما يُعْطَى وبما عنده ولا يَسأل، والمعترُّ: الذي يتعرَّض لك أن تُطعمه.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادةُ: القانع: الذي لا يَسأل، والمعترُّ: الذي يَسأل (^٣).
وقال الحسن وسعيد بن جبير: القانع: الذي يَسأل، والمعترُّ: الذي يَتعرَّض ولا يَسأل (^٤)، وعليه أهل اللغة، فيقال: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنوعًا من بابِ صنع؛ أي: سأل، وقَنِعَ يَقْنَعُ قناعةً من بابِ عَلِم: إذا رضي بما رُزق، قال الشمَّاخ:
لمالُ المرء يصلحُه فيُغْني مَفَاقِرَه أَعَفُّ من القُنوع (^٥)
_________________
(١) في (ر): "تنقاد للناس في النزول".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٤٥).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٦٣ - ٥٦٥).
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٦٥ - ٥٦٦).
(٥) انظر: "ديوان الشماخ" (ص: ٢٢١)، وأنشده سعيد بن جبير في قوله السابق. انظر: "تفسير الطبري" =
[ ١٠ / ٥٠٢ ]
أي: السؤال.
وقال مجاهد: القانع: جارك الغني، والمعترُّ: الذي يجيئك (^١) من الناس (^٢).
وقيل: القانع: الهر، والمعترُّ: الكلب؛ أي: اجعلوا لهما منه نصيبًا، والهر يتقاضى بصياحه، والكلب يقوم ساكتًا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ إباحة، ولو لم يأكل منها جاز.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا﴾ ندبٌ، ولو صَرف كلَّه إلى نفسه لم يَضمن شيئًا، وهذا في كلِّ هدي، هو نُسك لا كفارةٌ، وكذا الأضحية، فأما هديٌ هو كفارةٌ فعليه التصدُّق بجميعه، وما أَكَله ضمِنه، وكذا ما أَطعمه الأغنياءَ، وإنما مصرفُه الفقراءُ، فأما هديُ النُّسك والأضحية فيَحِلُّ لصاحبه والأغنياءِ، والمستحَبُّ في ذلك أن يكون نصفُه لأَكْله وإطعامِ أهله، ونصفُه للصرف إلى غيره.
وقيل: يُجعل أثلاثًا: ثلثٌ يأكله ويطعمه أهلَه وأضيافَه في هذه الأيام، وثلثٌ يدَّخره لِمَا بعدُ، وثلثٌ يدفعه للناس.
وكان الحسن البصري ﵀ يجعله أرباعًا: الرُّبع لنفسه وأهله، والرُّبع للمساكين، والربع لليتامى، والربع لأهل السجون، ويَتأول قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
_________________
(١) = (١٦/ ٥٦٦). وقوله: (مفاقره)؛ أي: وجوه فقره، يقال: سد اللَّه مفاقره؛ أي: أغناه وسد وجوه فقره. انظر: "الصحاح" (مادة: فقر).
(٢) في (أ): "يحتك". وجاء في الرواية: (الذي يعتريك)، وفي أخرى: (من اعتراك). انظر التعليق الآتي.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٦٦ - ٥٦٧).
(٤) في (أ): "ساكنًا".
[ ١٠ / ٥٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾: أي: كالذي أمرتُكم بنحرها ذلَّلْتُها لكم مع عِظَم أجسامها فلا تمتنعُ عليكم، ولو أعطيتُها ما أعطيتُ السباع لصعب عليكم نحرُها.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: فعلتُ ذلك بكم لتشكروا نِعمي بذلك.
* * *
(٣٧) - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾: أي: لا تبلغ رضاه ولا يكون مقبولًا عنده أعيانها ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾: وهو قصدُ الائتمار، وطلبُ الرضا، والاحتياطُ في ذلك، والتحرُّزُ عن الحرام والشبهة.
وقيل: لمَّا أمرهم بأكلها ظنُّوا أنها ردَّت إليهم أو صارت (^١) لهم لا للَّه تعالى، فأَخبر أن للَّه مِن عبده ما أَخلص له من النية والعمل، دون أعيان ما يَتقرب بها.
وقال مجاهد: كان أهل الجاهلية يذبحون ويشرِّحون اللحم فيَنصبونه على أنصابٍ حول الكعبة، وينضحون ما أقبل منها (^٢) بدمائها، فلما كان الإسلام ذكر المسلمون فعلهم لرسول اللَّه -ﷺ- فسكت، حتى نزلت هذه الآية (^٣).
_________________
(١) في (ف): "وصارت".
(٢) "ما أقبل منها" ليس في (ف). وفي المصادر: (ما أقبل من البيت).
(٣) ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز"، والقرطبي في "تفسيره"، وأبو حيان في "البحر"، جميعهم عن ابن جريج عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وفيه: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ ونزلت: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٦/ ٥٦) بلفظ: كان أهل الجاهليَّة ينضحون البيت بلحوم الإبِل ودمائها فقال =
[ ١٠ / ٥٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾: أي: كالذي ذكر ذلَّل هذه البُدن (^١).
وقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾: أي: لتعظِّموا اللَّه ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: أرشدكم إليه من دِينه، وأعاد ذكر التسخير لمعنًى غيرِ الأول، فإن الأول للشكر والثاني للتعظيم.
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: في أمور الحج والشعائر وسائر الشرائع.
وقال الحسين بن الفضل ﵀: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فتقولوا: اللَّه أكبر على ما هدانا.
وقال القشيري ﵀: لا عبرةَ بأعيان الأفعال، لكن العبرة لقرائنها من الإخلاص، وإذا انضاف إلى اكتساب الجوارح خلاصاتُ القصود، وتجرَّدت (^٢) عن ملاحظةِ أصحابها الأغيار (^٣)، صلحت للقبول.
وقال في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: الإحسان: أن تعبد اللَّه كأنك تراه، وأمَارتُه: سقوط التعب عن صاحبه بالقلب، فلا يستثقل شيئًا في ذات اللَّه، ولا يتبرَّم بشيء (^٤).
* * *
(٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
_________________
(١) = أصحاب النَّبي -ﷺ-: فنحن أَحَق أن ننضح، فأنزل اللَّه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا﴾.
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "لك".
(٣) في (أ): "خلاصات المقصود وتجردت"، وفي (ر): "خلاصات القصود وتحرزت". وفي "اللطائف": (إخلاص القصود وتجردت).
(٤) في (ر): "الأعيان".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٤٦).
[ ١٠ / ٥٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿إنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ. . . ولولا دَفْعُ اللَّهِ الناسَ﴾، وقرأ نافع: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عن الذين آمنوا. . . ولولا دفاعُ اللَّهِ الناسَ﴾، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي [وابن عامر]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ. . . وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾ (^١).
وعاد الكلام إلى ذكر المؤمنين والكفار، وبشارةِ المؤمنين بالفتح والنصر والعودِ إلى مكة التي صدَّهم المشركون عنها، وهذه الآيات في ذكرها وما يقام من الحج والقرابينِ بها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بشارةٌ بدفع ضرر الكفار عنهم، وهو كما قال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران: ١١١]، وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وقيل: كان هذا قبل الهجرة، فدفع عنهم بأنْ أَذِن لهم في الهجرة إلى المدينة، وأعانهم وقوَّاهم بالأنصار، وأذِن بالقتال وجهاد الكفار.
وقيل: يدفع عنهم بتوفيقه وتثبيته إياهم على الحق عن فتنة الكفار بإعادتهم إلى الكفر (^٢).
وقيل: يدفع عنهم شدائد الآخرة وكثيرًا من شدائد الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾: العبادات أمانات، فمَن خالفها فقد خان.
وقيل: المشركون كانوا يقرُّون بالصانع ثم يعبدون غيره وهذا خيانةٌ.
وقيل: كل إنسان يُظهر الشفقة على نفسه وإرادةَ الخير بها، فإذا فعل بها ما يُهلكها فقد خانها، والخوَّان: الكافر على هذا، والكَفور: الذي يكفر نِعَمَ اللَّه عليه.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٧)، و"التيسير" (ص: ٨٢ و١٥٧)، وما بين معكوفتين منهما.
(٢) "بإعادتهم إلى الكفر" ليس في (أ).
[ ١٠ / ٥٠٦ ]
ومعنى ﴿لَا يُحِبُّ﴾؛ أي: لا يريد بهم الخير، ولا يجعل لهم العاقبةَ المحمودة، بل يكون ذلك للمؤمنين بالدفع عنهم.
وقال القشيري ﵀: يدفع عن صدورهم نزغات (^١) الشيطان، وعن قلوبهم خطرات العصيان، وعن أرواحهم طوارق النسيان (^٢).
