بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّهِ مُنَزِلِ الكتاب المُبين، الرَّحمنِ مُرسِلِ الرسول الأمين، الرَّحيمِ مُوصِلِ المتقين إلى الجنات والحُور العِين.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿حم﴾ الدُّخان في ليلة جُمُعةٍ غفَرَ اللَّهُ تعالى له" (^١).
_________________
(١) رواه المستغفري في "فضائل القرآن" (١٢١١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٨٥)، وهو قطعة من حديث أبيٍّ في فضائل السور الذي ذكر مقطعًا في هذا الكتاب عند كل سورة، وقد حكم عليه العلماء بالوضع، وتقدم الكلام عليه مرارًا لكن ذكر للحديث شواهد مرفوعة ضعيفة وأخرى مرسلة. فقد رواه الترمذي (٢٨٨٩)، وابن الضريس في "فضائل القرآن" (٢٢١)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٢٣٢)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٧٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٨)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٨٩٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٤٧) من طريق الحسن عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام يضعف، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة. ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٤٨) من طريق هشام بن زياد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ-، وقال: تمرد به هشام، وهو هكذا ضعيف. أما المرسل فمنه ما رواه المستغفري في "فضائل القرآن" (٨٩٥) عن رجل من أهل البصرة يكنى أبا الحارث حدثهم يرفعه إلى النبي -ﷺ- قال: "من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أصبح مغفورًا له". =
[ ١٣ / ٣١٣ ]
وسورةُ الدُّخانِ مكِّيَّةٌ.
وهي تسعٌ وخمسون آيةً. وقيل: سبعٌ وخمسون، والاختلافُ في: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ﴾، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾، ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾.
وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ وستٌّ وأربعون.
وحروفُها: ألفٌ وأربعُ مئةٍ وتسعةٌ وثلاثون.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ قوله: ﴿فَسَوفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ، و﴿إِنَّا كُنَا مُنْذِرِينَ﴾ أيضًا وعيدٌ وتهديدٌ.
وانتظامُ السورتين: أنَّهما في مُحاجَّةِ المشركين ووعيدِهم، ومَدْحِ المؤمنين ومَواعيدهم.
* * *
_________________
(١) = ورواه الدارمي في "سننه" (٣٤٦٣) عن عبد اللَّه بن عيسى قال: (أُخبِرتُ أنه مَن قرأ حم الدُّخان ليلةَ الجمعةِ إيمانًا وتصديقًا بها، أصبحَ مغفورًا له). ورواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (٢٢٢) عن الحسن، وفي (٢٢٣) عن إسحاق بن عبد اللَّه نفيع بن رافع بن أبي فروة. ورواه الدارمي في "سننه" (٣٤٢١)، والمروزي في "مختصر قيام الليل" (ص: ١٦٩)، عن أبي رافع قال: (مَن قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة، أصبحَ مغفورًا له، وزوج من الحور العين). أبو رافع هو نفيع الصائغ وهو تابعي ثقة يروي عن عمر وعثمان، من رجال "التهذيب". وروى الطبراني في "الكبير" (٨٠٢٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٨)، وقوام السنة في "الترغيب والترهيب" (٩٤٥) عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: "من قرأ حم الدّخان في ليلة الجمعة -أو يومَ الجمعة- بنى اللَّه له بيتًا في الجنّة". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣٠١٧): فيه فضال بن جبير، وهو ضعيف جدًا.
[ ١٣ / ٣١٤ ]
(١ - ٣) - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: مرَّ تفسيرُه مرَّاتٍ.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: أنزَلْنا هذا الكتابَ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: قال قتادة وابن زيد وجماعة: هي ليلةُ القَدْر (^١).
والبركةُ: كثرةُ الخيرِ ونماؤُه ودوامُه، وهي أعظم الليالي قَدْرًا، وخيرٌ مِن ألف شهر نصًّا، وفيها نزولُ الخيرات والبركات، وتَضاعُفُ أجورِ الطاعات، وقضاءُ الحاجات، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وهي في شهر رمضان، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ورُوي: أنَّ القرآن أُنزِلَ جُمْلةً إلى السماء الدنيا في هذه الليلة، ثم أُنْزِلَ على رسول اللَّه -ﷺ- نجومًا بعد ذلك على حسَبِ اتِّفاقِ الأسباب (^٢).
وقيل: ابتداءُ إنزالِه في هذه الليلة.
وقيل: هي ليلةُ النِّصْف مِن شعبان، وممَّن قال به عكرمةُ (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥ - ٦) عن قتادة وابن زيد، وذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٩). وهو قول ابن عباس فيما رواه الطبراني في "الكبير" (١٢٠٩٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٦٧٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٣٨٨)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٨٧): وهو قول الأكثرين.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٩٠) عن ابن عباس ﵄ والسدي وسعيد بن جبير والشعبي وغيرهم.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٩)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٩)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٤٤). =
[ ١٣ / ٣١٥ ]
وقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾: أي: مُخَوِّفين بالكتابِ والرسولِ الخَلْقَ بالعذاب؛ رَدْعًا عن الكفر والمعصية، وشَوْقًا إلى الإيمان والطاعة.
