بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الَّذي يسبِّحُ له ما في السَّماوات والأرض وهو العزيز الحكيم الرَّحمنِ الَّذي وعدَ المصدِّقين والمتصدِّقين بالمضاعفة والأجر الكريم، الرحيمِ الَّذي بيده الفضلُ يؤتيه مَن يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ الحديد كُتِبَ مِن الَّذين آمنوا باللَّهِ ورُسُلِه، أولئك هم الصِّدِّيقون والشُّهداء عند ربِّهم" (^١).
وهذه السُّورة مدنيَّة.
وهي تسعٌ وعشرون آية، وقيل: ثمان وعشرون، والاختلاف في قوله: ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧].
وهي خمسُ مئة وثلاثٌ وسبعون كلمة، وألفان وأربعُ مئة وسبعون حرفًا (^٢).
وانتظامُ ختمِ تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّهما في التَّسبيح.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٧٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٣١). قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (أ) و(ف): "وتسعون حرفا". وفي "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٤١): كلمها خمس مئة وأربع وأربعون كلمة، وحروفها ألفان وأربع مئة وستَّة وسبعون حرفا.
[ ١٤ / ٢٨١ ]
وانتظامُ السُّورتَيْن: أنَّ تلك السُّورة في ذِكْرِ السَّابقين وأصحابِ اليمين والمكذِّبين الضَّالين، وهذه السُّورة في حثِّ السَّابقين وأصحاب اليمين على جهاد المكذِّبين الضَّالين، والإنفاق فيه على المجاهدين.
وافتُتِحَتِ السُّورة بذِكْرِ أنَّ جميعَ مَن في السَّماوات والأرض وما فيهما مُلْكُه، وهو سبحانَه غنيٌّ عنهم، وإنَّما أمرَ بجهادِ الكفَّار لا لعجزِه عن إهلاكِهم، لكن امتحانًا لهم ليتميَّز صادقُهم من كاذبهم.
* * *
(١) - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: يحتمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ جميعَ ما في السَّماوات والأرض (^١) مِن أصنافِ الخلائقِ -حيوانِه ومواتِه، وناميه وجمادِه، وجواهرِه وأعراضِه- دليلٌ على اللَّهِ تعالى وحدَه، وعلى أنَّه عزيزٌ حكيمٌ، مالكٌ لأصنافِ الخلائقِ كلِّها، قادرٌ على إحياءِ مَوتاها وإماتةِ أحيائِها، وعلى كلِّ شيءٍ يريدُه، فهي بما فيها من آثار الصَّنعة وشواهدِ الحدوث تنزِّهُهُ -ﷻ- عمَّا يضيفُه إليه المشركون مِن الشُّركاء والأنداد، ويحرِّفون مِن صفاته أهلُ الإلحاد، ويشهدُ بأنَّه ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: المنيعُ بسلطانِه وجلالِه، ﴿الْحَكِيمُ﴾: المصيبُ في أقوالِه وأفعالِه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يقول: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾: صلَّى للَّهِ ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾: مِن الملائكةِ والشَّمس والقمرِ والنُّجوم، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: مِن الجبال والأنهار والأشجارِ والطَّير والدَّوابِ، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: مِن الرِّياح والسَّحاب، وما فيه روحٌ
_________________
(١) في (ر): "وما فيها ملكه".
[ ١٤ / ٢٨٢ ]
وما لا روحَ فيه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع بالنِّقمة ممَّن يشاء (^١)، ﴿الْحَكِيمُ﴾: في أمره (^٢).
وقال ابن كيسان: التَّسبيحُ: التَّحميدُ والتَّقديسُ مِن الخلقِ للَّه تعالى، وهو على وجهَيْن:
أحدهما: عبادتُه وتعظيمُه بما هو أهلُه مِن قولٍ وعملٍ ممَّن هو مِن أهلِ الاختيار.
والآخرُ: أنَّ اللَّه تعالى فطرَ الخلقَ على فطرةٍ تشهدُ لخالقِها أنَّه لا شريكَ له في خلقِها، وأنَّه ليس كمثلِها.
فكلُّ شيءٍ -على هذا- للَّه تعالى يسبِّح، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ أي: يشهدُ أنَّه لا شريكَ له، ونظيرُه قولُه: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣].
* * *
(٢) - ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: خزائنُ السَّماوات والأرض مِن المطرِ والنَّبات وغير ذلك، ﴿يُحْيِي﴾ عندَ البعث، ﴿وَيُمِيتُ﴾ في الدُّنيا (^٣).
وقال ابن كيسان: أي: هو مليكُهُما، لا خالقَ لهما سواه، يحيى الميِّت من النُّطفة والأرضِ والأشجارِ بعد موتها، ويميْتُ الحيَّ منها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بالنعمة ممن يشاء"، وفي "تنوير المقباس": (بالنقمة لمن لا يؤمن به).
(٢) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٥٦).
(٣) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٥٦).
[ ١٤ / ٢٨٣ ]
وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: يحيي بالطَّاعة ويميْتُ بالمعصيةِ.
وقال مقاتل بن حيان: يحيي بالفضلِ، ويميْتُ بالعدلِ.
وقال أبو بكر الورَّاق: يحيي بالعلم، ويميْتُ بالجهل.
وقال قتادة: يحيي بالإيمان والطَّاعة، ويميْتُ بالكفر والمعصية (^١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من هذا وغيره ﴿قَدِيرٌ﴾.
* * *
(٣) - ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: ﴿الْأَوَّلُ﴾: السَّابق قبل كلِّ شيءٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾: الباقي بعد كلِّ شيء، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ لوضوح الدَّلائل على وجودِه، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ فلا يُرَى في دار التَّكليف.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: لا يخفَى عليه شيءٌ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿الْأَوَّلُ﴾: قبلَ كلِّ شيءٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾: بعدَ كلِّ شيءٍ، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾: الغالبُ على كلِّ شيءٍ، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: العالمُ بكلِّ شيءٍ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ يعني: سواءٌ عليه الظَّاهر والباطن (^٢).
وقال الضَّحَّاك ﵀: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾: الذي أوَّلُ الأوائل، ﴿وَالْآخِرُ﴾: الذي آخرُ الأواخر، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾: الذي أظهرُ الظَّواهر، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: الذي أبطنُ البواطن (^٣).
وقال ابن كيسان: ﴿الْأَوَّلُ﴾: قبلَ كلِّ كائنٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾: بعدَ كلِّ كائنٍ،
_________________
(١) لم أقف على هذه الآثار.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢٧)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ٤٥٦).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢٨).
[ ١٤ / ٢٨٤ ]
﴿وَالظَّاهِرُ﴾: الذي أظهرَ لخلقِه أنَّه الخالقُ مِن غيرِ أنْ يجاهروه، وظهرَ عليهم بالقدرةِ بحكم ما يشاءُ فيهم، فلا يمتنعون من تدبيره فيهم، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: الخبيرُ بكلِّ خلقٍ منهم، وبكلِّ ما يعملون في ظاهرهم وباطنهم.
وقال مجاهد ﵀: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بلا تأويلِ أحدٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بلا تأخير أحدٍ، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بلا إظهارِ أحدٍ، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بلا إبطانِ أحدٍ (^١).
وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بلا ابتداءٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بلا انتهاءٍ، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بلا اختفاءٍ، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بلا احتواء.
