بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي أمرَنا بمُتابعة السُّنَّة والقرآن، الرَّحمنِ الذي كرَّهَ إلينا الكفرَ والفُسوقَ والعِصْيان، الرَّحيمِ الذي مَنَّ علينا أنْ هدانا للإيمان.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورةَ الحُجُراتِ أُعْطِيَ عشرَ حسناتٍ بعدَدِ مَن أطاعَ اللَّهَ وعصاه" (^١).
وهذه السُّورةُ مَدَنِيَّةٌ، وهي ثماني عشرةَ آيةً، وثلاثُ مئةٍ وسبعٌ وأربعون كلمةً، وألفٌ وأربعُ مئةٍ وثلاثةٌ وستون حرفًا.
وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورةِ بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ خَتْمَ تلك السُّورةِ في ذِكْرِ النبي -ﷺ- ومُوافِقيه ومُخالِفيه، وافتتاحَ هذه بذلك أيضًا.
وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك السُّورةَ في أصول الدِّين مِن الإيمان والإيقان والبيعة والجهاد في سبيل اللَّه ﵎، ومُؤازرةِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، وهذه في فروع الدِّين، ومَكارم الأخلاق، وجَلائل الآداب، والمُجاملة في المُعاملة.
* * *
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٩)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (١٢١٦)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٤٩)، وهو قطعة من الحديث الطويل الموضوع المروي عن أبي بن كعب ﵁. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١٠٠٦).
[ ١٣ / ٤٨٧ ]
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: قرأ الضَّحَّاكُ ويعقوبُ الحَضْرَمِيُّ -رحِمَهما اللَّهُ- بفتح التاء والقاف والدال مِن التَّقَدُّم، وقرأ العامَّةُ بضم التاء وفتح القاف وكسر الدال مِن التَّقْدِيم (^١).
قال الفراء ﵀: هما واحدٌ؛ كقولك: علَّقْتُ الشَّيءَ وتَعَلَّقْتُه (^٢).
وعلى ظاهر اللُّغة معنى قراءةِ العامَّة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ قولًا ولا فعلًا على قولِ رسول اللَّه -ﷺ- وفعلِه فيما سبيلُه أنْ يُؤخَذَ عنه مِن أَمْرِ الدِّين، بل انتظروا حُكْمَ رسولِ اللَّه -ﷺ- فيه، فإنَّ حُكْمَه حُكْمُ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه (^٣) لا يَقْضي إلا بأمر اللَّه تعالى، وهو معنى ذِكْرِ اللَّهِ قَبْلَ ذِكْرِ رسولِه ﵊، وهو قولُه: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ إذ التَّقَدُّمُ على رسوله تَقَدُّم عليه تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وهذا التأويل يأتي على أكثر أقاويل المفسِّرين فيه.
ومعنى قراءةِ الضَّحَّاكِ ويعقوبَ: لا تقولوا قَبْلَه ولا تفعلوا قَبْلَه شيئًا، بل كونوا تابِعين له قولًا وفعلًا.
و﴿بَيْنَ يَدَيِ﴾: مجازٌ واستعارةٌ عن مُطْلَقِ التَّقَدُّمِ؛ كما في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.
وقيل: التَّقَدُّمُ بين يَدَيِ اللَّه مُخالفَةُ كتابِه، والتَّقَدُّمُ على رسوله مُخالَفَةُ سُنَّتِه.
_________________
(١) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٢٧٨)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ٦٩). وقراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٣٧٥).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٦٩)، ولفظه: ولو قرأ قارئ: (لا تَقَدَّموا) لكان صوابًا، يقال: قدَّمت في كذا وكذا وتقدَّمت.
(٣) "لأنه" ليس من (أ) و(ف).
[ ١٣ / ٤٨٨ ]
وقال الحسن البصري: إنَّ قومًا ذبَحوا قبل أنْ يُصَلِّيَ النبيُّ -ﷺ- يومَ النَّحْرِ صلاةَ العيدِ، فأمرَهم النبيُّ -ﷺ- أنْ يذبَحوا ذَبْحًا آخرَ، ونزلت الآيةُ (^١).
وقال مسروقٌ: كنا عند عائشةَ ﵂ يومَ الشَّكِّ، فأُتِيَ بلَبَنٍ، فقلتُ: إني صائمٌ، فقالت عائشة ﵂: نهى عن هذا، وتلَتْ هذه الآيةَ، وقالت: هذه في الصوم وغيرِه (^٢).
وقال الحسن: أي: لا تعمَلوا بخِلاف الكتاب والسُّنَّة (^٣).
وقال مقاتل: نزلت في ثلاثة نفَرٍ، وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- بعَثَ سَرِيَّةً وأمَّرَ عليهم المنذرَ بن عمرو، فخرج بنو عامر بن صَعْصَعَةَ عند بئر مَعُونةَ، فرَصَدُوهم على الطريق وقتلوهم، فرجعَ ثلاثةٌ منهم (^٤)، فلما دنوا إلى المدينة خرَجَ رجلان مِن بني سُلَيمٍ صالَحا رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، وقد كان أعطاهما وكساهما، فقالا: نحن مِن بني عامر؛ لأنَّ بني عامرٍ كانوا أقربَ إلى المدينة، فقتلوهما وأخذوا ثيابَهما، وجاؤوا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فنزلت هذه الآيةُ (^٥).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٢٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٣٦). وذكره عنه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٣٢٢)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٠).
(٢) رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣٣٩)، والطبراني في "الأوسط" (٢٧١٣)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (٢/ ٥٩٧). وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٣٢٢)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٠).
(٣) ذكره عن الحسن السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٢). ورواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٧١٥)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٣٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٣٩٨) عن ابن عباس ﵄.
(٤) في (أ): "ثلاثة نفر".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٤٥٩)، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٢). =
[ ١٣ / ٤٨٩ ]
وعن عبد اللَّه بن الزُّبَير قال: قَدِمَ وَفْدَ تميمٍ سبعون رجلًا أو ثمانون رجلًا، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁ لرسول اللَّه -ﷺ-: أَمِّرْ عليهم القَعْقَاعَ بن حكيم، وقال عمر: لا، بل أَمِّرْ عليهم الأَقْرَعَ بن حابِسٍ، فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خِلافي، فقال عمر: ما أردتُ خلافَكَ، فترادَّا وارتفعَتْ أصواتُهما، فنزلت هذه الآيةُ (^١).
ورُويَ أنهما كانا لا يُكَلِّمان بعد ذلك رسولَ اللَّه -ﷺ- إلا كأَخِي سِرارٍ (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: في التَّقَدُّم بين يَدَيِ اللَّه ورسوله.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: لِما تقولونه ﴿عَلِيمٌ﴾: بما تفعلونه.
* * *
(٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: أي: في مُخاطباتِه.
﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أي: عليه؛ كقولك: سقَطَ لِفِيه؛ أي: على فِيه.
﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾: أي: لا تستعملوا في خِطاب النبيِّ -ﷺ- التَّصريحَ بالاسم كما يُصَرِّحُ بعضُكم لبعض، فيقول: يا محمَّدُ، يا أبا القاسِمِ، بل خاطِبوه بالنُّبُوَّةِ والرِّسالة: يا نبيَّ اللَّهِ، يا رسولَ اللَّهِ، فإِنَّ الأوَّلَ تَرْكٌ للحُرْمَةِ، وتَسْوِيَةٌ بينه وبين الأُمَّةِ.
_________________
(١) = ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٤٣٠) عن مقاتل بن حيان.
(٢) رواه البخاري (٤٣٦٧)، والنسائي (٥٩٠٣)، والنحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ١٣٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٣٤).
(٣) رواه البخاري (٧٣٠٢)، والإمام أحمد (١٦١٣٣)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٧٢٩). قال ابن حجر في "فتح الباري" (١٣/ ٢٧٩)؛ والسِّرار: الكلام السر، ومنه: المساررة، وأما قوله: "كأخي سرار"، فقال ابن الأثير: كصاحب السرار.
[ ١٣ / ٤٩٠ ]
﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾: أي: لئلا يَبْطُلَ ثوابُ أعمالِكم التي هي طاعاتٌ وقُرُباتٌ بالاستخفاف بحقِّ رسولِ اللَّه -ﷺ-، وهو كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ﴾ [النساء: ١٧٦]: أي: لئلَّا تَضِلُّوا.
قال جابر بن عبد اللَّه: جاءت بنو تميمٍ وهم سبعون أو ثمانون، وفيهم الأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، والزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ، وعُطاردُ بنُ حاجبٍ، فنادَوا على الباب: يا محمَّدُ، اخرُجْ علينا، فإنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، وإنَّ ذمَّنا شَيْنٌ، قال: فسَمِعَها رسولُ اللَّه -ﷺ-، فخرَجَ عليهم وهو يقول: "إنما ذلكم اللَّهُ الذي مَدْحُه زَيْنٌ وذَمُّه شَيْنٌ"، قالوا: نحن ناسٌ مِن بني تميمٍ جئنا بشاعرِنا وخطيبِنا لِنُشاعِرَكَ ونُفاخِرَكَ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما بالشِّعْرِ بُعِثْتُ، ولا بالفَخارِ أُمِرْتُ، ولكنْ هاتوا"، فقال الزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ لشابٍّ مِن شبَّانهم: قُمْ واذكُرْ فَضْلَكَ وفَضْلَ قومِكَ، فقام فقال: الحمدُ للَّه الذي جعلَنا خيرَ خَلْقِه، وآتانا أموالًا نفعلُ بها ما نشاءُ، فنحن مِن خير أهل الأرض، مِن أكثرِهم عُدَّةً ومالًا وسلاحًا، فمَن أنكرَ علينا قولَنا، فليأتِ بقولٍ أحسنَ مِن قولنا، وبفِعالٍ هو خيرٌ مِن فِعالِنا.
قال: فقال رسول اللَّه -ﷺ- لثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وكان خطيبَ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "قُمْ فأجِبْهُ"، فقام، فقال: الحمدُ للَّه أحمَدُه، وأستعينُه وأومِنُ به وأتوكَّلُ عليه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، دعا المهاجرين مِن بني عمِّه أحسنَ الناسِ وُجوهًا، وأعظمَهم أحلامًا (^١)، فأجابوه، الحمدُ للَّه الذي جعلَنا أنصارَ دينِه ووُزَراءَ رسولِه وعِزًّا لدِينه، فنحن نُقاتِلُ الناسَ حتى يشهدوا أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، فمَن قالَها مُنِعَ مِنَّا مالُه ونفْسُه، ومَن أباها قاتَلْناه، وكان زعمُه في اللَّه هَيِّنًا، أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللَّهَ للمؤمنين والمؤمنات.
_________________
(١) في (ف): "أخلاقًا".