* * *
(٣٩) - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿أذِنَ﴾ بفتح الألف و﴿يُقاتِلون﴾ بكسر التاء، ومعناه: أَذِن اللَّه للمؤمنين الذين يقاتِلون الكفار -أي: يحرِّضون على قتالهم- بالقتال، فقوله: بالقتال، هذا مضمر، وهذا طريق الدفع الذي قال: ﴿يدفع (^٣) عن الذين آمنوا﴾.
وقرأ عاصم ونافع في روايةٍ: ﴿أُذِنَ﴾ بالضم على ما لم يسمَّ فاعله ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء على ما لم يسم فاعلُه، وهم المؤمنون أيضًا لأن الكفار يقاتلونهم.
وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر (^٤): ﴿أُذِنَ﴾ بالضم ﴿يقاتِلون﴾ بالكسر.
وقرأ ابن عامر: ﴿أَذِنَ﴾ بالفتح ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بالفتح أيضًا (^٥).
_________________
(١) في (ر): "ترهات".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٤٧).
(٣) "الذي قال يدفع" من (أ)، وفي (ف) بدلًا منها: "للأذى".
(٤) "أبي بكر" ليس في (ف).
(٥) وملخص ما ورد عن السبعة في المشهور عنهم: نافع وعاصم وأبو عَمْرو: ﴿أُذِنَ﴾ بضم الهمزة والباقون بفتحها، نافع وابن عامر وحفص: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء والباقون بكسرها. انظر: =
[ ١٠ / ٥٠٧ ]
وذكر بعض المفسرين أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم لمَّا اشتدَّ عليهم أذى المشركين قبل الهجرة استأذنوا النبي -ﷺ- في قتل مَن قدروا على قتله سرًّا فلم يؤذَن لهم (^١)، ووعدهم اللَّه تعالى بالدفع عنهم، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ لِمَا همُّوا به من قتلهم سرًّا، فلما هاجروا وقَرُّوا أذن لهم في قتالهم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾: أي: بسببِ أن المشركين ظلموهم في صدِّهم عن المسجد الحرام وإظهارِ دينهم.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: يُورثهم ديارَ عدوِّهم، ويَشفي به صدورهم، وهو إشارة إلى البشارة بذلك، وهذه الآية أول آية أُنزلت في الأمر بالقتال (^٣).
* * *
(٤٠) - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: وهو بيان قوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾.
﴿أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: هو استثناءٌ منقطع بمعنى: لكن؛ أي: ﴿أُخْرِجُوْا. . . بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ أي: من غير أن يستحقوا ذلك ويحقَّ عليهم ذلك، لكنْ لأنهم قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له على خلاف قولهم.
_________________
(١) = "السبعة" (ص: ٤٣٧)، و"التيسير" (ص: ١٥٧).
(٢) في (ر) و(ف): "يؤذنوا".
(٣) ذكره الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٧٦) وقال: هذا قول ذكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت.
(٤) في (ف): "في أمر القتال".
[ ١٠ / ٥٠٨ ]
وهذا الإخراج من مكة إلى المدينة إن كانت الآية نزلت بعد الهجرة إليها، وإن كان قبلها فهذا الإخراج من مكة إلى الحبشة؛ أي: إلجاؤهم (^١) إياهم إلى أن هاجروا عنها إليها.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: أي: لولا شرعُ اللَّه للأنبياء والأممِ من الجهاد.
﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: أي: لغَلب أهلُ الشرك أهلَ الإيمان؛ أي: وعطَّلوا ما بَنتْه (^٢) أهل الديانات من مواضع عبادة اللَّه تعالى.
قال مجاهد: الصوامع للرهبان (^٣).
وقال قتادة: البيع للنصارى (^٤).
وقال مجاهد: البِيَع كنائس اليهود (^٥)، جمع بِيْعَةٍ.
وقال الضحاك: الصلوات كنائس اليهود (^٦).
وقيل: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: هي مواضع صلوات المسلمين في منازلهم، والمساجدُ للجماعات.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "إلحاقهم".
(٢) في (ف): "يبنيه".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٨٠ - ٥٨١) بلفظ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ قال: صوامع الرهبان.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٣٨)، بلفظ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ قال: هي للصَّابئينَ، ﴿وَبِيَعٌ﴾ للنَّصارى ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ كنائسُ اليهودِ، والمساجدُ مساجدُ المسلمين ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٨٣).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٨٤).
[ ١٠ / ٥٠٩ ]
وقيل: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾؛ أي: وتُركت صلوات، على (^١) إرادة أعيانها دون مواضعها.
وقال الزجاج: أي: لهدِّمت صوامعُ في أيام شريعة عيسى، وبيعٌ في أيام شريعة موسى، ومساجد في أيام شريعة محمد ﵈ (^٢).
وقيل: ذُكرت الصوامع والبِيَع -وإن كانت تلك لغيرِ أهل الإسلام- وذلك لأن النصارى ينكرون أمر الجهاد ويَرَونه شنيعًا في الحكمة، والصابئون لا يرونه، فنُبِّهوا على حُسنه في العقول؛ إذ فيه بقاءُ أثر هذه الديانات التي يعتقدها هؤلاء.
ثم قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾: هم الكفارُ ﴿بَعْضَهُمْ﴾ بدلٌ عنه ﴿بِبَعْضٍ﴾ هم المؤمنون المقاتلون، فالدفع يقع بهم.
وقيل: معناه: ولولا دفعُ اللَّهِ بأهل هذا الدِّين عن الأديان كلِّها؛ أي: لولا إقماعُ (^٣) عبدة الأوثان وأهلِ التعطيل بخوف سيوف المسلمين لتغلَّبوا على أهل الأديان كلِّها (^٤)، وفيه تعريفُ منَّةِ اللَّه تعالى بما عاد على (^٥) أهل الأديان كلِّها من النَّفع بدِين الإسلام.
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: أي: في المساجد، هو الصحيح، فإن الذكر في البيع ونحوها محرَّفٌ غيرُ معتبَر.
وقيل: يدفع اللَّه بالمقاتلين (^٦) عن القاعدين، وبالشاكرين عن الكافرين،
_________________
(١) في (أ): "عن".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٤٣١).
(٣) في (أ): "انقماع".
(٤) في (أ): "الأديان" بدل: "أهل الأديان كلها".
(٥) في (أ): "إلى".
(٦) في (أ): "بالمقاتلة".
[ ١٠ / ٥١٠ ]
وبالصابرين عن الجازعين، وبالمصلين عن التاركين، وبالمصَّدِّقين (^١) عن المانعين، وبالمطيعين عن العاصين، وبالذاكرين عن الناسين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾: هذا ظاهر.
* * *
(٤١) - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: هو نعتُ ﴿الذين يقاتلون﴾ أي: أُذِنَ بالقتال لهؤلاء الذين إنْ أعطيناهم المكنة والمكانة في الأرض ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وأقاموا الدِّين بألسنتهم وأيديهم، وألزَموا الناس ما هو مستحسَن عند (^٢) العقل والشرع، ومنعوهم عما هو مستقبَحُ (^٣) العقل والشرع.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: أي: خاتمتُها؛ أي: النصر والعلوُّ والغَلَبة خاتمةُ مَن نصَر دِين اللَّه، وهي للَّه، وإن تأخَّرت مدةً لحكمةٍ (^٤) فهي موعودةٌ لهم، وهذا تطييبٌ لقلوبهم، وتثبيتٌ على الصبر.
وقيل: أي: مرجِعُ الأمور إلى اللَّه في الآخرة، وهو المُثيب والمعاقِبُ، وهذا تحريكٌ لهم على الأعمال المذكورة في الآية.
_________________
(١) في (أ): "وبالمتصدقين".
(٢) "عند" زيادة من (ف).
(٣) في (ف): "قبيح".
(٤) في (أ): "بحكمة".
[ ١٠ / ٥١١ ]
وكثير من المفسرين على أن هذه الآيةَ في الخلفاء الراشدين الأربعة.
وقال الحسن: هي في حقِّ جميع هذه الأمة (^١).
وقال القشيري ﵀: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إذا طالت بهم المدَّة (^٢) وساعدهم العمرُ، لم يستفرغوا (^٣) أعمارهم في استجلاب حظوظهم، ولا في اقتناء محبوبهم في الدنيا ومطلوبهم، ولكن قاموا بأداء حقوقنا.
وأقاموا الصلوات في الظاهر، وأداموا المواصلات في الباطن.
وقيل: إقامة الصلاة بالوفاء (^٤) بأدائها؛ تَعْلَمُ بين يديْ مَن أنت (^٥)، وتناجي مَن، والرقيبُ عليك مَن، والقريبُ منك من.
﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ الأغنياء منهم يُؤتون زكاة أموالهم، وفقراؤهم يؤتُون زكاة أحوالهم، فزكاة المال من مئتين خمسةٌ للفقراء (^٦) والباقي لهم، وزكاة الأحوال أن يكون من مئتي نفس مئة وتسعةٌ وتسعون ونصفٌ للَّه تعالى، ونصفُ جزءٍ من نفسٍ من مئتين لك (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يَبتدِئون (^٨) في الأمر
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٦) عن الحسن وأبي العالية، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٢٧٤) عن الحسن وعكرمة.