وقال سعيد بن المسيَّب ﵀: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بالقدرة، قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالقدرة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالقدرة؛ قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٥]، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالقدرة؛ قال تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥].
وقال سفيان (^٢): ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بالخلق، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالرِّزق، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالإحياء، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالإماتة (^٣).
وقال عليُّ بنُ موسى الرِّضا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ ببرِّه (^٤) إذ عرَّفك توحيدَه، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بوجوده إذ عرّفك التَّوبة، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بكرمه إذ وفَّقك للسُّجود له، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بستره إذ عصيتَه فسترَ عليك (^٥).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢٨) عن مقاتل بن حيان.
(٢) في (أ) و(ف): "شقيق".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢٨) عن ابن عمر ﵄.
(٤) في (أ): "بسره".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢٨) عن السدي.
[ ١٤ / ٢٨٥ ]
وقال الحسين بن الفضل ﵀: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بلا ابتداء، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بلا انتهاء، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بلا اقتراب، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بلا احتجاب.
وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بالأزليَّة، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالأبديَّة، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالأحديَّة، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالصمديَّة.
وقال محمد بن عليٍّ التِّرمذيُّ ﵀: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بالتَّأليف، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالتَّكليف، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالتَّصريف، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالتَّعريف (^١).
وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بالعناية، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالهداية (^٢)، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالرِّعاية، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالولاية.
وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بالإعلام، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالإلزام (^٣)، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالإنعام، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالإكرام.
وقال عبدُ العزيز بن يحيى ﵀: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ لم يزلْ قبلَ الأشياء لا عن ابتداءٍ في الأزل، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بعدَ الأشياء لا إلى انتهاءٍ في أبد، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ المتجلِّي للعقول بما دلَّ على نفسِه من أصنافِ خلقِه، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ الَّذي لا تدركُه الأبصارُ لتعاليه في ذاته (^٤).
وقال بسَّام بن عبد اللَّه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بالتَّكوين، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالتَّلقين، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالتَّبيين، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالتَّزيين.
_________________
(١) ذكر هذه الأقوال الثلاثة الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٢) في (ف): "بالنهاية".
(٣) في (ر): "بالإكرام".
(٤) لم أقف عليه، ولعبد العزيز بن يحيى قول آخر في "تفسير الثعلبي" (٩/ ٢٢٨).
[ ١٤ / ٢٨٦ ]
بيان التَّكوين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وبيان التَّلقين في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وبيان التَّبيين في قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، وبيان التَّزيين في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] (^١).
وقيل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ الذي لا تسبقُه (^٢) الأدوار، ﴿وَالْآخِرُ﴾ الَّذي لا تلحقه الأطوار، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ الَّذي لا تخفى عليه الأسرار، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ الَّذي لا تدركُه الأبصار.
وقيل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ الَّذي يستحقُّ الوصف بالقِدم، ﴿وَالْآخِرُ﴾ الَّذي يستحيلُ عليه الوصف بالعَدم، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالعلوِّ والرِّفعة، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالعلم والحكمة.
وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ فلا افتتاحَ لوجودِه، ﴿وَالْآخِرُ﴾ فلا انقطاعَ لثبوتِه، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ فلا خفاءَ لجلالِ عزِّه، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ فلا سبيلَ إلى إدراكِه.
وقيل: مَن كانَ الغالبُ على قلبِه اسمَه الأوَّلَ كانت فكرتُه في سابقتِه بماذا سمَّاه مولاه، وما الذي جرى له في سابق حكمِه، أأسعدَه أم أشقاهُ؟
ومَن كان الغالبُ على قلبِه اسمَه الآخِرَ كانت فكرتُه في أنَّه بماذا يُختَم له حاله، وإلى ماذا يصير مآلُه، أعلى التَّوحيد يخرجُ مِن دنياه، أم في النَّار الكبرى غدًا مثواه؟
وَمن كان الغالبُ على قلبِه اسمَه الظَّاهرَ فاشتغالُه بشكرِ ما يجري في الحالِ مِن توفيقِ الإحسانِ، وتحقيقِ الإيمانِ، وجميلِ الكفاية، وحسنِ الرِّعاية.
ومَن كان الغالبُ على قلبِه اسمَه الباطنَ كانت فكرتُه في استبهامِ أمرِه عليه، فليس يدري أفضلٌ ما يعاملُه به ربُّه، أم مكرٌ يستدرجُه به ربُّه؟
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢٩) بلا نسبة.
(٢) في (أ): "يسعه".
[ ١٤ / ٢٨٧ ]
وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ علِمَ ما يفعلُه عبادُه فلم يمنعْه علمُه من تعريفهم، ﴿وَالْآخِرُ﴾ رأى ما عملوا فلم يمنعْه مِن غفرانِهم، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ ليسَ يخفَى عليه شيءٌ مِن شأنِهم، وليسَ يدعُ شيئًا من إحسانِهم، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ يعلمُ ما ليسَ لهم به علمٌ مِن خسرانِهم ونقصانِهم، فيدفعُ عنهم فنونَ محنِهم وأحزانِهم.
* * *
(٤ - ٦) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: فسَّرناه في (سورة الأعراف).
﴿مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: فسَّرناه في (سورة سبأ).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: أي: عالمٌ بكم، لا يخفى عليه شيءٌ من أحوالِكم وأفعالِكم وأقوالِكم.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: وهو على مجازاتِكُم على وفقِ عملِكُم قديرٌ.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: فسَّرنا هذا كلَّه مرَّات.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: فسَّرناه في (سورة آل عمران) وغيرها.
﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بخفيَّات الصُّدور، ومَن قدرَ على هذه الأشياءِ، وعلم بالأشياءِ، فلن يعجزَهُ (^١) إهلاكُ مَن كفرَ به، فلا تتوهَّموا معاشرَ المسلمين أنَّ
_________________
(١) في (أ): "فلم يعجز"، وفي (ر): "لم يعجزه".
[ ١٤ / ٢٨٨ ]
إمهالَ الكفَّارِ لعجزٍ، وأنَّ أمري إيَّاكم بجهادهم لحاجةٍ، لكنْ لأبتليَكم به، وأعوضَكم عليه النَّعيم المقيم الذي خلقْتُكُم له وخلقْتُه لكم، وهو وجهُ انتظامِ هذا بما بعدَه.
* * *
(٧) - ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: أوضحْتُ الدَّلائل على أنَّه لا يستحقُّ العبادةَ غيري، فاعبدوني وآمنوا بي، وصدِّقوا رسولي فيما يخبرُكُم به عنِّي، وهذا في حقِّ المؤمنين أمرٌ بالدَّوام على إيمانهم، وفي حقِّ الكفَّار أمرٌ بابتدائِه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾؛ أي: مِن المالِ الَّذي هو للَّه، وقد أعطاكُم بعدما كان عند غيركم، وقد جعلكم فيه خلفاء عن الماضين، فأنفقوا في جهادِ أعداءِ اللَّهِ مالَ اللَّهِ، مع الجهادِ بأنفسِكُم الَّتي هي للَّه.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا﴾ في سبيلِه بأمرِه طلبًا لمرضاتِه ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: ثواب عظيم في الآخرة.
* * *
(٨) - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: قرأ أبو عَمرو: ﴿وقد أُخِذَ﴾ بالضَّم ﴿ميثاقُكُم﴾ بالرَّفع، على ما لم يُسمَّ فاعله، وقرأ الباقون: ﴿أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ على الفعل الظَّاهر (^١).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٨).