* * *
(٤) - ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
_________________
(١) = وقد رد العلماء هذا القول وأثبتوا أنها ليلة القدر، فقال ابنُ العربيِّ: وجمهورُ العلماءِ على أنَّها ليلةُ القَدْرِ، ومنهم مَن قال: إنَّها ليلةُ النِّصْفِ مِن شَعْبَانَ، وهو باطِلٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال في كتابه الصَّادِقِ القاطِعِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فَنَصَّ على أنَّ ميقاتَ نُزُولِهِ رمضانُ، ثُمَّ عَبَّرَ عن زَمَانِيَّةِ الليلِ هاهنا بقولِهِ: ﴿لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ فَمَن زَعَمَ أنه في غَيْرِه فقد أَعْظَمَ الفِرْيَةَ على اللَّه. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (٤/ ١١٧). وقال المُبَارَكْفوري: "اعْلَمْ أنَّ المرادَ مِن ﴿لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ عندَ الجمهورِ هي ليلةُ القَدْرِ، وقيل: هي ليلةُ النِّصفِ مِن شعبانَ، وقولُ الجمهورِ هو الحقُّ، قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ: مَن قال: إنَّها ليلةُ النِّصْفِ مِن شعبانَ، فقد أَبْعَدَ النُّجْعةَ، فإنَّ نصَّ القُرآنِ أنَّها في رمضان". انظر: "تحفة الأحوذي" (٣/ ٣٦٧). وكلام ابن كثير في "تفسيره" في أول تفسير سورة الدخان. وقال الملا علي القاري "المرقاة": "قال جماعةٌ مِن السَّلفِ: إنَّ المرادَ في الآيةِ هي ليلةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، إلَّا أنَّ ظاهرَ القرآنِ -بل صريحُه- يَرُدُّه، لإفادَتِهِ في آيةٍ أنَّهُ نَزَلَ في رمضانَ، وفي أُخْرى أنَّهُ نَزَلَ ليلةَ القَدْرِ، ولا تَخَالُفَ بينَهُما؛ لأنَّ ليلةَ القَدْرِ مِن جُملةِ رمضانَ. . . وإذا ثَبَتَ أنَّ هذا النُّزولَ ليلةَ القَدْرِ ثَبَتَ أنَّ اللَّيلةَ التي يُفرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حَكيمٍ في الآيةِ هي ليلةُ القَدْرِ، لا ليلةُ النِّصْفِ مِن شعبانَ. . . ". انظر: "مرقاة المفاتيح" (٣/ ٩٧٤). وللملا علي القاري رسالة في فضل ليلة القدر وليلة النصف من شعبان سماها: "التِّبيانُ في بيانِ فَضْلِ ليلةِ النِّصفِ من شَعبانَ وليلةِ القَدْرِ من رَمَضانَ" وفيها خالف ما قاله في "المرقاة" فجَعَلَ الأوَّلَ قولَ الجُمهور، مُخالِفًا بذلك قولَ أئمَّةِ التَّفسير؛ كابنِ العربيِّ والقُرْطُبيِّ والنَّسَفيِّ وابنِ كَثِير، وهي مطبوعة في (دار اللباب) ضمن "مجموع رسائله" الذي منَّ اللَّه علينا بالمشاركة في تحقيقه، وما نقلناه هنا هو بعض ما قدمنا به لتلك الرسالة. (ماهر).
[ ١٣ / ٣١٦ ]
﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾: أي: في هذه الليلة يُبَيَّنُ ويُفَصَّلُ ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: مُحْكَمٍ في قِسْمة الآجال والأرزاق والأحوال المُتَصَرِّفة بالخَلْق، وهو كقوله: ﴿قُرْانًا فَرَقْنَاهُ﴾: أي: بيَّنَّاه وفصَّلْناه.
والحكيمُ في معنى المُحْكَم؛ كالبَديع بمعنى المُبْدَع.
وقيل: الأمرُ الحكيم؛ أي: الأمر الصواب، وهو مِن الحكمة.
قال ابن عباس ﵄: تُقضى الأَقْضِيَةُ كلُّها ليلةَ النصف مِن شعبان، وتُسَلَّمُ إلى أربابها ليلةَ السابع والعشرين مِن شهر رمضان (^١).
وقال الضحاك وعكرمة: يُرفَعُ فيها أمْرُ السنة الماضية، ويُفَصَّلُ للسنة المُقْبِلة (^٢).
وقال أبو العالية: يُقضى أمْرُ السنةِ في ليلة القدر مِن خَلْقٍ ورزقٍ وحياةٍ وموتٍ (^٣).
وقال محمد بن كعب القُرَظي: يُكْتَبُ الحاجُّ بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يُغادَرُ منهم أحدٌ (^٤).
* * *
(٥ - ٧) - ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾: أي: يُفْرَقُ بأمْرٍ منا.
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٢٨).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٧) عن الحسن وأبي مالك، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٩) عن الحسن ومجاهد وقتادة.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "فضائل رمضان" (٧)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٩)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٩) عن عكرمة.
[ ١٣ / ٣١٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: قيل: أي: الملائكةَ في تلك الليلة إلى الأرض (^١)؛ للسلام على المؤمنين، ولإيصال الكرامات إلى المُسْتَحِقِّين.
وقيل: أي: الأنبياءَ إلى أُمَمهم في زمانهم.
وقولُه تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: إنما نُرسِلُهم رحمةً منا للخَلْق.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي: السَّامعُ أقوالَهم، العالمُ ضمائرَهم وأحوالَهم.
وقولُه تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: صفةٌ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ على قراءة الخَفْض، وهي قراءةُ عاصمٍ وحمزةَ والكسائيِّ، وصفةٌ لقوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ على قراءة الرَّفع، وهي قراءة الباقين (^٢).
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: أي: فوحِّدُوه بأنه ربُّ السماوات والأرض، فإنَّ الإيقانَ بذلك يُوجِبُ الإيمانَ.
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾.
وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: أي: يُحييهم بعد أنْ كانوا أمواتًا، ثم يُميتهم عند (^٣) انقضاء آجالهم، وإذا قَدِرَ على هذا قَدِرَ على إحيائهم وبَعْثهم بعد موتهم.
وقولُه تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: المالكُ والمُصَرِّفُ والمُدَبِّرُ للكل.
_________________
(١) "إلى الأرض" زيادة من (أ).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨).
(٣) في (ف): "بعد".
[ ١٣ / ٣١٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾: أي: ليسو بمُوقنين، بل هُم مُقَلِّدون شاكُّون.
﴿يَلْعَبُونَ﴾: في دينهم، يَدينون بما لا دليلَ على صِحَّته، ولا يتأمَّلون في عاقبته؛ كالصَّبيِّ يلعبُ فيفعل ما لا يَدري كيف عاقبتُه، ولعلَّه يُؤَدِّيه إلى مكروه.
وقولُه تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾: أي: فانتظِرْ يا محمد.
﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: قال ابن مسعود ﵁ والضحاك: الدُّخانُ: الظُّلْمةُ التي كانت تغشى أبصارَ المشركين مِن قريش لشدَّةِ الجوع حين دعا عليهم النبي -ﷺ-، فقال: "اللهم اجعلْ سِنينَ كسِنِي يوسف" (^١).
أي: انتظرْ بهم (^٢) نزولَ هذا العذابِ، فإنه كائن.