[ ١٣ / ٤٩١ ]
فقال الزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ لشابٍّ مِن شُبَّانِهم: قُمْ يا فلانٌ، فقل أبياتًا تذكُرُ فيها فَضْلَكَ وفَضْلَ قومِك، فقام الشابُّ فقال:
نحن الكرامُ فلاحَيٌّ يُعادِلُنا فينا الرُّؤوسُ وفينا يُقْسَمُ الرُّبُعُ (^١)
ونُطْعِمُ الناسَ عند القَحْطِ كلَّهُمُ مِن السَّديفِ إذا لم يُؤْنَسِ القَزَعُ (^٢)
إنَّا أَبَيْنا ولا يأبى (^٣) لنا أحدٌ إنا كذلك عند الفَخْرِ نَرْتَفِعُ
فأرسلَ رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى حسان بن ثابتٍ، فانطلَقَ إليه الرسولُ، فقال: وما يريدُ مني وكنتُ عنده آنفًا؟ قال: جاءت بنو تميمٍ بشاعرهم وخطيبهم، وأمرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- ثابتًا فأجابه، وتكلَّمَ شاعرُهم، فأرسلَ إليكَ لِتُجِيبَه، وذكَرَ له قولَ شاعرِهم، قال: فجاء حسان، فأمرَه رسولُ اللَّه -ﷺ- أنْ يُجيبَه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، فليُسْمِعْني ما قال، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أَسْمِعْه ما قلتَ"، فأنشدَ ما قال، فقال حسان ﵁:
إنَّ الذَّوائِبَ (^٤) مِن فِهْرٍ وإخوتِهم قد شرَّعوا سُنَّةً للناس تُتَّبَعُ
يَرضى بها كلُّ مَن كانت سريرتُه تقوى الإلهِ وكلُّ الخيرِ يُصْطَنَعُ
ثم قال حسان:
_________________
(١) المِرْباع: شيء كانوا في الجاهلية يغزو بعضهم بعضًا، فإذا غنموا أخذ الرئيس ربع الغنيمة، فكان خالصا له دون أصحابه. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٢/ ٢٢٣).
(٢) السَّدِيف: شحم السنام، والقَزَع: السحاب، وقوله: (لم يؤنس القزع) كناية عن القحط وانحسار المطر عن الهطول؛ أي: إننا نُطعِمُ الشحم عند المَحْل والقحط. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٥٥).
(٣) في (أ) و(ر): "إنا أتينا ولا يأتي".
(٤) ذُؤابةُ الرأس أعلاه، وذؤابة العز والشرف أرفعُه، وهو في ذؤابهَ قومه؛ أي: في أعلاهم، والجمع: ذوائب. انظر: "المحكم" لابن سيده (١٠/ ١٠٢).
[ ١٣ / ٤٩٢ ]
نَصَرْنا رسولَ اللَّهِ والدِّينَ عَنْوَةً على رَغْمِ عاتٍ (^١) مِن مَعَدٍّ وحاضرِ
بِضَرْبِ كإِيزاغ المَخاضِ مُشاشُه (^٢) وطَعْنٍ كأفواه اللِّقَاحِ المَصادرِ (^٣)
وسَلْ أُحُدًا يوم استقلَّتْ جُموعُهم بِضَرْبٍ لنا مِثْلَ اللُّيوثِ الخَوادرِ (^٤)
ألَسْنا نخوضُ الموتَ في حَوْمَة الوَغا إذا طابَ وِرْدُ الموتِ بين العساكرِ
ونَضْرِبُ هامَ الدَّارِعين وننتمي إلى حسَبٍ مِن جِذْمِ غسَّانَ (^٥) قاهرِ
فلولا حياءُ اللَّهِ قلنا تَكَرُّمًا على الناس بالخَيْفَينِ (^٦): هل مِن مُنافرِ؟
فأحياؤُنا مِن خيرِ مَن وطِئَ الحَصا وأمواتُنا مِن خيرِ أهل المقابرِ (^٧)
قال: فقام الأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، فقال: إني واللَّهِ يا محمَّدُ لقد جئتُ لأمرٍ ما جاء له هؤلاء، وإني قد قلتُ شعرًا فاسْمَعْه، فقال: "هاتِ"، فقال:
_________________
(١) في النسخ الثلاث: "غاب"، والمثبت موافق لما في "ديوان حسان" (٢/ ٤٨٧) ولمصادر التخريج الآتية.
(٢) هو قذف الإبل بأبوالها، وذلك إذا كانت حوامل، شبه الضرب به. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٢/ ٢٧).
(٣) كذا في النسخ الثلاث، والذي في مصادر التخريج: "الصوادر".
(٤) يقال: خدر الأسد في عرينه؛ إذا لم يكد يخرج، فهو خادر مُخْدِر كثير الخدور. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٧/ ١١٩).
(٥) جذم القوم: أصلهم. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١١/ ١٤).
(٦) في (أ): "بالخيفى". وفي (ف): "بالجفى"، وفي (ر): "بالتحقيق"، وكلها تصحيف، والمثبت من الديوان والمصادر. والخَيْفُ: ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، ومنه سمي مسجد الخيف بمنى. انظر: "الصحاح" (٤/ ١٣٥٩).
(٧) انظر: "ديوان حسان" (٢/ ٤٨٧).
[ ١٣ / ٤٩٣ ]
أتيناكَ كيما يعرفَ الناسُ فَضْلَنا إذا خالَفُونا عند ذِكْرِ المَكارمِ
وأنَّا رؤوسُ الناس في كلِّ مَعْشَرٍ وأنْ ليسَ في أرض الحجازِ كَدَارمِ
وأنَّ لنا المِرْباعَ في كل غارةٍ تكون بنجدٍ أو بأرض التَّهائِمِ (^١)
فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "يا حسانُ، قُمْ فأَجِبْه"، فقام حسان فقال:
بني دارمٍ لا تَفْخَروا إنَّ فَخْرَكم يعودُ وبالًا عند ذِكْرِ المكارمِ
هَبِلْتُم علينا (^٢) تفخَرون وأنتمُ لنا خَوَلٌ مِن بين ظِئْرٍ وخادمِ (^٣)
فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لقد كنت غَنِيًّا يا أخا بني دارمٍ أنْ يُذْكَرَ منكَ ما قد ظننتَ أنَّ الناس قد نسُوه"، قال: فكان قولُ رسولِ اللَّه -ﷺ- أشدَّ عليهم مِن قول حسان، ثم رجَعَ حسان إلى شِعْرِه، فقال:
وأفضلُ ما نِلْتُم مِن المجد والعُلا رِدافَتُنا مِن بعد ذِكْرِ الأكارمِ
فإنْ كنتُمُ جئتُمْ لِحَقْنِ دمائِكم وأموالِكم أنْ تُقْسَموا في المقاسِمِ
_________________
(١) عزاها ابن هشام في "السيرة النبوية" (٢/ ٥٦٥ - ٥٦٦) للزبرقان، وفي روايته اختلاف يسير عما هنا. ودارم من بني تميم. والمرباع أخذ الربع من الغنيمة يريد أنهم رؤساء. انظر: "الإملاء المختصر في شرح غريب السير" (ص: ٤٣٤).
(٢) أصل الهبَل: الثَّكَل، يقال: هبِلته أمه، إذا ثكلته، ثم استعير لفقد العقل مما يصيب. انظر: "اللسان" (مادة: هبل).
(٣) ذكرها ابن هشام في "السيرة النبوية" (٢/ ٥٦٦). الوبال: الثقل. وقوله: (هبلتم)؛ أي: فقدتم، وأصل الهبَل: الثَّكل، يقال: هبِلته أمه؛ إذا ثكلته، ثم استعير لفقد العقل مما يصيب. والظئر التي ترضع ولد غيرها، وقد تأخذ على ذلك أجرًا، وأصله الناقة تعطف على ولد غيرها. انظر: "الإملاء المختصر في شرح غريب السير" (ص: ٤٣٥)، و"اللسان" (مادة: هبل).
[ ١٣ / ٤٩٤ ]
فلا تجعلوا للَّه نِدًّا وأَسْلِموا ولا تَفْخَروا عند النَّبِيِّ بدَارمِ
وإلَّا وربِّ البيتِ مالَتْ أَكُفُّنا على هامِكم بالمُرْهَفَاتِ الصَّوارمِ (^١)
قال: فقامَ الأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، فقال: إنَّ محمدًا لَمُؤْتًى له، واللَّهِ ما أدري ما هذا الأمرُ، تكلَّمَ خطيبُنا، فكان خطيبُهم أرفعَ (^٢) صوتًا وأحسنَ قولًا، وتكلَّمَ شاعرُنا، فكان شاعرُهم أَشْعَرَ وأحسَنَ قولًا، ثم دنا مِن النبي -ﷺ-، فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأشهدُ أنَّكَ رسولُ اللَّه، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يَضُرُّكَ ما كان قَبْلَ هذا"، ثم أعطاهم رسولُ اللَّه -ﷺ- وكساهم، وقد كان تخلَّفَ في رِكابهم عمرو بن الأَهْتَمِ -وهو الذي أخذَ شِقَّ شَعَرِ رسولِ اللَّه -ﷺ- حين حلَقَه في حِجَّة الوَداعِ، وغيرُه مِن الناس قسَموا الشِّقَّ الآخرَ، فأعطاه رسولُ اللَّهِ مثلَ ما أعطى القومَ (^٣) - وكان قيس بن عاصمٍ يُبْغِضُه لِحَداثةِ سِنِّه، فأزرى به قيسٌ، وقال فيه قيسٌ أبياتَ شعرٍ، وارتفعَتِ الأصواتُ، وكثُرَ اللَّغَطُ عند رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^٤): يعني: جزاءً وافرًا، وهو الجنة.
* * *
_________________
(١) جمع الصارم: وهو السيف القاطع. انظر: "الصحاح" (مادة: رهف وصرم).
(٢) في (ر): "أسمع".
(٣) ما بين معترضتين زيادة من (أ)، وهي ليست من ضمن سياق الحادثة.
(٤) روى القصة بطولها وتمامها الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٣)، والحنائي في "فوائده" (٢/ ١١٠٦)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ٤٠٨). وفي إسناده معلى بن عبد الرحمن الواسطي، قال عنه الدارقطني: ضعيف كذاب. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٢٨/ ٢٨٨).
[ ١٣ / ٤٩٥ ]
(٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: أي: يَخْفِضونه احترامًا له.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾: أي: اختبرَهم بما تعبَّدَهم به مِن هذه العبادة؛ لِيُظْهِرَ للعباد طاعتَهم له باتِّقائِهم رُكوبَ ما نهاهُمُ اللَّهُ عنه، فخلَصوا على الاختبار، وظهرَ منهم التقوى، وانتفَتْ عنهم الشُّكوكُ؛ كما يُمْتَحَنُ الذَّهبُ بالنار فيَخْلُصُ.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ يعني: ذهَبَ بالشَّهوات عن قلوبهم (^١).
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: وهذا ثَناءٌ عَجيبٌ وثوابٌ عظيمٌ، وقد كان منهم أبو بكرٍ وعمرُ ﵄ على ما روَّينا (^٢).
وقيل: نزلت (^٣) في ثابتِ بن قيسِ بن شَمَّاسٍ، وكان جَهِيرَ الصَّوتِ، ويرفَعُ صوتَه عند رسول اللَّه -ﷺ-، فلما نزلت هذه الآيةُ جلَسَ يبكي في بيته، ويقول: أخاف أنْ يكون قد حَبِطَ عملي، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه -ﷺ-، فدعاه وبشَّرَه بالجنَّة (^٤).
وقال الزُّهريُّ: إنَّ ثا بتَ بنَ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أتى رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ،
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الجوع" (١٤٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٦٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٣٣٧). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٣)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٦٩٩٢).
(٢) تقدمت قصتهما في أول السورة.
(٣) في (ف): "هي".