[ ١٤ / ٢٨٩ ]
وهذا الكلامُ خرجَ مخرجَ الاستبطاءِ والإخبارِ بزوال المانع؛ أي: أيُّ عذرٍ لكم في تركِ الإيمانِ باللَّهِ، وقد أقيمَتْ البراهينُ على ما تُؤمَرون به سمعًا وعقلًا:
أمَّا العقلُ: ما دلَّ دلائلُ العقلِ على صدقِ الرَّسول في دعوى النُّبوَّة، بما أظهرَه اللَّهُ تعالى على يدِه من المعجزات التي هي خارجةٌ عن قِوى البشر، وذلك أخذُ الميثاقِ منهم به.
وأمَّا السَّمع: فهو ما يدعوهم إليه الرَّسول من الإيمان بمَن هو ربُّهم، دونَ مَن هو مربوبٌ مثلُهم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إنْ كنْتُم ممَّنْ همُّكُم التَّصديق بما يقومُ البرهان على صحَّتِه، فقد قام ذلك سمعًا وعقلًا.
وهذا إذا جُعل هذا خطابًا للمشركين.
وإنْ جُعل خطابًا للمؤمنين فمعناه: أيُّ سببٍ يزيلُكُم عن الإيمانِ والرَّسولُ بينَ أظهرِكُم يدعوكُم إلى الثَّبات عليه، وقد أَخذ هو عليه ميثاقَكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: موقنين بشرائطِ الإيمان، وهو كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ.. .﴾ الآية [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].
وعلى التَّأويل الأوَّل: أَخْذُ الميثاقِ مِنَ اللَّهِ تعالى على عبادِه، وهو ميثاقُ الخِلْقَةِ.
وقيل: هو أخذُ ميثاقِ الذُّرِّيَّةِ.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ
[ ١٤ / ٢٩٠ ]
مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أخبرَ بأنَّ الرَّسول إنَّما لزمَتْ دعوته لِمَا أيَّده اللَّهُ تعالى به مِن المعجزات التي أظهرها على يديه تخليصًا للنَّاسِ من ظلماتِ الكُفْرِ إلى نورِ الإيمانِ.
ويحتملُ أنْ تكون الآياتُ آياتِ القرآنِ، وهو لإعجازِه مِنَ المعجزاتِ أيضًا.
﴿اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: لرأفتِه ورحمتِه لم يُخلْكُم فيما تَعبَّدَكم به من مواصلةِ الحُجج.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وأيُّ عذرٍ لكم في تركِ الإنفاقِ مِن أموالِكُم في سبيلِه وقد علمتم أنَّ هذه الأموال تزولُ عن أيديكم إلى غيركم كما زالَتْ عن غيركم إليكم فصرْتُم مستخلَفِيْن فيها، ثمَّ هكذا يكون قرنًا بعدَ قرنٍ إلى أنْ تصيرَ لا مالِكَ لها مِنَ البشر (^١)، ويرثُها اللَّهُ تعالى وهو خير الوارثين؛ أي: لا يبقى لها مَن يدَّعيها، ويخلص مضافًا إلى اللَّه تعالى؛ أي: كيفَ تبخلونَ بأموالٍ هذه حالُها، وبإنفاقِها في سبيل اللَّه يكون لكم في الآخرة منالها (^٢).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال زيد بن أسلم وقتادة رحمهما اللَّه: أي: قبل فتح مكَّة (^٣).
وقال عامر: أي: فتح الحديبية (^٤).
_________________
(١) "من البشر" ليس في (أ).
(٢) في (ر): "مثالها".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٩٣).
(٤) المصدر السابق.
[ ١٤ / ٢٩١ ]
وهاهنا اختصارٌ، وتقديرُه: ومَنْ أنفقَ وقاتلَ بعدَ الفتحِ، وهذا كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩]، وإنَّما صحَّ ذلك لوضوح المراد، يقولُ: لا يستوي في الفضْلِ مَن أنفقَ في سبيلِ اللَّهِ وجاهدَ أعداءَ اللَّهِ قبلَ فتحِ مكَّة ومَن فعلَ ذلكَ بعدُ.
﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾: أي: مِن بعدِ الفتح (^١) ﴿وَقَاتَلُوا﴾ لعزَّة الإسلام وأهلِه، وشدَّة الحاجة إلى مَن ينصرُه؛ أي: فبادِروا إلى تحصيلِ هذه الفضيلةِ.
قال الكلبيُّ ﵀: نزلَتْ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾؛ يعني: أبا بكرٍ وأصحابَه ﴿مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (^٢).
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: أي: فكلَّ واحدٍ مِن هذين الفريقَيْن له وعدُ الجنَّة؛ لأَنَّهم جميعًا مطيعون للَّه، عاملون بأمرِه، لكنَّ الدَّرجات في الجنَّة متفاوتة.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: بأعمالِكم ومقاديرِها؛ أي: ويجازي كُلًّا على وفقِ عملِه.
* * *
(١١) - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: أي: مَن ذا الَّذي ينفقُ في سبيلِ اللَّه إنفاقًا حسنًا، مضمونًا بدلُه على اللَّه بالأضعافِ الكثيرة بوعدِه الصَّادقِ والكائنِ لا محالةَ، وهو قوله:
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: قرأ ابن كثير: ﴿فيضعِّفُه له﴾ بالتَّشديد لِلْعين ورفع الفاء، ومثله
_________________
(١) في (ر): "فتح مكة".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٣٢).
[ ١٤ / ٢٩٢ ]
ابن عامر لكن بنصب الفاء، وقرأ عاصم: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالألف ونصب الفاء، ومثله الباقون إلَّا أنَّهم رفعوا الفاء (^١).
والمضاعفةُ والتَّضعيف واحدٌ، وهو الزِّيادة على الشَّيء مثلَه أو زيادة.
والنَّصب على أنَّه جوابُ الاستفهام بالفاء، والرَّفع على العطف على ﴿يُقْرِضُ﴾.
والقرض الحسنُ يكون بمعانٍ: بالإخلاصِ، وبطيبِ النَّفسِ باختيارِ الأعزِّ الأنفَسِ مِن مالِه للإنفاقِ، وبالإخفاءِ، وبقَبول المنَّةِ مِن اللَّه تعالى بالأمر به، وبخوفِ الرَّدِّ، وبرجاءِ القَبول، وبترك الاعتماد عليه، وبترك ملاحظة العِوَضِ، وغير ذلك.
والأضعافُ الكثيرةُ ما ذُكِرَ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾: أي: ثوابٌ خطير (^٢).
قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلَتْ في أبي الدَّحداح (^٣). وقد ذكرنا قصَّته في سورة البقرة.
* * *
(١٢) - ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٨١).
(٢) في (ف): "عظيم".
(٣) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ٤٥٧). وقد رواه سعيد بن منصور في "سننه - التفسير" (٤١٧)، والبزار في "مسنده" (٢٠٣٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٤٩٨٦)، والطبري في "تفسيره" (٤/ ٤٣٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٣٠١)، كلهم عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
[ ١٤ / ٢٩٣ ]
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: أي: يحصلُ هذا الأجرُ الكريمُ إليهم يومَ القيامة، وهو يوم يسعى للمؤمنين من الرِّجال والنِّساء نورٌ مِن بين أيديهم إلى الجنَّة وبأيمانهم.