(٢) في (ف): "الإقامة".
(٣) في (ف): "يستوفوا".
(٤) في (أ) و(ف): "الوفاء".
(٥) بعدها في (ر): "قائم له". وليست في "اللطائف"، ولفظه: (فتعلم بين يدى اللَّه مَن أنت).
(٦) في (ف): "من المئتين خمسة دراهم".
(٧) في (ف): "لهم".
(٨) في (ف): "ينتدبون".
[ ١٠ / ٥١٢ ]
بالمعروف والنهي عن المنكر بأنفسهم، ثم بأغيارهم، فإذا أخذوا في ذلك لم يتفرَّغوا من أنفسهم إلى غيرهم.
وقيل: الأمر بالمعروف: حفظُ الحواسِّ عن مخالفة أمره، ومراعاةُ الأنفاس معه إجلالًا لقَدْره، ومن وجوهِ المنكر: الرياء والإعجاب والمساكَنة والملاحظة (^١).
* * *
(٤٢ - ٤٤) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾: وهذا بيانُ قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، وتسليةٌ للنبي -ﷺ- بما ينالُه من جهة الكفار من المكروه والمحذور، يقول: إنْ نَسَبك هؤلاء إلى الكذب فقد فعلَتْ قوم نوحٍ بنوحٍ (^٢) كذلك.
والتأنيث في ﴿كَذَّبَتْ﴾ لإرادةِ القبيلة أو الأمَّة أو الجماعة، وكذلك ما ذُكر بعده كذَّبتْ كلُّ أمةٍ نبيَّها ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ على ما لم يسمَّ فاعله، ولم يقل: وكذبت قوم موسى لأن قومه بنو إسرائيل وهم صدَّقوه، وإنما كذَّبه فرعونُ وقومه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: طوَّلتُ لهم الزمانَ للحجة عليهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: أي: عاقبتُهم على كفرهم وتكذيبهم ومعاصيهم.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٤٩ - ٥٥٠).
(٢) "بنوح" ليست في (أ).
[ ١٠ / ٥١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: أي: إنكاري وتغييري عليهم، ألمْ أبدِّلهم بالنعمة نقمةً، وبالكثرة قِلةً، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا، وكذلك حالُ قومك.
* * *
(٤٥) - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: وكم من أهل قرية ﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾؛ أي: أهلكناهم وهم ظالمون أنفسَهم بالكفر، واضعون العبادةَ غيرَ موضعها.
وقرأ أبو عمرو: ﴿أَهْلَكْتُها﴾ على موافقةِ ﴿أمليتُ. . . ثم أخَذْتُهم﴾، وقرأ الباقون: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ على موافقة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ [الحج: ٤١] (^١).
﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: فالقريةُ ساقطةٌ سُقوفُها أولًا ثم ساقطةٌ حيطانها على سقوفها.
وقوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: أي: وكم من بئرٍ معطَّلة بفِناء أهلها اندَفنتْ وصارت لا واردةَ لها ولا شاربةَ منها باندِفانها وغورِ مائها.
وقوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: وكم قصرٍ مشيد.
قال عكرمة ومجاهد: أي: مبنيٍّ بالجصِّ، والشِّيد: الجص (^٢).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٨)، و"التيسير" (ص: ١٥٧).
(٢) في (ف): "والمشيد الحصين" بدل: "والشيد الجص". والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٩٢ - ٥٩٣) عن عكرمة ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير، وعن عكرمة وعطاء رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٤٠) و(١٩٤١).
[ ١٠ / ٥١٤ ]
وقال قتادة: أي: مرفوعٍ (^١)، وقد شاد البناء؛ أي: رفعه وطوَّله.
وقيل: أي: مزيَّنٍ، وقد شاده؛ أي: زيَّنه؛ أي: خلا عن سكانه وتداعَى للخراب بذهاب أهله.
فهذا تنبيهٌ لهم ووعظ بمن كان قبلهم ممن كان أطولَ منهم أعمارًا وأقوى آثارًا، فأهلكهم اللَّه تعالى لعتوِّهم وتمرُّدهم.
وقال الضحاك: إن هذه البئر كانت في حضرموتَ في بلدةٍ يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعةَ آلافِ نفرٍ ممن آمن بصالح ونجَوا من العذاب أتوا حاضوراء ومعهم صالح، فلما حضروا مات صالح فسمي: حضرموت؛ لأن صالحًا لمَّا حضر مات، فبنوا حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمَّروا عليهم رجلًا يقال له: جليس بن جلاس بن سويد، وجعلوا وزيره سنحاريب بنَ سَوَادةَ، وأقاموا دهرًا وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام فأرسل اللَّه إليهم نبيًا يقال له: حنظلةُ بن صفوان، فقتلوه في السوق، فأهلكهم اللَّه عن آخرهم، وتعطلت (^٢) بئرهم وخرب قصر ملكهم (^٣).
وقيل: إن ملكًا كافرًا كان له وزير مسلم ومعه أربعةُ آلافِ (^٤) مسلم من خواصِّه، فغضب (^٥) عليه الملك يومًا فهجره الوزير وذهب مع خواصِّه إلى أرضٍ طيبة فنزلوها
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٤٢)، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٩٣). ولفظه فيهما: كان أهله شيَّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه.
(٢) في (ر) و(ف): "فعطلت".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧) وأبو بكر النقاش في "تفسيره" كما في "التعريف والإعلام" للسهيلي (ص: ١١٨).
(٤) بعدها في (ر): "وزير".
(٥) في (أ): "فعنف".
[ ١٠ / ٥١٥ ]
وحفروا آبارًا خرج (^١) من كلِّها ماءٌ مِلْحٌ، ومر بهم رجل فأمرهم أن يحفروا في موضعٍ أَراهم، ففعلوا فخرج ماء عذب، فوسَّعوها وبنوها حجرًا ذهبًا وحجرًا فضة، وجعلوها حظيرةً ولها أربعة آلاف باب بعدد ذلك (^٢) الرجال، واتخذوا منازل، وطالت بهم المدة، وأتاهم الشيطان في صورة عجوزٍ صالحة ومكث عندهم، ودلت النساء على السَّحق عند غيبةِ الأزواج فظهر ذلك فيهنَّ، وأتاهم في صورة شيخ صالح بعد ذلك، وبعد مدةٍ دل رجالهم على إتيان البهائم إذا غابوا عن أزواجهم، ففشا ذلك فيهم، وأتاهم بعد ذلك (^٣) النبيُّ -وقيل: نبي اسمه قحافة- فنهاهم فلم ينتهوا له (^٤)، فغار ماؤهم فتضرعوا للنبيِّ حتى دعا اللَّه، فعاد الماء فلم يؤمنوا، فخوَّفهم إتيانَ العذاب بعد سبع سنين وسبعةِ أشهر وسبعة أيام وسبعِ ساعات، فاتخذوا قصرًا مَشيدًا لبنةٌ ذهبًا ولبنةٌ فضةً، وركَّبوا فيها اليواقيت وتحصَّنوا ولم يؤمِنوا به (^٥)، فلما انتهت هذه المدة وهو يجدِّد لهم التخويفَ كلَّ ساعةٍ فلم ينتهوا، أمر اللَّه تعالى جبريل فخسف بهم وبها (^٦).
_________________
(١) في (ر): "وقيل خرج"، وفي (أ): "وقيل".
(٢) في (أ): "كل".
(٣) في (أ): "وأتاهم هذا"، وفي (ر): "وأتاهم ذلك".
(٤) "له" ليست في (أ).
(٥) "به" من (أ).
(٦) لم أجد هذا الخبر، وظاهر الآية العموم، كيف وقد صدرها بكلمة: ﴿فَكَأَيِّنْ﴾ دلالة على كثرة حصول هذا المشهد، وهذه الآية من مظاهر الإعجاز في كتاب اللَّه، فقد جاء تركيبها بحيث يمكن تخيل عشرات القصص بل المئات التي يكون هذا المشهد المذكور في الآية محورًا لها، وليس ذلك مقتصرًا على تعدد الأزمنة، بل يشمل أيضًا تعدد الأمكنة، ولا يشترط في ذلك وجود نبي بينهم مع مخالفته أو قتله، بل يكفي وجود شريعة الإيمان عندهم، بل قد يكون سبب ما يحل بهم هو كثرة التظالم وأكل الحقوق ولو لم يكن إيمان، واللَّه أعلم.
[ ١٠ / ٥١٦ ]
(٤٦) - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أفلم يسافر هؤلاء في الأرض فيشاهدوا هذه القرى وآثار (^١) وقائع اللَّه تعالى بها.
﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾: أي: فيَحْضرَهم عقولٌ يتفكرون بها فيها فيَعتبِرون ﴿أو آذان يسمعون بها﴾؛ أي: يدعوهم ما شاهدوا إلى سماع وعظ الواعظ، وهذا استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: قد سافروا إليها وشاهَدوها ثم لا يعتبرون (^٢) بها بإعراضهم عن التدبُّر، فهم متعامُون متصامُّون.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾: قيل: فإن القصة والحادثة، وقيل: فإن الأبصار، ثم أعاد ﴿الْأَبْصَارُ﴾ تفسيرًا للكناية وإزالةً للاشتباه؛ أي: لا تعمى الأبصار (^٣) أبصارُ رؤوسهم عن رؤية هذه الآثار عِيانًا ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ عن التفكر فيها والاعتبار بها.
وقيل: معناه: وإنَّ العمى ليس بعمى البصر وإنما العمى في الحقيقة عمَى القلوبِ؛ لأن منفعةَ بصر العين لا يَهْلِكُ بعدمها صاحبُها، وعدمَ بصر القلب يهلكُ صاحبه، وهذا كما يقال: ليس الغنى غنَى المال إنما الغنَى غنى النفسِ، ونحوِه.
ثم القلب لا يكون إلا في الصدر، ومعنى تقييدِه به (^٤): تحقيقُه بخاصته لا تمييزُه عن غيره، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ويروا".
(٢) في (ف): "وشاهدوها فلم يعتبروا".
(٣) "الأبصار" ليست في (أ).
(٤) في (ف): "ومعنى تأكيده".
[ ١٠ / ٥١٧ ]
(٤٧) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾: أي: يقولون: متى هذا العذاب الذي تُوْعِدُنا به وتَذكُر أنه كان للأمم السالفة؟
﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ فإنه يتعالى عن الخُلف (^١) والكذب، وهو آت لا محالة لكنْ لوقته الذي جعله له.
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وأتاه الوعد يوم بدر فقتل.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن زيد: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا﴾ من أيام الآخرة ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا (^٢)؛ أي: فلا معنى لاستعجالهم وهم يصيرون إلى الآخرة ويعذَّبون فيها هذه المدةَ الطويلة.
وقيل: إن يومًا من أيام العذاب في الثِّقل والطول كألفِ سنة مما تعدُّون في السلامة، كما قالوا: أيام الغموم طِوال وأيام السرور قِصار، فلا معنى لاستعجالهم العذاب (^٣).
وقيل: إن يومًا من الأيام التي خلق اللَّه تعالى فيها السماوات والأرض كألف سنة (^٤)؛ أي: هؤلاء يستعجلونك بالعذاب، وإن يومًا من الأيام التي خلقتُ فيها السموات والأرض كألف سنة، وكنتُ قادرًا على أن أخلق جميع ذلك في لحظةٍ
_________________
(١) في (ر): "عن خلف الوعد".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٩٧ - ٥٩٨) عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد. وذكره عن ابن زيد الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٨).
(٣) "العذاب" من (أ).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٩٦ - ٥٩٧) عن ابن عباس ومجاهد.
[ ١٠ / ٥١٨ ]
وأقلَّ، ولكنْ خلقتُه في المدة الطويلة ولم أُعجِّل، فكذلك أنا قادر على إنزال العذاب بهم ساعةَ عَصوني ولكنْ لا أُعَجِّل، ويدل عليه أنه قال في سورة (ق) (^١): ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ق: ٣٦] ثم ذكر عَقيبه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨]، فذكرُها بعد ذكرِ إهلاكهم (^٢) إشارةٌ إلى هذا، فكذلك في (^٣) هذه الآية.
وقيل: هو إشارةٌ إلى ما ذكر في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فالملَك ينزل مسيرةَ خمس مئة سنةٍ -وهي من السماء إلى الأرض- ويصعد كذلك في ساعة، فهي مسيرة (^٤) ألف سنة، يقول: لمَّا كان في قدرتي هذا فكيف أعجز عن إهلاك هؤلاء، لكن تأخيره لحكمة.
* * *
(٤٨ - ٥٠) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾: أي: في الدنيا ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجعُ في عذاب الآخرة؛ أي: فما ينبغي لهؤلاء أن يغترُّوا بإمهالي.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: جعل اللَّه إليَّ الإنذار دون إنزالِ العذاب، فلا يستعجلوا به.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "في سورة أخرى".
(٢) في (ر) و(ف): "بعد هلاكهم".
(٣) في (ر) و(ف): "فكذا".
(٤) "مسيرة" من (أ).
[ ١٠ / ٥١٩ ]
قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ للذنوب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: حسن في الجنة، هذا لمن خاف بإنذاري فاتَّبَعني.
* * *
(٥١) - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾: أي: اجتهَدوا في أعلام الحقِّ للإبطال والتكذيب وصدُّوا الناس عنها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مغالبين مقدِّرين أنهم يغلبوننا فيفوتوننا.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿معجِّزين﴾ (^١)؛ أي مُثبِتين عجز الأنبياء والمؤمنين بذلك على زعمهم.
وقال الكسائي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين و﴿معجِّزين﴾: مثبِّطين.
وقال الخليل: عاجَزَ فلان: ذهب فلم يُوصَل إليه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: أي: الدائمون في النار الموقَدة.
* * *
(٥٢) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾: قيل: الرسول: صاحب الشريعة، والنبي: هو الذي يتَّبع الرسول في الشريعة؛ كهارونَ لموسى، ولوطٍ لإبراهيم، ﵈.
وقيل: الرسول: المرسَل بالوحي، والنبي: هو المخبِر عن اللَّه بالوحي إليه، أو بالوحي إلى رسولٍ أُمر أن يأمره بالتبليغ أو بالرؤيا.
_________________
(١) وقرأ باقي السبعة: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٩)، و"التيسير" (ص: ١٥٨).
(٢) انظر: "العين" (١/ ٢١٥)، وفيه: (. . . فلم يقدر عليه).
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
وقيل: هما واحد، وفي الآية جمَع بينهما في الإرسال فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾.
﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾: وهذا متصل بقوله تعالى: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: إن مشركي عصرك يَسعون في آياتنا (^١) المنزَلةِ عليك، وكذا كان (^٢) كلُّ رسول يسعى الشيطانُ في الإلقاء في قراءته.
وقوله: ﴿تَمَنَّى﴾؛ أي: تلا، وقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾؛ أي: في تلاوته؛ قال الشاعر:
تمنَّى كتابَ اللَّه أولَ ليلهِ وآخرَه لاقَى حِمَامَ المَقادِرِ (^٣)
وروي في ذلك: أن النبيَّ -ﷺ- كان يقرأ سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ في الكعبة أو في المسجد الحرام بحضرة المؤمنين والمشركين، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان في قراءته: تلك الغَرَانيقُ العُلا وإنَّ شفاعَتَهنَّ لتُرتَجى، فلما فرغ سجد وسجد المشركون والمسلمون، وبلغ الخبرُ مَن كان عند النجاشيِّ من المهاجرين، فرجع كثير منهم إلى مكة لِمَا توهَّموه من دخول المشركين في دِين رسول اللَّه -ﷺ- (^٤).
_________________
(١) في (أ): "آياتي".
(٢) في (أ): "فكذا" بدل: "وكذا كان".
(٣) دون نسبة في "السيرة النبوية" لابن هشام (٣/ ٧٤)، و"الزاهر" لابن الأنباري (٢/ ١٥١)، و"المحكم" لابن سيده (١٠/ ٥١١). وجعلوهما بيتين صدرهما واحد، وعجز الآخر: تَمَنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رِسْلِ وذكر ابن الأنباري أنه في رثاء عثمان، وعزاه الآلوسي في "روح المعاني" (١٧/ ٣٦٠) لحسان، وليس في ديوانه.
(٤) قصة الغرانيق معروفة، ولا يصح فيها شيء، فقد رويت فيها مرسلات عن قتادة والضحاك وأبي العالية =
[ ١٠ / ٥٢١ ]
وأخذ أصحاب الظواهر بظاهره، وحملوه على قراءة رسول اللَّه -ﷺ- ذلك كلَّه، وتكلُّمِه بلسانه بهاتين الكلمتين، وهذا باطل على ما نبيِّن.
فأما الغرانيق: فقد ذكر في "ديوان الأدب" أن الغُرْنُوق: الشابُّ الناعم (^١).
وذكر في "شرح الغريبين": أنه الحسن العالي (^٢).
وقيل: هو رئيس القوم.
وقال الخليل: الغُرْنُوق والغِرْناق (^٣): الشاب الأبيض والطائر (^٤).
وقال الأصمعي: هو الكُرْكِيُّ.
وقال ابن الأنباري: هو الذَّكَرُ من الطير.
