بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي خلَقَ الإنسان، الرَّحمنِ الذي علَّمَ القرآن، الرَّحيمِ الذي جعلَ جزاءَ الإحسانِ الإحسانَ.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأَ سُورةَ الرَّحمنِ رَحِمَ اللَّهُ ضَعْفَه، وأدَّى شُكْرَ ما أنعَمَ اللَّهُ عليه" (^١).
وهذه السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، ويُقال: مدنيَّةٌ، والأوَّلُ قولُ ابنِ عباسٍ والضحَّاكِ، والثاني قولُ مُقاتلِ بنِ حيَّانَ والواقديِّ (^٢).
وهي ستٌّ وسبعون آيةً، ويُقال: سبعٌ، ويقال: ثمانٍ (^٣)، الاختلافُ في خمسٍ:
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٦)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (١٢٢٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢١٧)، وهو قطعة من الحديث الطويل الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١٠٢١).
(٢) ذكر الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٢٢) عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وجابر، أنها مكية كلها، إلا أن ابن عباس استثنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وأن ابن مسعود ومقاتل قالا: هي مدنية كلها. وذكر ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٢٣) أنها مكية في قول الجمهور من الصحابة والتابعين، سوى نافع بن أبي نعيم، وعطاء، وقتادة، وكريب، وعطاء عن ابن عباس ﵄.
(٣) بعدها في (ف): "وقيل تسع"، وهو مخالف لباقي النسخ، ولما ذكره الثعلبي في "تفسيره" مطلعَ هذه السورة، والداني في "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٣٧) حيث قال: (وهي سبعون وستٌّ =
[ ١٤ / ١٧٥ ]
﴿الرَّحْمَنُ﴾، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾، ﴿وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾، ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾، ﴿يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.
وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ وإحدى وخمسون.
وحروفُها: ألفٌ وخمسُ مئةٍ وخمسون.
وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورةِ بافتتاح هذه السُّورةِ: أنَّ تلك خُتِمَتْ باسمٍ مِن أسماءِ اللَّه تعالى، وهذه أيضًا افتُتِحَتْ باسمٍ مِن أسماءِ اللَّه.
وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك السُّورةَ في جزاء أهلِ التَّكْذيب، وهذه السُّورةُ في تَقْريعِ الجنِّ والإنسِ على التَّكْذيب، قال في تلك: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القمر: ٣]، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: ٩]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ [القمر: ١٨]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ [القمر: ٢٣]، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٣]، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر: ٤٢]، وقال في هذه السُّورة: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مُكَرَّرًا، ﴿يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقيل: هذه السُّورةُ في ذِكْر الدنيا وأحوالِها، والقيامةِ وأهوالِها، والنارِ ودرَكاتِها، والجنَّةِ ودرجاتِها.
وقيل: هذه السُّورةُ في ذِكْرِ الآلاءِ والنَّعْماءِ، وهي نِعَمُ الدنيا والدِّين، وذِكْرِ يومِ الدِّين، وما فيه للكفار والمؤمنين.
وعن ابن عباسٍ أنه قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يكتُبُ في بَدْءِ الإسلام: (باسمِكَ اللَّهُمَّ)، كما كانت قريش تكتُبُ، حتى نزلَتْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، فكتَبَ حَوْلًا: (باسمِ اللَّهِ) حتى نزلَتْ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾، فكان يكتُبُ (بسم اللَّه الرحمن الرحيم)، فقالت قريشٌ: يا محمدُ، كنتَ إلى الآن تعبُدُ إلهًا واحدًا، وأنتَ
_________________
(١) = بَصْري، وسبعٌ مدنيان ومكي، وثمانٍ كُوفي وشامي).
[ ١٤ / ١٧٦ ]
الآن تعبُدُ إلهين؟! فبَيِّنْ لنا: أنعبُدُ اللَّهَ أم نعبُدُ الرَّحمنَ؟! فنزلَتْ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾، ثم نزلَتْ هذه السُّورةُ (^١).
والمعنى: الرَّحمنُ الذي يكفُرُ به أهلُ مكَّةَ هو الذي علَّمَ محمدًا القرآنَ.
وقال الضَّحَّاكُ: قال أهلُ مكَّةَ: ما نعرِفُ الرَّحمنَ إلا صاحِبَ اليَمامةِ (^٢)، فنزلَتْ هذه السُّورةُ.
وقال الشَّعبيُّ: قالت اليهودُ لرسول اللَّه -ﷺ-: إنا لَنراكَ تُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ وتُقِلُّ ذِكْرَ الرحمن، فما بالُكَ؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه السُّورةَ (^٣).
وقال عطاءٌ: لَمَّا نزلَتْ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (^٤).
وعن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيه قال: كان أوَّلَ مَن جهَرَ بالقرآن بمكَّةَ بعد رسولِ اللَّه -ﷺ- عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، وذلك أنَّ أصحابَ رسولِ اللَّه -ﷺ- اجتمَعوا، فقالوا: ما سَمِعَتْ قريشٌ القرآنَ يُجْهَرُ به، فمَن رجلٌ يُسَمِّعُهم؟ فقال عبد اللَّه بن مسعود: أنا، فقالوا:
_________________
(١) متنه مركب من خبرين، فإلى قوله: (بسم اللَّه الرحمن الرحيم) مروي عن الشعبي، رواه بنحوه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٥٨)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢١٦)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥٨٩٠). والقطعة الأخيرة منه رواها الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٢٣) عن ابن عباس ﵄، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٤١)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٩٤).
(٢) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٦/ ٢٦٨) عن عطاء، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٧٨) من غير نسبة، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٦٠) عن ابن عباس ﵄.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٦/ ٢٦٨).
[ ١٤ / ١٧٧ ]
إنَّا نخشى عليكَ منهم، وإنَّا نريدُ رجلًا له عشيرةٌ يمنعونه، فقال: دَعُوني، فإنَّ اللَّهَ سيمنعُني، ثم قام عند المقام، فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رافِعًا بها صوتَه وقريشٌ في أَنْدِيَتِها، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، فتأمَّلوا وقالوا: ما يقولُ ابنُ أُمِّ عبدٍ؟ ثم قاموا إليه، فجعَلوا يضربونه وهو يقرأُ حتى بلَغَ منها إلى ما شاءَ اللَّهُ تعالى، ثم انصرَفَ إلى أصحابه وقد أثَّروا في وجهه، فقالوا: هذا الذي خَشِينا عليكَ (^١).
* * *
(١ - ٤) - ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾: قد ذكَرْنا الأقاويلَ في تفسيرِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ في أوَّلِ هذا الكتاب.
﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: أي: محمدًا، وقيل: هذه الأُمَّةَ.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: أي: آدمَ، وقيل: جِنْسَ الإنسِ.
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: أي: الكلامَ الذي يَتبَيَّنُ به ما في قلبه، وما يحتاجُ إليه مِن أُمورِ دُنْياه ودِينه، ويدخُلُ في البيان: الكتابةُ، والإشارةُ، وما يقَعُ به الدِّلالةُ، وهو امتنانٌ منه على العباد بتعليم اللُّغاتِ المُخْتَلِفَة، ووجوهِ الكلامِ المُتَفَرِّقَة.
وقيل: ﴿الْبَيَانَ﴾: إخراجُ شيءٍ عن حيِّزِ الإشْكال (^٢) إلى حَيِّزِ التَّجَلِّي.
_________________
(١) ذكره من الطريق المذكور الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٦). ورواه ابن إسحاق في "السيرة" (ص: ١٨٦)، والإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٥٣٥) من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه، وهو مرسل من كلا الطريقين.
(٢) في (ر): "الإمكان". والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في كتب الأصول وغيرها. وجاء في "الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية" للطوفي (ص: ٦١٤): (من حيز الخفاء)، ولعله شرح لكلمة (الإشكال).
[ ١٤ / ١٧٨ ]
وقيل: هو ما كَشَفَ عن الضَّمير، وأبرَزَ المستورَ.
وقال مُجاهدٌ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: الحلالَ والحرامَ (^١).
وقال قتادةُ: يعني: بيانَ الدُّنيا والآخرةِ (^٢).
وقال يمانُ بنُ رِئاب: علَّمَه الكتابةَ والخَطَّ والقلَمَ (^٣).
وقيل: لَمَّا قال أهلُ مكَّةَ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: يعنون: جَبْرًا، ويَسارًا، وعابِسًا، كذَّبَهم اللَّهُ تعالى، فقال: أنا علَّمْتُه (^٤).
وقال ابن كيسان: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: يعني: محمدًا -ﷺ-، ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: يعني: بيانَ ما كان وما يكون؛ لأنَّه كان يُبِينُ عن الأوَّلين والآخِرين، وعن يوم الدِّين (^٥).
وقال الإمام القُشَيريُّ: علَّمَ آدمَ الأسماءَ، وقال له: نَبِّئْ بها الملائكةَ، وعلَّمَ هذه الأُمَّةَ القرآنَ، وقال: صلُّوا لي وناجوني فيها بما علَّمْتُكم.
وقال في قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: علَّمَ كلَّ قومٍ لِسانَهم الذي
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٧)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢١٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٢٣)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٢٣) عن قتادة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٦٩).
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٧)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢٠٦).
(٤) انظر: "تفسير مجاهد" (١/ ٤٢٥)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٦٧)، والبيهقي في "الشعب" (١٣٨)، عن عبد اللَّه بن مسلم الحضرمي: (أنه كان لهم عبدان من أهل عين التمر، وكانا صيقلين، وكان يُقال لأحدهما يسار، والآخر جبر. . .). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٩٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٤٤)، وليس فيها ارتباط الحادثة بقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٧)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٣٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٣٨).
[ ١٤ / ١٧٩ ]
يُخاطَبون به، والبيانُ الذي خَصَّ به الإنسانَ للأغيار، حتى عُلِّموا كيف يُخاطِبون أمثالَهم وأشكالَهم، وأما أهلُ الإيمانِ والمعرفةِ فعلَّمَهم كيف يُخاطِبون مولاهم، وبيانُ العَبْدِ مع الحقِّ مُخْتَلِفٌ، فقومٌ يُخاطِبونه بلسانهم، وقومٌ بقلوبهم، وقومٌ بأنفاسِهم، وقومٌ بدُموعهم، وأنشدَ:
دموعُ الفتى عما يُجِنُّ (^١) تُتَرْجَمُ وأنفاسُه تُبْدِين ما القومَ يَكْتُمُ (^٢)
وقومٌ بحنينِهم وأنينِهم:
قل لي بألسنة التَّنَفْـ فُسِ كيف أنتَ وكيف حالك (^٣)
* * *
(٥) - ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾: قيل: هو جَمْعُ حِسابٍ، كالشِّهاب والشُّهْبان.
وقيل: هو مصدرٌ؛ كالكُفْران والنُّقْصان.
قيل: القمرُ يقطَعُ بروجَ السَّماءِ في ثمانيةٍ وعشرين يومًا، والشَّمسُ تقطَعُ البُروجَ في ثلاثِ مئةٍ وخمسةٍ وستين يومًا وشيءٍ.
وقال السُّدِّيُّ: عليهما حسابٌ وأجَلٌ كآجالِ الناس، فإذا جاء أجلُهما هلَكا (^٤)،
_________________
(١) في (ر): "يحس".
(٢) الشطر الثاني من البيت ليس من (أ) و(ر)، وهو في "لطائف الإشارات" برواية: وأشواقه تبدين ما هو يكتم.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤).
(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٢٣)، =
[ ١٤ / ١٨٠ ]
فالشَّمسُ تُكَوَّرُ، والقمرُ يُخْسَفُ.
وقال ابن كيسان: يعني بهما: بحسَبِ السِّنونَ والأزمانِ والأعمارِ والآجالِ (^١).
وقال يمانُ بنُ رِئاب: يَجْريان بأجَلِ الدُّنيا وفنائِها (^٢).
وقيل: بيَّنَ بهذه الآياتِ أصنافَ خَليقَتِه العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ التي إنما خَلَقَها لِعِباده، ودَلَّهم بها على وَحْدانِيَّتِه وقُدْرَتِه، فقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾: أي: بحِسابٍ معلومٍ يَجْريان به، لا يَخْتَلِفُ جَرْيُهما، أخبَرَ أنهما مُسَخَّرانِ مَرْبُوبانِ ليسا بإلهَينِ مُسْتَحِقَّينِ للعبادة كما يعبُدُهما عبَدَةُ الشمس والقمر، بل المُسْتَحِقُّ للعبادة خالِقُهما ومُسَخِّرُهما.
وقيل: أي: يَجْريان بحسابٍ يُتَوَصَّلُ به (^٣) إلى عِلْمٍ كثيرٍ مِن أسباب الدنيا والدِّين، وذلك أحدُ ما علَّمَ اللَّهُ خَلْقَه مِن البَيان.
* * *
(٦) - ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾.
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾: قيل: النَّجْمُ: النَّبْتُ الذي لا ساقَ له، مأخوذٌ مِن نَجَمَ؛ أي: طلَعَ.
﴿وَالشَّجَرُ﴾: ما له ساقٌ وأغصانٌ، مأخوذٌ مِن الاشتِجار، وهو تداخُلُ الأَغْصانِ بعضِها في بعضٍ.
_________________
(١) = والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٣٢٣). ورواه عبد بن حميد وابن المنذر فيما عزاه إليهما السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٩١) عن أبي مالك ﵁.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٢) عن ابن زيد وابن كيسان.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٧).