قيل: لأنَّ اليمين طريقُ الجنَّة.
وقيل: بأيمانهم؛ أي: تكونُ كتبُهم التي يُعطونها بأيمانهم فيها نورٌ، ثمَّ إذا توجَّهوا إلى الجنَّة صارَ بينَ أيديهم.
﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾: أي: يُقال لهم: لكم البُشرى اليوم ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ أي: الخلاص عن كلِّ مرهوبٍ، والظَّفرُ بكلِّ محبوب.
قال ابن عبَّاس ﵄: هو النُّور يكون على الصِّراط (^١).
وقيل: في عَرْصَةِ القيامة، ولا نورَ هناك إلَّا نورُ الإيمان والطَّاعة، وكلٌّ يُعطَى نورًا على قدر عملِه.
* * *
(١٣) - ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: ويكون هذا للمؤمنين في اليوم الَّذي يتوجَّه المؤمنون والمنافقون جميعًا من القبور إلى حيث أُمِروا، وللمؤمنين نورٌ، والمنافقون يمشون في نورِهم تَبعًا لهم (^٢)، فيُسرِعُ المؤمنون
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٣٩٥)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ٣١٩)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ١٧٩).
(٢) "لهم" ليس في (أ).
[ ١٤ / ٢٩٤ ]
بقوَّة إيمانِهم، فيتباعدُ المنافقون عنهم بالتَّخلُّف، فينقطع نورُهم عنهم، فيقولون:
﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: أي: انتظرونا نأخذْ حظًّا من نورِكُم.
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾: قال بعضُهم: تقول لهم الملائكةُ.
وقال بعضُهم: يقول ذلك المؤمنون: ارجعوا خلفَكُم.
﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾: أي: فاطلبوا لأنفسِكُم نورًا ثَمَّ، فإنَّا حملناه مِن ثَمَّ (^١)، فيظنُّ المنافقون أنَّهم أخذوا النُّور مِن موضعٍ هناك، ولا يعلمون أنَّهم يريدون أنَّا حملنا هذا النُّور مِن الدُّنيا بالإيمانِ والطَّاعة، ويريدون بقولهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ التَّوبيخَ دون التَّحقيق للأمر بالرُّجوع، فيلتفِتُ المنافقون نظرًا (^٢) إلى موضع النُّور في زعمِهم.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ قيل: أي: جُعل بينَ الفريقَيْن حائط، وقيل: هو حاجز، وقيل: هو الأعراف.
﴿لَهُ بَابٌ﴾ قيل: هو بابٌ حقيقةً، وقيل: طريق (^٣).
﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: أي: مما يلي المؤمنين الجنَّة.
﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾: أي: ومما يلي المنافقين النَّار.
* * *
(١٤) - ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
﴿يُنَادُونَهُمْ﴾: أي: ينادي المنافقون المؤمنين: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدُّنيا في
_________________
(١) في (ف): "ثمة" في الموضعين.
(٢) في (ر): "ينظر"، وليست في (أ).
(٣) "قيل هو باب حقيقة. وقيل طريق" ليس في (أ).
[ ١٤ / ٢٩٥ ]
المنازلِ والمساجدِ، نصلِّي كما تصلُّون، ونصوم كما تصومون.
﴿قَالُوا بَلَى﴾: كنْتُم معنا في الظَّاهر دون الباطن ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قيل (^١): أهلكْتُم، وقيل: أثمْتُم.
﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾: أي: انتظرْتُم بالنَّبيِّ -ﷺ- وبالمؤمنين الدَّوائر، كما قالوا: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقيل: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾؛ أي: دافعْتُم الأنام (^٢) بالإيمان باللَّه ورسوله على الإخلاص.
وقيل: أخَّرْتُم التَّوبة.
﴿وَارْتَبْتُمْ﴾: قيل: أي: شككْتُم في البعث، وقيل: أي: في حقيقة (^٣) الإسلام.
وقيل: حملكم شؤمُ العصيان وتأخيرُ التَّوبة إلى أنْ شكَكْتُم في اللَّهِ وكفرْتُم بعدَ الإسلام.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾: أي: اغتررْتُم بأمانيِّكم الكاذبةِ ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: أي: بالموت ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وقد كانَ غرَّكُم الشَّيطانُ الغَرورُ باللَّه، بأنْ أطمعَكُم في النَّجاةِ والدَّرجات، كما أخبرَ اللَّهُ عن بعضِهم: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية [الكهف: ٣٦]، ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية [فصلت: ٥٠].
* * *
(١٥) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
_________________
(١) "قيل" من (ف).
(٢) في (أ): "رافعتم الأيام".
(٣) في (ر): "حقية".
[ ١٤ / ٢٩٦ ]
﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾: أي: لا تكون، لا أنْ تُعطوا فلا يُؤخَذ، لكن لا يُؤخَذ لِمَا أنَّه لا يكون.
﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معلنين.
﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾؛ أي: مصيرُكم ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾؛ أي: أولى بكم ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النَّار.
وقيل: إعطاء النُّور في الابتداءِ، وسلبُه في الانتهاء، هو جزاءُ نفاقِهم، وتحقيقُ قوله اللَّه تعالى فيهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]؛ أي: يجازيهم بمثله.
* * *
(١٦) - ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: ألم يَحِنْ، وقد أَنَى يأني إنًى.
قيل: هو خطابٌ للَّذين آمنوا مِن أهل الكتاب بكتابِهم ورسولِهم، يقول: ألم يأنِ لهم أنْ تخشعَ قلوبُهم؛ أي: تلينَ لذكر اللَّهِ؛ أي: لوعظِ اللَّه.
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: القرآن على محمَّدٍ -ﷺ-.
﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ في العهدِ الأوَّل ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾؛ أي: الزَّمان بينَهم وبينَ نبيِّهم.
وقيل: أي: وقتُ الجزاء.
وقيل: أي: مجيءُ القيامة.
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: غلظَتْ ويبسَتْ.
[ ١٤ / ٢٩٧ ]
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة اللَّه تعالى.
وقوله تعالى في أوَّل الآية: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ليس للإيمان المطلَقِ الصَّحيح، بل إيمانهم بكتابهم ونبيِّهم لا غير، وعلى هذا ما ذَكَرَ في آخر السُّورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
وهو معنى قول الكلبيِّ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في العلانية ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١).
ولها وجوهٌ ذكرَها المفسرون:
قال مقاتلٌ: كان المنافقون لا تَرِقُّ قلوبُهم لذكرِ اللَّهِ والقرآن، فقسَتْ قلوبُهم فلم تَلِنْ (^٢)، إلَّا قليلٌ منها أخلصوا بعدَ نفاقِهم (^٣).
وقال ابنُ مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه: مَلَّ أصحابُ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- مَلَّةً، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، لو قصصْتَ علينا قصَّةً، فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فقالوا: يا رسول اللَّه، لو ذكَّرْتَنا ووعظْتَنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (^٤).
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٧٧).
(٢) في (ر) و(ف): "يكن".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٤١).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤٠). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٢٤٨) عن عون بن عبد اللَّه، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣٨) عن القاسم. رواه البزار في "مسنده" (١١٥٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٧٤٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٢٠٩)، والضياء في "المختارة" (١٠٦٩)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وحسنه الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣٦٣٤).
