بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يفرِّح المؤمنين بنُصرته، الرحمنِ الذي يبسط الرزقَ لمن يشاء ويقدر بقدرته، الرحيمِ الذي يحيي الأرض بعد موتها بآثار رحمته.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشرُ حسناتٍ بعددِ كلِّ ملكٍ (^١) يسبِّح اللَّهَ بين السماء والأرض، وأَدرك ما ضيَّع في يومه وليلته" (^٢).
وهذه السورة مكية، وهي ستُّون آية، وقيل: تسعٌ وخمسون، الاختلاف في: ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾ (^٣).
وكلماتُها ثماني مئة وخمسَ عشرة، وحروفها ثلاثة آلاف وثلاث مئة وتسع وتسعون (^٤).
_________________
(١) في (أ): "كل ملك". وفي (ف): "كل من".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٩١)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٩٠٩)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) انظر: "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٠٥)، وفيه: اختلافها أربع آيات: ﴿الم﴾ عدَّها الكوفي ولم يَعُدَّها الباقون، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لم يَعُدَّها المدني الأخير والمكي وعدها الباقون، ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ لم يعدَّها المدني الأول والكوفي وعدها الباقون، ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ عدها المدني الأول ولم يعدها الباقون، وكلهم عد ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
(٤) في المصدر السابق: كلمها ثماني مئة وتسع عشرة كلمة، وحروفها ثلاثة آلاف وخمس مئة وأربعة وثلاثون.
[ ١٢ / ٧ ]
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال في ختم تلك السورة: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال في أول هذه السورة: ﴿الم﴾؛ أي: أنا اللَّه أعلمُ بالمحسنين وغيرِ المحسنين.
وانتظام السورتين: أن كلَّ واحدة منهما مكيةٌ متضمِّنةٌ ذكرَ التوحيد ومحاجَّةَ المشركين وبيانَ العاقبة للمؤمنين والكافرين.
* * *
(١ - ٣) - ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿الم﴾: مرَّت الأقاويل فيه في أول سورة البقرة.
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: أي: غَلبت فارسُ الرومَ في أقرب أرض الشام إلى حدود أرض فارس والروم (^١).
قال مقاتل -هو قول ابن عباس ﵄-: هي أرض الأردن وفلسطين (^٢).
وقال مجاهد: هي أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس (^٣).
وقال عكرمة: هي أذرعات وكسكر (^٤).
_________________
(١) "والروم" ليست في (أ).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٠٦)، وذكره يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٦٤٣) عن السدي. ولم أجده عن ابن عباس بهذا اللفظ، لكن روى عنه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٥٨) قوله: طرف الشام.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٦٩).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٨/ ٩)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٥٠) مطولًا دون كلمة: "وكسكر".
[ ١٢ / ٨ ]
وقال مقاتل بن حيَّان: هي ريف الشام (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾: أي: والروم بعد أن صاروا مغلوبين، وهو إضافة المصدر إلى المفعول.
قوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾؛ أي: سيصيرون غالبين لغالبِيهم وهم فارس.
* * *
(٤ - ٥) - ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
قوله تعالى ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وقال الفرَّاء: يقال: غلب غَلَبةً، وسقطت التاء هاهنا للإضافة كما في قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاة﴾ [الأنبياء: ٧٣] (^٢).
وقال الزجاج: الغَلَب مصدر كالغَلَبة؛ كالجَلَب والجَلَبة (^٣)، والبضع: القطحة من العدد، وتستعمل في الثلاث إلى العشرة، قاله الخليل والقتبي (^٤).
وقال الحسن: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقال كفار قريش: واللَّه لا يكون ذلك أبدًا، أن يظهر الروم على أهل فارس أهلِ البأس والشدة والعدَّة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾؛ أي: يظهر أهل الروم على أهل فارس، فقال كفار قريش: إن كنتم صادقين فراهِنوا، قال: فتراهنوا على خمس قلائصَ، وجعلوا بينهم من الأجل خمس سنين، فولَّوا قمار المسلمين أبا بكر الصدِّيقَ ﵁، وولَّوا
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٤).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣١٩).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ١٧٧).
(٤) انظر: "العين" (١/ ٢٨٦)، و"تأويل مشكل القرآن" (ص: ٢٤٠).
[ ١٢ / ٩ ]
قمار المشركين أبيَّ بن خلف، فمضت خمس سنين ولم تظهر أهل الروم على أهل فارس، فقال المشركون: أعطونا القمار، فاشتدَّ ذلك على المسلمين، فشكَوا ذلك إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال لهم: "إن اللَّه ﷿ قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ والبضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزايِدوهم (^١) في القلائص وزايدوهم في الأجَل"، فزادوهم في الأجل خمسَ سنين وفي القلائص خمسًا، فلما كان في السنة السابعة ظهر أهل الروم على أهل فارس، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فظهر أهل الروم على أهل فارس (^٢).
قال: فقدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينةَ ولم يقبض القمارَ، فأنزل اللَّه تعالى تحريم الخمر والقمار في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية.
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: التقَينا مع رسول اللَّه -ﷺ- ومشركو العرب، والتقت الرومُ وفارسُ في ذلك اليوم، فنصرَنا اللَّهُ تعالى على مشركي العرب ونصر اللَّه أهل الكتاب على المجوس، ففرحْنا بنصر اللَّه إيانا على المشركين وفرحْنا بنصر اللَّه أهلَ الكتاب على المجوس، فذلك قوله تعالى ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد﴾: أي: الأمرُ في غلبة فارس للروم
_________________
(١) في (ف): "فدابروهم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٥٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٨٧)، عن قتادة، ولم أجده عن الحسن، وقد روي في هذه القصة أحاديث وآثار كثيرة يطول ذكرها، جمعها السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٣).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٤٩). وإسناده ضعيف.
[ ١٢ / ١٠ ]
وغلبة الروم لفارس للَّه تعالى، لو شاء أن يهلك الفريقين معًا أو أحدهما (^١) لفعل، وليست غلبةُ فارسَ للروم على ما توهَّمه المشركون من أنَّ مَن لا كتاب له ولا نبوةَ فدينُه هو الحقُّ ودينُ مَن له نبوةٌ وكتابٌ باطل، وكما غلبت فارسُ الرومَ فكذلك يغلب (^٢) مشركو قريش المسلمين، بل كلَا الفريقين مبطِلٌ، ولو شاء اللَّه لمنع أحدهما عن الآخر، فله الأمر من قبلِ غلبة فارس للروم، ومن بعد ذلك.
وقيل: أي: من قبلِ كلِّ شيء، ومن بعد كلِّ شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يومَ غَلبت الروم فارسَ يفرح المؤمنون، لا بنصرة النصارى، ولكن بتحقيق اللَّه وعدَه دالًّا على صدق نبيِّهم فيما أخبرهم به.
وقيل: بل بنصر اللَّه المسلمين على المشركين، على ما روينا أنه كان ذلك في ذلك اليوم (^٣).
وقيل: كان ذلك عامَ الحديبية (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: أي المنيعُ بسلطانه لا يُغلب على أمره ولا يَجري في خَلْقه إلا ما يريده ﴿الرَّحِيمُ﴾ فلا يعاجلُ العصاةَ بالعقوبة.
* * *
_________________
(١) في (أ): "وأحدهما" وليست في باقي النسخ، والصواب المثبت.
(٢) في (أ): "فكذلك فعلت"، وفي (ف): "لغلبت"، بدل: "فكذلك يغلب".
(٣) انظر ما تقدم قريبًا عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٥٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٨٧)، عن قتادة، وقد تقدم قريبًا.
[ ١٢ / ١١ ]
(٦) - ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: نصب على المصدر، كأنه قال: وعَدَ اللَّه ذلك وعدًا، وهو لا يخلف وعده.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: المشركون جهَّالٌ (^١) لا يعلمون أن محمدًا -ﷺ- وسائرَ الأنبياء لم يؤيَّدوا بالمعجزات إلا ليَدُلَّ ذلك على صدقهم، فلا يكذِبون فيما يخبرون، فإذا كذَّبوا محمدًا -ﷺ- فيما أَخبر عن غلَبة الروم فارسَ فلجهلهم كذَّبوه.