(٤) سيأتي تخريجه لاحقًا.
[ ١٣ / ٤٩٦ ]
هلَكْتُ، فقال: "بِمَ هلَكْتَ يا ثابتُ؟ "، قال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ نهانا أنْ نرفَعَ أصواتَنا فوق صَوْتِكَ، وأنا امرؤٌ جَهِيرَ الصوت، ونهانا اللَّهُ عن الخُيَلاء، وإني أُحِبُّ الجَمالَ حتى إني لَأُحِبُّه في شِسْعِ نَعْلِي (^١) وجِلازِ (^٢) سَوْطي، ونهانا أنْ يُحِبَّ المرءُ أنْ يُحْمَدَ بما لم يفعل، وأنا واللَّهِ أَجِدُني أُحِبُّ الحَمْدَ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "يا ثابتُ، إنَّ اللَّهَ جميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، وليس ذلك بالكِبْرِ، إنما الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحقَّ، وتَغْمِضَ الناسَ في عينيكَ، أفلا ترضى أنْ تعيشَ حَميدًا، وتذهَبَ فقيرًا، وتُقْتَلَ شهيدًا؟ "، فقال: بلى، قد رَضِيتُ يا رسولَ اللَّه، فعاشَ حَميدًا، وذهَبَ فقيرًا، وقُتِلَ شهيدًا يومَ مُسَيْلَمَةَ الكَذَّابِ لعنَه اللَّه" (^٣).
قال أنس: فكُنَّا ننظرُ إلى رجلٍ مِن أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يومُ اليَمامة وانهزمَ المسلمون، قال ثابتٌ لسالمٍ مولى أبي حُذيفةَ: ما كنا نقاتلُ أعداءَ اللَّه مع رسول اللَّه مِثْلَ هذا، فثبَتا حتى قُتِلا، وعلى ثابتٍ يومئذ دِرْعٌ، فرآه رجل مِن الصحابة بعد موته في المنام إذ قال له ثابتُ: اعلَمْ أنَّ فلانًا مِن المسلمين نزَعَ دِرْعي فذهب
_________________
(١) الشِّسْع: أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام. انظر: "النهاية" (مادة: شسع).
(٢) الجِلاز: كل عقد عقدته حتى يستدير فقد جلزته، وهو جلز وجلاز. انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد (١/ ٤٧١).
(٣) رواه مختصرًا الإمام مالك في "الموطأ" (٩٤٦)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٢١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٤١)، وابن حبان في "صحيحه" (٧١٦٧)، والطبراني في "الكبير" (١٣١٠) وغيرهم، وليس فيه قوله: "إن اللَّه جميل يُحِبُّ الجَمالَ، وليس ذلك بالكِبْرِ، إنما الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحقَّ، وتَغْمِضَ الناسَ في عينيكَ". وروي دون هذه الزيادة أيضًا قطعة من حديث بنت ثابت بن قيس، وسيأتي قريبًا تخريج حديثها. وهذه الزيادة رواها عن ثابت الرويانيُّ في "مسنده" (١٠٠٣)، وورد نحوها في "صحيح مسلم" (٩١) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١٣ / ٤٩٧ ]
بها، وهي في ناحيةٍ مِن العسكر، وعنده فرس يَسْتَنُّ في طِوَلِه (^١)، وقد وضَعَ على دِرْعي بُرْمةً، فأتِ خالدَ بن الوليد فأخبره حتى يَسْتَرِدَّ دِرْعي، وائتِ خليفةَ رسول اللَّه -ﷺ- فقل له: إنَّ عَليَّ دَينًا حتى يَقضيَ دَيني، وفلانٌ مِن رقيقي حُرٌّ، وإياك أنْ تقول: هذا حُلُمٌ، فتُلْغِيَه، فأخبرَ الرجلُ خالدَ بن الوليد، فوجدَ دِرْعَه حيث قال، فاسترَدَّها، فلما رجَعوا أخبرَ خالدُ بن الوليد أبا بكر بذلك، فأجازَ وصيَّتَه (^٢).
قال مالك بن أنسٍ: لا أعلَمُ وصيَّةً أُجيزَتْ بعد موت صاحبِها إلا هذه الوصيةَ (^٣).
* * *
(٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: قرأ أبو جعفرٍ بفتح الجيم (^٤)، وهي جَمْعُ جَمْعٍ: (حُجْرَةٌ)، و(حُجَرٌ)، و(حُجَراتٌ)، وهي
_________________
(١) أي: يمرح بنشاط، والطِّوَل: الحبل الذي تشد به الدابهَ، ويمسك طرفه، ويرسل في المرعى. انظر: "فتح الباري" (٦/ ٥).
(٢) ذكره عن أنس ﵁: الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٣٦)، وبنحوه ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١/ ٢٠٠ - ٢٠١). ورواه أبو يعلى كما في "المطالب العالية" (٤٠٨٢)، والطبراني في "الكبير" (١٣٢٠)، والحاكم في "مستدركه" (٥٠٣٦)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (١/ ٢٠١ - ٢٠٣)، من حديث بنت ثابت بن قيس. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٣٢٢): بنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح، والظاهر أن بنته صحابية.
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٢)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (١/ ٢٠٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٣٦).
(٤) انظر: "النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٥).
[ ١٣ / ٤٩٨ ]
مأخوذةٌ مِن التَّحَجُّر، وهي أنْ يتَّخِذَ المرءُ لنفْسِه مَنْزِلًا يسكُنُه يمنَعُ غيرَه مِن مُشاركتِه فيه، والحَجْرُ: المَنْعُ.
أي: إنَّ الذين يَصيحون بك خارجَ منزلكَ وأنتَ في منزلكَ، ولا ينتظرون خروجَكَ إلى الناس مِن قومٍ الغالبُ عليهم الجَفاءُ والجهلُ لِخُلُوِّهم مِن عِلْم الدِّين، وفيه ذَمُّ هذه الفِرْقَةِ، وتسخيفٌ لعقولهم بهذه المُعاملة، وتسليةٌ للنبي -ﷺ- بما لَحِقَه مِن الأَذِيَّة أنَّهم كالمجانين الذين لا عُقولَ لهم، فليَهُونَنَّ عليكَ ذلك.
قال مجاهد: هُم أعرابُ بني تميمٍ (^١).
ورُوِيَ: أنَّ الأَقْرَعَ بنَ حابِسٍ هو الذي نادى رسولَ اللَّه -ﷺ- مِن وراء الحُجُرات (^٢).
وقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ولم يَقُلْ: (كلُّهم)؛ لأنَّ المُناديَ بعضُهم، ولعلَّ فيهم مَن يَعْقِلُ.
* * *
(٥) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي: أنفعَ وأصلحَ في دِينهم ودنياهم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: إنْ تابوا غفَرَ لهم ورَحِمَهم.
قال ابن عباس ﵄: بعثَ رسولُ اللَّه -ﷺ- سَرِيَّةً إلى حيِّ بني العَنْبَرِ، وأمَّرَ عليهم عُيَيْنَةَ بنَ حِصنٍ، فلما علِموا أنَّه توجَّهَ نحوَهم هرَبوا، فتركوا
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٤٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٤٢٩).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" (٧٠٢)، والإمام أحمد في "مسنده" (١٥٩٩١)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٤٦)، والطبراني في "الكبير" (٨٧٨).
[ ١٣ / ٤٩٩ ]
عِيالاتِهم، فسَباهم عُيَيْنَةُ، وقدِمَ بهم على رسول اللَّه -ﷺ-، فجاء بعد ذلك رجالُهم يَفْدون الذَّراري، فقَدِموا وقتَ الظَّهيرةِ، ووافقوا رسولَ اللَّه -ﷺ- في أهله قائلًا، فلما رأَتْهم الذَّراري أجهَشوا إلى آبائهم يَبكون، وكان لكلِّ امرأةٍ مِن نساء رسول اللَّه -ﷺ- بيتٌ وحُجْرَةٌ، فجعلوا يُنادون: يا محمَّدُ، اخْرُجْ إلينا، حتى أيقَظوه مِن نومه، فخرَجَ إليهم، فقال لهم رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَتَرْضَون أنْ يكونَ بيني وبينكم سَبْرَةُ بنُ عمرو وهو على دينكم؟ "، قالوا: نعم، قال سَبْرةُ: أنا لا أحكُمُ بينهم وعمي شاهدٌ، وهو الأعورُ بنُ بَشامةَ بنِ ضِرارٍ، فقال الأعورُ: فأنا أرى أنْ يُفادى نصفُهم ويُعْتَقَ نصفُهم، فقال عليه الصلاة السلام: "مَن كان عليه مُحَرَّرٌ مِن ولد إسماعيل فليُعْتِقْ بعضَهم"، فنزلت هذه الآيةُ (^١).
وقال الكلبي: نزلت الآيةُ في بني تميمٍ وفي بني عنبر (^٢) حين قدِموا، فجاؤوا إلى حُجُراتِ النبي -ﷺ-، فجعلوا يقولون: اخْرُجْ إلينا، ما لنا نُسْبى وتُسْبى ذرارينا ولم ندَعْ لكَ مِن طاعة؟! فحكَّمَ بينه وبينهم الأعورَ بنَ بَشامةَ.
وقال في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾: فتُطْلِقَهم كلَّهم بلا فِداءٍ كان خيرًا لهم (^٣).
وقال مقاتلٌ: نزلت في تسعةِ نفرٍ من بني تميمٍ: الأقرعِ بنِ حابسٍ، وقيسِ ابنِ عاصمٍ، والزِّبْرِقانِ بنِ بدرٍ، وخالدِ بنِ مالكٍ وسُوَيْدِ بنِ هاشمٍ النَّهْشَلِيَّيْنِ،
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٣٧)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٤٥).
(٢) في (ر): "عبس".
(٣) لم أقف عليه.
[ ١٣ / ٥٠٠ ]
والقَعْقَاعِ بنِ مَعْبَدٍ، وعُطارِدِ بنِ حاجبٍ، ووكيعِ بنِ وكيعٍ الدَّارِمِيِّ، وعُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ (^١).
وقال الزُهْري: ناداه رجلٌ واحدٌ (^٢).
* * *
(٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾: قال ابنُ إسحاقَ: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- بعَثَ الوليدَ بنَ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ إلى بني المُصْطَلِقِ، وكان بينه وبينهم إِحْنَةٌ (^٣)، فلما سمِعوا به ركِبوا إليه، فلما سمِعَ بهم خافَهم، فرجَعَ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبرَه أنَّ القومَ قد هَمُّوا بقَتْلِه ومنَعوا صدقاتِهم فأكثَرَ المسلمون في [ذكر] غزوهم حتى همَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- أنْ يغزوَهم، فبينما هُم في ذلك قدِمَ وَفْدُهم على رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، سمِعْنا برسولكَ حين بعَثْتَه إلينا، فخَرَجْنا إليه لِنُكْرِمَه ونُؤَدِّيَ إليه ما قِبَلَنا مِن الصدقات، فاستمرَّ راجعًا، فبلَغَنا أنه يزعمُ لرسول اللَّه أنا خرَجْنا إليه لِنُقاتِلَه، واللَّهِ ما جئنا لذلك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٨١).
(٢) ذكره ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" (ص: ١٧٣) عن قتادة.
(٣) الإِحْنة: الحقد في الصدر. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (١/ ٦٧).