[ ١٤ / ٢٩٨ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ اللَّه تعالى استبطأَ قلوبَ المؤمنين، فعاتبَهم على رأسِ ثلاثَ عشرةَ سنةً مِن نزولِ القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا. . .﴾ الآية (^١).
وقال ابن مسعود: ما كان بينَ إسلامِنا وبينَ أنْ عوتِبْنا بهذه الآيةِ إلَّا أربعُ سنينٍ، فجعل المؤمنون يعاتب بعضُهم بعضًا (^٢).
وقال الحسنُ: أَمَا واللَّهِ لقد استبطأهم وإنَّهم خيُر أهلِ الأرضِ وأحبُّهم إليه، وقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقلَّ مما تقرؤون، فانظروا في طول ما قرأتم منه، وما ظهرَ فيكم من القسوة (^٣)، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ لِمَا أُعْطوا مِن النِّعَم وأُلْبِسوا مِن العافية.
وروي أنَّه كان في جماعةٍ منهم مزاحٌ، فعُوتبوا عليه، فبكَوا، وأَعْتَبوا ربّهم (^٤).
وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ: كانوا بمكَّة مجدِّيْنَ، فلمَّا هاجروا أصابوا النِّعمة، ففتروا عمَّا كانوا فيه، فقسَتْ قلوبُهم، فينبغي للمؤمنين أن يزدادوا يقينًا وإخلاصًا وخشوعًا في صحبة الكتاب (^٥).
وقال ابن كيسان: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا لبعض المؤمنين، فقد وصف اللَّه تعالى قومًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]، وقال: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣]، وكان فيهم مقصِّرون، فاستعتبهم اللَّه بهذه الآية.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣٨).
(٢) رواه مسلم (٣٠٢٧).
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٧٧).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣٨) عن مقاتل بن حيان، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥٧١٥) عن عبد العزيز بن أبي رواد. وقوله: "وأعتبوا ربهم"؛ أي: أعطوه العتبى، تقولُ: اسْتَعْتَبه فأَعتَبَه؛ أي: استرضاه فأرضاه.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤١)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ٢٩٢).
[ ١٤ / ٢٩٩ ]
ورُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ قُرِئ بينَ يديهِ هذه الآية وعندَه قومٌ مِن اليمنِ، فبكوا بكاءً شديدًا، فنظرَ إليهم أبو بكر فقال: هكذا كنَّا حتَّى قسَتِ القلوبُ (^١).
وكان فضيلُ بنُ عياض مِن أبناءِ الدُّنيا وأهلِ الدَّعارة كما قيل، فمرَّ ذات يومٍ برجلٍ فقرأ هذه الآية، فقال: بلى آن، وجاوز الحدَّ، وكان ذلك سببَ توبتِهِ (^٢).
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: قال ابن عبَّاس: يعني: يُلِيْنُ القلوبَ بعدَ قساوتها (^٣). وهو وجهُ النَّظم.
وقيل: هو يُحيي الأرضَ بعد موتِها، فيُحيي الخلقَ بعدَ موتِهم، فيجزي كلًّا بعملِه، ولا يسوِّي بينَ الخاشعِ والقاسي.
وقيل: هو تعريفُ الكفَّارِ إحياءَ الخلْقِ بعدَ الموت.
وقيل: هو حثُّ أهلِ الكتاب على تدبُّر القرآنِ لتحيا قلوبُهم.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ليتدبَّروا فيعرفوا.
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ١٣٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥٥٢٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٠٠)، لكن دون تعيين الآيات التي قرئت عليهم.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٩٣٥)، والقشيري في "الرسالة" (ص: ٢٥). وانظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٤/ ٤٧)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٣/ ٢٨١ - ٢٨٦)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٨/ ٤٢٣).
(٣) رواه ابن المبارك عن ابن عباس ﵄، كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٧)، وهو في "الزهد" لابن المبارك (٢٦١)، لكن عن صالح المري.
[ ١٤ / ٣٠٠ ]
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾: قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر بتخفيفِ الصَّاد، وهو من التَّصديق، وقرأ الباقون بتشديد الصَّاد، وهو من التَّصدُّق بإدغام التَّاء في الصَّاد (^١).
قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: عطَفَ الفعلَ على الاسمِ لأنَّ تقديرَه: إنَّ الَّذين تَصَدَّقوا -أو: صَدَّقوا- اللَّهَ ورسولَه، وأقرضوا اللَّه قرضًا حسنًا.
وعلى قراءة التَّشديد الصَّدقة على الفرائض، والإقراض على النَّوافل.
وقيل: القرضُ في كلِّ فعلٍ حسنٍ؛ قال الشَّاعرُ:
وإذا جوزيْتَ قرضًا فاجْزِه إنَّما يَجْزِي الفتى ليسَ الجمل (^٢)
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾: فسَّرناه في هذه السُّورة.
* * *
(١٩) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾: إنْ جُعِلَ هذا في أهل الكتاب كما مرَّ في الآية الأولى فمعناه: أولئك المبالِغون في الصِّدْقِ صدَّقوا بالكتاب الأوَّل والرَّسول الأوَّل، وبهذا الكتاب وبهذا
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٨). قال ابن زنجلة في "حجة القراءات" (ص: ٧٠١): وحجة من خفَّف هي أنَ التَّخفيف في قوله: ﴿المصَدِّقين﴾ أعم من التشديد، ألا ترى أن ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾ بالتشديد مقصورةٌ على الصدقة، و﴿المصَدِّقين﴾ بالتَّخفيف يعم التَّصديق والصَّدقة؛ لأن الصَّدقة من الإيمان، فهو أوجب في باب المدح.
(٢) البيت للبيد بن ربيعة. انظر: "ديوانه" (ص: ٩١).
[ ١٤ / ٣٠١ ]
الرَّسول، ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: يومَ القيامةِ، من قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وإنْ حُمِلَ على كلِّ مؤمنٍ فهو مِنَ الصِّدِّيقين أيضًا بصدقِ (^١) ظاهرِه وباطنِه وقولِه وعملِه، وهو مِن شهداء الآخرة أيضًا؛ لأنَّه مِن هذه الأمَّة، وقد قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقيل: عند قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وقفٌ وبعده ابتداء: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾؛ أي: الشهداء في سبيل اللَّه لهم يوم القيامة أجرهم ونورهم.
وقيل: هما موصولان، والشَّهادة صفةُ الكلِّ.
قال الحسنُ ﵀: ما سألَ اللَّهَ عبدٌ الشَّهادة مخلصًا مِن قلبِه فماتَ على فراشِهِ إلَّا كان شهيدًا، ثمَّ تلا هذه الآية (^٢).
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: هم الذين خالفوا الأوَّلين في الصِّفة، فخالفوهم في الجزاء.
* * *
(٢٠) - ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ
_________________
(١) في (أ): "الصدق".
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤١٤)، والحاكم في "المستدرك" (٢٥٢٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤٤) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وروى معناه مسلم (١٩٠٩) عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده، أن النبي -ﷺ- قال: "من سأل اللَّه الشهادة بصدق، بلَّغه اللَّه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه". وبمعناه رواه أيضًا مسلم (١٩٠٨) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من طلب الشهادة صادقًا، أعطيها، ولو لم تصبه".
[ ١٤ / ٣٠٢ ]
وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: وهو في الحثِّ على الجهادِ بالنَّفس والمالِ كما تقدَّمَ، فإنَّ التَّقاعدَ عنه لا يكون إلَّا لحبِّ الحياة الدُّنيا.
