بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه مُخزي الفاسقين والكفَّار، الرحمنِ مُعلِي المهاجرين والأنصار، الرحيمِ مُميِّزِ أصحاب الجنَّة من أصحاب النَّار.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ الحشرِ لم يبقَ جنَّة ولا نارٌ ولا عرشٌ ولا كرسيٌّ ولا الحُجُب ولا السَّماوات السَّبع ولا الأرضون السَّبع ولا الهواء ولا الرِّيح ولا الطَّير والنُّجوم والشَّجر والجبال والشَّمس والقمر ولا الملائكة إلَّا صلَّوا عليه واستغفروا له، فإنْ هو ماتَ يوم تلاها أو ليلة تلاها ماتَ شهيدًا" (^١).
وهذه السُّورة مدنيَّة.
وهي أربع وعشرون آية، وأربعُ مئة وخمس وأربعون كلمة، وألفٌ وتسعُ مئة وخمسة عشر حرفًا.
وانتظام آخر تلك السُّورة بأول هذه السُّورة: أنَّ آخر تلك السُّورة في ذكر حزب اللَّه، وأوَّلَ هذه في تسبيح كلِّ الخلق للَّه (^٢).
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٦)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٦٩). قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (ر) و(ف): "في تسبيح كل الخلائق".
[ ١٤ / ٣٤٧ ]
وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك أوَّلها في تخفيف الأحكام على المؤمنين، وأوَّل هذه في التَّشديد في الدُّنيا والآخرة على الكافرين.
وبقيَّة تلك في ذكر المخلصين والمنافقين، وبقيَّة هذه في ذكر تقسيم المخلصين وذكر أحوال المنافقين.
وختمُ تلك في مدح أولياء اللَّه تعالى، وختمُ هذه في بيان أسماء اللَّه تعالى.
* * *
(١ - ٢) - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: هو على ما فسَّرناه في أوَّل (سورة الحديد).
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: هذا بيانُ قصَّة بني النَّضير وإجلائهم.
ذكرَ أصحابُ المغازي: أنَّ عَمرو بن أميَّة قتلَ رجلين من المشركين من بني عامر بن صعصعة كان وادعَهما رسول اللَّه -ﷺ- وهو لا يعلم، فلمَّا أخبرَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه سلم - بذلك قال: "بئسما صنعْتَ، قد كان لهما منَّا أمان"، قال: ما شعرْتُ، فأرسلَ عامرُ بن الطُّفيل إلى رسول اللَّه -ﷺ- يلتمس منه ديتَهما، فخرج رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى بني النَّضير -وكانوا حلفاء لبني عامر- يستعين بهم في ديتهما، فتآمر بنو النَّضير في اغتياله، وكان قاعدًا في نفرٍ من أصحابه تحت ظلِّ جدارٍ، فأراد اليهود أن يطرحوا عليه صخرةً،
[ ١٤ / ٣٤٨ ]
فعلم بذلك رسولُ اللَّه -ﷺ-، وتوجَّه إلى المدينة من غير أن يخبرهم بذلك، ونهضَ كأنَّه يريد حاجةً، فلمَّا أبطأ عليهم تبعوه فلم يلحقوه إلَّا بالمدينة، فأخبرهم بذلك.
ودعا محمَّدَ بن مسلمة وقال: "اذهب إلى يهود بني النَّضير، وقل لهم: اخرجوا من بلدي"، فأبوا واستعدُّوا له، فحاصرهم رسول اللَّه -ﷺ- خمسة عشر يومًا، وأرسل لهم المنافقون: إنَّا معكم إنْ قُوتِلْتُم، وعلينا لكم النَّصر، فلم يمكِّنهم رسول اللَّه -ﷺ- من القتال (^١) في دورهم وحصونهم، وأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم وحصونهم أنْ تُهدَم، وبالنَّخيل أن تُقطَع وتُحرَّق، وألقى اللَّه في قلوبهم الرُّعب.
وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم ممَّا يليهم (^٢)، والمسلمون يخربون ممَّا يليهم، حتى وقعَ الصُّلح، وأجلاهم رسولُ اللَّه -ﷺ- على أن يحملوا من أموالهم ما استقلَّت الإبل، حتَّى كان الرَّجل يهدمُ بابَ دارِه ليُحمل على بعيره.
فمنهم مَن خرج إلى خيبر، ومنهم مَن خرج إلى الشَّام وإلى أذرعات، وحملوا النِّساء والصِّبيان والأموال سوى السِّلاح، وشقُّوا سوق المدينة في ستِّ مئة بعير متزيِّنين، يضربون بالدُّفوف والمزامير، يُظهرون (^٣) التَّجلُّد، وقبضَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أموالهم وسلاحهم (^٤).
وقيل: لَمَّا دخل رسول اللَّه -ﷺ- المدينة صالحَ بني النَّضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلهم ولا يقاتلوا معه، فلمَّا غزا رسول اللَّه -ﷺ- بدرًا وظهر على المشركين قالت
_________________
(١) في (ر): "بالقتال" بدل: "من القتال".
(٢) بعدها في (ر): "بأيديهم".
(٣) في (ر): "وأهل المدينة يظهرون".
(٤) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٣٦٤ - ٣٧٦)، و"سيرة ابن هشام" (٢/ ١٩٠ - ١٩٣)، و"السيرة النبوية" لابن حبان (١/ ٢٣٤).
[ ١٤ / ٣٤٩ ]
بنو النَّضير: إنَّه واللَّه للنَّبي الذي سمعنا به، ووجدنا نعته في التَّوراة، لا يردُّ له راية، فلمَّا غزا رسول اللَّه -ﷺ- من قابلٍ أحدًا وهُزم المسلمون ارتابوا، وأظهروا العداوة للَّه ولرسوله وللمؤمنين، ونقضوا العهد.
فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا من اليهود إلى مكَّة، فأتوا قريشًا، فحالفوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمَّد -ﷺ-، ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه لعنهم اللَّه إلى المدينة، ونزل جبريل صلوات اللَّه عليه على النَّبيِّ -ﷺ- وأخبره بذلك، وأمرَه اللَّه تعالى بقتل كعب بن الأشرف، فقال ﵊ لأصحابه: "أمرني اللَّه تعالى بقتل كعب بن الأشرف فاقتلوه".