* * *
(١١) - ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾: أي: يَلْبَسُهم ويَعُمُّهم.
﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: قرُبَ منكم هذا العذابُ الوجيعُ؛ كما يُقالُ: هذا الشتاء؛ أي: قرُبَ مجيئُه.
وقالوا: إنَّ يُبْسَ الأرضِ يثورُ منه في الهواء شِبْهُ الدُّخان مِن الغُبار المُتَكَدِّر الذي يَشُوبُه ظُلْمَة، والعرب تُسَمِّي سَنَةَ المَجاعةِ غَبَرًا، وسمَّوا السَّنَةَ التي كان فيها قَحْطٌ في زمن عمر ﵁ عامَ الرَّمادة.
_________________
(١) رواه مطولًا البخاري (١٠٠٧)، ومسلم (٢٧٩٨)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٠٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٤) من حديث ابن مسعود ﵁. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٨٩) عن مجاهد وأبي العالية والضحاك وابن السائب ومقاتل.
(٢) في (أ): "انتظرهم".
[ ١٣ / ٣١٩ ]
ومعنى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾؛ أي: زمانَ تأتي (^١)، فإنه يمتدُّ ولا يقتصِرُ على يوم، وهذا الاسم مُستعمَلٌ في مُطْلَق الوقت.
* * *
(١٢) - ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾.
﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾: أي: يقول هؤلاء عند نزول العذاب: يا ربَّنا اكشِفْ عنا.
﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾: أي: نُؤمِنُ إنْ كشَفْتَه عنا.
وقيل: أي: نحن مُصَدِّقون في الحال أنَّكَ القادرُ على كَشْفِه، وعلى كَشْفِ كلِّ شيء، ولا يكشِفُ مِثْلَه إلا أنتَ.
وقيل: إِضْمارُ القولِ قَبْلَ قولِه: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: المشركون يقولون ذلك، ويَصِلون به قولَهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾.
﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾: أي: مِن أين لهم أنْ يتذَكَّروا؟! وكيف يتذَكَّرون ولم يتذَكَّروا بالرسول الذي جاءَهم؟! وهو قولُه:
﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾: أي: محمد.
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾: أي: أَعْرَضوا عن تصديقه ومُتابعته.
﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾: علَّمَتْه الشياطينُ ما يقول أنه قرآنٌ مُنَزَّلٌ مِن اللَّه تعالى؛ كما تعلِّمُ الكَهَنَةَ.
_________________
(١) بعدها في (ر): "فيه" مستدركة بالهامش.
[ ١٣ / ٣٢٠ ]
وقيل: يُعَلِّمُه جَبْرٌ ويَسارٌ أبو فُكَيْهَةَ (^١)؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
﴿مَجْنُونٌ﴾: لا عَقْلَ له، فإذا لم يتَّعِظوا بالقرآن، وبما كان مِن رسول اللَّه تعالى مِن البَيان والبُرْهان، فكيف بالدُّخان؟!
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾: أي: بعضَ هذا العذابِ نمتَحِنُهم بالشكر والوفاء بالعَهْد، أو: نكشِفُه مدةً قليلةً.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾: أي: تَعودون إلى الكفر الذي كنتم فيه، ثم قال: ﴿نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾: وفيه اختصارٌ وتقديمٌ وتأخيرٌ؛ أي: فإذا عُدتُم فإنا مُنْتَقِمون منكم ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾؛ أي: يوم نأخُذُكم الأَخْذَةَ العُظْمى؛ أي: بعذابٍ هو أكبرُ مِن الأول.
* * *
(١٧) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هكذا؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا
_________________
(١) روى الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٦٧) عن عبد اللَّه بن مسلم الحضرمي: أنه كان لهم عبدان من أهل عير اليمن، وكانا طفلين، وكان يقال لأحدهما يسار، والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول اللَّه -ﷺ- ربما جلس إليهما، فقال كفار قريش: إنما يجلس إليهما يتعلم منهما. وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
[ ١٣ / ٣٢١ ]
آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، فقالوا لموسى: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٥ - ١٣٦]، فكذلك كان حالُ قُرَيشٍ، وكان الانتقامُ منهم بعد ذلك بالقَتْل يومَ بدرٍ، وهو البَطْشَةُ الكبرى، وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين.
وقال الضحاك: كان رسول اللَّه -ﷺ- بمكة، فأصابَ المُشركين دُخانٌ عظيمٌ، ونالَ المؤمنين منه كالزُّكَام، و﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يوم بدرٍ (^١).
وفي الآية قولٌ آخرُ:
قال ابن عباس والحسن وجماعة: هو مِن أشراط الساعة (^٢)، فيكون في آخر الزمان، كالدَّجَّال، والدَّابَّة، وطُلوع الشمس مِن مغربها، و﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: عذابُ النارِ يومَ القيامة.
وقال قتادة: كنا نُحَدَّثُ أنَّ مَثَلَ الأرضِ يومئذ كمَثَلِ بيتٍ أُوقِدَتْ فيه نارٌ، فصار أهلُها كالشيءِ الحَنيذ؛ أي: المَشْوِيِّ (^٣).
وقال الضحاك: يأخذُ المؤمنَ كالزُّكام، ويدخُلُ في مَسامع الكفار والمنافقين وفي جُلودهم، وإنَّ التوبةَ مقبولةٌ.
وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: يجيءُ الدُّخانُ، فيأخُذُ المؤمنَ كهيئة الزُّكام، وينفُخُ في الكافر حتى يتَّقِدَ (^٤).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٧) عن ابن عباس ﵄ وعكرمة وقتادة والحسن.
(٣) ذكر نحوه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٩)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ١٩٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٥٠) من غير نسبة.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٠٤) عن علي ﵁، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٨) =
[ ١٣ / ٣٢٢ ]
وقال الحسن: الدُّخانُ لم يَمْضِ (^١)، وإنما هو (^٢) مِن أشراطِ الساعة والبَطْشَةِ الكبرى يوم القيامة.
وعن علي ﵁ قال: لم يَمْضِ الدُّخان، وإنه يكون يوم القيامة يُفَرَّقُ به بين المؤمن والكافر (^٣).