وقيل: هي في خطابِ المشركين المكذِّبين رسولَ اللَّهِ -ﷺ- ميلًا منهم إلى بقاء الرِّئاسة لهم على أتباعهم، وتعزُّزًا بهم، وتكثُّرًا بأموالِهم، وتفاخُرًا بأحوالهم، فبيَّنَ أنَّ ذلك كلَّه لعبٌ ولهوٌ لا حقيقةَ له.
وقيل: ﴿لَعِبٌ﴾ كلعبِ الصِّبيان، ﴿وَلَهْوٌ﴾ كلهو الفتيان، ﴿وَزِينَةٌ﴾ كزينة النِّسوان، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ كتفاخر الأقران، ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ كتكاثر الدِّهْقان.
وقيل: هذه أحوالٌ مترادفةٌ للإنسان إلى أربعين سنة، كلُّ صفةٍ لثمانِ سنين، ﴿لَعِبٌ﴾ ثمان سنين، ﴿وَلَهْوٌ﴾ ثمان سنين، ﴿وَزِينَةٌ﴾ ثمان سنين، ﴿وَتَفَاخُرٌ﴾ ثمان سنين، ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾ ثمان سنين.
فإنْ تأمَّلَ وتنبَّه وصلح عند كمال عقلِه وتزوَّد لمعاده، وإلَّا فقد خسر خسرانًا مبينًا، وضلَّ ضلالًا بعيدًا.
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾: أي: مطر ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾؛ أي: راقَ الزُّرَّاع، جمع كافر، وهو الزَّارع، سُمِّيَ به لأنَّه يَكْفُرُ البذرَ في الأرض؛ أي: يَسترُه.
وقيل: خصَّ الكفَّارَ لأنَّهم ينكرون الآخرةَ، فلا يعرفون إلَّا العاجلة، فهم بها أعلقُ، وهي لهم أَرْوَقُ.
[ ١٤ / ٣٠٣ ]
﴿نَبَاتُهُ﴾: أي: النَّبات الحاصل بالغيث ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾؛ أي: ييبس ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾: هشيمًا متكسِّرًا، هذه عاقبة الدُّنيا لأهلِها، ومثال أحوالها.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لمن رغبَ في الحياة الدُّنيا فشغلَه ذلك عن الآخرة.
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾: لمن تزوَّد منها للآخرة.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: لمن يركَنُ إليها ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: متعةٌ يَتمتَّع بها، ويَهلَكُ المغترُّ بها.
* * *
(٢١) - ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾: إذا علمْتُم حالةَ الدُّنيا، فلا تركَنوا إليها، وإذا أُخْبِرْتم أنَّ الآخرة لمن له المغفرة، فبادروا إلى طلبِها بفعلِ ما وُعْدَتِ المغفرةَ عليه.
قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: وإلى طلبِ جنَّة عرضُها؛ أي: سعتُها كسعَةِ السَّماء والأرض.
قال الحسنُ: أي: كسعةِ جميعِ السَّماوات والأرضِ (^١) كلِّها إذا بُسِطَتْ كلُّ واحدةٍ إلى صاحبتِها (^٢).
وقيل: هذا عرضُها، ولا شكَّ أنَّ طولَها أزيدُ منها هاهنا (^٣).
_________________
(١) في (ف): "وجميع الأرض".
(٢) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ٢٦٢). وانظر التعليق الآتي.
(٣) تقدم هذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ =
[ ١٤ / ٣٠٤ ]
وقيل: هو وصفٌ لها بغايةِ ما يُتوهَّمُ مِن السَّعةِ؛ تقريرًا لذلك في أفهامِهم، وتكثيرًا في أوهامِهم، وبسطًا مِن أملِهم ومرامِهم.
﴿أُعِدَّتْ﴾: أي: هُيِّئَتْ هذه الجنَّة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: جميعهم ولم يفرِّقوا بينَهم كاليهود والنصارى.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾: أي: عطاءُ هذه الجنَّةِ بفضلٍ مِن اللَّهِ تعالى ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهم المؤمنون كما أَخبر ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: وهذا مِن الحثِّ على الجهادِ أيضًا كما مرَّ.
يقول: ما أصابَكُم مِن مصيبةٍ في الأرضِ مِن الجدْبِ ونقصانِ الثَّمرِ وذهابِ الأموال، وفي أنفسِكُم بالموتِ والأسقامِ، إلَّا وهو ممَّا قضى اللَّهُ به، وأثبتَه عندَه في كتابٍ.
قيل: هو اللَّوح المحفوظ.
قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾؛ أي: من (^١) قبلِ خلقِ الأرض والأنفس.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي: سهلٌ لا يَتعذَّرُ على اللَّهِ شيءٌ، ولا يردُّ هذا القضاءَ حيلةُ محتالٍ، ولا تحرُّزُ متحرِّزٍ، فلا تتخلَّفوا عن الجهاد.
_________________
(١) = [آل عمران: ١٣٣] عن ابن عباس والحسن، وانظر تخريجه ثمة.
(٢) "من" من (ر).
[ ١٤ / ٣٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾: أي: فعلْتُ ذلك وأخبرْتُكم به لكي لا تحزنوا على ما فاتكم.
﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾: ولأنْ لا تُسَرُّوا على ما أعطاكم، ولا يحملَكُم الحزنُ على الفائتِ على الشَّكوى مِن اللَّه تعالى، ولا الفرحُ بالنِّعمة على الاستكثارِ منها فتقعوا في الطُّغيان.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾: الذي يتعظَّم على الفقراء ويفخر بالنَّعماء.
* * *
(٢٤) - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: جمعَ بعدَ التَّوحيد؛ لأنَّ ذاك عامٌّ معنًى بدخول ﴿كُلَّ﴾ عليه.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: أي: عن الجهادِ والإنفاقِ في سبيل اللَّه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عنه وعن كلِّ خلقِه ﴿الْحَمِيدُ﴾: المُستَحِقُّ للحمد؛ أي: ليس أمرُه بالجهاد والإنفاقِ لحاجةٍ، بل للابتلاءِ، ولإكرامِ العبدِ بحسنِ الجزاء.
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ ﵁: كتبَ اللَّهُ قبلَ أنْ يخلقَ الخلقَ والأرضَ ما يصيبُ النَّاسَ فيها مِن خيرٍ وشرٍّ؛ امتحانًا منه لهم، ليعلموا بتغيُّرِ الأحوالِ وتعاقُبِ المحنة والمنحة أنَّها غيُر دائمةٍ، فلا تحزنوا على ما فاتَكُم مِن حظٍّ، ولا تفرحوا بما آتاكم مِن فائدةٍ، فمَن لم يعلمْ أنَّ كلَّ شيء يُعطاه يُرْتَجعُ، وأنَّ كلَّ حزنٍ يصيبُه زائلٌ، فذلك مختالٌ فخورٌ، واللَّهُ لا يحبُّ المختالَ الفخور (^١).
وعن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه قال: لأَنْ ألحسَ جمرةً أحرقَتْ ما أحرقَتْ
_________________
(١) روى نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤٥).
[ ١٤ / ٣٠٦ ]
وأبقَتْ ما أبقَتْ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أقولَ لشيءٍ كان: ليتَهُ لم يكنْ، أو لشيء لم يكن: ليتَهُ كان (^١).