(٤) في (ف): "بهما".
[ ١٤ / ١٨١ ]
و﴿يَسْجُدَانِ﴾: أي: يَخْضَعانِ للَّه بالشَّهادة على أنفُسِهما بأنهما مُسَخَّرانِ مَرْبُوبان، ويدُلَّانِ على ألوهِيَّةِ خالِقِهما، وعلى وَحْدانِيَّتِه وكَمالِ قُدْرَتِه.
وقيل: أرادَ (^١) به نَجْمَ السَّماءِ وشَجَرَ الأرضِ، والنَّجْمُ: زِينَةُ السَّماءِ، والشَّجَرُ: زِينَةُ الأرضِ، فأخبَرَ أنَّ النَّوْعَينِ جميعًا للَّه تعالى ساجدان، وعلى وحدانيَّةِ اللَّهِ تعالى شاهدان.
وقيل: إنَّ الصَّابِئين يعبُدون النَّجْمَ، وبعضَ الأعاجِمِ عبَدوا الشَّجَرَ؛ كما أنَّ كثيرًا مِن المشركين عبَدوا الشَّمْسَ والقمَرَ، فأخبَرَ أنَّ هذه الأشياءَ الأربعةَ ساجِدَةٌ للَّه تعالى، شاهِدَةٌ على اللَّه تعالى، فلا تسجُدوا لها، واسجُدوا لِمَن خَلَقَها وسَخَّرَها.
* * *
(٧) - ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾: أي: خلَقَها رَفِيعةً، وأنزَلَ منها البَرَكاتِ والوَحْيَ والكراماتِ.
وقيل: أي: رفَعَ قَدْرَها، وأخرَجَ الخَلْقَ إلى ما يَنْزِلُ عليهم منها.
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾: أي: وضَعَ في الأرض الميزانَ الذي يتناصَفون به في مُعاملاتِهم، ويزولُ به التَّنازُعُ الذي هو سبَبُ فسادِهم، مَنَّ به على خَلْقِه إذ هداهم لِصَنْعَتِه، وأَلْهَمَهم الوَزْنَ به، ولولا ذلك لم يَدْروا كيف يَسْتَوْفون الحُقوقَ، وكيف يُوَفُّونها، فكان يقَعُ بينهم التَّظالُمُ والتَّقاطُعُ.
ولا ينبغي أنْ ينظُرَ إلى خِلْقَتِه، بل إلى المَصْلَحَةِ التي لا قِوامَ للدنيا إلا بها، وسببُ ذلك أنَّ الناسَ لَمَّا كانوا مَطْبوعين على الضِّنِّ بأملاكِهم، وكان بعضُهم مُحتاجًا
_________________
(١) في (ر): "ويجوز أن يريد" بدل: "وقيل: أراد".
[ ١٤ / ١٨٢ ]
إلى بعض فيما يأخُذُه منه ويُعطِيه إياه، وكان التَّنازُعُ غيرَ مأمونٍ عليهم، جعَلَ اللَّهُ لهم آلةً يَعْلَمُ بها كلٌّ منهم ما يأخُذُ وما يُعْطِي، وأيُّ شيءٍ أجَلُّ مِن هذا؟!
ولهذا ذكَرَه اللَّهُ في آيةٍ أخرى مَقْرونًا بالكتاب، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]؛ لأنَّ الكتابَ يَهْدِي النَّاسَ إلى مَصالحِ دِينِهم، والميزانَ يتَضَمَّنُ مَصالِحَ دُنياهم.
* * *
(٨ - ٩) - ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾: أي: لِئَلَّا تَطْغَوا في الميزان.
والطُّغْيانُ: هو مُجاوزَةُ الحَدِّ الذي جُعِلَ هو آلةً لذلك، وهو العَدْلُ.
وقال الفَرَّاءُ: هو على النَّهْيِ، يدُلُّ عليه أنه قال بعدَه: ﴿وَأَقِيمُوا﴾، وهذا للأمر (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: قيل: أي: قَوِّمُوا وسَوُّوا.
وقيل: أي: ائتُوا به على القِسْطِ؛ أي: العَدْلِ.
﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾: أي: ولا تُنْقِصوا ما تُوَفُّون به مِن الحُقوق، ولا تزدادوا فيما تَسْتَوْفُون به.
وقال مجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿الْمِيزَانَ﴾: أُريدَ به العَدْلُ (^٢) وعلى هذا (وضَعَ) بمعنى: شَرَعَ وبَيَّنَ، وهو كوَضْعِ كتابٍ، ووَضْعِ رَسْمٍ.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ١١٣).
(٢) رواه عن مجاهد الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ١٧٧)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٢٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٢). وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨].
[ ١٤ / ١٨٣ ]
وقيل: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾: لِنُزولِ أرزاقِكم منها في الدنيا، ووضَعَ مِيزانَ وزنِ الأعمال لِتُوزَنَ به أعمالُكم في العُقْبى؛ لِئلَّا تَطْغَوا في الميزان الموضوع بينكم في الدنيا، فتَظْلِموا النَّاسَ، فتَخِفَّ موازينُكم يومَ القيامةِ.
وقال الحُسينُ بنُ الفَضْل: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾: يعني: القرآنَ (^١).
وقال سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: قال: الإِقامةُ باليد، والقِسْطُ بالقلب (^٢).
وقال أبو الدَّرْداءِ: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: يعني: أَقِيموا اللِّسانَ بالحقِّ (^٣).
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾: أي: للخَلْقِ، والأنامُ لا واحدَ له مِن لَفْظِه.
قال الخليل: ما على وجهِ الأرضِ مِن جميع الخَلْقِ (^٤).
وقال الضَّحَّاكُ: كلُّ شيءٍ يَدِبُّ على وجه الأرض فهو مِن الأنام (^٥)، يقولُ: وضَعَها لِمَنافِعِ الخَلْقِ ومَصالِحهم.
﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: أي: ما يَتَفَكَّه به الإنسانُ مِن المأكول؛ أي: يَتَعَلَّلُ وراءَ القُوتِ.
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٨).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٢).
(٣) انظر: المصدرين السابقين.
(٤) انظر: "العين" (٨/ ٣٨٨).
(٥) رواه عنه ابن المنذر فيما عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٩٣).
[ ١٤ / ١٨٤ ]
﴿وَالنَّخْلُ﴾: جَمْعُ نَخْلَةٍ.
﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾: جَمْعُ كِمٍّ بكسر الكاف.
وقال الحسنُ وقتادةُ: ذاتُ اللِّيفِ (^١).
وقال عبدُ الرحمن بنُ زيدٍ: ذاتُ الطَّلْعِ (^٢).
وقيل: ذاتُ الغُلُفِ، جَمْعُ غِلاف؛ لأنَّه يَتَكَمَّمُ به؛ أي: يَتَغَطَّى، ومنه: (كُمُّ القميصِ)؛ لِتَغْطِيَةِ يدِه، و(الكُمَّةُ): القَلَنْسُوَةُ تُغَطِّي الرَّأسَ، وقد يكون اللِّيفُ يُغَطِّي النَّخْلَةَ، وقد يكون الطَّلْعُ يُغَطِّيها، وقد يكون غِلافُ التَّمْرِ (^٣) يُغَطِّيه.
وقيل: خَصَّ النَّخْلةَ بالذِّكْرِ لِعَجيبِ خَلْقِها وشَبَهِها بالإنسان، فَلِيفُها في رأسِها كشَعرِ الإنسان، ولها قلبٌ كقلب الإنسان يموتُ بإخراجِه وبإصابةِ البَرْدِ إيَّاه، وإذا قُطِعَ رأسُها لم تُنْبِتُ، ولا تُثْمِرُ إلَّا باللِّقَاحِ، وطَلْعُها تشْبِهُ رائحتُه رائحةَ المَنِيِّ.
وقيل على هذا: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: تقَعُ على كلِّ الثمار عُمومًا، وهذا في النَّخْلَةِ خُصوصًا.
* * *
(١٢) - ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾.
_________________
(١) رواه عن الحسن الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ١٨١)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٩)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٢٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٢). ورواه عن قتادة الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ١٨١)، وذكره مكي في "الهداية" (١١/ ٧٢١٥)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٤١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٨٢)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٩)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٢٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٢).
(٣) في (ف): "الثمر" بدل: "غلاف التمر".
[ ١٤ / ١٨٥ ]
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾: الحَبُّ: اسمُ جِنْسٍ يقَعُ على الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وكُلِّ حَبٍّ.
﴿ذُو الْعَصْفِ﴾: قال الفرَّاءُ: هو بَقْلُ الزَّرعِ (^١).
وقال أبو سعيدٍ الضَّريرُ: هو ورَقُ الزَّرعِ، ولَفائِفُ الحَبِّ.
وقال قتادةُ والضَّحَّاكُ: هو التِّبْنُ (^٢).
﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ بالنَّصْبِ عَطْفًا على قولِه: ﴿وَالْأَرْضَ﴾، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بالخفض عطفًا على ﴿الْعَصْفِ﴾، وقرأ الباقون بالرفع عطفًا على قولِه: ﴿وَالْحَبُّ﴾ (^٣).
﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: الرِّزْق؛ أي: الزَّرْعُ يكون أوَّلًا عَصْفًا، ثم يصيرُ أُكُلًا إذا سَنْبَلَ.
وقيل: ﴿الْعَصْفِ﴾: للأنعامِ، ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: هو طعامُ الإنسانِ، وهو كما قال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣].
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١١٣).
(٢) في النسخ الثلاث: "التين"، وأكثر المروي والمأثور على ما أثبته: فقد رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٨٤)، وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢١٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٣) بلفظ: "التبن". وذكره عن الضحاك السمرقنديُّ في "تفسيره" (٣/ ٣٧٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٩) بلفظ: "التبن". ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٨٠) عن قتادة، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٤٤) عن سعيد بن جبير والحسن، ووقع في مطبوعيهما: "التين".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦).
[ ١٤ / ١٨٦ ]
وقيل: هو الريحان المشموم، قال ذلك ابنُ عباسٍ والحسَنِ (^١)؛ أي: في الأرض ما يُؤْكَلُ وما يُشَمُّ.
* * *
(١٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: أي: فبِأَيِّ نَعْماءِ ربِّكما مِن هذه النِّعَمِ التي ذكَرْنا مِن تعليم البَيانِ والقرآنِ، ورَفْعِ السماء، ووضع الأرض، وما بيَّنَّا (^٢) مِن النِّعَمِ والألوانِ (^٣) أيُّها الجنُّ والأنس تَجْحدانِ؟
ودليلُ أنَّ الخِطابَ لهما: ما ذُكِرَ بعده: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، وسبَقَ ذِكْرُهما أيضًا في عموم قولِه: ﴿لِلْأَنَامِ﴾؛ أي: للخَلْقِ.
وقيل: التَّثْنِيَةُ على مَذاهبِ العربِ في خِطاب الواحد بلفظ الاثنين، وعلى ذلك قولُه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ومَرَّتْ هنالك نظائرُ مِن كلام العرب، والأوَّلُ أصَحُّ.
وروى جابرٌ عن النبي -ﷺ- أنه قرأ سورةَ الرحمنِ -أو قُرِئَتْ عنده- فقال: "ما لي أَسْمَعُ الجِنَّ أحسنَ جوابًا لها منكم؟! "، قالوا: وما ذاك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "ما أتيتُ
_________________
(١) رواه عن الحسن الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٨٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٩). وروى الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٨٦) عن ابن عباس ﵄: أنه الريح. وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٩). وذكر مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢١٦) عن ابن عباس ﵄ والحسن وابن زيد: كل ريحان في القرآن فهو رزق.
(٢) في (ف): "الميزان وما بينهما" بدل: "الأرض وما بينا".
(٣) في (ر): "ذات الألوان".
[ ١٤ / ١٨٧ ]
على قول اللَّه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلَّا قالتِ الجنُّ: ما مِن شيءٍ مِن آلائِكَ ربَّنا نُكَذِّبُ، فلكَ الحمدُ" (^١).
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: أي: آدمَ.
﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾: قال قتادة: أي: مِن طينٍ يابِسٍ يُسْمَعُ له صَلْصَلَةٌ (^٢).
﴿كَالْفَخَّارِ﴾ هو الطِّينُ الذي طُبعَ بالنَّارِ، وهو الخَزَفُ.
وقيل: الصَّلْصالُ: الطِّينُ المُنْتِنُ؛ مِن قولهم: صَلَّ اللحمُ وأَصَلَّ؛ أي: أنتَنَ. قالَه (^٣) الكلبيُّ.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢٩١)، وابن أبي الدنيا في "الشكر" (٦٩)، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٣٣٥)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٦٦٦)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٧٩)، وأبو نعيم في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٣/ ٩٠)، والإسماعيلي في "معجمه" (١/ ٣٤٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٦٦) وصححه، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٩)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٩٣٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٦٤)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢١٩)، والديلمي في "الفردوس" (٦٢٤٩) من حديث جابر ﵁. قال ابن عدي: هذا لا يعرف إلا بهشام بن عمار، ويقال: إن يحيى بن معين كتبه عن هشام بن عمار، وقد سرقه جماعة من الضعفاء، فحدثوا به عن الوليد. ورواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (٦٨)، والبزار في "مسنده" (٥٨٥٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٩٠)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٩٣٥)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٠١)، من حديث ابن عمر ﵄. وصحح إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٩٠).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٤٨)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٧).