(٤) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢٩٦)، وما بين معكوفتين منه. ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٥٠) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة وابن أبي ليلى ويزيد بن رومان. وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٤/ ١٥٥٣) إجماع العلماء على أنها نزلت في الوليد بن عقبة.
[ ١٣ / ٥٠١ ]
قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿فتثبَّتوا﴾ مِن التَّثَبُّتِ (^١)، وهو التَّأَنِّي وتَرْكُ التَّسَرُّعِ مِن الثَّباتِ على الشيء، وقرأ الباقون: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ مِن التَّبَيُّن (^٢)، وهو النَّظَرُ في الشيء إلى أنْ يتبيَّنَ ويتحقَّقَ ذلك، وهما قريبان.
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾: أي: لِئلَّا تُصيبوا قومًا بقول ذلك الفاسقِ على جهلٍ بحاله (^٣)، وتقديرُ الآية: إنْ جاءكم فاسقٌ بخبَرٍ فتأنَّوا ولا تَعْجَلوا إلى أنْ يتَّضِحَ صِدْقُه؛ لئلَّا تُصيبوا إنْ عجِلْتم القضاءَ به قومًا في نُفوسِهم وذَراريهم وأموالِهم بجهلٍ منكم بحالهم في استحقاق (^٤) ما تُصيبونهم به.
﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾: وهو دليلٌ على أنَّ شهادةَ الفاسقِ شهادةٌ، فإنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالتَّأَنِّي في قَبوله لا بِرَدِّه.
* * *
(٧) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: أي: فاتَّقوا أنْ تقولوا الباطل عنده وتَكذِبوا، فإنه يتثبَّتُ ويكشِفُ اللَّهُ له الصِّدْقَ (^٥)، فيَنْهَتِكُ سِتْرُ الكاذبِ (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فتثبتوا من التثبت" بدل من "فثبتوا من التثبيت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢).
(٣) قوله: "بحاله" الضمير يعود على القوم؛ أي: على جهل بحال أولئك القوم، وإفراد الضمير هنا جائز؛ لأن القوم مفرد لفظًا، ولو قال: (بحالهم) كان أوضح، وهكذا سيأتي قريبًا.
(٤) في (ر): "استحقاقهم".
(٥) في (ف): "الستر".
(٦) في (ر): "الفاسق".
[ ١٣ / ٥٠٢ ]
﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: لو عَمِلَ بقولكم، وبعَثَ إليهم مَن يُقاتِلُهم.
﴿لَعَنِتُّمْ﴾: أي: لَأَثِمْتُم، وقيل: أي: لَهَلَكْتُم.
وقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ: هذا نبيُّكم وخِيارُ أُمَّتِكم، لو يُطيعُهُم في كثيرٍ مِن الأمر لَعَنِتُوا، فكيف بكم اليومَ (^١)؟!
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أي: حسَّنَه.
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾: فأنتم لذلك أطَعْتُم رسولَ اللَّه، ولم تُقاتِلوهم، ولم تَعْجَلوا في أمرِهم.
ورُوِيَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- وجَّهَ (^٢) إليهم خالدَ بنَ الوليد، وقال له: "أَخْفِ قُدومَكَ، وادخُلْها ليلًا، وتحسَّسْ، هل ترى أثَرَ الإسلامِ؟ " - ففعلَ، فسَمِعَ النِّداءَ، ورأى تهجُّدَهم بالليل، وأصبحَ معهم في جَماعتهم، ثم قال لهم: أرسَلَني رسولُ اللَّهِ في صَدَقاتِكم، فدفَعوها إليه (^٣).
وهذا لا يُخالِفُ ما رَوَيْنا مِن مجيءِ وَفْدِهم إلى رسول اللَّه -ﷺ-؛ لأنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ، وهو أنْ يكونوا بعَثوا وَفْدًا، وقَبْلَ وصولِهم بعثَ إليهم رسولُ اللَّهِ خالدَ بنَ الوليدِ.
ودلَّت الآيةُ على خَلْقِ أفعالِ العبادِ.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾: فرجَعَ الكلامُ مِن المُخاطَبَة إلى المُغايَبَة لِيَعُمَّ المُخاطَبين وغيرَهم.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢٦٩)، والمروزي في "السنة" (١)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٥).
(٢) في (ف): "أرسل".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٢٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٥١) عن قتادة، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٣٩) من غير نسبة.
[ ١٣ / ٥٠٣ ]
أي: الذين حبَّبَ اللَّهُ إليهم الإيمانَ وكرَّهَ إليهم الكفرَ والفُسوقَ والعِصْيانَ منكم ومِن غيركم هُم المهتدون، وهو كقوله تعالى: ﴿آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]؛ أي: فالمُريدون وَجْهَ اللَّهِ منكم ومِن غيركم هُم المُضْعِفون، فأريدوا وَجْهَ اللَّهِ.
* * *
(٨ - ٩) - ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾: وهذا يُبْطِلُ قولَ القائلين بالأَصْلَحِ، فإنه لو وجبَ ذلك على اللَّه لم يكن ذلك فَضْلًا مِن اللَّه ونِعْمَةً.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: عليمٌ بِمَن يُحِبُّ الإيمانَ ومَن يَكْرَهُه منكم، حكيمٌ في تَدْبير أمورِ خَلْقِه.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾: ولم يقُلْ: (اقتَتَلَتَا)؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ جَمْعٌ، فهما جَمْعان؛ أي: قاتلَتْ إحداهما الأخرى.
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾: ثنَّى على ظاهرِ تَثْنِيَةِ الطائفتين.
﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾: أي: استطالَتْ طائفةٌ منهما على الطائفة الأخرى.
﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي: تَرْجِعَ إلى الصُّلْحِ، وتَرْكِ البَغْيِ.
﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾: أي: اعدِلوا.
[ ١٣ / ٥٠٤ ]
ورُوِيَتْ في نزول هذه الآيات رواياتٌ كلُّها مُجْتَمِعَةٌ على أنها نزلت في خلافٍ (^١) وقعَ بين نفَرَينِ مِن الأنصار تعصَّبَ لكلِّ واحدٍ منهما قومُه، حتى خرَجوا إلى القتال بالجَريدِ والعِصِيِّ والأيدي والنِّعالِ، ويَحتمِلُ أنْ تكون كلُّها صحيحةً، ونزولُ الآيةِ كانت عَقِيبَ جميعِها.
وانتظامُ هذه الآيةِ بما قبلَها: أنهم أُمِروا بترك التَّقَدُّمِ على رسول اللَّه -ﷺ- بالقول والفعل وبإجلالِه (^٢)، ونُهُو عن إيذائه.
قال ابن عباس ﵄: مرَّ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- يومًا على ملَأٍ مِن الأنصار فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، ورسولُ اللَّهِ -ﷺ- على حِماره، فوقَفَ عليهم يَعِظُهم، فبالَ حِمارُه أو راثَ، فأمسكَ عبدُ اللَّه بنُ أُبَيٍّ -لعنَه اللَّهُ- بأنفه، وقال: نَحِّ (^٣) عنا نَتْنَ حِمارِكَ فقد آذيْتَنا بنَتَنِ حِماركَ، فمَن جاءك مِنَّا فعِظْهُ، فسَمِعَ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ، فقال: أَلِحِمارِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- تقول هذا؟! واللَّهِ إنَّ بولَ حمارِ رسولِ اللَّهِ أطيبُ مِن رائحتكَ، فمرَّ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، وطالَ الكلامُ بين عبد اللَّه بن أُبَيٍّ المنافق وبين عبد اللَّه بن رواحة، حتى استَبَّا وتجالَدا، وجاء قومُ عبد اللَّه بن رواحة، وهُم الأَوْسُ، وقومُ عبد اللَّه بن أُبَيٍّ، وهُم الخَزْرَجُ، وتجالَدوا بالعِصِيِّ (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "اختلاف".
(٢) في (ر): "وبالإجلال له".
(٣) في (ر): "ول".
(٤) رواه البخاري (٢٦٩١)، ومسلم (١٧٩٩) من حديث أنس ﵁ باختلاف يسير. وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٦٤) عن ابن عباس ﵄، وقال الزيلعي في "تخريج الكشاف" (٣/ ٣٣٥): غريب من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١٣ / ٥٠٥ ]
وقال السُّدِّي: تجالَدوا بالنِّعالِ والأيدي (^١).
وقال الضحاك: بالأيدي والنِّعال والسُّعُف، فرجعَ إليهم رسولُ اللَّه -ﷺ-، وأصلحَ بينهم، ونزلت الآيةُ (^٢).
وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ الآيةَ نزلَتْ في رجلين كانت بينهما مُخاصَمَةٌ، فقال أحدُهما للآخر: لَآخُذَنَّ حَقِّي منكَ عَنْوَةً؛ لِكَثْرَةِ عَشيرتِه، وأبى الآخرُ ذلك، وحمَلَه على إتيان رسول اللَّه -ﷺ- لِيَحْكُمَ بينهما، فأبى صاحبُه، فاختصما، فنزلت الآيةُ (^٣).
وقال الكلبي: نزلَتْ في حاطِبٍ وسُمَيرٍ، وكان سُمَيرٌ قتَلَ حاطِبًا، فجعلوا يقتتلون في الجاهلية إلى أنْ أتاهم النبيُّ -ﷺ-، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٤).
وعلى الأوَّلِ: إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ كان مُنافقًا، والآيةُ في طائفتين مِن المؤمنين، لكنْ يرجِعُ ذلك إلى أصحاب عبد اللَّه بن أُبَيٍّ وعَشيرته، ولم يكونوا كلُّهم مُنافقين، فالآيةُ تتناولُ المؤمنين منهم.
وجُمْلةُ ذلك: أنَّ طائفتين مِن المؤمنين إذا تنازَعوا، وأدَّى بهم ذلك إلى التَّقاتُلِ، نظر الإمامُ أو نائبه في ذلك، وحمَلَهما على حُكْمِ الشَّرع، فإنْ عمِلا بذلك وتصالَحا، وإلا منَعَ الباغي منهما مِن ذلك بالكلام والعمل، وحَبَسَ إنْ احتاجَ إلى ذلك، فإنْ كانت الطائفتان مُمْتَنِعَتَين قاتلَ الطائفةَ الباغِيَةَ إلى أنْ ترجِعَ إلى حُكْم الشَّرع.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٦٠)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٠).
(٢) لم أقف عليه عن الضحاك.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦٢٣). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٤٧).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٩).
[ ١٣ / ٥٠٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما. ويحتَمِلُ: أَقْسِطوا أيها الناسُ جميعًا، فلا تتمانَعوا الحُقوقَ.
* * *
(١٠) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: أي: مُتَآخُون على الإسلام بعضُهم أولياءُ بعضٍ، والإيمانُ أشرفُ أنسابِهم، وقد قطَعَ اللَّهُ الوِلايةَ بينهم وبين مَن خالَفَ دِينَهم مِن عشائرهم.
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: وهو أقلُّ مَن يقَعُ بينهم القتالُ، وإذا أُمِروا بهذا في الأقلِّ، تَنَبَّهوا (^١) به على الأكثر.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فلا تُمانِعوا الحُقوقَ، فيُؤَدِّيكم ذلك إلى الاقتتال.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أي: لِتُرْحَموا بذلك.