وقال قتيبة بن سعيد: دخلْتُ بعضَ أحياءِ العرب، فإذا أنا بفضاءٍ في الأرض مملوءٍ من جِيَف الإبل الموتى بحيث لا أحصي عددَهم، فسألْتُ عجوزًا: لِمَنْ كانَتْ هذه الإبل؟ فأشارَتْ إلى شيخٍ على تلٍّ يغزلُ الصُّوفَ، فقلْتُ: يا شيخُ، ألكَ كانَتْ هذه الإبل؟ قال: كانت باسمي، قلْتُ: فما أصابها؟ قالَ: ارتجعها الَّذي أعطاها، قلْتُ: وهل قلْتَ فيه شيئًا؟ قال: نعم:
لا والَّذي أنا عبدٌ مِن خلائقِهِ والمرءُ في الدَّهْرِ نصبَ الرُّزْءِ والمحِنِ
ما سَرَّني أنَّ إبْلِي في مَبارِكِها وما جرى مِن قضاءِ اللَّهِ لم يَكُنِ (^٢)
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ابتداءً، ونزلَتْ في شأنِ اليهودِ، يكتمون بيانَ صفةِ محمَّدٍ -ﷺ- في التَّوراةِ، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ يعني: قومَهم بذلك مخافةَ أنْ تذهبَ مأكلتهم من (^٣) السَّفلةِ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: يُعْرِضْ عن الإيمان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن العبادِ ﴿الْحَمِيدُ﴾ في أفعالِه (^٤).
وقال الحسنُ ﵀: اليهودُ بخلوا بحقِّ اللَّه تعالى في أموالِهم، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ بذلك: أهلَ دينِهم، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عن اللَّهِ ورسولِه فيما دعاهم إليه، فإنَّ اللَّهَ
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٣١)، وأبو داود في "الزهد" (١٢٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩١٧١)، وابن بطة في "الإبانة" (١٥٩٥).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤٦)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ١٧٣).
(٣) في (أ): "في".
(٤) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٥٢).
[ ١٤ / ٣٠٧ ]
غنيٌّ عن عبادِه لم يكلِّفْهم لحاجته إليهم، حميد عندَ خلقِه فيما يعطيهم مِن نِعمِه (^١).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ ﵁: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بالعلمِ، لا يعلِّمونَه النَّاس، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ بذلك (^٢).
وقال عبد اللَّه بن المبارك: لا تبخلوا بالعلمِ، فإنَّه مَن بخلَ بعلمِه ابْتُلِيَ بثلاثٍ: بذهابِ كُتبِهِ، أو سقمٍ في جسدِه، أو يغلبُه السُّلطان (^٣).
* * *
(٢٥) - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: بالشَّرائع الواضحة.
﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: الكتب، فيها بيانُ أصول الشَّرع.
﴿وَالْمِيزَانَ﴾: أي: وآلةَ التَّعامل الَّتي يقع بها التَّناصف.
﴿لِيَقُومَ النَّاسُ﴾ في معاملاتهم ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل، وفي ذلك تمامُ المصالحِ، فالكتاب لمصالح الدِّين، والميزانُ لمصالح الدُّنيا.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٦/ ٥١٠) من رواية عطاء عن ابن عباس ﵄، وذكره أيضًا عن عطاء ومجاهد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٥١).
(٣) في (أ): "أو يبتليه بالسلطان"، وفي (ف): "أو ببلية سلطان". والخبر رواه ابن المقرئ في "معجمه" (٥٦٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ١٦٥)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٥٨٦)، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (٧٢١).
[ ١٤ / ٣٠٨ ]
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾؛ أي: وخلقْتُ الحديدَ آلةً للقتالِ، وإقامةً للسِّياسةِ؛ ليكفَّ به المجاوز لقسطِه عن ظلمِه.
وقيل: أنزلَ اللَّهُ تعالى مع آدمَ ﵇ العَلَاةَ والكَلْبَتانِ (^١) والمِطْرَقة.
والمنافع في الحديد سوى إمكان القتال به: أنَّه لا بُدَّ منه في كلِّ شيءٍ مِن الصِّناعات حتَّى صناعةِ الحديد، وذلك قوله تعالى:
﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾: وهو القتال ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: وهو ما قلْنا، وهو مُتَّصلٌ بما مرَّ مِن الحثِّ على الجهاد.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾: وليُظهِرَ اللَّهُ للعبادِ مَن ينصرُ دينَ اللَّهِ تعالى للقتال عنه.
وقيل: ليَعلمَ أولياءُ اللَّهِ.
وقيل: ليعلمَ اللَّهُ موجودًا ما علمَهُ في الأزلِ أنَّه يُوْجَدُ.
قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أي: تصديقًا بما وُعِدَ (^٢) عليه بالغيب.
وقيل: بغيبةِ مَن يراه؛ أي: يفعله عن إخلاص، لا كالمنافق يفعلُه إذا رآه النَّاس، ولا يفعلُه إذا غابَ عنهم.
والواو في: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ إمَّا أنْ تُجعَلَ مُقحَمةً، أو يزاد في آخرِه: وليعلمَ اللَّهُ ذلك فعَل ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾: أي: ﴿قَوِيٌّ﴾ على مُجازاةِ مَن أخلصَ منهم ومَن نافقَ، ﴿عَزِيزٌ﴾: منيعٌ لا يُغالَب ولا يعارَض فيما يريدُه مِن ذلك.
_________________
(١) العلاة: السندان الذي يضرب عليه الحداد حديده، والكلبتان: ما يأخذ به الحداد الحديد المحمى.
(٢) في (ر): "وجد".
[ ١٤ / ٣٠٩ ]
(٢٦) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: وهذا تفصيلُ بعضِ الإجمال، وشرحُ هذا التَّفصيل في (سورة الأنعام) في قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣] الآيات.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾؛ أي: وجعلْنا بعضَهم أنبياء، وبعضَهم أممًا يتلون الكتاب.
﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ﴾: أي: فاهتدى بعضهم، وثبتَ على دينه ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن الطَّاعة.
* * *
(٢٧) - ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾: أي: أتبعنا مَن بعدَهم واحدًا بعدَ واحدٍ مِن الرُّسل.
﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾: أتيْنا به بعدَهم.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾: أي: أعطيْناه وأوحيْنا إليه.
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾: أي: آمنوا به وصدَّقوه من أمَّتِه.
﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾: قيل: أي: أمروا في الإنجيل بالصَّفح والإعراض عن مكافأة النَّاس على الأذى، وقيل لهم: مَن لطمَ خدَّك الأيسر فولِّهِ خدَّكَ الأيمن، ومَن أرادَ
[ ١٤ / ٣١٠ ]
أنْ يسلبَ رداءَك فأعطِه قميصَك، ولم يكنْ قِصاصٌ على جنايةٍ في نفسٍ أو طرفٍ، فاتَّبَعوا هذه الأوامر، وأطاعوا اللَّه، وكانوا متوادِّيْن متراحمِيْن متعاطفِيْن.
وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾: ليس هذا بعطفٍ على ما مضى، بل هو استئنافٌ، ومعناه: ابتدعوا رهبانيَّة ولزومَ صوامعَ، وتشديدًا على أنفسِهم.
﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: ما أوحيْنا عليهم تلك الرَّهبانيَّة.
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن؛ أي: لكن كنَّا أمرناهم بأنْ يبتغوا رضوانَ اللَّهِ.