وعلى هذا معنى الآيات: فانتظِرْ يا محمد، ودَعْهُم ولَعِبَهم، فإنَّ بين أيديهم يومًا يأتيهم فيه العذابُ فيتوبون فلا تُقْبَلُ توبتُهم، وذلك إذا أتى الدُّخانُ، فيقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ولا يُقبَلُ إيمانُهم؛ لأنَّه حالَ بَأْسٍ ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾؛ أي: يزولُ هذا الدُّخانُ، وينكشِفُ عنهم العذابُ مُدَّةً ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ إلى عذابٍ أكبرَ منه ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يومَ القيامة.
وأكثرُ أهلِ العلم على هذا، والأوَّلُ قولُ ابن مسعود ﵁.
وقد روى الأَعْمَشُ عن مسلمٍ عن مسروقٍ قال: كان رجلٌ في المسجد يُحَدِّثُ، فقال فيما يقول: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ إذا كان يومُ القيامة يكون دخانٌ يأخذُ (^٤) بأسماع المنافقين (^٥) وأبصارِهم، ويأخذُ المؤمنين منه كهيئة الزُّكام، قال:
_________________
(١) = عن ابن عمر ﵁. وعزاه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ١٩٩) إلى علي وأبي سعيد الخدري ﵄ والحسن.
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٩).
(٣) في (أ): "وإنه".
(٤) لم أقف عليه.
(٥) في (أ) و(ف): "آخذ".
(٦) في (ر) و(ف): "الكافرين والمنافقين".
[ ١٣ / ٣٢٣ ]
فقُمْنا ودخَلْنا على عبد اللَّه بن مسعود وهو في بيته، فأخبَرْناه، وكان مُتَّكِئًا فجلَسَ، ثم قال: أيُّها الناس، مَن علِمَ عِلْمًا فليقُلْ به، ومَن لم يَعْلَمْ فليقُلْ: اللَّهُ أعلمُ، وسأُخبِرُكم عن الدخان: إنَّ قريشًا لَمَّا استعْصَتْ على النبي -ﷺ- قال: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عليهم بسَبْعٍ كسَبْعِ يوسفَ"، فأصابَتْهم سنَةٌ، حتى كانوا يأكُلون الجِيَفَ، حتى إنَّ أحدَهم كان يَرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان مِن الجوع، وكان الرجلُ يُحَدِّثُ الرجلَ، فيسمَعُ كلامَه ولا يراه مِن الدخان، فدَعَوا، فكُشِفَ ذلك عنهم، ثم قال: "أرَأيتُم لو كان هذا يوم القيامة: أكان يُكشَفُ عنهم؟ "، فأُخِّرُوا إلى يوم بدر، وهو يوم البَطْشَة الكبرى (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: أي: امتَحَنَّا بالإيمان والطاعة قَبْلَ هؤلاء المشركين قومَ فرعونَ.
﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: على اللَّه، قد اصطفاه لرسالته.
* * *
(١٨ - ٢٠) - ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾.
﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾: أي: بأنْ أدُّوا؛ أي: أرسِلوا بني إسر ائيل، فإنهم عبادُ اللَّهِ لا عبادُكم، فلا تستعبِدوهم، ولا تُسَخِّروهم، ولا تَمْتَهِنُوهم (^٢) في الأعمال الخَسيسة.
وقيل: أدُّوا حقَّ اللَّهِ يا عبادَ اللَّهِ، نصبٌ على النداء.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٠٧)، ومسلم (٢٧٩٨)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٠٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٤).
(٢) في (أ): "تمتحنوهم".
[ ١٣ / ٣٢٤ ]
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: مُؤتَمَنٌ غيرُ مُتَّهَمٍ في النُّصْح لكم.
﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾: أي: لا تترفَّعوا عن طاعة اللَّه، وطاعةِ مَن ألزَمَكُم طاعتَه.
﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: أي: حُجَّةٍ بيِّنةٍ على ما أدَّعِيه.
﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾: أي: تقتُلوني بالحجارة. قاله قتادة (^١)، وكانوا اعتادوا ذلك فيمَن أرادوا إهلاكَه.
وقال ابن عباس وأبو صالح: أي: تشتِموني (^٢).
* * *
(٢١ - ٢٣) - ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾.
﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾: أي: إنْ لم تُصَدِّقوني فيما أقولُ ففارِقُوني وكونوا بمَعْزِلٍ مني إلى أنْ يحكُمَ اللَّهُ بيننا.
وقولُه تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾: أي: مُشرِكون مُصِرُّون على الكفر، لم يُرْسِلوا بني إسرائيل، وعلَوا على اللَّه.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾: أي: فدعا ربَّه بالنُّصْرة والنَّجاة، فأجَبْنا دعاءَه، وقلنا له: اذهبْ ببني إسرائيل الذين آمنوا بكَ ليلًا.
﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: أي: يتَّبِعُكم فرعونُ وقومُه، فاجعلوا ذلك ليلًا؛ لِيكونَ أَهْوَلَ عليهم، وأشغلَ عن الاستعداد، وأبطَأَ للَّحاقِ (^٣).
_________________
(١) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨١٢)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٢).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣١ - ٣٢)، وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٧١).
(٣) في (ف): "اللحوق".
[ ١٣ / ٣٢٥ ]
(٢٤) - ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ﴾: قال أبو عُبيدةَ وقُطْرُبٌ: أي: ساكنًا (^١).
وكان أُمِرَ أنْ يَضْرِبَ البحرَ بعَصاه حتى انفلَقَ طُرُقًا، وقامَ في الهواء، فلما عبَرَ خاف أنْ يَدْخُلَه فرعونُ وقومُه، ويعبُروا كما عبَرَ هو وبنو إسرائيل، فقال اللَّه تعالى له: امضِ أنتَ واترُكْهُ كذلك، فإنهم يدخلُون لكنْ يَغْرَقون ولا يعبُرون، وذلك قولُه: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾.
وقيل: الرَّهْوُ: الواسعُ المُنفَرِجُ؛ أي: اترُكْه كذلك.
وقال الكسائيُّ: يُقالُ: جاءت الإبلُ رَهْوًا؛ أي: يتبَعُ بعضُها بعضًا (^٢).
يقول: اتْرُكِ البحرَ يدخُلْ فيه فرعونُ وقومُه مُتَتابِعين ثم يغرَقون.