وانتدبَ قومٌ فيهم محمَّد بن مسلمة، فذهبوا وقتلوه ليلًا، وله قصَّة، فأصبح رسول اللَّه -ﷺ- وأمر النَّاس بالمسير إلى بني النَّضير، فجاء وحاصروهم في رواية إحدى وعشرين ليلة (^١).
وقال محمَّد بن إسحاق: جلاء بني النَّضير كان مرجعَ النَّبيِّ -ﷺ- من أُحُد، وكان فتحُ بني قريظة مرجعَه من الأحزاب، وبينهما سنتان.
وأجلاهم رسول اللَّه -ﷺ- على أن يحمل كلُّ ثلاثةِ أهلِ أبياتٍ على بعيرٍ واحد ما شاؤوا، وما تركوا فلرسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه، فذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: سلَّط رسو لَه ﵇ والمؤمنين على إخراجهم ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: قيل: إنَّ النَّاس يُحشرون في الآخرة إلى أرض الشَّام، فكان حشر اليهود إليها الآن أوَّل الحشر.
_________________
(١) انظر: "سيرة ابن إسحاق" (ص: ٣١٧)، و"السيرة النبوية" لابن حبان (١/ ٢١٤). وقصة قتل كعب بن الأشرف عند البخاري (٤٠٣٧).
[ ١٤ / ٣٥٠ ]
وقيل: هم أوَّل مَن حُشَر وأُخرج من جزيرة العرب.
وقال مرَّة الهمداني: كان أوَّلُ الحشر من المدينة، والحشرُ الثَّاني من خيبر إلى أريحا وأذرعات على يدي عمر بن الخطَّاب ﵁ (^١).
قوله تعالى: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ﴾: ما كنتم تظنُّون أيُّها المسلمون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾؛ أي: أن يضطرَّ هؤلاء إلى الخروج؛ لمنَعَتهم وعِدَّتهم وكثرةِ حلفائهم وأعوانهم.
﴿وَظَنُّوا﴾: أي: هؤلاء اليهود ﴿أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: تمنعهم وتدفع عنهم حصونهم من رسول اللَّه -ﷺ- وأولياءِ اللَّه.
﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾: أي: أتاهم عذاب اللَّه، أو أتاهم اللَّه بعذابه من حيث لم يتوهَّموا.
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: أي: الخوفَ من النَّبيِّ -ﷺ- أن يأخذَهم، فيقتلَهم ويسبيَ ذراريهم ويَغنم أموالهم.
وقيل: قذفُ الرُّعب كان بسبب قتل كعب بن الأشرف، وكانوا لا يقدِّرون ذلك في أنفسهم ولا يصوِّرونه.
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: قرأ أبو عَمرو: يُخْرِبُونَ﴾ بالتَّشديد، والباقون بالتَّخفيف (^٢).
قيل: هما لغتان، كما يقال: أمهلَ ومهَّل، وأخبر وخبَّر.
وقيل: التَّخريب: الهدم، والإخراب: تركه لا ساكن فيه والانتقالُ عنه، قاله الفرَّاء، وحكاه عن أبي عمرو (^٣).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٨).
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٩).
(٣) انظر: "معاني القراء" للفراء (٣/ ١٤٣)، وليس فيه أنه عن أبي عمرو.
[ ١٤ / ٣٥١ ]
ومعنى الآية عند بعضهم: أنَّ اليهود كانوا ينقضون ما أعجبهم من أبنية دورِهم، وخشبِها من الأبواب والعُمُد ونحوها ليحملوه معهم، فكان هذا تخريبًا منهم بأيديهم، وكان المؤمنون يخربون الأوَّل فالأوَّل، ليتمكَّنوا من مواضع الحرب، هو معنى قول الزُّهري وابن إسحاق والواقدي وابن زيد (^١).
وقال عكرمة: كانت بيوتهم مزخرفةً، فحسدوا أن يسكنها المسلمون، فجعلوا يخربونها من داخل، والمؤمنون من خارج (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: أي: تأمَّلوا يا أولي البصائر ما نزلَ بهؤلاء، والسَّببَ الذي استحقُّوأ به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثلَ فعلهم فتُعاقبوا بمثل عقوبتهم.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: ولولا أنْ قضى اللَّه وكتبَ في أمِّ الكتاب وأَخبر أنَّه سيُجليهم عن ديارهم لِمَا علمَ أنَّ منهم مَن يؤمنُ أو يلدُ مؤمنًا ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بأن يأمرَكم بقتلهم وأسرهم واسترقاقهم.
﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ الذي هو لا أشدَّ منه، فليس تأخير العذاب عنهم للعجز، لكنَّ العذاب مُعَدٌّ لهم في الآخرة بأشدِّ ما يكون.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٨٥) عن الزهري، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٠١ - ٥٠٢) عن الزهري وابن زيد.
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٥٠٠).
[ ١٤ / ٣٥٢ ]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: هذه العذابُ بأنَّهم خالفوا اللَّهَ وعادَوه، ورسولَه أيضًا.
﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: هي سُنَّته في جميع الكفرة.
* * *
(٥) - ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: قال ابن عبَّاس وقتادة: هي كلُّ نخلةٍ لينةٍ سوى العجوةِ (^١).
وقال سفيان: هي كرام النَّخل (^٢).
وأصلها الواو، وواحدها: اللَّوْن (^٣).
﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾: لم تقطعوها.
﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: فذلك بإطلاق اللَّه تعالى، لم يمنعْكُم عنه ولم يحرِّمْه عليكم.
﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: أي: ولإخزاء اليهود -أي: إذلالهم وغيظهم- أذِن بذلك.
وقال الواقديُّ: كان رسول اللَّه -ﷺ- قد استعمل على قطعِ نخيلهم أبا ليلى المازنيَّ وعبد اللَّه بن سلام، وكان أبو ليلى يقطع العجوة، وكان ابن سلام يقطع اللَّون، فقال لهم بنو النَّضير: أنتم مسلمون، ما يحلُّ لكم قطع النَّخيل.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨) عن ابن عباس وقتادة وعكرمة والزهري ولزيد بن رومان. ولعل الأحسن في عبارة المصنف حذف"هي" أو "لينة"، كما يظهر من الأخبار المذكورة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٠٩).