* * *
(١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: قد بيَّنَّا أنَّ السُّورةَ في الأمر بمَكارم الأخلاق، وكان مُعْتادًا في أكثر العرب في النُّظَراء التَّفاخرُ بالأنساب، والاستهزاءُ والسُّخْرِيَةُ والاستخفافُ، وكان أكثرُ مشركي العرب (^٢) يترفَّعون على فُقراء المسلمين
_________________
(١) في (ر): "نبهوا".
(٢) في (ر): "المشركين".
[ ١٣ / ٥٠٧ ]
وضُعَفائهم، فنزلت السُّورةُ نَهْيًا لهم عن مَساوئِ الأخلاق، وافتتحَتْ بالواجب مِن ذلك في مَعاشرِ الرُّؤساء، ثم أتبَعَ بالمرؤوسين مِن النُّظَراء والأَكْفاء، وقد كان مِن أفاضل الصحابة مَن يَبْدُرُ منهم البادرةُ في هذا الباب.
كما رُوِيَ في سبب نزول هذه الآية: أنَّ خالدَ بنَ الوليد ﵁ ذكَرَ عمَّارَ ابن ياسرٍ فنالَ منه (^١).
وقال ابن عباس ﵄: نزلَتْ في ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وذلك أنَّه كان في أُذُنِه ثِقَلٌ، فكان إذا أتى رسولَ اللَّهِ -ﷺ- وقد سبَقوه في المجلس أوسَعوا له، ففاتَتْه ذاتَ يومٍ ركعةٌ مِن الفجر، ثم أتى فجعَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ وهو يقول: تَفَسَّحوا، حتى انتهى إلى رسول اللَّه -ﷺ- بينه وبينه رجل، فقال له: تفسَّحْ أو تَنَحَّ، فقال الرجل: أصبتَ مَجْلِسًا فاجلِسْ، فجلسَ ثابتٌ خَلْفَ الرجل مُغْضَبًا، فلما انجلَتِ الظُّلْمَةُ غمَزَ ثابتٌ الرجلَ، فقال: مَن هذا؟ فقال: أنا فلانٌ، فقال له: ابنُ فُلانةَ، ذكَرَ أُمًّا له كان يُعَيَّرُ بها، فنكَسَ الرجلُ رأسَه، واستحيى، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (^٢).
قال ابن عباس ﵄: يعني: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: في المَعيشة والخِسَّة، يقول الرجلُ للرجل: أنتَ فقيرٌ، وأنتَ دَنيءٌ (^٣).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٤٨).
(٣) ذكر مقاتل نحوه في "تفسيره" (٤/ ٩٤)، وذكره عنه الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٣٥٦)، وبنحوه قال مجاهد، كما في "تفسير الطبري" (٢١/ ٣٦٥).
[ ١٣ / ٥٠٨ ]
﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾: أي: أوفرَ نصيبًا منهم في الآخرة، فقال ثابتٌ بعد نُزول هذه الآية: لا أَفْخَرُ على أحدٍ في النَّسَب (^١) بعد هذا أبدًا.
وقال مقاتلٌ: نزلت في أبي مالكٍ وعبد اللَّه بن أبي حَدْرَدٍ، وذلك أنَّ عبدَ اللَّه قال لأبي مالكٍ: يا أعرابيُّ، وهو كما يقول الرجلُ مِن أهل البلد: يا رُسْتاقي (^٢)، فقال له أبو مالكٍ: يا يهوديُّ، فقال النبي -ﷺ- لهما: "لا تدخُلا عليَّ حتى يُبَيِّنَ اللَّهُ توبتَكما"، فأوثَقا أنفسَهما إلى ساريةِ المسجد، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (^٣).
وقال الضحاك: فأما الذين استهزَؤوا فقومٌ مِن بني تميمٍ، استهزؤوا مِن بلالٍ وخَبَّابٍ وعمارٍ وصُهَيبٍ وأبي ذرٍّ وسالمٍ مولى أبي حُذيفة (^٤).
وقال أبو جَبيرةَ: نزلت الآيةُ فينا بني سَلِمَةَ، وذلك أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قدِمَ المدينة ولم يكن منا رجلٌ إلا وله اسمان أو ثلاثةٌ، فكان الرجل يُدْعى بأحد أسمائه، فيكرَهُه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (^٥).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الحسب".
(٢) الرُّستاق: فارسي معرب، وهي السواد، ويطلق كذلك على البيوت المجتمعة. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (١٠/ ١١٦).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٩٣)، وذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٣٣). ورواه مختصرًا ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٧/ ٣٤٣).
(٤) رواه ابن أبي حاتم عن مقاتل فيما عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٥٦٣). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٣)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٧٠) عن الضحاك.
(٥) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١٨٢٨٨)، وأبو داود (٤٩٦٢)، والترمذي (٣٢٦٨)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٦٨)، والطبراني في "الكبير" (٩٦٨)، والحاكم في "المستدرك" (٧٧٥٥). قال الترمذي: حسن صحيح. =
[ ١٣ / ٥٠٩ ]
وقال عطاءٌ الخُراسانيُّ: كان الرجل يُعَيَّرُ بِخَلَّةٍ كانت فيه (^١) في الجاهلية وقد رجَعَ عنها وأسلَمَ.
ورُوِيَ: أنَّ أبا ذرٍّ دعا رجلًا مِن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- بأُمٍّ كانت له في الجاهلية، فقال له النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ فيك لَجاهليَّةً"، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أَجاهِلِيَّةُ الإسلامِ أم جاهِلِيَّةُ الكفرِ؟ فقال: "بل جاهليةُ كفرٍ"، ثم قال له: "ما بها أَسْودُ ولا أحمرُ أنتَ خيرٌ منه حتى يرضى عنكَ صاحِبُكَ"، فخرَجَ أبو ذرٍّ ﵁ يبتغي صاحبَه، فبصُرَ به الذي استطالَ عليه، فجاء الرجلُ، فاستغفرَ له رسولُ اللَّه -ﷺ-، فقال له أبو ذرٍّ: إنما جئتُكَ يا أخي لِأُسَلِّمَ عليك، فذُكِرَ ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- فقال: "سبقَكَ الرجلُ يا أبا ذرٍّ"، فقال أبو ذرٍّ: فاستغفِرْ لي يا رسولَ اللَّه، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "يغفِرُ اللَّهُ لِصاحبِكَ"، فأعادَ عليه: استغفِرْ لي يا رسولَ اللَّه، فاستغفَرَ لصاحبِه ثلاث مرات، ثم استغفَرَ لأبي ذر، ثم قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ الغضبَ طُغْيانٌ مِن الشيطان، فإنما ينفُخُ فيها في جَمْرةٍ، ألا ترونه تَحْمَارُّ عيناه، وتدِرُّ (^٢) أوداجُه" (^٣).
_________________
(١) = قلنا: إسناده صحيح إن صحت صحبة أبي جبيرة بن الضحاك، فقد قال السندي كما في حاشية "المسند": أبو جَبيرة، بفتح أوله: ابن الضَّحَّاك، لا يُعرف اسمه، قيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له، ومال الحافظ في "الإصابة" إلى الأول بحديث: نزلت فينا هذه الآية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ بناءً على أن هذا الحديث رواه أصحاب السنن عن أبي جبيرة بلا ذكر العمومة في السند، لكن إذا نظرنا إلى ذكر العمومة، كما في "المسند" سقط الاستدلال، كما لا يخفى. قلت: يشير إلى ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٦٦٤٢) من طريق أبي جبيرة عن عمومة له.
(٢) في (ف): "له".
(٣) في (ف): "وتدور".
(٤) رواه إلى قوله: "أنت امرؤ فيك جاهلية" البخاري (٦٠٥٠)، ومسلم (١٦٦١). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٩٩) بزيادة يسيرة.
[ ١٣ / ٥١٠ ]
وقوله: ﴿قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: أي: رجالٌ مِن رجال، قال الشاعر:
وما أدري وسوف إِخالُ أدري أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساءُ (^١)
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾: يدلُّ على ما قُلْنا أنَّ القومَ هُم الرجالُ.
وقال ابن عباس ﵄: نزلت في امرأتين مِن أزواج النبيِّ -ﷺ- سخِرَتا مِن أُمِّ سلَمةَ، وذلك أنَّ أُمَّ سلَمةَ ربَطَتْ حَقْوَيْها بسَبِيبَةٍ (^٢)، وهي ثوبٌ (^٣) أبيضُ، وسدَلَتْ طرفَها خَلْفَها، وكانت تجُرُّه، فقالت عائشةُ لِحَفْصَةَ ﵄: انظُري ما تجُرُّ خَلْفَها، كأنَّها لسانُ كلبٍ، فكان هذا سُخْرِيَتَهما (^٤).
وروى عكرمةُ عن ابن عباس أنَّ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبَ أتَتْ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالت: إنَّ عائشة تُعَيِّرُني وتقول: يا يهوديةُ، فقال لها رسولُ اللَّه -ﷺ-: "هلَّا
_________________
(١) = وروى معمر بن راشد في "جامعه" (٢١٠٢٢) تتمة القصة دون قوله -ﷺ-: "إن الغضب طغيان" عن زيد بن أسلم، ثم روى هذه الزيادة معمر أيضًا (٢٠٢٨٨) عن زيد أيضًا. وروى القطعة الأخيرة منه الطيالسي في "مسنده" (٢٢٧٠)، والحميدي في "مسنده" (٧٦٩)، والإمام أحمد في "مسنده" (١٧/ ٢٢٨)، والترمذي (٢١٩١) وحسنه عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى، كما في "ديوانه" رواية الشنتمري (ص: ١٣٦).
(٣) السَّبيبة: شقة كتان رقيقة. انظر: "الصحاح" (مادة: سبب). والحَقْوان: الخاصرتان. انظر: "العين" للخليل (٣/ ٢٥٤).
(٤) في (أ) و(ف): "بثوب" بدل من "بسيبة وهو ثوب".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨١)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٣) من غير إسناد. وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٧٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٤٩) عن ابن عباس ﵄. وفيه ما لا يليق نسبته لأمهات المؤمنين.
[ ١٣ / ٥١١ ]
قلتِ: إنَّ أبي هارونُ، وإنَّ عمي موسى، وإنَّ زوجي محمد"، فنزلت هذه الآيةُ (^١).
ورُوِيَ أنَّ عائشة ﵂ كانت تَسْخَرُ مِن زينبَ بنتِ خُزيمةَ الهِلاليَّةِ، وكانت امرأةً قَصيرةً تُسَمَّى أُمَّ المساكين، وكانت تقوم على ضَيْفِ رسول اللَّه -ﷺ-، فجعلَتْ عائشةُ ﵂ تَسْخَرُ منها لِقِصَرِها، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه (^٢) الآيةَ (^٣).
﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾: أي: عند اللَّه في المَنْزِلة كما قُلْنا في الرجال.
وقيل فيهما: عسى أنْ يكونوا بعد هذا في الدنيا خيرًا منهم، وعسى أنْ يكُنَّ بعد هذا في الدنيا خيرًا منهن.
يعني: إنْ كانت السُّخْرِيَةُ بفَقْرٍ أو ضَعْفٍ أو عِلَّةٍ، فعسى تزولُ مِن ذلك ويُبْتَلى به السَّاخِرُ، فنبَّهَ اللَّهُ على أنه قادرٌ على أنْ يُزيلَه مِن ذلك، ويجعلَه في هذا.