* * *
(٧) - ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: همَّتُهم دنياهم، فيصرفون تدبُّرهم وتفكُّرهم وتعلُّمهم إلى أمور الدنيا فيَعلمونها.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾: لا يتفكَّرون فيها، وما يكون لهم فيها من الحساب والعقاب.
وقيل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: إنما يعلمون ما يشاهدونه ولا يعرفون ما يدل عليه من أمور الآخرة.
ثم في الآيتين نفيُ العلم عنهم بقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وإثباتُ العلم لهم بقوله: (يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا)، ولا تناقُضَ فيه، فإن الأول نفيُ العلم بأمور الدين، والثاني ثبوتُ العلم بأمور الدنيا، ولأن الأول نفيُ الانتفاع بالعلم بما ينبغي، والثاني صرفُ العلم إلى ما لا ينبغي، ومن العلم القاصر أن يهيِّئ الإنسان
_________________
(١) في (أ): "بحال".
[ ١٢ / ١٢ ]
أمورَ شتائه في صيفه وأمور صيفه في شتائه وهو لا يتيقن بوصوله إلى ذلك الوقت، ويقصِّرَ في الدنيا في إصلاح أمور معاده ولا بد له منها (^١).
* * *
(٨) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: هي كلمة استبطاءٍ، ومعناها: هلا تفكَّروا إذ (^٢) أخَّروا التفكُّر وتركوه.
وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: أي: في خلق أنفسهم؛ كما قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]؛ أي: لو تفكَّروا في خلق أنفسهم أفادهم ذلك علمًا في الآخرة وزوال الغفلة عنهم. وانقطع الكلام ثم قولُه:
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: كلام مبتدأ.
وقيل: هو متصل بالأول، والتفكُّر واقعٌ على ﴿مَا﴾، ومعنى الكل على هذا القول: أولم يَخْلوا بأنفسهم فيتفكَّروا في الخلوة (^٣) التي يتمكَّن معها الإنسان من عقله أنْ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ﴾ بإضمارِ (أنْ) الخفيفة، ويكون التفكُّر واقعًا على هذا، وإضمار (أنْ) للوصل جائز كما في قوله في هذه السورة:
_________________
(١) في (ر): "من العلم القاصر على منافع الدنيا يفني الإنسان شبابه في تعلم أمور الدنيا وهو لا يتيقن بوصوله إلى ذلك الوقت ويقصر في أمور دينه واستعداده لمعاده الذي لا بد له منه"، بدل: "ومن العلم القاصر أن يهيئ. . . ".
(٢) في (أ): "لم"، وفي (ف): "إذا لم".
(٣) في (ف): "الحياة"، وفي (ر): "الحياة الدنيا".
[ ١٢ / ١٣ ]
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾؛ أي: أنْ يريكم البرق، فقد صرَّح بـ (أنْ) قبل هذه الآية في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ويكون معنى (^١) هذه الآية على هذا الوجه: أوَلم يتفكروا في خلق السماوات والأرض أنَّ اللَّه تعالى لم يخلقهما عبثًا ولا جزافًا، ولكن ليَعتبر بها عباده ويَستدلُّوا بها على وحدانيته وكمالِ قدرته، فإنه إنما خلقهما لمنافع عباده بلاغًا لهم في دار التكليف ليحاسبهم في دار الجزاء، وهو معنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: للحق، وهو هذا.
وقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: وليوم القيامة الذي يحاسبهم فيه ويجازيهم على أعمالهم فيه، وقد جعل اللَّه أجلًا لذلك، فيخرجهم هذا التفكُّرُ عن الغفلة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾: أي: تركوا هذا التفكُّر فغفلوا وكفروا بالبعث والجزاء.
وقيل في قوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: خلقهما في الوقت الذي كان سماه لخَلْقهما فيه وأراده (^٢)؛ أي: لم يخلقهما على سهوة وغفلةٍ ومجازفةٍ، بل على مقدارٍ معلوم ووقتٍ معلوم.
وقيل: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: وقتٍ معلوم (^٣) مؤقَّتٍ إذا بلغت ذلك الوقت أفناها وبدَّل الأرضَ غيرَ الأرض وغيرَ السماوات.
* * *
_________________
(١) في (ف): "معناه في".
(٢) في (ف): "سماه بخلقهما فيه على علم وإرادة".
(٣) "معلوم" ليست في (أ).
[ ١٢ / ١٤ ]
(٩) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا تنبيهٌ آخر عن الغفلة: أولم يسيروا في الأرض في أسفارهم للتجارات وغيرها ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ إلى آثار القوم الذين كانوا قبلهم فعَصوا اللَّه وكذَّبوا أنبياءهم.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: وهم هؤلاء.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: أي: من مشركي قريش.
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾: للزراعة (^١) ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ بأنواع الأبنية ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾؛ أي: مشركو قريش، فلم يعصمهم شيء من أموالهم وحصونهم مما نزل بهم، فكيف يمتنع هؤلاء من مثل ذلك؟
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: نزل بهم هذا بعد أن جاءتهم رسل اللَّه إليهم بالحجج الواضحة ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ أي: ليعذبهم من غير ذنب ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعاصيهم فعُوقبوا لذلك.
* * *
(١٠) - ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾: أي: كذبوا أنبياءَ اللَّه وردُّوا البينات ﴿السُّوأَى﴾؛
_________________
(١) في (أ): "للزراعات".
[ ١٢ / ١٥ ]
أي: العقوبةُ الغليظة التي تَسوءُ صاحبها، ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا الدمار وفي الآخرة عذابُ النار.
وقيل: ﴿السُّوأَى﴾: تأنيث الأسوء؛ أي: أسوأُ العقوبات.
وقيل السوأى: اسم لجهنم كالحسنى اسم للجنة، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: بأنْ كذبوا بها واستهزؤا منها.
ووجه آخر: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾ المكذِّبين (^١) ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾: فعلوا الفعلةَ السوأى؛ أي: وهي بمعنى السيئة، ويكون مفعولًا بـ ﴿أَسَاءُوا﴾ ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ ويكون هذ اسمَ ﴿كَانَ﴾، و﴿أَن﴾ مع الفعل مصدرٌ، وهي بمعنى التكذيب؛ أي: كان عاقبةَ إساءتهم التكذيبُ بآيات اللَّه؛ أي: ألقاهم شؤمُ معصيتهم في الكفر، وهو كقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٧].
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: قرأ أبو عمرو في رواية (^٢) بياء المغايَبة، والباقون بتاء المخاطبة (^٣).
_________________
(١) "المكذبين" من (ف).
(٢) في (أ): "قرأ أبو عمرو غير عياش وأوقيه [كذا] وسهل ويحيى عن أبي بكر وحماد عن عاصم".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٥٠٦)، و"التيسير" (ص: ١٧٥)، عن أبي عمرو وأبي بكر.
[ ١٢ / ١٦ ]
قيل: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: المخلوقَ من الماء ثم يعيده من التراب.
وقيل: إلى التراب، وكان خلقه من التراب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أي: يَقنط المشركون من رحمة اللَّه ومن شفاعة الشفعاء.
وقال سعيد بن جبير: ﴿يُبْلِسُ﴾: يُبْهَتُ (^١). وقال الأخفش: يَنْدم (^٢). وقيل: يَدْهَشُ.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾: أي: ولا يكون لهم من أصنامهم التي جعلوها شركاءَ للَّه شفعاءَ يشفعون لهم إلى اللَّه.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾: أي: فيكونون عن أصنامهم متبرِّئين حين رأوها لا تشفع (^٣).
وقيل: أي: الملائكة والجن والشياطين يتبرؤون من المشركين، وهو كقوله: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ أي: يتبرأ بعضكم من بعضٍ.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾: قيل: فريق في الجنة وفريق في السعير.
وقيل: يتفرقون في آلهتهم، فلا يجتمعون فيتناصرون، وهو تأكيدٌ للآية التي قبلها.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يهتم". ولم أجده.
(٢) لم أجده عن الأخفش، وقاله أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ١٢٠).