(٣) في (أ): "قال".
[ ١٤ / ١٨٨ ]
وتَشبيهُه بالفَخَّارِ لِصَوتِه باليَبْسِ، وقيل: لأنه أَجْوَفُ.
قولُه تعالى: ﴿الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾: قال الحسنُ: الجانُّ أبو الجنِّ (^١)، خُلِقَ مِن لهَبِ النارِ، وآدمُ أبو الإنسِ خُلِقَ مِن صَلْصَالٍ كالفخَّار.
وقال مجاهد: ﴿مَارِجٍ﴾: مُخْتَلِطٌ أحمرُ وأسودُ وأبيضُ مِن نارٍ (^٢).
وقال الأخفش: ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾: مِن خَلْطٍ مِن نارٍ (^٣).
وقال القُتَبِيُّ: هو لهَبُ النَّارِ، يُقالُ: مرَجَ الشَّيءُ؛ إذا اضطرَبَ ولم يَسْتَقِرَّ (^٤).
وقال الفَرَّاءُ: المارجُ: نارٌ دون الحِجابِ، منها هذه الصَّواعِقُ (^٥).
وقال أبو سعيدٍ الضَّريرُ: المارِجُ: لسانُ النارِ (^٦).
وقال الخليلُ: المارِجُ مِن النَّار: الشُّعْلَةُ (^٧).
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ١٥٨) عن الكلبي وابن عباس ﵄، وحكاه الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٤٤) عن عامة المفسرين. وورد في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٤٣٦)، و"تفسير السمعاني" (٣/ ١٣٧) دون نسبة. أما الحسن، فقد ذكر عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ١٥٨)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٤٤)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٣٢٤): أنه إبليس.
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٩٦) بلفظ: (اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت)، وفي رواية: (والأحمر)، وذكره بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨١)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢١٩)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٢٨).
(٣) وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٤٣).
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٣٨).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١١٥).
(٦) ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٩٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨١)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢١٩) عن ابن عباس ﵄.
(٧) انظر: "العين" (٦/ ١٢١).
[ ١٤ / ١٨٩ ]
وأوَّلُ ما خُلِقَ منه الإنسانُ، كان تُرابًا، ثم بالماء صار طِينًا، ثم بمُرور الزَّمان صار حَمَأً مَسْنونًا، ثم باليَبْسِ صار صَلْصَالًا، ثم بشِدَّةِ اليَبْسِ والصَّوْتِ صار كالفخَّارِ.
واختلافُ هذه الأسماءِ لاختلاف الأطوار، وفائدةُ ذِكْرِه هذه الأصولَ تعريفُنا قَدْرَنا لئلا نَعْدُوَ أطوارَنا.
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: أي: فبِأَيِّ نَعْماءِ إلهكُما تَجْحَدانِ: أتخليقَه مِن هذه الأصول، أم تكميلَه وتفضيلَه بالعلوم والعقول؟!
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾: هو ربُّ المَشْرِقين: مَشْرِقِ الشتاءِ، ومَشْرِقِ الصيف، وربُّ مَغْرِبِ الشتاء، وربُّ مَغْرِبِ الصيف، وفي تدبير الفصول قِوامُ العالَمِ ومَصالِحُ العِباد.
وقال محمد بن كعب: مَشْرِقُ الصَّيفِ أطولُ يومٍ في السَّنَةِ، وهو خمسَ عشرةَ ساعةً، ومَشْرِقُ الشتاءِ أقصرُ يومٍ في السَّنَةِ، وهو تسعُ ساعاتٍ، والمَغْرِبان على ذلك، والمشارقُ والمغاربُ: مَشْرِقُ كلِّ يومٍ ومَغْرِبُ كلِّ يومٍ، والمَشْرِقُ والمَغْرِبُ جهةُ الشُّروق وجهةُ الغُروب (^١).
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه.
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: أي: أَرْسَلَهما وخَلَّاهما (^٢).
_________________
(١) لم أقف عليه عن محمد بن كعب، وقريب منه قول مقاتل في "تفسيره" (٤/ ١٩٧).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٩٩).
[ ١٤ / ١٩٠ ]
وقيل: خلَطَ طَرَفَيْهِ عند التقائِهما مِن غيرِ أنْ يَخْتَلِطَ جملتُهما.
والبَحْران: بحرُ فارسٍ والرُّومِ، عند الحسن وقتادة (^١).
وقيل: بحرُ السَّماءِ والأرضِ يلتقيان كلَّ عامٍ. قاله ابنُ عبَّاسٍ (^٢).
وقيل: العَذْبُ والمالِحُ.
* * *
(٢٠) - ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾.
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾: أي: حاجز.
﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: لا يَخْتَلِطان. قالَه مجاهدٌ (^٣).
وقيل: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: على الناس، قالَه قتادةُ (^٤).
وقيل: لا يبغي أحدُهما على الآخَرِ بأنْ يَقْلِبَه إلى مِثْلِ حالِه في المُلُوحة أو العُذُوبة.
وقال القَفَّالُ: ذكَرَ بعضَ مَنافِعِ البحرِ وعجائبِه، ودلَّ بذلك على لُطْفِه وقُدْرَتِه، فعَدَّ ثلاثةَ أشياءَ:
أحدُها: قولُه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أي: خَلَّاهما، يُقالُ: هُم في هَرْجٍ ومَرْجٍ؛ أي:
_________________
(١) رواه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٨٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٠٠).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٠٠).
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٠٣)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٩٥) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨١)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢٢١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٢٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٠٢) بلفظ: حجز المالح عن العذب، والعذب عن المالح، والماء عن اليبس، واليبس عن الماء، فلا يبغي بعضه على بعض بقوته ولطفه وقدرته.
[ ١٤ / ١٩١ ]
هُم في فتنةٍ وإمهالٍ، يقول: خلَقَ البَحْرَينِ المِلْحَ والعَذْبَ، وذلك في البحرِ الواحدِ، بعضُه عَذْبٌ وبعضُه مِلْحٌ، فهُما ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾؛ أي: يجتمعان وهما مائعان سائلان، ثم جعَلَ بينهما حاجِزًا؛ قيل: هو الجزائِرُ، وقيل: هو قُدْرَةُ اللَّهِ تعالى، ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: لا يغلِبُ أحدُهما على الآخر فيُغَيِّرَه إلى صفةِ نفْسِه، وفيه تنبيهٌ على كمال قُدْرَةِ اللَّه تعالى أنَّه لا يُعْجِزُه ما أرادَ مِن إحياء الموتى وغيرِه.
وقيل في البَرْزَخِ: هو مُدَّةُ ما بين الدنيا والآخرة، فهذه المُدَّةُ تَمْنَعُ الاختلاطَ، فإذا انقَضَتِ الدُّنيا بغى البحران فصارا شيئًا واحدًا، وهو معنى قولِه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]، وهذا معنى قولِ عَطاءٍ الخُراسَانِيِّ.
* * *
(٢١ - ٢٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فَسَّرْناه.
ثم ذكَرَ المِنَّةَ الثَّانيةَ، فقال:
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾: قرأ نافع وأبو عمرو: ﴿يُخْرَجُ﴾ بضم الياء وفتح الراء على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، والباقون على الفعل الظاهر (^١).
﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ والضَّحَّاكُ وقتادةُ: ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾: كِبارُ الدُّرِّ، ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾: صغارُه (^٢).
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦).
(٢) رواه الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦) عن ابن عباس ﵄ وقتادة والضحاك. ورواه عن قتادة أيضًا عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٣٠٨٤). وذكره عن الحسن الماتريديُّ في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٤٧٠)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٥٦)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٩٧) إلى الطبري وعبد بن حميد، ولم أجده =
[ ١٤ / ١٩٢ ]
وقيل: المَرْجانُ: نوعٌ مِن الجواهر كالقُضْبان.
يقول: يُخْرِجُ اللَّهُ لكم مِن الماء لؤلؤًا ومَرْجانًا؛ كما أخرَجَ مِن التُّراب حَبًّا ونباتًا، وأخرَجَ مِن الصَّلْصَالِ إنسانًا، وخُصوصًا فإنَّ الماءَ الِملْحَ يُفسدُ ما صار فيه، ثم هو منه يَخْرجُ اللولؤُ والمَرْجان، وهذا مِمَّا لا تُدْرِكُه قُوى البشر، ولا تهتدي لكيفيَّةِ كونِه العقولُ، وإنما هو بقُدْرَةِ الواحدِ القادرِ الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ، فكيف يُعْجِزُه بَعْثُ الموتى؟ لولا جَهْلُ المشركين وكفرُهم آلاءَ اللَّهِ بترك التدبُّرِ فيها.
ثم قولُه: ﴿مِنْهُمَا﴾ مع أنَّ خُروجَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجان يكونُ مِن المِلْحِ دون العَذْبِ؛ لأنَّ العَذْبَ والمِلْحَ يلتقيان، فيكون العَذْبُ كاللِّقَاحِ للمالح؛ كما يُقال: يَخْرُجُ الولدُ مِن الذَّكَر والأنثى -وإنما تَلِدُ الأنثى- لهذا.
وقيل: مِن عادة العرب أنَّها تجمَعُ شيئين لأحدهما فِعْلٌ، فتجعَلُ الفعلَ لهما، وهو كقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، وكان النَّاسي صاحِبَ موسى وحدَه، وقولِه تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، والرُّسُلُ مِن الإنس دون الجنِّ.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فَسَّرْناه.
ثم ذكَرَ النِّعْمَةَ الثالثةَ، فقال:
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ﴾: قرأ حمزةُ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ بكسر الشين،
_________________
(١) = في "تفسير الطبري".
[ ١٤ / ١٩٣ ]
ومعناها: السُّفُنُ المُبْتَدِئاتُ في الجَرْيِ، والفعلُ لهن، وإنشاءُ الفعلِ (^١): ابتداؤُه، وقرأ الباقون: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ بفتح الشين، وهو المفعولُ بفعلِ الملَّاحين.
وإنشاؤُها عند مجاهدٍ: رَفْعُ شِراعِها وتسييرُها في البحر (^٢).
﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: أي: كالجبال.
أخبَرَ أنه خَلَقَ لهم ما اتَّخَذوا منه السُّفُنَ التي رَكِبوا بها البحرَ ابتغاءَ فَضْلِ اللَّه، وقَطَعوا بها المسافاتِ البعيدةَ، وعلَّمَهم اتِّخاذَها بأنْ أَلْهَمَهم ذلك، وسَخَّرَ لهم البحرَ على عِظَمِه، وشبَّهَ السُّفُنَ في كِبَرِها بالجبال، وقَرَّرَهم بهذه النعم، فقال:
* * *
(٢٥ - ٢٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه.
وقولُه تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾: أي: كلُّ مَن على الأرضِ فانٍ مُنْقَطِعٌ عنهم البقاءُ والحياةُ.
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: أي: المُسْتَحِقُّ للإجلال والتَّعظيمِ مِن خَلْقِه، والمُسْتَحِقُّ للإكرامِ منهم إيَّاه بطاعتِه وعبادته.
وقيل: هو موصوفٌ بالجَلالِ القائمِ بذاته، وبالإكرام منه لأوليائه.
وقيل: هو أهلٌ أنْ يُجِلَّ المؤمنين، ويُكْرِمَ المُطِيعين.
_________________
(١) في (أ): "اللَّه".
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٠)، وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢٢٣)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٥٨)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٢٩).
[ ١٤ / ١٩٤ ]
وقيل: هو أهلٌ أنْ يُجِلَّه العبادُ بطاعتِه، فيُكْرِمَهم برحمته.
وقيل: هو أهلٌ أنْ يُجِلَّ قَدْرَ العِبادِ بتوحيده، وأهلٌ أنْ يُكْرِموه؛ أي: يُنَزِّهوه عمَّا لا يَلِيقُ بجلاله.
ومعنى: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ذاتُ ربِّكَ؛ كقولِهم: هذا وَجْهُ الأمرِ، ووَجْهُ الصَّوابِ، ووَجْهُ التَّدْبِير.
وقيل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾: أي: كلُّ عمَلٍ يُتَقَرَّبُ به إليه، ويُبْتَغَى به وَجْهُه؛ أي: رضاه؛ كما قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠]؛ أي: يَهْلِكُ الجنُّ والإنسُ ولا يَبْقى لهم إلَّا ما توجَّهوا به إليه.
* * *
(٢٨ - ٢٩) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: ووجهُ النِّعْمَةِ: التَّسْوِيَةُ بين الخَلْقِ في الفَناء والهَلَكةِ، والدِّلالةُ على ما يَبْقى لهم نَفْعُه في الآخرة.
قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هو مَفْزعُ السائلين، ومَقْصِدُ الرَّاغبين، ومَلْجَأُ البائِسين (^١).
فإنْ قالوا: إنَّ كثيرًا مِن المُعَطِّلَةِ وغيرِهم لا يعتقدونه، فلا يسألونه.
قلنا: معناه: هو المُسْتَحِقُّ أنْ يَسْأَلوه وإنْ ضلَّ قومٌ عنه؛ لأنَّهم إذا سأَلوا أحدًا سأَلوه به؛ لأنَّه هو القادِرُ على ذلك، واللَّهُ تعالى هو القادِرُ على كلِّ شيءٍ على الحقيقة، وكان ذلك سؤالَه في الحاصِلِ، ولأنَّه تعريفٌ أنَّ الكُلَّ لا غِنى بهم عنه،
_________________
(١) في (ر): "التائبين".