وقيل: هذا قد يكون في التَّعيير بذَنْبٍ يكون الإنسان فيه، فنُدِبوا على (^٤) أنْ يستُروا على الناس ولا يُعَيِّروهم، ويروا فَضْلَ اللَّهِ على أنفسهم بالعِصْمَة، ويخافوا أنْ يَصيروا مِثْلَهم.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ الترمذي (٣٨٩٢)، وقال: حديث غريب، وليس إسناده بذاك، والطبراني في "الكبير" (١٩٦)، والحاكم في "المستدرك" (٦٧٩٠) من حديث صفية ﵂. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨١)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٧٠)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٤٩) عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (أ): "فنزلت" بدل من "فأنزل اللَّه تعالى هذه".
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٧٠) في سبب نزول هذه الآية. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢٥٠٤٩) وغيره مطلقا من غير ذكر أم سلمة، ولا في سبب نزول الآية.
(٤) في (ر): "إلى".
[ ١٣ / ٥١٢ ]
﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: هو العَيْبُ والطَّعْنُ مِن باب (دخَلَ) و(ضرَبَ) جميعًا، وقرأ يعقوبُ بضم الميم، والعامَّةُ بالكسر (^١).
أي: لا يَعِبْ بعضُكم بعضًا ولا يطعَنُ، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
وقيل: لا تَعيبوا أهلَ دينِكم، فإنَّ المسلمين كنَفْسٍ واحدةٍ.
﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾: النَّبْزُ: التَّلْقِيبُ بتسكين (^٢) الباء، والنَّبَزُ: اللَّقَبُ بفتحها، والتَّنابُزُ: التَّداعي بها.
وقال الضحاك: هو كلُّ اسمٍ أو صِفَةٍ يكرَه الرجلُ أنْ يُدْعَى به.
وقال قتادة: أي: لا تقُلْ لأخيكَ المسلمِ: يا فاسِقُ، يا مُنافِقُ (^٣).
وقال الحسن: كان اليهوديُّ والنَّصْرانيُّ يُسْلِمُ فيُلَقَّبُ، فيقال: يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ، فنُهُوا عن ذلك (^٤).
وقال ابن عباس ﵄: أي: لا تَدْعُ أخاك بما يَكْرَه مِن الأسماء، ولكنِ ادْعُه بما يُحِبُّ، فإنَّ ذلكَ أَعْطَفُ لبعضكم على بعض، وأَحَبُّ إلى اللَّه تعالى (^٥).
_________________
(١) انظر: "النشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) في (ر): "بسكون".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٣٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٧٠). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨١) عن قتادة وعكرمة، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٣٥٧) عن عكرمة والحسن ومجاهد وقتادة.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٣٤)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٧٠). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٣).
(٥) لم أقف عليه.
[ ١٣ / ٥١٣ ]
وعن العلاء بن سفيان عن أبي (^١) مريم الغساني أنَّ رجالًا مِن الجُنْدِ خرَجوا يَنْتَضِلون وفيهم سعيدُ بنُ عامرٍ، فبينما هُم كذلك أصابَهم الحَرُّ، فوضَعَ سعيدٌ قَلَنْسُوَتَه عن رأسِه، وكان أَصْلَعَ، فلما رمى سعيدٌ صاحَ به رجلٌ: يا أَصْلَعُ، وهو لا يعرِفُه، فقال له سعيد: قد كنتَ لَغَنِيًّا عن أنْ تلعنَكَ الملائكةُ، فقال رجلٌ منهم: وعن ماذا تلعنُه الملائكةُ؟ فقال: مَن دعا امرأً بغير اسمِه لعنَتْه الملائكةُ (^٢).
قولُه تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: قالوا: كان (^٣) اليهوديُّ أو النَّصْرانيُّ يُسْلِمُ، فيكون مِن صالِحي المسلمين، فيغضَبُ عليه الرجلُ مِن المسلمين، فيدعوه باسمه الأول، فيُحْتَقَرُ (^٤) بذلك، فنهى اللَّهُ عن ذلك، فقال: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: قولُه: يا يهوديُّ، بعد إسلامِه.
وقيل: هو تعظيمٌ لهذه الجِناية، يقول: بئس هذا الاسمُ الذي تُسَمِّيه به بعد ما آمنَ.
وقيل: معناه: مَن سَخِرَ به أو لَمَزَه أو لقَّبَه (^٥) فقد فسَقَ، وبئس الاسمُ له هذا مع إيمانه.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "العلاء بن شقيق بن أبي"، وفي (ف): "العلاء بن شقيق وأبي"، والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٦٨٣)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢١/ ١٦٥). وروى ابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٢٣١)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٩٤)، والديلمي في "الفردوس" (٥٧٢٧)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٢٤٨) عن عمير بن سعد عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن دعا رَجُلا بِغَيْرِ اسْمِهِ لَعَنَتْهُ الْمَلائِكَةُ". قال ابن الجوزي: قال النسائي: هذا حديث منكر.
(٣) في (ر): "قال كان هذا في".
(٤) في (ر) و(ف): "ويحتقره".
(٥) في (أ): "من سخرية أو لمزة وعيبة" بدل: "من سخر به أو لمزه أو لقبه".
[ ١٣ / ٥١٤ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: ومَن لم يتُبْ عن هذه الأشياء التي نهى اللَّهُ تعالى عنها، فقد وضَعَ الشيءَ في غير مَوْضِعِه وظلَمَ نفْسَه.
وجمَعَ قولَه: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ مع (^١) توحيد قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾؛ لأنَّه اسمُ جِنْسٍ، فكان واحدًا بلفظه، جَمْعًا بمعناه.
* * *
(١٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾: وهو أنْ يَظُنَّ بالمؤمن سوءًا مِن حيث لم يتحقَّقْ عليه، ولم يُوجَدْ منه مِن إعلان المعاصي ما يُخْرِجُه مِن حُسْنِ الظَّنِّ به.
﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: وهو هذا.
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: أي: ولا يتَّبعْ بعضُكم عيبَ بعضٍ (^٢)، ولا يبحَثْ عن سرائره (^٣).
والتَّجَسُّسُ: التَّبَحُّثُ، ومنه: جَسُّ الشَّاةِ، وجَسُّ العِرْقِ، وهو التَّبَحُّثُ عن سِمَنِ الشَّاةِ وهُزالِها، وعن قوَّةِ حرَكةِ العِرْقِ وضَعْفِها، ومنه الجاسوسُ: وهو الذي يبحَثُ عن الأخبار.
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: أي: ولا يذكُرْ أحدٌ منكم غيرَه بظَهْرِ الغَيبِ بما لو كان حاضرًا فشافهَه به كَرِهَه؛ صِدْقًا كان ذلك أو كَذِبًا، وقال النبي -ﷺ-: "إذا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بعد".
(٢) في (أ): "لا يتبع بعضكم بعضًا بعيبه".
(٣) في (أ): "سر أمره".
[ ١٣ / ٥١٥ ]
ذكَرْتَ أخاك بما فيه فقد اغتَبْتَه، فإنْ لم يكن فيه فقد بهتَّه" (^١).
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: أي: فإنكم لا تُحِبُّون ذلك، وإذ كنتم لا تُحِبُّونه فالغِيبةُ له وهو حيٌّ مِثْلُ أكلِ لحمِه وهو ميِّتٌ، فلا تُحِبُّوه أيضًا.
ولعلَّ معناه: أنَّ الميِّتَ لا يشعُرُ بما يُؤكَلُ مِن لحمِه، وليس (^٢) به انتصارٌ فيدفعَ عن نفْسِه، فأكلُ لحمِه لُؤْمٌ، فكذلك الغائبُ لا يشعُرُ بما يُغْتابُ به، وليس به حينئذٍ انتصارٌ، فذِكْرُه بالسُّوء لُؤْمٌ، والميِّتُ أيضًا لا يَنالُ آكلَ لحمِه بسُوءٍ، فلم يحسُنْ أنْ يُنالَ منه، فكذلك الغائبُ لا يَنالُ مَن يغتابُه في حين اغتيابه بسُوءٍ، فلم يَحسُنْ أنْ ينالَ منه.
﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: أي: فقد كَرِهْتم في طِباعكم وعُقولِكم أكْلَ لحمِ أخيكم ميِّتًا، فاكرَهوا اغتيابَه، فإنه مِثْلُ أكلِ لحمِه.
وقيل: أي: فكَرِهْتُم أنْ تُغتابوا، فلا تَغتابوا غيرَكم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: عطفٌ على ﴿اجْتَنِبُوا﴾، ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، ﴿وَلَا يَغْتَبْ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾: يقبَلُ توبةَ مَن تابَ، ويرحمُ مَن أنابَ إليه.
قال ابن عباس ﵄: نزلت في رجلين مِن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ظنَّا برَفيقٍ لهما، وذلك أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- ضمَّ إليهما سلمانَ يخدِمُهما ويخِفُّ لهما في حوائجهما، ويتقدَّمُ إلى المنزل فيُهَيِّئُ لهما ما يُصْلِحُهما (^٣) مِن الطعام والشراب،
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (أ): "ولا".
(٣) في (أ): "يصلح لهما".
[ ١٣ / ٥١٦ ]
فتقدَّمَهما سلمانُ ذاتَ يومٍ إلى المنزل، فغَلَبَتْه عيناه فلم يُهَيِّئْ لهما شيئًا، فهجَما عليه، وقالا: ما أصْلَحْتَ لنا شيئًا؟! قال: غلَبَتْني عيناي، فنمتُ عن شأْني، فبعثاه إلى رسول اللَّه -ﷺ- يبتغي لهما إِدامًا، فلم يجِدْ عنده شيئًا، وكان أسامةُ بنُ زيدٍ خازنُ رسولِ اللَّه -ﷺ- على رَحْلِه، فوجَّهَه رسول اللَّه -ﷺ- إلى أسامةَ، وقال له: "قل له: إنْ كان عنده فَضْلٌ فليُعْطِ"، فأتى سلمانُ أسامةَ، فأخبرَه بذلك، فقال: ما عندي شيءٌ، فرجَعَ إليهما سلمانُ فأخبرَهما، فعند ذلك قالا: لو بعَثْناه إلى بئر سُمَيحةَ (^١) لغارَ ماؤُها، فكان هذا غَيْبَتَهما، فلما رجَعا (^٢) إلى رسول اللَّه -ﷺ- قال لهما: "ما لي أرى حُمْرَةَ اللَّحمِ في أفواهكما؟! "، فقالا: ما تناوَلْنا لَحْمًا، فقال لهما: "إنكما اغتبتُما" -والغِيبةُ: أنْ يذكُرَ الرجلُ مَن خَلْفَه بما يكرَهُه إذا سمِعَه، وهو يعدِلُ أكلَ لحمِه ميتًا- فقالا لرسول اللَّه -ﷺ-: ما عَلِمْنا أنه حرامُ علينا، ونحن نكرَهُ ذلك أيضًا، فقال ﵊: "فكما كرِهْتُما أنْ تأكُلا لحمَ أخيكُما ميتًا، فلا تغتاباه"، ونزلت الآية (^٣).
وقيل: إنهما كانا (^٤) يتَجَسَّسان رَحْلَ أُسامةَ، فنزلَت فيهما: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.