(٣) في (أ): "لا تنفع" وفي (ف): "تضر ولا تنفع".
[ ١٢ / ١٧ ]
وقيل: يتفرقون في الأحوال والمحالِّ على ما فسَّره (^١) بعدها.
* * *
(١٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾: أي: يُصار بهم إلى الجنة فيكونون فيها (^٢) في رياضٍ ﴿يُحْبَرُون﴾؛ أي: يُسرُّون، والحَبْرةُ: السرور.
وقيل: أي: ينعَّمون.
وقال وكيع: هو بالسماع (^٣)، والحِبَار والحَبَر: الأثر، والحُبور: سرورٌ يظهر أثره في الوجه.
وقال أبو بكر بن عياش: أي: يتوَّجون على رؤوسهم (^٤)، من قولهم: ذهب حَبْرُه وسَبْرُه؛ أي: هيئتُه (^٥) وجماله.
وقال ابن كيسان: أي يزيَّنون ويحلَّون (^٦)، والمحبَّر: المزيَّن.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فسر".
(٢) في (أ): "منها".
(٣) ذكره عن وكيع الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٤٧١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٧٢) عن يحيى بن أبي كثير.
(٤) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٤٧١).
(٥) في (ر) و(ف): "حبره ونضره أي: بهاؤه".
(٦) "ويحلون" من (أ).
[ ١٢ / ١٨ ]
(١٦ - ١٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: أي: أُحضروا جهنم ليعذَّبوا فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أي (^١): صلُّوا للَّه، مصدر بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، والتسبيح: الصلاة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]؛ أي: المصلين، وهي رأس الأعمال الصالحة التي ذُكرت في الآية المتقدمة.
﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾: أي: مساءً، وهي صلاة المغرب. وقيل: صلاة المغرب والعشاء.
﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: أي: صلاة الفجر.
﴿وَعَشِيًّا﴾: هي صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: هي صلاة الظهر، وقد (^٢) أَظهَرَ؛ أي: دخل في وقت الظهيرة، قال امرؤ القيس:
تُقطِّعُ غِيْطانًا كأنَّ متونَها إذا أَظْهَرتْ تُكْسَى مُلاءً منشَّرا (^٣)
* * *
_________________
(١) في (أ): "يعني".
(٢) في (ر) و(ف): "وقيل".
(٣) انظر: "الديوان" (ص: ٩٥). الغيطان: الأرض المطمئنة. متونها: ظهورها، الملاء المنتشر: الثوب المبسوط. وقوله: تقطِّع، لعل معناه هنا: تطوي، والضمير للناقة المذكورة قبلُ.
[ ١٢ / ١٩ ]
(١٨ - ١٩) - ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وهو المحمود عند جميع خلقه من سكان سماواته وأرضه، يحمدونه على نعمه ويثنون عليه بصفاته.
وقيل: تحمده الملائكة في السماوات والمؤمنون في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: أي: البشَرَ من النطفة، والطيرَ من البيضة، والشجرة من الحبة، والمؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل.
قوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: النطفةَ من البشر، والبيضةَ من الطير، والحبَّ من الشجرة، والكافر من المؤمن، والجاهل من العالم.
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ الميتة اليابسة (^١) ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بالنبات في الربيع.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: أي: يخرجكم اللَّه من قبوركم، دلَّ بها على البعث بعد الموت.
* * *
(٢٠) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: عدَّد في هذه الآيات بعضَ الآيات المنبِّهةِ على كمال قدرته، الدالةِ على وحدانيته، المبطِلةِ قولَ مَن أشرك به شيئًا من خليقته، فقال:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: ومن علامات ربوبيته ووحدانيته ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾؛
_________________
(١) في (ف): "المائتة"، وليست في (ر).
[ ١٢ / ٢٠ ]
أي: خلق آباءكم؛ كما قال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]؛ أي: قتل آباؤكم، ولأن الولد فرعُ الوالد فكان مخلوقًا مما خلق أصله.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾: أي: آدميون عقلاءُ ناطقون تتصرَّفون فيما فيه قِوامُ معاشكم، فلم يكن اللَّه ليخلقكم هكذا عبثًا، بل يتعبَّدكم بشكره ثم يجزي المحسنَ بإحسانه والمسيء على إساءته، فإذا تفرَّد بخلقكم فهو المنفردُ باستحقاق العبادة له.
* * *
(٢١) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أي: نساء تَزْدوِجون (^١) معًا ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾؛ أي: لتكون نساؤكم سكَنًا لكم تطمئنون إلى معاشرتهنَّ وقضاء اللذات منهن.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾: أي: في الشباب (^٢) وحالَ قيام الشهوة.
﴿وَرَحْمَةً﴾: أي: في حالة الكبر وقِدَم الصحبة يودُّ كلُّ واحدٍ من الزوجين صاحبَه حالَ شبابهما، ويرحمه ويعطف عليه حالَ كبرهما.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: من نطفة الرجال.
وقيل: أي: حواء خلقت من نفس آدم، والأولاد راجعون إلى الأصل.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: لأنه إذا تفكَّر بالعقل السليم
_________________
(١) في (أ): "تزوجون".
(٢) في (ر) و(ف): "النساء".
[ ١٢ / ٢١ ]
تبيَّن (^١) له بذلك أنه لم يكن كذلك إلا لقِوام الدنيا بوقوع التناسل فيها إلى الأجل المعلوم، وذلك إنما هو لأن الدنيا دارُ عمل وامتحان، ولا بد بعدها من دارِ حسابٍ وجزاء، وفي ذلك إثباتُ البعث، ويتدرَّج بذلك إلى إثبات الأنبياء والشرائع.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: وكانت العرب مقرِّين بأنَّ اللَّه تعالى هو المنفرد بخلقهما، ومَن قدر على خلقهما على ما فيهما من عجائب الصَّنعة وبدائع الخِلقة لم يُعجزه البدث بعد الموت، ولم يجز أن يشرَك به مَن لا يمكِنه خلقُ مثلهما.
ثم في ذلك دلالة أن لهما صانعًا ومدبِّرًا؛ لِمَا فيهما من آثار الصنعة وعلامات الحدوث، وإذا استحال أن يكون خلَقَهما أحدٌ من البشر، واستحال أن يكونا بأنفسهما من غيرِ صانع، دل على أن لهما خالقًا، وهو حجة على كلِّ ملحد ومشرك.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾: والألسنة: اللغات والأصوات، والألوان: الصور والهيئات، وذلك أبينُ الدلالات، فإن الأصل واحد وهو التراب والماء، وفي الحال لحم ودم وعظم وعصب وعرق وجلد، وتختلف النغمات واللغات، وتتفاوت الألوان والكيفيات، بحيث لا يُشبه وجهٌ وجهًا على اتحاد الصورة، ولا تُشبه نغمةٌ نغمةً على اتحاد الآلة، فدل ذلك على كمال قدرته ونفاذ مشيئته، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تميز".
[ ١٢ / ٢٢ ]
والحكمة في إثبات هذا الاختلاف: وقوعُ التعارف، وتميُّز الأشخاص؛ لتَتِمَّ أسباب التعامل في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفصٍ بكسر اللام؛ أي: فيه حجج لقوم يعلمون؛ أي: يرجعون إلى علمِ وإدراكِ حقائق الأمور، ولا يقصُرون همهم على علم الظاهر من الحياة الدنيا، وقرأ الباقون بفتح اللام (^١)؛ أي: فيه حُججٌ وأعلام على الحق للخلق كلِّهم جنِّهم وإنسهم، وملائكتهم وشياطينهم؛ لأن (^٢) كلًّا منهم متعبَّد.
* * *
(٢٣) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: ومن أعلام (^٣) وحدانيته وكمالِ قدرته ومُجازاتِه العبادَ في آخرته: نومُكم الذي هو راحةٌ لأبدانكم، وجمامٌ (^٤) من أشغالكم، ليدوم لكم البقاء في الدنيا إلى آجالكم، ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ أيضًا على حسَب الحاجة، فإذا تنبَّهتم (^٥) من منامكم انتشرتُم لمعاشكم تطلبون من فضل اللَّه، وهو القوتُ وغيره الذي به قِوامُ (^٦) الحياة.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٠٦)، و"التيسير" (ص: ١٧٥).