والجُندُ جمعٌ بمعناه، فلذلك قال: ﴿مُغْرَقُونَ﴾، وفردٌ بلفظِه؛ فلذلك قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١].
* * *
(٢٥ - ٢٨) - ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: أي: ففعَلَ، ودخلَ البحرَ فرعونُ وقومُه، فأُغرقوا، وترَكوا بساتينَ كثيرةً فيها أشجارٌ مُظِلَّةٌ وعيونٌ نابِعةٌ بالمياه.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٠٨)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٥٠) عن الكلبي والأخفش وقطرب.
(٢) انظر: "غريب الحديث" للحربي (٢/ ٦٨٠)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (٦/ ٢١٣).
[ ١٣ / ٣٢٦ ]
﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: يعني: محافلَ الاجتماعاتِ للتدبُّرِ في الأمور والتَّشاوُرِ فيها، وهو كقوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣].
﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾: أي: تَنَعُّمٍ في عيش كانوا يتقلَّبُون فيه لاعِبين لاهِين.
﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كذلك كان أمرُهم.
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾: هم بنو إسرائيلَ؛ أي: نقَلْناها إليهم بعدَهم نَقْلَ الميراثِ.
فإنْ قيل (^١): كيف كانت أموالُهم باقيةً حتى ورِثُوها وقد دعا موسى ربَّه فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، وقال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]؟!
قُلنا: يحتملُ أنْ يكون طَمْسًا على ما سوى الجِنان والعُيون والزُّروع والمَقام الكريم، فجرى الإرثُ في ذلك.
* * *
(٢٩) - ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾: كان الكبيرُ في العرب إذا مات قالوا: بكَتْ له السماءُ والأرضُ، يَعْنون به أنَّ المصيبة به (^٢) عمَّتِ الخَلْقَ، فبكى له الكلُّ؛ أي: لو جازَ أنْ يوجدَ مِن السماء والأرض بُكاءٌ على ميِّتٍ لَوُجِدَ منهما عليه.
وأرادَ به: أنَّه لم يظهَرْ بَعْدَهم مِن آثار المُصيبة بهم ما يَظْهَرُ في مَصائبِ ذوي الأَقْدار والأَخْطار؛ أي: ما بكى عليهم أهلُ السماء وأهلُ الأرض، فأُضمِرَ الأهلُ كما أُضْمِرَ في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
_________________
(١) في (أ): "قالوا".
(٢) في (ف): "قد".
[ ١٣ / ٣٢٧ ]
روى أنس ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال في هذه الآية: "ما مِن مسلمٍ إلا وله بابانِ في السماء: بابٌ يَصْعَدُ فيه عمَلُه، وبابٌ ينزِلُ منه رزقُه، فإذا مات المؤمنُ بكى عليه باباه" (^١).
وقال ابن عباس ﵄: إذا مات المؤمن بكى عليه مُصلَّاه وبابُه الذي يصعَدُ فيه عملُه في السماء (^٢).
فعلى هذا لم يكن للكافر (^٣) في الأرض مَوْضِعُ عبادةٍ، ولا في السماء مَصْعَدُ طاعةٍ، فلم تبكِ عليه السماءُ والأرضُ.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أي: مُمْهَلِين بعد حُلول وقتِ هلاكِهم.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: وهو استعبادُ فرعونَ وقومِه إياهم، واستعمالُهم في الأعمال الخَسيسة، وذَبْحُ الأبناءِ، واسترقاقُ البناتِ.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢٥٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (٤١٣٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٥٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٩٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٢). قال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث.
(٢) رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٢٨)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٠١٨).
(٣) في (أ) و(ف): "لهم".
[ ١٣ / ٣٢٨ ]
﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾: أي: مُتَغَلِّبًا (^١) قاهرًا للعباد.
﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: أي: المُجاوزين حدودَ اللَّهِ، المُفْرِطين في معاصيه.
* * *
(٣٢) - ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾: أي: بني إسرائيلَ.
﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: أي: على عِلْمِنا بصلاحهم لذلك، وقيامِهم بشكره.
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: على عالَمِي زمانِهم، بأنْ جعَلْنا فيهم الكتابَ والحِكْمةَ (^٢) والنبوةَ والمُلْكَ.
وقيل: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾؛ أي: على عِلْمٍ آتيناهم وأحوَجْنا إليهم غيرَهم.
وهذا الاختيارُ يجوزُ أنْ يكون خاصًّا لِمَن جعَلَ اللَّهُ فيه النبوةَ منهم، ويكون كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ويجوزُ أنْ يكون عامًا لبني إسرائيل الذين كانوا مع موسى، اختارَهم بالإِنْجاء وإغراقِ الأعداءِ؛ لعِلْمِه بأنَّ فيهم الأنبياءَ وأتباعَ الأنبياءِ.
* * *
(٣٣ - ٣٥) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي: أعطينا بني إسرائيلَ مِن العلاماتِ
_________________
(١) في (ر): "متعليًا".
(٢) "والحكمة" ليست في (أ) و(ف).
[ ١٣ / ٣٢٩ ]
الدالَّةِ على إنعامي عليهم، مِثْلَ فلَقِ البحر، وتَظْليلِ الغَمام، وإنزالِ المنِّ والسَّلْوى ﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: ما يُعْلَمُ به إنعامي عليهم ظاهرًا.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: أي: إنَّ هؤلاء المشركين ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾؛ أي: لا موتَ سوى موتتِنا الواحدةِ التي يموتُها (^١) الناس.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾: أي: بمبعوثين بعدها.
وذِكْرُ الأولى ليس لإثبات الثانية منهم، بل أرادوا نَفْيَ مَوْتَةٍ أخرى بعدها.
* * *
(٣٦) - ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾: أي: ائتوا بآبائنا الذين ماتوا أحياءً ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ بَعْدَ الموتِ حياةً؛ لِنَعرِفَ ذلك بالمشاهدة، وهذا مبنيٌّ منهم على جهل، فإنَّ اللَّهَ قادرٌ على إحيائهم بعد الموت في الدنيا كما فعَلَ ذلك بكثير مِن الماضين، لكنَّه لا يفعلُه لغير الوقت الذي حكَمَ بإحيائهم فيه، وقد أقامَ الدِّلالةَ على قُدْرَته على ذلك بما اعترَفوا به مِن قُدْرَته على الابتداء، وهو أعجبُ مِن الإعادة.