[ ١٤ / ١٩٥ ]
ولأنَّ المُرادَ هُم أهلُ المعرفة به، فهذا عامٌّ أُرِيدَ به الخُصوصُ.
وقال ابن عباس: أهلُ السَّماواتِ يسألونه المغفرةَ، وأهلُ الأرضِ يسألونه الرِّزْقَ والمغفرة (^١)، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يُحيي ويُميتُ ويُعيدُ، ويُغيثُ ويُطْعِمُ جائعًا، ويَفُكُّ أسيرًا، ويُجِيبُ داعيًا، ويُولِدُ مولودًا، ويُعْدِمُ موجودًا (^٢).
وقال قتادة: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يعني: لا يَسْتَغْني عنه أهلُ السماوات والأرض (^٣).
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يُرَبِّي صغيرًا، ويُفْنِي كبيرًا، ويَفُكُّ أسيرًا.
ورُوِيَ أنَّ أحبارَ اليهود قالوا: إنَّ اللَّهَ تعالى لا يَفْعَلُ يومَ السَّبْتِ شيئًا، هو في استراحةٍ، فأنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وأنزَلَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (^٤).
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٥). ورواه عبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٩٩) عن أبي صالح.
(٢) لم أجده هكذا، وروى عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٨٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٥)، والطبراني في "الكبير" (١٠٦٠٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٢٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٦٣)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٢٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٦) عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: إن اللَّه خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاث مئة وستين نظرة، يخلق بكل نظرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٩١): رواه الطبراني من طريقين، ورجال هذه ثقات.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٢)، وذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢١)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٣٢٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٥).
(٤) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٤/ ١٩٨)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٤٧٣)، =
[ ١٤ / ١٩٦ ]
وسئِلَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- عن قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فقال: "مِن شأنِه أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، ويَكْشِفَ كَرْبًا، ويُعِزَّ قومًا، ويُذِلَّ قومًا، ويَرْفَعَ قومًا، ويَضَعَ آخَرين" (^١).
وقال عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ: مِن شأنِه أنْ يُجِيبَ داعيًا، ويَفُكَّ عانِيًا، ويُعْطِيَ سائلًا (^٢).
وقال الحسنُ: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: كلٌّ إليه فقيرٌ يسألُه ويَتَضَرَّعُ إليه بحاجته، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يَقْضِي به في خَلْقِه، يُغْني فقيرًا، ويُفْقِرُ غَنِيًّا، ويُعافِي مُبْتَلًى، ويَبْتَلِي مُعافًى، ويَصْنَعُ في خَلْقِه ما يشاءُ (^٣).
_________________
(١) = والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٨٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٤).
(٢) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٣١٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٤)، والطبراني في "الأوسط" (٦٦١٩)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٤٨١)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٤) من حديث عبد اللَّه الأزدي ﵁. ورواه ابن ماجه (٢٠٢)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٣٠١)، والبزار في "مسنده" (٤١٠٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٨٩)، والطبراني في "الأوسط" (٣١٤٠)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٤٧٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٥٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢١)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٢٩)، من حديث أبي الدرداء ﵁. وعلقه البخاري قبل الحديث (٤٨٧٨) بصيغة الجزم موقوفًا عليه. قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٢٨) عن الرواية المرفوعة: هذا حديث لا يصح، قال ابن عدي: عبد الرحمن بن يحيى يحدث بالمناكير، قال الدارقطني: وقد روي موقوفًا، وهو الصواب. ورواه البزار في "مسنده" (٦١٧٤) من حديث ابن عمر ﵄. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٣) عن مجاهد.
(٣) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٨٧)، وابن أبي شببة في "مصنفه" (٣٤٩٩٩)، والقاسم بن موسى الأشيب في "جزئه" (٥٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٧٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٦٨).
(٤) انظر: "الكشاف" (٤/ ٤٤٧ - ٤٤٨).
[ ١٤ / ١٩٧ ]
وقال سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: في الدنيا، الاختبارُ بالأمرِ والنَّهْيِ، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وفي الآخرة الجزاءُ والحساب، والثَّوابُ والعِقاب (^١).
وقيل: هو في سَوْق المقاديرِ التي سبَقَتْ في عِلْمِه إلى مَواقيتِها.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: مِن هذه النِّعَمِ.
وقولُه تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: سنُحاسِبُكم (^٢). وكذلك قُطْرُبٌ.
وقال الضَّحَّاكُ: هذا وعيدٌ، واللَّهُ تعالى لا يَشْغَلُه شأنٌ عن شأنٍ.
والحاصِلُ: أنه استعارةٌ بليغةٌ، فإنَّ الواحدَ إذا قُصِدَ لأمرٍ مُهِمٍّ يُمْضِيه (^٣) لا محالةَ، ويُتِمُّه مِن غير نُقْصانٍ، يقولُ: أتفرَّغُ لذلك الأمرِ، فخاطَبَ اللَّهُ تعالى بذلك عِبادَه فيما (^٤) يتفاهَمونه، يعلمون أنَّه مِن المُهِمِّ الذي لا يُتْرَكُ، ومن المفعول الذي لا يُغْفَلُ.
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٦)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٤٧).
(٢) علقه البخاري قبل الحديث (٤٨٧٨) بصيغة الجزم. وروى الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٠٢٧) قوله: وعيد من اللَّه للعباد، وليس باللَّه شغل، وهو فارغ. وبنحوه ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٤٧).
(٣) في (أ): "يصيبه".
(٤) في (أ): "وهم".
[ ١٤ / ١٩٨ ]
يقول: سنُحاسِبُكم بَعْدَ طُولِ الإمهال على ما كان منكم مِن الأعمال، ونَجْزِيكم على ذلك على كل حالٍ.
﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾: أي: الجِنُّ والإنسُ، سُمِّيا بذلك لأنَّ الثِّقْلَ ما له وَزْنٌ وقَدْرٌ، ولهما زيادةُ قَدْرٍ على غيرِهما لِمَا خُصُّوا بالعقل والتَّمييز، وتحميلِ الأمانةِ والتَّكْليف.
وقيل: لأنَّهما حِمْلانِ على الأرض، قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: أي: أَحْمالَها.
وقولُ النَّبِيِّ -ﷺ-: "إني تاركٌ فيكم الثَّقَلَينِ: كتابَ اللَّهِ، وعترتي" (^١): إشارةٌ منه إلى قَدْرِهما ووَزْنِهما.
وقال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: جميعًا، ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾: تثنيةٌ؛ لأَنَّهما جَمْعانِ، فصارا كقوله: ﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
* * *
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٢/ ١٩٤)، والإمام أحمد في "المسند" (١١١٠٤)، وابنُ أبي عاصم في "السنة" (١٥٥٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٠٢٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وإسناده ضعيف لضعف عطية العوفي الراوي عن أبي سعيد. وله شاهد من حديث زيد بن أرقم عند مسلم (٢٤٠٨)، والنسائي (٨١٧٥)، بلفظ: "وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتابُ اللَّه، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه، واستمسكوا به"، فحث على كتاب اللَّه ورغب فيه، ثم قال: "وأهلُ بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي"، وفيه التصريح بأن المراد من قوله -ﷺ-: "وعترتي" هو وجوب مراعاتهم ومحبتهم، واجتناب ما يسوؤهم، والاحتراز عما يؤذيهم، وأما ما ورد مما يفهم منه وجوب الاقتداء بهم، والأخذ بأقوالهم والعمل بها، مثل قوله: "لن تضلوا بعدهما"، أو: "لن تضلوا إن اتبعتموهما"، فأسانيده ضعيفة لا يصلح الاحتجاج بها كما جاء في حاشية "المسند".
[ ١٤ / ١٩٩ ]
(٣٢ - ٣٣) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: حين تُحاسَبَانِ بالآلاءِ.
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إنْ قَدَرْتُم أْن تَجُوزوا أطرافَ السماوات والأرض فتَفُوتوا ربَّكم ولا يَقْدِرَ عليكم.
﴿فَانْفُذُوا﴾: أي: فافْعَلوا ذلك.
﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: أي: لا تَقْدِرون على ذلك إلَّا بقُدْرَةٍ يُعْطِيكُمُوها اللَّهُ تعالى على ذلك، ولا يُعْطِيكم، وهذا في مُحاسَبَةِ يومِ القيامة.
وقيل: أي: يُقالُ لهم ذلك يومئذٍ.
وقيل: بل خاطَبَهم اللَّهُ اليومَ أنَّكم كذلكَ يومئذٍ.
وقيل: خاطبَهم للحال إنْ قَدَرْتُم أنْ تَفْعَلوا ذلك في الدنيا، فلا تُؤْخَذوا بالموت، ولا تُبْعَثوا للحساب والجزاء يومَ القيامة، فافْعَلوا، ولنْ تَقْدِروا على ذلك، وهو أمرُ إعجازٍ.
وقيل: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: أي: حيثما ذهبتُم فأنتم في سُلْطانِ اللَّهِ، فيأخُذُكم بالموت.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه.
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾: أي: على مَن أشرَكَ منكما وكذَّبَ.
﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ومُجاهدٌ وقتادةُ: أي: لهَبٌ (^١).
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
[ ١٤ / ٢٠٠ ]
وقرأ ابنُ كثيرٍ: ﴿شواظٌ﴾ كسر الشين، والباقون بضمها، وهما لغتان (^١).
وقال الأخفش: الشُّواظُ: هي النَّارُ التي تتأجَّجُ (^٢) ولا دُخانَ لها.
﴿وَنُحَاسٌ﴾: قيل: هو المعروف الذي يُتَّخَذُ منه الأواني؛ أي: كأنَّ النُّحاسَ يُذابُ ويُصَبُّ على رؤوسِهم.
وقيل: هو الدُّخان.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو: ﴿ونحاسٍ﴾ بالخَفْضِ عطفًا على قولِه: ﴿مِنْ نَارٍ﴾، والباقون بالرفع عطفًا على قوله: ﴿شُوَاظٌ﴾ (^٣).
﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾: أي: فلا تَمْتَنِعان عن ذلك بمانِعٍ يمنَعُكُما مِن عذاب اللَّه تعالى.
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: والتَّحْذِيرُ نِعْمَةٌ لِيَحْذَرَ به، فيقَعَ الأمنُ منه.
قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾: أي: انصَدَعَتْ للانتقاضِ يومَ القيامةِ.
﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾: أي: مُحْمَرَّةً على لون الوَرْدِ حينَ تغيضُ البحارُ في نار جهنَّمَ، ويرتفِعُ نارُها، فتَقَعُ في السماء، فتذيبُها فتصيرُ مُحْمَرَّةً وتَصِيرُ كالدِّهانِ -جَمْعُ دُهْن- حين ذابَتْ ورَقَّتْ.
وقيل: الدِّهانُ إذا صُبَّ بعضُها على بعضٍ يَتَلَوَّنُ ألوانًا، فكذلك السَّماءُ حينئذٍ.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦).
(٢) في (ف): "تخرج".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦).
[ ١٤ / ٢٠١ ]
وقيل: إنَّ عَصِيرَ الزَّيْتِ يتغيَّرُ في الساعة ألوانًا.
وقال الحسَنُ: كصَبِيبِ الدُّهْنِ (^١) إذا صبَبْتَه ورأيتَ فيه ألوانًا.
وقال الفرَّاءُ وثَعْلَبٌ والقُتَبِيُّ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾: أي: كالفَرَسِ الوَرْدَةِ؛ لأنَّها تكونُ في الرَّبيع صَفْراء، فإذا اشتَدَّ البَرْدُ كانت حمراءَ، فإذا كانتْ بعد ذلك صارت غَبْراء (^٢).
وروى عمرو (^٣) عن الحسَنِ: السَّماءُ أوَّلَ ما تَنْشَقُّ تَحْمَرُّ، ثم تَخْضَرُّ، ثم تتلوَّنُ ألوانًا، فشبَّهَها بالأدهانِ.
وقال الكسائيُّ والفرَّاءُ وقُطْرُبٌ: الدِّهانُ: الأديمُ الأحمرُ (^٤)، وجَمْعُه (أَدْهِنَةٌ) و(دُهْنٌ).
* * *
(٣٨ - ٣٩) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾: لِيُعْرَفَ أنَّه مِن أهل الجنَّة أم مِن أهل
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٧) عن الحسين بن الفضل. ورواه عن الحسن الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٢٩)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٥) بلفظ: كالدهن. وذكر عنه الواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٧٦) قوله: تلون ألوانا.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١١٧)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٣٩)، وزاد الفراء: فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبهت الوردة فِي اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه.
(٣) في (أ) و(ف): "عمر". والمثبت من (ر)، ولعله عمرو بن عبيد فإن له رواية عن الحسن في التفسير، لكن لم أقف على الخبر.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١١٧).
[ ١٤ / ٢٠٢ ]
النَّار، بل يُعْرَفُ بهيئتِه، فلا يُسْأَلون على (^١) هذا الوجه، بل يُسْأَلون سؤالَ المُحاسَبَةِ تَقْرِيعًا لهم وتَوْبِيخًا.
وقال مجاهدٌ: يَعْرِفُونَهم بسِيماهم، فلا يُسْأَلون (^٢).
وقال ابنُ عبَّاسٍ: لا يُسْأَلون: هل عَمِلْتُم كذا وكذا؟ بل يُسْأَلون: لِمَ عَمِلْتُم كذا وكذا (^٣)؟ وهو التَّوفيقُ بين قولِه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٩٢]، وبين هذه الآيةِ.