(٢) في (ر) و(ف): "أن".
(٣) في (ر) و(ف): "علامة".
(٤) الجمام: الراحة. وتحرفت في النسخ إلى: حمام.
(٥) في (ف): "إذا انتبهتم".
(٦) في (ر) و(ف): "قيام".
[ ١٢ / ٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: أي: يُصْغون إلى هذا التذكير ويتدبَّرون فيه.
* * *
(٢٤) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: يعني: أنْ يريَكم، يقول: ومِن أعلامه ما يُنزِّل من المطر من السحاب (^١) ليُخرج به النباتَ من الأرض متاعًا لكم ولأنعامكم؛ لحاجتكم إلى ذلك في ظَعْنكم وإقامتكم (^٢) ويقدِّم قبل المطر البرقَ بشارةً به، وفيه طمع في الغيث وخوفٌ من الصواعق.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾: يتفكَّرون بعقولهم في جميع ما ذكرنا من وجوه الدلالة بهذه الآيات (^٣).
* * *
(٢٥) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾: قال الفراء: أي: تدومان قائمتين بأمره بلا عَمَدٍ (^٤)، ثابتَتين تمامًا لمنافع الخلق.
_________________
(١) في (أ): "السماء".
(٢) في (ر): "ومقامكم".
(٣) في (أ): "الآية".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٢٣).
[ ١٢ / ٢٤ ]
وقيل: ﴿تَقُومَ﴾؛ أي: تقف وتسكن بإقامته.
وقيل: ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: أمرهما اللَّه بذلك، وقيل: أي: بأمره بالعدل، وفي الخبر: بالعدل قامت السماوات والأرض (^١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾: أي: وهو القادر على أن يُخرجكم من الأرض أحياءً للحساب بعد الموت، لا تمتنعون عليه إذا دعاكم كما لا (^٢) تمتنع السماوات والأرض من القيام بأمره.
وقيل: معناه: إذا دعاكم دعوةً وأنتم في الأرض أموات إذا أنتم تخرجون أحياءً، كما يقول الرجل لآخر: دعوتُك من البستان فلم تخرج؛ أي: وأنت في البستان.
وقيل: هو مؤخَّر، وتقديره: إذا أنتم تخرجون من الأرض.
وقيل: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ توسُّعٌ، ومعناه: إذا أخرجكم؛ لأنَّهم ليسوا هناك بمحلٍّ يُدعون ويُؤمرون ويُنهون.
وقيل: هي النفخة الأخرى، قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١ - ٤٢].
* * *
(٢٦) - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: أي: مطيعون.
قال ابن عباس ﵄: مطيعون في الحياة والنشور والموت، عاصون في العبادة (^٣)، ويتصل بقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
_________________
(١) قال المناوي في "الفتح السماوي" (٣/ ١٠٢٠): لم أجده.
(٢) في (أ) و(ف): "لم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٨٣).
[ ١٢ / ٢٥ ]
وقيل: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ أي: مطيعون بإقرارهم بأنه ربُّهم وخالقهم؛ قاله قتادة (^١).
وهذا في مشركي العرب، فأما مَن أنكر الصانع فقُنوته للَّه شهادةُ خلقته على أن اللَّه خلَقه.
وقيل: هو في حق أهل السماء على العموم، وفي حق أهل الأرض على الخصوص.
وقيل: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ يومَ القيامة، فقد ذكره بعد قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ يعني: نفخةَ إسرافيل بالبعث، يقول في الصور: أيتها الأجساد البالية، والعظام النَّخِرة، والعروق المتمزِّقة، واللحوم المتشتِّتة (^٢)، قوموا إلى محاسبةِ ربِّ العزة.
* * *
(٢٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾: أي: هيِّنٌ عليه، أي (^٣): يسير. قال الشاعر:
تمنَّى رجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أَمُتْ فتلك سبيل لستُ فيها بأوحَدِ (^٤)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٨٤).
(٢) في (ر): "المتلبثة"، وفي (ف): "المنبتة".
(٣) "هين عليه أي" ليس في (ر).
(٤) نسب لطرفة في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٣٠١)، و"تفسير الطبري" (٢٤/ ٤٧٨)، ونسبه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٣٣٥) للشافعي، و(٥/ ٤٩٢) لطرفة.
[ ١٢ / ٢٦ ]
أي: بواحد. وقال الفرزدق:
إن الذي سمَك السماء بنى لنا بيتًا دعائمُه أعزُّ وأطولُ (^١)
أي: عزيزة طويلة.
وقيل: الإعادة أيسرُ من البداية (^٢) في تَعارُفكم فيما تبتدِئون فعلَه وتعيدونه.
وقيل: أي: فيما تصوِّرون في أنفسكم من ابتداء الشيء من غيرِ شيء ثم إعادتهِ بعد أن بَلِيَ وتفرَّقت أجزاؤه.
وقيل (^٣): أهونُ عليه بما يتوهَّمون؛ كقولك للرجل تريد أن تصف له سهولة الأمر وخفَّته: هو أهونُ عليَّ من ذلك، ثم تحذف (من ذلك).
وقيل: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على المخلوق من الابتداء؛ لأنَّه في الابتداء يخلقُ (^٤) نطفةً ثم علقةً، ثم تمر عليه (^٥) التارات، ثم يولد ويكون (^٦) طفلًا ثم رضيعًا، ثم بعد الفِطام (^٧) غلامًا، ثم شابًّا ثم كهلًا ثم شيخًا، فأما الإعادةُ فإنه يُبعث بشرًا عاقلًا، فهذا أهونُ عليه في المتعارف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: الوصفُ الأرفعُ؛ قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ (^٨) [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفتُها.
_________________
(١) انظر: "ديوانه" (ص: ٧١٤)، و"شرح نقائض جرير والفرزدق" لأبي عبيدة (١/ ٣٥٤).
(٢) في (ف): "البدو".
(٣) في (ر) و(ف): "وهو".
(٤) في (ر) و(ف): "بخلق" بدل: "لأنه في الابتداء يخلق".
(٥) في (ر) و(ف): "على" بدل: "ثم تمر عليه".
(٦) "ويكون" من (أ).
(٧) في (أ) و(ف): "طفلا ثم بعد الرضاع فطيمًا ثم".
(٨) في (ر): "مثل الحياة"، وفي (ف): "مثل الحياة الدنيا".
[ ١٢ / ٢٧ ]
قال قتادة: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له (^١).
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: في انتقامه من أعدائه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه.
* * *
(٢٨) - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: بيَّن اللَّه لكم معاشرَ المشركين مَثَلًا من أنفسكم لتقريبِ الأمر من أفهامكم.
﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾: أي: هل لكم معاشرَ الأحرار من عبيدكم شركاء ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾؛ أي: فأنتم معاشرَ المالكين والمملوكين في ذلك الرزقِ سواءٌ يَحكم مماليكُكم في أموالكم كحُكْمِكم ويتصرَّفون فيه تصرُّفَكم.
﴿تَخَافُونَهُمْ﴾: وتخافون أنتم معاشرَ السادة عبيدَكم فيه، فتشفِقون عن (^٢) أن تأمروا فيه بأمرٍ دون أمرهم، فلا تُمضون فيه حكمًا دون إمضائهم (^٣)؛ خوفًا من لائمةٍ تلحقُكم من جهتهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٨٩).
(٢) في (أ): "وتتوقفون على"، وفي (ف): "فيتفقون على"، بدل: "فتشفقون عن".
(٣) في (أ): "بدون إذنهم" وفي (ف): "بدون رأيهم".
[ ١٢ / ٢٨ ]
﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أي: كما يخاف بعضُ الأحرارِ بعضًا أن ينفرِد بأمرٍ (^١) مشتركٍ بينهم.
وقيل: تخافونهم أن يرثوكم بعد موتكم.
وهو استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: فإذ لم يكن هذا هكذا فيما بينكم، بل لا يستحقُّ العبد شركةً مع سيده فيما يملكه، فكيف استجَزْتُم هذا المعنى في حقِّ اللَّه تعالى فأشركتُم به عبيده؟ وكيف رضيتُم له بما لا ترضونه لأنفسكم؟ وفي ذلك تسفيهٌ لأحلامهم وتعجيبٌ من فعلهم (^٢).