ومعنى قولِه: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾: أي: فادْعوا ربَّكم يُحْيِهم.
ورُوِيَ أنَّ أبا جهل -لعنةُ اللَّهِ عليه- قال للنبي -ﷺ-: أَحيِ لنا جدَّكَ قُصَيَّ بن كِلابٍ، فإنه كان صادقًا، فنسألَه عنكَ وعن صِدْقِ ما (^٢) تقولُ، وعن البعث بعد الموت، فنزلت الآية (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يموت بها".
(٢) في (ف): "وعن صدقك وما" وفي (ر): "وعن ما".
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٥٥)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٢٩).
[ ١٣ / ٣٣٠ ]
وقيل -وهو قولُ الفراء-: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ خاطَبوا به النبيَّ خاصَّةً (^١)؛ أي: ادعُ اللَّهَ تعالى أنْ يُحيِيَهم لنا.
* * *
(٣٧) - ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليس قُرَيشٌ بأقوى وأكثرَ عُدَّةً مِن قوم تُبَّعٍ والمُتقدِّمين، وقد أهلَكْناهم بجُرْمِهم، وهؤلاء مُجرمون أيضًا، فنفعلُ بهم كذلك.
وتُبَّعٌ: مَلِكُ اليَمَنِ.
قال الكلبي: إنما ذُكِرَ قومُ تُبَّعٍ؛ لأنَّهم أقربُ إلى أهل مكة في الهلاك مِن غيرهم، وسُمِّيَ تُبَّعًا لكَثْرة أتباعِه، وتُبَّعٌ ليس باسم الملِكِ خاصٌّ، بل هو اسمٌ لملِكِ اليمن؛ ككِسْرى لفارسَ، وقَيْصَرَ للرُّوم، والنَّجاشيِّ للحَبَشة، والخاقانَ للتُّرْك (^٢).
وقال أبو عُبيدة: كلُّ ملِكٍ لليمن يُسَمَّى تُبَّعًا؛ لأنَّه يَتْبَعُ صاحبَه، ومَوْضِعُ تُبَّعٍ في الجاهلية كمَوْضِعِ الخليفة في الإسلام (^٣).
وقال قُطْرُب: أهلُ اليَمَنِ يفتخرون بهذه الآية؛ إذ جعلَ قومَ تُبَّعٍ خيرًا مِن قُرَيشٍ.
وقال ابن عباس ﵄: تُبَّعٌ لقَبٌ كفرعون وهامان، واسمه: أسعدُ بن مَلْكا كَرِب (^٤).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٤٢).
(٢) ذكر نحوه عن الكلبي الواحديُّ في "البسيط" (٢٠/ ١١٥).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٠٩).
(٤) في (أ): "ملكا كيرب". والخبر ذكره البغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٣) عن عكرمة عن ابن =
[ ١٣ / ٣٣١ ]
وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ تُبَّعًا كان رجلًا مِن حِمْيَرَ، سارَ بالجنود حتى حَيَّر الحِيرةَ (^١)، ثم أتى سَمَرْقَنْدَ فبناها (^٢).
وكانت عائشة ﵂ تقول: لا تسبُّوا تُبَّعًا، فإنه كان رجلًا صالحًا (^٣)، أسلَمَ، فخالَفوه، فأهلَكَهم اللَّه تعالى.
قال كعب: ذمَّ اللَّهُ قومَه ولم يَذُمَّه (^٤).
وقال سعيد بن جُبير: إنَّ تُبَّعًا كسا الكعبةَ سبعةَ أثوابٍ، وهو أوَّلُ مَن كساها (^٥).
_________________
(١) = عباس ﵄، واسم تغ فيه: أسعد أبو كرب بن مليك. وانظر: "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٦٣١)، و"معجم البلدان" (٢/ ١٢٦)، و"تاريخ ابن خلون" (٢/ ٢٩٢)، وفيها: (كليكرب).
(٢) أي: بناها ونظم أمرها. انظر: "روح المعاني" (٢٤/ ٤٧٧).
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٩)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٥٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٥٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٦٨١) وصححه وزاد: (ألا ترى أن اللَّه ذمَّ اللَّهُ قومَه ولم يَذُفَه). وروى الإمام أحمد في "مسنده" (٢٢٨٨٠)، والروياني في "مسنده" (١١١٣)، والطبراني في "الأوسط" (٣٢٩٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٥٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٤)، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ يرفعه: "لا تسبوا تبعًا، فإنه كان قد أسلم". ورواه الطبراني في "الأوسط" (١٤١٩) من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي عن حديث سهل: فيه عمرو بن جابر، وهو كذاب، وعن حديث ابن عباس: فيه أحمد بن أبي بزة المكي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. انظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي (٨/ ٧٦).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٩)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٥٤). وورد عن عائشة. انظر التعليق السابق.
(٦) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٢٠)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٠)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٥٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٤).
[ ١٣ / ٣٣٢ ]
وذكَرَ محمد بن إسحاق له قصةً عجيبةً في هذا، ونحن كتَبْنا تمامَ القصة في بعض تصانيفِنا، وفيها: أنه مِن الخمسة الذين ملَكوا الدنيا كلَّها، وأنه خرجَ إلى مكَّةَ في مئةِ ألفٍ وثلاثةٍ وثلاثين ألفًا مِن الفُرْسان، ومئةِ ألفٍ وثلاثةَ عشرَ ألفًا مِن الرَّجَّالة، واجتمَعَ عنده أربعةُ آلافِ رجلٍ مِن الحكماء، وأتى يَثْرِبَ وهي يومئذ بُقْعةٌ فيها عينُ ماءٍ ليس بها بُنْيانٌ، وقعَدَ منهم أربعُ مئةِ حكيمٍ في هذا المكان، وقالوا: إنه مكانُ نبيِّ آخرِ الزمان، وإنه يخرُجُ عن قريب، فلا نبرَحُ منها إلى أنْ يخرُجَ فنلقاه، فبنى الملِكُ لهم أربعَ مئةِ دارٍ لسُكْناهم، وزوَّجَهم، وهيَّأَ أسبابَهم، وكتَبَ كتابًا وختَمَه بالذهب، وأمرَهم أنْ يُبَلِّغوه إلى رسول اللَّه -ﷺ- إذا خرَجَ، ذُكِرَ فيه: أنه آمنَ به، والتمَسَ فيه شفاعتَه له يوم القيامة، وكان مِن ذلك اليومِ إلى أنْ خرَجَ النبي ﵊ ألفُ سنةٍ، وبلَّغه كتابَه الأنصارُ، وهم مِن نوافل أولئك، فقال ﵊: "مرحبًا بالأخ الصالح" ثلاثَ مرَّاتٍ، وكانت دارُ أبي أيوب الأنصاريِّ ﵁ التي نزَلَ بها رسولُ اللَّه -ﷺ- مِن خِطَّة أولئك (^١).