(٣) كذا قال، وفي كتب اللغة العكس؛ أي: اللون جمع واحدته لينة. انظر: "الصحاح" و"النهاية" و"القاموس" (مادة: لون).
[ ١٤ / ٣٥٣ ]
فاختلف أصحابُ رسول اللَّه -ﷺ-؛ فقال بعضهم: نقطع، وبعضهم: لا نقطع، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: ألوان النخيل سوى العجوة ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: العجوة ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ يقول: يغيظهم ما قطع من النخيل (^١).
وقال مقاتل: كان النَّبيُّ -ﷺ- أمَر بقطع النَّخيل وتحريقها إلَّا ضربًا منها يُقال لها: العجوة، شديدَ الصُّفرة، يُرى نواه من اللِّحاء، من أجود التَّمر، يغيب فيه الضِّرس، النَّخلةُ منها أحبُّ إليهم من وَصيف، فجزع أعداء اللَّه عند القطع، فقالوا: يا محمَّد، أوجدْتَ فيما أُنزل عليك الفساد في الأرض أو الصَّلاح؟ فأكثروا فيه القول، وأكثرَ المسلمون ندامةً (^٢) على قطعهم خشية أن يكون فسادًا، فأنزل اللَّه تعالى الآية (^٣)، واستصوبَ ذلك كلَّه منهم لحسن نيِّتهم في ذلك، فمَن ترَك العجوة وهي أجود التَّمر فلتبقى للمسلمين، ومَن قطعها فلزيادة غيظ على الكافرين.
* * *
(٦) - ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: أي: ما غنمْتُم. والفيءُ: الغنيمةُ تفيء إلى المسلمين؛ أي: ترجع.
﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من هؤلاء اليهود.
﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾: فلم يكن ذلك بإيجافِ خيلٍ أو ركاب
_________________
(١) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٣٨١).
(٢) في "تفسير مقاتل": "ووجد المسلمون ذمامة".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٧٧).
[ ١٤ / ٣٥٤ ]
منكم على ذلك. والإيجافُ: تعدية الوجيف، وقد وجفَ البعيرُ يَجِفُ وَجِيفًا؛ أي: سارَ بتحرُّكٍ واضطرابٍ، وأوجفَه راكبُه.
ومعناه: فما أزعجْتُم عليه خيلًا ولا ركابًا، ولا أزعجتُم إليه شيئًا من ذلك؛ أي: لم يحصل ذلك بسعيكم وعملكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ أشار إلى أنَّ اللَّهَ تعالى يسلِّط رسلَه عليهم، بأن ألقى رعبَه في قلوبِهم، فهابُوه وأذعنوا للجلاء وتركِ الأموال، فجرى سلطان الرَّسول عليهم بتسليط اللَّه تعالى، وذلك سُنَّته في رسله الماضين، كان يسلِّطهم على مَن يشاء.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: من هذا وغيره.
وقال الواقديُّ: كانت أموال بني النَّضير للنَّبيِّ -ﷺ- خاصَّة، لم يخمسها (^١)، أعطى منها المهاجرين، ولم يعطِ منها الأنصار، إلَّا رجلين محتاجَين: سهل بن حنيف وأبا دجانة، ونفَّل سعد بن معاذ سيف بن أبي الحُقَيق، وكان سيفًا له ذكر عندهم.
وقال عمر ﵁ للنَّبيِّ -ﷺ-: ألا تخمِّسُ يا رسولَ اللَّه ما أصبْتَ من بني النَّضير كما خمَّسْتَ ما أصبْتَ مِن بدر؛ فقال -ﷺ-: "لا أجعلُ شيئًا جعلَه اللَّه لي دون المؤمنين"، لقوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ (^٢).
* * *
(٧) - ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
_________________
(١) في (ر): "يقسمها".
(٢) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٣٧٩).
[ ١٤ / ٣٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: قيل: هي فَدَك وبنو النَّضير وبنو قريظةَ وخيبر.
﴿فَلِلَّهِ﴾: أي: فهي للَّهِ، يأمركم فيها بما أحبَّ.
وقال الزُّهريُّ: كانت بنو النَّضير للنَّبيِّ -ﷺ- خالصةً لم يفتتحوها عنوةً، ولكن افتتحوها على صلحٍ، فقسمَها بين المهاجرين (^١).
﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾؛ يعني: قرابةَ رسول اللَّه -ﷺ- ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
وقال عمر ﵁: كان لرسول اللَّه -ﷺ- ثلاثُ صفايا: بنو النضير وفدكٌ وخيبرُ؛ فأمَّا بنو النَّضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأمَّا فَدَكٌ فكانت لابن السَّبيل، وأمَّا خيبرُ فجزَّأها ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين بين المسلمين، وحبسَ جزءًا للنَّفقة، فما فضلَ عن أهلِه ردَّه على فقراء المسلمين (^٢).
وعلى هذا القول: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ موصولٌ بالأوَّل، وإن لم يكن فيه واو العطف، كما يقال: هذا المال لزيد لعمرو ولبكر.
وقال ابن عبَّاس ﵄: هذا مبتدأ، وهو في غنائم كلِّ قرية تفتح وتُؤخَذ بقوَّة الغزاة (^٣)، وفي الآيةِ بيانُ مصرفِ خُمسِها.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٨٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥١٣).
(٢) رواه أبو داود (٢٩٦٧).
(٣) لم أجده عن ابن عباس، وهو اختيار ابن العربي في "أحكام القرآن" (٤/ ٢١٤) قال: (قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وهذا كلامٌ مُبتدَأٌ غيرُ الأولِ لمستحِقٍّ غيرِ الأولِ. . .) إلى آخر ما قال، واستحسنه القرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ٢٥٠).
[ ١٤ / ٣٥٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ﴾: هو للتَّبرُّك باسمه، وقيل: سهم اللَّه تعالى يصرف إلى أسلحة الغزاة.
﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: له خمس الخمس.
﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: وقد سقط سهمهم بإجماع الصَّحابة.
﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: هم مصارف الخمس، وأربعة أخماسها للغانمين، ولم يذكره في هذه الآية، وقد ذُكِرَ مثل ذلك في (سورة الأنفال)، وهو قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإذا بيَّنَ مصرف الخمس تعيَّنَ الباقي للغانمين، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فلمَّا بيَّنَ نصيبَ الأمِّ تعيَّنَ الباقي للأب، فكذا هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾: أي: متداولًا؛ أي: تولَّى اللَّهُ قسمةَ ذلك لئلَّا يختصَّ بأخذه الأغنياء يتداولونه بينهم دون الفقراء ومصارف الخمس.
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾: أي: وما أعطاكم من الغنيمة فاقبلوه ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾؛ أي: عن أخذه ﴿فَانْتَهُوا﴾.
وعن ابن عبَّاس ﵄ والحسن ﵀: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾: هو الغُلول (^١).
وقيل: هو عامٌّ في كلِّ ما أتى به النَّبيُّ -ﷺ- من الأحكام: ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾؛ أي: ما أتاكم به، كما قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢]؛ أي: ائتنا بغذائنا.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٢٢) عن الحسن. وذكره الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٣٧٨) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٤ / ٣٥٧ ]
وعن ابن عبَّاس وابن مسعود والحسن أنَّهم حملوا على (^١) هذا العموم (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ﴾: لمن عصاه، ولا اتَّقاه.
* * *
(٨) - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾: قيل: هو معطوف (^٣) على الأوَّل بغيرِ واوٍ، وقد مرَّ أنَّه جائز.
وقيل: تقديره: كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم ويكونَ للفقراء المهاجرين.
وقيل: هو ترجمة عن قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ دليلٌ لأصحابنا في أنَّ الكفَّار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها، فإنَّ اللَّه تعالى سمَّى المهاجرين فقراء -مع أنَّه كانت لهم ديارٌ وأموالٌ- بعدما أُخرجوا من ديارهم وأموالهم واستولَى عليها الكفَّار.
_________________
(١) "وابن مسعود والحسن أنهم حملوا على" ليس في (أ).
(٢) رواه عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁: البخاري (٥٩٣٩)، ومسلم (٢١٢٥)، ولفظ البخاري: عن علقمة قال: لعن عبد اللَّه الواشمات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد اللَّه: وما لي لا ألعن من لعن رسول اللَّه، وفي كتاب اللَّه؟ قالت: واللَّه لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، قال: واللَّه لئن قرأتيه لقد وجدتيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
(٣) في (أ): "عطف".
[ ١٤ / ٣٥٨ ]
قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: يطلبون بهجرتهم فضلًا من اللَّه وثوابَ الآخرة ﴿وَرِضْوَانًا﴾: رضًا عنهم، فلا يؤاخذُهم بالتَّقصير.
وقيل: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾: غنيمة في الدُّنيا ﴿وَرِضْوَانًا﴾: في العُقبى.
﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: ينصرون دين اللَّه، ويُعِينون رسول اللَّه.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: المحقِّقون أقوالَهم بأفعالهم.
* * *
(٩) - ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قيل: هو عطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ في استحقاق الغنيمة.
وقيل: هو مبتدأ، وتقديرُه: الفيء لكذا وللمهاجرين، والأنصار لا يحسدونهم على هذا الاستحقاق، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾؛ أي: اتَّخذوا المدينة مسكنًا، نزلها الأنصار قبل المهاجرين.
﴿وَالْإِيمَانَ﴾؛ أي: وتبوَّؤوا الإيمان بالمدينة.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: آمنوا قبل هجرة النَّبيّ -ﷺ- وأصحابه إليهم، فقد روي: قَلَّتْ دار بالمدينة إلَّا كان الإسلام دخلَها قبلَ قدوم النَّبيِّ -ﷺ-، وكانوا قد صلَّوا صلاة الجمعة قبلَ قدومهم.
ومعنى قوله: (تبوءوا الإيمان)؛ أي: تمكَّنوا منه، واستقرُّوا فيه كما يستقرُّ
[ ١٤ / ٣٥٩ ]
الإنسانُ في المكان إذا تبوَّأهُ، ومعنى: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل قدومِهم، لا من قبل إيمانهم.
﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: من أهل مكَّة وغيرهم، ومن محبَّتهم إيَّاهم أن نزلوا لهم عن نسائهم، وشاطروهم في أموالهم ومساكنهم.
﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾: ولا يجدُ الأنصارُ في قلوبهم حسدًا ممَّا أوتيَ المهاجرون من الفيء.
والحاجة: الشرك، والحسدُ في القلب يعمل عملَها في الجسد.
وقيل: أي: احتياجًا إليه حتى يحملَهم ذلك على الضِّنِّ به.
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: يختارون على أنفسهم المهاجرين ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾؛ أي: فقر وحاجة.
وروي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- لَمَّا غَنِم بني النَّضير دعا ثابت بن قيس بن الشَّمَّاس فقال: "ادعُ لي قومك"، قال: الخزرجُ يا رسول اللَّه؟ قال: "الأنصار كلُّها"، فدعا له الأوس والخزرج، فتكلَّم رسول اللَّه -ﷺ-، فحمد اللَّه، وأثنى عليه بما هو أهله، وذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالَهم إيَّاهم في منازلهم وأموالهم، ثم قال: "إنْ أحببْتُم قسمْتُ بينكم وبين المهاجرين ما أفاء اللَّه عليَّ من بني النَّضير، فكان المهاجرون على ما هم عليه من السُّكنى في مساكنكم وأموالكم (^١)، وإن أحببْتُم أعطيْتُهم وخرجوا من دورِكُم".
فتكلَّم سعدُ بن عبادة وسعدُ بن معاذ ﵄ فقالوا: يا رسول اللَّه، بل يُقسَم بين المهاجرين، ويكونون في دورنا، فنادَتِ الأنصارُ: رضيْنا وسلَّمنا يا رسول اللَّه،
_________________
(١) في (أ) و(ر): "مساكنهم وأموالهم".
[ ١٤ / ٣٦٠ ]
فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "اللَّهم ارحمِ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصارِ"، فأعطى رسولُ اللَّهِ -ﷺ- المهاجرين، ولم يعطِ الأنصارَ، إلَّا ما أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾: أي: ومَن وقاه اللَّهُ بخلَ نفسِه، فلم يَضَنَّ بعَرَضِ الدُّنيا وبذَلَهُ لأولياءِ اللَّه تعالى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ جمع مع إفراد قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾؛ لأَنَّه جنسٌ، فكان واحدًا لفظًا جمعًا معنى.