_________________
(١) = وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وغيرهم، وروي فيها خبر من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، لكن إسناده ضعيف جدًا. انظر هذه الأخبار في "تفسير الطبري" (١٦/ ٦٠٤ - ٦١٢)، وقد تكلم العلماء -ومنهم المؤلف كما سيأتي- في توهين ما روي في هذه القصة وردها عقلًا ونقلًا فلا داعي للإطالة في ذلك. ويكفي في ردها ما قاله القاضي عياض: فيكفيك أنّ هذا حديث لم يُخَرِّجه أحد من أهل الصحَّة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أُولِع به وبمِثْله المفسرون والمؤرخون المُولَعون بكلِّ غريب، المتلقِّفون من الصحف كلّ صحيح وسَقيم، وصَدَق القاضي بكرُ بن العلاء المالكيّ حيث قال: لقد بُلِي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعَلَّق بذلك المُلحِدون مع ضَعْف نَقَلَتِه واضطراب رواياتِه وانقطاع إسنادِه واختلاف كلماتِه. . .) انظر: "الشفا" (٢/ ١٢٥). وانظر أيضًا: "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" لناصر الدين الألباني.
(٢) انظر: "معجم ديوان الأدب" للفارابي (٢/ ٦٥).
(٣) انظر: "الغريبين" (مادة: غرن)، وفيه: (الغرانيق: جمع الغرانق: وهو الحسن)، فقط.
(٤) "والغرناق" ليست في (أ). وانظر التعليق الآتي.
(٥) في (ف): "الثياب البيض" بدل: "الشاب الأبيض والطائر". وانظر: "العين" (٤/ ٤٥٨)، وفيه: الغِرنيْقُ والغُرْنُوقُ: طائر أبيض، والغُرنُوقُ: الرجل الشاب الأبيض الجميل، وهو الغُرانِق أيضًا. وقال الفارسي في "مجمع الغرائب" (مادة: غرنق): وقيل: الغُرنُوقُ: الشَّابُّ النَّاعِمُ، وهوَ الغِرنَاقُ والغِرنَوقُ والغُرَانِقُ.
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
وفي "الغريبين" أيضًا: الغِرْنَوق والغِرْناق والغِرْنيق: الشاب الناعم والطير (^١).
وكان المشركون يزعمون أن الأصنام تقرِّبهم إلى اللَّه تعالى وتشفَع لهم إليه، فشبَّهوها بالطيور التي تعلو وترتفع في (^٢) السماء.
وقال الحسن: إنْ ثبَت تكلُّمُ النبيِّ -ﷺ- بهذه الكلمات فهو على الإنكار عليهم (^٣)، على تقدير إثباتِ ألف الاستفهام في أولها: أتلك الغرانيق العلى، كما في قوله خبرًا عن إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ أي: أهذا ربي.
والصحيح المعتمد: أن النبي -ﷺ- لم يتكلم بها، فإنَّا لو توهَّمنا أنه تكلَّم بها فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إمَّا أنْ تكلَّم بها من جهةِ نفسه عمدًا اختيارًا، وهو كفرٌ، فلا يجوز أن يُظنَّ برسول اللَّه -ﷺ- ذلك، فإنه جاء داعيًا إلى الإسلام ناهيًا عن الكفر طاعنًا في الأصنام، فكيف يمدحها؟!
وإمَّا أنْ أجرى (^٤) الشيطان ذلك على لسان رسول اللَّه -ﷺ- جبرًا بحيث لم يَقدر على الامتناع عنه، وهذا أيضًا لا يجوز؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حقِّ غيره؛ قال تعالى خبرًا عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فكيف يقدر على ذلك في حق النبي -ﷺ-؟!
وإما أن يقال: وقع ذلك على لسانه سهوًا وغفلة من غيرِ قصدٍ، ولا يجوز ذلك أيضًا؛ لأنه -ﷺ- كان أعقلَ الخلق وأعلمَهم فكيف يجوز عليه هذه الغَفلة؟! خصوصًا
_________________
(١) انظر: "الغريبين" (مادة: غرن)، وفيه: (الغِرنَاقُ والغِرنَوقُ والغُرَانِقُ).
(٢) في (ر) و(ف): "إلى".
(٣) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٣٢٢).
(٤) في (ر): "وإما بإلقاء".
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
في حالة تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك لبطل الاعتمادُ والتصديقُ واحتمالُ الغلط والخطأ قائم، ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
فبَطَلت الوجوه كلُّها، ولم يبق إلا وجهٌ واحد، وهو أن النبي -ﷺ- سكت عند قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ والشيطانُ حاضرٌ، فتكلَّم الشيطان بهذه الكلمات متَّصلًا بقراءة النبيِّ -ﷺ-، فوقع عند بعضهم أن النبيَّ -ﷺ- هو الذي تكلَّم بها، ويكون هذا إلقاءً في قراءة النبي -ﷺ-، وكان الشيطان يتكلَّم في زمن النبي -ﷺ- ويُسمَع كلامه؛ كما ذُكر عنه في اليوم الذي مكَروا بالنبيِّ -ﷺ- في دار الندوة، وإبليس ظهر يوم أحدٍ على صورة شيخ نجديٍّ ونادى: ألَا إن محمدًا قد قتل، وقال (^١) يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨].
وقيل: لمَّا استعجلوه بالعذاب تمنَّى أن يعجِّل اللَّه لهم بالعذاب فأبطأ، فألقى الشيطان في أمنيَّته وساوسَ؛ كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقال: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقولُه تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: يزيله عن القلب ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يُلهِمه صدقَ مواعيده.
وعلى التأويل الأول: فيُبْطِلُ اللَّه تعالى ما تكلَّم به الشيطان؛ أي: يُظهِرُ بطلانَه بالوحي بعده، ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ فيُثْبِتها (^٢) ويحفظها عن لحوق الزيادة من الشيطان بها.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بوقت إنزال العذاب وبقصد الشيطان ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يدعُه حتى يكشفَه ويزيلَه.
_________________
(١) في (أ): "ونادى".
(٢) في (أ) و(ف): "يبقيها".
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
(٥٣) - ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: نِفاقٌ.
﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: أي: وللقاسيةِ قلوبُهم وهم الكفار، صار ذلك فتنةً لهم؛ اعتقَدوا كلام الشيطان كلامَ اللَّه وحقَّقوا (^١) شفاعتَها ونفعها.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: أي: وإن المشركين لفي خلافٍ للحق (^٢) بعيد عنه.
* * *
(٥٤) - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: أُعطوا العلمَ باللَّه وبدِينه وبالآيات ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: أنَّ نسخَ ما يُلقي الشيطان.
وقيل: أنَّ القرآنَ الحقُّ من ربك.
﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾: أي: فيصدِّقوا به ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تلينَ وتطمئنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: لمثبِّتُهم (^٣) على الهدى ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: دينِ الإسلام.
* * *
(٥٥) - ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "كلام النبي -ﷺ- وحفظوا".
(٢) في (ر) و(ف): "الحق".
(٣) في (أ): "ليثبتهم".
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: أي: في شكٍّ من إلقاء الشيطان، وقيل: من الحق.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾: أي القيامةُ ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: قيل: يومٌ لا خيرَ فيه ولا فرحَ كالريح العقيم التي لا مطر معها؛ قاله الضحاك (^١).
وقيل: يوم لا ليلةَ بعده كالعقيمِ لا ولد لها (^٢).
واختُلف في ذلك اليوم:
قال قتادة: هو يومُ بدر (^٣)، قُتلوا فيه فلم يكن لهم بعده ليلةٌ في الحياة، والشكُّ يزول للكافر إذا مات، ويزول أيضًا بالقيامة.
وقال أيضًا سعيد بن جبير وعكرمة: هو يومُ القيامة لا ليلةَ بعدها (^٤).
ومعنى الجمع بين الساعة وبينه: أن الأول ذكرُ القيامة والثاني ذكرُ عذاب يوم القيامة.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٢٧٧)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٤٤٥)، وانظر التعليق الآتي.
(٢) روي هذا القول عن الضحاك. انظر: "تفسير الطبري" (١٦/ ٦١٦)، و"غريب القرآن" لابن عزير (ص: ٣٣٧)، و"الهداية" لمكي (٧/ ٤٩٢١)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٣١)، و"تفسير البغوي" (٥/ ٣٩٦)، و"الدر المنثور" (٦/ ٧٠) عن عبد بن حميد وابن أبي حاتم. ورواه عنه أيضًا ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٩٣). ورواه الطبري أيضًا (١٦/ ٦١٦) عن عكرمة، وابن أبي حاتم عن مجاهد، وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير. انظر: "الدر المنثور" (٦/ ٧٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٤٧) ثم قال: ذكره عن أبي بن كعب، ثم روى بعده برقم (١٩٤٨) عن قتادةَ قال: (بَلَغني أنَّ أُبيَّ بنَ كعبٍ كان يقول: أربعُ آياتٍ نزلت في يومِ بدرٍ هذه إحداهنَّ: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: يومُ بدرٍ. . .).
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٣٧) عن عكرمة.