قال قتادة: كما لا يرضى الإنسان أن يكون عبده مشاركًا له في فراشه وزوجه، كذلك لا يرضَى ربُّه أن يُعدَل به أحدٌ من خلقه (^٣).
وقال أبو مِجْلَزٍ: تخافونهم في المال أن يقاسموكم إياه كما تخافون الشريك من نظرائكم (^٤).
وقيل: معناه: هل تنبسط أيديهم في أموالكم وتخافون منهم إتلافَها كما تنبسط أيديكم فيما تملكون وتخافون من جهتكم إتلافها وإنفاقها.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: كما بيَّنَّا لكم هذا المثلَ وفصَّلنا لكم الحججَ، كذلك نفصِّل الآيات لقوم يرجعون إلى عقلٍ فيتدبَّرون فيها.
_________________
(١) في (أ): "فيما هو"، وفي (ف): "هما"، بدل: "أن ينفرد بأمر".
(٢) في (ف): "وتعجيب لفعلهم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٨٩ - ٤٩٠).
(٤) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٩١).
[ ١٢ / ٢٩ ]
(٢٩) - ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: ﴿بَلِ﴾ لردِّ ما قبله، وتقديره: ليس إصرار هؤلاء المشركين لانقطاع الحجج وتأخُّرِ الإرشاد، بل يتَّبعون ما تميلُ إليهم نفوسهم اتِّباعًا لسلَفهم بغيرِ علمٍ أتاهم من اللَّه، وبغيرِ معرفةٍ منهم بصوابِ ما هم عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: فلا هاديَ لمن أضله اللَّه.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: جمعَ لأن (مَن) للجنس، فبَدأ بالتوحيد للَفْظه وجمَعَ في آخره لمعناه، ومعناه: فلا مانع لهم من العذاب يوم القيامة كما لا هاديَ لهم في الدنيا.
* * *
(٣٠) - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾: الخطاب للنبيِّ -ﷺ- والمعنى لأمته؛ أي: قد بان لكم بطلانُ الشرك بما أوضحنا لكم من الآيات، فلا تلتفتوا إلى أهله وأقيموا وجوهكم للدِّين الحقِّ مستقيمين عليه؛ أي: أقبِلوا بقلوبكم على (^١) ذلك، وانحرفوا عن غيره من الأديان؛ كمَن قصد موضعًا يقيم (^٢) وجهه إلى سَمْته عالمًا أنه لو انحرف عنه ضلَّ عن مقصده.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "إلى".
(٢) في (أ): "يتم".
[ ١٢ / ٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾: أي: خلقةَ اللَّه، نصبٌ على الإغراء؛ أي: الزَموا هذا الدِّين الحقَّ فإنه فطرةُ اللَّه ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: خلَقها عليها؛ أي: على خلقةٍ تَشهد أن لها صانعًا وتدل على التوحيد.
وقيل: أي: فطر الناس لها، وهو قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، واللام و(على) متعاقبان، يقال: ما على هذا بعثتُك، وما لهذا بعثتُك.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: أي: لا يتهيَّأ لأحد تبديلُ هذه الخلقة وتغييرُها عن هذه الدلالة بإقامةِ حجةٍ على ضدها، إنما يُورد الناس الشُّبَهَ على الحجج ليستزلُّوا بها الناس، فمَن تأمَّلها بان له بطلانُها.
وقيل: معناه: خلق اللَّه العباد ليأمرهم بالإسلام، فلا يمكنُ تبديل ذلك وجعلُهم بغيرِ ذلك الدِّين.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: أي: المستقيم، وهو ما ذكر: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ولكن الجهل غالب على كثير من الناس لتقليدهم الأسلافَ وتركِهم التأمُّلَ.
وقيل: أي: ولكنَّ قريشًا (^١) لا علم لهم (^٢) فلذلك ضلُّوا عن هذا الدين، ولو كانوا علماء لم يَدينوا (^٣) بغيره.
* * *
_________________
(١) في (ف): "ولكن عبدوا من".
(٢) بعدها في (ف): "به".
(٣) في (ر): "يتدينوا".
[ ١٢ / ٣١ ]
(٣١) - ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: أي: أقمْ وجهك للدِّين أنت وأمتُك راجعينَ إلى اللَّه بآمالكم مقبِلين عليه بقلوبكم وأعمالكم، وهو كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ لأن أمر النبيِّ ﵇ أمرٌ لأمته.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾: أي: اتَّقوا اللَّه واحذروه، يعني: مخالفتَه في (^١) الأمر والنهي.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: أديموها لأوقاتها.
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أي: اتَّقوه وحده، وأنيبوا إليه وحده، وأقيموا الصلاة له وحده، ولا تكونوا ممن يشرك به غيره في العبادة.
وقيل: هذا يتصل بما قبله: وأقيموا الصلاة ولا تتركوها فشؤمُ تركها قد يفضي إلى الكفر.
قال محمد بنُ أسلمَ الطوسيُّ (^٢): بلغني عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن ترك صلاة متعمِّدًا فقد كفر" (^٣)، وكان بلغني عن النبيِّ ﵇ أنه قال: "إذا رُوي لكم عنِّي
_________________
(١) في (أ): "يعني مخالفة".
(٢) محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد، أبو الحسن الكندي مولاهم، الطوسي، من حفاظ الحديث، اشتهر بالصلاح، ونعته الذهبي بشيخ المشرق، صَنَّف: "المُسند"، و"الأربعين"، وغيرَ ذلك. توفي سنة (٢٤٢ هـ).
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط" (٣٣٤٨) من حديث أنس ﵁ بلفظ: "من ترك الصلاة. . . ". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٩٥): (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون إلا محمد بن أبي داود فإني لم أجد من ترجمه). وله شاهد من حديث بريدة ﵁، رواه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٣)، وابن ماجه =
[ ١٢ / ٣٢ ]
حديث فاعْرِضوه على كتاب اللَّه تعالى، فإنْ وافقَ كتابَ اللَّه فاقبَلوه، وإن خالفه فردُّوه" (^١)، فطلبتُ صحةَ الحديث الأول في القرآن ثلاثين سنة حتى وجدتُه في هذه الآية.
* * *
(٣٢) - ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
ثم وصف هؤلاء المشركين فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: أي: عبدوا أصنامًا متفرقةً، كلُّ قوم يعبدون صنمًا غيرَ صنم الآخرِين، واختار قوم اليهودية، وقومٌ النصرانيةَ، وقومٌ المجوسيةَ، وكذا وكذا.
وقرئ: ﴿فارَقوا دينهم﴾ (^٢)؛ أي: جانَبوا الدِّين الذي فطرهم اللَّه تعالى عليه وشهدتْ خلقتُهم به، فلمَّا فارقوا دينهم اتَّبعوا الأهواء على غيرِ علمٍ فاختلفوا.
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: أي: صاروا فرقًا كلُّ فرقةٍ تشايع (^٣) مَن وافَقها على هواها.
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورون لتوهُّمهم أنهم على حقٍّ وأنَّ مَن خالفه باطلٌ، وليس كذلك بل كلُّهم على باطل.
وقال أبو العالية ومقاتل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ يعني: أخَذ الميثاق عليهم حين أخرجهم من صُلب أبيهم آدم ﵇ وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] (^٤).
_________________
(١) = (١٠٧٩). قال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(٢) انظر: "الموضوعات" للصغاني (ص: ٧٦).
(٣) قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٢٧٤)، و"التيسير" (ص: ١٠٨).
(٤) في (ر) و(ف): "تتابع".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤١٣)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٥٧)، وابن أبي حاتم في =
[ ١٢ / ٣٣ ]
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه كما تُنتَجُ البهيمةُ [بهيمةً جمعاء] هل تُحسون فيها من جدعاء؟ " ثم قال أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (^١).