وقيل: في قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾: لم يقلْ: (ومَن يتق)؛ تنبيهًا على أنَّ هذا أمرٌ لا يتأتَّى بالتَّكلُّف (^٢).
وقيل: الشُّحُّ: اجتماعُ البخل والحرص والشَّره.
وقيل: هو أن لا يكون فيه نفعٌ لأحدٍ، من قولهم: زَندٌ شَحاحٌ: إذا كان لا يُوْرِي نارًا.
وقال ابنُ مسعود ﵁: مَن أعطى في النَّائبة وقَرَى الضَّيفَ فقد وُقي شُحَّ نفسِه.
وعن أبي المتوكِّل النَّاجي: أنَّ رجلًا من المسلمين غَبَرَ (^٣) ثلاثةَ أيَّامٍ صائمًا، يمسي فلا يجدُ ما يفطر عليه فيصبح صائمًا، حتى فطنَ به رجلٌ من الأنصار، يُقال له: ثابت بن قيس بن الشَّمَّاس، فقال لأهله: إنِّي أجيء الليلة بضيفٍ، فإذا وضعْتُم طعامَكم فلْتقُمْ أحدُكم إلى السِّراج كانه يصلِحُه فلْيُطفئْه، ثم اضربوا بأيديكم إلى الطَّعام كأنَّكم تاكلون، فلا تأكلوا، حتَّى يشبعَ ضيفُنا، فلمَّا أمسى ذهبَ به، فوضعوا
_________________
(١) رواه الواقدي في "المغازي" (١/ ٣٢٠) من حديث أم العلاء ﵂.
(٢) في (ر) و(ف): "بالتكليف".
(٣) غبر: بقي. انظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (مادة: غبر).
[ ١٤ / ٣٦١ ]
طعامَهم، فقامت امرأتُه إلى السِّراج كأنَّها تصلحُه فأطفأته، وجعلوا يضربون بأيديهم إلى الطَّعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون، فلمَّا أصبحَ ثابتٌ غدا إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فقال له نبيُّ اللَّه: "لقد عجِبَ اللَّهُ البارحةَ من صنيعكم"؛ أي: رضي غاية الرِّضا، ونزل فيهم هذه الآية (^١).
وقال أنس: أُهدي لبعض الصَّحابة رأسُ شاةٍ مشويٍّ، وكان مجهودًا، فوجَّهَ به إلى جارٍ له، فتداوَلَتْهُ تسعة أنفسٍ، ثم عاد إلى الأوَّل، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: هم التَّابعون بإحسان.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾: أي: الصَّحابةِ ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ لسَبْق زمانهم.
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "قرى الضيف" (١١)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ١٠٦) إلى مسدد في "مسنده" وابن المنذر. وروى البخاري (٤٨٨٩)، ومسلم (٢٠٥٤) نحو هذه القصة من حديث أبي هريرة ﵁، بإبهام الرجل المضيف. قال ابن حجر في "فتح الباري" (٧/ ١١٩): (زعم ابن التين أنه ثابت بن قيس بن شماس، وقد أورد ذلك ابن بشكوال من طريق أبي جعفر بن النحاس بسند له عن أبي المتوكل الناجي مرسلًا، ورواه إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" ولكن سياقه يشعر بأنها قصة أخرى)، ثم قا أط: (وهذا لا يمنع التعدد في الصنيع مع الضيف وفي نزول الآية).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٧٩)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٢١٥).
[ ١٤ / ٣٦٢ ]
﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾: أي: حقدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: الصَّحابةِ.
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: قال قتادة: إنما أُمرتم أن تستغفروا لأصحاب محمَّد، ولم تُؤمَروا بسبِّهم (^١).
قالوا: علمَ اللَّهُ تعالى أنَّه يقعُ بين الصَّحابة أشياءُ، ثم يُذكَر ذلك لمن بعدهم، وربَّما يقعُ في قلوبِ بعضِهم كراهةَ (^٢) بعض ذلك، فتتغيَّرُ عليهم قلوبُهم، فأمر اللَّه تعالى بالاستغفار لهم، ونبَّههم على أن ذلك ممَّا يرجى عفو اللَّه عنه، ويجبُ على مَن بعدَهم حُسنُ الاعتقاد فيهم، وحسنُ الدُّعاء لهم.
وقيل لسعيد بن المسيِّب: ما تقولُ في عثمانَ وعليٍّ وطلحةَ والزُّبير؟ قال: أقول ما قوَّلنيه اللَّه تعالى، وتلا هذه الآية (^٣).
وسمعَ ابنُ عمرَ رجلًا يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، وقال: هؤلاء المهاجرون أفيهم أنت؟ قال: لا، ثمَّ تلا عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ الآية، وقال: هؤلاء الأنصار أفيهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ثمَّ قال: أمِن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: ليس من هؤلاء مَن يسبُّ هؤلاء (^٤).
وكان عمر ﵁ يجعلُ الفيء لكلِّ هؤلاء الأصناف، ويجعل بعضها معطوفًا على البعض؛ روي عن مالك بن أوسِ بن الحَدَثَان قال: قرأ عمرُ ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، وقال: هذه لهؤلاء، ثمَّ قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ
_________________
(١) رواه عبد بن حميد وابن المنذر، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ١٠٥).
(٢) في (ف): "كراهية".
(٣) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (٩/ ٢٣١)، والزمخشري في "الفائق" (٣/ ٢٣٥).
(٤) رواه ابن مردويه، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ١١٣).
[ ١٤ / ٣٦٣ ]
مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، ثم قال: هذه استوعبَتِ المسلمين عامَّة، فلئِنْ عشْتُ ليأتينَّ الرَّاعي وهو بِسَرْوِ حِمْيَرَ نصيبَهُ منها، لم يعرق فيه جبينُه (^١).