وقيل: يُسْأَلون للمُحاسَبة، ثم يُخْتَمُ على أفواهم فلا يُسْأَلون، وتشهَدُ عليهم جوارحُهم.
وقيل: هي مواقفُ، يُسْأَلون في بعضِها، ولا يُسْأَلون في بعضها.
وقيل: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ﴾: أي: عن ذَنْبِ الإنسان، ﴿إِنْسٌ﴾: غيرَه، ﴿وَلَا جَانٌّ﴾: غيرَه، بل هو المحاسَبُ عليه، والمسؤولُ عنه، والمُجازَى به.
وعلى هذا تكون الكنايةُ في ﴿ذَنْبِهِ﴾ راجعةٌ إلى الإنسان المذكور في أوَّلِ السُّورَةِ، وهو قولُه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾.
* * *
(٤٠ - ٤١) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾.
_________________
(١) في (ف): "عن".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٣٠)، والبيهقي في "الشعب" (٢٧٣)، بلفظ: لا يسأل الملائكة عن المجرم يُعرفون بسيماهم.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٣٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٧٠). وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (٦/ ٣٩٣٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٥٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٣٦)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٦٦٨)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٩٤).
[ ١٤ / ٢٠٣ ]
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه.
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾: سوادِ الوُجوهِ، وزُرْقَةِ العُيونِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي﴾: جَمْعُ ناصِيَةٍ، وهو شَعْرُ مُقَدَّمِ الرأس، وأصلُه (^١): الاتِّصالُ؛ قال الشَّاعِرُ:
قِيٌّ تُنَاصِيها بِلَادٌ قِيُّ (^٢)
أي: يتَّصِلُ بها.
﴿وَالْأَقْدَامِ﴾: جَمْعُ قَدَمٍ، يقولُ: إنَّ الملائكةَ إذا أُمِروا بأَخْذِ المجرمين؛ أي: المشركين، لا يحتاجُون إلى أنْ يَسْأَلوا عنهم، بل يَعْرِفونهم بعلاماتِهم، فيأخُذونهم بنواصيهم وأقدامِهم، ويَسْحَبونهم إلى النار.
* * *
(٤٢ - ٤٤) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾: قيل: أي: يُقالُ لهم حينئذٍ: هذه جهنَّمُ التي كنتم تُكَذِّبون بها.
_________________
(١) في (ر): "وهو".
(٢) الرجز للعجاج، وقبله: وبلدةٍ نِياطُها نَطِيُّ. انظر: "ديوانه" رواية الأصمعي (١/ ٤٩٥)، ونسبه إليه الخليل في "العين" (٥/ ٢٣٧)، وأبو عبيد في "غريب الحديث" (٤/ ١٣٣)، وأبو علي القالي في "البارع" (ص: ٥٢١)، وأبو بكر الأنباري في "الزاهر" (٢/ ٣٩٠)، والجوهري في "الصحاح" (٦/ ٢٤٧٠)، وهو من غير نسبة في "تهذيب اللغة" للأزهري (٩/ ٢٧٥). والقِيُّ: القفر الذي لا أنيس له، وتناصيها: تواصلها.
[ ١٤ / ٢٠٤ ]
وقيل: هذا خطابٌ مِن اللَّه تعالى في الدنيا لِنَبِيِّهِ -ﷺ-: هذه جهنَّمُ التي يُكَذِّبُ بها قومُكَ مِن قُرَيْشٍ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾: أي: بين النَّارِ التي ذابَتِ السَّماواتُ مِن حَرِّها، وبين ماءٍ حارٍّ قد انتهى حَرُّه، فهو في غايَةِ الحَرارَةِ.
وقيل: تكون النَّارُ طعامَهم، والحميمُ شرابَهم، ﴿يَطُوفُونَ﴾ في معنى: يَتَرَدَّدُون؛ أي: يَسْتَغِيثُون إذا جاعوا يَسْأَلون الطَّعامَ، فإذا طَعِموا النَّارَ استغاثوا فاسْتَسْقَوا فيُسْقَوْنَ الحميمَ.
والـ ﴿آنٍ﴾: صَرْفُه: (أَنَى يَأْنِي)؛ أي: حانَ يَحِينُ، وبَلَغَ أنَاه؛ أي: أَدْرَكَ وانتهى مُنْتَهاه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [الحديد: ١٦]، وقال: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
* * *
(٤٥) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: وفي الآية التَّمْيِيزُ بين الكافر والمؤمن، والإخبارُ عن ذلك اليومِ لِيَنْتَبِهوا (^١).
وقال كعبُ الأحبارِ: ﴿آنٍ﴾ وادٍ مِن أودِيَةِ جهنَّمَ يُجْمَعُ فيه صَديدُ أهلِ جهنَّمَ، ثم يُنْطَلَقُ بهم وهُم في الأَغْلال، فيُغْمَسون في ذلك الوادي حتى تَنْخَلِعَ أَوْصالُهم، ثم يُخْرَجون منها وقد أَحْدَثَ اللَّهُ تعالى لهم خَلْقًا جديدًا فيُلْقَون في النار، فذلك قولُه تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (^٢).
_________________
(١) في (ف): "لينتهوا".
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٨).
[ ١٤ / ٢٠٥ ]
وقال مُقاتِلٌ: يَطُوفون بين حَمِيمٍ شَوْطًا، وبين جهنَّمَ شَوْطًا، لا يَسْتَرِيحون، يُطافُ بهم في ألوان العذاب، وذلك قوُله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾: يعني: مِن الزَّقُّومِ والحَمِيم، فيُنْطَلَقُ بهم مَرَّةً إلى الجَحِيمِ، ومَرَّةً إلى الحَمِيمِ، ثمَّ إلى منازلِهم مِن جهنَّمَ، وكذلك في هذه الآية (^١).
وقال السُّدِّيُّ في قولِه: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾: يُجْمَعُ بين ناصِيَةِ الكافرِ وقَدَمَيْهِ مِن وراء ظَهْرِه، فيُشَدُّ وَثاقُه (^٢).
وقال الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بين ناصِيَةِ الكافر (^٣) وقَدَمَيْهِ في النَّارِ، فيُكْسَرُ صُلْبُه حتى تَلْحَقَ ناصِيَتُه بعَقِبَيْهِ (^٤)، هذا جزاءُ المجرمين.
* * *
(٤٦) - ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.
ثم ذكَرَ جزاءَ الذين يُخالِفونهم، وهُمُ الخائِفون مِن المؤمنين، فقال:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾: أي: ولِمَنْ ترَكَ المعاصِيَ خوفًا مِن مَقامِه بين يدي اللَّه تعالى للعَرْضِ والحسابِ والسُّؤالِ.
وأُضِيفَ المقامُ إلى اللَّه تعالى، وإنما هو مَقامُ العَبْدِ بين يدي اللَّه تعالى، كما أُضيفَ الأجلُ إلى اللَّه تعالى في قولِه: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، وهو أجَلُ العبدِ، حتى قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]؛ لأنَّ التَّأْجيلَ مِن اللَّهِ للعبد، وكذلك
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٠١).
(٢) ذكره عنه ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٤٩٩) بمعناه.
(٣) في (أ): "ناصيته".
(٤) رواه عنه مختصرًا هناد في "الزهد" (٢٦٨) بلفظ: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره. وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٥١).
[ ١٤ / ٢٠٦ ]
المَقامُ للعبد، لكنْ لِمُحاسبةِ اللَّه تعالى، وهو كقولِه تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النصر: ٢]، وقولِه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى شرَعَه للعبد، وقولِه: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء: ٧٧]، وقولِه: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧]؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى سَنَّهُ لهم، وعلى هذا قولُه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣]، وقولُه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال الأعمش: يعني: ولمَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تعالى قائِمٌ على كلِّ نَفْسٍ بما كسَبَتْ، فأطاعَ اللَّهَ تعالى ولم يَعْصِهِ (^١).
﴿جَنَّتَانِ﴾: أي: بُسْتانان.
قيل: إحداهُما داخِلَ قَصْرِه، والأخرى خارجَ قَصْرِه، وهذا لكلِّ خائفٍ، وطُبعَ الإنسانُ على اشتهاءِ مِثْلِه.
وقيل: هما جنَّةُ النَّعيمِ وجنَّةُ عَدْنٍ لجميع أهل الجنَّةِ.
قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، وجَنَّةُ المأوى، فهي بجُمْلَتِها أربعُ جِنانٍ لكلِّ أَهْلِها، وفي كُلِّ جَنَّةٍ مِن الجِنان ما لا يُحْصى (^٢)، وهي كأَرْبَعِ بلادٍ كِبارٍ فيها مَحَالُّ، وفي المَحَالِّ مَنازِلُ.
وقالوا: بأنَّ أهلَ عَصْرِ النَّبيِّ -ﷺ- كانوا على قِسْمَينِ، وكذا أهلُ الدُّنيا في كلِّ عَصْرٍ:
أهلُ الأَمْصَارِ: وهُمُ اعتادوا الجِنانَ المُلْتَفَّةَ، والمياهَ الجارِيَةَ، والمَنازِلَ المُتَلازِقَةَ، والسُّرُرَ الموضوعةَ.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في (ف): "يخفى".
[ ١٤ / ٢٠٧ ]
وأهلُ البَوادي: هُمُ اعتادوا البَرارِيَ (^١) الواسعةَ، والعُيونَ المُمْتَلِئَةَ، والخِيامَ المَنْصوبةَ، والخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ.
فكلٌّ يَشْتاقُ إلى ما اعتاد، ويأنَسُ بما أَلِفَه، فجعَلَ اللَّهُ الجَنَّتَينِ الأُولَيينِ على مُعْتادِ أهل الأمصار، والأُخرَيَينِ على مُعْتَادِ أهلِ البَوادي (^٢)، ووعَدَ الكُلَّ للكُلِّ (^٣)؛ لِيَسْتَنْزِهَ كلُّ واحدٍ بما يَروقُه، ويترَوَّحُ فيما يَشوقُه، ويتبيَّنُ ذلك بالتَّأَمُّلِ في المذكور في كلِّ نوعٍ.
وقال الحسنُ: أتى رجلٌ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ما هما؟ فقال -ﷺ-: "هي مئةُ درجةٍ مِن فِضَّةٍ كلُّها، دُورُها وقُصورُها وأبوابُها وأغلاقها، ومن دونهما مئةُ درجةٍ مِن ذهَبٍ كلُّها، دُورُها وقُصورها وأبوابها وبُيوتها وأغلاقها وسُرُرها" (^٤).
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿جَنَّتَانِ﴾: بُسْتانان، كلُّ بُسْتانٍ منهما مَسِيرةُ مئةِ سنَةٍ، في وسَطِ كلِّ بُسْتانٍ دارٌ مِن نُورٍ (^٥).
_________________
(١) في (ف): "البوادي".
(٢) في (ر): "البراري".
(٣) في (أ): "الكل".
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وروى أبو نعيم في "صفة الجنة" (٢/ ٧١) عن سليم بن عامر الخبائري مرسلا قال -ﷺ-: "الجنة مئة درجة، فأولها درجة من فضة، أرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها مسك، والثانية أرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وترابها مسك" الحديث. وروى البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "جنَّتان من فِضَّةٍ، آنِيَتُهُما وما فيهما، وجنَّتان من ذَهَبٍ، آنِيَتُهُما وما فيهما. . . " الحديث.
(٥) رواه مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٢٠٢) عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه: "مسيرة خمس مئة عام". =
[ ١٤ / ٢٠٨ ]
وقال أبو موسى الأشعريُّ: جَنَّتانِ مِن ذهبٍ للسَّابِقين، وجنَّتانِ مِن فِضَّةٍ للتَّابِعين (^١).
وقال مُقاتِلٌ: ﴿جَنَّتَانِ﴾: يعني: جنَّةَ عَدْنٍ، وجنَّةَ النَّعيمِ، وهما للشُّهَداءِ والصِّدِّيقين (^٢).
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿جَنَّتَانِ﴾: يتلَقَّى كلَّ مؤمنٍ ملَكٌ، فيأخُذُ بيده فيَنْتَهي به إلى قَصْرٍ مِن فضَّةٍ مُشَرَّفٍ بالذهب (^٣)، حولَه جِنانٌ وأنهارٌ، بين كلِّ شُرْفَتَينِ غُلامٌ يُنادي: مَرْحبًا بسَيِّدنا ومولانا، فيُدْخِلُه القَصْرَ فيُرِيه ما أعدَّ اللَّهُ تعالى له، ثم ينطلِقُ إلى قصرٍ مِن ذهبٍ مُشَرَّفٍ باللُّؤْلُؤِ، حوله جِنانٌ وأنهارٌ، بين كُلِّ شُرْفَتَينِ غُلامٌ يُنادي: مرحبًا بسيِّدِنا ومولانا، فيُدْخِلُه القصرَ فيُريه ما أعدَّ اللَّهُ له، ثم ينتهي به إلى قصرٍ مِن ياقوتٍ مُشرَّفٍ بالزَّبَرْجَدِ، حولَه أنهارٌ وجنَّاتٌ، بين كلِّ شُرْفَتَينِ غُلامٌ يُنادي: مرحبًا بسيِّدنا ومولانا، فيُدْخِلُه القصرَ ويُرِيه ما أعدَّ اللَّهُ له، ثم يقول له الملَكُ: يا وليَّ اللَّهِ، كلُّ هذا لكَ، فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤]، فقيل للضَّحَّاكِ: كم بين أقصاها وأدناها؟ قال: كما بين بَلْخَ ومَكَّةَ (^٤).