* * *
(٣٣) - ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: أي: وإذا أصاب هؤلاء المشركين بلاءٌ من مرض ونحوِه استغاثوا باللَّه في كشفِ ما نزل بهم مقبِلين بالدعاء إليه وحده دون الأصنام؛ لعلمهم أنه لا فرج عندها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾: أي: ثم إذا أعطاهم من ذلك الضرِّ عافيةً ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: إذًا وجدتَ فريقًا منهم يشركون (^٢) به في العبادة.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾: أي: يفعلون ذلك ليكونوا كفارًا بما أنعم اللَّه عليهم من كشفِ الضرِّ وإبداله بالعافية فيجحدون ذلك.
_________________
(١) = "تفسيره" (٥/ ١٦١٥)، من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨)، وما بين معكوفتين منهما.
(٣) قوله: "أي إذا وجدت فريقًا منهم يشركون" ليس في (ر).
[ ١٢ / ٣٤ ]
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: أي: يا معاشر المشركين ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ أمركم من عقوبة اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾؛ أي: ما (^١) أنزلنا، استفهامٌ بمعنى النفي، أو قدر هاهنا ألفُ الاستفهام ثم عطف عليه بـ ﴿أَمْ﴾، يقول: أيفعلون هذا بحجةٍ جاءتهم من السماء أنزلناها عليهم فهم لذلك معذورون في الشرك في الرخاء مع إخلاصهم في الشدة؛ أي: فليس كذلك، إنما الشركُ هوًى لا حجة عليه.
والسلطان: الحجة، وذاك قد يكون بكتاب من السماء وقد يكون برسول وقد يكون بغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾: أي: فهذا السلطانُ يوضِّح عذرَهم في الإشراك باللَّه ويأمرهم بذلك، فإن كان السلطان رسولًا فكلامه حقيقةٌ، وإن كان كتابًا فكلامه ذكر على وجه التوسُّع والمجاز؛ لأنَّه للإبانة كالكلام، قال أبو العتاهية:
وعَظَتْكَ أجداثٌ صُمُتْ ونَعَتْكَ أزمنةٌ خُفُتْ
وتكلَّمتْ عن أوجهٍ تَبْلى وعن صورٍ سَبَتْ
وأَرَتْكَ قبرَكَ في القُبو رِ وأنت حيٌّ لم تَمُتْ (^٢)
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
_________________
(١) "ما" ليست في (أ) و(ف).
(٢) انظر: "الشعر والشعراء" (٢/ ٧٨٢).
[ ١٢ / ٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: خصبًا وسعة برحمة منا ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾؛ أي: أظهروا بها سرورًا.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: أي: أمرٌ يَسُوءهم من قحطٍ ومجاعة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بسبب معاصيهم، وقيد باليد لأن أكثر العمل وأظهرَه باليدين.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾: أي: وجدتَهم يجزعون فعلَ الذين عن رحمة اللَّه ييأسون، ولم تدخل الفاء في قوله: ﴿إِذَا هُمْ﴾ لِمَا قلنا: إنَّ تقديره: وجدتَهم، وإذا كان الجواب بالفعل لم يَحتجْ إلى الفاء.
* * *
(٣٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: أي: قد رأى هؤلاء أن اللَّه يوسِّع الرزقَ ابتداءً ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيِّق، فليس يجب أن يدعوَهم التضييق في الرزق إلى القنوط من رحمة اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لعلاماتٍ لأهل الإيمان على أن التضييق في الرزق والتوسعةَ فيه على ما سبق من علمه وإرادته.
* * *
(٣٨) - ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾: أي: فأعطِ قريبك حقَّه من البِرِّ والصلة والمواساة، وأعطِ الفقير والغريب حقوقَهم، فليس فقرُهم وغناك إلا لأن اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ أي: وليس فقرُ الفقير لهوانه على اللَّه ولا
[ ١٢ / ٣٦ ]
غنَى الغنيِّ لكرامته على اللَّه، لكن امتحَن عباده بالفقر والغنى، وآتِهم حقوقَهم من مال اللَّه (^١) قِبَلك (^٢)، فإنه وإن كان فتَّر عليهم فقد (^٣) أوجب مقدارَ كفايتهم عليك.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾: وهو إيتاءُ هؤلاء حقوقهم ﴿خَيْرٌ﴾ لك من بُخلك بمالك.
﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: أي: يطلبون به التقرُّب إلى اللَّه ونيلَ ثوابه.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: الفائزون ببقاء الأبد ودَركِ الطلب.
* * *
(٣٩) - ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: وما أعطيتُم أحدًا من شيء طلبَ الازدياد به لتَزيدوا من أموالهم في أموالكم -وهو أن يكون العطاء طلبًا للمكافأة في الدنيا والاستكثار- فإنه لا يزداد عند اللَّه؛ أي: لا يضاعَف لكم أجره؛ لأنكم قد نلتُم أجرَ ذلك في الدنيا بإعطائكم إياه، فلا مكافأة لكم عند اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾: أي: وما أَعطيتم من شيء تلتمِسون به الطُّهرة من الذنوب، والجزاءَ في الآخرة لا في الدنيا، وهو قوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾؛ أي: التقرُّبَ إلى اللَّه.
_________________
(١) في (أ): "حقوقهم باللَّه".
(٢) "قبلك" ليست في (ف).
(٣) في (ف): "فإنه".
[ ١٢ / ٣٧ ]
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾: أي: الواجدون الضِّعفَ؛ أي: الإضعافَ بالواحدة العشرةَ إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ.
وقال ابن عباس ﵄: هي هبةُ الرجل يَهَب الشيءَ يريد أن يثاب أفضلَ منه، فذلك الذي لا يربو عند اللَّه؛ أي: لا يؤجَرُ فيه صاحبه ولا إثم عليه، قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ قال: هي (^١) الصدقة ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^٢).
* * *
(٤٠) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: رجع الكلام إلى محاجَّة المشركين، يقول: هذه قدرة اللَّه لا يُعجزه شيء، فهو الخالق وحده والرازق وحده والمميت وحده والمحيي وحده.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: هل ممن جعلتُموهم شركاء للَّه مَن يفعل شيئًا من ذلك؛ أي: فإذا كانوا لا يفعلون شيئًا من ذلك فكيف أشركتموهم بي؟
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تقدَّس اللَّه وتنزَّه عن أن يكون له شريك، وهو أمر بتنزيهه سبحانه.
* * *
_________________
(١) في (ر): "هي مال".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن ابن عباس. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٨١)، وليس في مطبوعه: عن ابن عباس.
[ ١٢ / ٣٨ ]
(٤١) - ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: قال الفراء: أي: أجدبَ البرُّ وانقطعت مادةُ البحر بذنوبهم، كل ذلك ليذوقوا الشدةَ بذنوبهم في العاجل (^١).
ويتصل هذا بقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وبقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾، وضِيقُ الرزق بشؤم المعصية، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٠]، وسعةُ الرزق بالإيمان والطاعة؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وعلى هذا الفسادُ بمعنى عقوبة الفساد؛ كجزاء السيئة يُسمى سيئةً.
وقيل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾؛ أي: غلب أهلُ الفساد؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ أي: أهلَ القرية ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أ﴾ [الأعراف: ٤]؛ أي: أهلِ قرية، ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾؛ أي: بسبب معاصي الناس، وهو كقول النبي -ﷺ-: "إذا غضب اللَّه على قومٍ سلَّط اللَّه عليهم شرارَهم في البر والبحر" (^٢).
قيل: هما على ظاهرهما؛ البرُّ: المفازة، والبحر: موضع (^٣) الماء الكثير.
وقال مجاهد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: ما في البر فهو قتلُ ابنِ آدم أخاه، وما في البحر فهو جُلندَى الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا (^٤).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٢٥).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ر) و(ف): "البر المفاوز والبحر مواضع".
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٧٧٦١)، رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥١٢).
[ ١٢ / ٣٩ ]
وقيل: البرُّ بلادٌ ليس فيها (^١) ماءٌ جارٍ، والبحر بلاد فيها ماء جارٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾؛ أي: يعاقبهم في الدنيا على بعض (^٣) ما عملوا فيها من انتهاك المحارم، وكمالُ الجزاء يكون في الدار الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: ليرجع مَن سوى هؤلاء المعذَّبين اتِّعاظًا بمن عذِّب مِن جنسهم.