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
وقيل: الساعة هي النفخة الأولى، وهي بموت كلِّ الخلائق، وبه تزول الشكوك، والثاني هو يوم البعث والجزاء.
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: أي: إذا قامت القيامة فزالت غلبةُ المتغلِّبين ومعارضةُ المعاندين، وهو كقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقولهِ تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: يُنزل كلَّ واحد من هذين الفريقين منزلة: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: هذا هو (^١) حكم أحد الفريقين ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وهذا حكم الفريق الآخر (^٢).
* * *
(٥٨ - ٥٩) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ في الجنة ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: هو تخصيصُ قوم من الفريق الأول، وهو خير المعطين لأنه لا يعطي أحدٌ عطاءه في الكثرة والجلالة والدوام وزوالِ الشوائب.
_________________
(١) "هو" زيادة من (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "الفريقين الآخرين".
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
وقوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾: الجنة، وهذا وصف لها بكلِّ (^١) جميل؛ لأن ما وقع موقع الرضا فقد كمل.
وقرأ نافع: ﴿مَدْخَلًا﴾ بفتح الميم، وهو موضع الدخول، وقرأ الباقون بضمها (^٢)، وهو موضع الإدخال.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾: بأحوال المهاجرين ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العذاب عن المشركين.
* * *
(٦٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾: أي: ذلك الموعود للمهاجرين كما أعلمناكم به، ولهم مع ذلك أنِّي أنصرهم في الدنيا على مَن بغَى عليهم.
وقال مقاتل: التقَى جماعة من المشركين بجماعة من المؤمنين وقد بقي من المحرَّم يومان، فقال المشركون بعضُهم لبعض: إن أصحاب محمد لا يقاتلون في الشهر الحرام فتعالَوا نشدُّ (^٣) عليهم ونقتلهم، فلما اضطرَّهم المشركون قاتلوهم وغلبوهم، ثم حدَّثوا أنفسهم مهتمِّين بما صنعوا في الشهر الحرام، فنزلت الآية وعذَرهم اللَّه تعالى (^٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾: يعفو عنهم ويغفر لهم.
* * *
(٦١) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
_________________
(١) في (ر): "وصف لكل".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٩)، و"التيسير" (ص: ٩٥).
(٣) في (ف): "في الشهر المحرم فنشد" وفي (ر): "في الشهر الحرام فقالوا نشد".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ١٣٥).
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: أي: ذلك الذي أخبرتُكم أني فاعلُه هو بأني قادر على ما أشاء؛ أُدخل الليلَ في النهار وأُدخل النهار في الليل بنقصان أحدهما وزيادة في الآخر، وبأني أنا السميع للأصوات والبصير للمبصَرات لا يخفى عليَّ شيء، ولا يخفى عليَّ المطيع من العاصي، والمؤمنُ من الكافر، والمهاجر من القاعد، ومتبع الشيطان من المخالِف، فلكلِّ واحد جزاءٌ مني على وَفْق عمله لا أعجز عنه.
* * *
(٦٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: أي: ما ذكرتُه من آيات قدرتي بأني أنا اللَّه المستحِقُّ للإلهية، ومَن كان إلهًا حقًّا كان قادرًا على كلِّ شيء، مصرِّفًا كلَّ شيء على ما أراد.
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: قرأ نافع وابن عامر بتاء المخاطبة، والباقون بياء المغايبة (^١).
﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾: أي: الأصنامُ خاليةٌ عن هذه الصفات، فبطَل وصفُها بالإلهية.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾: أي: العالي على كلِّ شيء بالقهر والسلطان، دون توهُّم المكان.
﴿الْكَبِيرُ﴾: بالجلال والقدرة والكمال.
* * *
(٦٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٠)، و"التيسير" (ص: ١٥٨). وقراءة ابن كثير وأبي بكر مثل نافع وابن عامر.
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: أي: ألم تعلم -استفهام بمعنى التقرير- أن اللَّه أنزل من السماء ماء وهو المطر.
﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾: أي: فتصيرُ بالنبات خضراءَ، فمَن قدر على هذا قدر على إنشاء الأجسام وعلى إحياء الموتى (^١) وعلى كلِّ شيء.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾: عالم ببواطن الأشياء ﴿خَبِيرٌ﴾ بظواهرها.
وقيل: ﴿لَطِيفٌ﴾: بارٌّ بخلقه ﴿خَبِيرٌ﴾ عالمٌ بمصالحهم.
* * *
(٦٤) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: ملكًا وخلقًا ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾: المستغني عن ذلك كلِّه ﴿الْحَمِيدُ﴾: المحمودُ على جميع الأفعال، المنزَّهُ عن صفات الذم.
وقيل: أي: المستحِقُّ للحمد وإنْ ضلَّ عن حمده الضالُّون.
* * *
(٦٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا بيانُ مِنَّتهِ بتسخير ما في الأرض من الحيوان وغيرِه لنا مما بنا حاجةٌ إليه في معاشنا (^٢)، فلا أصلب من الحجارة والحديد، وقد ذلَّلهما لنا نتخِذُ منهما ما نريد.
_________________
(١) في (أ): "الأموات".
(٢) في (أ): "إليه من معايشنا".
[ ١٠ / ٥٣٠ ]
﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي﴾: أي: وأنَّ الفلك، أو يكونُ عطفًا على قوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: سخَّرها لكم تجري (^١).
وقوله: ﴿فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾: أي: بتسخيره وتصييره إياها كذلك علَّمكم صنعتها لتقطعوا بها المسافات البعيدةَ في المدة القريبة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾: أي: يمنعها عن الوقوع ﴿عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بإرادته وتَخْلِيَته، فتقعُ إذا لم يمسكها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: فلِرَأْفته ورحمته هيَّأ لهم هذا كلَّه.
* * *
(٦٦) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾: وكنتُم مُضَغًا وعَلَقًا وعظامًا، ولولا إحياؤه لكنتُم جمادًا، فعل بكم ذلك وسخر لكم هذا كلَّه ليمتحنكم بالشكر.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: لآجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للحساب والجزاء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾: للنعم في الغالب ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
* * *
(٦٧) - ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: عيدًا (^٢).
_________________
(١) "تجري" ليست في (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٦٢٦).
[ ١٠ / ٥٣١ ]
وقال مجاهد وقتادة: أي: متعبَّدًا في إراقة الدم بمنًى وغيره (^١).
وقيل: هو جمع العبادات، وأصل النُّسُك: العبادةُ، والناسك: العابد، والمتنسِّك: المتعبِّد. ويطلق (^٢) على الحج لأنه منها، وعلى القربان كذلك لذلك.
قيل: لمَّا نبَّه اللَّه تعالى على قدرته وعلمه، وعلى أنه الإله الحقُّ، ووعد قبل ذلك مَن جاهد في دينه النصرَ (^٣) بعد أن أذن لهم في القتال وأمرهم بالهجرة = أمر رسولَه -ﷺ- بالجدِّ (^٤) في الدعاء إلى الدين، وعرَّفه وجه معاملتهم والاحتجاجِ عليهم، فقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾؛ أي: شَرَعْنا لكلِّ أمة خلت (^٥) ضربًا من العبادة هم متنسِّكون به مأخوذون (^٦) عليه، وهو كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾: أي: فليس لأحد من بقايا تلك الأمم منازعتُك (^٧) ﴿فِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: فيما تَأمر به أمتَك من الشرائع؛ إذ قد كانت لهم شرائع يخالفُ بعضها بعضًا، فكذا هذه الشريعة، فإنْ خالفْتَ تلك الشرائع فليس لهم منازعتُك فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾: أي: إلى دينِ ربك ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: دلالةٍ على سبيلِ رشدٍ.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٦٢٦ - ٦٢٧). ورواه عن قتادة أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٤٩).
(٢) في (ف): "وهو مطلق".
(٣) في (أ): "بالنصر"، وفي (ف): "له النصر".
(٤) في (ر) و(ف): "يأخذ".
(٥) في (ر): "لكل منهم".
(٦) في (أ): "ماضون"، وفي (ف): "ما موصول".
(٧) في (أ): "فليس أحد. . . ينازعك".
[ ١٠ / ٥٣٢ ]
(٦٨ - ٦٩) - ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾: ليُدْحِضوا بباطلهم حقَّك فلا تمارِهم.
﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: من الكفر، والجدال بالباطل، والتعنُّتِ بعد ظهور الحجة.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: فيجزي المحِقَّ على حقِّه والمبطِلَ على باطله.
وقيل: ولكلِّ أمةٍ جعلنا موضعَ قربانٍ يتقرَّبون بذلك إلى اللَّه تعالى، فأهلُ المِلَل معترفون (^١) بذلك، فليس لهم منازعتُك فيما أتيتهم به من الذبائح لاتِّفاقهم على شرعة الماضين (^٢)، فلا معنى لمنازعتهم إياك في ذبائح مكة، ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: إلى طاعته فيما أَمر به من الحج والنحر، فهذا الجدال على هذا كان من أهل الكتاب المنكِرين فضلَ مكة وكونَ الكعبةِ قبلةً.