_________________
(١) = وذكره مرفوعا أيضًا بلفظ المصنف مكي في "الهداية" (١١/ ٧٢٣٣)، والقرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ١٤٩).
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٨١٤)، والدينوري في "المجالسة" (١٤١٤)، والحاكم في "المستدرك" (٢٨٢)، والبيهقي في "البعث والنشور" (٢١٨)، وقال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا. ورواه أبو نعيم في "صفة الجنة" (٤٣٦) من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعًا. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٦).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٠٢).
(٤) قوله: "مشرف بالذهب"، لعل المراد أن شُرَفه -جمع شُرفة- من الذهب، قال في "القاموس": شرَّف فلان بيته: جعل له شُرَفًا.
(٥) رواه عنه مطولًا أبو نعيم في "صفة الجنة" (٤٤٣).
[ ١٤ / ٢٠٩ ]
(٤٧ - ٥٠) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: ﴿ذَوَاتَا﴾: تَثْنِيَةُ (ذاتٍ)، وهما نعتُ قولِه: ﴿جَنَّتَانِ﴾.
﴿أَفْنَانٍ﴾: قال مُجاهِدٌ: أي: أغصانٍ (^١)؛ جَمْعُ (فَنَنٍ)، وهي صِفَةٌ لها بالالتفاف (^٢).
وقال الضَّحَّاكُ: أي: ذواتا ألوانٍ مِن الفواكه (^٣)، وهي جَمْعُ (فَنٍّ).
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾: أي: لا تَنْقَطِعانِ.
قال الحسنُ: تَجْريانِ بالماءِ الزُّلالِ، أحدُهما: التَّسْنِيمُ، والأخرى: السَّلْسَبِيلُ (^٤).
وقال عَطِيَّةُ: مِن ماءٍ غيرِ آسِنٍ، ومِن خَمْرٍ لَذَّةٍ للشَّارِبين (^٥).
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٤١). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٩)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢٣٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٢). وذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢٦) عن مجاهد، وعكرمة، وعطية، والكلبي.
(٢) في (أ) و(ر): "بالالتفات".
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٤٠)، وهناد في "الزهد" (٤٣). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٩)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢٣٤)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٣٨).
(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٨٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٢)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٥٢).
(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢١٣).
[ ١٤ / ٢١٠ ]
وقال مُرَّةُ الهَمْدَانِيُّ: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾: مِثْلَ الدُّنيا أَضْعافًا مُضاعَفَةً، حصباؤُهُما الياقوتُ الأحمرُ والزَّبَرْجَدُ الأخضرُ، وتُرابُهُما: الكافورُ، وحَمأَتُهما المِسْكُ الأَذْفَرُ، وحافَّتاهُما الزَّعْفَرَانُ (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ: تَجْرِيانِ بالكرامة على أهل الجنة والزِّيادةِ (^٢).
وقال أبو بكرٍ الوَرَّاقُ: في الجنَّةِ عَيْنَانِ تَجْرِيانِ لِمَن كانت له في الدنيا عينان بالبُكاءِ والدُّموعِ تجريان (^٣).
* * *
(٥١ - ٥٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾: أي: ضَرْبانِ مُتَشاكِلانِ؛ كَتَشَاكُلِ الذَّكَرِ والأنثى، وذلك كالرَّطْبِ واليابِسِ مِن العِنَبِ والزَّبِيبِ، وكالتِّينِ الرَّطْبِ واليابِسِ، وكذا سائِرُ الأنواعِ لا يَقْصرُ يابِسُه عن رَطْبِه في الفَضْلِ والطِّيبِ.
وقيل: هو تفضيلُ هاتَينِ الجنَّتَينِ عن الأُخرَيَينِ، فإنه قال ها هنا: ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، وقال هناك: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، فثَنَّى ها هنا وعَمَّمَ، وأفرَدَ هناك وخَصَّصَ.
* * *
(٥٣ - ٥٤) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٨٥) عن عطاء عن ابن عباس ﵄.
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٢).
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢١٣).
[ ١٤ / ٢١١ ]
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾: نصبٌ على الحال، وهو لِمَن سبَقَ ذِكْرُه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾، وذاك فَرْدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المعنى؛ لأنَّه جِنْسٌ.
والاتِّكاءُ: الاستنادُ للتَّكَرُّمِ والتَّنَعُّمِ، وذلك على السَّريرِ.
﴿عَلَى فُرُشٍ﴾: جَمْعُ فِراشٍ.
﴿بَطَائِنُهَا﴾: جَمْعُ بِطانَةٍ، وهي الصَّفِيحَةُ (^١) الدَّاخِلَةُ المُقابِلَةُ للظِّهارةِ، وهي الصَّفِيحَةُ الخارِجةُ.
﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾: قيل: هو مِن (اسْتَفْعَل) مِن البَرِيقِ، وهو الإضاءةُ.
وقيل: مِن البُرْقَةِ، وهي اجتماعُ ألوانٍ، وجُعِلَ اسمًا، فأُعْرِبَ بإعرابه وأُجْرِيَ مَجْراه.
وقال الفرَّاءُ وجماعةٌ: هو الدِّيباجُ الغَليِظُ (^٢)، وأصلُه فارسيَّةٌ: (إِسْتَبر)، فعُرِّبَ.
وقال الأخفشُ: المتاعُ الصِّينيُّ (^٣) الذي في صَفاقَةِ الدِّيباج، وخِفَّةِ الفِرِنْدِ، يُسَمَّى إِسْتَبْرَقًا (^٤).
_________________
(١) في (ف): "الصفحة" في الموضعين.
(٢) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ١١٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٤٢) عن سالم بن عبد اللَّه، وعكرمة.
(٣) في (أ): "الصبيء".
(٤) لم أقف عليه عن الأخفش، وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٤٥)، لكن فيه: (يسمّى المتاع الصيني الذىِ ليس له صفاقة الديباج ولا خفّة الفرند إستبرقا)، وكذا نقله الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٤٢)، لكن فيه: (العرقة) بدل: (الفرند).
[ ١٤ / ٢١٢ ]
وقيل: إنَّ قولَه: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾: يدُلُّ على أنَّ البَطائِنَ إِسْتَبْرَقٌ، والظَّهائِرَ سُنْدُسٌ.
وقال مُرَّةُ الهَمْدانيُّ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾: وهو الخَزُّ المُوشَّى، وليس في الأرض أحدٌ يَعْرِفُ ما الظَّهائِرُ (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ: هذه البَطائِنُ، فما الظَّهَائِرُ (^٢)؟! أي: فمَن يَعْرِفُ ذلك؟!
وقولُه تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾: أي: قريبٌ.
قال -ﷺ-: "أَصْلُها الذَّهَبُ، وفَرْعُها الدُّرُّ، وطَلْعُها كَثَدْيِ الأبكارِ، أَلْيَنُ مِن الزُّبدِ، وأحلى مِن العَسَلِ، كلَّما أُخِذَ منها شيءٌ عادَ، يَنالُها القاعِدُ والقائِمُ والنَّائِمُ" (^٣).
وقال قتادة: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾: يعني: ثمارُها قريبةٌ لا يَردُّ أيديَهم عنها شَوْكٌ ولا بُعْدٌ (^٤).
_________________
(١) ذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢٣٥)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٣٢) من غير نسبة.
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٤٣) عن هبيرة، وسعيد بن جبير. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٠) عن ابن مسعود وأبي هريرة ﵄، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢٣٦) عن ابن جبير، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢٦) عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن جبير.
(٣) رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٣٩٠) من حديث أنس ﵁ مرفوعًا. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٣١٧١) من حديث أبي هريرة ﵁ موقوفًا. ورواه في "الكبير" (٦١٧٦) من حديث سلمان الفارسي ﵁ مرفوعًا. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٨٩ - ٩٠) عن رواية أبي هريرة: فيه سليمان بن أبي كريمة، وهو ضعيف، وعن رواية سلمان: فيه محمد بن عدي عن سلمان، ولم أعرفه، وجماعة ضعفاء وثقوا.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٩٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٤٤).
[ ١٤ / ٢١٣ ]
وقال الحسن: إنْ شاؤُوا أَتَوْها، وإنْ شاؤُوا أَتَتْهُم وهُم جُلُوسٌ ونِيامٌ، فيَتَناولونه على فُرُشِهم (^١).
* * *
(٥٣ - ٥٤) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: أي: في الفُرُشِ.
قيل: أي: في الجِنانِ التي تَشْتَمِلُ عليها الجَنَّتانِ زوجاتٌ قد قَصَرْنَ عُيونَهُنَّ على أزواجهنَّ فلا يُرِدْنَ غيرَهم، وهذا مِن أَفْضَلِ خِصالِ النِّساءِ، وأَبْلَغُ وَصْفٍ لها في حُبِّها زوجَها، وهي أشهى ما يكونُ إلى الزَّوجِ، ووَحَّدَ الطَّرْفَ لأنَّه في الأصل مَصْدَرٌ، وقد طرَفَتْ عينُه طَرْفًا.
وقال الإمامُ القُشَيريُّ: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: لِمَن قصَرَ يدَه عن الحرامِ والشُّبْهَةِ، وبصَرَه عن الحرامِ والرِّيبَةِ.
وقال: إذا قَصَرْنَ (^٢) طَرْفَهُنَّ عن غيرِكَ، فأولى بالعبد أنْ يَقْصُرَ طَرْفَه عن المَحْظورات، بل عن المكنونات (^٣)، إذا كان يرجو لقاءَ ربِّه إلى أنْ يَلْقاه (^٤).
قولُه تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: لم يُدْمِهِنَّ بالنِّكاح (^٥)، وأُرِيدَ به الافتضاضُ.
_________________
(١) ذكره ابن أبي زمنين في "تفسيره" (٤/ ٣٣٤).
(٢) في (ف): "قصرت".
(٣) في (أ): "المكونات".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٥١٢).
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٤٧)، وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٢٣٩).
[ ١٤ / ٢١٤ ]
وقرأ الكسائيُّ ها هنا: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ بضم الميم، وقرأ الثَّانيةَ بكسرها، والباقون قرؤوهما بالكسر (^١).
وذَكرَ في "ديوان الأدب": (طمَثَ يَطْمِثُ) بكسر الميم؛ أي: بالافتضاض، وبضمِّها: الحيضُ (^٢)، وامرأةٌ طامِثٌ؛ أي: حائِضٌ.
قولُه تعالى: ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾: أي: قَبْلَ الأزواجِ ﴿وَلَا جَانٌّ﴾: قال ضَمْرَةُ بنُ حبيبٍ: إنما نفى الجانَّ؛ لأنَّ للمؤمنين منهم أزواجًا مِن الحُورِ العين (^٣).
وقيل: هُنَّ الحُورُ العِينُ المخلوقاتُ في الجنة لم يَتبَدَّلْنَ ولم يُمْسَسْنَ.
وقال الحسن: هُنَّ المؤمناتُ مِن نساء الدنيا (^٤)، ومعناه: لم يَطْمِثْهُنَّ بعد النَّشْأَةِ الثانيةِ أحدٌ.
وقيل: هُنَّ نساءُ الإنسِ ونساءُ الجِنِّ؛ أي: ليس لِإِنْسِيَّةٍ بعد النَّشْأَةِ الثانية إِنْسٌ، والجِنِّيَّةِ جانٌّ.
وقيل: هو على التَّبْعيدِ؛ أي: لم يَمَسَّهُنَّ ماسٌّ.
وقال أبو عُبَيدٍ: هو مُطْلَقُ المَسِّ، يُقالُ: هذه ناقَةٌ صَعْبَةٌ لم يَطْمِثْها حَبَلٌ.
وقيل على هذا: لم يَمْسَسْهُنَّ إنسٌ برِيبَةٍ ولا جانٌّ بآفَةٍ.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧).
(٢) انظر: "معجم ديوان الأدب" للفارابي (٢/ ١٠٢).
(٣) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره" (٢٥/ ٣٦٢) (ط: دار التفسير)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٤٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٦٩٦).
(٤) ذكره عنه السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٣٣٦).
[ ١٤ / ٢١٥ ]
(٥٧ - ٥٨) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾: قيل: كأنَّهُنَّ في صَفائِهِنَّ كالياقوت الذي يُرى السِّلْكُ الذي فيه مِن ورائِه، فكذلك يُرى مُخُّ ساقِهِنَّ مِن وراء أجسامِهِنَّ، وكالمَرْجانِ في اللَّطافةِ.
وقيل: في اللَّونِ؛ لأنَّ المَرْجانَ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهُنَّ بِيْضٌ مُتَلَأْلِئةٌ.
وقيل: هي في الحُمْرَةِ كالياقوتِ، وفي البَياضِ كاللُّؤْلُؤِ.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾: أي: ما جزاءُ مَن أَحْسَنَ إلَّا أنْ يُحْسَنَ إليه، استفهامٌ بمعنى النَّفْيِ، وإحسانُهم خوفُهم مقامَ ربِّهم، والإحسانُ إليهم إكرامُهم بنَعيمِ الجنة جزاءً على خوفِهم.
وقال مُقاتلُ بنُ حيَّان: هل جزاءُ العمَلِ الصَّالِحِ إلا الثَّوابُ في الجنة (^١).