وقيل: أي: ما ابتدعوها إلَّا مبتغين بذلك رضوان اللَّه.
﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: أي: ما حفظوا تلك الرَّهبانية حقَّ حفظِها، وما ثبتوا عليها، بل تنصَّرَ كثيرٌ منهم، وتركوا الحقَّ، وثبتَ بعضُهم على الحقِّ.
﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾: أي: الَّذين ثبتوا على الإيمان والحقِّ.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة اللَّه.
ففيه دليلٌ على أنَّ الشُّروع في نفلِ العبادة ملزِمٌ، فإنَّ مَن شرعَ فيما ليس عليه ثمَّ تركَه استحقَّ اسمَ الفسقِ والوعيد.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: كنْتُ رديفَ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- على حمارٍ، فقال لي: "يا ابن أمِّ عبدٍ، هل تدري مِنْ أينَ اتَّخذَتْ بنو إسرائيل الرَّهبانيَّة؟ "، قلْتُ: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "ظهرت عليهم الجبابرة بعدَ عيسى ﵇ يعملون بمعاصي اللَّه ﷿، فغضِبَ أهلُ الإيمانِ فقاتلوهم، فهُزِمَ أهلُ الإيمانِ ثلاثَ مرَّاتٍ، فلم يبقَ منهم إلَّا القليل، فقالوا: إنْ ظهرَ علينا هؤلاء أفنَونا، ولم يبقَ للدِّين أحدٌ يدعو إليه، فتعالَوا حتَّى نتفرَّق في الأرضِ إلى أنْ يبعثَ اللَّهُ النَّبيَّ الَّذي وعدَنا
[ ١٤ / ٣١١ ]
عيسى -يعنون: محمَّدًا -ﷺ- فتفرَّقوا في الجبال، وأحدثوا بها رهبانيَّةً، فمنهم مَنْ تمسَّكَ بدينِه، ومنهم مَنْ كفرَ"، ثمَّ تلا هذه الآيات ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "يا ابنَ أمِّ عبدٍ، هل تدري ما رهبانيَّةُ أمَّتي؟ "، قلْتُ: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "الهجرةُ والجهادُ والصَّلاةُ والصَّومُ والحجُّ والعمرةُ والتَّكبيرُ على التِّلاع" (^١).
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ﴾: أي: يا أيَّها الَّذين آمنوا بموسى وعيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ محمَّدٍ، وهذا عن ابن عبَّاس ﵄ (^٢).
﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: قال ابنُ عبَّاس: أي: أجرَيْنِ بإيمانِكُم بمحمَّدٍ وبِمَن تقدَّمَ مِن الرُّسلِ (^٣)، والكِفْلُ: الحَظُّ.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: أي: يومَ القيامةِ يسعى بينَ أيديهِم إلى الجنَّةِ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: ذنوبَكُم السَّالفةَ قبلَ الإيمانِ بمحمَّدٍ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقيل: يجعل لكم نورًا في الدُّنيا باتِّباع القرآنِ تمشونَ به في النَّاس، تدعونهم إلى الإسلامِ، وتكونون رؤساءَ أئمَّةً في الإسلام، ولا تفوتُكُم (^٤) تلك الرِّئاسة الَّتي كنْتُم تخافون فوتها.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤٧ - ٢٤٨) بلا إسناد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٣٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٣٥).
(٤) في (أ): "يغرنكم".
[ ١٤ / ٣١٢ ]
وروى أبو موسى الأشعريُّ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "ثلاثةٌ يُؤتَونَ أجرَهُم مرَّتين: رجلٌ آمنَ بالكتابِ الأوَّل والكتاب الآخِر، ورجلٌ كانت له أَمَةٌ فأدَّبَها وأحسنَ أدبَها ثَّم أعتقَها وتزوَّجَها، وعبدٌ مملوكٌ أحسنَ عبادةَ ربِّه وأطاع سيِّدَه" (^١).
وقال الكلبيُّ ﵀: هؤلاء أربعةٌ وعشرون رجلًا، قدِموا من اليمن على رسول اللَّه -ﷺ- وهو بمكَّة، لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وكانوا على دين الأنبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل لعنه اللَّه: بئس القوم أنتم والوفد لقومكم، فردُّوا عليه: وما لنا لا نؤمن باللَّه وما جاءنا من الحقِّ، فجعلَ اللَّه لهم أجرين؛ أجرًا بكتابهم الأوَّل، وأجرًا بإيمانهم بمحمَّد -ﷺ-.
فلمَّا بلغَ ذلك عبدَ اللَّه بن سلام وأصحابَه قالوا: نحن أيضًا أهل الكتاب، أفليس لنا أجران مثلَ ما لهم (^٢)؟ قالوا: بلى، فجعلوا يفخرون على أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وقالوا: نحن أفضلُ منكم، لنا أجران ولكم أجر واحد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (^٣).
يقول: أطيعوا اللَّه ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ محمَّد ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: أجرين، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ على الصراط ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية.
وكتبَ عمرُ ﵁ إلى أسقفٍّ يسأله عن الكفل عندهم في كتابهم، فكتب: هو عندنا ثلاث مئة وخمسون ضعفًا، فقال عمر: اللَّه أكبر، لقد فضَّلنا اللَّهُ عليكم بكفلٍ (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤).
(٢) في (أ): "أفليس لنا أجر مثل أجرهم".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٥٠).
(٤) لم أقف عليه.
[ ١٤ / ٣١٣ ]
(٢٩) - ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: (لا) جحدٌ، قُدِّمَ عن موضعِه فأُعِيدَ بعدَه في موضعه: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾، فصار تقديرُه: ليعلمَ أهلُ الكتاب.
قيل: إنَّ أهل الكتاب كانوا يفضِّلون أنفسَهم على سائر أهل الأديان بسبب الكتاب، فأعلم اللَّه هؤلاء الذين خاطبهم بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾: إنَّكم إذا آمنتم بمحمَّد آتاكم اللَّه في الآخرة ضعفَ ما يؤتي المؤمنين بموسى وعيسى إذا ماتوا قبل تبديل ذلك الدِّين الحقِّ بالنَّصرانيَّة واليهوديَّة، ولم يدركوا محمَّدًا -ﷺ- فيؤمنون به، ليعلم أهل الكتاب أنَّ مَن اجتمع له الإيمان بالكتابين أفضلُ عند اللَّه ممَّن انفرد بالإيمان بكتابٍ واحدٍ.
ويكون تقديرُه: يؤتِكُم كفلَيْنِ مِن رحمتِه ليعلمَ أهلُ الكتابِ أنَّه لا قدرةَ لهم على شيءٍ من فضلِ اللَّهِ تعالى حتَّى يخصُّوا أنفسَهم بذلك، ويفضِّلُوا أنفسَهم على غيرهم.
وقال ابن عبَّاس ﵄: لَمَّا نزل في النَّصارى الذين أسلموا: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، شقَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: يا رسول اللَّه، إن كان القوم أدركوا الكتاب الأوَّلى والكتاب الَاخِر، ولم ندركه، أفلهم أجران، ولنا أجر واحد؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^١).
يقول: إنَّ الأجرين لهم لا لأنَّهم أفضُل منكم، ولكن فضل منِّي، وأوتي فضلي مَن أشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
_________________
(١) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٥٩).
[ ١٤ / ٣١٤ ]