وبهذه الآيات أيضًا احتجَّ في وضع الخراج في سواد العراق، وترك قسمَتها بين الغانمين، وإنْ كان بلال وأصحابه يجادلونه في ذلك، وقال لهم: إنِّي وجدْتُ في كتاب اللَّه تعالى ما يغنيني عن موافقتكم، وقرأ هذه الآيات، وجعلها خراجيَّة؛ ليصل ذلك إلى جميع المسلمين قرنًا بعد قرن (^٢).
* * *
(١١) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾: هو ما ذكرنا من قول عبد اللَّه بن أبيٍّ المنافق وأصحابه لعنهم اللَّه لبني النَّضير: لئن أُخرجتم عن أرضكم لنخرجنَّ معكم، ولا نفترق في سفر ولا حضر.
﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾: أي: في خذلانكم ﴿أَحَدًا﴾ سألَنا ذلك ﴿أَبَدًا﴾.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٩٠)، وأبو عبيد في "الأموال" (٥٢٦)، وابن زنجويه في "الأموال" (٨٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥١٦). وبنحوه البخاري (٣٠٩٤)، ومسلم (١٧٥٧).
(٢) انظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (٥/ ٢٨٢)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (٧/ ٣٨).
[ ١٤ / ٣٦٤ ]
وعَدُوهم الموافقةَ على الجلاء إنْ رأوا الصَّواب لأنفسهم في ذلك بترك (^١) قتالهم المسلمين.
﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾: أي: وإنْ رأيْتُم الصَّواب لأنفسكم في قتال محمَّدٍ وأصحابه ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾؛ أي: لنعيننَّكم على قتاله.
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أي: في هذا الوعد.
* * *
(١٢) - ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾: بل يَثبتون في أوطانهم، ويُظهرون للمؤمنين أنهم معهم.
﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: بل يخذلونهم.
﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾: أي: لينهزمُنَّ فلا يقومون للمؤمنين.
﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: وهذا دلالة على صدقِ رسول اللَّه -ﷺ- في دعوى النُّبوَّة؛ فإنَّه أخبرَ عمَّا لم يكن بعدُ فخرجَ على ما أخبرَ، فعُلِمَ أنَّه باللَّه علِم ذلك، أُخرج (^٢) بنو النضير فلم يخرجوا معهم، وقُوتل بنو قريظة فلم ينصروهم.
ثم قوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ وهذا إخبارٌ عمَّا لم يكن أنَّه لو كان كيف كان يكون، كما في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١].
_________________
(١) في (أ) و(ر): "ترك".
(٢) في (ر): "ثم أخرجوا".
[ ١٤ / ٣٦٥ ]
(١٣ - ١٤) - ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: إنَّكم يا معشرَ المخلِصين في قلوب المنافقين أهيَبُ مِن اللَّه تعالى، فكيف يثبتون لكم؟
وهذا تثبيتٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، وبشارةٌ من اللَّه تعالى بانهزامِ هؤلاء المنافقين لو قاتلوهم.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لسوءِ تمييزهم، ولو ميَّزوا الأمور بعقولهم لعلموا أنَّ اللَّه تعالى أحقُّ بأنْ يُهابَ.
قوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: هؤلاء المنافقون والكفَّار وإن كانوا مجتمعين ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بالحيطان والأسوار والدُّروب والأبواب؛ لجبنهم، يقدِّرون أنَّها تمنعُهم منكم، كما توهَّم بنو النَّضير أنَّ حصونَهم مانعتُهم من اللَّه.
﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: أي: أو من خلفِ حيطان، جمع جدار، يستترون بها، يرمونكم بِنبلٍ أو حجارةٍ.
وهذا تقويةٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، وبيانٌ أنَّ هؤلاء ليسوا كالمشركين الذين قاتلوكم ببدر مُصْحرين (^١)، وقد نصركم اللَّه على أولئك، فكيف بهؤلاء؟
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾: قيل: أي: إذا لم يكن يَلْقَوا العدوَّ وصفوا أنفسهم بالشِّدة؛ أي: بأسهُم عند أنفسِهم شديد.
_________________
(١) مصحرين: بارزين في الصحراء. انظر: "أساس البلاغة" للزمخشري (مادة: صحر).
[ ١٤ / ٣٦٦ ]
وقال مجاهد: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ بالكلام بالوعيد: لنفعلنَّ كذا، ولنفعلنَّ كذا (^١).
وقيل: معناه: عداوتُهم بعضَهم بعضًا فيما بينَهم شديدةٌ، كما يُقال: ألقى اللَّهُ بأسَهم بينَهم، وهذا تهويلٌ من اللَّه لأمرِهم؛ لأنَّهم إذا كانوا متعادِين حرَّض بعضُهم على هلاكِ بعضٍ، فلم يتعاونوا على غيرهم.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾: أي: مجتمعين على رأيٍ واحد ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾؛ أي: ضمائرهم مختلفة؛ لاختلافِ أهوائهم وأهواء المنافقين، فلا يبالِي المنافقون بهلاكِ الكفَّار، ولا الكفَّارُ بهلاك المنافقين (^٢).
وقيل: قلوب المنافقين شتَّى لأنَّه ليس لهم دينٌ جامع.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أي: لا يستعملون عقولَهم في التَّوحيد والنُّبوة، فيتَّفقون على دينٍ واحد.
وقيل: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ ما فيه حظُّهم ممَّا فيه نقصهم.
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾: أي: مَثَلُ هؤلاء في خيبة ظنونهم وجلائهم عن أوطانهم كمثل الذين من قبلهم قريبًا منهم، وهم يهود بني قينقاع، وقد مرَّت قصَّتهم في (سورة آل عمران)، كذا فسَّره ابن عبَّاس والواقديُّ ومحمَّد بن إسحاق (^٣).
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٥٠٨)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ٣٨٨).
(٢) في (أ) و(ف): "فلا يبالي المنافق بهلاك الكتابي ولا الكتابي بهلاك المنافق".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٣٩) عن ابن عباس ﵄. وانظر: "المغازي" للواقدي (١/ ٣٨٣)، و"سيرة ابن هشام" (٢/ ١٩٥).
[ ١٤ / ٣٦٧ ]
﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: يعني: بنو النَّضير ذاقوا وبال بغيهم على النَّبيِّ -ﷺ-، والتَّكثُّر بجمعهم وأموالهم.
وقال مجاهد: هم الذين قُتلوا ببدر (^١).