وقيل: هو جدال المشركين المذكورُ في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وهو قولهم: تأكلون مما أمتُّم ولا تأكلون مما أماته اللَّه تعالى.
وقال الزجاج: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: فلا تنازعنَّهم، وهو مستقيمٌ في كلِّ فعلٍ يكون بين اثنين ونهي أحدهما نهي الآخر، تقول: لا يخاصِمَنَّك فلان؛ أي: لا تخاصمنَّه (^٣)، وإنما نهى عنه لأنهم ما كانوا يجادلونه لطلبِ الحق بل للتعنُّت.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ر): "متقربون".
(٢) في (ر) و(ف): "على شرعها".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٤٣٧).
[ ١٠ / ٥٣٣ ]
(٧٠) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: فلا يخفَى على اللَّه شيء من حالِ المجادِلين وتجرُّئهم (^١) على ذلك يوم الدين.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾: أي: كلُّ ما في السماء والأرض فهو مكتوب في أمِّ الكتاب عنده قبل خَلْقهما.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي: إثباتُه في الكتاب سهلٌ عليه لا يَلحقُه فيه مؤنةٌ كما يَلحق كَتَبةَ الخلق.
وقيل: أي: الحكمُ بينهم يوم القيامة يسيرٌ لا يَلحقه ما يَلحق قضاةَ الخلق من الحاجة إلى استنباطِ وجه الحكم ونحوِ ذلك.
وقيل: نزلت الآية في بُدَيلِ بن وَرْقاءَ الخزاعيِّ وبشرِ بن سفيان ويزيد بن خُنيسٍ من بني الحارث بن عبد مناف بن تميم، قالوا لأصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: ما لكم تأكلون ما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون ما يقتله اللَّه تعالى؟! فنزل: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ (^٢).
وقال القشيري ﵀: جعل لكلِّ فريق شرعةً هم واردوها، ولكلِّ جماعةٍ طريقةً هم سالكوها، ومقامًا هم سكَّانه، ومحلًّا هم قُطَّانه، ربط كلًّا بما هو أهلٌ (^٣)
_________________
(١) في (ف): "وتحزبهم".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٣)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ١٨١). وروى الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٢٣) عن عكرمة: أن ناسًا من المشركين دخلوا على رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: "اللَّه قتلها"، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله اللَّه حرام؟ فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
(٣) في (أ) و(ف): "بما أهّله"، وفي (ر): "بما هو أهله"، والمثبت من "اللطائف".
[ ١٠ / ٥٣٤ ]
له، وأوصَل كلًّا إلى ما جعله محلَّه، فبساطُ التَّعبُّد موطوءٌ بأقدام العابدين، ومَشاهد الاجتهاد معمورةٌ بأصحاب الكُلَف من المجتهدِين، ومجالسُ أصحاب المعارف مأنوسةٌ بلزوم العارفين، ومنازل المحبِّين مأهولةٌ (^١) بحضور الواجدين (^٢).
* * *
(٧١) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: أي: حجةً؛ لأنَّهم يعبدون ما لا يَضرُّ ولا ينفع، ولا يبصرُ ولا يسمع، وهذا ما لا حجةَ لأحد في عبادته، ولو كانت في ذلك حجةٌ لأنزلها اللَّه تعالى في كتابه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي: يعبدون ذلك مقلِّدين آباءهم من غيرِ علم بذلك.
قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾: وهذا وعيد لهم؛ أي: وإذا نزل بهم عذابُ اللَّه في الدنيا والآخرة لم يكن لهم منه مانعٌ.
* * *
(٧٢) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: أي: وإذا قرئ على هؤلاء الذين يعبدون الأوثان كتابُنا الذي جعلنا آياته أعلامًا للناس إلى ما بهم إليه حاجةٌ، ووجدوها
_________________
(١) في هامش (أ): "أو معمورة"، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٥٩).
[ ١٠ / ٥٣٥ ]
واضحاتٍ لا لَبْس فيها ولا موضعَ اعتراضٍ، وعجزوا عن معارضته ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾؛ أي: التغيُّرَ لسماعه والكراهةَ والاغتياظَ لتاليه.
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾: أي: يبطشون بهم ويَثِبُون عليهم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾: أي: بأكرهَ من سماع القرآن عندكم.
وقيل: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾؛ أي: بأشرَّ (^١) وأغلظ.
﴿النَّارُ﴾: أي: ذلك هو النار ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأنتم منهم ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: وبئس المرجعُ النارُ.
* * *
(٧٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾: يَنتظِم بقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ يقول: يأيها الناس جُعل لي مَثَلٌ؛ أي: مِثْلٌ، وهو كالشَّبَه والشِّبْه (^٢)؛ أي: جَعَل الكفار لي الصنمَ مِثْلًا (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أشر".
(٢) في (ر) و(ف): "أي تمثل وهو كالشبه والتشبيه".
(٣) في (ر) و(ف): "شبيها". وهذا الوجه من التفسير قال نحوه أيضًا الأخفش في "معاني القرآن" (٢/ ٤٥٢)، ونقله الطيبي في حاشيته على "الكشاف" المسماة "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" (١٠/ ٥٣٠) عن المؤلف في "تفسيره" هذا، ثم تعقبه بقوله: في جعل (ضُرِبَ) بمعنى: جُعِل هذا له، عدولٌ عن الظاهر، وخرمٌ للنظم الفائق؛ فإن قولَه تعالى: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ مُجملٌ بُيِّنَ بقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقولَه: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ تقريرٌ لما يُراد من الإبهام والتبيين، من توخِّي التفطن لما يُتلى بعد المجمل، وتطلُّب إلقاء الذهن، ويؤيده تصديرُ الآية بقوله: =
[ ١٠ / ٥٣٦ ]
﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾: أي: استمعوا له (^١) حالَ ما شبَّهوه بي؛ لتَقِفوا على جهلهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أيها المشركون؛ أي: تَدَّعونهم آلهة، وقيل: أي: تعبدونها.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾: أي: لن يقدروا على خلقِ ذبابٍ مع صغره وذلِّه (^٢) ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ مع كثرتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾: أي: ولو استَلَب الذباب من هذه الأصنام شيئًا ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾؛ أي: لا يقدروا على أن يخلِّصوه منه، وجَزْمُه بكونه جزاءَ الشرط، والجمع بالواو والهاء والميم وهي لا تعقل لِمَا أنهم أنزلوها في هذه منزلةَ العقلاء؛ كما قلنا (^٣) في قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
وقوله تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾: ضعفَ الصنمُ الذي سلبه الذباب شيئًا فصار طالبًا عند الذباب ما أخذه منه، والمطلوب الذبابُ ثبت عليه ما سلب، وتوجَّه إليه (^٤) الطلب.
وقيل: معناه على هذا: ضَعُفَ كلُّ واحد منهما، فلا فرقَ بين مَن عبد هذا أو ذاك، بل الذباب أقرب إلى القوة والعزة (^٥) من الصنم الذي لا يَدفع سلبَ الذباب عنه.
_________________
(١) = ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وتذييل المثل بقوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وتعليله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾. وحكاه الآلوسي في "روح المعاني" (١٧/ ٤١٠) عن الأخفش، ثم استبعده بقوله: والحق الذي لا ينكره إلا مكابر: أن تفسير الآية بما حكي فيه عدول عن الظاهر.
(٢) "أي: استمعوا له" ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "وقلته".
(٤) "قلنا" زيادة من (أ).
(٥) في (ر) و(ف): "عليه".
(٦) في (ر) و(ف): "والعدة".
[ ١٠ / ٥٣٧ ]
وعن ابن عباس ﵄: أن المشركين كانوا يلطخون أصنامهم بالعسل في كلِّ سنة مرةً، ويغلقون أبواب البيوت، فيدخل الذباب من (^١) الكُوى فيأكل ذلك العسل، فإذا رأوا ذلك قالوا: أكلت آلهتُنا العسل (^٢).
فعلى هذا: الطالبُ الذباب والمطلوبُ الصنم (^٣).
قال ابن كيسان وابن زيد: كانوا يُحَلُّون الأصنام بالجواهر واليواقيت، فربما سقط منها واحد فيأخذها طائر أو ذباب، فلا تقدر الآلهةُ على استردادها، فالطالب في هذا القول الطائر والذباب والمطلوب الصنم (^٤).
وقيل: هذا منقطِعٌ عن الأول وهو الذباب، ومعناه: ضعُف الطالب من بني آدم حاجةً إلى الصنم والراجي منه نفعًا أو شفاعةً؛ إذ صار يؤمِّل جمادًا لا يدفع ولا ينفع، وضعف الصنم المطلوب منه الحاجةُ، وهو معنى قول الضحاك: ضعف العابد والمعبود (^٥)، كانوا يطلبون في عبادتهم الثواب ما وصلوا إليه (^٦).