وقيل: أي: ﴿ظَهَرَ﴾ أثرُ الفساد وهو عقوبةُ أهل الفساد ﴿فِي الْبَرِّ﴾ بإهلاك القرى ﴿وَالْبَحْرِ﴾ بتغريق فرعون وقومه، ولذلك قال بعده:
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾: أي: قل لأهل مكة: سافروا فانظروا في بلاد عادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ ونحوها كيف أهلكناهم وخرَّبنا ديارهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: يقول: قد بلغ الإعذار مبلغَه فلا تهتمَّنَّ بإعراض هؤلاء واقصِدْ أنت الطريقَ الذي يُسلك بك إلى الدِّين المستقيم، وهو ما تقدم ذكره: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
_________________
(١) في (أ): "بها".
(٢) في (أ): "مياه جارية".
(٣) بعدها في (أ): "جزاء".
[ ١٢ / ٤٠ ]
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: لا يردُّه اللَّه وإذا لم يردَّه هو لم يستطِعْ أحدٌ ردَّه، فهو آت لا محالةَ وهو يوم القيامة فاستعِدُّوا له.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾: أي: يتفرَّقون، وأصله: يتصدَّعون، وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ الآية [الزلزلة: ٦] وبيَّنه هاهنا أيضًا فقال:
* * *
(٤٤ - ٤٥) - ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾: أي: ضررُ كفره وعقوبةُ كفره في دار الجزاء.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾: أي: يوطِّئون مقارَّ (^١) أنفسهم في القبور، وقيل (^٢): في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾: متصلٌ بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ. . . لِيَجْزِيَ﴾؛ كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] يقول: إنهم يتفرقون في المنازل ليتميَّز الكافر من المؤمن ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللَّه وحده ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ له وحده ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: بفضله.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: فيسويهم بالمؤمنين، بل يُبغضهم فيميِّز بينهم ويبنهم، فيعاقب الكافرين عذابًا غيرَ منقطعٍ وذلك عدل منه، ويثيب المؤمنين ثوابًا غيرَ منقطعٍ وذلك فضل منه.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مهاد".
(٢) "قيل" زيادة من (أ).
[ ١٢ / ٤١ ]
(٤٦) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ثم عاد الكلام إلى ذكر الآيات، يقول: ومن الأعلام الدالة على قدرته إرسالُ الرياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾؛ أي: بالمطر لأنها تتقدمه وتُطمع فيه على العادة، يُرسلها ليبشِّر بها ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: يرزقكم من نعمته التي يرحمُكم بها ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ في البحار ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بهذه الرياح، ولتطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة في البحار والجهادِ فيها واصَلَ لكم هذه النعمة لتشكروا له عليها فتستحِقُّوا نِعَم الآخرة بشكركم على نعم الدنيا، وإذا كان فعَل ذلك ليستأديَهم شكرَه فلا بد من التمييز بين مَن أطاعه بذلك وبين مَن عصاه، وإذا لم يميز في الدنيا وقع ذلك في دار الآخرة (^١)، وفي ذلك إثباتُ البعث.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: للدعاء إلى الإيمان وشكر النعم.
﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحجج الواضحات، فآمن بهم البعضُ وكفر بهم البعض.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: أي: كفروا، بالإهلاك في الدنيا.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ونصَرْنا المؤمنين بهم، فأنجيناهم من
_________________
(١) في (أ): "أخرى".
[ ١٢ / ٤٢ ]
العذاب ومنعناهم من الكفار إذ كنا وعدناهم ذلك، وكان حقًّا علينا بوعدنا الذي لا خُلف فيه أن ننصرَ المؤمنين، فعَلْنا ذلك بالأوَّلين وكذلك نفعلُ بالآخِرين، وفيه تسليةٌ للنبيِّ -ﷺ- والمؤمنين.
* * *
(٤٨) - ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: عاد الكلام إلى ذكر آياته بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ فيبعث الرياح سحابًا؛ أي: فينشأ عند مجيء الريحِ السحابُ، أضاف الفعلَ إليها بطريق التسبيب (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: أي: يبسطه اللَّه في السماء في أيِّ موضع يشاء، وعلى أيِّ قَدْرٍ يشاء، فيكون المطر في ذلك الموضعِ على ذلك القَدْر.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾: أي: ويجعل اللَّه السحابَ قطعًا يركَب بعضُه على بعضٍ حتى يَكْثف.
قرأ ابن عامر: ﴿كِسَفًا﴾ (^٢) ساكن السين، وقرأ الباقون بفتحها (^٣)، والواحدة: كِسْفةٌ، والجمع: كِسَف، بفتح السين وتسكينها.
_________________
(١) في (ر): "التسبب".
(٢) في (أ): "قرأ ابن عباس في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر". ولعل "ابن عباس" محرف عن (ابن عامر)، وانظر التعليق الآتي.
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٥٠٨)، و"التيسير" (ص: ١٧٥) عن ابن عامر من رواية ابن ذكوان، واختلف فيه عن هشام، وهما راويا ابن عامر. وقرأ بها من العشرة أبو جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣٠٩).
[ ١٢ / ٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: أي: المطرَ ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ أي: وسطِ السحاب مع كثافتة وغلظته.
وقيل: فيبسطه في السماء مرةً ويجعلُه كسَفًا مرة؛ أي: يجعله منبسطًا يأخذُ وجهَ السماء مرةً، ويجعله قطعًا متفرقةً غيرَ منبسطةٍ مرةً.
وقيل: فيه تقديم وتأخير: يجعله كسفًا -أي: قطعًا متراكمةً- ثم يبسطه في السماء كيف يشاء.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: فإذا أصاب بالودق مَن يشاء من عباده أن يصيبه به استبشروا (^١) به؛ أي: فرحوا فرحًا يظهر ذلك في بشرات وجوههم طمعًا في الخصب، ثم مع هذا الموقع إنهم (^٢) يشركون به غيره ممن لا يقدر على ذلك.
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾: أي: وما كانوا من قبلِ أن ينزَّل عليهم الودَقُ من قبلِ ظهور السحاب إلا مُكتئبين (^٣) باحتباسه عنهم اكتئابَ الآيس من الشيء، حتى يظهرُ ذلك في وجوههم.
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في
_________________
(١) في (ر): "إذا هم يستبشرون"، بدل: "استبشروا".
(٢) في (ر) و(ف): "أهم".
(٣) في (ر) و(ف): "مبلسين".
[ ١٢ / ٤٤ ]
رواية حفص (^١): ﴿إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ على الجمع (^٢)، وقرأ الباقون: ﴿إِلَى أَثَرِ﴾ على التوحيد، والمعنى واحد؛ لأن المراد: ما (^٣) أثَّر المطر، وهو يؤدي معنى الجمع، فانظر إلى آثار رحمة اللَّه.
﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: فانظروا بعقولكم إلى ما أثَّره المطر من إنبات العشب (^٤) وأصناف النبات كيف أحييتُ الأرض بذلك بعد أن كانت ميتة؛ أي: كيف اهتزَّت بعد أن كانت هامدةً، فاستدِلُّوا بذلك على أن الذي قدر على إحيائها يقدر على إحياء الموتى أيضًا لأنه قادرٌ على كل شيء.
* * *
(٥١) - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾: أي: ولئن أرسلنا ريحًا على ذلك مُفسدةً، فرأوا ما أثَّر المطر من الزرع قد اصفرَّ بتلك الريح المفسِدة، لظلُّوا من بعد استبشارهم يكفرون بربهم، وهو تعجيبٌ من جهلهم وخفَّةِ عقولهم في عبادتهم للَّه تعالى على شكٍّ؛ كما قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية [الحج: ١١].
وقيل: كانوا إذا استبطؤوا المطر سألوا اللَّه، فإذا حُبس عنهم كفروا باللَّه تعالى.
_________________
(١) في (أ): "قرأ ابن عباس وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص والمفصل"، ولعل الأول محرف عن (ابن عامر) والأخير محرف عن (المفضل). وانظر التعليق الآتي.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٠٨)، و"التيسير" (ص: ١٧٥)، عن ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص.