وقال السُّدِّيُّ: هل جزاءُ الذين أطاعُوه في الدنيا إلا الكرامةُ في الآخرةِ (^٢)؟!
وقال ابنُ عبَّاسٍ: هل جزاءُ مَن عَمِلَ في الدُّنيا حُسْنًا، وقال: (لا إلهَ إلَّا اللَّهُ) إلا الجنَّةُ في الآخرة (^٣)؟!
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" ط: التفسير (٩/ ١٩٢)، والواحدي في (٢١/ ١٩٢).
(٣) رواه عنه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٧/ ٧١٤). =
[ ١٤ / ٢١٦ ]
وقيل: الإحسانُ الأوَّلُ مِن اللَّه تعالى أيضًا.
وقال أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: قال النَّبيُّ -ﷺ-: معناه: "هل جزاءُ مَن أنعَمْنا عليه بالتَّوحيدِ إلا الجنَّةُ؟! " (^١).
وفي روايةٍ: قال -ﷺ-: "معناه: إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: هل جزاءُ مَن أَنْعَمْتُ عليه بمعرفتي إلَّا أنْ أُسْكِنَه في جَنَّتي وحَظِيرَةِ قُدْسي" (^٢).
وقُرِئَتْ هذه الآيةُ بين يَدَيِ الجُنَيدِ، فقال: سبَقَتِ العِنايَةُ في البداية، وظهَرَتِ الولايةُ في النِّهاية (^٣).
وذُكرتْ أقاويلُ على القول الأوَّلِ:
قال الحسنُ: الإحسانُ أنْ يَعُمَّ ولا يَخُصَّ، فيكون كالمَطَرِ والرِّيحِ والشَّمسِ (^٤).
وقال سفيان: الإحسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إليكَ، فأمَّا الإحسانُ إلى المُحْسِنِ فنَقْدُ السُّوقِ، خُذْ مِنِّي وهاتِ (^٥).
_________________
(١) = وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٤٠)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٥).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٢)، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (١/ ٢٨٠)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢٧)، والديلمي في "الفردوس" (٤/ ٣٣٧) من حديث أنس ﵁.
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٢) من حديث ابن عمر وابن عباس ﵄. وفيه بشر بن عبيد وهو منكر الحديث. ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٤٢٥) عن ابن عمر ﵁ باختلاف يسير في الألفاظ، وقال: تفرد به إبراهيم بن محمد الكوفي، وهو منكر.
(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٣١٠).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٦٧).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٦٧)، والواحدي في "البسيط" (٥/ ٥٩٩).
[ ١٤ / ٢١٧ ]
وقال الفُضَيلُ: الإحسانُ أنْ تَنْصِفَ ولا تَنْتَصِفَ (^١).
وقال السُّدِّيُّ: الإحسانُ تَرْكُ رُؤْيَةِ الإحسانِ.
وقال الجُنَيدُ: الإحسانُ نِسْيانُ الإحسانِ.
* * *
(٦١) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: يعني: بابتداءِ الإحسانِ أم بانتهاء الإحسانِ؟
وقال الإمامُ القُشَيْرِيُّ: يجوزُ أنْ يكونَ الإحسانانِ مِن اللَّه تعالى، وأنْ يكونا مِن العبد، وأنْ يكونَ الأوَّلُ مِن اللَّه تعالى، والثاني مِن العبد، وأنَّ الأوَّلَ مِن العبد، والثانيَ مِن اللَّه تعالى.
فأما رجوعُهما إلى اللَّه تعالى يعني: هل جزاءُ مَن أَحْسَنَّا إليه في الابتداء إلَّا أنْ نُحْسِنَ إليه في الانتهاء؟! وهل جزاءُ مَن فاتَحْناهُ باللُّطْفِ إلَّا أنْ نربِّيَ ذلك بالفَضْلِ والعَطْفِ؟
وأما رجوعُهما إلى العبد، فعلى معنى: هل جزاءُ مَن آمَنَ بنا إلا أنْ يَثْبُتَ في المستقبل على إيمانِه؟ وهل جزاءُ مَن عقَدَ معنا عَقْدَ الوفاءِ إلَّا أنْ لا نَنْقُضَه بالجَفاءِ؟ وهل جزاءُ مَن فَنِيَ عن نفْسِه إلا أنْ يَبْقَى بنا؟
وأمَّا رجوعُ الأوَّلِ إلى اللَّه تعالى والثاني إلى العبد، فعلى معنى: هل جزاءُ مَن أَحْسَنَّا إليه بالنِّعْمَةِ إلَّا أنْ يُحْسِنَ لنا بالخِدْمَةِ؟ وهل جزاءُ مَن أَحْسَنَّا إليه بالوَلاءِ إلَّا أنْ يُحْسِنَ لنا بالوفاء؟
وأمَّا رجوعُ الأوَّلِ إلى العبد والثاني إلى اللَّه تعالى، فعلى معنى: هل جزاءُ مَن
_________________
(١) ذكره القشيري في "رسالته" (٢/ ٣٨١) عن الحارث المحاسبي.
[ ١٤ / ٢١٨ ]
أحسَنَ إلينا مِن حيث الطَّاعةُ إلَّا أنْ نُحْسِنَ إليه مِن حيث القَبولُ والثَّوابُ؟ وهل جزاءُ مَن أحسَنَ إلينا مِن حيث الخِدْمَةُ إلَّا أنْ نُحْسِنَ إليه مِن حيث النِّعْمَةُ؟
وهل جزاءُ مَن بعُدَ عن نفْسِه إلا أنْ نُقَرِّبَه مِنَّا؟ وهل جزاءُ مَن رفَعَ لنا خَطْوَةً إلَّا أنْ نُكافِئَه بكلِّ خَطْوَةٍ ألفَ خَطْوَةٍ؟ وهل جزاءُ مَن حَفِظَ لنا طَرْفَه إلَّا أنْ نُكْرِمَه بلقائِنا (^١)؟
* * *
(٦٢) - ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾: أي: ومِن دون الجنَّتَينِ اللَّتَين وَعَدْناهما للخائفين، وعلى قول مَن جعَلَ تلك للسابقين وهاتين للتابعين، فـ (دُونَ) بمعنى: الأدنى، ومَن جعَلَ الجِنانَ الأربعَ كلَّ الجِنانِ لكلِّ أهلِ الجنَّةِ، فـ (دُونَ) بمعنى (غير)؛ أي: وسوى الجنَّتَينِ المذكورتين جنَّتانِ أُخرَيان.
وأهلُ التَّفْسيرِ يختلفون في تلك:
قال ابن عبَّاسٍ: تانِكَ للمُقَرَّبين، وهاتان لأصحاب اليمين (^٢).
وقال أبو معاذٍ والكسائيُّ: ﴿وَمِن دُونِهِمَا﴾: أي: غيرَهما (^٣)، لا أنَّهما دُونَ الأُولَيَينِ.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٥١٣ - ٥١٤).
(٢) ذكره عنه الحليمي في "المنهاج في شعب الإيمان" (١/ ٤٧٥)، والقرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ١٥٩) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٣) ذكره عن أبي معاذ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ١٩٣). وذكر الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٣)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٩٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٦) عن الكسائي قوله: أمامهما وقبلهما.
[ ١٤ / ٢١٩ ]
وقال الضَّحَّاكُ: الجنَّتانِ الأُولَيانِ مِن ذهبٍ وفضَّةٍ، والأُخْرَيَانِ مِن ياقوتٍ وزُمُرُّدٍ، وهُما أفضلُ مِن الأُولَيَينِ (^١).
* * *
(٦٣ - ٦٦) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: خَضْراوان قد علاهُما سَوادٌ مِن الرِّيِّ (^٢).
وقال الخليلُ: الدُّهْمَةُ: السَّوادُ (^٣).
وقال القُتَبِيُّ: سوداوان (^٤).
وقال مجاهدٌ: مُسْوادَّتان (^٥)، والخُضْرَةُ إذا اشتَدَّتْ ضرَبَتْ إلى السَّوادِ.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾: أي: فوَّارَتانِ، كلَّما رُفِعَ شيءٌ فارَ آخَرُ، وليستا جارِيَتَينِ.
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٣)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٩٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٧).
(٢) رواه عنه ابن المبارك في "الزهد" (١٥٣١)، وابن أبي شيبة (٣٤٠٤٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٥٥)، والبيهقي في "البعث والنشور" (٢٨٠).
(٣) انظر: "العين" (٤/ ٣١).
(٤) انظر: "غريب القرآن" (ص: ٤٤٢).
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٥٧)، والبيهقي في "البعث والنشور" (٢٨٢).
[ ١٤ / ٢٢٠ ]
وقال ابن عباس: فيَّاضَتانِ (^١)، والنَّضْخُ أكثَرُ مِن النَّضْحِ؛ لأنَّ النَّضْحَ كالرَّشِّ، والنَّضخ فوقه.
و﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: بالتشديد للمُبالَغَةِ والكَثْرَةِ.
وقال ابن عباس: تَنْضَخانِ بالخير والبَرَكة على أهل الجنة (^٢).
وقال ابن مسعود: تَنْضَخانِ على أولياء اللَّه تعالى بالمِسْكِ والكافور (^٣).
وقال أنسٌ: بالمسكِ والعَنْبَرِ؛ كما يُنْضَخُ بالمطر على دُورِ أهل الدنيا (^٤).
وقال الخليلُ: النَّضخُ: اللَّطْخُ بما يَبْقَى له أَثَرٌ (^٥).
* * *
(٦٨ - ٦٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٥٩)، والبيهقي في "البعث والنشور" (٢٨١)، وعلقه البخاري (٤/ ١١٦) بصيغة الجزم.
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٧)، وذكره الواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٩٦) عن الكلبي، وقتادة، ومقاتل، والضحاك.
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٧)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢١٥)، وذكره الواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٩٥) عن ابن عباس وابن مسعود وأنس.
(٤) رواه عنه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (٦٨)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٢٠٣). وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٤٨٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٣)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٤١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٢٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٥٧).
(٥) انظر: "العين" (٣/ ١٠٦).
[ ١٤ / ٢٢١ ]
قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: الرُّمَّانُ ليس مِن الفاكهة (^١)، وهو يُقَوِّي مذهبَ أبي حنيفةَ أنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ والرُّمانَ ليس بفاكهةٍ، والعطفُ بالواو يدُلُّ على التَّغايُرِ.
وقال أبو يوسُفَ ومحمَّدٌ: هذا يدُلُّ على التَّفْضِيلِ (^٢)؛ كما في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].
وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: نخلُ الجنَّةِ جُذوعُها مِن فضة، وأغصانُها مِن ذهب، وأوراقُها مِن زُمُرُّدٍ، وسَعَفُها كِسْوَةٌ لأهل الجنة، ورُطَبُها كالدِّلاءِ أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَن، وأَلْيَنُ مِن الزُّبْد، وأحلى مِن العسل، ليس له عَجَمٌ (^٣).
* * *
(٦٩ - ٧٠) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾: أي: في الجِنانِ الأربَعِ.
﴿خَيْرَاتٌ﴾: قال الزَّجَّاجُ: أصلُه: (خَيِّرَاتٌ) بالتشديد، فخُفِّفَ (^٤)؛ كما في الهَيِّن واللَّيِّن.
﴿حِسَانٌ﴾: أي: خَيِّراتُ الأخلاقِ والسِّيَر، حِسانُ الهَيْئاتِ والصُّوَر.
وقال جريرُ بنُ عبدِ اللَّه: ﴿خَيْرَاتٌ﴾: مُخْتاراتٌ (^٥).
_________________
(١) ذكره عنه السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٣٣٧).
(٢) انظر: "المبسوط" لمحمد بن الحسن (٣/ ٢٩٠)، و"التجريد" للقدوري (١٢/ ٦٤٥٩).
(٣) رواه عنه معمر بن راشد في "جامعه" (٢٠٨٧٠)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٠٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٦١)،
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ١٠٤).
(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٥)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٤٢) من غير نسبة.
[ ١٤ / ٢٢٢ ]
وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ زيدٍ: لا دَفِراتٌ ولا بَخِراتٌ (^١).
وقال أسامةُ بنُ زيدٍ: لا مُتَطَلِّعات، ولا مُتَشَوِّفاتٌ، ولا طَمَّاحاتٌ (^٢).
وقال حسانُ بنُ عَطِيَّةَ: لا ذَرِباتٌ، لا يَغَرْنَ، ولا يُؤْذِينَ (^٣).
* * *
(٧١ - ٧٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿حُورٌ﴾: جَمْعُ حَوْراء، وهي شِديدةُ بياضِ العَينِ، وشديدُ سَوادِها.
وقال قتادة: بِيضُ الألوانِ، صُفْرُ الحُلِيِّ، خُضْرُ الثِّياب، يَقُلْنَ: نحن الرَّاضِياتُ فلا نَسْخَطُ، ونحن الخالِداتُ فلا نَبِيدُ، ونحن النَّاعِماتُ فلا نَبْأَسُ، طوبى لِمَن كان لنا وكُنَّا له (^٤).
_________________
(١) ورد هذا ضمن خبر رواه ابن المبارك في "الرقائق" (٢٣٨)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (٣١٧) موقوفًا على ابن مسعود -وله حكم المرفوع-: "لكل مؤمن خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، تدخل عليه كل يوم من ربه تحفة وكرامة وهدية له، لم تكن قبل ذلك، لا بخرات، ولا دفرات، ولا مرحات، ولا طماحات، ولا يَغَرْن، ولا يُغَرْن، حور عين كأنهن بيض مكنون". وروى الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٦٢) عن ابن زيد قوله: الحور العين.