* * *
(٧٤) - ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: أي: ما عظَّموه حقَّ عظمته، وقيل: ما وصفوه حقَّ صِفَته.
_________________
(١) في (أ): "في".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٤).
(٣) رواه عن ابن عباس الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٦٣٦) مختصرًا بنحو هذا، ولفظه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ قال: آلهتهم ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذباب.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٤).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٤)، والواحدي في "البسيط" (١٥/ ٥٠١)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٤٠٠).
(٦) قوله: "ما وصلوا إليه" ليس في (أ).
[ ١٠ / ٥٣٨ ]
قال الفرَّاء: هو كما تقول في الكلام: ما عرفتُ لفلانٍ قَدْرهُ (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾: على خَلْق ما يشاء من صغيرٍ وكبيرٍ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: منيع (^٢) لا يقدر أحدٌ أن يسلب من ملكه شيئًا.
وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾؛ أي: بيِّن مثل لعبادة الكفار الأصنامَ، ثم لم يبيِّنه في هذه السورة، وبيِّن في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١].
وقيل: ما ذكر هاهنا مَثَلٌ أيضًا تقديره: يا أيها الناس مَثَلُكم مَثَلُ مَن عبَد آلهةً اجتمعت لأنْ تخلقَ ذبابًا فلم تقدر عليه، وإنْ سلَبها الذباب شيئًا لم تستنقذه منه (^٣).
* * *
(٧٥) - ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾: أي: يختار منهم رسلًا يُوحي على ألسنتهم كجبريل وميكائيل ونحوهما.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أيضًا رسلًا، منهم محمد -ﷺ- لتبليغ ما في هذه السورة وسائر رسالاته.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: عالمٌ بكلِّ شيء، فهو يعلم مواضع الاختيار والاصطفاء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
* * *
(٧٦) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٣٠).
(٢) في (ف): "ممتنع".
(٣) في (أ): "فسلبها الذباب شيئًا فلم يستنقذوه منه"، بدل: "وإن سلبها الذباب شيئًا لم تستنقذه منه".
[ ١٠ / ٥٣٩ ]
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: قبل خلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: بعد أنْ خلَقهم.
وقال الكلبي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا.
وقيل على عكسه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: أي: إلى علمه وتدبيره.
وقيل: إلى اللَّه ترجع الأمور في الآخرة فيَجزي كلًّا بما عمِله، وهو تحريضٌ (^١) على طاعة الرسل وقبولِ ما يؤدُّون.
* * *
(٧٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾: أي: صلُّوا ودُوموا عليها، وخصَّ الركوع والسجود بالذكر من بين أفعالها لأنهما هما المقصودان والأصلان في التذلُّل والخشوع الذي لذلك شُرِعت.
قوله تعالى ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾: يقول: اقصدوا بالخدمة وأفرِدوا (^٢) بالعبادة ربَّكم، لا كما يفعلُه هؤلاء المشركون من عبادة الأصنام الذين جُعِلوا للَّه شبيهًا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾: أي: ما هو محمودٌ في عقولكم: من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونحوها.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: على رجاء الفلاح، والتعليقُ بالرجاء لاحتمالِ الخلل الذي يقع فيها.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "تحريك".
(٢) في (أ): "وأفردوا"، وفي (ف): "وأوردوا".
(٣) في (أ) و(ف): "شبهًا".
[ ١٠ / ٥٤٠ ]
(٧٨) - ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.
وقوله تعالى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾:
قيل: أي: استفرِغوا جهدكم في إحياء دين اللَّه تعالى.
وقيل: جاهدوا أنفسَكم وردُّوها عن الهوى واتِّباعِ الشهوة.
وقيل: وجاهدوا الشيطان في رد وساوسه.
وقيل: وجاهدوا الكفار.
وإطلاقه يصلح لتناول الكلِّ ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (^١) وهو بلوغ أقصاه.
وقيل: هذا في الائتمار بأوامره، وقولُه تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، في الانتهاء بنواهيه.
قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: أي: اختاركم (^٢) للذب عن دينه والجهادِ مع أعدائه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: أي (^٣): ضِيق، وإن كان أمَر بالجهاد فلا تضييق فيه، ولذلك أزال الحرج في الجهاد عن الأعمى والأعرج، وعادمِ النفقة والراحلةِ، والذي لا يأذن له أبواه (^٤)، ثم هكذا كلُّ أمور الدين.
_________________
(١) "حق جهاده" زيادة من (أ).
(٢) بعدها في (أ): "قيل أي".
(٣) في (أ): "من".
(٤) في (أ): "أبوه".
[ ١٠ / ٥٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: نصب على الإغراء؛ أي: الْزَموا ملة أبيكم إبراهيم.
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أي: اللَّهُ شرَّفكم بهذا الاسم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبل أن يبعث محمدًا -ﷺ-؛ لأنه كان سمَّى مَن اتَّبع ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا ﴿وَفِي هَذَا﴾؛ أي: القرآن.
وقيل: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ.
وقيل: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: إبراهيمُ، لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
وقيل: أي: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ خطابٌ للعرب؛ لأنه أبوهم في النسب.
وقال الحسن: هو خطابٌ لكل الأمة، وهو أبوهم ملةً، وحرمتُه عليهم كحرمة الأب، وكذلك في (^١) الشفقة، وهما (^٢) كما قال اللَّه تعالى في حق نبيِّنا محمد -ﷺ-: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾: أي: في القيامة بأنكم قبِلتُم ما أتى به، وظهرت بذلك عدالتكم، وصرتُم (^٤) شهداءَ ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ للأنبياء على أممهم (^٥) بتبليغهم إليهم الرسالة.
_________________
(١) "في" ليس من (أ) و(ف).
(٢) "وهما" ليس من (ف).
(٣) ذكره بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٦).
(٤) في (أ) و(ف): "وتكونوا".
(٥) في (أ): "الأمم".
[ ١٠ / ٥٤٢ ]
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: دُوموا على ذلك، والصلاة تذلُّل للَّه تعالى، والزكاة مواساةٌ لضعفاء (^١) عباد اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾: أي: تقوَّوا (^٢) بالتوكُّل على اللَّه.
وقيل: تعلَّقوا بدين اللَّه.
وقيل: امتَنِعوا عن أعدائكم باللَّه.
﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾: أي: متولِّي أموركم ومصالحِ دينكم ودنياكم، وقيل: وليُّكُم، وقيل: ناصركم.
قوله تعالى ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾: لأن مَن تولَّاه لم يَضِعْ بحال (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: فإن مَن نصَره لم يُخذل بحال.
وقال القشيري ﵀: المجاهدة على أقسام:
مجاهدةٌ بالنفس: وهي أن لا يدخر ميسورًا إلا بذله في طاعته.
ومجاهدةٌ بالقلب: وهي صونه عن الخواطر الرديَّة؛ مثلِ الغفلة عنه والعزمِ على مخالفته.
ومجاهدةٌ بالمال: وهي بذلُ المال والجودُ والإيثارُ في حق خليقته.
وقال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ ومن حق اجتبائه إياكم أن تعظِّموا أمر (^٤) مولاكم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لضعفى".
(٢) في (ر): "ثقوا"، وفي (ف): "قفوا".
(٣) في (ف): "له حال".
(٤) في (ر) و(ف): "أمور".
[ ١٠ / ٥٤٣ ]
وقال: عَلِم قبلَ خلقك ما يكون منك، ولم يمنعه ذلك من اجتبائك (^١)، فلا يمنعه ما يكون منك من العصيان عن مغفرتك (^٢).
وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾: بالتبرِّي من الحول والقوة، والافتقارِ والاستعانة.
وقال: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ إخبار عن عظمته ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ إخبار عن رحمته.
قال: وقال تعالى لسليمان وأيوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] (^٣) وقال لنا: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ وهذا أرجى لنا وأطيبُ لقلوبنا (^٤).
والحمد للَّه رب العالمين
والصلاة على محمد خاتم المرسلين، واختم لي يا مولاي بالإيمان مع المؤمنين (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ف): "عن إحسانك". وفي "اللطائف": (من أن يجتبيك).
(٢) في (ف): "مغفرته".
(٣) قال في أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، وقال في سليمان: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠].
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٦٤ - ٥٦٦).
(٥) في (أ): "اللهم إني أعوذ بك من شر كل شر، وارزقني خلق كل ذي خير، ونجنا من القوم الظالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين". وفي (ف): "والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وآله وصحبه أجمعين، واختم لي بالإيمان مع المؤمنين". بدل: "والصلاة على محمد خاتم المرسلين، واختم لي يا مولاي بالإيمان مع المؤمنين".
[ ١٠ / ٥٤٤ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
ماهر أديب حبوش
المجلد الحادي عشر
دار اللباب
[ ١١ / ١ ]
سورة المؤمنون
[ ١١ / ٥ ]