وهذه الخِلالُ الثلاثُ؛ أي: الظَّنُّ السُّوءُ، والتَّجَسُّسُ، والاغتيابُ، بمرتبةٍ في الفعل، فإنَّ مَن أساءَ الظَّنَّ بأخيه المسلم تجسَّسَ ما ظنَّه، فإذا تحقَّقَ ذلك عنده اغتابَه.
_________________
(١) سُميحة: موضع، وقيل: بئر بالمدينة، وقيل: بئر بناحية قديد، وقيل: عين معروفة، وقيل: بئر قديمة بالمدينة غزيرة الماء. انظر: "معجم البلدان" (٣/ ٢٥٥).
(٢) في (أ) و(ف): "راحوا".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٤)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٧٤) من غير إسناد. ورواه الأصبهاني بنحوه في "الترغيب والترهيب" (٢٢٣١) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
(٤) في (ر) و(ف): "قاما".
[ ١٣ / ٥١٧ ]
يقولُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ فإنْ ظننتُم فقد أسأتُم، فلا تجسَّسوا فتزدادوا إثمًا، فإنْ تجسَّسْتم فقد أسأتُم، فلا تغتابوا فتزدادوا إثمًا.
وروى زيدُ بنُ أَسْلَمَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخطابِ ﵁ خرجَ ذاتَ ليلةٍ ومعه عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ ﵄ يعُسَّان، إذ شَبَّ لهما نارٌ، فأتَيا البابَ فاستَأْذَنا، ففُتِحَ البابُ لهما ودخلا، فإذا رجلٌ وامرأةٌ تُغَنِّي، وعلى يد الرجل قَدَحٌ، فقال عمر ﵁: وأنتَ بهذا يا فلان؟ فقال: وأنتَ بهذا يا أميرَ المؤمنين؟ فقال له عمر ﵁: فمَن هذه منكَ؟ قال: امرأتي، قال: وما في القَدَح؟ قال: ماءٌ زُلالٌ، فقال للمرأة: وماذا تُغَنِّين؟ قالت: أقول:
تطاولَ هذا الليلُ واسودَّ جانِبُه وأرَّقَني ألَّا حبيبٌ أُلاعِبُهْ
فواللَّهِ لولا خشيةُ اللَّهِ والتُّقى لَزُعْزِعَ مِن هذا السَّريرِ جوانِبُهْ
ولكنَّ عَقْلِيَ والحياءَ يَكُفُّني وأُكْرِمُ بَعْلِي أنْ تُنالَ مراكبُهْ
ثم قال الرجلُ: يا أميرَ المؤمنين، ما بهذا أُمِرْنا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، فقال عمر ﵁: صَدَقْتَ، وانصرفَ (^١).
وقيل لعبد اللَّه بن مسعود ﵁: هل لكَ في الوليد بن عُقْبَةَ تقطُرُ لِحْيَتُه خَمْرًا؟ فقال عبد اللَّه: إنا قد نُهِينا عن التَّجَسُّس إلَّا أنْ يظهَرَ لنا (^٢).
_________________
(١) ذكره بهذا السياق الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٣).
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٨٩٤٥)، وابن أبي شيبة (٢٦٥٦٨)، وأبو داود (٤٨٩٠)، والطبراني في "الكبير" (٩٧٤١)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٤). قال النووي في "رياض الصالحين" (ص: ٤٤٦): رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم.
[ ١٣ / ٥١٨ ]
وقال -ﷺ-: "مَن تتَبَّعَ عورةَ أخيه المسلمِ تتبَّعَ اللَّهُ عورتَه، ومَن تتبَّعَ اللَّهُ عورتَه فضحَه ولو في جَوْفِ بيته" (^١).
وقال الإمام القُشَيريُّ: العارفُ لا يتفرَّغُ مِن شُهود الحقِّ إلى شُهود الخَلْق، فكيف يتفرَّغُ إلى التَّجَسُّسِ؟! ومَن اشتغلَ بالحقِّ لا يتفرَّغُ إلى نفسه، ومَن اشتغلَ بنفْسِه (^٢) لا يتفرَّغُ إلى الخَلْق.
وقال: غَيْبَةُ الخَلْقِ لا تكون إلا مِن الغَيْبَةِ عن الحَقِّ (^٣).
* * *
(١٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾: وهذا تأكيدُ جميعِ ما مضى في هذه السُّورة، وإعلامٌ أنَّه لا يصِلُ إلى ذلك كلِّه إلا بالتقوى، فإنَّ مَن سَخِرَ بغيره أو
_________________
(١) حديث صحيح بطرقه وشواهده، رواه الترمذي (٢٠٣٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٧٦٣)، من حديث ابن عمر ﵄. قال الترمذي: حسن غريب. ورواه الطبراني في "الكبير" (١١٤٤٤) من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٩٤): رواه الطبراني، ورجاله ثقات. ورواه أبو يعلى في "مسنده" (١٦٧٥)، والروياني في "مسنده" (٣٠٥)، وتمام في "فوائده" (٢٤٢٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٦٨٢) من حديث البراء بن عازب ﵁. ورواه الإمام أحمد (١٩٨٠١)، وأبو داود (٤٨٨٠)، والدارقطني في "العلل" (٦/ ٣٠٩)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (١٩٠) من حديث أبي برزة ﵁. وإسناده حسن. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢٢٤٠٢) من حديث ثوبان ﵁. وإسناده حسن.
(٢) في (أ) و(ف): "إلى نفسه".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٤٤٣).
[ ١٣ / ٥١٩ ]
طعَنَ عليه أو ظَنَّ به سوءًا أو اغتابَه، فذلك راجِعٌ إلى إِزْرائِه به، ولا يُزري بغيره إلا لِفَضْلٍ يُقَدِّرُه لِنفْسِه عليه، فبيَّنَ لهم أنَّهم مُتساوون في الأصل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: وهذا نداءٌ عامٌّ، ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾: وهما آدمُ وحَوَّاءُ، فكُلُّكم أولادُ أبٍ واحدٍ وأُمٍّ واحدةٍ.
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾: جَمْعُ شَعْبٍ، ﴿وَقَبَائِلَ﴾: جَمْعُ قَبيلةٍ.
قال الزُّبَيرُ بن بَكَّارٍ: العربُ على ستِّ طبَقاتٍ: شَعبٌ، وقَبيلةٌ، وعِمارةٌ، وبَطْنٌ، وفَخْذٌ، وفَصيلةٌ، فالشَّعْبُ يجمعُ القبائلَ، والقَبيلةُ تَجْمَعُ العَمائر، والعِمارةُ تجمَعُ البُطونَ، والبطنُ يجمَعُ الأَفْخاذَ، والفَخْذُ يجمَعُ الفصائلَ، فمُضَرُ شَعْبٌ، وربيعةُ شَعْبٌ، ومَذْحِجٌ شَعْبٌ، وحِمْيَرُ شَعْبٌ، وسُمِّيَت شُعوبًا لأنَّ القبائلَ انشَعَبَتْ منها، فكنانةُ قَبيلةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وهاشمٌ فَخْذٌ، والعبَّاسُ فَصيلةٌ (^١).
﴿لِتَعَارَفُوا﴾: أي: فعَلْنا كذلك لِتَقَعَ المعرفةُ بذلك، لا لِتُفاخِروا بها، فإنْ أردتُّم ذلك فهو بالتَّقْوى، وهو قوله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾: لا تخفى عليه ظواهرُكم وبواطنُكم.
وقال ابنُ عمرَ ﵁: قال النبي -ﷺ- في خُطْبَتِه يومَ الفَتْح: "إنَّ اللَّهَ تعالى أذهَبَ عنكم عُبِّيَّةَ (^٢). . . . . . .
_________________
(١) انظر: "المؤتلف والمختلف" للدارقطني (٣/ ١٥٥٤)، و"غريب الحديث" للخطابي (٢/ ٤٦٠)، و"الأنساب" للسمعاني (١/ ١٨)، و"كشف المشكل" لابن الجوزي (٤/ ٢٠٧)، و"المفهم" لأبي العباس القرطبي (٧/ ٢٨٦).
(٢) يعني: الكبر، وتضم عينها وتكسر، وهي "فُعُّولة" أو "فِعِّيلَة"، فإن كانت الأول فهي من التعبية؛ لأن المتكبر ذو تكلف وتعبية، وإن كانت الثانية، فهي من عُباب الماء، وهو أوله وارتفاعه. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ١٦٩).
[ ١٣ / ٥٢٠ ]
الجاهليَّةِ وتكبُّرَها (^١)، إنما الناسُ رجلان: بَرٌّ تقِيٌّ كريمٌ على اللَّه تعالى، وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ على اللَّه تعالى"، ثم تلا هذه الآيةَ (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: نزلت في ثابتِ بنِ قَيسِ بن شَمَّاسٍ حيث قال للرجل الذي لم يتفسَّحْ له: إنه ابنُ فُلانة، فقال النبي -ﷺ-: "مَن الذاكرُ فُلانة؟ "، فقام ثابت فقال: أنا يا رسولَ اللَّهِ، فقال: "انظُرْ في وجوه القوم"، فنظَرَ في وجوههم فقال: "ما رأيتَ يا ثابتُ؟ "، فقال: رأيتُ أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، قال: "فإنك لا تَفْضُلُهم في شيءٍ إلَّا في الدِّين والتقوى"، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ، وأنزل في الذي لم يتفسَّحْ له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ الآية (^٣).
وقال مقاتل ﵀: لَمَّا كان يومُ فتحِ مكَّةَ، وأمرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بلالًا حتى أذَّنَ، قال عَتَّابُ بنُ أَسيدِ بنِ أبي العِيْصِ: الحمدُ للَّه الذي قبَضَ أبي حتى لم يرَ هذا اليوم، وقال الحارثُ بنُ هشامٍ: أوَما وجدَ محمد غيرَ هذا الغُرابِ الأسودِ مُؤَذِّنًا؟! وقال سُهَيلُ بنُ عمرو: إنْ يُرِدِ اللَّهُ شيئًا يُغَيِّرْه، وقال أبو سُفيانَ بنُ حَرْبٍ: إني لا أقول شيئًا أخافُ أنْ يُخْبِرَ به ربُّ السماوات والأرض، فأتى جبريلُ رسولَ اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) في (ف): "وتكثرها".
(٢) رواه الترمذي (٣٢٧٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٨٢٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٧٦٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٨) من حديث ابن عمر ﵄. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (٨٧٣٦)، والترمذي (٥٣٩٥٥)، وأبو داود (٥١١٦)، والبيهقي في "الآداب" (٣٣٨) عن أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: حديث حسن.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٧)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٣٦٣)، وفي "أسباب النزول" (ص: ٣٩٤).