* * *
(٣٨ - ٣٩) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: أي: عابِثين لغير شيء.
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: قيل: أي: بأمرٍ هو حَقٌّ.
وقيل: أي: للحقِّ، وهو ما يتصرَّفُ في عباده، فهو حقٌّ.
_________________
(١) رواه مطولًا الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ١٣٢)، ومن طريقه الخركوشي في "شرف المصطفى" (١/ ٩٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١١/ ١٣). وعزاه العيني في "عمدة القاري" (٤/ ١٧٦) لكتاب "المبتدأ" لابن إسحاق.
[ ١٣ / ٣٣٣ ]
وقيل: أي: للعِبْرة.
وقيل: أي: للأمر والنهي والترهيب والترغيب.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا ينتفعون بعلومهم.
وقيل: أي: لا يتأمَّلون فيَعْلَموا.
وقيل: أكثرُهم مُقَلِّدون بغير علم، وأقلُّهم عالِمون مُعانِدون.
* * *
(٤٠ - ٤٢) - ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: إنَّ يومَ القيامة وقتُ جَمْعِ كلِّ هؤلاء للحِساب والجَزاء، وهو يومُ التَّمييز بين المُحْسِن والمُسِيء بالثواب والعقاب، ويومُ فَصْلِ القَضاءِ بينهم، ويومُ الفَصْلِ والتَّفْريق بين الوالد والولد (^١) والزَّوج والأهل والمُتآلفين في الدنيا على اختلاف الصِّفات.
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾: أي: لا ينفَعُ قريبًا قريبٌ.
والمولى: ابنُ العمِّ، والمولى: الوليُّ.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا يُمْنَعون مِن عذاب اللَّه تعالى.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾: أي: إلَّا المؤمنون الذين ﵏، فإنهم يَشفعون للمُذنبين.
وقيل: إلَّا مَن ﵀، فيُشفِّعُ فيه، و(إلَّا) بمعنى (لكنْ) على هذا القول.
_________________
(١) في (ف): "والوالدة".
[ ١٣ / ٣٣٤ ]
وقيل: هذا (^١) مُنْقَطِعٌ عن الأول، ومعناه: لكنْ مَن ﵀، فإنه لا يَحتاجُ إلى قريب ينفَعُه، ولا إلى ناصر يمنَعُه.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: أي: المنيع (^٢) فلا يُغالَبُ إذا أنزَلَ العذابَ بأعدائه، الرحيمُ فلا يَمْنَعُ رحمتَه مِن أوليائه.
* * *
(٤٣ - ٤٦) - ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾: أي: الكافرِ المُرْتَكِب للمَآثم.
وقيل: نزلَتْ في أبي جهل لعنَه اللَّهُ (^٣).
وقيل: في الوليد بن المُغِيرة (^٤).
﴿كَالْمُهْلِ﴾: هو ما يُذابُ بالنار؛ كالفضة والرَّصاص ونحوِهِما، وسُمِّيَ به لأنَّهُ يُمْهَلُ في النار حتى يذوبَ.
وقال ابن عباس ﵄: هو دُرْدِيُّ الزَّيتِ (^٥).
_________________
(١) في (ف): "هو".
(٢) في (ف): "الممتنع".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٥٢، ٢١/ ٥٤) عن السدي وابن زيد، وهو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٣/ ٨٢٤).
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٣).
(٥) رواه الطبري في تفسيره" (٢١/ ٥٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٦٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٠٣)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ١٦٨).
[ ١٣ / ٣٣٥ ]
وفي روايةٍ عنه، وهو قولُ ابن مسعود ﵁: ما أُذِيبَ بالنار كالفضة (^١).
وقولُه تعالى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ بياء التذكير؛ صَرْفًا له إلى المُهْل، وقرأ الباقون بتاء التأنيث؛ ردًّا إلى الشجرة (^٢).
﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾: أي: الماءِ الحارِّ الذي انتهى حَرُّه.
أي: الزَّقُّومُ يَغْلي في بطن الكافر غَلَيانَ الماءِ الحارِّ بالنار.
* * *
(٤٧) - ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿خُذُوهُ﴾: أي: يُقال للزَّبانية: خُذوه ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: قيل: سُوقُوه وادْفَعُوه.
وقال مقاتل: أوقِعوه على وجهه (^٣).
وقال القُتَبيُّ: أي: قُودُوه بالعُنْف (^٤).
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وابنُ عامرٍ بضم التاء، وقرأ الباقون بكسرها، وهما لُغَتان (^٥).
_________________
(١) = ودُرْدِيُّ الزيت وغيرِه: ما يبقى في أسفله. انظر: "الصحاح" للجوهري (٢/ ٤٧٠).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٥ - ٥٦)، ورواه عن ابن مسعود ﵁ الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٦٧)، وذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٠٣)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ١٤٦).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، وفيهما قراءة الياء لابن كثير وحفص، والباقون -ومنهم ابن عامر- بالتاء.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٨٢٥)، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٩٢).
(٥) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٠٣)، و"زاد المسير" (٤/ ٩٤).
(٦) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨).
[ ١٣ / ٣٣٦ ]
والعَتْلُ: زَعْزَعَةُ البدنِ بالجَفاء والغِلْظة للإهانة.
وقيل: هو الدَّفْعُ.
وقيل: هو الجَرُّ.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: أي: وسَطِها.
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾: فالحَميمُ يأخذُ جميعَ خارجِ بدَنِه، والزَّقُّومُ جميعَ باطنِه.
﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾: يقولون له: ذُقْ هذا العذابَ، فما دفَعَ العذابُ عنكَ عِزَّكَ في نفْسِكَ، وكرَمَكَ على قومكَ.