(٢) رواه عنه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (٣٣٠). وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٥) من غير نسبة.
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٥٣٩) عن الأوزاعي.
(٤) ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٥) عن قتادة عن عقبة بن عبد الغفار نحوه. وهو قطعة من حديث طويل رواه الطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٦٨)، و"الأوسط" (٣١٤١)، عن أم سلمة ﵂ مرفوعًا. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٤١٨): وفي إسنادهما سليمان بن أبي كريمة وهو ضعيف. =
[ ١٤ / ٢٢٣ ]
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: إنَّ الحُورَ إذا قُلْنَ هذا، قالت المؤمناتُ: نحن المُصَلِّياتُ وما صَلَّيْتُنَّ، ونحن المُتَوَضِّئاتُ وما تَوَضَّأْتُنَّ، ونحن المُتَصَدِّقاتُ وما تَصَدَّقْتُنَّ، ونحن الصَّائماتُ وما صُمْتُنَّ، فتَغْلِبُهُنَّ واللَّهِ (^١).
قولُه تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾: أي: مَحْبوساتٌ في الحجال، قاله ابن عباس وأبو العالية ومحمد بن كعب والضحاك والحسن.
وقيل: هو كَخِيامِ الدُّنيا، والخيمةُ: بيتٌ مِن الثِّيابِ على الأعمدة والأوتاد، وقد قُلْنا: إنَّها لأهل البوادي.
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ على هَيْئَةِ البيت (^٢).
وقال ابنُ عبَّاسٍ: بيوتُ اللُّؤْلُؤِ (^٣).
_________________
(١) = وروى ابن المبارك في "الزهد" (١٤٨٧)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٣٩٧١)، والإمام أحمد (١٣٤٣)، والترمذي (٢٥٦٤)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (٢٥٢)، والبزار في "مسنده" (٧٠٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦٨)، وتمام في "فوائده" (٣٧٩)، وأبو نعيم في "صفة الحنة" (٤١٨)، والبيهقي في "البعث والنشور" (٣٧٦)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٧٦)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٥٦) نحوه عن علي ﵁ مرفوعًا. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، والمتهم به عبد الرحمن بن إسحاق، وهو أبو شيبة الواسطي، قال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث، وقال يحيى: متروك. وروى نحوه أبو الشيخ في "العظمة" (٦٠٣)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٣٧٨) من حديث ابن أبي أوفى ﵁ مرفوعًا.
(٢) ذكره عنها الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٥)، والقشيري في "لطائف الإشارات" (٣/ ٥١٥).
(٣) رواه عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٠٦١)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٦٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٦٨)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٧١٨) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ١٤ / ٢٢٤ ]
وقال أيضًا: الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ، فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، لها أربعةُ آلافِ بابٍ، مِصراعٌ مِن ذهبٍ، ومِصْرَاعٍ مِن فضةٍ (^١).
وقال أبو موسى الأشعريُّ: دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طولُها في السماء سِتُّون مِيلًا، في كلِّ زاويةٍ منها أهلٌ للمؤمن لا يراهم الآخرون (^٢).
وقيل: هذه الخِيامُ مِن دُرٍّ وياقوتٍ تُضْرَبُ على شُطوطِ أنهارِ هذه الجِنانِ.
وقال مُسْلِمٌ البَطِينُ: لكلِّ خَيْرَةٍ منهن خَيْمَةٌ، ولكلِّ خيمةٍ أربعُ مئةِ بابٍ (^٣)، يدخُلُ عليها مِقْدارَ كلِّ يومٍ مِن أيام الدنيا تُحْفَةٌ وكرامةٌ مِن اللَّه ﷿ لا تَنْقَطِعُ أبدًا (^٤).
وقال محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ: يُرى ظاهِرُها مِن باطنها، وباطِنُها مِن ظاهرِها (^٥).
* * *
_________________
(١) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٠٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٧١). وقوله: "ومصراع من فضة" زيادة من (أ)، وليست في مصادر التخريج.
(٢) رواه البخاري (٣٢٤٣)، ومسلم (٢٨٣٨) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) في (أ): "أربعون بابًا".
(٤) روى نحوه مختصرًا ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٦٩)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (٣١٧)، موقوفًا على عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٥) رواه معمر بن راشد في "جامعه" (٢٠٨٨٣)، والإمام أحمد في "مسنده" (٢٢٩٠٥)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢١٣٧)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (١٥٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٠٩)، والطبراني في "الكبير" (٣٤٦٦)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٠٦) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ مرفوعًا بلفظ: "إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها" الحديث. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (٦٦١٥)، والطبراني في "الكبير" (١٠٣)، والحاكم في "المستدرك" (٢٧٠) من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا، وروي من طرق مرفوعة أخرى.
[ ١٤ / ٢٢٥ ]
(٧٣ - ٧٦) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾: أي: مُسْتَنِدين في خِيامِهم على فُرُشٍ، وهو قولُ أبي عُبيدةَ (^١)، و﴿رَفْرَفٍ﴾: جَمْعُ رَفْرَفَةٍ؛ ولذلك قال: ﴿خُضْرٍ﴾.
وقال الخليل: الرَّفْرَفُ: كِسْرُ الخِباءِ، وهو أيضًا ضَرْبٌ مِن الثيابِ يُبْسَطُ (^٢).
وقال نِفْطُوَيْهِ: هو كلُّ ما فضَلَ فثُنِيَ.
وقيل: هو الفِراشُ المُرْتَفِعُ، ورَفْرَفَ الطَّائِرُ: إذا حرَّكَ جناحَيْهِ ورَفَعَهما.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ والضَّحَّاكُ: هي المَحابِسُ، والمَحْبِسُ: ما يُبْسَطُ على البِساطِ (^٣).
وقال الحسن: هي المرافِقُ (^٤).
وقيل: الوسائدُ.
وقولُه تعالى: ﴿خُضْرٍ﴾: نَعْتُها.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٢٤٦)، وذكره عنه ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٣٨٣)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٣٣٨).
(٢) انظر: "العين" (٨/ ٢٥٥).
(٣) رواه عنهم الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ٢٧٤)، ورواه عن قتادة أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١١٢)، وعن الضحاك ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٧٦).
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٧٦).
[ ١٤ / ٢٢٦ ]
وقولُه: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾: جَمْعُ عَبْقَريَّةٍ، وهي الطِّنْفِسَةُ، ولذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾.
وقال الفرَّاءُ: هي الطَّنافِسُ الثِّخانُ (^١).
وقال أبو عُبَيدةَ وقُطْرُبٌ: يُقال لكلِّ بِساطٍ حسَنِ: عَبْقَرِيٌّ (^٢)، و(عَبْقَر): بَلَدٌ يُنْسَجُ به الأنماطُ، واسمُ ما يُنْسَجُ به: عَبْقَرِيٌّ، وكذا ما كان مِن جِنْسِه وإنْ نُسِجَ في غيره.
وذكَرَ ذلك لأنهم تعارفوه بساطًا جَيِّدًا، فخُوطِبوا على ما تعارفوا.
وقال أبو سعيدٍ الضريرُ: كلُّ حسَنٍ يُتَعَجَّبُ منه فهو عَبْقَرِيٌّ، قال النبيُّ -ﷺ-: "فلم أرَ عَبْقَرِيًّا يَفْري فَرِيَّه" (^٣).
وقيل: العَبْقَرِيُّ: الوَشْيُ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ والحسَنُ وقتادةُ وابنُ زيدٍ: هي الطَّنافِسُ (^٤)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦].
وقال أبو خيرة (^٥): هي الطَّنافِسُ الجِيادُ العِتاقُ.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٢٠).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٢٤٦)، وذكره عنه الماتريديُّ في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٤٨٤)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٣٠).
(٣) رواه البخاري (٣٦٨٢) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٧٦) عن ابن عباس، وسعيد بن جبرِ، وقتادة، وابن زيد. ورواه عن الحسن ابنُ أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٠٧٣)، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٧٢٢). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٩٧) عن الحسن بلفظ: الدرانيك، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٤٣) عنه أنها الطنافس المخملية، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٣٣٩) أنها الوسائد.
(٥) في (أ) و(ر): "حيرة".
[ ١٤ / ٢٢٧ ]
وقال مُجاهِدٌ: العَبْقَرِيُّ: الدِّيباجُ (^١).
وقيل: (عَبْقَر) بلَدٌ مِن بلاد الجنِّ، وقال لَبيدُ بنُ ربيعة:
ومَن كان مِن أخوالهِم وبَنِيهمُ كُهُولٌ وشُبَّانٌ كجِنَّةِ عَبْقَرِ (^٢)
وعَبْقَرِيٌّ: منسوبٌ إليه.
وقال ذو الرُّمَّة:
حتى كأن رياض القُفِّ ألبَسَها مَن وَشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ (^٣)
ومَن تكَلَّفَ وقرأ: (عَبَاقِرِيّ) بالياء (^٤) -لِيَصِحَّ وَصْفُها بالحِسان جَمْعًا- لم يَنْفَعْه
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٧٧).
(٢) انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" (ص: ٤٦)، ومطلعه هكذا: "ومن فاد من إخوانهم".
(٣) انظر: "ديوان ذي الرمة" (ص: ١٣٦٦). قال شارحه: القف: ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلًا في ارتفاعه. والتنجيد: التزيين. ومنه: نجد فلان بيته؛ إذا زينه، فشبه الزهر بوشي عبقر.
(٤) ذكر القراءة الزجاج في "معاني القرآن" ولم ينسبها، وذكرها ابن جني في "المحتسب" (٢/ ٣٠٥) عن النبي -ﷺ- وعثمان ونصر بن علي والجحدري وأبي الجلد ومالك بن دينار وأبي طعمة وابن محيصن وزهير الفرقبي، وعزاها ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢١٧) إلى عثمان بن عفان وعاصم الجحدري وابن محيصن بفتح الياء من غير تنوين، وإلى الضحاك وأبي العالية وأبي عمران مجرورة بالتنوين. ورواها حفص بن عمر في "جزء قراءات النبي" (١١٤)، والبزار في "مسنده - كشف الأستار" (٣/ ٩٢) عن أبي بكرة ﵁ يرفعه. ورواها القاسم بن سلام في "فضائل القرآن" (ص: ٣١٣) عن أبي طعمة بتنوين الجر، وقال: وهذا الحرف يروى مرفوعًا، والمحدثون يحدثونه بالإجراء، ولا أدري أمحفوظ هو أم لا، إلا أنه في العربية على ترك الإجراء. قال الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٧٧): وذكر عن النبي -ﷺ- خبر غير محفوظ، ولا صحيح السند: =
[ ١٤ / ٢٢٨ ]
ذلك؛ لأنَّ المكانَ يَصيرُ جَمْعًا، فأمَّا المنسوبُ إليه فيبقى واحدًا كـ "الجَوَالِقِيِّ"، إلَّا أنْ يُقْرَأَ: (عَبَاقِرٍ) بدون الياء، فيصيرُ جَمْعًا، ولا ضرورةَ إليه، فإنا قلنا: إنَّ العَبْقَرِيَّ جَمْعٌ، وواحدتُها: عَبْقَرِيَّةٌ.
* * *
(٧٧ - ٧٨) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: قال القُتَبِيُّ: إنَّ اللَّهَ تعالى عدَّدَ في هذه السُّورةِ نَعْماءَه على عِبادِه، ثم أتبَعَ ذِكْرَ كلِّ نِعْمَةٍ بهذا الكلام تقريرًا وتذكيرًا، وجعلَه فاصلًا بين كلِّ نِعْمَتَينِ لِيُفَهِّمَهم النِّعَمَ، وهو كقولِكَ لِمَن أحسَنْتَ إليه دَهْرَكَ وتابَعَتْ لديه أياديكَ، وهو في جميع ذلك يَكْفُرُكَ ولا يَشْكُرُكَ: ألم تكن فقيرًا فأغنيتُكَ؟! أفتُنْكِرُ هذا؟! ألم تكن ضالًّا فهَدَيْتُكَ؟! أفتُنْكِرُ هذا؟! ألم تكن عُرْيانًا فكسوتُكَ؟! أفتُنْكِرُ هذا؟! ألم تكن خَامِلًا فرَفَعْتُكَ؟! أفتُنْكِرُ هذا؟! وما أشبَه هذا، ومثْلِ تكرارِ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (^١).
وقولُه تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: قال الحسن: أي: تقَدَّسَ (^٢).
وقال ابنُ عبَّاسٍ: تعالى (^٣).
وقال الضَّحَّاكُ: تَعَظَّمَ (^٤).
_________________
(١) = "على رفارف خضر وعباقري" بالألف والإجراء.
(٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" (ص: ١٥١).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ذكره عنه الواحدي في "البسيط" (١٦/ ٤٠٠). وروى عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٧٨) قوله: ذو العظمة والكبرياء.
(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٤٠).
[ ١٤ / ٢٢٩ ]
وقال الحُسينُ بنُ الفَضْلِ: تباركَ اللَّهُ في ذاتِه، وبارك فيمَن شاءَ مِن خَلْقِه (^١)
واللَّهُ المُوَفِّقُ للسَّدادِ، وعلى فَضْلِه الاعتمادُ.
والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٤٠).
[ ١٤ / ٢٣٠ ]