[ ١٣ / ٥٢١ ]
فأخبرَه بما قالوا، فدعاهم رسولُ اللَّه -ﷺ- وقال لِعَتَّابٍ: "ما الذي قُلْتَ؟ "، قال: قلتُ: الحمدُ للَّه الذي قبَضَ أبي حتى لم يرَ هذا اليوم، قال: "صدَقْتَ"، قال: "فما الذي قلتَ يا حارثُ"، قال: قلتُ: أوَ ما وجدَ محمد غيرَ هذا الغُراب الأسود مُؤَذِّنًا؟! قال: "صَدَقْتَ"، قال: "فما قلتَ يا سهيلَ بنَ عمرو؟ "، قال: قلتُ: إنْ يُرِدِ اللَّهُ شيئًا يُغَيِّرْه، قال: "صَدَقْتَ"، قال: "ما الذي قلتَ يا أبا سفيان؟ "، قال: قلتُ: إني لا أقولُ شيئًا أخاف أنْ يُخْبِرَ به ربُّ السماوات والأرض، قال: "صَدَقْتَ"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية (^١)، فإنْ صَحَّتْ هذه القصةُ فالآيةُ مَكِّيَّةٌ، والسُّورةُ مَدَنِيَّةٌ.
وقال ابن عباس ﵄: كرَمُ الدنيا الغِنى، وكرَمُ الآخرةِ التقوى (^٢).
وقال أبو هريرة ﵁: يُنادي مُنادٍ يومَ القيامة مِن بُطْنانِ العرشِ (^٣): يا أُمَّةَ أحمدَ (^٤)، إنَّ اللَّهَ تعالى يقول: إني وضَعْتُ لكم فيكم نسَبًا ولي نسَبًا، فرفَعْتُم أنسابَكم
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٩٧)، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٤). ورواه ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل" كما في "الدر المنثور" (٧/ ٥٧٨) عن ابن أبي مليكة مختصرًا، وكذا رواه عنه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٢٧٤).
(٢) رواه الديلمي في "الفردوس" (٤٨٩٣)، والخطيب البغدادي في "تلخيص المتشابه" (١/ ٣٣٠) عن ابن عباس ﵄. وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٨)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٧٥).
(٣) أي: من وسطه، وقيل: من أصله، وقيل: البُطْنان: جمع بطن، وهو الغامض من الأرض، يريد: من دواخل العرش. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ١٣٧).
(٤) في (ف): "يا محمد، يا أمة محمد".
[ ١٣ / ٥٢٢ ]
ووضَعْتُم نسَبي، فأنا اليومَ أرفعُ نسَبي وأضَعُ أنسابَكم، ألَا فليَقُمِ المُتَّقون (^١).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: إذا كانت الأصولُ تُرْبةً ونُطْفةً وعَلَقةً، فالتَّفاخرُ بماذا؟ أَبِتُرْبٍ مَسْنونٍ، أو بنُطْفَةٍ في قَرارٍ مَكينٍ، أو بماءٍ يَنْطوي عليه ظاهرُكَ، أو بأفعالكَ التي هي بالرِّياء مَشُوبةٌ، أو بأحوالكَ التي هي بالإعجاب مَصحُوبةٌ، أو بمُعاملَتِكَ التي كلُّها خيانةٌ؟!
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾: فـ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ (^٢) أبعدُكم مِن نفْسِه، وذلك أقربُكم مِن ربه (^٣).
* * *
(١٤) - ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾: وهذا مُتَّصِلٌ بما مَرَّ في ذِكْرِ جَفاءِ الأعراب في أخلاقهم وعقائدهم ورُؤْيَتِهم الفَضْلَ بأنسابهم وعشائرهم.
_________________
(١) رواه المعافى بن عمران في "الزهد" (١٣٣)، والحارث في "مسنده" (٨٥٦)، والطبراني في "الصغير" (٦٤٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٢٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٥٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٧٧٥)، والواحدي في "الوسيط (٤/ ١٥٩). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٨٤): فيه طلحة بن عمرو، وهو متروك. ورواه من طريق آخر الحاكم في "المستدرك" (٣٧٢٥)، وقال: هذا حديث عال غريب الإسناد والمتن، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: فيه المخزومي بن زبالة: ساقط.
(٢) في (أ): "هم"، وفي (ف): "فأتقاهم".
(٣) في (ف): "وأتقاهم أبعدهم من نفسه فذاك أقربهم من ربه" بدل من "فأتقاكم أبعدكم من نفسه وذلك أقربكم من ربه". وانظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٤٤٣).
[ ١٣ / ٥٢٣ ]
وقولُه تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾: أي: قالت طائفةٌ منهم: ﴿آمَنَّا﴾.
واختُلِفَ فيهم، والأظهرُ أنهم كانوا مُنافقين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ لِيُلْحِقَهم رسولُ اللَّهِ -ﷺ- بمراتبِ المؤمنين المُخْلِصين، فأَطْلَعَ اللَّهُ نبيَّه عليهم (^١)، فقال:
﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾: أي: لم تُصَدِّقوا بقلوبكم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ أي: استَسْلَمْتم لِخوفِ القتل، فقولوا: ﴿أَسْلَمْنَا﴾؛ أي: خَضَعْنا وانْقَدْنا.
﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أي: ولم يدخُلْ، و(ما) صِلَةٌ.
قال ابن عباس ﵄: نزلت الآيةُ في نفَرٍ مِن بني أسَدِ بنِ خُزيمةَ، قدِموا على رسول اللَّه -ﷺ- المدينةَ في سَنَةٍ جَدْبَةٍ، فأَظْهَروا شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، ولم يكونوا مؤمنين في السِّرِّ، فأفسَدوا طُرُقَ المدينة بالعَذِراتِ، فأَغْلَوا أسعارَهم، وكانوا يَغْدُون ويَرُوحون على رسول اللَّه -ﷺ-، ويقولون: أتَتْكَ العربُ بأنفسها على ظُهور رواحِلها، وجئناكَ بالأثقال والذَّراري، فيُريدون الصَّدَقَةَ، ويقولون: أَعْطِنا، ويَمُنُّون على رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٢).
وقال قتادةُ: واللَّهِ ما عَمَّتِ الأعرابَ؛ لأنَّ مِن العَرَبِ مَن يؤمِنُ باللَّه واليوم الآخر، ولكنْ كانوا حيًّا مِن أحياء العرب يَمُنُّونَ بإسلامهم على رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا: آمنَّا ولم نُقاتِلْكَ كما قاتلَكَ بنو فُلانٍ وبنو فُلانٍ، فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ (^٣).
وقال السُّدِّي: نزلَتْ في الأعراب الذي ذكرَهم اللَّهُ في سورة الفتحِ، وهُم
_________________
(١) في (أ): "على غيبتهم"، وفي (ف): "على عيبهم".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٥٩)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٧٧).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٤٣)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٥٨٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٩١).
[ ١٣ / ٥٢٤ ]
أعرابُ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأَسْلَمَ وأَشْجَعَ وغِفارٍ، كانوا يقولون: آمنا باللَّه؛ لِيَأْمَنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استُنْفِروا إلى الحُدَيْبِيَةِ تخلَّفوا (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: تُخْلِصوا وتتوبوا مِن النِّفاق.
﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾: أي: لا يَنْقُصْكم مِن ثواب أعمالِكم شيئًا، مِن (لاتَ يَلِيتُ).
وقال قُطْرُبٌ: ويجوزُ أنْ يكون مِن (وَلَتَ يَلِتُ)، وهو في معناه (^٢).
وقرأ أبو عمروٍ: ﴿ولا يَالِتْكُم﴾ بالألف وتَلْيين الهمزة (^٣) كما هو طريقُه في المهموزات (^٤)، وهو في معناه أيضًا، وقد (ألَتَه يَأْلِتُه)؛ أي: نقَصَه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].
وقال قُطْرُبٌ: يُقال: (ألَتَه بيمينٍ يَأْلِتُه)؛ أي: غلَّظَ عليه (^٥).
ورُوِيَ أنَّ رجلًا قام إلى عمرَ فوعظَه، فقال له رجل: لا تَأْلِتْ يا أميرَ المؤمنين (^٦)؛ أي: لا تُغَلِّظْ عليه.
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٥٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٥٤).
(٢) انظر: "غرائب التفسير" للكرماني (٢/ ١١٢٥)، و"الكتاب الفريد" للمنتجب الهمذاني (٥/ ٦٦٧).
(٣) في (أ): "بالألف وبتبيين الهمز"، وكلاهما ينسب لأبي عمرو، يعني التليين والتبيين، انظر التعليق الآتي.
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢). قال الداني: قرأ أبو عَمْرو: ﴿يألتكم﴾ بهمزة ساكنة بعد الياء، وإذا خفف أبدلها ألفًا، والباقون بغير همز ولا ألف.
(٥) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٢٩٠).
(٦) رواه ابن شبة في "تاريخ المدينة" (٢/ ٧٧٣) عن الحسن، وذكره أبو حيان التوحيدي في "البصائر والذخائر" (١/ ١٩).
[ ١٣ / ٥٢٥ ]
وقال هارون القارئُ على هذا: (لا يَأْلِتْكم)؛ أي: لا يُغَلِّظْ عليكم، وتحقيقُه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالأعمال بعد تصحيحِ الاعتقاد بالقلب، والإقرارِ باللِّسان، لا يُغَلِّظْ عليكم شيئًا مِن الأعمال؛ أي: الشَّرائعُ كلُّها سَهْلَةٌ سَمْحَةٌ لا غِلَظَ فيها.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفِرُ ما كان مِن الذُّنوب قبلَ (^١) التوبة والإخلاص.
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: صدَّقوا بقلوبهم، وأقرُّوا بألسِنَتِهم.
﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾: أي: لم يَشُكُّوا.
﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: أعداءَ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: المُحَقِّقون دَعْواهم، المُسْتَكْمِلون معناهم.
ولَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ جاؤوا وحلَفوا أنَّهم مُخْلِصون، فنزلَ قولُه تعالى:
﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾: التَّعليمُ هو الإعلامُ؛ كالتَّعْظيمِ هو الإعظامُ، استفهامٌ بمعنى التَّوبيخِ والإنكارِ.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: مِن الإخلاصِ والنِّفاقِ وغيرِ ذلك.
* * *
_________________
(١) في (ر): "بعد"، والمثبت من باقي النسخ، والمعنى واحد على أن تعلق (بعد) بـ "يغفر"، أو تعلق (قبل) بحال من "الذنوب".
[ ١٣ / ٥٢٦ ]
(١٧ - ١٨) - ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾: وهو بما حَكَيْنا عنهم.
﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: ليس هذا بتحقيق الإيمان لهم، بل معناه على الشَّرْط المذكور في آخره: ولو كنتُم آمَنْتُم كما ادَّعَيْتُم فصدَّقْتُموني سِرًّا وعَلانِيَةً، لكانت المِنَّةُ للَّه عليكم بأنْ هداكم.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ في روايةٍ (^١) بياء المُغايبة رَدًّا على قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة رَدًّا على قوله: ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ (^٢).
واللَّهُ تعالى أعلَمُ، وله الحمدُ والمِنَّةُ (^٣)
* * *
_________________
(١) في (ر): "في رواية أبي بكر"، وفي (ف): "في رواية حفص"، ورواية الياء جاءت في رواية عن حفص عن عاصم ذكرها الهذلي في "الكامل" (ص: ٦٣٩)، لكنها خلاف المشهور عن حفص. انظر التعليق الآتي.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، كلاهما عن ابن كثير وحده.
(٣) في (ف): "والحمد للَّه رب العالمين" بدل: "واللَّهُ تعالى أعلَمُ وله الحمدُ والمِنَّةُ".
[ ١٣ / ٥٢٧ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
سارية فايز عجلوني - جمال عبد الرحيم الفارس
المجلد الرابع عشر
دار اللباب
[ ١٤ / ١ ]