وقيل: هو على القَلْب؛ أي: إنَّكَ أنتَ الذَّليلُ المُهانُ في الحقيقة، وإنْ كنتَ عزيزًا كريمًا عند نفْسِكَ، وهذا كقول قوم شُعَيبٍ لشُعَيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]؛ أي: السَّفِيهُ الغَوِيُّ.
وقيل: معناه: إنَّكَ أنتَ المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ.
وقيل: يُقالُ هذا لأبي جهل لعنَه اللَّه، وكان قال في الدنيا: أنا أعَزُّ أهلِ هذا الوادي وأكرَمُهم (^١).
* * *
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٦).
[ ١٣ / ٣٣٧ ]
(٥٠ - ٥١) - ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾: أي: تشُكُّون فيه.
وقيل: أي: تُجادلون في دَفْعه.
وقرأ الكسائيُّ: ﴿ذُقْ أنَّكَ﴾ بفتح الألف (^١)؛ أي: بأنَّكَ، أو: لِأنَّكَ، ومعنى الكسرِ: فإنَّكَ.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ﴾: ذكَرَ حالَ المؤمنين بعد ذِكْرِ حالِ الكافرين؛ أي: إنَّ الذين اتَّقَوا الشركَ والمعاصيَ في مقام.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: ﴿في مُقام﴾ بضم الميم؛ أي: مَوْضِعِ إقامةٍ، والباقون بالفتح؛ أي: في مكان (^٢).
﴿أَمِينٍ﴾: ذي أَمْنٍ يَأمنون فيه الخوفَ والحُزْنَ والآفةَ والعِلَّةَ والمكارهَ.
* * *
(٥٢ - ٥٤) - ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾.
﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ترجمةٌ عن الأول؛ أي: بساتينِ نُزْهَةٍ، وعُيونٍ جاريةٍ.
﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: مما رَقَّ مِن الدِّيباج وما غلُظَ منه ظِهارةً وبِطانةً (^٣)، لُبْسًا وافتراشًا.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨).
(٢) انظر: المصدرين السابقين.
(٣) الظِّهارة: ما علا وظهر ولم يل الجسد، والبِطانة: ما ولي منه الجسد وكان داخلًا. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٦/ ١٣٧).
[ ١٣ / ٣٣٨ ]
﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: أي: مُتواجِهين في المجالس؛ كما قال: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وهو أتَمُّ للأُنْس.
﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كذا يكون أمْرُهم في الجنة.
﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾: أي: نَقْرنُهم.
﴿بِحُورٍ﴾: جَمْعُ حَوْراء، وهي الشديدةُ سَوادِ العينِ والشَّديدةُ بياضِها.
﴿عِينٍ﴾: جَمْعُ عَيْناء، وهي الواسعةُ العَين.
* * *
(٥٥ - ٥٦) - ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾.
﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾: أي: يتحَكَّمُون في الجنة.
﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾: ويأمُرون بإِحْضارها.
﴿آمِنِينَ﴾: أي: مِن انقطاعها.
وقيل: أي: مِن أنْ ينالَهم بأَكْلِها أذًى أو مكروهٌ.
وقيل: ﴿آمِنِينَ﴾ مِن كل خَوْفٍ.
وقيل: ﴿آمِنِينَ﴾ مِن عذاب أهل النار.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾: أي: في الجنة ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾: قيل: أي: سِوى المَوْتَةِ التي كانت في الدنيا عند انقضاءِ آجالِهم. قالَه الفراء.
وقال: هو كقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٢٢] (^١).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٤٤).
[ ١٣ / ٣٣٩ ]
وقيل: أي: بعد الموتةِ الأولى في الدنيا.
وقيل: أي: لكنِ الموتةَ الأولى قد ذاقُوها.
﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: أي: حَفِظَهم عما فيه أهلُ النار مِن العذاب.
* * *
(٥٧ - ٥٩) - ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: تَفَضُّلًا عليهم مِن غير استحقاقٍ لأحدٍ، فإنَّ العبدَ لا يستحِقُّ على اللَّه شيئًا.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أي: الظَّفَرُ العظيمُ بكل محبوبٍ، والخَلاصُ العظيمُ مِن كل مكروهٍ.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾: أي: يَسَّرْناهُ على لسانك، فتقرَؤُه مِن غير كتابةٍ ولا نظَرٍ في مكتوبٍ.
وقيل: أي: أنزَلْناهُ مُيَسَّرًا بلسانكَ ولسانِ قومكَ، وهو العربيَّةُ.
وقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: لِيَتَذَكَّروا ويَتَّعِظوا به ويفهموا معانِيَه.
و﴿يَسَّرْنَاهُ﴾: ترجِعُ الكِنايةُ فيه إلى الكتاب المذكور في أول السورة.
﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾: أي: فانتظِرْ ما وعَدْناكَ مِن النَّصْرِ والظَّفَرِ والعُلُوِّ في الدنيا والآخرة، فإنهم مُنْتَظِرون ما أَوْعَدْناهم به مِن العذاب في الدنيا والآخرة؛ أي: صائرون إلى ذلك وإنْ لم يعتقِدوه فيَنتظِروه.
[ ١٣ / ٣٤٠ ]
وقيل: فارتقِبْ ما يُؤتيكَ اللَّهُ مِن الظَّفَر والنَّصْر، فإنهم يرتقبون بكَ دوائرَ الدَّهرِ، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقيل: فارتقِبْ يومَ الفَصْلِ، فإنَّكَ ستَصِلُ فيه إلى ما وعدتُكَ مِن الفَضْل، إنهم مُرْتَقِبون ذلك لأنفسهم، فيقولون: لو صِرْنا إلى الآخرة لكان لنا ذلك، قال تعالى خبَرًا عن ذلك الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، فسترى كيف يتحقَّقُ أمَلُكَ وتَخِيبُ آمالُهم.
وقيل: نزلَتْ في مُشْركي مكةَ، ومعناه: فانتظِرْ هلاكَهم يومَ بدرٍ، فإنهم مُنْتَظِرون موتَكَ.
وقيل: نُسِخَتِ الآيةُ بآية القتال.
* * *
[ ١٣ / ٣٤١ ]
سورة الجاثية
[ ١٣ / ٣٤٣ ]