وقيل: أي: مَثَل هؤلاء في الاعتماد على المنافقين والاغترارِ بهم كمَثَل مشركي قريش في اغترارهم بالشَّيطان إذ قال لهم: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤٨].
وقيل: أي: مَثَل هؤلاء كمَثَل الأمم الذين من قبلهم، كذَّبوا أنبياءَهم، وتمرَّدوا على ربِّهم، ممَّن كان قريبًا إهلاكُ اللَّه إيَّاهم لم يَبْعدْ عنهم. هذا معنى قول الحسن.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
و﴿قَرِيبًا﴾ صلةُ ﴿ذَاقُوا﴾ على هذا القول، وهو قربُ الزَّمان من هؤلاء على الأقاويل المتقدمة.
ومعنى: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: قاسوا ضرر معصيتهم.
وقيل: الآية في شأن بني قريظة، وتشبيهِ حالهم ببني النَّضير.
قال الكلبيُّ ﵀: لَمَّا سار أبو سفيان إلى رسول اللَّه -ﷺ- في الأحزاب غدر بنو قريظة بنبيِّ اللَّهِ، ونقضوا العهد، فلمَّا هُزِمَ الأحزابُ أمرَ اللَّه نبيَّه بقتال بني قريظة، فأرسل المنافقون إليهم وقالوا: إنْ أرادَ محمَّد أن يخرجَكم كما أخرج بني النَّضير فلا تخرجوا، فواللَّه إنْ أخرجْتُم لنخرجنَّ معكم، وإنْ قوتلْتُم لننصرنَّكم، فغرَّهم ذلك، ولزموا حصثهم، وقاتلوا رسول اللَّه -ﷺ- قريبًا من شهرٍ، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢]؛ أي: في قلوب المنافقين فلم ينصروهم، فلمَّا رأى اليهودُ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٤٠)، ولفظه: "كفار قريش".
[ ١٤ / ٣٦٨ ]
ذلك وأيسوا من نصر المنافقين نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل مُقاتلتهم وسبي ذراريهم، وقسم أموالهم بين المهاجرين والأنصار، فقال اللَّه تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ وهم بنو النَّضير؛ لأنَّه كان بينَ الأمرين سنتان، وكانوا جميعًا بالمدينة (^١).
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾: قيل: معناه: وكمثل الشَّيطان، كما قلنا في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: إنَّ معناه: وللفقراء.
وفي قراءة عبد اللَّه: (أو كَمَثَلِ الشَّيطانِ) (^٢).
وقيل: معناه: ذاقوا وبال أمرهم كمثل الشَّيطان.
وقيل: معناه: اغترار هؤلاء بالمنافقين كاغترار الإنسان بالشَّيطان.
﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾: قيل: هو للجنس، والمراد منه كلُّ كافر.
﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: وهو كقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قال مجاهدٌ ﵀: هي عامَّة للنَّاس (^٣).
_________________
(١) ذكر نحوه مختصرًا الماوردي في "تفسيره" (٩/ ٥٩٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٨٤) دون نسبة.
(٢) لم أجدها.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٤٤).
[ ١٤ / ٣٦٩ ]
وقيل: هو إنسان بعينه، واختلفت الرِّوايات فيه:
قال ابن عبَّاس ﵄: كان هذا الإنسان راهبًا في بني إسرائيل يعبدُ اللَّه تعالى، ويُحْسِن عبادَتَه، وكان يُؤتَى من كلِّ أرضٍ فيُسألَ عن الفقه، وكان عالمًا، وإنَّ ثلاثة إخوةٍ كانت لهم أختٌ حسناء من أحسن النَّاس (^١)، وإنَّهم أرادوا أن يسافروا، وكبر عليهم أن يذَروها (^٢) ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون، فقال أحدهم: أنا أدلُّكم على مَن تتركونها عنده، فقالوا: مَن؟ قال: راهبُ بني إسرائيل، إن ماتَتْ قام عليها، وإن عاشَتْ حفظها حتَّى ترجعوا إليه، فعمدوا إليه، فقالوا: إنَّا نريد السَّفر، ولن نجدَ أحدًا أوثقَ في أنفسِنا ولا أحفظَ لها منك؛ لِمَا جعل اللَّه عندك، فإن رأيْتَ ذلك خلَّفْنا (^٣) أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتَتْ فقم عليها، وإن عاشَتْ فأصلح إليها حتى نرجع، فقال: أكفيكم إن شاء اللَّه، وإنهم انطلقوا، فقام عليها فداواها حتى برأت، وعاد إليها حسنها، وإنَّه اطَّلع عليها فوجدها متصنِّعة، فلم يزل به الشَّيطان يزيِّن له حتى واقعَها، فحملَتْ، ثم ندَّمه الشَّيطان، فزيَّن له قتلَها، وقال: إنْ لم تفعل افتضحْتَ وعُرف شبهُك (^٤) فلم يكن لك معذرةٌ، فلم يزلْ به حتى قتلَها، فلمَّا قدمَ إخوتها سألوه: ما فعلَتْ فلانة؟ قال: ماتَتْ فدفنتُها، قالوا: قد أحسنْتَ، فجعلوا يرون في المنام يُخبَرون أنَّ الرَّاهب قد قتلَها، وأنَّها تحت شجرة كذا وكذا، وأنَّهم عمدوا إلى الشَّجرة فوجدوها قد قُتلَتْ، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال الشَّيطان: أنا الذي زيَّنْتُ لك الزِّنى، وزيَّنْتُ لك قتلَها بعد الزِّنى، فهل لك أن أنجيَك
_________________
(١) في (ف): "النساء".
(٢) في (أ): "يضعوها".
(٣) في (ر): "جعلنا".
(٤) في (أ): "شأنك". وفي مصادر التخريج: "شبهك في الولد".
[ ١٤ / ٣٧٠ ]
فتطيعَني؟ فقال: نعم، قال: فاسجد لي سجدةً واحدة، فسجدَ له، ثم قُتِلَ كافرًا، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ الآية (^١).
وعن طاوس: أنَّ امرأةً جُنَّتْ، فجيء بها إليه فداواها (^٢).
وعن ابن عبَّاس ﵄ في رواية: أنَّ الإخوة كانوا أربعة، وذكَر الدَّفن في رملٍ، وصلَبه الملك، وسجد للشَّيطان بالإشارة على الصَّليب (^٣).