(٣) في (أ): "ماء" وليست في باقي النسخ، ولعل الصواب المثبت.
(٤) في (ف): "من الإنبات للعشب".
[ ١٢ / ٤٥ ]
(٥٢ - ٥٣) - ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾: يقول بعدما أقام الحجج وامتنع المشركون عن الإيمان: فإنك يا محمد لا يمكنك أن تُسمع مَن لا روح فيه من الأموات، وهؤلاء الكفار بمنزلةِ الأموات كما قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠]؛ أي: ولا يتهيأ لك إسماعُ الصم ما تدعوهم إليه إذا أعرضوا عنك وتباعَدوا عن السمع منك، وهؤلاء الكفار كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: أي: ولا يتهيَّأ لك يا محمد أن تهدي الأعمى إلى طريقٍ قد ضلَّ عنه بإشارةٍ منك له إليه مع ذهاب بصره.
﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: أي: ما يَسمع مواعظَ اللَّه إلا المؤمنون الذين فتح اللَّه تعالى على (^١) أسماعهم المصدِّقون بآيات اللَّه.
﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون منقادون لأحكام اللَّه.
* * *
(٥٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾: قرأ عاصم وحمزة بفتح (^٢) الضاد في جميعهن، والباقون بالضم،
_________________
(١) "على" من (ف).
(٢) في (أ): "قرأ حمزة وعاصم غير المفضل بنصب" وفي (ف): "قرأ عاصم وحمزة بنصب".
[ ١٢ / ٤٦ ]
وهو اختيار خلف وحفص (^١)، وعن عاصم (^٢) في رواية ضمُّ الأُوليين وفتح الثالثة (^٣).
وقيل: الضُّعف بالضم: ما كان أصلًا وبالفتح ما كان عارضًا (^٤).
يقول: اللَّه الذي خلقكم من نطفةٍ ضعيفةٍ كما قال تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨].
وقيل: أي: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ على صفةِ (^٥) ﴿ضَعْفٍ﴾ في الأوَّل وهي حالة الصغر والطفولية، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾؛ أي: حالةَ الشباب وبلوغِ الأشُدِّ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ وهي حالة الهرم، وقوله تعالى: ﴿وَشَيْبَةً﴾؛ أي: بياضَ شعر، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] فيعود في ضعفه وانقطاعه عن التصرُّف إلى مثل (^٦) ما كان عليه في حال طفوليته، فمَن قدِر على هذا (^٧) قدِر على إحياء الموتى، وكما يَردُّ الحيَّ في آخر حياته إلى أولِ (^٨) خلقه فغيرُ بعيدٍ أن يردَّه بعد موته إلى ما كان عليه في أول أمره.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٠٨)، و"التيسير" (ص: ١٧٥ - ١٧٦)، و"النشر" (٢/ ٣٤٥). قال الداني: روى حفص عن عاصم بفتح الضاد فيهنَّ، غير أنه ترك ذلك واختارَ الضَّم اتِّباعًا منه لروايةٍ حدثه بها الفضيل بن مرزوق عن عطيَّة العوفيّ عن عبد اللَّه بن عمر: أن النَّبي ﵇ أقرأه ذلك بالضمِّ وردَّ عليه الفتحَ وأباه، وعطية يضعَّف، وما رواه حفص عن عاصم عن أئمَّته أصح، وبالوجهين آخذ في روايته لأتابع عاصمًا على قراءته وأوافق حفصًا على اختياره.
(٢) في (ر) و(ف): "وعن عاصم بالضم في رواية وعنه" بدل: "وهو اختيار خلف وحفص وعن عاصم".
(٣) ذكرها الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٠٧).
(٤) في (ر): "أصليًّا. . عارضيًّا".
(٥) "صفة" من (أ).
(٦) "مثل" من (أ).
(٧) في (ر): "ذلك".
(٨) في (أ): "أصل".
[ ١٢ / ٤٧ ]
وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: من صِغَرٍ وكِبَرٍ، وضَعفٍ وقوةٍ، وشبابٍ وشَيبة ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح خلقه وبلوغِ مَن بلغ منهم الشبابَ والكهولةَ والهرمَ ومَن انقطع منهم قبل ذلك، والعليم بوقت البعث ﴿الْقَدِيرُ﴾ على كل شيء.
* * *
(٥٥) - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾: أي: يحلف هؤلاء المشركون المنكرون للبعث أنهم ما لبثوا في الدينا إلا ساعةً من نهار.
وقيل: أي: ما لبثوا في قبورهم إلا ساعة؛ أي: يستقلُّون مدةَ كونهم في القبور أو كونهم في الدنيا؛ لهول يوم القيامة وطولِ مقامهم في الآخرة وشدةِ العذاب فيها.
قال الإمام أبو منصور ﵀: يقولون: لم نلبث في الدنيا إلا ساعةً كيف عملنا فيها المعاصيَ؟! وهذا إنكارٌ منهم للذنوب (^١).
﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾: أي: يُصْرَفون في الدنيا عن الصِّدق إلى الكذب، وكانوا يحلفون على الكذب ويقولون: ما هي إلا حياتُنا الدنيا، ولا بعثَ ولا حسابَ ولا جزاء، فكذلك قالوا في الآخرة: ما لبثنا في الدنيا -أو: في قبورنا- إلا ساعة.
وقيل: أقسموا عليه لأنه كان عندهم كذلك، وكانوا عند أنفسهم صادقين، وذلك أنهم في الآخرة لا يتعمَّدون الكذب، ومعنى قوله: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يُصْرَفون عن الصواب فيقولون يوم القيامة ما لا يعلمون كما كانوا يقولون في الدنيا ما لا يعلمون، والتشبيه من هذا الوجه لا في تعمُّد الكذب.
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٢٩٢).
[ ١٢ / ٤٨ ]
(٥٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾: أي: قال المؤمنون بالبعث العالمون به للكفار: لقد لبثتُم إلى يوم البعث كما أخبر اللَّه تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فقد لبثتُم مدةً طويلة إلى أن حضَر يومُ البعث ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ كما أخبر اللَّه تعالى ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: لا تَرجعون إلى العلم ولا تتدبَّرون فكنتُم تُكذِّبون بالبعث كذلك.
وقيل: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: في حُكم اللَّه.
* * *
(٥٧ - ٥٨) - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: كفرُوا ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾: أي: عذرُهم.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: أي: لا يُطلب منهم الإعتابُ وهو الإرضاء؛ لأنَّه لا يُقبل فلا يطلب (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: في التنبيه (^٢) على التوحيد وعلى البعث وغير ذلك.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يطالب".
(٢) في (ف): "في الألسنة"، وليست في (ر).
[ ١٢ / ٤٩ ]
﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾: أي: بمعجزةٍ، أو آيةٍ من القرآن ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾: آتون بالباطل، لا يزيدون على الدعوى بعد إقامة البرهان منكم.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: فسَّرنا الطبع والختم في أول سورة البقرة، ومعناها هاهنا: كذلك يخذل اللَّه الذين لم ينظروا في أسباب العلم فلم يعلموا، وهذا في حق مَن علم اللَّه منهم اختيارَ الضلال، ودل ذلك على خلقِ الأفعال.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: ﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذاهم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بنصرك ﴿حَقٌّ﴾.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾: أي: ولا يَحملنَّك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفَّة والعجلة في الدعاء عليهم بالعذاب.
وقيل: أي: ولا يستفزَّنَّك هؤلاء ولا يُغضبُنَّك فتمتنعَ عن تبليغ الرسالة لذلك.
والحمدُ للَّه علَّامِ الغيوب، الذي ستَر علينا قبائحَ الذنوب، وأَسْبَلَ علينا ذيلَ فضله، ولم يفضحنا بين خلقِه، بسبب المعاصي والعيوب (^١).
* * *
_________________
(١) في (ف): "والذنوب". والكلام من قوله: "والحمد للَّه علام الغيوب. . . " إلى هنا ليس في (أ).
[ ١٢ / ٥٠ ]
سورة لقمان
[ ١٢ / ٥١ ]