وفي رواية مقاتل بن حيَّان: دفنها في صومعته، وظهر بعض ثيابها في موضع دفنها، واستخرجوها (^٤).
وفي رواية وهب: هو برصيصا، وعَبَد اللَّه أربعَ مئة سنة، والحادثة في بنت الملك، وقد جُنَّتْ.
وعن ابن مسعود ﵁: أنَّه عابد في غارٍ، عبد أربعين سنة، والحادثة في جارية لها سبعة إخوة (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٤٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٤٨)، وروى الحاكم في "المستدرك" (٣٨٠١) نحوه من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وصححه.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٩١)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٤٤).
(٣) لم أجده.
(٤) قال ابن كثير في "تفسيره" (٨/ ٧٦): "وكذا روي عن ابن عباس، وطاوس، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٤٢) عن ابن مسعود، لكن فيه اختلاف عما ذكره هنا، فلفظه: (قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان، فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يسمع كلامك، فقتلها ثم دفنها؛ قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم؛ فلما أحبلها قتلها، ثم دفنها في مكان كذا وكذا. . .). وباقيه شبيه بخبر ابن عباس.
[ ١٤ / ٣٧١ ]
(١٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: يا أيُّها الذين آمنوا باللَّه وجميع رسله ولم يفرِّقوا بينهم تفريقَ اليهود بين هؤلاء ونحوهم، ولم يكفروا كفرَ هؤلاء المنافقين، اتَّقوا اللَّه في أوامره فلا تخالفوها، وفي نواهيه فلا ترتكبوها.
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: أي: ولينظرْ كلُّ واحد منكم ما قدَّم ليوم القيامة.
سمَّاه غدًا لأنَّه مستقبلٌ ولأنَّه قريب، والعرب تقول: إن غدًا لناظره قريبٌ.
وقال قتادة: ما زال ربكم يقرِّبُ السَّاعة حتى جعلها كغد.
وقال ابن زيد: أمس: الدُّنيا؛ ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، وغدٌ: الآخرة؛ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (^١).
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: التَّكرير للتَّأكيد.
وقيل: الأوَّل لما قلنا، والثَّاني: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تنظروا ما قدمتم لغد.
وقيل: الثَّاني: واتَّقوا أن تعتمدوا على أن تتَّقوا.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: من خيرٍ وشرٍّ.
* * *
(١٩ - ٢٠) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
_________________
(١) رواهما عن قتادة وابن زيد: الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٤٧).
[ ١٤ / ٣٧٢ ]
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: ومنهم هؤلاء اليهود والمنافقون، تركوا توحيد اللَّه وطاعته.
﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: خذلهم وأذهلهم عن صلاح أنفسهم.
وقيل: أي: أنزل بهم من العذاب ما شغلهم عن كلِّ شيء، كالرجل يقول: أنا بحيث لا أذكر نفسي.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ حتَّى يعملوا في فكاكها.
وقيل: هم هؤلاء اليهود والمنافقون.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: أي: الخارجون عن طاعة اللَّه.
﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ﴾: وهم هؤلاء.
﴿وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: وهم المخلصون.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: النَّاجون النَّائلون كل خير.
* * *
(٢١) - ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: قيل: أي: لو خوطب بهذا القرآن الجبالُ -وهي ممَّن يحتمل الخطاب- لانقادَتْ لمواعظِه، وأشفقَتْ من الوعيد المذكور فيه، فهؤلاء الكفار أسوء حالًا من الجماد الذي لا يعقل، وأقسى قلوبًا من الصَّخر.
وقيل: هو تمثيل لقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠].
[ ١٤ / ٣٧٣ ]
وقيل: أي: لو وضع اللَّه في الجبال الفهم، وأنزل عليها هذا القرآن، لخشع وتصدَّع من هيبة ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢].
وقال الحسن: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ فكلَّفناه ما كلَّفناكم من الطَّاعة، وجعلنا له من الثَّواب ما جعلناه لكم عليها، وحذَّرناه من المعصية ما حذَّرناكم، وجعلنا له من العقاب ما جعلناه لكم عليها = لرأيت ذلك الجبل ذليلًا بما كلَّفه اللَّه تعالى وحمَّله من طاعته، متصدِّعًا من خشية اللَّه (^١).
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: أي: نبيِّنها (^٢) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ما غابَ عن حسِّ العباد وما شاهدوه.
﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: فسَّرناهما في أوَّل الكتاب في (التَّسمية).
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾: الذي لا يزول ملكُه.
﴿الْقُدُّوسُ﴾: الطَّاهر عن كلِّ عيب ونقص.
﴿السَّلَامُ﴾: المنَزَّه عن كلِّ ذمٍّ، والمسلِّم لعباده، والمسلِّم على عباده.
﴿الْمُؤْمِنُ﴾: الشَّاهد بوحدانيته لنفسه، المصدِّق على عبده إيمانَه، المعطي الأمان لأوليائه.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) "أي نبينها" من (أ).
[ ١٤ / ٣٧٤ ]
﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الشَّهيد الأمين.
﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ الغالبُ المعِزُّ الشَّديدُ البطش، الذي لا يوجَد مثله.
﴿الْجَبَّارُ﴾: القهَّار ذو الجبروت، الجابرُ كسورَ العباد.
﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: ذو الكبرياء الجليل العظيم المتعظِّم عن أن يظلمَ عباده.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تنزيهًا للَّه عمَّا يصفُه به المشركون.
* * *
(٢٤) - ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾: المقدِّر.
﴿الْبَارِئُ﴾: الموجِد.
﴿الْمُصَوِّرُ﴾: المؤلِّف الخالق للنَّفس (١) من ترابٍ، البارئ من النُّطفة في أصلاب الآباء، المصوِّر في أرحام الأمَّهات.
﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: الدَّالة على الصِّفات العُلى.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: فسَّرناه في أوَّل (سورة الحديد).
وختم السُّورة بهذه الأسماء ليعتقدَ المؤمنون معانيها تحقيقًا لإيمانهم، وخلافًا لأعدائهم.
واللَّه الموفِّق والمعين
* * *
[ ١٤ / ٣٧٥ ]